{"ً":{"ٌ":96550,"ٍ":"صلاة المؤمن","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: صلاة المؤمن - مفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفية في ضوء الكتاب والسنة\nالمؤلف: د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني\nالناشر: مركز الدعوة والإرشاد، القصب\nالطبعة: الرابعة، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م\nعدد الأجزاء: ٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":150,"ٕ":19,"ٖ":1770154054,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"المبحث الأول: تعريف الطهارة وأنواعها","level":1,"page":6},{"title":"أولا: مفهوم الطهارة:","level":2,"page":6},{"title":"١ - الطهارة لغة:","level":3,"page":6},{"title":"٢ - شرعا:","level":3,"page":6},{"title":"ثانيا: الطهارة نوعان: معنوية وحسية:","level":2,"page":6},{"title":"النوع الأول: الطهارة الباطنة المعنوية","level":3,"page":6},{"title":"النوع الثاني: الطهارة الحسية:","level":3,"page":6},{"title":"ثالثا: تكون الطهارة بطهورين:","level":2,"page":7},{"title":"الأول: الطهارة بالماء","level":3,"page":7},{"title":"الثاني: الطهارة بالصعيد الطاهر","level":3,"page":8},{"title":"المبحث الثاني: أنواع النجاسات ووجوب تطهيرها أو زوالها","level":1,"page":9},{"title":"أولا: بول الآدمي وغائطه، ويكون تطهيره بالغسل والإزالة على النحو الآتي:","level":2,"page":9},{"title":"١ - تطهير بول الغلام والجارية","level":3,"page":9},{"title":"٢ - تطهير النعل يكون بالدلك في الأرض","level":3,"page":9},{"title":"٣ - تطهير ذيل ثوب المرأة:","level":3,"page":9},{"title":"٤ - تطهير الأرض والفراش","level":3,"page":10},{"title":"ثانيا: دم الحيض","level":2,"page":10},{"title":"ثالثا: ولوغ الكلب في الإناء","level":2,"page":10},{"title":"رابعا: الدم المسفوح ولحم الخنزير والميتة","level":2,"page":11},{"title":"وجلد الميتة - التي يؤكل لحمها في حياتها","level":3,"page":11},{"title":"أما ميتة الجراد والسمك","level":3,"page":12},{"title":"خامسا: الودي:","level":2,"page":12},{"title":"سادسا: المذي:","level":2,"page":12},{"title":"سابعا: المني:","level":2,"page":12},{"title":"ثامنا: الجلالة:","level":2,"page":13},{"title":"تاسعا: الفأرة:","level":2,"page":13},{"title":"عاشرا: بول وروث ما لا يؤكل لحمه نجس","level":2,"page":14},{"title":"أما بول وروث مأكول اللحم فطاهر","level":3,"page":14},{"title":"الحادي عشر: إذا كان في الثوب أو البدن أو البقعة نجاسة","level":2,"page":14},{"title":"١ - إذا ذكر ذلك وهو في الصلاة","level":3,"page":14},{"title":"٢ - إذا لم يستطع إزالتها أثناء الصلاة","level":3,"page":14},{"title":"٣ - إذا ذكر بعد الانصراف من الصلاة","level":3,"page":14},{"title":"الثاني عشر: الخمر","level":2,"page":15},{"title":"الثالث عشر: والخلاصة:","level":2,"page":16},{"title":"الرابع عشر: وجميع الأواني مباحة؛","level":2,"page":17},{"title":"المبحث الثالث: سنن الفطرة","level":1,"page":18},{"title":"١ - الختان:","level":2,"page":18},{"title":"٢ - حلق العانة","level":2,"page":19},{"title":"٣ - نتف الإبط","level":2,"page":19},{"title":"٤ - تقليم الأظفار","level":2,"page":19},{"title":"٥ - قص الشارب وهو واجب","level":2,"page":19},{"title":"٦ - إعفاء اللحية وهو واجب","level":2,"page":19},{"title":"٧ - السواك:","level":2,"page":20},{"title":"ويتأكد استحباب السواك في عدة أحوال:","level":3,"page":20},{"title":"الأول: عند الانتباه من النوم","level":4,"page":20},{"title":"الثاني: عند كل وضوء","level":4,"page":20},{"title":"الثالث: عند كل صلاة","level":4,"page":20},{"title":"الرابع: عند دخول المنزل","level":4,"page":21},{"title":"الخامس: عند تغير رائحة الفم أو طعمه، أو اصفرار لون الأسنان من طعام أو شراب","level":4,"page":21},{"title":"السادس: عند قراءة القرآن الكريم","level":4,"page":21},{"title":"السابع: قبل الخروج من البيت إلى الصلاة","level":4,"page":21},{"title":"ويستحب الاستياك على اللسان","level":5,"page":22},{"title":"٨ - غسل البراجم","level":2,"page":22},{"title":"٩ - الاستنشاق","level":2,"page":22},{"title":"١٠ - الاستنجاء أو الانتضاح","level":2,"page":22},{"title":"والفطرة فطرتان","level":3,"page":23},{"title":"المبحث الرابع: آداب قضاء الحاجة","level":1,"page":24},{"title":"١ - أن لا يستصحب ما فيه اسم الله تعالى","level":2,"page":24},{"title":"٢ - أن يبتعد عن الناس ويستتر عنهم","level":2,"page":24},{"title":"٣ - أن يقول عند الدخول في البنيان، وعند تشمير الثياب في الفضاء: بسم الله","level":2,"page":24},{"title":"٤ - أن لا يرفع ثوبه إذا كان خارج البنيان حتى يدنو من الأرض","level":2,"page":25},{"title":"٥ - أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها","level":2,"page":25},{"title":"٦ - أن يبتعد عن طرق الناس وظلهم، ومواردهم","level":2,"page":26},{"title":"٧ - أن يطلب مكانا لينا منخفضا ويحترز من البول","level":2,"page":26},{"title":"٨ - أن لا يتكلم وهو يقضي حاجته","level":2,"page":26},{"title":"٩ - أن لا يبول في الماء الراكد","level":2,"page":27},{"title":"١٠ - أن لا يغتسل في الماء الراكد وهو جنب","level":2,"page":27},{"title":"١١ - أن لا يبول في مستحمه الذي يغتسل فيه","level":2,"page":27},{"title":"١٢ - أن لا يمسك فرجه بيمينه ولا يستنجي بها","level":2,"page":27},{"title":"١٣ - أن لا يستجمر بروث ولا عظم","level":2,"page":27},{"title":"١٤ - إذا استجمر بالحجارة فلا بد أن يستجمر بثلاثة فأكثر","level":2,"page":28},{"title":"١٥ - أن لا يدخل يده في الإناء إذا كان مستيقظا من النوم حتى يغسلها ثلاثا","level":2,"page":28},{"title":"١٦ - أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة وجوبا بالماء، أو بالحجار","level":2,"page":28},{"title":"المرتبة الأولى: الاستجمار بالحجارة، ثم الاستنجاء بالماء هو الأكمل بدون مشقة أو ضرر","level":3,"page":29},{"title":"المرتبة الثانية: الاستنجاء بالماء وحده","level":3,"page":29},{"title":"المرتبة الثالثة: الاستجمار بالحجارة وحدها","level":3,"page":29},{"title":"١٧ - أن يقطع على وتر إذا استجمر بالحجارة وأنقى","level":2,"page":29},{"title":"١٨ - أن يدلك يده بالأرض بعد الاستنجاء ثم يغسلها","level":2,"page":29},{"title":"١٩ - أن ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة","level":2,"page":30},{"title":"٢٠ - أن لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق حاجته","level":2,"page":30},{"title":"٢١ - يستحب أن لا يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة، ولا المرأة بفضل طهور الرجل","level":2,"page":30},{"title":"٢٢ - أن يقدم رجله اليمنى عند خروجه من الخلاء ويقول: غفرانك","level":2,"page":31},{"title":"المبحث الخامس: الوضوء","level":1,"page":32},{"title":"١ - ما يجب له الوضوء:","level":2,"page":32},{"title":"الأول: الصلاة مطلقا","level":3,"page":32},{"title":"الثاني: الطواف بالبيت","level":3,"page":32},{"title":"الثالث: مس المصحف","level":3,"page":33},{"title":"٢ - فضل الوضوء:","level":2,"page":33},{"title":"٣ - صفة الوضوء الكامل وكيفيته:","level":2,"page":34},{"title":"١ - ينوي الوضوء بقلبه","level":3,"page":34},{"title":"٢ - يقول: بسم الله","level":3,"page":35},{"title":"٣ - يغسل كفيه ثلاث مرات","level":3,"page":35},{"title":"٤ - يتمضمض ويستنشق من كف واحد بيده اليمنى، ويستنثر بيده اليسرى","level":3,"page":35},{"title":"٥ - يغسل وجهه ثلاث مرات من الأذن إلى الأذن عرضا، ومن منابت شعر الرأس إلى أسفل؛","level":3,"page":35},{"title":"٦ - يغسل يده اليمنى ثلاث مرات من رؤوس الأصابع إلى المرفق","level":3,"page":36},{"title":"٧ - يمسح رأسه مرة واحدة","level":3,"page":36},{"title":"٨ - يغسل رجله اليمنى ثلاث مرات من رؤوس الأصابع إلى الكعب","level":3,"page":36},{"title":"٩ - ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله","level":3,"page":37},{"title":"١٠ - من توضأ مثل هذا الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم","level":3,"page":37},{"title":"٤ - فروض الوضوء وأركانه:","level":2,"page":37},{"title":"أولا: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق والاستنثار","level":3,"page":38},{"title":"ثانيا: غسل اليدين إلى المرفقين","level":3,"page":38},{"title":"ثالثا: مسح الرأس كله ومنه الأذنان","level":3,"page":38},{"title":"الصفة الأولى: مسح جميع الرأس","level":4,"page":38},{"title":"الصفة الثانية: المسح على العمامة المحنكة وحدها","level":4,"page":39},{"title":"الصفة الثالثة: المسح على الناصية والعمامة المحنكة","level":4,"page":39},{"title":"رابعا: غسل الرجلين إلى الكعبين، مع العناية بالعقبين","level":3,"page":39},{"title":"خامسا: الترتيب","level":3,"page":39},{"title":"سادسا: الموالاة","level":3,"page":40},{"title":"٥ - شروط الوضوء:","level":2,"page":40},{"title":"٦ - سنن الوضوء:","level":2,"page":40},{"title":"أولا: السواك","level":3,"page":40},{"title":"ثانيا: غسل الكفين في أول الوضوء","level":3,"page":40},{"title":"ثالثا: الدلك","level":3,"page":41},{"title":"رابعا: تثليث الغسل في الوضوء","level":3,"page":41},{"title":"خامسا: الدعاء بعد الوضوء؛","level":3,"page":41},{"title":"سادسا: صلاة ركعتين بعد الوضوء","level":3,"page":41},{"title":"سابعا: الاعتدال في الوضوء مع الإسباغ","level":3,"page":41},{"title":"٧ـ نواقص الوضوء:","level":2,"page":43},{"title":"١ - الخارج من السبيلين:","level":3,"page":43},{"title":"٢ - خروج النجاسة من بقية البدن","level":3,"page":44},{"title":"٣ - زوال العقل بنوم أو غيره","level":3,"page":44},{"title":"٤ - مس الفرج باليد قبلا كان أو دبرا من غير حائل","level":3,"page":44},{"title":"٥ - أكل لحم الإبل","level":3,"page":45},{"title":"٦ - الردة عن الإسلام","level":3,"page":45},{"title":"أما غسل الميت فالصحيح أنه لا ينقض الوضوء وهو قول أكثر أهل العلم","level":4,"page":45},{"title":"وهكذا مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا","level":4,"page":45},{"title":"٨ - الأمور التي يستحب لها الوضوء:","level":2,"page":46},{"title":"١ - عند ذكر الله تعالى ودعائه","level":3,"page":46},{"title":"٢ - الوضوء عند النوم","level":3,"page":46},{"title":"٣ - الوضوء عند كل حدث","level":3,"page":46},{"title":"٤ - الوضوء عند كل صلاة","level":3,"page":46},{"title":"٥ - الوضوء من حمل الميت","level":3,"page":47},{"title":"٦ - الوضوء من القيء","level":3,"page":47},{"title":"٧ - الوضوء مما مست النار","level":3,"page":47},{"title":"٨ - الوضوء للجنب إذا أراد الأكل","level":3,"page":47},{"title":"٩ - الوضوء لمعاودة الجماع","level":3,"page":48},{"title":"١٠ - الوضوء للجنب إذا نام دون اغتسال","level":3,"page":48},{"title":"إحداها أن ينام من غير وضوء ولا غسل وهذه مكروه","level":4,"page":48},{"title":"الحالة الثانية: يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، وهذا لا بأس به","level":4,"page":48},{"title":"الحالة الثالثة: أن يتوضأ ويغتسل، وهذا هو الأكمل","level":4,"page":48},{"title":"المبحث السادس: المسح على الخفين والعمائم والجبيرة","level":1,"page":49},{"title":"أولا: حكم المسح على الخفين:","level":2,"page":49},{"title":"ثانيا: شروط المسح على الخفين وما في معناهما:","level":2,"page":50},{"title":"١ - أن يلبسهما على طهارة","level":3,"page":50},{"title":"٢ - أن يكون المسح في الحدث الأصغر","level":3,"page":50},{"title":"٣ - أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعا وهو يوم وليلة للمقيم","level":3,"page":50},{"title":"٤ - أن يكون الخفان أو الجوربان أو العمامة طاهرة","level":3,"page":51},{"title":"٥ - أن يكون ساترا لمحل الفرض، وأن يكون صفيقا لا يصف البشرة","level":3,"page":52},{"title":"٦ - أن يكون مباحا لا مغصوبا، ولا حريرا لرجل، ولا مسروقا","level":3,"page":52},{"title":"٧ - أن لا ينزع بعد المسح قبل انقضاء المدة","level":3,"page":52},{"title":"ثالثا: مبطلات المسح:","level":2,"page":53},{"title":"١ - إذا حدث ما يوجب الغسل كالجنابة بطل المسح","level":3,"page":53},{"title":"٢ - إذا خلع الخفين أو ما في معناهما بعد المسح عليهما بطل وضوؤه","level":3,"page":53},{"title":"٣ - إذا انقضت المدة المعتبرة شرعا بطل المسح","level":3,"page":53},{"title":"رابعا: كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم:","level":2,"page":53},{"title":"أما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فهو على صفتين:","level":3,"page":54},{"title":"الصفة الأولى: المسح على العمامة المحنكة والخمار المحنك","level":4,"page":54},{"title":"الصفة الثانية: المسح على الناصية والتكميل على العمامة أو الخمار","level":4,"page":54},{"title":"خامسا: المسح على الجبائر:","level":2,"page":55},{"title":"١ - لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك","level":3,"page":55},{"title":"٢ - يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء","level":3,"page":55},{"title":"٣ - يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدر بقدرها","level":3,"page":55},{"title":"٤ - يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف","level":3,"page":55},{"title":"٥ - لا يشترط تقدم الطهارة على شدها على القول الراجح بخلاف الخف","level":3,"page":55},{"title":"٦ - الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرجل","level":3,"page":55},{"title":"سادسا: كيفية المسح على الجبائر:","level":2,"page":56},{"title":"المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفا ولا يضره الغسل، فيجب غسله","level":3,"page":56},{"title":"المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفا ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه","level":3,"page":56},{"title":"المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفا ويضره الغسل والمسح","level":3,"page":56},{"title":"المرتبة الرابعة: أن يكون مستورا بجبس، أو لزقة، أو جبيرة","level":3,"page":56},{"title":"المبحث السابع: الغسل","level":1,"page":57},{"title":"أولا: موجبات الغسل:","level":2,"page":57},{"title":"١ - خروج المني دفقا بلذة","level":3,"page":57},{"title":"والنائم إذا استيقظ من نومه فوجد بللا فلا يخلو من ثلاث حالات:","level":4,"page":57},{"title":"الأولى: أن يتيقن أنه مني","level":5,"page":57},{"title":"الحالة الثانية: أن يتيقن أنه ليس بمني","level":5,"page":58},{"title":"الحالة الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا","level":5,"page":58},{"title":"الأمر الأول: أن يذكر أنه قد لاعب أهله أو فكر في الجماع","level":6,"page":58},{"title":"الأمر الثاني: أن لا يسبقه تفكير في الجماع ولا ملاعبة لأهله:","level":6,"page":58},{"title":"القول الأول: يجب أن يغتسل","level":7,"page":58},{"title":"القول الثاني: لا يجب عليه أن يغتسل","level":7,"page":58},{"title":"٢ - التقاء الختانين","level":3,"page":58},{"title":"٣ - إسلام الكافر سواء كان أصليا أو مرتدا","level":3,"page":59},{"title":"٤ - موت المسلم غير شهيد المعركة","level":3,"page":60},{"title":"٥ - الحيض، وانقطاع الحيض شرط لصحة الغسل","level":3,"page":60},{"title":"٦ - النفاس، وانقطاع دم النفاس شرط لصحة الاغتسال","level":3,"page":60},{"title":"ثانيا: ما يمنع منه الجنب:","level":2,"page":61},{"title":"١ - الصلاة","level":3,"page":61},{"title":"٢ - الطواف بالبيت الحرام","level":3,"page":61},{"title":"٣ - مس المصحف","level":3,"page":61},{"title":"٤ - قراءة القرآن الكريم","level":3,"page":61},{"title":"٥ - المكث في المسجد","level":3,"page":62},{"title":"ثالثا: شروط الغسل:","level":2,"page":64},{"title":"رابعا: صفة الغسل الكامل وكيفيته:","level":2,"page":64},{"title":"١ - ينوي الغسل الكامل لرفع الحدث الأكبر والأصغر بقلبه","level":3,"page":64},{"title":"٢ - يسمي الله فيقول: بسم الله","level":3,"page":64},{"title":"٣ - يبدأ فيغسل كفيه ثلاثا","level":3,"page":64},{"title":"٤ - يغسل فرجه بشماله، ويزيل ما به من أذى","level":3,"page":64},{"title":"٥ - يضرب بشماله الأرض ويمسحها بالتراب الطاهر","level":3,"page":64},{"title":"٦ - يتوضأ وضوءا كاملا كما يتوضأ للصلاة","level":3,"page":65},{"title":"٧ - يدخل أصابعه في الماء، ثم يخلل شعره حتى يروي بشرته","level":3,"page":65},{"title":"٨ - يفيض الماء على سائر جسده","level":3,"page":66},{"title":"٩ - يتحول فينتقل من مكانه فيغسل قدميه","level":3,"page":66},{"title":"خامسا: الأغسال المستحبة:","level":2,"page":67},{"title":"١ - غسل يوم الجمعة","level":3,"page":67},{"title":"٢ - غسل الإحرام","level":3,"page":69},{"title":"٣ - الاغتسال عند دخول مكة","level":3,"page":69},{"title":"٤ - الاغتسال لكل جماع","level":3,"page":69},{"title":"٥ - الاغتسال من غسل الميت","level":3,"page":69},{"title":"٦ - الاغتسال من دفن المشرك","level":3,"page":70},{"title":"٧ - الاغتسال للمستحاضة لكل صلاة","level":3,"page":70},{"title":"٨ - الاغتسال من الإغماء","level":3,"page":71},{"title":"٩ - الاغتسال من الحجامة","level":3,"page":71},{"title":"١٠ - غسل الكافر إذا أسلم عند من يقول باستحبابه","level":3,"page":72},{"title":"١١ - غسل العيدين","level":3,"page":72},{"title":"١٢ - غسل يوم عرفة","level":3,"page":72},{"title":"المبحث الثامن: التيمم","level":1,"page":73},{"title":"أولا: حكمه:","level":2,"page":73},{"title":"والمسلمون لهم طهارتان: طهارة بالماء، وطهارة بالتيمم","level":3,"page":73},{"title":"ثانيا: من يجوز له التيمم؟","level":2,"page":74},{"title":"١ - إذا لم يجد الماء","level":3,"page":74},{"title":"٢ - إذا لم يجد من الماء ما يكفيه في وضوئه أو غسله","level":3,"page":74},{"title":"٣ - إذا كان الماء شديد البرودة","level":3,"page":74},{"title":"٤ - إذا كان به جراحة أو مرض إذا استعمل الماء زاد المرض أو تأخر الشفاء","level":3,"page":75},{"title":"٥ - إذا حال بينه وبين الماء عدو، أو حريق، أو لصوص","level":3,"page":75},{"title":"٦ - إذا خاف العطش والهلاك حبس الماء وتيمم","level":3,"page":76},{"title":"والخلاصة","level":3,"page":76},{"title":"ثالثا: كيفية التيمم وصفته:","level":2,"page":76},{"title":"١ - ينوي؛","level":3,"page":76},{"title":"٢ - يسمي الله","level":3,"page":76},{"title":"٣ - يضرب بكفيه الصعيد","level":3,"page":76},{"title":"رابعا: نواقض التيمم ومبطلاته:","level":2,"page":77},{"title":"١ - ينقض التيمم ويبطله ما ينقض الوضوء","level":3,"page":77},{"title":"٢ - وينقض التيمم وجود الماء","level":3,"page":77},{"title":"خامسا: فاقد الطهورين: الماء والتراب:","level":2,"page":78},{"title":"سادسا: من تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت:","level":2,"page":78},{"title":"المبحث التاسع: الحيض والنفاس والاستحاضة والسلس","level":1,"page":80},{"title":"المطلب الأول: الحيض","level":2,"page":80},{"title":"أولا: تعريفه","level":3,"page":80},{"title":"الحيض في اللغة","level":4,"page":80},{"title":"وشرعا","level":4,"page":80},{"title":"ثانيا: حكمته","level":3,"page":80},{"title":"ثالثا: لون دم الحيض","level":3,"page":80},{"title":"١ - السواد","level":4,"page":80},{"title":"٢ - الحمرة","level":4,"page":81},{"title":"٣ - الصفرة","level":4,"page":81},{"title":"٤ - الكدرة:","level":4,"page":81},{"title":"رابعا: زمن الحيض ومدته","level":3,"page":82},{"title":"١ - السن الذي تحيض فيه الصغيرة:","level":4,"page":82},{"title":"٢ - مدة الحيض ومقدار زمنه","level":4,"page":82},{"title":"خامسا: أحكام الحيض:","level":3,"page":83},{"title":"١ - ما يمنع الحيض:","level":4,"page":83},{"title":"الأول: الصلاة","level":5,"page":83},{"title":"أما إذا أدركت المرأة وقت الصلاة","level":6,"page":84},{"title":"القول الأول: يجب عليها القضاء","level":7,"page":84},{"title":"القول الثاني: لا يجب على المرأة قضاء الصلاة مطلقا","level":7,"page":85},{"title":"والراجح والصواب من هذه الأقوال","level":7,"page":86},{"title":"الثاني: الصوم","level":5,"page":86},{"title":"الثالث: الطواف بالبيت الحرام","level":5,"page":86},{"title":"الرابع: مس المصحف","level":5,"page":87},{"title":"الخامس: الجلوس في المسجد واللبث فيه","level":5,"page":88},{"title":"السادس: الوطء في الفرج","level":5,"page":88},{"title":"السابع: الطلاق","level":5,"page":89},{"title":"الثامن: الاعتداد بالأشهر","level":5,"page":90},{"title":"ثانيا: ما يباح مع الحائض والنفساء:","level":4,"page":90},{"title":"الأول: المباشرة فيما دون الفرج","level":5,"page":90},{"title":"الحالة الأولى: الجماع","level":6,"page":91},{"title":"الحالة الثانية: الاستمتاع بها فوق الإزار","level":6,"page":91},{"title":"الحالة الثالثة: ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة، وهذا محل خلاف","level":6,"page":91},{"title":"الثاني: الأكل والشرب معها","level":5,"page":92},{"title":"الثالث: إباحة بل استحباب خروج الحائض في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة والخير ودعوة المسلمين","level":5,"page":92},{"title":"الرابع: جواز قراءة الرجل وهو في حجر امرأته وهي حائض","level":5,"page":92},{"title":"الخامس: غسل الحائض رأس زوجها وترجيله","level":5,"page":93},{"title":"السادس: تعمل جميع العبادات ما عدا ما تقدم","level":5,"page":93},{"title":"ثالثا: علامة الطهر:","level":4,"page":93},{"title":"العلامة الأولى: القصة البيضاء","level":5,"page":93},{"title":"العلامة الثانية: الجفوف","level":5,"page":93},{"title":"المطلب الثاني: النفاس","level":2,"page":94},{"title":"أولا: تعريفه","level":3,"page":94},{"title":"ثانيا: الفرق بين دم النفاس ودم الحيض:","level":3,"page":94},{"title":"ثالثا: أحكام النفاس","level":3,"page":94},{"title":"١ - العدة","level":4,"page":94},{"title":"٢ - مدة الإيلاء","level":4,"page":94},{"title":"٣ - البلوغ","level":4,"page":94},{"title":"٤ - دم الحيض يأتي في أوقات معلومة من الشهر","level":4,"page":94},{"title":"رابعا: أقل النفاس وأكثره","level":3,"page":95},{"title":"المطلب الثالث: الاستحاضة","level":2,"page":95},{"title":"أولا: تعريف الاستحاضة","level":3,"page":95},{"title":"ثانيا: الفرق بين دم الاستحاضة والحيض","level":3,"page":96},{"title":"١ - دم الحيض أسود غليظ","level":4,"page":96},{"title":"٢ - دم الحيض يخرج من أقصى الرحم","level":4,"page":96},{"title":"٣ - دم الحيض دم صحة وطبيعة","level":4,"page":96},{"title":"ثالثا: أحوال المستحاضة:","level":3,"page":96},{"title":"الحالة الأولى: أن تكون مدة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة","level":4,"page":96},{"title":"الحالة الثانية: أن لا يكون لها عادة، بحيث لا يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة","level":4,"page":97},{"title":"الحالة الثالثة: أن لا يكون لها أيام حيض معلومة، ولا يكون لها تمييز صالح","level":4,"page":97},{"title":"رابعا: أحكام الاستحاضة:","level":3,"page":98},{"title":"١ - لا يجب عليها الغسل لوقت من الأوقات إلا مرة واحدة","level":4,"page":99},{"title":"٢ - وجوب الوضوء عليها لوقت كل صلاة","level":4,"page":99},{"title":"٣ - إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم","level":4,"page":99},{"title":"٤ - الجمع الصوري، فيجوز للمستحاضة الجمع الصوري","level":4,"page":100},{"title":"خامسا: استحاضة الحامل أو حيضها:","level":3,"page":100},{"title":"المطلب الرابع: أحكام السلس","level":2,"page":101},{"title":"١ - المصاب المبتلى بسلس البول المستمر الذي لا ينقطع","level":3,"page":101},{"title":"٢ - وصاحب الريح المستمرة التي لا تنقطع","level":3,"page":101},{"title":"٣ - وصاحب المذي المستمر الذي لا ينقطع","level":3,"page":101},{"title":"المبحث العاشر: مفهوم الصلاة","level":1,"page":103},{"title":"المبحث الحادي عشر: حكم الصلاة","level":1,"page":105},{"title":"المبحث الثاني عشر: منزلة الصلاة في الإسلام","level":1,"page":107},{"title":"١ - الصلاة عماد الدين الذي لا يقوم إلا به","level":2,"page":107},{"title":"٢ - أول ما يحاسب عليه العبد من عمله","level":2,"page":107},{"title":"٣ - آخر ما يفقد من الدين","level":2,"page":108},{"title":"٤ - آخر وصية أوصى بها النبي - ﷺ - أمته","level":2,"page":108},{"title":"٥ - مدح الله القائمين بها ومن أمر بها أهله","level":2,"page":108},{"title":"٦ - ذم الله المضيعين لها والمتكاسلين عنها","level":2,"page":109},{"title":"٧ - أعظم أركان الإسلام ودعائمه العظام بعد الشهادتين","level":2,"page":109},{"title":"٨ - مما يدل على عظم شأنها أن الله لم يفرضها في الأرض بواسطة جبريل","level":2,"page":109},{"title":"٩ - فرضت خمسين صلاة","level":2,"page":109},{"title":"١٠ - افتتح الله أعمال المفلحين بالصلاة واختتمها بها","level":2,"page":109},{"title":"١١ - أمر الله النبي محمدا - ﷺ - وأتباعه أن يأمروا بها أهليهم","level":2,"page":110},{"title":"١٢ - أمر النائم والناسي بقضاء الصلاة، وهذا يؤكد أهميتها","level":2,"page":110},{"title":"المبحث الثالث عشر: خصائص الصلاة في الإسلام","level":1,"page":111},{"title":"١ - سمى الله الصلاة إيمانا","level":2,"page":111},{"title":"٢ - خصها بالذكر تمييزا لها من بين شرائع الإسلام","level":2,"page":111},{"title":"٣ - قرنت في القرآن الكريم بكثير من العبادات","level":2,"page":111},{"title":"٤ - أمر الله نبيه - ﷺ - أن يصطبر عليها","level":2,"page":111},{"title":"٥ - أوجبها الله على كل حال","level":2,"page":112},{"title":"٦ - اشترط الله لها أكمل الأحوال","level":2,"page":112},{"title":"٧ - استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان","level":2,"page":112},{"title":"٩ - هي دين الله الذي يدين به أهل السموات والأرض","level":2,"page":112},{"title":"١٠ - قرنت بالتصديق","level":2,"page":112},{"title":"المبحث الرابع عشر: حكم تارك الصلاة","level":1,"page":113},{"title":"المبحث الخامس عشر: فضل الصلاة","level":1,"page":115},{"title":"١ـ تنهى عن الفحشاء والمنكر","level":2,"page":115},{"title":"٢ - أفضل الأعمال بعد الشهادتين","level":2,"page":115},{"title":"٣ - تغسل الخطايا","level":2,"page":115},{"title":"٤ - تكفر السيئات","level":2,"page":115},{"title":"٥ - نور لصاحبها في الدنيا والآخرة","level":2,"page":115},{"title":"٦ - يرفع الله بها الدرجات، ويحط الخطايا","level":2,"page":116},{"title":"٧ - من أعظم أسباب دخول الجنة برفقة النبي - ﷺ -","level":2,"page":116},{"title":"٨ - المشي إليها تكتب به الحسنات وترفع الدرجات وتحط الخطايا","level":2,"page":116},{"title":"٩ - تعد الضيافة في الجنة بها كلما غدا إليها المسلم أو راح","level":2,"page":117},{"title":"١٠ - يغفر الله بها الذنوب فيما بينها وبين الصلاة التي تليها","level":2,"page":117},{"title":"١١ - تكفر ما قبلها من الذنوب","level":2,"page":117},{"title":"١٢ - تصلي الملائكة على صاحبها ما دام في مصلاه","level":2,"page":117},{"title":"١٣ - انتظارها رباط في سبيل الله","level":2,"page":118},{"title":"١٤ - أجر من خرج إليها كأجر الحاج المحرم","level":2,"page":118},{"title":"١٥ - من سبق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها","level":2,"page":118},{"title":"١٦ - إذا تطهر وخرج إليها فهو في صلاة حتى يرجع","level":2,"page":119},{"title":"المبحث السادس عشر: الأذان والإقامة","level":1,"page":120},{"title":"أولا: مفهوم الأذان والإقامة، وحكمهما:","level":2,"page":120},{"title":"١ - الأذان في اللغة","level":3,"page":120},{"title":"والأذان في الشرع","level":4,"page":120},{"title":"٢ـ الإقامة في اللغة","level":3,"page":120},{"title":"٣ـ الأذان والإقامة فرضا كفاية","level":3,"page":120},{"title":"ثانيا: فضائل الأذان:","level":2,"page":121},{"title":"١ - المنادي من الدعاة إلى الله،","level":3,"page":121},{"title":"٢ - المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة","level":3,"page":121},{"title":"٣ - يطرد الشيطان","level":3,"page":122},{"title":"٤ - لو يعلم الناس ما في النداء لاستهموا عليه","level":3,"page":122},{"title":"٥ - لا يسمع صوت المؤذن شيء إلا شهد له","level":3,"page":122},{"title":"٦ - يغفر للمؤذن مدى صوته وله مثل أجر من صلى معه","level":3,"page":122},{"title":"٧ - دعاء النبي - ﷺ - له بالمغفرة","level":3,"page":123},{"title":"٨ - الأذان تغفر به الذنوب ويدخل الجنة","level":3,"page":123},{"title":"٩ - من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة","level":3,"page":123},{"title":"١٠ - المؤذن خيار عباد الله","level":3,"page":124},{"title":"١١ - المؤذن إذا أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه","level":3,"page":124},{"title":"ثالثا: صفة الأذان والإقامة:","level":2,"page":124},{"title":"الأذان الذي استمر عليه بلال بين يدي رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":124},{"title":"ويقول في أذان الفجر بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم","level":3,"page":125},{"title":"رابعا: آداب المؤذن:","level":2,"page":126},{"title":"ويكون المؤذن متطهرا","level":3,"page":126},{"title":"ويؤذن في أول الوقت","level":3,"page":127},{"title":"خامسا: الأذان المشروع قبل الفجر وحكمه:","level":2,"page":128},{"title":"الأذان الأول قبل الفجر مشروع","level":3,"page":128},{"title":"ولابد - على الصحيح - أن يكون هناك من يؤذن إذا طلع الفجر","level":3,"page":128},{"title":"والصواب أن يقول المؤذن","level":3,"page":129},{"title":"سادسا: شروط المؤذن والأذان:","level":2,"page":130},{"title":"١ - أن يكون الأذان مرتبا","level":3,"page":130},{"title":"٢ - أن يكون متواليا","level":3,"page":130},{"title":"٣ - أن يكون بعد دخول وقت الصلاة","level":3,"page":130},{"title":"٤ - أن لا يكون فيه لحن يغير ويحيل المعنى","level":3,"page":130},{"title":"٥ - رفع الصوت بالأذان","level":3,"page":131},{"title":"٦ - أن يكون الأذان على العدد الذي جاءت به السنة بلا زيادة ولا نقص","level":3,"page":131},{"title":"٧ - أن يكون الأذان من واحد","level":3,"page":131},{"title":"٨ - أن يكون الأذان بنية من المؤذن","level":3,"page":131},{"title":"٩ - أن يكون المؤذن مسلما","level":3,"page":131},{"title":"١٠ - أن يكون المؤذن مميزا","level":3,"page":131},{"title":"١١ - أن يكون عاقلا","level":3,"page":132},{"title":"١٢ - أن يكون ذكرا","level":3,"page":132},{"title":"١٣ - أن يكون عدلا","level":3,"page":132},{"title":"سابعا: مشروعية الأذان والإقامة للجمع وقضاء الفوائت:","level":2,"page":132},{"title":"١ - من جمع بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في السفر أو في الحضر عند المطر","level":3,"page":132},{"title":"٢ - من قضى فوائت فإنه يؤذن مرة واحدة، ويقيم لكل فريضة","level":3,"page":133},{"title":"ثامنا: أنواع إجابة النداء:","level":2,"page":134},{"title":"النوع الأول: يقول السامع مثل ما يقول المؤذن","level":3,"page":134},{"title":"النوع الثاني: يقول عقب تشهد المؤذن","level":3,"page":134},{"title":"النوع الثالث: يصلي على النبي - ﷺ - بعد فراغه من إجابة المؤذن","level":3,"page":135},{"title":"النوع الرابع: يقول بعد صلاته على النبي - ﷺ - ما ثبت","level":3,"page":135},{"title":"النوع الخامس: يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله","level":3,"page":135},{"title":"تاسعا: فضائل إجابة المؤذن","level":2,"page":136},{"title":"١ - مجيب المؤذن من الشهداء على الخير","level":3,"page":136},{"title":"٢ - مجيب المؤذن من قلبه يدخله الله الجنة","level":3,"page":136},{"title":"٣ - إجابة المؤذن يغفر الله بها الذنوب","level":3,"page":136},{"title":"٥ - من سأل الله تعالى الوسيلة للنبي - ﷺ - بعد الأذان، حلت له شفاعته، ووجبت له، ونالته","level":3,"page":137},{"title":"٦ - من سأل الله تعالى للنبي - ﷺ -: أن يبعثه مقاما محمودا وجبت له شفاعة النبي - ﷺ -","level":3,"page":137},{"title":"٧ - ثواب من قال مثل ما يقول المؤذن يقينا","level":3,"page":137},{"title":"٨ - إجابة دعوة مجيب المؤذن","level":3,"page":138},{"title":"٩ - لا يرد الدعاء عند النداء","level":3,"page":138},{"title":"١٠ - الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة","level":3,"page":138},{"title":"١١ - مجيب المؤذن متبع للنبي - ﷺ - في هذه السنة العظيمة","level":3,"page":138},{"title":"١٢ - مجيب المؤذن يرجو الله واليوم الآخر، ويذكر الله كثيرا","level":3,"page":138},{"title":"١٣ - فضل الله تعالى ورحمته على عباده","level":3,"page":139},{"title":"عاشرا: فوائد إجابة النداء","level":2,"page":139},{"title":"الحادي عشر: أحكام إجابة المؤذن","level":2,"page":144},{"title":"١ - إجابة المؤذن مستحبة بإجماع أهل العلم","level":3,"page":144},{"title":"٢ - إجابة المؤذن سنة قولية كما تقدم","level":3,"page":147},{"title":"٣ - حرص السلف على اتباع السنة في إجابة المؤذن اقتداء برسول الله - ﷺ -","level":3,"page":148},{"title":"٤ - استحباب قول سامع المؤذن مثل ما يقول إلا في الحيعلتين","level":3,"page":148},{"title":"٦ - استحباب سؤال الله الوسيلة للنبي - ﷺ - بعد قول: اللهم رب هذه الدعوة التامة","level":3,"page":148},{"title":"٧ - يستحب أن يقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن منها","level":3,"page":148},{"title":"٨ - استحباب قول السامع بعد الشهادتين: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له","level":3,"page":148},{"title":"٩ - يستحب لمن رغب غيره في خير أن يذكر له شيئا من دلائله","level":3,"page":149},{"title":"١٠ - يستحب إجابة المؤذن لكل من سمعه","level":3,"page":149},{"title":"١١ - ظاهر اختصاص الإجابة بمن يسمع، حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلا في الوقت","level":3,"page":149},{"title":"١٢ - الظاهر من قوله في الحديث: فقولوا التعبد بالقول","level":3,"page":149},{"title":"١٣ - إذا سمع الأذان وهو في قراءة، أو تسبيح، قطع ما هو فيه","level":3,"page":149},{"title":"١٤ - يستحب متابعة المؤذن في الإقامة","level":3,"page":150},{"title":"١٥ - يستحب إذا قال المؤذن في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم","level":3,"page":150},{"title":"١٦ - يستحب إذا دخل المسجد فسمع المؤذن: أن ينتظر ويجيب المؤذن","level":3,"page":151},{"title":"١٧ - إجابة المؤذن والترديد معه في المذياع سنة","level":3,"page":152},{"title":"١٨ - لا بأس أن يسمع مجيب المؤذن من حوله؛ ليقتدي به","level":3,"page":152},{"title":"١٩ - إجابة مؤذن ثان وثالث مستحبة","level":3,"page":152},{"title":"٢٠ - إذا لم يسمع إلا بعض الأذان","level":3,"page":155},{"title":"٢١ - إجابة النداء سنة قولية وفعلية مؤكدة، عمل بها: الصحابة","level":3,"page":156},{"title":"الثاني عشر: حكم الخروج من المسجد بعد الأذان:","level":2,"page":156},{"title":"الثالث عشر: كم بين الأذان والإقامة:","level":2,"page":157},{"title":"المبحث السابع عشر: شروط الصلاة","level":1,"page":159},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":2,"page":159},{"title":"الشرط الثاني: العقل","level":2,"page":159},{"title":"الشرط الثالث: التمييز","level":2,"page":160},{"title":"الشرط الرابع: رفع الحدث","level":2,"page":160},{"title":"الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث: من البدن، والثوب، والبقعة","level":2,"page":161},{"title":"الشرط السادس: ستر العورة مع القدرة بشيء لا يصف البشرة","level":2,"page":162},{"title":"الشرط السابع: دخول الوقت","level":2,"page":164},{"title":"أما أوقات الصلوات الخمس تفصيلا فعلى النحو الآتي:","level":3,"page":165},{"title":"١ - وقت الظهر","level":4,"page":165},{"title":"الحال الأولى في صلاة العشاء إذا تأخر الناس حتى يجتمعوا","level":5,"page":166},{"title":"الحال الثانية في الظهر إذا اشتد الحر","level":5,"page":166},{"title":"٢ - وقت العصر من خروج وقت الظهر","level":4,"page":166},{"title":"٣ - وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر","level":4,"page":167},{"title":"٤ـ وقت صلاة العشاء من غروب الشفق الأحمر إلى نصف الليل الأوسط","level":4,"page":169},{"title":"٥ - وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الأبيض الصادق","level":4,"page":170},{"title":"أما الحائض فلا قضاء عليها إلا في حالتين:","level":3,"page":172},{"title":"الحالة الأولى: إذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر","level":4,"page":172},{"title":"الحالة الثانية: إذا أدركت المرأة وقت الصلاة ثم حاضت قبل أن تصلي","level":4,"page":173},{"title":"ويقضي الصلوات الفائتة على حالها الذي فاتت عليه","level":5,"page":173},{"title":"الشرط الثامن: استقبال القبلة","level":2,"page":174},{"title":"الحالة الأولى: إذا اجتهد في استقبال القبلة طاقته ثم صلى فأخطأ","level":3,"page":175},{"title":"الحالة الثانية: عند العجز","level":3,"page":176},{"title":"الحالة الثالثة: عند اشتداد الخوف على النفس أو المال","level":3,"page":176},{"title":"الحالة الرابعة: صلاة النفل على الراحلة","level":3,"page":176},{"title":"الشرط التاسع: النية ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة","level":2,"page":177},{"title":"المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة","level":1,"page":179},{"title":"١ - يسبغ الوضوء وهو أن يتوضأ كما أمره الله - ﷿ -","level":2,"page":179},{"title":"٢ - يتوجه إلى القبلة، وهي الكعبة","level":2,"page":179},{"title":"٣ - يجعل له سترة يصلي إليها إن كان إماما أو منفردا","level":2,"page":180},{"title":"٤ - يكبر تكبيرة الإحرام، قائما، قاصدا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها","level":2,"page":181},{"title":"الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه ثم كبر","level":3,"page":182},{"title":"الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - كبر ثم رفع يديه","level":3,"page":182},{"title":"الوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه","level":3,"page":183},{"title":"٥ - يضع يديه على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع","level":2,"page":183},{"title":"٦ - يستفتح الصلاة بدعاء الاستفتاح","level":2,"page":184},{"title":"٧ - يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم","level":2,"page":187},{"title":"٨ - يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، سرا","level":2,"page":187},{"title":"٩ - يقرأ الفاتحة الحمد لله رب العالمين","level":2,"page":188},{"title":"١٠ - يقول بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة: آمين","level":2,"page":189},{"title":"١١ـ يقرأ سورة بعد الفاتحة، أو ما تيسر من القرآن","level":2,"page":190},{"title":"١٢ـ إذا فرغ من القراءة كلها سكت سكتة","level":2,"page":193},{"title":"١٣ - يركع مكبرا رافعا يديه إلى حذو منكبيه، أو أذنيه","level":2,"page":193},{"title":"١٤ - يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم","level":2,"page":195},{"title":"١٥ - يرفع رأسه من الركوع","level":2,"page":197},{"title":"١٦ـ يسجد مكبرا، واضعا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك","level":2,"page":199},{"title":"١٧ـ يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى","level":2,"page":202},{"title":"أولا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي","level":3,"page":202},{"title":"ثانيا: سبوح، قدوس، رب الملائكة والروح","level":3,"page":202},{"title":"ثالثا: سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة","level":3,"page":202},{"title":"رابعا: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت","level":3,"page":202},{"title":"خامسا: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك","level":3,"page":202},{"title":"سادسا: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره","level":3,"page":203},{"title":"١٨ - يرفع رأسه من السجود مكبرا","level":2,"page":203},{"title":"أولا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى","level":3,"page":204},{"title":"ثانيا: الكف اليمنى على الركبة اليمنى واليسرى على اليسرى","level":3,"page":204},{"title":"ثالثا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على الفخذ اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته","level":3,"page":204},{"title":"١٩ - يقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي","level":2,"page":206},{"title":"٢٠ - يسجد السجدة الثانية مكبرا","level":2,"page":206},{"title":"٢١ - يرفع رأسه مكبرا، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة","level":2,"page":207},{"title":"٢٢ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبرا قائما إلى الركعة الثانية","level":2,"page":208},{"title":"٢٣ - يصلي الركعة الثانية كالأولى","level":2,"page":208},{"title":"الأمر الأول: تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام","level":3,"page":209},{"title":"الأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية","level":3,"page":209},{"title":"الأمر الثالث: الاستفتاح، فلا يستفتح في الركعة الثانية","level":3,"page":209},{"title":"الأمر الرابع: لا يطولها كالأولى؛ بل تكون أقصر من الأولى في كل صلاة","level":3,"page":209},{"title":"الأمر الخامس: لا يجدد النية؛ للاكتفاء باستصحابها","level":3,"page":209},{"title":"وأما البسملة فتستحب في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة","level":4,"page":210},{"title":"٢٤ - إذا كانت الصلاة ثنائية: أي ركعتين: كصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، جلس للتشهد بعد فراغه","level":2,"page":210},{"title":"النوع الأول: قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة","level":3,"page":212},{"title":"النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة","level":3,"page":212},{"title":"النوع الثالث: عقد ثلاثا وخمسين والإشارة بالسبابة","level":3,"page":212},{"title":"٢٥ - يقرأ التشهد في هذا الجلوس","level":2,"page":214},{"title":"٢٦ - ثم يسلم عن يمينه وشماله","level":2,"page":220},{"title":"٢٧ - إن كانت الصلاة ثلاثية","level":2,"page":220},{"title":"٢٨ - يجلس في التشهد الأخير متوركا","level":2,"page":222},{"title":"٢٩ - يقرأ التشهد مع الصلاة على النبي - ﷺ -","level":2,"page":223},{"title":"٣٠ - يسلم عن يمينه وشماله","level":2,"page":223},{"title":"٣١ - يقول الأذكار المشروعة بعد السلام من الصلاة","level":2,"page":224},{"title":"النوع الأول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثا وثلاثين","level":3,"page":226},{"title":"النوع الثاني: سبحان الله، ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين","level":3,"page":226},{"title":"النوع الثالث: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثا وثلاثين","level":3,"page":226},{"title":"النوع الرابع: سبحان الله عشر مرات والحمد لله عشر مرات والله أكبر عشر مرات","level":3,"page":227},{"title":"النوع الخامس: يسبح إحدى عشرة، ويحمد إحدى عشرة، ويكبر إحدى عشرة","level":3,"page":228},{"title":"النوع السادس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر","level":3,"page":228},{"title":"٣٢ - يصلي السنن الرواتب","level":2,"page":231},{"title":"المبحث التاسع عشر: أركان الصلاة وواجباتها وسننها","level":1,"page":233},{"title":"أولا: أركان الصلاة:","level":2,"page":233},{"title":"الركن في اللغة","level":3,"page":233},{"title":"أركان الصلاة أربعة عشر ركنا على النحو الآتي:","level":3,"page":233},{"title":"الأول: القيام في الفرض مع القدرة","level":4,"page":233},{"title":"الثاني: تكبيرة الإحرام","level":4,"page":233},{"title":"الثالث: قراءة الفاتحة مرتبة في كل ركعة","level":4,"page":234},{"title":"الرابع: الركوع","level":4,"page":234},{"title":"الخامس: الرفع من الركوع والاعتدال قائما","level":4,"page":234},{"title":"السادس: السجود على الأعضاء السبعة","level":4,"page":234},{"title":"السابع: الرفع من السجود","level":4,"page":234},{"title":"الثامن: الجلسة بين السجدتين","level":4,"page":234},{"title":"التاسع: الطمأنينة في جميع الأركان","level":4,"page":235},{"title":"العاشر: التشهد الأخير؛","level":4,"page":235},{"title":"الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير","level":4,"page":235},{"title":"الثاني عشر: الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير","level":4,"page":235},{"title":"الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة","level":4,"page":236},{"title":"الرابع عشر: التسليمتان","level":4,"page":236},{"title":"ثانيا: واجبات الصلاة:","level":2,"page":236},{"title":"الأول: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام","level":3,"page":236},{"title":"الثاني: قول: سبحان ربي العظيم في الركوع","level":3,"page":237},{"title":"الثالث: قول: سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد","level":3,"page":237},{"title":"الرابع: قول: ربنا ولك الحمد للكل الإمام، والمنفرد، والمأموم","level":3,"page":238},{"title":"الخامس: قول: سبحان ربي الأعلى في السجود","level":3,"page":238},{"title":"السادس: قول: رب اغفر لي بين السجدتين","level":3,"page":238},{"title":"السابع: التشهد الأول","level":3,"page":238},{"title":"الثامن: الجلوس للتشهد الأول","level":3,"page":238},{"title":"ثالثا: سنن الصلاة:","level":2,"page":239},{"title":"١ - رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين","level":3,"page":239},{"title":"٢ - وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر؛","level":3,"page":239},{"title":"٣ - النظر إلى موضع السجود في الصلاة","level":3,"page":239},{"title":"٤ - دعاء الاستفتاح","level":3,"page":239},{"title":"٥ - التعوذ بالله من الشيطان","level":3,"page":239},{"title":"٦ - البسملة","level":3,"page":240},{"title":"٧ - قول آمين بعد قراءة الفاتحة","level":3,"page":240},{"title":"٨ - قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، أو ما تيسر من القرآن","level":3,"page":240},{"title":"١٠ - الإسرار في الصلاة السرية","level":3,"page":240},{"title":"١١ - السكتة اللطيفة بعد الفراغ من القراءة كلها","level":3,"page":240},{"title":"١٢ - وضع اليدين مفرجتي الأصابع على الركبتين كأنه قابض عليهما","level":3,"page":240},{"title":"١٣ - مد الظهر في الركوع حتى لو صب عليه الماء لاستقر، وجعل الرأس حيال الظهر","level":3,"page":240},{"title":"١٤ - مجافاة اليدين عن الجنبين في الركوع","level":3,"page":240},{"title":"١٥ - ما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود","level":3,"page":241},{"title":"١٦ - ما زاد على المرة الواحدة في سؤال الله المغفرة بين السجدتين","level":3,"page":241},{"title":"١٧ - قول: ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد","level":3,"page":241},{"title":"١٨ - وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ورفع اليدين قبل الركبتين في القيام","level":3,"page":241},{"title":"١٩ - ضم أصابع اليدين في السجود؛","level":3,"page":241},{"title":"٢٠ - تفريج أصابع الرجلين في السجود","level":3,"page":241},{"title":"٢١ - استقبال القبلة بأطراف أصابع اليدين والرجلين في السجود","level":3,"page":241},{"title":"٢٢ - مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود","level":3,"page":241},{"title":"٢٣ - مجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، والتفريج بين الفخذين","level":3,"page":241},{"title":"٢٤ - وضع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين في السجود","level":3,"page":241},{"title":"٢٥ - ضم القدمين والعقبين ونصبهما في السجود","level":3,"page":242},{"title":"٢٦ - الإكثار من الدعاء في السجود","level":3,"page":242},{"title":"٢٧ - افتراش الرجل اليسرى ونصب اليمنى في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول","level":3,"page":242},{"title":"٢٨ - وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى إذا جلس في الصلاة","level":3,"page":242},{"title":"٢٩ - وضع الذارعين على الفخذين في التشهد، وفي الجلوس بين السجدتين","level":3,"page":242},{"title":"٣٠ - قبض خنصر وبنصر اليد اليمنى في التشهد","level":3,"page":242},{"title":"٣١ - جلسة الاستراحة قبل القيام إلى الركعة الثانية، والركعة الرابعة","level":3,"page":242},{"title":"٣٢ - التورك في التشهد الثاني","level":3,"page":243},{"title":"٣٣ - النظر إلى السبابة عند الإشارة بها في الجلوس","level":3,"page":243},{"title":"٣٤ - الصلاة والتبريك على محمد وآل محمد، وعلى إبراهيم وآل إبراهيم في التشهد الأول","level":3,"page":243},{"title":"٣٥ - الدعاء والتعوذ من أربع بعد التشهد الثاني","level":3,"page":243},{"title":"٣٦ - الالتفات يمينا وشمالا في التسليمتين","level":3,"page":243},{"title":"٣٧ - نيته في سلامه: الخروج من الصلاة، والسلام على الملائكة والحاضرين","level":3,"page":243},{"title":"المبحث العشرون: مكروهات الصلاة ومبطلاتها","level":1,"page":244},{"title":"أولا: مكروهات الصلاة:","level":2,"page":244},{"title":"١ - الالتفات لغير حاجة","level":3,"page":244},{"title":"النوع الأول: التفات حسي","level":4,"page":244},{"title":"النوع الثاني: التفات معنوي بالقلب","level":4,"page":244},{"title":"٢ - رفع البصر إلى السماء","level":3,"page":244},{"title":"٣ - افتراش الذراعين في السجود","level":3,"page":245},{"title":"٤ - التخصر","level":3,"page":245},{"title":"٥ - النظر إلى ما يلهي ويشغل","level":3,"page":245},{"title":"٦ - الصلاة إلى ما يشغل ويلهي","level":3,"page":245},{"title":"٧ - الإقعاء المذموم","level":3,"page":246},{"title":"٨ - عبث المصلي بجوارحه","level":3,"page":247},{"title":"٩ - تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة","level":3,"page":247},{"title":"١٠ - الصلاة بحضرة الطعام","level":3,"page":248},{"title":"١١ - مدافعة الأخبثين [البول والغائط] في الصلاة","level":3,"page":248},{"title":"١٢ - بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة","level":3,"page":248},{"title":"١٣ - كف الشعر أو الثوب في الصلاة","level":3,"page":250},{"title":"١٤ - عقص الرأس في الصلاة","level":3,"page":250},{"title":"١٥ - تغطية الفم في الصلاة","level":3,"page":250},{"title":"١٦ - السدل في الصلاة","level":3,"page":250},{"title":"١٧ - تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائما لغير الإمام","level":3,"page":250},{"title":"١٨ - الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة","level":3,"page":251},{"title":"١٩ - التثاؤب في الصلاة","level":3,"page":251},{"title":"٢٠ - الركوع قبل أن يصل إلى الصف","level":3,"page":251},{"title":"٢١ - الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم أو الكراث","level":3,"page":252},{"title":"٢٢ - صلاة النفل عند مغالبة النوم","level":3,"page":252},{"title":"ثانيا: مبطلات الصلاة:","level":2,"page":252},{"title":"١ - الكلام العمد مع الذكر","level":3,"page":252},{"title":"٢ - الضحك بصوت يسمعه المصلي أو غيره، وهو ما يعبر عنه بالقهقهة","level":3,"page":253},{"title":"٣ - الأكل","level":3,"page":253},{"title":"٤ - الشرب","level":3,"page":253},{"title":"٥ - انكشاف العورة عمدا","level":3,"page":253},{"title":"٦ - الانحراف الكثير عن جهة القبلة","level":3,"page":253},{"title":"٧ - العبث الكثير المتوالي لغير ضرورة","level":3,"page":253},{"title":"٨ - انتقاض الطهارة","level":3,"page":254},{"title":"المبحث الحادي والعشرون: الخشوع في الصلاة","level":1,"page":255},{"title":"أولا: مفهوم الخشوع: لغة واصطلاحا:","level":2,"page":255},{"title":"١ - الخشوع لغة","level":3,"page":255},{"title":"٢ - الخشوع اصطلاحا","level":3,"page":255},{"title":"ثانيا: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق","level":2,"page":256},{"title":"ثالثا: الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح","level":2,"page":258},{"title":"رابعا: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة","level":2,"page":260},{"title":"١ - من فرغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته","level":3,"page":260},{"title":"٢ - من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له","level":3,"page":260},{"title":"٣ - من صلى صلاة مكتوبة فأحسن خشوعها كانت كفارة","level":3,"page":261},{"title":"٤ - من صلى ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة","level":3,"page":261},{"title":"٥ - الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين","level":3,"page":261},{"title":"٦ - المغفرة والأجر العظيم للخاشعين","level":3,"page":262},{"title":"٧ - الخاشعون والخاضعون لله مبشرون بكل خير في الدنيا والآخرة","level":3,"page":262},{"title":"٨ - الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة","level":3,"page":264},{"title":"٩ - الخشوع لله تعالى يورث هداية الله تعالى وتثبيته","level":3,"page":264},{"title":"١٠ - أفضل الناس أخشعهم لله تعالى","level":3,"page":265},{"title":"١١ - من أتم الصلوات الخمس بخشوع كان له على الله عهد أن يغفر له","level":3,"page":265},{"title":"١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفهم له بالعلم","level":3,"page":266},{"title":"١٣ - أثنى الله - ﷿ - على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه","level":3,"page":268},{"title":"١٤ - وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية لله تعالى","level":3,"page":269},{"title":"خامسا: الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة","level":2,"page":270},{"title":"١ - الخشوع","level":3,"page":270},{"title":"٢ - الوجل","level":3,"page":270},{"title":"٣ - القنوت","level":3,"page":270},{"title":"القسم الأول: قنوت عام لجميع المخلوقات","level":4,"page":270},{"title":"القسم الثاني، وهو الأكثر في القرآن الكريم: القنوت الخاص","level":4,"page":271},{"title":"٤ - السكينة:","level":3,"page":271},{"title":"٥ - الإخبات","level":3,"page":272},{"title":"٦ - الطمأنينة","level":3,"page":272},{"title":"سادسا: حكم الخشوع في الصلاة","level":2,"page":274},{"title":"سابعا: منزلة الخشوع في الصلاة","level":2,"page":277},{"title":"الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان:","level":3,"page":279},{"title":"أحدهما: التفات القلب عن الله - ﷿ - إلى غير الله تعالى","level":4,"page":279},{"title":"والثاني: التفات البصر","level":4,"page":279},{"title":"ثامنا: حكم الوسواس في الصلاة","level":2,"page":280},{"title":"تاسعا: الخشوع في الصلاة من إقامتها","level":2,"page":283},{"title":"عاشرا: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة","level":2,"page":284},{"title":"١ - قد يصلي المرء ستين سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة","level":3,"page":284},{"title":"٢ - أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته","level":3,"page":285},{"title":"٣ - لا ينظر الله - ﷿ - إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه بين ركوعها وسجودها","level":3,"page":285},{"title":"٤ - من مات وهو لا يتم ركوعه، وينقر في سجوده","level":3,"page":285},{"title":"٥ - قد ينصرف المصلي ولم يكتب له من صلاته إلا عشرها","level":3,"page":286},{"title":"٦ - قد يصلي المرء أربعين سنة، ولا يكتب له صلاة واحدة","level":3,"page":286},{"title":"٧ - نقر الصلاة كنقر الغراب، أو الطائر بمنقاره من علامات النفاق الخالص","level":3,"page":287},{"title":"٨ - بكاء أنس بن مالك - ﵁ - على تأخير الصلاة عن وقتها وتضييعها","level":3,"page":287},{"title":"الحادي عشر: الصلاة بخشوع: قرة للعين وراحة للقلب","level":2,"page":288},{"title":"الثاني عشر: مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقر بها العين","level":2,"page":291},{"title":"المشهد الأول: الإخلاص","level":3,"page":291},{"title":"المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح","level":3,"page":291},{"title":"المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء","level":3,"page":292},{"title":"المشهد الرابع: مشهد الإحسان","level":3,"page":292},{"title":"المشهد الخامس: مشهد المنة:","level":3,"page":293},{"title":"المشهد السادس: مشهد التقصير","level":3,"page":294},{"title":"الثالث عشر: أقسام الناس في الخشوع في الصلاة","level":2,"page":294},{"title":"القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المفرط","level":3,"page":295},{"title":"القسم الثاني: من يحافظ على مواقيتها، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها","level":3,"page":295},{"title":"القسم الثالث: من حافظ على حدودها، وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار","level":3,"page":295},{"title":"القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها","level":3,"page":295},{"title":"القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك","level":3,"page":295},{"title":"الرابع عشر: خشوع النبي - ﷺ - في صلاته:","level":2,"page":296},{"title":"أولا: خشوعه - ﷺ - في أفعال الصلاة وأقوالها","level":3,"page":296},{"title":"ثانيا: رقة قلبه - ﷺ - وبكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة:","level":3,"page":302},{"title":"١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل","level":4,"page":303},{"title":"٢ - بكاء النبي - ﷺ - في الصلاة من خشية الله تعالى","level":4,"page":303},{"title":"٣ - بكاء النبي - ﷺ - عند سماع القرآن","level":4,"page":303},{"title":"٤ - بكى - ﷺ - في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه","level":4,"page":304},{"title":"٥ - بكى - ﷺ - في صلاة الكسوف","level":4,"page":304},{"title":"الخامس عشر: خشوع الصحابة - ﵃ - في صلاتهم","level":2,"page":304},{"title":"١ - خشوع أبي بكر - ﵁ - في صلاته","level":3,"page":304},{"title":"٢ - خشوع عمر بن الخطاب - ﵁ - في صلاته","level":3,"page":305},{"title":"٣ - خشوع سعد بن معاذ - ﵁ - في صلاته","level":3,"page":306},{"title":"٤ - خشوع عبد الله بن الزبير - ﵁ - في صلاته","level":3,"page":306},{"title":"السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم","level":2,"page":306},{"title":"١ - خشوع عروة بن الزبير في صلاته رحمه الله تعالى","level":3,"page":307},{"title":"٢ - خشوع عامر بن عبد الله بن قيس","level":3,"page":308},{"title":"٣ - خشوع الإمام البخاري ﵀","level":3,"page":309},{"title":"السابع عشر: الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها","level":2,"page":309},{"title":"النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم","level":3,"page":310},{"title":"النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي - ﷺ -:","level":3,"page":310},{"title":"النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح","level":3,"page":311},{"title":"الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة","level":2,"page":312},{"title":"الدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها","level":3,"page":312},{"title":"الدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها","level":3,"page":314},{"title":"الدرجة الثالثة: أن يقرأها متأثرا غاية التأثر بحقائقها تلك","level":3,"page":314},{"title":"التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة","level":2,"page":315},{"title":"١ - الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي","level":3,"page":315},{"title":"٢ - الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر:","level":3,"page":316},{"title":"٣ - الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى:","level":3,"page":317},{"title":"٤ - الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي","level":3,"page":319},{"title":"٥ - الخشوع في الصلاة يهون الوقوف على العبد يوم القيامة","level":3,"page":319},{"title":"٦ - الخشوع في الصلاة يقرب العبد من الله","level":3,"page":319},{"title":"٧ - الخشوع الكامل يزداد به الإيمان","level":3,"page":319},{"title":"٨ - الخشوع في الصلاة يزيل الهم عن القلب، ويشرح الصدر","level":3,"page":320},{"title":"٩ - الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حبا في الصلاة","level":3,"page":320},{"title":"١٠ - الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام الله تعالى","level":3,"page":320},{"title":"١١ - الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد","level":3,"page":320},{"title":"١٢ - الخشوع في الصلاة يجعلها شفاء من عامة الأوجاع","level":3,"page":320},{"title":"العشرون: الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة","level":2,"page":321},{"title":"الحادي والعشرون: الأسباب التي تزيل الغفلة وتجلب الخشوع في الصلاة","level":2,"page":322},{"title":"السبب الأول: معرفة الله تعالى:","level":3,"page":322},{"title":"السبب الثاني: علاج قسوة القلب، ومرضه، وغفلته","level":3,"page":324},{"title":"الدعاء نوع من أنواع الذكر؛ فإن الذكر ثلاثة أنواع:","level":4,"page":326},{"title":"السبب الثالث: الابتعاد عن الوسوسة","level":3,"page":334},{"title":"* أسباب الوسوسة:","level":4,"page":335},{"title":"١ - قلة العلم الشرعي: أي بالكتاب والسنة، وما عليه الصحابة وأتباعهم - ﵃ -","level":5,"page":335},{"title":"٢ - ضعف الإيمان؛ لأن الشيطان يتسلط على أهل المعاصي، بخلاف قوي الإيمان","level":5,"page":335},{"title":"٣ - الاسترسال مع الأفكار؛ فإن هذا الاسترسال يجعل للشيطان مدخلا عليه","level":5,"page":335},{"title":"٤ - الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فإن الذكر يطرد الشيطان ووساوسه","level":5,"page":335},{"title":"٥ - ضعف العقل؛ فإن صاحب العقل الكامل المؤمن ينجو من الوسوسة بفضل الله تعالى","level":5,"page":335},{"title":"٦ - عدم مخالطة أهل العلم والإيمان الكامل","level":5,"page":335},{"title":"٧ - عدم اتباع الرسول - ﷺ -؛ فإن الشيطان يدخل من هذا المدخل","level":5,"page":335},{"title":"* مظاهر الوسوسة عند الموسوسين:","level":4,"page":336},{"title":"١_ التأخر في حال الاستنجاء، أو الوضوء والاغتسال، وهذه أغلب حالات الوسواس","level":5,"page":336},{"title":"٢_ تكرار الوضوء، أو الطهارة، أو الصلاة، والإسراف في ماء الطهارة","level":5,"page":336},{"title":"٣_ تكرير الحرف في ألفاظ القراءة، أو أذكار الصلاة وغيرها","level":5,"page":336},{"title":"٤ - إبدال الملابس؛ لأنه يتوهم أنه أصابها نجاسة","level":5,"page":336},{"title":"٥_ وسوستهم في العقيدة","level":5,"page":336},{"title":"وعلاج الوسوسة على النحو الآتي:","level":4,"page":338},{"title":"١ - طلب العلم الشرعي","level":5,"page":338},{"title":"٢ - تقوية الإيمان بالطاعات والنوافل","level":5,"page":338},{"title":"٣ - مداومة ذكر الله تعالى على كل حال؛ فهي حصن حصين من الوسوسة، ومن كل شر","level":5,"page":338},{"title":"٤ - مجالسة الصاحين، ومخالطة الناس الذين يستفيد منهم","level":5,"page":338},{"title":"٥ - معرفة أن الحق هو ما جاء به الرسول - ﷺ -","level":5,"page":338},{"title":"٦ - الاعتراف بأن الوسوسة من أبطل الباطل","level":5,"page":338},{"title":"٧ - الاستعاذة بالله من الشيطان كما ثبت في الأدلة","level":5,"page":338},{"title":"٨ - لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق حاجته","level":5,"page":338},{"title":"٩ - ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة","level":5,"page":338},{"title":"١٠ - إذا تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته","level":5,"page":338},{"title":"السبب الرابع: متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة:","level":3,"page":339},{"title":"السبب الخامس: العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع:","level":3,"page":339},{"title":"السبب السادس: عدم الالتفات لغير حاجة","level":3,"page":340},{"title":"النوع الأول: التفات حسي، وعلاجه بالسكون في الصلاة، وعدم الحركة","level":4,"page":340},{"title":"النوع الثاني: التفات معنوي بالقلب","level":4,"page":340},{"title":"السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء","level":3,"page":340},{"title":"السبب الثامن: عدم افتراش الذراعين في السجود","level":3,"page":340},{"title":"السبب التاسع: عدم التخصر","level":3,"page":340},{"title":"السبب العاشر: عدم النظر إلى ما يلهي ويشغل","level":3,"page":340},{"title":"السبب الحادي عشر: عدم الصلاة إلى ما يشغل ويلهي","level":3,"page":340},{"title":"السبب الثاني عشر: عدم الإقعاء المذموم","level":3,"page":340},{"title":"السبب الثالث عشر: عدم عبث المصلي بجوارحه","level":3,"page":340},{"title":"السبب الرابع عشر: عدم تشبيك الأصابع وفرقعتها في الصلاة","level":3,"page":340},{"title":"السبب الخامس عشر: عدم الصلاة بحضرة الطعام.","level":3,"page":340},{"title":"السبب السادس عشر: عدم مدافعة الأخبثين (البول والغائط)","level":3,"page":341},{"title":"السبب السابع عشر: عدم بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة","level":3,"page":341},{"title":"السبب الثامن عشر: عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة","level":3,"page":341},{"title":"السبب التاسع عشر: عدم عقص الرأس في الصلاة","level":3,"page":341},{"title":"السبب العشرون: عدم تغطية الفم في الصلاة","level":3,"page":341},{"title":"السبب الحادي والعشرون: عدم السدل في الصلاة:","level":3,"page":341},{"title":"السبب الثاني والعشرون: عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائما لغير الإمام.","level":3,"page":341},{"title":"السبب الثالث والعشرون: عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة","level":3,"page":341},{"title":"السبب الرابع والعشرون: عدم التثاؤب في الصلاة","level":3,"page":341},{"title":"السبب الخامس والعشرون: عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف","level":3,"page":341},{"title":"السبب السادس والعشرون: عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل أو الثوم ونحوهما","level":3,"page":341},{"title":"السبب السابع والعشرون: عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم","level":3,"page":341},{"title":"السبب الثامن والعشرون: الصلاة إلى سترة والدنو منها","level":3,"page":341},{"title":"السبب التاسع والعشرون: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر","level":3,"page":341},{"title":"السبب الثلاثون: الإشارة بالسبابة وتحريكها في الدعاء في التشهد","level":3,"page":341},{"title":"السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة","level":3,"page":342},{"title":"السبب الثاني والثلاثون: العلم بأنه يدعو الله ويخاطبه وأن الله يرد عليه ويجيبه","level":3,"page":342},{"title":"السبب الثالث والثلاثون: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:","level":3,"page":343},{"title":"السبب الرابع والثلاثون: تدبر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع:","level":3,"page":346},{"title":"النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر:","level":4,"page":346},{"title":"النوع الثاني: حض النبي - ﷺ - على تدبر القرآن:","level":4,"page":347},{"title":"النوع الثالث: حث الصحابة - ﵁ - على تدبر القرآن:","level":4,"page":348},{"title":"النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:","level":4,"page":349},{"title":"السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله","level":3,"page":353},{"title":"أولا: يحسن صوته بقراءة القرآن الكريم","level":4,"page":354},{"title":"ثانيا: يرتل القرآن ترتيلا","level":4,"page":356},{"title":"ثالثا: إذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله","level":4,"page":360},{"title":"رابعا: يجهر بالقرآن ما لم يتأذ أحد بصوته:","level":4,"page":360},{"title":"النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن:","level":5,"page":360},{"title":"النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها:","level":5,"page":361},{"title":"السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة:","level":3,"page":363},{"title":"السبب السابع والثلاثون: المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية:","level":3,"page":364},{"title":"السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة:","level":3,"page":364},{"title":"السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة:","level":3,"page":365},{"title":"السبب الأربعون: الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول الله بين المرء وقلبه:","level":3,"page":366},{"title":"السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة:","level":3,"page":367},{"title":"السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها:","level":3,"page":368},{"title":"السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي - ﷺ - في صلاته:","level":3,"page":368},{"title":"السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏:","level":3,"page":369},{"title":"السبب الخامس والأربعون: العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع:","level":3,"page":370},{"title":"السبب السادس والأربعون: فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها:","level":3,"page":371},{"title":"السبب السابع والأربعون: فهم وتدبر معاني أقوال الصلاة:","level":3,"page":375},{"title":"أولا: فهم وتدبر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر:","level":4,"page":375},{"title":"ثانيا: فهم وتدبر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة","level":4,"page":376},{"title":"ثالثا: فهم وتدبر معاني الاستعاذة:","level":4,"page":376},{"title":"رابعا: فهم وتدبر معنى البسملة:","level":4,"page":376},{"title":"خامسا: فهم وتدبر معاني الفاتحة أم القرآن:","level":4,"page":376},{"title":"سادسا: فهم وتدبر معاني أذكار الركوع:","level":4,"page":376},{"title":"سابعا: فهم وتدبر معاني أذكار الرفع من الركوع:","level":4,"page":376},{"title":"ثامنا: فهم وتدبر معاني أذكار السجود:","level":4,"page":376},{"title":"تاسعا: فهم وتدبر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين","level":4,"page":377},{"title":"عاشرا: فهم وتدبر أذكار سجود التلاوة:","level":4,"page":377},{"title":"الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد","level":4,"page":378},{"title":"الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي - ﷺ -","level":4,"page":378},{"title":"الثالث عشر: فهم وتدبر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة","level":4,"page":378},{"title":"الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة","level":4,"page":378},{"title":"السبب الثامن والأربعون: التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة:","level":3,"page":378},{"title":"السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة:","level":3,"page":380},{"title":"السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله:","level":3,"page":382},{"title":"السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه:","level":3,"page":384},{"title":"السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة:","level":3,"page":384},{"title":"السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها:","level":3,"page":384},{"title":"المبحث الثاني والعشرون: سجود السهو","level":1,"page":386},{"title":"أولا: حفظ عن النبي - ﷺ - في السهو أشياء منها:","level":2,"page":386},{"title":"١ - سلم النبي - ﷺ - من اثنتين","level":3,"page":386},{"title":"٢ - سلم - ﷺ - من ثلاث","level":3,"page":386},{"title":"٣ - قام - ﷺ - في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر","level":3,"page":387},{"title":"٤ - صلى الظهر خمسا فنبه","level":3,"page":387},{"title":"٥ - أما الشك فلم يعرض له - ﷺ -،:","level":3,"page":387},{"title":"أ - أمر - ﷺ - من رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم أو الظن الغالب","level":4,"page":387},{"title":"ب - أمر - ﷺ - من شك ورجع إلى اليقين - وهو الأقل - بالبناء على اليقين","level":4,"page":388},{"title":"ثانيا: سجود السهو قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع:","level":2,"page":389},{"title":"الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص أو ذكر بالزيادة بعد السلام","level":3,"page":389},{"title":"الحالة الثانية: إذا شك ولكنه بنى على غالب ظنه","level":3,"page":389},{"title":"ثالثا: التفصيل في أسباب السجود وأحكامها:","level":2,"page":390},{"title":"السبب الأول: الزيادة، وهي نوعان:","level":3,"page":390},{"title":"السبب الثاني: النقص، وهو ثلاثة أنواع:","level":3,"page":392},{"title":"السبب الثالث: الشك، فإذا كان بعد السلام فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن النقص أو الزيادة","level":3,"page":394},{"title":"المبحث الثالث والعشرون: صلاة التطوع","level":1,"page":396},{"title":"أولا: مفهوم التطوع: التطوع: النافلة وكل متنفل خير: متطوع","level":2,"page":396},{"title":"ثانيا: فضل التطوع:","level":2,"page":396},{"title":"١ - تكمل الفرائض وتجبر نقصها","level":3,"page":396},{"title":"٢ - التطوع ترفع به الدرجات وتحط الخطايا","level":3,"page":396},{"title":"٣ - كثرة النوافل من أعظم أسباب دخول الجنة بمرافقة النبي - ﷺ -","level":3,"page":396},{"title":"٤ - صلاة التطوع أفضل أعمال نوافل البدن بعد الجهاد، والعلم: تعلمه، وتعليمه","level":3,"page":397},{"title":"٥ - صلاة التطوع في البيوت تجلب البركة","level":3,"page":397},{"title":"٦ - التطوع يجلب محبة الله لعبده","level":3,"page":398},{"title":"٧ - كمال التطوع يزيد في شكر العبد لله - ﷿ -","level":3,"page":398},{"title":"ثالثا: جواز صلاة التطوع جالسا:","level":2,"page":399},{"title":"كانت صلاته - ﷺ - بالليل ثلاثة أنواع:","level":3,"page":400},{"title":"أحدها: وهو أكثرها: صلاته قائما","level":4,"page":400},{"title":"الثاني: أنه كان يصلي قاعدا ويركع قاعدا","level":4,"page":400},{"title":"الثالث: أنه كان يقرأ قاعدا، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما","level":4,"page":400},{"title":"رابعا: جواز التطوع على المركوب في السفر الطويل والقصير:","level":2,"page":401},{"title":"خامسا: أخلص مواضع صلاة التطوع:","level":2,"page":403},{"title":"سادسا: أحب التطوع إلى الله ما دووم عليه:","level":2,"page":403},{"title":"سابعا: جواز صلاة التطوع جماعة أحيانا:","level":2,"page":405},{"title":"ثامنا: أقسام صلاة التطوع:","level":2,"page":407},{"title":"القسم الأول: السنن الدائمة المستمرة وهي أنواع:","level":3,"page":407},{"title":"النوع الأول: السنن الرواتب","level":4,"page":407},{"title":"١ - الرواتب المؤكدة مع الفرائض","level":5,"page":407},{"title":"٢ - السنن تفصيلا: المؤكدة وغير المؤكدة مع الفرائض","level":5,"page":409},{"title":"أ- أربع ركعات قبل الظهر","level":6,"page":409},{"title":"ب- أربع ركعات قبل العصر","level":6,"page":409},{"title":"ج- ركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها","level":6,"page":409},{"title":"د- ركعتان قبل صلاة العشاء، وركعتان بعدها","level":6,"page":410},{"title":"هـ- ركعتان قبل الفجر، وسنة الفجر آكد السنن الرواتب؛ لأمور تسعة:","level":6,"page":411},{"title":"الأمر الأول: شدة تعاهد النبي - ﷺ - لها يدل على عظمها","level":7,"page":411},{"title":"الأمر الثاني: بين النبي - ﷺ - فضلها","level":7,"page":411},{"title":"الأمر الثالث: السنة تخفيفهما","level":7,"page":411},{"title":"الأمر الرابع: وقتها بين الأذان والإقامة","level":7,"page":411},{"title":"الأمر الخامس: لا يصلى بعدها إلا فريضة الفجر","level":7,"page":412},{"title":"الأمر السادس: يقرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد","level":7,"page":412},{"title":"الأمر السابع: الاضطجاع بعدهما","level":7,"page":412},{"title":"الأمر الثامن: لا تترك في الحضر ولا في السفر","level":7,"page":413},{"title":"الأمر التاسع: قضاء سنة الفجر","level":7,"page":413},{"title":"ز- السنة الراتبة بعد الجمعة أربع ركعات","level":6,"page":414},{"title":"٣ - وقت الرواتب مع الفرائض","level":5,"page":416},{"title":"٤ - قضاء الرواتب","level":5,"page":416},{"title":"٥ - الفصل بين الرواتب والفرائض بخروج أو كلام","level":5,"page":418},{"title":"٦ - ترك الرواتب وغيرها إذا أقيمت المكتوبة","level":5,"page":419},{"title":"٧ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر","level":5,"page":421},{"title":"النوع الثاني: الوتر:","level":4,"page":423},{"title":"١ - الوتر سنة مؤكدة","level":5,"page":423},{"title":"٢ - فضل الوتر، له فضل عظيم","level":5,"page":424},{"title":"٣ - وقت صلاة الوتر: جميع أوقات الليل بعد صلاة العشاء على النحو الآتي:","level":5,"page":425},{"title":"أ- وقت الوتر الشامل","level":6,"page":425},{"title":"ب- الوتر قبل النوم مستحب لمن ظن أن لا يستيقظ آخر الليل","level":6,"page":427},{"title":"ج- الوتر في آخر الليل أفضل لمن وثق بالاستيقاظ","level":6,"page":428},{"title":"٤ - أنواع الوتر وعدده","level":5,"page":429},{"title":"أولا: إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة","level":6,"page":429},{"title":"ثانيا: ثلاث عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة","level":6,"page":430},{"title":"ثالثا: ثلاث عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر من ذلك بخمس سردا؛","level":6,"page":430},{"title":"رابعا: تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ثم يأتي بالتاسعة","level":6,"page":431},{"title":"خامسا: سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن","level":6,"page":431},{"title":"سادسا: سبع ركعات لا يجلس إلا في السادسة","level":6,"page":431},{"title":"سابعا: خمس ركعات لا يجلس إلا في آخرهن","level":6,"page":431},{"title":"ثامنا: ثلاث ركعات يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة","level":6,"page":432},{"title":"تاسعا: ثلاث ركعات سردا - ﵁ - لا يجلس إلا في آخرهن","level":6,"page":432},{"title":"عاشرا: ركعة واحدة","level":6,"page":433},{"title":"٥ - القراءة في الوتر، يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: بـ سبح اسم ربك الأعلى","level":5,"page":434},{"title":"٦ - القنوت في الوتر","level":5,"page":435},{"title":"٧ - موضع دعاء القنوت قبل الركوع وبعده","level":5,"page":436},{"title":"٨ - رفع اليدين في دعاء القنوت وتأمين المأمومين","level":5,"page":437},{"title":"٩ - آخر صلاة الليل الوتر","level":5,"page":438},{"title":"١٠ - الدعاء بعد السلام من صلاة الوتر","level":5,"page":438},{"title":"١١ - لا وتران في ليلة ولا ينقض الوتر؛","level":5,"page":439},{"title":"١٢ - إيقاظ الأهل لصلاة الوتر مشروع","level":5,"page":439},{"title":"١٣ - قضاء الوتر لمن فاته","level":5,"page":440},{"title":"١٤ - دعاء القنوت في النوازل في الصلاة المفروضة","level":5,"page":441},{"title":"الأول: أن دعاء القنوت في النوازل مشروع عند السبب الذي يقتضيه","level":6,"page":444},{"title":"الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتبا محددا","level":6,"page":445},{"title":"النوع الثالث: صلاة الضحى:","level":4,"page":445},{"title":"١ - صلاة الضحى سنة مؤكدة","level":5,"page":445},{"title":"٢ - فضل صلاة الضحى ثابت في الأحاديث الصحيحة؛ للأحاديث الآتية:","level":5,"page":446},{"title":"الأول: حديث أبي ذر - ﵁ -","level":6,"page":446},{"title":"الثاني: حديث بريدة - ﵁ -","level":6,"page":447},{"title":"الثالث: حديث نعيم بن همار","level":6,"page":447},{"title":"الرابع: حديث أبي الدرداء وأبي ذر ﵄","level":6,"page":447},{"title":"الخامس: حديث أنس - ﵁ -","level":6,"page":447},{"title":"٣ - وقت صلاة الضحى","level":5,"page":448},{"title":"٤ - عدد ركعات سنة الضحى لا حد له على الصحيح","level":5,"page":448},{"title":"القسم الثاني: ما تسن له الجماعة ومنه صلاة التراويح:","level":3,"page":449},{"title":"١ - مفهوم صلاة التروايح","level":4,"page":449},{"title":"٢ - صلاة التراويح سنة مؤكدة","level":4,"page":450},{"title":"٣ - فضل صلاة التراويح","level":4,"page":450},{"title":"٤ - مشروعية الجماعة في صلاة التراويح وقيام رمضان وملازمة الإمام حتى ينصرف","level":4,"page":451},{"title":"٥ - الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر","level":4,"page":453},{"title":"٦ - وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة","level":4,"page":454},{"title":"٧ - عدد صلاة التراويح ليس له تحديد لا يجوز غيره","level":4,"page":454},{"title":"القسم الثالث: التطوع المطلق مشروع في الليل كله والنهار إلا أوقات النهي وهو نوعان:","level":3,"page":454},{"title":"النوع الأول: التهجد بالليل:","level":4,"page":454},{"title":"أولا: مفهوم التهجد","level":5,"page":455},{"title":"ثانيا: صلاة التهجد سنة مؤكدة","level":5,"page":455},{"title":"ثالثا: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية:","level":5,"page":456},{"title":"١ - عناية النبي - ﷺ - بقيام الليل حتى تفطرت قدماه","level":6,"page":456},{"title":"٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة","level":6,"page":457},{"title":"٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة","level":6,"page":457},{"title":"٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته","level":6,"page":458},{"title":"٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن","level":6,"page":458},{"title":"٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل","level":6,"page":458},{"title":"٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم","level":6,"page":458},{"title":"٨ - قيام الليل مكفر للسيئات ومنهاة للآثام","level":6,"page":458},{"title":"٩ - قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة","level":6,"page":458},{"title":"١٠ - شرف المؤمن قيام الليل","level":6,"page":459},{"title":"١١ - قيام الليل يغبط عليه صاحبه","level":6,"page":459},{"title":"١٢ - قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة","level":6,"page":459},{"title":"رابعا: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر","level":5,"page":460},{"title":"خامسا: عدد ركعات قيام الليل، ليس له عدد مخصوص","level":5,"page":462},{"title":"سادسا: آداب قيام الليل:","level":5,"page":462},{"title":"١ - ينوي عند نومه قيام الليل وينوي بنومه التقوي على الطاعة ليحصل على الثواب على نومه","level":6,"page":462},{"title":"٢ - يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ، ويذكر الله، ويشوص فاه بالسواك","level":6,"page":462},{"title":"٣ - يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين","level":6,"page":463},{"title":"٤ - يستحب أن يكون تهجده في بيته","level":6,"page":463},{"title":"٥ - المداومة على قيام الليل وعدم قطعه","level":6,"page":464},{"title":"٦ - إذا غلبه النعاس ينبغي له أن يترك الصلاة وينام حتى يذهب عنه النوم","level":6,"page":464},{"title":"٧ - يستحب له أن يوقظ أهله","level":6,"page":465},{"title":"٨ - يقرأ المتهجد جزءا من القرآن أو أكثر، أو أقل على حسب ما تيسر مع التدبر لما يقرأ","level":6,"page":467},{"title":"٩ - جواز التطوع جماعة أحيانا في قيام الليل","level":6,"page":470},{"title":"١٠ - يختم تهجده بوتر","level":6,"page":471},{"title":"١١ - يحتسب النومة والقومة","level":6,"page":471},{"title":"١٢ - طول القيام مع كثرة الركوع والسجود","level":6,"page":472},{"title":"سابعا: الأسباب المعينة على قيام الليل:","level":5,"page":476},{"title":"١ - معرفة فضل قيام الليل، ومنزلة أهله عند الله تعالى","level":6,"page":476},{"title":"٢ - معرفة كيد الشيطان، وتثبيطه عن قيام الليل والترهيب من ترك قيام شيء من الليل","level":6,"page":476},{"title":"٣ - قصر الأمل وتذكر الموت","level":6,"page":477},{"title":"٤ - اغتنام الصحة والفراغ","level":6,"page":479},{"title":"٥ - الحرص على النوم مبكرا؛ ليأخذ قوة ونشاطا يستعين بذلك","level":6,"page":479},{"title":"٦ - الحرص على آداب النوم، وذلك بأن ينام على طهارة","level":6,"page":479},{"title":"٧ - العناية بجملة الأسباب التي تعين على قيام الليل","level":6,"page":480},{"title":"النوع الثاني: صلاة النهار والليل المطلقة:","level":4,"page":480},{"title":"القسم الرابع: الصلوات ذوات الأسباب:","level":3,"page":482},{"title":"أولا: تحية المسجد سنة مؤكدة لمن دخل المسجد في أي وقت على الصحيح","level":4,"page":482},{"title":"ثانيا: صلاة القدوم من السفر في المسجد","level":4,"page":483},{"title":"ثالثا: الصلاة عقب الوضوء","level":4,"page":483},{"title":"رابعا: صلاة الاستخارة","level":4,"page":485},{"title":"خامسا: صلاة التوبة: سنة","level":4,"page":486},{"title":"سادسا: سجود تلاوة القرآن الكريم:","level":4,"page":486},{"title":"١ - فضل سجود التلاوة عظيم","level":5,"page":486},{"title":"٢ - سجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح","level":5,"page":486},{"title":"٣ - سجود المستمع إذا سجد القارئ، وإذا لم يسجد لم يسجد","level":5,"page":489},{"title":"٤ - عدد سجدات القرآن ومواضعها، خمس عشرة سجدة","level":5,"page":490},{"title":"الموضع الأول: آخر سورة الأعراف، عند قوله تعالى: وله يسجدون","level":6,"page":490},{"title":"الموضع الثاني: في الرعد عند قوله تعالى: وظلالهم بالغدو والآصال","level":6,"page":490},{"title":"الموضع الثالث: في النحل عند قوله تعالى: ويفعلون ما يؤمرون","level":6,"page":490},{"title":"الموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى: ويزيدهم خشوعا","level":6,"page":490},{"title":"الموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله: خروا سجدا وبكيا","level":6,"page":490},{"title":"الموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: إن الله يفعل ما يشاء","level":6,"page":490},{"title":"الموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾","level":6,"page":490},{"title":"الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: وزادهم نفورا","level":6,"page":491},{"title":"الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: رب العرش العظيم","level":6,"page":491},{"title":"الموضع العاشر: في سورة (الم) السجدة، عند قوله تعالى: وهم لا يستكبرون","level":6,"page":491},{"title":"الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: وخر راكعا وأناب","level":6,"page":491},{"title":"الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: وهم لا يسأمون","level":6,"page":491},{"title":"الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم","level":6,"page":491},{"title":"الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون","level":6,"page":492},{"title":"الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: واسجد واقترب","level":6,"page":492},{"title":"٥ - سجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت","level":5,"page":492},{"title":"٦ - صفة سجود التلاوة","level":5,"page":492},{"title":"٧ - الدعاء في سجود التلاوة","level":5,"page":494},{"title":"سابعا: سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، واندفاع النقم التي وجد سببها فسلم منها المسلم","level":4,"page":495},{"title":"القسم الخامس: أوقات النهي عن صلاة التطوع:","level":3,"page":496},{"title":"أولا: أوقات النهي عن صلاة التطوع المطلق خمسة بالبسط وثلاثة بالاختصار","level":4,"page":496},{"title":"ثانيا: الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي:","level":4,"page":498},{"title":"المبحث الرابع والعشرون: صلاة الجماعة","level":1,"page":504},{"title":"أولا: مفهوم صلاة الجماعة: لغة، واصطلاحا:","level":2,"page":504},{"title":"١ - الصلاة لغة","level":3,"page":504},{"title":"٢ - الصلاة في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":504},{"title":"دعاء المسألة","level":4,"page":505},{"title":"ودعاء العبادة","level":4,"page":505},{"title":"٣ - الجماعة لغة","level":3,"page":505},{"title":"٤ - الجماعة في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":506},{"title":"ثانيا: حكم صلاة الجماعة:","level":2,"page":506},{"title":"١ - أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة","level":3,"page":507},{"title":"٢ - أمر الله - ﷿ - بالصلاة مع المصلين","level":3,"page":507},{"title":"٤ - أمر النبي - ﷺ - بالصلاة مع الجماعة","level":3,"page":508},{"title":"٥ - هم النبي - ﷺ - بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة","level":3,"page":508},{"title":"٦ - لم يرخص النبي - ﷺ - للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة","level":3,"page":509},{"title":"٧ - بين النبي - ﷺ - أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له","level":3,"page":510},{"title":"٨ - ترك صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال","level":3,"page":510},{"title":"٩ - تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه","level":3,"page":512},{"title":"١٠ - استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة","level":3,"page":512},{"title":"١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة","level":3,"page":513},{"title":"١٢ - تفقد النبي - ﷺ - للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة","level":3,"page":514},{"title":"١٣ - إجماع الصحابة - ﵃ - على وجوب صلاة الجماعة","level":3,"page":515},{"title":"ثالثا: فوائد صلاة الجماعة:","level":2,"page":516},{"title":"١ - شرع الله - ﷿ - لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة","level":3,"page":516},{"title":"٢ - التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ طلبا للثواب، وخوفا من عقاب الله، ورغبة فيما عنده","level":3,"page":516},{"title":"٣ - التوادد، وهو التحاب","level":3,"page":516},{"title":"٤ - التعارف","level":3,"page":516},{"title":"٥ - إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام","level":3,"page":516},{"title":"٦ - إظهار عز المسلمين","level":3,"page":516},{"title":"٧ - تعليم الجاهل","level":3,"page":517},{"title":"٨ - تشجيع المتخلف عن الجماعة","level":3,"page":517},{"title":"٩ - تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع وعدم التفرق","level":3,"page":517},{"title":"١٠ - تعويد الإنسان ضبط النفس","level":3,"page":517},{"title":"١١ - استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد","level":3,"page":517},{"title":"١٢ - شعور المسلمين بالمساواة، وتحطيم الفوارق الاجتماعية","level":3,"page":517},{"title":"١٣ - تفقد أحوال الفقراء، والمرضى، والمتهاونين بالصلاة","level":3,"page":518},{"title":"١٤ - استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أولها","level":3,"page":518},{"title":"١٥ - اجتماع المسلمين في المسجد راغبين فيما عند الله من أسباب نزول البركات","level":3,"page":518},{"title":"١٦ - يزيد نشاط المسلم فيزيد عمله عندما يشاهد أهل النشاط في العبادة","level":3,"page":518},{"title":"١٧ - تضاعف الحسنات ويعظم الثواب","level":3,"page":518},{"title":"١٨ - الدعوة إلى الله - ﷿ - بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة","level":3,"page":518},{"title":"١٩ - اجتماع المسلمين في أوقات معينة يربيهم على المحافظة على الأوقات","level":3,"page":518},{"title":"رابعا: فضل صلاة الجماعة:","level":2,"page":518},{"title":"١ - صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى","level":3,"page":518},{"title":"أحدها: أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير","level":4,"page":519},{"title":"والثاني: أن يكون أخبر أولا بالقليل","level":4,"page":520},{"title":"والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة","level":4,"page":520},{"title":"٢ - يعصم الله بالصلاة مع الجماعة من الشيطان","level":3,"page":521},{"title":"٣ - يزيد فضل الصلاة مع الجماعة بزيادة عدد المصلين","level":3,"page":521},{"title":"٤ - براءة من النار وبراءة من النفاق لمن صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك تكبيرة الإحرام","level":3,"page":522},{"title":"٥ - من صلى الصبح في جماعة فهو في ضمان الله وأمانه حتى يمسي","level":3,"page":522},{"title":"٦ - من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس فله أجر حجة وعمرة","level":3,"page":523},{"title":"٧ - عظم ثواب صلاة العشاء والصبح في جماعة","level":3,"page":523},{"title":"٨ - اجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر والعصر","level":3,"page":524},{"title":"٩ - يعجب الله تعالى من الصلاة في الجماعة","level":3,"page":526},{"title":"١٠ - منتظر الصلاة مع الجماعة في صلاة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه","level":3,"page":526},{"title":"١١ - الملائكة يدعون لمن صلى مع الجماعة قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلا","level":3,"page":527},{"title":"١٢ - فضل الصف الأول وميامن الصفوف في صلاة الجماعة","level":3,"page":527},{"title":"الفضل الأول: القرعة على الصف الأول وأنه مثل صف الملائكة","level":4,"page":527},{"title":"الفضل الثاني: الصف الأول خير الصفوف","level":4,"page":528},{"title":"الفضل الثالث: الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأولى","level":4,"page":529},{"title":"الصف الأول، أو الصفوف الأولى","level":4,"page":529},{"title":"الفضل الرابع: النبي - ﷺ - صلى على الصف الأول ثلاثا، وعلى الثاني مرة واحدة","level":4,"page":529},{"title":"الفضل الخامس: صلاة الله تعالى وملائكته على ميامين الصفوف","level":4,"page":530},{"title":"الفضل السادس: من وصل صفا وصله الله وعليه صلاة الله تعالى وملائكته","level":4,"page":530},{"title":"١٣ - مغفرة الله ومحبته لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة","level":3,"page":531},{"title":"خامسا: فضل المشي إلى صلاة الجماعة:","level":2,"page":531},{"title":"١ - شديد الحب لصلاة الجماعة بالمسجد في ظل الله يوم القيامة","level":3,"page":531},{"title":"٢ - المشي إلى صلاة الجماعة ترفع به الدرجات، وتحط الخطايا","level":3,"page":532},{"title":"٣ - يكتب له المشي إلى بيته كما كتب له المشي إلى الصلاة","level":3,"page":533},{"title":"٤ - المشي إلى صلاة الجماعة تمحى به الخطايا","level":3,"page":534},{"title":"٥ - المشي إلى صلاة الجماعة بعد إسباغ الوضوء تغفر به الذنوب","level":3,"page":534},{"title":"٦ - إعداد الله تعالى الضيافة في الجنة لمن غدا إلى المسجد أو راح كلما غدا أو راح","level":3,"page":535},{"title":"٧ - من ذهب إلى صلاة الجماعة فسبق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها","level":3,"page":535},{"title":"٨ - من تطهر وخرج إلى صلاة الجماعة فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته","level":3,"page":535},{"title":"٩ - أجر من خرج إلى صلاة الجماعة متطهرا كأجر الحاج المحرم","level":3,"page":536},{"title":"١٠ - الخارج إلى صلاة الجماعة ضامن على الله تعالى","level":3,"page":536},{"title":"الوجه الأول: أن يسلم إذا دخل منزله","level":4,"page":536},{"title":"الوجه الثاني: أن يكون أراد بدخول بيته بسلام","level":4,"page":536},{"title":"١١ - اختصام الملأ الأعلى في المشي على الأقدام إلى صلاة الجماعة","level":3,"page":537},{"title":"١٢ - المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة","level":3,"page":537},{"title":"١٣ - المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب تكفير الخطايا","level":3,"page":537},{"title":"١٤ - إكرام الله تعالى لزائر المسجد","level":3,"page":538},{"title":"١٥ - فرح الله تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيا","level":3,"page":538},{"title":"١٦ - النور التام يوم القيامة لمن مشى في الظلم إلى المساجد","level":3,"page":538},{"title":"سادسا: آداب المشي إلى الصلاة في الجماعة:","level":2,"page":539},{"title":"١ - يتوضأ في بيته ويسبغ الوضوء","level":3,"page":539},{"title":"٢ - يبتعد عن الروائح الكريهة","level":3,"page":539},{"title":"٣ - يأخذ زينته ويتجمل","level":3,"page":539},{"title":"٤ - يدعو دعاء الخروج من المنزل ويخرج بنية الصلاة","level":3,"page":539},{"title":"٥ - لا يشبك بين أصابعه في طريقه إلى المسجد ولا في صلاته؛","level":3,"page":540},{"title":"٦ - يمشي وعليه السكينة والوقار","level":3,"page":540},{"title":"٧ - ينظر في نعليه قبل دخول المسجد","level":3,"page":541},{"title":"٨ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد ويقول: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم","level":3,"page":541},{"title":"٩ - يسلم إذا دخل المسجد على من فيه بصوت يسمعه من حوله","level":3,"page":542},{"title":"١٠ - يصلي تحية المسجد","level":3,"page":542},{"title":"١١ - إذا خلع نعليه داخل المسجد وضعهما بين رجليه","level":3,"page":542},{"title":"١٢ - يختار الجلوس في الصف الأول على يمين الإمام إن تيسر","level":3,"page":543},{"title":"١٣ - يجلس مستقبلا القبلة يقرأ القرآن أو يذكر الله تعالى","level":3,"page":543},{"title":"١٤ - ينوي انتظار الصلاة ولا يؤذي","level":3,"page":543},{"title":"١٥ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة","level":3,"page":544},{"title":"١٦ - يقدم رجله اليسرى عند الخروج من المسجد بعكس دخوله","level":3,"page":544},{"title":"سابعا: تنعقد الجماعة باثنين: إمام ومأموم، ولو مع صبي على الصحيح","level":2,"page":544},{"title":"ثامنا: تدرك الجماعة بإدراك ركعة، ولا يعتد بركعة لا يدرك ركوعها","level":2,"page":546},{"title":"تاسعا: صلاة الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته صلاة الجماعة الأولى","level":2,"page":549},{"title":"عاشرا: من صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة","level":2,"page":551},{"title":"الحادي عشر: المسبوق يصلي ما بقي من صلاته إذا سلم إمامه من غير زيادة","level":2,"page":552},{"title":"الثاني عشر: يعذر في ترك الجماعة بأشياء، هي على النحو الآتي:","level":2,"page":554},{"title":"* الخوف أو المرض","level":3,"page":554},{"title":"* المطر، أو الدحض","level":3,"page":554},{"title":"* الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة","level":3,"page":555},{"title":"* حضور الطعام ونفسه تتوق إليه","level":3,"page":556},{"title":"* مدافعة الأخبثين [البول والغائط]","level":3,"page":557},{"title":"* يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره","level":3,"page":557},{"title":"فظهر أنه يعذر بترك الجماعة بثمانية أشياء:","level":4,"page":557},{"title":"المبحث الخامس والعشرون: مكان صلاة الجماعة: المساجد","level":1,"page":559},{"title":"١ - مفهوم المساجد","level":2,"page":559},{"title":"فالمسجد لغة","level":3,"page":559},{"title":"والمسجد في الاصطلاح الشرعي","level":3,"page":559},{"title":"أما الجامع: فهو نعت للمسجد","level":3,"page":560},{"title":"٢ - فضل المساجد وشرفها","level":2,"page":560},{"title":"٣ - أفضل المساجد: المساجد الثلاثة","level":2,"page":564},{"title":"٤ - مسجد قباء أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة","level":2,"page":565},{"title":"٥ - فضل بناء المساجد وعمارتها","level":2,"page":566},{"title":"٦ - تنظيف المساجد، وتطييبها، وصيانتها","level":2,"page":570},{"title":"٧ - يبتعد المسلم عن الروائح الخبيثة إذا ذهب إلى المسجد","level":2,"page":572},{"title":"٨ - فضل المشي إلى المساجد دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة","level":2,"page":573},{"title":"٩ - المساجد يجب أن تقام الجماعة فيها، ولا يجوز للرجال فعلها إلا في المسجد","level":2,"page":573},{"title":"١٠ - تحريم اتخاذ القبور مساجد","level":2,"page":574},{"title":"١١ - دخول الكافر المسجد عند الحاجة بدون ضرر أو أذى","level":2,"page":575},{"title":"١٢ - جواز إنشاد الشعر الحكيم النافع في المسجد","level":2,"page":576},{"title":"١٣ - تحريم السؤال عن الضالة في المسجد","level":2,"page":576},{"title":"١٤ - تحريم البيع والشراء في المساجد","level":2,"page":577},{"title":"١٥ - لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها","level":2,"page":577},{"title":"١٦ - النوم والأكل والسكن وبقاء المريض في المسجد","level":2,"page":578},{"title":"١٧ - اللعب المباح في المسجد","level":2,"page":579},{"title":"١٨ - تشييد المساجد، وزخرفتها، والاقتصاد في بنائها","level":2,"page":580},{"title":"١٩ - الكلام في المسجد لا بأس به إذا كان مباحا","level":2,"page":582},{"title":"٢٠ - رفع الأصوات في المساجد ممنوع","level":2,"page":583},{"title":"٢١ - الصلاة بين السواري في المسجد","level":2,"page":585},{"title":"٢٢ - التحلق في المسجد قبل صلاة الجمعة","level":2,"page":585},{"title":"٢٣ - الانتقال عند النعاس في المسجد إلى مكان آخر","level":2,"page":586},{"title":"٢٤ - الصلاة في الكنيسة وإزالتها واتخاذ مكانها مسجد","level":2,"page":588},{"title":"٢٥ - الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق","level":2,"page":589},{"title":"٢٦ - صلاة النساء في المساجد جاءت في الأحاديث الصحيحة","level":2,"page":591},{"title":"٢٧ - الاحتباء في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب","level":2,"page":593},{"title":"٢٨ - المنبر: مرقاة الخطيب سمي منبرا","level":2,"page":595},{"title":"٢٩ - الإخلاص عند إتيان المسجد، ليفوز بالثواب العظيم","level":2,"page":596},{"title":"٣٠ - يحذر من هجر المسجد الذي يليه إلا لعذر","level":2,"page":597},{"title":"٣١ - يحذر من تخطي رقاب الناس","level":2,"page":597},{"title":"٣٢ - لا يفرق بين اثنين","level":2,"page":598},{"title":"٣٣ - لا يمر بين يدي المصلي وسترته","level":2,"page":598},{"title":"٣٤ - لا يتخذ مكانا خاصا لا يصلي إلا فيه","level":2,"page":598},{"title":"٣٥ - لا يقيم أحدا من مكانه ليجلس فيه","level":2,"page":599},{"title":"٣٦ - ينصت للخطبة يوم الجمعة","level":2,"page":599},{"title":"٣٧ - لا يشغل الوقت بين الأذان والإقامة بالكلام مع الناس","level":2,"page":599},{"title":"٣٨ - لا يحجز مكانا بسجادة ونحوها","level":2,"page":599},{"title":"٣٩ - لا يجلس الجنب والحائض في المسجد","level":2,"page":600},{"title":"٤٠ - المواضع المنهي عن الصلاة فيها","level":2,"page":601},{"title":"٤١ - حلقات العلم في المساجد من أعظم القربات لله تعالى","level":2,"page":605},{"title":"المبحث السادس والعشرون: الإمامة في الصلاة","level":1,"page":610},{"title":"أولا: مفهوم الإمامة والإمام:","level":2,"page":610},{"title":"ثانيا: فضل الإمامة في الصلاة والعلم:","level":2,"page":610},{"title":"١ - الإمامة في الصلاة ولاية شرعية ذات فضل","level":3,"page":610},{"title":"٢ - الإمام في الصلاة يقتدى به في الخير","level":3,"page":610},{"title":"٣ - دعاء النبي - ﷺ - للأئمة بالإرشاد","level":3,"page":611},{"title":"٤ - الإمامة فضلها مشهور، تولاها النبي - ﷺ - بنفسه","level":3,"page":611},{"title":"٥ - عظم شأن الإمامة وخطره على من استهان بأمرها ظاهر","level":3,"page":612},{"title":"ثالثا: طلب الإمامة في الصلاة إذا صلحت النية لا بأس به","level":2,"page":613},{"title":"رابعا: أولى الناس بالإمامة: الأقرأ","level":2,"page":613},{"title":"خامسا: أنواع الإمامة في الصلاة على النحو الآتي:","level":2,"page":616},{"title":"١ - إمامة الصبي جائزة على الصحيح","level":3,"page":616},{"title":"٢ - إمامة الأعمى صحيحة بلا كراهة","level":3,"page":617},{"title":"٣ - إمامة العبد والمولى صحيحة","level":3,"page":618},{"title":"٤ - إمامة المرأة للنساء صحيحة","level":3,"page":619},{"title":"٥ - إمامة الرجل للنساء فقط صحيحة","level":3,"page":620},{"title":"٦ - إمامة المفضول للفاضل صحيحة","level":3,"page":620},{"title":"٧ - إمامة المتيمم للمتوضئ جائزة","level":3,"page":621},{"title":"٨ - إمامة المسافر للمقيم صحيحة ويتم المقيم بعد سلام المسافر","level":3,"page":622},{"title":"٩ - إمامة المقيم للمسافر صحيحة، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه","level":3,"page":622},{"title":"١٠ - إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم","level":3,"page":623},{"title":"١١ - إمامة من يقضي الصلاة بمن يؤديها عكس المسألة السابقة صحيحة على القول الصحيح","level":3,"page":624},{"title":"١٢ - إمامة المفترض للمتنفل صحيحة بلا خلاف","level":3,"page":624},{"title":"١٣ - إمامة المتنفل للمفترض جائزة على القول الصحيح","level":3,"page":625},{"title":"١٤ - إمامة من يصلي العصر أو غيرها بمن يصلي الظهر أو غيرها جائزة على القول الصحيح","level":3,"page":625},{"title":"١٥ - إمامة الفاسق الذي تصح صلاته لنفسه صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم","level":3,"page":628},{"title":"١٦ - إمامة من يكرهه أكثر الجماعة بحق مكروهة على أقل الأحوال","level":3,"page":631},{"title":"١٧ - إمامة الزائر لقوم منهي عنها إلا بإذنهم","level":3,"page":632},{"title":"١٨ - الإمامة في مسجد قبل إمامه لا تجوز إلا إذا تأخر عن الوقت المحدد أو بإذنه","level":3,"page":634},{"title":"١٩ - الإمامة من المصحف صحيحة على الصحيح من قولي أهل العلم","level":3,"page":634},{"title":"سادسا: وقوف المأموم مع الإمام أنواع:","level":2,"page":635},{"title":"١ - وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام","level":3,"page":635},{"title":"٢ - وقوف الاثنين فأكثر خلف الإمام","level":3,"page":635},{"title":"٣ - وقوف الإمام تلقاء وسط الصف","level":3,"page":636},{"title":"٤ - وقوف المرأة الواحدة خلف الرجل","level":3,"page":637},{"title":"٥ - وقوف المرأة الواحدة أو أكثر خلف الرجال","level":3,"page":637},{"title":"٦ - وقوف المرأة الواحدة مع المرأة كوقوف الرجل مع الرجل الواحد، تقف عن يمينها","level":3,"page":638},{"title":"٧ - وقوف النساء مع المرأة عن يمينها وشمالها، فإمامتهن تقوم وسطهن في صفهن","level":3,"page":638},{"title":"٨ - وقوف العراة مع إمامهم العاري عن يمينه وشماله، فيكون إمامهم وسط صفهم ولو طال الصف","level":3,"page":638},{"title":"٩ - وقوف الرجال، والصبيان، والنساء مع الإمام على النحو الآتي:","level":3,"page":639},{"title":"أ- يصف الرجال خلف الإمام إن سبقوا","level":4,"page":639},{"title":"ب- ثم يصف الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا أو يمنع مانع","level":4,"page":639},{"title":"ج- ثم يصف النساء خلف الصبيان","level":4,"page":639},{"title":"سابعا: متى يقوم المأمومون لأداء الصلاة؟","level":2,"page":642},{"title":"ثامنا: الصفوف في الصلاة والعناية بها:","level":2,"page":644},{"title":"١ - ترتيب الصفوف","level":3,"page":644},{"title":"٢ - تسوية الصفوف تجب على الصحيح","level":3,"page":645},{"title":"٣ - ألفاظ النبي - ﷺ - في تسوية الصفوف أنواع على النحو الآتي:","level":3,"page":646},{"title":"النوع الأول: أقيموا صفوفكم وتراصوا","level":4,"page":646},{"title":"النوع الثاني: سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة","level":4,"page":646},{"title":"النوع الثالث: سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة","level":4,"page":646},{"title":"النوع الرابع: أقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة","level":4,"page":646},{"title":"النوع الخامس: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم","level":4,"page":646},{"title":"النوع السادس: أتموا الصفوف","level":4,"page":646},{"title":"النوع السابع: أقيموا الصفوف","level":4,"page":647},{"title":"النوع الثامن: أقيموا صفوفكم - ثلاثا -","level":4,"page":647},{"title":"النوع التاسع: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم","level":4,"page":647},{"title":"النوع العاشر: رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق","level":4,"page":647},{"title":"النوع الحادي عشر: أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر","level":4,"page":648},{"title":"النوع الثاني عشر: استووا، استووا، استووا","level":4,"page":648},{"title":"النوع الثالث عشر: كان رسول الله - ﷺ - يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا","level":4,"page":648},{"title":"النوع الرابع عشر: أحسنوا إقامة الصفوف","level":4,"page":648},{"title":"النوع الخامس عشر: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها","level":4,"page":648},{"title":"٤ - الصف الأول أفضل الصفوف","level":3,"page":648},{"title":"٥ - ميامن الصفوف أفضل","level":3,"page":650},{"title":"٦ - وصل الصفوف رغب فيه النبي - ﷺ -، وحذر عن قطعها","level":3,"page":650},{"title":"٧ - صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح على القول الصحيح","level":3,"page":650},{"title":"٨ - صلاة الصفوف بين السواري مكروهة لغير حاجة","level":3,"page":652},{"title":"٩ - كمال الصفوف وتسويتها يشمل عدة أمور على النحو الآتي:","level":3,"page":652},{"title":"الأمر الأول: أن يدنو أولو الفضل من الإمام","level":4,"page":653},{"title":"الأمر الثاني: ترتيب الصفوف: الرجال، ثم الصبيان إن لم يسبق الصبيان إلى الصفوف الأول","level":4,"page":653},{"title":"الأمر الثالث: تسوية محاذاة الصفوف وقد سبقت","level":4,"page":653},{"title":"الأمر الرابع: التراص في الصف؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك","level":4,"page":653},{"title":"الأمر الخامس: إكمال الصف الأول فالأول","level":4,"page":653},{"title":"الأمر السادس: التقارب بين الصفوف، وبينها وبين الإمام","level":4,"page":653},{"title":"الأمر السابع: تفضيل اليمين في الصفوف","level":4,"page":653},{"title":"الأمر الثامن: أن تفرد النساء وحدهن بحيث يكون النساء خلف الرجال، ولا يختلط النساء","level":4,"page":653},{"title":"الأمر التاسع: اقتداء كل صف بمن أمامه عند الحاجة إذا كان صوت الإمام خفيا","level":4,"page":653},{"title":"الأمر العاشر: عدم صلاة الفذ خلف الصف","level":4,"page":653},{"title":"الأمر الحادي عشر: عدم صلاة المأمومين بين السواري","level":4,"page":653},{"title":"١٠ - جواز انفراد المأموم عن الإمام لعذر","level":3,"page":653},{"title":"١١ - انتقال المنفرد إماما لا بأس به","level":3,"page":655},{"title":"١٢ - انتقال الإمام مأموما إذا استخلف فحضر مستخلفه","level":3,"page":657},{"title":"والحديث يدل على جواز انتقال الإمام مأموما إذا استخلف فحضر مستخلفه","level":4,"page":658},{"title":"١٣ - انتقال المأموم إماما إذا استخلفه الإمام لا بأس به","level":3,"page":659},{"title":"تاسعا: الاقتداء وشروطه ولوازمه على النحو الآتي:","level":2,"page":659},{"title":"١ - صفة الاقتداء بالإمام وعدم سبقه ومقارنته","level":3,"page":659},{"title":"٢ - مسابقة الإمام","level":3,"page":660},{"title":"٣ - أحوال المأموم مع إمامه: أربعة أحوال","level":3,"page":662},{"title":"الحال الأول: المسابقة","level":4,"page":662},{"title":"الحال الثاني: الموافقة أو المقارنة","level":4,"page":664},{"title":"القسم الأول: الموافقة في الأقوال","level":5,"page":664},{"title":"القسم الثاني: الموافقة في الأفعال","level":5,"page":665},{"title":"الحال الثالث: التأخر أو التخلف عن متابعة الإمام","level":4,"page":665},{"title":"القسم الأول: التخلف بعذر","level":5,"page":665},{"title":"القسم الثاني: تخلف أو تأخر بغير عذر","level":5,"page":666},{"title":"الحال الرابع: المتابعة","level":4,"page":666},{"title":"٤ - ارتفاع مكان الإمام اليسير على المأمومين لا يضر","level":3,"page":667},{"title":"٥ - الاقتداء بالإمام داخل المسجد وخارجه، والحوائل بينه وبين المأمومين على النحو الآتي:","level":3,"page":670},{"title":"أولا: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد","level":4,"page":670},{"title":"ثانيا: إذا كان المأموم خارج المسجد والإمام داخله صح الاقتداء","level":4,"page":671},{"title":"ثالثا: إذا كان المأموم خارج المسجد والإمام داخله","level":4,"page":671},{"title":"٦ - المسبوق إذا أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة","level":3,"page":673},{"title":"٧ - اقتداء الصف الأول ومن بعده بالإمام، واقتداء الثاني بالأول، والصف الثالث بالثاني","level":3,"page":673},{"title":"٨ - الاقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو غير ذلك ولم يعلم المأموم","level":3,"page":674},{"title":"٩ - الاقتداء بمن ذكر أنه محدث أو خرج لحدث سبقه وحكم الاستخلاف:","level":3,"page":676},{"title":"١٠ - اقتداء الجالس القادر على القيام بالجالس المعذور","level":3,"page":680},{"title":"١١ - اقتداء القائم بالجالس المعذور جائز","level":3,"page":682},{"title":"١٢ - اقتداء الجالس المعذور بالقائم لا بأس به","level":3,"page":683},{"title":"١٣ - قراءة المأموم خلف الإمام واجبة على القول الصحيح في الصلاة السرية والجهرية","level":3,"page":684},{"title":"عاشرا: آداب الإمام في الصلاة على النحو الآتي:","level":2,"page":685},{"title":"١ - تخفيف الصلاة مع الكمال والتمام","level":3,"page":685},{"title":"القسم الأول: تخفيف لازم","level":4,"page":687},{"title":"القسم الثاني: تخفيف عارض","level":4,"page":687},{"title":"٢ - تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية","level":3,"page":687},{"title":"المسألة الأولى: إذا كان الفرق يسيرا فلا حرج","level":4,"page":687},{"title":"المسألة الثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف","level":4,"page":687},{"title":"٣ - تطويل الركعتين الأوليين وتقصير الأخريين من كل صلاة","level":3,"page":688},{"title":"٤ - مراعاة مصلحة المأمومين بشرط ألا يخالف السنة","level":3,"page":688},{"title":"٥ - لا يصلي في موضعه الذي صلى فيه المكتوبة","level":3,"page":689},{"title":"٦ - يمكث في مكانه بعد السلام يسيرا","level":3,"page":692},{"title":"٧ - يستقبل المأمومين بوجهه إذا سلم","level":3,"page":693},{"title":"٨ - لا يخص نفسه بالدعاء الذي يؤمن عليه المأمومون دونهم","level":3,"page":693},{"title":"٩ - لا يصلي في مكان مرتفع جدا عن المأمومين إلا أن يكون معه بعض الصفوف فلا حرج","level":3,"page":693},{"title":"١٠ - لا يصلي في مكان يستتر فيه عن جميع المأمومين","level":3,"page":693},{"title":"١١ - لا يطيل القعود بعد السلام مستقبل القبلة","level":3,"page":693},{"title":"١٢ - ينصرف إلى الناس بعد السلام تارة عن يمينه وتارة عن شماله، لا حرج في شيء من ذلك","level":3,"page":694},{"title":"١٣ - يتخذ سترة؛ لأنها سترة له ولمن خلفه","level":3,"page":695},{"title":"الحادي عشر: آداب المأموم في الصلاة على النحو الآتي:","level":2,"page":695},{"title":"١ - إذا سمع الإقامة فلا يسرع وعليه السكينة والوقار","level":3,"page":695},{"title":"٢ - لا يركع قبل الدخول في الصف؛","level":3,"page":695},{"title":"٣ - لا يقوم المأموم إذا أقيمت الصلاة حتى يخرج الإمام","level":3,"page":695},{"title":"٤ - يبلغ صوت الإمام عند الحاجة","level":3,"page":696},{"title":"٥ - يقول خلف الإمام ربنا لك الحمد بعد قول الإمام سمع الله لمن حمده","level":3,"page":696},{"title":"٦ - إذا تأخر الإمام تأخرا ظاهرا قدم المأمومون أفضلهم؛","level":3,"page":696},{"title":"٧ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة","level":3,"page":697},{"title":"٨ - لا يتطوع مكان المكتوبة حتى يفصل بينهما بكلام أو يخرج","level":3,"page":697},{"title":"٩ - لا ينصرف قبل الإمام، بل ينتظر حتى يستقبل الإمام الناس","level":3,"page":697},{"title":"١٠ - لا يصف في صف بين السواري إلا لحاجة","level":3,"page":698},{"title":"١١ - يدخل مع الإمام إذا سبقه على أي حال يدركه","level":3,"page":698},{"title":"١٢ - لا يلازم بقعة بعينها في المسجد لا يصلي إلا فيها","level":3,"page":698},{"title":"١٣ - الفتح على الإمام إذا لبس عليه في القراءة","level":3,"page":698},{"title":"١٤ - لا يصلي قدام الإمام","level":3,"page":699},{"title":"المبحث السابع والعشرون: صلاة المريض","level":1,"page":700},{"title":"أولا: مفهوم المرض","level":2,"page":700},{"title":"ثانيا: صبر المريض واحتسابه","level":2,"page":700},{"title":"ثالثا: المسلم يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة","level":2,"page":703},{"title":"رابعا: الاجتهاد في حال الصحة في الأعمال الصالحة","level":2,"page":704},{"title":"خامسا: يسر الشريعة الإسلامية وسهولتها، وكمالها","level":2,"page":704},{"title":"سادسا: كيفية طهارة المريض على النحو الآتي:","level":2,"page":705},{"title":"١ - يجب على المريض أن يتوضأ من الحدث الأصغر","level":3,"page":705},{"title":"٢ - يجب أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة بالما","level":3,"page":705},{"title":"٣ - إذا كان المريض لا يستطيع الحركة","level":3,"page":706},{"title":"٤ - فإن كان المريض لا يستطيع أن يتطهر بالماء","level":3,"page":706},{"title":"كيفية التيمم","level":4,"page":706},{"title":"٥ - فإن لم يستطع أن يتيمم بنفسه","level":3,"page":707},{"title":"٦ - من به جروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء","level":3,"page":707},{"title":"٧ - إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح يستطيع أن يغسله بالماء غسله","level":3,"page":707},{"title":"٨ - إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى","level":3,"page":708},{"title":"٩ - يجب على المريض أن يطهر بدنه وثيابه، وموضع صلاته من النجاسات","level":3,"page":708},{"title":"١٠ - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة","level":3,"page":708},{"title":"١١ - المريض المصاب بسلس البول، أو استمرار خروج الدم، أو الريح","level":3,"page":708},{"title":"سابعا: كيفية صلاة المريض على النحو الآتي:","level":2,"page":709},{"title":"١ - يجب على المريض الذي لا يخاف زيادة مرضه أن يصلي الفريضة قائما","level":3,"page":709},{"title":"٢ - إن قدر المريض على القيام بأن يتكئ على عصا أو يستند إلى حائط","level":3,"page":709},{"title":"٣ - إن قدر المريض على القيام إلا أنه يكون منحنيا على هيئة الراكع","level":3,"page":709},{"title":"٤ - المريض الذي يقدر على القيام لكنه يعجز عن الركوع أو السجود لا يسقط عنه القيام","level":3,"page":709},{"title":"٥ - المريض الذي يزيد القيام في مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة، أو يضره","level":3,"page":710},{"title":"٦ - الأفضل للمريض إذا صلى جالسا أن يكون متربعا في موضع القيام","level":3,"page":710},{"title":"٧ - إن عجز المريض عن الصلاة قاعدا صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه","level":3,"page":711},{"title":"٨ - فإن عجز المريض عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيا","level":3,"page":711},{"title":"٩ - فإن عجز المريض عن الصلاة إلى القبلة ولم يوجد من يوجهه إليها","level":3,"page":712},{"title":"١٠ - فإن عجز المريض عن الصلاة مستلقيا صلى على حسب حاله","level":3,"page":712},{"title":"١١ - فإن عجز المريض عن جميع الأحوال السابقة صلى بقلبه","level":3,"page":712},{"title":"١٢ - إذا قدر المريض في أثناء صلاته على ما كان عاجزا عنه","level":3,"page":712},{"title":"١٣ - إن عجز المريض عن السجود على الأرض؛ فإنه يومئ بالسجود في الهواء","level":3,"page":713},{"title":"١٤ - يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها","level":3,"page":713},{"title":"١٥ - لا يجوز للمريض ترك الصلاة بأي حال من الأحوال مادام عقله ثابتا","level":3,"page":714},{"title":"١٦ - إذا نام المريض عن صلاته، أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه","level":3,"page":715},{"title":"١٧ - إذا كان المريض مسافرا يعالج في غير بلده، فإنه يقصر الصلاة الرباعية","level":3,"page":715},{"title":"ثامنا: الصلاة في السفينة والطائرة، والقطار، والسيارة، أو على الراحلة على النحو الآتي:","level":2,"page":717},{"title":"١ - تصح صلاة الفرض في السفينة والباخرة والقطار، قائما عند القدرة","level":3,"page":717},{"title":"٢ - الصلاة المفروضة في الطائرة صحيحة","level":3,"page":718},{"title":"٣ - الصلاة في السيارة أو على الراحلة على النحو الآتي:","level":3,"page":719},{"title":"أ- إذا كانت السيارة كبيرة وفيها مكان واسع للصلاة","level":4,"page":719},{"title":"ب- إذا كان لا يستطيع أن يقوم بما يجب عليه في صلاة الفريضة","level":4,"page":719},{"title":"جـ- أما الصلاة على الرواحل: كالإبل، والخيل، والبغال","level":4,"page":719},{"title":"٤ - صلاة النافلة في السفر تصح على جميع وسائل النقل","level":3,"page":719},{"title":"المبحث الثامن والعشرون: صلاة المسافر","level":1,"page":721},{"title":"أولا: مفهوم السفر","level":2,"page":721},{"title":"ثانيا: أنواع السفر على النحو الآتي:","level":2,"page":721},{"title":"١ - سفر حرام","level":3,"page":721},{"title":"٢ - سفر واجب","level":3,"page":721},{"title":"٣ - سفر مستحب","level":3,"page":721},{"title":"٤ - سفر مباح","level":3,"page":721},{"title":"٥ - سفر مكروه","level":3,"page":722},{"title":"ثالثا: آداب السفر والعمرة والحج:","level":2,"page":722},{"title":"١ - يستخير الله سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق، وجهة الطريق","level":3,"page":723},{"title":"٢ - يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله تعالى","level":3,"page":723},{"title":"٣ - على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج، وأحكام السفر قبل أن يسافر","level":3,"page":724},{"title":"٤ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، سواء كان حاجا أو معتمرا","level":3,"page":724},{"title":"٥ - على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه وعمرت","level":3,"page":724},{"title":"٦ - يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه فالآجال بيد الله تعالى","level":3,"page":724},{"title":"٧ - يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى الله تعالى، وهي وصية الله تعالى","level":3,"page":725},{"title":"٨ - يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح","level":3,"page":725},{"title":"٩ - يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم: من جيرانه","level":3,"page":726},{"title":"١٠ - لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر","level":3,"page":726},{"title":"١١ - إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن","level":3,"page":726},{"title":"١٢ - يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار؛ لفعله - ﷺ -","level":3,"page":727},{"title":"١٣ - يستحب له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل","level":3,"page":727},{"title":"١٤ - يستحب له أن يدعو بدعاء السفر","level":3,"page":727},{"title":"١٥ - يستحب له أن لا يسافر وحده بلا رفقة","level":3,"page":728},{"title":"١٦ - يؤمر المسافرون أحدهم؛ ليكون أجمع لشملهم، وأدعى لاتفاقهم","level":3,"page":728},{"title":"١٧ - يستحب إذا نزل المسافرون منزلا أن ينضم بعضهم إلى بعض","level":3,"page":728},{"title":"١٨ - يستحب إذا نزل منزلا في السفر أو غيره من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه - ﷺ -","level":3,"page":729},{"title":"١٩ - يستحب له أن يكبر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية","level":3,"page":729},{"title":"٢٠ - يستحب له أن يدعو بدعاء دخول القرية أو البلدة","level":3,"page":729},{"title":"٢١ - يستحب له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله","level":3,"page":729},{"title":"٢٢ - يستحب له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر","level":3,"page":730},{"title":"٢٣ - يستحب له أن يكثر من الدعاء في السفر","level":3,"page":730},{"title":"٢٤ - يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه","level":3,"page":730},{"title":"٢٥ - يبتعد عن جميع المعاصي","level":3,"page":730},{"title":"٢٦ - يحافظ على جميع الواجبات، ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة","level":3,"page":731},{"title":"٢٧ - يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس، والخلق الحسن","level":3,"page":731},{"title":"٢٨ - يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال، والجاه","level":3,"page":732},{"title":"٢٩ - يتعجل في العودة ولا يطيل المكث في السفر لغير حاجة","level":3,"page":732},{"title":"٣٠ - يستحب له أن يقول أثناء رجوعه من سفره ما ثبت عن النبي - ﷺ -","level":3,"page":732},{"title":"٣١ - يستحب له إذا رأى بلدته أن يقول: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون","level":3,"page":733},{"title":"٣٢ - لا يقدم على أهله ليلا إذا أطال الغيبة لغير حاجة إلا إذا بلغهم بذلك","level":3,"page":733},{"title":"٣٣ - يستحب للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد الذي بجواره ويصلي فيه ركعتين","level":3,"page":733},{"title":"٣٤ - يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطف بالولدان من أهل بيته وجيرانه ويحسن إليهم","level":3,"page":734},{"title":"٣٥ - تستحب الهدية، لما فيها من تطييب القلوب وإزالة الشحناء، ويستحب قبولها، والإثابة عليها","level":3,"page":734},{"title":"٣٦ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة","level":3,"page":735},{"title":"٣٧ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر","level":3,"page":735},{"title":"رابعا: الأصل في قصر الصلاة في السفر: الكتاب والسنة والإجماع:","level":2,"page":736},{"title":"١ - أما الكتاب","level":3,"page":736},{"title":"٢ - وأما السنة فقد تواترت الأخبار","level":3,"page":736},{"title":"٣ - وأما الإجماع","level":3,"page":737},{"title":"خامسا: القصر في السفر أفضل من الإتمام","level":2,"page":737},{"title":"سادسا: مسافة قصر الصلاة في السفر","level":2,"page":739},{"title":"سابعا: يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته","level":2,"page":743},{"title":"ثامنا: إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة","level":2,"page":744},{"title":"تاسعا: قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج","level":2,"page":746},{"title":"عاشرا: جواز التطوع على المركوب في السفر الطويل والقصير:","level":2,"page":748},{"title":"الحادي عشر: السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر","level":2,"page":750},{"title":"الثاني عشر: صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة","level":2,"page":752},{"title":"الثالث عشر: صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة","level":2,"page":752},{"title":"الرابع عشر: نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة","level":2,"page":753},{"title":"الخامس عشر: رخص السفر:","level":2,"page":755},{"title":"١ - القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر","level":3,"page":756},{"title":"٢ - الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما","level":3,"page":756},{"title":"٣ - الفطر في رمضان من رخص السفر","level":3,"page":756},{"title":"٤ - الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره","level":3,"page":756},{"title":"٥ - وكذلك المتنفل الماشي","level":3,"page":756},{"title":"٦ - المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها، ثلاثة أيام بلياليها","level":3,"page":756},{"title":"٧ - ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك","level":3,"page":757},{"title":"٨ - من رخص السفر ما ثبت عن النبي - ﷺ -","level":3,"page":757},{"title":"السادس عشر: الجمع وأنواعه ودرجاته:","level":2,"page":757},{"title":"١ - الجمع بعرفة","level":3,"page":757},{"title":"٢ - الجمع بمزدلفة","level":3,"page":758},{"title":"٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما","level":3,"page":758},{"title":"٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث","level":3,"page":761},{"title":"الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرا في وقت الصلاة الأولى","level":4,"page":761},{"title":"الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلا في وقت الصلاة الأولى","level":4,"page":761},{"title":"الدرجة الثالثة: إذا كان المسافر نازلا في وقت الصلاتين جميعا نزولا مستمرا","level":4,"page":762},{"title":"٥ - الجمع للمريض الذي يلحقه بتركه مشقة وضعف جائز","level":3,"page":764},{"title":"٦ - الجمع في المطر الذي تحصل به المشقة على الناس","level":3,"page":765},{"title":"٧ - الجمع لأجل الوحل الشديد","level":3,"page":768},{"title":"المبحث التاسع والعشرون: صلاة الخوف","level":1,"page":772},{"title":"أولا: مفهوم صلاة الخوف","level":2,"page":772},{"title":"الصلاة: لغة","level":3,"page":772},{"title":"واصطلاحا:","level":3,"page":772},{"title":"والخوف لغة","level":3,"page":772},{"title":"واصطلاحا:","level":3,"page":772},{"title":"ثانيا: سماحة الإسلام ويسر الشريعة ومحاسنها مع الكمال ورفع الحرج","level":2,"page":772},{"title":"أ - من القرآن الكريم آيات كثيرة وهي على نوعين:","level":3,"page":773},{"title":"النوع الأول: الآيات الكريمة التي تنص على نفي الحرج، ومنها:","level":4,"page":773},{"title":"النوع الثاني: الآيات التي تدل على التيسير والتخفيف، ومنها:","level":4,"page":774},{"title":"ب - الأدلة من السنة على اليسر والسماحة والسهولة كثيرة منها:","level":3,"page":776},{"title":"ج - منهج الصحابة - ﵃ - ومن تبعهم بإحسان","level":3,"page":778},{"title":"ثالثا: الأصل في مشروعية صلاة الخوف: الكتاب والسنة، والإجماع:","level":2,"page":778},{"title":"١ - أما الكتاب","level":3,"page":778},{"title":"٢ - وأما السنة","level":3,"page":779},{"title":"٣ - وأما الإجماع","level":3,"page":779},{"title":"رابعا: أنواع صلاة الخوف","level":2,"page":779},{"title":"النوع الأول: ما يوافق ظاهر القرآن: يقسم الأمير أو القائد من معه","level":3,"page":780},{"title":"النوع الثاني: إذا كان العدو في جهة القبلة ولا يخفى بعضهم","level":3,"page":781},{"title":"النوع الثالث: يقسم الإمام أصحابه إلى طائفتين","level":3,"page":782},{"title":"النوع الرابع: أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة","level":3,"page":784},{"title":"النوع الخامس: يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة","level":3,"page":785},{"title":"خامسا: صلاة الخوف في الحضر تؤدى بدون قصر","level":2,"page":787},{"title":"سادسا: صلاة الخوف حال القتال والتحام الحرب","level":2,"page":788},{"title":"المبحث الثلاثون: صلاة الجمعة","level":1,"page":793},{"title":"أولا: مفهومها","level":2,"page":793},{"title":"ثانيا: الأصل في وجوب صلاة الجمعة: الكتاب والسنة والإجماع","level":2,"page":794},{"title":"١ - أما الكتاب","level":3,"page":794},{"title":"٢ - وأما السنة","level":3,"page":795},{"title":"٣ - وأما الإجماع","level":3,"page":795},{"title":"ثالثا: حكم صلاة الجمعة: من تجب عليه، ومن لا تجب عليه:","level":2,"page":796},{"title":"١ - أما الإسلام","level":3,"page":797},{"title":"٢ - وأما البلوغ","level":3,"page":797},{"title":"٣ - وأما العقل","level":3,"page":798},{"title":"٥ - وأما الحرية","level":3,"page":798},{"title":"٦ - الاستيطان ببناء معتاد","level":3,"page":799},{"title":"٧ - سماع النداء","level":3,"page":800},{"title":"٨ - انتفاء الأعذار","level":3,"page":801},{"title":"القسم الأول: شرط للصحة والانعقاد، وهو: الإسلام والعقل","level":4,"page":801},{"title":"القسم الثاني: شروط للوجوب والانعقاد","level":4,"page":801},{"title":"القسم الثالث: شرط لوجوب السعي فقط","level":4,"page":801},{"title":"القسم الرابع: شرط الانعقاد","level":4,"page":801},{"title":"رابعا: من حضر الجمعة ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء","level":2,"page":801},{"title":"خامسا: عقوبة تارك صلاة الجمعة عظيمة","level":2,"page":802},{"title":"سادسا: حكم السفر في يوم الجمعة لمن تلزمه","level":2,"page":802},{"title":"سابعا: فضائل يوم الجمعة، له فضائل كثيرة، منها ما يلي:","level":2,"page":803},{"title":"١ - هداية هذه الأمة ليوم الجمعة فضل عظيم","level":3,"page":803},{"title":"٢ - يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس","level":3,"page":804},{"title":"٣ - يوم الجمعة سيد الأيام","level":3,"page":805},{"title":"٤ - يوم الجمعة أفضل الأيام","level":3,"page":806},{"title":"٥ - يوم الجمعة عيد الأسبوع، ويوم المزيد لأهل الجنة","level":3,"page":806},{"title":"٦ - يوم الجمعة فيه ساعة إجابة الدعوات","level":3,"page":808},{"title":"القول الأول: إنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة","level":4,"page":808},{"title":"القول الثاني: إن ساعة الإجابة في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر","level":4,"page":809},{"title":"ثامنا: فضائل صلاة الجمعة كثيرة متعددة، منها ما يأتي:","level":2,"page":812},{"title":"١ - التبكير إليها من أعظم الصدقات والقربات العظيمة","level":3,"page":812},{"title":"٢ - القائم بآداب صلاة الجمعة يغفر له عشرة أيام","level":3,"page":813},{"title":"٣ - المتأدب بآداب صلاة الجمعة يكتب له بكل خطوة عمل سنة","level":3,"page":814},{"title":"٤ - الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما","level":3,"page":815},{"title":"تاسعا: آداب صلاة الجمعة: الواجبة والمستحبة، كثيرة، منها ما يلي:","level":2,"page":816},{"title":"١ - الغسل يوم الجمعة سنة مؤكدة جدا","level":3,"page":816},{"title":"٢ - الطيب لصلاة الجمعة","level":3,"page":819},{"title":"٣ - السواك لصلاة الجمعة","level":3,"page":819},{"title":"٤ - الدهن لصلاة الجمعة","level":3,"page":820},{"title":"٥ - يلبس لصلاة الجمعة أحسن ما يجد من الثياب","level":3,"page":820},{"title":"٦ - يستقبل الإمام بوجهه أثناء الخطبة","level":3,"page":821},{"title":"٧ - يبكر إلى الجمعة","level":3,"page":822},{"title":"٨ - المشي على الأقدام","level":3,"page":824},{"title":"٩ - القراءة فجر يوم الجمعة بـ (الم) السجدة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية بسورة الإنسان","level":3,"page":825},{"title":"١٠ - القراءة في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون","level":3,"page":825},{"title":"١١ - يكثر الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة، وليلة الجمعة","level":3,"page":826},{"title":"١٢ - يكثر الدعاء يوم الجمعة؛ لعله يوافق ساعة الإجابة","level":3,"page":827},{"title":"١٣ - لا يفرق بين اثنين أثناء دخوله الجامع","level":3,"page":827},{"title":"١٤ - لا يتخطى رقاب الناس","level":3,"page":827},{"title":"١٥ - لا يقيم أخاه ويقعد مكانه","level":3,"page":828},{"title":"١٦ - إذا دخل المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين","level":3,"page":828},{"title":"١٧ - ينصت للخطبة","level":3,"page":829},{"title":"١٨ - لا تتخذ الحلقات في المسجد قبل صلاة الجمعة","level":3,"page":830},{"title":"١٩ - يتحول إذا نعس من مجلسه إلى مقعد آخر","level":3,"page":830},{"title":"٢٠ - لا يحتبئ في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب","level":3,"page":830},{"title":"٢١ - الدنو من الإمام عند الموعظة والخطبة","level":3,"page":831},{"title":"٢٢ - إذا وافق يوم عيد يوم الجمعة حضر الإمام ومن شاء من الناس","level":3,"page":831},{"title":"٢٣ - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة","level":3,"page":833},{"title":"٢٤ - النداء الأول لصلاة الجمعة","level":3,"page":833},{"title":"٢٥ - السنة أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات","level":3,"page":835},{"title":"٢٦ - لا تعدد صلاة الجمعة في القرية الواحدة أو البلد الواحد إلا لحاجة لابد منها","level":3,"page":836},{"title":"٢٧ - إذا أحدث في صلاته أخذ بأنفه ثم انصرف","level":3,"page":837},{"title":"٢٨ - لا يصلي المأمومون بين السواري إلا لحاجة","level":3,"page":837},{"title":"٢٩ - لا يتخذ مكانا خاصا لا يصلي إلا فيه","level":3,"page":837},{"title":"٣٠ - لا يمر بين يدي المصلي وسترته","level":3,"page":837},{"title":"٣١ - لا يحجز مكانا بسجادة ونحوها، وإنما يتقدم بنفسه","level":3,"page":837},{"title":"٣٢ - لا يرفع صوته بالقراءة إذا كان ذلك يشوش على الناس","level":3,"page":837},{"title":"٣٣ - يستحضر المشي إلى الصلاة وما أعد الله لذلك","level":3,"page":837},{"title":"٣٤ - يلتزم بآداب المشي إلى المسجد","level":3,"page":837},{"title":"٣٥ - لا حرج في تكلم الخطيب وتكليمه للمصلحة","level":3,"page":837},{"title":"٣٦ - السجود أثناء الزحام","level":3,"page":838},{"title":"٣٧ - لا يصلي في موضعه الذي صلى فيه الجمعة","level":3,"page":839},{"title":"عاشرا: خصائص الجمعة كثيرة متعددة، منها ما يأتي:","level":2,"page":839},{"title":"١ - يقرأ في فجرها بسورتي: (الم، تنزيل) السجدة، و(هل أتى على الإنسان)","level":3,"page":839},{"title":"٢ - استحباب كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة وليلة الجمعة","level":3,"page":839},{"title":"٣ - صلاة الجمعة من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين","level":3,"page":839},{"title":"٤ - الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمر مؤكد جدا","level":3,"page":839},{"title":"٥ - التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع","level":3,"page":839},{"title":"٦ - السواك فيه وله مزية على السواك في غيره","level":3,"page":839},{"title":"٧ - التبكير للصلاة","level":3,"page":839},{"title":"٨ - أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإمام","level":3,"page":839},{"title":"٩ - الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين","level":3,"page":839},{"title":"١٠ - قراءة سورة الكهف في يومها","level":3,"page":839},{"title":"١١ - لا يكره فعل الصلاة في يومها وقت الزوال لمن ينتظر الصلاة","level":3,"page":839},{"title":"١٢ - قراءة سورة الجمعة وسورة المنافقون، أو","level":3,"page":839},{"title":"١٣ - يوم الجمعة يوم عيد متكرر في الأسبوع","level":3,"page":840},{"title":"١٤ - يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها","level":3,"page":840},{"title":"١٥ - يستحب فيه تجمير المسجد","level":3,"page":840},{"title":"١٦ - لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه إذا دخل وقتها وأذن لها إلا لعذر","level":3,"page":840},{"title":"١٧ - للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها","level":3,"page":840},{"title":"١٨ - يوم تكفير السيئات ما لم تؤت الكبائر","level":3,"page":840},{"title":"١٩ - جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة؛ لحديث أبي قتادة في ذلك","level":3,"page":840},{"title":"٢٠ - في يوم الجمعة ساعة الإجابة لا يسأل الله عبد مسلم شيئا فيها إلا أعطاه","level":3,"page":840},{"title":"٢١ - فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات","level":3,"page":840},{"title":"٢٢ - في يوم الجمعة الخطبة التي فيها الثناء على الله وتذكير العباد","level":3,"page":840},{"title":"٢٣ - يوم الجمعة هو اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة","level":3,"page":840},{"title":"٢٤ - جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان وقائم مقامه","level":3,"page":840},{"title":"٢٥ - للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام","level":3,"page":840},{"title":"٢٦ - أنه يوم يتجلى الله - ﷿ - فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة","level":3,"page":840},{"title":"٢٧ - أنه قد فسر الشاهد الذي أقسم الله به بيوم الجمعة","level":3,"page":841},{"title":"٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها","level":3,"page":841},{"title":"٢٩ - أنه اليوم الذي ادخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب قبلهم","level":3,"page":841},{"title":"٣٠ - أنه خيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن رمضان خيرته من شهور العام","level":3,"page":841},{"title":"٣١ - ذكر ابن القيم أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة","level":3,"page":841},{"title":"٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يكون في صيام كان يصومه","level":3,"page":841},{"title":"٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد","level":3,"page":841},{"title":"الحادي عشر: شروط صحة الجمعة على النحو الآتي:","level":2,"page":841},{"title":"الشرط الأول: الوقت، فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها المشروع","level":3,"page":841},{"title":"الشرط الثاني: الجماعة، فلا تنعقد صلاة الجمعة إلا بحضور جماعة","level":3,"page":847},{"title":"الشرط الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين بها مبنية بما جرت به العادة لا يرحلون عنها صيفا ولا شتاء","level":3,"page":848},{"title":"الشرط الرابع: تقدم خطبتين","level":3,"page":850},{"title":"١ - أن الله أمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء","level":4,"page":851},{"title":"٢ - أن النبي - ﷺ - حرم الكلام والإمام يخطب","level":4,"page":851},{"title":"٣ - مواظبة النبي - ﷺ - موظبة دائمة وهذا الدوام المستمر صيفا وشتاء","level":4,"page":851},{"title":"٤ - أنه لو لم تجب لها خطبتان لكانت كغيرها من الصلوات","level":4,"page":851},{"title":"ويشرع أن تشتمل الخطبة على أربعة أمور","level":5,"page":851},{"title":"وسنن خطبة الجمعة كثيرة، منها ما يأتي:","level":5,"page":858},{"title":"١ - يسلم على المأمومين والسلام هنا نوعان:","level":6,"page":858},{"title":"النوع الأول: يسلم سلاما خاصا إذا دخل المسجد على من يلاقيه","level":7,"page":858},{"title":"النوع الثاني: يسلم تسليما عاما إذا صعد المنبر، قبل أن يجلس","level":7,"page":858},{"title":"٢ - يخطب على منبر أو موضع عال مرتفع","level":6,"page":859},{"title":"٣ - يجلس إذا سلم على المأمومين حتى يفرغ المؤذن","level":6,"page":861},{"title":"٤ - يخطب قائما","level":6,"page":862},{"title":"٥ - يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة","level":6,"page":862},{"title":"٦ - يعتمد على عصا أو قوس","level":6,"page":863},{"title":"٧ - يقصر الخطبة ويطيل الصلاة","level":6,"page":864},{"title":"٨ - يرفع صوته حسب طاقته ويفخم أمر الخطبة","level":6,"page":865},{"title":"٩ - يستحب أن يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام على المنبر","level":6,"page":866},{"title":"١٠ - لا يرفع يديه على المنبر في الدعاء بل يشير بإصبعه ولا يحرك يديه عند الانفعال","level":6,"page":866},{"title":"أ - مواضع وأحوال رفع فيها النبي - ﷺ -","level":7,"page":868},{"title":"ب - مواضع أو أحوال لم يرفع فيها النبي - ﷺ -","level":7,"page":868},{"title":"١١ - يخطب مترسلا معربا من غير عجلة ولا تمطيط","level":6,"page":868},{"title":"١٢ - يقصد تلقاء وجهه","level":6,"page":869},{"title":"١٣ - يدعو للمسلمين؛","level":6,"page":869},{"title":"الثاني عشر: صفة صلاة الجمعة","level":2,"page":869},{"title":"المبحث الحادي والثلاثون: صلاة العيدين","level":1,"page":872},{"title":"أولا: مفهوم العيدين","level":2,"page":872},{"title":"ثانيا: الأصل في صلاة العيدين: الكتاب، والسنة، والإجماع:","level":2,"page":872},{"title":"١ - أما الكتاب","level":3,"page":872},{"title":"٢ - وأما السنة","level":3,"page":873},{"title":"٣ - وأما الإجماع","level":3,"page":873},{"title":"ثالثا: حكم صلاة العيدين","level":2,"page":873},{"title":"رابعا: آداب صلاة العيد على النحو الآتي:","level":2,"page":875},{"title":"١ - الغسل يوم العيد","level":3,"page":875},{"title":"٢ - يستحب أن يتنظف، ويتطيب، ويتسوك، كما ذكر في الجمعة","level":3,"page":876},{"title":"٣ - يلبس أحسن ما يجد","level":3,"page":876},{"title":"٤ - يستحب أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى في عيد الفطر تمرات","level":3,"page":877},{"title":"٥ - يخرج إلى العيد ماشيا وعليه السكينة والوقار","level":3,"page":878},{"title":"٦ - السنة أن تصلى صلاة العيدين في المصلى، ولا يصلى في المسجد إلا لحاجة","level":3,"page":879},{"title":"٧ - السنة أن يذهب إلى المصلى من طريق ويرجع من طريق آخر","level":3,"page":881},{"title":"٨ - يستحب للمأموم التبكير إلى مصلى العيد بعد صلاة الصبح","level":3,"page":882},{"title":"الدليل على سنية الخروج بعد صلاة الصبح ما يلي:","level":4,"page":883},{"title":"أ - عمل الصحابة - ﵃ -","level":5,"page":883},{"title":"ب - ولأن ذلك أسبق إلى الخير","level":5,"page":883},{"title":"ج - ولأنه إذا وصل المسجد وانتظر الصلاة","level":5,"page":883},{"title":"د - ولأنه إذا تقدم يحصل له الدنو من الإمام","level":5,"page":883},{"title":"٩ - يكبر في طريقه إلى مصلى العيد ويرفع صوته بالتكبير","level":3,"page":883},{"title":"١٠ - السنة أن لا يصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها","level":3,"page":885},{"title":"١١ - السنة: أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين","level":3,"page":886},{"title":"١٢ - لا يحمل السلاح يوم العيد إلا لحاجة لابد منها","level":3,"page":887},{"title":"١٣ - لا بأس باللعب بالدف للجواري، واللعب المباح في يوم العيد","level":3,"page":888},{"title":"١٤ - خروج النساء إلى مصلى العيد متحجبات غير متطيبات","level":3,"page":895},{"title":"١٥ - خروج الصبيان إلى المصلى؛ ليشهدوا دعوة المسلمين","level":3,"page":896},{"title":"١٦ - التهنئة بالعيد من فعل أصحاب النبي - ﷺ -","level":3,"page":897},{"title":"١٧ - يقضي صلاة العيد من فاتته مع الإمام","level":3,"page":898},{"title":"خامسا: يشترط الاستيطان لوجوب صلاة العيد، والعدد المشترط لصلاة الجمعة","level":2,"page":900},{"title":"سادسا: وقت صلاة العيد أوله بعد ارتفاع الشمس قيد رمح","level":2,"page":902},{"title":"سابعا: صفة صلاة العيد: السنة أن يصلي الإمام إلى سترة","level":2,"page":904},{"title":"ثامنا: خطبة صلاة العيد بعد الصلاة: فإذا سلم الإمام قام فاستقبل الناس وخطبهم","level":2,"page":908},{"title":"تاسعا: التكبير أيام العيد نوعان على النحو الآتي:","level":2,"page":914},{"title":"النوع الأول: التكبير المطلق","level":3,"page":914},{"title":"١ - وقت التكبير المطلق في عيد الفطر، وعيد الأضحى على النحو الآتي:","level":4,"page":914},{"title":"أ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الفطر من غروب الشمس آخر يوم من رمضان","level":5,"page":914},{"title":"ب - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق","level":5,"page":915},{"title":"٢ - صفة التكبير جاء في آثار عن أصحاب النبي - ﷺ - على أنواع متعددة:","level":4,"page":916},{"title":"النوع الثاني: التكبير المقيد","level":3,"page":918},{"title":"١ - يبتدئ التكبير المقيد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة","level":4,"page":918},{"title":"٢ - صفة التكبير المقيد: هو مثل التكبير المطلق كما تقدم","level":4,"page":921},{"title":"عاشرا: اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد: إذا وافق يوم عيد يوم الجمعة","level":2,"page":921},{"title":"الحادي عشر: زكاة الفطر لها أحكام وآداب على النحو الآتي:","level":2,"page":922},{"title":"١ - زكاة الفطر فرض على كل مسلم فضل عنده يوم العيد وليلته","level":3,"page":922},{"title":"٢ - وقت إخراج زكاة الفطر","level":3,"page":923},{"title":"٣ - مقدار زكاة الفطر وأنواعها","level":3,"page":924},{"title":"٤ - أهل زكاة الفطر الذين تدفع لهم","level":3,"page":927},{"title":"٥ - حكم زكاة الفطر وفوائدها عظيمة من أهمها ما يلي:","level":3,"page":928},{"title":"أ - طهرة للصائم من اللغو والرفث","level":4,"page":928},{"title":"ب - طعمة للمساكين","level":4,"page":928},{"title":"ج - زكاة للبدن حيث أبقاه الله عاما من الأعوام وأنعم عليه - ﷾ - بالبقاء","level":4,"page":928},{"title":"د - مواساة للمسلمين أغنيائهم وفقرائهم ذلك اليوم فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى","level":4,"page":928},{"title":"هـ - شكر نعم الله تعالى على الصائمين بالصيام ولله حكم وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين","level":4,"page":929},{"title":"الثاني عشر: الأضحية مشروعة ولها أحكام على النحو الآتي:","level":2,"page":929},{"title":"١ - مفهومها:","level":3,"page":929},{"title":"٢ - حكمها:","level":3,"page":929},{"title":"فأما الكتاب","level":4,"page":929},{"title":"وأما السنة","level":4,"page":929},{"title":"وأما الإجماع","level":4,"page":929},{"title":"٣ - ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يلي:","level":3,"page":931},{"title":"أ - لأن الذبح وإراقة الدم تقربا لله تعالى عبادة مشتملة على تعظيم الله تعالى","level":4,"page":931},{"title":"ب - ذبح الأضحية وعدم التصدق بثمنها هو هدي النبي - ﷺ - وعمل المسلمين","level":4,"page":931},{"title":"ج - ومما يؤكد أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها","level":4,"page":931},{"title":"٤ - إذا دخل شهر ذي الحجة فلا يأخذ من أراد أن يضحي من شعره ولا بشرته شيئا","level":3,"page":932},{"title":"٥ - يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة عيد الأضحى","level":3,"page":932},{"title":"٦ - شروط الأضحية: الأضحية عبادة لله تعالى لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله تعالى","level":3,"page":933},{"title":"الشرط الأول: أن تكون الضحية ملكا للمضحي ملكها بطريق شرعي","level":4,"page":933},{"title":"الشرط الثاني: أن تكون الأضحية من الجنس الذي عينه الشارع","level":4,"page":934},{"title":"الشرط الثالث: أن تبلغ الأضحية السن المعتبرة شرعا","level":4,"page":934},{"title":"الشرط الرابع: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء","level":4,"page":935},{"title":"٧ - العيوب المكروهة في الأضحية على النحو الآتي:","level":3,"page":937},{"title":"الأولى: العضباء","level":4,"page":937},{"title":"الثانية: المقابلة","level":4,"page":937},{"title":"الثالثة: المدابرة","level":4,"page":937},{"title":"الرابعة: الشرقاء","level":4,"page":938},{"title":"الخامسة: الخرقاء","level":4,"page":938},{"title":"السادسة: المصفرة","level":4,"page":938},{"title":"السابعة: المستأصلة","level":4,"page":938},{"title":"الثامنة: البخقاء","level":4,"page":938},{"title":"التاسعة: المشيعة","level":4,"page":938},{"title":"وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية:","level":5,"page":940},{"title":"الأولى: البتراء","level":6,"page":940},{"title":"الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها","level":6,"page":940},{"title":"الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به","level":6,"page":941},{"title":"٨ - تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة، والبقرة عن سبعة","level":3,"page":941},{"title":"٩ - تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة","level":3,"page":942},{"title":"الحكم الأول: زوال ملكه عنها","level":4,"page":942},{"title":"الحكم الثاني: لا يتصرف فيها تصرفا مطلقا","level":4,"page":942},{"title":"الحكم الثالث: إذا حصل لها عيب يمنع الإجزاء","level":4,"page":943},{"title":"الحكم الرابع: إذا ضاعت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه","level":4,"page":943},{"title":"الحكم الخامس: لا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا جلدها، ولا لحمها","level":4,"page":943},{"title":"١٠ - يأكل من أضحيته ويتصدق","level":3,"page":944},{"title":"١١ - صفة ذبح الأضاحي وغيرها مما يذكى على النحو الآتي:","level":3,"page":945},{"title":"أ- لا يذبح إلا المسلم المميز العاقل، أو الكتابي","level":4,"page":945},{"title":"ب- يراعي المضحي الأمور الآتية:","level":4,"page":945},{"title":"الأمر الأول: يختار الأضحية","level":5,"page":945},{"title":"الأمر الثاني: الإحسان إلى الذبيحة","level":5,"page":946},{"title":"الأمر الثالث: إذا كانت الضحية من الإبل نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى","level":5,"page":947},{"title":"الأمر الرابع: إذا كانت الضحية من غير الإبل ذبحها مضجعة على جنبها الأيسر","level":5,"page":948},{"title":"الأمر الخامس: أن يستقبل القبلة عند الذبح","level":5,"page":948},{"title":"الأمر السادس: التسمية عند الذبح والنحر","level":5,"page":949},{"title":"الأمر السابع: من الآداب المستحبة أن يسمي عند ذبح الأضحية من هي له","level":5,"page":949},{"title":"الأمر الثامن: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وإنهار الدم:","level":5,"page":950},{"title":"الحالة الأولى: أن يقطع الذابح: الحلقوم، والمريء، والودجين","level":6,"page":950},{"title":"الحالة الثانية: أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين","level":6,"page":951},{"title":"والحالة الثالثة: أن يقطع الحلقوم والمريء فقط دون الودجين","level":6,"page":951},{"title":"الأمر التاسع: يدعو عند ذبح الأضحية بالقبول","level":5,"page":951},{"title":"الثالث عشر: المنكرات في العيد التي يفعلها كثير من الناس كثيرة لا يمكن حصرها","level":2,"page":951},{"title":"١ - الشرك بالله تعالى بالتقرب لأصحاب القبور ودعائهم من دون الله","level":3,"page":951},{"title":"٢ - إسبال الثياب، والمشالح، والسراويل","level":3,"page":952},{"title":"٣ - الكبر: بعض الناس أيام العيد يحتقر الناس ويتكبر عليهم","level":3,"page":954},{"title":"٤ - الغناء، والمزامير، والمعازف","level":3,"page":957},{"title":"٥ - حلق اللحى يكثر عند أمة من البشر يوم العيد","level":3,"page":959},{"title":"٦ - مصافحة النساء من غير المحارم محرمة في كل وقت","level":3,"page":959},{"title":"٧ - التشبه بالكفار والمشركين، في الملابس وغيرها","level":3,"page":960},{"title":"٨ - تشبه الرجال بالنساء في الملابس أو الحركات، أو الزينة","level":3,"page":960},{"title":"٩ - الخلوة بالنساء أيام الأعياد، أو الأفراح أو غير ذلك محرمة","level":3,"page":960},{"title":"١٠ - تبرج النساء وخروجهن من البيوت إلى الأسواق","level":3,"page":961},{"title":"١١ - التبذير والإسراف","level":3,"page":962},{"title":"١٢ - عدم العناية بالفقراء والمساكين","level":3,"page":962},{"title":"١٣ - عدم صلة الأرحام","level":3,"page":962},{"title":"المبحث الثاني والثلاثون: صلاة الكسوف","level":1,"page":965},{"title":"أولا: مفهوم الكسوف،","level":2,"page":965},{"title":"الكسوف لغة","level":3,"page":965},{"title":"والخسوف لغة","level":3,"page":965},{"title":"ثانيا: الكسوف أو الخسوف","level":2,"page":966},{"title":"ثالثا: أسباب الكسوف الحسية والشرعية:","level":2,"page":968},{"title":"السبب الحسي","level":3,"page":968},{"title":"أحدهما: أن موت الميت وحياته لا يكون سببا انكسافهما","level":4,"page":968},{"title":"والثاني: أنه لا يحصل عن انكسافهما موت ولا حياة","level":4,"page":968},{"title":"* ولا يكذب المخبر بالكسوف ولا يصدق","level":5,"page":970},{"title":"السبب الشرعي: هو تخويف الله تعالى لعباده","level":3,"page":970},{"title":"* ولا تنافي بين اجتماع السبب الحسي والشرعي","level":4,"page":973},{"title":"رابعا: فوائد الكسوف وحكمه: للكسوف حكم عظيمة منها، سبع فوائد","level":2,"page":973},{"title":"الأولى: ظهور التصرف في الشمس والقمر","level":3,"page":973},{"title":"الثانية: أن يتبين بتغيرهما تغير شأن ما بعدهما","level":3,"page":973},{"title":"الثالثة: إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها","level":3,"page":973},{"title":"الرابعة: ليرى الناس نموذج ما سيجري في القيامة","level":3,"page":973},{"title":"الخامسة: أنهما موجودان في حال الكمال، ويكسفان ثم يلطف بهما","level":3,"page":973},{"title":"السادسة: إعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له","level":3,"page":973},{"title":"السابعة: أن الناس قد أنسوا بالصلوات المفروضات","level":3,"page":974},{"title":"خامسا: حكم صلاة الكسوف","level":2,"page":974},{"title":"سادسا: آداب صلاة الكسوف","level":2,"page":975},{"title":"١ - الخوف من الله تعالى عند كسوف الشمس أو القمر","level":3,"page":975},{"title":"٢ - استحضار ما رآه النبي من الأمور العظيمة في صلاة الكسوف","level":3,"page":978},{"title":"٣ - النداء بالصلاة جامعة","level":3,"page":981},{"title":"٤ - لا أذان لصلاة الكسوف ولا إقامة","level":3,"page":981},{"title":"٥ - الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف سنة","level":3,"page":982},{"title":"٦ - صلاة الكسوف جماعة في المسجد","level":3,"page":982},{"title":"٧ - صلاة النساء خلف الرجال في صلاة الكسوف","level":3,"page":983},{"title":"٨ - تصلى صلاة الكسوف في السفر","level":3,"page":984},{"title":"٩ - الإطالة في صلاة الكسوف على حسب تحمل المصلين","level":3,"page":984},{"title":"١٠ - الخطبة في صلاة الكسوف سنة","level":3,"page":985},{"title":"١١ - الفزع إلى ذكر الله، والدعاء، والاستغفار، والتكبير، والعتق، والصدقة، والصلاة","level":3,"page":987},{"title":"سابعا: صفة صلاة الكسوف على النحو الآتي:","level":2,"page":988},{"title":"١ - يكبر تكبيرة الإحرام","level":3,"page":988},{"title":"٢ - يقرأ دعاء الاستفتاح","level":3,"page":988},{"title":"٣ - يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول بسم الله الرحمن الرحيم","level":3,"page":988},{"title":"٤ - يقرأ الفاتحة وسورة طويلة جهرا","level":3,"page":988},{"title":"٥ - يكبر ويركع ركوعا طويلا يكرر فيه دعاء الركوع","level":3,"page":988},{"title":"٦ - يرفع ويقول سمع الله لمن حمده","level":3,"page":988},{"title":"٧ - يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون السورة الأولى","level":3,"page":988},{"title":"٨ - يكبر ويركع ركوعا طويلا دون الركوع الأول","level":3,"page":988},{"title":"٩ - يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده","level":3,"page":988},{"title":"١٠ - يكبر ويسجد سجودا طويلا بقدر الركوع","level":3,"page":988},{"title":"١١ - يكبر ويرفع فيجلس بين السجدتين والصواب إطالة هذا الجلوس بقدر السجود","level":3,"page":988},{"title":"١٢ - يكبر ويسجد سجودا طويلا وهو دون السجود الأول","level":3,"page":989},{"title":"١٣ - يكبر ويقوم للركعة الثانية فيصليها مثل الركعة الأولى","level":3,"page":989},{"title":"١٤ - يجلس للتشهد والصلاة على النبي - ﷺ -","level":3,"page":989},{"title":"١٥ - ينصرف بالتسليمتين","level":3,"page":989},{"title":"ثامنا: وقت صلاة الكسوف من وقت ابتداء الكسوف إلى ذهابه وانجلائه","level":2,"page":991},{"title":"الأمر الأول: الانجلاء","level":3,"page":993},{"title":"الأمر الثاني: طلوع الشمس","level":3,"page":993},{"title":"تاسعا: تدرك الركعة من صلاة الكسوف بإدراك الركوع الأول","level":2,"page":994},{"title":"عاشرا: الصلاة للآيات","level":2,"page":994},{"title":"القول الأول: لا يصلى لأي آية إلا للزلزلة الدائمة","level":3,"page":994},{"title":"القول الثاني: لا يصلي لشيء من الآيات إلا الكسوف","level":3,"page":995},{"title":"القول الثالث: يصلي لكل آية تخويف","level":3,"page":995},{"title":"المبحث الثالث والثلاثون: صلاة الاستسقاء","level":1,"page":997},{"title":"أولا: مفهوم الاستسقاء:","level":2,"page":997},{"title":"ثانيا: حكم الاستسقاء","level":2,"page":997},{"title":"ثالثا: أسباب القحط وحبس المطر","level":2,"page":998},{"title":"رابعا: أنواع الاستسقاء: الاستسقاء أنواع على النحو الآتي:","level":2,"page":1002},{"title":"النوع الأول: الاستسقاء بصلاة جماعة أو فرادى","level":3,"page":1002},{"title":"النوع الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها","level":3,"page":1002},{"title":"النوع الثالث: الدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات","level":3,"page":1004},{"title":"الوجه الأول: يوم الجمعة على المنبر","level":4,"page":1004},{"title":"الوجه الثاني: أنه - ﷺ - وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى المصلى","level":4,"page":1004},{"title":"الوجه الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردا في غير يوم جمعة","level":4,"page":1004},{"title":"الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد","level":4,"page":1004},{"title":"الوجه الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء","level":4,"page":1005},{"title":"الوجه السادس: أنه - ﷺ - استسقى في بعض غزواته","level":4,"page":1005},{"title":"خامسا: آداب الاستسقاء كثيرة ومهمة، ومنها:","level":2,"page":1005},{"title":"١ - إذا أصاب الناس قحط لجؤوا إلى الله تعالى وصلوا صلاة الاستسقاء","level":3,"page":1005},{"title":"٢ - موعظة الإمام الناس، وأمرهم بتقوى الله تعالى، والخروج عن المظالم","level":3,"page":1006},{"title":"٣ - يعد الإمام الناس يوما يخرجون فيه","level":3,"page":1007},{"title":"٤ - وقت خروج الناس إلى الاستسقاء","level":3,"page":1007},{"title":"٥ - تصلى صلاة الاستسقاء في الصحراء","level":3,"page":1008},{"title":"٦ - يخرج الإمام والناس في تواضع، وتبذل وتخشع، وتضرع","level":3,"page":1008},{"title":"٧ - خروج الصبيان والنساء في الاستسقاء لا بأس به بشروطه","level":3,"page":1009},{"title":"٨ - لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء","level":3,"page":1009},{"title":"٩ - الاستسقاء بدعاء الصالحين سنة","level":3,"page":1010},{"title":"سادسا: كيفية صلاة الاستسقاء: كصلاة العيد","level":2,"page":1010},{"title":"سابعا: خطبة الاستسقاء سنة","level":2,"page":1012},{"title":"ثامنا: المبالغة في رفع اليدين في الدعاء","level":2,"page":1017},{"title":"تاسعا: الأدعية في الاستسقاء","level":2,"page":1020},{"title":"عاشرا: تحويل الرداء في الاستقاء واستقبال القبلة سنة","level":2,"page":1022},{"title":"الحادي عشر: تحريم الاستسقاء بالأنواء","level":2,"page":1024},{"title":"الثاني عشر: الآداب المختصة بالمطر، ومنها:","level":2,"page":1025},{"title":"١ - الخوف من الله - ﷿ -","level":3,"page":1025},{"title":"٢ - لا يدري متى يجيء المطر إلا الله","level":3,"page":1025},{"title":"٣ - الدعاء إذا رأى المطر","level":3,"page":1026},{"title":"٤ - ما يفعل إذا أصابه المطر","level":3,"page":1026},{"title":"٥ - الذكر بعد نزول المطر","level":3,"page":1026},{"title":"٦ - ذكر ابن القيم آثارا تذكر أن الإجابة للدعاء قد تطلب عند نزول الغيث","level":3,"page":1026},{"title":"٧ - دعاء الاستصحاء","level":3,"page":1027},{"title":"٨ - دعاء الرعد","level":3,"page":1027},{"title":"الثالث عشر: المطر، والرعد، والبرق، والصواعق، والزلازل:","level":2,"page":1027},{"title":"المبحث الرابع والثلاثون: صلاة الجنائز","level":1,"page":1031},{"title":"أولا: مفهوم الجنائز","level":2,"page":1031},{"title":"ثانيا: اغتنام الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان","level":2,"page":1031},{"title":"ثالثا: الاجتهاد في حالة الصحة في الأعمال الصالحة","level":2,"page":1037},{"title":"رابعا: الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة:","level":2,"page":1037},{"title":"١ - الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى","level":3,"page":1037},{"title":"٢ - ذكر القبر والبلى","level":3,"page":1040},{"title":"٣ - قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة","level":3,"page":1041},{"title":"٤ - القناعة وغنى النفس والتوكل على الله - ﷿ -","level":3,"page":1045},{"title":"٥ - الإكثار من التفكر في أحوال المحتضرين","level":3,"page":1048},{"title":"٦ - التفكر في أحوال الظالمين عند الاحتضار وما تفعل بهم الملائكة","level":3,"page":1060},{"title":"٧ - تذكر الحمل على الأكتاف وتشييع الناس له","level":3,"page":1061},{"title":"٨ - تذكر فتنة القبر وسؤال منكر ونكير","level":3,"page":1062},{"title":"٩ - تذكر نعيم القبر وعذابه","level":3,"page":1069},{"title":"* واختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في سماع الأموات","level":4,"page":1070},{"title":"القول الأول: يسمعون مطلقا","level":5,"page":1072},{"title":"القول الثاني: لا يسمعون مطلقا","level":5,"page":1072},{"title":"القول الثالث: التفصيل","level":5,"page":1072},{"title":"* والشهداء في حياة عظيمة","level":4,"page":1072},{"title":"* وعذاب القبر ونعيمه حق لا شك فيه","level":4,"page":1073},{"title":"* وقد بين النبي - ﷺ - للناس عذاب القبر في أحاديث كثيرة","level":4,"page":1074},{"title":"* وفتنة القبر كانت تحدث عند الصحابة خشوعا لله وإقبالا عظيما إلى طاعته","level":4,"page":1076},{"title":"* والقبر له ضغطة لا ينجو منها أحد","level":4,"page":1076},{"title":"* ولهول عذاب القبر أمر رسول الله - ﷺ - أمته بالاستعاذة منه دبر كل صلاة","level":4,"page":1077},{"title":"* ولاشك أن القبور لها ظلمة إلا من نور الله قبره بالإيمان والعمل الصالح","level":4,"page":1077},{"title":"* ومما يزيد المسلم يقينا أن النبي - ﷺ - قال عن أرواح المؤمنين في البرزخ","level":4,"page":1078},{"title":"* وأرواح الشهداء أعظم من ذلك","level":4,"page":1078},{"title":"* ولاشك أن أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها","level":4,"page":1078},{"title":"* وعذاب القبر هو عذاب البرزخ","level":4,"page":1079},{"title":"* وأحاديث عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين تبلغ حد التواتر","level":4,"page":1079},{"title":"* ومما يجير من عذاب القبر معرفة الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور والابتعاد عنها","level":4,"page":1079},{"title":"* أما أسباب عذاب القبر","level":4,"page":1079},{"title":"* وأما أسباب النجاة من عذاب القبر فكثيرة","level":4,"page":1079},{"title":"فينبغي للمسلم أن يذكر دائما: عذاب القبر ونعيمه","level":5,"page":1080},{"title":"١٠ - الحذر من التنافس في الدنيا والانشغال بها عن طاعة الله - ﷿ -","level":3,"page":1083},{"title":"١١ - طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل","level":3,"page":1087},{"title":"السبب الأول: خوف الله - ﷿ - والخشية من سوء الخاتمة","level":4,"page":1089},{"title":"السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة","level":4,"page":1090},{"title":"السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله - ﷿ -","level":4,"page":1091},{"title":"السبب الرابع: قصر الأمل من أسباب حسن الخاتمة","level":4,"page":1093},{"title":"السبب الخامس: بغض المعاصي والابتعاد عنها","level":4,"page":1094},{"title":"السبب السادس: الصبر عند المصائب","level":4,"page":1094},{"title":"السبب السابع: حسن الظن بالله - ﷿ - من أسباب حسن الخاتمة","level":4,"page":1095},{"title":"السبب الثامن: معرفة ما أعده الله - ﷿ - من النعيم المقيم للمؤمنين","level":4,"page":1095},{"title":"١٢ - معرفة قصر الحياة الدنيا، وأنها كيوم أو بعض يوم","level":3,"page":1096},{"title":"١٣ - معرفة فضل البكاء من خشية الله تعالى يورث الخير الكثير","level":3,"page":1099},{"title":"خامسا: آداب المريض الواجبة والمستحبة كثيرة منها:","level":2,"page":1101},{"title":"١ - الصبر والاحتساب: المريض يجب عليه الصبر","level":3,"page":1101},{"title":"٢ - لا يسأل البلاء","level":3,"page":1105},{"title":"٣ - الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى","level":3,"page":1105},{"title":"وأما العلاقة بين القضاء والقدر ففي ذلك أقوال:","level":4,"page":1107},{"title":"القول الأول","level":5,"page":1107},{"title":"القول الثاني","level":5,"page":1107},{"title":"القول الثالث","level":5,"page":1107},{"title":"القول الرابع","level":5,"page":1108},{"title":"ويجمع الإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب","level":4,"page":1113},{"title":"المرتبة الأولى: العلم، فيؤمن العبد إيمانا جازما أن علم الله محيط","level":5,"page":1113},{"title":"المرتبة الثانية: كتابة الله - ﷿ - لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ","level":5,"page":1113},{"title":"المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة التي لا يعجزها شيء","level":5,"page":1114},{"title":"المرتبة الرابعة: الخلق، فالله - ﷿ - خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له - ﷾ -","level":5,"page":1115},{"title":"٤ - الابتعاد والحذر كل الحذر من الاغترار بالأعمال","level":3,"page":1116},{"title":"٥ - الجمع بين الخوف والرجاء:","level":3,"page":1117},{"title":"٦ - يرضى بقدر الله وقضائه - ﷾ -","level":3,"page":1120},{"title":"النوع الأول: ديني شرعي يجب الرضا به","level":4,"page":1120},{"title":"النوع الثاني: الكوني القدري:","level":4,"page":1120},{"title":"القسم الأول: يجب الرضا به","level":5,"page":1120},{"title":"القسم الثاني: لا يجوز الرضا به","level":5,"page":1120},{"title":"القسم الثالث: ما يستحب الرضا به على الصحيح ولا يجب","level":5,"page":1120},{"title":"٧ - لا ينسب الشر إلى الله - ﷿ -","level":3,"page":1121},{"title":"٨ - يحمد الله على كل حال","level":3,"page":1123},{"title":"٩ - يحسن الظن بالله تعالى","level":3,"page":1124},{"title":"١٠ - يطهر ثيابه ويختار أجملها","level":3,"page":1125},{"title":"١١ - لا يتمنى الموت لضر نزل به","level":3,"page":1125},{"title":"١٢ - لا بأس أن يتداوى المريض","level":3,"page":1127},{"title":"١٣ - يرقي نفسه","level":3,"page":1130},{"title":"١٤ - يؤدي الحقوق لأصحابها إن تيسر له ذلك","level":3,"page":1130},{"title":"القسم الأول: ظلم النفس، وهو نوعان:","level":4,"page":1137},{"title":"النوع الأول: ظلم النفس بالشرك الذي لا يغفره الله","level":5,"page":1137},{"title":"النوع الثاني: ظلمها بالمعاصي","level":5,"page":1137},{"title":"القسم الثاني: ظلم العبد لغيره من الخلق","level":4,"page":1137},{"title":"١٥ - يشرع له أن يوصي بالثلث فأقل لغير وارث","level":3,"page":1138},{"title":"١٦ - يحرم عليه الإضرار في الوصية","level":3,"page":1141},{"title":"١٧ - يقلم أظفاره ويحلق عانته، ويأخذ من شاربه إن كان له شارب","level":3,"page":1143},{"title":"١٨ - يجتهد أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله","level":3,"page":1143},{"title":"سادسا: آداب زيارة المريض كثيرة، منها ما يأتي:","level":2,"page":1143},{"title":"١ - زيارة المريض حق على أخيه المسلم","level":3,"page":1143},{"title":"٢ - ينوي بعيادة المريض القيام بحق أخيه المسلم والحصول على الثواب العظيم","level":3,"page":1144},{"title":"٣ - يدعو للمريض بالشفاء","level":3,"page":1146},{"title":"٤ - يدعوه إلى التوبة وإحسان الظن بالله ويذكره الوصية","level":3,"page":1146},{"title":"٥ - يدعوه إلى الإسلام إن كان كافرا","level":3,"page":1147},{"title":"٦ - يبين له فضل المرض وما يكفر من السيئات","level":3,"page":1147},{"title":"٧ - يلقنه إذا كان في حالة النزع: لا إله إلا الله","level":3,"page":1147},{"title":"٨ - لا يقول في حضور المريض إلا خيرا","level":3,"page":1148},{"title":"٩ - يوجه المحتضر إلى القبلة إن تيسر","level":3,"page":1148},{"title":"سابعا: الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم كثيرة، منها:","level":2,"page":1149},{"title":"١ - يغمض إذا خرجت الروح ولا يقول من حضره إلا خيرا","level":3,"page":1149},{"title":"٢ - يدعى له","level":3,"page":1150},{"title":"٣ - يغطى بثوب يستر جميع بدنه","level":3,"page":1150},{"title":"٤ - لا يغطى رأس المحرم ولا وجهه","level":3,"page":1150},{"title":"٥ - يعجل بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته","level":3,"page":1150},{"title":"٦ - يدفن في البلد الذي مات فيه، ولا ينقل إلى غيره","level":3,"page":1150},{"title":"٧ - لو مات في غير مولده دفن مكانه وكان خيرا له","level":3,"page":1151},{"title":"٨ - يبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله","level":3,"page":1152},{"title":"٩ - تنفذ وصيته: الثلث فأقل","level":3,"page":1153},{"title":"ثامنا: الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي:","level":2,"page":1154},{"title":"١ - كشف وجه الميت","level":3,"page":1154},{"title":"٢ - تقبيله","level":3,"page":1154},{"title":"٣ - البكاء عليه بدمع العين","level":3,"page":1154},{"title":"٤ - صنع الطعام لأهل الميت","level":3,"page":1156},{"title":"تاسعا: الأمور الواجبة على أقارب الميت وغيرهم عديدة، منها ما يأتي:","level":2,"page":1156},{"title":"١ - الصبر والرضا بالقدر","level":3,"page":1156},{"title":"٢ - الاسترجاع","level":3,"page":1156},{"title":"عاشرا: الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي:","level":2,"page":1159},{"title":"١ - النياحة","level":3,"page":1159},{"title":"٢ - الدعوى بدعاء الجاهلية","level":3,"page":1161},{"title":"٣ - ضرب الخدود","level":3,"page":1161},{"title":"٤ - شق الجيوب","level":3,"page":1161},{"title":"٥ - رفع الصوت عند المصيبة","level":3,"page":1161},{"title":"٦ - حلق الشعر","level":3,"page":1161},{"title":"٧ - الويل والدعاء به","level":3,"page":1162},{"title":"٨ - نشر الشعر","level":3,"page":1162},{"title":"٩ - النعي المحرم","level":3,"page":1162},{"title":"الحادي عشر: النعي المباح الجائز:","level":2,"page":1163},{"title":"أحدهما: مجرد إعلام؛ لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة تحصيلا للدعاء للميت","level":3,"page":1166},{"title":"الثاني: فيه أمر محرم مثل: نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره","level":3,"page":1166},{"title":"الثاني عشر: العلامات التي تدل على حسن الخاتمة، كثيرة منها ما يأتي:","level":2,"page":1166},{"title":"١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات بحسن الخاتمة","level":3,"page":1166},{"title":"٢ - الموت برشح الجبين:","level":3,"page":1166},{"title":"أحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق","level":4,"page":1167},{"title":"والثاني: أنه كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال","level":4,"page":1167},{"title":"٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها","level":3,"page":1167},{"title":"٤ - الاستشهاد في ساحة القتال","level":3,"page":1167},{"title":"٥ - من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"٦ - المطعون شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"٧ - المبطون شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"٨ - الغرق شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"٩ - وصاحب الهدم شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"١٠ - والحريق شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"١١ - صاحب ذات الجنب شهيد","level":3,"page":1168},{"title":"١٢ - المرأة تموت بجمع شهيدة","level":3,"page":1168},{"title":"١٣ - من قتل دون ماله فهو شهيد.","level":3,"page":1169},{"title":"١٤ - من قتل دون أهله فهو شهيد","level":3,"page":1169},{"title":"١٥ - من قتل دون دينه فهو شهيد","level":3,"page":1169},{"title":"١٦ - من قتل دون دمه فهو شهيد","level":3,"page":1169},{"title":"١٧ - من قتل دون مظلمته فهو شهيد","level":3,"page":1169},{"title":"١٨ - السل شهادة","level":3,"page":1169},{"title":"١٩ - الموت مرابطا في سبيل الله تعالى","level":3,"page":1171},{"title":"٢٠ - الموت على عمل صالح","level":3,"page":1171},{"title":"٢١ - ثناء الناس على الميت","level":3,"page":1172},{"title":"الثالث عشر: فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، كثيرة منها ما يأتي:","level":2,"page":1173},{"title":"١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين","level":3,"page":1173},{"title":"٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة","level":3,"page":1174},{"title":"٣ - محبة الله للصابرين","level":3,"page":1175},{"title":"٤ - معية الله للصابرين","level":3,"page":1175},{"title":"٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر","level":3,"page":1175},{"title":"٦ - الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب","level":3,"page":1175},{"title":"٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ","level":3,"page":1175},{"title":"٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال والولد، والأحباب","level":3,"page":1175},{"title":"٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون","level":3,"page":1176},{"title":"١٠ - ما يقال عند المصيبة","level":3,"page":1177},{"title":"١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة","level":3,"page":1178},{"title":"١٢ - أشد الناس بلاء: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل","level":3,"page":1178},{"title":"١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل","level":3,"page":1179},{"title":"١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة","level":3,"page":1180},{"title":"١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه","level":3,"page":1180},{"title":"١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابا من النار","level":3,"page":1180},{"title":"١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة","level":3,"page":1181},{"title":"١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة","level":3,"page":1182},{"title":"١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة)","level":3,"page":1182},{"title":"٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره","level":3,"page":1183},{"title":"٢١ - السقط يجر أمه بسرره إلى الجنة","level":3,"page":1183},{"title":"٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم ويبرد حر مصيبته أن أولاد المسلمين في الجنة","level":3,"page":1183},{"title":"٢٣ - من تصبر ودرب نفسه على الصبر صبره الله وأعانه وسدده","level":3,"page":1184},{"title":"٢٤ - من أراد الله به خيرا أصابه بالمصائب؛ ليثيبه عليها","level":3,"page":1185},{"title":"٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء","level":3,"page":1185},{"title":"٢٦ - المصيبة تحط الخطايا حطا كما تحط الشجرة ورقها","level":3,"page":1185},{"title":"٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر","level":3,"page":1186},{"title":"الشرط الأول: الإخلاص لله - ﷿ - في الصبر","level":4,"page":1186},{"title":"الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد","level":4,"page":1186},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه ولا يكون بعد انتهاء زمانه","level":4,"page":1186},{"title":"٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها منها:","level":3,"page":1187},{"title":"الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى","level":4,"page":1187},{"title":"الأمر الثاني: الحزن ودمع العين","level":4,"page":1188},{"title":"٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي:","level":3,"page":1190},{"title":"الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها","level":4,"page":1190},{"title":"الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطها كما تحط الشجرة ورقها","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء","level":4,"page":1191},{"title":"الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله","level":4,"page":1192},{"title":"الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء","level":4,"page":1192},{"title":"الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها","level":4,"page":1192},{"title":"الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه","level":4,"page":1193},{"title":"الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج","level":4,"page":1193},{"title":"الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله","level":4,"page":1194},{"title":"الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر والعزائم","level":4,"page":1194},{"title":"الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة","level":4,"page":1194},{"title":"الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة:","level":4,"page":1195},{"title":"وكل كسر فإن الله يجبره","level":5,"page":1195},{"title":"الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة","level":4,"page":1195},{"title":"أما الأدلة من الكتاب:","level":5,"page":1195},{"title":"وأما الأدلة من السنة المطهرة","level":5,"page":1197},{"title":"الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته","level":4,"page":1203},{"title":"الرابع عشر: غسل الميت","level":2,"page":1205},{"title":"الأمر الأول: معرفة العلامات التي تدل على خروج الروح بالموت","level":3,"page":1205},{"title":"١ - شخوص البصر","level":4,"page":1205},{"title":"٢ - انخساف الصدغين؛ لارتخاء الفك السفلي؛ ولارتخاء الأعضاء عموما","level":4,"page":1205},{"title":"٣ - ميل الأنف إلى اليمين أو الشمال","level":4,"page":1205},{"title":"٤ - انفصال الكفين؛ لاسترخاء عصب اليد فتبقى كأنها منفصلة","level":4,"page":1206},{"title":"٥ - استرخاء الرجلين، فتلين وتسترسل بعد خروج الروح؛ لصلابتها قبله","level":4,"page":1206},{"title":"٦ - سكون القلب ووقوف ضرباته تماما","level":4,"page":1206},{"title":"٧ - امتداد جلدة الوجه أحيانا","level":4,"page":1206},{"title":"الأمر الثاني: آداب يحتاج إليها الميت عقب موته، من أهمها:","level":3,"page":1206},{"title":"١ - تغميض عينيه","level":4,"page":1206},{"title":"٢ - يدعى له","level":4,"page":1206},{"title":"٣ - شد لحييه؛ لإقفال فمه","level":4,"page":1206},{"title":"٤ - تليين مفاصله، مفاصل اليدين، والرجلين، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه","level":4,"page":1207},{"title":"٥ - تخلع ثيابه ويستر بثوب يكون شاملا للبدن كله، أما خلع الثياب","level":4,"page":1207},{"title":"٦ - يوضع على بطنه شيء ثقيل، ليمنع انتفاخه إذا لم يعجل بتغسيله","level":4,"page":1208},{"title":"٧ - يجعل على سرير غسله أو لوح؛ لأنه أحفظ له","level":4,"page":1208},{"title":"الأمر الثالث: الإسراع بتجهيزه","level":3,"page":1209},{"title":"الأمر الرابع: معرفة الفضل والأجر العظيم، لمن تولى غسل الميت المسلم","level":3,"page":1209},{"title":"الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيا وميتا","level":3,"page":1210},{"title":"الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين","level":3,"page":1211},{"title":"الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة","level":3,"page":1212},{"title":"الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل","level":3,"page":1213},{"title":"الأمر التاسع: المحرم لا يطيب ولا يحنط ولا يغطى رأسه ولا وجهه","level":3,"page":1214},{"title":"الأمر العاشر: لا يغسل الميت إلا: المسلم، العاقل، المميز، الأمين","level":3,"page":1214},{"title":"الأمر الحادي عشر: صفة غسل الميت: المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي:","level":3,"page":1215},{"title":"١ - يجعل على سرير في مكان مستور عن جميع الأنظار","level":4,"page":1215},{"title":"٢ - لا يحضره إلا من يباشر تغسيله أو من يحتاج إليه المغسل","level":4,"page":1216},{"title":"٣ - يلين مفاصله، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه","level":4,"page":1216},{"title":"٤ - يوضع على عورة الميت ستر من سرته إلى ركبته تدخل من تحت ثيابه وتلف على عورته","level":4,"page":1216},{"title":"٥ - يجرد من ثيابه بعد ستر عورته كما تقدم","level":4,"page":1217},{"title":"٦ - تقلم أظفاره، ويقص شاربه؛ لأن هذا من تنظيف الميت إذا كانت طويلة","level":4,"page":1217},{"title":"٧ - يبدأ فيحني الميت حنيا رفيقا لا يبلغ به الجلوس، فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه","level":4,"page":1218},{"title":"٨ - يلف الغاسل على يده اليسرى خرقة أو قفازا أو كيسا فينجيه بها","level":4,"page":1218},{"title":"٩ - يلف الغاسل على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوهما","level":4,"page":1219},{"title":"١٠ - يوضئه وضوءه للصلاة، ثم يبدأ بالميامن وأعضاء الوضوء والقفاز على يده","level":4,"page":1219},{"title":"١١ - يؤتى بالسدر فيغسل رأسه برغوة السدر، يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر","level":4,"page":1219},{"title":"١٢ - يبدأ بغسل جسد الميت فيبدأ بشقه الأيمن","level":4,"page":1220},{"title":"الأمر الثاني عشر: السنة الاغتسال من غسل الميت","level":3,"page":1222},{"title":"الخامس عشر: تكفين الميت","level":2,"page":1223},{"title":"الأمر الأول: حكم تكفين الميت المسلم","level":3,"page":1223},{"title":"الأمر الثاني: معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولى تكفين الميت المسلم","level":3,"page":1223},{"title":"الأمر الثالث: الكفن أو ثمنه من مال الميت","level":3,"page":1223},{"title":"الأمر الرابع: يكفن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما ولا يغطى رأسه، ولا وجهه، ولا يطيب","level":3,"page":1224},{"title":"الأمر الخامس: يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها","level":3,"page":1224},{"title":"الأمر السادس: يكون الكفن سابغا طائلا يستر جميع بدن الميت","level":3,"page":1225},{"title":"الأمر السابع: إذا ضاق الكفن ستر به رأس الميت وما طال من جسده","level":3,"page":1226},{"title":"الأمر الثامن: إذا قلت الأكفان وكثر الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد","level":3,"page":1226},{"title":"الأمر التاسع: إحسان الكفن","level":3,"page":1227},{"title":"الأمر العاشر: يستحب في الكفن ما يأتي:","level":3,"page":1227},{"title":"١ - يستحب البياض","level":4,"page":1227},{"title":"٢ - يكون ثلاثة أثواب","level":4,"page":1227},{"title":"٣ - تجمير الكفن ثلاثا لغير المحرم، وهو التبخير بالعود أو غيره","level":4,"page":1227},{"title":"الأمر الحادي عشر: لا يغالى في الكفن ولا يزاد فيه على ثلاثة أثواب","level":3,"page":1228},{"title":"الأمر الثاني عشر: كفن الرجل والمرأة، الواجب فيه الثوب الساتر لجميع بدن الميت","level":3,"page":1228},{"title":"الأمر الثالث عشر: صفة تكفين الميت: أولى الناس بتكفين الميت","level":3,"page":1229},{"title":"١ - تقص الأربطة من نفس عرض الكفن","level":4,"page":1230},{"title":"٢ - تجمر الأكفان","level":4,"page":1230},{"title":"٣ - يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض","level":4,"page":1230},{"title":"٤ - تبسط اللفافة الأولى على النعش أو على سرير تكفين الميت","level":4,"page":1230},{"title":"٥ - ثم يبسط فوق اللفافة الأولى اللفافة الثانية ويجعل فوقها حنوطا وكافورا","level":4,"page":1230},{"title":"٦ - ثم يبسط فوق اللفافة الثانية اللفافة الثالثة","level":4,"page":1230},{"title":"٧ - يوضع على اللفائف خرقة مثل التبان","level":4,"page":1230},{"title":"٨ - ينقل الميت على الأكفان بساتر العورة الذي يستر عورته","level":4,"page":1230},{"title":"٩ - يؤتى بدهن العود أو المسك أو غير ذلك من الأطياب الطيبة","level":4,"page":1230},{"title":"١٠ - توضع يداه محاذيتينن لجنبيه، ويربط التبان بأخذ شقه الأعلى والأسفل من اليمين","level":4,"page":1231},{"title":"١١ - يبدأ بإحكام الكفن فيرد طرف اللفافة الأولى التي من جانب الميت الأيسر","level":4,"page":1231},{"title":"١٢ - يبدأ بالأربطة، فيبدأ بالرباط على الرأس وما زاد من اللفائف","level":4,"page":1232},{"title":"١٣ - تكفن المرأة في خمسة أثواب بيض من قطن إن تيسر البياض","level":4,"page":1232},{"title":"السادس عشر: الصلاة على الميت","level":2,"page":1233},{"title":"الأمر الأول: حكم الصلاة على الميت","level":3,"page":1233},{"title":"الأمر الثاني: فضل الصلاة على الميت","level":3,"page":1233},{"title":"الأمر الثالث: فضل الله - ﷿ - على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه","level":3,"page":1234},{"title":"الأمر الرابع: شهيد المعركة لا يصلى عليه","level":3,"page":1235},{"title":"الأمر الخامس: السقط والطفل يصلى عليهما ويدعى لوالديهما","level":3,"page":1235},{"title":"الأمر السادس: الإمام الأعظم لا يصلى على الغال وقاتل نفسه","level":3,"page":1236},{"title":"الأمر السابع: يصلى على من قتل حدا","level":3,"page":1236},{"title":"الأمر الثامن: الصلاة على الغائب بالنية، فيستقبل القبلة ويصلى عليه","level":3,"page":1237},{"title":"الحالة الأولى: أن يموت في أرض ليس بها من يصلي عليه","level":4,"page":1238},{"title":"الحالة الثانية: إذا كان فيه منفعة عظيمة للمسلمين","level":4,"page":1238},{"title":"الأمر التاسع: مشروعية الصلاة على القبر إلى شهر","level":3,"page":1240},{"title":"الأمر العاشر: موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة","level":3,"page":1243},{"title":"الأمر الحادي عشر: الصلاة على أنواع من الجنائز، إذا اجتمعت جنائز عديدة","level":3,"page":1244},{"title":"الأمر الثاني عشر: جواز الصلاة على الجنائز في المسجد","level":3,"page":1246},{"title":"الأمر الثالث عشر: مشروعية تكثير الجمع والصفوف على صلاة الجنازة","level":3,"page":1247},{"title":"الأمر الرابع عشر: تحريم الصلاة على الكفار والمنافقين","level":3,"page":1249},{"title":"الأمر الخامس عشر: وقت صلاة الجنازة يصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات:","level":3,"page":1250},{"title":"الأول: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع","level":4,"page":1250},{"title":"والثاني: حين يقوم قائم الظهيرة","level":4,"page":1250},{"title":"والثالث: حين يغيب حاجب الشمس حتى تغرب","level":4,"page":1250},{"title":"الأمر السادس عشر: أحق الناس بالإمامة في صلاة الجنازة","level":3,"page":1252},{"title":"الأمر السابع عشر: أركان صلاة الجنازة وشروطها:","level":3,"page":1254},{"title":"الأمر الثامن عشر: صفة الصلاة على الجنازة المشتملة على الواجبات والسنن","level":3,"page":1255},{"title":"١ - يتوضأ كما أمر الله تعالى","level":4,"page":1255},{"title":"٢ - يقوم الإمام عند رأس رجل ووسط امرأة","level":4,"page":1255},{"title":"٣ - يصف المأمومون خلف الإمام كصفوف الصلاة المفروضة","level":4,"page":1255},{"title":"٤ - يسوي الإمام الصفوف؛ لعموم الأدلة في ذلك","level":4,"page":1255},{"title":"٥ - يستقبل القبلة والجنائز أمامه على الصفة المذكورة آنفا","level":4,"page":1256},{"title":"٦ - يكبر التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام قائما قاصدا بقلبه فعل الصلاة على الجنازة أو الجنائز","level":4,"page":1256},{"title":"٧ - يضع يده على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع","level":4,"page":1256},{"title":"٨ - يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سرا","level":4,"page":1256},{"title":"٩ - يقول: بسم الله الرحمن الرحيمسرا","level":4,"page":1257},{"title":"١٠ - يقرأ الفاتحة سرا","level":4,"page":1257},{"title":"١١ - يقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة، أو بعض الآيات القصيرة وهذه القراءة سنة","level":4,"page":1258},{"title":"١٢ - يكبر التكبيرة الثانية رافعا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه","level":4,"page":1258},{"title":"١٣ - يصلي على النبي - ﷺ - كما يصلي في التشهد في صلاة الفريضة","level":4,"page":1259},{"title":"١٤ - يكبر التكبيرة الثالثة رافعا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه","level":4,"page":1260},{"title":"١٥ - يدعو للميت بالدعاء المأثور ويخلص له الدعاء","level":4,"page":1260},{"title":"١٦ - يكبر التكبيرة الرابعة رافعا يديه حذو منكبيه أو أذنيه، ويردهما على صدره","level":4,"page":1262},{"title":"١٧ - يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلا","level":4,"page":1263},{"title":"١٨ - يسلم تسليمة واحدة عن يمينه","level":4,"page":1264},{"title":"الأمر التاسع عشر: المسبوق في صلاة الجنازة، يستحب له أن يقضي ما فاته من صلاة الجنازة","level":3,"page":1265},{"title":"السابع عشر: حمل الجنازة واتباعها وتشييعها:","level":2,"page":1266},{"title":"الأمر الأول: حكم حمل الجنازة فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين","level":3,"page":1266},{"title":"الأمر الثاني: أقسام اتباعها: ثلاثة أقسام:","level":3,"page":1266},{"title":"١ - يصلي عليها ثم ينصرف، وله قيراط من الأجر؛ للحديث الآتي","level":4,"page":1266},{"title":"٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن","level":4,"page":1266},{"title":"٣ - يقف بعد الدفن يستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت","level":4,"page":1266},{"title":"الأمر الثالث: فضل اتباع الجنائز","level":3,"page":1267},{"title":"الأمر الرابع: اتباع الجنازة حق على المسلم لأخيه المسلم","level":3,"page":1267},{"title":"الأمر الخامس: يحمل الميت على حسب الحال والتيسير","level":3,"page":1268},{"title":"الأمر السادس: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف الشرع","level":3,"page":1269},{"title":"الأمر السابع: القيام للجنازة إذا مرت مشروع","level":3,"page":1270},{"title":"الأمر الثامن: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض","level":3,"page":1272},{"title":"الأمر التاسع: النساء لا يتبعن الجنائز؛ ويصلين عليها","level":3,"page":1272},{"title":"الأمر العاشر: الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع","level":3,"page":1273},{"title":"الأمر الحادي عشر: الماشي يمشي مع الجنازة كيف شاء","level":3,"page":1273},{"title":"الأمر الثاني عشر: المشي في تشييع الجنازة أفضل من الركوب","level":3,"page":1274},{"title":"الأمر الثالث عشر: السنة حمل الجنازة على الأعناق إذا تيسر ذلك","level":3,"page":1275},{"title":"الأمر الرابع عشر: وضع المكبة التي توضع فوق المرأة على النعش","level":3,"page":1275},{"title":"الثامن عشر: دفن الميت من نعم الله على عباده:","level":2,"page":1276},{"title":"الأمر الأول: حكم دفن الميت فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين","level":3,"page":1276},{"title":"الأمر الثاني: فضل دفن الميت","level":3,"page":1277},{"title":"الأمر الثالث: لا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيقة إلا لضرورة","level":3,"page":1277},{"title":"الأمر الرابع: لا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم","level":3,"page":1277},{"title":"الأمر الخامس: السنة الدفن في المقبرة","level":3,"page":1278},{"title":"الأمر السادس: الشهداء يدفنون في أماكن استشهادهم في أرض المعركة","level":3,"page":1278},{"title":"الأمر السابع: الدفن ليلا فيه تفصيل","level":3,"page":1279},{"title":"والخلاصة","level":4,"page":1280},{"title":"الأمر الثامن: لا بأس بدفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة","level":3,"page":1281},{"title":"الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة حسن","level":3,"page":1282},{"title":"الأمر الحادي عشر: تعميق القبر وتوسيعه","level":3,"page":1285},{"title":"الأمر الثاني عشر: اللحد أفضل من الشق إذا كانت التربة صلبة لا ينهال ترابها","level":3,"page":1286},{"title":"* واللحد","level":4,"page":1287},{"title":"* والشق","level":4,"page":1287},{"title":"الأمر الثالث عشر: يتولى إنزال الميت القبر الرجال؛ لأنه المعهود في عهد النبي - ﷺ -","level":3,"page":1288},{"title":"الأمر الرابع عشر: يغطى قبر المرأة عند إدخالها في القبر","level":3,"page":1288},{"title":"الأمر الخامس عشر: أولياء الميت أحق بإنزاله","level":3,"page":1289},{"title":"الأمر السادس عشر: لا بأس بإدخال الزوج زوجته قبرها","level":3,"page":1290},{"title":"الأمر السابع عشر: ينزل المرأة قبرها من لم يطأ في الليلة السابقة","level":3,"page":1291},{"title":"الأمر الثامن عشر: يدخل الميت من قبل رجلي القبر","level":3,"page":1291},{"title":"الأمر التاسع عشر: يقول عند إدخال الميت القبر: بسم الله وعلى ملة رسول الله","level":3,"page":1292},{"title":"الأمر العشرون: يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه قبالة القبلة","level":3,"page":1293},{"title":"الأمر الواحد والعشرون: تحل عن الميت العقد إذا وضع الميت داخل القبر","level":3,"page":1293},{"title":"الأمر الثاني والعشرون: ينصب على فتحة اللحد اللبن نصبا فيصف على فتحة اللحد","level":3,"page":1294},{"title":"الأمر الثالث والعشرون: يحثى بعد الفراغ من سد اللحد ثلاث حثيات على القبر","level":3,"page":1294},{"title":"الأمر الرابع والعشرون: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر","level":3,"page":1295},{"title":"الأمر الخامس والعشرون: يسنم القبر كهيئة سنام الجمل","level":3,"page":1297},{"title":"السادس والعشرون: توضع على القبر الحصباء","level":3,"page":1297},{"title":"السابع والعشرون: يعلم القبر بحجر أو لبن، أو خشبة","level":3,"page":1299},{"title":"الثامن والعشرون: رش القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن","level":3,"page":1299},{"title":"الأمر التاسع والعشرون: يقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالتثبيت","level":3,"page":1300},{"title":"التاسع عشر: آداب الجلوس والمشي في المقابر كثيرة، منها:","level":2,"page":1300},{"title":"١ - استقبال القبلة في الجلوس لمن كان ينتظر دفن الجنازة","level":3,"page":1300},{"title":"٢ - تحريم الجلوس على القبر","level":3,"page":1301},{"title":"٣ - لا يصلى إلى القبور","level":3,"page":1301},{"title":"٤ - لا يتكأ على القبر","level":3,"page":1301},{"title":"٥ - لا يمشى بالنعال بين القبور إلا لضرورة","level":3,"page":1301},{"title":"٦ - تحريم الصلاة في المقبرة","level":3,"page":1302},{"title":"٧ - المقابر ليست من المواضع التي يرغب في قراءة القرآن فيها","level":3,"page":1303},{"title":"٨ - لا تبنى عليها المساجد","level":3,"page":1303},{"title":"٩ - لا تتخذ مساجد","level":3,"page":1303},{"title":"١٠ - لا تبنى عليها القباب ولا ترفع أكثر من شبر","level":3,"page":1304},{"title":"١١ - لا تتخذ عليها السرج","level":3,"page":1304},{"title":"١٢ - لا تجصص القبور","level":3,"page":1304},{"title":"١٣ - لا يقعد على القبر","level":3,"page":1304},{"title":"١٤ - لا يزاد عليها من غير ترابها","level":3,"page":1304},{"title":"١٥ - لا يكتب عليها شيء","level":3,"page":1304},{"title":"١٦ - لا توطأ","level":3,"page":1305},{"title":"١٧ - لا يبنى عليها","level":3,"page":1305},{"title":"١٨ - لا تتخذ القبور عيدا فيتردد إليها الناس في أوقات محددة","level":3,"page":1305},{"title":"١٩ - لا تشد الرحال إلى زيارتها","level":3,"page":1305},{"title":"٢٠ - لا يذبح ولا ينحر عن القبور","level":3,"page":1305},{"title":"٢١ - لا تكسر عظام أهل القبور","level":3,"page":1305},{"title":"٢٢ - لا يسب الأموات","level":3,"page":1305},{"title":"العشرون: التعزية:","level":2,"page":1306},{"title":"الأمر الأول: فضل تعزية المصاب","level":3,"page":1306},{"title":"الأمر الثاني: ألفاظ التعزية، وصفتها، يقوم المعزي بتعزية المصاب بما يسليه","level":3,"page":1307},{"title":"الأمر الثالث: التعزية لا تحدد بثلاثة أيام لا تتجاوزها","level":3,"page":1309},{"title":"الأمر الرابع: السنة في العزاء أن يصنع أقرباء أهل الميت أو جيرانهم طعاما يشبعهم","level":3,"page":1310},{"title":"الأمر الخامس: البدع والمنكرات في العزاء كثيرة","level":3,"page":1312},{"title":"١ - اجتماع أهل الميت خارج المنزل في أماكن واسعة","level":4,"page":1312},{"title":"٢ - الاجتماع في منزل الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن","level":4,"page":1312},{"title":"الأمر السادس: مشروعية التلبينة للمحزون","level":3,"page":1314},{"title":"الواحد والعشرون: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين","level":2,"page":1314},{"title":"الأمر الأول: ما يلحق الميت من عمله","level":3,"page":1315},{"title":"الأمر الثاني: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين ثابت في الكتاب والسنة","level":3,"page":1317},{"title":"الثاني والعشرون: زيارة القبور، يراعى فيها الأمور الآتية:","level":2,"page":1331},{"title":"الأمر الأول: مشروعية زيارة القبور للرجال","level":3,"page":1331},{"title":"الأمر الثاني: زيارة الرجال للقبور بدون سفر","level":3,"page":1332},{"title":"الأمر الثالث: الزيارة للقبور للرجال دون النساء","level":3,"page":1332},{"title":"الأمر الرابع: الزيارة لأهل القبور أنواع على النحو الآتي:","level":3,"page":1334},{"title":"النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي:","level":4,"page":1334},{"title":"١ - السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم، فقد انقطعت أعمالهم","level":5,"page":1334},{"title":"٢ - تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين","level":5,"page":1334},{"title":"٣ - إحياء سنة النبي - ﷺ -؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها","level":5,"page":1334},{"title":"النوع الثاني: زيارة بدعية وشركية","level":4,"page":1335},{"title":"١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ويخرجون من الإسلام","level":5,"page":1335},{"title":"٢ - من يسأل الله تعالى بالميت","level":5,"page":1335},{"title":"٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب","level":5,"page":1335},{"title":"الأمر الخامس: جواز زيارة قبور المشركين للعبرة والعظة فقط","level":3,"page":1335},{"title":"الأمر السادس: كيفية السلام على أهل القبور من المسلمين","level":3,"page":1336},{"title":"الأمر السابع: زيارة قبر النبي - ﷺ - على النحو الآتي:","level":3,"page":1338},{"title":"١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ - وهي مشروعة في أي وقت","level":4,"page":1338},{"title":"٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله","level":4,"page":1339},{"title":"٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء","level":4,"page":1339},{"title":"٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره: بأدب، ووقار","level":4,"page":1339},{"title":"٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلا فيسلم على أبي بكر الصديق - ﵁ -","level":4,"page":1340},{"title":"٦ - يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه","level":4,"page":1341},{"title":"٧ - ويسن للرجال زيارة قبور البقيع - وهي مقبرة المدينة - وقبور الشهداء","level":4,"page":1341},{"title":"الثالث والعشرون: الإحداد","level":2,"page":1342},{"title":"الأمر الأول: مفهوم الإحداد:","level":3,"page":1342},{"title":"الإحداد لغة:","level":4,"page":1342},{"title":"والحاد والمحد","level":4,"page":1342},{"title":"الإحداد شرعا","level":4,"page":1343},{"title":"الأمر الثاني حكم الإحداد الشرعي: الإحداد الشرعي نوعان:","level":3,"page":1343},{"title":"النوع الأول: الإحداد في عدة الوفاة","level":4,"page":1343},{"title":"النوع الثاني: حكم إحداد المرأة على غير زوجها","level":4,"page":1344},{"title":"الأمر الثالث: مدة الإحداد","level":3,"page":1345},{"title":"الأمر الرابع: الحكمة من الإحداد","level":3,"page":1347},{"title":"١ - تعظيم أمر الله والعمل بما يرضيه تعالى","level":4,"page":1347},{"title":"٢ - تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته","level":4,"page":1347},{"title":"٣ - أهمية عقد النكاح ورفع قدره","level":4,"page":1347},{"title":"٤ - تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم","level":4,"page":1348},{"title":"٥ - سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح في هذه المدة وتطلع الرجال إليها","level":4,"page":1348},{"title":"٦ - الإحداد من مكملات عدة الوفاة ومقتضياتها","level":4,"page":1348},{"title":"٧ - تألم على فوات نعمة النكاح الجامعة بين خيري الدنيا والآخرة","level":4,"page":1348},{"title":"٨ - موافقة الطباع البشرية","level":4,"page":1348},{"title":"الأمر الخامس: يلزم الحادة على زوجها ستة أحكام على النحو الآتي:","level":3,"page":1348},{"title":"١ - تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه","level":4,"page":1348},{"title":"٢ - تمتنع الحادة عن الملابس الجميلة وتلبس ما سواها","level":4,"page":1350},{"title":"٣ - تمتنع عن جميع أنواع الطيب، ونحوها، إلا إذا طهرت من حيضها","level":4,"page":1350},{"title":"٤ - تمتنع الحادة من الحلي: الذهب، الفضة، والماس وغيرها","level":4,"page":1351},{"title":"٥ - تمتنع الحادة عن الخضاب بالحناء ونحوه","level":4,"page":1352},{"title":"٦ - تمتنع الحادة عن الكحل","level":4,"page":1352},{"title":"الأمر السادس: أصناف المعتدات ستة أصناف على النحو الآتي:","level":3,"page":1354},{"title":"الصنف الأول: الحامل وعدتها","level":4,"page":1354},{"title":"الصنف الثاني: المتوفى عنها زوجها من غير حمل","level":4,"page":1355},{"title":"الصنف الثالث: المرأة ذات الحيض، وعدتها","level":4,"page":1355},{"title":"الصنف الرابع: المرأة التي لا تحيض إما لصغر أو كبر","level":4,"page":1355},{"title":"الصنف الخامس: المرأة التي ارتفع حيضها","level":4,"page":1355},{"title":"الصنف السادس: امرأة المفقود","level":4,"page":1355},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":1356}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123,"1,124":124,"1,125":125,"1,126":126,"1,127":127,"1,128":128,"1,129":129,"1,130":130,"1,131":131,"1,132":132,"1,133":133,"1,134":134,"1,135":135,"1,136":136,"1,137":137,"1,138":138,"1,139":139,"1,140":140,"1,141":141,"1,142":142,"1,143":143,"1,144":144,"1,145":145,"1,146":146,"1,147":147,"1,148":148,"1,149":149,"1,150":150,"1,151":151,"1,152":152,"1,153":153,"1,154":154,"1,155":155,"1,156":156,"1,157":157,"1,158":158,"1,159":159,"1,160":160,"1,161":161,"1,162":162,"1,163":163,"1,164":164,"1,165":165,"1,166":166,"1,167":167,"1,168":168,"1,169":169,"1,170":170,"1,171":171,"1,172":172,"1,173":173,"1,174":174,"1,175":175,"1,176":176,"1,177":177,"1,178":178,"1,179":179,"1,180":180,"1,181":181,"1,182":182,"1,183":183,"1,184":184,"1,185":185,"1,186":186,"1,187":187,"1,188":188,"1,189":189,"1,190":190,"1,191":191,"1,192":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"1,405":404,"1,406":405,"1,407":406,"1,408":407,"1,409":408,"1,410":409,"1,411":410,"1,412":411,"1,413":412,"1,414":413,"1,415":414,"1,416":415,"1,417":416,"1,418":417,"1,419":418,"1,420":419,"1,421":420,"1,422":421,"1,423":422,"1,424":423,"1,425":424,"1,426":425,"1,427":426,"1,428":427,"1,429":428,"1,430":429,"1,431":430,"1,432":431,"1,433":432,"1,434":433,"1,435":434,"1,436":435,"1,437":436,"1,438":437,"1,439":438,"1,440":439,"1,441":440,"1,442":441,"1,443":442,"1,444":443,"1,445":444,"1,446":445,"1,447":446,"1,448":447,"1,449":448,"1,450":449,"1,451":450,"1,452":451,"1,453":452,"1,454":453,"1,455":454,"1,456":455,"1,457":456,"1,458":457,"1,459":458,"1,460":459,"1,461":460,"1,462":461,"1,463":462,"1,464":463,"1,465":464,"1,466":465,"1,467":466,"1,468":467,"1,469":468,"1,470":469,"1,471":470,"1,472":471,"1,473":472,"1,474":473,"1,475":474,"1,476":475,"1,477":476,"1,478":477,"1,479":478,"1,480":479,"1,481":480,"1,482":481,"1,483":482,"1,484":483,"1,485":484,"1,486":485,"1,487":486,"1,488":487,"1,489":488,"1,490":489,"1,491":490,"1,492":491,"1,493":492,"1,494":493,"1,495":494,"1,496":495,"1,497":496,"1,498":497,"1,499":498,"1,500":499,"1,501":500,"1,502":501,"1,503":502,"1,504":503,"1,505":504,"1,506":505,"1,507":506,"1,508":507,"1,509":508,"1,510":509,"1,511":510,"1,512":511,"1,513":512,"1,514":513,"1,515":514,"1,516":515,"1,517":516,"1,518":517,"1,519":518,"1,520":519,"1,521":520,"1,522":521,"1,523":522,"1,524":523,"1,525":524,"1,526":525,"1,527":526,"1,528":527,"1,529":528,"1,530":529,"1,531":530,"1,532":531,"1,533":532,"1,534":533,"1,535":534,"1,536":535,"1,537":536,"1,538":537,"1,539":538,"1,540":539,"1,541":540,"1,542":541,"1,543":542,"1,544":543,"1,545":544,"1,546":545,"1,547":546,"1,548":547,"1,549":548,"1,550":549,"1,551":550,"1,552":551,"1,553":552,"1,554":553,"1,555":554,"1,556":555,"1,557":556,"1,558":557,"2,561":559,"2,562":560,"2,563":561,"2,564":562,"2,565":563,"2,566":564,"2,567":565,"2,568":566,"2,569":567,"2,570":568,"2,571":569,"2,572":570,"2,573":571,"2,574":572,"2,575":573,"2,576":574,"2,577":575,"2,578":576,"2,579":577,"2,580":578,"2,581":579,"2,582":580,"2,583":581,"2,584":582,"2,585":583,"2,586":584,"2,587":585,"2,588":586,"2,589":587,"2,590":588,"2,591":589,"2,592":590,"2,593":591,"2,594":592,"2,595":593,"2,596":594,"2,597":595,"2,598":596,"2,599":597,"2,600":598,"2,601":599,"2,602":600,"2,603":601,"2,604":602,"2,605":603,"2,606":604,"2,607":605,"2,608":606,"2,609":607,"2,610":608,"2,611":609,"2,612":610,"2,613":611,"2,614":612,"2,615":613,"2,616":614,"2,617":615,"2,618":616,"2,619":617,"2,620":618,"2,621":619,"2,622":620,"2,623":621,"2,624":622,"2,625":623,"2,626":624,"2,627":625,"2,628":626,"2,629":627,"2,630":628,"2,631":629,"2,632":630,"2,633":631,"2,634":632,"2,635":633,"2,636":634,"2,637":635,"2,638":636,"2,639":637,"2,640":638,"2,641":639,"2,642":640,"2,643":641,"2,644":642,"2,645":643,"2,646":644,"2,647":645,"2,648":646,"2,649":647,"2,650":648,"2,651":649,"2,652":650,"2,653":651,"2,654":652,"2,655":653,"2,656":654,"2,657":655,"2,658":656,"2,659":657,"2,660":658,"2,661":659,"2,662":660,"2,663":661,"2,664":662,"2,665":663,"2,666":664,"2,667":665,"2,668":666,"2,669":667,"2,670":668,"2,671":669,"2,672":670,"2,673":671,"2,674":672,"2,675":673,"2,676":674,"2,677":675,"2,678":676,"2,679":677,"2,680":678,"2,681":679,"2,682":680,"2,683":681,"2,684":682,"2,685":683,"2,686":684,"2,687":685,"2,688":686,"2,689":687,"2,690":688,"2,691":689,"2,692":690,"2,693":691,"2,694":692,"2,695":693,"2,696":694,"2,697":695,"2,698":696,"2,699":697,"2,700":698,"2,701":699,"2,702":700,"2,703":701,"2,704":702,"2,705":703,"2,706":704,"2,707":705,"2,708":706,"2,709":707,"2,710":708,"2,711":709,"2,712":710,"2,713":711,"2,714":712,"2,715":713,"2,716":714,"2,717":715,"2,718":716,"2,719":717,"2,720":718,"2,721":719,"2,722":720,"2,723":721,"2,724":722,"2,725":723,"2,726":724,"2,727":725,"2,728":726,"2,729":727,"2,730":728,"2,731":729,"2,732":730,"2,733":731,"2,734":732,"2,735":733,"2,736":734,"2,737":735,"2,738":736,"2,739":737,"2,740":738,"2,741":739,"2,742":740,"2,743":741,"2,744":742,"2,745":743,"2,746":744,"2,747":745,"2,748":746,"2,749":747,"2,750":748,"2,751":749,"2,752":750,"2,753":751,"2,754":752,"2,755":753,"2,756":754,"2,757":755,"2,758":756,"2,759":757,"2,760":758,"2,761":759,"2,762":760,"2,763":761,"2,764":762,"2,765":763,"2,766":764,"2,767":765,"2,768":766,"2,769":767,"2,770":768,"2,771":769,"2,772":770,"2,773":771,"2,774":772,"2,775":773,"2,776":774,"2,777":775,"2,778":776,"2,779":777,"2,780":778,"2,781":779,"2,782":780,"2,783":781,"2,784":782,"2,785":783,"2,786":784,"2,787":785,"2,788":786,"2,789":787,"2,790":788,"2,791":789,"2,792":790,"2,793":791,"2,794":792,"2,795":793,"2,796":794,"2,797":795,"2,798":796,"2,799":797,"2,800":798,"2,801":799,"2,802":800,"2,803":801,"2,804":802,"2,805":803,"2,806":804,"2,807":805,"2,808":806,"2,809":807,"2,810":808,"2,811":809,"2,812":810,"2,813":811,"2,814":812,"2,815":813,"2,816":814,"2,817":815,"2,818":816,"2,819":817,"2,820":818,"2,823":819,"2,824":820,"2,825":821,"2,826":822,"2,827":823,"2,828":824,"2,829":825,"2,830":826,"2,831":827,"2,832":828,"2,833":829,"2,834":830,"2,835":831,"2,836":832,"2,837":833,"2,838":834,"2,839":835,"2,840":836,"2,841":837,"2,842":838,"2,843":839,"2,844":840,"2,845":841,"2,846":842,"2,847":843,"2,848":844,"2,849":845,"2,852":846,"2,853":847,"2,854":848,"2,855":849,"2,856":850,"2,857":851,"2,858":852,"2,859":853,"2,860":854,"2,861":855,"2,862":856,"2,863":857,"2,864":858,"2,865":859,"2,866":860,"2,867":861,"2,868":862,"2,869":863,"2,870":864,"2,871":865,"2,872":866,"2,873":867,"2,874":868,"2,875":869,"2,876":870,"2,877":871,"2,878":872,"2,879":873,"2,880":874,"2,881":875,"2,882":876,"2,883":877,"2,884":878,"2,885":879,"2,886":880,"2,887":881,"2,888":882,"2,889":883,"2,890":884,"2,891":885,"2,892":886,"2,893":887,"2,894":888,"2,895":889,"2,896":890,"2,897":891,"2,898":892,"2,899":893,"2,900":894,"2,901":895,"2,902":896,"2,903":897,"2,904":898,"2,905":899,"2,906":900,"2,907":901,"2,908":902,"2,909":903,"2,910":904,"2,911":905,"2,912":906,"2,913":907,"2,914":908,"2,915":909,"2,916":910,"2,917":911,"2,918":912,"2,919":913,"2,920":914,"2,921":915,"2,922":916,"2,923":917,"2,924":918,"2,925":919,"2,926":920,"2,927":921,"2,928":922,"2,929":923,"2,930":924,"2,931":925,"2,932":926,"2,933":927,"2,934":928,"2,935":929,"2,936":930,"2,937":931,"2,938":932,"2,939":933,"2,940":934,"2,941":935,"2,942":936,"2,943":937,"2,944":938,"2,945":939,"2,947":940,"2,948":941,"2,949":942,"2,950":943,"2,951":944,"2,952":945,"2,953":946,"2,954":947,"2,955":948,"2,956":949,"2,957":950,"2,958":951,"2,959":952,"2,960":953,"2,961":954,"2,962":955,"2,963":956,"2,964":957,"2,965":958,"2,966":959,"2,967":960,"2,968":961,"2,969":962,"2,970":963,"3,973":965,"3,975":966,"3,976":967,"3,977":968,"3,978":969,"3,979":970,"3,980":971,"3,981":972,"3,982":973,"3,983":974,"3,984":975,"3,985":976,"3,986":977,"3,987":978,"3,988":979,"3,989":980,"3,990":981,"3,991":982,"3,992":983,"3,993":984,"3,994":985,"3,995":986,"3,997":987,"3,998":988,"3,999":989,"3,1001":990,"3,1002":991,"3,1003":992,"3,1004":993,"3,1005":994,"3,1006":995,"3,1007":996,"3,1008":997,"3,1009":998,"3,1010":999,"3,1011":1000,"3,1012":1001,"3,1013":1002,"3,1014":1003,"3,1015":1004,"3,1016":1005,"3,1017":1006,"3,1018":1007,"3,1019":1008,"3,1020":1009,"3,1021":1010,"3,1022":1011,"3,1023":1012,"3,1024":1013,"3,1026":1014,"3,1027":1015,"3,1028":1016,"3,1029":1017,"3,1030":1018,"3,1031":1019,"3,1032":1020,"3,1033":1021,"3,1034":1022,"3,1035":1023,"3,1036":1024,"3,1037":1025,"3,1038":1026,"3,1039":1027,"3,1040":1028,"3,1041":1029,"3,1042":1030,"3,1043":1031,"3,1044":1032,"3,1045":1033,"3,1046":1034,"3,1047":1035,"3,1048":1036,"3,1049":1037,"3,1050":1038,"3,1051":1039,"3,1052":1040,"3,1053":1041,"3,1054":1042,"3,1055":1043,"3,1056":1044,"3,1057":1045,"3,1058":1046,"3,1059":1047,"3,1060":1048,"3,1061":1049,"3,1062":1050,"3,1063":1051,"3,1064":1052,"3,1065":1053,"3,1066":1054,"3,1067":1055,"3,1068":1056,"3,1069":1057,"3,1070":1058,"3,1071":1059,"3,1072":1060,"3,1073":1061,"3,1074":1062,"3,1075":1063,"3,1076":1064,"3,1077":1065,"3,1078":1066,"3,1079":1067,"3,1080":1068,"3,1081":1069,"3,1082":1070,"3,1083":1071,"3,1084":1072,"3,1085":1073,"3,1086":1074,"3,1087":1075,"3,1088":1076,"3,1089":1077,"3,1090":1078,"3,1091":1079,"3,1092":1080,"3,1093":1081,"3,1094":1082,"3,1095":1083,"3,1096":1084,"3,1097":1085,"3,1098":1086,"3,1099":1087,"3,1100":1088,"3,1101":1089,"3,1102":1090,"3,1103":1091,"3,1104":1092,"3,1105":1093,"3,1106":1094,"3,1107":1095,"3,1108":1096,"3,1109":1097,"3,1110":1098,"3,1111":1099,"3,1112":1100,"3,1113":1101,"3,1114":1102,"3,1115":1103,"3,1116":1104,"3,1117":1105,"3,1118":1106,"3,1119":1107,"3,1120":1108,"3,1121":1109,"3,1122":1110,"3,1123":1111,"3,1124":1112,"3,1125":1113,"3,1126":1114,"3,1127":1115,"3,1128":1116,"3,1129":1117,"3,1130":1118,"3,1131":1119,"3,1132":1120,"3,1133":1121,"3,1134":1122,"3,1135":1123,"3,1136":1124,"3,1137":1125,"3,1138":1126,"3,1139":1127,"3,1140":1128,"3,1141":1129,"3,1142":1130,"3,1143":1131,"3,1144":1132,"3,1145":1133,"3,1146":1134,"3,1147":1135,"3,1148":1136,"3,1149":1137,"3,1150":1138,"3,1151":1139,"3,1152":1140,"3,1153":1141,"3,1154":1142,"3,1155":1143,"3,1156":1144,"3,1157":1145,"3,1158":1146,"3,1159":1147,"3,1160":1148,"3,1161":1149,"3,1162":1150,"3,1163":1151,"3,1164":1152,"3,1165":1153,"3,1166":1154,"3,1167":1155,"3,1168":1156,"3,1169":1157,"3,1170":1158,"3,1171":1159,"3,1172":1160,"3,1173":1161,"3,1174":1162,"3,1175":1163,"3,1176":1164,"3,1177":1165,"3,1178":1166,"3,1179":1167,"3,1180":1168,"3,1181":1169,"3,1182":1170,"3,1183":1171,"3,1184":1172,"3,1185":1173,"3,1186":1174,"3,1187":1175,"3,1188":1176,"3,1189":1177,"3,1190":1178,"3,1191":1179,"3,1192":1180,"3,1193":1181,"3,1194":1182,"3,1195":1183,"3,1196":1184,"3,1197":1185,"3,1198":1186,"3,1199":1187,"3,1200":1188,"3,1201":1189,"3,1202":1190,"3,1203":1191,"3,1204":1192,"3,1205":1193,"3,1206":1194,"3,1207":1195,"3,1208":1196,"3,1209":1197,"3,1210":1198,"3,1211":1199,"3,1212":1200,"3,1213":1201,"3,1214":1202,"3,1215":1203,"3,1216":1204,"3,1217":1205,"3,1218":1206,"3,1219":1207,"3,1220":1208,"3,1221":1209,"3,1222":1210,"3,1223":1211,"3,1224":1212,"3,1225":1213,"3,1226":1214,"3,1227":1215,"3,1228":1216,"3,1229":1217,"3,1230":1218,"3,1231":1219,"3,1232":1220,"3,1233":1221,"3,1234":1222,"3,1235":1223,"3,1236":1224,"3,1237":1225,"3,1238":1226,"3,1239":1227,"3,1240":1228,"3,1241":1229,"3,1242":1230,"3,1243":1231,"3,1244":1232,"3,1245":1233,"3,1246":1234,"3,1247":1235,"3,1248":1236,"3,1249":1237,"3,1250":1238,"3,1251":1239,"3,1252":1240,"3,1253":1241,"3,1254":1242,"3,1255":1243,"3,1256":1244,"3,1257":1245,"3,1258":1246,"3,1259":1247,"3,1260":1248,"3,1261":1249,"3,1262":1250,"3,1263":1251,"3,1264":1252,"3,1265":1253,"3,1266":1254,"3,1267":1255,"3,1268":1256,"3,1269":1257,"3,1270":1258,"3,1271":1259,"3,1272":1260,"3,1273":1261,"3,1274":1262,"3,1275":1263,"3,1276":1264,"3,1277":1265,"3,1278":1266,"3,1279":1267,"3,1280":1268,"3,1281":1269,"3,1282":1270,"3,1283":1271,"3,1284":1272,"3,1285":1273,"3,1286":1274,"3,1287":1275,"3,1288":1276,"3,1289":1277,"3,1290":1278,"3,1291":1279,"3,1292":1280,"3,1293":1281,"3,1294":1282,"3,1295":1283,"3,1296":1284,"3,1297":1285,"3,1298":1286,"3,1299":1287,"3,1300":1288,"3,1301":1289,"3,1302":1290,"3,1303":1291,"3,1304":1292,"3,1305":1293,"3,1306":1294,"3,1307":1295,"3,1308":1296,"3,1309":1297,"3,1310":1298,"3,1311":1299,"3,1312":1300,"3,1313":1301,"3,1314":1302,"3,1315":1303,"3,1316":1304,"3,1317":1305,"3,1318":1306,"3,1319":1307,"3,1320":1308,"3,1321":1309,"3,1322":1310,"3,1323":1311,"3,1324":1312,"3,1325":1313,"3,1326":1314,"3,1327":1315,"3,1328":1316,"3,1329":1317,"3,1330":1318,"3,1331":1319,"3,1332":1320,"3,1333":1321,"3,1334":1322,"3,1335":1323,"3,1336":1324,"3,1337":1325,"3,1338":1326,"3,1339":1327,"3,1340":1328,"3,1341":1329,"3,1342":1330,"3,1343":1331,"3,1344":1332,"3,1345":1333,"3,1346":1334,"3,1347":1335,"3,1348":1336,"3,1349":1337,"3,1350":1338,"3,1351":1339,"3,1352":1340,"3,1353":1341,"3,1354":1342,"3,1355":1343,"3,1356":1344,"3,1357":1345,"3,1358":1346,"3,1359":1347,"3,1360":1348,"3,1361":1349,"3,1362":1350,"3,1363":1351,"3,1364":1352,"3,1365":1353,"3,1366":1354,"3,1367":1355,"3,1492":1356,"3,1493":1357,"3,1494":1358,"3,1495":1359,"3,1496":1360,"3,1497":1361,"3,1498":1362,"3,1499":1363,"3,1500":1364,"3,1501":1365,"3,1502":1366,"3,1503":1367,"3,1504":1368,"3,1505":1369,"3,1506":1370,"3,1507":1371,"3,1508":1372,"3,1509":1373,"3,1510":1374,"3,1511":1375,"3,1512":1376,"3,1513":1377,"3,1514":1378},"ٜ":{"1":[2,558],"2":[561,970],"3":[973,1514]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558",null,"2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970",null,"3,973","3,975","3,976","3,977","3,978","3,979","3,980","3,981","3,982","3,983","3,984","3,985","3,986","3,987","3,988","3,989","3,990","3,991","3,992","3,993","3,994","3,995","3,997","3,998","3,999","3,1001","3,1002","3,1003","3,1004","3,1005","3,1006","3,1007","3,1008","3,1009","3,1010","3,1011","3,1012","3,1013","3,1014","3,1015","3,1016","3,1017","3,1018","3,1019","3,1020","3,1021","3,1022","3,1023","3,1024","3,1026","3,1027","3,1028","3,1029","3,1030","3,1031","3,1032","3,1033","3,1034","3,1035","3,1036","3,1037","3,1038","3,1039","3,1040","3,1041","3,1042","3,1043","3,1044","3,1045","3,1046","3,1047","3,1048","3,1049","3,1050","3,1051","3,1052","3,1053","3,1054","3,1055","3,1056","3,1057","3,1058","3,1059","3,1060","3,1061","3,1062","3,1063","3,1064","3,1065","3,1066","3,1067","3,1068","3,1069","3,1070","3,1071","3,1072","3,1073","3,1074","3,1075","3,1076","3,1077","3,1078","3,1079","3,1080","3,1081","3,1082","3,1083","3,1084","3,1085","3,1086","3,1087","3,1088","3,1089","3,1090","3,1091","3,1092","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1144","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1154","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1208","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1236","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1264","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1280","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309","3,1310","3,1311","3,1312","3,1313","3,1314","3,1315","3,1316","3,1317","3,1318","3,1319","3,1320","3,1321","3,1322","3,1323","3,1324","3,1325","3,1326","3,1327","3,1328","3,1329","3,1330","3,1331","3,1332","3,1333","3,1334","3,1335","3,1336","3,1337","3,1338","3,1339","3,1340","3,1341","3,1342","3,1343","3,1344","3,1345","3,1346","3,1347","3,1348","3,1349","3,1350","3,1351","3,1352","3,1353","3,1354","3,1355","3,1356","3,1357","3,1358","3,1359","3,1360","3,1361","3,1362","3,1363","3,1364","3,1365","3,1366","3,1367","3,1492","3,1493","3,1494","3,1495","3,1496","3,1497","3,1498","3,1499","3,1500","3,1501","3,1502","3,1503","3,1504","3,1505","3,1506","3,1507","3,1508","3,1509","3,1510","3,1511","3,1512","3,1513","3,1514"],"ٞ":{"3":[1],"6":[2,3,4,5,6,7,8],"7":[9,10],"8":[11],"9":[12,13,14,15,16],"10":[17,18,19],"11":[20,21],"12":[22,23,24,25],"13":[26,27],"14":[28,29,30,31,32,33],"15":[34],"16":[35],"17":[36],"18":[37,38],"19":[39,40,41,42,43],"20":[44,45,46,47,48],"21":[49,50,51,52],"22":[53,54,55,56],"23":[57],"24":[58,59,60,61],"25":[62,63],"26":[64,65,66],"27":[67,68,69,70,71],"28":[72,73,74],"29":[75,76,77,78,79],"30":[80,81,82],"31":[83],"32":[84,85,86,87],"33":[88,89],"34":[90,91],"35":[92,93,94,95],"36":[96,97,98],"37":[99,100,101],"38":[102,103,104,105],"39":[106,107,108,109],"40":[110,111,112,113,114],"41":[115,116,117,118,119],"43":[120,121],"44":[122,123,124],"45":[125,126,127,128],"46":[129,130,131,132,133],"47":[134,135,136,137],"48":[138,139,140,141,142],"49":[143,144],"50":[145,146,147,148],"51":[149],"52":[150,151,152],"53":[153,154,155,156,157],"54":[158,159,160],"55":[161,162,163,164,165,166,167],"56":[168,169,170,171,172],"57":[173,174,175,176,177],"58":[178,179,180,181,182,183,184],"59":[185],"60":[186,187,188],"61":[189,190,191,192,193],"62":[194],"64":[195,196,197,198,199,200,201],"65":[202,203],"66":[204,205],"67":[206,207],"69":[208,209,210,211],"70":[212,213],"71":[214,215],"72":[216,217,218],"73":[219,220,221],"74":[222,223,224,225],"75":[226,227],"76":[228,229,230,231,232,233],"77":[234,235,236],"78":[237,238],"80":[239,240,241,242,243,244,245,246],"81":[247,248,249],"82":[250,251,252],"83":[253,254,255],"84":[256,257],"85":[258],"86":[259,260,261],"87":[262],"88":[263,264],"89":[265],"90":[266,267,268],"91":[269,270,271],"92":[272,273,274],"93":[275,276,277,278,279],"94":[280,281,282,283,284,285,286,287],"95":[288,289,290],"96":[291,292,293,294,295,296],"97":[297,298],"98":[299],"99":[300,301,302],"100":[303,304],"101":[305,306,307,308],"103":[309],"105":[310],"107":[311,312,313],"108":[314,315,316],"109":[317,318,319,320,321],"110":[322,323],"111":[324,325,326,327,328],"112":[329,330,331,332,333],"113":[334],"115":[335,336,337,338,339,340],"116":[341,342,343],"117":[344,345,346,347],"118":[348,349,350],"119":[351],"120":[352,353,354,355,356,357],"121":[358,359,360],"122":[361,362,363,364],"123":[365,366,367],"124":[368,369,370,371],"125":[372],"126":[373,374],"127":[375],"128":[376,377,378],"129":[379],"130":[380,381,382,383,384],"131":[385,386,387,388,389,390],"132":[391,392,393,394,395],"133":[396],"134":[397,398,399],"135":[400,401,402],"136":[403,404,405,406],"137":[407,408,409],"138":[410,411,412,413,414],"139":[415,416],"144":[417,418],"147":[419],"148":[420,421,422,423,424],"149":[425,426,427,428,429],"150":[430,431],"151":[432],"152":[433,434,435],"155":[436],"156":[437,438],"157":[439],"159":[440,441,442],"160":[443,444],"161":[445],"162":[446],"164":[447],"165":[448,449],"166":[450,451,452],"167":[453],"169":[454],"170":[455],"172":[456,457],"173":[458,459],"174":[460],"175":[461],"176":[462,463,464],"177":[465],"179":[466,467,468],"180":[469],"181":[470],"182":[471,472],"183":[473,474],"184":[475],"187":[476,477],"188":[478],"189":[479],"190":[480],"193":[481,482],"195":[483],"197":[484],"199":[485],"202":[486,487,488,489,490,491],"203":[492,493],"204":[494,495,496],"206":[497,498],"207":[499],"208":[500,501],"209":[502,503,504,505,506],"210":[507,508],"212":[509,510,511],"214":[512],"220":[513,514],"222":[515],"223":[516,517],"224":[518],"226":[519,520,521],"227":[522],"228":[523,524],"231":[525],"233":[526,527,528,529,530,531],"234":[532,533,534,535,536,537],"235":[538,539,540,541],"236":[542,543,544,545],"237":[546,547],"238":[548,549,550,551,552],"239":[553,554,555,556,557,558],"240":[559,560,561,562,563,564,565,566],"241":[567,568,569,570,571,572,573,574,575,576],"242":[577,578,579,580,581,582,583],"243":[584,585,586,587,588,589],"244":[590,591,592,593,594,595],"245":[596,597,598,599],"246":[600],"247":[601,602],"248":[603,604,605],"250":[606,607,608,609,610],"251":[611,612,613],"252":[614,615,616,617],"253":[618,619,620,621,622,623],"254":[624],"255":[625,626,627,628],"256":[629],"258":[630],"260":[631,632,633],"261":[634,635,636],"262":[637,638],"264":[639,640],"265":[641,642],"266":[643],"268":[644],"269":[645],"270":[646,647,648,649,650],"271":[651,652],"272":[653,654],"274":[655],"277":[656],"279":[657,658,659],"280":[660],"283":[661],"284":[662,663],"285":[664,665,666],"286":[667,668],"287":[669,670],"288":[671],"291":[672,673,674],"292":[675,676],"293":[677],"294":[678,679],"295":[680,681,682,683,684],"296":[685,686],"302":[687],"303":[688,689,690],"304":[691,692,693,694],"305":[695],"306":[696,697,698],"307":[699],"308":[700],"309":[701,702],"310":[703,704],"311":[705],"312":[706,707],"314":[708,709],"315":[710,711],"316":[712],"317":[713],"319":[714,715,716,717],"320":[718,719,720,721,722],"321":[723],"322":[724,725],"324":[726],"326":[727],"334":[728],"335":[729,730,731,732,733,734,735,736],"336":[737,738,739,740,741,742],"338":[743,744,745,746,747,748,749,750,751,752,753],"339":[754,755],"340":[756,757,758,759,760,761,762,763,764,765,766,767],"341":[768,769,770,771,772,773,774,775,776,777,778,779,780,781,782],"342":[783,784],"343":[785],"346":[786,787],"347":[788],"348":[789],"349":[790],"353":[791],"354":[792],"356":[793],"360":[794,795,796],"361":[797],"363":[798],"364":[799,800],"365":[801],"366":[802],"367":[803],"368":[804,805],"369":[806],"370":[807],"371":[808],"375":[809,810],"376":[811,812,813,814,815,816,817],"377":[818,819],"378":[820,821,822,823,824],"380":[825],"382":[826],"384":[827,828,829],"386":[830,831,832,833],"387":[834,835,836,837],"388":[838],"389":[839,840,841],"390":[842,843],"392":[844],"394":[845],"396":[846,847,848,849,850,851],"397":[852,853],"398":[854,855],"399":[856],"400":[857,858,859,860],"401":[861],"403":[862,863],"405":[864],"407":[865,866,867,868],"409":[869,870,871,872],"410":[873],"411":[874,875,876,877,878],"412":[879,880,881],"413":[882,883],"414":[884],"416":[885,886],"418":[887],"419":[888],"421":[889],"423":[890,891],"424":[892],"425":[893,894],"427":[895],"428":[896],"429":[897,898],"430":[899,900],"431":[901,902,903,904],"432":[905,906],"433":[907],"434":[908],"435":[909],"436":[910],"437":[911],"438":[912,913],"439":[914,915],"440":[916],"441":[917],"444":[918],"445":[919,920,921],"446":[922,923],"447":[924,925,926,927],"448":[928,929],"449":[930,931],"450":[932,933],"451":[934],"453":[935],"454":[936,937,938,939],"455":[940,941],"456":[942,943],"457":[944,945],"458":[946,947,948,949,950,951],"459":[952,953,954],"460":[955],"462":[956,957,958,959],"463":[960,961],"464":[962,963],"465":[964],"467":[965],"470":[966],"471":[967,968],"472":[969],"476":[970,971,972],"477":[973],"479":[974,975,976],"480":[977,978],"482":[979,980],"483":[981,982],"485":[983],"486":[984,985,986,987],"489":[988],"490":[989,990,991,992,993,994,995,996],"491":[997,998,999,1000,1001,1002],"492":[1003,1004,1005,1006],"494":[1007],"495":[1008],"496":[1009,1010],"498":[1011],"504":[1012,1013,1014,1015],"505":[1016,1017,1018],"506":[1019,1020],"507":[1021,1022],"508":[1023,1024],"509":[1025],"510":[1026,1027],"512":[1028,1029],"513":[1030],"514":[1031],"515":[1032],"516":[1033,1034,1035,1036,1037,1038,1039],"517":[1040,1041,1042,1043,1044,1045],"518":[1046,1047,1048,1049,1050,1051,1052,1053,1054],"519":[1055],"520":[1056,1057],"521":[1058,1059],"522":[1060,1061],"523":[1062,1063],"524":[1064],"526":[1065,1066],"527":[1067,1068,1069],"528":[1070],"529":[1071,1072,1073],"530":[1074,1075],"531":[1076,1077,1078],"532":[1079],"533":[1080],"534":[1081,1082],"535":[1083,1084,1085],"536":[1086,1087,1088,1089],"537":[1090,1091,1092],"538":[1093,1094,1095],"539":[1096,1097,1098,1099,1100],"540":[1101,1102],"541":[1103,1104],"542":[1105,1106,1107],"543":[1108,1109,1110],"544":[1111,1112,1113],"546":[1114],"549":[1115],"551":[1116],"552":[1117],"554":[1118,1119,1120],"555":[1121],"556":[1122],"557":[1123,1124,1125],"559":[1126,1127,1128,1129],"560":[1130,1131],"564":[1132],"565":[1133],"566":[1134],"570":[1135],"572":[1136],"573":[1137,1138],"574":[1139],"575":[1140],"576":[1141,1142],"577":[1143,1144],"578":[1145],"579":[1146],"580":[1147],"582":[1148],"583":[1149],"585":[1150,1151],"586":[1152],"588":[1153],"589":[1154],"591":[1155],"593":[1156],"595":[1157],"596":[1158],"597":[1159,1160],"598":[1161,1162,1163],"599":[1164,1165,1166,1167],"600":[1168],"601":[1169],"605":[1170],"610":[1171,1172,1173,1174,1175],"611":[1176,1177],"612":[1178],"613":[1179,1180],"616":[1181,1182],"617":[1183],"618":[1184],"619":[1185],"620":[1186,1187],"621":[1188],"622":[1189,1190],"623":[1191],"624":[1192,1193],"625":[1194,1195],"628":[1196],"631":[1197],"632":[1198],"634":[1199,1200],"635":[1201,1202,1203],"636":[1204],"637":[1205,1206],"638":[1207,1208,1209],"639":[1210,1211,1212,1213],"642":[1214],"644":[1215,1216],"645":[1217],"646":[1218,1219,1220,1221,1222,1223,1224],"647":[1225,1226,1227,1228],"648":[1229,1230,1231,1232,1233,1234],"650":[1235,1236,1237],"652":[1238,1239],"653":[1240,1241,1242,1243,1244,1245,1246,1247,1248,1249,1250,1251],"655":[1252],"657":[1253],"658":[1254],"659":[1255,1256,1257],"660":[1258],"662":[1259,1260],"664":[1261,1262],"665":[1263,1264,1265],"666":[1266,1267],"667":[1268],"670":[1269,1270],"671":[1271,1272],"673":[1273,1274],"674":[1275],"676":[1276],"680":[1277],"682":[1278],"683":[1279],"684":[1280],"685":[1281,1282],"687":[1283,1284,1285,1286,1287],"688":[1288,1289],"689":[1290],"692":[1291],"693":[1292,1293,1294,1295,1296],"694":[1297],"695":[1298,1299,1300,1301,1302],"696":[1303,1304,1305],"697":[1306,1307,1308],"698":[1309,1310,1311,1312],"699":[1313],"700":[1314,1315,1316],"703":[1317],"704":[1318,1319],"705":[1320,1321,1322],"706":[1323,1324,1325],"707":[1326,1327,1328],"708":[1329,1330,1331,1332],"709":[1333,1334,1335,1336,1337],"710":[1338,1339],"711":[1340,1341],"712":[1342,1343,1344,1345],"713":[1346,1347],"714":[1348],"715":[1349,1350],"717":[1351,1352],"718":[1353],"719":[1354,1355,1356,1357,1358],"721":[1359,1360,1361,1362,1363,1364,1365],"722":[1366,1367],"723":[1368,1369],"724":[1370,1371,1372,1373],"725":[1374,1375],"726":[1376,1377,1378],"727":[1379,1380,1381],"728":[1382,1383,1384],"729":[1385,1386,1387,1388],"730":[1389,1390,1391,1392],"731":[1393,1394],"732":[1395,1396,1397],"733":[1398,1399,1400],"734":[1401,1402],"735":[1403,1404],"736":[1405,1406,1407],"737":[1408,1409],"739":[1410],"743":[1411],"744":[1412],"746":[1413],"748":[1414],"750":[1415],"752":[1416,1417],"753":[1418],"755":[1419],"756":[1420,1421,1422,1423,1424,1425],"757":[1426,1427,1428,1429],"758":[1430,1431],"761":[1432,1433,1434],"762":[1435],"764":[1436],"765":[1437],"768":[1438],"772":[1439,1440,1441,1442,1443,1444,1445],"773":[1446,1447],"774":[1448],"776":[1449],"778":[1450,1451,1452],"779":[1453,1454,1455],"780":[1456],"781":[1457],"782":[1458],"784":[1459],"785":[1460],"787":[1461],"788":[1462],"793":[1463,1464],"794":[1465,1466],"795":[1467,1468],"796":[1469],"797":[1470,1471],"798":[1472,1473],"799":[1474],"800":[1475],"801":[1476,1477,1478,1479,1480,1481],"802":[1482,1483],"803":[1484,1485],"804":[1486],"805":[1487],"806":[1488,1489],"808":[1490,1491],"809":[1492],"812":[1493,1494],"813":[1495],"814":[1496],"815":[1497],"816":[1498,1499],"819":[1500,1501],"820":[1502,1503],"821":[1504],"822":[1505],"824":[1506],"825":[1507,1508],"826":[1509],"827":[1510,1511,1512],"828":[1513,1514],"829":[1515],"830":[1516,1517,1518],"831":[1519,1520],"833":[1521,1522],"835":[1523],"836":[1524],"837":[1525,1526,1527,1528,1529,1530,1531,1532,1533],"838":[1534],"839":[1535,1536,1537,1538,1539,1540,1541,1542,1543,1544,1545,1546,1547,1548],"840":[1549,1550,1551,1552,1553,1554,1555,1556,1557,1558,1559,1560,1561,1562],"841":[1563,1564,1565,1566,1567,1568,1569,1570,1571],"847":[1572],"848":[1573],"850":[1574],"851":[1575,1576,1577,1578,1579],"858":[1580,1581,1582,1583],"859":[1584],"861":[1585],"862":[1586,1587],"863":[1588],"864":[1589],"865":[1590],"866":[1591,1592],"868":[1593,1594,1595],"869":[1596,1597,1598],"872":[1599,1600,1601,1602],"873":[1603,1604,1605],"875":[1606,1607],"876":[1608,1609],"877":[1610],"878":[1611],"879":[1612],"881":[1613],"882":[1614],"883":[1615,1616,1617,1618,1619,1620],"885":[1621],"886":[1622],"887":[1623],"888":[1624],"895":[1625],"896":[1626],"897":[1627],"898":[1628],"900":[1629],"902":[1630],"904":[1631],"908":[1632],"914":[1633,1634,1635,1636],"915":[1637],"916":[1638],"918":[1639,1640],"921":[1641,1642],"922":[1643,1644],"923":[1645],"924":[1646],"927":[1647],"928":[1648,1649,1650,1651,1652],"929":[1653,1654,1655,1656,1657,1658,1659],"931":[1660,1661,1662,1663],"932":[1664,1665],"933":[1666,1667],"934":[1668,1669],"935":[1670],"937":[1671,1672,1673,1674],"938":[1675,1676,1677,1678,1679,1680],"940":[1681,1682,1683],"941":[1684,1685],"942":[1686,1687,1688],"943":[1689,1690,1691],"944":[1692],"945":[1693,1694,1695,1696],"946":[1697],"947":[1698],"948":[1699,1700],"949":[1701,1702],"950":[1703,1704],"951":[1705,1706,1707,1708,1709],"952":[1710],"954":[1711],"957":[1712],"959":[1713,1714],"960":[1715,1716,1717],"961":[1718],"962":[1719,1720,1721],"965":[1722,1723,1724,1725],"966":[1726],"968":[1727,1728,1729,1730],"970":[1731,1732],"973":[1733,1734,1735,1736,1737,1738,1739,1740],"974":[1741,1742],"975":[1743,1744],"978":[1745],"981":[1746,1747],"982":[1748,1749],"983":[1750],"984":[1751,1752],"985":[1753],"987":[1754],"988":[1755,1756,1757,1758,1759,1760,1761,1762,1763,1764,1765,1766],"989":[1767,1768,1769,1770],"991":[1771],"993":[1772,1773],"994":[1774,1775,1776],"995":[1777,1778],"997":[1779,1780,1781],"998":[1782],"1002":[1783,1784,1785],"1004":[1786,1787,1788,1789,1790],"1005":[1791,1792,1793,1794],"1006":[1795],"1007":[1796,1797],"1008":[1798,1799],"1009":[1800,1801],"1010":[1802,1803],"1012":[1804],"1017":[1805],"1020":[1806],"1022":[1807],"1024":[1808],"1025":[1809,1810,1811],"1026":[1812,1813,1814,1815],"1027":[1816,1817,1818],"1031":[1819,1820,1821],"1037":[1822,1823,1824],"1040":[1825],"1041":[1826],"1045":[1827],"1048":[1828],"1060":[1829],"1061":[1830],"1062":[1831],"1069":[1832],"1070":[1833],"1072":[1834,1835,1836,1837],"1073":[1838],"1074":[1839],"1076":[1840,1841],"1077":[1842,1843],"1078":[1844,1845,1846],"1079":[1847,1848,1849,1850,1851],"1080":[1852],"1083":[1853],"1087":[1854],"1089":[1855],"1090":[1856],"1091":[1857],"1093":[1858],"1094":[1859,1860],"1095":[1861,1862],"1096":[1863],"1099":[1864],"1101":[1865,1866],"1105":[1867,1868],"1107":[1869,1870,1871,1872],"1108":[1873],"1113":[1874,1875,1876],"1114":[1877],"1115":[1878],"1116":[1879],"1117":[1880],"1120":[1881,1882,1883,1884,1885,1886],"1121":[1887],"1123":[1888],"1124":[1889],"1125":[1890,1891],"1127":[1892],"1130":[1893,1894],"1137":[1895,1896,1897,1898],"1138":[1899],"1141":[1900],"1143":[1901,1902,1903,1904],"1144":[1905],"1146":[1906,1907],"1147":[1908,1909,1910],"1148":[1911,1912],"1149":[1913,1914],"1150":[1915,1916,1917,1918,1919],"1151":[1920],"1152":[1921],"1153":[1922],"1154":[1923,1924,1925,1926],"1156":[1927,1928,1929,1930],"1159":[1931,1932],"1161":[1933,1934,1935,1936,1937],"1162":[1938,1939,1940],"1163":[1941],"1166":[1942,1943,1944,1945,1946],"1167":[1947,1948,1949,1950],"1168":[1951,1952,1953,1954,1955,1956,1957,1958],"1169":[1959,1960,1961,1962,1963,1964],"1171":[1965,1966],"1172":[1967],"1173":[1968,1969],"1174":[1970],"1175":[1971,1972,1973,1974,1975,1976],"1176":[1977],"1177":[1978],"1178":[1979,1980],"1179":[1981],"1180":[1982,1983,1984],"1181":[1985],"1182":[1986,1987],"1183":[1988,1989,1990],"1184":[1991],"1185":[1992,1993,1994],"1186":[1995,1996,1997,1998],"1187":[1999,2000],"1188":[2001],"1190":[2002,2003],"1191":[2004,2005,2006,2007,2008,2009,2010],"1192":[2011,2012,2013],"1193":[2014,2015],"1194":[2016,2017,2018],"1195":[2019,2020,2021,2022],"1197":[2023],"1203":[2024],"1205":[2025,2026,2027,2028,2029],"1206":[2030,2031,2032,2033,2034,2035,2036,2037],"1207":[2038,2039],"1208":[2040,2041],"1209":[2042,2043],"1210":[2044],"1211":[2045],"1212":[2046],"1213":[2047],"1214":[2048,2049],"1215":[2050,2051],"1216":[2052,2053,2054],"1217":[2055,2056],"1218":[2057,2058],"1219":[2059,2060,2061],"1220":[2062],"1222":[2063],"1223":[2064,2065,2066,2067],"1224":[2068,2069],"1225":[2070],"1226":[2071,2072],"1227":[2073,2074,2075,2076,2077],"1228":[2078,2079],"1229":[2080],"1230":[2081,2082,2083,2084,2085,2086,2087,2088,2089],"1231":[2090,2091],"1232":[2092,2093],"1233":[2094,2095,2096],"1234":[2097],"1235":[2098,2099],"1236":[2100,2101],"1237":[2102],"1238":[2103,2104],"1240":[2105],"1243":[2106],"1244":[2107],"1246":[2108],"1247":[2109],"1249":[2110],"1250":[2111,2112,2113,2114],"1252":[2115],"1254":[2116],"1255":[2117,2118,2119,2120,2121],"1256":[2122,2123,2124,2125],"1257":[2126,2127],"1258":[2128,2129],"1259":[2130],"1260":[2131,2132],"1262":[2133],"1263":[2134],"1264":[2135],"1265":[2136],"1266":[2137,2138,2139,2140,2141,2142],"1267":[2143,2144],"1268":[2145],"1269":[2146],"1270":[2147],"1272":[2148,2149],"1273":[2150,2151],"1274":[2152],"1275":[2153,2154],"1276":[2155,2156],"1277":[2157,2158,2159],"1278":[2160,2161],"1279":[2162],"1280":[2163],"1281":[2164],"1282":[2165],"1285":[2166],"1286":[2167],"1287":[2168,2169],"1288":[2170,2171],"1289":[2172],"1290":[2173],"1291":[2174,2175],"1292":[2176],"1293":[2177,2178],"1294":[2179,2180],"1295":[2181],"1297":[2182,2183],"1299":[2184,2185],"1300":[2186,2187,2188],"1301":[2189,2190,2191,2192],"1302":[2193],"1303":[2194,2195,2196],"1304":[2197,2198,2199,2200,2201,2202],"1305":[2203,2204,2205,2206,2207,2208,2209],"1306":[2210,2211],"1307":[2212],"1309":[2213],"1310":[2214],"1312":[2215,2216,2217],"1314":[2218,2219],"1315":[2220],"1317":[2221],"1331":[2222,2223],"1332":[2224,2225],"1334":[2226,2227,2228,2229,2230],"1335":[2231,2232,2233,2234,2235],"1336":[2236],"1338":[2237,2238],"1339":[2239,2240,2241],"1340":[2242],"1341":[2243,2244],"1342":[2245,2246,2247,2248],"1343":[2249,2250,2251],"1344":[2252],"1345":[2253],"1347":[2254,2255,2256,2257],"1348":[2258,2259,2260,2261,2262,2263,2264],"1350":[2265,2266],"1351":[2267],"1352":[2268,2269],"1354":[2270,2271],"1355":[2272,2273,2274,2275,2276],"1356":[2277]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nصلاة المؤمن\nمفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفية\nفي ضوء الكتاب والسنة\n(١ - ٣)\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني","vol":"1","page":null},{"text":"٢ - صلاة المؤمن في ضوء الكتاب والسنة\nح\nمركز الدعوة والإرشاد بالقصب، ١٤٣١هـ\n\nفهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.\nالقحطاني، سعيد بن علي بن وهف\nأركان الإسلام./ سعيد بن علي بن وهف القحطاني - القصب، ١٤٣١هـ\n٥ مج.\nردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٢ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٢)\n(خمسة أجزاء في صندوق واحد)\n١ - الإسلام ٢ - العبادات (فقه إسلامي) ٣ - التربية الإسلامية.\nأ. العنوان\nديوي ٢٥٢ ... ٤٣٩٦/ ١٤٣١\n\nرقم الإيداع: ٤٣٩٦/ ١٤٣١\nردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)\n٩ - ٢ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٢)\nالطبعة الثانية: ١٤٢٤هـ- ٢٠٠٤م\nالطبعة الثالثة: صفر ١٤٣١هـ- يناير ٢٠١٠م\nالطبعة الرابعة: شوال ١٤٣١هـ- ٢٠١٠م\nحقوق الطبع محفوظة\nإلا لمن أراد طبعه، وتوزيعه مجانًا، بدون حذف، أو إضافة، أو تغيير، فله ذلك، وجزاه الله خيرًا .. بشرط أن يكتب على الغلاف الخارجي\n\nوقف لله تعالى","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن ... الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد:\nفهذه رسالة مختصرة في الصلاة: قرة عين النبي - ﷺ -؛ لقوله ﵊: «حبب إليَّ النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١) بينت فيها بإيجاز: كل ما يحتاجه المؤمن في صلاته، وقرنت ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، فما كان من صواب فمن الله الواحد المنّان، وما كان من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله - ﷺ - (٢).\nوقد استفدت كثيرًا من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، قدّس الله روحه ونور ضريحه ورفع منزلته في الفردوس الأعلى.\nوقد قسمت البحث إلى أربعة وثلاثين مبحثًا على النحو الآتي:\nالمبحث الأول: مفهوم الطهارة وأنواعها.\nالمبحث الثاني: أنواع النجاسات ووجوب تطهيرها أو زوالها.\nالمبحث الثالث: سنن الفطرة وأنواعها.\n_________\n(١) النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، برقم ٣٩٤٠، وأحمد في المسند، ٣/ ١٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ٨٢٧.\n(٢) اقتداء بما قاله عبد الله بن مسعود - ﵁ - أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسمّ صداقًا حتى مات، برقم ٢١١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٩٧، وانظر: الروح لابن القيم، ص ٣٠.","vol":"1","page":3},{"text":"المبحث الرابع: آداب قضاء الحاجة.\nالمبحث الخامس: الوضوء.\nالمبحث السادس: المسح على الخفين والعمائم والجبيرة.\nالمبحث السابع: الغسل.\nالمبحث الثامن: التيمم.\nالمبحث التاسع: الحيض والنفاس والاستحاضة والسلس.\nالمبحث العاشر: مفهوم الصلاة.\nالمبحث الحادي عشر: حكم الصلاة.\nالمبحث الثاني عشر: منزلة الصلاة في الإسلام.\nالمبحث الثالث عشر: خصائص الصلاة في الإسلام.\nالمبحث الرابع عشر: حكم تارك الصلاة.\nالمبحث الخامس عشر: فضل الصلاة.\nالمبحث السادس عشر: الأذان والإقامة.\nالمبحث السابع عشر: شروط الصلاة.\nالمبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\nالمبحث التاسع عشر: أركان الصلاة وواجباتها وسننها.\nالمبحث العشرون: مكروهات الصلاة ومبطلاتها.\nالمبحث الحادي والعشرون: الخشوع في الصلاة.\nالمبحث الثاني والعشرون: سجود السهو.\nالمبحث الثالث والعشرون: صلاة التطوع.\nالمبحث الرابع والعشرون: صلاة الجماعة.\nالمبحث الخامس والعشرون: مكان صلاة الجماعة: المساجد.\nالمبحث السادس والعشرون: الإمامة في الصلاة.\nالمبحث السابع والعشرون: صلاة المريض.\nالمبحث الثامن والعشرون: صلاة المسافر.\nالمبحث التاسع والعشرون: صلاة الخوف.\nالمبحث الثلاثون: صلاة الجمعة.\nالمبحث الحادي والثلاثون: صلاة العيدين.\nالمبحث الثاني والثلاثون: صلاة الكسوف.","vol":"1","page":4},{"text":"المبحث الثالث والثلاثون: صلاة الاستسقاء.\nالمبحث الرابع والثلاثون: صلاة الجنائز وةأحكامها.\nوأسأل الله العظيم أن يجعل هذا العمل القليل مباركًا خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا لمؤلفه، وقارئه، وطابعه، وناشره من جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، إنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالمؤلف\nحرر في ضحى يوم الجمعة\n١٤/ ٨/١٤٢١هـ","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: تعريف الطهارة وأنواعها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أولًا: مفهوم الطهارة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>١ - الطهارة لغة: </span>النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>٢ - شرعًا: </span>ارتفاع الحدث بالماء أو التراب الطهورين المباحين، وزوال النجاسة والخبث، فالطهارة هي زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>ثانيًا: الطهارة نوعان: معنوية وحسية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>النوع الأول: الطهارة الباطنة المعنوية</span>، وهي: الطهارة من الشرك والمعاصي، وتكون بالتوحيد والأعمال الصالحة، وهي أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تقوم طهارة البدن مع وجود نجس الشرك ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢)، وقال النبي - ﷺ -: «إن المؤمن لا ينجس» (٣)، فيجب على كل مُكلَّفٍ أن يُطَهّرَ قلبه من نجاسة الشّرك، والشَّكّ، وذلك بالإخلاص والتوحيد، واليقين. ويُطَهّر نفسه وقلبه من أقذار المعاصي، وآثار الحسد، والحقد، والغلّ، والغِشّ، والكبر، والعجب، والرّياء والسُّمعة ... وذلك بالتوبة الصادقة من جميع الذنوب والمعاصي. وهذه الطهارة هي شطر الإيمان والشطر الثاني هي الطهارة الحسية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>النوع الثاني: الطهارة الحسية: </span>وهي الطهارة من الأحداث والأنجاس، وهذا هو شطر الإيمان الثاني، قال النبي - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان» (٤).\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ١٢،وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام لعبد الله البسام، ١/ ٨٧.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٨.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس، برقم ٢٨٣، ومسلم في كتاب الحيض، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، برقم ٣٧١ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣.","vol":"1","page":6},{"text":"وتكون بما شرع الله من الوضوء، والغسل، أو التيمم عند فقد الماء. وزوال النجاسة أو إزالتها من اللّباس، والبدن، ومكان الصلاة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: تكون الطهارة بطهورين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الأول: الطهارة بالماء</span>، وهي الأصل، فكلُّ ماءٍ نزل من السماء، أو خرج من الأرض وهو باقٍ على أصل خلقته فهو طهور، يُطهّر من الأحداث والأخباث، ولو تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه بشيء طاهر، لقوله - ﷺ -: «إن الماء طَهورٌ لا ينجّسُهُ شيء» (٢)، ومن ذلك: ماء المطر، ومياه العيون، والآبار، والأنهار، والأودية، والثلوج الذائبة، والبحار، قال - ﷺ - في ماء البحر: «هو الطّهور ماؤه الحِلُّ ميتته» (٣).\nأما ماء زمزم فقد ثبت من حديث علي - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - دعا بسجلٍ من زمزم فشرب منه وتوضأ» (٤)، فإن تغير: لون الماء، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة فهو نجس بالإجماع يجب اجتنابه (٥).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين،١/ ١٩،ومنهاج المسلم لأبي بكر الجزائري، ص١٧٠، وشرح عمدة الأحكام للمقدسي لسماحة العلامة ابن باز ص٢ مخطوط في مكتبتي الخاصة.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة، برقم ٦٧، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، برقم ٦٦، والنسائي في كتاب المياه، باب ذكر بئر بضاعة، برقم ٣٢٥، وصححه أحمد، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، برقم ٨٣، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، برقم ٦٩، والنسائي في كتاب المياه، باب الوضوء بماء البحر، برقم ٣٣١، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر، برقم ٣٨٦. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٨٠.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في «زوائد المسند» ١/ ٧٦، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٤٥، برقم ١٣، وتمام المنة، ص ٤٦.\n(٥) انظر فتاوى ابن تيمية، ٢١/ ٣٠، وسبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني، ١/ ٢٢.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الثاني: الطهارة بالصعيد الطاهر</span>، وهو بدل عن الطهارة بالماء، إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة، أو بعضها لعدمه، أو خوف ضرر باستعماله فيقوم التراب الطاهر مقام الماء (١).\n_________\n(١) انظر: منهاج السالكين وتوضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص ١٣.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثاني: أنواع النجاسات ووجوب تطهيرها أو زوالها</span>\nالنجاسة: هي القذارة التي يجب على المسلم أن يتنزَّه عنها ويغسل ما أصابه منها، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ﴾ (٢)، ومن هذه النجاسات ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>أولًا: بول الآدمي وغائطه، ويكون تطهيره بالغسل والإزالة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>١ - تطهير بول الغلام والجارية </span>.. قال النبي - ﷺ -: «بول الغلام يُنضَح (٣) وبول الجارية يُغْسَل» (٤) وهذا «ما لم يطعما، فإن طعما غُسِلا جميعًا» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٢ - تطهير النعل يكون بالدَّلك في الأرض</span>؛ لقوله - ﷺ -: «إذا وَطِئَ أحدكم بنعليه الأذى؛ فإن التراب له طهور» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٣ - تطهير ذيل ثوب المرأة: </span>يُطَهّرُهُ التراب، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أن\n_________\n(١) سورة المدثر، الآية: ٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(٣) النضح: هو البل بالماء والرش. فبول الغلام الذي لم يطعم ولم يأكل يكفي فيه أن يرش فيُتبع بالماء دون فرك ولا عصر حتى يشمله كله. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٥/ ٦٩، والقاموس المحيط، ص٣١٣، والمصباح المنير، ٢/ ٦٠٩، والشرح الممتع، ١/ ٣٧٢.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٧٦، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب، برقم ٦١٠، والترمذي في كتاب الجمعة، باب ما ذكر في نضح بول الغلام الرضيع، برقم ٦١٠، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، برقم ٥٢٥. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٨٨، برقم ١٦٦.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب، برقم ٣٧٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٧٦، برقم ٣٦٤، وأصل نضح بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام. متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب بول الصبيان، برقم ٢٢٣، ومسلم في كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، برقم ٢٨٧ من حديث أم قيس بنت محصن.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الأذى يصيب النعل، برقم ٣٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٧٧، برقم ٣٧١.","vol":"1","page":9},{"text":"المرأة إذا مشت في الطريق القذر، وبعده مكان طاهر أطيب منه، فإن ذيل ثوبها يطهر بذلك؛ ولهذا قال - ﷺ -: «يطهره ما بعده» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٤ - تطهير الأرض والفراش</span>، إذا أصاب البول أو الغائط الأرض أو الفراش، فإن الغائط يزال ويصب مكانه ماء، أما البول فيكاثر بالماء؛ ولهذا قال - ﷺ - في الأعرابي الذي بال في المسجد: «دعوه وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (٢)، وتزال آثار الغائط والبول بالاستنجاء أو الاستجمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ثانيًا: دم الحيض</span>، يُطهر بالدَّلْك والغسل، قال - ﷺ - في دم الحيض يصيب الثوب: «تَحتُّهُ، ثم تَقْرُصُه بالماء، ثم تَنْضَحُهُ، ثم تُصلي فيه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ثالثًا: ولوغ الكلب في الإناء </span>(٤)، قال - ﷺ -: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الأذى يصيب الذيل، برقم ٣٨٣، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من الموطَئ، برقم ١٤٣.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، برقم ٢٢٠، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، برقم ٢٨٤.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم، برقم ٢٢٧، ومسلم في كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله، برقم ٢٩١.\n(٤) آسار البهائم، والحيوانات، والسباع فيه تفصيل: ولا شك أن السؤر: هو الفضلة وبقية الشراب أو الطعام. ومعلوم أن الحيوان قسمان: نجس وطاهر. فالقسم الأول نجس وهو نوعان: النوع الأول نجس قولًا واحدًا: وهو الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما فهو نجس عينه وسؤره وجميع ما خرج منه. النوع الثاني مختلف فيه، وهو الحمار الأهلي والبغل، وجوارح الطير: كالصقر والحدأة، وسباع البهائم: كالذئب، والنمر. والأسد. والراجح كما ذهب إليه أكثر أهل العلم أن آسار هذه الحيوانات طاهر؛ لأنه يشق التحرز منها غالبًا. انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٣٨٠، والمغني، ١/ ٦٨، والشرح الممتع، ١/ ٣٩٦. القسم الثاني: طاهر في نفسه وسؤره وعرقه وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول الآدمي فهو طاهر وسؤره طاهر؛ لأن المؤمن لا ينجس، وحيضة المرأة ليست في يدها. النوع الثاني مأكول اللحم: طاهر وسؤره طاهر بالإجماع، إلا الجلاّلة مختلف في سؤرها، فتكون من النوع الثاني من القسم الأول، وتقدم الترجيح. النوع الثالث: الهرة سؤرها طاهر؛ لأنها من الطوافين. انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٦٤ - ٧٠، ومعلوم أن الحيوان نوعان: ما ليس له نفس سائلة، وما له نفس سائلة: النوع الأول: ما ليس له نفس سائلة، أي لا يسيل دمه إذا قتل أو جرح، وهو على قسمين: الأول: ما يتولد من الطاهر فهو طاهر، حيًا وميتًا: كالديدان، والذباب ونحو ذلك، ولكن الذباب إذا وقع في الإناء يغمس فيه؛ لأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. والثاني ما يتولد من النجس كالصراصير متولدة من نجاسة البالوعة فهو نجس حيًا وميتًا. النوع الثاني ما له نفس سائلة، وهو ثلاثة أقسام: الأول ما تباح ميتته وهو السمك والجراد، وجميع حيوانات البحر التي لا تعيش إلا في الماء فهو طاهر حيًا وميتًا. الثاني ما لا تباح ميتته كحيوان البر المأكول، وحيوان البحر الذي يعيش في البر كالضفدع والتمساح ونحو ذلك فهذا نجس بعد الموت. النوع الثالث: الآدمي طاهر حيًا وميتًا. المغني، ١/ ٥٩ - ٦٣، والشرح الممتع، ١/ ٧٤، و٧٧، و٣٧٨، و٣٩٣ - ٣٩٧.","vol":"1","page":10},{"text":"الكلب أن يغسله سبع مرات أُولاهنَّ بالتُّراب»، وفي رواية: «فليرقه ...» الحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>رابعًا: الدم المسفوح ولحم الخنزير والميتة</span>، ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>وجلد الميتة - التي يؤكل لحمها في حياتها </span>(٣) بعد ذكاتها - يطهر بالدباغ، كما قال - ﷺ -: «إذا دُبغ الإهاب فقد طَهُر» (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، برقم ٢٧٩.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.\n(٣) وسمعت سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء شرحه على بلوغ المرام حديث رقم ٢٠: «واختلف في إهاب ما لا يؤكل لحمه هل يطهر بالدبغ أم لا فقيل: حديث الدباغ عام لجميع الجلود، حتى جلود السباع. وقيل: إنه خاص بما يؤكل لحمه، وأحسن الأقوال وأقربها، وأظهرها أن الدباغ خاص بما يؤكل لحمه، وإن كان القول الآخر قويًا. وانظر: فتاوى ابن تيمية، ٢١/ ٩٠ - ٩٦، والفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٠٢، وتهذيب السنن، ٦/ ٦٤ - ٧٢، وزاد المعاد، ٥/ ٧٥٤ - ٧٥٦، والشرح الممتع، ١/ ٧٥.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، برقم ٣٦٦، وأما حديث عبد الله بن عكيم قال: إن النبي - ﷺ -، كتب إلينا «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، أخرجه أحمد وأبو داود في كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، برقم ٤١٢٨، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، برقم ١٧٢٩، والنسائي في كتاب الفرع، باب ما يدبغ به جلود الميتة، برقم ٤٢٤٩، وابن ماجه في كتاب اللباس، باب من قال لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، برقم ٣٦١٣. وصححه الألباني في الإرواء، ١/ ٧٦ - ٧٧. فهذا الحديث قيل فيه: إنه ضعيف، ولا يقابل الحديث الصحيح في مسلم، ولو صح وثبت أنه بعد حديث ميمونة لكان محمولًا على الإهاب قبل الدبغ، فحينئذ يحصل الجمع بينه وبين حديث ميمونة. ورجح هذا سماحة العلامة ابن باز في شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٣،والعلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع،١/ ٧١،وانظر: التلخيص الحبير،١/ ٤٧.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>أما ميتة الجراد والسمك</span>، فقد جاء عنه - ﷺ -: «أُحلّ لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان الكبد والطحال» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>خامسًا: الوَدْيُ: </span>ماء أبيض ثخين، يخرج كَدِرًا بعد البول، ويُطهّرُ بغسل الذكر، ثم الوضوء (٢)، وإذا أصاب البدن منه شيء غُسل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>سادسًا: المذي: </span>وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير بالجماع أو عند الملاعبة، وهو من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها فخُفّف تطهيره، فمن حصل له ذلك: «فليغسل ذكره وأنثييه (٣) وليتوضأ وضوءه للصلاة» (٤)، ويغسل ما أصاب البدن، ويرش كفًَّا من ماء على ما أصاب الثوب أو السراويل؛ لحديث سهل بن حنيف - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>سابعًا: المني: </span>هو ما يخرج دفقًا بِلَذَّةٍ، ويوجب الغسل، وهو طاهر على الصحيح (٦)، ولكن يستحب غسله إذا كان رطبًا، وفركه إذا كان يابسًا، فقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت لرجل يغسل ثوبه من المني:\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٩٧، وابن ماجه في كتاب الصيد، باب صيد الحيتان والجراد، برقم ٣٢١٨، وفي كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، برقم ٣٣١٤، والدارقطني في كتاب الأشربة وغيرها، باب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك، برقم ٤٦٨٧.\n(٢) المغني لابن قدامة،١/ ٢٣٣،قال الإمام العلامة ابن باز: غسل الأنثيين خاص بالمذي دون الودي.\n(٣) أنثييه: خصيتيه.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المذي، برقم ٢٠٦، ٢٠٨،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤١، برقم ١٩٠ - ١٩٢، وأصله متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب غسل المذي والوضوء منه، برقم ٢٦٩، ومسلم في كتاب الحيض، باب المذي، برقم ٣٠٣.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المذي، برقم ٢١٠، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المذي يصيب الثوب، برقم ١١٥، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من المذي، برقم ٥٠٦، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ١٤٢.\n(٦) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٩٧ - ١٩٩، وهو الذي يرجحه ويفتي به سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":12},{"text":"«إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تَرَ نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فيصلّي فيه» (١)، وفي رواية: «وإني لأحكُّهُ من ثوب رسول الله - ﷺ - يابسًا بظفري» (٢)، وقالت: «إن رسول الله - ﷺ - كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>ثامنًا: الجلاّلة: </span>وهي الدابة التي تأكل العذرة، فإذا حُبِست حتى يزول عنها اسم الجلاّلة فلحومها وألبانها طاهرة حلال بعد الحبس، فقد ثبت عن ابن عمر، ﵄، أنه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن لحوم الجلاّلة وألبانها» (٤)، وكان ابن عمر إذا أراد أكل الجلاّلة حبسها ثلاثًا (٥)، وعنه يرفعه: «نهى عن الجلاّلة في الإبل أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>تاسعًا: الفأرة: </span>إذا وقعت الفأرة في السمن - سواء كان مائعًا أو جامدًا - تُلْقَى وما حولها، فعن ميمونة ﵂، أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: «ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم» (٧)، هذا إذا لم يكن في السمن المتبقي أثر النجاسة في طعمه، أو لونه، أو رائحته، وإلا أُلقي ما تبقى، فيكون كالماء: إذا لم يتغير أحد\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم المني، برقم ٢٨٨.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم المني، برقم ٢٩٠.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب حكم المني، برقم ٢٨٩.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، برقم ٣٧٨٥، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها، برقم ١٨٢٤، وابن ماجه في كتاب الذبائح، باب النهي عن لحوم الجلالة، برقم ٣١٨٩، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٨/ ١٤٩ - ١٥١.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ولفظه: «أنه كان يحبس الدجاجة الجلاّلة ثلاثًا»، انظر: إرواء الغليل، ٨/ ١٥١، برقم ٢٥٠٥.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، برقم ٣٧٨٧.\n(٧) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، برقم ٢٣٥، ورقم ٥٥٣٨، و٥٥٣٩، و٥٥٤٠.","vol":"1","page":13},{"text":"أوصافه بنجاسة فهو طهور والله أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>عاشرًا: بول وروث ما لا يؤكل لحمه نجس</span>؛ لحديث جابر - ﵁ -: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتمسح بعظم أو ببعر» (٢)، وثبت أنه - ﷺ - امتنع من الاستجمار بالروث، وقال: «هذا ركس» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أما بول وروث مأكول اللحم فطاهر</span>؛ لأمر النبي - ﷺ - الصحابة بالشرب من بول الإبل (٤)، ولهذا كان النبي - ﷺ -: «يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>الحادي عشر: إذا كان في الثوب أو البدن أو البقعة نجاسة</span>، وذكرها المصلي في الصلاة أو بعد الصلاة؛ فإن ذلك فيه تفصيل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>١ - إذا ذكر ذلك وهو في الصلاة</span>، أزال النجاسة، أو ألقى ما عليه نجاسة بشرط عدم كشف العورة، واستمر في صلاته، وصلاته صحيحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>٢ - إذا لم يستطع إزالتها أثناء الصلاة </span>بحيث لو ألقى ما عليه النجاسة انكشفت عورته، أو كانت النجاسة على بدنه، فحينئذ ينصرف من صلاته ثم يزيل النجاسة ثم يعيد الصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٣ - إذا ذكر بعد الانصراف من الصلاة </span>أنه صلى في ثوب فيه نجاسة، أو صلى على بقعة فيها نجاسة، أو صلى وفي جسده نجاسة، فصلاته\n_________\n(١) انظر فتاوى ابن تيمية، ٢١/ ١٩ - ٢١ و٣٨ - ٣٩، و٤٨٨ - ٥٠٢، ورجح هذا القول ابن باز في شرح بلوغ المرام، مخطوط.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة، برقم ٢٦٣.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا يستنجى بروث، رقم ١٥٦.\n(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، برقم ٢٣٣، ومسلم في كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، برقم ١٦٧١.\n(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، برقم ٢٣٤، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي - ﷺ -،برقم ٥٢٤، وانظر: شرح العمدة «كتاب الطهارة» لابن تيمية، ص١٠٨.","vol":"1","page":14},{"text":"صحيحة، ويدل على ذلك كله حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، حيث قال: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلما كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلما قضى صلاته - ﷺ - قال: «ما بالكم ألقيتم نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال - ﷺ -: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا - أو قال أذى - فألقيتهما، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذرًا -أو قال: أذىً - فليمسحهما وليصلّ فيهما» (١).\nوهذا خاص بإزالة النجاسة، أما من صلَّى وذكر وهو في صلاته أو بعد الانصراف منها أنه على غير وضوء، أو ذكر أنَّ عليه جنابة؛ فإنَّ صلاته باطلة من أولها؛ سواء ذكر أثناء الصلاة أو بعد الانصراف منها، وعليه أن يرفع الحدث ثم يُعيد الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة بغير طهور ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الثاني عشر: الخمر: </span>جماهير العلماء على أن الخمر نَجِسَة العين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: «... والمائعات المسكّرة كلها نَجِسة؛ لأنَّ الله سمَّاها رِجسًا، والرّجس هو القَذِر والنّجس الذي يجب اجتنابه، وأمر باجتنابه مطلقًا وهو يَعُمُّ الشُّرب، والمسّ وغير ذلك، وأمر بإراقتها ولعن النبي - ﷺ - عينها ...» (٣) وقال الشنقيطي ﵀: «وجماهير العلماء على أن الخمر نّجِسَة العين لما ذكرنا، وخالف في ذلك ربيعة، والليث، والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره، واستدلُّوا\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ٣/ ٢٠، ٩٢، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٠، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٢٨٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٤.\n(٣) شرح العمدة في الفقه، (كتاب الطهارة)، لشيخ الإسلام، ص ١٠٩.","vol":"1","page":15},{"text":"لطهارة عينها بأنَّ المذكورات معها في الآية (١): من مال مَيْسرَ، ومال قِمَار، وأَنْصاب، وأزْلام ليست نجسة العين وإن كانت محرمة الاستعمال، وأُجيب من جهة الجمهور بأنَّ قوله: ﴿رجس﴾ يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخرجه إجماع أو نص خرج بذلك، وما لم يخرجه نص ولا إجماع لزم الحكم بنجاسته؛ لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصص من المخصصات لايسقط الاحتجاج به في الباقي كما هو مقرر في الأصول .. وعلى هذا فالمسكّر الذي عمَّت به البلوَى اليوم بالتَّطيُّب به المعروف في اللّسان الدارج: (بالكلونيا) نجس لا تجوز الصَّلاة به، ويُؤَيّدُهُ أنَّ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المسكّر، وما معه في الآية بوجهٍ من الوجوه .. فلا يخفى على منصف أن التضمخ بالطيب المذكور والتّلذُّذ بريحه واستطابته واستحسانه - مع أنه مسكر، والله يُصَرّحُ في كتابه بأنَّ الخمر رجس - فيه ما فيه، فليس لمسلم أن يتطيب بما سمع ربه يقول فيه: ﴿إنَّهُ رِجْسٌ﴾ كما هو واضح، ويُؤَيّدُهُ أنّه - ﷺ -، أمر بإراقة الخمر، فلو كانت فيها منفعة أخرى لبيّنها كما بيَّن جواز الانتفاع بجلود الميتة، ولَما أراقها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الثالث عشر: والخلاصة: </span>أنَّ الأصل في الأشياء: الطَّهارة والإباحة، فإذا شكَّ المسلم في نجاسة ماء، أو ثوب، أو بُقعة أو غيرها فهو طاهر، وكذلك إذا تيقَّن الطهارة ثم شك هل تنجس أم لا؟ بنى على ما تَيَقَّنَهُ من طهارةٍ، وكذلك إذا تَيقَّن النجاسة وشكَّ في الطهارة بنى على ما تيقَّنه،\n_________\n(١) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. المائدة، الآية: ٩٠.\n(٢) أضواء البيان في إيضاح القرآن، ٢/ ١٢٩، بتصرف يسير جدًا، وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ١/ ٣٦٦، فقد رجح عدم النجاسة. أما سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، فيرجح ما يراه الجمهور، وأن الخمر نجسة، ولا يجوز التطيب بالمسكر؛ ولأن التطيب به وسيلة إلى استخدامه وبيعه وشرائه وشربه.","vol":"1","page":16},{"text":"وكذلك إذا تيقَّن الحدث وشكَّ في زواله بنى على ما تيقّنه، وإذا شكَّ في عدد الركعات، أو الأطواف، أو الطلقات بنى على اليقين وهو الأقل، وهذه قاعة عظيمة وهي استصحاب الحال المعلوم واطّراح الشكّ (١)؛ ولهذا قال - ﷺ -، للرجل الذي يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الرابع عشر: وجميع الأواني مباحة</span>؛ لأن الأصل فيها الإباحة (٣) إلا ما خصَّه الدليل بالتَّحريم، كآنية الذَّهب والفضّة وما فيه شيء منهما - إلا الضبَّة اليسيرة من الفضة في الإناء للحاجة (٤) -؛ لقوله - ﷺ -: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٥).\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة «كتاب الطهارة» لابن تيمية، ص٨٣، ومنهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين لعبد الرحمن السعدي، ص٦.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، برقم ٢٣٧، ومسلم في كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك فله أن يصلي بطهارته تلك، برقم ٣٦١.\n(٣) حتى آنية الكفار سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم؛ لأن الله أحل لنا ذبائح أهل الكتاب؛ ولأن النبي - ﷺ - أكل من الشاة المسمومة التي أهديت له في خيبر، واستعمل الماء من مزادة امرأة مشركة، وأما حديث أبي ثعلبة عند البخاري، برقم ٥٤٩٦، ومسلم، برقم ١٩٣٠: أن النبي - ﷺ - قال: «لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها»، فرجح سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى أن الأمر بالغسل للاستحباب، إلا إذا رأى المسلم أثر الخمر أو لحم الخنزير في الإناء وجب عليه أن يغسله. وانظر: الشرح الممتع، ١/ ٦٩.\n(٤) لحديث أنس - ﵁ -: «أن قدح النبي - ﷺ - انكسر فاتخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضة» أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ -، برقم ٣١٠٩، وفي كتاب الأشربة، باب الشرب من قدح النبي - ﷺ - وآنيته، برقم ٥٦٣٨. وانظر: الشرح الممتع، ١/ ٦٤.\n(٥) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة، باب الأكل من إناء مفضض، برقم ٥٤٢٦، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، برقم ٢٠٦٧.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الثالث: سنن الفطرة</span>\nالفطرة المقصودة في هذا المبحث: هي السُّنَّة عند أكثر أهل العلم.\nقالوا: والمعنى: إنها من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شكَّ أنّ بعض الخصال واجبة وبعضها مُستحبة، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره (١)، ومن هذه الخصال ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>١ - الختان: </span>وهو قطع جميع الجلدة التي تُغطّي حشفة الرجل حتى تنكشف جميع الحشفة، وأما المرأة فَيُقطع الجزء الأعلى من اللَّحمة التي كالنَّواة، وهي تُشبه عُرف الدّيك، وهي في أعلى الفرج فوق محل الإيلاج، ويُستحبُّ أن لا تُؤخذ كُلُّها؛ لأنَّ المقصود تقليل شهوتها (٢)؛ لقوله - ﷺ - لبعض الختَّانات في المدينة: «إذا خفضت (٣) فأشمّي (٤) ولا تنهكي (٥) فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج» (٦).\nوالختان يجب على الرجال، ويُستحب في حق النساء على الصحيح من أقوال أهل العلم (٧)؛ ولهذا «اختتن إبراهيم - ﵇ - وهو ابن ثمانين سنة\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٤٨، وفتح الباري، ١٠/ ٣٤٠، والنهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٣/ ٤٥٧، والمغني لابن قدامة ١/ ١١٤، ومعالم السنن، ٦/ ١٠١.\n(٢) انظر: المراجع السابقة، نفس الجزء والصفحة، والروض المربع بحاشية ابن القاسم، ١/ ١٦٠، والشرح الممتع، ١/ ١٣٤.\n(٣) الخفض للنساء كالختان للرجال، انظر: النهاية في غريب الحديث، ٢/ ٥٤.\n(٤) شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة، والنهك بالمبالغة فيه؛ أي اقطعي بعض النواة ولا تستأصليها، النهاية، ٢/ ٥٠٣، و٥/ ١٣٧.\n(٥) أي: لا تبالغي في استقصاء الختان. النهاية في غريب الحديث، ٥/ ١٣٧.\n(٦) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه، (٥/ ٣٢٧، ٣٢٨)، والطبراني في الأوسط، واللفظ للطبراني، وذكره الهيثمي في المجمع، ٥/ ١٧٥، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن، وذكر الألباني له طرقًا كثيرة، وقال: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح، والله أعلم. انظر: سلسة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٣٥٧. وعند أبي داود بلفظ: «لا تنهكي، فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل» في كتاب الأدب، باب ما جاء في الختان، برقم ٥٢٧١.\n(٧) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ١١٥، والشرح الممتع، ١/ ١٣٣، وشرح النووي، ٣/ ١٤٨، والفتح، ١٠/ ٣٤٠، وشرح العمدة، ص٢٤٣. وهو الذي يفتي به شيخنا العلامة ابن باز.","vol":"1","page":18},{"text":"بالقَدُّوم» (١)؛ ولحديث: «ألقِ عنك شعر الكُفر واختتن» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢ - حلق العانة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٣ - نتف الإبط</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٤ - تقليم الأظفار</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>٥ - قصُّ الشَّارب. وهو واجب </span>(٣)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشَّارب» (٤). وقد وقَّت النبي - ﷺ - أكثر المُدَّة التي تُتْرَك فيها هذه الخصال، قال أنس - ﵁ -: «وُقّت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>٦ - إعفاء اللحية. وهو واجب</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خالفوا المشركين، وفّروا اللحى وأَحفوا الشَّوارب» (٦). وعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللّحَى، خالفوا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ برقم ٣٣٥٦، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل - ﵇ -، برقم ٢٣٧٠. ووقع في رواية البخاري بتشديد الدال، بينما وقع في رواية مسلم بتخفيفها. انظر: حاشية صحيح مسلم،\n٢/ ١٨٣٩.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، برقم ٣٥٦، وحسنه الألباني في الإرواء، برقم ٧٩.\n(٣) لحديث زيد بن أرقم - ﵁ -: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»، ويأتي تخريجه تحت عنوان: إعفاء اللحية.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب قص الشارب، برقم ٥٨٨٩، ومسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٧.\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، رقم ٢٥٨،والنسائي، وفيه: «وقّت لنا النبي - ﷺ -».\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، برقم ٥٨٩٢، ومسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٩.","vol":"1","page":19},{"text":"المجوس» (١). ومن حديث ابن عمر يرفعه: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى» (٢). وقد جاء الوعيد فيمن لم يأخذ من شاربه، ففي حديث زيد بن أرقم - ﵁ -: «من لم يأخذ من شاربه فليس منَّا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>٧ - السّواك: </span>يُستحب السّواك في جميع الأوقات؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «السّواك مطهرةٌ للفمّ مرضاةٌ للرّبّ» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>ويتأكد استحباب السّواك في عدة أحوال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>الأول: عند الانتباه من النَّوم</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يَشُوصُ فاهُ بالسّواك» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الثاني: عند كل وضوء</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -،عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لولا أن أشقَّ على أُمتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ وضوء» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الثالث: عند كل صلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لولا أن أشقَّ على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسّواك مع كلّ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٦٠.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب اللباس، باب إعفاء اللحى، برقم ٥٨٩٣، ومسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٥٩، واللفظ للبخاري.\n(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في قص الشارب، برقم ٢٧٦١، والنسائي في كتاب الطهارة، باب قص الشارب، برقم ١٣، وأحمد، ٤/ ٣٦٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٥، وصحيح الجامع، برقم ٦٤٠٩.\n(٤) أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب الترغيب في السواك، برقم ٥، والبخاري معلقًا مجزومًا به في كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٦٦، وفي صحيح النسائي، ١/ ٤.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب السواك، برقم ٢٤٥، ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، برقم ٢٢٥.\n(٦) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به في كتاب الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم،\n(٤/ ١٥٨ مع فتح الباري)، ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة، باب ما جاء في السواك، برقم ١١٥، وأحمد،٢/ ٤٣٣، برقم ٤٠٠ و٤٦٠ أحمد شاكر، وصححه ابن خزيمة، وغيرهم.","vol":"1","page":20},{"text":"صلاة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الرابع: عند دخول المنزل</span>؛ لحديث عائشة ﵂: «أن النبي - ﷺ - كان إذا دخل بيته بَدَأَ بالسّواك» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>الخامس: عند تَغَيُّر رائحة الفم أو طعمه، أو اصفرار لون الأسنان من طعام أو شراب</span>؛ لما رُويَ في ذلك (٣)؛ ولأنَّ السواك إنَّما شُرع لتطييب الفم وتطهيره وتنظيفه، فإذا تغيَّر فقد تحقق السبب المقتضي له، فكان أولى منه عند الاستيقاظ من النوم (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>السادس: عند قِراءة القرآن الكريم</span>، لحديث علي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه»، أو كلمة نحوها «حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهّروا أفواهكم للقرآن» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>السابع: قبل الخروج من البيت إلى الصلاة</span>؛ لحديث زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: «ما كان رسول الله - ﷺ - يخرج من بيته لشيءٍ من الصلاة حتى يستاك» (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، برقم ٨٨٧، ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، برقم ٢٥٢.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، برقم ٢٥٣.\n(٣) انظر: مسند الإمام أحمد، ١/ ٢١٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٢٢٦: وقال أبو هريرة: لقد كنت أستن قبل أن أنام وبعد ما أستيقظ، وقبل أن آكل وبعدما آكل حين سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ما قال. رواه أحمد، ورجاله ثقات.\n(٤) انظر: شرح العمدة في الفقه، (كتاب الطهارة) لابن تيمية، ص٢١٧ - ٢١٨.\n(٥) قال المنذري في الترغيب: رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٩١، وقال في سلسة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢١٤ برقم ١٢١٣: «إسناده جيد، رجاله رجال البخاري».\n(٦) قال المنذري في الترغيب: رواه الطبراني بإسناد لا بأس به، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٩٠.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>ويستحب الاستياك على اللسان</span>؛ لأن أبا موسى قال: أتينا رسول الله - ﷺ - فرأيته «يستاك على لسانه» (١). ويُستحب التيامن في السّواك؛ لأن النبي - ﷺ - «كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (٢). ويُستحب أن يستاك بيده اليسرى؛ لأنه إماطة أذى يُفعل بإحدى اليدين، فكان باليسرى كالاستنجاء (٣)، والله الموفق (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>٨ - غسل البراجم</span>، قيل هي عُقد الأصابع التي في ظهر الكف (٥)، وقيل: عقد الأصابع ومفاصلها كلها، ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن (٦). وقيل: هي العُقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة: بُرْجُمة (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>٩ - الاستنشاق: </span>ويأتي إن شاء الله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>١٠ - الاستنجاء أو الانتضاح: </span>ويأتي إن شاء الله تعالى (٨).\nوقد ثبت دليل هذه الخصال من حديث عائشة ﵂ قالت: قال\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب السواك، برقم ٢٤٤، ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، برقم ٢٥٤.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل، برقم ١٦٨، ومسلم في كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره، برقم ٢٦٨، ومعنى تنعله: لبسه نعله، وترجله: ترجيل شعره، وهو تسريحه ودهنه. وهذا عام مخصوص؛ لأن دخول الخلاء، والخروج من المسجد، ونحوهما يبدأ فيهما باليسار. انظر: فتح الباري، ١/ ٢٧٠.\n(٣) شرح العمدة في الفقه، لابن تيمية، ص ٢٢٤.\n(٤) قال ابن تيمية: «الأفضل أن يستاك باليسرى، نص عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسج، ذكره في مسائله، وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك». انظر: مجموع الفتاوى، ٢١/ ١٠٨، والاختيارات، ص ١٠، والشرح الممتع،١/ ١٢٧.\n(٥) انظر فتح الباري، ١٠/ ٣٣٨، وشرح النووي، ٣/ ١٥٠.\n(٦) شرح النووي، ٣/ ١٥٠.\n(٧) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ١١٣.\n(٨) الانتضاح: هو أن يأخذ قليلًا من الماء فيرش به فرجه ومذاكيره بعد الوضوء؛ ليزيل عنه الوسواس. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٥/ ٦٩،وفتح الباري، ١/ ٣٣٨.","vol":"1","page":22},{"text":"رسول الله - ﷺ -: «عشرٌ من الفطرة: قصّ الشَّارب، وإعفاء اللّحية، والسّواك، واستنشاق الماء، وقصّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص (١) الماء». ونسي مصعب العاشرة، قال: إلا أن تكون المضمضة (٢)، قال الإمام النووي. قال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس، وهو أولى (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>والفطرة فطرتان: </span>فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية وهي هذه الخصال وما في معناها، فالأولى تُزكي النفس والروح وتُطهّر القلب، والثانية تُطهر البدن وكل منهما تمد الأخرى وتقوّيها (٤).\n_________\n(١) انتقاص الماء: قيل هو الاستنجاء، وقيل هو الانتضاح، انظر: فتح الباري،١/ ٣٣٨، وشرح النووي، ٣/ ١٥٠.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، برقم ٢٦١.\n(٣) شرح النووي، ٣/ ١٥٠، وقد ذكر ابن حجر في الفتح أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة،\n١٠/ ٣٣٧.\n(٤) انظر: تحفة المودود بأحكام المولود لابن القيم، ص ٩٩ - ١٠٠.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الرابع: آداب قضاء الحاجة</span>\nللقاضي حاجته آداب بعضها مستحب وبعضها واجب ومنها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>١ - أن لا يَسْتَصْحِبَ ما فيه اسم الله تعالى </span>إلا إن خاف عليه الضَّياع؛ لِمَا ذُكر عن أنس - ﵁ -، أنه قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (١) وكان خاتمه نقشه: «محمد رسولُ الله».\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>٢ - أن يبتعد عن الناس ويستتر عنهم</span>؛ لئلا يُسمع له صوت أو يُشم له رائحة، فعن جابر - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - «كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٣ - أن يقول عند الدخول في البنيان، وعند تشمير الثياب\nفي الفضاء: «بسم الله </span>(٣)، اللهم إني أعوذ بك من الخُبثِ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء،\nبرقم ١٩، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين، برقم ١٧٤٦، والنسائي في كتاب الزينة، باب نزع الخاتم عند دخول الخلاء، برقم ٥٢١٠، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب ذكر الله - ﷿ - على الخلاء والخاتم في الخلاء، برقم ٣٠٣، والحديث ضعفه بعض أهل العلم، وبعضهم صححه كالمنذري، وانظر تفصيل ذلك: التلخيص الحبير لابن حجر، ١/ ١٠٨. قال: لأنه من رواية ابن جريج عن الزهري عن أنس، وابن جريج لم يسمعه من الزهري وإنما سمعه من زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر «أنه - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب ثم ألقاه» قال سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز في شرحه لبلوغ المرام، ص ١٩ مخطوط: قيل هذا الحديث معلول والأقرب أن ابن جريج سمعه بدون واسطة عن الزهري، وسمعه بواسطة عن زياد عن الزهري في حديث لبسه - ﷺ - خاتم الذهب ثم ألقاه فهذا صحيح سمعه بواسطة وهذا صحيح سمعه بدون واسطة، وتوهيم الثقات يحتاج إلى دليل، فالأفضل عدم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب التخلي عند قضاء الحاجة، برقم ٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤، برقم ٢.\n(٣) زيادة البسملة زادها سعيد بن منصور في سننه، وأخرجها ابن أبي شيبة في المصنف، ١/ ١، وقال الحافظ في الفتح، ١/ ٢٤٤ زادها العمري وإسناده على شرط مسلم، وقد جاء قوله - ﷺ -: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله» أخرجه الترمذي في كتاب الجمعة، باب ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء، برقم ٦٠٦،وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، برقم ٢٩٧، وصححه الألباني في الإرواء، ١/ ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":24},{"text":"والخبائث» (١)، ثم يقدم رجله اليسرى فيدخل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٤ - أن لا يرفع ثوبه إذا كان خارج البنيان حتى يدنو من الأرض </span>حتى لا تنكشف عورته؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ - «كان إذا أراد حاجةً لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٥ - أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها</span>؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا» (٣)، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبَل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله (٤)، وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رقيت على بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله - ﷺ - قاعدًا لحاجته مُستقبل الشام مُستدبر القبلة» (٥)، فأبو أيوب - ﵁ - حمل الحديث على العموم، وأنه عام في المباني والصحراء، وعلى ذلك جمعٌ من أهل العلم، وأنه يدل على التحريم مطلقًا (٦)، وقال بعضهم: النهي عن الاستقبال والاستدبار خاص بالفضاء؛ لحديث عبد الله بن عمر السابق، والقاعدة أن النبي - ﷺ - إذا أمر بأمر ثم فعل خلافه دلّ على أن النهي ليس للتحريم بل للكراهة، وحديث أبي أيوب عام،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء، برقم ١٤٢، ومسلم في كتاب الحيض، باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء، برقم ٣٧٥.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف التكشف عند الحاجة، برقم ١٤، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة، برقم ١٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٦.\n(٣) هذا بالنسبة لأهل المدينة ومن كان خلفها، وهكذا من كان جنوبها، أما من كان في شرقها أو غربها فإنه يجنب أو يشمل حتى لا يستقبل القبلة.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، برقم ٣٩٤، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة، برقم ٢٦٤.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت، برقم ١٤٨، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة، برقم ٢٦٦.\n(٦) انظر: تمام المنة في التعليق على فقه السنة للألباني، ص ٦٠ ط ٢.","vol":"1","page":25},{"text":"وحديث ابن عمر خاص، والقاعدة أن الخاص يقدم على العام في النصوص، لكن الأفضل للمسلم أن لا يستقبلها مطلقًا لا في البناء ولا في الصحراء؛ لأن حديث عبد الله بن عمر يحتمل أنه كان قبل النهي ويحتمل أنه خاص بالنبي - ﷺ -، كما قال جماعة من أهل العلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٦ - أن يبتعد عن طرق الناس وظِلّهم، وموارِدِهِم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -، قال: «اتّقوا اللَّعانَيْن» (٢) قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلَّى في طريق الناس أو في ظلهم» (٣). وعن معاذ - ﵁ - يرفعه: «اتّقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظّلّ» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٧ - أن يطلب مكانا لينًا منخفضًا ويحترز من البول</span>؛ لكي لا يصيب البدن أو الثياب؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: مر رسول الله - ﷺ - على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه (٥) من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٨ - أن لا يتكلم وهو يقضي حاجته</span>، ولا يرد سلامًا ولا يجيب بلسانه\n_________\n(١) هذا ترجيح سماحة العلامة عبد العزيز بن باز في شرحه لبلوغ المرام، وشرحه لعمدة الأحكام للحافظ المقدسي، وانظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ١/ ٩٨، وشرح العمدة لابن تيمية، ص ١٤٨.\n(٢) أي الأمرين الجالبين للعن؛ لأن من تغوط أو بال في موضع يمر به الناس فمن عادة الناس لعنه وشتمه. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٤/ ٢٥٥.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن التخلي في الطرق والظلال، برقم ٢٦٩.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهي عن البول فيها، برقم ٢٦، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق، برقم ٣٢٨، وحسنه الألباني في الإرواء، ١/ ١٠٠، برقم ٦٢.\n(٥) جاء في ذلك ثلاثة ألفاظ في عدة روايات: (يستتر، يستنزه، ويستبرئ)، وكلها صحيحة، والمعنى أنه لا يتجنبه، ولا يتحرز منه. انظر فتح الباري، ١/ ٣١٨، وشرح النووي، ٣/ ٢٠١.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، برقم ٢١٦، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، برقم ٢٩٢.","vol":"1","page":26},{"text":"مؤذنًا، إلا ما لا بدّ منه؛ ولحديث ابن عمر ﵄: «أن رجلا ًمرّ ورسول الله - ﷺ - يبول فسلَّم، فلم يردّ عليه» (١)؛ ولحديث المهاجر بن قنفذ - ﵁ - أنه أتى النبي - ﷺ -، وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر الله - ﷿ - إلا على طهر»، أو قال: «على طهارة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٩ - أن لا يبول في الماء الراكد</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «لا يبولنَّ أحدُكُمْ في الماء الدَّائِم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>١٠ - أن لا يغتسل في الماء الراكد وهو جنب</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>١١ - أن لا يبول في مستحمه الذي يغتسل فيه</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>١٢ - أن لا يمسك فرجه بيمينه ولا يستنجي بها</span>؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمسّ ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>١٣ - أن لا يستجمر بروث ولا عظم</span>؛ لحديث ابن مسعود - ﵁ -، في\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب التيمم، برقم ٣٧٠.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب أيرد السلام وهو يبول؟ برقم ١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٦.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، برقم ٢٣٩، ومسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، برقم ٢٨٢.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، برقم ٢٨٣.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب البول في المستحم، برقم ٢٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٨، رقم ٢٢.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، برقم ١٥٣، ومسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، برقم ٢٦٧.","vol":"1","page":27},{"text":"قصة الجن عندما سألوه الطعام فقال لهم: «لكم كل عظم ذُكِرَ اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علفًا لدوابكم». فقال - ﷺ -: «فلا تستنجوا بهما فإنها طعام إخوانكم [من الجن]» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>١٤ - إذا استجمر بالحجارة فلا بد أن يستجمر بثلاثة فأكثر</span>؛ لحديث سلمان - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (٢) أو بعظم» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>١٥ - أن لا يدخل يده في الإناء إذا كان مستيقظًا من النوم حتى يغسلها ثلاثًا</span>، لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>١٦ - أن يُزيل ما على السبيلين من النجاسة وجوبًا بالماء، أو بالحجار</span>ة وما في معناها من كل جامد طاهر ليس له حرمة - كالخشب، والخرق والمناديل، وكل ما أنقى به فهو كالحجارة على الصحيح (٦). والاستنجاء على ثلاث مراتب:\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، برقم ٤٥٠، وما بين المعقوفين عند أحمد، برقم ٤١٤٩، ٦/ ٩٤ وغيره.\n(٢) الرجيع: الروث والعذرة.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب الاستطابة، برقم ٢٦٢.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالأحجار، برقم ٤٠، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ١/ ١٠.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترًا، برقم ١٦٢، ومسلم في كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها ثلاثًا، برقم ٢٧٨.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٢١٣، وقال: وهو قول أكثر أهل العلم.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المرتبة الأولى: الاستجمار بالحجارة، ثم الاستنجاء بالماء هو الأكمل بدون مشقة أو ضرر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المرتبة الثانية: الاستنجاء بالماء وحده</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المرتبة الثالثة: الاستجمار بالحجارة وحدها</span>، ولكن لا بد من ثلاث فأكثر، ولا يجزئ أقل منها. والأفضل أن يقطع على وتر إذا أنقى (١).\nوالأدلة على الاستجمار بالحجارة تقدمت، أما الاستنجاء بالماء؛ فلحديث أنس - ﵁ -، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلامٌ نحوي إداوة (٢) من ماء، وعَنَزَة (٣) فيستنجي بالماء» (٤)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ (٥) قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>١٧ - أن يقطع على وتر إذا استجمر بالحجارة وأنقى</span>؛ لقوله - ﷺ -: «ومن استجمر فليوتر» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>١٨ - أن يدلك يده بالأرض بعد الاستنجاء ثم يغسلها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - «قضى حاجته ثم استنجى من تور، ثم دلك يده بالأرض» (٨).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين،١/ ١٠٤ و١٠٩،وشرح بلوغ المرام لسماحة العلامة ابن باز، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلية والإفتاء،٥/ ٧.\n(٢) إناء صغير من جلد.\n(٣) العنزة: الحربة الصغيرة.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الاستنجاء بالماء، برقم ٥٠، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز، برقم ٢٧١.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١٠٨.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء بالماء، برقم ٤٤،وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء، برقم ٣٥٧،والترمذي وغيرهم. وصححه الألباني في الإرواء،١/ ٨٤.\n(٧) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترًا، برقم ١٦٢، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، برقم ٢٣٧/ ٢٢.\n(٨) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى، برقم ٤٥، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الاستنجاء، برقم ٣٥٨، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود،\n١/ ١١، وصحيح ابن ماجه ١/ ٦٣.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>١٩ - أن ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة</span>؛ لحديث الحكم بن سفيان قال: كان رسول الله - ﷺ - «إذا بال يتوضأ وينتضح» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢٠ - أن لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق حاجته</span>؛ لأن في ذلك كشفًا للعورة بلا حاجة؛ ولأن الحشوش والمراحيض مأوى الشياطين والنفوس الخبيثة، فلا ينبغي أن يبقى في هذا المكان الخبيث؛ لأنه لا يذكرُ الله - ﷿ - بلسانه أثناء جلوسه على قضاء حاجته (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>٢١ - يُستحب أنْ لا يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة، ولا المرأة بفضل طهور الرجل</span>؛ لأن النبي - ﷺ - «نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعًا» (٣)، وهذا النهي على سبيل الأولوية وكراهة التنزيه؛ لأن النبي - ﷺ - ثبت عنه أنه «كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂» (٤)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء ليغتسل منها فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: «إن الماء لا يجنب» (٥)، أما إذا دعت الحاجة لاغتسال الرجل بفضل المرأة\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الانتضاح، برقم ١٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤.\n(٢) انظر: الشرح الممتع، ١/ ١٠١.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، برقم ٨١، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، برقم ٢٣٨، وأحمد، ٤/ ١١٠،وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ١٩،وصحيح النسائي، ١/ ٥٠، وصححه ابن حجر في بلوغ المرام، برقم ٩، وفي الفتح، ١/ ٣٠٠.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب القدر المستجد من الماء في غسل الجنابة ... برقم ٣٢٣.\n(٥) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٥)، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب الماء لا يجنب، برقم ٦٨، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ذكر بئر بضاعة، برقم ٣٢٥، ٣٢٦، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، برقم ٦٥، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في المشكاة ١/ ١٤٢، وصحيح سنن أبي داود ١/ ١٦.","vol":"1","page":30},{"text":"أو المرأة بفضل الرجل زالت الكراهة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>٢٢ - أن يقدم رجله اليمنى عند خروجه من الخلاء ويقول: «غفرانك»</span>؛ لحديث عائشة ﵂، أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج من الغائط قال: «غفرانك» (٢).\n_________\n(١) رجح ذلك العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى - في شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٩. وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ١/ ٣٦ و٣٧، وقال: من غرائب العلم أنهم استدلوا بالحديث الأول على أن الرجل لا يتوضأ بفضل المرأة، ولم يستدلوا به على أن المرأة لا تتوضأ بفضل الرجل ...،١/ ٣٦.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، برقم ٣٠، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، برقم ٧، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، برقم ٣٠٠، وابن خزيمة، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٩، برقم ٣٠، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٥٥، وإرواء الغليل، ١/ ٩١، برقم ٥٢.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الخامس: الوضوء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>١ - ما يجب له الوضوء:</span>\nيجب الوضوء لأمور ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>الأول: الصلاة مطلقًا: </span>سواء كانت فرضًا أو نفلًا، حتى صلاة الجنازة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ يرفعه: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (٣)، ولحديث علي - ﵁ - يرفعه: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الثاني: الطواف بالبيت</span>؛ لقوله - ﷺ -: «الطواف بالبيت صلاة ..» الحديث (٥)؛ ولقوله - ﷺ - لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٦).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور، برقم ١٣٥، ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٥.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٤.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، برقم ٦١، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، برقم ٣، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٨.\n(٥) أخرجه النسائي المناسك، باب إباحة الكلام في الطواف، برقم ٢٩٢٠، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام بعد الطواف، برقم ٩٦٠، وابن خزيمة ٤/ ٢٢٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٦١٤، وصحيح الترمذي، ١/ ٢٨٣، وإرواء الغليل، ١/ ١٥٤.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، برقم ٣٠٥، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوب الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقِران ...، برقم ١٢١١/ ١٢٠.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الثالث: مسُّ المصحف</span>؛ لحديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام وابن عمر - ﵃ -: «لا يمسَّ القرآن إلا طاهر» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٢ - فضل الوضوء:</span>\nللوضوء فضائل كثيرة منها على سبيل المثال ما يلي:\nأولًا: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِين من آثار الوضوء» (٢).\nثانيًا: وعن عثمان - ﵁ - أنه قال حينما توضأ وضوءًا كاملًا: رأيت النبي - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه» (٣).\nثالثًا: وعن عثمان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها» (٤).\nرابعًا: وعنه أيضًا: «ما من امرئٍ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءَهَا، وخُشوعَها، وركُوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤتِ (٥) كبيرة وذلك الدهر كله» (٦).\n_________\n(١) أخرجه مالك في كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، برقم ١،والدارقطني في سننه في كتاب الطهارة، باب في نهي المحدث عن مس القرآن، برقم ٤٣١ - ٤٣٣،والحاكم، ١/ ٣٩٧، وصححه الألباني بشواهده من حديث حكيم وابن عمر. انظر: إرواء الغليل،١/ ١٥٨،والتلخيص الحبير لا بن حجر، ١/ ١٣١،والشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ١/ ٢٦١.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء، برقم ١٣٦،ومسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، رقم ٢٤٦.\n(٣) أخرجه البخاري، في كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء، برقم ١٦٤، ومسلم في كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، برقم ٢٢٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا، برقم ١٦٠، ومسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، برقم ٢٢٧.\n(٥) وفي نسخة دار السلام: «ما لم يأت».\n(٦) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، برقم ٢٢٨.","vol":"1","page":33},{"text":"سادسًا: وعن عقبة بن عامر - ﵁ - يرفعه: «ما من مسلم يتوضأ فيُحسن وضوءهُ، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة» (١).\nسابعًا: وعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًّا من الذُّنوب» (٢).\nثامنًا: وعن عثمان - ﵁ - يرفعه: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» (٣).\nتاسعًا: وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرّباط، فذلكم الرّباط» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٣ - صفة الوضوء الكامل وكيفيته:</span>\nصفة الوضوء الكامل المشتمل على الفروض والواجبات والمستحبّات كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>١ - ينوي الوضوء بقلبه</span>؛ لحديث عمر - ﵁ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٥).ولا ينطق بالنية؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينطق بها؛ ولأن الله يعلم ما في القلب، فلا\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم ٢٤٤، وأخرج قريبًا منه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عبسة، برقم ٨٣٢.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم ٢٤٥.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، برقم ٢٥١.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم ١، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ - «إنما الأعمال بالنية» وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، برقم ١٩٠٧.","vol":"1","page":34},{"text":"حاجة إلى الإخبار بما فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٢ - يقول: بسم الله</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٣ - يغسل كَفَّيْه ثلاث مرات</span>؛ لحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - (٢)، وحديث حُمران عن عثمان - ﵁ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٤ - يتمضمض ويستنشق من كف واحد بيده اليمنى، ويستنثر بيده اليسرى </span>(٤). يفعل ذلك ثلاث مرات بثلاث غرفات بكفه؛ لحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - (٥). ويسبغ الوضوء ويبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائمًا؛ لحديث لقيط بن صبرة - ﵁ - (٦) ويستاك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٥ - يغسل وجهه ثلاث مرات من الأُذُنِ إلى الأُذُنِ عرضًا، ومن منابت شعر الرأس إلى أسفل </span>اللّحية والذَّقن طولًا؛ لحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - (٨)،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في التسمية على الوضوء، برقم ١٠١، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في التسمية في الوضوء، برقم ٣٩٨، ٣٩٩، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في التسمية عند الوضوء، برقم ٢٥،وغيرهم، وحسنه الألباني لكثرة طرقه وشواهده في إرواء الغليل، برقم ٨١.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب مسح الرأس كله، برقم ١٨٥، ومسلم في كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي - ﷺ -، برقم ٢٣٥.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب في المضمضمة في الوضوء، برقم ١٦٤، ومسلم في كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، برقم ٢٢٦.\n(٤) أخرجه النسائي من حديث علي - ﵁ - في كتاب الطهارة، باب بأي اليدين يستنثر، برقم ٩١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢١ برقم ٨٩.\n(٥) أخرجه البخاري برقم ١٨٥، ومسلم برقم ٢٣٥، وقد تقدم تحت عنوان صفة الوضوء الكامل وكيفيته.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الاستنثار، برقم ١٤٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩، برقم ١٢٩.\n(٧) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به في كتاب الصيام، باب السواك الرطب واليابس للصائم، (البخاري مع فتح الباري ٤/ ١٥٨)،وقد تقدم في المبحث الثالث، سنن الفطرة.\n(٨) أخرجه البخاري، برقم ١٨٥، ومسلم، برقم ٢٣٥، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":35},{"text":"وحديث حمران عن عثمان - ﵁ - (١)،ويخلّلُ لحيته؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٦ - يغسل يده اليمنى ثلاث مرات من رؤوس الأصابع إلى المرفق </span>(٣)، ويدلك ذراعه (٤)، ويغسل مرفقه (٥)، ويخلل بين الأصابع (٦). ثم يغسل يده اليسرى مثل ما غسل اليمنى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٧ - يمسح رأسه مرة واحدة</span>، يبل يديه بالماء ثم يمرهما من مقدم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٧)، ثم يدخل أصبعيه السبَّابتين في أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهر أُذنيه (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٨ - يغسل رجله اليمنى ثلاث مرات من رؤوس الأصابع إلى الكعب </span>(٩)، ويغسل كعبه (١٠)، ويخلل بين الأصابع (١١)،ثم يغسل رجله\n_________\n(١) أخرجه البخاري، برقم ١٦٤، ومسلم، برقم ٢٢٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب تخليل اللحية، برقم ١٤٥، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في تخليل اللحية، برقم ٤٣١، وصححه الألباني لكثرة طرقه وشواهده في إرواء الغليل، ١/ ١٣٠، برقم ٩٢، وقال الحافظ في بلوغ المرام: أخرجه الترمذي من حديث عثمان، وصححه ابن خزيمة.\n(٣) لحديث حمران عن عثمان، أخرجه البخاري برقم ١٦٤، ومسلم برقم ٢٢٦، وتقدم تخريجه، ولحديث عبد الله بن زيد أخرجه البخاري، برقم ١٨٥،ومسلم، برقم ٢٣٥،وتقدم تخريجه.\n(٤) ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٦٢، برقم ١١٨، والحاكم ١/ ١٦١، وأحمد، وصححه ابن خزيمة.\n(٥) لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - غسل يديه حتى أشرع في العضد، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم ٢٤٦.\n(٦) أخرجه أبو داود، برقم ١٤٢،وصححه ابن خزيمة من حديث لقيط - ﵁ -،وتقدم تخريجه.\n(٧) لحديث عبد الله بن زيد عند البخاري، برقم ١٨٥،ومسلم، برقم ٢٣٥،وتقدم تخريجه.\n(٨) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ -، برقم ١٢١، ١٢٣، وصححه ابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمرو، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٢٣، ورواه الترمذي وابن ماجه والنسائي من حديث عبد الله بن عباس، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٩٠، ١/ ١٢٩.\n(٩) تقدم تخريجه من حديث عبد الله بن زيد، وحمران عن عثمان - ﵁ -.\n(١٠) لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - غسل رجله حتى أشرع في الساق، أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم ٢٤٦.\n(١١) لحديث لقيط - ﵁ -، أخرجه أبو داود، برقم ١٤٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":36},{"text":"اليسرى مثل ما غسل اليمنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>٩ - ثم يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» </span>(١). «اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهرين» (٢). «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>١٠ - من توضأ مثل هذا الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم </span>من ذنبه؛ لحديث عثمان - ﵁ - (٤)، وفي حديث عقبة ابن عامر - ﵁ -: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفّ نعليك بين يديّ في الجنة»؟ قال: ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا [تامًّا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطّهور، ما كتب الله لي أن أصلي]» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٤ - فروض الوضوء وأركانه:</span>\nفُروض الوضوء هي أركانه؛ لأنَّ هذه الفروض هي التي تتكوّن منها ماهيَّة الوضوء، وكل أقوال وأفعال تتكون منها ماهية العبادة فإنها\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.\n(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، برقم ٥٥.وانظر: صحيح الترمذي، ١/ ١٨.\n(٣) النسائي في عمل اليوم والليلة، ص١٧٣،برقم٨١، وانظر: إرواء الغليل، ١/ ١٣٥، ٢/ ٩٤.\n(٤) أخرجه البخاري برقم ١٦٤، ومسلم برقم ٢٢٦، وقد تقدم في المبحث الخامس، وفي فضل الوضوء.\n(٥) أخرجه مسلم، برقم ٢٣٤، وقد تقدم في المبحث الخامس، وفي فضل الوضوء.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار، برقم ١١٤٩،ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل بلال - ﵁ -،رقم ٢٤٥٨،وما بين المعقوفين من لفظ مسلم.","vol":"1","page":37},{"text":"أركان (١)، وفروض الوضوء ستة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>أولًا: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق والاستنثار</span>؛ للآية؛ ولحديث لقيط - ﵁ -: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» (٢)؛ ولحديثه أيضًا: «إذا توضأت فمضمض» (٣)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «من توضأ فليستنثر» (٤).ولِمَواظبة النبي - ﷺ - على المضمضة والاستنشاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>ثانيًا: غسل اليدين إلى المرفقين</span>، اليمنى ثم اليسرى، للآية؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>ثالثًا: مسح الرأس كله ومنه الأذنان</span>؛ للآية؛ ولحديث عبد الله بن زيد - ﵁ -: «الأذنان من الرأس» (٦). ولمواظبته - ﷺ - على مسح الأذنين. وللمسح على الرأس ثلاث صفات:\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>الصفة الأولى: مسح جميع الرأس</span>؛ لحديث عبد الله بن زيد - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدَّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما إلى المكان الذي بدأ منه» (٧).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ١/ ١٤٧ - ١٤٨.\n(٢) أخرجه أبو داود، برقم ١٤٢، وقد تقدم في المبحث الخامس: الوضوء.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الاستنثار، برقم ١٤٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠، برقم ١٣١.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الاستنثار في الوضوء، برقم ١٦١، ومسلم في كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، برقم ٢٣٧/ ٢٢.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس، باب في الانتعال، برقم ٤١٤١، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب التيمم في الوضوء، برقم ٤٠٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٣٢٣، وصحيح أبي داود، برقم ٣٤٨٨، ومشكاة المصابيح، برقم ٤٠٢، وقال الحافظ في بلوغ المرام: أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة.\n(٦) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الأذنان من الرأس، برقم ٤٤٣، ٤٤٤، ٤٤٥ وغيره، وصححه الألباني لكثرة طرقه وشواهده في صحيح ابن ماجه، برقم ٣٥٧ - ٣٥٩، والإرواء، برقم ٨٤، والصحيحة، برقم ٣٦.\n(٧) أخرجه البخاري، برقم ١٨٥، ومسلم، برقم ٢٣٥، وقد تقدم في صفة الوضوء.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>الصفة الثانية: المسح على العمامة المحنّكة وحدها</span>؛ لحديث عمرو بن أمية عن أبيه قال: «رأيت النبي - ﷺ - يمسح على عمامته وخفَّيه» (١).\nويشترط للمسح على العمامة وحدها أو عليها مع الناصية ما يشترط للمسح على الخفين. واختاره العلامة ابن باز ﵀، وابن تيمية رحمه الله تعالى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الصفة الثالثة: المسح على الناصية والعمامة المحنّكة</span>؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -: «أنَّ النَّبي - ﷺ - توضَّأ، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه» (٣)؛ ولحديث بلال «أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين والخمار» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>رابعًا: غسل الرجلين إلى الكعبين، مع العناية بالعقبين</span>؛ للآية؛ ولحديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة - ﵃ -: «ويل للأعقاب من النار» (٥)؛ ولمواظبته - ﷺ - على ذلك.\nوما تقدّم من الفرائض هو المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>خامسًا: الترتيب</span>؛ لأن الله تعالى ذكر الوضوء مرتبًا، وأدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة غير الترتيب؛ ولأن النبي - ﷺ - توضأ مرتَّبًا؛ ولقوله - ﷺ -: «أبدأ بما بدأ الله به» (٧).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين، برقم ٢٠٤، ٢٠٥.وانظر: زاد المعاد،١/ ١٩٩.\n(٢) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ص ٢٧١.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، برقم ٢٧٤.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، برقم ٢٧٥.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، برقم ٦٠،، وباب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه، برقم ٩٦، وفي كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، برقم ١٦٣،ومسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم ٢٤١.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٧) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>سادسًا: الموالاة: </span>وهي عبارة عن الإتيان بالطهارة في زمن متصل، فلا يؤخّر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفرٍ على قدمه فأبصره النبي - ﷺ - فقال: «ارجع فأحسن وضُوءَك» فرجع ثم صلى (١).وعند أبي داود، أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي وفي ظهر قدمه لُمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، «فأمره النبي - ﷺ - أن يعيد الوضوء والصلاة» (٢).فلو لم تجب الموالاة لأمره بغسل اللُّمعة فقط (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٥ - شُروط الوضوء:</span>\nشروط الوضوء عشرة: الإسلام، والعقل، والتَّمييز والنّية، واستصحاب حكمها بأن لا ينوي قطعها حتى تتمَّ الطَّهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية ماء وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٦ - سُنَنُ الوضوء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>أولًا: السواك</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>ثانيًا: غسل الكفين في أول الوضوء</span>، إلا إذا كان مستيقظًا من نومٍ، فإنَّه\nيجب غسلهما ثلاثًا قبل أن يدخلهما في الإناء (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، برقم ٢٤٣.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب تفريق الوضوء، برقم ١٧٥،وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٦،وفي إرواء الغليل، ١/ ١٢٧ لطرقه وشواهده الكثيرة.\n(٣) انظر: منار السبيل، ١/ ٢٤، والشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ١٤٨، والروض المربع حاشية ابن القاسم، ١/ ١٨١، والمغني لابن قدامة، ١/ ١٥٥، ومؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب، قسم الفقه، المجلد الثاني: رسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، وفتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ٣/ ٢٩٤.\n(٤) انظر: هذه الشروط مشروحة في الروض المربع حاشية ابن قاسم، ١/ ١٨٩ و١٩٣، وانظرها في: فتاوى سماحة العلامة ابن باز، ٣/ ٢٩٤، ورسالة شروط الصلاة للإمام محمد ابن عبد الوهاب، قسم الفقه من مؤلفاته، المجلد الثاني.\n(٥) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به (فتح الباري ٤/ ١٥٨)، ومالك برقم ١١٥، وقد تقدم في المبحث الثالث: سنن الفطرة.\n(٦) أخرجه البخاري، برقم ١٦٢،ومسلم، برقم ٢٧٨،وقد تقدم في المبحث الرابع: آداب قضاء الحاجة.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>ثالثًا: الدلك</span>؛ لحديث عبد الله بن زيد «أن النبي - ﷺ - أُتي بثُلُثي مد فجعل يدلك ذراعه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>رابعًا: تثليث الغسل في الوضوء</span>؛ لحديث حمران عن عثمان - ﵁ -، وحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - (٢).\nفقد ثبت عنه - ﷺ - أنّه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وهذا كثير، وثبت أنه «توضأ مرّتين مرّتين» (٣). وثبت عنه - ﷺ - أنه «توضأ مرّةً مرّةً» (٤)، وثبت عنه - ﷺ - أنه «غسل بعض أعضائه مرتين، وبعضها ثلاثًا» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>خامسًا: الدعاء بعد الوضوء</span>؛ لحديث عمر - ﵁ - (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>سادسًا: صلاة ركعتين بعد الوضوء</span>؛ لحديث حمران عن عثمان، وعقبة بن عامر، وبلال - ﵃ - (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>سابعًا: الاعتدال في الوضوء مع الإسباغ: </span>فالأفضل أن يتوضأ المسلم ثلاثًا ثلاثًا بدون إسراف ولا اعتداء، لا في الوضوء ولا في الغسل، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - «كان يغتسل من إناء - هو الفَرَقُ - من الجنابة» (٨) قال سفيان: والفرق: ثلاثة آصع (٩).\nوعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة، ١/ ٦٢، برقم ١١٨، والحاكم، ١/ ١٦١، وتقدم تخريجه في صفة الوضوء.\n(٢) أخرجه البخاري، برقم ١٨٥، ومسلم، برقم ٢٣٥، وقد تقدم في صفة الوضوء.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء مرتين مرتين، برقم ١٥٨.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء مرة مرة، برقم ١٥٧.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب مسح الرأس كله، برقم ١٨٥،وفي باب من مضمض واستنشق من غرفة واحدة، برقم ١٩١،ومسلم في كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي - ﷺ -،برقم ٢٣٥.\n(٦) أخرجه مسلم برقم ٢٣٤، وقد تقدم في صفة الوضوء.\n(٧) حديث بلال أخرجه البخاري في التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار، برقم ١١٤٩، ومسلم برقم ٢٤٥٨، وقد تقدم في صفة الوضوء.\n(٨) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ...، برقم ٣١٩.\n(٩) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب القدر المستحب في غسل الجنابة ... برقم ٣١٩/ ٤١.","vol":"1","page":41},{"text":"أمداد» (١).\nوعن عائشة ﵂ أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريبًا من ذلك (٢).\nوعن أم عمارة (٣) وعبد الله بن زيد (٤) ﵄ «أن النبي - ﷺ - أُتي بثُلُثي مدّ فجعل يدلك ذراعه».\nقال البخاري رحمه الله تعالى: «بيّن النبي - ﷺ - أن فرض الوضوء مرة مرة، وتوضأ أيضًا مرتين، وثلاثًا ولم يزد على ثلاث، وكره أهل العلم الإسراف فيه وأن يجاوز فعل النبي - ﷺ -» (٥).\nوقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الجمع بين الروايات السابقة: «وهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة» (٦).\nولا شك أن هديه - ﷺ - يدل على الاقتصاد في الماء مع الإسباغ والكمال، فعن ابن عباس ﵄ قال: «بت عند خالتي ميمونة ليلةً، فلما كان في بعض الليل قام النبي - ﷺ - فتوضأ من شن معلَّق وضوءًا\nخفيفًا وقام يصلي ...» (٧).\nفينبغي الاقتصاد في الماء وعدم الإسراف، فعن عمرو بن شعيب عن\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب الوضوء بالمد، برقم ٢٠١، ومسلم في كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ... برقم ٣٢١.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ...، برقم ٣٢١.\n(٣) حديث أم عمارة أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ما يجزئ من الماء في الوضوء، برقم ٩٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٠.\n(٤) ابن خزيمة ١/ ٦١،رقم ١١٨،والحاكم ١/ ١٦١،وتقدم تخريجه في صفة الوضوء الكامل.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب ما جاء في الوضوء، قبل الحديث رقم ١٣٥.\n(٦) الفتح، ١/ ٣٠٥.\n(٧) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب التخفيف في الوضوء، برقم ١٣٨، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٦٣.","vol":"1","page":42},{"text":"أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم» (١).\nوعن عبد الله بن مُغَفَّل أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>٧ـ نواقص الوضوء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>١ - الخارج من السبيلين: </span>كالبول، والغائط (٣)، والريح (٤)، والمذي (٥)، والودي، والمني (٦)، فهذه الخوارج تنقض الطهارة إجماعًا كما قال ابن قدامة (٧)، ودم الاستحاضة ينقض الوضوء على الصحيح (٨) وهو قول عامة\n_________\n(١) أخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب الاعتداء في الوضوء، برقم ١٤٠، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه، برقم ٤٢٢، وأحمد، ٢/ ١٨٠، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣١.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الإسراف في الماء، برقم ٩٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢١.\n(٣) لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنكُم مّنَ الْغَائِطِ﴾ سورة المائدة، الآية: ٦، ولحديث صفوان ابن عسال - ﵁ -: «ولكن من غائط، وبول، ونوم»، أخرجه أحمد، ٤/ ٢٤٠، والترمذي في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، برقم ٩٦، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم، برقم ٤٧٨، وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٠.\n(٤) لقوله - ﷺ - للرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، برقم ١٣٧، ومسلم في كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، برقم ٣٦١، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عندما سئل ما الحدث؟ فقال: «فساء أو ضراط». البخاري مع الفتح، ١٢/ ٣٢٩، ومسلم، ١/ ٢٠٤.\n(٥) لحديث علي - ﵁ -،أخرجه أبو داود، برقم ٢٠٦، ٢٠٨،وتقدم تخريجه في المبحث الثاني: أنواع النجاسات.\n(٦) لقول ابن عباس: «المني، والودي، والمذي: أما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما إسباغ الطهور». ذكره ابن قدامة وعزاه للأثرم، انظر: المغني، ١/ ٢٣٣.\n(٧) المغني لابن قدامة، ١/ ٢٣٠.\n(٨) لحديث عائشة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: «ثم توضئي لكل صلاة»، رواه البخاري، وسيأتي تخريجه - إن شاء الله - في الاستحاضة.","vol":"1","page":43},{"text":"أهل العلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٢ - خروج النجاسة من بقية البدن</span>، فإن كان بولًا أو غائطًا نقض الوضوء سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وإن كان الخارج غير البول والغائط: كالدم الكثير، والقيء الكثير، والصديد الكثير، ونحو ذلك، فقيل ينقض إذا كان كثيرًا نجسًا (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٣ - زوال العقل بنوم أو غيره</span>. فأما النوم فينقض المستغرق منه على الصحيح؛ لحديث صفوان بن عسال - ﵁ - (٣) وأما غيره: كالجنون، والإغماء، والسكر، وما أشبهَهُ من الأدوية المزيلة للعقل فينقض الوضوء يسيره وكثيره (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٤ - مس الفرج باليد قُبُلًا كان أو دُبُرًا من غير حائل</span>؛ لحديث جابر، وبسرة بنت صفوان ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مسّ ذكره فليتوضأ» (٥). ولحديث أم حبيبة وأبي أيوب ﵄ سمعت رسول الله - ﷺ -\nيقول: «من مسّ فرجه فليتوضأ» (٦)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١/ ٢٣٠.\n(٢) ذكر سماحة العلامة ابن باز هذا الناقض ضمن نواقض الوضوء في مجموع فتاواه، ٣/ ٢٩٤، وذكر العلامة ابن عثيمين أقوال الطرفين بأدلتها في كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٢٢٣، وانظر: المغني، ١/ ٢٤٧ - ٢٥٠.\n(٣) أخرجه أحمد، ٤/ ٢٤٠، والترمذي، برقم ٩٦، وابن ماجه، برقم ٤٧٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٠، وتقدم تخريجه في الناقض الأول من نواقض الوضوء، وانظر: المغني، ١/ ٢٣٥، والشرح الممتع، ١/ ٢٢٦.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،١/ ٢٣٤،وقال: «... ينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعًا».\n(٥) حديث بسرة أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، برقم ١٨١، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، برقم ١٦٣،والترمذي في كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، برقم ٨٢،وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من مس الذكر، برقم ٤٧٩، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٥٠،برقم ١١٦،أما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من مس الذكر، برقم ٤٨٠،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٧٩.\n(٦) حديث أم حبيبة أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من مس الذكر، برقم ٤٨١، وحديث أبي أيوب برقم ٤٨٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٧٩.","vol":"1","page":44},{"text":"- ﷺ -: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ» (١). وحلقة الدبر فرج؛ لأنه منفرج عن الجوف ويخرج منه ما يخرج، فمن مس حلقة الدبر بدون حائل فله حكم من مس ذكره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٥ - أكل لحم الإبل</span>؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ». قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل ...» الحديث (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٦ - الرّدَّةُ عن الإسلام </span>أعاذنا الله والمسلمين من ذلك؛ لقوله تعالى:\n﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>أما غسل الميت فالصحيح أنه لا ينقض الوضوء وهو قول أكثر أهل العلم</span>، لكن لو أصابت يد الغاسل فرج الميت من غير حائل وجب عليه الوضوء، والواجب عليه ألا يمس فرج الميت إلا من وراء حائل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>وهكذا مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا </span>سواء كان ذلك عن شهوة أو غير شهوة في أصح قولي العلماء ما لم يخرج منه شيء؛ لأن النبي - ﷺ - قبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، أما قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان كما في الموارد (رقم ٢١٠)، والدارقطني، ١/ ١٤٧، والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الفرج بظهر الكف، ١/ ١٣٣، وقال الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم (١٢٣٥): «إسناد ابن حبان جيد».\nقلت: أما حديث طلق فقال عنه سماحة العلامة ابن باز في شرحه لبلوغ المرام: «كان مس الذكر في أول الإسلام لا ينقض الوضوء، ثم نسخ بحديث بسرة، وقيل: نأخذ بالترجيح، فحديث بسرة أصح من حديث طلق بن علي [و] ما دل عليه حديث بسرة هو الصواب، وأن مس الذكر ينقض الوضوء». اهـ.\n(٢) انظر الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ١/ ٢٤٢.\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل، برقم ٣٦٠.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٥) سورة الزمر، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":45},{"text":"النساء﴾ (١) فالمراد به الجماع في الأصح من قولي العلماء، وهو قول ابن عباس ﵄ وجماعة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٨ - الأمور التي يستحب لها الوضوء:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>١ - عند ذكر الله تعالى ودعائه</span>؛ لحديث أبي موسى أنه أخبر النبي - ﷺ - بخبر أبي عامر، وأنه قال له: أقرئ النبي - ﷺ - منّي السلام، وقل له: استغفر لي. فلما أخبر النبي - ﷺ - دعا رسول الله - ﷺ - بماءٍ فتوضأ منه، ثم رفع يديه ثم قال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ...» الحديث (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٢ - الوضوء عند النوم</span>، لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن». الحديث (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>٣ - الوضوء عند كل حدث</span>؛ لحديث بريدة - ﵁ - قال: أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا فدعا بلالًا فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ إنني دخلت الجنة البارحة فسمعت خشخشتك (٥) أمامي؟» فقال بلال: «ما أذّنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت ...» (٦). الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>٤ - الوضوء عند كل صلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوءٍ، ومع\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٢) مجموع فتاوى العلامة ابن باز،٣/ ٣٩٤،وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣١ - ٢٣٦.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، برقم ٤٣٢٣، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان - ﵃ -، برقم ٢٤٩٨.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب إذا بات طاهرًا، برقم ٦٣١١، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم ٢٧١٠.\n(٥) الخشخشة: حركة لها صوت كصوت السلاح: أي صوت مشيتك.\n(٦) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب من مناقب عمر، برقم ٣٦٨٩، وأحمد، ٥/ ٣٦٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٢٠٥، وصحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٨٧، برقم ١٩٦، ويفتي به سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":46},{"text":"كل وضوءٍ بسواك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٥ - الوضوء من حمل الميت</span>؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٦ - الوضوء من القيء</span>، لحديث معدان عن أبي الدرداء - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - «قاء، فأفطر، فتوضأ». الحديث (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>٧ - الوضوء مما مست النار</span>؛ لقوله - ﷺ -: «توضَّؤوا مما مست النار» (٤). ثم ثبت من حديث ابن عباس، وعمرو بن أمية، وأبي رافع - ﵃ - أن النبي - ﷺ - أكل من لحم ما مست النار ثم «قام فصلى ولم يتوضأ» (٥)، فدل ذلك على استحباب الوضوء مما مست النار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٨ - الوضوء للجنب إذا أراد الأكل</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» (٦).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، (٢/ ٢٥٠، ٤٠٠، ٤٣٣، ٤٦٠، ٥١٧)، وحسنه المنذري، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٨٦، برقم ٩٥.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب في الغسل من غسل الميت، برقم ٣١٦١، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، برقم ٩٩٣، وصححه الألباني في الإرواء، ١/ ١٧٣، برقم ١٤٤، وتمام المنة، ص ١١٢.\nويرى العلامة ابن باز في شرحه لبلوغ المرام أن الوضوء من حمل الميت لا يستحبّ؛ لأن الحديث ضعيف، أما الغسل من تغسيل الميت فسنة لأحاديث أخرى، منها حديث عائشة، وأسماء، وستأتي إن شاء الله تعالى.\n(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف، برقم ٨٧، وأحمد،\n٦/ ٤٤٣، وأبو داود في كتاب الصوم، باب الصائم يستقئ عامدًا، برقم ٢٣٨١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٤٧، برقم ١١١، وفي تمام المنة، ص١١١، وانظر: التلخيص الحبير، ٢/ ١٩٠، وشرح العمدة لابن تيمية، ص ١٠٨، ورجح شيخنا ابن باز الاستحباب في شرحه لبلوغ المرام.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، برقم ٣٥٣.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، برقم ٢٠٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار، برقم ٣٥٤، وقد سألت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - رحمه الله تعالى -: هل الوضوء مما مست النار مستحبًّا؟ فقال: «نعم يستحب».\n(٦) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج ...، برقم ٣٠٥.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>٩ - الوضوء لمعاودة الجماع</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (١).\nأما الغُسل فقد كان - ﷺ - يطوف على نسائه بغسل واحد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>١٠ - الوضوء للجنب إذا نام دون اغتسال</span>؛ لحديث عائشة عندما سُئلت: أكان رسول الله - ﷺ - يرقد وهو جنب؟ قالت: «نعم ويتوضأ» (٣). وعن ابن عمر أن عمر ﵄ استفتى النبي - ﷺ - فقال: هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «ليتوضأ ثم لينم حتى يغتسل إذا شاء» (٤). قال العلامة ابن باز: وجاء عنه - ﷺ - أنه ربما اغتسل قبل أن ينام، فالأحوال ثلاثة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>إحداها أن ينام من غير وضوء ولا غسل وهذه مكروه</span>، وهو خلاف السنة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الحالة الثانية: يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، وهذا لا بأس به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الحالة الثالثة: أن يتوضأ ويغتسل، وهذا هو الأكمل </span>(٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج، برقم ٣٠٨، قال سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - في شرحه لبلوغ المرام: ظاهر الأمر للوجوب.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج، برقم ٣٠٩.\n(٣) أخرجه البخاري بلفظه في كتاب الغسل، باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل، برقم ٢٨٦، ومسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج، برقم ٣٠٥.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب نوم الجنب، برقم ٢٨٧، ومسلم في كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له وغسل الفرج، برقم ٣٠٦.\n(٥) شرح عمدة الأحكام لسماحة الشيخ ابن باز، مخطوط، ص ٣٠،في مكتبتي الخاصة.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>المبحث السادس: المسح على الخفين والعمائم والجبيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>أولًا: حكم المسح على الخُفَّيْن:</span>\nمشروع بالكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَين﴾ (١) على قراءة الجر، أما قراءة النصب فتحمل على غسل الرجلين المكشوفتين.\nأما السُّنة فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي - ﷺ - (٢). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثًا عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، ما رفعوا إلى النَّبي - ﷺ - وما وقفوا» (٣).\nوقال الحسن البصري ﵀: «حدثني سبعون من أصحاب النبي - ﷺ - أنه مسح على الخُفَّيْن» (٤). والأفضل في حقّ كل أحد بحسب قُدرتِهِ، فَلِلاَبس الخف أن يمسح عليه ولا ينزع خُفَّه إذا اكتملت الشروط، اقتداءً بالنَّبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ -، وَلِمَن قدماه مكشوفتان الغسل، ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه (٥)؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النَّبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله يُحبُّ أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٦). وفي حديث ابن مسعود وعائشة ﵄: «إن الله يُحبُّ أن تقبل رخصه كما\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ١٨٣، وفتح الباري، ١/ ٣٠٦.\n(٣) ذكره ابن قدامة في المغني، ١/ ٣٦٠، وتعرف تلك الآثار بالتتبع، وقد روى أكثرها ابن أبي شيبة،\n١/ ١٧٥ - ١٨٤.\n(٤) ذكره ابن حجر في الفتح، ١/ ٣٠٦،وعزاه لابن أبي شيبة، وذكره في التلخيص الحبير ١/ ١٥٨، وعزاه لابن المنذر، انظر: الأوسط لابن المنذر،١/ ٤٣٣، و١/ ٤٢٧.\n(٥) الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٣، وانظر: زاد المعاد، ١/ ٩٩، والمغني، ١/ ٣٦٠.\n(٦) أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، والبيهقي في سننه الكبرى، ٣/ ١٤٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٥٠، ٢٠٢٧، والخطيب في تاريخه، ١٠/ ٣٤٧. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ١٦٢: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والبزار، والطبراني في الأوسط، وإسناده حسن، وصححه الألباني في الإرواء، ٣/ ٩، برقم ٥٦٤.","vol":"1","page":49},{"text":"يحب أن تؤتى عزائمه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>ثانيًا: شروط المسح على الخفين وما في معناهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>١ - أن يلبسهما على طهارةٍ</span>؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -، قال: كنت مع النَّبي - ﷺ - في سفر، فأهويت لأنزع خُفَّيْه فقال: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فمسح عليهما (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>٢ - أن يكون المسح في الحدث الأصغر</span>؛ لحديث صفوان بن عسَّال - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا إذا كُنّا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط، وبول، ونوم» (٣) فلا يجوز المسح في الجنابة ولا فيما يوجب الغسل (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>٣ - أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعًا وهو يوم وليلة للمقيم</span>، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: «جعل رسول الله - ﷺ - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (٥)؛ ولحديث صفوان - ﵁ - المتقدم؛ ولحديث أبي بكرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - «أنَّه رَخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر فلبس\n_________\n(١) الطبراني، وابن حبان، رقم ٣٥٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى، (٣/ ١٤٠)، وصححه الألباني في الإرواء، ٣/ ١١ - ١٣، والعزائم هي الفرائض. وعند مسلم من حديث جابر - ﵁ -: «عليكم برخصة الله الذي رخص لكم» في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية، برقم ١١١٥.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، برقم ٢٠٦، ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، برقم ٢٧٤/ ٧٩.\n(٣) أخرجه أحمد، ٤/ ٢٣٩، والنسائي في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، برقم ١٢٧، والطبراني في الكبير، برقم ٧٣٥١، وابن خزيمة، برقم ١٩٦، وصححاه. وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٤٠، برقم ١٠٤.\n(٤) انظر: فتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص٨، والمغني، ١/ ٥٦١، وشرح الزركشي،\n١/ ٣٨٨، والشرح الممتع، ٦/ ١٦٨.\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، برقم ٢٧٦.","vol":"1","page":50},{"text":"خُفَّيْه أن يمسح عليهما» (١). وهذه المدة على الصحيح تبتدئ من أول مرة مسح بعد الحدث (٢)، وتنتهي بأربع وعشرين ساعة بالنسبة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>٤ - أن يكون الخُفَّان أو الجوربان أو العمامة طاهرة </span>(٤)؛ فإن كانت نجسة؛ فإنه لا يجوز المسح عليها، والطاهر ضد النجس والمتنجّس، والنجس: نجس العين كما لو كانت الخفاف من جلد حمار. والمتنجّس كما لو كانت من جلد بعير لكن أصابتها نجاسة، إلا أن المتنجس إذا طهر جاز المسح عليه والصلاة فيه؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلّي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم»؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا»، وقال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه [بالأرض] وليصلّ فيهما» (٥).\n_________\n(١) ابن خزيمة، ١/ ٩٦، وابن حبان (موارد)، برقم ١٨٤، والدارقطني، وانظر: التلخيص الحبير،١/ ١٥٧.\n(٢) الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٢٤٣، وشرح العمدة لابن تيمية، ص٥٥٦، وفتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص٨، وفتاوى ابن عثيمين، ٤/ ١٨٦، وإرشاد أولي البصائر والألباب للسعدي، ص١٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ١/ ١٨٧، وشرح عمدة الأحكام لابن باز، ص٢٢، مخطوط، وانظر: تمام النصح للألباني، فقد نقل آثارًا تنص على أن المسح يبدأ من المسح بعد الحدث ص ٨٩ - ٩٢، وشرح بلوغ المرام لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، حديث رقم ٦٩.\n(٣) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٦٩، وشرح العمدة في الفقه لابن تيمية، ص ٢٥٦، وفتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص ١٨.\n(٤) انظر: الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٥، والشرح الممتع، ١/ ١٨٨.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٠،وأحمد،٣/ ٢٠، وما بين المعقوفين من رواية الإمام أحمد، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٦٠٥، وفي الإرواء، برقم ٢٨٤، وتقدم تخريجه في المبحث الثاني: أنواع النجاسات.","vol":"1","page":51},{"text":"وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يصلَّى فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مسح عليه بالماء تلوث بالنجاسة؛ فلا يصح المسح عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>٥ - أن يكون ساترًا لمحل الفرض، وأن يكون صفيقًا لا يصف البشرة </span>(٢)، ويُعفى عن الخروق اليسيرة، وقد رجح القول بهذا الشرط العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>٦ - أن يكون مباحًا لا مغصوبًا، ولا حريرًا لرجل، ولا مسروقًا</span>، فإن المحرَّم نوعان: محرّم لكسبه كالمغصوب والمسروق، ومحرّم لعينه: كالحرير للرجل، وكذا اتخاذ ما فيه صور لذوات الأرواح، فلا يجوز أن يمسح على هذين النوعين؛ لأن المسح على الخفين رخصة، فلا تستباح به المعصية؛ ولأن القول بالجواز مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس هذا المحرم، والمحرم يجب إنكاره (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>٧ - أن لا ينزع بعد المسح قبل انقضاء المدة</span>؛ فإن خلع خفيه أو ما في معناهما بعد المسح عليهما أعاد الوضوء مع غسل الرّجلين (٥).\nورجح هذا القول العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، وقال: هو قول الجمهور، وهو الصواب (٦).\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ١٨٨، وفتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص ٧.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٢، ٣٧٣، وشرح العمدة في الفقه لابن تيمية، ص ٢٥٠، ومنار السبيل، ١/ ٣٠، وشرح الزركشي، ١/ ٣٩١، والشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٩٠.\n(٣) الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٥، وشرح عمدة الأحكام للمقدسي لسماحته، ص ٢١، مخطوط، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٥/ ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٤٦، والفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٤.\n(٤) الشرح الممتع، ١/ ١٨٩، والمغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٣، وشرح الزركشي، ١/ ٣٩٦، ومنار السبيل، ١/ ٣٠، ويفتي به سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.\n(٥) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٦٧، وشرح العمدة في الفقه [كتاب الطهارة] لابن تيمية، ص ٢٥٧، وانظر: الشرح الممتع لزاد المستقنع، ١/ ٢١٥.\n(٦) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢، وشرح بلوغ المرام لسماحة الشيخ ابن باز، مخطوط.","vol":"1","page":52},{"text":"وهناك بعض الشروط ذكرها بعض أهل العلم ليس عليها دليل، أو تدخل فيما سبق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>ثالثًا: مُبطلات المسح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>١ - إذا حدث ما يوجب الغسل كالجنابة بطل المسح </span>ولا بد من غسل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>٢ - إذا خلع الخفين أو ما في معناهما بعد المسح عليهما بطل وضوؤه </span>على القول الراجح كما تقدم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>٣ - إذا انقضت المدة المعتبرة شرعًا بطل المسح </span>(٤). ورجح سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى أن انقضاء المدة يبطل المسح لمفهوم أحاديث التوقيت، فإذا انقضت المدة خلع الخفين وغسل الرجلين، وخلع العمامة ومسح الرأس (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>رابعًا: كيفية المسح على الخفين والجوربين والعمائم:</span>\nيمسح على ظاهر الخفين أو الجوربين؛ لحديث علي - ﵁ - قال: «لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه» (٦)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله - ﷺ -: «كان يمسح على الخفين» وقال: «على ظهر\n_________\n(١) انظر: منار السبيل، ١/ ٣٠، والسلسبيل في معرفة الدليل، ١/ ١٤٢، وهي: إمكان المشي بهما عرفًا، وثبوتهما بنفسهما، وألا يكون واسعًا يرى منه محل الفرض، وانظر: شرح الزركشي، ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(٢) لحديث صفوان بن عسال، أخرجه أحمد، ٤/ ٢٣٩، وابن خزيمة، برقم ١٩٦، والنسائي، برقم ١٢٧، والطبراني في الكبير، برقم ٧٣٥١، وتقدم تخريجه في المبحث السادس: المسح على الخفين.\n(٣) لما تقدم في الشرط السابع.\n(٤) انظر: شرح العمدة في الفقه، كتاب الطهارة، لابن تيمية، ص ٢٥٧، والمغني لابن قدامة، ١/ ٣٦٦.\n(٥) ذكر ذلك سماحة الشيخ في شرحه لبلوغ المرام، وكان يفتي به كثيرًا.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح، برقم ١٦٢، وصححه العلامة ابن باز، والألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣، وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٠٣.","vol":"1","page":53},{"text":"الخفين» (١)، قال ابن قدامة ﵀: «روى الخلال بإسناده عن المغيرة بن شعبة فذكر وضوء النَّبي - ﷺ - قال: «ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين» (٢). قال ابن عقيل: سنة المسح هكذا «أن يمسح خفيه بيديه اليمنى لليمنى، واليسرى لليسرى»، وقال أحمد: «كيفما فعلت فهو جائز باليد الواحدة أو باليدين» (٣).\nوالمسح على الجوربين كالمسح على الخفين تمامًا؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: «توضأ رسول الله - ﷺ - ومسح على الجوربين والنعلين» (٤).\nوذكر ابن قدامة أنه إذا مسح على الجوربين والنعلين جميعًا فإنه بعد المسح لا يخلع النعلين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>أما المسح على العمائم وخمار المرأة على الصحيح فهو على صفتين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الصفة الأولى: المسح على العمامة المحنَّكة والخمار المحنَّك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>الصفة الثانية: المسح على الناصية والتكميل على العمامة أو الخمار </span>(٦).\nويشترط للعمامة والخمار ما يشترط للخفين على الصحيح، كما رجح ذلك\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب كيف المسح، برقم ١٦١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣.\n(٢) ذكره في المغني، ١/ ٣٧٧، وعزاه للخلال بإسناده.\n(٣) المغني، ١/ ٣٧٨، وانظر: شرح العمدة، ص٣٧٢، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، ١/ ٤٠٣، وزاد: قال في البلغة: «ويسن تقديم اليمين».\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب المسح على الجوربين، برقم ١٥٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣.\n(٥) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٥، وشرح العمدة لابن تيمية، ص٢٥١، وزاد المعاد، ١/ ١٩٩، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ١٤.\n(٦) أخرجه البخاري، برقم ٢٠٤، ٢٠٥، وقد تقدم في فروض الوضوء وأركانه.","vol":"1","page":54},{"text":"سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>خامسًا: المسح على الجبائر:</span>\nالأحاديث التي وردت في الجبائر قال جماعة من أهل العلم: إنها ضعيفة (٢)، ولكن ذكر العلامة ابن باز ﵀ أن أحاديث الجبائر مع أحاديث المسح على الخفين تدل على شرعية المسح على الجبائر؛ لأن المسح على الخفين للتيسير، فالمسح على الجبائر أولى بالشرعية؛ ولكونه ضروريًا لم يشرع فيه التوقيت (٣)، ويفارق مسح الجبيرة مسح الخف من وجوه على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>١ - لا يجوز المسح عليها إلا عند الضرر بنزعها، والخف خلاف ذلك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>٢ - يجب استيعابها بالمسح إلا ما زاد على محل الفرض في الوضوء</span>؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به بخلاف الخف فإنه يشق تعميمه بالمسح، فيجزئ فيه مسح بعضه كما وردت به السنة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>٣ - يمسح على الجبيرة من غير توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فتقدّر بقدرها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>٤ - يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر بخلاف الخف</span>؛ فإنه لا يمسح عليه إلا في الأصغر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>٥ - لا يشترط تقدم الطهارة على شدّها على القول الراجح بخلاف الخفّ </span>(٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>٦ - الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرّجل </span>(٦).\n_________\n(١) وانظر المغني لابن قدامة، ١/ ٣٨٣.\n(٢) منها حديث علي بن أبي طالب، وحديث ابن عباس، وحديث جابر، انظر: بلوغ المرام، من حديث ١٤٥ - ١٤٧.\n(٣) شرح بلوغ المرام للعلامة ابن باز، حديث ١٤٥ - ١٤٧، مخطوط.\n(٤) قال ابن تيمية ﵀: وهو مذهب الفقهاء قاطبة، انظر: فتاوى ابن تيمية،٢١/ ١٧٨ - ١٨٢.\n(٥) المغني، ١/ ٣٥٦، وفتاوى ابن تيمية، ٢١/ ١٧٦ - ١٧٩. وانظر: الأسئلة والأجوبة الفقهية للسلمان، ١/ ٣١، فقد زاد بعض الفروق.\n(٦) الشرح الممتع، ١/ ٢٠٤.","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>سادسًا: كيفية المسح على الجبائر:</span>\nإذا وجد جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفًا ولا يضره الغسل، فيجب غسله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفًا ويضره الغسل والمسح لا يضره، فيجب مسحه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المرتبة الثالثة: أن يكون مكشوفًا ويضره الغَسلُ والمسح</span>، فحينئذ يشد عليه جبيرة ويمسح عليها، فإن عجز فهنا يتيمم له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المرتبة الرابعة: أن يكون مستورًا بجبس، أو لزقة، أو جبيرة</span>، أو شبه ذلك ففي هذه الحال يمسح على الساتر، ويغنيه عن الغَسل (١).\nوالصواب أنه إذا مسح على العضو يكفي ويغني عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يمسح عليه (٢).\n_________\n(١) فتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، ص ٢٥.\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٢٤٨، والشرح الممتع، ١/ ٢٠٢.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>المبحث السابع: الغسل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>أولًا: مُوجبات الغُسل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>١ - خروج المني دفقًا بلذة</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «إنما الماء من الماء» (١)؛ ولحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ -: «إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتَوَضَّأْ وُضوءَك للصَّلاة، فإذا فضخت (٢) الماء فاغتسل» (٣)؛ ولحديث أمّ سلمة أم المؤمنين وأنس، وعائشة أم المؤمنين - ﵃ - أن أم سُليم امرأة أبي طلحة ﵂ جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحقّ، فهل على المرأة مِنْ غُسلٍ إذا احتلمت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم إذا رأت الماء» (٤). فعُلِمَ أن المني إذا خرج من نائم وجب عليه الغسل مطلقًا سواء كان دفقًا بلذَّةٍ أو بدون لذَّة؛ لأنَّ النَّائم قد لا يحسُّ به، فإذا احتلم الرجل أو المرأة ثم استيقظ فرأى الماء فعليه الغسل، فإن استيقظ ولم ير الماء فلا غسل عليه، قال ابن المنذر: «أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>والنائم إذا استيقظ من نومه فوجد بللًا فلا يخلو من ثلاث حالات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>الأولى: أن يتيقن أنه مني </span>ففي هذه الحالة يجب عليه أن يغتسل سواء ذكر احتلامًا أم لم يذكر؛ ولهذا عندما رأى عمر - ﵁ - في ثوبه احتلامًا وقد صلَّى بالمسلمين الفجر، اغتسل وغسل ثوبه وصلَّى (٦). فقد أعاد الصلاة\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، برقم ٣٤٣.\n(٢) فضخ الماء: دفقه وخروجه على وجه الشدة.\n(٣) أخرجه أبو داود، في كتاب الطهارة، باب في المذي، برقم ٢٠٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٠، برقم ١٩٠، وفي إرواء الغليل، ١/ ١٦٢.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب إذا احتلمت المرأة، برقم ٢٨٢، ومسلم في كتاب الحيض، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، برقم ٣١٠ - ٣١٣.\n(٥) المغني، ١/ ٢٦٦، وانظر: الشرح الممتع، ١/ ٢٧٩.\n(٦) المغني، ١/ ٢٦٩، والأثر رواه البيهقي، ١/ ١٧٠، وانظر: المغني أيضًا، ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":57},{"text":"من أحدث نومة نامها في ذلك الثوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الحالة الثانية: أن يتيقن أنَّه ليس بمني </span>ففي هذه الحالة لا يجب عليه الغسل لكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه؛ لأن حكمه حكم البول (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>الحالة الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا </span>(٢)،وهذه الحالة لا تخلو من أمرين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الأمر الأول: أن يذكر أنه قد لاعب أهله أو فكر في الجماع</span>، أو نظر إليهم بشهوةٍ؛ فإنه يجعله مذيًا؛ لأنّه يخرج بعد التفكير في الجماع في الغالب بدون إحساس، وليس عليه غسل، وإنما يتوضأ وضوءه للصلاة بعد غسل ذكره وأنثييه، وما أصاب ثيابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>الأمر الثاني: أن لا يسبقه تفكير في الجماع ولا ملاعبة لأهله</span>، ففيه قولان للعلماء:\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>القول الأول: يجب أن يغتسل</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سُئل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجد البللَ ولا يذكر احتلامًا قال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل؟ قال: «لا غسل عليه» (٣). فالأولى أن يغتسل لموافقة هذا الخبر، وإزالة الشكّ، ويكون ذلك احتياطًا (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>القول الثاني: لا يجب عليه أن يغتسل</span>؛ لأن الأصل الطهارة ولا تزول بالشك بل لا بد من اليقين (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>٢ - التقاءُ الختانين</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبي - ﷺ - قال: «إذا\n_________\n(١) الشرح الممتع، ١/ ٢٨٠.\n(٢) المغني، ١/ ٢٧٠.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه، برقم ٢٣٦، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء فيمن يستيقظ فيرى بللًا ولا يذكر احتلامًا، برقم ١١٣، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب من احتلم ولم ير بللًا، برقم ٦١٢، وأحمد في المسند، ٦/ ٢٥٦، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٦، برقم ٢١٦.\n(٤) المغني لابن قدامة، ١/ ٢٧٠، والشرح الممتع، ١/ ٢٨٠.\n(٥) المغني، ١/ ٢٧٠،والشرح الممتع، ١/ ٢٨٠،وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، ١/ ٢٧٧.","vol":"1","page":58},{"text":"جلس بين شُعَبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل» (١)؛ ولحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» (٢). ويدل على الموجب الأول والثاني قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>٣ - إسلام الكافر سواء كان أصليًّا أو مرتدًّا</span>؛ لحديث قيس بن عاصم - ﵁ - قال: أتيت النَّبي - ﷺ -، أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (٤)؛ لأنه طهَّر باطنه من نجس الشرك فمن الحكمة أن يطهر ظاهره بالغسل. وقال بعض العلماء: لا يجب على الكافر الغسل إذا أسلم وإنما هو مستحب؛ لأنه لم يرد عن النَّبي - ﷺ - أمر عام مثل: من أسلم فليغتسل، وقد أسلم كثير من الصحابة ولم ينقل أنه أمرهم بالغسل، ولو كان واجبًا لكان مشهورًا لحاجة الناس إليه. ورُدّ على ذلك أن القول بالوجوب أقوى؛ لأنَّ أمْرَ النَّبي - ﷺ - لواحدٍ مِنَ الأمَّة أمْرٌ للأمَّة جميعًا. وقال آخرون: إن أتى في كُفْرِهِ بما يوجب الغسل وجب عليه الغسل، وإن لم يأت بموجب فلا يجب عليه الغسل (٥).\nقال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: «الغسل للإسلام سنة وليس بواجب؛ لأن النَّبي - ﷺ - لم يأمر الجمَّ الغفير بالغسل» (٦). وقال ابن القيم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، برقم ٢٩١، ومسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، برقم ٣٤٨.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، برقم ٣٤٩.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الرجل يسلم فيؤمر بالغسل، برقم ٣٥٥، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، غسل الكافر إذا أسلم، برقم ١٨٨، والترمذي في كتاب الجمعة، باب ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم الرجل، برقم ٦٠٥، وأحمد، ٥/ ٦١، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الألباني في الإرواء، ١/ ١٦٣.\n(٥) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥، والمغني لابن قدامة، ١/ ٢٧٤ - ٢٧٦.\n(٦) شرح بلوغ المرام للعلامة ابن باز، حديث رقم ١٢١، وهو مخطوط.","vol":"1","page":59},{"text":"رحمه الله تعالى: «وقد صحّ أمر النَّبي - ﷺ - به، وأصح الأقوال وجوبه على من أجنب حال كفره ومن لم يجنب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>٤ - موت المسلم غير شهيد المعركة</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النَّبي - ﷺ -، قال فيمن وقصته ناقته وهو محرم بعرفة: «اغسلوه بماء وسدر وكَفّنُوه في ثَوْبَيه» (٢)؛ ولحديث أم عطية ﵂ قالت: دخل علينا النَّبي - ﷺ - ونحن نغسل ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>٥ - الحيض، وانقطاع الحيض شرطٌ لصحة الغسل </span>فلو اغتسلت قبل أن تطهر لم يصح؛ لأن من شرط صحة الاغتسال الطهارة؛ لقوله تعالى:\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النساء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ﴾ (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ كانت تستحاض، فسألت النَّبي - ﷺ - فقال: «ذلك عرق وليست الحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>٦ - النفاس، وانقطاع دم النفاس شرط لصحة الاغتسال</span>؛ فإن النفاس كالحيض سواء؛ لأن دم النفاس هو دم الحيض، وإنما كان في مدة الحمل ينصرف إلى غذاء الولد مع السر، فحين خرج الولد خرج الدم\n_________\n(١) زاد المعاد في فقه قصة قدوم وفد دوس، ٣/ ٦٢٧.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الحنوط للميت، برقم ١٢٦٦، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم ١٢٠٦.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر، برقم ١٢٥٣، ومسلم في كتاب الجنائز، باب في غسل الميت، برقم ٩٣٩.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، برقم ٣٢٠، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم٣٣٣.","vol":"1","page":60},{"text":"لعدم مصرفه، وسمّي نفاسًا (١)، ويكون دم النفاس الخارج مع الولادة أو بعدها، أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة ومعه الطلق (٢)، ومما يدلُّ على أن دم النفاس هو دم الحيض قوله - ﷺ - لعائشة ﵂ لما حاضت: «مالكِ أنفست»؟ (٣). وأجمع العلماء على وجوب الغسل بالنّفاس كالحيض (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>ثانيًا: ما يُمنع منه الجنب:</span>\nيُمنع الجنب من خمسة أمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>١ - الصلاة</span>؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي هريرة، وحديث علي، وحديث ابن عمر - ﵃ - (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>٢ - الطواف بالبيت الحرام</span>؛ لقوله - ﷺ -: «الطواف بالبيت صلاة ..» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>٣ - مسّ المصحف</span>؛ لحديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام، وابن عمر - ﵃ -: «لا يمسّ القرآن إلا طاهر» (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>٤ - قراءة القرآن الكريم</span>؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «كان\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٧٧، وانظر: شرح الزركشي، ١/ ٢٨٩.\n(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٢٨٧ و٤٤١.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب الأمر بالنفساء إذا نفسن، برقم ٢٩٤، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، برقم ١٢١١/ ١٩٩.\n(٤) انظر: الشرح الممتع، ١/ ٢٨٨.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٦) أخرج حديث أبي هريرة البخاري برقم ١٣٥،ومسلم برقم ٢٢٥.وقد تقدم في المبحث الخامس.\nوأخرج حديث علي أبو داود، برقم ٦١، والترمذي برقم ٣، وقد تقدم في المبحث الخامس.\nوأخرج حديث ابن عمر مسلم، برقم ٢٢٤، وقد تقدم في المبحث الخامس.\n(٧) أخرجه النسائي برقم ٢٩٢٠،والترمذي برقم ٩٦٠،وقد تقدم في المبحث الخامس.\n(٨) أخرجه مالك في كتاب القرآن من موطئه، برقم ١،والدارقطني برقم ٤٣١ - ٤٣٣، وقد تقدم تخريجه في المبحث الخامس.","vol":"1","page":61},{"text":"رسول الله - ﷺ - يُقْرِئُنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا» (١). وبلفظ: «كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه - أو قال - يحجزه عن القرآن شيء سوى الجنابة»؛ ولحديثه - ﵁ - أنه توضأ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: «هذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>٥ - المكث في المسجد</span>؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ ترفعه: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٤). أما مرور الجنب واجتيازه المسجد فلا حرج فيه؛ لنص الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، وكذلك مرور الحائض والنفساء إذا تحفظت ولم تخش تلويث المسجد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -: «ناوليني الخُمْرَة (٥) من المسجد»، فقلت: إني حائض، فقال: «تناوليها\n_________\n(١) أخرجه الترمذي بلفظه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبًا، برقم ١٤٦، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن، برقم ٢٢٩، والنسائي في كتاب الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن، برقم ٢٦٥، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، برقم ٥٩٤، وأحمد، ١/ ١٨٤ وغيرهم. وقال الحافظ في التلخيص الحبير، ١/ ١٣٩: «صححه ابن السكن وعبد الحق والبغوي»، وقال ابن باز في شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ١٢٤: حديث حسن وله شواهد. وحسنه الأرنؤوط في جامع الأصول، ٤/ ٣٠٤، وانظر: فتح الباري، ١/ ٣٤٨، وشرح عمدة الفقه لابن تيمية، ١/ ٣٨٦.\n(٢) أحمد في المسند، برقم ٨٨٢، وصحح إسناده أحمد شاكر، وقال العلامة ابن باز - ﵀ - في الفتاوى الإسلامية: «إسناد جيد»، ١/ ٢٣٩، وانظر: الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٢٢أيضًا.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد، برقم ٢٣٢، قال ابن حجر في التلخيص الحبير: «قال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقد صححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان»، وقال ابن باز في شرحه لبلوغ المرام لحديث رقم ١٣٢: «سنده لا بأس به»، وحسنه الأرنؤوط في جامع الأصول، ١١/ ٢٠٥.\n(٥) الخمرة: السجادة.","vol":"1","page":62},{"text":"فإن الحيضة ليست في يدك» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: «يا عائشة ناوليني الثوب» فقالت: إني حائض، فقال: «حيضتك ليست في يدك» (٢)؛ ولحديث ميمونة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن، ثم تقوم إحدانا بِخُمرته فتضعها في المسجد وهي حائض» (٣). قال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: «والصحابة كانوا يمرون في المسجد؛ لعلمهم - ﵃ - بهذا الاستثناء، أما قوله - ﷺ -: «فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٤)، فهذا في حقّ مَنْ يجلس في المسجد، وأما ما رواه زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النَّبي - ﷺ -، كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (٥)، فهذا احتج به من قال بالجواز كأحمد وإسحاق رحمهما الله وجماعة. والقول الثاني إنه لا يجلس في المسجد ولو توضأ لعموم الآية: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾، والوضوء لا يخرجه من كونه جنبًا؛ ولعموم الحديث: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». وهذا أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدال على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي\nسَبِيلٍ حَتَّىَ\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها ...، برقم ٢٩٨.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها ...، برقم ٢٩٩.\n(٣) أخرجه الحميدي، برقم ٣١٠، وأحمد، ٦/ ٣٣١، ٣٣٤، والنسائي في كتاب الطهارة، باب بسط الحائض الخمرة في المسجد، برقم ٢٧٢، وفي كتاب الحيض والاستحاضة، باب بسط الحائض الخمرة في المسجد، برقم ٣٨٣.\n(٤) أخرجه أبو داود، برقم ٢٣٢، وتقدم تخريجه في: ما يمنع منه الجنب.\n(٥) رواه سعيد بن منصور. وحنبل بن إسحاق كما في المنتقى للمجد ابن تيمية، ١/ ١٤١ - ١٤٢، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٣٩١، وفي زيد بن أسلم كلام انظره في: حاشية المنتقى، ١/ ١٤٢.","vol":"1","page":63},{"text":"تَغْتَسِلُواْ﴾ وزيد بن أسلم وإن روى له مسلم، ففي القلب منه شيء إذا تفرد بالحديث» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>ثالثًا: شروط الغسل:</span>\nشروط الغسل ثمانية: النية (٢)، والإسلام، والعقل، والتمييز، والماء الطهور المباح، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، وانقطاع موجب الغسل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>رابعًا: صفة الغُسل الكامل وكيفيته:</span>\nصفة الغسل الكامل المشتمل على الفروض، والواجبات والمستحبات على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>١ - ينوي الغُسل الكامل لرفع الحدث الأكبر والأصغر بقلبه</span>؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>٢ - يسمي الله فيقول: «بسم الله»</span>؛لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>٣ - يبدأ فيغسل كفيه ثلاثًا</span>، لحديث عائشة وميمونة ﵄ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>٤ - يغسل فرجه بشماله، ويزيل ما به من أذىً</span>؛ لحديث عائشة وميمونة ﵄ (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>٥ - يضرب بشماله الأرض ويمسحها بالتراب الطاهر </span>ويدلكها دلكًا\n_________\n(١) قاله ﵀ في تعليقه على المنتقى للمجد ابن تيمية، حديث رقم ٣٩٦، مسجل في مكتبتي الخاصة، وانظر: الشرح الممتع، ١/ ٢٩٤.\n(٢) نقل ابن قاسم في حاشية الروض المربع أنه يجب استصحاب حكمها، بحيث لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، ١/ ١٩٨، فينظر هل هذا شرط أم واجب؟.\n(٣) حاشية الروض لا بن قاسم، ١/ ١٨٩ و١٩٣ - ١٩٤، ومنار السبيل، ١/ ٣٩.\n(٤) أخرجه البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وقد تقدم في صفة الوضوء الكامل وكيفته.\n(٥) أخرجه أبو داود، برقم ١٠١، وابن ماجه، برقم ٣٩٨،٣٩٩، والترمذي، برقم ٢٥، وقد تقدم في صفة الوضوء.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٦ و٣١٧.\n(٧) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الغسل مرة واحدة، برقم ٢٥٧، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٦ و٣١٧.","vol":"1","page":64},{"text":"جيدًا، ويغسلها؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (١) أو يدلكها بالحائط ويغسلها؛ لحديث ميمونة ﵂ (٢)، أو يغسلها بالماء والصابون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>٦ - يتوضأ وضوءًا كاملًا كما يتوضأ للصلاة </span>(٣)؛لحديث عائشة ﵂ (٤)،وإن شاء توضأ وضوءه للصلاة وأخر رجليه إلى نهاية الغسل؛ حديث ميمونة ﵂ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>٧ - يدخل أصابعه في الماء، ثم يخلل شعره حتى يروي بشرته</span>، ثم يصب على رأسه ثلاث حفنات بيديه؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (٦) يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم الوسط؛ لحديث عائشة ﵂ (٧).وليس على المرأة نقض شعر رأسها لغسل الجنابة؛ لحديث أم سلمة ﵂ (٨). يستحب أن تنقضه لغسل الحيض؛ لحديث عائشة ﵂ (٩).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب من أفرغ بيمينه على شماله في الغسل، برقم ٢٦٦، ومسلم في كتبا الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٧.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب من توضأ من الجنابة ثم غسل سائر جسده، برقم ٢٧٤، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٧.\n(٣) انظر صفة الوضوء الكامل ص ٤٥.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٦.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٩.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٦ و٣١٧.\n(٧) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب من بدأ بالحلاب أو الطيب عند الغسل، برقم ٢٥٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٨. وحديث جابر - ﵁ - أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب من أفاض على رأسه ثلاثًا، برقم ٢٥٦، ومسلم في كتاب الحيض، باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا، برقم ٣٢٩.\n(٨) قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات ثم تفيضين عليه الماء فتطهرين». أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب حكم ضفائر المغتسلة، برقم ٣٣٠. وفي رواية لمسلم ١/ ٢٦٠: «أفأنقضه للحيض والجنابة»، قال: «لا».الحديث.\n(٩) قال - ﷺ - لها عندما حاضت في الحج: «دعي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي».البخاري،١/ ٤١٨، قال العلامة ابن باز في تعليقه على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية،: «يستحب للحائض أن تنقض شعرها لغسل الحيض، ولا يستحب نقضه للجنابة»، وانظر: فتح الباري، ١/ ٤١٨، والحيض والنفاس، ص ١٧٥.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>٨ - يفيض الماء على سائر جسده</span>؛ لحديث ميمونة وعائشة ﵄ (١)، يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر؛ لحديث عائشة ﵂: «أن النَّبي - ﷺ - كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (٢). ويعتني بغسل الإبطين ومطاوي الأعضاء وأصول الفخذين؛ لحديث عائشة ﵂ (٣)، ويدلك بدنه إذا لم يصل الطهور إلى محله بدونه (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>٩ - يتحول فينتقل من مكانه فيغسل قدميه</span>؛ لحديث ميمونة ﵂ (٥) والأفضل أن لا ينشّف أعضاءه في الغسل؛ لحديث ميمونة ﵂ (٦)، وينبغي له أن لا يسرف في استعمال الماء، فلا إفراط ولا تفريط (٧)، وما تقدم هو الغسل الكامل (٨).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٦.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل، برقم ١٦٨، ومسلم في كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره، برقم ٢٦٨.\n(٣) وفيه أن النبي - ﷺ - كان يغسل مرافغه. وهي أصول المغابن، أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الغسل من الجنابة، برقم ٢٤٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٨.\n(٤) انظر: شرح العمدة لابن تيمية،١/ ٣٦٨،وذلك؛ لحديث عائشة في مسلم،١/ ٢٦٠: «ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا».\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب الوضوء قبل الغسل، برقم ٢٤٩، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٧. قال العلامة ابن باز - ﵀-: يغسل رجليه في نهاية الغسل سواء غسلها قبله مع الوضوء أو لم يغسلها.\n(٦) قالت: «ثم أتيته بالمنديل فردّه و[لم ينفض به]». أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب المضمضة والاستنشاق من الجنابة، برقم ٢٥٩، ومسلم في كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٧، واللفظ الأول من مسلم، والثاني من البخاري.\n(٧) انظر: مقدار غسل النبي - ﷺ - ووضوئه في سنن الوضوء.\n(٨) أما الغسل المجزئ فهو أن ينوي، ويسمي، ويتمضمض ويستنشق، ويعم جميع جسده بالماء. انظر الشرح الممتع،١/ ٣٠٤ و٢٩٧ - ٣٠٠، وشرح العمدة، ١/ ٣٦٥. قال ابن تيمية ﵀ في شرح العمدة، ١/ ٣٠٧: «الغسل قسمان: غسل مجزئ، وغسل كامل ... والكامل هو اغتسال الرسول - ﷺ -، وهو يشتمل على إحدى عشرة خصلة: النية، والتسمية، ويغسل يديه ثلاثًا، ويغسل فرجه، ويدلك يده، ويتوضأ، ويخلل أصول شعر رأسه ولحيته بالماء، ويفيض على رأسه ثلاث حثيات، ويفيض الماء على سائر جسده، ويدلك بدنه، ويبدأ بشقه الأيمن، وينتقل من مكانه فيغسل قدميه».","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>خامسًا: الأغسال المستحبة:</span>\nالأغسال المستحبة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>١ - غسل يوم الجمعة</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: إن رسول الله - ﷺ -، قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (١). وحديثه - ﵁ - يرفعه: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد» (٢). وحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (٣). وحديثه - ﵁ - يرفعه إلى النَّبي - ﷺ -: «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» (٤). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النَّبي - ﷺ - أنه قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ولَبِسَ من أحسن ثيابه، ومس من طيبٍ إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخط رقاب الناس (٥)، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة ما بينه وبين الجمعة قبلها [وزيادة ثلاثة أيام]» (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، برقم ٨٧٩، ومسلم في كتاب الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، برقم ٨٤٦.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الطيب للجمعة، برقم ٨٨٠، ومسلم في كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، برقم ٨٤٦،ومعنى يستن: يستاك.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، با ب هل على من لم يشهد الجمعة غسل؟ برقم ٨٩٧، ومسلم في كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، برقم ٨٤٩.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الجمعة، برقم ٨٥٧.\n(٥) وعند ابن خزيمة من حديث أبي الدرداء - ﵁ -: «ولم يفرق بين اثنين»، رقم ١٧٦٣.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، برقم ٣٤٣، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٧٠، والزيادة من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":67},{"text":"وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله - ﷺ -،يقول: «من غسل يوم الجمعة، واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» (١).\nوعن سمرة - ﵁ - يرفعه: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا» (٣).\nوقد اختلف أهل العلم هل غسل الجمعة واجب أم مستحب؟ ورجح سماحة العلامة ابن باز أن غسلَ الجمعة سنة مؤكدة، وينبغي للمسلم أن يحافظ عليه خروجًا من خلاف من قال بالوجوب، وأقوال العلماء في غسلِ الجمعة ثلاثة: منهم من قال بالوجوب مطلقًا وهذا قول قوي، ومنهم من قال: بأنه سنة مؤكدة مطلقًا، ومنهم من فصَّل فقال: غسل يوم الجمعة واجب على أصحاب الأعمال الشاقة؛ لما يحصل لهم من بعض التعب والعرق، ومستحب في حق غيرهم، وهذا قول ضعيف، والصواب أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، أما قوله - ﷺ -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، فمعناه عند أكثر أهل العلم متأكد كما تقول العرب: «العدة دين وحق عليَّ واجب». ويدل على هذا المعنى اكتفاؤه - ﷺ - بالأمر بالوضوء في بعض الأحاديث .. وهكذا الطيب والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، برقم ٣٤٥، والنسائي في كتاب الجمعة، باب فضل غسل يوم الجمعة، برقم ١٣٧٩، والترمذي في كتاب الجمعة، باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، برقم ٤٩٦.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، برقم ٣٥٤، والترمذي في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، برقم ٤٩٧، والنسائي في كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، برقم ١٣٧٨،وقال الترمذي: «حديث حسن».\n(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة، برقم ٨٥٧/ ٢٧.","vol":"1","page":68},{"text":"إلى الجمعة، كله من السنن المرغَّب فيها، وليس شيء منها واجبًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>٢ - غسل الإحرام</span>؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ - أن النَّبي - ﷺ - «تجرَّد لإهلاله واغتسل» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>٣ - الاغتسال عند دخول مكة</span>؛ لأن ابن عمر - ﵁ - كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ويَذْكُرُ ذلك عن النَّبي - ﷺ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>٤ - الاغتسال لكل جماع</span>؛ لحديث أبي رافع «أن النَّبي - ﷺ - طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه»، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: «هذا أزكى وأطيب» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>٥ - الاغتسال من غسل الميت</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «من غسَّل الميت فليغتسل» (٥)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» (٦). ويدل على عدم الوجوب أن أسماء بنت عميس -\n_________\n(١) هذا مقتبس من كلام شيخنا العلامة ابن باز. انظر: الفتاوى الإسلامية، ١/ ٤١٩، وقال ﵀ بعض هذا الكلام في تعليقه على بلوغ المرام، حديث رقم١٢٠ و١٢٣، وتعليقه على منتقى الأخبار للمجد، الأحاديث ٤٠٠ - ٤٠٧، وهو مسجل في مكتبتي الخاصة.\n(٢) أخرجه الدارمي في كتاب المناسك، باب الاغتسال في الإحرام، برقم ١٨٠١، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام، برقم ٨٣٠، وابن خزيمة برقم ٢٥٩٥، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٤٤٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٢٥٠، وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٤٩.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب دخول مكة نهارًا أو ليلًا، برقم ١٥٧٤، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، برقم ١٢٥٩.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء لمن أراد أن يعود، برقم ٢١٩، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلًا، برقم ٥٩٠، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٣، وآداب الزفاف، ص ٣٢.\n(٥) أخرجه أحمد، ٢/ ٢٨٠، ٤١٥، ٤٣٣ و٤٧٢، وأبو داود في كتاب الجنائز، باب في الغسل من غسل الميت، برقم ٣١٦١، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، برقم ٩٩٣، قال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ٧/ ٣٣٥: «وهو حديث حسن بطرقه وشواهده».وانظر: إرواء الغليل، برقم ١٤٤.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الغسل من غسل الميت، برقم ٣١٦٠، وقال الحافظ في بلوغ المرام: «وصححه ابن خزيمة»، وقال سماحة الشيخ ابن باز: «إسناده لا بأس به على شرط مسلم»، وانظر: جامع الأصول بتحقيق الأرنؤوط، ٧/ ٣٣٧.","vol":"1","page":69},{"text":"امرأة أبي بكر - غسلت أبا بكر - ﵁ - حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة وهذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ من غسل؟ فقالوا: «لا» (١). وبيّن العلامة ابن باز ﵀ أن هذا يدل على أن الغسل من غسل الميت معلوم عند الصحابة؛ ولكنه سنة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>٦ - الاغتسال من دفن المشرك</span>؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه أتى النَّبي - ﷺ - فقال: إن أبا طالب مات، فقال: «اذهب فواره»، قال: إنه مات مشركًا. قال: «اذهب فواره» فلما واريته رجعت إليه، فقال لي: «اغتسل» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>٧ - الاغتسال للمستحاضة لكل صلاة </span>(٤)، أو عند الجمع بين الصلاتين؛ لحديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة ﵂ استحيضت في عهد رسول الله - ﷺ - فأمرها بالغسل لكل صلاة» (٥). وفي حديث حمنة بنت جحش ﵂ أن النَّبي - ﷺ - قال لها: «سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم». ثم قال في آخر الحديث: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الجنائز، باب غسل الميت، برقم ٣، وحسّن إسناده عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول، ٧/ ٣٣٨.\n(٢) قال ذلك في تعليقه على منتقى الأخبار، حديث رقم ٤١٢، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٣١٨.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب الرجل يموت له قرابة مشرك، برقم ٣٢١٤، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الغسل من مواراة المشرك، برقم ١٩٠، وفي كتاب الجنائز، باب مواراة المشرك برقم ٢٠٠٤، قال عبد القادر الأرنؤوط في تخريج جامع الأصول، ٧/ ٣٣٧: «وهو حديث صحيح»، وانظر: التلخيص الحبير، ٢/ ١١٤، وصحيح النسائي، برقم ١٨٤، وقال ابن باز: إذا صح الحديث فالغسل من دفن المشرك سنة. قلت: وقد صححه من تقدم ذكرهم.\n(٤) انظر الشرح الممتع ١/ ٤٤١.\n(٥) أبو داود، كتاب الطهارة، باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، برقم ٢٩٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٨، برقم ٢٧٤، وانظر: صحيح البخاري، الحديث رقم ٣٢٧.","vol":"1","page":70},{"text":"بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك». قال - ﷺ -: «وهذا أعجب الأمرين إليَّ» (١).\nوالواجب على المستحاضة هو الغسل عندما تخرج من عادة الحيض، أما بعد ذلك فيستحب لها الغسل كما تقدم، ويجب عليها أن تتوضأ في وقت كل صلاة، أما الغسل فمندوب كما تقدم (٢). وهذا ما يفتي به شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>٨ - الاغتسال من الإغماء</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ثقل النَّبي - ﷺ - فقال: «أصلَّى الناس»؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: «ضعوا لي ماء في المخضب» (٣) قالت: ففعلنا فاغتسل، فذهب لينوء (٤) فأُغمي عليه، ثم أفاق، فقال - ﷺ -: «أصلَّى الناس»؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب» فقعد فاغتسل ... (٥). فعل ذلك ثلاث مرات وهو مثقل بالمرض، فدل ذلك على استحبابه (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>٩ - الاغتسال من الحجامة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، برقم ٢٨٧، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٧، والإرواء، ١/ ٢٠٢.\n(٢) فعن عائشة زوج النبي - ﷺ - أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فقال: «هذا عرق»، فكانت تغتسل لكل صلاة، أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب عرق المستحاضة، برقم ٣٢٧.\nوعن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي»، قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم، برقم ٢٢٨،ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم ٣٣٣.\n(٣) قيل: هو إناء صغير تغسل فيه الثياب.\n(٤) أي: لينهض.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، برقم ٦٨٧،ومسلم في كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس، برقم٤١٨.\n(٦) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٣٦٦.","vol":"1","page":71},{"text":"غسل الميت» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>١٠ - غسل الكافر إذا أسلم عند من يقول باستحبابه</span>، ومنهم من قال بالوجوب؛ لحديث قيس بن عاصم - ﵁ -، قال: أتيت النَّبي - ﷺ - أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (٢). ورجح سماحة العلامة ابن باز أن غسله سنة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>١١ - غسل العيدين</span>؛ قال العلماء لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النَّبي - ﷺ - (٤). قال العلامة الألباني: وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين: ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان قال: سأل رجل عليًّا عن الغسل؟ قال: «اغتسل كل يوم إن شئت». فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجمعة، ويوم عرفة (٥)، ويوم النحر، ويوم الفطر» (٦). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: «سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال» (٧)، وثبت أن عبد الله بن عمر ﵄: «كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يَغدُوَ إلى المصلى» (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>١٢ - غسل يوم عرفة </span>(٩).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أبو داود، برقم ٣٥٥،والنسائي، برقم ١٨٨،والترمذي، برقم ٦٠٥،وتقدم في المبحث السابع: الغسل.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ١٢١.\n(٤) سمعت ذلك من شيخنا ابن باز مرات.\n(٥) أي يوم عرفة للحاج.\n(٦) قال في إرواء الغليل، ١/ ١٧٧: وسنده صحيح؛ أي موقوف على علي - ﵁ -.\n(٧) قال الألباني: رواه الفريابي، وإسناده صحيح. انظر: إرواء الغليل، ٣/ ١٠٤.\n(٨) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب العيدين، باب العمل في غسل العيدين والنداء فيهما والإقامة، برقم ٢. وانظر آثارًا نقلت في وقفات للصائمين للشيخ سلمان ابن فهد، ص ٩٧.\n(٩) تقدم دليله في الذي قبله.","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>المبحث الثامن: التيمم</span>\nالتيمم في اللغة: القصد، وفي الشرع: التعبد لله تعالى بقصد الصعيد الطَّيّب لمسح الوجه واليدين به بنية رفع الحدث لمن فقد الماء أو عجز عن استعماله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>أولًا: حكمه:</span>\nمشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب؛ فلقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنكُم مّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢). وأما السنة؛ فلأحاديث كثيرة، منها حديث عمران بن حصين - ﵁ - قال: كنا في سفر مع النَّبي - ﷺ - فصلى بالناس، فلما [انصرف] من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصلّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم»؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد فإنّه يكفيك» (٣). وأما الإجماع: فأجمع أهل العلم على مشروعية التيمم في الجملة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>والمسلمون لهم طهارتان: طهارة بالماء، وطهارة بالتيمم </span>لمن لم يجد\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤١١، وفتح الباري، ١/ ٤٣١، والمغني لابن قدامة،\n١/ ٣١٠، وشرح الزركشي، ١/ ٣٢٤، والشرح الممتع، ١/ ٣١٣.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦، وانظر: سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، برقم ٣٤٤، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم ١٦٨٢، ولحديث أبي هريرة - ﵁ -: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ...» الحديث، وفيه: «جعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ». أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء، برقم ٣٣٥، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢١.\n(٤) انظر المغني لابن قدامة،١/ ٣١٠،وشرح الزركشي، ١/ ٣٢٤، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤١١.","vol":"1","page":73},{"text":"الماء أو عجز عن استعماله، فمن وجد الماء وقدر على استعماله وجب عليه أن يتطهر به، ومن تعذر عليه استعماله أو لم يجده قام مقامه التيمم وهو رافع إلى وجود الماء على الصحيح، فيجب لما تجب له الطهارة بالماء، ويستحب لما تستحب له الطهارة بالماء، والصواب أنَّ المسلم إذا عجز عن الماء أو لم يجده تيمم في أي وقت شاء، وأجزأه حتى يجد الماء، أو يأتي بناقض من نواقض الوضوء، أو موجب من موجبات الغسل، ويجزئ التيمم الواحد عن جميع الأحداث الكبرى والصغرى إذا نواها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>ثانيًا: من يجوز له التيمم</span>؟ يجوز التيمم ويشرع لمن حصل له ناقض من نواقض الوضوء، أو موجب من موجبات الغسل في الحضر أو السفر إذا وُجد سبب من الأسباب الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>١ - إذا لم يجد الماء</span>؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا﴾ (٢)؛ولحديث عمران بن حصين - ﵁ -: «عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٢ - إذا لم يجد من الماء ما يكفيه في وضوئه أو غسله </span>فإنه يتوضأ بما وجد، أو يغتسل إذا كان عليه جنابة ثم يتيمم للأعضاء التي لم يصل إليها الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)؛ ولقوله - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>٣ - إذا كان الماء شديد البرودة</span>، ويحصل له ضرر باستعماله، بشرط أن\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع، ١/ ٣١٤ و٣٢١، وفتاوى ابن تيمية، ٢١/ ٣٤٦ - ٣٦٠، ورجح ذلك كله العلامة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز في شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٦٣٦ - ١٤٨،وتعليقه على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، ويفتي بذلك كثيرًا، وانظر: زاد المعاد،١/ ٢٠٠،وفتاوى اللجنة، ٥/ ٣٤٤، و٣٤٩ و٣٥٥.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٣) أخرجه البخاري، برقم ٣٤٤،ومسلم، برقم ٦٨٢،وقد تقدم تخريجه.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -،برقم ٧٢٨٨،ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم ١٣٣٧،وانظر: المغني،١/ ٣١٤،وشرح العمدة، ١/ ٤٣٣ - ٤٣٨.","vol":"1","page":74},{"text":"يعجز عن تسخينه؛ لحديث عمروبن العاص - ﵁ - قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب»؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله - ﷿ - يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٤ - إذا كان به جراحة أو مرض إذا استعمل الماء زاد المرض أو تأخر الشفاء</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله، وابن عباس - ﵁ -،أن رجلًا أصابه جرح في عهد رسول الله - ﷺ - ثم احتلم، فسأل أصحابه هل له رخصة في التيمم؟ فقالوا له: لا، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العِيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ...» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٥ - إذا حال بينه وبين الماء عدو، أو حريق، أو لصوص</span>، وخاف على نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٢٩، وانظر: الشرح الممتع، ١/ ٣١٨.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم، برقم ٣٣٤، والدارقطني في كتاب الطهارة، باب التيمم، برقم ٦٧٠، والحاكم وغيرهم، وحسن إسناده الأرنؤوط في جامع الأصول، قال: وله شاهد عند الطبراني من حديث ابن عباس وأبي أمامة. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٦٨.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المجروح يتيمم، برقم ٣٣٦ و٣٣٧، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب في المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل، برقم ٥٧٢، وابن حبان (موارد)، برقم ٢٠١، والحاكم، ١/ ١٦٥ و١/ ١٧٨، وحسنه الألباني في تمام المنة، ص١٣١، ونقل عن ابن السكن تصحيحه، وحسنه الأرنؤوط لشواهده في جامع الأصول، ٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦، ومال سماحة العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى - إلى أن هذه الطرق كلها ضعيفة؛ ولكن تعتضد بالمسح على الخفين، فإذا كان المسح على الخفين من باب التيسير، فإنه من باب أولى أن يمسح على الجبائر، وأن يكون التيمم لمن عجز عن استعمال الماء لجراحة مشروعًا. وانظر: صحيح سنن أبي داود، برقم ٣٢٥، و٣٢٦.","vol":"1","page":75},{"text":"من يناوله الماء فهو كالعادم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>٦ - إذا خاف العطش والهلاك حبس الماء وتيمم</span>، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المسافر إذا كان معه ماء وخشي العطش أنه يبقي ماءه للشرب ويتيمم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>والخلاصة: </span>أن التيمم يشرع إذا تعذر استعمال الماء: إما لعدمه وإما لحصول الضرر باستعماله (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>ثالثًا: كيفية التيمم وصفته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>١ - ينوي</span>؛ لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٤).ومحلها القلب فلا يتلفظ بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>٢ - يسمي الله </span>فيقول: «بسم الله» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>٣ - يضرب بكفيه الصعيد </span>الطيّب من الأرض ضربة واحدة؛ ثم يمسح جميع وجهه بكفيه، ثم يمسح جميع الكفين بعضهما ببعض يمسح بالشمال على اليمين وظاهر كفيه وباطنهما: من أطراف الأصابع إلى مفصل الكف من الذراع، والمفصل الذي يلي الكف داخل في المسح (٦)؛ لحديث عمار - ﵁ - قال: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرَّغ الدابة ثم أتيت النَّبي - ﷺ - فذكرت ذلك له فقال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بكفيه الأرض [ضربة واحدة] ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (٧). وفي\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١/ ٣١٥ و٣١٦، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤٣٠.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٤٣، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤٢٨.\n(٣) انظر: الشرح الممتع، ١/ ٣٢١، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٤٢٢، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٣٣١.\n(٤) أخرجه البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وقد تقدم تخريجه في صفة الوضوء.\n(٥) أخرجه أبو داود، برقم ١٠١، وابن ماجه، برقم ٣٩٨، ٣٩٩، والترمذي، برقم ٢٥، وقد تقدم تخريجه في صفة الوضوء.\n(٦) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٤٤٧ - ٣٥٠، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٥/ ٣٥٤.\n(٧) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما، برقم ٣٣٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم، برقم ٣٦٨، وما بين المعقوفين في لفظ مسلم.","vol":"1","page":76},{"text":"لفظ لمسلم: «وضرب بيده إلى الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه» (١)، وفي لفظ: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا: ثم ضرب بيديه إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» (٢)، فإذا كان الغبار كثيرًا في الكفين نفخ فيهما أو نفضهما (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>رابعًا: نواقض التيمم ومبطلاته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>١ - ينقض التيمم ويبطله ما ينقض الوضوء</span>؛ لأن التيمم بالصعيد الطيّب قام مقام الماء فينقض الطهارة بالتيمم ما ينقض الطهارة بالماء، فإذا تيمم عن الحدث الأصغر ثم بال أو حصل له ناقض من نواقض الوضوء بطل تيممه؛ لأن البدل له حكم المبدل. وكذا التيمم عن الحدث الأكبر يبطل بموجبات الغسل (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>٢ - وينقض التيمم وجود الماء</span>، فإذا تيمم لعدم الماء بطل بوجوده؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيّب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (٥). أما إذا تيمم لمرض يمنعه من استعمال الماء لم يبطل التيمم بوجود الماء، ولكن يبطل بالقدرة على استعمال الماء (٦).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب التيمم، برقم ٣٦٨/ ١١١.\n(٢) البخاري، برقم ٣٤٧، ومسلم، برقم ١١٠ - (٣٦٨).\n(٣) ويفتي بذلك العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٣٠، والشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٣٤١، والأسئلة والأجوبة الفقهية للسلمان، ١/ ٤٧.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم، برقم ٣٣٢ و٣٣٣، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، برقم ١٢٤، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد، برقم ٣٢١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٦٧، وفي الإرواء، برقم ١٥٣، وذكره الحافظ في بلوغ المرام، برقم ١٤٢، وعزاه إلى البزار عن أبي هريرة، وانظر: التلخيص الحبير، ١/ ١٥٤.\n(٦) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ١/ ٣٤١.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>خامسًا: فاقد الطهورين: الماء والتراب:</span>\nإذا لم يجد المسلم الماء ولا التراب، ولم يستطع الحصول على ذلك، أو وجدهما ولكن عجز عن الوضوء والتيمم؛ فإنه يصلي على حسب حاله كالمربوط الذي لا يستطيع الوضوء ولا التيمم؛ لحديث عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت (١)، فأرسل رسول الله - ﷺ - ناسًا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا إلى رسول الله - ﷺ -، شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاكِ الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا وجعل للمسلمين فيه بركة (٢). فيجب على المسلم أن يتطهر بالماء فإن عجز عن استعماله لمرض أو غيره تيمم بتراب طاهر، فإن عجز عن ذلك سقطت الطهارة، وصلى على حسب حاله (٣). قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥). وقال - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>سادسًا: من تيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت:</span>\nإذا فقد المسلم الماء ثم تيمم وصلى ثم وجد الماء أو قدر على استعماله بعد الفراغ من الصلاة؛ فإنه لا يعيد الصلاة، ولو كان الوقت باقيًا، وهكذا لو فقد الماء والتراب أو عجز عن ذلك ثم وجده بعد أن صلى؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: خرج رجلان في سفر،\n_________\n(١) هلكت: ضاعت.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا، برقم ٣٣٦، ومسلم في كتاب الحيض، باب التيمم، برقم ٣٦٧/ ١٠٩، واللفظ لمسلم.\n(٣) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٣٤٦.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٦) أخرجه البخاري، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، برقم ١٣٣٧، وقد تقدم تخريجه.","vol":"1","page":78},{"text":"فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعدِ الآخر، ثم أتيا رسول الله - ﷺ - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك». وقال للذي توضأ وأعاد: «لك الأجر مرتين» (١). فدل ذلك على أن الذي لم يعد الوضوء والصلاة أصاب السنة؛ لأنه فعل ما قدر عليه، أما الآخر فاجتهد وأعاد فله أجر صلاته الأولى والأجر الثاني على اجتهاده في إعادة الصلاة، لكن المقصود هو إصابة السنة (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت، برقم ٣٣٨، والنسائي في كتاب الغسل والتيمم، باب التيمم لمن يجد الماء بعد الصلاة، برقم ٤٣١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٩٢، وصحيح أبي داود، ١/ ٦٩.\n(٢) قال ذلك العلامة ابن باز - رحمه الله تعالى - في شرحه لهذا الحديث في بلوغ المرام، وفي المنتقى للمجد ابن تيمية.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المبحث التاسع: الحيض والنفاس والاستحاضة والسلس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>المطلب الأول: الحيض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>أولًا: تعريفه: </span><span data-type=\"title\" id=toc-242>الحيض في اللغة: </span>السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وهو مصدر: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحاضًا ومحيضًا وتحيّضًا، فهي حائض وحائضة من حوائض وحُيّض؛ إذا سال دمها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>وشرعًا: </span>دم طبيعة وجبلّة يخرج من قعر الرحم، يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>ثانيًا: حكمته: </span>خلق الله دم الحيض وكتبه على بنات آدم لحكمة غذاء الولد وتربيته، فالولد يخلقه الله من ماء الرجل والمرأة، ثم يغذّيه في الرحم بدم الحيض عن طريق السر؛ ولهذا لا تحيض الحامل في الغالب، فإذا وضعت، خرج ما فضل عن غذاء الولد من ذلك الدم، ثم يقلبه الله تعالى بحكمته لبنًا يتغذَّى به الطفل عن طريق الثدي؛ ولهذا لا تحيض المرضع في الغالب، فإذا خلت المرأة من حملٍ ورضاعٍ بقي ذلك الدم في محله ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقل، ويطول ويقصر، على حسب ما ركبه الله تعالى في الطباع، والله أعلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>ثالثًا: لون دم الحيض </span>يأتي على ألوان أربعة كالآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>١ - السواد</span>؛ لحديث فاطمة بنت أبي حُبيش ﵂ أنها كانت تستحاض فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إذا كان دم الحيض فإنه أسودُ يُعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو\n_________\n(١) القاموس المحيط، فصل الحاء باب الضاد.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٣٨٦، وشرح الزركشي، ١/ ٤٠٥. وشرح العمدة لابن تيمية،\n١/ ٤٥٧، والروض المربع بحاشية ابن قاسم، ١/ ٣٧٠، والحيض والاستحاضة لراوية بنت أحمد، ص ١٧ - ٤٦.\n(٣) المغني لابن قدامة، ١/ ٣٨٦،وشرح الزركشي،١/ ٤٠٥،وشرح العمدة،١/ ٤٥٧.","vol":"1","page":80},{"text":"عرق» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>٢ - الحمرة</span>؛ لأنها أصل لون الدم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>٣ - الصفرة: </span>وهي الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٤ - الكدرة: </span>وهي التوسط بين البياض والسواد كالماء الوسخ، ولونه ينحو نحو السواد (٤)؛لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة ﵂، قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة أم المؤمنين بالدّرَجة (٥) فيها الكُرسف (٦) فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة، فتقول لهن: لا تَعْجَلْنَ حتى ترين القصة البيضاء (٧) تريد بذلك الطهر من الحيضة (٨).\nوالصفرة والكدرة لا تكون حيضًا إلا في أيام الحيض أما بعد انقضاء أيام العادة فلا تعد حيضًا ولو تكرر ذلك؛ لحديث أمّ عطية ﵂ قالت: «كنا لا نعد الكُدرة والصفرة [بعد الطهر] شيئًا» (٩). فدل ذلك بمنطوقه على\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، برقم ٢٨٦، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ذكر الاغتسال من الحيض، برقم ٢٠١،وصححه الألباني في الإرواء، ١/ ٢٢٣.\n(٢) انظر: الحيض والنفاس والاستحاضة لراوية بنت أحمد، ص٣٧ وص٤٨.\n(٣) انظر: فتح الباري، ١/ ٤٢٦.\n(٤) انظر: المعجم الوسيط، ٢/ ٧٧٩، وفقه السنة لسيد سابق، ١/ ٨٣.\n(٥) الدّرجَة: جمع: دُرْج: وهو كالسفط الصغير، تضع فيه المرأة خِفَّ متاعها وطيبها. انظر: النهاية في غريب الحديث، ٢/ ١١١، وفتح الباري، ١/ ٤٢٠.\n(٦) الكرسف: القطن.\n(٧) القصة البيضاء: هو أن تخرج القطنة أو الخرقة التي تتحشي بها المرأة كأنها قصة بيضاء لا يخالطها صفرة، وقيل: هي شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله. النهاية في غريب الحديث،٤/ ٧١.\n(٨) أخرجه الإمام مالك في كتاب الطهارة، باب طهر الحائض، برقم ٩٧، والبخاري معلقًا في كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره (١/ ٤٢٠ فتح)، والدارمي، ١/ ٢١٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢١٨.\n(٩) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض، برقم ٣٢٦، وأبو داود في كتاب الطهارة، باب في المرأة ترى الكدرة والصفرة بعد الطهر، برقم ٣٠٧،والحاكم، وغيرهم، وصححه الألباني في الإرواء،١/ ٢١٩،وانظر: المغني،١/ ٤١٣،وما بين المعقوفين لغير البخاري.","vol":"1","page":81},{"text":"أن الصفرة والكدرة بعد الطهر لا تعد شيئًا وإنما هي مثل البول تنقض الوضوء، ودل بمفهومه على أن الصفرة والكدرة قبل الطهر تعد حيضًا بشرط أن تكون في أيام عادة الحيض، ورجح ذلك العلامة شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>رابعًا: زمن الحيض ومدته</span>، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في السن الذي يأتي الحيض فيه المرأة، وفي الحيض ومقدار زمنه (١) كالتالي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>١ - السن الذي تحيض فيه الصغيرة:</span>\nليس فيه تحديد من السنة الصحيحة للسن الذي تحيض فيه المرأة؛ لكن في الغالب أنه يكون ما بين اثنتي عشرة سنة إلى خمسين سنة وربما حاضت المرأة قبل ذلك أو بعده بحسب حالتها وجوّها وبيئتها. وقد اختلف العلماء في تحديد السن الذي يأتي فيه الحيض بحيث لا تحيض الأنثى قبله ولا بعده، وأن ما يأتيها قبله أو بعده فهو دم فساد لا حيض. قال الدارمي بعد أن ذكر الاختلافات: «كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود (٢)، فأي قدر وجد في أي حال وسن وجب جعله حيضًا» (٣)، إذا صلح أن يكون حيضًا، فمتى رأت المرأة الدم المعروف عند النساء أنه حيض فهو حيض (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>٢ - مدة الحيض ومقدار زمنه</span>، لقد اختلف العلماء في أقل مدة الحيض وأكثره، وفي أقل مدة الطهر بين الحيضتين وأكثره (٥)، فقالت طائفة: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام، وقيل: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا (٦). ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه لا حد لأقل الحيض\n_________\n(١) الحيض والنفاس والاستحاضة، ص٦٢،و٤٩ - ٦٢،وانظر: الدماء الطبيعية لابن عثيمين، الفصل الأول.\n(٢) أي وجود دم الحيض.\n(٣) نقله عن الدارمي العلامة ابن عثيمين في رسالة في الدماء الطبيعية، في الفصل الأول.\n(٤) انظر: الشرح الممتع، ١/ ٤٠٢،وفتاوى ابن تيمية، ١٩/ ٢٣٧،والمختارات الجلية للسعدي، ص٣٢.\n(٥) انظر: الحيض والنفاس، ص٩٦ و١٠٥، وص٧٨ - ١٠٥.\n(٦) ورجح شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - رحمه الله تعالى - أن أكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وهو قول الجمهور.","vol":"1","page":82},{"text":"ولا لأكثره، ولا لأقل الطهر بين الحيضتين ولا لأكثره، قال: والعلماء منهم من يحد أكثره وأقله ثم يختلفون في التحديد، ومنهم من يحد أكثره دون أقله، والقول الثالث أصح: أنه لا حدّ لأقله ولا لأكثره. ثم قرر أن كل ما رأته المرأة عادة مستمرة فهو حيض، وإن قُدّر أنه أقل من يوم استمر بها على ذلك فهو حيض، وإن قُدّر أن أكثره سبعة عشر استمر بها على ذلك فهو حيض، وأما إذا استمر الدم بها دائمًا، فهذا قد عُلم أنه ليس بحيض (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>خامسًا: أحكام الحيض:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>١ - ما يمنع الحيض:</span>\nيمنع الحيض ثمانية أشياء على الصحيح:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>الأول: الصلاة: </span>فالحيض يمنع الصلاة وجوبًا وفعلًا؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: أنها كانت تستحاض فسألت النَّبي - ﷺ - فقال: «ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (٢). ولا تفعل الصلاة قضاء بعد الطهر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنا نحيض على عهد رسول الله - ﷺ - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣). لكن عند جمهور العلماء: كمالك، والشافعي، وأحمد، أن المرأة إذا طهرت في وقت العصر - قبل غروب الشمس - صلت الظهر والعصر، وإذا طهرت في وقت العشاء - قبل طلوع الفجر - صلت المغرب والعشاء،\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ١٩/ ٢٣٧. قلت: وقد كان يفتي العلامة الجهبذ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - رحمه الله تعالى - بأن المرأة لا تتجاوز خمسة عشر يومًا، وما زاد على ذلك فهو دم فساد، والله أعلم. وانظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٣٨٨، وفتح الباري، ١/ ٤٢٥.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب إقبال المحيض وإدباره، برقم ٣٢٠، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم ٣٣٣.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، برقم ٣٢١، ومسلم في كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، برقم ٣٣٥.","vol":"1","page":83},{"text":"جاء ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس - ﵃ - (١)، ولأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها كما يلزمها فرض الثانية (٢). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده (٣).\nوإذا طهرت المرأة في وقت الفجر - قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة - صلت الفجر وحده؛ لأنها أدركت الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>أما إذا أدركت المرأة وقت الصلاة </span>ثم حاضت قبل أن تصلي، فقد اختلف أهل العلم هل تقضي أو لا تقضي؟ على قولين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>القول الأول: يجب عليها القضاء </span>وهو قول الجمهور (٥)، ولكنهم اختلفوا في مقدار الوقت الذي إذا أدركته وجب عليها القضاء إلى عدة أقوال:\nفقيل: إذا أدركت من الوقت قدر تكبيرة ثم حاضت وجب عليها القضاء (٦).\nوقيل: إذا أدركت من الوقت قدر ركعة لأنه إدراك تعلق به إدراك الصلاة فلم يكن بأقل من ركعة كإدراك الجمعة (٧).\n_________\n(١) السنن الكبرى للبهيقي،١/ ٣٨٦ - ٣٨٧،وذكر هذه الآثار المجد ابن تيمية في المنتقى، رقم ٤٩١،\nو٤٩٢،وعزاها إلى سنن سعيد بن منصور، واعتمد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى،٢١/ ٤٣٤، وكان يفتي بذلك مفتي عام السعودية العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى. وانظر: المغني، ٢/ ٤٦.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٤٧.\n(٣) المغني، ٢/ ٤٦.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، برقم ٦٠٨، ٦٠٩. وانظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ٣٤.\n(٥) الحنابلة، والشافعية، والمالكية. انظر: بداية المجتهد في نهاية المقتصد، ١/ ٧٣، والحيض والنفاس، ص ٢٨٦ - ٢٨٨.\n(٦) وهو قول للحنابلة، والشافعية. انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ١١،والحيض والنفاس، ص٢٨٦ - ٢٨٨.\n(٧) وهو قول للشافعي، انظر: المغني، ٢/ ٤٧.","vol":"1","page":84},{"text":"وقيل: إذا أدركت من الوقت ما يتسع لفعل الصلاة فيه فتمكنت من الصلاة قبل حصول العذر فلم تصلّ فحينئذ تبقى الصلاة في ذمتها حتى تطهر ثم تصلي (١).\nوقيل: إذا أدركت من الوقت قدر خمس ركعات (٢).\nوقيل: إذا أدركت الوقت ثم تضيّق بحيث لا تستطيع أداء الصلاة كاملة في آخره ثم حصل المانع وجب عليها القضاء بعد الطهر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>القول الثاني: لا يجب على المرأة قضاء الصلاة مطلقًا </span>سواء حاضت في أول الوقت أو في آخره؛ لأن الله جعل للصلاة وقتًا محددًا أوله وآخره، وصح أن رسول الله - ﷺ - صلى في أول الوقت وفي آخره، فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا. وهذا قولٌ للأحناف ومذهب الظاهرية (٤).\n_________\n(١) وهو قول للحنابلة والشافعية. نظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ١٢،و٤٧،والحيض والنفاس، ص ٢٨٦ - ٢٨٩.\n(٢) وهو منسوب إلى الإمام مالك، انظر: المغني، ٢/ ٤٦، ٤٧.\n(٣) وهو قول للحنفية، والحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي كان يفتي به سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى، انظر: المغني، ٢/ ١١، ٤٦ - ٤٧، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ٣٤، والحيض والنفاس، ص٢٨٦، و٢٨٨.\n(٤) انظر: الحيض والنفاس، ص٢٨٨، والمحلى لا بن حزم، ٢/ ١٧٥. وبداية المجتهد في نهاية المقتصد،\n١/ ٧٣. واختار العلامة محمد بن صالح العثيمين أن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت، أو طهرت في آخر الوقت، لا تجب عليها الصلاة إلا إذا أدركت من وقتها مقدار ركعة كاملة؛ سواء أدركت ذلك من أول الوقت - كامرأة حاضت بعد غروب الشمس بمقدار ركعة كاملة، فيجب عليها إذا طهرت قضاء صلاة المغرب؛ لأنها أدركت من وقتها قدر ركعة قبل أن تحيض - أو أدركت مقدار ركعة كاملة من آخر الوقت - كامرأة طهرت من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة كاملة - فيجب عليها إذا اغتسلت قضاء صلاة الفجر؛ لأنها أدركت من وقتها جزءًا يتسع لركعة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»؛ البخاري مع الفتح، ١/ ٥٧، برقم ٥٨٠، ومسلم ١/ ٤٢٣، برقم ٦٠٧. ولحديث عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة - ﵃ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». مسلم، ١/ ٤٢٤، برقم ٦٠٨، ٦٠٩. ومفهومه أن من أدرك من الوقت أقل من ركعة لم يكن مدركًا للصلاة. انظر: رسالة في الدماء الطبيعية لابن عثيمين ضمن فتاواه، ٤/ ٣٠٩، وهو قول للشافعي، انظر: المغني، ١/ ٤٧، وبداية المجتهد في نهاية المقتصد، ١/ ٧٣.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>والراجح والصواب من هذه الأقوال </span>إن شاء الله تعالى: أن المرأة إذا أدركت وقت الصلاة، ثم لم تصلّ حتى تضيّق الوقت - بحيث لا تستطيع الصلاة كاملة في آخره - ثم حاضت قبل أن تصلي وجب عليها أن تقضي هذه الصلاة بعد أن تطهر؛ لأنها فرطت في الصلاة، وهذا الذي يفتي به سماحة الإمام العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>الثاني: الصوم</span>، والحيض يمنع الصوم وجوبًا لا فعلًا بل يبقى في الذمة حتى تقضيه؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ -: «أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم» (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂: «كنا نحيض على عهد رسول الله - ﷺ -، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣). وهذا من رحمة الله تعالى؛ فإن الصلاة تكثر في أوقات كثيرة، في كل شهر في الغالب ستة أيام أو سبعة، ويكون في هذه الأيام ثلاثون صلاة أو خمس وثلاثون صلاة، أي:١٠٢ ركعة إذا كانت ستة أيام، وإذا كانت سبعة أيام ١١٩ ركعة. وقضاء هذه الصلوات فيه مشقة عظيمة، فمن رحمة الله تعالى أنه لم يوجب قضاء الصلاة على الحائض والنفساء، وأما الصوم فأمره يسير؛ فإنه لا يتكرر إلا مرة واحدة في السنة في شهر رمضان، فقضاء ستة أيام أو سبعة في الغالب لا مشقة فيه ولا تعب؛ فلهذا وجب القضاء للصوم وأسقطت الصلاة، فالحمد لله على تيسيره وإحسانه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>الثالث: الطواف بالبيت الحرام</span>، فلا يجوز للحائض أن تطوف بالبيت حتى تطهر؛ لقوله - ﷺ -: «الطواف بالبيت صلاة» (٤)؛ ولقوله - ﷺ - لعائشة ﵂ لَمّا\n_________\n(١) الاختيارات الفقهية لا بن تيمية ﵀، ص٣٤.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، برقم ٣٠٤.\n(٣) أخرجه البخاري، برقم ٣٢١، ومسلم، برقم ٣٣٥، وقد تقدم تخريجه في أحكام الحيض.\n(٤) أخرجه النسائي، برقم ٢٩٢٠،والترمذي، برقم ٩٦٠،وقد تقدم تخريجه في المبحث الخامس: الوضوء.","vol":"1","page":86},{"text":"حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (١). لكن إذا كان الحيض بعد طواف الإفاضة سقط عنها طواف الوداع؛ لحديث ابن عباس ﵄: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفّفَ عن المرأة الحائض» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>الرابع: مس المصحف</span>؛ فلا يجوز للحائض والنفساء مس المصحف على الصحيح؛ لحديث عمرو بن حزم، وحكيم بن حزام، وابن عمر - ﵃ -: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (٣).\nأما قراءة القرآن للحائض والنفساء فمنع منها جمع من أهل العلم؛ لِمَا رُوِيَ: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» (٤).\nوالصواب أن هذا الخبر ضعيف لا يحتج به، وأنه يجوز للحائض والنفساء أن تقرأ القرآن؛ لأن هذا الخبر ضعيف؛ ولأن قياس الحائض والنفساء على الجنب ليس بظاهر؛ ولأن الجنب وقته يسير وفي إمكانه أن يغتسل في الحال؛ لأن مدته لا تطول، وإن عجز عن الماء تيمم وصلى وقرأ، أما الحائض والنفساء فليس الأمر بيديهما وإنما هو بيد الله - ﷿ -، ويحتاج ذلك إلى وقت طويل وربما نسيت ما حفظت من القرآن، وربما احتاجت إلى التدريس للبنات أو النساء؛ ولأن النَّبي - ﷺ - قال لعائشة ﵂ عندما حاضت وهي محرمة: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي\n_________\n(١) أخرجه البخاري، برقم ٣٠٥،ومسلم، برقم ١٢١١/ ١٢٠،وقد تقدم تخريجه في المبحث الخامس: الوضوء.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، برقم ١٣٢٨.\n(٣) أخرجه مالك في كتاب القرآن من موطئه، برقم ١، والدارقطني في سننه، برقم ٤٣١ - ٤٣٣، وقد تقدم في المبحث الخامس.\n(٤) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن، برقم ١٣١، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، برقم ٥٩٥، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٠٦، برقم ١٩٢، وضعفه العلامة ابن باز رحمه الله تعالى في تعليقه على بلوغ المرام، ومنتقى الأخبار، وفي الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٩.","vol":"1","page":87},{"text":"بالبيت حتى تطهري» (١). ومن أفضل أعمال الحاج قراءة القرآن ولم يقل لها لا تقرئي القرآن، وقد أباح لها أعمال الحاج كلها فدل ذلك كله على أن الصواب جواز قراءة الحائض والنفساء القرآن عن ظهر قلب بدون مس للمصحف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>الخامس: الجلوس في المسجد واللبث فيه</span>؛ لحديث عائشة ﵂: «... فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (٣).أما المرور إذا تحفظت ولم تخش تلويث المسجد فلا حرج، لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂: «إن حيضتك ليست في يدك» (٥). وحديث ميمونة في وضع الخمرة في المسجد (٦)؛ وحديث أبي هريرة - ﵁ - «حيضتك ليست في يدك» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>السادس: الوطء في الفرج</span>، يحرم وطء الحائض والنفساء؛ قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النساء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ﴾ (٨)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري، برقم ٣٠٥،ومسلم، برقم ١٢١١/ ١٢٠،وقد تقدم في المبحث الخامس: الوضوء.\n(٢) وانظر في ذلك ما رجحه العلامة ابن باز في الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٩، وفي شرحه لبلوغ المرام على حديث رقم ١٢٤، ورقم ١٤٩، و١٥٩، وانظر: حجة النبي - ﷺ - للألباني، ص٦٩، وانظر: كلامًا جيدًا في حكم قراءة القرآن للحائض، وأن الراجح جوازه بالأدلة، وأن الصواب أنها لا تمس المصحف، وأنه قول الأئمة الأربعة، الحيض والنفاس، ص٢٢٥، و٢٧٠.\n(٣) أخرجه أبو داود، برقم ٢٣٢، وقد تقدم في ما يمنع منه الجنب، في الغسل في المبحث السابع.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٥) أخرجه مسلم، برقم ٢٩٩، وقد تقدم في المبحث السابع: الغسل.\n(٦) أخرجه الحميدي، برقم ٣١٠، وأحمد، ٦/ ٣٣١، ٣٣٤، والنسائي، برقم ٢٧٢، و٣٨٣، وقد تقدم في ما يمنع منه الجنب.\n(٧) أخرجه مسلم، برقم ٢٩٩، وقد تقدم في المبحث السابع: الغسل. وانظر: الحيض والنفاس لراوية.\n(٨) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.","vol":"1","page":88},{"text":"«من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» (١). وإذا انقطع دم الحيض والنفاس فلا يجوز وطؤها حتى تغتسل، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ (٢). وإذا واقع الحائض أو النفساء فعليه التوبة، وأن يتصدق بدينار أو نصف دينار؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار» (٣). وهو مخير بين هاتين الصدقتين على الصحيح والدينار اليوم يساوي ٧/ ٤ من الجنيه السعودي ونصفه يساوي ٧/ ٢ من الجنيه نفسه، فإذا تصدق بأربعة أسباع الجنيه أو سُبعي الجنيه السعودي مع التوبة والاستغفار كفاه (٤) وقد وزنه بعضهم فكان الدينار ٤.٢٥غرام ونصف الدينار ٢.١٣ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>السابع: الطلاق</span>، فالحيض يمنع سنة الطلاق، فمن طلق امرأته وهي حائض كان طلاقًا محرمًا وكان مبتدعًا بذلك (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٧) يعني طاهرًا من غير جماع؛ ولحديث ابن عمر\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطب، باب في الكهان، برقم ٣٩٠٤، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، برقم ١٣٥، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب النهي عن إتيان الحائض، برقم ٦٣٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٧٣٩، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٤٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه،١/ ١٠٥،والإرواء، برقم ٢٠٠٦،وفي آداب الزفاف، ص ٣١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب إتيان الحائض، برقم ٢٦٤، وفي كتاب النكاح، باب في كفارة من أتى حائضًا، برقم ٢١٦٨، والترمذي في كتاب الطهارة باب ما جاء في الكفارة في ذلك، برقم ١٣٦، ١٣٧، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ما يجب على من أتى حليلته في حال حيضتها بعد علمه بنهي الله - ﷿ - عن وطئها، برقم ٢٨٨، وفي كتاب الحيض، برقم ٣٦٨، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب في كفارة من أتى حائضًا، برقم ٦٤٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢١٧، برقم ١٩٧.\n(٤) من ترجيح سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز - رحمه الله تعالى - في شرحه لبلوغ المرام، والمنتقى للمجد ابن تيمية، وانظر: الفتاوى الإسلامية، ١/ ٢٣٨.\n(٥) الحيض والنفاس، ص ٥٥٣.\n(٦) شرح العمدة في الفقه لابن تيمية،١/ ٤٧١، والمغني، ١/ ٤١٦ - ٤٢٠.\n(٧) سورة الطلاق، الآية: ١.","vol":"1","page":89},{"text":"﵄: «مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>الثامن: الاعتداد بالأشهر</span>، فالحيض يمنع الاعتداد بالأشهر إذا حصلت الفرقة في الحياة ويجب الاعتداد بالحيض نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣). فدل ذلك على أن المرأة التي تحيض تعتد بالحيض، وأن الآيسة التي لا تحيض والصغيرة التي لم تحض تعتد بالأشهر، فأما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشر، سواء كانت صغيرة أو آيسة، أو ممن تحيض؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٤). فعم في هذه الآية جميع المتوفَّى عنهن (٥)، لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦). ومن أحكام الحيض أنه يوجب الغسل، ويوجب البلوغ (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>ثانيًا: ما يباح مع الحائض والنفساء:</span>\nيباح مع الحائض والنفساء ستة أشياء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>الأول: المباشرة فيما دون الفرج </span>لحديث أنس - ﵁ - أن اليهود كانوا إذا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاء﴾ برقم ٥٢٥١، ومسلم في كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، برقم ١٤٧١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(٣) سورة الطلاق. الآية: ٤.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n(٥) شرح العمدة في الفقه لابن تيمية، ١/ ٤٧٢.\n(٦) سورة الطلاق، الآية: ٤.\n(٧) شرح العمدة في الفقه لابن تيمية، ١/ ٤٧٢.","vol":"1","page":90},{"text":"حاضت فيهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يخالطوها في البيوت، فسأل أصحاب النَّبي - ﷺ - النَّبي - ﷺ - فأنزل الله تعال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى ...﴾ (١) فقال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ في مضاجعة الحائض (٣)؛ وحديث عم حرام بن حكيم أنه سأل رسول الله - ﷺ - ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: «ما فوق الإزار» (٤). وذكر سماحة شيخنا العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله تعالى، أن الحائض يحرم جماعها (٥) ولكن لا حرج في الاستمتاع بها فيما فوق السرة وتحت الركبة وهذا هو المعبر عنه بما فوق الإزار، أما ما تحت الإزار فاختلف العلماء في ذلك هل يجوز أو لا يجوز، والأصح أنه يجوز، لقوله - ﷺ -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». فعلى هذا يكون للحائض ثلاث حالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>الحالة الأولى: الجماع </span>وهذا محرم بالإجماع حتى تطهر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>الحالة الثانية: الاستمتاع بها فوق الإزار </span>وهذا حلال بالإجماع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>الحالة الثالثة: ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة، وهذا محل خلاف</span>، والأرجح أنه يجوز، ولكن الأفضل تركه احتياطًا وحمىً وبعدًا عن المحرم (٦).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٢.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها، برقم ٣٠٢.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، برقم ٣٠٢، ومسلم في كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار، برقم ٢٩٣.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المذي، برقم ٢١٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٢، برقم ١٩٧.\n(٥) نقل ابن تيمية في الفتاوى، ٢١/ ٦٢٤: «اتفاق الأئمة على تحريم وطء الحائض».\n(٦) ذكر ذلك أثناء شرحه لمنتقى الأخبار للمجد، وانظر: الحيض والنفاس ص ٣٢١ - ٣٧٠، والمغني لابن قدامة، ١/ ٤١٤.","vol":"1","page":91},{"text":"وعن ميمونة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيَّض» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>الثاني: الأكل والشرب معها</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النَّبي - ﷺ -، فيضع فاه على موضع في فيشرب». وكانت ﵂ «تتعرق العرق - وهو العظم الذي عليه بقية من اللحم - ثم تناوله النَّبي - ﷺ - فيضع فاه على موضع فيها» (٢)؛ ولحديث: «إن حيضتك ليست في يدك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>الثالث: إباحة بل استحباب خروج الحائض في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة والخير ودعوة المسلمين</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق (٤) والحيض، وذوات الخدور (٥)، فأما الحيَّض فيعتزلن مصلى المسلمين - وفي لفظ - فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>الرابع: جواز قراءة الرجل وهو في حجر امرأته وهي حائض</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت عن النَّبي - ﷺ -: «كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن» (٧).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار، برقم ٢٩٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها، برقم ٣٠٠، والمعنى: يضع فمه على موضع فمها.\n(٣) أخرجه مسلم، برقم ٢٩٩، وقد تقدم في المبحث السابع: الغسل.\n(٤) الجارية البالغة، وقيل هي التي قاربت البلوغ، وقيل هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، والتعنيس: طول المقام في بيت أبيها بلا زوج حتى تطعن في السن.\n(٥) ذوات الخدور: جمع خِدْر: والخدور البيوت، وقيل: الخِدر: ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه. انظر: شرح النووي، وفتح الباري، ١/ ٤٢٤، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى، برقم ٣٢٤، ومسلم في كتاب صلاة العيدين، باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال، برقم ٨٩٠، واللفظ من روايات مسلم.\n(٧) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض، برقم ٢٩٧، ومسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها،\nبرقم ٣٠١.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>الخامس: غسل الحائض رأس زوجها وترجيله</span>؛ لحديث عائشة\n﵂ قالت: «كنت أُرجّل رأس رسول الله - ﷺ - وأنا حائض» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>السادس: تعمل جميع العبادات ما عدا ما تقدم</span>، فتذكر الله - ﷿ - بأنواع الأذكار المشروعة، والأدعية المأثورة، وإذا أرادت الحج أو العمرة فلا حرج ولكنها تُحرِم وتعمل ما يعمل الحاج أو المعتمر إلا الطواف بالبيت حتى تطهر؛ لحديث عائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>ثالثا: علامة الطهر:</span>\nللطهر علامتان هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>العلامة الأولى: القصة البيضاء: </span>وهي ماء أبيض يعقب الحيض، وقيل: هو شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله؛ لقول عائشة\n﵂: «لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء» (٣). وقيل هي: أن تخرج القطنة التي تحتشي بها المرأة كأنها قصة بيضاء لا يخالطها صفرة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>العلامة الثانية: الجفوف: </span>وهي أن تدخل المرأة القطنة أو الخرقة في فرجها فتخرجها جافة لا شيء عليها أو ترى عليها القصة البيضاء، فإن لم ترَ القصة البيضاء تكتفي برؤية الجفوف (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، برقم ٢٩٥، ومسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها،\nبرقم ٢٩٧.\n(٢) أخرجه البخاري، برقم ٣٠٥،ومسلم، برقم ١٢١١/ ١٢٠،وقد تقدم في المبحث الخامس: الوضوء.\n(٣) أخرجه مالك برقم ٩٧، والبخاري معلقًا (١/ ٤٢٠ فتح)، وقد تخريجه.\n(٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ٧١، والحيض والنفاس لراوية بنت أحمد، ص ٥٣٤.\n(٥) الحيض والنفاس والاستحاضة لراوية، ص ٥٣٤،ومنهاج المسلم، ص ١٨٩،والشرح\nالممتع، ١/ ٤٣٣.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>المطلب الثاني: النفاس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>أولًا: تعريفه </span>لغة: النفاس في اللغة بالكسر: ولادة المرأة، فإذا وضعت فهي نفساء (١).\nوشرعًا: دم يرخيه الرحم بسبب الولادة إما معها أو قبلها بيوم أو يومين أو ثلاثة مع الطلق، أو بعدها إلى مدة معلومة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>ثانيًا: الفرق بين دم النفاس ودم الحيض:</span>\nدم النفاس هو نفسه دم الحيض المحتقن في الرحم الفاضل من رزق الولد، فلما خرج الولد تنفست الرحم فخرج بخروجه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>ثالثًا: أحكام النفاس: </span>حكم النفاس كحكم الحيض فيما يحل، ويحرم، ويجب، ويسقط عنها ما يسقط عن الحائض؛ لأن النفاس حيض مجتمع احتبس لأجل الحمل، فحكمه سواء بسواء إلا في الأمور الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>١ - العدة</span>، فالنفاس لا يعتبر من العدة إذا طلقت المرأة بعد ولادتها، والحيض يعتبر؛ لأنه إن كان الطلاق قبل وضع الحمل انقضت العدة بوضعه لا بالنفاس، وإن كان الطلاق بعد الوضع انتظرت رجوع الحيض وجلست ثلاث حيض.\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>٢ - مدة الإيلاء </span>يحسب منها مدة الحيض، ولا يحسب منها مدة النفاس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>٣ - البلوغ </span>يحصل بالحيض، ولا يحصل بالنفاس؛ لأن البلوغ يسبق النفاس، فقد حصل بالإنزال ثم الحمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>٤ - دم الحيض يأتي في أوقات معلومة من الشهر</span>، ودم النفاس عقب\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، باب السين فصل النون، والقاموس المحيط، فصل النون، باب السين.\n(٢) انظر: الحيض والنفاس والاستحاضة، لراوية بنت أحمد، ص ٤٤٦، وص ٤٦٧، والدماء الطبيعية للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص ٣٩.\n(٣) شرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٥١٦.","vol":"1","page":94},{"text":"الولد، أو قبله بيوم أو يومين أو ثلاثة مع الطلق (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>رابعًا: أقل النفاس وأكثره: </span>الصواب أن النفاس لا حد لأقله، أما أكثره فهو على الصحيح أربعون يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: «كانت النفساء على عهد رسول الله - ﷺ - تقعد بعد نفاسها أربعين يومًا» (٢).قال الترمذي: «وقد أجمع العلماء من أصحاب النَّبي - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي، وإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا لا تدع الصلاة بعد الأربعين وهو قول أكثر الفقهاء» (٣).وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>المطلب الثالث: الاستحاضة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>أولًا: تعريف الاستحاضة: </span>الاستحاضة: استفعال من الحيض: وهي دم غالب ليس بالحيض (٥).\nوالاستحاضة شرعًا: سيلان الدم واستمراره في غير زمن الحيض من مرض وفساد من عرق فمه في أدنى الرحم يقال له: العاذل (٦).\n_________\n(١) انظر هذه الفروق في: الحيض والنفاس والاستحاضة لراوية، ص ٤٤٧، و٤٧٨، والدماء الطبيعية للعلامة ابن عثيمين، ص ٤٠، والشرح الممتع، ١/ ٤٥٠ - ٤٥٣، و٤٥٤، ورجح أن طلاق النفساء ليس بحرام، ١/ ٤٥٣.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النفساء، برقم ٣١١، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في كم تمكث النفساء، برقم ١٣٩، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب النفساء كم تجلس، برقم ٦٤٨، وغيرهم، وحسنه الألباني في الإرواء، ١/ ٢٢٢، و١/ ٢٢٦، وفي صحيح أبي داود، ١/ ٦٢.\n(٣) الترمذي، ١/ ٢٥٨.\n(٤) وهذا هو الذي كان يفتي به شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،٥/ ٤١٥،والفتاوى الإسلامية،١/ ٢٣٨.\n(٥) المصباح المنير، ١/ ١٥٩.\n(٦) انظر: فتح الباري، ١/ ٤٠٩. والحيض والنفاس لراوية بنت أحمد، ص ٤٨٣ - ٤٨٨، ورسالة في الدماء الطبيعية لابن عثيمين، الفصل الخامس.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>ثانيًا: الفرق بين دم الاستحاضة والحيض: </span>هناك فروق بين دم الاستحاضة والحيض يعرفها غالب النساء ومنها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>١ - دم الحيض أسود غليظ </span>له رائحة كريهة منتنة، أما دم الاستحاضة فيتميز عنه بأنه دم رقيق أحمر لا رائحة له.\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>٢ - دم الحيض يخرج من أقصى الرحم</span>، ودم الاستحاضة يخرج من أدنى الرحم من عرق يقال له: العاذل، فهو دمُ عِرْقٍ لا دم رحم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>٣ - دم الحيض دم صحة وطبيعة </span>يخرج في أوقات معلومة، ودم الاستحاضة دم علة ومرض وفساد ليس له أوقات معلومة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>ثالثا: أحوال المستحاضة:</span>\nالمستحاضة لها ثلاث حالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الحالة الأولى: أن تكون مدة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة</span>، وفي هذه الحالة تعتبر هذه المدة المعروفة هي مدة الحيض، وتثبت لها أحكام الحيض والباقي الزائد استحاضة تثبت لها أحكام المستحاضة؛ لحديث أم سلمة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتت رسول الله - ﷺ - فقال: «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلّ [فيه]» (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، إني لا\n_________\n(١) الحيض والنفاس والاستحاضة، ص ٤٨٧.\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب في المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض، برقم ٢٧٤، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ذكر الاغتسال من الحيض، برقم ٢٠٨، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، برقم ٦٢٣، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٢.","vol":"1","page":96},{"text":"أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي [ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت]» (١). وعن عائشة ﵂ قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله - ﷺ - فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي» (٢). فعلى هذا تجلس المستحاضة التي لها حيض معلوم قدر عادتها من كل شهر، ثم تغتسل وتصلي ثم تتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي ما شاءت من الفرض والنفل إلى دخول وقت الصلاة الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الحالة الثانية: أن لا يكون لها عادة، بحيث لا يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة</span>، ولكنها تستطيع تمييز دم الحيض عن دم الفساد، فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غلظة أو رائحة تثبت له أحكام الحيض، وما عداه تثبت له أحكام الاستحاضة؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يُعرَف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عِرْق» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>الحالة الثالثة: أن لا يكون لها أيام حيض معلومة، ولا يكون لها تمييز صالح</span>، إما لأنها بلغت مستحاضة ولا تستطيع التمييز، أو نسيت واضطرب عليها الأمر، فهذه تعمل بغالب عادة النساء ستة أيام أو سبعة على حسب عادة قريباتها كأمها وأختها أو خالتها أو عمتها، فتختار\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري في كتاب الوضوء، باب غسل الدم، برقم ٢٢٨، ومسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم ٣٣٣، وما بين المعقوفين للبخاري، وحذفها مسلم.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم ٣٣٤.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، برقم ٢٨٦، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، برقم ٢١٥، ٢١٦، والحاكم، وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٥٥،برقم ٢٦٣،وصحيح النسائي، برقم ٣٥٠، وإرواء الغليل، ١/ ٢٢٣، برقم ٢٠٤.","vol":"1","page":97},{"text":"الأقرب من ذلك ستة أيام أو سبعة من كل شهر تبتدئ من أول المدة التي رأت فيها الدم وما عدا ذلك يكون استحاضة؛ لحديث حمنة بنت جحش ﵂ أن النَّبي - ﷺ -، قال لها: «... إنما هذه رَكضة من رَكضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهُرت واستنقأت فصلّي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن» (١). فعلى هذا تمت أحوال المستحاضة: مستحاضة لها عادة تعمل بعادتها، ومستحاضة ليس لها عادة ولكن تميز بين الدمين فتعمل بالتمييز، ومستحاضة ليس لها عادة ولا تمييز فتعمل بحديث حمنة ستة أيام أو سبعة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>رابعًا: أحكام الاستحاضة:</span>\nالمستحاضة حكمها حكم الطاهرات في الصلاة، والصيام، والاعتكاف، ومس المصحف، والقراءة، والمكث في المسجد، ووجوب العبادات الواجبة على الطاهرات، وتحل لزوجها (٣) ولا فرق بينها وبين الطاهرات إلا فيما يلي:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، برقم ٢٨٧، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، برقم ١٢٨، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها، برقم ٦٢٧، وغيرهم، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٠٢، برقم ١٨٨، وفي صحيح أبي داود، برقم ٢٦٧،وفي صحيح الترمذي، برقم ١١٠،وصحيح ابن ماجه، برقم ٥١٠.\n(٢) انظر: الحيض والنفاس والاستحاضة، لراوية بنت أحمد، ص٤٨٩ - ٥٣٤، والدماء الطبيعية للعلامة ابن عثيمين، الفصل الخامس، ومنار السبيل، ١/ ٥٩.\n(٣) لقول ابن عباس: تغتسل وتصلي ولو ساعة ويأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم. انظر: البخاري مع الفتح في جماع المستحاضة بعد غسلها من الحيض، ١/ ٤٢٨ قبل الحديث رقم ٢٣١، وصحيح سنن أبي داود، برقم ٣٠٢ و٣٠٤.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>١ - لا يجب عليها الغسل لوقت من الأوقات إلا مرة واحدة </span>حينما ينقطع حيضها؛ لقوله - ﷺ - لأم حبيبة بنت جحش: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي» (١). ثم بعد ذلك تتوضأ لوقت كل صلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٢ - وجوب الوضوء عليها لوقت كل صلاة</span>؛ لقوله - ﷺ - في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٢). فلا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها، وتصلي بذلك الوضوء - ما لم يأت ناقض آخر غير الدم - ما شاءت من الصلاة الفرض والنفل حتى يخرج وقت الصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٣ - إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم</span>، فتغسل فرجها وتعصب عليه خرقة، أو تتحفظ بقطن يمسك الدم؛ لحديث حمنة ﵂، أن النَّبي - ﷺ - قال لها: «أنعت لك الكرسف؛ فإنه يذهب الدم».قالت: هو أكثر من ذلك. قال: «فاتخذي ثوبًا».قالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًا. قال: «فتلجمي» (٣).\nوفي حديث فاطمة بنت أبي حبيش: «فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلّ» (٤) ولا يضرها ما خرج بعد ذلك؛ لأنها اتقت الله ما استطاعت؛ ولحديث فاطمة بنت أبي حبيش: «وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير» (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، برقم ٣٣٤/ ٦٦.\n(٢) البخاري، برقم ٢٢٧، ومسلم، برقم ٣٣٣ ولكنه حذف هذه الزيادة، وتقدم تخريجه في الحالة الأولى من أحوال الاستحاضة.\n(٣) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، برقم ٢٨٧، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، برقم ١٢٨، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة، برقم ٦٢٧، وغيرهم، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٢، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٠٣، وإرواء الغليل، برقم ١٨٨.\n(٤) أخرجه أبو داود، برقم ٢٧٤، والنسائي، برقم ٢٠٨، وابن ماجه، برقم ٦٢٣، وقد تقدم في المطلب الثالث: الاستحاضة.\n(٥) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، برقم ٦٢٤،وانظر: صحيح ابن ماجه،١/ ١٠٢،وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «اعتكفت مع رسول الله - ﷺ - امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي». البخاري مع الفتح، ١/ ٤١١، برقم ٣١٠.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>٤ - الجمع الصوري، فيجوز للمستحاضة الجمع الصوري</span>؛ لقوله - ﷺ - لحمنه بنت جحش: «... فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين: الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر، فافعلي ...» الحديث (١)، وإن جمعت بين المغرب والعشاء في وقت إحداهما - جمع تقديم أو تأخير - فلا حرج؛ لأنها مريضة (٢). والله المستعان (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>خامسًا: استحاضة الحامل أو حيضها:</span>\nالغالب الكثير أن المرأة إذا حملت انقطع دم الحيض عنها، لكن إذا حصل لها دم أثناء الحمل فقد اختلف أهل العلم هل هو دم حيض أو دم فساد، فقيل بأنه دم فساد؛ لقوله - ﷺ -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة» (٤). ونقل ابن قدامة أنه قول جمهور التابعين، وحمل قول من قال بأنه حيض على ما تراه الحامل قبل ولادتها بيوم أو يومين أو ثلاثة مع الطلق، فهذا يلحق بالنفاس (٥). وقيل بأنه دم حيض؛ لأن أصل الدم هو دم الحيض، ورجح سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ القول الأول، وهو أن الحامل لا تحيض ودمها دم فساد كالاستحاضة (٦).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود برقم ٢٨٧، والترمذي، برقم ١٢٨، وابن ماجه، برقم ٦٢٧، وحسنه الألباني في إرواء الغليل،١/ ٢٠٢،برقم ١٨٨،وقد تقدم في أحكام الاستحاضة.\n(٢) كان يفتي بذلك سماحة العلامة مفتي عام المملكة العربية السعودية عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى.\n(٣) انظر: الحيض والنفاس والاستحاضة، ص ٥٣٥ - ٥٤٨،والمغني لابن قدامة،١/ ٤٤٩.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب في وطء السبايا، برقم ٢١٥٧، والدرامي في كتاب الطلاق، باب في استبراء الأمة، برقم ٢٣٠٠، وصححه الألباني في الإرواء، ١/ ٢٠٠، برقم ١٨٧.\n(٥) المغني، ١/ ٤٤٣ - ٤٤٤.\n(٦) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،٥/ ٣٩٢،وشرح العمدة لابن تيمية،١/ ٥١٤، وشرح الزركشي، ١/ ٤٥٠، وانظر: للفائدة ما ذهب إليه العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الدماء الطبيعية في آخر الفصل الثاني، والشرح الممتع، ١/ ٤٠٣ - ٤٠٥.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>المطلب الرابع: أحكام السلس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>١ - المصاب المبتلى بسلس البول المستمر الذي لا ينقطع</span>، عليه أن يغسل ما أصاب الثوب أو البدن، ويغسل فرجه بعد دخول وقت كل صلاة، وعليه أن يتحفظ فيشد على مخرج البول ما يمنع وصوله إلى البدن، أو الثوب، أو البقعة، أو المسجد، ثم يتوضأ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>٢ - وصاحب الريح المستمرة التي لا تنقطع </span>حكمه حكم صاحب السلس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>٣ - وصاحب المذي المستمر الذي لا ينقطع</span>، ينضح ما أصاب ثوبه ويغسل فرجه، وأنثييه (١) بعد دخول الوقت ثم يتوضأ كل واحد من هؤلاء الثلاثة لوقت كل صلاة كالمستحاضة تمامًا، ويصلي بذلك الوضوء الفرائض والنوافل، ولا يضره ما خرج بعد ذلك سواء كان قبل الصلاة أو أثناءها إلى أن يخرج وقت الصلاة كله. وعلى صاحب سلس البول أن يخصص ثوبًا طاهرًا للصلاة إذا لم يشق عليه ذلك؛ لأن البول نجس، فإن شق عليه ذلك عُفي عنه؛ لما في إزالته من المشقة والحرج، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿لاَ يُكَلّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥). وقال - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٦). أما صلاة الجمعة فيتوضأ كل واحد\n_________\n(١) أُنثييه: خصيتيه.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٤) سورة البقرة: الآية: ٢٨٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٦) أخرجه البخاري، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، برقم ١٣٣٧، وقد تقدم في المبحث الثامن: في التيمم.","vol":"1","page":101},{"text":"من هؤلاء قبل دخول الخطيب في الوقت الذي يمكنهم من سماع الخطبة وأداء الصلاة (١) وعلى كل واحد من هؤلاء أن يسأل الله العافية ويبحث عن العلاج المشروع ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. والله أسأل أن يعافينا وجميع المسلمين والمسلمات من كل سوءٍ ومكروه.\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٤٢١، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٥/ ٤٠٦ - ٤١٤، والفتاوى الإسلامية، ١/ ١٩٢.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>المبحث العاشر: مفهوم الصلاة</span>\nالصلاة لغة: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). أي ادع لهم، وقال النبي - ﷺ -: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلّ، وإن كان مفطرًا فليطعم» (٢).أي فليدع بالبركة والخير والمغفرة (٣).\nوالصلاة من الله حسن الثناء، ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء» (٥). وقال ابن عباس ﵄: «يصلون: يُبَرّكون» (٦).\nوقيل: إن صلاة الله الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار.\nوالصواب القول الأول (٧). قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمهْتَدُونَ﴾ (٨). أي عليهم ثناء من الله ورحمة (٩)، فعطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتضي المغايرة (١٠).\nفالصلاة من الله الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن: القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والتسبيح، والصلاة من الطير والهوام:\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى الدعوة، ٢/ ١٠٥٤، برقم ١٤٣١.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الصاد مع اللام، ٣/ ٥٠، ولسان العرب لابن منظور، باب اللام، فصل الصاد، ١٤/ ٤٦٤، والتعريفات للجرجاني، ص١٧٤، وانظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٥. وشرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٢٧ - ٣١.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(٥) البخاري معلقًا مجزومًا به، قبل الحديث رقم ٤٧٩٧.\n(٦) البخاري معلقًا مجزومًا به، قبل الحديث رقم ٤٧٩٧.\n(٧) انظر: تفسر القرآن العظيم لابن كثير ص١٠٧٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩.\n(٨) سورة البقرة، الآية: ١٥٧.\n(٩) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ص١٣٥.\n(١٠) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٢٨، وسمعت هذا المعنى من الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ٣٥.","vol":"1","page":103},{"text":"التسبيح (١).\nوالصلاة في الشرع: عبادة لله ذات أقوال وأفعال معلومة مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، وسميت صلاة لاشتمالها على الدعاء (٢).\nفالصلاة كانت اسمًا لكل دعاء، فصارت اسمًا لدعاء مخصوص، أو كانت اسمًا لدعاء، فنقلت إلى الصلاة الشرعية لما بينها وبين الدعاء من المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (٣). فالصلاة كلها دعاء:\nدعاء مسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع، أو كشف ضر، وطلب الحاجات من الله وحده بلسان المقال.\nودعاء عبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام، والقعود، والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه، وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، فتبين بذلك أن الصلاة كلها دعاء مسألة، ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله (٤).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الياء، فصل الصاد، ١٤/ ٤٦٥.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٥، والشرح الكبير، ٣/ ٥، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ٥، والتعريفات للجرجاني، ص١٧٤.\n(٣) انظر: شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٣٠ - ٣١.\n(٤) انظر: شروط الدعاء وموانع الإجابة، للمؤلف، ص ١٠ - ١١، وفتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، ص ١٨٠، والقول المفيد على كتاب التوحيد، للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ١/ ١١٧. وسمعت هذا المعنى من الإمام ابن باز أثناء تقريره على الروض المربع، ١/ ٤١٠.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>المبحث الحادي عشر: حكم الصلاة</span>\nالصلاة واجبة: بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، على كل مسلم بالغ عاقل، إلا الحائض والنفساء، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيّمَةِ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٢).\nوأما السنَّة؛ فلحديث معاذ - ﵁ - حينما بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن وقال له: «وأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» (٣)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت» (٤).\nوعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقّهنّ، كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة ...» الحديث (٥).\nوالآيات والأحاديث في فرضية الصلاة كثيرة.\nوأما الإجماع، فقد أجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم ١٣٩٥، ومسلم، الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين ١/ ٥٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، برقم ٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام، برقم ١٦.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن لم يوتر، ٢/ ٦٢، برقم ١٤٢٠، وصححه الألباني - ﵀ - في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٦٦، ١/ ٨٦.","vol":"1","page":105},{"text":"اليوم والليلة (١).\nولا تجب على الحائض والنفساء، لقوله ﵊: «أليست إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم» (٢).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة ٣/ ٦.\n(٢) البخاري، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، ١/ ١٤٤، عن أبي سعيد - ﵁ -، وعن ابن عمر ﵄، عند مسلم في كتاب الإيمان «وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر رمضان فهذا نقص الدين».","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-311>المبحث الثاني عشر: منزلة الصلاة في الإسلام</span>\nالصلاة لها منزلة عظيمة في الإسلام، ومما يدل على أهميتها وعظم منزلتها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>١ - الصلاة عماد الدين الذي لا يقوم إلا به</span>، ففي حديث معاذ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «رأس الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذروةُ سنامِه الجهادُ» (١). وإذا سقط العمود سقط ما بني عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>٢ - أول ما يحاسب عليه العبد من عمله</span>، فصلاح عمله وفساده بصلاح صلاته وفسادها، فعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: الصلاة، فإن صلحت صلح سائرُ عمله، وإن فسدت فسد سائرُ عمله». وفي رواية: «أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة ينظر في صلاته، فإن صلحت فقد أفلح، [وفي رواية: وأنجح]، وإن فسدت فقد خاب وخسر» (٢).\nوعن تميم الداري - ﵁ - مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله - ﷿ - لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تُؤخذ الأعمال على حسب ذلك» (٣).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، ٥/ ١١، برقم ٢٦١٦، وقال: «حديث حسن صحيح»،وأخرجه ابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، ٢/ ١٣١٤، وأحمد، ٥/ ٢٣١، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٨.\n(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط، ١/ ٤٠٩ [مجمع البحرين] برقم ٥٣٢، ورقم ٥٣٣، وقال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: «وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع طرقه والله أعلم» ٣/ ٣٤٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب قول النبي - ﷺ -: (كل صلاة لا يتمها صاحبها تُتًمُّ من تطوعه)\n١/ ٢٢٨، برقم ٨٦٤، ومن حديث أبي هريرة برقم ٨٦٦، وابن ماجه، من حديث أبي هريرة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد: الصلاة، ١/ ٤٥٨، برقم ١٤٢٥، وأحمد، ٤/ ٦٥، ١٠٣، ٥/ ٣٧٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع،٢/ ٣٥٣.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>٣ - آخر ما يُفقد من الدين</span>، فإذا ذهب آخر الدين لم يبق شيء منه، فعن أبي أمامة مرفوعًا: «لتُنقضن عُرَى الإسلام عُروة عُروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة» (١). وفي رواية من طريق آخر: «أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى الصلاة، ورب مصلٍّ لا خير فيه» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - مرفوعًا: «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>٤ - آخر وصية أوصى بها النبي - ﷺ - أمته</span>، فعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: كان من آخر وصية رسول الله - ﷺ -: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم»،حتى جعل نبي الله - ﷺ - يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>٥ - مدح الله القائمين بها ومن أمر بها أهله</span>، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا* وَكَانَ يَأْمُرُ\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٢٥١، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١/ ٢٢٩.\n(٢) أخرجه الطبراني في الصغير [مجمع البحرين]، ٧/ ٢٦٣، برقم ٤٤٢٥، وضعفه المحقق عبد القدوس بن محمد نذير عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وله شاهد عن زيد بن ثابت أخرجه الحكيم الترمذي «أول ما يرفع من الناس الأمانة وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصلٍّ لا خلاق له عند الله تعالى»، وذكره الألباني في صحيح الجامع وحسنه، ٢/ ٣٥٣.\n(٣) أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق، ص ٢٨، وتمام الرازي في الفوائد (ق ٣١/ ٢)، والضياء في المختارة، ١/ ٤٩٥، وأخرجه الطبراني في الكبير، برقم ٧١٨٢ من حديث شداد بن أوس - ﵁ - بدون ذكر الصلاة، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٤/ ٣١٩، برقم ١٧٣٩، وقال بعد أن ذكر شواهده وطرقه: «والحديث صحيح على كل حال، فإن له شواهد كثيرة ذكرت بعضها في الروض النضير، تحت الحديث رقم ٧٢٦».\n(٤) أحمد، ٦/ ٢٩٠، ٣١١، ٣٢١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٧/ ٢٣٨.","vol":"1","page":108},{"text":"أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيًّا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>٦ - ذم الله المضيعين لها والمتكاسلين عنها</span>، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢). وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>٧ - أعظم أركان الإسلام ودعائمه العظام بعد الشهادتين</span>، فعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>٨ - مما يدل على عظم شأنها أن الله لم يفرضها في الأرض بواسطة جبريل</span>، وإنما فرضها بدون واسطة ليلة الإسراء فوق سبع سموات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>٩ - فرضت خمسين صلاة</span>، وهذا يدل على محبة الله لها، ثم خفف الله - ﷿ - عن عباده، ففرضها خمس صلوات في اليوم والليلة، فهي خمسون في الميزان، وخمس في العمل، وهذا يدل على عظم مكانتها (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>١٠ - افتتح الله أعمال المفلحين بالصلاة واختتمها بها</span>، وهذا يؤكد أهميتها، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ\n_________\n(١) سورة مريم، الآيتان: ٥٤ - ٥٥.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٥٩.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٤٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب قول النبي - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس» ١/ ٩٢، برقم ٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام ١/ ٤٥، برقم ١٦.\n(٥) متفق عليه من حديث أنس - ﵁ -: البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله - ﷿ -: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، برقم ٧٥١٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - وفرض الصلوات، برقم ١٦٢.","vol":"1","page":109},{"text":"لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>١١ - أمر الله النبي محمدًا - ﷺ - وأتباعه أن يأمروا بها أهليهم</span>، فقال الله - ﷿ -: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>١٢ - أُمِرَ النائم والناسي بقضاء الصلاة، وهذا يؤكد أهميتها</span>، فعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نسي صلاةً فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». وفي رواية لمسلم: «من نسي صلاةً أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (٤). وأُلحق بالنائم المُغمى عليه ثلاثة أيام فأقل، وقد رُوي ذلك عن عمار، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب - ﵃ - (٥). أما إن كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء؛ لأن المُغمى عليه مدة طويلة أكثر من ثلاثة أيام يشبه المجنون بجامع زوال العقل، والله أعلم (٦).\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيات: ١ - ٩.\n(٢) سورة طه، الآية: ١٣٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، ١/ ١٣٣، برقم ٤٩٥، وأحمد، ٢/ ١٨٠، ١٨٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٧، ١/ ٢٦٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ١/ ١٦٦، برقم ٥٩٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، ١/ ٤٧٧، برقم ٦٨٤.\n(٥) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة، ٣/ ٨، والمغني، ٢/ ٥٠ - ٥٢.\n(٦) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، جمع الدكتور عبد الله الطيار، والشيخ أحمد بن عبد العزيز ابن باز، ٢/ ٤٥٧.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>المبحث الثالث عشر: خصائص الصلاة في الإسلام </span>(١)\nالصلاة لها شأن انفردت به على سائر الأعمال الصالحة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>١ - سمى الله الصلاة إيمانًا </span>بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).يعني صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن الصلاة تصدّقُ عَمَلهُ وقَوْلَهُ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>٢ - خصها بالذكر تمييزًا لها من بين شرائع الإسلام</span>، قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (٣)، وتلاوته اتباعه والعمل بما فيه من جميع شرائع الدين، ثم قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾، فخصها بالذكر تمييزًا لها، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ (٤). خصها بالذكر مع دخولها في جميع الخيرات، وغير ذلك كثير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٣ - قُرِنَت في القرآن الكريم بكثير من العبادات</span>، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٥). وقال: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦). وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧)، وغير ذلك كثير.\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>٤ - أمر الله نبيه - ﷺ - أن يصطبر عليها</span>، فقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (٨) مع أنه - ﷺ - مأمور\n_________\n(١) انظر: شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٨٧ - ٩١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.\n(٤) سورة الأنبياء، الآية: ٧٣.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٦) سورة الكوثر، الآية: ٢.\n(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٦٢.\n(٨) سورة طه، الآية: ١٣٢.","vol":"1","page":111},{"text":"بالاصطبار على جميع العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>٥ - أوجبها الله على كل حال</span>، ولم يعذر بها مريضًا، ولا خائفًا، ولا مسافرًا، ولا غير ذلك؛ بل وقع التخفيف تارة في شروطها، وتارة في عددها، وتارة في أفعالها، ولم تسقط مع ثبات العقل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>٦ - اشترط الله لها أكمل الأحوال: </span>من الطهارة، والزينة باللباس، واستقبال القبلة مما لم يشترط في غيرها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>٧ - استعمل فيها جميع أعضاء الإنسان: </span>من القلب، واللسان، والجوارح، وليس ذلك لغيرها.\n٨ - نهى أن يشتغل فيها بغيرها، حتى بالخطرة، واللفظة، والفكرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>٩ - هي دين الله الذي يدين به أهل السموات والأرض</span>، وهي مفتاح شرائع الأنبياء، ولم يُبْعَث نبيٌّ إلا بالصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>١٠ - قُرنت بالتصديق </span>بقوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى*وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢)، وخصائص الصلاة كثيرة جدًّا لا تقاس بغيرها (٣).\n_________\n(١) سورة مريم، الآية: ٦٥.\n(٢) سورة القيامة، الآيتان: ٣١ - ٣٢.\n(٣) انظر: شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٨٧ - ٩١، والشرح الممتع لابن عثيمين،٢/ ٨٧.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-334>المبحث الرابع عشر: حكم تارك الصلاة</span>\nترك الصلاة المفروضة كفر، فمن تركها جاحدًا لوجوبها كفر كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم، ولو صلَّى (١)،أما من ترك الصلاة بالكلّيّة، وهو يعتقد وجوبها ولا يجحدها، فإنه يكفر، والصحيح من أقوال أهل العلم أن كفره أكبر يخرج من الإسلام؛ لأدلة كثيرة منها على سبيل الاختصار ما يأتي:\n١ - قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ*خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٢). وهذا يدل على أن تارك الصلاة مع الكفار والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون قائمة، ولو كانوا من المسلمين لأُذِنَ لهم بالسجود كما أُذِنَ للمسلمين.\n٢ـ وقال - ﷾ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ*إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ*فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ*عَنِ الْمُجْرِمِينَ*مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ*وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ*وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ*وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدّينِ﴾ (٣). فتارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤).\n٣ - وقال الله - ﷿ -: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥).فعلق أخوَّتهم للمؤمنين بفعل الصلاة.\n_________\n(١) انظر: تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام، لسماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ص٧٣\n(٢) سورة القلم، الآيتان: ٤٢ - ٤٣.\n(٣) سورة المدثر، الآيات: ٣٨ - ٤٦.\n(٤) سورة القمر، الآيتان: ٤٧ - ٤٨.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١١.","vol":"1","page":113},{"text":"٤ - عن جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (١).\n٥ - وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (٢).\n٦ - وعن عبد الله بن شقيق - ﵁ - قال: «كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» (٣).\n٧ - وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة غير واحد من أهل العلم (٤).\n٨ - وذكر الإمام ابن تيمية أن تارك الصلاة يكفر الكفر الأكبر لعشرة وجوه (٥).\n٩ - وأورد الإمام ابن القيم - ﵀ - أكثر من اثنين وعشرين دليلًا على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر (٦).\nوالصواب الذي لا شك فيه، أن تارك الصلاة مطلقًا كافر لهذه الأدلة الصريحة (٧).\n١٠ - قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «وقد دلّ على كفر تارك\nالصلاة: الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة» (٨).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة،١/ ٨٦،برقم ٧٦.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، ١/ ١٤،برقم ٢٦٢١، والنسائي، كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، ١/ ٢٣١،وابن ماجه، كتاب الإقامة، باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، برقم ١٠٧٩،والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٦، ٧.\n(٣) الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، ١/ ١٤، برقم ٢٦٢٢.\n(٤) انظر: المحلى لابن حزم، ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣، وكتاب الصلاة لابن القيم، ص٢٦، والشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين، ٢/ ٢٨.\n(٥) انظر: شرح العمدة، لابن تيمية ٢/ ٨١ - ٩٤.\n(٦) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص١٧ - ٢٦. فقد ذكر عشرة أدلة من القرآن واثني عشر دليلًا من السنة وإجماع الصحابة.\n(٧) سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز قدس الله روحه وغفر له يُكفّر تارك الصلاة ولو تركها في بعض الأوقات، ولو لم يجحد وجوبها. وانظر: تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام، له ﵀ ص٧٢.\n(٨) كتاب الصلاة، ص ١٧.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>المبحث الخامس عشر: فضل الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>١ـ تنهى عن الفحشاء والمنكر</span>؛ قال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>٢ - أفضل الأعمال بعد الشهادتين</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -:أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها» قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: «برّ الوالدين» قال: قلت: ثم أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>٣ - تغسل الخطايا</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهرٍ غمرٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>٤ - تكفّر السيئات</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>٥ - نور لصاحبها في الدنيا والآخرة</span>؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان،\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، تاب التوحيد، باب وسمى النبي - ﷺ - الصلاة عملًا، ٨/ ٢٦٥،برقم ٧٥٣٤، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال،١/ ٨٩،برقم ٨٥.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، ١/ ٤٦٣، برقم ٦٦٨.\n(٤) مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، ١/ ٢٠٩، برقم ٢٣٣.","vol":"1","page":115},{"text":"وأبيّ بن خلف» (١).\nوفي حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -: «الصلاة نور» (٢)؛ ولحديث بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بشر المشَّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>٦ - يرفع الله بها الدرجات، ويحط الخطايا</span>؛ لحديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - عن النبي - ﷺ - أنه قال له: «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>٧ - من أعظم أسباب دخول الجنة برفقة النبي - ﷺ </span>-؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي - ﵁ - قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ -، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سَلْ» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>٨ - المشي إليها تكتب به الحسنات وترفع الدرجات وتحط الخطايا</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهَّر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خَطْوَتاه إحداهما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة» (٦).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٢/ ١٦٩، والدارمي،٢/ ٣٠١، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٤٤٠: «رواه أحمد بإسناد جيد».\n(٢) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، ١/ ٢٠٣، برقم ٢٢٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة، برقم ٥٦١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، برقم ٢٢٣، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح لشواهده الكثيرة، ١/ ٢٢٤.\n(٤) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه،١/ ٢٥٣،برقم ٤٨٨.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، ١/ ٢٥٣، برقم ٤٨٩.\n(٦) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، ١/ ٤٦٢، برقم ٦٦٦.","vol":"1","page":116},{"text":"وفي الحديث الآخر: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله - ﷿ - له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله - ﷿ - عنه سيئة ..» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>٩ - تُعدُّ الضيافة في الجنة بها كلما غدا إليها المسلم أو راح</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نُزُلًا كُلَّما غدا أو راح» (٢). والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>١٠ - يغفر الله بها الذنوب فيما بينها وبين الصلاة التي تليها</span>؛ لحديث عثمان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>١١ - تكفر ما قبلها من الذنوب</span>؛ لحديث عثمان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأتِ كبيرة، وذلك الدهر كلّه» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>١٢ - تُصلّي الملائكة على صاحبها ما دام في مُصلاّه</span>، وهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجةً. وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخطُ خطْوَة إلا رُفِعَ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الهدي في المشي إلى الصلاة، برقم ٥٦٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل من غدا إلى المسجد أو راح، ١/ ١٨٢، برقم ٦٦٢. ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، ١/ ٤٦٣، برقم ٦٦٩.\n(٣) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، ١/ ٢٠٦، برقم ٢٢٧.\n(٤) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة عقبه، ١/ ٢٠٦، برقم ٢٢٨.","vol":"1","page":117},{"text":"له بها درجةً، وحُطَّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذِ فيه، ما لم يحدث فيه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>١٣ - انتظارها رباط في سبيل الله</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>١٤ - أجر من خرج إليها كأجر الحاج المحرم</span>؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى (٣) لا ينصبه (٤) إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتابٌ في عليين» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>١٥ - من سُبِق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله - ﷿ - مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب البيوع، باب ما ذكر في الأسواق، برقم ٢١١٩، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، ١/ ٤٥٩، برقم ٦٤٩.\n(٢) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، برقم ٢٥١.\n(٣) تسبيح الضحى: صلاة الضحى، وكل صلاة يتطوع بها فهي تسبيحٌ وسُبْحة. الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٢٩٢.\n(٤) لا ينصبه: لا يتعبه إلا ذلك، والنَّصبُ: التعب، الترغيب والترهيب للمنذري،٢/ ٢٩٢.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، برقم ٥٥٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١١١،وفي صحيح الترغيب،١/ ١٢٧.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في من خرج يريد الصلاة فسبق بها، برقم ٥٦٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٣.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>١٦ - إذا تطهر وخرج إليها فهو في صلاة حتى يرجع</span>، ويكتب له ذهابه ورجوعه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل: هكذا» وشبك بين أصابعه (١)، وعنه - ﵁ - يرفعه: «من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي، فرِجْلٌ تكتُبُ حسنة ورِجلٌ تحطُّ سيئة حتى يرجع» (٢).\n_________\n(١) ابن خزيمة في صحيحه، ١/ ٢٢٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٠٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١١٨.\n(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ١٦٢٠، والنسائي ٢/ ٤٢، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،\n١/ ٢١٧، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٢١، وقال: «وهو كما قالا» يعني الحاكم والذهبي. وانظر: أحاديث أخرى صحيحة تدل على أن من تطهر في بيته ثم ذهب إلى المسجد فهو في صلاة حتى يرجع إلى منزله. صحيح الترغيب والترهيب للألباني، ١/ ١٢١.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المبحث السادس عشر: الأذان والإقامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>أولًا: مفهوم الأذان والإقامة، وحكمهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>١ - الأذان في اللغة: </span>الإعلام بالشيء، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ (١) أي إعلام. وقوله: ﴿آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢) أي أعلمتكم فاستوينا في العلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>والأذان في الشرع: </span>الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ معلومة مخصوصة مشروعة (٤)، وسُمّي بذلك؛ لأن المؤذن يعلم الناس بمواقيت الصلاة، ويُسمَّى النداء؛ لأن المؤذن ينادي الناس ويدعوهم إلى الصلاة (٥)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>٢ـ الإقامة في اللغة: </span>مصدر أقام، من إقامة الشيء إذا جعله مستقيمًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>٣ـ الأذان والإقامة فرضا كفاية </span>على الرجال دون النساء للصلوات الخمس المكتوبة، وصلاة الجمعة خامسة يومها، فهما مشروعان بالكتاب، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ (٨)، وقوله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٩).وبالسنة؛ لقوله - ﷺ - في\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٣.\n(٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٩.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الهمزة مع الذال،١/ ٣٤،والمغني لابن قدامة،٢/ ٥٣\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٥٣،والتعريفات للجرجاني، ص٣٧،وسبل السلام للصنعاني،٢/ ٥٥.\n(٥) شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٩٥.\n(٦) سورة المائدة، الآية: ٥٨.\n(٧) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(٨) سورة المائدة، الآية: ٥٨.\n(٩) سورة الجمعة، الآية: ٩.","vol":"1","page":120},{"text":"حديث مالك بن الحويرث: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدكم وليؤمَّكم أكبركم» (١). فقوله - ﷺ -: «أحدكم» يدل على أن الأذان فرض كفاية (٢).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: «وفي السنة المتواترة أنه كان يُنادى للصلوات الخمس على عهد رسول الله - ﷺ -، وبإجماع الأمة وعملها المتواتر خلفًا عن سلف» (٣).\nوالصواب أن الأذان يجب على الرجال: في الحضر، والسفر، وعلى المنفرد، وللصلوات المؤدَّاة والمقْضيّة، وعلى الأحرار والعبيد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>ثانيًا: فضائل الأذان:</span>\nثبت في فضائل الأذان والمؤذنين نصوص كثيرة، منها الفضائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>١ - المنادي من الدعاة إلى الله</span>، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>٢ - المؤذّنون أطول أعناقًا يوم القيامة</span>؛ لحديث معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، برقم ٦٢٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة، برقم ٦٧٤.\n(٢) قال الحافظ ابن حجر: «واختلف في السنة التي فرض فيها، فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى [أي من الهجرة] وقيل: بل كان في السنة الثانية».فتح الباري،٢/ ٧٨.\n(٣) شرح العمدة لابن تيمية، ٢/ ٩٦، وانظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٦٤.\n(٤) ورجح سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -: أن الأذان فرض على الرجال، سواء كانوا أحرارًا أو عبيدًا، أو واحدًا، أو مسافرين. سمعته منه أثناء تعليقه على شرح الروض المربع، ١/ ٤٣٠، بتاريخ ٣٠/ ١١/١٤١٨هـ، وانظر: المختارات الجلية للسعدي، ص٣٧، وفتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم، ٢/ ٢٢٤، والشرح الممتع للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ٢/ ٤١.\n(٥) سورة فصلت، الآية: ٣٣.\n(٦) أخرجه مسلم، في كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه، برقم ٣٨٧.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>٣ - يطرد الشيطان</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان له ضُراط حتى لا يسمع التأذينَ، فإذا قُضِيَ النداءُ أقبل حتى إذا ثُوّب للصلاة أدبَرَ، حتى إذا قُضِيَ التَّثْويبُ (١) أقبلَ حتى يَخطُرُ بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا واذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظلَّ الرجلُ لا يدري كم صلى» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٤ - لو يعلم الناس ما في النداء لاستهموا عليه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلمُ الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير (٣) لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة (٤) والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٥ - لا يسمع صوت المؤذّن شيء إلا شهد له</span>، قال أبو سعيد الخدري - ﵁ - لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري: «إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمعُ مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - ﷺ -» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>٦ - يُغفر للمؤذن مدى صوته وله مثل أجر من صلى معه</span>؛ لحديث البراء بن عازب ﵄ أن نبي الله - ﷺ - قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدَّم، والمؤذنُ يغفرُ له بمدّ صوته، ويصدقه من سمعه\n_________\n(١) التثويب: الإقامة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل التأذين، برقم ٦٠٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهروب الشيطان عند سماعه، برقم ٣٨٩.\n(٣) التهجير: التبكير إلى الصلاة.\n(٤) العتمة: صلاة العشاء.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان، برقم ٦١٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم ٤٣٧.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، برقم ٦٠٩.","vol":"1","page":122},{"text":"من رطبٍ ويابسٍ وله مثلُ أجر من صلى معه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>٧ - دعاء النبي - ﷺ - له بالمغفرة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإمام ضامنٌ (٢) والمؤذن مؤتمن (٣)، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>٨ - الأذان تُغفر به الذنوب ويُدخِل الجنة</span>؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يعجب ربكم من راعي غنمٍ في رأس شظيَّة (٥) بجبل يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول الله - ﷿ -: انظروا إلى عبدي هذا يؤذنُ ويقيمُ يخاف مني، فقد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>٩ - من أذَّن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أذَّن ثنتَي عشرةَ سنةً وجبتْ له الجنة، وكُتِبَ لهُ بِكُلّ أذانٍ ستونَ حَسَنةً، وبِكُلّ إقامةٍ ثلاثونَ حسنةً» (٧).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالأذان، ٢/ ١٣، برقم ٦٤٦، وأحمد، ٤/ ٢٨٤، وقال المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٢٤٣: «رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن جيد». وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٩٩.\n(٢) ضامن: الضمان هنا الحفظ والرعاية؛ لأنه يحفظ على القوم صلاتهم، وصلاتهم في عهدته. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الضاد مع الميم، ٣/ ١٠٣.\n(٣) مؤتمن: أمين الناس على صلاتهم وصيامهم. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الهمزة مع الميم، ١/ ٧١.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يجب على المؤذن من تعاهد الوقت، ١/ ١٤٣، برقم ٥١٧، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، ١/ ٤٠٢، برقم ٢٠٧، وابن خزيمة برقم ٥٢٨، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٠٠، وله شاهد من حديث عائشة ﵂ عند ابن حبان بسند صحيح، برقم ١٦٦٩.\n(٥) الشظية: القطعة تنقطع من الجبل ولم تنفصل منه. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الشين مع الظاء، ١/ ٧١.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الأذان في السفر، ٢/ ٤، برقم ١٢٠٣، والنسائي، كتاب الأذان، باب الأذان لمن يصلي وحده، ٢/ ٢٠، برقم ٦٦٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،١/ ١٠٢، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ٤١.\n(٧) ابن ماجه، كتاب الأذان والسنة فيها، باب فضل الأذان وثواب المؤذنين، برقم ٧٢٣،والحاكم في المستدرك، ١/ ٢٠٥،واللفظ له، وقال: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب،١/ ١١١: «وهو كما قال».وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٢، وفي صحيح ابن ماجه،١/ ٢٢٦.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>١٠ - المؤذّن خيار عباد الله</span>؛ لحديث ابن أبي أوفى - ﵁ -: أن النبي قال: «إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم لذكر الله» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>١١ - المؤذّن إذا أذَّن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه</span>؛ لحديث سلمان الفارسي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان الرجل بأرض قِيّ (٢)، فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإن لم يجد ماءً فليتيمّم، فإن أقام صلى معه ملكاه، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>ثالثًا: صفة الأذان والإقامة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>الأذان الذي استمر عليه بلال بين يدي رسول الله - ﷺ </span>- هو ما ثبت من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وصفته: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله»، والإقامة في هذا الحديث: «الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» (٤).\n_________\n(١) الطبراني في الكبير واللفظ له كما قاله المنذري في الترغيب والترهيب، قال: والبزار، والحاكم،\n١/ ٥١، وقال: «إسناده صحيح»، وقال الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٢١٧: «... في تصحيح الحاكم نظر من وجوه بينتها في الصحيحة، ٣٤٠٠»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n١/ ٢٢٧: «رواه الطبراني في الكبير، والبزار، ورجاله موثقون، لكنه معلول»، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب، ١/ ٢١٧.\n(٢) القِيّ: بكسر القاف وتشديد الياء: هي الأرض القفر [الترغيب للمنذري].\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، ١٠/ ٥١٠، ٥١١، والطبراني في المعجم الكبير، ٨/ ٣٠٥، برقم ٦١٢٠، وابن أبي شيبة في مصنفه، ١/ ٢١٩، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢١٩.\n(٤) أخرجه أحمد، ٤/ ٤٢ - ٤٣، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، ١/ ١٣٥، برقم ٤٩٩، والترمذي مختصرًا، كتاب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان، ١/ ٣٥٨، برقم ١٨٩، وابن خزيمة في صحيحه، ١/ ١٩٣، برقم ٣٧١،وابن ماجه، كتاب الأذان، باب بدء الأذان،١/ ٢٣٢،برقم ٧٠٦.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>ويقول في أذان الفجر بعد حي على الفلاح: «الصلاةُ خيرٌ مِنَ النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم» </span>(١)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: «من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حيّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» (٢)، فيكون أذان بلال بحضرة النبي - ﷺ - خمس عشرة جملة، والإقامة إحدى عشرة جملة، ومما يؤكد ذلك حديث أنس - ﵁ - قال: «أُمِرَ بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة» (٣)، والمعنى يأتي بالأذان مثنى مثنى، أو أربعًا أربعًا، فالكل يصدق عليه أنه شفع، وهذا إجمال بينه حديث عبد الله بن زيد، وحديث أبي محذورة، فشفع التكبير في أوله أن يأتي به أربعًا أربعًا، وشفع غيره أن يأتي به مرتين مرتين، وهذا بالنظر إلى الأغلب، وإلا فإن كلمة التوحيد في آخر الأذان، وفي آخر الإقامة مفردة بالاتفاق، والتكبير في الإقامة وتر بالنسبة إلى التكبير الرباعي في الأذان، وكذلك يكرر التكبير في آخر الإقامة، ويكرر لفظ الإقامة وتفرد بقية الألفاظ (٤).وإن أذن وأقام بما في حديث أبي محذورة فلا بأس (٥).\n_________\n(١) أخرجه النسائي من حديث أبي محذورة، في كتاب الأذان، باب الأذان في السفر، ٢/ ٧، برقم ٦٣٣، وابن خزيمة في صحيحه، ١/ ٢٠٠، برقم ٣٨٥.\n(٢) أخرجه ابن خزيمة، ١/ ٢٠٢، برقم ٣٨٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: الأذان مثنى مثنى، برقم ٦٠٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، ١/برقم ٣٧٨.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٨٣، وسبل السلام للصنعاني ٢/ ٦٥.\n(٥) وصفة الأذان في حديث أبي محذورة فيه الترجيع، وهو أن يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله يخفض بها صوته، ثم يرفع صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله»، ويكمل كما في حديث عبد الله بن زيد. أحمد في المسند، ٣/ ٤٠٩، ٦/ ٤٠١، وأبو داود برقم ٥٠٢،والنسائي، برقم ٦٣١،والترمذي، برقم ١٩٢، وابن ماجه، برقم ٧٠٩، ورواه مسلم، برقم ٣٧٩ لكن بتثنية التكبير في أوله.\nوالإقامة في حديث أبي محذورة - ﵁ - بتربيع التكبير، والباقي مثنى: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله». النسائي، برقم ٦٣٣،فيكون أذان أبي محذورة تسع عشرة كلمة، وإقامته سبع عشرة كلمة، كما رواه النسائي، برقم ٦٣٠.قال ابن تيمية - ﵀-: «وإذا كان ذلك كذلك، فالصواب مذهب أهل الحديث ومن وافقهم، وهو تسويغ كل ما ثبت من ذلك عن النبي - ﷺ - لا يكرهون شيئًا من ذلك، إذ تنوع صفة الأذان والإقامة كتنوع صفة القراءات والتشهدات». الفتاوى، ٢٢/ ٦٦، وسمعت سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: إن الأفضل أذان بلال وإقامته بين يدي رسول الله - ﷺ -، والصواب أن هذا من خلاف التنوع كالتحيات والاستفتاحات. سمعته أثناء شرحه للحديث رقم ٩٣ من بلوغ المرام، وانظر: مجموع فتاواه، ١٠/ ٤٣٤، ٣٣٧، ٣٦٦.","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>رابعًا: آداب المؤذن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>ويكون المؤذن متطهرًا </span>(١)، ويتمهل في ألفاظ الأذان، ويسرع في الإقامة، ويكون ذلك جزمًا (٢)، ويؤذن على موضعٍ عالٍ، قائمًا، مستقبل القبلة؛ لفعل بلال - ﵁ - (٣)، ويجعل أصبعيه في أذنيه؛ لحديث أبي جحيفة - ﵁ -،قال: «رأيت بلالًا يؤذن، أتتبع فاه، هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه» (٤)،ويلوي عنقه فيلتفت يمينًا لحيَّ على الصلاة، وشمالًا لحيَّ على الفلاح؛ لحديث أبي جحيفة - ﵁ - قال: «رأيت بلالًا خرج إلى الأبطح فأذَّنَ، فلما بلغ حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح لوى عُنُقه يمينًا وشمالًا ولم يستدر» (٥).\n_________\n(١) وهذا هو الأفضل، انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، ٣/ ٧٥.\n(٢) والمعنى تقطيع الكلمات بالوقف على كل جملة، فيحصل الجزم والسكون بالوقف. انظر: المرجع السابق، ٣/ ٧٢.\n(٣) لأن بلالًا - ﵁ - «كان يؤذن على سطح امرأة من بني النجار، بيتها من أطول بيت حول المسجد». أبو داود، كتاب الصلاة، باب الأذان فوق المنارة، برقم ٥١٩، وحسنه الألباني بطرقه في إرواء الغليل، ١/ ٢٤٦، وذكر الألباني أنه ثبت استقبال القبلة من الملك الذي رآه عبد الله بن زيد الأنصاري، انظر: إرواء الغليل، ١/ ٢٥٠، برقم ٢٣٢، وانظر: سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، برقم ٥٠٧.\n(٤) أحمد في المسند، ٤/ ٣٠٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في إدخال الإصبع في الأذن عند الأذان، برقم ١٩٧، وابن ماجه، كتاب الأذان، باب السنة في الأذان، برقم ٧١١.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المؤذن يستدير في أذانه، برقم ٥٢٠، وأصل حديث أبي جحيفة متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٤، ومسلم، برقم ٥٠٣.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>ويؤذّن في أول الوقت</span>؛ لقول جابر بن سمرة - ﵁ -: «كان بلال لا يؤخر الأذان عن الوقت، وربما أخَّر الإقامة شيئًا» (١)،ومن السنة أن يكون المؤذن قوي الصوت؛ لحديث عبد الله بن زيد - ﵁ - يرفعه: «فقمْ مع بلالٍ فألقِ عليه ما رأيتَ فليؤذّن به؛ فإنه أندى صوتًا منك» (٢). ويستحب أن يكون صوت المؤذن حسنًا (٣)؛ لحديث أبي محذورة - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - أعجبَه صوتُهُ، فعلَّمَهُ الأذان (٤)، والأفضل أن يكون عالمًا بالوقت بنفسه؛ ليتمكن من الأذان في أوَّل الوقت؛ ولأنه قد يتعذّر عليه من يخبره بالوقت، ولكن لا حرج في أذان الأعمى إذا كان له من يخبره بدخول الوقت؛ لأن ابن أمّ مكتوم - ﵁ - كان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال: «أصبحت أصبحت» (٥)، ويجب أن يكون المؤذن أمينًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (٦)؛ ولحديث ابن أبي محذورة عن أبيه عن جده: «أُمناءُ المسلمين على صلاتهم وسحورهم: المؤذنون» (٧)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «والمؤذن مؤتمن» (٨)، وينبغي للمؤذن أن يبتغي بأذانه وجه الله تعالى؛ لحديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ - قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: «أنت إمامُهُم واقتدِ بأضعفهم، واتَّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه، في كتاب الأذان، باب السنة في الأذان، برقم ٧١٣، وأحمد بنحوه في المسند، ٥/ ٩١، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٤٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، برقم ٤٩٩، وابن ماجه، كتاب الأذان، باب بدء الأذان، برقم ٧٠٦، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٦٥.\n(٣) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ٧٠.\n(٤) ابن خزيمة في صحيحه، ١/ ١٩٥، برقم ٣٧٧.\n(٥) متفق عليه من حديث ابن عمر وعائشة ﵃: البخاري، كتاب الأذان، باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، برقم ٦١٧، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بأذان الفجر، برقم ١٠٩٢.\n(٦) سورة القصص، الآية: ٢٦.\n(٧) البيهقي ١/ ٤٢٦،وحسنه الألباني لشاهده عن الحسن، في إرواء الغليل،١/ ٢٣٩.\n(٨) أبو داود، برقم ٥١٧، والترمذي، برقم ٢٠٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":127},{"text":"أجرًا» (١). وأما إعطاء المؤذن من بيت مال المسلمين فلا حرج فيه؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>خامسًا: الأذان المشروع قبل الفجر وحكمه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>الأذان الأول قبل الفجر مشروع</span>؛ ليرجع القائم ويوقظ النائم، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يمنعن أحَدَكُم أو أحدًا منكم أذانُ بلال من سحورِهِ؛ فإنه يؤذن أو ينادي بليلٍ، ليَرْجِعَ قائمَكُم وليُنبّه نائمَكم» (٣). قال الإمام النووي - ﵀ -: «فلفظة: قائمكم منصوبة مفعول يرجع ... ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد؛ فيرد القائم المتهجد إلى راحته، لينام غفوةً ليصبح نشيطًا، أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يتأهب للصبح إن احتاج إلى طهارةٍ أخرى، أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح، وقوله - ﷺ -: «ويوقظ نائمكم»: أي ليتأهب للصبح أيضًا، بفعل ما أراد من تهجد قليل، أو إيتار إن لم يكن أوتر، أو سحور إن أراد الصوم، أو اغتسالٍ أو وضوءٍ، أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>ولابد - على الصحيح - أن يكون هناك من يؤذن إذا طلع الفجر</span>، والأفضل أن يكون المؤذن الثاني غير المؤذن الأول، والأفضل أن يكون الوقت بين الأذانين يسيرًا؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب أخذ الأجر على التأذين، برقم ٥٣١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، برقم ٢٠٩، والنسائي، كتاب الأذان، باب اتخاذ المؤذن الذي لا يأخذ على أذانه أجرًا، برقم ٦٧٢، وابن ماجه، كتاب الأذان، باب السنة في الأذان، برقم ٧١٤، وأحمد، ٤/ ٢١، ٢١٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٥/ ٣١٥، برقم ١٤٩٢.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٧٠، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ١٣٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٤٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر، برقم ٦٢١، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم ١٠٩٣.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٢١١.","vol":"1","page":128},{"text":"لرسول الله - ﷺ - مؤذنان: بلالٌ وابن أمّ مكتوم الأعمى، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن بلالًا يؤذّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمّ مكتوم». قال: ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا» (١). فالسنة أن يكون الأذان الأول قريبًا من الفجر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>والصواب أن يقول المؤذن: </span>الصلاة خير من النوم بعد قوله: حيَّ على الفلاح في الأذان الأخير، أما رواية أبي محذورة - ﵁ - التي فيها: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح» (٣)، فالأذان الأول هنا هو أذان الصبح الواجب، والأذان الثاني: الإقامة؛ لقوله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»،قال في الثالثة: «لمن شاء» (٤).\nوسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ وقدَّس روحه - يقول: «والصلاة خير من النوم، ذكر ابن رسلان وجماعة أنها في الأذان الأول أخذًا برواية الأذان الأول عند أبي محذورة، والصواب أنها تقال في الأذان الأخير الشرعي المعتمد الواجب؛ لأنه هو الأذان المطلق للصلاة التي هي واجبة وهي خير من النوم، وهذا الأذان الأول بالنسبة للإقامة، والإقامة هي الأذان الثاني» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي - ﷺ -: «لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال»، برقم ١٩١٨، ١٩١٩، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، برقم ١٠٩٢.\n(٢) قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في فتاويه، ٢/ ١٢٦: «فتبين أنه لا ينبغي أن يؤذن الأول إلا بوقت قريب من طلوع الفجر .. . فإذا كان نصف ساعة، أو ثلث كان أنفع فيما أظن».\n(٣) النسائي، كتاب الأذان، باب الأذان في السفر، برقم ٦٣٣.\n(٤) متفق عليه من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ -: البخاري، كتاب الأذان، باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء، برقم ٦٢٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب بين كل أذانين صلاة، برقم ٨٣٨.\n(٥) سمعته من سماحته - قدّس الله روحه ونوّر ضريحه - أثناء شرحه لبلوغ المرام لابن حجر، على الحديث رقم ١٩١، وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٥٧، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز، ١٠/ ٣٤١ - ٣٤٥.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>سادسًا: شروط المؤذن والأذان:</span>\nالأذان له شروط تتعلق به، وشروط تتعلق بالمؤذن على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>١ - أن يكون الأذان مرتبًا</span>، وهو أن يبدأ بالتكبير ثم التشهد، ثم الحيعلة، ثم التكبير، ثم كلمة التوحيد، فلو نكس الأذان أو الإقامة لم يجزِ؛ لأن الأذان عبادة ثبتت على هذا الترتيب، فيجب أن تفعل كما وردت؛ لقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>٢ - أن يكون متواليًا</span>، بحيث لا يفصل بعضه عن بعض بزمن طويل، وأما لو أصابه عطاس فإنه يبني على ما سبق؛ لأنه انفصل بدون اختياره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٣ - أن يكون بعد دخول وقت الصلاة</span>؛ لقوله - ﷺ -: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم» (٢)، أما الأذان قبل الفجر فليس لصلاة الصبح، وإنما هو لإيقاظ النائم، وإرجاع القائم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>٤ - أن لا يكون فيه لحن يغيّر ويحيل المعنى</span>، وهو مخالفة القواعد العربية، فلو قال: «الله أكبار»، فهذا لا يصح لأنه تغير المعنى (٣)، وهذا يقال له: «مَلْحونًا»، أما ما يقال له: «مُلَحنًا» فمكروه (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، برقم ٧١٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ٦٢٨، ومسلم، برقم ٦٧٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين ٢/ ٦٩، ٦٠، ٦١، ٦٢، واللحن ينقسم إلى قسمين: قسم لا يصح معه الأذان، وهو الذي يتغير به المعنى، فلو قال: «الله أكبار»، فهذا يحيل المعنى؛ لأن «أكبار» جمع كَبَر، وهو الطبل، مثل أسباب جمع سبب. وقسم يصح معه الأذان مع الكراهة، وهو الذي لا يتغير به المعنى، مثل: «اللهَ أكبر» بالفتح ومثل «حيًّا على الصلاة».انظر: الشرح الممتع للعلامة محمد العثيمين،\n٢/ ٦٩ و٦٠ - ٦٢.\n(٤) الملحن: المطرب به: أي يؤذن على سبيل التطريب به، كأنما يجر ألفاظ أغنية؛ فإنه يجزئ لكنه يكره. انظر: الشرح الممتع، ٢/ ٦٢، وقال سماحة العلامة محمد بن إبراهيم - ﵀ -: «ثم التمديد الزائد عن المطلوب في الأذان ما ينبغي؛ فإن أحال المعنى فإنه يبطل الأذان، حروف المد إذا أعطيت أكثر من اللازم فلا ينبغي، حتى الحركات إذا مدت إن أحالت المعنى لم يصح، وإلا كره».الفتاوى والرسائل له، ٢/ ١٢٥، ويقال: «لحن في قراءته وأذانه: إذا طرب وغرد، وهو تقطيع الصوت وترديده، وأصله خفة تصيب المرء من شدة الفرح، أو من شدة التحزين، من الإطراب أو الطربة، واللحن في القرآن والأذان التطويل فيما يقصر، والتقصير فيما يطول». انظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم، ١/ ٤٤٧.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>٥ - رفع الصوت بالأذان</span>؛ لأن المؤذن لو خفض صوته بحيث لا يسمع إلا نفسه فقط لم يحصل المقصود من شرعية الأذان؛ لقوله - ﷺ -: «فليؤذّن لكم أحدكم» (١)، وهذا يشير إلى رفع الصوت ليسمع الآخرين؛ فيحصل السماع المقصود بالإعلام، ما لم يؤذن لحاضر فبقدر ما يسمعه، ولكن لو رفع صوته كان أفضل؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه: «.. فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذَّنْتَ فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوتِ المؤذن جنٌّ ولا إنسٌّ، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>٦ - أن يكون الأذان على العدد الذي جاءت به السنة بلا زيادة ولا نقص</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>٧ - أن يكون الأذان من واحدٍ</span>، فلا يصح من اثنين، فلو أذن واحد بعض الأذان وكمله آخر لم يصح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>٨ - أن يكون الأذان بنية من المؤذن</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>٩ - أن يكون المؤذن مسلمًا</span>، فلو أذن الكافر لم يصح؛ لأنه من غير أهل العبادات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>١٠ - أن يكون المؤذن مميزًا</span>، وهو من بلغ سبع سنين إلى البلوغ، وهو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب، ولو طلب منه شيء أحضره.\n_________\n(١) متفق عليه، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ٦٠٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ومحدثات الأمور، برقم ١٧١٨، واللفظ له.\n(٤) متفق عليه من حديث عمر - ﵁ -:البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم ١، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: إنما الأعمال بالنية، برقم ١٩٠٧.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>١١ - أن يكون عاقلًا</span>، فلا يصح الأذان من مجنون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>١٢ - أن يكون ذكَرًا</span>، فلا يعتدُّ بأذان الأنثى؛ لقول ابن عمر ﵄: «ليس على النساء أذان ولا إقامة» (١). فليست المرأة من أهل الأذان؛ ولأنه يشرع فيه رفع الصوت، وليست من أهل ذلك (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>١٣ - أن يكون عدلًا</span>، ولو في الظاهر؛ لأن الأذان عبادة، وهو أفضل من الإقامة على الصحيح؛ ولأن النبي - ﷺ - وصف المؤذنين بالأمانة، والفاسق غير أمين؛ لما جاء في الحديث: «أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون» (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وفي إجزاء الأذان من الفاسق روايتان، أقواهما عدمه؛ لمخالفته أمر النبي - ﷺ -، وأما ترتيب الفاسق مؤذنًا فلا ينبغي أن يجوَّز قولًا واحدًا» (٤). أما مستور الحال فيصح أذانه، وسمعت سماحة الإمام العلامة عبد العزيز ابن باز - قدَّس الله روحه - يقول: «لا يعتد بأذان الفاسق، والحلّيق فاسق فسقًا ظاهرًا وليس مستورًا، نسأل الله العافية، وينبغي أن يجعل غيره» (٥).\nفكلمة عدل: تضمنت أن يكون المؤذن: مسلمًا، عاقلًا، ذكرًا، واحدًا، عدلًا، مميزًا (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>سابعًا: مشروعية الأذان والإقامة للجمع وقضاء الفوائت:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>١ - من جمع بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في السفر أو في الحضر عند المطر </span>أو المرض، فإنه يؤذن للأولى ويقيم لكل فريضة؛ لحديث جابر - ﵁ - في جمع النبي - ﷺ - في عرفة: أنه «أذن ثم أقام فصلى\n_________\n(١) رواه البيهقي ١/ ٤٠٨.\n(٢) انظر: منار السبيل، لابن ضويان، ١/ ٦٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٦١.\n(٣) البيهقي، ١/ ٤٢٦، وتقدم تخريجه.\n(٤) الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٥٧.\n(٥) سمعته منه ﵀ أثناء شرحه للروض المربع، فجر الأحد، ١٠/ ١١/١٤١٨هـ.\n(٦) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٢/ ٦٢.","vol":"1","page":132},{"text":"الظهر، ثم أقام فصلى العصر»، وكذلك «أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين» (١). فأذن للصلاتين أذانًا واحدًا؛ لأن وقت المجموعتين صار وقتًا واحدًا، ولم يكتف بإقامة واحدة؛ لأن لكل صلاة إقامة، فصار الجامع يؤذن مرة واحدة، ويقيم لكل صلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>٢ - من قضى فوائت فإنه يؤذن مرة واحدة، ويقيم لكل فريضة</span>، لحديث أبي قتادة - ﵁ - الطويل في «نوم النبي - ﷺ - وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فانتقلوا من مكانهم، ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (٢).\nويدل على الإقامة لهذه الصلاة أيضًا حديث أبي هريرة - ﵁ -: «وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: «من نسي الصلاة فليصلّها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣). ومما يدل على ذلك ما فعله - ﷺ - حينما شغله الأحزاب عن الصلاة (٤).\nوسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ وجعل الفردوس مأواه - يقول عن حديث قتادة في قضاء النبي - ﷺ - صلاة الفجر حينما ناموا عنها: «هذا يدل على أن من نام عن صلاةٍ أو نسيها صلاها كما يصليها في وقتها: من أذانها، وإقامتها، وراتبتها، ومن السنة أن ينتقل من المكان الذي نام فيه، لفعله - ﷺ -، وكذا يقضي الجهرية جهرية والسرية سرية» (٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة، برقم ٦٨١.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة، برقم ٦٨٠،والآية من سورة طه:١٤.\n(٤) انظر: إرواء الغليل للألباني وكلامه على حديث غزوة الأحزاب، ١/ ٢٥٧.\n(٥) سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء شرحه للحديث رقم ٢٠٢ من بلوغ المرام.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>ثامنًا: أنواع إجابة النداء:</span>\nيُسنُّ لمن سمع المؤذن والمقيم أن يتابعه سرًّا بقوله، فيقول مثله، إلا في الحيعلتين فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويقول الأذكار المشروعة بعد الأذان، ولا شك أن النبي - ﷺ - شرع لأمته في الذكر عند الأذان وبعده خمسة أنواع (١) على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>النوع الأول: يقول السامع مثل ما يقول المؤذن </span>إلا في لفظ: «حي على الصلاة، وحي على الفلاح»، فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذّن» (٢).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبرُ، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>النوع الثاني: يقول عقب تشهد المؤذن </span>(٤): وأنا أشهد أن لا إله إلا\n_________\n(١) قال الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في هدي خير العباد، ٢/ ٣٩١: «وأما هديه - ﷺ - في الذكر عند الأذان فشرع لأمته منه خمسة أنواع ...» ثم ذكر هذه الأنواع الآتية.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المؤذن، برقم ٦١١، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ثم يسأل الله له الوسيلة، برقم ٣٨٣.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه، برقم ٣٨٥.\n(٤) انظر: صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٢٠، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٢/ ١٩٤، وهكذا سمعته من شيخنا ابن باز غير مرة، أن المجيب يقول هذا الذكر بعد قول المؤذن الشهادتين.","vol":"1","page":134},{"text":"الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا، فعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غُفِرَ له ذنبُهُ». وفي رواية: «من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>النوع الثالث: يصلي على النبي - ﷺ - بعد فراغه من إجابة المؤذن</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا علي؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>النوع الرابع: يقول بعد صلاته على النبي - ﷺ - ما ثبت </span>في حديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (٣).\nوثبت عند البيهقي زيادة: «إنك لا تخلف الميعاد» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>النوع الخامس: يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله</span>؛ فإنه يستجاب له، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدعوة لا ترد بين\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم ٣٨٦.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن، برقم ٣٨٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء، برقم ٦١٤.\n(٤) سنن البيهقي، ١/ ٤١٠، وحسن إسناده الإمام ابن باز في تحفة الأخيار، ص٣٨، وفي مجموع الفتاوى له، ٢٩/ ٣٠٥.","vol":"1","page":135},{"text":"الأذان والإقامة فادعوا» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ وقدس روحه - يقول: «هذه الأنواع تقال كلها مرة واحدة مجموعة مع كل أذان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>تاسعًا: فضائل إجابة المؤذن</span>\nفضائل إجابة المؤذن بالقول كثيرة، منها الفضائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>١ - مجيب المؤذن من الشهداء على الخير</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه، وفيه: «... لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>٢ - مجيب المؤذن من قلبه يدخله الله الجنة</span>؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، وفيه أن من قال مثل ما يقول المؤذن، فإذا قال المؤذن: لا إله إلا الله، قال: «... لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>٣ - إجابة المؤذن يغفر الله بها الذنوب</span>؛ لحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -، وفيه: أن من قال عقب تشهد المؤذن: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا غُفِر له ذنبه» (٥).\n٤ - من أجاب المؤذن ثم صلى على النبي - ﷺ - صلى الله عليه بهذه الصلاة عشر\n_________\n(١) أحمد في المسند، بلفظه،٣/ ٢٢٥،وأبو داود، في كتاب الصلاة بابٌ في الدعاء بين الأذان والإقامة، برقم ٥٢١،بلفظ: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة»،والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، برقم ٢١٢،وفي كتاب الدعوات، باب في العفو والعافية، رقم ٣٥٩٤،وصححه الألباني في إرواء الغليل،١/ ٢٦٢.\n(٢) سمعته أثناء شرحه لزاد المعاد: فصل في هديه - ﷺ - في الأذان وأذكاره، ٢/ ٣٩١.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، برقم ٦٠٩.\n(٤) مسلم، برقم ٣٨٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم ٣٨٦، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":136},{"text":"صلوات؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ؛ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشرًا ...» (١)، فصلاة الله على النبي: ثناؤه عليه عند الملائكة، قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء» (٢).\nفعلى هذا من صلى على النبي - ﷺ - صلاة واحدة ذكره الله باسمه، وأثنى عليه عند الملائكة عشر مرات؛ لأن الصلاة من الله الثناء. فهذا فضل عظيم، ومن تركه حرمه، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>٥ - من سأل الله تعالى الوسيلة للنبي - ﷺ - بعد الأذان، حلت له شفاعته، ووجبت له، ونالته </span>(٣)؛ لحديث عبد الله بن عمرو المذكور آنفًا، وفيه: «ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>٦ - من سأل الله تعالى للنبي - ﷺ -: أن يبعثه مقامًا محمودًا وجبت له شفاعة النبي - ﷺ </span>-؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدَّعوة التامّة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>٧ - ثواب من قال مثل ما يقول المؤذن يقينًا</span>، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كُنَّا مع رسول الله - ﷺ -، فقام بلال ينادي، فلما سكت قال رسول الله - ﷺ -: «من قال هذا يقينًا دخل الجنة» (٦).\n_________\n(١) مسلم، برقم ٣٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، معلقًا مجزومًا به، كتاب التفسير، سورة الأحزاب، باب قوله: ﴿إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ قبل الحديث رقم ٤٧٩٧.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨.\n(٤) مسلم، برقم ٣٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، برقم ٦١٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) النسائي، كتاب الأذان، باب القول مثل ما يقول المؤذن [و] ثواب ذلك، برقم ٦٧٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٢١، وصححه في صحيح الترغيب، ١/ ٢١٨.","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>٨ - إجابة دعوة مجيب المؤذن</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلًا قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -: «قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تُعطه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>٩ - لا يردُّ الدعاء عند النداء</span>، وتفتح أبواب السماء؛ لحديث سهل بن سعد - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقلما تُردُّ على داعٍ دعوته: عند حضور النداء (٢)، والصف في سبيل الله»، وفي لفظ، قال: «ثنتان لا تُرَدَّان - أو قلّما تُرَدَّان-: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلحم بعضهم بعضًا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>١٠ - الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدعوة لا ترد بين الأذان والإقامة، فادعوا»، وفي لفظ أبي داود: «لا يردُّ الدعاء بين الأذان والإقامة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>١١ - مجيب المؤذّن متَّبعٌ للنبي - ﷺ - في هذه السنة العظيمة</span>، ممتثل لأمره، يُرجى له الهداية، ويرجى أن يدخل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>١٢ - مجيب المؤذن يرجو الله واليوم الآخر، ويذكر الله كثيرًا</span>؛ لأنه اتخذ النبي - ﷺ - أسوةً له، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذن، برقم ٥٢٤، وقال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٥٧: «حسن صحيح».\n(٢) قال الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٢٢٥: «هذا اللفظ «النداء» هو الذي تشهد له الأحاديث الأخرى ... دون لفظ «حين تقام الصلاة» ... وهذا الحين ليس وقتًا للدعاء، وإنما لتسوية الصفوف ...».\n(٣) أبو داود باللفظ الثاني، كتاب الجهاد، باب الدعاء عند اللقاء، برقم ٢٥٤٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٠٨، وابن خزيمة، ١/ ٢١٩، برقم ٤١٩، والحاكم، ١/ ١٩٨،\n٢/ ١١٣، والبيهقي، ١/ ٤١٠، و٣/ ٣٦٠، والطبراني في الكبير، ٦/ ٥٧٥٦، وصححه الألباني أيضًا لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢٢٤.\n(٤) أبو داود، برقم ٥٢١، والترمذي، برقم ٢١٢، ورقم ٣٥٩٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) سورة النور، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":138},{"text":"حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>١٣ - فضل الله تعالى ورحمته على عباده</span>؛ فالأذان عبادة جليلة، ولن يدركها ويدرك فضلها كل أحد، فعوّض من لم يؤذن بالإجابة؛ ليحصل على أجر الإجابة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>عاشرًا: فوائد إجابة النداء</span>\nفوائد إجابة المؤذن بالقول كثيرة لا تحصر، ولكن منها الفوائد الآتية:\n١ - قوله - ﷺ -: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: «ما يقول» قال الكرماني: قال: «ما يقول» ولم يقل مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة، مثل كلمتها»، ثم قال: «قلت والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: «أنه - ﷺ - كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت» (٣) «فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل» (٤).\n٢ - ما دل عليهّ حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، وفيه: «... ثم قال: «حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (٥)، وحديث عثمان، وفيه أنه لما قال المؤذن: حي على الصلاة، قال عثمان - ﵁ -: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال: هكذا سمعنا نبيكم - ﷺ - يقول» (٦)، وهذان الحديثان يدلان على أنه\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(٢) توضيح الأحكام من بلوغ المرام، للبسام، ١/ ٤٢١.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩١. والحديث أخرجه أحمد، ٦/ ٣٢٦، وابن ماجه، برقم ٧١٩، وابن خزيمة، ١/ ٢١٥، برقم ٤١٢، وقال محققو المسند، ٤٤/ ٣٥٠، برقم ٢٦٧٦٧: «صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف ...».\n(٤) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٩١: «قاله النووي في شرح المهذب، بحثًا».\n(٥) مسلم، برقم ٣٨٥، وتقدم تخريجه.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي، برقم ٦١٣.","vol":"1","page":139},{"text":"يستثنى من القول مثل ما يقول المؤذن: «حيّ على الصلاة، وحيّ على الفلاح»، فيقول بدلهما: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (١)، قال الإمام النووي ﵀: «حديث أبي سعيد: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» عام مخصوص؛ لحديث عمر: أنه يقول في الحيعلتين: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢).\nقال الإمام ابن الملقن ﵀: «والمناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة: أن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؟ فحسن من السامع الحوقلة؛ لأنها تفويض محض إلى الله - ﷾ -» (٣).\n٣ - دل حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: أن المشروع للمسلم أن يقول بعد تشهد المؤذن مثل قول المؤذن: فإذا قال المؤذن: «أشهد أن لا إله إلا الله»؛ فإن المتابع للمؤذن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» يكررها مرتين مثل قول المؤذن، فإذا قال: «أشهد أن محمدًا رسول الله» قال المجيب: «أشهد أن محمدًا رسول الله» يكررها مرتين مثل قول المؤذن» (٤).\nودلّ حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: أن مجيب المؤذن يقول بعد انتهائه من إجابة المؤذن عند الشهادتين، يقول بعد ذلك: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا ...» (٥).\nوقد ذُكِرَ موضع هذا الذكر، وأنه بعد الشهادتين: في رواية ابن خزيمة في صحيحه، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سمع المؤذن يَتَشَهَّد ...»،\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩،وانظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧١.\n(٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧١.\n(٤) مسلم، برقم ٣٨٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم ٣٨٦.","vol":"1","page":140},{"text":"وفيه: «... فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله ...» الحديث (١)، وهكذا سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقرر أن قول هذا الذكر بعد انتهاء المؤذن من الشهادتين، وكذا رجحه العلامة محمد بن صالح العثيمين (٢).\n٤ - ظاهر حديث جابر - ﵁ -: «من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلّت له شفاعتي يوم القيامة» (٣): أنه يقول هذا الذكر حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، ولكن قد بين المراد من حديث جابر، حديث عبد الله بن عمرو؛ فإنه قال فيه: «إذا سمعت المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٤).\nفدل هذا الحديث أن حديث جابر: «اللهم رب هذه الدعوة التامة ...» يقال بعد الفراغ من الأذان بعد الصلاة على النبي - ﷺ -. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ ...» (٥).\n٥ - إجابة المؤذن تدل على عظيم الرغبة في الفوز بالفلاح، فإن معنى: «حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح» معنى عظيم، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «ومعنى حيَّ على كذا: أي تعالوا إليه، والفلاح: الفوز، والنجاة، وإصابة الخير، قالوا: وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٢٠.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٢/ ١٩٤.\n(٣) البخاري، برقم ٦١٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٣٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٤، وشرح النووي، ٤/ ٣٢٩.","vol":"1","page":141},{"text":"من لفظة الفلاح ... فمعنى حيَّ على الفلاح: أي تعالوا إلى سبب الفوز، والبقاء في الجنة، والخلود في النعيم ...» (١).\n٦ - إجابة المؤذن، بـ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي ﵀: «قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله ... وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكى هذا عن ابن مسعود - ﵁ -» (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته» (٣).\n٧ - الوسيلة: المنزلة عند الملك (٤)، وهي منزلة للنبي - ﷺ - في الجنة، من سألها للنبي - ﷺ - حلت له الشفاعة، أي وجبت له، وقيل: نالته الشفاعة (٥)، والوسيلة: ما يتقرب به إلى الكبير، وتطلق على المنزلة العليَّة، ويقال: توسلت: تقربت، والواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، وهي عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله - ﷺ - وداره، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى عرش الرحمن - ﷾ - (٦).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٢) المصدر السابق، ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨.\n(٥) المصدر السابق، ٤/ ٣٢٨.\n(٦) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥، والروض المربع، ١/ ٤٥٧، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ١/ ٤٥٧.","vol":"1","page":142},{"text":"٨ - الأعمال يشترط لها القصد والإخلاص، لقوله - ﷺ -: «... ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» (١).\n٩ - «الدعوة التامة»:دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ﴾ (٢)، وقيل: لدعوة التوحيد تامة؛ لأن الشّرْكَ نقصٌ، أو التامة: التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرَّضٌ للفساد، وقال ابن التين: وصفت لأن فيها أتم القول: «لا إله إلا الله»، وقال الطيبي: من أوله [أي الأذان] إلى قوله: «محمد رسول الله» هي الدعوة التامة (٣)، وقيل: الدعوة التامة: هي الأذان، والتامة: أي الكاملة السالمة من كل نقص يتطرق إليها؛ لكمالها وعظم موقعها؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة والدعوة إلى الخير (٤).\n١٠ - «الصلاة القائمة»: الحيعلة: هي الصلاة القائمة في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة: الدائمة، مِنْ قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: «والصلاة القائمة»: بيان للدعوة التامة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: الصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر (٥). وقيل: الصلاة القائمة: التي ستقوم وتُفْعَل بصفاتها (٦).\n١١ - الفضيلة: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة (٧).\nوأما ما يقوله بعض الناس: «والدرجة الرفيعة» فيما يقال بعد ذكر\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩.\n(٢) سورة الرعد، الآية: ١٤.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥.\n(٤) انظر: الروض المربع، ١/ ٤٥٧، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٢/ ٧٩.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥.\n(٦) الروض المربع، ١/ ٤٥٧.\n(٧) نقله ابن قاسم في حاشيته على الروض المربع، ١/ ٤٥٨.","vol":"1","page":143},{"text":"الفضيلة فقال السخاوي: «وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان، فلم أره في شيء من الروايات» (١).\n١٢ - مقامًا محمودًا: أي يُحمد القائم فيه، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، ونكّره للتعظيم، مقامًا محمودًا بكل لسان، وقوله: «الذي وعدته» [زاد في رواية البيهقي: «إنك لا تخلف الميعاد»، والمراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢) وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره (٣).\nومقامًا محمودًا: هي الشفاعة العظمى في موقف القيامة؛ لأنه يحمَدُهُ فيه الأولون والآخرون، ثم يدعو، لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، وهذه الشفاعة خاصة به - ﷺ - (٤).\n١٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: «الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوّض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة، ولقائلٍ أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة، إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>الحادي عشر: أحكام إجابة المؤذن</span>\nأحكام إجابة المؤذن بالقول كثيرة، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>١ - إجابة المؤذن مستحبة بإجماع أهل العلم</span>، قال الإمام ابن قدامة\n_________\n(١) المصدر السابق، ١/ ٤٥٨.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥.\n(٤) الروض المربع، ١/ ٤٥٨.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩١.","vol":"1","page":144},{"text":"﵀: «لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في استحباب ذلك» (١)، فعلى هذا يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلتين فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢).\nوهذا الاستحباب قول جمهور أهل العلم (٣).\nوقال جماعة من أهل العلم بوجوب القول مثل ما يقول المؤذن وإجابته؛ لقول النبي - ﷺ -: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (٤)؛ ولقوله - ﷺ -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي ...» (٥).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «حكى الطحاوي: أنه اختُلِفَ في حكمه، فقيل: واجب، وقيل: مندوب إليه، وهو الذي عليه الجمهور ...» (٦).\nوقال الإمام النووي ﵀: «وهل هذا القول مثل قول المؤذن واجب على من سمعه في غير الصلاة أم مندوب؟ فيه خلاف حكاه الطحاوي، الصحيح الذي عليه الجمهور أنه مندوب ...» (٧).\nوقال العلامة الحافظ عمر بن علي، الشافعي، المعروف بابن الملقن: «هذا الأمر للندب، وقيل: للوجوب، حكاه الخطابي، والجمهور على الأول» (٨).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀ في شرحه لحديث أبي سعيد: «إذا\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٢/ ٨٥، وانظر: المقنع، والشرح الكبير، والإنصاف، ٢/ ١٠٥.\n(٢) انظر: المغني، ٢/ ٨٥، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٢/ ١٠٥.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٣٠، وفتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٣، والمفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، ٢/ ١١.\n(٤) متفق عليه، من حديث أبي سعيد: البخاري، برقم ٦١١، ومسلم، برقم ٣٨٣، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، برقم ٣٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) المفهم، ٢/ ١١.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٣٠، وطبعة دار التراث، ٤/ ٨٨.\n(٨) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧٠.","vol":"1","page":145},{"text":"سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول»: «واستدل به على وجوب إجابة المؤذن، حكاه الطحاوي عن قومٍ من السلف، وبه قال أبو حنيفة، وأهل الظاهر، وابن وهب، واستُدِلَّ للجمهور بحديثٍ أخرجه مسلم وغيره: «أنه - ﷺ - سمع مؤذنًا، فلمَّا كبَّر قال: «على الفطرة»، فلما تشهَّد قال: «خرجت من النار» (١)، فلما قال ﵊ غير ما قال المؤذن علمنا أن ذلك للاستحباب، وتُعُقّب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ... قيل: ويحتمل أن الرجل لم يقصد الأذان، لكن يردّ هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة» (٢).\nوقال الحافظ في موضع آخر: «... لفظ الأمر في رواية مسلم (٣) تمسَّك به من يدَّعي الوجوب، وبه قال الحنفية، وابن وهب من المالكية، وخالف الطحاوي أصحابه فوافق الجمهور» (٤).\nوالأقرب - والله تعالى أعلم - أن إجابة المؤذن، والقول مثل ما يقول سنة مؤكدة ينبغي لكل مسلم سمعه أن يجيبه إلا لمانعٍ يعذر به؛ ولهذا قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية رحمه الله تعالى: «... ولا ينبغي لأحد أن يدع إجابة المؤذن ... فإن السنة لمن سمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة ...» إلى آخره، ثم يدعو» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سُمِع فيهم الأذان، برقم ٣٨٢.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر،٢/ ٩٣،وانظر: المحلَّى، لابن حزم،٣/ ١٤٨،ونيل الأوطار، للشوكاني، ١/ ٥٥٠.\n(٣) يعني قول النبي - ﷺ - في حديث عمرو بن العاص: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ ...» [مسلم، برقم ٣٨٤].\n(٤) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥، وانظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين ﵀، ٢/ ٧٥.\n(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ١٢٩.","vol":"1","page":146},{"text":"وقال سماحة شيخنا ابن باز ﵀: «إجابة المؤذن والدعاء بعده سنة في حق جميع من سمعه من المسلمين: المؤذن، والمستمع، من الرجال والنساء، والحاضرة، والبادية» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>٢ - إجابة المؤذن سنة قولية كما تقدم</span>، وهي سنة فعلية كذلك، فعلها رسول الله - ﷺ -؛ لحديث علقمة بن وقاص قال: إني عند معاوية، إذ أذن مؤذنه، فقال معاوية [- ﵁ -] كما قال المؤذن، حتى إذا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول مثل ذلك» (٢).\nوعن أبي أمامة بن سهل قال: سمعت معاوية - ﵁ - يقول: سمعت من رسول الله - ﷺ -، وسمع المؤذن فقال مثل ما قال» (٣)، وعند الإمام البخاري ﵀: أن عثمان بن عفان - ﵁ -: أذن المؤذن وعثمان جالس على المنبر، فأجاب المؤذن، فلما قضى المؤذن التأذين، قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله - ﷺ - على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالتي ...»، وفي رواية: أنه قال مثل ما قال المؤذن إلى قوله: «أشهد أن محمدًا رسول الله»؛ وفي رواية: أنه لما قال: «حيّ على الصلاة»، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وقال: هكذا سمعنا نبيكم - ﷺ - يقول» (٤).\nفإجابة المؤذن سنة قولية وفعلية، فلا ينبغي للمسلم أن يترك هذه السنة العظيمة.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٣٦.\n(٢) النسائي، كتاب الأذان، باب القول إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، برقم ٦٧٦، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٢٢.\n(٣) النسائي، كتاب الأذان، باب القول مثل ما يتشهَّد المؤذن، برقم ٦٧٥، وحسن إسناده الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٢٢.\n(٤) البخاري بنحوه، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي، برقم ٦١٢، ٦١٣، وكتاب الجمعة، باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء، برقم ٩١٤.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>٣ - حرص السلف على اتباع السنة في إجابة المؤذن اقتداءً برسول الله - ﷺ </span>-، وامتثالًا لأمره، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: حُدّثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حيَّ على الصلاة، قالوا: «لا حول ولا قوة إلا بالله ...» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>٤ - استحباب قول سامع المؤذن مثل ما يقول إلا في الحيعلتين</span>، فإنه يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢).\n٥ - استحباب الصلاة على رسول الله - ﷺ - بعد فراغه من متابعة المؤذن، ثم يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>٦ - استحباب سؤال الله الوسيلة للنبي - ﷺ - بعد قول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٧ - يستحب أن يقول السامع كل كلمة بعد فراغ المؤذن منها</span>، ولا ينتظر فراغه من كل الأذان (٥). قال الإمام ابن الملقن ﵀: «يستحب أن يتابع عقب كلّ كلمة لا معها، ولا يتأخّر عنها عملًا بظاهر فاء التعقيب المذكورة في الحديث، هذا مذهبنا» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>٨ - استحباب قول السامع بعد الشهادتين: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له</span>، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩.\n(٣) المرجع السابق، ٤/ ٣٢٩، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٦٢، ٣٦٥.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩.\n(٥) المرجع السابق، ٤/ ٣٢٩.\n(٦) الإعلام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧١.","vol":"1","page":148},{"text":"رسولًا، وبالإسلام دينًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٩ - يستحب لمن رغّب غيره في خير أن يذكر له شيئًا من دلائله</span>؛ لينشطه؛ لقوله - ﷺ -: «فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ...» إلى قوله - ﷺ -: «... فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>١٠ - يستحب إجابة المؤذن لكل من سمعه</span>، قال الإمام النووي ﵀: «واعلم أنه يستحب إجابة المؤذن بالقول مثل قوله كل من سمعه: من متطهّرٍ، ومحدثٍ، وجنبٍ، وحائضٍ، وغيرهم، ممن لا مانع له، من الإجابة، فمن أسباب المنع: أن يكون في الخلاء، أو جماع أهله، أو نحوهما، ومنها أن يكون في صلاة: فريضة أو نافلة، ... فإذا سلم أتى بمثله» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>١١ - ظاهر اختصاص الإجابة بمن يسمع، حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلًا في الوقت</span>، وعلم أنه يؤذن، لكن لم يسمع أذانه؛ لِبُعْدٍ، أو صَمَمٍ، لا تشرع له المتابعة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>١٢ - الظاهر من قوله في الحديث: «فقولوا» التعبد بالقول</span>، وعدم كفاية إمرار المجاوبة على القلب، فلا بد من القول باللسان، ولا يلزم المجيب أن يرفع صوته، أما المؤذن فيحتاج إلى رفع الصوت للإعلام، بخلاف السامع فليس مقصوده إلا الذكر» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>١٣ - إذا سمع الأذان وهو في قراءة، أو تسبيح، قطع ما هو فيه</span>، وأتى بمتابعة المؤذن؛ لأنه يفوت، والقراءة لا تفوت (٦)، وبين شيخنا ابن باز\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩.\n(٢) المرجع السابق، ٤/ ٣٢٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٣٠.\n(٤) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩١، وقال: «قاله النووي في شرح المهذب».\n(٥) نيل الأوطار، للشوكاني، ١/ ٥٥٠.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٣٠، والمقنع مع الإنصاف والشرح الكبير، ٣/ ١١١، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٨٨.","vol":"1","page":149},{"text":"﵀: أن الترديد مع المؤذن أولى من الاستمرار في قراءة القرآن؛ لامتثال قول النبي - ﷺ -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>١٤ - يستحب متابعة المؤذن في الإقامة </span>(٢)، قال العلامة ابن باز ﵀: «يستحب أن يجاب المقيم كما يجاب المؤذن، ويقول عند قول المقيم: «قد قامت الصلاة» مثله: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة؛ لعموم الأحاديث المذكورة، وغيرها، وأما ما يروى عنه - ﷺ - أنه قال عند\nالإقامة: «أقامها الله وأدامها» (٣)، فهو حديث ضعيف لا يعتمد\nعليه (٤)، وأذكار الأذان تشرع بعد الأذان والإقامة معًا؛ لأنهما كلاهما أذان؛ لقوله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة» (٥) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>١٥ - يستحب إذا قال المؤذن في أذان الفجر: الصلاة خير من النوم</span>، أن يقول السامع مثله: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم»؛ لقوله - ﷺ -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» متفق عليه؛ ولعموم الأحاديث المذكورة وغيرها (٧)؛ «ولأن قول: «صدقت وبَرَرْتَ» إنما جاء في حديث ضعيف، فإن قيل: تركتم حي على الصلاة [وحي على الفلاح] إلى لا حول ولا قوة إلا بالله: قيل: ذلك ثبت فيه الدليل، وهذا لم يثبت» (٨) (٩).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٥٧، والحديث تقدم تخريجه.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم،٤/ ٣٣٠،والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن،٢/ ٤٧٥.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع الإقامة، برقم ٥٢٨، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ٤٦، وفي إرواء الغليل، برقم ٢٤١.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٦٥، ٢٩/ ١٤٢، ١٤٩.\n(٥) البخاري، كتاب الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة؟ ومن ينتظر إقامة الصلاة، برقم ٦٢٤، وباب بين كل أذانين صلاة لمن شاء، برقم ٦٢٧.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٦٥.\n(٧) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٤٤، ٢٩/ ١٤٥.\n(٨) قاله العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، مفتي السعودية سابقًا، في فتاويه، ٢/ ١٣٤.\n(٩) قال الإمام ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٢/ ٤٧٣: «ظاهره أيضًا: أنه يجيب في التثويب مثل قوله، لكن صحح النووي في كتبه أنه يجيبه: بـ «صدقت وبررت»، ولم يذكر له وجهًا، وقال بعض الفقهاء: إن فيه خبرًا، وبحثت عنه دهرًا، فلم أره». [قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ٢١١: «... لا أصل لما ذكره في الصلاة خير من النوم» أي لا أصل لـ «لصدقتَ وبَرَرْتَ» التي قيل: إن المجيب للمؤذن يقولها عند سماعه للصلاة خير من النوم»، وانظر: إرواء الغليل، للألباني، ١/ ٢٥٩.","vol":"1","page":150},{"text":"وأما إجابة المؤذن والمقيم أنفسهما، فسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذا القول لا وجه له، ولا دليل عليه، فقد قاله ويكفي، وليس له إجابة نفسه» (١).\nقلت: يستحب للمؤذّن والمقيم أن يصلي على النبي - ﷺ - بعد الانتهاء من الأذان، ثم يقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة ... إلى آخره؛ لعموم الأدلة، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>١٦ - يستحب إذا دخل المسجد فسمع المؤذن: أن ينتظر ويجيب المؤذن</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وإن دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره؛ ليفرغ ويقول مثل ما يقول، جمعًا بين الفضلين» (٢)، وقال المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: «فائدة: لو دخل المسجد والمؤذن قد شرع في الأذان لم يأتِ بتحية المسجد ولا بغيرها حتى يفرغ، جزم به في التلخيص، والبلغة، وابن تميم، وقال: نص عليه، وقدمه في الفروع» (٣).\nوقال العلامة ابن مفلح في الفروع: «ولا يركع داخل المسجد التحية قبل فراغه ...» (٤).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على الروض المربع، ١/ ٤٥٦.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٢/ ٨٩.\n(٣) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ١٠٨.\n(٤) وتمامه: «وقيل: لا بأس، ولعل المراد غير أذان الجمعة؛ لأن سماع الخطبة أهم». [كتاب الفروع لابن مفلح، ٢/ ٣٠، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، ٣/ ١٠٩.","vol":"1","page":151},{"text":"وبين شيخنا ابن باز ﵀: أنه يستحب إذا دخل المسجد والمؤذن يؤذن أن يجيب المؤذن، ثم يصلي تحية المسجد، جمعًا بين العبادتين، وتحصيلًا للأجرين» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يُرجّح: أن المسلم إذا دخل المسجد يوم الجمعة فأذن المؤذن، فإنه ينتظر ويتابع المؤذن، ثم يصلّي ركعتين خفيفتين، وبين أن استماع خطبة الجمعة واجب، ولكن لا يؤثر، فإن الداخل إذا تابع المؤذن ثم صلى ركعتين خفيفتين، لا يفوته شيء؛ لأن الخطيب يبدأ بمقدمة للخطبة، فسَيُدْرِكُ الخطبة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>١٧ - إجابة المؤذن والترديد معه في المذْيَاع سنة</span>، إذا كان الأذان في وقت الصلاة، قاله شيخنا ابن باز ﵀ (٣).\nوأفتى العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: أن الأذان في المذياع أو التلفاز يجاب إذا كان الأذان في وقت الصلاة؛ لعموم قوله - ﷺ -: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» (٤) إلا أن الفقهاء ﵏ قالوا: إذا كان قد أدَّى الصلاة التي يؤذن لها فلا يجيب (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>١٨ - لا بأس أن يُسمع مجيب المؤذن من حوله؛ ليقتدي به </span>(٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>١٩ - إجابة مؤذنٍ ثانٍ وثالثٍ مستحبة</span>، إذا كان الأذان مشروعًا، قال العلامة ابن مفلح ﵀: «فظاهر كلامهم: يجيب مؤذنًا ثانيًا فأكثر، ومرادهم حيث يستحب» (٧) (٨).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ٢٩/ ١٤٥.\n(٢) وانظر أيضًا: مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٢/ ١٩٤.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٣٥.\n(٤) مسلم، برقم ٣٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٢/ ١٩٦.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز، ١٠/ ٣٣٥.\n(٧) كتاب الفروع، لابن مفلح، ٢/ ٢٦.\n(٨) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٢/ ٩٢: «... وحكوا أيضًا خلافًا هل يجيب في الترجيع أولًا؟»، وقال ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٢/ ٤٧٣: «ظاهر الحديث حكايته في الترجيع، ولا نَقْلَ في ذلك عندنا، والوجه استحبابه إن سمعه ...».","vol":"1","page":152},{"text":"وقال المرداوي ﵀: «... إجابة مؤذنٍ ثانٍ وثالثٍ، وهو صحيح، قال في «القواعد الأصولية»: ظاهر كلام أصحابنا يستحب ذلك، قال في الفروع: ومرادهم حيث يستحب، قال الشيخ تقي الدين: محلّ ذلك إذا كان الأذان مشروعًا» (١).\nوقال العلامة منصور البهوتي صاحب الروض المربع: «ويسن لسامعه: أي المؤذن أو المقيم ولو أن السامع امرأة، أو سمعه ثانيًا وثالثًا حيث سُنّ متابعته سرًا، بمثل ما يقول، ولو في طواف أو قراءة، ويقضيه المصلّ، والمتخلَّي» (٢).\nقال العلامة ابن قاسم في حاشيته على الروض المربع على قول صاحب الروض: «حيث سن»، أي حيث كان الأذان مشروعًا، قال في المبدع: ظاهر كلامهم أنه يجيب ثانيًا وثالثًا حيث سن، واختاره الشيخ [أي شيخ الإسلام ابن تيمية] لكن لو سمع المؤذن وأجابه، وصلى في جماعته لم يجب الثاني؛ لأنه غير مدعو بهذا الأذان، وإجابة الأول أفضل، إلا أذاني الفجر فهما سواء» (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: «... وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل، إلا في الصبح والجمعة فإنهما سواء؛ لأنهما مشروعان» (٤).\nوقال الإمام ابن الملقن ﵀: «ظاهره استحباب متابعة كل مؤذن،\n_________\n(١) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٣/ ١٠٧ - ١٠٨.\n(٢) الروض المربع مع حاشية ابن القاسم، ١/ ٤٥٣.\n(٣) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(٤) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢.","vol":"1","page":153},{"text":"وأنه لا يختصّ بأول مؤذن ...» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على كلام صاحب الروض في هذا الموضع يقول: «يُسنُّ لمن سمع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن، ولو كان فيه أذان ثانٍ وثالث، إذا كان مشروعًا، فالسنة أن يجيبه، ويقول المشروع، ولو كان يقرأ، فيقطع القراءة ويجيبه، وإن قضى المصلي بعد السلام، والمتخلّي بعد قضاء الحاجة فلا حرج، كما ذكر المؤلف؛ لفضل ذلك العظيم، حتى لو كان في الشريط أو الراديو، إذا كان ذلك في الوقت، أما إذا لم يكن في الوقت فلا» (٢).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «قول المؤلف: «يسن لسامعه» يشمل: الذكر، والأنثى، ويشمل النداء الأول والنداء والثاني، بحيث لو كان المؤذنون يختلفون، نقول: يجيب الأول ويجيب الثاني؛ لعموم الحديث، ثم هو ذكر يثاب الإنسان عليه، ولكن لو صلى ثم سمع مؤذنًا بعد الصلاة فظاهر الحديث أنه يجيب لعمومه، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجيب؛ لأنه غير مدعوٍّ بهذا الأذان فلا يتابعه، قالوا: ونجيب عن الحديث بأن المعروف في عهد النبي - ﷺ -: أن المؤذن واحد، ولا يمكن أن يؤذن آخر بعد أن تؤدَّى الصلاة، فيحمل الحديث على المعهود في عهد النبي - ﷺ -، وأنه لا تكرار في الأذان، ولكن لو أخذ أحد بعموم الحديث، وقال: إنه ذكر، وما دام الحديث عامًا، فلا مانع من أن أذكر الله - ﷿ -[فهو على خير]» (٣).\n_________\n(١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٢/ ٤٧٣، وتمام كلامه: «... والمسألة خلافية في مذهب مالك، ولا نُقل فيها عندنا، لكن قال الرافعي في كتاب سماه: «الإيجاز بأخطار الحجاز على ما حكاه بعضهم منه: خطَر لي أنه إذا سمع المؤذن وأجابه، وصلى في جماعة فلا يجب الثاني؛ لأنه غير مدعو به، وهو حسن، لكن بخدشه إعادة الصلاة جماعة، ويؤخذ منه أن من لم يصلّ أجاب لأنه مدعو به».\n(٢) سمعته أثناء تقريره على الروض المربع،١/ ٤٥٣، وذلك في درس فجر الأربعاء،١٣/ ١١/ ١٤١٨هـ.\n(٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٢/ ٧٤، ومجموع الفتاوى لابن عثيمين أيضًا، ١٢/ ١٩٣، وما بين المعقوفين من فتاويه، ١٢/ ١٩٤.","vol":"1","page":154},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ويجيب مؤذنًا ثانيًا فأكثر حيث يستحب ذلك، كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي - ﷺ -، وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة (١) في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعًا باتفاق الأئمة، بل ذلك بدعة منكرة» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>٢٠ - إذا لم يسمع إلا بعض الأذان</span>، قال العلامة محمد بن إبراهيم: «إذا أدرك بعض الأذان فالمُرَجَّح عند كثير من الأصحاب أنه يبدأ بأوله حتى\n_________\n(١) يقصد في عهده ﵀، وإلا فهذا ليس معروفًا في وقتنا الحاضر ولله الحمد.\n(٢) الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٦٠.\n(٣) ومن الغرائب أن شيخ الإسلام ﵀ في هذه الاختيارات، ص ٦٠ قال: «ويستحب أن يجيب المؤذن ويقول مثل ما يقول ولو في الصلاة»، وهذا مذهب الظاهرية، قال في المحلَّى، ٣/ ١٤٨: «ومن سمع المؤذن فليقل كما يقول المؤذن، سواء بسواء من أول الأذان إلى آخره، وسواء كان في غير صلاة، أو في صلاة فرضٍ أو نافلة، حاشا قول المؤذن: حي على الصلاة، حيَّ على الفلاح ...». وقال المرادوي في الإنصاف: «وأما المصلي إذا سمع المؤذن فلا يستحب له أن يجيب ولو كانت الصلاة نفلًا، بل يقضيه إذا سلم، وقال الشيخ تقي الدين: يستحب أن يجيبه، ويقول مثل ما يقول ولو في الصلاة، انتهى. فإن أجابه فيها بطلت بالحيعلة فقط مطلقًا على الصحيح من المذهب، وقال أبو المعالي: إن لم يعلم أنها دعاء إلى الصلاة ففيه روايتان أيضًا، وقال: تبطل الصلاة بغير الحيعلة أيضًا إن نوى الأذان، لا إن نوى الذكر، وأما المتخلي فلا يجيب على الصحيح من المذهب، لكن إذا خرج أجابه، وقال الشيخ تقي الدين: يجيبه في الخلاء، وتقدم ذلك في باب الاستنجاء» [وانظر أيضًا: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢]. فإنه قال: «واستدل به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة عملًا بظاهر الأمر؛ ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة، وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ؛ لأن في الصلاة شغلًا، وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله، فلا يمنع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يمنع؛ لأنها من ذكر الله، قاله ابن دقيق العيد ... والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة؛ بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حالة الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت، كذا أطلقه كثير منهم، ونصّ الشافعي في الأم على عدم فساد الصلاة بذلك».\nوقال الإمام الشوكاني: «قيل: والقول بكراهة الإجابة في الصلاة يحتاج إلى دليل ولا دليل، ولا يخفى أن حديث: «إن في الصلاة لشغلًا» [البخاري، برقم ١٢١٦، ومسلم، برقم ٥٣٨] دليل على الكراهة، ويؤيده امتناع النبي - ﷺ - من إجابة السلام فيها، وهو أهم من الإجابة للمؤذن» [نيل الأوطار، ١/ ٥٥٠]. وانظر أيضًا: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧٢، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٣٠.","vol":"1","page":155},{"text":"يدركه، والقول الآخر أنه لا يجيب إلا ما سمع، وأنه يفوت لفوات محله، ولعل هذا أرجح ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>٢١ - إجابة النداء سنة قولية وفعلية مؤكدة، عمل بها: الصحابة</span>، والتابعون، والأخيار من أهل العلم والإيمان، وعمل بها العلماء الراسخون في العلم، وحثُّوا الناس ورغَّبوهم فيها، خاصة في حلقاتهم ودروسهم العلمية، فإذا أذَّن المؤذّن أوقفوا الدروس، وتابعوا الأذان، وأمروا من لم يتابع المؤذن أن يتابعه، فينصتون كما ينصتون لقراءة القرآن، إلا أنهم يجيبون النداء بالأذكار المشروعة سرًا بقدر ما يسمع الإنسان نفسه ومن حوله.\nوكان شيخنا الإمام العامل بالسنة ابن باز ﵀ إذا أذَّن المؤذّن أنصت وتابع الأذان، وأمر من لم ينصت بمتابعة المؤذن، ولا أحصي ما رأيت من مواقفه في تطبيقه لهذه السُّنّة: سواء كان ذلك في الدروس العلمية، أو في المحاضرات والندوات، أو في الجلسات العامة في بيته أو في غيره، وقد رأيته في دروسه إذا شرع المؤذن في الأذان أوقف الدرس، وأرخى رأسه، وتابع الأذان، وكذلك جميع من يحضر مجلسه من تلاميذه وغيرهم يقتدون به، وينصتون كأن على رؤوسهم الطير، ويجيبون المؤذن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>الثاني عشر: حكم الخروج من المسجد بعد الأذان:</span>\nيَحْرُمُ خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في الوقت من مسجدٍ بلا عذر أو نية رجوع؛ لقول أبي هريرة - ﵁ - لرجل خرج بعد الأذان من المسجد: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٢). قال الترمذي: «وعلى هذا العمل عند\n_________\n(١) فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، مفتي المملكة العربية السعودية سابقًا، ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية، ٢/ ١٣٤. ثم قال: «ومن قال إنه يبدأ بأوله فإن أقام دليلًا ترجح قوله، وإلا فظاهر «إذا سمعتم» يتعلق بما سمع». ٢/ ١٣٤.\n(٢) أخرجه مسلم، في كتاب المساجد، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، برقم ٦٥٥.","vol":"1","page":156},{"text":"أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لابد منه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>الثالث عشر: كم بين الأذان والإقامة:</span>\nالأذان شُرِعَ للإعلام بدخول وقت الصلاة، فلابد من تقدير وقت يتسع للتأهب للصلاة وحضورها، وإلا لضاعت فائدة النداء، وحصل تفويت صلاة الجماعة على كثير من المريدين لها؛ لأن من كان على طعامه، أو شرابه، أو قضاء حاجته، أو غير متوضئ حال النداء إذا استمر على هذه الأمور أو قام يتوضأ فاتته الجماعة أو بعضها بسبب التعجيل وعدم الفصل بين الأذان والإقامة، لا سيما إذا كان مسكنه بعيدًا من مسجد الجماعة، وقد ترجم الإمام البخاري - ﵀ -: «بابٌ: كم بين الأذان والإقامة»؟ ولكن لم يثبت التقدير عنده (٢)، فذكر حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء» (٣). والأذانان هنا: الأذان والإقامة، ولا شك أن التمهل بين الأذان والإقامة من المعاونة على البر والتقوى المندوب إليها (٤)، وقد جاء من حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - ما يدل على الانتظار بين الأذان والإقامة، وفيه: «رأيت رجلًا كأنّ عليه ثوبين أخضرين فقام على المسجد فأذن، ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة»، وفي رواية: «أن الملك علَّمه الأذان، ثم استأخر عنه غير بعيد، ثم علّمه الإقامة» (٥).\nوسمعت العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «لا يعجل بالإقامة حتى يأمر بها الإمام، ويكون ذلك ربع ساعة أو ثلث\n_________\n(١) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الخروج من المسجد بعد الأذان، تحت الحديث رقم ٢٠٤.\n(٢) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ٨٩، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٢.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة، برقم ٦٢٤.\n(٤) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٢.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، برقم ٥٠٦، وبرقم ٤٩٩، وصححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٨، ١٠٢، برقم ٤٩٩، ٥٠٦.","vol":"1","page":157},{"text":"ساعة أو نحو ذلك، وإذا تأخر الإمام تأخرًا بيّنًا جاز أن يتقدم بعض الحاضرين فيصلي بالناس» (١).\nوالإمام أملك بالإقامة فلا يقيم المؤذن إلا بعد إشارته، والمؤذن أملك بالأذان؛ لأن وقته موكول إليه؛ ولأنه أمين عليه (٢)،وسمعت العلامة عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «الإمام هو المسؤول عن الإقامة، والمؤذن هو المسؤول عن الأذان، والحديث وإن كان ضعيفًا لكن يتأيد بقول علي، ويتأيد الجميع بفعل النبي - ﷺ -، فإنه كان - ﷺ - هو الذي يأمر بالإقامة، والعمدة على هذا لا على الحديث الضعيف» (٣).\n_________\n(١) سمعته منه أثناء شرحه للروض المربع في جامع الإمام تركي بن عبد الله - ﵀ - يوم الأربعاء ٦/ ١١/١٤١٨هـ، ١/ ٤٥١.\n(٢) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ٩٥.\n(٣) سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء شرحه لحديث رقم ٢١٦، ٢١٧ من بلوغ المرام.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>المبحث السابع عشر: شروط الصّلاة</span>\nالشرط في اللغة: العلامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١).\nواصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم (٢) لذاته (٣)، وشروط الصلاة تجب لها قبلها إلا النية، فالأفضل مقارنتها لتكبيرة الإحرام، وتستمر الشروط حتى نهاية الصلاة، وبهذا فارقت الأركان التي تنتهي شيئًا فشيئًا؛ والإركان تتركب منها ماهية الصلاة، والشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف (٤). وشروط الصلاة تسعة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>الشرط الأول: الإسلام</span>، وضدُّه الكفر، والكافر عمله مردود، ولو عمل أي عمل؛ لقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>الشرط الثاني: العقل</span>، وضده الجنون، والمجنون مرفوع عنه القلم حتى يفيق؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٧).\n_________\n(١) سورة محمد، الآية: ١٨.\n(٢) الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، للإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ص١٢.\n(٣) مثل: الوضوء للصلاة يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة؛ لأنه شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة؛ فلو توضأ إنسان فلا يلزمه أن يصلي، انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٢/ ٨٥.\n(٤) حاشية الروض المربع، ١/ ٤٦٠، و٢/ ١٢٢، وتوضيح الأحكام للبسام، ١/ ٤٣٧، والشرح الممتع، ٢/ ٨٧.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١٧.\n(٦) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.\n(٧) أبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا، برقم ٤٤٠١، ٤٤٠٢، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، برقم ٢٠٤١، ٢٠٤٢، والترمذي كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، برقم ١٤٢٣، وغيرهم، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٤ من حديث عائشة، وعلي وأبي قتادة - ﵃ -.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>الشرط الثالث: التمييز</span>، وضده الصغر، وحدّه سبع سنين، ثم يُؤمر بالصلاة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع» (١).وهذه الشروط الثلاثة لكل عبادة، إلا الزكاة، فإنها تخرج من مال المجنون والصغير، وكذا الحج يصح من الصغير (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>الشرط الرابع: رفع الحدث</span>، وهو الوضوء للحدث الأصغر، والغسل للحدث الأكبر؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (٤)؛ولحديث عبد الله بن عمر رضي ... الله عنهما يرفعه: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (٥)؛ ولحديث علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، برقم ٤٩٥، وأحمد، ٢/ ١٨٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٨٧.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب ما جاء في الوضوء، برقم ١٣٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٥.\n(٥) مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٤.","vol":"1","page":160},{"text":"التسليم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث: من البدن، والثوب، والبقعة</span>.\nأما إزالة النجاسة من البدن؛ فلأحاديث الاستنجاء، والاستجمار، وغسل المذي، فإنها تدل على وجوب الطهارة من النجاسة؛ لأن الاستنجاء والاستجمار وغسل المذي من البدن تطهير للبدن الذي أصابته نجاسة، ومن ذلك حديث أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة (٢) من ماء، وعنزة (٣)، فيستنجي بالماء» (٤)؛ ولحديث المقداد في قصة علي ﵄ في المذي، وفيه: «فليغسل ذكره وأنثييه» (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: مرّ النبي - ﷺ - بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (٦).\nوأما إزالة النجاسة من الثوب؛ فلحديث أسماء ﵂ قالت: جاءت امرأةٌ النبيَّ - ﷺ - فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف تصنع؟ قال: «تحتّه، ثم تقرصه بالماء، وتنضحه وتصلي فيه» (٧)؛ ولأحاديث غسل بول الجارية ونضح بول الغلام ما لم يطعم، فعن علي - ﵁ - يرفعه: «بول الغلام\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، برقم ٦١،والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، برقم٣،وصححه الألباني في إرواء الغليل،٢/ ٨.\n(٢) الإداوة: الإناء الصغير.\n(٣) العنزة: الحربة الصغيرة.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستنجاء بالماء، برقم ١٥٠، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز، برقم ٢٧١.\n(٥) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في المذي، برقم ٢٠٨،وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤١،وأصله في صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب غسل المذي والوضوء منه، برقم ٢٦٩.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، بابٌ: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، برقم ٢١٦، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول، برقم ٢٩٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، برقم ٢٢٧، ومسلم، كتاب الطهارة، باب نجاسة الدم وكيفية غسله، برقم ٢٩١.","vol":"1","page":161},{"text":"يُنضح وبول الجارية يُغسل» (١). وهذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعًا (٢).\nوأما إزالة النجاسة من البقعة؛ فلحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي - ﷺ -: «دعوه وهَرِيقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>الشرط السادس: ستر العورة مع القدرة بشيء لا يصف البشرة</span>، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عريانًا وهو يقدر على ستر عورته (٤)، وعورة الرجل من السرة إلى الركبة، والمرأة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة (٥)، لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٦)؛ ولحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٧). وعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل أصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم وازرره\n_________\n(١) أحمد، ١/ ٧٦، وأبو داود بنحوه، في كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب، برقم ٣٧٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١٨٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، باب بول الصبي يصيب الثوب، برقم ٣٧٨، ٣٧٩، وسنن الترمذي، باب ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم، برقم ٧١، وصححه الألباني في إرواء الغليل،\n١/ ١٨٨، وأصله في البخاري برقم ٢٢٢، ومسلم برقم ٢٨٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب صب الماء على البول في المسجد، برقم ٢٢٠، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره، برقم ٢٨٤.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ١١٦.\n(٥) ومن أهل العلم من قال: الأمة كالرجل عورتها من السرة إلى الركبة، ومنهم من قال: كالحرة كلها عورة إلا وجهها في الصلاة، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز أثناء تقريره على شروط الصلاة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يقول: «والأحوط أن تستتر كالحرة خروجًا من الخلاف لعموم الأدلة في ستر عورة المرأة».\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ٣١.\n(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المرأة تصلي بغير خمار، برقم ٦٤١، والترمذي، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب إذا حاضت الجارية لم تصلّ إلا بخمار، برقم ٦٥٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢١٤.","vol":"1","page":162},{"text":"ولو بشوكة» (١).\nوعن أم سلمة ﵂ أنها سألت النبي - ﷺ - تصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدّرعُ (٢) سابغًا (٣) يغطي ظهور قدميها» (٤).\nقال الإمام عبد العزيزبن عبد الله ابن باز -﵀-: «الواجب على المرأة الحرة المكلفة ستر جميع بدنها في الصلاة ما عدا الوجه والكفين؛ لأنها عورة كلها، فإن صلت وقد بدا شيء من عورتها: كالساق، والقدم، والرأس أو بعضه لم تصح َّصلاتها» (٥). وسمعته مراتٍ كثيرة يقول في حكم ستر الكفين في الصلاة: «الأفضل للمرأة أن تستر كفيها في الصلاة خروجًا من الخلاف، فإن لم تفعل فصلاتها صحيحة».\nوفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: «وإذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته» (٦). وعن أبي الأحوص عن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «المرأةُ عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان» (٧).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي في قميص واحد، برقم ٦٣٢، والنسائي، كتاب القبلة، باب الصلاة في قميص واحد، برقم ٧٦٦، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٩٥.\n(٢) الدرع: القميص.\n(٣) سابغًا: واسعًا.\n(٤) أخرجه أبو داود، في كتاب الصلاة، باب في كم تصلي المرأة، برقم ٦٤٠، قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: «وصحح الأئمة وقفه». وقال الإمام الصنعاني: «وله حكم الرفع وإن كان موقوفًا إذ الأقرب أنه لا مسرح للاجتهاد في ذلك». انظر: سبل السلام، ٢/ ١٠٩، وقد أخرجه أبو داود موقوفًا بلفظ: «عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؛ فقالت: «تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها» رقم ٦٣٩، وأخرجه مالك في الموطأ موقوفًا، ١/ ١٤٢، برقم ٣٦.\n(٥) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ١٠/ ٤٠٩.\n(٦) أحمد، ٢/ ١٨٧، بلفظه، وأبو داود بنحوه، في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، برقم ٤٩٥،والبيهقي، ٣/ ٨٤، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٣٠٢.\n(٧) الترمذي، كتاب الرضاع، بابٌ: حدثنا محمد بن بشار، برقم ١١٧٣، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٣٠٣.","vol":"1","page":163},{"text":"ولا بد من ستر العاتقين للرجل أو أحدهما عند القدرة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء» (١). فظاهر الحديث يدل على لزوم ستر العاتقين جميعًا عند القدرة، فإن عجز فلا شيء عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢). ولقول النبي - ﷺ - في حديث جابر بن عبد الله ﵄ في الثوب الواحد: «فإن كان واسعًا فالتحف به وإن كان ضيقًا فاتزر به» (٣).\nقال سماحة العلامة عبد العزيز ابن باز - ﵀ -: «أما مع القدرة على ستر العاتقين أو أحدهما فالواجب عليه سترهما أو أحدهما في أصح قولي العلماء، فإن ترك ذلك لم تصح صلاته؛ لقوله - ﷺ -: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء» (٤). والله ولي التوفيق» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>الشرط السابع: دخول الوقت</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٦) أي مفروضًا في الأوقات؛ ولقوله سبحانه:\n﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشمس إِلَى غَسَقِ الليل وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧)، وهذه الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس، فقوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ الشمس﴾ زوالها عن كبد السماء إلى جهة الغرب، وهو بداية دخول وقت صلاة الظهر، ويدخل في ذلك العصر، وقوله: ﴿إِلَى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، برقم ٣٥٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، برقم ٥١٦.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: إذا كان الثوب ضيقًا، برقم ٣٦١، ومسلم، كتاب الزهد، باب حديث جابر الطويل، برقم ٣٠١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٥٩، ومسلم، برقم ٣٠١٠، وتقدم تخريجه.\n(٥) مجموع الفتاوى، جمع الدكتور عبد الله بن محمد الطيار، «الطهارة والصلاة»،ص١٨.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(٧) سورة الإسراء، الآية: ٨٧.","vol":"1","page":164},{"text":"غَسَقِ الليل﴾ أي: بداية ظلمة الليل، وقيل: غروب الشمس. وأخذ منه دخول وقت: صلاة المغرب وصلاة العشاء، ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ يعني صلاة الفجر، ففي هذه الآية إشارة مجملة إلى أوقات الصلوات الخمس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>أما أوقات الصلوات الخمس تفصيلًا فعلى النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>١ - وقت الظهر </span>من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله؛ بعد فيء الظل؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرجلِ كطوله، ما لم يحضر وقت العصر» (٢)؛ ولحديث جابر - ﵁ - في إمامة جبريل للنبي - ﷺ - في الصلوات الخمس في يومين، فجاءه في اليوم الأول فقال: «قم فصلّه، فصلى الظهر حين زالت الشمس» ثم جاءه من الغد للظهر فقال: «قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله» ثم قال له في اليوم الثاني: «ما بين هاتين الصلاتين وقت» (٣). ويسن الإبراد بصلاة الظهر في وقت الحر، لكن لا يخرجها عن وقتها؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا اشتد الحرُّ فأبردُوا بالصلاة، فإن شدّة الحرّ من فيح جنهم» (٤).وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «السنة تأخير صلاة الظهر في وقت الحر، سفرًا وحضرًا، لكن لو\n_________\n(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٠/ ٥١٢ - ٥١٩، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص٧٩٢، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٤١٦.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، برقم ٦١٢.\n(٣) أحمد في المسند، ٣/ ٣٣٠، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي - ﷺ -، برقم ١٥٠، وحسنه، وقال: قال محمد [يعني الإمام البخاري]: «أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي - ﷺ -» ١/ ٢٨٢، وأخرجه النسائي، في كتاب الصلاة، باب آخر وقت العصر، برقم ٥١٣، والدارقطني، ١/ ٢٥٧ برقم ٣، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ١٩٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٧١، وأصل إمامة جبريل للنبي - ﷺ - في الصلوات الخمس، في صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، برقم ٦١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، برقم ٥٣٣، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، برقم ٦١٥.","vol":"1","page":165},{"text":"اعتاد الناس التبكير للمشقة عليهم بكر بالصلاة؛ لأن التأخير يشق عليهم» (١)،أما في غير وقت اشتداد الحر فالأفضل أن تصلى الصلاة في أول وقتها؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة في أول وقتها» (٢)، وسمعت العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «أي في أول وقتها بعد دخوله، ولو صليت في أثنائه أو في آخره فلا حرج، وقد كان - ﷺ - يصلي في أول الوقت، ويحافظ عليه إلا في حالين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>الحال الأولى في صلاة العشاء إذا تأخر الناس حتى يجتمعوا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>الحال الثانية في الظهر إذا اشتد الحر</span>، وكان في المغرب أكثر تبكيرًا، وكان الصحابة يصلون ركعتين قبلها، أما بقية الأوقات فهي أوسع وقتًا من المغرب» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>٢ - وقت العصر من خروج وقت الظهر</span>، أي إذا صار ظل كل شيء مثله دخل وقت صلاة العصر إلى أن تصفرَّ الشمس، أو إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، وهو مقارب لاصفرار الشمس، لكن اصفرار الشمس أوسع، وهو الذي استقر عليه التوقيت، ويجب أن تقدم الصلاة قبل الاصفرار؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس» (٤)؛ ولحديث جابر - ﵁ - في إمامة جبريل للنبي - ﷺ - قال: «قم فصلّه، فصلى العصر حين صار ظلُّ كل شيء مثله» ثم جاء في اليوم الثاني فقال: «قم\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لبلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ١٧١ وذلك في الجامع الكبير بالرياض، قبل عام ١٤٠٤هـ.\n(٢) أخرجه الحاكم واللفظ له، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ١٨٩، والترمذي بنحوه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل، برقم ١٧٠، ١٧٣ وحسنه، وأصله متفق عليه: البخاري، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم ٥٢٧، ولفظه: سألت النبي - ﷺ - أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قال: ثم أيّ؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال حدثني بهن رسول الله - ﷺ -، ولو استزدته لزادني». أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم ٨٥.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ١٨٣ من بلوغ المرام.\n(٤) مسلم، برقم ٦١٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":166},{"text":"فصله، فصلى العصر حين صار ظلُّ كل شيء مثليه» (١). وهذا وقت الاختيار من ظل كل شيء مثله إلى اصفرار الشمس، أما وقت الضرورة فإذا اصفرت الشمس إلى غروب الشمس؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢)،وإذا كان متعمدًا فقد أدرك الوقت مع الإثم؛ لقوله﵊ -: «تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا» (٣).أما إذا كان ناسيًا أو نائمًا فقد أدركها في الوقت وصلاها أداءً (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>٣ - وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلى غروب الشفق الأحمر</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق» (٥)، لكن الأفضل أن تُصلَّى في أول الوقت؛ لحديث جابر - ﵁ - في إمامة جبريل للنبي - ﷺ - أنه «جاءه المغرب فقال: قم فصلّه فصلى المغرب حين وجبت الشمس» ثم جاءه في اليوم الثاني المغرب وقتًا واحدًا لم يزل عنه (٦)؛ ولحديث رافع بن خديج - ﵁ - قال: «كنا نصلي\n_________\n(١) أخرجه أحمد،٣/ ٣٣٠،والترمذي، برقم ١٥٠،والنسائي، برقم ٥١٣،وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المواقيت، باب من أدرك من الفجر ركعة، برقم ٥٧٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، برقم ٦٠٧.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر، برقم ٦٢٢.\n(٤) سمعت ذلك من شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٧٣، وأثناء تقريره على الروض المربع، ١/ ٤٧١، وانظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للإمام ابن باز، ١٠/ ٣٨٤.\n(٥) أخرجه مسلم، برقم ٦١٢، وتقدم تخريجه.\n(٦) أحمد، ٣/ ٣٣٠، والترمذي، برقم ١٥٠، والنسائي، برقم ٥١٣، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":167},{"text":"المغرب مع النبي - ﷺ - فينصرف أحدنا وإنه ليُبصرُ مواقع نبله» (١). وسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن هذا الحديث إنه: «يدل على أن التبكير بالمغرب هو السنة المستقرة، لكن هذا لا يدل على أنَّ وقت المغرب وقتٌ واحد، بل آخر وقت المغرب هو غروب الشفق الأحمر» (٢). والسنة أن يصلي بعد الأذان ركعتين ثم تقام صلاة المغرب؛ لحديث عبد الله بن مغفل المزني - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «صلّوا قبل صلاة المغرب» قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة (٣). [أي طريقة واجبة مألوفة لا يتخلفون عنها] (٤). وفي رواية: «أن النبي - ﷺ - صلى قبل المغرب ركعتين» (٥). وفي حديث أنس - ﵁ -: «وكنا نصلي على عهد رسول الله - ﷺ - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب» (٦). وقال - ﵁ -: «كنا في المدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما» (٧). وهذا يدل أن هذه السنة ثبتت بالقول والفعل، والتقرير.\nوهذه الأحاديث تدلّ على أن السنة التبكير بصلاة المغرب بعد صلاة ركعتين عقب الأذان، وأن الوقت بين الأذان والإقامة قليل.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب وقت المغرب، برقم ٥٥٩، ومسلم، باب بيان أنّ أوّل وقت المغرب عند غروب الشمس، برقم ٦٣٧.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء شرحه للحديث رقم ٣٨٣ من بلوغ المرام.\n(٣) البخاري، كتاب التهجد، باب الصلاة قبل المغرب، برقم ١١٨٣، ٧٣٦٨.\n(٤) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٤، وسمعت هذا المعنى من الإمام ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام حديث رقم ٣٨٣.\n(٥) صحيح ابن حبان [الإحسان] ٣/ ٥٩، برقم ١٥٨٦.\n(٦) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب، برقم ٨٣٦.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب كم بين الأذان والإقامة، برقم ٦٢٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب، برقم ٨٣٧.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>٤ـ وقت صلاة العشاء من غروب الشفق الأحمر إلى نصف الليل الأوسط</span>، ووقت الضرورة إلى طلوع الفجر، لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط» (١)؛ ولحديث جابر - ﵁ - في إمامة جبريل للنبي - ﷺ - أنه: «جاءه العشاء فقال: قم فصلّه فصلى العشاء حين غاب الشفق» ثم في اليوم الثاني: «جاءه حين ذهب نصف الليل فصلى العشاء» (٢). أما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر فوقت ضرورة لمن نسي أو نام؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أَمَا إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلّها حين ينتبه لها» (٣). والأفضل في وقت صلاة العشاء التأخير ما لم يخرج وقتها، إذا لم يكن مشقة، فإذا كانوا جماعة في سفر، أو بادية، أو قرية فتأخير صلاة العشاء أفضل، إذا رأوا ذلك ما لم يشقّ على أحد، فعن عائشة ﵂ قالت: أعتم النبي - ﷺ - ذات ليلة حتى ذهب عامّةُ الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى فقال: «إنه لوقتُها لولا أن أشق على أمتي» (٤). وهذا دليل على أن آخر وقت العشاء أفضله (٥)، وقد كان - ﷺ - يراعي الأخف على الأمة، فعن جابر - ﵁ - قال: «والعشاء أحيانًا وأحيانًا، إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا أخّر» (٦)؛ ولأهمية المحافظة على وقت صلاة العشاء كان النبي - ﷺ - يكره النوم قبلها، ففي حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ -: «وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره\n_________\n(١) مسلم، برقم: ٦١٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) أحمد، ٣/ ٣٣٠، والترمذي، برقم ١٥٠، والنسائي، برقم ٥١٣، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، برقم ٣١١.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب وقت العشاء وتأخيرها، برقم ٦٣٨.\n(٥) انظر، سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٨.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت المغرب، برقم ٥٦٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها، برقم ٦٤٦.","vol":"1","page":169},{"text":"النوم قبلها، والحديث بعدها» (١). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «كره النوم قبل صلاة العشاء لأنه قد يفوّت صلاة العشاء، وكره الحديث بعدها؛ لأن السمر قد يفوّت عليه صلاة الفجر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>٥ - وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الأبيض الصادق</span>، وهو الفجر الثاني إلى نهاية الظلمة؛ لأن النبي - ﷺ - كان يصليها بغلس، ويمتد وقت الاختيار إلى طلوع الشمس (٣)؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس» (٤). ومما يؤكد التبكير بالفجر وصلاتها بغلس حديث جابر - ﵁ - في إمامة جبريل للنبي - ﷺ - وفيه: «ثم جاءه الفجر فقال: قم فصلّه، فصلى الفجر حين برق الفجر أو قد سطع الفجر» «ثم جاءه [من الغد] حين أسفر جدًّا ثم قال له: قم فصلّه، فصلى الفجر، ثم قال: ما بين هذين وقت» (٥). وكان النبي - ﷺ - لا يتعجَّل بصلاة الفجر، ولا يؤخرها عن الوقت المختار، ففي حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ -: «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة» (٦). وفي حديث جابر - ﵁ -: «والصبح كان النبي - ﷺ - يصلّيها بغلس» (٧). وسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «الغلس هو الفجر الواضح الذي به غلس من ظلمة آخر الليل» (٨). أما حديث رافع بن خديج - ﵁ - الذي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العصر، برقم ٥٤٧، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب التبكير بالصبح، برقم ٦٤٧.\n(٢) سمعته منه أثناء شرحه لحديث رقم ١٦٦ من بلوغ المرام.\n(٣) هكذا سمعته من سماحة الإمام ابن باز، وهو في مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ١٠/ ٣٨٥.\n(٤) مسلم، برقم ٦١٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) أحمد، ٣/ ٣٣٠، والترمذي، برقم ١٥٠، والنسائي، برقم ٥١٣، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٤٧، ومسلم، برقم ٦٤٧ وتقدم تخريجه.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٦٠، ومسلم، برقم: ٦٤٦، وتقدم تخريجه.\n(٨) سمعته منه أثناء شرحه لحديث رقم ١٦٧ من بلوغ المرام.","vol":"1","page":170},{"text":"قال فيه: قال رسول الله - ﷺ -: «أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم، أو أعظم للأجر». ولفظ الترمذي: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر» (١). ونقل الترمذي - ﵀ - عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق أن معنى الإسفار أن يتضح الفجر فلا يشك فيه» (٢). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «المراد لا تعجلوا حتى يتضح الصبح حتى لا يخاطر بالصلاة» (٣).\nوتدرك الصلاة أداءً في الوقت بإدراك ركعة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٤). وسمعت سماحة العلامة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «ويأثم إذا كان متعمدًا» (٥). ولا تجزئ الصلاة قبل الوقت، ويحرم تأخيرها عن وقتها المختار؛ لمفهوم أحاديث مواقيت الصلاة، ولقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ (٦).\nويجب فورًا قضاء الفوائت مرتبة ولو كثرت، لقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٧). ولحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» وفي لفظ لمسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها ...» (٨)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب وقت الصبح، برقم ٤٢٤، وابن ماجه، كتاب الصلاة، أبواب مواقيت الصلاة، برقم ٦٧٢، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء بالإسفار بالفجر، برقم ١٥٤، والنسائي، كتاب الصلاة، باب الإسفار، برقم ٥٤٨، ٥٤٩، وصححه الترمذي.\n(٢) الترمذي، ١/ ٢٩١.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ١٧٢ من بلوغ المرام.\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم ٥٧٩، ومسلم، برقم ٦٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه للروض المربع، ١/ ٤٨٠.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(٧) سورة طه، الآية: ١٤.\n(٨) متفق عليه: البخاري برقم ٥٩٧، ومسلم برقم ٦٨٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":171},{"text":"عمر بن الخطاب - ﵁ - جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله ماكدت أصلي صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي - ﷺ -: «والله ما صليتها» فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (١).\nوأُلحق بالنائم المغمى عليه ثلاثة أيام فأقل، وقد روي ذلك عن عمار، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب - ﵃ - (٢). وقيل: يقضي المغمى عليه ولو طالت المدة، وقيل: إن أغمي عليه خمس صلوات قضاها وإلا فلا، وقيل: لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء من وقتها، والصواب ما اختاره شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - رحمة الله عليه - وهو أن المغمى عليه يقضي الصلاة إذا كان الإغماء ثلاثة أيام فأقل؛ لأنه يلحق بالنائم، أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء عليه؛ لأن المغمى عليه مدة طويلة أكثر من ثلاثة أيام يشبه المجنون بجامع زوال العقل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>أما الحائض فلا قضاء عليها إلا في حالتين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>الحالة الأولى: إذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر</span>، وإذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، جاء ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس - ﵃ - (٤)؛ ولأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها، كما يلزمه فرض الثانية (٥)، وقال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: «عامة\n_________\n(١) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت برقم ٥٩٦.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٠ - ٥٢، والشرح الكبير، ٣/ ٨.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، جمع الطيار، ٢/ ٤٥٧.\n(٤) السنن الكبرى للبيهقي، ١/ ٣٨٦، ٣٨٧، وذكر هذه الآثار المجد ابن تيمية في المنتقى، رقم ٩١، ٩٢ وعزاها إلى سنن سعيد بن منصور.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٤٧.","vol":"1","page":172},{"text":"التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده» (١) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (٢)، وصوّبه الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - وأفتى به حتى مات - قدس الله روحه ونوّر ضريحه - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>الحالة الثانية: إذا أدركت المرأة وقت الصلاة ثم حاضت قبل أن تصلي</span>، فقد اختلف أهل العلم هل تقضي أم لا؟ والصواب أن المرأة إذا أدركت وقت الصلاة ثم لم تصلّ حتى تضيَّق الوقت- بحيث لا تستطيع الصلاة كاملة في آخره-، ثم حاضت قبل أن تصلي، وجب عليها أن تقضي هذه الصلاة بعد أن تطهر؛ لأنها فرَّطت في الصلاة، وهذا الذي يفتي به سماحة الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - (٤). وإذا كان وقت الصلاة الحاضرة يخشى خروجه صلى الحاضرة حتى لا تكون فائتة، ثم يصلي الفائتة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>ويقضي الصلوات الفائتة على حالها الذي فاتت عليه: </span>من عدد ركعاتها، أو سرّيتها، وجهريتها؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - الطويل في نوم النبي - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الفجر في السفر، وفيه: «ثم أذَّن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم» (٦). ويدل الحديث أيضًا على أن من فاتته صلاة واحدة صلى سنَّتها معها.\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق ٢/ ٤٦.\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢١/ ٤٣٤.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، جمع الشويعر، ١٠/ ٢١٦ - ٢١٧.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ١١، ٤٦، ٤٧،والاختيارات الفقهية لابن تيمية ص٣٤.\n(٥) سمعته من الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء شرحه للروض المربع، ١/ ٤٩٠.\n(٦) صحيح مسلم، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>الشرط الثامن: استقبال القبلة</span>، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١). واستقبال جهة البيت الحرام شرط لصحة الصلاة؛ لقول النبي - ﷺ - للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر» (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ في أهل قباء لما حُوّلت القبلة، قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أُنزل عليه الليلة قرآنٌ، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقْبَلُوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» (٣)؛ ولحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: «صلينا مع رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا [أو سبعة عشر شهرًا] ثم صرفنا نحو الكعبة» (٤).\nومن تمكن من رؤية الكعبة وجب عليه استقبال عينها فإن حال بينه وبينها حائل، أو كان بعيدًا عنها استقبل جهتها، وتحرَّى لذلك قدر الإمكان، ولا يضر الانحراف اليسير؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» (٥). وسمعت سماحة الإمام، شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن هذا الحديث: «صحيح، وهذا يؤيد عدم التكلف في الجهة، وأنه متى صلى إلى الجهة ولو انحرف عنها قليلًا هكذا أو هكذا فلا يضره ذلك،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٤٤.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ - البخاري، كتاب الأذان، باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة برقم ٧٩٣،ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، برقم ٣٩٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، برقم ٤٠٣، ومسلم، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، برقم ٥٢٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، رقم ٣٩٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، برقم ٥٢٥.\n(٥) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة، برقم ٣٤٢، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب القبلة، برقم ١٠١١. وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٣٢٤.","vol":"1","page":174},{"text":"فجهته التي صلى إليها هي القبلة، وهكذا قضاء الحاجة، يشرّق أو يغرّب أو يشمّل أو يجنّب على حسب جهته التي تخالف القبلة» (١). قال - ﵊ - في ذلك: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرّقوا أو غرّبوا» (٢).\nويسقط استقبال القبلة في الأحوال الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>الحالة الأولى: إذا اجتهد في استقبال القبلة طاقته ثم صلى فأخطأ</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)؛ ولقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤)؛ولحديث ابن عمر ﵄ في صلاة أهل قباء إلى الشام، فأُخْبروا أن الله قد أمر نبيه - ﷺ - باستقبال المسجد الحرام، فاستقبلوا الكعبة وهم في صلاتهم» (٥). والشاهد في الحديث أنهم بنوا على ما صلوا، ولم يقطعوا الصلاة، بل استداروا إلى الكعبة. وقد رُوِيَ عن عامر بن ربيعة - ﵁ - أنه قال: «كنا مع النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة فأشكلت علينا القبلة، فصلينا، فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا لغير القبلة، فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾» (٦). وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول عن هذا الحديث: «ضعيف عند أهل العلم، ولكن معناه صحيح، ويعضده عموم الأدلة والأصول المتبعة في الشريعة: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\nوالواجب على المسافر إذا حضرت الصلاة أن يجتهد ويتحرّى القبلة ثم يصلي حسب اجتهاده فإن ظهر بعد ذلك أنه صلى إلى غير القبلة أجزأته صلاته؛ لأنه أدَّى\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث ٢٢٦ من بلوغ المرام.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي أيوب - ﵁ -:البخاري، كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق، برقم ٣٩٤،ومسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، برقم٢٦٤.\n(٣) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري برقم ٤٠٣، ومسلم، برقم ٥٢٦، وتقدم تخريجه بلفظه.\n(٦) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، برقم ٢٩٥٧وضعفه، ولكن ذكر له العلامة الألباني طرقًا وشواهد عند الحاكم،١/ ٢٠٦،والبيهقي، ٢/ ١٠، وغيرهما، ثم حسنه في إرواء الغليل، ١/ ٢٢٣، والآية ١١٥ من سورة البقرة.","vol":"1","page":175},{"text":"ما عليه» (١).\nوالمجتهد يتعرَّف إلى جهة القبلة: بالمحاريب في المساجد، أو بالبوصلة، أو يسأل إن وجد من يدله، أو بأي وسيلة يستطيعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>الحالة الثانية: عند العجز</span>، كالأعمى الذي لا يجد من يوجهه، وعجز عن معرفة القبلة، والمريض الذي لا يستطيع الحركة، وليس عنده من يوجهه، والمأسور المربوط إلى غير القبلة، فقبلة هؤلاء هي الجهة التي يقدرون عليها، لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)؛ولقول النبي - ﷺ -: «فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>الحالة الثالثة: عند اشتداد الخوف على النفس أو المال</span>، فيستقبل الخائف الجهة التي يقدر عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٤)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>الحالة الرابعة: صلاة النفل على الراحلة</span>؛ لحديث عامر بن ربيعة - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - يصلّي على راحتله حيث توجهت به» (٦). زاد البخاري: «ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» (٧). وعن جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» (٨). وقد جاء في هذا\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٢٥ من بلوغ المرام.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم ١٣٣٧.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٩.\n(٥) مسلم، برقم ١٣٣٧، وتقدم تخريجه في الحاشية التي قبل السابقة.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت، برقم ١٠٩٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم ٧٠١.\n(٧) صحيح البخاري برقم ١٠٩٧.\n(٨) البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، برقم ٤٠٠.","vol":"1","page":176},{"text":"المعنى أحاديث أخرى، عن ابن عمر (١)، وأنس (٢) - ﵃ -.\nوعن أنس - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبّر، ثم صلى حيث وَجَّهَهُ ركابه» (٣). وسمعت الإمام\nعبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن هذا الحديث: «هذا ظاهره خلاف الأحاديث الصحيحة في الصحيحين، فليس فيها ذكر استقبال القبلة عند الإحرام، وهذه الزيادة تكون مقيدة، ويكون هذا على سبيل الاستحباب إذا تيسر الاستقبال عند الإحرام فهذا حسن جمعًا بين النصوص، فإذا لم يفعله فالصلاة صحيحة عملًا بالأحاديث الصحيحة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>الشرط التاسع: النية ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة</span>، وهي لغة القصد، وهو عزم القلب على الشيء، وشرعًا: العزم على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى؛ لحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات» (٥).\nوالنية نيتان: نية للمعمول له: وهي الإخلاص لله تعالى، ونية للعمل: وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض وقصدها ونيتها، فينوي تلك العبادة المعينة (٦). وزمن النية: أول العبادة، أو قبلها، بيسير، والأفضل قرنها بالتكبير خروجًا من خلاف من شرط ذلك (٧)، وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «ينوي مع التحريمة، وهذا\n_________\n(١) حديث ابن عمر في صحيح مسلم برقم ٧٠٠.\n(٢) وحديث أنس في صحيح مسلم برقم ٧٠٢.\n(٣) أبو داود، كتاب صلاة السفر، باب التطوع على الراحلة والوتر، برقم ١٢٢٥، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء شرحه للحديث رقم ٢٢٨ من بلوغ المرام.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، برقم ١، ومسلم، كتاب الجهاد، باب قوله - ﷺ -: إنما الأعمال بالنية، برقم ١٩٠٧.\n(٦) انظر: بهجة قلوب الأبرار للسعدي، ص٧.\n(٧) انظر منار السبيل، للشيخ العلامة إبراهيم الضويان، ١/ ٧٩.","vol":"1","page":177},{"text":"هو الأفضل وإن تقدمت يسيرًا فلا بأس» (١). ويشترط مع نية الصلاة تعيين ما يصليه بقلبه: من ظهر، أو عصر، أو جمعة، أو وتر، أو راتبة، لتتميز عن غيرها، وتجزئه نية الصلاة إذا كانت نافلة مطلقًا (٢).\nولا شك أن الصلاة عبادة عظيمة يشترط لها: الإخلاص لله - ﷿ - والمتابعة للنبي - ﷺ -، فهذان شرطان لكل عبادة.\nأما الإخلاص؛ فلقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٣).\nوأما المتابعة؛ فلقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤). وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٥).\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء شرحه للروض المربع، وذلك يوم الأربعاء،١٠/ ٦/١٤١٩هـ.\n(٢) انظر: منار السبيل، للعلامة إبراهيم بن محمد الضويان، ١/ ٧٩.\n(٣) متفق عليه، البخاري، برقم ١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه، البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، برقم ١٧١٨.\n(٥) مسلم، برقم ١٧١٨.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة</span>\nصفة الصلاة الكاملة من كل وجهٍ: هي أن يصلي المسلم كما كان النبي - ﷺ - يصلّي؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «... صلوا كما رأيتموني أصلي» (١). ومن أحب أن يصلي كما كان النبي - ﷺ - يصلّي فليصلّ على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>١ - يسبغ الوضوء وهو أن يتوضأ كما أمره الله - ﷿ </span>- عملًا بقوله - ﷾ -:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» (٣)، فيجب على المسلم العناية بالطهارة، قبل دخول الصلاة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>٢ - يتوجه إلى القبلة، وهي الكعبة</span>، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ...» (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، برقم ٦٣١.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه برقم ٢٢٤، وتقدم تخريجه في طهور المسلم.\n(٤) انظر: طهور المسلم للمؤلف ص٦٣.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٤٤.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣، ومسلم بلفظه، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه في طهور المسلم.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>٣ - يجعل له سترة يصلّي إليها إن كان إمامًا أو منفردًا</span>؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو بسهمٍ» (١)؛ولحديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» (٢). ويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا صلى أحدُكم فليصلّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها» (٣)؛ ولحديث سهل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا صلَّى أحدكم إلى سُترةٍ فليدنُ منها؛ لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (٤)، ويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفوف؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: «كان بين مصلى رسول الله - ﷺ - وبين الجدار ممر الشاة» (٥). وإذا أراد أحد أن يمر بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا صلى\nأحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه\nفليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان» (٦).وفي رواية لمسلم: «فإن\n_________\n(١) أخرجه الحاكم،١/ ٢٥٢، بنحوه، والطبراني في الكبير، ٧/ ١١٤ بلفظه، برقم ٦٥٣٩، وأحمد،\n٣/ ٤٠٤ بلفظ: «إذا صلى أحدكم فليستتر لصلاته ولو بسهم»،وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد،\n٢/ ٥٨، وقال: «رجال أحمد رجال الصحيح»، وسمعت سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - يقول في تعليقه على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٤٤: «دل هذا الحديث على تأكد السترة ولو بسهم».\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، برقم ٥١٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه، برقم ٦٩٨، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٥: «حسن صحيح»، وسمعت العلامة ابن باز - ﵀ - يقول في تعليقه على حديث ٢٤٤ من بلوغ المرام: «إسناده جيد، وهو يدل على تأكد السترة والدّنوّ منها».\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدنو من السترة، برقم ٦٩٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٠٣.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة برقم ٤٩٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة، برقم ٥٠٨، وانظر: سبل السلام للصنعاني، /١٤٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: يردُّ المصلي من مرَّ بين يديه، برقم ٥٠٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، برقم ٥٠٥.","vol":"1","page":180},{"text":"معه القرين» (١). ولا يجوز المرور بين يدي المصلي؛ لحديث أبي جُهيم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه» قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (٢).\nوسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: أنه أقبل راكبًا على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله - ﷺ - قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصف مع الناس وراء رسول الله - ﷺ -، ولم ينكر ذلك عليه أحد (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>٤ - يكبّر تكبيرة الإحرام، قائمًا، قاصدًا بقلبه فعل الصلاة التي يريدها: </span>من فريضة أو نافلة؛ تقربًا لله تعالى، قائلًا: الله أكبر، ناظرًا ببصره إلى محل سجوده، رافعًا يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة إلى حذو منكبيه، أو إلى حيال أذنيه؛ لقول النبي - ﷺ - في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٥)، ولقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (٦)؛ولقول النبي - ﷺ -\n_________\n(١) مسلم في الكتاب والباب السابقين، برقم ٥٠٦، وسمعت سماحة العلامة ابن باز أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٤٨، يقول: «وهذا يدل على أنه يشرع للمصلي إذا مر أحد بينه وبين سترته أن يرده، وظاهر النصوص الأخرى أن يردّه مطلقًا سواء كان له سترة أم لا، إلا إذا كان بعيدًا، ويردّ المار بالأسهل فالأسهل كما يردُّ الصائل».\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلي، برقم ٥١٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، برقم ٥٠٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب: سترة الإمام سترة من خلفه، برقم ٤٩٣، وألفاظه من هذا ومن رقم ١٨٥٧، ٤٤١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، برقم ٥٠٤.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري على الحديث رقم ٤٩٣، في جامع سارة بالرياض، بتاريخ ١٠/ ٦/١٤١٩هـ.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.","vol":"1","page":181},{"text":"لعمران بن حصين - ﵁ -: «صلّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ» (١)؛ ولحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات» (٢)،ولا ينطق بلسانه بالنية؛ لأن النبي - ﷺ - لم ينطق بها، ولا أصحابه - ﵃ - (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه» (٤)، وفي حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده»، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٥).\nوالأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه ثم كبّر</span>، فعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر» (٦)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - يحدّث به في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه ثم يُكبّر» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - كبر ثم رفع يديه</span>، فعن أبي قلابة أنه «رأى\n_________\n(١) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، بابٌ: إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب، برقم ١١١٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم١، ومسلم، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، ١١/ ٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، برقم ٧٣٥، ورقم ٧٣٩، ومسلم، كتاب الصلاة، برقم ٣٩٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، في كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود، برقم ٣٩١.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩٠.\n(٧) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد برقم ٨٢٨، واللفظ لأبي داود، برقم ٧٣٠.","vol":"1","page":182},{"text":"مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل هكذا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>الوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه</span>، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه» (٢). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة (٣).\nوأما النظر إلى موضع السجود، ومطأطأة الرأس، ورمي البصر نحو الأرض؛ فلما رواه البيهقي والحاكم، وشهد له حديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>٥ - يضع يديه على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع</span>، اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر قال: «صليت مع النبي - ﷺ - فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره» (٦)، وفي لفظ: «ثم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩١.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب إلى أين يرفع يديه، برقم ٧٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، برقم ٣٩٠.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢١٨، وسبل السلام للصنعاني،٢/ ٢١٧، والشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٣٩.\n(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٨٣،٥/ ١٥٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٤٧٩، وأحمد، ٢/ ٢٩٣، وصحح الألباني ما جاء في هذه الصفة في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٠.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، برقم ٤٢٩.\n(٦) أخرجه ابن خزيمة، في صحيحه، ١/ ٢٤٣، برقم ٤٧٩، والحديث جاء من طرق أخرى بمعناه، وله شواهد. انظر: صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٤٣، وصفة الصلاة للألباني، ص٧٩، وسمعت سماحة العلامة ابن باز - ﵀ - أثناء تقريره على الحديث رقم ٢٩٣ من بلوغ المرام يقول: «وهكذا رواه أحمد عن قبيصة عن أبيه أن النبي - ﷺ - كان يضع يديه على صدره، وإسناده حسن».","vol":"1","page":183},{"text":"وضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرُّسغ والساعد» (١)، وهذا يَعمُّ القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل - ﵁ - في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - «إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله» (٢)، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع» (٣)، وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: «كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي - ﷺ -» (٤)، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا يحتمل أن يكون نوعًا ثانيًا، ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>٦ - يستفتح الصلاة بدعاء الاستفتاح </span>وهو أنواع، يأتي بواحد منها ولا يجمع بينها، ولكن ينوّع لكل صلاة، ومنها:\nأ- عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ -، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة (٦) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة، برقم ٧٢٧، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٦٨ - ٦٩، وصفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٧٩.\n(٢) النسائي، كتاب الافتتاح، باب وضع اليمنى على الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٧، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٩٣.\n(٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٣/ ٤٤.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، برقم ٧٤٠.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٣ من بلوغ المرام.\n(٦) هنيَّة: أي وقت لطيف قصير، أو ساعة لطيفة. فتح الباري لابن حجر، مقدمة فتح الباري، ص٢٠٢.","vol":"1","page":184},{"text":"بالثلج والماء والبَرَدِ» (١).\nب - وإن شاء قال: «سبحانك اللهم وبحمدك (٢)، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك» (٣).\nج - وإن شاء قال ما ثبت عن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا قام إلى الصلاة (٤) قال: «وجهت وجهي للذي فطر السموات\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، برقم ٧٤٣، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، برقم ٥٩٨.\n(٢) سبحانك اللهم وبحمدك: أي سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك، والجد هنا: العظمة»، شرح النووي،٤/ ٣٥٥، وقيل: أسبحك حال كوني متلبسًا بحمدك. انظر: سبل السلام للصنعاني،\n٢/ ٢٢٤، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ٢٢: «يعني بحمدي لك، وثنائي عليك سبحتك: أي نزَّهْتك».\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، برقم ٣٩٩، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف، برقم ٢٥٥٥ - ٢٥٥٧،وابن أبي شيبة،١/ ٢٣٠، ٢/ ٥٣٦، وابن خزيمة، برقم ٤٧١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،١/ ٢٣٥.قال ابن تيمية: «وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يجهر بـ «سبحانك اللهم وبحمدك ..» ويعلمه الناس، فلولا أن هذا من السنن المشروعة لم يكن يفعله .. ويقرّه المسلمون عليه».انظر: قاعدة في أنواع الاستفتاح، ص٣١،وزاد المعاد لابن القيم،١/ ٢٠٢ - ٢٠٦.واختار الإمام أحمد الاستفتاح بحديث عمر؛ لعشرة أوجه ذكرها ابن القيم في زاد المعاد،١/ ٢٠٥.وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء شرحه للروض المربع،٢/ ٢٣ يقول: «وهو حديث ثابت من طرق عن جماعة من الصحابة» قلت: جاءت روايات أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعائشة، وأنسًا، وأبا سعيد، وعبد الله بن مسعود - ﵃ - رووه، واستفتح به عمر وأبو بكر وعثمان. انظر: المنتقى لأبي البركات عبد السلام بن تيمية مع نيل الأوطار،١/ ٧٥٦.\n(٤) وفي رواية ابن خزيمة، ١/ ٢٣٦، برقم ٤٦٤ بلفظ: «كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبّر ويقول ..» وقال شعيب وعبد القادر الأرناؤوط في تحقيقهما لزاد المعاد،١/ ٢٠٣: «وإسناده صحيح». وزاد ابن حبان هذه الزيادة أيضًا، ٥/ ٧٠، برقم ١٧٧٢، ولفظه: «كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة قال: وجهت وجهي». وقال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٢/ ٢٣٠: «وهو عند مسلم من حديث علي لكنه قيّده بصلاة الليل، وأخرجه الشافعي [في المسند ١/ ٧٢ - ٧٣]، وابن خزيمة، وغيرهما بلفظ: «إذا صلى المكتوبة واعتمده الشافعي في الأم» ا. هـ وتعقب الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - كلام ابن حجر في نقله أن مسلمًا قيَّده بصلاة الليل فقال: «هذا وهْمٌ من الشارح ﵀ وليس في رواية مسلم تقييده بصلاة الليل فتنبه، والله أعلم» الفتح،٢/ ٢٣٠. وقال الصنعاني - ﵀ - في سبل السلام، ٢/ ٢٢٣ على كلام ابن حجر - ﵀ -: «لم نجده في مسلم هذا الذي ذكره المصنف من أنه كان يقوله في صلاة الليل، وإنما ساق حديث علي - ﵁ - هذا في قيام الليل».","vol":"1","page":185},{"text":"والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (١). وإن شاء قال ما ثبت عن النبي - ﷺ - من الأنواع الأخرى في الاستفتاح (٢).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٧١.\n(٢) وذكر ابن تيمية - ﵀ - في كتاب: «قاعدة في أنواع الاستفتاح» ص٣١: «أن الاستفتاح لا يختص بـ «سبحانك اللهم»، و«وجهت وجهي» وغيرهما؛ بل يستفتح بكل ما روي، لكن فضل بعض الأنواع على بعض يكون بدليل آخر».وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام لابن حجر على الحديث رقم ٢٨٧ يقول: «وواحد من أدعية الاستفتاح يكفي، ولا يجمع بين دعاءين، وما صح في صلاة النافلة يصح في الفريضة، لكن ما كان فيه طول فالأولى أن يكون في صلاة الليل». وهناك أدعية للاستفتاح إضافة إلى ما تقدم منها:\n٤ - عن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: سألت عائشة أم المؤمنين ﵂: بأي شيء كان نبي الله - ﷺ - يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». مسلم، برقم ٧٧١.\n٥ - عن أنس - ﵁ - أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النفس، فقال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه» فقال رسول الله - ﷺ -: «.. لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيهم يرفعها» مسلم، برقم ٦٠٠.\n٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ - إذ قال رجل من القوم: «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا» فقال رسول الله - ﷺ -: «.. عجبت لها فتحت لها أبواب السماء» مسلم، برقم ٦٠١.\n٧ - عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة ﵂ بم كان رسول الله - ﷺ - يستفتح قيام الليل؟ قالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك، كان إذا قام: «كبّر عشرًا، وحمد عشرًا، وسبَّح عشرًا، وهلَّل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة». أبو داود، برقم ٧٦٦، والنسائي، برقم ١٦١٧، وأحمد، ٦/ ١٤٣، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٩، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٦.\n٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيّم السموات والأرض ومن فيهن [ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن] [ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن] [ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض] [ولك الحمد] [أنت الحقُّ، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد - ﷺ - حق، والساعة حق] [اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدَّمتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ] [أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت] [أنت إلهي لا إله إلا أنت]، البخاري، برقم ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩، ومسلم مختصرًا بنحوه، برقم ٧٦٩. وغير ذلك من أنواع الاستفتاح، انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٠٢ - ٢٠٧.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>٧ - يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» </span>لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١)، أو يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه (٢)، ونفخه (٣)، ونفثه (٤») (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>٨ - يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، سرًّا</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «صلَّيْتُ خلف رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم» (٦)، والبسملة آية مستقلة (٧).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٢) همزه: المؤتَة: نوع من الجنون.\n(٣) نفخه: الكبر.\n(٤) نفثه: الشعر المذموم.\n(٥) أخرجه أحمد، ٣/ ٥٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، برقم ٧٧٥، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة، برقم ٢٤٢، وحسّنه: عبد القادر وشعيب الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد، ١/ ٢٠٤، وحسّنه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٩٠، وانظر أيضًا: مسند أحمد، ٤/ ٨٠، ٨٥، وسنن أبي داود، برقم ٧٦٤، وابن ماجه، برقم ٨٠٧، وابن حبان، برقم ٤٤٣، والحاكم، ١/ ٢٣٥.\n(٦) أحمد في المسند، ٣/ ٢٦٤، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، برقم ٩٠٧، واللفظ له، وابن خزيمة في صحيحه، ١/ ٢٤٩، برقم ٤٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٩٧.\n(٧) سمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء شرحه لحديث رقم ٢٩٧ - ٣٠٠ من بلوغ المرام يقول: «والبسملة آية مستقلة ليست من الفاتحة ولا من غيرها، أنزلها الله فصلًا بين السور، إلا أنها بعض آية من سورة النمل، وهذا هو الأرجح، أما بالنسبة للآية السابعة من الفاتحة عند المحققين فهي\n﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالّينَ﴾.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-478>٩ - يقرأ الفاتحة ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمِينَ* </span>الرحمن الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهدِنَا الصّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالّينَ﴾؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١).\nوقراءة الفاتحة تجب على كل مصلٍّ، ويدخل في ذلك المأموم في الصلاة الجهرية والسرية؛ لرواية حديث عبادة - ﵁ - السابق، يرفعه: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» قلنا: نعم، هذًّا يا رسول الله:، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها» (٢). وعن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ»؟ قالوا: إنا لنفعل، قال: «لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (٣)،وتسقط الفاتحة عن مسبوقٍ أدرك الإمام راكعًا، لحديث أبي بكرة - ﵁ - أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ» (٤).\nولم يأمره النبي - ﷺ - بقضاء الركعة التي أدرك ركوعها دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره - ﷺ - بإعادتها.\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيها وما يخافت، برقم ٧٥٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، برقم ٣٩٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، برقم ٨٢٣، والترمذي، كتاب الصلاة، باب القراءة خلف الإمام، برقم ٣١١،وأحمد،٥/ ٣٢٢، وابن حبان في الإحسان،٣/ ١٣٧، برقم ١٧٨٢،قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: «وصححه أبو داود والدارقطني والترمذي، وابن حبان والحاكم والبيهقي،١/ ٢٣١».\n(٣) أحمد في المسند، ٥/ ٤١٠،قال ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ٢٣١: «إسناده حسن».\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: إذا ركع دون الصف، برقم ٧٨٣.","vol":"1","page":188},{"text":"وتسقط عن المأموم مع السهو والجهل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>١٠ - يقول بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة: «آمين» </span>يجهر بها في الجهرية، ويُسرُّ في السّرية، [ومعناها: اللهم استجب]؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا فرغ من قراءة أمّ القرآن رفع صوته وقال:\n«آمين» (٢)؛ ولحديثه - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أمَّن الإمام فأمّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه» (٣)؛ ولحديثه - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: مين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» (٤). ومن لم يستطعْ قراءة الفاتحة وعجز عنها قرأ غيرها مما تيسَّر من القرآن، فإن لم يكن عنده شيء قال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلّمْني ما يجزئني منه، فقال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (٥).\n_________\n(١) سمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على شروط الصلاة وأركانها للإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ يذكر أن الفاتحة ركن في الصلاة في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فهي واجبة في حقه تسقط مع السهو والجهل، وإذا سبقه الإمام فوجده راكعًا، لحديث أبي بكرة ولم يأمره النبي - ﷺ - بقضاء الركعة.\n(٢) الدارقطني في سننه، وحسّنه،١/ ٣١١،والحاكم في المستدرك،١/ ٢٢٣، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي وقال: حسن صحيح، ٢/ ٥٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين، برقم ٧٨٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب جهر المأمومين بالتأمين برقم ٧٨٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد، برقم ٤١٠.\n(٥) أحمد في المسند، ٤/ ٣٥٣، ٣٥٦، ٣٨٢، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة، برقم ٨٣٢، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن، برقم ٩٢٤، وابن حبان، برقم ١٨٠٥ - ١٨٠٧، وصححه، والدارقطني وصححه، ١/ ٣١٣، والحاكم، ١/ ٢٤١، وصححه ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>١١ـ يقرأ سورة بعد الفاتحة، أو ما تيسر من القرآن </span>في ركعتي الصبح، والجمعة، وفي الركعتين الأوليين: من صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي جميع ركعات النفل؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يُطوّل في الأولى ويُقصّر في الثانية، ويُسمعُ الآية أحيانًا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يُطوّل في الأولى، وكان يُطوّل في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويُقصّر في الثانية» (١). وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا» (٢)، وأما صلاة الظهر خاصة فقد ثبت ما يدل على أنه ربما قرأ في الركعتين الأخريين زيادة مع سورة الفاتحة، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كنا نحزر (٣) قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم، تَنزِيلُ﴾ السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه من الأخريين من الظهر، وفي الأخريين على النصف من ذلك». وفي لفظ: «كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية [في كل ركعة] أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك» (٤).وهذا الحديث يدل على أنه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في الظهر، برقم ٧٥٩، واللفظ له، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥١.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في صلاة العصر، برقم ٧٦٢.\n(٣) نحزر: نقدر. انظر: المصباح المنير للفيومي، ١/ ١٣٣.\n(٤) أخرجه مسلم، في كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥٢، وأحمد، ٣/ ٨٥، وما بين المعقوفين من مسند أحمد، ٣/ ٨٥.","vol":"1","page":190},{"text":"- ﷺ - كان يقرأ أحيانًا بزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين من الظهر (١). وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة - ﵁ - قال: ما رأيت رجلًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل» (٢)، وربما طول النبي - ﷺ - القراءة في صلاة الظهر أكثر مما تقدَّمَ؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله - ﷺ - في الركعة الأولى مما يُطوّلُها» (٣)، وثبت من حديث أبي برزة الأسلمي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يصلي الصبح وينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة» (٤)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -﵀- يقول في القراءة في الصلوات الخمس: «الأفضل في الفجر من طوال المفصل (٥)، وفي الظهر والعصر والعشاء من أواسطه، وفي المغرب من قصاره؛ لفعل النبي - ﷺ - في الأغلب، ولا بأس أن يقرأ من قصاره في الصبح في السفر\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٨٠٢.\n(٢) النسائي بنحوه، كتاب الافتتاح، باب القراءة في المغرب بقصار المفصل، برقم ٩٨٣، وأحمد واللفظ له، ٢/ ٣٢٩،وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري وبلوغ المرام، انظر: نيل الأوطار، ١/ ٨١٣، وصحح إسناده الإمام ابن باز أثناء شرح الروض المربع، ٢/ ٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢١٢، برقم ٩٣٩.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٤٧، ومسلم، برقم ٦٤٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) حزب المفصل من سورة ق إلى سورة الناس، وطواله من ق إلى عم، وأواسطه منها إلى الضحى، والقصار إلى الآخر: انظر: حاشية الروض المربع لابن القاسم،٢/ ٣٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، قال في سورة ق: «هي أول الحزب المفصل على الصحيح وقيل: من الحجرات، ٤/ ٢٢١.","vol":"1","page":191},{"text":"والمرض، لكن الأفضل ما تقدم؛ لحديث سليمان ابن يسار عن أبي هريرة - ﵁ - (١) عن النبي - ﷺ -» (٢).\nوقال الإمام ابن القيم - ﵀ - في قراءته - ﷺ - بعد الفاتحة: «فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة، ويخففها لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبًا» (٣). قلت: الأفضل في ذلك مراعاة فعل النبي - ﷺ - في جميع الأوقات، والأحوال، والأزمان (٤).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٩٨٣، وأحمد، ٢/ ٣٢٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) سمعته منه أثناء شرحه على الروض المربع، ٢/ ٣٤.\n(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٢٠٩.\n(٤) فقد ثبت غير ما تقدم على النحو الآتي:\n١ - قرأ في صلاة المغرب بالمرسلات [البخاري، برقم ٧٦٣، ٤٤٢٩، ومسلم، برقم ٤٦٢] والأعراف [البخاري، برقم ٧٦٤] والطور [البخاري، برقم ٧٦٥، ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤، ومسلم، برقم ٤٦٣] والدخان [النسائي، برقم ٩٨٨،قال الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد،١/ ٢١١: «ورجاله ثقات وسنده حسن] وقرأ بقصار المفصل [النسائي، برقم ٩٨٣،وذكر الألباني أن الطبراني في الكبير أخرج بإسناد صحيح أنه - ﷺ - قرأ بالأنفال في الركعتين [صفة الصلاة، ص١١٥].\n٢ - وأما في العشاء، فنقل أبو هريرة: إذا السماء انشقت [البخاري، برقم ٧٦٦ - ٧٦٨] والتين والزيتون من حديث البراء [البخاري، برقم ٧٦٧، ٧٦٩، ومسلم، برقم ٤٦٤] ووقت لمعاذ بسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، والضحى، ونحو ذلك [مسلم، برقم ٤٦٥].\n٣ - وأما في الفجر فكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة [البخاري، برقم ٥٤٧، ومسلم، ٦٤٧] وتقدم تخريجه، وقرأ المؤمنون [البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين سورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، ومسلم، برقم ٤٥٥] وقرأ بسورة ق والقرآن المجيد [مسلم، برقم ٤٥٧ - ٤٥٨] وبسورة التكوير [مسلم، برقم ٤٥٦] وبسورة الروم [أحمد، ٣/ ٤٧٢، والنسائي، ٢/ ١٥٦، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: «وهذا إسناد حسن ومتن حسن» وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد، ١/ ٢٠٩] وقرأ بسورة إذا زلزلت في الركعتين كلتيهما [أبو داود، برقم ٨١٦، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ١٥٤].وقرأ بسورة الطور في صلاة الصبح عند طواف الوداع لحجة الوداع [البخاري ... تعليقًا].وقرأ بالمعوذتين [أخرجه النسائي من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -،برقم ٩٥٢،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، برقم ٩١٢]،وقرأ بالواقعة ونحوها من السور [صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٦٥،برقم ٥٣١،وصحح إسناده الألباني في صفة الصلاة، ص١٠٦].وكان يقرأ في فجر الجمعة: الم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان [البخاري، برقم ٨٩١،ومسلم، برقم ٨٧٩].\n٤ - أما في صلاة الظهر فكان يُطوّلُها أحيانًا لما تقدم فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يدرك الركعة الأولى [مسلم، ٤٥٤ وتقدم] وأحيانًا يقرأ بقدر قراءة «ألم* تنزيل» السجدة في الركعتين الأوليين، وفي الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك، وأحيانًا يقرأ في الركعتين الأوليين بقدر ثلاثين آية في كل ركعة، والركعتين الأخريين بقدر خمس عشرة آية في كل ركعة [مسلم، برقم ٤٥٢، وأحمد، ٣/ ٨٥]، وقرأ الليل إذا يغشى [مسلم، برقم ٤٥٩]، وسبح اسم ربك الأعلى [مسلم، برقم ٤٦٠]، وكان يقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، ونحوهما من السور [أبو داود، برقم ٨٠٥، والترمذي، برقم ٣٠٧، والنسائي، ٢/ ١٦٦، برقم ٩٧٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢١٢، برقم ٩٣٥] وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقون [مسلم، برقم ٨٧٩]، أو بسبح والغاشية [مسلم، برقم ٨٧٨]، أو بالجمعة والغاشية [مسلم، برقم ٦٣ (٨٧٨)].\n٥ - أما صلاة العصر فقد تقدم أنه قرأ في الأوليين بقدر نصف «ألم* تنزيل» السجدة، وفي لفظ أنه قرأ بقدر خمس عشرة آية في كل ركعة [مسلم، برقم ٤٥٢، وأحمد، ٣/ ٨٥. وتقدم] وكان يقرأ بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج ونحوهما من السور [أبو داود، برقم ٨٠٥ والترمذي، برقم ٣٠٧، والنسائي، برقم ٩٧٩، وتقدم] وقال الإمام ابن القيم - ﵀ - «والعصر فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت وبقدها إذا قصرت» [زاد المعاد، ١/ ٢١٠].\n٦ - أما الأعياد فكان - ﷺ - يقرأ فيها بـ «ق» و«اقتربت» [مسلم، برقم ٨٩١]، أو بسبح والغاشية [مسلم، برقم ٨٧٨]، فهذه سنته - ﷺ -، ومع ذلك فقد أمر بالتخفيف؛ لأن في الناس: [«الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض، وذا الحاجة»] [مسلم، برقم ٤٦٦] «فإذا صلى وحده فليصلّ كيف شاء» [مسلم، برقم ٤٦٧] وقال - ﷺ -: «إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجدِ أمه» [مسلم، برقم ٤٧٠]، فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي - ﷺ - وواظب عليه لا إلى شهوة المأمومين، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون، ويدل عليه ما رواه النسائي عن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بالتخفيف ويؤمُّنا بالصافات» [النسائي، ٢/ ٩٥، برقم ٨٢٦]، وصححه الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢١٤، قال ابن القيم - ﵀ -: «فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي أمر به والله أعلم» ١/ ٢١٤. «وكان يُطوّل الأوليين ويقصر الأخريين من كل صلاة» [البخاري، ٧٧٠، ومسلم، ٤٥٣].\nعن السعدي عن أبيه أو عن عمه قال: رمقتُ النبي - ﷺ - في صلاته، فكان يتمكن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: «سبحان الله وبحمده ثلاثًا». أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود، برقم ٨٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٥٠.\nوعن سعيد بن جبير قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما صليت وراء أحد بعد رسول الله - ﷺ - من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. سنن أبي داود، برقم ٨٩٦، والنسائي، برقم ١١٣٥، ٢/ ٢٢٤، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص ٧٢. وأحمد، برقم ١٢٦١، ٢٠/ ١٠٠، وضعفه المحققون، لكن قول أنس: «ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من هذا الغلام - يعني عمر بن عبد العزيز» روي بأسانيد يرتقي بعضها إلى الصحة. قاله المحققون لمسند أحمد، ٢٠/ ١٠٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٢٢ «ما صليت وراء إمام أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من إمامكم هذا» قال زيد بن أسلم، وكان عمر بن عبد العزيز يتم الركوع والسجود، ويخفف القيام والقعود.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>١٢ـ إذا فرغ من القراءة كلها سكت سكتة </span>بقدر ما يترادُّ إليه نَفَسُه حتى لا يصل القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى قبل قراءة الفاتحة؛ فإنه يقرأ فيها دعاء الاستفتاح فتكون بقدره؛ لحديث الحسن عن سمرة عن النبي - ﷺ - «أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ من القراءة كلها» (١). قال الترمذي: «وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>١٣ - يركع مكبرًا رافعًا يديه إلى حذو منكبيه، أو أذنيه</span>، جاعلًا رأسه حيال ظهره، واضعًا يديه على ركبتيه، مفرقًا أصابع يديه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته وفيه: «ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا» (٤)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب السكتة عند الافتتاح، برقم ٧٧٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في السكتتين في الصلاة، برقم ٢٥١، وحسنه، وأحمد في المسند، ٥/ ٢٣، وقال الترمذي: قال محمد: قال علي بن عبد الله: «حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح وقد سمع منه»\n١/ ٣٤٢، وقال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر الخلاف في موضع السكتتين هل أحدهما بعد ولا الضالين أم أنها بعد الفراغ من القراءة كلها، أم أنها ثلاث سكتات؟ قال: «وقد صح حديث السكتتين من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين» زاد المعاد، ١/ ٢٠٨، وقال أحمد محمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي، ١/ ١٤٣: «وفي سماع الحسن عن سمرة خلاف طويل قديم والصحيح أنه سمع منه كما رجَّحه ابن المديني، والبخاري، والترمذي، والحاكم وغيرهم».\n(٢) انظر: فتاوى ابن تيمية ٢٢/ ٣٣٨ وقال: «لا يُسْتَحَبُّ إلا سكتتان» وذكر أن الأولى للاستفتاح، والثانية عند الفراغ من القراءة للاستراحة والفصل بينها وبين الركوع، وأما السكوت عقب الفاتحة فلا يَسْتَحبّه أحمد والجمهور. وذكر الإمام ابن باز في مجموع فتاويه،١١/ ٨٤ أن الثابت سكتتان: الأولى تسمى سكتة الاستفتاح، والثانية عند آخر القراءة قبل الركوع، وأما الثالثة بعد الفاتحة فالحديث فيها ضعيف فالأفضل تركها.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، برقم ٧٥٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، برقم ٣٩٧.","vol":"1","page":194},{"text":"قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع» (١)، وفي لفظ: «إنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -» (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - «كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع ...» (٣)،وفي حديث مالك بن الحويرث - ﵁ -: «كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه» (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂: «وكان إذا ركع لم يشخص رأسه (٥) ولم يصوّبه ولكن بين ذلك» (٦)؛ ولحديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - أنه قال لنفر من أصحاب النبي - ﷺ -: «أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -، رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه [وفرج بين أصابعه] ثم هصر (٧) ظهره ...» (٨). وفي لفظ: «ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابضٌ عليهما، ووتَّر (٩) يديه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا رفعه من الركوع فيقول فيه: «سمع الله لمن حمده» برقم ٣٩٢.\n(٢) البخاري، برقم ٧٨٥، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٥، ومسلم، برقم ٣٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٧، ومسلم، برقم ٣٩١، وتقدم تخريجه.\n(٥) لم يشخص رأسه: الإشخاص هو الرفع، ولم يصوّبه: أي لم يخفضه خفضًا بليغًا ولكن بين ذلك: أي بين الرفع والخفض.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به، وصفة الركوع والاعتدال منه ... برقم ٤٩٨.\n(٧) هصر ظهره: أي ثناه إلى الأرض، النهاية، ٥/ ٢٦٤.\n(٨) البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، برقم ٨٢٨، وما بين المعقوفين لأبي داود في سننه، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣١ ورقم ٧٣٠ وفي أوله عن محمد بن عمرو بن عطاء قال سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وصححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٤١.\n(٩) ووتَّر يديه: أي عوّجهما من التوتير وهو جعل الوَتَر على القوس، فتجافى عن جنبيه: أي نحَّى مرفقيه عن جنبيه حتى كأن يديه على الوتر وجنبه كالقوس. عون المعبود،٢/ ٤٢٩.","vol":"1","page":195},{"text":"فتجافى عن جنبيه ..» (١).وفي حديث رفاعة بن رافع عن النبي - ﷺ -: «وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك» (٢)،وعن وابصة بن معبد - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي، فكان إذا ركع سوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرّ» (٣). ويطمئن في ركوعه؛ لقول حذيفة - ﵁ - لرجلٍ رآه لا يتمُّ الركوع والسجود، فقال له: «ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله [عليها] محمدًا - ﷺ -» (٤)، وعن البراء بن عازب ﵄ قال: «كان ركوع النبي - ﷺ -، وسجوده، وقعوده بين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>١٤ - يقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم» </span>والأفضل [ثلاثًا]؛ لحديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - أنه صلى مع النبي - ﷺ - فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» وفي سجوده «سبحان ربي الأعلى» (٦)، وفي رواية: «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات، وإذا سجد قال: «سبحان ربي\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤١. ورواه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أنه يجافي يديه عن جنبيه في الركوع، برقم ٢٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٨٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم ٨٥٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٧٦٥، ١/ ١٦٢.\n(٣) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٨٧٢،وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد،٢/ ١٢٣،وعزاه للطبراني في الكبير وأبي يعلى وقال رجاله موثقون.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الركوع، برقم ٧٩١، ورواه برقم ٣٨٩، و٨٠٨، وما بين المعقوفين للكشميهني كما في فتح الباري، ٢/ ٢٧٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: وحد إتمام الركوع والاعتدال فيه والطمأنينة، برقم ٧٩٢، وباب المكث بين السجدتين، برقم ٨٢٠،ورواه برقم ٨٠١، و٨٢٠،ومسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفهما في تمام برقم ٤٧١.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٢، وأبو داود بلفظه في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧١.","vol":"1","page":196},{"text":"الأعلى» ثلاث مرات (١)، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت عن النبي - ﷺ - ومن ذلك ما يأتي:\nأولًا: حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّل القرآن (٢).\nثانيًا: وقالت ﵂: كان - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح» (٣).\nثالثًا: وعن عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك (٤).\nرابعًا: وفي حديث علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - إذا ركع قال: «اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومُخّي وعظمي وعَصَبي» (٥).\nونهى النبي - ﷺ - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود فقال: «ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وأما الركوع فعظّموا فيه الرب - ﷿ -، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ (٦) أن يُستجاب لكم» (٧).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٨٨٨، وصحح الألباني هذه الزيادة لشواهدها الكثيرة عن جماعة من الصحابة عن النبي - ﷺ - فعلًا وقولًا. انظر: إرواء الغليل،٢/ ٣٩ - ٤٠، وصفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني، ص١٣٦، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء في الركوع، برقم ٧٩٤، ٨١٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٤.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٨٣، والنسائي، كتاب الإمامة، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٩، وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.\n(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - بالليل، برقم ٧٧١.\n(٦) قمن: أي حقيق وجدير.\n(٧) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم ٤٧٩.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>١٥ - يرفع رأسه من الركوع </span>(١) رافعًا يديه حذو منكبيه أو أذنيه (٢) قائلًا: سمع الله لمن حمده - إذا كان إمامًا أو منفردًا - ويقولان بعد قيامهما: «ربنا ولك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (٣). أما إن كان مأمومًا فإنه يقول عند الرفع: «ربنا ولك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤). وقوله: «اللهم ربَّنا لك الحمد» ثبت لها أربعة أنواع:\nالنوع الأول: «ربنا لك الحمد» لحديث أبي هريرة - ﵁ -:كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: «ربنا لك الحمد» (٥).\nالنوع الثاني: «ربنا ولك الحمد»؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٦).\n_________\n(١) لقوله - ﷺ - في حديث المسيء صلاته: «ثم ارفع حتى تعدل قائمًا» البخاري، برقم ٧٥٧، ومسلم، برقم ١٣٩٧.\n(٢) لحديث عبد الله بن عمر ﵄ البخاري، برقم ٧٣٥،ومسلم، برقم ٣٩٠، ولحديث مالك بن الحويرث - ﵁ -،البخاري، برقم ٧٣٧،ومسلم، برقم ٣٩١،وتقدم تخريجهما.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٧٩٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد، برقم ٧٩٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، برقم ٤٠٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة إلا رفعه من الركوع، برقم ٣٩٢.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، برقم ٧٣٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١١.","vol":"1","page":198},{"text":"النوع الثالث: «اللهم ربَّنا لك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» (١).\nالنوع الرابع: «اللهم ربَّنا ولك الحمد»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (٢)، فالأفضل أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة؛ لثبوته عن النبي - ﷺ -،والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يزيدوا بعد «ربنا ولك الحمد» فيقولوا: «حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه» (٣) «ملء السموات، وملء الأرض، [وما بينهما] وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» «اللهم طهّرْني بالثلج، والبَرَدِ، والماء البارد، اللهم طهّرْني من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الوسخ (٤») (٥) «لربي الحمد» يكررها؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوًا من ركوعه يقول: (لربي الحمد» (٦). والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يضع كل منهم يده اليمنى على\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٦، ومسلم، برقم ٤٠٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) لحديث رفاعة بن رافع - ﵁ - قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي - ﷺ - فلما رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال من المتكلم؟ قال: أنا. قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول» البخاري، كتاب الأذان، بابٌ حدثنا معاذ بن فضالة، برقم ٧٩٩.\n(٤) وفي لفظ: «من الدرن»، وفي لفظ: «من الدنس».\n(٥) لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض. الحديث أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٤٧٧ وقوله «وما بينهما» زيادة لابن عباس ﵄ في صحيح مسلم، برقم ٤٧٨.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.","vol":"1","page":199},{"text":"اليسرى على صدره بعد الرفع من الركوع كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لحديث وائل - ﵁ - قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله» (١).\nويطمئنُّ في قيامه بعد الرفع من الركوع، فعن ثابت عن أنس - ﵁ - قال: إني لا آلو أن أصلّيَ بكم كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي (٢). ويقول في هذا الركن الأذكارَ المشروعةَ سوى ما تقدم إذا شاء (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>١٦ـ يسجد مُكبّرًا، واضعًا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك </span>فإن شقَّ عليه قدّم يديه قبل ركبتيه، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «ثم يُكبّر حين يهوي ساجدًا» (٦)؛ ولحديث وائل بن حُجْرٍ - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٧). ويستقبل بأصابع يديه ورجليه\n_________\n(١) النسائي، برقم ٨٨٧ وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب المكث بين السجدتين، برقم ٨٢١، ومسلم، كتاب الصلاة، باب اعتدال أركان الصلاة وتخفيفها في تمام برقم ٤٧٢.\n(٣) هناك أذكار أخرى لم تذكر، انظر: صحيح مسلم، برقم ١٧٦ برواياته، وسنن أبي داود، برقم ٨٧٤، وصفة الصلاة للألباني، ص١٤١ - ١٤٤.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٥) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه، برقم ٨٣٨، و٨٣٩، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في وضع الركبتين قبل اليدين، برقم ٢٦٨، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب أول ما يصل من الإنسان في سجوده، برقم ١٠٨٩، وسنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٨٨٢، وابن خزيمة، برقم ٦٢٦، والحاكم، ١/ ٢٢٦، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «هذا هو الصحيح الذي رواه شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر ...» وأما حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» [رواه أبو داود، برقم ٨٤٠، والنسائي، برقم ١٠٩١، والترمذي، برقم ٢٦٩، وأحمد، ٢/ ٣٨١]، فالحديث والله أعلم قد وقع فيه وَهْم من بعض الرواة؛ فإن أوله يخالف آخره؛ فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير؛ فإن البعير إنما يضع يديه أولًا» زاد المعاد، ١/ ٢٢٣ - ٢٣١، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٣٣٠ يقول: «كثر الكلام في هذا والأرجح ما قاله ابن القيم، وهو تقديم الركبتين؛ لحديث وائل بن حجر ويتأيد بأول حديث أبي هريرة، فلو قدم يديه لوافق البعير، ولعله وقع وَهْم فقال الراوي: وليضع يديه قبل ركبتيه، وأن أصله: وليضع ركبتيه قبل يديه وهذا هو أظهر وأقرب ... وهو من باب السنن وعليه كثير من الصحابة، وهو قول الأكثرين». واختار هذا القول العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٣/ ١٥٤ - ١٥٩، وانظر: فتاوى ابن تيمية،٢٢/ ٤٤٩.","vol":"1","page":200},{"text":"القبلة؛ لحديث أبي حُمَيد الساعدي - ﵁ - وفيه: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة» (١)، ويضمُّ أصابعَ يديه ويمدّها؛ لحديث علقمة بن واثلة عن أبيه: أن النبي - ﷺ - كان إذا سجد ضمّ أصابعه (٢)؛ ولحديث وائل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه وإذا سجد ضمّ أصابعه» (٣)؛ ولحديث أبي حُميد، وفيه: «واستقبل بأطراف أصابعه القبلة» (٤)، ويفتح أصابع رجليه؛ لحديث أبي حميد وفيه: «ثم جافى عضدَيْه عن جنبيه وفتح أصابع رجليه» (٥)، ويكون سجوده على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، برقم ٨٢٨.\n(٢) صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب ضم أصابع اليدين في السجود، برقم ٦٤٢.\n(٣) أخرجه الحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ١/ ٢٢٤.\n(٤) صحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب استقبال أطراف أصابع اليدين من القبلة في السجود، برقم ٦٤٣.\n(٥) ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب فتح أصابع الرجلين في السجود والاستقبال بأطرافهن القبلة، برقم ٦٥١، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٠.","vol":"1","page":201},{"text":"- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفُت الثياب والشعر» وفي لفظ لمسلم: «ولا أكفّ ثوبًا ولا شعرًا» (١)، ويجافي عضديه عن جنبيه؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة أن النبي - ﷺ - «كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه» (٢) ويجافي بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويفرّج بين فخذيه، لحديث أبي حميد - ﵁ - وفيه: «وإذا سجد فرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه» (٣)، ويجعل كفيه حذو منكبيه؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - وفيه: «ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحَّى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه» (٤) أو يجعلهما حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه» (٥)، وهو مثل حديث البراء عندما سئل: أين كان النبي - ﷺ - يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: «بين كفيه» (٦)، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب» (٧)؛ ولحديث البراء\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف، برقم ٨١٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٤٩٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: يبدي ضبعيه ويجافي في السجود، برقم ٨٠٧، مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في السجود، برقم ٤٩٥.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٥.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٤، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في السجود على الجبهة والأنف، برقم ٢٧٠،وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٢.\n(٥) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٨٩، صححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٩٤.\n(٦) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أين يضع الرجل وجهه إذا سجد، برقم ٢٧١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٨٦.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب لا يفترش ذراعيه في السجود، برقم ٨٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود، برقم ٤٩٣.","vol":"1","page":202},{"text":"- ﵁ - يرفعه: «إذا سَجَدْتَ فضَعْ كفيك وارفعْ مرفقيك» (١). ويضم قدميه؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلًا بأطراف أصابعه القبلة» (٢)، وينصبهما؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه [وفي نسخة قدميه] وهو في المسجد، وهما منصوبتان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>١٧ـ يقول في السجود: «سبحان ربي الأعلى» </span>والأفضل ثلاثًا؛ لحديث حذيفة - ﵁ - (٤) وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت في الأحاديث الأخرى عن النبي - ﷺ - ومن ذلك ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>أولًا: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» </span>لحديث عائشة ﵂ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>ثانيًا: «سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح»</span>؛ لحديث عائشة ﵂ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>ثالثًا: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة» </span>(٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>رابعًا: «اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ</span>، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين»؛ لحديث علي - ﵁ - (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>خامسًا: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك</span>، وبمعافاتك من\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتدال في السجود ووضع الكفين على الأرض ورفع المرفقين عن الجنبين ورفع البطن عن الفخذين في السجود، برقم ٤٩٤.\n(٢) صحيح ابن خزيمة، برقم ٦٥٤،والبيهقي، ٢/ ١١٦، قال المحقق: إسناده صحيح.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٦.\n(٤) مسلم، برقم ٧٧٢ وابن ماجه، برقم ٨٨٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٤، ومسلم، برقم ٤٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٤٨٧، وتقدم تخريجه.\n(٧) أبو داود، برقم ٨٨٣، والنسائي، برقم ١٠٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٨) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٧١.","vol":"1","page":203},{"text":"عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك»؛لحديث عائشة ﵂ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>سادسًا: «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه»</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك في سجوده (٢).\nويكثر من الدعاء في السجود، ويسأل ربه من خير الدنيا والآخرة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (٣)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ وفيه: «أما الركوع فعظموا فيه الرب - ﷿ -، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يُستجاب لكم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>١٨ - يرفع رأسه من السجود مكبّرًا</span>، ويعتدل جالسًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وفيه: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا» (٥)؛ ولحديثه - ﵁ - وفيه: «ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود» (٦)، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويستقبل بأصابعه القبلة؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى» (٧)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: «من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة، والجلوس على اليسرى» (٨)، ويضع\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٦.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٣.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم ٤٨٢.\n(٤) مسلم، برقم ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، و٨٠٣، ومسلم، برقم ٣٩٦، وتقدم تخريجه.\n(٧) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، برقم ٤٩٨.\n(٨) النسائي، كتاب الافتتاح، باب الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد، برقم ١١٥٨، وأبو داود في الصلاة، باب كيف الجلوس في التشهد، برقم ٩٥٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٢٣.","vol":"1","page":204},{"text":"يديه على فخذيه؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ يرفعه، وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى» (١)،أو يضع كفيه على ركبتيه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه: «أن النبي - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه» (٢)، أو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته»؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ (٣)، فعلى هذا حصل ثلاث صفات لوضع الكفين هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>أولًا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>ثانيًا: الكف اليمنى على الركبة اليمنى واليسرى على اليسرى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>ثالثًا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على الفخذ اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته </span>(٤).\nأما كيفية: وضع الكفين؛ فإنه يبسط يده اليسرى؛ لحديث ابن عمر ﵄ يرفعه، وفيه: «ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها» (٥)، ويضع ذراعيه على فخذيه؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - يرفعه، وفيه: «وضع\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٣ - (٥٧٩).\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٤ - (٥٨٠).\n(٣) مسلم، برقم ١١٣ - ٥٧٩، وتقدم تخريجه في الحاشية التي قبل السابقة.\n(٤) وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «جاء عن النبي - ﷺ - أنه وضعهما على فخذيه، ووضعهما على ركبتيه، ووضعهما على فخذيه وأطراف أصابعه على ركبتيه» سمعته منه أثناء شرحه للروض المربع بالجامع الكبير في فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ.\n(٥) النسائي، كتاب السهو، باب بسط اليسرى على الركبة، برقم ١٢٦٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٢.","vol":"1","page":205},{"text":"ذراعيه على فخذيه» (١)، أما اليد اليمنى فيقبض منها الخنصر والبنصر ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - يرفعه، وفيه: «فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض اثنتين وحلَّق حلقة - ورأيته يقول: هكذا - وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى» (٢)، وهذا اختيار الإمام ابن القيم﵀- (٣) أن المصلي يفعل هذه الصفة بين السجدتين (٤).\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب موضع الذراعين، برقم ١٢٦٤، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الصلاة، برقم ٧٢٦،ورقم ٩٥٧، والنسائي، كتاب السهو، باب موضع المرفقين، برقم ١٢٦٥،وأحمد في المسند،٤/ ٣١٨، وابن حبان «موارد» برقم ٤٨٥،وابن خزيمة في صحيحه،١/ ٣٥٤،برقم ٧١٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٤٠ و١٨٠،وصحيح سنن النسائي،١/ ٢٧٠،وأخرجه أيضًا ابن ماجه، تاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٩١٢.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٢٣٨.\n(٤) قال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «ولم يرد في السنة لا في حديث صحيح ولا ضعيف ولا حسن أن اليد اليمنى تكون مبسوطة على الرجل اليمنى، وإنما ورد أنها تقبض: يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ... إذا جلس في الصلاة [مسلم برقم ٥٨٠]، وفي بعض الألفاظ إذا جلس في التشهد [مسلم، برقم ٥٨٠]، وكلاهما في صحيح مسلم، فنحن إذا أخذنا كلمة «إذا جلس في الصلاة» قلنا: هذا عام في جميع الجلسات، وقوله: «إذا جلس في التشهد» في بعض الألفاظ لا يدل على التخصيص؛ لأن لدينا قاعدة ذكرها الأصوليون، وممن كان يذكرها دائمًا الشوكاني في نيل الأوطار، والشنقيطي في أضواء البيان: أنه إذا ذكر بعض أفراد العام بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يدل على التخصيص، إنما التخصيص أن يذكر بعض أفراد العام بحكم يخالف العام» الشرح الممتع، ٣/ ١٧٨.\nقلت: وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز يذكر أن السبابة يحركها عند الدعاء فقط أما في غير الدعاء فلا يحركها، وبين السجدتين يبسطها ولا يشير، أما رواية أنه كان يشير بين السجدتين فالأقرب والله أعلم أنها وَهْم؛ لأن الأحاديث الصحيحة أنه كان يضعها على فخذه أو على ركبته ممدودة، ولو أنه أشار بين السجدتين لحديث وائل لا حرج، لكن الأقرب عندي أنه وَهْم؛ لأن الأحاديث الصحيحة فيها البسط في التشهد، أما بين السجدتين فيبسطها أيضًا ولا يشير أما في التشهد فيبسطها ويشير، وفي النسائي حديث فيه بعض الضعف أنه كان يبسطها لكن بانحناءٍ قليل والأمر في هذا سهل» سمعته منه - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٢٨٢.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>١٩ - يقول بين السجدتين: «ربّ اغفرْ لي، ربّ اغفر لي»</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «وكان يقعد بين السجدتين نحوًا من سجوده وكان يقول: «ربّ اغفر لي رب اغفر لي» (١). وإن شاء زاد على ذلك فقال: «اللهم اغفر لي، وارحمني [وعافني، واهدني] واجبرني، وارزقني، وارفعني»؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - كان يقول بين السجدتين: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني» (٢)، ولفظ ابن ماجه: «ربّ اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني» (٣).\nوكان النبي - ﷺ - يطيل هذا الركن بقدر السجود (٤)؛ لحديث البراء - ﵁ - قال: «كان ركوع النبي - ﷺ - وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>٢٠ - يسجد السجدة الثانية مكبّرًا</span>، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في حديث المسيء صلاته: «ثم اسجد حتى تَطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تَطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تَطمئنَّ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٣٣٥، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٤٨.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين، برقم ٨٥٠.\n(٣) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين، برقم ٨٩٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٦٠،وصحيح سنن ابن ماجه،١/ ١٤٨.\n(٤) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٣٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٢، ومسلم، برقم ٤٧١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":207},{"text":"ساجدًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها» (١)؛ ولحديثه - ﵁ - وفيه: «ثم يُكبّر حين يَهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يُكبّر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>٢١ - يرفع رأسه مُكبّرًا، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته وفيه: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، قال أبو أسامة في الأخير: «حتى تستوي قائمًا» (٣)؛ ولحديثه الآخر، وفيه: «ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٤)، أما جلسة الاستراحة؛ فلحديث مالك بن الحويرث - ﵁ -: «أنه رأى النبي - ﷺ - يصلّي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستويَ قاعدًا» (٥)، وجاءت جلسة الاستراحة في لفظ آخر من حديث مالك: «أنه صلى بأصحابه، فكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى» (٦). وقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته، ولفظها: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك\n_________\n(١) البخاري، برقم ٧٩٣، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٦٢٥١،وتقدم تخريجه، وقد جاء لفظ الحديث عند القيام من السجدة الثانية في رواية أخرى: «ثم ارفع حتى تستوي قائمًا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» البخاري، برقم ٦٦٦٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٦، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، كتاب الأذان، باب من استوى قاعدًا في وتر من صلاته ثم نهض، برقم ٨٢٣، وفي لفظ للبخاري: «وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» برقم ٨٢٤.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي - ﷺ - وسنته، برقم ٦٧٧.","vol":"1","page":208},{"text":"كلها» (١)، وجاءت هذه الجلسة من حديث أبي حُميد وفيه: «ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٢)، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>٢٢ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبّرًا قائمًا إلى الركعة الثانية</span>، معتمدًا على فخذيه إن تيسر له ذلك؛ لحديث وائل وفيه: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٤)، وإن شقَّ عليه اعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: «وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>٢٣ - يصلي الركعة الثانية كالأولى</span>؛ لقوله - ﷺ - للمسيء صلاته: «ثم افعلْ ذلك\n_________\n(١) البخاري، برقم ٦٢٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٣٢٣، يقول: «تنازع الناس في هذا، قوم قالوا محمولة على أنه لما ثقل، أو لأسباب أخرى كالمرض. وقال آخرون بل هي سنة؛ لأن الحديث صحيح ولا وجه للعدول عنه، وهذا أظهر؛ لأن الأصل فيما يخبر به عنه - ﷺ - في الصلاة سنة من سنن الصلاة، فلا يقيد، فتقييدها بالثقل أو المرض يحتاج إلى دليل. وهناك حجة ثانية لجلسة الاستراحة وهو ما ثبت عند أحمد وأبي داود وغيرهما بإسناد جيد عن أبي حميد الساعدي أنه ذكر صلاة النبي - ﷺ - يومًا في عشرة من الصحابة وذكر جلسة الاستراحة فلما فرغ صدقوه، فهذه الجلسة ثبتت عن اثني عشر إن كان أبو حميد الحادي عشر، وإذا كان هو العاشر فثبتت عن أحد عشر صحابيًّا مع رواية مالك بن الحويرث، وصفة هذه الجلسة: هي جلسة خفيفة مثل الجلسة بين السجدتين، ليس فيها ذكر ولا دعاء».\nقلت: وقد جاءت هذه الجلسة عن صحابي آخر وهو أبو هريرة - ﵁ - في بعض روايات البخاري لحديث المسيء صلاته، برقم ٦٢٥، وتقدم تخريجه، وانظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ٢٩٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، برقم ٧٣٠،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ١٤٠، وجلسة الاستراحة عند القيام للركعة الثانية والرابعة.\n(٤) أبو داود، برقم ٨٣٨، والترمذي، برقم ٢٦٨، والنسائي، برقم ١٠٨٩، وابن ماجه، برقم ٨٨٢ وغيرهم، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، برقم ٨٢٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":209},{"text":"في صلاتك كلها» (١) إلا في خمسة أمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>الأمر الأول: تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام</span>؛ لأنها للدخول في الصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>الأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>الأمر الثالث: الاستفتاح، فلا يستفتح في الركعة الثانية</span>؛ لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>الأمر الرابع: لا يُطوّلها كالأولى؛ بل تكون أقصر من الأولى في كل صلاة</span>؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - وفيه: «يُطوّل في الأولى ويُقصّر في الثانية» (٤). وكان - ﷺ - يُطوّل الأوليين ويُقصّر الأخريين من كل صلاة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>الأمر الخامس: لا يجدد النية؛ للاكتفاء باستصحابها</span>؛ لأنه لو نوى الدخول بنية جديدة في الركعة الثانية لبطلت الركعة الأولى لقطعه استصحاب النية (٦).أما التعوذ فقيل: يشرع في كل ركعة؛ لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل ركعة؛ ولقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٧)، وهذا هو الأفضل (٨)، وقيل: تختص الاستعاذة بالركعة الأولى؛ لأن الصلاة جملة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب ما يقول بين تكبيرة الإحرام والقراءة، برقم ٥٩٩.\n(٣) مسلم، برقم ٥٩٩، وتقدم تخريجه في الحاشية السابقة.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، برقم ٤٥١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٧٠، ومسلم، برقم ٤٥٣.\n(٦) انظر: حاشية الروض المربع، للعلامة عبد الرحمن القاسم، ٢/ ٦٢، والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٣/ ١٩٦.\n(٧) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٨) واختار هذا القول شيخ الإسلام في الاختيارات الفقهية، ص٥٠ فقال: «ويستحب التعوذ أول كل قراءة»، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٦٢، فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ في الجامع الكبير في مدينة الرياض، يقول: «الأفضل أن يتعوذ في كل ركعة هذا هو الأفضل لعموم الأدلة، وإن اكتفى بالتعوذ في الأولى فلا حرج، والأفضل أن يتعوذ في كل ركعة حتى لو تعوذ في الأولى»، وقال العلامة المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: «قلت: وهو الأصح دليلًا» ٣/ ٥٣٠،وقال النووي في المجموع ٣/ ٥٣٠: «والأصح في مذهبنا استحبابه».","vol":"1","page":210},{"text":"واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة فيكفي فيها استعاذة واحدة (١) إلا إذا لم يستعذ في الركعة الأولى فيتعوذ في الثانية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>وأما البسملة فتستحب في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>٢٤ - إذا كانت الصلاة ثنائية: أي ركعتين: كصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، جلس للتشهد بعد فراغه </span>من السجدة الثانية من الركعة الثانية، ناصبًا رجله اليمنى، مفترشًا رجله اليسرى؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - يرفعه وفيه: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى» (٤)،وصفة جلوسه في هذا كجلوسه بين السجدتين سواء (٥)،فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع\n_________\n(١) قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر» ١/ ٢٤٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢١٦.\n(٢) انظر: المقنع والشرح الكبير، لابن قدامة،٣/ ٥٣٠،والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ١٩٦.\n(٣) انظر: حاشية الروض لابن قاسم، ٢/ ٦٢.\n(٤) البخاري، برقم ٨٢٨، تقدم تخريجه.\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٢٤٢.","vol":"1","page":211},{"text":"كفه اليسرى على فخذه اليسرى» (١)،أو يُحَلّق الإبهام والوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - قد حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد» (٢)، أو يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وصفتها أن يجعل الإبهام مفتوحة تحت المسبحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو يعطف الإبهام إلى\nأصلها (٣) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا\nقعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى\nووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى (٤) وعقد ثلاثًا وخمسين (٥)، وأشار\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٦ - (٥٨٠)، و١١٤ - (٥٨٠).\n(٢) ابن ماجه، برقم ٩١٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٦، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٠٨، ٣١٠، والتلخيص الحبير لابن حجر، ١/ ٢٦٢.\n(٤) وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «جاء في هذا عدة روايات:\n١ـ تارة يضع يديه على فخذيه.\n٢ـ وتارة يضعهما على ركبتيه.\n٣ - وتارة يضع يديه على فخذيه وأطراف الأصابع على ركبتيه.\nوأما ما يتعلق باليمنى فجاء فيها ما في حديث ابن عمر. وجاء فيها ما في حديث وائل، وهو أنه يعقد الإبهام والوسطى ويشير بالسبابة ويقبض الخنصر والبنصر، وخلاصة ما جاء في ذلك ثلاث صور:\n١ - تارة يقبض الأصابع كلها ويشير بالسبابة.\n٢ - وتارة يحلق الإبهام والوسطى ويقبض الخنصر والبنصر ويشير بالسبابة.\n٣ - وتارة يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وقيل في هذه الصفة: إنه يجعل طرف الإبهام في أصل الوسطى، والإشارة بالإصبع إشارة إلى التوحيد، والأقرب أنه كان يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا تارة: أي صفة قبض اليد والإشارة بالسبابة» سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء شرحه لبلوغ المرام الحديث رقم ٣٣٢.\n(٥) وقيل في صفة ثلاثة وخمسين أقوال يفسر بعضها بعضًا، فقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: «وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة» ١/ ٢٦٢، وقال الإمام النووي: «واعلم أن قوله: عقد ثلاثًا وخمسين شرطه عند أهل الحساب أن يضع طرف الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادًا هاهنا، بل المراد أن يضع الخنصر على الراحة ويكون على الصورة التي يسميها أهل الحساب تسعة وخمسين والله أعلم». شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٦،\n\nومراده «بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف وبسط البنصر فوقها، وبسط الوسطى فوقها، وعطف الإبهام إلى أصلها» انظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠١. وقال الإمام الصنعاني نقلًا عن ابن حجر في التلخيص: «صورتها أن يجعل الإبهام مفتوحة تحت المسبحة» هكذا نقل ولعلها في نسخة فنقلها الصنعاني، وقد تقدم كلام الحافظ آنفًا، انظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠٨، أما ما ذكر الصنعاني، ٢/ ٣١٠ في طريقة العرب في الحساب لهذه الصورة فهي: عقد الخنصر والبنصر والوسطى وعطف الإبهام إلى أصلها» ٢/ ٣١٠، وسمعت سماحة الإمام ابن باز يقول أثناء شرحه لبلوغ المرام، الحديث رقم ٣٣٢: «وقيل في هذه الصفة: إنه يجعل طرف الإبهام في أصل الوسطى».","vol":"1","page":212},{"text":"بالسبابة» (١) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>النوع الأول: قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>النوع الثالث: عقد ثلاثًا وخمسين والإشارة بالسبابة</span>، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته» (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: «فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع» (٣).\nويشير بالسبابة عند ذكر الله - ﷿ - حال الدعاء موجهة إلى القبلة،\nهذا هو السنة (٤) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب صفة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخذين، برقم ١١٥ - «٥٨٠».\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب موضع البنصر عند الإشارة وتحريك السبابة، برقم ١٢٧٥، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: «حسن صحيح» ١/ ٢٧٢.\n(٣) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع البصر في التشهد، برقم ١٦٦٠، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي: حسن صحيح، ١/ ٢٥٠.\n(٤) قال الإمام النووي: «والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته، وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود،\nويشير بها موجهة إلى القبلة، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص والله أعلم»،شرح النووي على صحيح مسلم، /٨٥.","vol":"1","page":213},{"text":"بها (١)، ولا يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة (٢)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «ثم\nقعد وافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه\nوركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها\nيدعو بها» (٣)،ودلَّ على عدم تحريكها دائمًا حديث عبد الله بن\nالزبير ﵄: «أن النبي - ﷺ - كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا\nيحرّكها» (٤)، فالجمع بين الحديثين سهل: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٥)،\n_________\n(١) اختلف العلماء في موضع الإشارة بالسبابة، فقيل:\n١ - يحركها عند ذكر الله فقط.\n٢ - وقيل: عند ذكر الله وذكر رسوله - ﷺ -.\n٣ - وقيل: يشير بها في جميع التشهد أي يحركها تحريكًا دائمًا.\n٤ - وقيل: يشير عند «إلا الله».\nوالصواب أنه يشير بها عند الدعاء وذكر الله فقط، وتبقى منصوبة فيما عدا ذلك. انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦، ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٦٦ - ٦٨، وسبل السلام، ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٥، والمغني لابن قدامة،\n٢/ ١١٩، والشرح الكبير لابن قدامة، ٣/ ٥٣٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٠٠ - ٢٠٢.\n(٢) وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٦٤، في فجر الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ يرجح: «أن السبابة لا يحركها عند الإشارة وإنما تبقى منصوبة، إلا عند الدعاء فيحركها، ثم قال: والصواب أنها تحرك عند الدعاء، أما غير الدعاء فلا يحركها وإنما يشير بها».\n(٣) النسائي، كتاب الافتتاح، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة، برقم ٨٩٠، وكتاب السهو باب قبض الاثنتين من أصابع اليد اليمنى، وعقد الوسطى والإبهام منها وتحريك الأصبع، برقم ١٢٦٨، وصححه الألباني، في صحيح النسائي، ١/ ١٩٤، و١/ ٢٧١، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٠، ١٨٠، وقد أخرجه أيضًا أبو داود، برقم ٩٥٧، وأحمد ٤/ ٣١٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب بسط اليسرى على الركبة، برقم ١٢٧٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، برقم ٩٨٩، وصححه النووي في المجموع ٣/ ٤٥٤، وقال الأرنؤوط في حاشية زاد المعاد، ١/ ٢٣٨: «وسنده صحيح».\n(٥) وبهذا جمع البيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ١٣٢، وانظر: سبل السلام، ٢/ ٣٠٩، والشرح الممتع للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ٣/ ٢٠٢.","vol":"1","page":214},{"text":"وتكون الإشارة بالسباحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي - ﷺ - بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله - ﷺ -: «أحّدْ، أحّدْ» (١) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدعو بأصابعيَّ، فقال: «أحّدْ، أحّدْ» وأشار بالسبابة (٢)، والحكمة في الإشارة بالسباحة إلى أن المعبود - ﷾ - واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعًا في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد (٣)، فعلى ما تقدم يشير بالسباحة عند ذكر الله يدعو بها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>٢٥ - يقرأ التشهد في هذا الجلوس</span>، فيقول: «التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا\nوعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (٥)، وهذا أصح ما ثبت في\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٧، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب» والنسائي، كتاب السهو، باب النهي عن الإشارة بإصبعين وبأي إصبع يشير، برقم ١٢٧٢ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٢) النسائي، كتاب السهو، باب النهي عن الإشارة بإصبعين وبأي إصبع يشير، برقم ١٢٧٣، وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٨، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٠٩.\n(٤) واختلف العلماء في معنى كلمة ذكر الله فقيل: عند ذكر الجلالة، وعلى هذا فإذا قال: «التحيات لله» يشير «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله» يشير، «السلام علينا وعلى عباد الله» يشير، «أشهد أن لا إله إلا الله» يشير، فهذه أربع مرات في التشهد الأول، «اللهم صلّ» يشير، «اللهم بارك» يشير، «أعوذ بالله من عذاب جهنم» يشير، وقيل: يشير بها عند الدعاء، فكلما دعوت حركت إشارة إلى علو المدعو - ﷾ -، وعلى هذا فإذا قال: «السلام عليك أيها النبي» يشير؛ لأن السلام خبر بمعنى الدعاء، «السلام علينا» يشير، «اللهم صلّ على محمد» يشير، «اللهم بارك على محمد» يشير، «أعوذ بالله من عذاب جهنم» يشير، «ومن عذاب القبر» يشير، «ومن فتنة المحيا والممات» يشير، «ومن فتنة المسيح الدجال» يشير، وكلما دعا يشير. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٢٠١ - ٢٠٢،قلت: والظاهر والله أعلم أنه يشير عند لفظ الجلالة، وعند الضمير الذي يعود عليه، وعند الدعاء إشارة إلى علو المدعو سبحانه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الآخرة، برقم ٨٣١، ورقم ٨٣٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، برقم ٤٠٢ عن ابن مسعود - ﵁ - ولفظه عند البخاري قال: «كنا إذا كنا مع النبي - ﷺ - في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال النبي - ﷺ -: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو». هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «ثم ليتخير من المسألة ما شاء» أما زيادة «وحده لا شريك له» فهي للنسائي في السنن، برقم ١١٦٨.","vol":"1","page":215},{"text":"التشهد (١) ثم يقول: «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» (٢)، وهذا أكمل ما ثبت في الصلاة عن النبي - ﷺ - (٣)، ويستعيذ بالله\n_________\n(١) وإن شاء المصلي أن ينوع في التشهد فقد جاء له عدة صيغ منها:\n١ - حديث عبد الله بن مسعود السابق وهو أصح ما ورد.\n٢ - حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: «التحيات المباركات، الصلوات، الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله» مسلم برقم ٤٠٣.\n٣ - حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - ولفظه: «التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» مسلم برقم ٤٠٤. وزاد النسائي برقم ١١٧٣، وأبو داود برقم ٩٧١، «وحده لا شريك له».\n٤ - حديث ابن عمر ﵄ ولفظه: مثل حديث ابن مسعود - ﵁ -. أبو داود، برقم ٩٧١، وصححه الألباني، ١/ ١٨٢، إلا أنه قال: زدت فيها «وبركاته» وقال: «زدت فيها وحده لا شريك له».\n٥ - حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - ولفظه: «التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله، الصلوات لله، السلام عليك ...» كتشهد ابن مسعود. مالك، برقم ٥٣، والبيهقي، ٢/ ١٤٤، والدارقطني، ١/ ٣٥١، وعبد الرزاق، برقم ٣٠٦٧، وقال الزيلعي في نصب الراية، ١/ ٤٢٢: «وهذا إسناد صحيح» وهو موقوف له حكم الرفع، وبأي تشهد يتشهد مما صح عن النبي - ﷺ - جاز، ولكن أصحها وأفضلها ما رواه عبد الله بن مسعود - ﵁ - انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢١ - ٢٢٢. وانظر: صفة الصلاة للألباني، ص١٧٢ - ١٧٧.\n(٢) البخاري، كتاب الأنبياء، بابٌ: حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٧٠.\n(٣) الصلاة على النبي - ﷺ - جاءت في روايات على أنواع منها:\n١ - حديث كعب بن عجرة - ﵁ - قال سألنا رسول الله - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؛ فإن الله قد علمنا كيف نسلم؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد ... وذكر حديث كعب السابق في كتاب الأنبياء في صحيح البخاري برقم ٣٣٧٠.\n٢ - وحديث كعب بن عجرة الآخر، قال: إن النبي - ﷺ - خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد». البخاري، برقم ٤٧٩٧، ورقم ٦٣٥٧، ومسلم، برقم ٤٠٦.\n٣ - حديث أبي مسعود الأنصاري، وفيه: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم». مسلم، برقم ٤٠٥.\n٤ - حديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» البخاري، برقم ٣٣٦٩، ورقم ٦٣٦٠، ومسلم، برقم ٤٠٧، واللفظ له.\n٥ - حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم» البخاري، برقم ٦٣٥٨.\n٦ - حديث أبي هريرة - ﵁ - قلنا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت [وباركت] على إبراهيم وآل إبراهيم [في العالمين] إنك حميد مجيد». النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٤٧، وعزاه ابن القيم في جلاء الأفهام، ص٤٤ إلى محمد بن إسحاق السراج، ثم قال: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وما بين المعقوفين للسراج، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":216},{"text":"من أربع: فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تشهد أحدُكم فليستعِذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم .. الحديث». ولفظ مسلم: «إذا فرغ أحدُكم من التشهد الآخر، فليتعوَّذْ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم ... الحديث» (١)، ويدعو بما شاء، ومن ذلك ما يلي:\nأولًا: عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يدعو في الصلاة: «اللهم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، برقم ١٣٧٧، بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال».ومسلم، بلفظه، في كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٨.","vol":"1","page":217},{"text":"إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثَم والمغرَم» قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: «إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذَب ووعدَ فأخلَف» (١).\nثانيًا: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم»؛ لحديث أبي بكر - ﵁ - أنه قال لرسول الله - ﷺ -: علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل اللهم ...» الحديث (٢). وفي رواية لمسلم: «علمني دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي» (٣).\nثالثًا: «اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت»؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - وفيه: ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ...» الحديث (٤).\nرابعًا: «اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك [من] أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»؛ لحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول: «إن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ منهن دبر الصلاة» (٥). وفي رواية: «كان النبي - ﷺ - يعلمنا هؤلاء\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٢، ومسلم، كتاب المساجد، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم ٥٨٩.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم ٨٣٤، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الدعوات والتعوذات، برقم ٢٧٠٥.\n(٣) مسلم، برقم ٤٨ - «٢٧٠٥».\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم ٧٧١.\n(٥) البخاري، كتاب الجهاد، باب ما يُتعوذ من الجبن، برقم ٢٨٢٢، ورقم ٦٣٦٥، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠.","vol":"1","page":218},{"text":"الكلمات كما تُعلَّم الكتابةُ» (١).\nخامسًا: «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» لحديث معاذ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كلّ صلاةٍ تقول: اللهم أعني ...» الحديث (٢).\nسادسًا: «اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجلٍ: «ما تقول في الصلاة؟» قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أُحسنُ دندنَتَك، ولا دندنةَ مُعاذ، قال: «حولها نُدندِنُ» (٣).\nسابعًا: «اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم»؛لحديث مِحْجَن بن الأدرع أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، ويقول: «اللهم إني أسألك يا الله ..» وفي آخره فقال رسول الله - ﷺ -: «قد غفر له» ثلاثًا (٤).\nثامنًا: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك ...]؛ لحديث أنس - ﵁ - أنه كان مع رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من فتنة الدنيا، برقم ٦٣٩٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاستغفار، برقم ١٥٢٢، والنسائي كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٤.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الجوامع من الدعاء، برقم ٣٨٤٧،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢٨، و١/ ١٥٠. ورواه أبو داود، في كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، برقم ٧٩٢.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٣٠١، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد، برقم ٩٨٥،وأحمد، ٤/ ٣٣٨،وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠، وصحيح أبي داود، ١/ ١٨٥.","vol":"1","page":219},{"text":"جالسًا، ورجل يصلي، ثم دعا: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ...» الحديث وفي آخره، فقال النبي - ﷺ -: «لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أَعطَى» (١).\nتاسعًا: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد»؛ لحديث بريدة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك ...» الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى» (٢).\nعاشرًا: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيمًا لا ينفدُ، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضرَّة ولا فتنة مُضلَّة، اللهم زيّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين»؛ لحديث عمار - ﵁ - أنه صلى بأصحابه فأوجز في صلاته، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله - ﷺ -، ثم ذكر هذه الدعوات (٣).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٩٥،وابن ماجه كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم ٣٨٥٨،والبخاري، في الأدب المفرد، برقم ٧٠٥،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٢٧٩، وأخرجه أحمد في المسند،٣/ ١٥٨، ٣/ ٢٤٥،والطبراني ي الكبير، برقم ٤٧٢٢ وذكر الألباني أنه وجد في رواية في آخره: «أسألك الجنة وأعوذ بك من النار» فلتراجع، انظر: صفة الصلاة له، ص٢٠٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء برقم ١٤٩٣، والترمذي، كتاب الدعوات، باب جامع الدعوات عن النبي - ﷺ - برقم ٣٤٧٥،وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم ٣٨٥٧، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٢٣٩.\n(٣) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر، برقم ١٣٠٦، وأحمد، ٤/ ٣٦٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٨١.","vol":"1","page":220},{"text":"ويدعو بما يشاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، لعموم قول النبي - ﷺ - لابن مسعود - ﵁ - لَمَّا علمه التشهد: «ثم ليتخيّرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» وفي لفظ: «ثم ليتخيّرْ من المسألة ما شاء» (١)، وهذا يعمّ جميع ما ينفع في الدنيا والآخرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>٢٦ - ثم يسلّم عن يمينه وشماله </span>قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله»؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله - ﷺ - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «علام تُومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه، من على يمينه وشماله» (٣)،وعن أبي معمر أن أميرًا كان بمكة يُسلّمُ تسليمتين، فقال عبد الله: أنَّى عَلِقَها؟ (٤) قال الحكم في حديثه: «إن رسول الله - ﷺ - كان يفعله» (٥)،وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: «كنت أرى رسول الله - ﷺ - يُسلّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» (٦)، وينصرف عن يمينه وعن شماله لا حرج في شيء من ذلك (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>٢٧ - إن كانت الصلاة ثلاثية: </span>كصلاة المغرب، أو رباعية: كالظهر، والعصر،\n_________\n(١) البخاري، برقم ٨٣١، ٨٣٥، ومسلم، برقم ٤٠٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: كيفية صلاة النبي - ﷺ -، للإمام ابن باز، ص١٨.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام، برقم ٤٣١.\n(٤) أنى علقها: أي من أين حصل على هذه السنة، وظفر بها فكأنه تعجب.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب السلام للتحليل من الصلاة عند فراغها وكيفيته، برقم ٥٨١.\n(٦) مسلم، كتاب المساجد، الباب السابق، برقم ٥٨٢، قال الصنعاني - ﵀ - في سبل السلام: «وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة ... كلها بدون زيادة وبركاته إلا في رواية وائل، ورواية عن ابن مسعود» فقال المحقق: «بل ضعف ذلك، ثم ذكر تسعة وعشرين صحابيًّا، وخرج رواياتهم» سبل السلام، ٢/ ٣٣٠.\n(٧) البخاري، برقم ٨٥٢، ومسلم، برقم ٧٠٧، ٧٠٨.","vol":"1","page":221},{"text":"والعشاء، اكتفى بالتشهد الأول والأفضل أن يصلي على النبي - ﷺ - (١) كما تقدّم آنفًا، ثم ينهض على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه مكبرًا رافعًا يديه حذو أذنيه أو منكبيه؛ لحديث وائل - ﵁ -، وفيه: «وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه» (٣)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - وفيه: «ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته» (٤)، ويضع يديه على صدره؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - وفيه: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا كان قائمًا في الصلاة قبض يمينه على شماله» (٥)، ويقرأ الفاتحة سرًّا فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة على الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - (٦). ويصلي الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من الظهر والعصر والعشاء كالركعة الثانية كما تقدّم،\n_________\n(١) الأفضل أن يصلي على النبي - ﷺ - في التشهد الأول؛ لعموم الأدلة، وكان الشعبي لا يرى بأسًا أن يصلي على النبي - ﷺ - فيه، وكذلك قال الشافعي، انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢٣، وقال المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٣/ ٥٤٠ «واختار ابن هبيرة زيادة الصلاة على النبي - ﷺ -، واختاره الآجري، وزاد وعلى آله»، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يوم الأحد ٣/ ٨/١٤١٩هـ أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٧٠، ٧٣، يقول: «والصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأول أفضل وهي آكد في الثاني لعموم الأدلة».\nوسمعته مرة يستدل على استحباب الصلاة على النبي - ﷺ - بآخر حديث ابن مسعود - ﵁ - في التشهد: «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه» «ثم ليتخير من المسألة ما شاء»، ولكن لو وقف في التشهد الأول على «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» كفى والحمد لله. وانظر: زاد المعاد لابن القيم،١/ ٢٤٥،وصفة الصلاة للألباني، ص١٧٧،والشرح الممتع،٣/ ٢٢٦،ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ١٦١، ٢٠٢.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٣٨، والترمذي، برقم ٢٦٨، والنسائي، برقم ١٠٨٩، وابن ماجه، برقم ٨٨٢، وغيرهم، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه واللفظ للبخاري: البخاري، برقم ٧٣٩،ومسلم، برقم ٣٩٠،وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم ٨٢٨، واللفظ لأبي داود، برقم ٧٣٠، وتقدم تخريجه.\n(٥) النسائي، برقم ٨٨٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) أخرجه مسلم، برقم ٤٥٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":222},{"text":"لقوله - ﷺ - في حديث المسيء صلاته بعد أن علَّمه الركعة الأولى: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>٢٨ - يجلس في التشهد الأخير متورّكًا </span>(٢)؛لحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - وفيه: «فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله\nاليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله\nاليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته» (٣). وفي لفظ:\n«حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر» قالوا: صدقت هكذا كان يصلي - ﷺ - (٤) وهذا هو الأفضل: أن يفترش في التشهد الأول (٥)، ويتورك في الأخير (٦)\n_________\n(١) البخاري، برقم ٨٢٤، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) اختلف أهل العلم في موضع التورك في أي التشهدين يكون:\n١ - قال قوم: يتورك في التشهد الأول والثاني، وهذا مذهب مالك - ﵀ -.\n٢ - وقال قوم: يفترش اليسرى فيهما وينصب اليمنى، وهو قول أبي حنيفة - ﵀ -.\n٣ - وقال قوم: يتورك في كل تشهد يليه السلام ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي - ﵀ -.\n٤ - وقال قوم: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما، ويفترش في غير ذلك، وهو قول الإمام أحمد - ﵀ -. انظر: زاد المعاد لابن القيم ١/ ٢٤٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٤، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٤، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨، وقال النووي: «ومذهب الشافعي يفترش في الأول ويتورك في الأخير ووافق الأقوال السابقة إلا أنه لم يذكر مذهب الإمام أحمد. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، برقم ٨٢٨.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الافتتاح، رقم ٧٣٠،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤١.\n(٥) قال الإمام النووي ﵀: «وقد سبق اختلاف العلماء في أن الأفضل في الجلوس في التشهدين التورك أم الافتراش، فمذهب مالك وطائفة تفضيل التورك فيهما، ومذهب أبي حنيفة وطائفة تفضيل الافتراش، ومذهب الشافعي ... وطائفة يفترش في الأول ويتورك في الأخير، لحديث أبي حميد الساعدي ورفقته في صحيح البخاري، وهو صريح في الفرق بين التشهدين، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: «والأحاديث الواردة بتورك أو افتراش مطلقة لم يبين فيها أنه في التشهدين أو أحدهما وقد بيّنه أبو حميد ورفقته ووصفوا الافتراش في الأول والتورك في الأخير، وهذا مبين فوجب حمل ذلك المجمل عليه والله أعلم». شرح النووي، ٥/ ٨٤.\n(٦) وقيل: جاء التورك على ثلاثة أنواع هي:\nالنوع الأول: يخرج الرجل اليسرى من الجانب الأيمن مفروشة ويجلس على مقعدته على الأرض وتكون الرجل اليمنى منصوبة؛ لحديث أبي حميد وفيه: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته». البخاري، برقم ٨٢٨، وفي رواية: «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخَّر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شِقّه الأيسر» أبو داود، برقم ٧٣٠، ورقم ٩٦٣، ٩٦٤.\nالنوع الثاني: يجلس متوركًا ويفرش القدمين جميعًا ويخرجهما من الجانب الأيمن، لحديث أبي حميد وفيه: «فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض وأخرج قدميه من ناحية واحدة» أبو داود، برقم ٩٦٥، ورقم ٧٣١، وابن حبان «موارد» برقم ٤٩١، وانظر: صحيح ابن خزيمة،\n١/ ٣٤٧، وابن حبان «إحسان»، برقم ١٨٦٧، والبيهقي، ٢/ ١٢٨، وصححه الألباني في صفة الصلاة، ص١٩٧.\nالنوع الثالث: يفرش قدمه اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق الرجل اليمنى؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه يرفعه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى». مسلم، برقم ٥٧٩، قال الإمام ابن القيم: ولعله كان يفعل هذا تارة، وهذا تارة، زاد المعاد، ١/ ٢٥٣، وقال العلامة ابن عثيمين: «وعلى هذا ينبغي أن يفعل الإنسان هذا مرة، وهذا مرة»، وهذا بناء على القاعدة: أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي أن تفعل على جميع الوجوه الواردة؛ لأن هذا أبلغ في الاتباع، من الاقتصار على شيء واحد، انظر: الشرح الممتع، ٣/ ٣٠٠، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٣٣٥ - ٣٣٧، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، وصفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني، ص٩٩٧، ونيل الأوطار، ٢/ ٥٤ - ٥٥.","vol":"1","page":223},{"text":"لفعله - ﷺ - (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>٢٩ - يقرأ التشهد مع الصلاة على النبي - ﷺ </span>-،والدعاء بما يحب بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر، والعشاء، كما تقدم تفصيلًا (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>٣٠ - يُسلّم عن يمينه وشماله</span>، قائلًا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (٣).\n_________\n(١) وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٨٢ في يوم الأحد ١٠/ ٨/١٤١٩هـ يقول: «السنة التورك في التشهد الأخير وينصب اليمنى، والتشهد الأول يفرش اليسرى وينصب اليمنى».\n(٢) وتقدم تخريج الأدلة.\n(٣) وتقدم تخريج الأدلة.","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>٣١ - يقول الأذكار المشروعة بعد السلام من الصلاة </span>على النحو الآتي:\nأولًا: «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»؛ لحديث ثوبان - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام ...» الحديث (١). وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (٢)، ومقصودها ﵂: لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار هذا الدعاء ثم يستقبل الناس بوجهه؛ ولحديث سمرة - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه» (٣).\nثانيًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ثلاث مرات؛ لحديث المغيرة - ﵁ - ولفظه: عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة: أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله - ﷺ -، قال: فكتب إليه المغيرةُ: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» [ثلاث مرات] قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩١.\n(٢) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٥٩٢.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلّم، برقم ٨٤٥.\n(٤) البخاري، بلفظه، في كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، برقم ٦٤٧٣، وزيادة: «ثلاث مرات» في طبعة دار السلام، وطبعة دار الفكر، وفي نسخة البخاري المطبوعة مع إرشاد الساري، للقسطلاني، ونسخة البخاري المطبوعة مع عمدة القاري للعيني، وليست هذه الزيادة في الطبعة السلفية المطبوعة مع فتح الباري، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للبخاري، الحديث رقم ٦٤٧٣، وشرحه للروض المربع، ٢/ ٨٥ يقول: «وفي رواية عبد بن حميد في مسنده ثلاث مرات» ثم قال: «وليست في الصحيح وإنما هي لعبد بن حميد بإسناد جيد، [وقال مرة] لا بأس به. والحديث رواه مسلم أيضًا بدون هذه الزيادة، برقم ٥٩٣.","vol":"1","page":225},{"text":"ثالثًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير] (١) وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ [ولا رادّ لما قضيتَ] (٢) ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدُّ»؛لحديث المغيرة - ﵁ - فعن ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان - ﵁ -:أن رسول الله - ﷺ - كان يقول دبر كل صلاة إذا سلم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...» الحديث (٣).\nرابعًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون»؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقولها في دبر كل صلاة حين يسلم ... ثم قال: «كان رسول الله - ﷺ - يهلّل بهن دبر كل صلاة» (٤).\nخامسًا: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثًا وثلاثين) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «من سبَّحَ الله دُبُرَ كلّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البَحْرِ» (٥).\n_________\n(١) هذه الزيادة بين المعقوفين للطبراني في المعجم الكبير، ٢٠/ ٣٩٢، برقم ٩٢٦، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ١٠/ ١٠٣ «ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح».\n(٢) هذه الزيادة بين المعقوفين، لعبد بن حميد في مسنده، ص١٥٠ - ١٥١،رقم ٣٩١،وانظر نيل الأوطار،\n٢/ ١٠٠.وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «ثبتت هذه الزيادة عن النبي - ﷺ -».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء، برقم ٦٣٣٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٣.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٤.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٧.","vol":"1","page":226},{"text":"والتسبيح والتحميد، والتكبير وَرَدَ على عدة أنواع ينبغي للمسلم أن ينوع بينها إذا شاء، فيقول هذا في صلاة، ويقول الآخر في صلاة أخرى؛ لأن في ذلك فوائد منها: اتباع السنة، وإحياء السنة، وحضور القلب (١)، ومن هذه الأنواع في التسبيح، والتحميد، والتكبير، ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>النوع الأول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين</span>، ويختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» فتكون مائة؛ لحديث أبي هريرة السابق (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>النوع الثاني: «سبحان الله، ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين</span>، والله أكبر أربعًا وثلاثين» فتكون مائة؛ لحديث كعب بن عجرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «مُعقّبات (٣) لا يخيب قائلُهن أو فاعلُهن دُبرَ كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، وثلاثًا وثلاثين تحميدة، وأربعًا وثلاثين تكبيرة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>النوع الثالث: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين</span>، فتلك تسعة وتسعون»؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ذهب أهل الدثور (٥) من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم [فقال: «وما ذاك»؟ قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون فقال [«أفلا أُعلّمكم شيئًا تُدركون به من سبقكم، وتَسبقون به مَنْ بَعْدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثلَ ما صنعتم»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «تُسبّحون، وتُكبّرون، وتّحْمَدون في دُبُرِ\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين، ٣/ ٣٧، ٣٠٠، ٣٠٩، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٢/ ٣٥ - ٣٧، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٨٥.\n(٢) مسلم، برقم ٥٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) مُعقبّات: أي تسبيحات تُفعل أعقاب الصلوات، أو سُمّيت مُعقّبات: لأنها تُفعل مرةً بعد أخرى.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٦.\n(٥) الدثور: الأموال الكثيرة.","vol":"1","page":227},{"text":"كلّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرة» فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء»] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>النوع الرابع: «سبحان الله» عشر مرات «والحمد لله» عشر مرات» والله أكبر «عشر مرات»</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خصلتان لا يُحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يَسيرٌ ومن يعمل بهما قليل» قال رسول الله - ﷺ -: «الصلوات الخمس، يُسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمد عشرًا، ويُكبر عشرًا، فهي خمسون ومائة في اللسان (٢) وألف وخمسمائة في الميزان» (٣) فرأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده، «وإذا أوى أحدُكم إلى فراشه أو مضجعه، سبّح ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وكبّر أربعًا وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان» قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فأيّكم يعمل في كل يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة»؟ قيل: يا رسول الله وكيف لا نحصيهما؟ فقال: «إن الشيطان يأتي أحدَكم وهو في صلاته، فيقول: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا، ويأتيه عند منامه، فينيمه» وفي لفظ ابن ماجه «فلا يزال ينوّمه حتى ينام» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٣، ورقم ٥٩٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم ٥٩٥، وما بين المعقوفات من ألفاظ مسلم.\n(٢) وذلك أن جميع الصلوات الخمس مائة وخمسون. نيل الأوطار، ٢/ ١٠٢، وعمل اليوم والليلة للنسائي، ١٥٣.\n(٣) وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، ٢/ ١٠٢.\n(٤) أخرجه النسائي، في كتاب السهو، باب عدد التسبيح بعد التسليم، برقم ١٣٤٨، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقال بعد التسليم، برقم ٩٢٦، وأبو داود، كتاب الأدب، باب التسبيح عند النوم، برقم ٥٠٦٥،والترمذي في كتاب الدعوات، برقم ٣٤١٠،وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد، ٢/ ٥٠٢، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،١/ ٢٩٠،وصحيح ابن ماجه، ١/ ١٥٢،وله شاهد من حديث أنس عند النسائي، برقم ٢٩٩،والترمذي، برقم ٤٨١،وأحمد، ٣/ ١٢٠، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ١/ ٢٥٥، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٩.","vol":"1","page":228},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «تُسبّحون في دُبُرِ كل صلاة عشرًا، وتَحْمَدون عشرًا، وتُكبّرون عشرًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>النوع الخامس: «يُسبّح إحدى عشرة، ويَحْمَدُ إحدى عشرة، ويُكبّر إحدى عشرة» </span>(٢)؛ لحديث أبي هريرة في فقراء المهاجرين، ففي رواية من روايات هذا الحديث عن سهيل عن أبيه، يقول سهيل: «إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>النوع السادس: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» </span>يقول ذلك كله خمسًا وعشرين مرة؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ -،وثبت عن ابن عمر يرفعه أيضًا ﵄ (٤).\nسادسًا: يقرأ آية الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى آخرها؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ قرأ آية الكرسي دُبُرَ كلّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنة إلا الموتُ». وزاد الطبراني: و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٥).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة، برقم ٦٣٢٩.\n(٢) اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، ص٨٥، وانظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٣٠٠.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وصفته، برقم ٤٣ - ٥٩٥، وينظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٩٩، ونيل الأوطار، ٢/ ١٠١.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من عدد التسبيح، برقم ١٣٥٠، ١٣٥١، والترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٤١٣، وقال: هذا حديث صحيح، وابن خزيمة، برقم ٧٥٢، وأحمد، ٥/ ١٨٤، والدارمي، ١/ ٣١٢، والطبراني، برقم ٤٨٩٨، وابن حبان، برقم ٢٠١٧، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٥٧، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٥٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٩١.\n(٥) النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٠٠، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ١٢١، والطبراني في الكبير، ١/ ١١٤، برقم ٧٥٣٢، وصححه ابن حبان، وقال المنذري في الترغيب والترهيب،\n٢/ ٢٦١: «رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح»،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،٠/ ١٠٢: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد وأحدها جيد».وصححه الألباني في صحيح الجامع،\n٥/ ٣٣٩،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة،٢/ ٦٩٧،برقم ٩٧٢،وانظر: حاشية زاد المعاد، ١/ ٣٠٥.","vol":"1","page":229},{"text":"سابعًا: يقرأ المعوذات الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ\nالفلق﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس﴾ دبر كل صلاة، لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ بالمعوذات دُبُرَ كلّ صلاة» (١).\nثامنًا: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [بيده الخير] (٢) وهو على كل شيء قدير» عشر مرات عقب صلاة الفجر وعقب صلاة المغرب؛ لحديث أبي ذر، ومعاذ، وأبي عياش الزرقي، وأبي أيوب، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، وعمارة بن شبيب السبائي - ﵃ - (٣).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب: في الاستغفار، برقم ١٥٢٣، والنسائي، كتاب السهو، باب الأمر بقراءة المعوذات بعد التسليم من الصلاة، برقم ١٣٣٦، والترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء في المعوذتين، برقم ٢٩٠٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٨٤، وصحيح الترمذي، ٢/ ٨.\n(٢) انظر: كشف الأستار للبزار، ٤/ ٢٥ برقم ٣١٠٦.\n(٣) ١ - أما حديث أبي ذر، فأخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا قتيبة، برقم ٣٤٧٤، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وأحمد، ٥/ ٤٢٠، وقال المحشى على زاد المعاد: «بسند صحيح»، ١/ ٣٠١، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٢٧.\n٢ - وأما حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري، فأخرجه أحمد، ٤/ ٢٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩١.\n٣ - وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد، ٥/ ٤١٤، ٤١٥، ٤٢٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٢٤،وابن حبان في صحيحه، برقم ٢٠٢٣،وصححه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٩٠.\n٤ - وأما حديث أبي عياش الزرقي، فأخرجه أحمد، ٤/ ٦٠، وأبو داود، كتاب الأدب، باب في التسبيح عند النوم، برقم ٥٠٧٧، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى، برقم ٣٨٦٧.\n٥ - وأما حديث معاذ، فأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٢٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ١٣٩، والطبراني في كتاب الدعاء، رقم ٧٠٥.\n٦ - وأما حديث عمارة بن شبيب السبائي، فأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٥٧٧، و٥٧٨، والترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا محمد بن حميد، برقم ٣٥٣٤، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩٠.\n٧ - وأما حديث أبي أمامة، فرواه الطبراني وقال عنه المنذري في الترغيب والترهيب،\n١/ ٣٧٥: «رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١١١: «رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجال الأوسط ثقات»، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ١٩١.\n٨ - وأما حديث أبي الدرداء، فذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١١١، وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط، وقال المحشّي على الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٧٥: حسن بشواهده.","vol":"1","page":230},{"text":"ومجموع ما في أحاديثهم - ﵃ - أن من قالها بعد صلاة المغرب أو صلاة الصبح عشر مرات، بعث الله له مسلحة يحرسونه من الشيطان حتى يصبح، ومن حين يصبح حتى يمسي، ورفع له عشر درجات، وكان في حرزٍ من كل مكروه يومه ذلك، وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له كعدل عشر رقبات مؤمنات، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله» وكان من أفضل الناس عملًا إلا رجلًا يفضله بقول أفضل مما قال.\nتاسعًا: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا مُتَقَبَّلًا» بعد السلام من صلاة الفجر؛ لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: «اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ...» الحديث (١).\nعاشرًا: «ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك»؛لحديث البراء - ﵁ - قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك أو تجمع عبادك» (٢).\nالحادي عشر: رفع الصوت بالذكر عند انصراف الناس من الفريضة سنة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ - بالتكبير» (٣)، وفي لفظ للبخاري: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - ﷺ -» (٤). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر: أي\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ٩٢٥، وأحمد، ٦/ ٣٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ١٥٢،وانظر: مجمع الزوائد،١٠/ ١١١.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب يمين الإمام، برقم ٧٠٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٢، ومسلم واللفظ له، كتاب المساجد، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٨٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري في الكتاب والباب السابقين، برقم ٨٤١، ومسلم، كتاب المساجد، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٨٣.","vol":"1","page":231},{"text":"التكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح والتحميد» (١)، وقد فسَّر ذلك ووضَّحه ما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - أن أبا صالح قال: «الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين (٢)، فبدأ بالتكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>٣٢ - يصلي السنن الرواتب</span>؛ لحديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة» (٣)؛ولحديث أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلَّى اثنتي عشرةَ ركعةً في يوم وليلة بُنِيَ له بهنَّ بيتٌ في الجنة»،وفي لفظ: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بُنيَ له بيتٌ في الجنة» (٤)، وزاد الترمذي في تفسيرها: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «حفظت من النبي - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح»، وفي رواية «وركعتين بعد الجمعة في بيته» (٦).\nفالرواتب عشر، كما قال ابن عمر ﵄ أو اثنتي عشرة، كما قالت أم حبيبة وعائشة ﵄ وسمعت شيخنا الإمام العلامة ابن باز - ﵀\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٣٢٦، وسمعت سماحة الإمام ابن باز يقول في هذا الموضع: «بالتكبير» يعني مع «سبحان الله».\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٩٥.\n(٣) البخاري، كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر برقم ١١٨٢.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن، برقم ٧٢٨.\n(٥) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة وماله فيه من الفضل، برقم ٤١٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر، برقم ١١٨، ورقم ٩٣٧،\nو١١٦٥، و١١٧٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الرواتب، برقم ٧٢٩.","vol":"1","page":232},{"text":"- يذكر أن من أخذ بحديث ابن عمر قال: الرواتب عشر، ومن أخذ بحديث عائشة قال: اثنتي عشرة، ويؤيد حديث عائشة ما رواه الترمذي في تفسيرها، ويدل عليه حديث أم حبيبة في فضل هذه الرواتب، ويحتمل أن رسول الله - ﷺ - كان تارة يصلي ثنتي عشرة، كما في حديث أم حبيبة وعائشة، وتارة يصلي عشرًا، كما في حديث ابن عمر، فإذا نشط المسلم صلى ثنتي عشرة، وإذا كان هناك شاغل صلى عشرًا، وكلها رواتب، والكمال والتمام أن يصلي كما في حديث عائشة وأم حبيبة (١).\nوإن أراد المسلم أن يحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار؛ لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار» (٢).\nوإن أراد المسلم أن يصلي أربعًا قبل العصر ﵀؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله امرءًا صلى أربعًا قبل العصر» (٣).\n_________\n(١) سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٧٤.\n(٢) أحمد في المسند، ٦/ ٣٢٦، وأبو داود، كتاب التطوع، باب الأربع قبل الظهر وبعدها، برقم ١٢٦٩، والترمذي، كتاب الصلاة باب منه، برقم ٤٢٧، وحسنه، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد، برقم ١٨١٤، وابن ماجه، قبل الظهر أربعًا وبعدها أربعًا، برقم ١١٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩١، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز يقول في تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٣٨١: «هذا الحديث إسناده جيد، والذي حافظ عليه النبي - ﷺ - هو ما في حديث ابن عمر وعائشة - ﵃ -».\nقلت: وقد رأيته يصلي أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعدها جالسًا في آخر حياته - ﵀ -\n(٣) أحمد في المسند، ٢/ ١١٧، وأبو داود كتاب التطوع، باب الصلاة قبل العصر برقم ١٢٧١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأربع قبل العصر، برقم ٤٣٠، وحسنه، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ١١٩٣ وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٣٧، وسمعت الإمام العلامة ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٨٢ يقول: «جيد لا بأس بإسناده، وهو يدل على مشروعية صلاة قبل العصر وذلك سنة وليست من الرواتب؛ لأن النبي - ﷺ - لم يواظب عليها، وجاء عنه - ﷺ - من حديث علي - ﵁ - أنه كان يصلي ركعتين قبل العصر، وهذا يدلّ على أنه يستحب للمؤمن أن يُصلي قبل العصر ركعتين أو أربعًا».","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>المبحث التاسع عشر: أركان الصّلاة وواجباتها وسننها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>أولًا: أركان الصلاة:</span>\nأفعال الصلاة وأقوالها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أركان: وهي ما لا يسقط جهلًا ولا عمدًا ولا سهوًا، وواجبات: وهي ما تبطل به عمدًا ويسقط جهلًا وسهوًا ويجبر بسجود السهو، وسنن: وهي ما لا تبطل به عمدًا ولا سهوًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>الركن في اللغة: </span>جانب الشيء الأقوى، الذي لا يقوم ولا يتم إلا به، وسميت أركان الصلاة: تشبيهًا لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها، والركن في الاصطلاح: ماهية الشيء والذي يتركب منه ويكون جزءًا من أجزائه، ولا يوجد ذلك الشيء إلا به، وهو عبارة عن جزء الماهية: وهي الصورة (١).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-529>أركان الصلاة أربعة عشر ركنًا على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>الأول: القيام في الفرض مع القدرة</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (٢)؛ ولحديث عمران بن حصين - ﵁ - قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة؟ فقال: «صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جنب» (٣)؛ ولحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>الثاني: تكبيرة الإحرام</span>؛ لقول النبي - ﷺ - في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» (٥)؛ ولحديث علي - ﵁ - يرفعه: «مفتاح الصلاة\n_________\n(١) انظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ١٢٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٣) البخاري، برقم ١١١٧، تقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم ٦٣١، وتقدم تخريجه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٩٣، ومسلم، برقم ٣٩٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":234},{"text":"الطّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>الثالث: قراءة الفاتحة مرتبة في كل ركعة</span>؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأْ بفاتحة الكتاب» (٢)، وفيها إحدى عشرة تشديدة، فإن ترك حرفًا ولم يأت بما ترك لم تصحَّ صلاته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>الرابع: الركوع</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وفيه: «ثمّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>الخامس: الرفع من الركوع والاعتدال قائمًا</span>؛ لقوله - ﷺ - في حديث المُسيء صلاته، وفيه: «ثمّ ارفعْ حتى تعدلَ قائمًا» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>السادس: السجود على الأعضاء السبعة</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٦)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وفيه: «ثمّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا» (٧)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «أُمرتُ أن أسجدَ على سبعة أعْظُمٍ: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>السابع: الرفع من السجود</span>؛ لقوله - ﷺ -: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا» (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>الثامن: الجلسة بين السجدتين</span>، لقوله - ﷺ -: «حتى تطمئن جالسًا» (١٠).\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٦١، والترمذي، برقم ٣، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٦، ومسلم، برقم ٣٩٤، وتقدم تخريجه.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٤) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) سورة الحج، الآية: ٧٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ٨١٢، ومسلم، برقم ٤٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٩) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(١٠) البخاري، برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-538>التاسع: الطمأنينة في جميع الأركان</span>؛ لأن النبي - ﷺ - لَمّا علَّمَ المسيء صلاته كان يقول له في كل ركن: «حتى تطمئنَّ» (١) والطمأنينة: هي السكون بقدر الذكر الواجب، فلو لم يسكن لم يطمئن (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>العاشر: التشهد الأخير</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - وفيه: «لا تقولوا: السلامُ على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله ...» (٣). ولفظه عند النسائي: كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا هكذا، فإنَّ اللهَ هو السلام، ولكن قولوا: التحياتُ لله ...» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-540>الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير</span>؛ لأن النبي - ﷺ - فعله جالسًا، وداوم عليه، كما تقدم في الأحاديث، وقد أمرنا - ﷺ - بالصلاة كصلاته، فقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>الثاني عشر: الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦)؛ ولحديث كعب بن عجرة (٧) - ﵁ - وفيه: «يا رسول الله قد علمنا كيف نُسلّمُ عليك، فكيف نُصلّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلّ على محمد ...» الحديث» (٨)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - وفيه: «أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟\n_________\n(١) البخاري، برقم ٧٥٧، ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ١٢٦، والشرح الممتع، ٣/ ٤٢١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٣١، ومسلم، برقم ٨٣٥، وتقدم تخريجه.\n(٤) النسائي، كتاب السهو، باب إيجاب التشهد، برقم ١٢٧٨.\n(٥) البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، برقم ٦٢٨، ورقم ٦٠٠٨.\n(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(٧) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٥٧، ومسلم، برقم ٤٠٦، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":236},{"text":"فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «قولوا: اللهمَّ صلّ على محمد ...» الحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - علم المسيء صلاته مرتبة بـ «ثُمَّ»، فقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّرْ، ثم اقرأْ ما تيسَّرَ معك مِنَ القرآن، ثمَّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائمًا، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها» (٢)، وقال أبو أسامة في الأخير: «حتى تستويَ قائمًا» (٣)؛ ولأن النبي - ﷺ - واظب على هذا الترتيب، وقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>الرابع عشر: التسليمتان</span>؛ لحديث علي - ﵁ - يرفعه: «مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التّكْبير، وتحليلُها التسليم» (٥)؛ولحديث عامر بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: «كنت أرى رسول الله - ﷺ - يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>ثانيًا: واجبات الصلاة:</span>\nواجبات الصلاة ثمانية، تبطل الصلاة بتركها عمدًا، وتسقط سهوًا وجهلًا، وتجبر بسجود السهو، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>الأول: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام </span>(٧)؛ لحديث أنس - ﵁ -\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٠٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٧، ٧٩٣، ٦٢٥١، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٦٦٦٧.\n(٤) البخاري، برقم ٦٢٨، ٦٠٠٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) أبو داود، برقم ٦١، والترمذي، برقم ٣، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٥٨٢، وتقدم تخريجه.\n(٧) ويستثنى ما يلي:\nالتكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء، فإنها سنة.\nتكبيرات الجنازة، فإنها ركن.\nتكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا. فإنها سنة. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٤٣٢.","vol":"1","page":237},{"text":"يرفعه: «إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا» (١)؛ولحديث ابن عباس ﵄ قال عكرمة: رأيت رجلًا عند المقام يكبّر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس ﵄ فقال: «أوليس تلك صلاة النبي - ﷺ - لا أم لك؟» (٢). وفي رواية: «صليت خلف شيخ بمكةَ فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سُنّة أبي القاسم - ﷺ -» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>الثاني: قول: سبحان ربي العظيم في الركوع</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه: «فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم» (٥)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «وأما الركوع فعظّمُوا فيه الربَّ - ﷿ -» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>الثالث: قول: «سمع الله لمن حمده» للإمام والمنفرد</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «ثم يقول: سمع الله لمن حمده إذا رفع صلبه من الركوع» (٧).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٣، ومسلم، برقم ٤١١، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب إتمام التكبير في السجود، برقم ٧٨٧، وانظر: سنن النسائي،\n٢/ ٢٠٥، برقم ١٠٨٣، والترمذي، برقم ٢٥٣، وأحمد، ١/ ٣٨٦.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب التكبير إذا قام من السجود، برقم ٧٨٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-548>الرابع: قول: ربنا ولك الحمد للكل [الإمام، والمنفرد، والمأموم] </span>أما الإمام والمنفرد؛ فلحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد» (١). وأما المأموم؛ فلحديث أنس - ﵁ - يرفعه وفيه: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>الخامس: قول: سبحان ربي الأعلى في السجود</span>؛ لحديث حذيفة يرفعه وفيه: «ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>السادس: قول: «ربّ اغفر لي بين السجدتين»</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - يرفعه وفيه: وكان يقول: «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>السابع: التشهد الأول</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: علَّمَنا رسول الله - ﷺ - أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (٥)؛ولحديث عبد الله بن بحينة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبّر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلّم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>الثامن: الجلوس للتشهد الأول</span>؛ لحديث عبد الله بن بحينة السابق وفيه: «قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس، قبل أن يسلم وسجدهما\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٩، ومسلم، برقم ٣٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٣، ومسلم، برقم ٤١١، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) النسائي، كتاب التطبيق، باب كيف التشهد الأول، برقم ١١٦٣، ١١٦٤، وأحمد، ١/ ٤٣٧.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب التشهد في الأولى، برقم ٨٣٠، ومسلم، واللفظ له، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٠.","vol":"1","page":239},{"text":"الناس معه، مكان ما نسي من الجلوس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>ثالثًا: سنن الصلاة:</span>\nوهي سنن أقوال وأفعال، ولا تبطل الصلاة بترك شيء منها عمدًا ولا سهوًا، وسنن الصلاة، هي ما عدا الشروط، والأركان، والواجبات، وهي على النحو الآتي (٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>١ - رفع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين</span>، مع تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ (٣)؛ ولحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>٢ - وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على الصدر</span>؛ لحديث وائل - ﵁ - (٥)؛ ولحديث سهل - ﵁ - (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>٣ - النظر إلى موضع السجود في الصلاة</span>؛ لحديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>٤ - دعاء الاستفتاح</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٥ - التعوذ بالله من الشيطان</span>؛ للآية؛ ولحديث أبي سعيد - ﵁ - (٩).\n_________\n(١) تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٢) من السنن قبل الدخول في الصلاة: السواك عند كل صلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» متفق عليه: البخاري، برقم ٨٨٧، ومسلم، برقم ٢٥٢. ومن السنن قبل الصلاة اتخاذ سترة للإمام والمنفرد؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - يرفعه: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل» مسلم، برقم ٥١٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٥، ومسلم، برقم ٣٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣٧، ومسلم، برقم ٣٩١، وتقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه ابن خزيمة، برقم ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٦) البخاري، برقم ٧٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٧) السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٨٣، ٥/ ٢٥٨، والحاكم، ١/ ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٤٣، ومسلم، برقم ٥٩٨، وتقدم تخريجه.\n(٩) أبو داود، برقم ٧٧٥، والترمذي، برقم ٢٤٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>٦ - البسملة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>٧ - قول آمين بعد قراءة الفاتحة</span>، يجهر بها في الجهرية ويُسرُّ في السّرية؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>٨ - قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين، أو ما تيسَّرَ من القرآن</span>؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - (٣).\n٩ - الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية؛ لحديث جبير بن مطعم - ﵁ - (٤)؛ ولغيره من الأحاديث (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>١٠ - الإسرار في الصلاة السّرية</span>؛ لحديث خباب - ﵁ - وأنهم كانوا يعرفون قراءة النبي - ﷺ - في صلاة الظهر والعصر، باضطراب لحيته (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>١١ - السكتة اللطيفة بعد الفراغ من القراءة كلها</span>؛ لحديث الحسن عن سمرة - ﵁ - (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>١٢ - وضع اليدين مفرجتي الأصابع على الركبتين كأنه قابض عليهما</span>؛ لحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>١٣ - مدّ الظَّهْر في الركوع حتى لو صب عليه الماء لاستقر، وجعل الرأس حيال الظهر</span>؛ لحديث رفاعة بن رافع - ﵁ - (٩)؛ ولحديث وابصة بن معبد - ﵁ - (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>١٤ - مجافاة اليدين عن الجنبين في الركوع</span>؛ لحديث أبي حميد الساعدي - ﵁ - (١١).\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٢٦٤، والنسائي، برقم ٩٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٠، ومسلم، برقم ٤١٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٩، ومسلم، برقم ٤٥١، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٦٥، ومسلم، برقم ٤٦٣، وتقدم تخريجه.\n(٥) جاءت الأخبار الكثيرة بالجهر في صلاة الفجر والعشاء والمغرب، انظر: صحيح البخاري، من حديث رقم ٧٦٣ - ٧٧٤، وتقدمت.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في العصر، برقم ٧٦١.\n(٧) أبو داود، برقم ٧٧٨، والترمذي، برقم ٢٥١، وتقدم تخريجه.\n(٨) البخاري، برقم ٨٢٨، وأبو داود، برقم ٧٣١، ٧٣٤، وتقدم تخريجه.\n(٩) أبو داود، برقم ٨٥٩، وتقدم تخريجه.\n(١٠) ابن ماجه، برقم ٨٧٢، وتقدم تخريجه.\n(١١) أبو داود، برقم ٧٣٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>١٥ - ما زاد على التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود</span>؛ لحديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>١٦ - ما زاد على المرة الواحدة في سؤال الله المغفرة بين السجدتين</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>١٧ - قول «ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد» </span>بعد قول: ربنا لك الحمد؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>١٨ - وضع الركبتين قبل اليدين في السجود، ورفع اليدين قبل الركبتين في القيام</span>؛ لحديث وائل بن حُجر - ﵁ - (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>١٩ - ضم أصابع اليدين في السجود</span>؛ لحديث وائل - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>٢٠ - تفريج أصابع الرجلين في السجود</span>؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>٢١ - استقبال القبلة بأطراف أصابع اليدين والرجلين في السجود</span>؛ لحديث أبي حُميد الساعدي (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>٢٢ - مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود</span>؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة - ﵁ - (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>٢٣ - مجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، والتفريج بين الفخذين</span>؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>٢٤ - وضع اليدين حذو المنكبين أو الأذنين في السجود</span>، والسجود\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٧٢، وابن ماجه، برقم ٨٨٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٧٤، وابن ماجه، برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ٤٧٧، ٤٧٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، برقم ٨٣٨، ٨٣٩، والترمذي، برقم ٢٦٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) الحاكم، ١/ ٢٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) أبو داود، برقم ٧٣٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ٦٥١، وتقدم تخريجه.\n(٧) البخاري، برقم ٨٢٨، وصحيح ابن خزيمة، برقم ٦٤٣، وتقدم تخريجه.\n(٨) متفق عليه: البخاري برقم ٨٠٧، ومسلم، برقم ٤٩٥، ٤٩٦، وتقدم تخريجه.\n(٩) أبو داود، برقم ٧٣٥، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":242},{"text":"بينهما؛ لحديث أبي حُميد - ﵁ - (١)، وحديث وائل - ﵁ - (٢)؛ والبراء - ﵁ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>٢٥ - ضم القدمين والعقبين ونصبهما في السجود</span>؛ لحديث عائشة ﵂ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>٢٦ - الإكثار من الدعاء في السجود</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>٢٧ - افتراش الرجل اليسرى ونصب اليمنى في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول</span>؛ لحديث عائشة ﵂ (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>٢٨ - وضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى إذا جلس في الصلاة</span>، أو وضع الكفين على الركبتين، أو وضع الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى ويُلْقِمُ كفّه اليسرى ركبته؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه (٨)؛ وحديث عبد الله بن عمر - ﵃ - (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>٢٩ - وضع الذارعين على الفخذين في التشهد، وفي الجلوس بين السجدتين</span>؛ لحديث وائل بن حُجر - ﵁ - (١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>٣٠ - قبض خِنصر وبِنصر اليد اليمنى في التشهد</span>، والتّحْليق بين الإبهام والوُسْطى، والإشارة بالسبابة وتحريكها إلى القبلة عند ذكر الله، وعند الدعاء؛ لحديث وائل بن حجر - ﵁ - (١١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>٣١ - جلسة الاستراحة قبل القيام إلى الركعة الثانية، والركعة الرابعة</span>؛ لحديث\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٧٣٤، والترمذي، برقم ٢٧٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) النسائي، برقم ٨٨٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٢٢، ومسلم، برقم ٤٩٣، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٤٨٦، وصحيح ابن خزيمة، برقم ٦٥٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم ٤٨٢، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٧) مسلم، برقم ٤٩٨، وتقدم تخريجه.\n(٨) مسلم، برقم ٥٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٩) مسلم، برقم ٥٨٠، وتقدم تخريجه.\n(١٠) النسائي، برقم ١٢٦٤، وتقدم تخريجه.\n(١١) ابن ماجه، برقم ٩١٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":243},{"text":"مالك بن الحويرث - ﵁ - (١)؛ولحديث أبي حُميد السّاعدي - ﵁ - (٢)،وأبي هريرة - ﵁ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>٣٢ - التورُّك في التشهد الثاني</span>؛ لحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>٣٣ - النظر إلى السبابة عند الإشارة بها في الجلوس</span>؛ لحديث عبد الله بن الزبير (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمر - ﵃ - (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>٣٤ - الصلاة والتبريك على محمد وآل محمد، وعلى إبراهيم وآل إبراهيم في التشهد الأول</span>؛ لعموم الأدلة (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٣٥ - الدعاء والتعوُّذ من أربع بعد التشهد الثاني</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>٣٦ - الالتفات يمينًا وشمالًا في التسليمتين</span>؛ لحديث عامر بن سعد عن أبيه - ﵁ - (٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٣٧ - نيته في سلامه: الخروج من الصلاة، والسلام على الملائكة والحاضرين</span>؛ لأدلة كثيرة (١٠)، منها حديث جابر بن سمرة - ﵁ - وفيه: «علامَ تؤمِئُون بأيديكم كأنها أذناب خيل شُمُسٍ، إنما يكفي أحدَكم أن يضعَ يدَه على فخذه ثم يسلّم على أخيه: من على يمينه وشماله» (١١).\n_________\n(١) البخاري، برقم ٨٢٣، وتقدم تخريجه.\n(٢) أبو داود، برقم ٧٣٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ٦٢٥١، وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم ٨٢٨، وتقدم تخريجه.\n(٥) النسائي، برقم ١٢٧٥، وتقدم تخريجه.\n(٦) النسائي، برقم ١٦٦٠، وتقدم تخريجه.\n(٧) انظر: الدروس المهمة للإمام ابن باز، الدرس العاشر.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٧٧، ومسلم، برقم ٥٨٨، وتقدم تخريجه.\n(٩) مسلم، برقم ٥٨٢، وتقدم تخريجه.\n(١٠) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض، ٢/ ٧٩، والشرح الممتع، ٣/ ٢٨٩.\n(١١) مسلم، برقم ٤٣١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>المبحث العشرون: مكروهات الصلاة ومبطلاتها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>أولًا: مكروهات الصلاة:</span>\nينبغي للمسلم العناية بصلاته والإقبال عليها بقلبه؛ لأنه يناجي ربه - ﷿ -؛ لحديث أنس - ﵁ - يرفعه وفيه: «إن أحدَكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربَّه، أو إن ربَّه بينه وبين القِبلة، فلا يبزُقنَّ أحدُكم قِبَل قبلته ...» (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ يرفعه وفيه: «إذا كان أحدُكم يصلّي، فلا يبصُق قِبَل وجهه؛ فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى» (٢). والصلاة لا تبطل بفعل ما يكره فيها ولكن كمال الأدب يقتضي البعد عن جميع المكروهات، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-592>١ - الالتفات لغير حاجة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يختلِسُه الشيطانُ من صلاةِ أحدِكم» (٣)، والالتفات نوعان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>النوع الأول: التفات حِسّي</span>، وعلاجه بالسكون في الصلاة، وعدم الحركة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>النوع الثاني: التفات معنوي بالقلب</span>، وهذا علاجه صعب شاقٌّ، إلا على من يسَّره الله عليه، ولكن من أعظم العلاج استحضار عظمة الله، والوقوف بين يديه، والاستعاذة بالله من الشيطان، والتفل عن اليسار ثلاثًا؛ لحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبّسُها عليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك شيطان يقال له: خنزبٌ فإذا أحْسَسْتَه فتعوذْ بالله منه، واتفلْ عن يسارك ثلاثًا» قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>٢ - رفع البصر إلى السماء</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) البخاري، كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٥.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٦.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة، برقم ٧٥١، ٣٢٩١.\n(٤) مسلم، كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، برقم ٢٢٠٣.","vol":"1","page":245},{"text":"«ما بالُ أقوامٍ يرفعون أبصارَهم إلى السماء في صلاتهم»؟ فاشتدَّ قوله في ذلك حتى قال: «لينتهُنَّ عن ذلك أو لتُخَطَفَنَّ أبصارُهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>٣ - افتراش الذراعين في السجود</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اعتدِلوا في السجود، ولا يبسطُ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>٤ - التخصر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يصلي الرجل مختصِرًا» (٣)؛ ولقول عائشة ﵂ «أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يدَه في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٥ - النظر إلى ما يلهي ويشغل</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - صلى في خميصة (٥) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنجبانية (٦) أبي جَهْم؛ فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>٦ - الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: كان قرام (٨) لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي - ﷺ -: «أميطي عنا قرامك؛ فإنه لا تزال تصاويرُه تعرِض [لي] في صلاتي» (٩).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة، برقم ٧٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٢٢، ومسلم، برقم ٤٩٣، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب الخصر في الصلاة، برقم ١٢٢٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الاختصار في الصلاة، برقم ٥٤٥.\n(٤) البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم ٣٤٥٨.\n(٥) الخميصة: كساء له أعلام. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٤٧.\n(٦) أنجبانية: كساء غليظ لا علم له. شرح النووي، ٥/ ٤٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها، برقم ٣٧٣، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، برقم ٥٥٦.\n(٨) القرام: ستر رقيق من صوف، ذو ألوان. فتح الباري، ١/ ٤٨٤.\n(٩) البخاري، كتاب الصلاة، باب إن صلى في ثوب مُصلَّب أو تصاوير، هل تفسد صلاته وما ينهى عن ذلك، برقم ٣٧٤، ٥٩٥٩، وما بين المعقوفين من رواية في كتاب اللباس، باب كراهية الصلاة في التصاوير، برقم ٥٩٥٩.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>٧ - الإقعاء المذموم</span>؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - وفيه: «وكان ينهى عن عقبة الشيطان» (١)، هذا الإقعاء المكروه وهو: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وغيره من السباع، وهذا الإقعاء على هذه الصفة مكروه باتفاق العلماء (٢).\nوقد جاء نوع آخر في جواز الإقعاء بل سنيته، فعن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: «هي السنة» فقلنا له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: «بل هي سنة نبيكم - ﷺ -» (٣)، وقد ذكر النووي - ﵀ - أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في الإقعاء وتفسيره، ثم قال: «والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب ... ... وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهين، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: «سنة نبيكم - ﷺ -» (٤) فظهر أن الإقعاء الذي اختار ابن عباس وغيره من العبادلة أنه من السنة: هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتين على الأرض (٥) وهناك نوع ثالث للإقعاء وهو أن\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، برقم ٤٩٨.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٥٨، ٤٦١.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب جواز الإقعاء على العقبين، برقم ٥٣٦.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢.\n(٥) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٩، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٢٣٢، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ٢/ ١٥٧ - ١٦١. وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «الإقعاء المكروه وهو أن ينصب فخذيه وساقيه ويعتمد على يديه، كالكلب، أما كونه يجلس على عقبيه فهذا سنة كما قال ابن عباس ﵄ لكن الافتراش أفضل». سمعته أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٨٩، وشرحه للروض المربع، ٢/ ٨٩.","vol":"1","page":247},{"text":"يفرش قدميه فيجعل ظهورهما نحو الأرض ويجلس (١) على عقبيه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>٨ - عبث المصلي بجوارحه</span>، أو مكانه لغير حاجة؛ لحديث معيقيب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في الرجل يسوّي التراب حيث يسجد، قال: «إن كنت فاعلًا فواحدة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>٩ - تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة</span>؛ لحديث كعب بن عُجرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ وضوءَه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة» (٤). فمن كان في الصلاة فهو أولى بالنهي (٥)؛ ولقول ابن عمر ﵄ في الذي يصلي وهو مشبك بين يديه: «تلك صلاة المغضوب عليهم» (٦). والتشبيك بين الأصابع يكره أثناء الذهاب إلى الصلاة، وفي أثناء الصلاة، أما بعد الصلاة فلا بأس به (٧)؛لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «صلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ... الحديث» (٨).\n_________\n(١) وسمعت الإمام ابن باز ﵀ أثناء شرحه للروض المربع،٢/ ٨٩ يقول: «وهذه لا بأس بها سواء نصبها أو جلس عليهما، والإقعاء المكروه هو نصب ساقيه وفخذيه ويعتمد على يديه كالكلب».\n(٢) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٨٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣١٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب مسح الحصى في الصلاة برقم ١٢٠٧، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة، برقم ٥٤٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة، برقم ٣٨٧، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ١٢١.\n(٥) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣٢٤.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب كراهة الاعتماد على اليد في الصلاة، برقم ٩٩٣، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٣٨٠، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٦.\n(٧) وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ٩٣ يقول: «التشبيك في الصلاة وعند الذهاب إليها جاء من طرق، أما التشبيك بعد الصلاة فلا بأس به».\n(٨) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، برقم ٤٨٢، ومسلم، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة، برقم ٥٧٣، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول في تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٧٨ - ٤٨٢: «والتشبيك لا بأس به بعد الصلاة، أما قبل الصلاة وفي الصلاة فلا يشبك» وذلك بتاريخ ١٠/ ٦/١٤١٩هـ.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>١٠ - الصلاة بحضرة الطعام</span>؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء» (١)؛ ولحديث\nعبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة» (٢). ويشترط لذلك ثلاثة شروط:\nأولًا: أن يكون الطعام حاضرًا، والثاني: أن تكون نفس المصلي تتوق إليه، فإذا كان شبعان لا يلتفت إليه فليصلّ ولا كراهية، والثالث: أن يكون قادرًا على تناوله حسًّا وشرعًا: فالحس كأن يكون الطعام حارًّا لا يستطيع تناوله، والشرع كأن يكون المسلم صائمًا ممنوعًا من الطعام شرعًا، فلا كراهة في الصلاة حينئذٍ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>١١ - مدافعة الأخبثين [البول والغائط] في الصلاة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>١٢ - بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، برقم ٦٧١، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، برقم ٥٥٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، برقم ٦٧٤، ومسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، برقم ٥٥٩.\n(٣) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣٢٨، ٣٣٠.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث، برقم ٥٦٠.","vol":"1","page":249},{"text":"أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال: «أو يفعل هكذا» (١)؛ ولحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن رسول الله - ﷺ - رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، ثم قال: «إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى» (٢). وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله مادام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها» (٣).\nوقد جزم الإمام النووي - ﵀ - بالمنع من البزاق قِبَل القبلة وعن اليمين مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره؛ لأحاديث دلت على العموم (٤). أما إذا كان المصلي في المسجد فيتعين عليه أن لا يبصق مطلقًا إلا في ثوبه أو في منديل؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (٥). وعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «عرضت علَّي أعمال أمتي: حَسنُها،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٥، ومسلم، كتاب المساجد: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه، برقم ٥٥١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: لا يبصق عن يمينه في الصلاة، برقم ٤١٠، ٤١١، ٤٠٨، ٤٠٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٤٨.\n(٣) البخاري، برقم ٤١٦، تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٣٩، والأحاديث التي دلت على العموم في الصلاة وفي غيرها وفي المسجد وغيره. انظرها في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٦٢، برقم ٩٢٥، و٢/ ٢٧٨، برقم ١٣١٣، و١٣١٤، و٣/ ٨٣، برقم ١٦٦٣، وصحيح ابن حبان [الإحسان]، ٣/ ٧٧،برقم ١٦٣٦،و٣/ ٧٨،برقم ١٦٣٧،وسنن أبي داود، برقم ٣٨٢٤، والبيهقي، ٣/ ٧٦.وانظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٧٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد، برقم ٤١٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٢.","vol":"1","page":250},{"text":"وسَيئُها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدتُ في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد ولا تدفن» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>١٣ - كف الشعر أو الثوب في الصلاة</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُمٍ ولا أكفَّ ثوبًا ولا شعرًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>١٤ - عقص الرأس في الصلاة</span>؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص (٣) من ورائه، فقام فجعل يحلّه، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>١٥ - تغطية الفم في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>١٦ - السدل في الصلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن السدل (٥) في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>١٧ - تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائمًا لغير الإمام</span>؛ لحديث عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن نقرة\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ٨١٢، ومسلم، برقم ٤٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) معقوص: المعقوص هو نحو من المضفور، وأصل العقص: اللي وإدخال أطراف الشعر في أصوله، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٢٧٥، والمصباح المنير للفيومي، ٢/ ٤٢٢.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود، والنهي عن كف الشعر، والثوب، وعقص الرأس في الصلاة، برقم ٤٩٢.\n(٥) السدل: وهو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه. النهاية لابن الأثير، ٢/ ٣٥٥، والمصباح المنير، ١/ ٢٧١.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب السدل في الصلاة، برقم ٦٤٣، بلفظه، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما يكره في الصلاة، برقم ٩٦٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٦، وصحيح ابن ماجه، ١/ ١٥٩.","vol":"1","page":251},{"text":"الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يوطن الرجل مقامه في الصلاة كما يوطن البعير» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>١٨ - الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>١٩ - التثاؤب في الصلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع» (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل»، وفي لفظ: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع؛ فإن الشيطان يدخل» (٤)، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «والمشروع هنا ثلاثة أمور:\n١ - يكظم ما استطاع. ٢ - يضع يده على فيه. ٣ - لا يقل: ها حتى لا يضحك منه الشيطان» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>٢٠ - الركوع قبل أن يصل إلى الصف</span>؛ لحديث أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد» (٦).\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧، والحاكم عن عبد الرحمن بن شبل، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٢٩، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٦٠، وفي صحيح أبي داود، ١/ ٢٢٤، وفي صحيح ابن ماجه، برقم ١٤٢٩.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب كراهية الاعتماد على اليد في الصلاة، برقم ٩٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٦.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب، برقم ٢٩٩٤.\n(٤) مسلم، كتاب الزهد، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب، برقم ٢٩٩٥.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء شرحه لبلوغ المرام، حديث رقم ٢٦١.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا ركع دون الصف، برقم ٧٨٣.","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-614>٢١ - الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم أو الكراث</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل ثومًا أو بصلًا فلْيَعْتَزِلْنَا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته».وفي لفظ لمسلم: «فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس». وفي لفظ لمسلم: «من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>٢٢ - صلاة النفل عند مغالبة النوم</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه» (٢)، ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>ثانيًا: مبطلات الصلاة:</span>\nتبطل الصلاة ويجب إعادتها بقول أو فعل مما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-617>١ - الكلام العمد مع الذكر</span>؛ لحديث زيد بن أرقم - ﵁ - قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿قُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (٤) فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام» (٥)؛ولحديث معاوية بن الحكم - ﵁ - وفيه: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، برقم ٨٥٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا، أو كراثًا، برقم ٥٦٤، ومن رقم ٥٦١ - ٥٦٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء من النوم، برقم ٢١٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته أو استعجم عليه القرآن أو الذكر بأن يرقد أو يقعد حتى يذهب عنه ذلك، برقم ٧٨٦.\n(٣) مسلم، الكتاب السابق، برقم ٧٨٧.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، برقم ٥٣٩.","vol":"1","page":253},{"text":"الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن» (١)؛ ولحديث عبد الله - ﵁ - قال: كنا نسلم على رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا (٢) فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: «إن في الصلاة شغلًا» (٣). قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أن من تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-618>٢ - الضحك بصوت يسمعه المصلي أو غيره، وهو ما يعبر عنه بالقهقهة</span>، قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-619>٣ - الأكل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>٤ - الشرب</span>، قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أن من أكل أو شرب في صلاته الفرض عامدًا أن عليه الإعادة» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>٥ - انكشاف العورة عمدًا</span>؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة، فإذا عدم الشرط عمدًا بدون عذر بطل المشروط، وهو هنا الصلاة (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>٦ - الانحراف الكثير عن جهة القبلة</span>؛ لأن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>٧ - العبث الكثير المتوالي لغير ضرورة</span>.\n_________\n(١) مسلم، الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا، برقم ٥٣٧.\n(٢) ولكن يرد المصلي على المسلم بالإشارة، انظر: صحيح مسلم برقم ٥٤٠.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة برقم ٥٣٨.\n(٤) الإجماع، ص٤٣، برقم ٦٦.\n(٥) المرجع السابق، ص٤٣، برقم ٦٢.\n(٦) الإجماع، ص٤٣.\n(٧) انظر: الدروس المهمة للإمام ابن باز - ﵀ - الدرس الحادي عشر وحاشيتها للطويان، ص١٥١، وحاشيتها للفائز، ص٤٩.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>٨ - انتقاض الطهارة</span>؛ لأنها شرط من شروط الصلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه وفيه: «لا تقبل صلاة بغير طهور» (٢)، وكذلك إذا ترك المصلي ركنًا من أركان الصلاة عمدًا، أو شرطًا من شروطها عمدًا، لغير عذر شرعي، وكذلك من تعمد ترك شيء من واجباتها بغير عذر.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٥، ومسلم، برقم ٢٢٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) مسلم، برقم ٢٢٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>المبحث الحادي والعشرون: الخشوع في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>أولًا: مفهوم الخشوع: لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>١ - الخشوع لغة: </span>قال ابن فارس ﵀: «خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التَّطامُن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعًا، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن ... والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (١)، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والراكع ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>٢ - الخشوع اصطلاحًا: </span>قال الجرجاني ﵀: «الخشوع ... في اصطلاح أهل الحقيقة ... الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب، قيل من علامات الخشوع: أن العبد إذا غضب أو خُولف أو رُدَّ عليه استقبل ذلك بالقبول» (٣).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «الخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخُضُوع والذُّلّ ...» (٤).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوَجَل: معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أنَّ خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية،\n_________\n(١) سورة القلم، الآية: ٤٣.\n(٢) معجم المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، المتوفى سنة ٣٩٥هـ، تحقيق شهاب الدين أبو عمرو، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥هـ، كتاب الخاء، باب الخاء والشين ...، ص ٣١٦.\n(٣) التعريفات للجرجاني، فصل الشين، ص١٣٢.\n(٤) مدارج السالكين، ١/ ٥٢١.","vol":"1","page":256},{"text":"فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواصّ المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد بربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب كما تستولي المحبة» (١).\nوالتعريف المختار: الخشوع: لين القلب، وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تَلبُّسه بطاعة الله، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء ظاهرًا وباطنًا؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>ثانيًا: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق</span>\nإذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح، ولم يكن في القلب شيء منه، فهذا خشوع النفاق؛ ولهذا قال حذيفة - ﵁ -: «إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع» (٢).\nقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح.\n_________\n(١) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣٦١ - ٣٦٢، دار عالم الكتب، ١٤٢٤هـ إشراف وتوزيع وزارة الشئون الإسلامية، المملكة العربية السعودية.\n(٢) ذكره ابن القيم في مدارج السالكين، ١/ ٥٢١، وابن رجب في كتاب الخشوع في الصلاة، ص ١٣، وأخرجه الديلمي، في مسند الفردوس، ٢/ ٢٠٤، برقم ٣٠٠٧، وابن عدي، في الكامل في الضعفاء، ٣/ ٤٥٥، ترجمة رقم٨٧١.","vol":"1","page":257},{"text":"وأما خشوع النفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعًا وتكلُّفًا، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حُشِيَ به، وخمدت الجوارح، وتوقّر القلب، واطمأنّ إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مُخبِتًا له، والمخبت (١) المطمئنّ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأنّ (٢) فاستنقع فيه الماء.\nفكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن (٣) كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه - إجلالًا، وذُلًاّ، وانكسارًا بين يديه - سجدة، لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه ... فهذا خشوع الإيمان.\nوأما التماوت، وخشوع النفاق، فهو حال عبد تكلَّف إسكان الجوارح تَصنُّعًا، ومراعاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات، وإرادات، فهو يتخشع (٤) في الظاهر، وحية الوادي، وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة» (٥).\n_________\n(١) انظر: مفردات غريب القرآن للراغب، ص ١٤١.\n(٢) وفي مخطوطة: (ما تطامن).\n(٣) وفي بعض المخطوطات: (ما تطامن).\n(٤) وفي مخطوطة: (متخشع).\n(٥) كتاب الروح لابن القيم، تحقيق د. بسام علي سلامة العموش، الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ، نشر دار ابن تيمية، المملكة العربية السعودية، الرياض، ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.","vol":"1","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>ثالثًا: الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح</span>\nالخشوع علم نافع، وهو عمل صالح من أعمال القلوب، ويتبعها عمل الجوارح، للأحاديث الآتية:\n١ - عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ» فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ - ﵁ -: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟! فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا! فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (١) يَا زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟».\nقَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لَأُحَدّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ: الْخُشُوعُ؛ يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَامِعِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا» (٢).\n٢ - عن شداد بن أوس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ» (٣).\n_________\n(١) ثكلتك أمك: أي فقدتك، وأصله الدعاء بالموت، ثم يستعمل في التعجب. انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٤١٣.\n(٢) أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، برقم ٢٦٥٣، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والدرامي، ١/ ٧٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٥٩، وأخرجه أيضًا أحمد في المسند من حديث جبير، عن عوف بن مالك، وساق الحديث بنحوه، برقم ٢٣٩٩٠، والنسائي في الكبرى، برقم ٥٨٧٨، وابن حبان، برقم ٤٥٧٢، ورقم ٦٧٢٠.\n(٣) الطبراني في الكبير، برقم ٧١٨٣ مرفوعًا، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ١٣٦:\n«.. وفيه عمران بن داوود القطان ضعفه ابن معين، والنسائي، ووثقه أحمد، وابن حبان» وقد جاء موقوفًا على شداد عند أحمد، برقم ٢٣٩٩٠، وصححه محققو المسند، وأخرج هذا الموقوف النسائي في الكبرى، برقم ٥٨٧٨،وابن حبان، برقم ٤٥٧٢،ورقم ٦٧٢٠، وله شاهد عن أبي الدرداء - ﵁ - أن النبي - ﷺ -،قال: «أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعًا» ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ١٣٦، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن». ثم حديث شداد لا يقال بالرأي والاجتهاد، فله حكم الرفع.","vol":"1","page":259},{"text":"٣ - عن زيد بن أرقم - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في دعائه: «... اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (١).\nوقلب لا يخشع: علمه لا ينفع، وصوته لا يسمع، ودعاؤه لا يرفع (٢).\nقال الإمام ابن رجب ﵀: «فالعلم النافع هو ما باشر القلوب فأوجب لها السكينة، والخشية، والإخبات لله، والتواضع، والانكسار، وإذا لم يباشر القلب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان، فهو حجة الله على ابن آدم يقوم على صاحبه، وغيره كما قال ابن مسعود - ﵁ -: أن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب يرسخ فيه نفع صاحبه.\nوقال الحسن ﵀: العلم علمان: علم باللسان، وعلم بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على ابن آدم» (٣).\nوقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٤)، وقال - ﷿ -: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في الأدعية، برقم ٢٧٢٢.\n(٢) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص ١٩.\n(٣) الخشوع في الصلاة لابن رجب ص ١٦. وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية، ١/ ٨٣ مرفوعًا، وقال هذا حديث لا يصح، وضعفه الألباني في تخريج كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص ٢٤.\n(٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":260},{"text":"الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١).\nووصف اللَّه العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢)، وقوله سبحانه في وصف هؤلاء الذين أوتوا العلم، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا: مدحٌ لمن أوجب له سماع كتاب الخشوع لله - ﷿ - في قلبه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>رابعًا: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة</span>\nثبت في الخشوع في الصلاة فضائل كثيرة، منها الفضائل الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>١ - من فرَّغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته </span>كيوم ولدته أمه؛ لحديث عمرو بن عبسة السُّلمي - ﵁ - الطويل، وفيه أن النبي - ﷺ - قال بعد أن ذكر فضائل الوضوء: «.... فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ..» وذكر عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه سمع هذا من النبي - ﷺ - أكثر من سبع مرات (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-633>٢ - من صلى ركعتين لا يُحَدّث فيهما نفسَه غفر الله له </span>ما تقدم من ذنبه؛ لحديث عثمان - ﵁ -، أنه حين توضأ وضوءًا كاملًا قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٢) سورة الإسراء، الآيات: ١٠٧ - ١٠٩.\n(٣) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص١٧.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة، برقم ٨٣٢، وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، فليراجعه من شاء.","vol":"1","page":261},{"text":"هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>٣ - من صلَّى صلاةً مكتوبةً فأحسن خشوعها كانت كفّارةً </span>لما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان - ﵁ - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يأْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>٤ - من صَلَّى ركعتين مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة</span>؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>٥ - الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين </span>في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤).\nوالخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرًا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقلُّ التفاته، متأدّبًا بين يدي ربه، مستحضرًا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الرديئة، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء، برقم ١٦٤، ومسلم كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم ٢٤٦.\n(٢) مسلم، كتاب الطهارة باب فضل الوضوء والصلاة عقبة، برقم ٢٢٨.\n(٣) مسلم كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.\n(٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.","vol":"1","page":262},{"text":"فالصلاة التي لا خشوع فيها، ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابًا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>٦ - المغفرة والأجر العظيم للخاشعين</span>، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>٧ - الخاشعون والخاضعون لله مُبشَّرون بكل خير في الدنيا والآخرة</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٤).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «الخبت: المطمئن من الأرض ... ثم استعمل الإخباتُ استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص ٥٤٧.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩٩.\n(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٥) سورة هود، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":263},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١)، أي المتواضعين، نحو: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) أي تلين وتخشع، والإخبات هنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٤).\nوقال ابن منظور ﵀: «الخبت ما طمأن من الأرض واتَّسع ... ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ﴾ (٥) أي تواضعوا، وقال الفرّاء: أي تخشَّعوا لربهم ... وأخبت لله: خشع، وأخبت: تواضع، وكلاهما من الخبت، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (٦) فسَّره ثعلب بأنه التواضع، وفي حديث الدعاء: «وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتًَا» (٧) أي خاشعًا مطيعًا، والإخبات: الخشوع والتواضع (٨).\nوقال ابن الأثير ﵀: «وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتًَا» (٩) أي خاشعًا\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٢) سورة الأعراف، الآية:٢٠٦.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٥٤.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٧٤.\n(٥) سورة هود، الآية: ٢٣.\n(٦) سورة الحج، الآية: ٥٤.\n(٧) جزء من حديث أخرجه أحمد، ١/ ١٢٧، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلَّم، برقم ١٥١٠، ١٥١١، والترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥١، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله - ﷺ -، برقم ٣٨٣٠، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤١٤، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٨.\n(٨) لسان العرب، باب التاء، فصل الخاء، ٢/ ٢٧.\n(٩) أحمد، ١/ ١٢٧، وأبو داود، برقم ١٥١٠، ١٥١١، وابن ماجه، ٣٨٣٠، وتقدم تخريجه قبل الذي قبله.","vol":"1","page":264},{"text":"مطيعًا، والإخبات: الخشوع والتواضع، وقد أخبت لله: يخبت .. وأصلها من الخبت المطمئن من الأرض» (١).\nوذكر الإمام ابن القيم ﵀ هذه المعاني السابقة، ثم قال: «والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض ...»، ثم قال: «وقال إبراهيم النخعي: المصلُّون المخلصون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم .. وهذه الأقوال تدور على معنيين. التواضع، والسكون إلى الله - ﷿ - ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>٨ - الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة</span>، والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-640>٩ - الخشوع لله تعالى يورث هداية الله تعالى وتثبيته</span>؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤).\nقال العلامة السعدي ﵀: «﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تخشع، وتخضع، وتسلّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده» (٥).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، مادة «خبت» ٢/ ٤.\n(٢) مدارج السالكين، ٢/ ٣، وانظر: تفسير ابن كثير، ص ٨٩٨.\n(٣) سورة هود، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٥٤.\n(٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٥٤٢.","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>١٠ - أفضل الناس أخشعهم لله تعالى</span>، فالخشوع لله تعالى إذا كان بسبب معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله، والرغبة فيما عنده، والخشية من عقابه، ومبْنيٌّ على حبه، وخوفه مع رجائه، فهذا كلُّه يجعل العبد أفضل الناس؛ ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى: «أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله» (١).\nوقال سفيان أيضًا: «يراد للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر» (٢).\nوقال سفيان أيضًا ﵀: «كان يُقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله ليس بعالم بأمر الله، وعالمٌ بالله، عالم بأمر الله، يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، لا يخشى الله، فذلك العالم الفاجر» (٣).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذه الكلمات ينبغي أن تنقل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>١١ - مَنْ أتمَّ الصَّلوات الخمس بخشوع كان له على الله عهد أن يغفر له</span>؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال ... أَشْهَدُ أَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ\n_________\n(١) أخرجه الدارمي، ١/ ٨١، برقم ٣٣٧.\n(٢) أخرجه الدارمي، ١/ ٨١، برقم ٣٣٧.\n(٣) سنن الدارمي: ١/ ٨٦، برقم ٣٦٩.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على سنن الدارمي، الحديث رقم ٣٦٩.","vol":"1","page":266},{"text":"لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفهم له بالعلم</span>؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والقنوت هنا هو الخشوع في الطاعة؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: «... القنوت يرد في القرآن على قسمين: قنوت عام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣) أي الكل عبيد خاضعون لربوبيّته، وتدبيره، والنوع الثاني: وهو الأكثر في القرآن: القنوت الخاص، وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (٧)، ونحوها» (٨).\nوقد قال الراغب الأصفهاني ﵀: «القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسّرَ بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات، برقم ٤٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٥.\n(٢) سورة الزمر: الآية ٩.\n(٣) سورة الروم، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ٤٣.\n(٧) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(٨) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣١١،وانظر: المرجع نفسه ص ٣٦٢.","vol":"1","page":267},{"text":"قَانِتِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٢) قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يُعْنَ به كل السكوت، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة السلام: «إِنْ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَمَّا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (٣)، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طُولُ القُنُوتِ» (٤) أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٧)، وقال: ﴿اقْنُتِي لِرَبّكِ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٩)، وقال: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١٠)، وقال - ﷿ -: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ (١١) (١٢).\nوالقنوت في الحديث يُروَى بمعانٍ متعددةٍ، فيطلق على: الخشوع، والطاعة، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٢) سورة الروم، الآية: ٢٦.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، وما نسخ من إباحته، برقم ٥٣٧.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت، برقم ٧٥٦.\n(٥) سورة النحل، الآية: ١٢٠.\n(٦) سورة التحريم، الآية: ١٢.\n(٧) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٨) سورة آل عمران، الآية: ٤٣.\n(٩) سورة الأحزاب، الآية: ٣١.\n(١٠) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥.\n(١١) سورة النساء، الآية: ٣٤.\n(١٢) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٦٨٤.","vol":"1","page":268},{"text":"والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>١٣ - أثنى الله - ﷿ - على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه</span>، ووصفه بالإيمان الكامل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٥).\nووجل القلب: الوجل: استشعار الخوف، يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلًا، فهو وَجِل (٦).\nقال ابن كثير ﵀: «﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فرقت: أي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن ... الذي إذا ذكر الله وجل قلبه: أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره» (٧).\nوقال السعدي ﵀: «أي خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن\n_________\n(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، ٤/ ١١١، ومشارق الأنوار على الصحاح والآثار للقاضي عياض، حرف القاف مع سائر الحروف، ٢/ ١٦٢، وهدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، ص ١٧٦.\n(٢) سورة الأنفال، للآية: ٢.\n(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٥٢ - ٥٣.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٣٤ - ٣٥.\n(٥) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٦) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص ٨٥٥.\n(٧) تفسير القرآن العظيم، ص٥٦٦.","vol":"1","page":269},{"text":"يحجز صاحبه عن الذنوب» (١)، وقال ﵀: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب، كما تستولي المحبة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>١٤ - وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية لله تعالى</span>؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣)، فحصل لهم قشعريرة الجلد، ثم لين القلب والجلد.\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٤) أي يعلوها قشعريرة» (٥).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣١٥.\n(٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣٦١ - ٣٦٢.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٥) مفردات ألفاظ القرآن، ص ٦٧١.","vol":"1","page":270},{"text":"تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه ...» (١).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لما فيه من التخويف والترهيب المزعج ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>خامسًا: الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة</span>\nالفرق بين هذه الأمور على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>١ - الخشوع: </span>لين القلب وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تلبُّسه بالطاعة، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء: ظاهرًا وباطنًا؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>٢ - الوجل: </span>الخوف الموجب لخشية الله تعالى، وأكبر علاماته: أن يقوم صاحبه بفعل أوامر الله، وترك نواهيه رغبة فيما عنده من الثواب، وخوفًا مما عنده من العقاب، والله تعالى أعلم (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>٣ - القنوت: </span>القنوت يرد في القرآن على قسمين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>القسم الأول: قنوت عام لجميع المخلوقات</span>، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٥)، والمعنى: الكل عبيد خاضعون لربوبيَّته، وتدبيره - ﷾ -، لا معبود بحق سواه.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص ١١٥٣.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٢٣.\n(٣) تقدم ذكر المراجع لهذا المعنى في: مفهوم الخشوع اصطلاحًا.\n(٤) تقدم ذكر المراجع لهذه المعاني في: فضائل الخشوع، البند رقم ١٣.\n(٥) سورة الروم، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>القسم الثاني، وهو الأكثر في القرآن الكريم: القنوت الخاص: </span>وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١)، ونحو ذلك (٢)، والقنوت أيضًا يرد لعشرة معانٍ أخرى، تقدم ذكرها بالتفصيل (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>٤ - السكينة:</span>\nقيل: السكينة: المهابة والرَّزانة والوقار (٤).\nوقيل: ما يجده القلب من الطمأنينة ... وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده، ويطمئن وهو مبادئ عين اليقين (٥).\nوقيل: السكينة: الطمأنينة (٦)، وتأتي السكينة بمعنى: الوقار، والتَّأنّي في الحركة والسير: «السكينةَ، السكينةَ» أي الزموا السكينة (٧)، وفي حديث الخروج إلى الصلاة: «فليأتِ وعليه السكينة» (٨).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «والسكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل، والزلازل، والمفظعات، مما يثبّتها، ويسكّنها،\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٢) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، ص ٣١١، وص ٣٦٢.\n(٣) تقدم ذكر ذلك بالأدلة في: فضائل الخشوع، البند رقم ١٢.\n(٤) انظر: المصباح المنير، للفيومي، ١/ ٢٨٣، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس، ص ٤٨٦.\n(٥) التعريفات للجرجاني، فصل الكاف، ص ١٥٩.\n(٦) القاموس المحيط، ص ١٥٥٦.\n(٧) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨،\n(٨) أخرجه الإمام أحمد، ١٨/ ٨، برقم ٩٠٢٢، والطبراني في معجمه الأوسط، ١/ ٢٩٦، حديث رقم: ٩٨٣، وصححه الألباني في الثمر المستطاب، ص ٢٣٣.","vol":"1","page":272},{"text":"ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم الله العظيمة على العباد» (١)، وهي: «الثبات والطمأنينة، والسكون المُثَبّتَة للفؤاد» (٢).\nومن السكينة: سكينة الخشوع عند القيام بالعبادة لله تعالى، وهو الوقار، والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان.\nولما كان الإيمان موجبًا للخشوع، وداعيًا إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ﴾ (٣) دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آن لهم أن يصلوا إلى الإحسان بالإيمان؟ وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>٥ - الإخبات: </span>التواضع والخشوع، واللين، والسكون (٥).\nوهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أول مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>٦ - الطمأنينة: </span>قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٣٣.\n(٢) المرجع السابق، ص ٣٣٨.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ١٦.\n(٤) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠.\n(٥) تقدم ذكر مراجع هذه المعاني في: فضائل الخشوع، البند رقم ٧.\n(٦) انظر التفصيل في: مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٣ - ٨.\n(٧) سورة الرعد، الآية: ٢٨.","vol":"1","page":273},{"text":"جَنَّتِي﴾ (١).\n(الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: «دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ» (٢) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكونًا إليه، والكذب يوجب له اضطرابًا وارتيابًا، ومنه قول النَّبيّ - ﷺ -: «الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ» (٣) أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه.\nوقال الإمام ابن كثير ﵀: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيرًا؛ ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك» (٤).\nوقال العلامة السعدي ﵀: «﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.\n﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته» (٥).\n_________\n(١) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد، برقم ١٧٢٤، ١٧٢٤، والترمذي، برقم ٢٥١٨، وقال: «حسن صحيح»، والنسائي، برقم ٥٧١١، وابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٥٩، برقم ٢٣٤٨، والدارمي، ٢/ ٣١٩، برقم ٢٥٣٢، وابن حبان، ٢/ ٤٩٨، برقم ٧٢٢، والبيهقي في شعب الإيمان، ٥/ ٥٢، برقم ٥٧٤٧، والحاكم، ٢/ ١٥، برقم ٢١٦٩، وقال: صحيح الإسناد وأبو يعلى، ١٢/ ١٣٢، برقم ٦٧٦٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٢٩٣٠.\n(٣) أخرجه أحمد، برقم ١٨٠٠١، والطبراني، ٢٢/ ١٤٨، برقم ٤٠٣، والدارمي، ٢/ ٣٢٠، برقم ٢٥٣٣، وأبو يعلى، ٣/ ١٦٠، برقم ١٥٨٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٨٨١.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، ص ٧٠٧.\n(٥) تيسير الكريم الرحمن، ص ٤١٧ - ٤١٨.","vol":"1","page":274},{"text":"وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ﴾ (١) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: «اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>سادسًا: حكم الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع في الصلاة واجب على الصحيح للأدلة الآتية:\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين ... وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع ... فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة» (٤).\n٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الفجر، الآيتان: ٢٧ - ٢٨.\n(٢) مدارج السالكين، ٢/ ٥١٤، والأثر لم أجده إلا في التفسير القيم لابن القيم، ١/ ٤٩١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤.\n(٥) سورة المؤمنون، الآيات: ١ - ١٠.","vol":"1","page":275},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما يستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا، فالخشوع يتضمن السكينة، والتواضع جميعًا ... ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول في حال ركوعه: «اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومُخّي، وعظمي، وعصبي» (١)، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع ...» (٢).\nوقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ أقوال: فقيل: «خائفون ساكنون»، وقيل: «الخشوع في القلب»، وقيل: «الخشوع: الرهبة لله»، وقيل: «الخشوع في القلب، وأن يلين كنفه للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك، والخوف، وغض البصر في الصلاة، وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات، ومن ذلك خشوع الصوت (٣).\nفإذا كان الخشوع في الصلاة واجبًا، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض، لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه، ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثمًا عاصيًا (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ -، برقم ٧٧١.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٥٥٤.\n(٣) ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٥٥٤ - ٥٥٨.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٥٥٨.","vol":"1","page":276},{"text":"٣ - مما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن الله ينصرف عن من التفت فيها لغير حاجة؛ لحديث أبي ذر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وأحمد: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ» (١).\n٤ - ومما يدل على وجوب الخشوع أيضًا: حديث الحارث الأشعري - ﵁ - الطويل عن النبي - ﷺ - وفيه: «... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ..» هذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: «... وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - ﷿ - يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ...» (٢).\n٥ - ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ (٣)، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ ..» (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الالتفات في الصلاة، برقم ٩٠٩، والنسائي كتاب السهو، باب التشديد في الالتفات في الصلاة، برقم ١١٩٦، وأخرجه أيضًا في الكبرى، برقم ٥٣٢، وأحمد في المسند، برقم ٢١٥٠٨، وابن خزيمة، برقم ٤٨٢، والحاكم، ١/ ٢٣٦، والبيهقي، ٢/ ٢٨٢، وحسنة الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٦٠، برقم ٥٥٤، وقال محققو مسند الإمام أحمد، ٥/ ٤٠٠، برقم ٢١٥٠٨: «صحيح لغيره، وهذا إسناد محتمل للتحسين».\n(٢) الترمذي، كتاب الأدب، باب الأمثال، برقم ٢٨٦٣، وأحمد، ٢٨/ ٤٠٥، برقم ١٧١٧٠، و٢٩/ ٣٣٥، برقم ١٧٨٠٠، وابن خزيمة في صحيحه، برقم ١٨٩٥، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٤٤، وصححه محققو المسند، ٢٨/ ٤٠٦.\n(٣) شمس: جمع شموس، مثل: رسل ورسول، وهي التي لا تستقر، بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، ... برقم ٤٣٠.","vol":"1","page":277},{"text":"٦ - ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعمّ النوعين؛ فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها، وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالسهو، ولو كان السهو تركًا لما كان هناك رياء ..» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>سابعًا: منزلة الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع في الصلاة بمنزلة الروح من الجسد، فإذا فُقِدَت الروح مات الجسد، فالخشوع روح الصلاة، ولبُّها.\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «... وكذلك فَوتُ الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب ﵎، الذي هو روحها، ولبُّها، فصلاةٌ بلا خشوعٍ، ولا حضور، كبدنٍ ميّتٍ لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يُهدي إلى مخلوقٍ مثله عبدًا ميّتًا، أو جارية ميّتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها: من ملكٍ، أو أميرٍ، أو غيره، فهكذا؛ سواء الصلاة الخالية عن الخشوع، وجمع الهمة على الله تعالى فيها، بمنزلة هذا العبد - أو الأمة - الميّت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك؛ ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه، وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها ..» (٣).\n_________\n(١) سورة الماعون، الآيتان: ٤ - ٥.\n(٢) مدارج السالكين، ١/ ٥٢٧.\n(٣) الوابل الصيب، ص ١٤ - ١٥.","vol":"1","page":278},{"text":"وذكر ابن القيم ﵀ قول من قال: إن غلب على المصلّي عدم الخشوع في الصلاة، وعدم تعقُّلِها وجب عليها إعادتها، واحتجوا: بأنها صلاة لا يُثاب عليها، ولم يُضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها ...؛ ولأن الخشوع، والتعقُّلَ: روح الصلاة، ومقصودها، ولبُّها، فكيف يُعتدّ بصلاةٍ فقدت روحها، ولبَّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟ وقالوا: ولو ترك العبد واجبًا من واجباتها عمدًا لأبطلها تركه، وغايته أن يكون بعضًا من أبعاضها، بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها، ولبَّها، وصارت بمنزلة العبد الميّت، فإذا لم يعتدّ بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقرّبًا لله تعالى في كفارة واجبة، فكيف يعتدّ بالعبد الميت ..؟؟ وذكر بأن حجج أصحاب هذا القول قويّة ظاهرة.\nولكنه ﵀ رجّح القول الثاني الذي لا يوجب الإعادة، وإنما يفُوت المصلّي غير الخاشع الثواب بقدر ما فاته من الخشوع في صلاته، ويفوته ما يحصل من الدرجات العُلا في الآخرة، ومرافقة المقرّبين، كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وذَكَر أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإن أراد الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصّلها، وإن شاء أن يفوّتها على نفسه فوَّتها، ولا نلزمه بإعادتها ولا نعاقبه على تركها، ولا نرتب عليه أحكام تارك الصلاة، وهذا أرجح القولين (١).\nوكلام ابن القيم ﵀ هنا مختص بحضور القلب وخشوعه في الصلاة، أما من نقر الصلاة، ولم يتم ركوعها، أو سجودها، أو ترك شيئًا من شروطها، أو أركانها، أو تعمّد ترك واجب من واجباتها، فلا شكّ أن الإعادة تجب عليه.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين، ١/ ٥٢٥ - ٥٣٠.","vol":"1","page":279},{"text":"ومما يدل على عظم منزلة الخشوع في الصلاة: أن الله تعالى يُعرِض عن من التفت بقلبه أو ببصره؛ لحديث أبي ذر - ﵁ -، يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «لاَ يَزَالُ اللَّهُ - ﷿ - مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» (١).\nولحديث الحارث الأشعري يرفعه، وفيه: «... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ...» (٢).\n\nقال الإمام ابن القيم ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-657>«الالتفات المنهيُّ عنه في الصلاة قسمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>أحدهما: التفات القلب عن الله - ﷿ - إلى غير الله تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>والثاني: التفات البصر</span>، وكلاهما منهي عنه، ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه ... ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتف عن السلطان يمينًا وشمالًا، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظنُّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أقلّ المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا، قد سقط من عينيه؟ فهذا المُصلّي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلَّ عُنُقه\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٩٠٩، وأحمد، برقم ١٥٠٨، وغيرهما، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب، ١/ ٣٦٠، وتقدم تخريجه في حكم الخشوع في الصلاة.\n(٢) الترمذي، برقم ٢٨٦٣، وأحمد، برقم ١٧١٧٠، وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣٠/ ١٤٤، وتقدم تخريجه في حكم الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":280},{"text":"له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض؛ وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله - ﷿ -، والآخر ساهٍ غافلٌ، فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقرّبًا، فما الظن بالخالق - ﷿ -، وإذا أقبل على الخالق - ﷿ -، وبينه وبينه حجاب: الشهوات، والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملْأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالًا، وقد ألهته الوساوس، والأفكار، وذهبت به كل مذهب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>ثامنًا: حكم الوسواس في الصلاة</span>\nالوسواس في الصلاة يدل على عدم كمال الإيمان، وعلى عدم استحضار العبد عظمة الله، وعدم الإحسان الكامل في الصلاة؛ فإن الإحسان في الصلاة: هو أن يصلّي المُصلّي كأنه يرى الله؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، كما قال النبي - ﷺ - حينما سأله جبريل - ﵇ - بقوله: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؛ فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلًا باتفاق أهل العلم؛ بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلْتَ منها» (٣).\n_________\n(١) الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب، لابن القيم، ص ٣٥ - ٣٦، ببعض التصرف. وانظر: أيضًا الوابل الصيب، ص١٤ - ٣٧، ومدارج السالكين، ١/ ١١٢، و٥٢٥ - ٥٣٠.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، برقم ٥٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان، والإسلام، والإحسان، ... برقم ٩، وثبت في صحيح مسلم، من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، في نفس الكتاب والباب السابقين، برقم ٨.\n(٣) تقدم تخريجه، في حكم الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":281},{"text":"وفي السنن - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا» (١).\nويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ» (٢)، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقًا.\nوأما الوسواس الذي يكون غالبًا على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضًا لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ» (٣)، وقد صحّ عن النبي - ﷺ -: الصلاة مع الوسواس مطلقًا، ولم يفرق بين القليل والكثير.\nولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٧٩٦، وحسنه الألباني، وقد تقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه، ١/ ٢٢٩، برقم ٨٦٤، والترمذي في سننه، ٢/ ٢٦٩، برقم ٤١٣، وقال: «حسن غريب»، والنسائي في سننه، ١/ ٢٣٣، برقم ٤٦٦، وابن ماجه في سننه، ١/ ٤٥٨، برقم ١٤٢٥، جميعًا عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٤/ ٢٠، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٤٠.\n(٣) البخاري، برقم ٦٠٨، ومسلم، برقم ٣٨٩، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":282},{"text":"مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١)، وكذلك فى الصحيح أنه قال: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٢).\nوما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ - ﵁ -: «فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها» (٣).\nوكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر (٤).\nوكان عبد الله بن الزبير - ﵁ - يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه (٥).\nوقالوا لعامر بن عبد القيس أتُحَدّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، برقم ١٥٩، ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، برقم ٢٢٦.\n(٢) رواية مسلم، كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤، على النحو الآتي: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». ولفظ المتن أقرب لرواية الإمام أحمد، برقم ١٧٣١٤.\n(٣) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب، ٢/ ٦٠٥ من حديث ابن عباس متصلًا، وفي جامع بيان العلم وفضله، ٢/ ٣٧٠، وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال، ٣/ ٢٣٤، ورواه الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٥/٥٣٢١، وذكره الهيثمي في المجمع، ٩/ ٣٠٨، وقال: «رواه الطبراني بإسنادين أحدهما عن أبي سلمة مرسلًا، والآخر عن الماجشون منقطعًا، وفي إسناده من لم أعرفه».\n(٤) ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥، ولم أجده عند غيره.\n(٥) ذكره أبو نعيم في طبقات المحدثين في أصبهان، برقم ١٧.","vol":"1","page":283},{"text":"أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبا لجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ وأمثال (١)، هذا متعدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>تاسعًا: الخشوع في الصلاة من إقامتها</span>\nلا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا يكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله - ﷺ -، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعًا؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعًا، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٧)، وقال إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبّ\n_________\n(١) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين دون عزوه لأحد، ١/ ٢٨١، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٣.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٥٥.\n(٥) سورة هود، الآية: ١١٤.\n(٦) سورة النساء، الآية: ١٠٣.\n(٧) سورة النساء، الآية: ١٦٢.","vol":"1","page":284},{"text":"اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢)، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقرونًا بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر - ﵁ -: «الحاج قليل والركب كثير» (٣).\nفالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ - ﷻ - بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيّنه ويُحسّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>عاشرًا: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة</span>\nترك الخشوع في الصلاة يسبب: ترك أركانها: وواجباتها، فلا يمكن للخاشع لله في صلاته أن ينقر صلاته، أو يترك شيئًا من أركانها أو واجباتها على أقل الأحوال؛ لأنه يستحضر عظمة الله تعالى، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ولهذا جاءت النصوص الثابتة بالتحذير من الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>١ - قد يُصلّي المرء ستين سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلّي سِتّينَ سَنَةً، ومَا\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة طه، الآية: ١٤.\n(٣) مصنف عبد الرزاق، ٥/ ١٩، برقم ٨٨٣٧.\n(٤) الصلاة لابن القيم، ص ١٠٩.","vol":"1","page":285},{"text":"تُقْبَلُ لَهُ صَلاَةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلاَ يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>٢ - أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته</span>؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: «لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا»، أَوْ قَالَ: «لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-665>٣ - لا ينظر الله - ﷿ - إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها</span>؛ لحديث طلق بن علي الحنفي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ - ﷿ - إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>٤ - من مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده</span>، مات على غير ملّة محمد - ﷺ -؛ لحديث أبي عبد الله الأشعري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا لا يُتمّ ركوعه [و] ينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ١/ ٢٨٨، والأصبهاني في الترغيب والترهيب، برقم ١٨٩٥، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٧، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٦/ ٨١، برقم ٢٥٣٥.\n(٢) أخرجه أحمد في المسند ٣٧/ ٣١٩، برقم ٢٢٦٤٢، واللفظ له، وابن خزيمة، ١/ ٣٣٢، برقم ٦٦٣، والحاكم، ١/ ٢٢٩، وابن حبان في صحيحه، برقم ١٨٨٨، والبيهقي، ٢/ ٣٨٦، والطبراني، برقم ٢٣٤٧، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٥، وصححه محققو مسند الإمام أحمد، ٣٧/ ٣١٩.\n(٣) أحمد في المسند، ٢٦/ ٢١١، برقم ١٦٢٨٣، والطبراني في الكبير، برقم ٨٢٦١، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٦: (حسن صحيح»، وجاء مثله من حديث علي بن شيبان في مسند أحمد، برقم ١٦٢٨٤، وبرقم ٢٤٠٠٩/ ٧٤.\n(٤) أحمد، ١٦/ ٤٦٦، برقم ١٠٧٩٩، وحسنه محققو مسند أحمد، ١٦/ ٤٦٦.","vol":"1","page":286},{"text":"- ﷺ -: «لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» ثُمَّ قَالَ - ﷺ -: «مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ، مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>٥ - قد ينصرف المصلّي ولم يكتب له من صلاته إلا عشرها</span>؛ لحديث عمار بن ياسر - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (٢).\nوعن أبي اليَسَر: كعب بن عمرو السلمي - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ -، قال: «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي النّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ»، حَتَّى بَلَغَ: «الْعُشْرَ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>٦ - قد يُصلّي المرء أربعين سنة، ولا يكتب له صلاة واحدة</span>؛ لحديث حذيفة موقف عليه: أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَإَذَا رَجُلٌ يُصَلّي، فَجَعَلَ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ السُّجُودَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: «مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مِتَّ وَهَذِهِ صَلاتُكَ لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٍ - ﷺ -، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ يُعَلّمُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفّفُ فِي\n_________\n(١) الطبراني في الكبير، ٤/ ١١٥، برقم ٣٨٤٠، وابن خزيمة، ١/ ٣٣٢، برقم ٦٦٥، وأبو يعلى، برقم ٧١٨٤، وحسن إسناده الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٤٧، وفي تعليقه على صحيح ابن خزيمة، ١/ ٣٣٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نُقصان الصلاة، برقم ٧٩٦، وغيره، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٢٦، وأخرجه أيضًا النسائي في الكبرى، برقم ٦١٥.\n(٣) أحمد ٢٤/ ٢٨٠، برقم ١٥٥٢٢، والنسائي في الكبرى، برقم ٦١٦، ١/ ٣١٦، وحسنه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٥٢.","vol":"1","page":287},{"text":"صَلاتِهِ وإنَّهُ لَيُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>٧ - نقر الصلاة كنقر الغراب، أو الطائر بمنقاره من علامات النفاق الخالص</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا» (٢)، ورجَّح النووي ﵀: أن قول النبي - ﷺ -: «بين قرني شيطان» على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد: أن الشيطان يحاذي الشمس عند غروبها بقرنيه، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذٍ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيَّل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له (٣).\nوقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: «فَوَصَفَهُ بإضاعة الوقت بقوله: «يرقب الشمس»، وبإضاعة الأركان، بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله: «لا يذكر الله فيها إلا قليلًا»» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>٨ - بكاءُ أنس بن مالك - ﵁ - على تأخير الصلاة عن وقتها وتضييعها</span>، فعن الزهري ﵀ قال: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: «لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيّعَتْ» (٥)، ومعنى تضييعها: أي تأخيرها عن وقتها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد صحَّ أنّ الحَجَّاج\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣٨/ ٢٩٤، برقم ٢٣٢٥٨، والنسائي في المجتبى، برقم ١٣١٢، وفي الكبرى، برقم ٦١١، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٢١.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد استحباب التبكير بالعصر، برقم ٦٢٢.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٢٩.\n(٤) تفسير الفاتحة، بتحقيق د. فهد بن عبد الرحمن الرومي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٩هـ، بدون ناشر.\n(٥) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة عن وقتها برقم ٥٣٠.","vol":"1","page":288},{"text":"وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخّرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-671>الحادي عشر: الصلاة بخشوع: قرّةٌ للعين وراحةٌ للقلب</span>\nلا شك أن الصلاة قرة لعين النبي - ﷺ -، وراحة لقلبه وروحه؛ لحلاوة مناجاته لربّه؛ ولخشوعه، وحضور قلبه بين يدي الله تعالى، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُبّبَ إلَيَّ: النّسَاءُ، وَالطّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٢).\nوقوله «حبب إلي النساء ..» قيل: إنما حُبّبَ إليه النساء لينقلن عنه من أمور الشريعة ما لا يطّلع عليه الرجال، ومن أحواله ويستحيا من ذكره، وقد جعل الله له نسوة ينقلن: أحكام الحيض، والنفاس، والغسل، والعدة، وينقلن من الشرع ما يشاهدنه من أفعاله - ﷺ -. وقيل: حبب إليه زيادة في الابتلاء والاختبار، والتكليف، فيكون ذلك أكثر لمشاقّه، وأعظم لأجره، وقيل غير ذلك والعلم عند الله تعالى (٣).\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ١٤.\n(٢) النسائي بلفظه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، برقم ٣٩٤٠، وأحمد برقم ١٢٢٩٣، ١٣٠٥٧، وفي لفظ للنسائي، برقم ٣٩٣٩، وأحمد برقم ١٢٢٩٤، ١٤٠٣٧: «حُبّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصلاة»، والحديث صححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٨٢٧، وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على سنن النسائي، ٧/ ٦١: يقول: «لا بأس بإسناده، أما من قال: حبب إلي من دنياك ثلاث، فهذا لا يصح؛ لأن الصلاة ليست من الدنيا، أما قوله: «حُبّبَ إليَّ من الدنيا: النساء، والطيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» فلا إشكال فيه».\nوقوله: «حُبّب إليَّ من الدنيا ..» قال المناوي في «فيض القدير» ٣/ ٣٧٠: «زاد الزمخشري، والقاضي لفظ: «ثلاث» [أي حُبّبَ إليّ من الدنيا ثلاث]، وهو وهم، قال الحافظ العراقي في «أماليه»: لفظ (ثلاث) ليست في شيء من كتب الحديث، وهي تفسد المعنى، وقال الزركشي: لم يرد فيه لفظ «ثلاثة»، وزيادتها مُخِلَّة للمعنى؛ فإن الصلاة ليست من الدنيا، وقال ابن حجر في تخريج «الكشاف»: لم يقع في شيء من طرقه [انظر: حاشية محققي مسند الإمام أحمد، ١٩/ ٣٠٧].\n(٣) انظر: شرح السيوطي على سنن النسائي وحاشية السندي، ٧/ ٦٣ - ٦٤.","vol":"1","page":289},{"text":"وقوله: «والطيب» فكأنه حُبّبَ إليه؛ لأنه يناجي ربَّه - ﷾ -، ويقابل جبريل، والملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم، والعلم عند الله تعالى (١).\nقوله: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» النبي - ﷺ - يحصل له السرور العظيم، واللذة العظيمة في صلاته؛ لأنه يستحضر عظمة الله ويناجيه، ويدعوه، فيحصل له كمال المناجاة مع الرب ﵎ (٢).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «... وقرّت عينُهُ تقرُّ: سُرَّت، قال: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٣)، وقيل لمن يُسَرُّ به: قرّة عينٍ، قال: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (٤) وقوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٥) قيل: أصله من القُرّ: أي البرد، فقرّت عينُه، قيل: معناه بردت فصحَّت، وقيل: لأن للسرور دمعة باردة قارة، وللحُزن دمعة حارة؛ ولذلك يقال لمن يُدعى عليه: أسخن الله عينه، وقيل: هو من القرار، والمعنى: أعطاه الله ما تسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره» (٦).\nوالنبي - ﷺ - مهما يحصل له من السرور العظيم، وحلاوة مناجاة الله، تحصل له الراحة فيها؛ لكمال مناجاته لربه، واستحضاره لعظمته، والوقوف بين يديه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاةِ» وفي\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ٧/ ٦٣ - ٦٤.\n(٢) انظر: شرح السيوطي عن سنن النسائي، وحاشية السندي، ٧/ ٦٣ - ٦٤، ولسان العرب لابن منظور، ٥/ ٨٧، والمصباح المنير، ٢/ ٤٩٧.\n(٣) سورة طه، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٩.\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(٦) مفردات ألفاظ القرآن، ص٦٦٣.","vol":"1","page":290},{"text":"لفظ: «يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «... الصلاة إنما تُكفّر سيئات من أدَّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه، فهذا إذا انصرف منها وجد خِفّةً من نفسه، وأحسَّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا، وراحة، وروحًا، حتى يتمنَّى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قُرَّة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نُصلّي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم، وقدوتهم، ونبيهم - ﷺ -: «يَا بِلالُ أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ» (٢)، ولم يقل: أرحنا منها، وقال - ﷺ -: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» (٣)، فمن جُعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقرّ عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟» (٤).\nوقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «والمقصود أن ما تقرَّ به العين أعلى من مجرَّد ما يحبه، فالصلاة قُرّة عيون المحبين في هذه الدنيا؛ لما فيها من مناجاة من لا تقرّ ... العيون، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره، والتَّذلُّلُ والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول النبي - ﷺ -:\n«يا بلال أرحنا بالصلاة» فأعلم بذلك أن راحته - ﷺ - في الصلاة، كما أخبر أن قرّة عينه فيها، فأين هذا من قول القائل: نصلي، ونستريح من الصلاة.\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، و٤٩٨٦، وأحمد في المسند، برقم ٢٣١٥٤، ٣٨/ ٢٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٢٥.\n(٢) أبو داود، برقم ٤٩٨٥، ٤٩٨٦، وأحمد ٣١٥٤، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٣) النسائي برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه.\n(٤) الوابل الصيب، ص ٥١ - ٥٢.","vol":"1","page":291},{"text":"فالمحبّ راحته، وقرّة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك؛ بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنَّه على الجمر، حتى يتخلّص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها، وأسرعها؛ فإنه ليس له قُرَّة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرّت عينه بشيء، واستراح قلبه به، فأشقّ ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله، والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا، أشقّ ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع تفرّغه وصحته وعدم اشتغاله» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>الثاني عشر: مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقرّ بها العين</span>\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقرّ بها العين، ويستريح بها القلب، هي التي تجمع ستة مشاهد» (٢)، وذكر هذه المشاهد ﵀، وهي على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-673>المشهد الأول: الإخلاص: </span>وهو أن يكون الحامل عليها، والداعي إليها، رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودُّد إليه، وامتثال أمره؛ بحيث لا يكون الباعث له عليها حظًّا من حظوظ الدنيا البتة؛ بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى: محبةً له، وخوفًا من عذابه، ورجاء لمغفرته، وثوابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح: </span>وهو أن يُفرّغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، وأكملها ظاهرًا وباطنًا؛ فإن الصلاة لها ظاهر وباطن:\nفظاهرها الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله والإقبال بكُليَّته على الله فيها بحيث لا\n_________\n(١) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ص ٣٣.\n(٢) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، ص ٣٤.","vol":"1","page":292},{"text":"يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء: </span>وهو أن يحرص كلّ الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي - ﷺ -، ويُصلّي كما كان يُصلّي، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة: من الزيادة، والنقصان، والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - شيء منها، ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخّصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه، ولعل الأحاديث الثابتة، والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: نحن مقلّدون لمذهب فلان، وهذا لا يُخلّص عند الله، ولا يكون عذرًا لمن تخلَّف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله، واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول، وكل أحد سوى الرسول - ﷺ - فمأخوذ من قوله ومتروك، وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نحكم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه، ونسلم تسليمًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-676>المشهد الرابع: مشهد الإحسان: </span>وهو مشهد المراقبة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله، وأسمائه، وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته، مستويًا على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويُدبّر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده، ويصعد إليه، وتُعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كُلَّه بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيُّومًا، حيًّا، سميعًا، بصيرًا، عزيزًا، حكيمًا، آمرًا، ناهيًا، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال","vol":"1","page":293},{"text":"العباد، ولا أقوالهم ولا بواطنهم؛ بل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.\nوحظّ العبد من القرب من الله على قدر حظّه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة، حتى [أنَّه] يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض، وقيامهما، وركوعهما، وسجودهما واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>المشهد الخامس: مشهد المِنَّةِ: </span>وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام، وأهَّله له، ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدون بين يدي النبي - ﷺ - فيقولون:\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا\n\nقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمُصلّي مصلّيًا كما قال الخليل - ﷺ -: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢)، وقال: ﴿رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرّيَّتِي﴾ (٣)، فالمنّة لله وحده في أن جعل عبده قائمًا بطاعته، وكان هذا من أعظم نعمه عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٥).\nوهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلّما كان العبد\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ١٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٨.\n(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٥) سورة الحجرات، للآية: ٧.","vol":"1","page":294},{"text":"أعظم توحيدًا، كان حظُّه من هذا المشهد أتمَّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>المشهد السادس: مشهد التقصير: </span>وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه، فهو مقصّر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم، والتعظيم، والاحترام، والتوقير، والحياء، والمهابة، والخشية، والنصح، بحيث يُفَرّغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك، ورب السموات والأرض، أولى أن يعامل بذلك، بل بأضعاف ذلك.\nوإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريبًا من حقه، علم تقصيره، ولم يسعْه مع ذلك غير الاستغفار، والاعتذار من تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه، وأنه إلى أن يغفر له العبودية، ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابًا، وهو لو وفَّاها حقها كما ينبغي، لكانت مستحقّة عليه بمقتضى العبودية؛ فإن عمل العبد، وخدمته لسيده، مستحقّ عليه بحكم كونه عبده ومملوكه.\nومن هنا يُفْهَم قول النبي - ﷺ - في الحديث الذي رواه أبو داود، والإمام أحمد، من حديث زيد بن ثابت، وحذيفة وغيرهما: «إِنَّ اللَّهَ لَوْ عذَّبَ أهْلَ سَمَوَاتِهِ، وأهْلَ أرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>الثالث عشر: أقسام الناس في الخشوع في الصلاة</span>\nالناس يختلفون في الخشوع في الصلاة على حسب حضور قلب\n_________\n(١) مسند أحمد، ٣٥/ ٤٦٥، برقم ٢١٥٨٩، وسنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم ٤٧٠١، وسنن ابن ماجه، أبواب السنة، باب في القدر، برقم ٧٧، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٧٧.\n(٢) رسالة ابن القيم لأحد إخوانه، ص ٣٣ - ٤٦.","vol":"1","page":295},{"text":"كل إنسان، وغفلته، وإقباله على صلاته، وانصراف قلبه عن ربه، والعياذ بالله تعالى، والناس في الخشوع في الصلاة على أقسام خمسة على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المُفرّط: </span>وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>القسم الثاني: من يحافظ على مواقيتها، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها</span>، لكن قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>القسم الثالث: من حافظ على حدودها، وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار</span>، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها</span>، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئًا منها؛ بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبوديّة ربه ﵎ فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك</span>، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه، ووضعه بين يدي ربه - ﷿ -، ناظرًا بقلبه إليه، مراقبًا له، ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل، وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه - ﷿ -، قرير العين به.\nفالقسم الأول معاقبٌ، والثاني محاسبٌ، والثالث مكفَّرٌ عنه، والرابع مُثابٌ، والخامس مُقَرَّبٌ من ربّه؛ لأن له نصيبًا ممن جُعِلَتْ قرّة عينه في الصلاة، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرَّت عينه بقربه من","vol":"1","page":296},{"text":"ربه - ﷿ - في الآخرة، وقرّت عينه أيضًا به في الدنيا، ومن قرَّت عينه بالله، قرّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى، تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات.\nوإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة، واشتغاله فيها بربه - ﷿ - إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>الرابع عشر: خشوع النبي - ﷺ - في صلاته:</span>\nالنبي - ﷺ -: هو أتقى الناس لربه، وأخشاهم، وأشدَّهم خشية وخشوعًا لله تعالى، ومن أعظم خشيته لله، ومحبَّته له، وإجلاله له، وتعظيمه خشوعه في صلاته، ورقّة قلبه في الصلاة، وغيرها من العبادات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>أولًا: خشوعه - ﷺ - في أفعال الصلاة وأقوالها:</span>\nقد كان - ﷺ - إذا قام في الصلاة، طأطأ رأسَه، ذكره الإِمام أحمد ﵀، وكان في التشهد لا يُجاوز بَصَرُهُ إشارتَه، وقد تقدّم.\nوكان قد جعل الله تعالى قُرّة عينه، ونعيمَه، وسرورَه، وروحَه في الصلاة. وكان يقول النبي - ﷺ -: «يا بِلاَلُ أرِحْنا بِالصلاَةِ» (٢). وكان يقول - ﷺ -: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ» (٣).\n_________\n(١) الوابل الصيب لابن القيم، ص ٤٠ - ٤٢ ببعض التصرف اليسير.\n(٢) رواه أبو داود، في الأدب: باب صلاة العتمة، برقم ٤٩٨٥، و٤٩٨٦، وأحمد في المسند، ٣٨/ ١٧٨، برقم ٣٢٠٨٨ عن رجل من الصحابة، وصحح إسناده الشيخ الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٥.\n(٣) رواه النسائي، في عشرة النساء: باب حب النساء، ٧/ ٦١، برقم ٣٩٤٠، وأحمد في المسند، ٢١/ ٤٣٣، برقم ١٤٠٣٧ من حديث أنس، والحاكم، ٢/ ١٧٤، برقم ٢٦٧٦، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ولفظه بتمامه: «حُبّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النّسَاءُ، وَالطّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ». وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه على زاد المعاد، ١/ ٢٦٥: «وسنده حسن».","vol":"1","page":297},{"text":"ومع هذا لم يكن يشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله تعالى، وحضورِ قلبه بين يديه، واجتماعِه عليه.\nوكان يَدْخُلُ فِي الصّلَاةِ وَهُوَ يُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصّبِيّ فَيُخَفّفُهَا، وَأَرْسَلَ مَرّةً فَارِسًا طَلِيعَةً لَهُ، فَقَامَ يُصَلّي، وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى الشّعْبِ الّذِي يَجِيءُ مِنْهُ الْفَارِسُ (١)، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ حَالِ فَارِسِهِ.\nوَكَذَلِكَ كَانَ يُصَلّي الْفَرْضَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنِ الرّبِيعِ ابْنَةَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ عَلَى عَاتِقِهِ، إذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ، وَضَعَهَا (٢).\nوكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره، فيُطيل السجدة، كَراهية أن يُلقيَه عن ظهره (٣).\n_________\n(١) أبو داود، ١/ ٢٥٤، كتاب الصلاة، باب الرخصة، برقم ٩١٦، والبيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٢٤٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٨٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، برقم ٥١٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة، برقم ٥٤٣.\n(٣) أخرجه أحمد، ٤٥/ ٦١٣، برقم ٢٧٦٤٧، والنسائي، كتاب الصلاة، باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة،٣/ ٢٢٦، برقم ١١٤١. ولفظ أحمد: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيّ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَهُوَ حَامِلُ حَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا فقَالَ إِنّي رَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ فِي سُجُودِي فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ الصَّلَاةِ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» قال الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٦: «وسنده صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي الباب عن أبي هريرة - ﵁ - عند أحمد، ٢/ ٥١٣، وسنده حسن»، قلت: وصححه الألباني في صفة الصلاة، ص ١٤٨.","vol":"1","page":298},{"text":"وكان يُصلي، فتجيء عائشةُ مِن حاجتها والبابُ مُغلَق، فيمشي، فيفتح لها البابَ، ثمَّ يرجِعُ إلى الصلاة (١).\nوكان يَرُدُّ السلامَ بالإِشارة على من يُسلّم عليه وهو في الصلاة.\nوقال جابر: بعثني رسولُ الله - ﷺ - لحاجة، ثم أدركتُهُ وهو يُصلّي، فسلمتُ عليه، فأشار إليَّ (٢).\nقال أنس - ﵁ -: «كان النبيُّ - ﷺ - يُشير في الصلاة» (٣).\nوقال صُهيبٌ: «مررتُ برسول الله - ﷺ - وهو يُصلي، فسلّمتُ عليه، فردَّ إشارةً»، قال الراوي: لا أعلمه، قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في «السنن»، و«المسند» (٤).\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٤٣/ ١٢١، برقم ٢٥٩٧٢، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة، برقم ٩٢٢، والترمذي، في الصلاة، في أبواب السفر، باب [ذكر] ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع،٢ /،٤٩٦، برقم ٦٠١، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والنسائي، كتاب السهو، باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة، ١/ ٣٧، برقم ١٢٠٦، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٨٥٥، وحسن إسناده أيضًا الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على المسند، ٤٣/ ١٢١.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ...، برقم ٥٤٠. وأبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٦٦، والنسائي، كتاب السهو، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، ٣/ ٦، برقم ١١٨٩، وسنن ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب المصلي يُسلّم عليه كيف يرد، ١/ ٣٢٥.\n(٣) أحمد، ١٩/ ٣٩٨، برقم ١٢٤٠٧، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في الصلاة، ١/ ٢٦٢، برقم ٩٤٣، والسنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٦٢. وقال الألباني في صحيح أبي داود، ٤/ ١٠١: «إسناده صحيح على شرط الشيخين»، وقال الشيخ الأرناؤوط في زاد المعاد، ١/ ٢٦٧: «وسنده صحيح».\n(٤) أحمد، ٨/ ١٧٤، برقم ٤٥٦٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٢٥، والترمذي، في الصلاة، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، ١/ ١٦٠، برقم ٣٦٨، والنسائي، أبواب السهو، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، ٣/ ص ٥، برقم ١١٨٧، وابن ماجه، في أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب المصلي يسلم عليه كيف يرد، برقم ١٠١٧، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٨٦٠، وقال الشيخ الأرنؤوط في تحقيقه على زاد المعاد، ١/ ٢٦٧: «وسنده صحيح».","vol":"1","page":299},{"text":"وقال عبد الله بن عمر ﵄: «خرج رسولُ الله - ﷺ - إلى قُباء يُصلّي فيه، قال: فجاءته الأنصارُ، فسلَّموا عليه وهو في الصلاة، فقلتُ لبلال: كيف رأيتَ رسول الله - ﷺ - يردُّ عليهم حين كانوا يُسلّمون عليه وهو يصلّي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق» (١).\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي - ﷺ - وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأومأ برأسه» (٢).\nوكان - ﷺ - يُصلي وعائشة معترِضَةٌ بينَه وبين القبلة، فإذا سجد، غَمَزَهَا بيده، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما (٣).\nوكان يُصلي، فجاءه الشيطانُ ليقطع عليه صلاتَه، فأخذه، فخنقه حتى سَالَ لُعابُه عَلَى يَدِه (٤).\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، برقم ٩٢٧، والترمذي، باب ما جاء في الإشارة في الصلاة، برقم ٣٦٨، وقال: «حسن صحيح»، وقال الأرنؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٦٧: «وسنده صحيح»، ولفظ الترمذي: «كان يشير بيده»، وصحح الألباني لفظ الترمذي في صحيح ابن خزيمة،\n٢/ ٤٩.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢٦٠، وشعب الإيمان له، ١١/ ٢٦٣، والدارمي في سننه،\n٢/ ٣٤٩، والمعجم الكبير للطبراني، ٢٣/ ٣١، قال محقق الدارمي نقلًا عن حسين أسد: «إسناده جيد».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الفراش، برقم ٣٨٢، وفي باب التطوع خلف المرأة، برقم ٥١٣، وفي كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة، برقم ١٢٠٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي، برقم ٤١٢، والموطأ، ١/ ١٧، في صلاة الليل، باب ما جاء في صلاة الليل، وأبو داود، في الصلاة، باب من قال المرأة لا تقطع الصلاة، برقم ٧١٢، والنسائي، في الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، ١/ ١٠٢، برقم ٧٥٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٤٤، و٥٥، و١٤٨، و٢٢٥، و٢٥٥ من حديث عائشة ﵂، ولفظه: «كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.\n(٤) البخاري، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة، برقم ١٢١٠، وفي باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد، برقم ٤٦١، وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم ٣٢٨٤، وفي كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ [سورة ص، الآية: ٣٠]، برقم ٣٤٢٣، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة ص، برقم ٤٨٠٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، برقم ٥٤١،، ولفظه عند البخاري: «أن النبي - ﷺ - صلى صلاة فقال: إن الشيطان عرض لي، فشد عليّ ليقطع عليَّ، فأمكنني الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول سليمان - ﵇ -: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [سورة ص، الآية: ٣٥]، فردّه الله خاسئًا، ثم قال النضر بن شميل: فذعته -بالذال أي خنقته-، وفي رواية لمسلم: «إن عفريتًا من الجنّ جعل يَفْتِكُ عليَّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة، وذكر الحديث ...»، وهو من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":300},{"text":"وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة، نزل القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرض ثم صَعِدَ عليه (١).\nوكان يُصلي إلى جِدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارئها، حتى لَصِقَ بطنُه بالجدار، ومرّت من ورائه (٢).\nيدارئها: يفاعلها، من المدارأة، وهي المدافعة.\nوكان يُصلّي، فجاءته جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فَنَزَعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة (٣). ولفظ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، برقم ٥٤٤، من حديث سهل بن سعد، فقال: «أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي».\n(٢) أبو داود، في كتاب الصلاة، باب سترة الإمام سترة من خلفه، برقم ٧٠٨، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناده حسن، وفي الباب عن ابن عباس عند ابن خزيمة، برقم ٨٢٧، والحاكم،\n١/ ٢٥٤ بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي فمرت شاة بين يديه، فساعاها إلى القبلة حتى ألزق بطنه بالقبلة»، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣، ٢٩٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من قال: الحمار لا يقطع الصلاة، برقم ٧١٦، والنسائي، في القبلة، باب ذكر ما يقطع الصلاة وما لا يقطع، برقم ٧٥٤، ولفظه عن ابن عباس يحدث أنه «مرّ بين يدي رسول الله - ﷺ - هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله - ﷺ -، فنزلوا ودخلوا معه فصلوا، ولم ينصرف، فجاءت جاريتان تسعيان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتيه ففرع بينهما، ولم ينصرف»، وفي رواية لأبي داود، برقم ٧١٧: «فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا فأخذهما»، قال: قال الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٢٩٦: «إسناده صحيح على شرط مسلم» ..","vol":"1","page":301},{"text":"أحمد فيه: فأخذتا بركبتي النبي - ﷺ -، فنزع بينهما، أو فرَّق بينهما، ولم يَنْصَرِفْ (١).\nوكان يُصلّي، فمرَّ بين يديه غلام، فقال بيده هكذا، فرجع، ومرّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلَّى رسولُ الله - ﷺ -، قال: «هُنّ أَغْلَبُ» (٢)، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ.\nوَكَانَ يَنْفُخُ فِي صَلَاتِهِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ (٣).\nقال الإمام ابن القيم: «وَأَمّا حَدِيثُ: «النّفْخُ فِي الصّلَاةِ كَلَامٌ»، فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَإِنّمَا رواه سعيد في سننه عن ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ إنْ صَحّ (٤).\nوَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ. قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلّي فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْته فَارِغًا أَذِنَ لِي»، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَدْخَلَانِ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ، وَكُنْتُ إذَا\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٢٣٥، و٢٥٠، و٢٥٤، و٣٠٨، و٣١٦، و٣٤١، وقال الأرناؤوط في تعليقه على زاد المعاد، ١/ ٢٦٩: «وإسناده حسن».\n(٢) ابن ماجه، كتاب الإقامة، باب ما يقطع الصلاة، برقم ٩٤٨، وأحمد في المسند، ٤٤/ ١٤٣، برقم ٢٦٥٢٣ من حديث أم سلمة، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه، ١/ ٧١، وقال محققو المسند، ٤٤/ ١٣٤: «إسناده ضعيف».\n(٣) النسائي، كتاب الكسوف، باب كيف صلاة الكسوف، ٣/ ١٥٤، برقم ١٤٨١، مسند أحمد، ١١/ ٢١، برقم ٦٤٨٣، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٧٠، وفي مسند الإمام أحمد، ١١/ ٢١، قال: «حسن».\n(٤) زاد المعاد، ١/ ٢٧٠.","vol":"1","page":302},{"text":"دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي، تَنَحْنَحَ (١).وَعَمِلَ بِهِ أحمد، فَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَى النّحْنَحَةَ مُبْطِلَةً لِلصّلَاةِ.\nوَكَانَ يُصَلّي حَافِيًا تَارَةً، وَمُنْتَعِلًا أُخْرَى، كَذَلِك قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ (٢)، وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّعْلِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ (٣).\nوَكَانَ يُصَلّي فِي الثّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً، وَفِي الثّوْبَيْنِ تَارَةً، وَهُوَ أَكْثَرُ» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>ثانيًا: رقة قلبه - ﷺ - وبُكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة:</span>\nلم يكن النبي - ﷺ - يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفًا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ\n_________\n(١) النسائي، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، ٣/ ١٣٧، ١٣٨، برقم ١٢١٢، وأحمد في المسند،\n٢/ ١٥٩، و١٨٨، وهو في جملة حديث طويل عن عبد الله بن عمرو، قال: «وقام فصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الركعة الأولى من القيام والركوع والسجود والجلوس، فجعل ينفخ في آخر سجوده ...»، وذكر الحديث، قال الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٧٠: «وإسناده صحيح؛ لأن روايه عن عطاء بن السائب شعبة عند أحمد، وسفيان عند ابن خزيمة، وهما قد سمعا منه قبل الاختلاط. وذكره البخاري تعليقًا بصيغة التمريض، ٣/ ٦٧، قبل الحديث رقم ١٢١٣، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة عن عبد الله بن عمرو: «نفخ النبي - ﷺ - في سجوده في كسوف».\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٣، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ١٩٣: «حسن صحيح».\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، برقم ٦٥٠، ورقم ٦٥١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي، ٢/ ٤٣٢، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ٢/ ٢٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٣.\n(٤) رواه أحمد في المسند، برقم ٦٤٧، والنسائي، ٣/ ١٢ في الصلاة، باب التنحنح في الصلاة، وابن خزيمة، برقم ٩٠٢ من حديث عبد الله بن نجي، عن علي، قال الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ٢٧٠: «وفيه انقطاع؛ لأن عبد الله بن نجي قيل: لم يسمع عن علي، وجاء في بعض المصادر: عن عبد الله بن نجي، عن أبيه، عن علي، ونجي مجهول، لم يوثقه غير ابن حبان».","vol":"1","page":303},{"text":"وإجلالٍ (١).\nومن الحالات التي بكى فيها النبي - ﷺ - ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل</span>، فقال بلال: يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» (٢) (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>٢ - بكاء النبي - ﷺ - في الصلاة من خشية الله تعالى</span>، فعن عبد الله بن الشخّير قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يُصلّي ولصدره أَزِيزٌ كأزيز المِرجل من البكاءِ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>٣ - بكاء النبي - ﷺ - عند سماع القرآن</span>، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: «نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري» قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٥)، فإذا عيناه تذرفان (٦).\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ١٨٣. حيث ذكر في ذلك روايات تدعم قوله، منها: البخاري، رقم، ١٣٠٣، ١٣٤٢، ٤٥٨٢، ومسلم، رقم ٨٠٠، و٢٣١٥، وأبو داود، رقم ١١٩٤، و٣١٢٦، والنسائي، رقم ١٣٨.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.\n(٣) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم»، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد».\n(٤) أبو داود، برقم ٩٠٤، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي، برقم ٢٧٦.\n(٥) سورة النساء، الآية: ٤١.\n(٦) البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، برقم ٤٥٨٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر، برقم ٨٠٠.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>٤ - بكى - ﷺ - في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه </span>ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله - ﷺ - تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>٥ - بكى - ﷺ - في صلاة الكسوف</span>، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: انكسفتِ الشمس يومًا على عهد رسول الله - ﷺ -، فقام رسول الله - ﷺ - يُصلّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم» وفيه: «ربّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>الخامس عشر: خشوع الصحابة - ﵃ - في صلاتهم</span>\nالصحابة - ﵃ - يقتدون بالنبي - ﷺ - في خشوعه في صلاته، ومن أمثلة ذلك الأمثلة والنماذج الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>١ - خشوع أبي بكر - ﵁ - في صلاته</span>، فعن عائشة ﵂ قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ (٣)، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ» وفي رواية: أنه قال - ﷺ -: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ» قالت\n_________\n(١) ابن خزيمة، برقم ٨٩٩، ٢/ ٥٣، وأحمد ١/ ١٢٥، ٢/ ٢٢٢، وصحح إسناده الألباني والأعظمي في صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٢.\n(٢) ابن خزيمة في صحيحه، برقم ٩٠١، وقال الألباني والأعظمي: إسناده صحيح، انظر: صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٥٣، وصححه الألباني في مختصر شمائل الترمذي برقم ٢٧٨.\n(٣) أسيف: شديد الحزن، والمراد: أنه رقيق القلب، إذا قرأ غلبه البكاء، فلا يقدر على القراءة [فتح الباري، ٢/ ١٥٢، ١٦٥، ٢٠٣].","vol":"1","page":305},{"text":"عائشة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ» (١).\nوهذا فيه من الفوائد: خشوع أبي بكر في صلاته، وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه، لكن لا يتكلَّف ذلك، ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>٢ - خشوع عمر بن الخطاب - ﵁ - في صلاته</span>، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر حين رأى نزف الدماء: قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليصلّ بالناس، ثم غُشي على عمر - ﵁ -، فحُمل فأدخلوه بيته، ثم صلَّى بالناس عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، ولم يزل عمر - ﵁ - في غشية واحدة، حتى أسفر، فلمَّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله فقال: «أصلَّى الناس؟» قالوا: نعم، فقال: «لا إسلام لمن ترك الصلاة»، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلَّى، وجرحه ينزف دمًا، ثم أمر بعد صلاته من يسأل عن من قتله؟ فأخبروه أنه طعنه أبو لؤلؤة، فقال عمر - ﵁ -: «الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط» (٣).\nفكان عمر بن الخطاب - ﵁ - حريصًا على صلاة المسلمين، وكان ذلك أعظم عنده من نفسه، فسأل بقول: «أصلى الناس؟»، ثم أقبل على\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الرجل يأتم بالإمام، ويأتم الناس بالمأموم، برقم ٧١٣، ورقم ٦٧٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر ...، برقم ٤١٨.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٧٩ - ٣٨٦، وفتح الباري لابن حجر،\n٢/ ١٥١، ١٦٤، ١٦٦، ١٧٣، ٢٠٣، و٢٠٦.\n(٣) ذكره ابن القيم ﵀ عن ابن زنجويه بسنده إلى عمر - ﵁ -، في كتاب الصلاة وحكم تاركها، ص ٢٦. وانظر: مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، لابن الجوزي، ص ٢١٥ - ٢١٦.","vol":"1","page":306},{"text":"صلاته، ثم بعد أن صلَّى سأل عن من قتله - ﵁ -؟.\nوكان عمر - ﵁ - قد رأى رجلًا طأطأ رقبته في الصلاة، فقال:\n«يا صاحب الرقبة أرفع رقبتك، ليس الخشوع في الرّقاب، إنّما الخشوع في القلوب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>٣ - خشوع سعد بن معاذ - ﵁ - في صلاته</span>، فقد ذُكِرَ أنه قال: «فيَّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّثُ نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثًا لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحدّث نفسي بغير ما تقول ويُقال لها» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>٤ - خشوع عبد الله بن الزبير - ﵁ - في صلاته</span>، قد ذُكِرَ أنه «كان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه» (٣).\nوغيرهم من أصحاب النبي - ﷺ - كثير، ولكن هذه من باب الأمثلة والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم</span>\nالتابعون من القرون المُفضَّلة، وكذلك أتباعهم - ﵃ -، لهم مواقف في خشوعهم في صلاتهم، تدل على رغبتهم فيما عند الله تعالى، ومنها الأمثلة الآتية:\n_________\n(١) ذكره الإمام الذهبي في كتاب الكبائر دون عزو لكتاب، ص ١٤٣، وانظر مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٥٢١ - ٢٥٢.\n(٢) ذكر ذلك شيخ الإسلام بن تيمية، في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥. وقد أورده ابن عبد البر بإسناده من طريق الزهري عن ابن المسيب في الاستيعاب، ١/ ١٨٢، والمزي في تهذيب الكمال بالإسناد نفسه، ٣/ ٤١٨.\n(٣) ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، ٢٢/ ٦٠٥. وقد أورده أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان، ص ٢٩.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>١ - خشوع عروة بن الزبير في صلاته رحمه الله تعالى </span>(١)، كان عروة يخشع في صلاته خشوعًا عظيمًا، فقد ذُكِرَ عنه أنه خرج من المدينة مُتوجّهًا إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وعندما كان في وادٍ قرب المدينة أصابه أكلة في رجله، ولم يصل إلى دمشق إلا وقد وصلت الأكلة إلى نصف ساقه، ودخل على الوليد، فجمع له الأطباء، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلَّها إلى وركه، وربما ترقَّت إلى الجسد، فطابت نفسه بقطعها، وقالوا له: ألا نسقيك مُرَقّدًا؟ فقال: ما ظننت أن أحدًا يشرب شرابًا، أو يأكل شيئًا يُذْهِبَ عقله حتى لا يعرف ربه، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحسُّ بذلك، ولا أشعر به، فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي احتياطًا حتى لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي، فما تألَّم ولا اضطرب، فلمَّا انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذتَ فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فَلَطَالَمَا عافيت، فلك الحمد على ما أخذت، وعلى ما عافيت، وكان قد صحبه بعض أولاده ... فمات أحبهم إليه فَعَزَّوْهُ فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة، فأخذتَ منهم واحدًا وأبقيتَ ستة، فلئن كنتَ قد ابتليتَ، فلطالما عافيتَ، ولئن كنتَ قد أخذتَ، فلطالما أعطيتَ، ثم رجع إلى المدينة، وما شكا ذلك إلى أحد، فلمّا دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويُعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه،\n_________\n(١) عروة بن الزبير بن العوام، التابعي الجليل أحد الفقهاء السبعة، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين يرجع إليهم عمر بن عبد العزيز في زمن ولايته، أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة، وكان ﵀ يقرأ كل يوم ربع القرآن، ويقوم به في الليل، وكان أيام الرطب يثلم حائطه للناس، فيدخلون ويأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاد الحائط، ولد في سنة ثلاث وعشرين بعد عمر - ﵁ -، وتوفي ٩٣هـ على المشهور، والله أعلم. [البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ٤/ ٤٢١ - ٤٣٨].","vol":"1","page":308},{"text":"فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس:\nلعمركَ ما أهويتُ كفّي لريبةٍ ... ولا حَمَلَتني نحوَ فاحشةٍ رجلي\nولاقادني سمعي ولابصري لها ... ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>٢ - خشوع عامر بن عبد الله بن قيس </span>(٢) في صلاته رحمه الله تعالى كان لهذا الرجل من الأخبار في الخشوع في صلاته الأخبار الكثيرة، ومنها:\n* قيل له: أتحدّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدّثها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي (٣) أيّ إلى أي الدارين.\n* وذكروا له بعض ما يجدونه في الصلاة من أمر الضيعة، فقال: أتجدونه؟ قالوا: نعم، قال: والله لأن تختلف الأسنّة في جوفي أحبُّ إليَّ من أن يكون هذا منّي في صلاتي (٤).\n* وعندما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل (٥).\n* وكان يُقرئ القرآن لمن يتعلَّم عنده، ثم يقوم فيصلّي إلى الظهر،\n_________\n(١) البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣.\n(٢) قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، ٤/ ١٥: «عامر بن قيس، القدوة، الولي، الزاهد» كان ثقة من عبّاد التابعين، قال فيه كعب الأحبار: هذا راهب هذه الأمة، قال أبو عبيد: كان عامر بن عبد الله الذي يعرف بابن عبد قيس يقرئ الناس، قيل: توفي في زمن معاوية - ﵁ -، [انظر: سير أعلام النبلاء/ ٤/ ١٩].\n(٣) سير أعلام النبلاء للذهبي، ٤/ ١٧.\n(٤) حلية الأولياء لأبي نعيم، ٢/ ٩٢.\n(٥) سير أعلام النبلاء، ٤/ ١٩، وحلية الأولياء، ٢/ ٨٨.","vol":"1","page":309},{"text":"ثم يصلّي إلى العصر، ثم يُقرئ الناس إلى المغرب، ثم يُصلّي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفًا، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحَّر رغيفًا ويخرج (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>٣ - خشوع الإمام البخاري ﵀ </span>(٢) في صلاته: قال مسبح بن سعيد: «كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة (٣)، وكان ﵀ يُصلّي ذات يوم أو ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته (٤). وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: «كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمَّها» (٥) (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>السابع عشر: الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها</span>\nالخشوع في تلاوة القرآن يكون في الصلاة وخارج الصلاة، والخشوع في قراءته في الصلاة أعظم وآكد، وأهل الإيمان يتأثرون بقراءة القرآن فيخشعون لله، داخل الصلاة وخارجها، وهذا التأثير يكون على النفوس والقلوب والأرواح، وهذا التأثير جاء على أنواع على\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء، ٤/ ١٥ - ١٦.\n(٢) ولد الإمام البخاري ﵀ في ١٣ شوال سنة ١٩٤ هـ، وتوفي ﵀ سنة ٢٥٦هـ. [انظر: سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٣٩١، ٤٦٨].\n(٣) سير أعلام النبلاء، ١٢/ ٤٣٩.\n(٤) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢، وهدي الساري لابن حجر، ص ٤٨٠.\n(٥) سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢.\n(٦) هدي الساري لابن حجر، ص ٤٨١.","vol":"1","page":310},{"text":"النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم</span>\nالقرآن العظيم مُؤثّر في القلوب والنفوس والأرواح؛ لأنه كلام العليم الخبير بما يصلح هذه القلوب والنفوس في الدنيا والآخرة.\nوالصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله، قال - ﷿ -: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُون﴾ (١).\nعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن أنزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي - ﷺ </span>-:\nوجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي - ﷺ - وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك ما يأتي:\nأَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أن يُقرأ عليه القرآن فبكى، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «اقرأ عليَّ القرآن»،قال: فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري»، وفي لفظ للبخاري: «فإني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه النساء\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ١٦.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٦٩.\n(٣) مسلم، كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ...﴾، برقم ٣٠٢٧.","vol":"1","page":311},{"text":"حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (١)، وفي لفظ للبخاري: «فقال حسبك الآن»، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل»، وفي لفظ للبخاري: «فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح </span>والنفوس كما جاء في الآثار عن الصحابة - ﵃ -:\nثبت عن جبير بن مطعم - ﵁ -:أنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ (٣) كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي]» (٤).وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب.\n_________\n(١) سورة النساء الآية: ٤١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾، برقم ٤٥٨٢، وكتاب فضائل القرآن، باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره، برقم ٥٠٤٩، وباب قول المقرئ للقارئ: حسبك، برقم ٥٠٥٠، وباب البكاء عند قراءة القرآن، برقم ٥٠٥٥، ورقم ٥٠٥٦، مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن، وطلب القراءة من حافظه للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر، برقم ٨٠٠.\n(٣) سورة الطور، الآيات: ٣٥ - ٣٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الطور، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، برقم ٤٨٥٤، وما بين المعقوفين من الطرف رقم ٤٠٢٣ من كتاب المغازي، وأخرجه مسلم، بنحوه، كتاب الصلاة باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٣.","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع الكامل في الصلاة: في القراءة فيها، والأدعية، والأذكار يكون على ثلاث درجات على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>الدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها</span>، وهذه الدرجة أدنى ما يُجزِئ من الخشوع الكامل، فقد ثبت أن النبي - ﷺ - بكى وهو يصلّي صلاة الليل، فقال بلال - ﵁ -: يا رسول الله لِمَ تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١») (٢).\nقال عبد الرحمن بن سليمان: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلّق المتعلّق وينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنية، ثم قال: «يقرؤهنّ وهو يعقلهنّ» (٣).\nوذلك أن من لم يعقل ما يقول، وسها بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، ومما يدلّ على ذلك حديث عثمان - ﵁ -: أنه توضأ وضوءًا كاملًا ثم قال: «رأيت النبي - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يحدّث\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية، ١٩٠.\n(٢) ابن حبان في صحيحه، برقم ٦٢٠، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٨: «وهذا إسناد جيد»، وتقدم تخريجه في خشوع النبي - ﷺ - وبكائه في صلاة الليل.\n(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التفكر كما ذكر السيوطي في الدر المنثور، ٢/ ٤٠٩، والمناوي في الفتح السماي، ١/ ٢٠٥ دون إشارة إلى كتاب ابن أبي الدنيا، وعزاها الكتاني إلى ابن أبي الدنيا في التفكر، نظم المتناثر، ص ٢٤٤، وانظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ١٩.","vol":"1","page":313},{"text":"فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه» (١).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ -: أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلّي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» (٢).\nويُؤكّد ذلك قول ابن عباس ﵄: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٣).\nومما يدل على حضور القلب مع القول قول النبي - ﷺ -: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٤)، وفيه حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - في فضل إجابة المؤذن، وفيه: «... إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر ...» إلى قوله: «... ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» (٥)، فهذا والله تعالى أعلم: أدنى الخشوع الكامل: أن يقرأ الآيات والأذكار متفَهّمًا لمعانيها، وكذلك أذكار الصلاة: كأذكار الركوع، والرفع منه، وأذكار السجود، والجلسة بين السجدتين، وغير ذلك من أذكار الصلاة، وأدنى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٦، ومسلم، برقم ٢٤٦، وتقدم تخريجه في فضائل الخشوع في الصلاة.\n(٢) مسلم، برقم ٢٣٤، وتقدم تخريجه في فضائل الخشوع في الصلاة.\n(٣) ذكر المناوي في التيسير شرح الجامع الصغير، ١/ ٧٩٣، أن حديث: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل» أن الحكيم الترمذي أخرجه في نوادر الأصول، وإسناده ضعيف، وقال العراقي في تخريج إحياء علوم الدين، ١/ ٣٠٩ أنه لم يجده مرفوعًا، وذكر الألباني في السلسلة الضعيفة، ١٤/ ١٢٠٦، برقم ٦٩٤١ أن الحديث لا أصل لله مرفوعًا، وأنه صح موقوفًا عن بعض السلف، وأن هذا الصحيح الموقوف أخرجه أبو نعيم في الحلية، ٧/ ٦١ من كلام سفيان الثوري. وأما أثر ابن عباس فهو في مدارج السالكين، ١/ ٥٢٥، وعدة من كتب الإمامين ابن القيم، وابن تيمية رحمهما الله.\n(٤) البخاري، كتاب العلم باب، الحرص على الحديث، برقم ٩٩.\n(٥) مسلم كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ...، برقم ٣٨٥.","vol":"1","page":314},{"text":"الخشوع في ذلك أن لا يقولها غافلًا عن معناها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>الدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها</span>، ومتأثرًا بمعانيها حال قراءتها، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها بوجود التأثّر من تلك المعاني، حتى يُعرف خشوعه من صوته، ويتأثَّر به من سَمِعَه، ويحسب أنه يخشى الله فيها، فيرغب في آيات الوعد، ويرهب من آيات الوعيد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>الدرجة الثالثة: أن يقرأها مُتأثّرًا غاية التأثر بحقائقها تلك</span>، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها ببلوغ التأثُّر غايته، وشهود حقائق المعاني بالقلب، حتى كأنَّها رأي عين؛ وفي حديث حنظلة - ﵁ - أنه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: «وما ذاك؟» قال: قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضّيعات - نسينا كثيرًا- فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرار، وفي لفظ:\n«يا حنظلة ساعة وساعة، لو كانت تكونُ قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلّم عليكم في الطرق» (٢).\nويشعر صاحب هذه الدرجة من الخشوع بتقصير، وتفريط، فيسأل الله تعالى من فضله راغبًا، ويستعيذ من عذابه راهبًا، يدفعه إلى ذلك تأثّره؛ ولهذا كان النبي - ﷺ - في صلاة الليل: «إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ ...» (٣).\n_________\n(١) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش، ص ٢١.\n(٢) مسلم، كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، برقم ٢٧٥٠.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٣، من حديث حذيفة - ﵁ -.","vol":"1","page":315},{"text":"ومن أصحاب هذه الدرجة من قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١)، قالت عائشة:\nيا رسول، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة أبي بكر»، أو «يا بنت الصديق» ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويُصلّي، وهو يخاف أن لا يُتقبَّل منه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة</span>\nالخشوع في الصلاة له فوائد كثيرة منها الفوائد الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>١ - الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي</span>، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (٣).\nقال العلامة السعدي ﵀: «وإنها» أي الصلاة «لكبيرة» أي شاقة «إلا على الخاشعين» فإنها سهلة عليهم، خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحًا صدره؛ لترقُّبه للثواب، وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك؛ فإنه لا داعي له يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه ...؛ ولهذا قال: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ» أي يستيقنون «أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبّهِمْ» فيجازيهم بأعمالهم «وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون» فهذا الذي خفف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلّي في المصيبات، ونفّس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل، برقم ٤١٩٨، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ ومن سورة المؤمنون، برقم ٣١٧٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤٠٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٦٢.\n(٣) سورة البقرة، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.","vol":"1","page":316},{"text":"يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه» (١).\nوقد كان النبي - ﷺ - إذا حزبه أمر صلَّى، فعن حذيفة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا حزبه أمر صلَّى» (٢).\nوعن صهيب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - فيما حكاه عن نبي من الأنبياء السابقين، وفيه: أن هذا النبي استشار قومه، فقالوا: أنت نبي الله نَكِلُ ذلك إليك، فَخِرْ لنا، قال «فقام إلى صلاته» قال: «وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة» (٣)، وهذا يدل على أن النبي - ﷺ - إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر شديد] فزع إلى الصلاة، وكان الأنبياء قبله عادتهم الاشتغال بالصلاة في الشدائد» (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>٢ - الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر:</span>\nقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٦).\nفالله تعالى أمر بتلاوة كتابه، ومن تلاوته: اتباع ما يأمر به، والابتعاد\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص ٥١ - ٥٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل، برقم ١٣١٩، وأحمد في المسند، ٣٨/ ٣٣٠، برقم ٢٣٢٩٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٦.\n(٣) أحمد، ٣١/ ٢٦٨، برقم: ١٨٩٣٧، وصحح إسناده محققو المسند، ٣١/ ٢٦٨.\n(٤) انظر: حاشية محققي مسند الإمام أحمد، ٣١/ ٢٦٨، و٣٨/ ٣٣١.\n(٥) وعن ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - كان يقول عند الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض، وربُّ العرش الكريم» [البخاري، برقم ٦٣٤٦، ومسلم، برقم ٢٧٣٠، وعند الإمام أحمد بنحوه، ٤/ ٢٣٤، برقم ٢٤١١، وفي أوله: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا حزبه أمر قال: «لا إله إلا الله ...» الحديث، وفي آخره: «... ثم يدعو»، وهذا يدل على أنه يقول هذا الذكر، ثم يدعو بعده. وصحح إسناده محققو المسند، ٤/ ٢٣٤.\n(٦) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥.","vol":"1","page":317},{"text":"عما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبُّر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، عُلِمَ أن إقامة الدين كلّه داخلة في تلاوة كتاب الله، فيكون قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ من باب عطف الخاص على العام لفضل الصلاة، وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ»، ووجه ذلك أن العبد المقيم لها، المتمّم لأركانها، وشروطها، وخشوعها يستنير قلبه، ويتطهَّر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتعدم رغبته في الشرّ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها (١).\nفالخشوع في الصلاة من الواجبات التي تجب لها، فحينئذٍ تنهى عن الفحشاء والمنكر: إذا قام بها العبد كاملة بما يجب لها. والله تعالى أعلم.\nوقد ثبت أنه قيل للنبي - ﷺ -: «إن فلانًا يصلّي الليل كلَّه، فإذا أصبح سرق، فقال: «سينهاه ما تقول»، أو قال: «ستمنعه صلاته» (٢).\nفإذا صلَّى العبد المسلم الصلاة على الوجه الأكمل: بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وخشوعها، والتدبّر في قراءتها منعته من الفحشاء والمنكر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>٣ - الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى:</span>\nلا شك أن الخشوع الكامل في الصلاة يجلب البكاء من خشية الله\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص ٦٣٢.\n(٢) أحمد في المسند، ١٥/ ٤٨٣، برقم، ٩٧٧٨، والبزار (كشف الأستار)، ١/ ٣١٧، وشعب الإيمان للبيهقي، ٤/ ٥٤٥، قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، ١/ ١٦: «رواه أحمد، والبزار، والطحاوي في مشكل الآثار، ٢/ ٤٣٠، والبغوي في حديث علي بن الجعد، ٩/ ٩٧/ ١، وأبو بكر الكلاباذي في مفتاح معاني الآثار، ٣١/ ١/ ٦٩، بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٣) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ص ١٦.","vol":"1","page":318},{"text":"تعالى، وإذا حصل هذا العمل الصالح كان من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ» (١).\nوعن أبي أمامة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهِ: إِمَامٌ عاَدِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلُمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يِمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (٤).\nوالمشروع في البكاء أن يكون الباعث عليه: التفكُّر في الذنب، أو\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله، برقم ٢٣١١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٨.\n(٢) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط، برقم ١٦٦٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٤٢.\n(٣) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحراسة في سبيل الله، برقم ١٦٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ١٢٧، وفي مشكاة المصابيح، ٢/ ١١٢٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، برقم ١٤٢٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.","vol":"1","page":319},{"text":"عدد الذنوب، أو التفكُّر في تقصيره، أو خوف عذاب الله تعالى، أو الخوف من أن لا يقبل عمله؛ لفقد شرطًا من شروط صحته، أو خوف الموت قبل الاستعداد، أو توقير الله وتعظيمه، أو خوف الفتن، أو خوف عدم الثبات على الدين، أو التذلّل لله في الدعاء، أو الطَّمع في رضوان الله والجنّة، أو الشوق إلى لقاء الله تعالى، وأعظم البكاء من خشية الله في الخلوات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>٤ - الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي</span>، وهو التوجه والحضور بالقلب، والجسد بين يدي الله تعالى، والتقرُّب له بذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-715>٥ - الخشوع في الصلاة يهوّن الوقوف على العبد يوم القيامة</span>؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀: «للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هُوّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف، ولم يوفّه حقَّه شُدّد عليه ذلك الموقف، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (١) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>٦ - الخشوع في الصلاة يقرّب العبد من الله</span>، ويستفيد منه اللذة في مناجاة الله؛ لأن اللذة تابعة للمحبَّة تقوى بقوَّتها، وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت الّلذَّة بالوصول إليه أتمّ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>٧ - الخشوع الكامل يزداد به الإيمان</span>، ويليّن القلب، ويورث الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويبعث في القلب محبة الخير، والرغبة\n_________\n(١) سورة الإنسان، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(٢) الفوائد لابن القيم، ص ٤٣٥.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ص ١٣٤.","vol":"1","page":320},{"text":"فيه، وكراهية الشرّ والنفور منه، وبهذا تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>٨ - الخشوع في الصلاة يزيل الهمَّ عن القلب، ويشرح الصدر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>٩ - الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حُبًَّا في الصلاة </span>حتى تكون أحبَّ شيء إلى النفس فتصبح قُرَّة العين، وراحة النفس، كما تقدم في الأدلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>١٠ - الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام الله تعالى</span>، قال الله - ﷾ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>١١ - الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد</span>، فيدعو الله ويتضرَّع إليه، وكلما ازداد الخشوع كان ذلك أبلغ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>١٢ - الخشوع في الصلاة يجعلها شفاءً من عامة الأوجاع </span>قبل استحكامها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:\n«قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣).\nوَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٤).\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَى﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٩.\n(٢) انظر: كيف تخشع في الصلاة، لمجدي أبو عريش ص ٥٦ - ٦٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٥.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٥) سورة طه، الآية: ١٣٢.","vol":"1","page":321},{"text":"وَفِي السّنَنِ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصّلَاةِ» (١).\nوَقَدْ ذَكَرَ الإِمامُ ابنُ القَيّمِ ﵀ عُمُومَ «الِاسْتِشْفَاءِ بِالصّلَاةِ مِنْ عَامّةِ الْأَوْجَاعِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا» (٢).\nوَالصّلَاةُ مُجْلِبَةٌ لِلرّزْقِ، حَافِظَةٌ لِلصّحّةِ، دَافِعَةٌ لِلْأَذَى، مُطْرِدَةٌ لِلْأَدْوَاءِ، مُقَوّيَةٌ لِلْقَلْبِ، مُبَيّضَةٌ لِلْوَجْهِ، مُفْرِحَةٌ لِلنّفْسِ، مُذْهِبَةٌ لِلْكَسَلِ، مُنَشّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ، مُمِدّةٌ لِلْقُوَى، شَارِحَةٌ لِلصّدْرِ، مُغَذّيَةٌ لِلرّوحِ، مُنَوّرَةٌ لِلْقَلْبِ، حَافِظَةٌ لِلنّعْمَةِ، دَافِعَةٌ لِلنّقْمَةِ، جَالِبَةٌ لِلْبَرَكَةِ، مُبْعِدَةٌ مِنْ الشّيْطَانِ، مُقَرّبَةٌ مِنْ الرّحْمَنِ.\nوَبِالْجُمْلَةِ: فَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ، وَقُوَاهُمَا، وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ عَنْهُمَا، وَمَا اُبْتُلِيَ رَجُلَانِ بِعَاهَةٍ، أَوْ دَاءٍ، أَوْ مِحْنَةٍ، أَوْ بَلِيّةٍ، إلّا كَانَ حَظّ الْمُصَلّي مِنْهُمَا أَقَلّ، وَعَاقِبَتُهُ أَسْلَمَ.\nوَلِلصّلَاةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ شُرُورِ الدّنْيَا، وَلَا سِيّمَا إذَا أُعْطِيَتْ حَقّهَا مِنْ التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استُدْفِعَتْ شرورُ الدُّنيا والآخرة، ولا استُجْلِبَت مصالِحُهُمَا بمثل الصلاة، وسِرُّ ذلك أنَّ الصلاة صِلةٌ باللهِ - ﷿ -، وَعَلَى قَدْرِ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبّهِ - ﷿ - تُفْتَحُ عَلَيْهِ مِن الْخَيْرَاتِ أَبْوَابُهَا، وَتُقْطَعُ عَنْهُ مِن الشّرُورِ أَسْبَابُهَا، وَتُفِيضُ عَلَيْهِ مَوَادّ التّوْفِيقِ مِنْ رَبّهِ - ﷿ -، وَالْعَافِيَةُ، وَالصّحّةُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالْغِنَى، وَالرّاحَةُ وَالنّعِيمُ، وَالْأَفْرَاحُ وَالْمَسَرّاتُ، كُلّهَا مُحْضَرَةٌ لَدَيْهِ وَمُسَارِعَةٌ إلَيْهِ» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>العشرون: الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة</span>\nلا شك أن للصلاة طعمًا؛ لأنها من أعظم العبادات، والعبادة لله\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٣١٩، وأحمد، برقم ٢٣٢٩٩، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) زاد المعاد، ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢، وانظر: زاد المعاد، ٤/ ١٨٠ وما بعدها.\n(٣) زاد المعاد، ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"1","page":322},{"text":"تعالى يتلذَذ بها المسلم الصادق مع الله تعالى؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١).\nومما يدل على التلذُّذ بالعبادة قول النبيّ - ﷺ -: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» (٢).\nوفي رواية للإمام أحمد عن أبي رزين العقلي: «... فَإِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ حُبُّ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ كَمَا دَخَلَ حُبُّ الْمَاءِ لِلظَّمْآنِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ» (٣).\nفمن وفقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوته، فيستلذُّ الطاعة، ويتحمَّل المشاق في رضى الله ورسوله - ﷺ - (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>الحادي والعشرون: الأسباب التي تزيل الغفلة وتجلب الخشوع في الصلاة</span>\nيجب ترك الأسباب التي تزيل الخشوع في الصلاة، أو تضعفه، والعمل بالأسباب التي تجلبه وتقوّيه، وهي كثيرة، منها الأسباب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>السبب الأول: معرفة الله تعالى: </span>بأسمائه، وصفاته، وألوهيَّته، وربوبيَّته،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي والكبائر، برقم ٣٤، من حديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦، ومسلم، كتاب الإيمان باب بيان خصالٍ من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم ٤٣.\n(٣) أحمد في المسند، ٤/ ١١، وفي المسند المحقق، ١٦/ ١١٤، برقم ١٦١٩٤، ولكن قال محققو المسند، ٢٦/ ١١٤: «إسناده ضعيف لانقطاعه: سليمان بن موسى، وهو الأشدق، لم يدرك أحدًا من الصحابة فيما قاله الترمذي في العلل، ١/ ٥٣ - ٥٤ نقلًا عن البخاري، وبقية رجاله ثقات». قلت: تغني عنه الأحاديث الصحيحة.\n(٤) عقيدة المسلم، ١/ ٦٩، للمؤلف.","vol":"1","page":323},{"text":"فيجب على العبد أن يعلم أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، والصفات العُلا؛ فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسول الله - ﷺ -، من غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تكْيف، ولا تمثيل، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله - ﷺ -، وأن الله تعالى هو: الخالق المالك لكل شيء، المدبّر له، لا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى، ولا مذلَّ لمن أعزَّ، ولا معزَّ لمن أذلَّ، ولا خافض لمن رفع، ولا رافع لمن خفض، ومن هذه صفاته وأسماؤه وأفعاله، فهو المستحقُّ للعبادة وحده، لا شريك له، ولا معبود بحقٍّ سواه، ولا ربَّ غيره، فيجب على العبد أن يعبد هذا الربَّ الكريم كأنه يراه؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن معرفة الله نوعان:\nالنوع الأول: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها الناس: البرُّ والفاجر، والمطيع والعاصي.\nالنوع الثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلّق القلب به، والشوق إلى لقائه، وخشيته، والإنابة إليه، والأُنس به، والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخاصة، والناس يتفاوتون فيها؛ ولهذه المعرفة بابان واسعان:\nالباب الأول: التفكُّر والتأمُّل في آيات القرآن كلّها، والفهم الخاص عن الله تعالى، ورسوله - ﷺ -.\nالباب الثاني: التفكُّر في آيات الله المشهودة، وتأمل حكمته فيها، وقدرته، ولطفه، وإحسانه، وعدله، وقيامه بالقسط على خلقه، وجماع ذلك: الفقه في معاني أسمائه الحسنى، وجلالها، وكمالها، وتفرُّدِهِ بذلك، وتعلُّقها بالخلق والأمر، فيكون فقيهًا في أوامره، ونواهيه، فقيهًا في قضائه وقدره، فقيهًا في أسمائه وصفاته، فقيهًا في الحكم الديني الشرعي، والحكم الكوني القدري، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ","vol":"1","page":324},{"text":"وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١») (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>السبب الثاني: علاج قسوة القلب، ومرضه، وغفلته</span>؛ فإن هذه الأمراض من أعظم الأسباب في عدم الخشوع في الصلاة؛ لأن القلب إذا صلح صلحت الأعمال، والأحوال، فقد قال النبي - ﷺ -: «أَلَا وَإِنَّ فِي اَلْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ اَلْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ اَلْقَلْبُ» (٣).\n- وقد ذمَّ الله أصحاب القلوب القاسية، وأقساها قلوب اليهود، قال الله تعالى عنهم وعن قلوبهم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤).\n- وقد حذَّر الله المؤمنين من قسوة القلوب فقال - ﷾ -: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٥).\n- وذمَّ الله تعالى ذمًَّا عامًا لكلّ من قسا قلبه، وأثبت له الويل والهلاك،\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢١.\n(٢) الفوائد لابن القيم، ص٣٧٨ - ٣٧٩، بتصرف.\n(٣) مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم ١٥٩٩.\n(٤) سورة البقرة، الآية ٧٤.\n(٥) سورة الحديد، الآيتان: ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":325},{"text":"فقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).\nولا شك أن علاج قسوة القلوب يكون بالنظر إلى أسباب القساوة ثم إزالتها، ويكون ذلك على النحو الآتي:\n١ - الوفاء بالعهد مع الله تعالى في القيام بالواجبات التي أوجبها تعالى، والابتعاد عن المحرَّمات التي حرّمها على عباده، وكذلك الوفاء بالعهد مع المخلوقين، قال الله تعالى في سبب قساوة قلوب اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكّرُوا بِهِ﴾ (٢).\n٢ - كثرة ذكر الله تعالى بالقلب مع اللسان، من أعظم أسباب سلامة القلوب من القسوة والأمراض المعنوية؛ فإن من أسباب قسوة القلوب كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي» (٣).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «... وَلَا رَيْبَ أَنَّ القَلْبَ يَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ النُّحَاسُ، وَالفِضَّةُ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَلَاؤُهُ بِالذّكْرِ، فَإِنَّهُ يَجْلُوهُ حَتَّى يَدَعَهُ كَالمِرْآةِ البَيضَاءِ؛ فَإِذَا تَرَكَ الذّكْرَ صَدِئَ، فَإِذَا ذَكَرَ جَلَاهُ، وَصَدَأُ القَلْبِ بِأَمْرَيْنِ: بِالغَفْلَةِ وَالذَّنْبِ، وَجَلَاؤُهُ بِشَيْئَيْنِ: بِالاسْتِغْفَارِ وَالذّكْرِ» (٤).\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ١٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، بابٌ: منه، برقم ٢٤١١، وقال: «حسن غريب»، وحسّن إسناده عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه للأذكار للنووي، ص٢٨٥.\n(٤) الوابل الصيب، ص٨٢.","vol":"1","page":326},{"text":"وقد بين الله - ﷿ -: أن بذكره تطمئن القلوب، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١).\nوأعظم الذكر: القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢).\nومن ذِكْر الله تعالى الدعاء؛ فإن الدعاء لغة: الطلب والابتهال: يُقال: دعوتُ الله أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير (٣) ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر (٤).\nوالدعاء: سؤال العبد ربه على وجه الابتهال، وقد يطلق على التقديس والتحميد ونحوهما (٥).\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-727>الدعاء نوعٌ من أنواع الذكر؛ فإن الذكر ثلاثة أنواع:</span>\nالنوع الأول: ذكر أسماء الله وصفاته ومعانيها والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها وتنزيهه عما لا يليق به. وهو نوعان أيضًا:\nأإنشاء الثناء عليه بها من الذاكر وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث نحو: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».\n_________\n(١) سورة الرعد الآية: ٢٨.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٣) المصباح المنير ١/ ١٩٤.\n(٤) المعجم الوسيط١/ ٢٦٨.\n(٥) القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا ص ١٣١.","vol":"1","page":327},{"text":"ب الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله - ﷿ - على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد لراحلته، وهو يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم.\nالنوع الثاني: ذكر الأمر، والنهي، والحلال والحرام، وأحكامه فيعمل بالأمر ويترك النهي، ويُحرّمُ الحرامَ ويُحلُّ الحلالَ، وهو نوعان أيضًا:\nأذكره بذلك إخبارًا عنه بأنه أمر بكذا ونهى عن كذا، وأحب كذا، وسخط كذا، ورضي كذا.\nب ذكره عند أمره فيبادر إليه ويعمل به، وعند نهيه فيهرب منه ويتركه.\nالنوع الثالث: ذكر الآلاء والنعماء والإحسان، وهذا أيضًا من أجَلّ أنواع الذكر، فهذه خمسة أنواع.\nوهي تكون ثلاثة أنواع أيضًا:\nأ- ذكرٌ يتواطأ عليه القلب واللسان، وهو أعلاها.\nب- ذكرٌ بالقلب وحده، وهو في الدرجة الثانية.\nج- ذكرٌ باللسان المجرد، وهو في الدرجة الثالثة (١).\nومفهوم الذكر: هو التخلص من الغفلة والنسيان، والغفلة: هي تركٌ باختيار الإنسان، والنسيان تركٌ بغير اختياره.\nوالذكر على ثلاث درجات:\n١ - الذكر الظاهر: ثناءً على الله تعالى كقول: «سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر».\nأو ذكر دعاء: نحو: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا\n_________\n(١) مدارج السالكين لابن القيم، ٢/ ٤٣٠، و١/ ٢٣، والوابل الصيب لابن القيم، ص ١٧٨ - ١٨١.","vol":"1","page":328},{"text":"لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١). ونحو قوله: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث». ونحو ذلك.\nأو ذكر رعاية: مثل قول القائل: الله معي، الله ينظر إليَّ، الله شاهدي، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع الله، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع الله والتحرز من الغفلة، والاعتصام بالله من الشيطان وشر النفس.\nوالأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة، فإنها تضمنت الثناء على الله، والتعرض للدعاء والسؤال، والتصريح به. وهي متضمنة لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان.\n٢ - الذكر الخفي: وهو الذكر بمجرد القلب والتخلص من الغفلة، والنسيان، والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه، وملازمة الحضور بالقلب مع الله كأنه يراه.\n٣ - الذكر الحقيقي: وهو ذكر الله تعالى للعبد (٢): ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٣).\nوقال النبي - ﷺ -: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ِشِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (٤).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.\n(٢) مدارج السالكين، ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب كتاب الذكر والدعاء والتوبة ...، برقم ٢٦٧٥، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":329},{"text":"٣ - ترك الذنوب والتوبة منها؛ فإن كثرة الذنوب من أعظم أسباب قساوة القلوب، والحذر منها والابتعاد عنها من أعظم أسباب السلامة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١)، وقال النبي - ﷺ -: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا (٢) كَالْكُوزِ مُجَخّيًا (٣) لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» (٤).\nقال الإمام ابن المبارك ﵀:\nرأيتُ الذنوب تُميت القلوب ... ويُورث الذُّلُّ إدمانها\nوترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها (٥)\n\nقال عبد الله بن عباس ﵄: «إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإنّ للسيئة: سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق» (٦).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀: أن القلب يفسد بأمور: التعلق\n_________\n(١) سورة المطففين، الآية: ١٤.\n(٢) أسود مربادّ: شبه البياض في سواد، [شرح النووي، ٢/ ٥٣٢].\n(٣) الكوز مجخيا: منكوسًا، نكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة [شرح النووي، ٢/ ٥٣١].\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب، برقم ١٤٤.\n(٥) ديوان عبد الله بن المبارك، ص ٢٦، وشعب الإيمان للبيهقي، ٥/ ٤٦٤، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ١/ ٣٢٧، وحلية الأولياء لأبي نعيم، ٨/ ٢٧٩.\n(٦) الجواب الكافي لابن القيم، ص١٠٥ - ١٠٦.","vol":"1","page":330},{"text":"بغير الله تعالى، وركوب بحر التمني، وكثرة النوم، وكثرة الطعام، والمفسد منه نوعان: أكل الحرام، والإسراف (١).\nوقال ﵀: «قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة» (٢).\n٤ - ترك كثرة الضحك والقهقهة؛ فإن كثرة ذلك تميت القلب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ يَأْخُذُ عَنّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْسًا، وَقَالَ: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (٣).\n٥ - كثرة ذكر الموت؛ فإن الغفلة عن الموت وطول الأمل مما يُقسي القلب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثروا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» (٤) يعني الموت، وفي لفظ لابن حبان: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ وَهُوَ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَه عَلَيْهِ، وَلَا ذَكَرَهْ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضيَّقَهُ عَلَيْهِ» (٥). وَفِي لفظ لابن حبان أيضًا: «كَانَ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) الفوائد الإيمانية من كتب ابن القيم، ص٣٧،٤١.\n(٢) فوائد الفوائد مرتبة مبوبة، لابن القيم ص٢٦٢، تخريج علي بن حسن عبد الحميد.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس، برقم ٢٣٠٥، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٣٠، وفي صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، برقم ٢٣٠٧، والنسائي، كتاب الجنائز، باب كثرة ذكر الموت، برقم ١٨٢٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٥٨، وابن حبان بلفظ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت»، برقم ٢٩٩٢، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي وفي غيره، ٢/ ٦: «حسن صحيح».\n(٥) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٣، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤٥.","vol":"1","page":331},{"text":"يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّات» (١)، فَالْمَوت يقطع اللذات ويزيلها، والحديث دليل على أنه لا ينبغي أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ! وهو الموت، قال الإمام الصنعاني ﵀: «وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله: «فَإِنّكُمْ لاَ تَذْكُرُونَهُ فِي كَثِيرٍ إلاّ قَلّلهُ، وَلاَ فِي قَليلٍ إلاّ كَثَّرَهُ» (٢).\nوعن ابن عمر ﵄، قال: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ - ﷺ -، ثُمّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ (٣)؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمُ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الأَكْيَاسُ» (٤).\n٦ - إطعام المسكين ومسح رأس اليتيم؛ فإن من أسباب قسوة القلوب ترك الإحسان إلى اليتامى والمساكين؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» (٥).\n٧ - زيارة القبور والتفكر في حال أهلها ومصيرهم؛ لأن الغفلة عن ذلك من أسباب قسوة القلب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ - ﷺ -: «اسْتَأْذَنْتُ رَبّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ\n_________\n(١) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٥، وحسنه شعيب الأرنؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان.\n(٢) سبل السلام، للصنعاني، ٣/ ٣٠٢، وهذا الخبر أخرجه الطبراني في الأوسط، بلفظ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات - يعني الموت - فإنه ما كان في كثير إلا قلّلَهُ، ولا قليل إلا جزأه» [مجمع البحرين، ٨/ ٢٠٦، برقم ٥٠٧٦]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٣٠٩: «إسناده حسن».\n(٣) أكيس: أعقل [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ٢١٧].\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٥٩، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٤١٩، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٣٨٤.\n(٥) أحمد في المسند، ٢/ ٢٦٣، و٢/ ٣٨٧، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم ١٤١٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٥٣٣.","vol":"1","page":332},{"text":"لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكّرُ الْمَوْتَ» (١).\nوعن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» [زاد الترمذي]: «فَإِنَّهَا تُذَكّرُ الآخِرَةَ»، وفي لفظ أبي داود: «فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَة» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّي نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا عِبْرَةً [وَلاَ تَقُولُوا مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ]» (٣).\nوعن أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُرُوهَا؛ فإنَّهَا تُرِقُّ الْقَلْبَ، وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ، وَتُذَكّرُ الآخِرَةَ، َ وَلَا تَقُولُوا هَجْرًا» (٤) (٥).\nوعن هانئ مولى عثمان - ﵁ - قال: كَانَ عُثْمَانُ - ﵁ - إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حتَّى يَبَلَّ لِحْيَتَهُ، فَقيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلاَ تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: «إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَمَنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ». قَالَ: وَقَالَ رسول اللَّه - ﷺ -: «مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلاَّ وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ (٦) مِنْهُ» (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم ١٠٨ - (٩٧٦).\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة أمه، برقم ١٠٦ - (٩٧٧)، والترمذي، برقم ١٠٥٤، والنسائي بنحوه، برقم ٢٠٣١، وأبو داود، برقم ٣٢٣٧.\n(٣) أحمد، ٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦، والحاكم، ١/ ٣٧٤، والبيهقي، ٤/ ٧٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٨٨: «وهو كما قالا».\n(٤) الهجر: الفحش، والكلام الباطل، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢٤٥.\n(٥) أحمد، ٣/ ٢٣٧، ٢٥٠، والحاكم، ١/ ٣٧٦، ٣٧٥، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٢٩.\n(٦) أفظع: أشد، وأشنع. شرح السندي على سنن ابن ماجه، ٤/ ٥٠٠.\n(٧) الترمذي، كتاب الزهد، باب حدثنا هناد، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، واللفظ له، برقم ٤٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٢٧.","vol":"1","page":333},{"text":"٨ - النظر في ديار الهالكين، والاعتبار بمنازل الغابرين؛ فإن الغفلة عن التَّفَكُّرِ في ذلك من أسباب قسوة القلب؛ ولهذا كان ابن عمر\n﵄ إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها، وينادي بصوت حزين، فيقول: «أين أهلك؟»، ثم يرجع إلى نفسه، فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١).\nقال الله - ﷿ -: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ (٢).\n٩ - الاستفادة في علاج القلوب من حِكَمِ الحكماء؛ فإن ذلك مما يوقظ القلوب؛ لما جعل الله تعالى على ألسنتهم من الحِكَمِ:\n* قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ رحمه الله تعالى: «دَوَاءُ الْقُلُوبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ، وَخَلَاءُ الْبَطْنِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ» (٣).\n* ونُقل عن لقمان الحكيم، أنه قال لابنه: «جمعت لك حكمتي في ست كلمات:\nاعمل للدنيا بمقدار بقائك فيها،\nواعمل للآخرة بمقدار بقائك فيها،\nواعمل لله بقدر حاجتك له،\nواعمل من المعصية بمقدار ما تطيق من العقوبة،\nولا تسأل إلا من لا يحتاج إلى أحد،\nوإذا أردت أن تعصي الله فاعصه في مكان لا يراك فيه» (٤).\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٢) سورة السجدة، الآية: ٢٦.\n(٣) الخشوع في الصلاة، لابن رجب، ص٣٥.\n(٤) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٣٥.","vol":"1","page":334},{"text":"* وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى في موعظته حين سألوه عن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (١)، وإنَّا ندعوه فلم يستجب لنا، فقال:\n«عرفتم الله فلم تطيعوه،\nوقرأتم القرآن فلم تعملوا به،\nوعرفتم الشيطان فوافقتموه،\nوادّعيتم حبّ رسول الله - ﷺ - وتركتم سنته،\nوادّعيتم حبّ الجنة ولم تعملوا لها،\nوادّعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب،\nوقلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له،\nواشتغلتم بعيوب غيركم ولم تنظروا إلى عيوبكم،\nوتأكلون رزق الله ولا تشكرون،\nوتدفنون أمواتكم ولا تعتبرون» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>السبب الثالث: الابتعاد عن الوسوسة</span>؛ فإنها أعظم موانع الخشوع في الصلاة، فإذا نجا العبد من هذا المرض الخطير فقد نجا من شرور كثيرة:\n* والوسواس: الشيطان، قال الله - ﷿ -: ﴿مِنْ شَرّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (٣).\nوالوسوسة: حديث النفس والشيطان، بما لا نفع فيه ولا خير (٤).\nوقال ابن الأثير: الوسوسة: هي حديث النفس والأفكار، ورجل مُوَسْوَسٌ: إذا غلبت عليه الوسوسة، وقد وسوست إليه نفسه، وسوسةً، وَوسْوَاسًا ...، والوسواس ... اسم للشيطان، ووسوسَ: إذا تكلم بكلام\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٢) الخشوع في الصلاة، لابن رجب ص٣٥ - ٣٦.\n(٣) سورة الناس، الآية: ٤.\n(٤) القاموس المحيط، للفيروز أبادي، باب السين فصل الواو، ص٤٧٨.","vol":"1","page":335},{"text":"لم يُبيّنهُ» (١).\nوفي الحديث «... الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ ...» (٢).\nوالفرق بين الشك والوسوسة: أن الشك: هو التَّردُّدُ في الوقوع وعدمه، فهو مستوي الطرفين، وهو اعتقاد أن تقاوم تساويهما لا مزية لأحدهما على الآخر، وأما الوسوسة فهي كما تقدم: حديث النفس والشيطان لا تنبي على أصل، بخلاف الشك، فإنه يبنى على أصل (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-729> أسباب الوسوسة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>١ - قِلَّةُ العلم الشرعي: أي بالكتاب والسنة، وما عليه الصحابة وأتباعهم - ﵃ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>٢ - ضعف الإيمان؛ لأن الشيطان يتسلّط على أهل المعاصي، بخلاف قويٌّ الإيمان</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>٣ - الاسترسال مع الأفكار؛ فإن هذا الاسترسال يجعل للشيطان مدخلًا عليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>٤ - الغفلة عن ذكر الله تعالى؛ فإن الذكر يطرد الشيطان ووساوسه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>٥ - ضعف العقل؛ فإن صاحب العقل الكامل المؤمن ينجو من الوسوسة بفضل الله تعالى</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>٦ - عدم مخالطة أهل العلم والإيمان الكامل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>٧ - عدم اتباع الرسول - ﷺ -؛ فإن الشيطان يدخل من هذا المدخل</span>.\nوهذه الأسباب لها أدلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها (٤).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ١٨٦.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، بابٌ في الوسوسة، برقم ٥١١٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٢٥٦.\n(٣) انظر: بغية المسترشدين، لعبد الرحمن بن محمد بن حسين بن عمر باعلوي، ص٥.\n(٤) انظر: تحفة المؤمنين في ذم الوسوسة وعلاج الموسوسين؛ لعبد الله بن سليمان العتيق، [مذكرة، ص٥_٧].","vol":"1","page":336},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-737> مظاهر الوسوسة عند الموسوسين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>١_ التأخر في حال الاستنجاء، أو الوضوء والاغتسال، وهذه أغلب حالات الوسواس</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>٢_ تكرار الوضوء، أو الطهارة، أو الصلاة، والإسراف في ماء الطهارة</span>، وإعادة هذه العبادات؛ لأنه يظن أنها فاسدة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>٣_ تكرير الحرف في ألفاظ القراءة، أو أذكار الصلاة وغيرها</span>، كما ذكر ابن قدامة ﵀ في ذم الموسوسين، وابن القيم في إغاثة اللهفان ﵀.\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>٤ - إبدال الملابس؛ لأنه يتوهَّم أنه أصابها نجاسة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>٥_ وسوستهم في العقيدة</span>، وقد حذّر النبي - ﷺ - من ذلك، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»، وفي لفظ لمسلم: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ»، وفي رواية لمسلم: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ وَزَادَ: «وَرُسُلِهِ» (١).\nوعن زُمَيْلٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ! قَالَ: فَقَالَ لِي أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟ قَالَ وَضَحِكَ. قَالَ: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ ...» الخبر، وفي آخره قال ابن عباس: «إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم ٣٢٧٦، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم ١٣٤.","vol":"1","page":337},{"text":"وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ - ﷺ - فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: «أوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، وفي لفظ: «تِلْكَ مَحْضُ الإِيمَانِ» (٣).\nوقوله: «ذاك صريح الإيمان» معناه: أن صريح الإيمان هو الذي يمنعكم من قبول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم، والتصديق به حتى يصير ذلك وسوسة (٤).\nوعن ابن عباس ﵄، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، يُعَرّضُ بِالشَّيْءِ؛ لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»، وفي لفظ: «رَدَّ أَمْرَهُ» (٥).\nوالوسوسة خطيرة على المسلم، وقد ذكر الوسوسة وأحكامها، وأخطارها العلماء رحمهم الله تعالى، ومن أعظم من فصَّل في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في: «مجموع الفتاوى» (٦)، وتلميذه الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه: «إغاثة اللهفان من مصائد\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الوسوسة، برقم ٥١١٠، وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٥٦.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجده، برقم ١٣٢.\n(٤) انظر: معالم السنن للخطابي، ٤/ ١٣٦.\n(٥) أبو داود، برقم ٥١١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٢٥٦، وتقدم تخريجه في تعريف الوسوسة.\n(٦) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٢/ ٦٠٣ - ٦١٣.","vol":"1","page":338},{"text":"الشيطان» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>وعلاج الوسوسة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>١ - طلب العلم الشرعي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>٢ - تقوية الإيمان بالطاعات والنوافل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>٣ - مداومة ذكر الله تعالى على كل حال؛ فهي حصن حصين من الوسوسة، ومن كلّ شرٍّ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>٤ - مجالسة الصاحين، ومخالطة الناس الذين يستفيد منهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>٥ - معرفة أن الحق هو ما جاء به الرسول - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>٦ - الاعتراف بأن الوسوسة من أبطل الباطل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>٧ - الاستعاذة بالله من الشيطان كما ثبت في الأدلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>٨ - لا يطيل الجلوس والمكث في الحمام أو الخلاء فوق حاجته</span>؛ لأن في ذلك كشفًا للعورة بلا حاجة؛ ولأن الحشوش والمراحيض مأوى الشياطين، والنفوس الخبيثة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>٩ - ينضح فرجه وسراويله بالماء؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة</span>؛ لحديث الحكم بن سفيان قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا بال توضأ وينتضح» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>١٠ - إذا تَيَقَّنَ الطهارة ثم شَكَّ في الحدث فله أن يصلّي بطهارته</span>؛ لأنه على طهارة، وإذا تَيَقَّنَ الحدث ثم شَكَّ هل تطهَّر أم لا فليس له أن يصلي إلا بعد الطهارة؛ وإذا شكَّ بعد الانتهاء من العبادة، فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن يقينًا لا شك فيه، وإذا كثرت الشكوك فلا يلتفت إليها (٤).\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان لابن القيم، ١/ ١٢٦ - ١٦٣.\n(٢) انظر: آداب قضاء الحاجة من هذا الكتاب، ص٣٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الانتضاح، برقم ١٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤.\n(٤) انظر: ص٤٥ [الحاشية]، وص٣٩٥،وانظر: بحث مفيد، في ذم الوسوسة وعلاج الموسوسين، لعبد الله بن سليمان العقيل ص١ - ٣٠ [مذكرة].","vol":"1","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>السبب الرابع: متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة:</span>\nلا شك أن متابعة المؤذن والقول مثل ما يقول تكون من أسباب جلب الخشوع في الصلاة؛ لأن إجابة المؤذن، بـ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي ﵀: «قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله ... وقيل: لا حول في دفع شرٍّ، ولا قوّة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوّة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود - ﵁ -» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته» (٢).\nفيُسنُّ لمن سمع المؤذن والمقيم أن يتابعه سرًّا بقوله، فيقول مثله، إلا في الحيعلتين فيقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويقول الأذكار المشروعة بعد الأذان، ولا شك أن النبي - ﷺ - شرع لأمته في الذكر عند الأذان وبعده خمسة أنواع (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>السبب الخامس: العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع:</span>\nإذا عمل المسلم بالآداب المشروعة في المشي إلى الصلاة؛ فإن ذلك\n_________\n(١) اشرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢.\n(٣) قال الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في هدي خير العباد، ٢/ ٣٩١: «وأما هديه - ﷺ - في الذكر عند الأذان فشرع لأمته منه خمسة أنواع ...» ثم ذكر هذه الأنواع. وانظر مشروعية متابعة المؤذن في هذا الكتاب بالتفصيل: المبحث السادس عشر: الأذان والإقامة.","vol":"1","page":340},{"text":"يكون من أسباب التوفيق للخشوع في الصلاة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>السبب السادس: عدم الالتفات لغير حاجة</span>.\nوالالتفات نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>النوع الأول: التفات حِسّي، وعلاجه بالسكون في الصلاة، وعدم الحركة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>النوع الثاني: التفات معنوي بالقلب</span>، وهذا علاجه صعب شاقٌّ، إلا على من يسَّره الله عليه، ولكن من أعظم العلاج استحضار عظمة الله، والوقوف بين يديه، والاستعاذة بالله من الشيطان، والتفل عن اليسار ثلاثًا؛ لحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبّسُها عليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك شيطان يقال له: خنزبٌ فإذا أحْسَسْتَه فتعوذْ بالله منه، واتفلْ عن يسارك ثلاثًا» قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>السبب السابع: عدم رفع البصر إلى السماء</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>السبب الثامن: عدم افتراش الذراعين في السجود</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>السبب التاسع: عدم التخصر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>السبب العاشر: عدم النظر إلى ما يُلهي ويُشغل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>السبب الحادي عشر: عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>السبب الثاني عشر: عدم الإقعاء المذموم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>السبب الثالث عشر: عدم عبث المصلي بجوارحه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>السبب الرابع عشر: عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>السبب الخامس عشر: عدم الصلاة بحضرة الطعام</span>.\n_________\n(١) انظر هذه الآداب في هذا الكتاب: المبحث الرابع والعشرون: صلاة الجماعة، البند السادس، فقد ذكرت هناك ستة عشر أدبًا بأدلتها.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>السبب السادس عشر: عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط] </span>في الصلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>السبب السابع عشر: عدم بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>السبب الثامن عشر: عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>السبب التاسع عشر: عدم عقص الرأس في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>السبب العشرون: عدم تغطية الفم في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>السبب الحادي والعشرون: عدم السدل في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>السبب الثاني والعشرون: عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائمًا لغير الإمام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>السبب الثالث والعشرون: عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>السبب الرابع والعشرون: عدم التثاؤب في الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>السبب الخامس والعشرون: عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف</span>.\nالسبب السادس والعشرون: عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل أوالثوم ونحوهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>السبب السابع والعشرون: عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>السبب الثامن والعشرون: الصلاة إلى سترة والدنوّ منها </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>السبب التاسع والعشرون: وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>السبب الثلاثون: الإشارة بالسبابة وتحريكها في الدعاء في التشهد: </span>الإشارة بالسبابة تجلب الخشوع، وفيها إغاظة للشيطان (٣).\n_________\n(١) وقد ذكرت الأدلة على هذه الأسباب في مكروهات الصلاة في المبحث العشرين، البند الأول، حيث ذكرت واحدًا وعشرين عملًا تكره في الصلاة.\n(٢) انظر الأدلة على ذلك أيضًا في: المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة من هذا الكتاب.\n(٣) انظر الأدلة على ذلك: هذا الكتاب، المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>السبب الحادي والثلاثون: النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة:</span>\nالنظر إلى موضع السجود وإلى السبابة أثناء التشهد يعين على الخشوع في الصلاة؛ فإن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك، فالسنة أن ينظر المصلي موضع سجوده، فقد ذُكر أن النبي - ﷺ -: «كَانَ إذا صَلّى طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَرَمَى بِبَصَرِهِ نحْوَ الأَرْضِ» (١).\nو«عندما دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْكَعْبَةَ مَا خَلَّفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا» (٢).\nوأما في الجلوس في التشهد فينظر إلى سبابة يده اليمنى، ولا يجاز بصره ذلك؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، واليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة ولم يجاز بصره إشارته» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄: أنه وضع يده اليمنى على فخذه، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام إلى القبلة، ورمى ببصره إليها، أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>السبب الثاني والثلاثون: العلم بأنه يدعو الله ويخاطبه وأن الله يرَدّ عليه ويُجيبه:</span>\nالمسلم يخاطب ربه تعالى في صلاته، والله تعالى يجيبه؛ فإذا عَلِمَ\n_________\n(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٢٨٣، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٠، قال الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ - ص٨٠: «وللحديث ... شاهد من حديث عشرة من أصحاب النبي - ﷺ -».\n(٢) الحاكم في المستدرك، ١/ ٤٧٩. وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وصححه الألباني في صفة صلاة النبي - ﷺ -، ص٨٠.\n(٣) أحمد بلفظه، ٤/ ٣، برقم ١٦١٠٠، وابن خزيمة، ١/ ٣٥٥، برقم ٧١٨، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإشارة في التشهد، برقم ٩٩٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٧٦: «حسن صحيح».\n(٤) ابن خزيمة، برقم ٧١٩، ١/ ٣٥٦، وقال المحقق لصحيح ابن خزيمة: محمد مصطفى الأعظمي «إسناده صحيح».","vol":"1","page":343},{"text":"ذلك، فإنه يخشع في صلاته، ويُقْبِلُ بقلبه إلى ربه - ﷾ -؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وفيه: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ﴾، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالّينَ﴾، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَل» (١).\nوهذا حديث قدسي عظيم جليل، لو استحضره كل مصلٍّ لحصل له الخشوع الكامل في صلاته.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ، نَادَى رَجُلًا كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، فَقَالَ: «يَا فُلاَنُ، أَلاَ تَتَّقِي اللهَ، أَلاَ تَنْظُرُ كَيْفَ تُصَلّي، إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلّي، إِنَّمَا يَقُومُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرُ كَيْفَ يُنَاجِيهِ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>السبب الثالث والثلاثون: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:</span>\nالشيطان عدوٌّ لنا، ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمُصلّي؛ كي يذهب خشوعه، ويلبّس عليه صلاته.\nوالوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو بغيره،\nلا بد له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر، والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... برقم ٣٩٥.\n(٢) مستدرك الحاكم، ١/ ٢٣٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٢٢٠٢.","vol":"1","page":344},{"text":"الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١).\nوكلما أراد العبد تَوجُّهًا إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسوسة أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: «إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، قال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب» (٢).\nوقد تقدم قول الإمام ابن القيم ﵀ في أقسام القلوب الثلاثة فقال: «وقد مُثّل ذلك بمثالٍ حسن، وهو ثلاثة بيوت: بيت للملك فيه كنوزه، وذخائره، وجواهره، وبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره، وجواهره، وليس جواهر الملك، وذخائره، وبيت خالٍ، صفر، لا شيء فيه، فجاء اللصّ يسرق من أحد البيوت، فمن أيّها يسرق؟» (٣).\nوالعبد إذا قام في الصلاة، غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه، وأغيظه للشيطان، وأشده عليه، فهو يحرص، ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه؛ بل لا يزال به يَعِدُه، ويمنّيه، وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله، حتى يهوّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها، فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء، والحاجة، وأيس منها، فيُذكّره إيَّاها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله - ﷿ -، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى، وكرامته،\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧٦.\n(٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية،٢٢/ ٦٠٨،وسبق تخريج الأثر في المبحث الثامن: حكم الوسواس في الصلاة.\n(٣) الوابل الصيب، ص: ٤٣، وتقدم.","vol":"1","page":345},{"text":"وقربه ما يناله المقبل على ربه - ﷿ - الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته، مثلما دخل فيها بخطاياه، وذنوبه، وأثقاله، لم تُخَفَّفْ عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفّر سيئات من أدَّى حقَّها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه (١).\nولمواجهة كيد الشيطان، وإذهاب وسوسته، أرشدنا النبي - ﷺ - إلى العلاج الآتي: عن أَبِي الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يَلْبّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنّي (٢).\nومن كيد الشيطان للمُصلّي: ما أخبرنا عنه - ﷺ -، وعن علاجه فقال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ» (٣).\nومن كيده كذلك ما أخبرنا عنه رسول الله - ﷺ - بقوله: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٤).\nبل إن كيده ليبلغ مبلغًا عجيبًا كما يوضحه هذا الحديث، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - سُئل عن الرجل يخيّل إليه في صلاته أنه أحدث ولم\n_________\n(١) الوابل الصيب لابن القيم، ص: ٣٦ - ٣٧.\n(٢) مسلم، كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، برقم ٢٢٠٣.\n(٣) البخاري، كتاب السهو، باب السهو في الفرض والتطوع، برقم ١٢٣٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٣٨٩.\n(٤) البخاري، كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، برقم ١٣٧، ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك، برقم ٣٦١، وأبو داود واللفظ له، كتاب الطهارة، باب إذا شك في الحدث، برقم ١٧٧.","vol":"1","page":346},{"text":"يُحدِث، فقال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ وَهُوَ فِي صَلاَتِهِ حَتَّى يَفْتَحَ مَقْعَدَتَهُ، فَيُخَيّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلاَ يَنْصَرِفَنْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتَ ذَلِكَ بأذنه، أَوْ يَجِدَ رِيحَ ذَلِكَ بِأَنْفِهِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>السبب الرابع والثلاثون: تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع:</span>\nلا شك أن تدبُّر القرآن الكريم في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة، وهو العلاج الأعظم للقلوب، والحث على التدبر جاء على أنواع كثيرة، منها الأنواع الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر:</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٢)، فقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه، وتحديد الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإنَّ تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج كل العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرّف بالرب المعبود وماله من صفات الكمال، وما ينزَّه عنه من صفات النقص، ويُعرّف الطريق الموصل إليه، وصفة أهلها، ومالهم عند القدوم عليه، ويعرّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب، وكلما ازداد العبد تأملًا فيه ازداد: علمًا، وعملًا، وبصيرة (٣).\n_________\n(١) الطبراني في المعجم الكبير، ١١/ ٢٢٢، برقم ١١٥٥٦، وأخرجه أيضًا البزار، كما في كشف الأستار، ١/ ١٤٧، برقم ٢٨١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٢٤٢: «رجاله رجال الصحيح».\n(٢) سورة النساء، الآية: ٨٢.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص١٨٩ - ١٩٠.","vol":"1","page":347},{"text":"٢ - قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (١)،فهذا الكتاب فيه خيرٌ كثيرٌ، وعِلْم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من كل داء، ونور يُستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وهذا كله من بركته والحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته، وفي هذه الآية: الحثُّ على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، ومن فضائل التدبر: أنَّ العَبْدَ يصل به إلى درجة اليقين، والعلم بأن القرآن كلام الله تعالى؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضًا ... (٢).\n٣ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣)، فَهلاَّ يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله ويتأمَّلونه حق التأمُّل؛ فإنهم لو تَدَبَّروه لدلَّهم على كل خير ولحذَّرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان؛ ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية ... ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي قد أُغْلِقَ على ما فيها من الشر، وأقفلت فلا يدخلها خير أبدًا، هذا هو الواقع ... (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>النوع الثاني: حض النبي - ﷺ - على تدبر القرآن:</span>\nما ثبت عن النبي - ﷺ - من ترغيب في القرآن، وبيان فضائله، وبيان فضائل حافظ القرآن، يستفاد منه الحث على تدبر القرآن. وقد جاء تدبر القرآن من فعله - ﷺ - أيضًا في أحاديث كثيرة ومنها:\n١ - حديث حذيفة - ﵁ -، قال: صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة،\n_________\n(١) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص١٩٠وَص٧١٢.\n(٣) سورة محمد، الآية: ٢٤ - ٢٦.\n(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٨٨.","vol":"1","page":348},{"text":"فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى يصلي، فقلت: يُصلّي بها في ركعة، فمضَى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسّلًا، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ ...» (١).\n٢ - حديث عوف بن مالك - ﵁ -،قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يَمُرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ ...» (٢).\n٣ - عن أبي جحيفة - ﵁ -، قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت قال: «قد شيَّبتني هود وأخواتها» (٣)، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت قال: «شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كوّرت» (٤).\nوهذا يدل على كمال تدبره - ﷺ - للقرآن حق التدبر.\n٤ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>النوع الثالث: حث الصحابة - ﵁ - على تدبر القرآن:</span>\n١ - قال أمير المؤمنين عثمان - ﵁ -: «لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شبعتم من كلام\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم٧٧٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٣، واللفظ له، والنسائي، كتاب التطبيق، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٢٤٧،وفي صحيح النسائي، ١/ ٣٤٢.\n(٣) الترمذي، في الشمائل المحمدية، برقم ٤٢، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص٤٠.\n(٤) الترمذي، في الشمائل المحمدية، برقم ٤١، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص٤٠.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٦٨، والنسائي، كتاب الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت، برقم ١٠١٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٤٠٤.","vol":"1","page":349},{"text":"ربكم» (١).\n٢ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله» (٢).\n٣ - وقال خبَّاب بن الأرتّ - ﵁ -: «تقرَّبْ إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحبّ إليه من كلامه» (٣).\n٤ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «من أراد العلم، فليقرأ القرآن؛ فإن فيه علم الأولّين والآخرين» (٤).\n٥ - وقال الحسن بن علي ﵄: «إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقَّدونها في النهار» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:</span>\nلا شك أن من أحبَّ القرآن تدبَّره، وأقبل على التلذّذ بتلاوته، وهذا دليل على محبته للمتكلّم به سبحانه؛ ولهذا قال أبو عبيدٍ ﵀: «لا يسأل عبدٌ نفسه إلا بالقرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله» (٦).\nوقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى في الحث على تدبر القرآن العظيم، ومن أبرز من حث على ذلك من الأئمة ابن القيم ﵀ في كتبه، فقد ذكر ﵀: أنّ تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءته هو المقصود والمطلوب، فبه تنشرح\n_________\n(١) رواه الإمام أحمد في زوائد الزهد، ص١٢٨.\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم ٨٦٥٨،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،٧/ ١٦٥: «رجاله ثقات».\n(٣) رواه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤١.\n(٤) مصنف بن أبي شيبة، ١٠/ ٤٨٥، والمعجم الكبير للطبراني، ٩/ ١٣٦، وشعب الإيمان للبيهقي، ٢/ ٣٣٢.\n(٥) التبيان للنووي، ص ٢٨.\n(٦) مسند ابن الجعد، برقم ١٩٥٦.","vol":"1","page":350},{"text":"الصدور، وتستنير القلوب، قال ﵀: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وسماعه، وألقِ سمعك، واحْضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به، منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى:\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾» (١).\nفقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا، وهذا هو المؤثر.\nوقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ القلب الحي، وهذا هو المحل القابل، كما قال الله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائب، واستمع كتاب الله، وشاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ، وهذا إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عما يقال له، والنظر فيه، وتأمله.\nفإذا حصل المؤثر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، ووجد الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر، وهو: الانتفاع، والتذكر (٣).\n_________\n(١) سورة ق، الآية: ٣٧.\n(٢) سورة يس، الآية: ٧٠.\n(٣) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٥، ص٦، ص١٥٦، وانظر: فوائد في تدبر القرآن، في تفسير السعدي، ٢/ ١١٢وَ ٧/ ٧٠.","vol":"1","page":351},{"text":"فلا بد من تدبر القرآن، وتعقّله، والتفكر في معانيه؛ لأن الله - ﷿ - أمر بذلك.\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله.\nوكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها»؛ فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خير من قراءة ختمةٍ بغير تَدَبُّرٍ وتفَهُّمٍ، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يردّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قام بآية يُردّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١).\nوقد أخبر الله تعالى في القرآن: أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٢)،وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلًا (٣)، وقد كان بعض السلف الصالح، وهو عمرو بن مرة: إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة، ١/ ٥٥٣ - ٥٥٤، والآية من سورة المائدة، آية: ١١٨.\n(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٣.\n(٣) أعلام الموقعين، لابن القيم، ١/ ١٦٣ - ٢١١، جمع ﵀ جميع الأمثال في القرآن هناك، وانظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، ١/ ٢٢٦.","vol":"1","page":352},{"text":"يبكي ويقول: «لست من العالمين» (١)،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛ لينال هذا العلم العظيم، وقد قال يحيى بن أبي كثير: «لا يُنال العلم براحة الجسم» (٢)، ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة (٣).\nولا شك أن التأمل في القرآن هو: تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتَعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (٥).\nوينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب (٦).\nوالتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله.\nولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ١/ ٢٢٦.\n(٢) صحيح مسلم، برقم ١٧٥ - (٦١٢) ..\n(٣) ابن القيم، في مفتاح دار السعادة، ١/ ٤٤٦.\n(٤) سورة ص، الآية: ٢٩.\n(٥) سورة الزخرف، الآية: ٣.\n(٦) انظر: مدارج السالكين لابن القيم، ١/ ٤٥١ - ٤٥٩.","vol":"1","page":353},{"text":"يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم (١).\nوليحذر المسلم من هجر القرآن؛ فإن هجرهُ خمسة أنواع:\nالنوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.\nالنوع الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.\nالنوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.\nالنوع الرابع: هجر تدبُّره وتفهّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.\nالنوع الخامس: هجر الاستشفاء به والتداوي به من جميع أمراض القلوب، والأجساد ... وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٢)، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله:</span>\nمما يجلب الخشوع في الصلاة تحسين القراءة بالقرآن، والترنم بذلك، وترتيله، ومن الأفضل والأكمل أن يستاك عند قراءة القرآن؛ لحديث علي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهّروا أفواهكم للقرآن» (٤).\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ١/ ٤٩٠.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٣٠.\n(٣) انظر: الفوائد لابن القيم، ص٥، ص٦، ص١٥٦، وتفسير السعدي، ٢/ ١١٢، و٧/ ٨٠.\n(٤) أخرجه البزار، ص٦٠ وقال: لا نعلمه عن علي بأصح من هذا الإسناد، قال الألباني: «قلت: وإسناده جيد، رجاله رجال البخاري، وفي الفضل كلام لا يضر، وقال المنذري في الترغييب والترهيب: رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٩١، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣١٤، برقم ١٢١٣.","vol":"1","page":354},{"text":"وعن علي - ﵁ - قال: «إن أفواهكم طرق القرآن فطيّبوها بالسواك» (١). والقارئ للقرآن إذا تأدَّب بآدابه حصل له الخشوع في صلاته، وقراءته، ومن هذه الآداب الآداب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>أولًا: يُحسّن صوته بقراءة القرآن الكريم</span>، ويترنَّم به؛ للأحاديث الآتية:\n١ - حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أَذِنَ (٢) الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيّ أن يتغنَّى (٣) بالقرآن»، ولفظ مسلم: «ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيّ حَسَن الصوت يتغنّى بالقرآن»، وفي لفظ لمسلم: «ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (٤).\n٢ - حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال له:\n«يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير (٥) آل داود»، وفي لفظٍ لمسلم: «لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (٦).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب السواك، برقم ٢٩١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٥٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢١٣.\n(٢) ما أذن الله: ما استمع الله لشيء ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٢٥، وجامع الأصول لابن الأثير، ٢/ ٤٨٥].\n(٣) يتغنى بالقرآن: يحسن صوته به، يجهر به. [شرح النووي، ٦/ ٣٢٦]. قال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٧/ ٧١: «والمعروف عند العرب: أن التغني الترجيع بالصوت».\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من لم يتغنَّ بالقرآن، برقم ٥٠٥٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٩٢.\n(٥) مزمار: قال النووي ﵀: «المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن، وأصل الزمر الغناء، وآل داود: هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق على نفسه، وكان داود حسن الصوت جدًا». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٢٨].\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، برقم ٥٠٤٨، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٧٩٣.","vol":"1","page":355},{"text":"٣ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث في ذلك محمولة على التحزين والتشويق» (٢) (٣).\n٤ - حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٤).\n٥ - حديث أبي لبابة، قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، فقيل لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسّن ما استطاع (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٦٨، والنسائي، كتاب الصلاة، باب تزيين القرآن بالصوت، برقم ١٠١٦،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٤٠٤.\n(٢) قال: «... واختلفوا في القراءة بالألحان: فكرهها مالك والجمهور؛ لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع، والتفهُّم، وأباحها أبو حنيفة وجماعة من السلف؛ للأحاديث؛ ولأن ذلك سبب للرقة وإثارة الخشية، وإقبال النفوس على استماعه، قلت [القائل النووي] قال الشافعي في موضع: أكره القراءة بالألحان، وقال في موضع: لا أكرهها، قال أصحابنا: ليس له فيها خلاف وإنما هو اختلاف حالين: فحيث كرهها: أراد إذا مطَّط وأخرج الكلام عن موضعه، أو مدَّ غير ممدود، وإدغام ما لا يجوز إدغامه، ونحو ذلك، وحيث أباحها: إذا لم يكن فيها تغيير لموضوع الكلام، والله أعلم». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٢٨] وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٧/ ٧٢.\n(٣) شرح النووي، ٦/ ٣٢٨.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٦٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٠٤.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة، برقم ١٤٧١، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٠٥: «حسن صحيح».","vol":"1","page":356},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «والتغنّي بالقرآن: يجهر به ويُحسّن به صوته حتى يستفيد هو ويستفيد الناس، فالمؤمن يجاهد نفسه يخشع ويُخشّع من حوله، «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»،وهذا يدل على الوعيد لمن لم يتغن بالقرآن، وهو مثل قوله - ﷺ -: «من غشنا فليس منّا» فيه الوعيد الشديد لمن لم يتغنَّ بالقرآن؛ لأن الله أنزل القرآن للتدبر والعمل ﴿ليدّبروا آياته﴾ ولم يقل: ليقرؤوا، فقليل بتدبر خير من كثير بلا تدبر» (١).\n٦ - حديث البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ: ﴿وَالتّينِ وَالزَّيْتُون﴾ في العشاء، وما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه، أو قراءةً»، وفي لفظ عن عديٍّ، قال: سمعت البراء يُحدّث عن النبي - ﷺ - أنه كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالتّينِ وَالزَّيْتُون﴾» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-793>ثانيًا: يُرتّل القرآن ترتيلًا</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤).\nوالترتيل مصدر رتّل الكلام: أحسن تأليفه.\nوهو في الاصطلاح: قراءة القرآن على مُكثٍ، وتفهّمٍ من غير عجلةٍ، وهو الذي نزل به القرآن.\nفيقرأ القرآن: بِتَلَبُّثٍ في قراءتِهِ، وتمهّلٍ فيها، ويفصل الحرف عن\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٠٢٣.\n(٢) سورة التين، الآية: ١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في العشاء، برقم ٧٦٧، وفي باب القراءة في العشاء، برقم ٧٦٩، وفي كتاب التفسير، باب حدثنا حجاج، برقم ٤٩٥٢، وفي كتاب التوحيد، باب قول النبي - ﷺ -: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، وزينوا لقرآن بأصواتكم»، برقم ٧٥٤٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء برقم ٤٦٤.\n(٤) سورة المزمل، الآية ٤٠.","vol":"1","page":357},{"text":"الحرف الذي بعده، وفي ذلك عون على تدبُّرِ القرآن وتفهُّمِهِ، ومرتبة الترتيل أفضل مراتب القراءة.\nوعن أنس - ﵁ -، قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: كان يمدُّ مدًاّ: ثم قرأ: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ يمدّ «بسم الله»، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (١) (٢).\nوعن أم سلمة ﵂ أنها ذكرت قراءة رسول الله - ﷺ - «بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم * الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِين * الرَّحْمنِ الرَّحِيم * مَلِكِ يَوْمِ الدّين. يُقطّع قراءته آية آية. قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: «القراءة القديمة مالك يوم الدين»، ولفظ الترمذي: «الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِين»، ثم يقف «الرَّحْمنِ الرَّحِيم» ثم يقف ...» (٣).\nوعن عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجّع» (٤)، وقال: لولا أن يجتمع الناس\n_________\n(١) قال ابن حجر في فتح الباري، ٩/ ٩١: «المدّ عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إشباع الحرف الذي بعده: ألف، أو واو، أو ياء، وغير أصلي، وهو ما إذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة: وهو متصل ومنفصل، فالمتصل ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه: بالألف، والواو، والياء ممكنات من غير زيادة، والثاني يزاد في تمكين الألف والواو، والياء، زيادة على المد الذي لا يمكن النطق بها إلا به من غير إسراف، والمذهب الأعدل أنه يمدَّ كل حرف منها ضعفي ما كان يمد أولًا، وقد يزاد على ذلك قليلًا، وما فرط فيه فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضرب الأول». قلت: الضرب الأول: المد الطبيعي الأصلي ضابطه في المد يمد حركتين كل حركة بمقدار قبض الإصبع أو بسطها، والضرب الثاني المد غير الأصلي وهو نوعان: متصل يمد أربع حركات ومنفصل: يمد أربع حركات كذلك ويجوز قصره فيمد حركتين.\n(٢) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب مدّ القراءة، برقم ٥٠٤٥، ٥٠٤٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الحروف والقراءات، برقم ٤٠٠١، والترمذي، كتاب القراءة عن رسول الله - ﷺ -، باب في فاتحة الكتاب، برقم ٢٩٢٧، وأحمد، ٦/ ٣٠٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٩٣، وصحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٦٩.\n(٤) الترجيع: هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله الترديد، وترجيع الصوت ترديده في الحلق، وقد فسره، لفظ معاوية بن قرة (آاْ أ) قال الحافظ في الفتح: «بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثم همزة أخرى»، وقيل: يحتمل أن هذا حصل من هز الناقة، وقيل: يحتمل أنه أشبع المد في موضعه فحدث ذلك. قال الحافظ ابن حجر: «وقد ثبت الترجيع في غير هذا الموضع فأخرج الترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي داود واللفظ له من حديث أم هانئ قالت: كنت أسمع صوت النبي - ﷺ - وهو يقرأ وأنا نائمة على فراشي يرجّع القرآن»،والذي يظهر أن في الترجيع قدرًا زائدًا على الترتيل، فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال: «بتُّ مع عبد الله بن مسعود، فنام ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حيه لا يرفع صوته ويسمع من حوله ويرتل ولا يرجع»،وقيل: «معنى الترجيع تحسين التلاوة لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة» [فتح الباري لابن حجر،٩/ ٩٢].\nولكن رأى شيخنا ابن باز في قول معاوية بن قرة (آاْآ) أن هذا الظاهر فيه أنه وهم من بعض الرواة في تفسير الترجيع؛ لأن هذه الأحرف لا تدل على معنى، والمقصود من ترديد القراءة الفائدة والخشوع، فالترجيع: هو ترديد القراءة»، وقال ﵀: «معنى ترجيع القراءة: أي ترديد القراءة ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ للخشوع والتدبر وهذا هو معنى الترجيع في القراءة، وكان - ﷺ - يسرد القراءة إلا في بعض الأحوال، وقد قام ليلة بآية: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ فالترجيع سنة عند الحاجة فقط». [سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٢٨١.","vol":"1","page":358},{"text":"حولي لرجَّعت كما رجَّع»، وفي لفظ للبخاري: «رأيت النبي - ﷺ - يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة ليّنة يقرأ وهو يرجع»، وفي رواية: «... ثم قرأ معاوية [بن قرة] يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم، لرجَّعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي - ﷺ -، فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آثلاث مرات» (١)، وفي الحديث ملازمة النبي - ﷺ - للعبادة؛ لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح، برقم ٤٢٨١، وكتاب فضائل القرآن، باب الترجيع، برقم ٥٠٤٧، ورقم ٧٥٤٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ذكر قراءة النبي - ﷺ - سورة الفتح يوم فتح مكة، برقم ٧٩٤.","vol":"1","page":359},{"text":"أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك (١).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رجلًا قرأ المفصل في ركعة، فقال له: «هذًّا كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين من آل حم في كل ركعة (٢)، وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة»، وقال: «عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم «حم» الدخان، و«عم يتساءلون» (٣)، وفي لفظ لمسلم: «عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله» (٤)، وفي لفظ لمسلم: «... هذًا كهذ الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإنَّ أفضل الصلاة: الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن» (٥).\nفيستحب للقارئ التالي لكتاب الله تعالى أن يرتل وهذا هو الأفضل أن يرتّل، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ: بإسقاط بعض الحروف، أو إدغام ما لا يصح إدغامه، وهذه قراءة الحدر: وهو إدراج القراءة وسرعتها، ولابد فيه من مراعاة أحكام التجويد: من المدّ، والتشديد، والقطع، والوصل؛ وليحذر فيه من بتر حرف المد، وذهاب الغنة.\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٩٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الآذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، برقم ٧٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ترتيل القرآن واجتناب الهذّ، برقم ٢٧٥ - (٧٢٢).\n(٣) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، برقم ٤٩٩٦، ورقم ٥٠٥٣.\n(٤) مسلم، برقم ٢٧٦ - (٧٢٢)، وتقدم.\n(٥) مسلم، برقم٢٧٥ - (٧٢٢) وتقدم.","vol":"1","page":360},{"text":"فإن حصل إخلال باللفظ في هذه القراءة فهي حرام؛ لأنها تغيير للقرآن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>ثالثًا: إذا مرَّ بآية رحمة سأل الله من فضله</span>، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله تعالى، وإذا مرّ بآية فيها سؤال سأل وهذا في النوافل لا في الفرائض؛ لحديث حذيفة - ﵁ -، قال صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى يُصلّي، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>رابعًا: يجهر بالقرآن ما لم يتأذَّ أحد بصوته:</span>\nدلت الأحاديث في تحسين الصوت بالقرآن، وفي الترتيل والترنيم بالقرآن، والتغنّي به على استحباب رفع الصوت والجهر بالقرآن، كما دلت أحاديث أخرى على الحث على الإسرار بالقرآن؛ فكانت الأحاديث في ذلك على نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن:</span>\nجاء في هذا النوع من الأحاديث المذكورة آنفًا في الأمر بتزيين الصوت بالقرآن وتحسينه، كقوله - ﷺ -: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (٣)، وقول النبي - ﷺ - لأبي موسى: «لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود» (٤)،وقوله - ﷺ -: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٥).وغير ذلك مما تقدم في\n_________\n(١) انظر: مجالس شهر رمضان، للعثيمين، ص١٥٣.\n(٢) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه في التدبر للقرآن.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٠٥٣، ومسلم، برقم ٧٩٢، وتقدم في الأدب الثامن: تحسين الصوت بالقرآن.\n(٤) متفق عليه: البخاري برقم ٥٠٤٨، ومسلم، برقم ٧٩٣. وتقدم في الأدب الثامن.\n(٥) أبو داود، برقم ٤٦٨، والنسائي، برقم ١٠١٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٠٤، وتقدم في الأدب الثامن.","vol":"1","page":361},{"text":"الترغيب في تحسين الصوت بالقراءة، وعن أبي موسى - ﵁ -،قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني لأعرف أصوات رُفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار ...» (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «كان لهم أصوات حسنة بالقرآن - ﵃ -» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: أبطأتُ على عهد رسول الله - ﷺ - ليلة بعد العشاء، ثم جئتُ فقال: «أين كنتِ؟»، قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحدٍ، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ فقال: «هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا» (٣).\nوعن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» (٤).\nوفي إثبات الجهر بالقرآن أحاديث كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها:</span>\nجاء في ذلك أحاديث منها حديث عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمسر بالصدقة» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، برقم ٤٢٣٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأشعريين - ﵃ -، برقم ٢٤٩٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٢٣٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، بابٌ في حسن الصوت بالقرآن، برقم ١٣٣٨، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٨.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، بابٌ في حسن الصوت بالقرآن، برقم ١٣٣٩، وصححه الألباني، في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٣٣، والترمذي، كتاب ثواب القرآن، باب حدثنا محمود بن غيلان، برقم ٢٩١٩، والنسائي، كتاب الزكاة، باب المسر بالصدقة، برقم ٢٥٦١،وصححه الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٦٥، وفي صحيح سنن الترمذي،٣/ ١٦٦،وفي غيرهما.","vol":"1","page":362},{"text":"وعن أبي سعيد - ﵁ -، قال: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا إن كُلَّكم مناجٍ ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة»،أو قال: «في الصلاة» (١).\nفعلى هذا دلت الأحاديث على النوعين: فجاءت الأحاديث في النوع الأول باستحباب رفع الصوت بالقراءة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين: من أقوالهم، وأفعالهم أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر (٢).\nوجاء في النوع الثاني أحاديث وآثار تدل على استحباب الإسرار وخفض الصوت بالقراءة.\nوالجمع بين هذين النوعين: أن القارئ إذا خاف الرياء، أو السمعة، أو يتأذَّى مصلون، أو نيام بجهره، أو خاف إعجابًا، أو يلبَّس على من يقرأ أو غير ذلك من أنواع القبائح فالإسرار بالقراءة والإخفاء بها أفضل.\nأما من لم يخفْ شيئًا من ذلك فالجهر بالقراءة له أفضل، ويستحب له ذلك؛ لأن العمل في الجهر أكثر؛ ولأن فائدته تتعدَّى للسامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إلى التدبر، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، ويطرد الشيطان، فإن كانت القراءة بحضور من يستمع إليه، تأكد استحباب الجهر (٣).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٣٢.\n(٢) انظر: التبيان للإمام النووي، ص٨٦.\n(٣) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن، للنووي، ص٢ - ٨٧، وآداب تلاوة القرآن وتأليفه للحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى ٩١١هـ، المطبوع مع أخلاق حملة القرآن لمحمد بن الحسين الآجري، المتوفى، ٣٦٠هـ، ص١١٠.","vol":"1","page":363},{"text":"قلت: ويدل على هذا الجمع حديث عبد الله بن أبي قيس ﵀ عن عائشة ﵂ أنه سألها في حديث طويل، وفيه أنه سألها عن قراءة النبي - ﷺ -، فقال: ... فقلت: كيف كانت قراءته: أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: «كل ذلك قد كان يفعل: قد كان ربما أسر، وربما جهر»، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً ...» (١).\nوعن أبي قتادة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر: «يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك؟»، قال: قد أسمعت من ناجيتُ يا رسول الله!، قال: «ارفع قليلًا»، وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلّي رافعًا صوتك؟»، قال: يا رسول الله أُوقظ الوسنان (٢)، وأطرد الشيطان! قال: «اخفض قليلًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة:</span>\nمما يجلب الخشوع في الصلاة سجود التلاوة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قراءة الليل، برقم ٤٤٩، وفي كتاب ثواب القرآن، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي - ﷺ -، برقم ٢٩٢٤، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في وتر النبي - ﷺ -، برقم ١٤٣٧، والنسائي، صلاة الليل، باب كيف القراءة بالليل، برقم ١٦٦٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٩٥، وفي صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٦٨، وفي غيرهما. وانظر: أحاديث في الباب: صحيح سنن أبي داود، برقم ١٣٢٧ - ١٣٣٣.\n(٢) الوسنان: النائم الذي ليس بمستغرق في نومه. [النهاية، ٥/ ١٨٦].\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت بالقراءة في الصلاة، برقم ١٣٢٩، والترمذي كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة بالليل، برقم ٤٤٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٢٥٤، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٦٤.","vol":"1","page":364},{"text":"فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (١)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>السبب السابع والثلاثون: المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية:</span>\nلا شك أن العمل بسنن الصلاة القولية والفعلية يجلب الخشوع في الصلاة، ويزيد ثوابها، ويرفع درجات صاحبها في الدنيا والآخرة، وهي سنن أقوال وأفعال، ولا تبطل الصلاة بترك شيء منها عمدًا ولا سهوًا، وسنن الصلاة، هي ما عدا الشروط، والأركان، والواجبات (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة:</span>\nلا شك أن من دخل في صلاته وهو يذكر الموت، ويخشى أن تكون هذه الصلاة هي أخر صلاةٍ يصلّيها، فإنه سيخشع في صلاته؛ ولهذا أوصى النبي - ﷺ - بذلك؛ فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ؟ فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلّ صَلَاةَ مُوَدّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأجْمِعِ الْيَأسَ مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ»، وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ! اللَّهِ عَلّمْنِي وَأَوْجِزْ، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلّ صَلَاةَ مُوَدّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم ٨١.\n(٢) من السنن قبل الدخول في الصلاة: السواك عند كل صلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» متفق عليه: البخاري، برقم ٨٨٧، ومسلم، برقم ٢٥٢. ومن السنن قبل الصلاة اتخاذ سترة للإمام والمنفرد؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - يرفعه: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرحل» مسلم، برقم ٥١٠، وتقدم تخريجه.\n(٣) وقد ذكرت ثلاثًا وثلاثين سُنة في هذا الكتاب، في المبحث التاسع عشر في أركان الصلاة وواجباتها وسننها: البند الثالث.","vol":"1","page":365},{"text":"النَّاسِ» (١).\nوعن أنس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اذْكُر المَوْتَ في صَلاَتِكَ؛ فإِنَّ الرَّجُلَ إذا ذَكَرَ المَوْتَ في صَلاَتِهِ لَحَرِيٌّ أنْ يُحْسِنَ صلاتَهُ، وَصَلّ صلاةَ رَجُلٍ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُصَلّي صلاةً غَيْرَها، وإِيَّاكَ وكُلَّ أمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة:</span>\nلا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الحذر من الغفلة؛ فإن الغفلة من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ والغفلة: تركٌ باختيار الغافل، وأما النسيان فهو: تركٌ بغير اختيار الإنسان، والسلامة منهما بالذكر، وهو التخلّص من الغفلة والنسيان (٣)؛ ولعظم خطر الغفلة نهى الله تعالى رسوله عنها فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٤)، والغافلون هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ فإنهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن من كلّ السعادة والفوز بذكره، وعبوديَّته، وأقبلوا على من كلّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به (٥).\nومن أعظم خطر الغفلة أن من غفل عن الله عاقبه بأن يُغفله عن ذكره، ويجعله يتبع هواه، ويكون أمره ضائعًا معطلًا (٦)، قال الله تعالى:\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٤١٢، وفي المحقق، ٣٨/ ٤٨٤، برقم ٢٣٤٩٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الحكمة، برقم ٤١٧١، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٦٤، وفي سلسة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٠١.\n(٢) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، ١/ ٢٦/٢، كما قاله الألباني، وحسنه الألباني في سلسة الأحاديث الصحيحة في المجلد السادس، القسم الثاني، ٦/ ٨٢٠، برقم ٢٨٣٩، وفي المجلد الثالث، ص ٤٠٨، برقم ١٤٢١.\n(٣) أنظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٤٣٤، وكتاب الغفلة للمؤلف، ص٨.\n(٤) سورة الأعراف، الآيتان: ٢٠٥.\n(٥) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٣١٤.\n(٦) انظر: كتاب الغفلة للمؤلف، ص١٥.","vol":"1","page":366},{"text":"﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١)، وأكثر الناس يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الله والدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>السبب الأربعون: الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول الله بين المرء وقلبه:</span>\nلا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الاستجابة لله ورسوله - ﷺ - مع الخوف من أي يحول الله بين العبد وقلبه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣)، فالله تعالى يأمر عباده المؤمنين بالاستجابة له ولرسوله، والانقياد والمبادرة إلى ذلك، والاجتناب لما نهى عنه الله ورسوله، والدعوة إلى ذلك؛ لأن حياة القلب والروح بعبوديته تعالى، ولزوم طاعته وطاعة رسوله - ﷺ -؛ ولهذا حذّر عن عدم الاستجابة لله ولرسوله فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلّب القلوب حيث شاء، ويصرّفها كيف شاء (٤).\nفينبغي للعبد أن يسأل الله أن يصرّف قلبه على طاعته؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ مُصَرّفَ الْقُلُوبِ صَرّفْ قُلُوبَنَا\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة الروم، الآيتان: ٦ - ٧.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(٤) أنظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٣١٨.","vol":"1","page":367},{"text":"عَلَى طَاعَتِكَ» (١).\nوفي حديث أمّ سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ - حينما يكون عندها- كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: «يَا مُقَلّبَ الْقُلُوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لأَكْثَر دُعَائِكَ: يَا مُقَلّبَ الْقُلُوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ»، فَتَلَا مُعَاذٌ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة:</span>\nمن الأسباب العظيمة التي تجلب الخشوع في الصلاة أن يسأل العبد ربه، ويتضرع إليه بسؤاله التوفيق للخشوع الذي يحبه اللَّه سبحانه في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤).\nوعن أبي سعيد - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلِهَا»، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، برقم ٢٦٥٤.\n(٢) الترمذي بلفظة كتاب الدعوات، باب دعاء يا مقلب القلوب، برقم ٣٥٢٢، وحسنه، وأحمد، ٤/ ١٨٢، والحاكم، ١/ ٥٢٥، ٥٢٨،وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٦/ ٣٠٩، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٧١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.\n(٤) سورة غافر، الآية: ٦٠.\n(٥) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٧١٠، والحاكم، ١/ ٤٩٣، وأحمد، ٣/ ١٨، والترمذي، بنحوه، في كتاب الدعوات، بابٌ في انتظار الفرج، برقم ٣٥٧٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٤٦٧.","vol":"1","page":368},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها:</span>\nمن الأسباب التي تُعينُ على الخشوع في الصلاة: أن يعلم العبد المسلم أنه ليس له من صلاته إلا ما أقبل عليه بقلبه؛ لحديث عمّار بن ياسر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» (٢).\nوعن كعب بن عمرو السلمي - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «مِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي النّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ، حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ» (٣).\nوقال ابن عباس: «ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي - ﷺ - في صلاته:</span>\nمما يُعين على الخشوع في الصلاة ويجلبه معرفة ما كان عليه النبي - ﷺ - من الخشوع في الصلاة؛ وقد كانت الصلاة قرّة عينه، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُبّبَ إِلَيَّ النّسَاءُ، وَالطّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب رقم٢، برقم ٣٣٧٣، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٣٨٤.\n(٢) أبو داود، برقم ٧٩٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٢٦، وتقدم تخريجه في التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٣) أحمد، ٢٤/ ٢٨٠، برقم ١٥٥٢٢، والنسائي في الكبرى، برقم ٦١٦، ١/ ٣١٦، وحسنه الألباني لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٥٢.\n(٤) تقدم تخريجه، في حكم الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":369},{"text":"فِي الصَّلَاةِ» (١).\nوقال النبي - ﷺ - لبلال: «قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاَةِ»، وفي لفظ: «يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا» (٢).\nوقد كان النَّبيُّ - ﷺ - إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض موضع السجود، وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته، هكذا ذُكِرَ عنه - ﷺ - (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏:</span>\nالمتأمل بتفكّرٍ في خشوع السلف الصالح في صلاتهم يزيده ذلك خشوعًا؛ لما يرى ويعلم من خشوعهم العظيم الذي يدل على إحسانهم في صلاتهم، وأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، وهذه هي الدرجة العظمى من الإحسان في العبادة.\nفهذا أبو بكر - ﵁ - يبكي في صلاته كما ذكرت عائشة ﵂ (٥).\nوهذا عمر الفاروق يُقتل وهو يُصلّي، ثم أغمي عليه، وعندما أفاق قال: «هل صلَّى الناس؟»، فسأل: عن الصلاة قبل أن يسأل عمن قتله؟ (٦).\nوذاك سعد بن معاذ إذا صلى لا يحدث نفسه بغير ما هو فيه من صلاته (٧).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٣٩٤٠، وأحمد، برقم ١٢٢٩٣، ١٣٠٥٧، وتقدم تخريجه في: «الصلاة بخشوع قرة للعين وراحة للقلب».\n(٢) أبو داود، برقم ٤٩٨٥، ٤٩٨٦، وأحمد في المسند، برقم ٢٣١٥٤، وتقدم تخريجه في المبحث العاشر.\n(٣) تقدم تخريجه في النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة في التشهد، في السبب الثالث والثلاثين.\n(٤) وانظر: خشوع النبي - ﷺ - في صلاته من هذا الكتاب، ص ٢٩٧.\n(٥) انظر: صحيح البخاري، برقم ٧١٣، ٦٧٩، ومسلم، برقم ٤١٨، وتقدم تخريجه في المبحث الخامس عشر.\n(٦) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص٢٦ وتقدم تخريجه في المبحث الخامس عشر.\n(٧) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٢/ ٦٠٥، وتقدم في المبحث الخامس عشر.","vol":"1","page":370},{"text":"وهذا التابعي الجليل عروة بن الزبير يأمر الأطباء بقطع رجله في الصلاة؛ لأنه لا يشعر بذلك؛ لتعلق قلبه بالله ومناجاته (١).\nوهذا الإمام البخاري يلسعه الزنبور في سبعة عشر موضعًا من جسده تحت ثوبه ولم ينصرف من صلاته، ولم ينظر حتى سلَّم من صلاته (٢)، وغير ذلك كثير (٣).\nفمن نظر في خشوع السلف الصالح في صلاتهم جلب له ذلك الخشوع إن كان قلبه سليمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>السبب الخامس والأربعون: العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع:</span>\nمما يُعين على الخشوع معرفة ما جاء عن النبي - ﷺ - من التحذير من ترك الخشوع في الصلاة وسرقتها، والعلم بما ثبت من فضائل الخشوع وفوائده، ومن ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار ما يأتي:\nأولًا: ثبت عن النبي - ﷺ -: إخباره بأن أشدّ الناس سرقة الذي يسرق صلاته، فلا يتم ركوعها ولا سجودها (٤)، وأن الله لا ينظر إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم فيها صلبه بين ركوعه وسجوده (٥)، وإن مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده مات على غير ملة محمد - ﷺ - (٦)، وقد يُصلّي المرء ستين سنة وما قَبِلَ اللَّهُ منه صلاة واحدة؛ لعله يتم الركوع ولا يتم\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٩/ ١٠٢ - ١٠٣، وتقدم في المبحث الخامس عشر.\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، ١٢/ ٤٤٢، ومقدمة فتح الباري لابن حجر، ص٤٨٠.\n(٣) وقد ذكرت نماذج كثيرة من خشوع السلف الصالح في هذا الكتاب، ص ٣٠٥، والله الموفق.\n(٤) أحمد، برقم ٢٢٦٤٢، وابن خزيمة، برقم ٦٦٣ وتقدم تخريجه في: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٥) أحمد، برقم ١٦٢٨٣، وغيره، وتقدم تخريجه في: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.\n(٦) الطبراني في الكبير، برقم ٣٨٤٠، وابن خزيمة، برقم ٦٦٥، وتقدم تخريجه في: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.","vol":"1","page":371},{"text":"السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع (١).\nثانيًا: الخشوع في الصلاة له فضائل عظيمة، فقد ثبت عن النبي - ﷺ -: أن من صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه (٢)، وأن من أحسن الوضوء ثم صلَّى ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة (٣)، وجاء في القرآن الكريم أن الفوز والفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (٤)، وغير ذلك من الفضائل والفوائد العظيمة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>السبب السادس والأربعون: فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها:</span>\nلا شك أن من تدبَّر معاني أفعال الصلاة خشع في صلاته، ومن ذلك تدبّر الأفعال الآتية:\nأولًا: فهم وَتّدّبُّر معنى القيام في الصلاة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦)، فإذا انتصب العبد قائمًا لله في صلاته بين يديه سبحانه فليشاهد بقلبه قيُّوميته تعالى (٧)، ويذكر أنه إذا أحسن هذا الوقوف في الصلاة في الدنيا سهُل عليه الوقوف أمام الله يوم القيامة، وإذا استهان بهذا الوقوف، ولم يُوفّه حقه شُدّد عليه الوقوف يوم القيامة (٨)، ومن مقتضى هذا القيام أن يقبل على لله بقلبه وجسده، فلا\n_________\n(١) الأصبهاني في الترغيب والترهيب، برقم ١٨٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ١٣٦، ومسلم، برقم ٢٤٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ٢٣٤، وتقدم تخريجه.\n(٤) انظر: سورة المؤمنون: ١ - ٢.\n(٥) انظر: فضائل الخشوع في الصلاة.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٧) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص١١٧.\n(٨) الفوائد لابن القيم، ص٤٣٥.","vol":"1","page":372},{"text":"يلتفت: لا بقلبه، ولا ببصره، ولا جسده (١).\nثانيًا: فهم وتدبر معنى رفع الأيدي في الصلاة حذو المنكبين أو حذو الأذنين في أربعة مواضع: إذا كبّر تكبيرة الإحرام، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من الركعتين - أي من التشهد الأول - يرفعهما كما صنع عند الافتتاح، وهذا هو السنة.\nوالحكمة في ذلك: اتبّاع النبي - ﷺ -، ويضاف إلى ذلك من الحكم:\nأن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فيه الإشارة إلى رفع حجاب الغفلة بينك وبين الله، وفي غير تكبيرة الإحرام إعظامًا لله.\nوقال بعضهم: إنها استسلام لله وانقياد له تعالى، كالأسير المستسلم.\nوقال بعضهم: نفي الكبرياء عن غير الله.\nوقال بعضهم: زينة للصلاة، وعلى كل حال: فهو اتبّاع للسنة الثابتة عن النبي - ﷺ - (٢)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه» (٣)، وفي حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: «سمع الله لمن حمده»، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٤).\n_________\n(١) انظر: الخشوع في الصلاة، لابن رجب، ص٢٢.\n(٢) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، وزاد المعاد، وتوضيح الأحكام من بلوغ المرام، للبسام، ٢/ ٢٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٣٤، وحاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ١١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء، برقم ٧٣٥، ورقم ٧٣٩، ومسلم، كتاب الصلاة، برقم ٣٩٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، في كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع، وفي الرفع من الركوع، وأنه لا يفعله إذا رفع من السجود، برقم ٣٩١.","vol":"1","page":373},{"text":"والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة:\nالوجه الأول: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر» (١)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي - ﵁ - يحدّث به في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه ثم يُكبّر» (٢).\nالوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه «رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل هكذا» (٣).\nالوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه - ﷺ - رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه» (٤). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة (٥).\nوإن نوَّع بين هذه الصفات الثلاث، فتارة يفعل هذا، وتارة هذا، وتارة هذا، فلا بأس، وهذا يعين على الخشوع في الصلاة، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩٠.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد برقم ٨٢٨، واللفظ لأبي داود، برقم ٧٣٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر، برقم ٧٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، برقم ٣٩١.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب إلى أين يرفع يديه، برقم ٧٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، برقم ٣٩٠.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢١٨، وسبل السلام للصنعاني،٢/ ٢١٧، والشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٣٩.","vol":"1","page":374},{"text":"ثالثًا: فهم وتدبّر معنى وضع اليدين على الصدر في حال القيام في الصلاة: اليد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّسغ والساعد، وهذا فيه إظهار الذُّل، والانكسار، والخشوع لله تعالى، وقد ذُكِرَ عن الإمام أحمد ﵀ أنه سُئل عن المراد بذلك فقال: «هو ذُلٌّ بين يدي عزيز» (١).\nرابعًا: فهم وتدبّر معنى الركوع؛ فإنه يدل على الذُّل بظاهر الجسد؛ ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٢)، وتمام الخضوع في الركوع أن يخضع القلب لله، ويذلُّ له، فيتمّ بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله - ﷿ - (٣).\nقال العلامة الأصفهاني ﵀: «الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها» (٤).\nخامسًا: فهم وتدبّر معنى السجود؛ فإنه أعظم ما يظهر فيه ذلّ العبد لربّه تعالى، حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزّها عليه، وأعلاها عليه، حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفّرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه، وخشوعه لله - ﷿ -؛ ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقرّبه الله - ﷿ - إليه؛ فإن «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (٥)، كما صح عن النبي - ﷺ -.\nوالسجود أيضًا مما كان يأنفه المشركون المستكبرون عن عبادة الله - ﷿ -، وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد فتعلوني استي، وبعضهم يأخذ\n_________\n(١) الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٢١.\n(٢) سورة المرسلات، الآية: ٤٨.\n(٣) انظر: الخشوع في الصلاة لابن رجب ص٢٥.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن، ص٣٦٤.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع أو السجود، برقم ٤٨٢.","vol":"1","page":375},{"text":"كفًا من حصىً فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود، وإبليس إنما طرده الله لمّا استكبر عن السجود، لمن أمره الله بالسجود له (١).\nقال الراغب الأصفهاني ﵀: «السجود: أصله التطامن والتذلّل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلّل لله وعبادته.\nوهو عام في الإنسان، والحيوان، والجمادات، وذلك ضربان:\nسجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب.\nوسجود تسخير وهو: للإنسان، والحيوان، والنبات» (٢).\nوسجود التسخير يعم كل شيء ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣).\nوغير ذلك من فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة: كالجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد واضعًا يديه على ركبتيه، كل ذلك يدل على الخضوع والتذلل لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>السبب السابع والأربعون: فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة:</span>\nلا شك أن من تدبَّر معاني أقوال الصلاة خشع قلبه في صلاته، ومن ذلك على سبيل الاختصار تدبر المعاني الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>أولًا: فهم وتدبّر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر:</span>\n«الله أكبر» أي: الله تعالى أكبر من كل شيء: في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وحُذِف المفضل عليه ليتناول اللفظ كل شيء، فتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله.\nوأكبر من أن يُذكر بغير المدح والتمجيد والثناء الحسن.\n_________\n(١) انظر: الخشوع في الصلاة لابن رجب، ص٢٦.\n(٢) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، ص٣٩٦.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٤٩.","vol":"1","page":376},{"text":"وحكمة الاستفتاح بها: ليستحضر المصلّي عظمة من يقف بين يديه، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل بغيره؛ ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١)، والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرّغ قلبه لها، ويشتغل بها عمَّا عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال النبي - ﷺ -: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فَي الصَّلاَةِ» (٢).\nفإذا استشعر العبد بقلبه أن الله أكبر من كلّ ما يخطر بالبال استحيا منه أن يُشغل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفيًا لمعنى «الله أكبر»، ولا مؤدّيًا لحق هذا اللفظ، فقبيح بالمُصلّي أن يقول بلسانه: «الله أكبر»، وقد امتلأ قلبه بغير الله، فلو قضى حق هذا اللفظ لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>ثانيًا: فهم وتدبُّر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>ثالثًا: فهم وتدبّر معاني الاستعاذة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>رابعًا: فهم وتدبُّر معنى البسملة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-814>خامسًا: فهم وتدبُّر معاني الفاتحة أُمّ القرآن:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>سادسًا: فَهْمُ وتدبُّر معاني أذكار الركوع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>سابعًا: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار الرفع من الركوع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>ثامنًا: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار السجود:</span>\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ١ - ٢.\n(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٣/ ٢٨٥، برقم ١٤٠٣٧، والنسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، ٧/ ٦١، برقم ٣٩٤٠، من حديث أنس - ﵁ -.\n(٣) انظر: حاشية الروض المربع، ٢/ ١١.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>تاسعًا: فَهْمُ وتدبُّر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين </span>(١):\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>عاشرًا: فهم وتدبُّر أذكار سجود التلاوة:</span>\n١ - «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾» (٢).\nقوله: «للذي خلقه وشق سمعه وبصره» تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك.\nقوله: «بحوله» أي: بتحويله وصرفه الآفات عنها.\nقوله: «وقوَّته» أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما.\n٢ - «اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بها عِندَك أجرًا، وَضَعْ عَنّي بِها وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» (٣).\nقوله: «وِزْرًَا» أي: ذنبًا.\nقوله: «ذخرًا» أي: كنزًا، وقيل: أجرًا؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالمًا من محبط أو مبطل.\nقوله: «كما تقبَّلْتها من عبدك داود» حين ﴿خَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٤).\nوالصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج\n_________\n(١) وقد ذكرت جميع هذه المعاني بالشرح والتفصيل في: السبب السابع والأربعين: فهم وتدبّر معاني أقوال الصلاة، فليراجعه من شاء.\n(٢) الترمذي، ٢/ ٤٧٤، أبواب الوتر، باب ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٨٠، أحمد، ٦/ ٣٠، برقم ٢٥٨٢١، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٢٠، والزيادة له. [والآية رقم ١٤ من سورة المؤمنون].\n(٣) الترمذي، أبواب الوتر، باب ما يقول في سجود القرآن، ٢/ ٤٧٣، برقم ٥٧٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢١٩.\n(٤) سورة ص، الآية: ٢٤.","vol":"1","page":378},{"text":"فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، فُضّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدْهما فلا يقرأْهما» (١).\nوالصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئًا من القرآن حتى يتطهَّر (٢)؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄، مع شدة اتباعه للسنة «ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد» (٣)].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-820>الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>الثالث عشر: فهم وتدبُّر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>السبب الثامن والأربعون: التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة:</span>\nالمصلّي إذا حافظ على السنة في قراءة الاستفتاحات في الصلاة بأنواعها: فيقرأ هذا النوع تارة، والنوع الآخر تارة أخرى، والثالث تارة ثالثة،\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٤٠٢، والترمذي، أبواب الوتر، باب ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٧٨، وحسَّنه الألباني ﵀ في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٨، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣١٩.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٣/ ١٦٥ - ١٧٠، وتهذيب السنن لابن القيم، ١٤/ ٥٣ - ٥٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١١/ ٤٠٦ - ٤١٥، والشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ٤/ ١٢٦، وتمام المنة في التعليق على فقه السنة للألباني، ص ٢٧٠.\n(٣) البخاري بصيغة الجزم، في كتاب سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٦٤٥: «وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح».\n(٤) وقد ذكرت جميع هذه المعاني بالشرح والتفصيل في: السبب السابع والأربعين: فهم وتدبر معاني أقوال الصلاة، فليراجع.","vol":"1","page":379},{"text":"وقد سبق أن ذكرت منها في فهم وتدبر معاني الاستفتاح ثمانية أنواع، فإذا حافظ المسلم على هذه الأنواع منوّعًا لها في صلواته حصل على الخشوع، وعلى ثواب العمل بالسنة، وعلى حفظ هذه الاستفتاحات (١).\nوكذلك ينوّع في قراءته للقرآن في الصلاة، فيلتزم السنة فيما يقرأ في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء كما جاءت به السنة، وكذلك قراءة سورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة سبح والغاشية في صلاة الجمعة تارة، والجمعة والمنافقون تارة أخرى، والجمعة والغاشية تارة ثالثة، كما ثبتت السنة بذلك عن النبي - ﷺ - (٢).\nوكذلك تنويع أذكار الرفع من الركوع بعد قوله: «سمع الله لمن حمده»، فتارة يقول: «ربنا لك الحمد»، وتارة يقول: «ربنا ولك الحمد»، وتارة يقول: «اللهم ربنا لك الحمد»، وتارة يقول: «اللهم ربنا ولك الحمد» (٣).\nوكذلك تنويع الأذكار أدبار الصلوات كما جاءت بذلك سنة النبي - ﷺ -، فقد ذكرت في فهم وتدبر الأذكار بعد السلام من الصلاة أنواع التسبيح، وأنها قد جاءت على ستة أنواع، فيقول المسلم كل نوع في دبر صلاة من صلواته (٤).\nوكذلك ينوّع في قراءة التشهد، فإنه جاء في السنة على أنواع (٥).\nوأيضًا الصلاة على النبي - ﷺ - جاءت على أنواع (٦).\n_________\n(١) انظر: تخريج هذه الاستفتاحات في: المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة، ص ١٨٤.\n(٢) انظر: تخريج هذه القراءة في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة، ص ١٩٢.\n(٣) انظر: تخريج هذه الأذكار في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٤) انظر تخريج هذه الأذكار في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٥) انظر تخريج هذه الأذكار في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٦) انظر تخريج هذه الأذكار في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.","vol":"1","page":380},{"text":"فإذا فعل المسلم ذلك حصل له الخشوع في صلاته بتوفيق الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-825>السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة:</span>\nالدعاء مناجاةٌ لله تعالى، فإذا اجتهد العبد في الدعاء، والتذلُّل لله فيه، والإلحاح، والطلب منه تعالى؛ فإن هذا مما يزيد العبد محبة لربّه، وخشوعًا، وتذلُّلًا، ورغبة فيما عنده، ورهبة من عذابه، والدعاء في الحقيقة عبادة عظيمة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «الدعاء هو العبادة، قال ربّكم: «ادعوني أستجب لكم» (١)، وثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» (٢).\nوقد شرع الله تعالى الدعاء في الصلاة في مواضع ومواطن أثناء أداء المسلم للصلاة، ومن أعظم هذه المواضع:\nالدعاء في السجود، فينبغي أن يجتهد المسلم في الدعاء في السجود؛ لقول النبي - ﷺ -: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» (٣)، وقوله - ﷺ -: «... وأما الركوع فعظموا فيه الربّ [- ﷿ -]، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (٤) أن يستجاب لكم» (٥).\nفحرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء في السجود، وقد شرع النبي\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٨١، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة البقرة، برقم ٢٩٥٩، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، برقم ٣٨٢٨، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٣/ ١٥٠، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٤.\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب من لم يسأل الله يغضب عليه، برقم ٣٣٧٣، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب فضل الدعاء، برقم ٣٨٢٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٢٨٣، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ١٣٥٤.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال والركوع والسجود، برقم ٤٨٢.\n(٤) قمنٌ: حقيقٌ وجديرٌ أن يستجاب لكم.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، برقم ٤٧٩.","vol":"1","page":381},{"text":"- ﷺ - أدعية كثيرة للدعاء في السجود (١)،\nوأذكار الركوع، والدعاء بها (٢)،\nوأذكار الرفع من الركوع، وبعد الاعتدال منه (٣)،\nوأذكار الجلسة بين السجدتين (٤)،\nوالدعاء قبل السلام بعد التشهد الأخير (٥).\nفينبغي للمسلم أن يجتهد في ذلك، ويقتدي بالنبي - ﷺ - في ذلك، ويدعو الله وهو موقن بالإجابة، ويجمع بين الخوف من الله تعالى ورجائه، مع المحبة لله تعالى.\nقال العلامة ابن القيم ﵀: «القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائرُ يطير جيدًا، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقِدَ الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوّي في الصحة جناح الخوف، وعند الخروج من الدنيا يقوّي جناح الرجاء على جناح الخوف».\nوقال بعض السلف: «أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنّه وكرمه» (٦).\nقال الله - ﷿ -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ\n_________\n(١) انظر: أدعية كثيرة صحيحة في: الدعاء في السجود، في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٢) انظر: أدعية الركوع، في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٣) انظر: أدعية الرفع من الركوع، في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٤) انظر: أدعية الجلسة بين السجدتين، في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٥) انظر: الدعاء قبل السلام، في المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة.\n(٦) مدارج السالكين، لابن القيم، ١/ ٥١٧، وانظر: ١/ ٥٢٠، من المرجع نفسه.","vol":"1","page":382},{"text":"أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (١).\nفابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه: بالعبوديَّة، والمحبة، فقد ذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء (٢).\nومع ذلك ينبغي أن يكون المسلم قبل دعائه متطهّرًا من الذنوب بالتوبة، ويكون زاهدًا ورعًا: وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد والورع فقال: «الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله:</span>\nلا شك: أن إحسان الطهارة: من الوضوء، والغسل على الوجه الأكمل يعين على الخشوع في الصلاة، وقد حذَّر النبيُّ - ﷺ - من النقص في ذلك، وتَرْك استيعاب غسل الأعضاء في الوضوء، فعن أبي هريرة - ﵁ -، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: «ويل للأعقاب من النار»، ولفظ مسلم أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا لم يغسل عقبه، فقال: «ويل للأعقاب من النار»، وفي لفظ لمسلم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: «ويل للعراقيب من النار» (٤).\nوعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - صلَّى الصبح، فقرأ الروم فالْتَبَسَ عليه، فلما صلَّى قال: «ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسنون\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.\n(٢) مدارج السالكين، لابن القيم، ٢/ ٣٥.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، برقم ١٦٥، مسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكاملهما، برقم ٢٤٢، وقد جاء عند مسلم أيضًا بنحوه عن عائشة ﵂، برقم ٢٤٠، وعن عبد الله بن عمر ﵄، برقم ٢٤١، وفيه قصة في السفر.","vol":"1","page":383},{"text":"الطُّهورَ، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك» (١)، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي روح الكلاعي: «إنما يلبّسُ علينا الشيطان القراءة من أجل أقوامٍ يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء»، وفي لفظ: «صلى الصبح فقرأ فيها الروم، فأوهم ...»، وفي لفظ له: «... أنه صلى مع النبي - ﷺ - الصبح، فقرأ بالروم فتردَّد في آية، فلما انصرف قال: «إنه يلْبِسُ علينا القرآن: أن أقوامًا منكم معنا لا يُحسنون الوُضُوءَ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» (٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره في آخر سورة الروم، ثم قال: «وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه - ﷺ - تأثر بنقصان وضوء من ائتمَّ به، فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام» (٣).\nوقال الإمام ابن كثير ﵀ في موضع آخر: «فدلَّ هذا على أن إكمال الطهارة يُسهّلُ القيام في العبادة، ويُعين على إتمامها، وإكمالها، والقيام بمشروعاتها» (٤).\nوقال السندي رحمه الله تعالى عن الحديث المذكور: «وفيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر، والله تعالى أعلم» (٥).\nومما تقدم يتضح: أن النقص في الطهارة يؤثر على المُصلّي، ويتعدَّى تأثيره إلى الإمام إذا كان ذلك المُقصّر في الوضوء يصلّي في\n_________\n(١) النسائي، كتاب الافتتاح، باب القراءة في الصبح بالروم، برقم ٩٤٧، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣١٥.\n(٢) أحمد، ٢٥/ ٢٠٨، برقم ١٥٨٧٢، وبرقم ١٥٨٧٣، ورقم ١٥٨٧٤، و٣٨/ ١٦٩، برقم ٢٣٠٧٢، وبرقم ٢٣١٢٥، وحسنه محققو المسند، ٢٥/ ٢١١، وفي ٣٨/ ١٦٩، ٢٠٦.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ونقله عنه محققو المسند، ٢٥/ ٢١٠.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٢٨٩ عند تفسير الآية ١٠٨ من سورة التوبة.\n(٥) حاشية السندي على سنن النسائي، ٢/ ١٥٧.","vol":"1","page":384},{"text":"جماعة، والله المستعان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه:</span>\nأعظم الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة: أن يصلّي المسلم الصلاة الكاملة من كل وجهٍ، وذلك: بإكمال شروطها قبل الدخول فيها، والقيام بإكمال أركانها، وواجباتها، وخشوعها، وسننها، والابتعاد عن مبطلاتها، ومكروهاتها.\nوصفة الصلاة الكاملة من كل وجهٍ: أن يصلي المسلم كما كان النبي - ﷺ - يصلّي؛ لحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «... صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). فينبغي للمسلم أن يصلّي الصلاة بخشوع كما كان النبي - ﷺ - يصلي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة:</span>\nلا شك أن مما يُعين على تثبيت الخشوع في القلب المحافظة على الأذكار المشروعة أدبار الصلوات المفروضة، وفيها من الفوائد مع ما يحصل بسبب ذلك من تثبيت الخشوع في القلب: أن المُصلّي يستغفر ربه عمَّا حصل من التقصير في صلاته، وعما حصل من الخلل في الخشوع، ولا شك أن الأذكار بعد الصلاة مما يجبر النقص فيها، وقد شرع رسول الله - ﷺ - أذكارًا ودعواتٍ أدبار الصلوات المفروضة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها:</span>\nالمحافظة على أداء السنن الرواتب التي قبل الصلاة يوقظ القلب\n_________\n(١) انظر: الخشوع في الصلاة، لمحمد لطفي الصباغ، ص٥٧.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، برقم ٦٣١.\n(٣) وقد بينت صفة الصلاة الكاملة الخاشعة في هذا الكتاب في المبحث الثامن عشر فلتراجع.\n(٤) وقد ذكرت هذه الأذكار في هذا الكتاب في آخر المبحث الثامن عشر: صفة الصلاة، في البند رقم ٣١.","vol":"1","page":385},{"text":"السَّلِيم، ويهيئه للخشوع في الفريضة، والمحافظة على السنن الرواتب التي بعد الصلاة يجبر نقصها، ويجبر ما حصل من الخلل في خشوعها، وقد شرع رسول الله - ﷺ - هذه الرواتب (١).\n_________\n(١) وقد ذكرت السنن الرواتب بأدلتها في هذا الكتاب، في المبحث الثالث والعشرين: صلاة التطوع، ثامنًا، في القسم الأول من أقسام صلاة التطوع.","vol":"1","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>المبحث الثاني والعشرون: سجود السّهو</span>\nسجود السهو لما يُبْطِلُ عمدُهُ الصلاة واجب؛ لأمر النبي - ﷺ - به سواء كان فعلًا أو تركًا من جنس الصلاة (١).\nوقد كان سهو النبي - ﷺ - من تمام نعمة الله - ﷿ - على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به - ﷺ - فيما يشرعه لهم عند السهو؛ فإنه - ﷺ - كان ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة (٢)، فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه شرع لأمته في سجود السهو أحكامًا منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>أولًا: حُفِظَ عن النبي - ﷺ - في السهو أشياء منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>١ - سلم النبي - ﷺ - من اثنتين</span>، ثم أتمّ ما بقي وسجد بعد السلام؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة ذي اليدين، قال: صلى النبي - ﷺ - إحدى صلاتي العشي (٣) ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعانُ الناس فقالوا: أَقُصِرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي - ﷺ - ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر» قال: بلى، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر ثم سلم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>٢ - سلم - ﷺ - من ثلاث</span>، فأتم الركعة الباقية ثم سجد سجود السهو بعد\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٤٣٣،وفتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٢٦ - ٣٥، والشرح الممتع، ٣/ ٥٣١.\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ١٨٦.\n(٣) الظهر والعصر، وفي صحيح البخاري قول بعض الرواة: «وأكثر ظني أنها العصر»،برقم ١٢٢٩، وفي رواية لمسلم «صلاة العصر»، برقم ٥٧٣، وقد جمع بينهما بأنها تعددت القصة، سبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٥٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب السهو، باب يكبر في سجدتي السهو، برقم ١٢٢٩، ومسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة، برقم ٥٧٣.","vol":"1","page":387},{"text":"السلام؛ لحديث عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخِربَاقُ، وكان في يديه طولٌ فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سجد سجدتين ثم سلم. وفي رواية: «فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>٣ - قام - ﷺ - في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر </span>ولم يجلس للتشهد، حتى قضى صلاته، ثم سجد سجود السهو قبل السلام؛ لحديث عبد الله بن بحينة - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأُوليين لم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى صلاته، وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>٤ - صلَّى الظهر خمسًا فَنُبّهَ</span>، فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك»؟ قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>٥ - أما الشك فلم يعرض له - ﷺ </span>-، وقد أمر فيه بأمرين على حسب نوعيه:\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>أ - أمر - ﷺ - من رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم أو الظن الغالب </span>القوي بالبناء على غالب الظن، ثم السجود للسهو بعد السلام؛ لحديث\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة، برقم ٥٧٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من لم ير التشهد الأول واجبًا، برقم ٨٢٩، وكتاب السهو، باب ما جاء في السهو إذا قام من ركعتي الفريضة، برقم ١٢٢٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٠.\n(٣) متفق عليه: أصله في صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، برقم ٤٠١، ولفظه من كتاب السهو، باب: إذا صلى خمسًا، برقم ١٢٢٦، ٧٢٤٩، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٥٧٢.","vol":"1","page":388},{"text":"عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: صلى النبي - ﷺ -، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين». وفي رواية لمسلم: «فليتحرَّ أقربَ ذلك إلى الصواب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>ب - أمر - ﷺ - من شك ورجع إلى اليقين - وهو الأقل - بالبناء على اليقين</span>، وطرح الشك ثم السجود للسهو قبل السلام (٢)؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - يرفعه: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كمْ صلَّى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرحِ الشكَّ، وليبنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (٣).\nقال الإمام أحمد - ﵀ -: «يحفظ عن النبي - ﷺ - خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد» (٤). وقال الخطابي - ﵀ -: «والمعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة» (٥)، قال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: «يعني حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٠١، ومسلم، برقم ٥٧٢، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٢) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم٥٧١.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٢/ ٤٠٣.\n(٥) معالم السنن للخطابي، ١/ ٤٦٩.\n(٦) المغني، ٢/ ٤٠٣، والشرح الكبير، ٤/ ٥.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>ثانيًا: سجود السهو قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع:</span>\nثبت أن النبي - ﷺ - سجد للسهو قبل السلام في مواضع، وبعده في مواضع (١).فما سجد فيه النبي - ﷺ - قبل السلام أو أمر به، يُسجد فيه قبله، كسجود السهو لمن ترك التشهد الأول، وسجود السهو لمن شك وبنى على اليقين، وما سجد فيه النبي - ﷺ - بعد السلام أو أمر به، يُسجد فيه بعده: كسجود السهو لمن سلم قبل تمام الصلاة، أو ذُكّر بالزيادة في صلاته بعد السلام، أو شك وبنى على غالب ظنه، كما دلّت عليه الأحاديث في أوّل المبحث، والأمر في ذلك واسع، فيجوز السجود قبل السلام وبعده (٢) لكن الأفضل أن يكون السجود قبل السلام إلا في حالتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص أو ذُكّر بالزيادة بعد السلام</span>، اقتداء بالنبي - ﷺ - في ذلك؛ لحديث أبي هريرة (٣) وعمران بن حصين (٤) وعبد الله بن مسعود (٥) - ﵃ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>الحالة الثانية: إذا شك ولكنه بنى على غالب ظنه</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - (٦) واختار هذا الإمام ابن باز - ﵀ - (٧). والمسألة خلافية عند أهل العلم لكن هذا هو الأفضل (٨).\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٨٩.\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٢٩٠، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٦٩ - ٣٧١، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٣٦، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، جمع الطيار، كتاب الصلاة، ص١٨٤، وجمع الشويعر، ١١/ ٢٦٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٢٩، ومسلم، برقم ٥٧٣، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٥٧٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٠١، ومسلم، برقم ٥٧٢.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٠١، ومسلم، برقم ٥٧٢، وتقدم تخريجه.\n(٧) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للإمام ابن باز، ١١/ ٢٦٧.\n(٨) اختلف العلماء - ﵏ - في موضع سجود السهو على أقوال:\n١ - مذهب الإمام الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام.\n٢ - مذهب الإمام أبي حنيفة: كله بعد السلام.\n٣ - مذهب الإمام مالك: السجود للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله.\n٤ - مذهب الإمام أحمد: السجود قبل السلام إلا في موضعين: إذا سلم عن نقص، أو بنى على غالب ظنه فيكون بعد السلام. فهذا فيه استعمال كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام.\nانظر: المغني، لابن قدامة، ٢/ ٤١٥، وفتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ١٧ - ٢٦، وزاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٢٨٩، وسبل السلام، للصنعاني، ٢/ ٣٦٩ - ٣٧١، ونيل الأوطار، للشوكاني، وذكر تسعة أقوال، ٢/ ٣٢١ - ٣٢٤، واختار الإمام ابن تيمية: أن الأظهر: التفريق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحري، والشك مع البناء على اليقين، وقال: هذا رواية عن أحمد وقول مالك قريب منه. فإذا كان السجود لنقص أو شك وبنى على اليقين سجد قبل السلام، وإذا كان السجود لزيادة أو بنى على غالب ظنه سجد بعد السلام. انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٢٤، والاختيارات الفقهية له، ص٩٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٤٦٦.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>ثالثًا: التفصيل في أسباب السجود وأحكامها:</span>\nظهر من الأحاديث الواردة في سجود السهو أن أسباب السجود ثلاثة: الزيادة، والنقص، والشك بنوعيه (١)،وأحكام هذه الأسباب على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>السبب الأول: الزيادة، وهي نوعان:</span>\nالنوع الأول: زيادة الأفعال، وهي على ثلاثة أحوال:\nالحال الأولى: زيادة من جنس الصلاة، كزيادة قيام أو قعود، أو ركوع، أو ركعة، فهذه زيادة فعلية إن تعمدها المصلي بطلت صلاته، وإن كان سهوًا سجد له وصحت صلاته؛ وإن زاد ركعة سهوًا ولم يعلم حتى فرغ منها سجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة فإنه يجلس في الحال بغير تكبير، ثم يتشهد إن لم يكن تشهد ثم يسجد للسهو ويسلم.\nويجب على من علم بزيادة الإمام أو نقصه تنبيهه؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - يرفعه وفيه: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» (٢).وتنبيه الرجال بالتسبيح، والنساء بالتصفيق؛ لحديث سهل بن\n_________\n(١) انظر: المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٤/ ٦ والكافي،١/ ٣٦٥، والروض المربع، ٢/ ١٣٧، وإرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب للسعدي، ص٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٠١، ومسلم، برقم ٥٧٢، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":391},{"text":"سعد الساعدي - ﵁ - يرفعه وفيه: «إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفق النساء». وفي لفظ: «من نابه (١) شيء في صلاته فليسبِحْ، فإنه إذا سبح التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء» (٢). ويلزم الإمام الرجوع إلى تنبيههم إذا لم يجزم بصواب نفسه؛ لأنه رجوع إلى الصواب.\nالحال الثانية: زيادة من غير جنس الصلاة، كالمشي، والحك، والتّروُّح، والحركة، فهذه الحركات لا سجود لها، وهي ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: حركة مبطلة للصلاة، وهي الكثيرة عرفًا، المتوالية لغير ضرورة.\nالقسم الثاني: حركة مكروهة، وهي اليسيرة لغير حاجة.\nالقسم الثالث: حركة جائزة، وهي اليسيرة لحاجة؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - صلى وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - لأبي العاص إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها» (٣)، وثبت عن النبي - ﷺ - أنه فتح الباب لعائشة ﵂ وهو في الصلاة (٤).\nولا فرق بين العمد والسهو في الحركات؛ لأنها من غير جنس الصلاة، ولا يشرع لها سجود سهو.\nالحال الثالثة: الأكل والشرب، إن كان عمدًا أبطل الصلاة، وإن كان سهوًا لم يبطلها؛ لعموم حديث: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» (٥).\n_________\n(١) من نابه: أي أصابه شيء يحتاج فيه إلى إعلام غيره.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر، برقم ٦٨٤، ورقم ٧١٩٠،ومسلم، كتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، برقم ٤٢١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، برقم ٥١٦، ٥٩٩٦، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز حمل الصبيان في الصلاة وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى يتحقق نجاستها، وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة برقم ٥٤٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة، برقم ٩٢٢، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما يجوز من المشي والعمل في صلاة التطوع، والنسائي، كتاب السهو، باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة، وأحمد، ٦/ ١٨٣، ٢٣٤، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ١٧٣.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، برقم ٢٠٤٥، وابن حبان، ٩/ ١٧٤، والطبراني في الكبير،١١/ ١٣٤،برقم ١٢٧٤،والحاكم،٢/ ١٩٨،وحسّنه النووي في الأربعين.","vol":"1","page":392},{"text":"النوع الثاني: زيادة الأقوال: وهي على ثلاث حالات:\nالحال الأولى: زيادة من جنس الصلاة، كأن يأتي بقول مشروع في الصلاة في غير محله: كالقراءة في الركوع والسجود، والجلوس، وكالتشهد في القيام، فإن كان عمدًا فهو مكروه، ولا يجب السجود له، وإن كان سهوًا استحب السجود له؛ لعموم حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - يرفعه وفيه: «إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين» (١)، إلا إذا جاء بهذا الذكر مكان الذكر الواجب، ولم يقل الواجب: كالتسبيح في الركوع والسجود، فإنه يجب عليه أن يسجد لتركه الواجب إلا إذا جمع بينهما فلا يجب (٢)؛ بل يستحب لعموم الأدلة.\nالحال الثانية: أن يسلم قبل إتمام الصلاة، فإن كان عمدًا بطلت؛ لأنه تكلم فيها، وإن كان سهوًا، وطال الفصل أو نقض الوضوء بطلت صلاته وأعادها، أما إن ذكر قبل أن يطول الفصل أتم صلاته ثم سجد للسهو؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٣).\nالحال الثالثة: الكلام من غير جنس الصلاة، فإن كان عمدًا غير جاهل أبطل الصلاة إجماعًا؛ لحديث زيد بن أرقم - ﵁ - (٤) وإن كان سهوًا أو جهلًا فالصحيح أنه لا يبطلها، ولا سجود عليه؛ لأنه من غير جنس الصلاة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>السبب الثاني: النقص، وهو ثلاثة أنواع:</span>\nالنوع الأول: ترك ركنٍ: كركوع أو سجود، فإن كان عمدًا بطلت الصلاة،\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، برقم ٩٦ - (٥٧٢).\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام ابن باز، ١١/ ٢٧٠.\n(٣) البخاري، برقم ١٢٢٩، ومسلم، برقم ٥٧٣، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٥٣٩، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":393},{"text":"وإن كان سهوًا وكان تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته ولا يغني عنه سجود السهو شيئًا، أما إن كان ركنًا غير تكبيرة الإحرام فله ثلاثة أحوال:\nالحال الأولى: إن ذكره قبل أن يشرع في قراءة ركعة أخرى وجب عليه أن يرجع فيأتي بالركن الذي تركه وبما بعده (١).\nوقيل: إن ذكره قبل أن يصل إلى محله وجب عليه الرجوع فيأتي بالركن الذي تركه وبما بعده (٢).\nالحال الثانية: إن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى لغت الركعة التي ترك الركن فيها وقامت الركعة التي تليها مقامها (٣).\nوقيل: إن ذكره بعد أن وصل إلى محله من الركعة التي تليه فلا يرجع، وتقوم هذه الركعة مقام الركعة التي ترك فيها الركن (٤).\nالحال الثالثة: إن ذكره بعد السلام فكَتَرْكِهِ ركعة كاملة، فيأتي بركعة، ويسجد للسهو إلا أن يكون المتروك تشهدًا أخيرًا أو جلوسًا له أو سلامًا فيأتي به وعليه سجود السهو في هذه الصور كلها، إلا إن طال الفصل أو أحدث فيعيد الصلاة كاملة (٥).\nوقيل: إن ذكره بعد السلام أتى بالركن المتروك وما بعده، إلا إن طال\n_________\n(١) وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ١٦٢، في ١٧/ ١٠/١٤١٩هـ يقرر هذا القول.\n(٢) واختار هذا القول الثاني العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه: المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ص٤٧ - ٤٨، وكتابه: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص٤٩، وقال: «وهذا القول أقرب إلى الأصول والقواعد الشرعية»، وتبعه تلميذه العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٣/ ٤٥٩ - ٥٢٣.\n(٣) وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ١٦٩، في يوم الأحد ١٨/ ١٠/١٤١٩هـ يقول: «إن شرع في قراءة التي بعدها بطلت وقامت التي شرع في قراءتها مقامها».\n(٤) اختاره العلامة السعدي، في المختارات الجلية، ص٤٧،وفي إرشاد أولي البصائر والألباب، ص٤٩.\n(٥) وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز يقرر القول بإعادة ركعة كاملة لمن ذكر الركن المتروك بعد السلام، وذلك أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ١٦٣، يوم الأحد ١٧/ ١٠/١٤١٩هـ.","vol":"1","page":394},{"text":"الفصل، أو أحدث فيعيد الصلاة كاملة (١).\nالنوع الثاني: تركُ واجب من واجبات الصلاة، كالتكبير لغير الإحرام، أو تسبيح الركوع والسجود، وغير ذلك من الواجبات، فإن كان عمدًا بطلت الصلاة، وإن تركه سهوًا فعلى أحوال:\nالحال الأولى: إن ذكره قبل الوصول إلى الركن الذي يليه وجب عليه الرجوع ويأتي به.\nالحال الثانية: إن ذكره بعد أن وصل إلى الركن الذي يليه فلا يرجع وعليه سجود السهو. كالتشهد الأول فإنه إذا تركه لا يخلو من أربعة أمور:\nالأمر الأول: أن يذكره قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، وبعضهم قال: قبل أن تفارق ركبتاه الأرض، والمعنى متقارب، ففي هذه الحال يستقر وليس عليه سجود؛ لأنه لم يزد شيئًا في صلاته.\nالأمر الثاني: إذا نهض ولكن في أثناء النهوض ذكر قبل أن يستتم قائمًا فإنه يرجع، ويأتي بالتشهد وعليه سجود السهو.\nالأمر الثالث: إذا نهض واستتم قائمًا فقد وصل إلى الركن الذي يليه، فيكره له الرجوع فإن رجع لم تبطل صلاته وعليه سجود السهو.\nالأمر الرابع: إذا ذكر بعد الشروع في القراءة فلا يرجع فإن رجع عمدًا عالمًا حرم عليه ذلك وبطلت صلاته؛ لأنه تعمد المفسد وهو زيادته فعلًا من جنسها.\nالنوع الثالث: ترك مسنون، فإذا ترك مسنونًا لم تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا، ولا سجود عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>السبب الثالث: الشك، فإذا كان بعد السلام فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن النقص أو الزيادة</span>، وإذا كان الشك وهمًا بحيث طرأ على الذهن ولم يستقر فلا يلتفت إليه، وإذا كثرت الشكوك لا يلتفت إليها، وإن لم يكن\n_________\n(١) واختار هذا القول الثاني العلامة السعدي في كتابه: إرشاد أولي البصائر، ص ٤٩، وتلميذه العلامة ابن عثيمين، في الشرح الممتع، ٣/ ٤٥٩ - ٥٢٣.","vol":"1","page":395},{"text":"الشك كذلك، فالشك إما أن يكون في زيادة ركن أو واجب في غير المحل الذي هو فيه فلا يلتفت له، وأما الشك في الزيادة وقت فعلها فيسجد له، وأما الشك في نقص الأركان فكتركها فيأتي بالركن على التفصيل الذي سبق في إكمال الأركان، إلا إذا غلب على ظنه أنه فعله فلا يرجع، ولكن عليه سجود السهو، والشك في ترك الواجب بعد أن فارق محله لا يوجب سجود السهو (١)، وإذا حصل له شك بنى على اليقين وهو الأقل، إلا إذا كان عنده غلبة ظن فإنه يتحرى ويبني على غالب ظنه، فيأخذ به (٢).\nولا سجود على مأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة، إلا تبعًا لإمامه؛ فإن قام المأموم المسبوق لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه، فسجد إمامه للسهو، بعد السلام فحكمه حكم القائم عن التشهد الأول: إن سجد إمامه قبل انتصابه قائمًا لزمه الرجوع، وإن انتصب قائمًا ولم يشرع في القراءة لم يرجع وإن رجع جاز، وإن شرع في القراءة لم يكن له الرجوع، ويسجد للسهو بعد قضاء ما عليه (٣) بعد السلام (٤).\n_________\n(١) وقيل: الشك في ترك الواجب كتركه وعليه سجود السهو إلا إذا غلب على ظنه أنه جاء به فلا سجود عليه. واختار هذا القول العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢.\n(٢) انظر: التفصيل في أسباب السجود وأحكامها: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقة بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، ص٤٧ - ٥١، وقد أجاد وأفاد، والكافي لابن قدامة، ١/ ٣٦٥ - ٣٨٧، والشرح الممتع على زاد المستقنع، لابن عثيمين، ٣/ ٤٥٩ - ٥٤٠، ويخص ص٥٠٩، ٥١٠، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥٢٣. والمغني، لابن قدامة، ٢/ ٤٠٣ - ٤٦٤، ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز، ١١/ ٢٤٩ - ٢٨١.\n(٣) سمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء شرحه للروض المربع، ٢/ ١٧١، في ٢٨/ ١٠/١٤١٩هـ يقرر ذلك.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٤٤١،والروض المربع،٢/ ١٧٠،والشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٥٢٦.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>المبحث الثالث والعشرون: صلاة التطوع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>أولًا: مفهوم التطوع: التطوع: النافلة وكل متنفّل خير: متطوع </span>(١).\nقال الله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ (٢).\nوالتطوع: ما تبرع به المسلم من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-848>ثانيًا: فضل التطوع:</span>\nصلاة التطوع لها فضائل كثيرة عظيمة، منها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>١ - تُكمّلُ الفرائضَ وتجبر نقصها</span>؛ لحديث تميم الداري - ﵁ - مرفوعًا: «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كُتبت له تامة، وإن لم يكن أتمَّها قال الله - ﷿ - لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوُّع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>٢ - التطوع تُرفع به الدرجات وتُحطُّ الخطايا</span>؛ لحديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال له: «عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>٣ - كثرة النوافل من أعظم أسباب دخول الجنة بمرافقة النبي - ﷺ </span>-؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي - ﵁ - قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ -، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل»، فقلت: أسألك مرافقتك في\n_________\n(١) القاموس المحيط، للفيروزآبادي، باب العين، فصل الطاء، ص٩٦٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية:١٨٤.\n(٣) لسان العرب، لابن منظور، باب العين، فصل الطاء، ٨/ ٢٤٣.\n(٤) أبو داود، برقم ٨٦٤، ومن حديث أبي هريرة، برقم ٨٦٦، وابن ماجه من حديث أبي هريرة، برقم١٤٢٥، وأحمد، ٤/ ٦٥، ١٠٣، و٥/ ٣٧٧، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٣٥٣، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم٤٨٨، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":397},{"text":"الجنة، قال «أوَ غيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>٤ - صلاة التطوع أفضل أعمال نوافل البدن بعد الجهاد، والعلم: تعلُّمه، وتعليمه </span>(٢)؛لحديث ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>٥ - صلاة التطوع في البيوت تجلب البركة</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته؛ فإن الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيرًا» (٤)؛ ولحديث زيد بن ثابت - ﵁ - يرفعه، وفيه: «فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاةُ المرءِ في بيته إلا المكتوبة» (٥). ولفظ مسلم: «فعليكم بالصلاة في\n_________\n(١) مسلم، برقم٤٨٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) قيل: أفضل ما يتطوع به: العلم وهو تفضيل الإمام مالك وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. وقيل: الجهاد، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد. وقيل: الصلاة، وهو تفضيل الإمام الشافعي رحمهم الله تعالى.\nوالصحيح أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فقد يكون كل واحد أفضل في حال حسب المصلحة والحاجة، ولا شك أن العلم نوع من أنواع الجهاد؛ لأن مبنى الشرع كله على العلم، والجهاد مبناه على العلم؛ ولهذا قال الإمام أحمد: «طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته». قيل له بأي شيء تصح النية؟ قال: «ينوي يتواضع فيه ينفي عنه الجهل»، والمراد نفل العلم لا فرضه، فلابد أن يكون قصده بتعلم العلم وتعليمه: وجه الله والدار الآخرة، وينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، وينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة، ويعمل بالعلم. انظر الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ١٠٠ - ١٠١، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٩٦، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ١٧٩ - ١٨٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٦ - ٧، وكتاب العلم له، ص٢٥ - ٣٢، ومعالم في طريق طلب العلم، للسدحان، ص١٣ - ١٥.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب المحافظة على الوضوء، برقم٢٧٧، وأخرجه الدارمي، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، ١/ ١٦٨، والإمام أحمد في المسند، ٥/ ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢، وله شواهد عند ابن ماجه وغيره من حديث عبد الله بن عمر ﵄، برقم٢٧٨، ومن حديث أبي أمامة - ﵁ - برقم٢٧٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٥ - ١٣٨.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم٧٧٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل، برقم٧٣١،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، برقم٧٨١.","vol":"1","page":398},{"text":"بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٢). قال الإمام النووي ﵀: «وإنما حثَّ على النافلة في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات؛ وليتبرَّك البيتُ بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>٦ - التطوّعُ يجلبُ محبة الله لعبده</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى قال: من عادَى لي وليًَّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» (٤).\nظاهره أن محبة الله للعبد تقع بملازمة العبد للفرائض؛ ودوامه والتزامه التقرب بالنوافل بعد الفرائض من صلاة، وصيام، وزكاةٍ، وحج، وغير ذلك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>٧ - كمال التطوع يزيد في شكر العبد لله - ﷿ </span>-؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: «أفلا\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٨١، وتقدم في الذي قبله.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر، برقم ٤٣٢، ١١٨٧،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم٧٧٧.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣١٤، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ٥٢٩.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، برقم٦٥٠٢.\n(٥) انظر: فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، للحافظ ابن حجر، ١١/ ٣٤٣.","vol":"1","page":399},{"text":"أكون عبدًا شكورًا» (١). وعن المغيرة - ﵁ - قال: قام النبي - ﷺ - حتى تورَّمت قدماه فقيل له: غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>ثالثًا: جواز صلاة التطوع جالسًا:</span>\nتصح صلاة التطوع جالسًا مع القدرة على القيام، قال الإمام النووي - ﵀ -: «وهو إجماع العلماء» (٣).\nكما يصح أداء بعض التطوع من قيام وبعضه من قعود (٤)، وأما صلاة الفريضة فالقيام فيها ركن، من تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة (٥).\nوقد ثبتت الأحاديث بذلك، ففي حديث عائشة ﵂ في صلاة النبي - ﷺ - بالليل، قالت: «... كان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد ...» (٦).\nوعنها ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إذا كَبِر قرأ جالسًا حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع» (٧).\nوعن حفصة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى في\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٨٣٧، ومسلم، برقم٢٨٢٠، ويأتي تخريجه في قيام الليل.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٨٣٦، ومسلم، برقم ٢٨١٩، ويأتي تخريجه في قيام الليل.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٥٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٦٧.\n(٤) انظر: شرح النووي، ٦/ ٢٥٦.\n(٥) شرح النووي، ٦/ ٢٥٨.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا، وقاعدًا، وفعل بعض الركعات قائمًا وبعضها قاعدًا، برقم ٧٣٠.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب إذا صلى قاعدًا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي، برقم١١١٨، ١١١٩، وكتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان، برقم١١٤٨.","vol":"1","page":400},{"text":"سبحته قاعدًا حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعدًا، وكان يقرأ بالسورة فيرتّلها حتى تكون أطول من أطول منها» (١).\nوصلاة المسلم قائمًا أفضل عند القدرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة» (٢)؛ولحديث عمران بن حصين ﵄ قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: «إن صلَّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم ...» (٣).\n\nويستحب لمن صلَّى قاعدًا أن يكون مُتربّعًا في حال مكان القيام؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «رأيت النبي - ﷺ - يصلي متربّعًا» (٤). قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: <span data-type=\"title\" id=toc-857>«كانت صلاته [- ﷺ -] بالليل ثلاثة أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>أحدها: وهو أكثرها: صلاته قائمًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>الثاني: أنه كان يصلي قاعدًا ويركع قاعدًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>الثالث: أنه كان يقرأ قاعدًا، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائمًا</span>. والأنواع الثلاثة صحَّت عنه [- ﷺ -] (٥).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، برقم٧٣٣.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا، برقم٧٣٥.\n(٣) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة القاعد، برقم١١١٥ وتمامه: «ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد»، والنائم «المضطجع»، ورجح الخطابي أن المتطوع لا يصلي مضطجعًا، وإنما هذا للمريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة فجعل القاعد على النصف من أجر القائم، ترغيبًا في القيام مع جواز قعوده ... وقال في صلاة المتطوع القادر مضطجعًا: «إنه لا يحفظ عن أحد من أهل العلم إنه رخص في ذلك». نقلًا بتصرف عن فتح الباري لابن حجر،\n٢/ ٥٨٥، وسمعت سماحة الإمام ابن باز - ﵀ - يعلق على هذا الكلام فيقول: «وهذا هو أقرب ما قيل، أما الذي لا قدرة له في الفرض على القيام ولا القعود فله أجره كاملًا، أما المتنفل فلا يصلي مضطجعًا لغير عذر».\n(٤) أخرجه النسائي، كتاب قيام الليل، باب كيف صلاة القاعد، برقم ١٦٦١، والحاكم ووافقه الذهبي، ١/ ٢٥٨، ٢٧٥، وابن خزيمة، برقم ١٢٣٨،وصححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ٣٦٥.\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٣٣١.","vol":"1","page":401},{"text":"يقول: «كانت صلاة النبي ﵊ بالليل على أنواع أربعة كما هو مجموع روايات عائشة ﵂:\n١ - يصلي قائمًا ويركع قائمًا.\n٢ - يصلي وهو قاعد ثم إذا لم يبقَ من القراءة إلا نحو من ثلاثين آية أو أربعين قام فقرأ بها ثم ركع.\n٣ - يصلي وهو قاعد ثم إذا ختم قراءته قام فركع.\n٤ - يصلي وهو جالس، ويركع وهو جالس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>رابعًا: جواز التطوع على المركوب في السفر الطويل والقصير:</span>\nيصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلا بد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجَّهت به، يومئ [برأسه] إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته».\nوفي لفظ: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» (٢)، ولحديث عامر بن ربيعة - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجَّهت به». وفي لفظ: «ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في المكتوبة». وفي لفظ: «أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به» (٣)؛ولحديث جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي على\nراحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» (٤).وفي\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الحديث رقم١١١٨، ١١١٩من صحيح البخاري.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، برقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ورقم ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم٧٠٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم١٠٩٣، ١١٠٤، ومسلم، برقم٧٠١، وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، برقم٤٠٠، ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":402},{"text":"لفظ: «كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة».وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس - ﵁ - (١).\nويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجَّهَهُ ركابه» (٢)،فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملًا بالأحاديث الصحيحة كما رجحه الإمام عبد العزيز ابن باز -﵀- (٣).\nوذكر الإمام النووي - ﵀ - «أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ...» (٤).\nوأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور (٥)؛لقول الله تعالى: ﴿وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦)، وقد رجح الإمام ابن جرير﵀أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٧). وقد ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن الإمام الطبري - ﵀ - أنه احتج للجمهور: أن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفرٍ آخر، ولم يجد ماءً، أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (٨).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة، برقم٧٠٢.\n(٢) أبو داود، برقم١٢٢٥،وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨،وتقدم تخريجه.\n(٣) سمعته يرجح ذلك أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٦.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٥، وشرح النووي، ٥،٢١٧، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٩٦.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١١٥.\n(٧) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن،٣/ ٥٣٠،و٥٣٣،وانظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٩٥ - ٩٦.\n(٨) فتح الباري بشرح صحيح البخاري،٢/ ٥٧٥،وقد ذكر صاحب المغني أن الأحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاثة: التيمم، وأكل الميتة في المخمصة، والتطوع على الراحلة، وبقية الرخص تختص بالسفر الطويل. المغني لابن قدامة،٢/ ٩٦.","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>خامسًا: أخلص مواضع صلاة التطوع:</span>\nصلاة التطوع تصلى في المسجد، وفي البيت، وفي كل مكان طاهر: كالصحراء وغيرها، ولكن صلاتها في البيت أفضل إلا ما شرعت له الجماعة كصلاة التراويح ففعلها في المسجد أفضل.\nأما صلاة التطوع التي لم تشرع لها الجماعة فقد ثبتت الأحاديث التي تبين أن فعلها في البيت أفضل، منها حديث زيد بن ثابت - ﵁ - وفيه: «فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١).وحديث جابر (٢)، وابن عمر (٣) - ﵃ - كلها تدل على أن أفضل الصلاة في البيت إلا المكتوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>سادسًا: أحب التطوع إلى الله ما دُووِمَ عليه:</span>\nأحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فقال: «من هذه؟» قلت: فلانة، لا تنام الليل، تذكر من صلاتها، فقال: «مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال؛ فإن الله لا يملّ حتى تملُّوا».\n[وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه] (٤)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: دخل النبي - ﷺ - المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: «ما\nهذا الحبل؟» قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فَتَرتْ أمسكت به،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣١، ومسلم، ٧٨١، وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه مسلم، برقم ٧٧٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٣٢، ومسلم، برقم ٧٧٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، ١١٥١، ورقم ٤٣ من كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، برقم ٧٨٥.","vol":"1","page":404},{"text":"فقال: «لا، حُلّوه، ليُصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقْعُدْ» (١). وقال مسروق: سألت عائشة ﵂: أي العمل كان أحبّ إلى رسول الله - ﷺ -؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ ترفعه، وفيه: «خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا». وأحبُّ الصلاة إلى النبي - ﷺ - ما دُووِمَ عليه وإن قلَّت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الدين يسر، ولن يشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدّدوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة، وشيء من الدّلجة». وفي رواية: «لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا إلا أن يتغمَّدنيَ الله بفضلٍ ورحمة، فسدّدوا وقاربوا، ولا يتمنَّى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتِب». وفي رواية: «سدّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيئًا من الدّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا» (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ وفيه: «... وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ». وفي رواية: «سدّدوا وقاربوا، وأبشروا؛ فإنه لا يُدخِلُ أحدًا الجنةَ عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، برقم ١١٥٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره والأمر بالاقتصاد في العبادة، برقم ٧٨٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، برقم ١١٣٢، وكتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم ٦٤٦١، ٦٤٦٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ -، برقم ٧٤١، والصارخ: الديك.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم شعبان، برقم ١٩٧٠،وفي كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل برقم ٦٤٦٥،ومسلم، كتاب الصيام، باب صيام النبي - ﷺ -،برقم ٧٨٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، برقم ٣٩، وكتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٣، وكتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم ٦٤٦٣، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، برقم ٢٨١٦.","vol":"1","page":405},{"text":"ورحمة» (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ أنها سُئِلت كيف كان عمل النبي - ﷺ -؟ قالت: «كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي - ﷺ - يستطيع» (٢).\nوفي هذه الأحاديث الحثُّ على المداومة على العمل وإن قلّ، والاقتصاد في العبادة، واجتناب التعمق والتشدد، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ (٣).\nوقوله - ﷺ -: «فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا» هذا الملل لا يشابه ملل المخلوقين، وليس فيه نقص ولا عيب، بل كما يليق بالله - ﷿ -، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز﵀- يقول: «هذا مثل بقية الصفات، ومن مقتضاه أنه لا يقطع الثواب حتى تقطعوا العمل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>سابعًا: جواز صلاة التطوع جماعة أحيانًا:</span>\nلا بأس أن يصلي المسلم صلاة التطوع جماعة أحيانًا؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «صليت مع رسول الله - ﷺ - ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه» (٥)؛ ولحديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: «صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مسترسلًا، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ\nتعوَّذ ...» (٦). وعن عوف بن مالك - ﵁ - قال: «قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم ٦٤٦٤، ٦٤٦٧، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، برقم ٢٨١٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، برقم ٦٤٦٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم، برقم ٧٨٣.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣١٦.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٩٧٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٣٥، ومسلم، برقم ٧٧٣، ويأتي تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٧٧٢، ويأتي تخريجه.","vol":"1","page":406},{"text":"إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة» ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة» (١).\nوحديث ابن عباس ﵄ في وصف صلاة رسول الله - ﷺ - وفيه: «أن النبي - ﷺ - قام من الليل قال فقمت إلى جنبه ...» (٢).\nوحديث أنس بن مالك - ﵁ - أن جدته مليكة دعت رسول الله - ﷺ - لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال: «قوموا فأصلي لكم»، قال أنس بن مالك: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ فنضحته بماء فقام عليه رسول الله - ﷺ -، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين ثم انصرف» (٣).\nوفي حديث أنس الآخر أن النبي - ﷺ - دخل عليهم هو وأمه، وأم حرام خالة أنس، فقال النبي - ﷺ -: «قوموا فلأصلي بكم» في غير وقت صلاة، فصلَّى بهم، وجعل أنس عن يمينه، وأقام المرأة خلفهم (٤).\nوعن عِتبان بن مالك - ﵁ - أنه كان يصلي بقومه فحال بينه وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار شقَّ عليه اجتيازُه، وقد أنكر بصره، فسأل النبي - ﷺ - أن يأتي إليه ويصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى، فجاء النبي - ﷺ - وأبو بكر معه، فلم يجلس حتى قال: «أين تحبُّ أن أصلّيَ من بيتك؟» فأشار إليه إلى المكان الذي يحب، قال: فقام رسول الله - ﷺ - فكبَّرَ وصفَفْنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلَّم، وسلَّمنا حين سلَّم ... وفي آخر الحديث: «... فإن الله قد\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٨٧٣، والنسائي، برقم ١٠٤٩، ويأتي تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٢، ومسلم، برقم ٨٢ - (٧٦٣)، ويأتي تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير، برقم ٣٨٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز صلاة الجماعة في النافلة، برقم ٦٥٨.\n(٤) متفق عليه، ولفظه لمسلم: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير، برقم ٣٨٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة، برقم ٦٦٠.","vol":"1","page":407},{"text":"حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١).\nوفي هذه الأحاديث جواز النافلة جماعة في غير التراويح في رمضان، ولكن لا يتخذ ذلك سنة دائمة وإنما في بعض الأحيان؛ لأن النبي - ﷺ - كان أكثر تطوعه منفردًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>ثامنًا: أقسام صلاة التطوع:</span>\nصلاة التطوع أقسام، منها السنن الرواتب الدائمة، والوتر، وصلاة الضحى، ومنها ما تُسن له الجماعة، ومنها التطوع المطلق، والتطوع المقيَّد، ومنها ما هو مقيَّد بسبب، ومنها غير ذلك، وكلها يطلق عليها صلاة التطوع (٣).\nوأقسام التطوع على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>القسم الأول: السنن الدائمة المستمرة وهي أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>النوع الأول: السنن الرواتب </span>(٤) مع الفرائض، وهي على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>١ - الرواتب المؤكدة مع الفرائض: </span>اثنتا عشرة ركعة؛ لحديث أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنيَ له بيتٌ في الجنة». وفي لفظ: «ما من عبدٍ مسلمٍ يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير فريضة إلا بنى الله له\nبيتًا في الجنة، أو بُني له بيتٌ في الجنة» (٥). وجاء تفسيرها في سنن الترمذي من حديث أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب صلاة النوافل جماعة، برقم ١١٨٦، ومسلم، كتاب المساجد، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة لعذر، برقم ٣٣.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٨، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٧٥، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٥٦٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٨٣.\n(٣) انظر: الشرح الممتع على زاد المستنقع، للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٦.\n(٤) الراتبة: أي الدائمة المستمرة، انظر: الشرح الممتع، ٤/ ٩٣.\n(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الرواتب قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن، برقم ٧٢٨.","vol":"1","page":408},{"text":"في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُني له بيتٌ في الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» (١). ومن حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من ثابر (٢) على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتًا في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر» (٣). وحديث عائشة الآخر: «كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة» (٤). وثبت من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «حفظت من رسول الله - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح»، وفي رواية: «وركعتين بعد الجمعة في بيته» (٥).\nفالرواتب اثنتي عشرة ركعة، كما قالت أم حبيبة وعائشة ﵄، أو عشر ركعات كما قال ابن عمر ﵄، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يذكر أن من أخذ بحديث ابن عمر قال: الرواتب عشر، ومن أخذ بحديث عائشة قال: اثنتي عشرة، ويؤيد حديث عائشة ما رواه الترمذي في تفسيرها، ويدل عليه حديث أم حبيبة في فضل هذه الرواتب، ويحتمل أن رسول الله - ﷺ - كان تارة يصلي اثنتي عشرة ركعة كما في حديث\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة من السنة وما له فيه من الفضل، برقم ٤١٥،قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في سنن الترمذي،١/ ١٣١.\n(٢) من ثابر: يقال ثابر على الشيء إذا حرص على فعله، جامع الأصول لابن الأثير،٦/ ٥.\n(٣) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة من السنة وما له فيه من الفضل، برقم ٤١٤،وابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في اثنتي عشرة ركعة من السنة، برقم ١١٤٠،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ١٣١،وفي صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٨٨.\n(٤) البخاري، كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر، برقم ١٨٢.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر، برقم ١١٨، ورقم ٩٣٧، ورقم ١١٦٥ و١١٧٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الرواتب، برقم ٧٢٩.","vol":"1","page":409},{"text":"أم حبيبة وعائشة، وتارة يصلي عشرًا كما في حديث ابن عمر، فإذا نَشِط المسلم صلى اثنتي عشرة، وإذا كان هناك شاغل صلى عشرًا، وكلها رواتب، والكمال والتمام أن يصلي كما في حديث عائشة وأم حبيبة ﵄ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>٢ - السنن تفصيلًا: المؤكدة وغير المؤكدة مع الفرائض: </span>اثنتان وعشرون ركعة، وهي على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>أ- أربع ركعات قبل الظهر</span>، وأربع بعدها؛ لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من حافظ على أربعِ ركعات قبل الظهر، وأربعٍ بعدها حرَّمه الله على النار» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>ب- أربع ركعات قبل العصر</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا» (٣). وجاء عن\nعلي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يصلي قبل العصر ركعتين» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>ج- ركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - وفيه: «وكنا نصلي\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٧٤.\n(٢) أحمد في المسند، ٦/ ٣٢٦، وأبو داود، كتاب التطوع، باب الأربع قبل الظهر وبعدها، برقم ١٢٦٩، والترمذي، كتاب الصلاة، باب منه، برقم ٤٢٧، وحسنه، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد، برقم ١٨١٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ما جاء فيمن صلى قبل الظهر أربعًا وبعدها أربعًا، برقم ١١٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩١، وسمعت الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٨١: «هذا الحديث إسناده جيد، والذي حافظ عليه النبي - ﷺ - هو ما في حديث ابن عمر وعائشة - ﵃ -»، قلت: وقد رأيته يصلي أربعًا قبل الظهر وأربعًا بعدها جالسًا في آخر حياته ﵀.\n(٣) أحمد في المسند ٢/ ١١٧، وأبو داود، كتاب التطوع، باب الصلاة قبل العصر، برقم ١٢٧١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأربع قبل العصر، برقم ٤٣٠، وحسنه، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، برقم ١١٩٣، وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٣٧، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٨٢، يقول: «جيد لا بأس بإسناده، وهو يدل على مشروعية صلاة أربع [ركعات] قبل العصر، وذلك سنة، وليست من الرواتب؛ لأن النبي - ﷺ - لم يواظب عليها، وجاء عنه - ﷺ - من حديث علي - ﵁ - أنه كان يصلي ركعتين قبل العصر، وهذا يدل على أنه يستحب للمؤمن أن يصلي قبل العصر ركعتين أو أربعًا».\n(٤) أبو داود، كتاب صلاة التطوع، باب الصلاة قبل العصر، برقم ١٢٧٢،وقال العلامة الألباني، صحيح سنن أبي داود،١/ ٢٣٧: «حسن لكن بلفظ أربع ركعات».","vol":"1","page":410},{"text":"على عهد رسول الله - ﷺ - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب» (١). وقال - ﵁ -: «كنا في المدينة فإذا أذَّن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين، ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما» (٢)؛ولحديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «صلوا قبل صلاة المغرب»،قال في الثالثة: «لمن شاء» (٣).\nوفي رواية: أن النبي - ﷺ - «صلى قبل المغرب ركعتين» (٤).\nوعن عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، قال في الثالثة: «لمن شاء» (٥).\nوهذه الأحاديث تدلّ على أن الركعتين قبل المغرب سنة قولية، وفعلية، وتقريرية.\nوأما الركعتان بعد المغرب فهي سنة مؤكدة كما تقدم من حديث عائشة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمر - ﵃ -.\nوالسنة أن يقرأ في الركعتين بعد المغرب بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾،\nو﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: «ما أُحصي ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾،و﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>د- ركعتان قبل صلاة العشاء، وركعتان بعدها</span>؛ لحديث عبد الله بن\n_________\n(١) مسلم، برقم ٨٣٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٢٥، ومسلم، برقم ٨٣٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ١١٨٣، ورقم ٧٣٦٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) صحيح ابن حبان [الإحسان]، ٣/ ٤٥٧ برقم ١٥٨٨، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم».\n(٥) البخاري، برقم ٦٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب والقراءة فيهما، برقم ٤٣١،وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب، برقم ١١٦٦،قال الألباني في صحيح سنن الترمذي: «حسن صحيح»،١/ ١٣٥.","vol":"1","page":411},{"text":"مغفل - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة»، ثم قال في الثالثة: «لمن شاء» (١).\nوأما الركعتان بعد العشاء، فهي سنة راتبة مؤكدة كما تقدم من حديث عبد الله بن عمر، وعائشة، وأم حبيبة - ﵃ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>هـ- ركعتان قبل الفجر، وسنة الفجر آكد السنن الرواتب؛ لأمور تسعة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>الأمر الأول: شدة تعاهد النبي - ﷺ - لها يدلُّ على عظمها</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «لم يكن النبي - ﷺ - على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهدًا على ركعتي الفجر» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>الأمر الثاني: بيَّن النبي - ﷺ - فضلها</span>، فعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>الأمر الثالث: السنة تخفيفهما</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: «هل قرأ بأمّ الكتاب؟» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>الأمر الرابع: وقتها بين الأذان والإقامة</span>؛ لحديث حفصة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح\nوبدا الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة (٥)؛ولحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء\n_________\n(١) البخاري، برقم ٦٢٤، ٦٢٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، تاب التهجد، باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعًا برقم ١١٦٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر، برقم ٧٢٤.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، برقم ٧٢٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، برقم ١١٧١، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر، برقم ٧٢٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر، برقم ٦١٨، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر والحث عليهما، برقم ٧٢٣.","vol":"1","page":412},{"text":"والإقامة من صلاة الصبح (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>الأمر الخامس: لا يُصلّى بعدها إلا فريضة الفجر</span>؛ لحديث حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين (٢).\nالأمر السادس: يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾،و﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، و﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٣)،أو يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البقرة (٤). وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥). وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>الأمر السابع: الاضطجاع بعدهما</span>؛ لحديث عائشة ﵂ «أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع على شقه الأيمن» (٧). وفي لفظِ مسلمٍ: «... فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر، برقم ٦١٩،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما، برقم٧٢٤.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما، برقم ٧٢٣.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما، برقم ٧٢٦.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٣٦.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ٥٢.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ٦٤، والحديث أخرجه مسلم، في كتاب المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر، برقم ٧٢٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر، برقم ١١٦٠، واللفظ له، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعددها، برقم ٧٣٦.","vol":"1","page":413},{"text":"يأتيه المؤذن للإقامة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>الأمر الثامن: لا تُتْرَكُ في الحضر ولا في السفر</span>؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «ولم يكن يدعهما أبدًا» (٢)، وهذا يدل على أنه كان - ﷺ - يداوم على ركعتي سنة الفجر في الحضر والسفر (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>الأمر التاسع: قضاء سنة الفجر</span>، من فاتته راتبة الفجر صلاها بعدها أو بعدما ترتفع الشمس؛ لحديث قيس بن عمرو - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ -، فأقيمت الصلاة فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي - ﷺ - فوجدني أصلي، فقال: «مهلًا يا قيس أصلاتان معًا؟»، قلت: يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: «فلا إذن» (٤)، ولحديث قيس الآخر - ﵁ - قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الصبح ركعتان»،فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ - (٥).ولفظ ابن ماجه: «أصلاة الصبح مرتين؟» الحديث (٦).\nأو يصليها بعد ارتفاع الشمس؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس» (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعددها، برقم ٧٣٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب التهجد، باب المداومة على ركعتي الفجر، برقم ١١٥٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما، برقم ٧٢٤.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٩٦، و٢/ ٥٤٠، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣١٥، وفتح الباري لابن حجر، ٣/ ٤٣، ومجموع فتاوى ومقالات الإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٩٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر، برقم ٤٢٢، وصححه الألباني في سنن الترمذي، ١/ ١٣٣.\n(٥) أبو داود، كتاب التطوع، باب من فاتته متى يقضيهما، برقم ١٢٦٧، واللفظ له، وأخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن فاتته الركعتان قبل صلاة الفجر متى يقضيهما، برقم ١١٥٤،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١٣٦،وصحيح ابن ماجه،١/ ١٩٠.\n(٦) ابن ماجه، برقم ١١٥٤، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٧) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس، برقم ٤٢٣،وابن حبان في صحيحه، برقم ٤٢٧٢، والحاكم وصححه، ١/ ٢٧٤، والدارقطني، ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣، والبيهقي،\n٢/ ٤٨٢،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ١٣٣،وانظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٥٣١.","vol":"1","page":414},{"text":"وقد ثبت أن النبي - ﷺ - قضى راتبة الفجر مع الفريضة لما نام عن الفجر في السفر، فصلى الراتبة قبل الفريضة، ثم صلى الفريضة، وذلك بعد ارتفاع الشمس (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعدما طلعت الشمس (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-884>ز- السنة الراتبة بعد الجمعة أربع ركعات</span>، أما قبل صلاة الجمعة فيصلي المسلم صلاة مطلقة، وليس لها قبلها سنة راتبة مقدرة، بل يشتغل بالتطوع المطلق والذكر حتى يخرج الإمام (٣).\nأما راتبة الجمعة بعدها؛ فلحديث ابن عمر ﵄ أنه حفظ من رسول الله - ﷺ - السنن الرواتب وفيه: «وركعتين بعد الجمعة في بيته» (٤)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا صلى أحدُكم الجمعة فليصلّ بعدها أربعًا».وفي لفظ: «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا».وفي لفظ ثالث: «من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصلّ أربعًا»،قال سهيل أحد رواة الحديث: «فإن عجل بك شيء فصلّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت» (٥). وعن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك» (٦).\nواختلف أهل العلم في الراتبة بعد صلاة الجمعة، فمنهم من قال: يصليها أربعًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - ومنهم من قال: يصليها ركعتين في\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة، برقم ٦٨١.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، برقم ١١٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩٠.\n(٣) انظر: زاد المعاد، ١/ ٢٧٧، ٤٣٦، ٣٧٨.\n(٤) البخاري، برقم ١٨٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ٨٨١.\n(٦) مسلم، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ٨٨٢.","vol":"1","page":415},{"text":"البيت؛ لحديث ابن عمر من فعل النبي - ﷺ -، وقد ذكر الإمام ابن القيم أنه سمع شيخه ابن تيمية - رحمهما الله - يقول: «إن صلّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلّى في بيته صلّى ركعتين»، ثم قال ابن القيم: «وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود (١) عن ابن عمر أنه كان إذا صلّى في المسجد صلى أربعًا، وإن صلّى في بيته صلّى ركعتين» (٢). قال الإمام الصنعاني - ﵀ -: «والأربع أفضل من الاثنتين لوقوع الأمر بذلك ...» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يذكر أن أهل العلم اختلفوا في هذا: «فقال قوم: إن صلاها في المسجد صلى أربعًا، وإن صلى في البيت صلى اثنتين جمعًا بين الروايات، وقال آخرون: أقلها اثنتان وأكثرها أربع، ولا فرق بين كونها تُصلَّى في البيت أو في المسجد، وهذا القول أظهر؛ لأن القول مقدم على الفعل، والأربع أفضل؛ لأنه يتعلق بها الأمر» (٤).\nوأما الصلاة قبل الجمعة فنافلة مطلقة بدون تقدير؛ لحديث سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي\n- ﷺ - قال: «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدّر له، ثم أنصت حتى يفرغ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ١١٣٠، وصححه الألباني في سنن أبي داود، ١/ ٢١٠.\n(٢) زاد المعاد، ١/ ٤٤٠.\n(٣) سبل السلام، ٣/ ١٨١.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٨٤.\n(٥) البخاري، كتاب الجمعة باب الدهن للجمعة، برقم ٨٨٣، و٩١٠.","vol":"1","page":416},{"text":"من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام» (١). قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: منهم عمر بن الخطاب - ﵁ - وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة، وخطبته تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لانتصاف النهار» (٢).\nوذكر - ﵀ - أن الصلاة لا تُكره قبل زوال يوم الجمعة حتى يخرج الإمام كما هو مذهب الشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وأما إذا تأخر المأموم حتى صعد الإمام المنبر فإنه يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: بينما النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل، فقال: له النبي - ﷺ -: «أصليت يا فلان؟» قال: لا، قال: «قم فصلّ ركعتين»، وفي لفظ: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>٣ - وقت الرواتب مع الفرائض: </span>كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من الفراغ من الصلاة إلى خروج وقتها (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>٤ - قضاء الرواتب</span>، قد ثبت عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان إذا لم يصلّ أربعًا قبل الظهر صلاهن بعدها (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة، برقم ٨٥٧.\n(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٣٧٨، ٤٣٧.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٣٧٨، ٤٣٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين، برقم ٩٣١، ومسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، برقم ٨٧٥.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٤٤.\n(٦) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الركعتين بعد الظهر، برقم ٤٢٦، وحسنه، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لسنن الترمذي، ٢/ ٢٩١، وحسنه الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -، ٦/ ٢٣.","vol":"1","page":417},{"text":"وهذا والله أعلم، لأهمية هذه الراتبة؛ لحديث عبد الله بن السائب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحبّ أن يصعد لي فيها عمل صالح» (١)،وسألت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز -﵀-: هل هذه راتبة صلاة الظهر أم غيرها؟ فبين - ﵀ - أنها راتبة الظهر. وثبت أن قيس بن عمرو - ﵁ - قضى راتبة الفجر بعدها فأقره النبي - ﷺ - (٢). وثبت من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يُصلّ ركعتي الفجر فليصلّهِما بعدما تطلع الشمس» (٣)، وثبت من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا «أن النبي - ﷺ - نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعدما طلعت الشمس» (٤). وثبت أن النبي - ﷺ - قضى راتبة الفجر مع الفريضة لما نام عن صلاة الفجر في السفر (٥)، فدلَّ ذلك على استحباب قضاء سنة الظهر التي قبلها بعدها، ودلَّ على استحباب قضاء سنة الفجر بعد الصلاة، أو بعد ارتفاع الشمس، وأن الرواتب تُقضى مع الصلاة الفائتة.\nوقد سألت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ -: هل تقضى الرواتب؟ فبين أن الرواتب لا تقضى إلا مع الفوائت من الفرائض، أما قضاء النبي\n- ﷺ - سنة الظهر بعد العصر فهذا خاص به (٦).\nقلت: إلا ما ثبتت به السنة من قضاء راتبة الظهر القبلية بعدها، وقضاء راتبة\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند الزوال، برقم ٤٧٨، وحسنه، وقال الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٢٤: «وإسناده صحيح»، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١٤٧.\n(٢) الترمذي، برقم ٤٢٢،وأبو داود، برقم ١٢٦٧،وابن ماجه، برقم ١١٥٤،وتقدم تخريجه.\n(٣) الترمذي، برقم ٤٢٣، وتقدم تخريجه.\n(٤) ابن ماجه، برقم ١١٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه.\n(٦) وقد علقته على حاشية زاد المعاد، ١/ ٣٠٨.","vol":"1","page":418},{"text":"الفجر بعد الصلاة، أو بعد طلوع الشمس وارتفاعها، وقضاء الوتر شفعًا بالنهار لمن نسيه أو نام عنه. وهذا الذي يفتي به - ﵀ - حتى مات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>٥ - الفصل بين الرواتب والفرائض بخروج أو كلام</span>؛ لحديث السائب بن يزيد أن معاوية - ﵁ - قال له: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك: «أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (١). وهذا ليس خاصًا بصلاة الجمعة؛ لأن الراوي استدل على تخصيصه بذكر صلاة الجمعة بحديث يعمها وغيرها، قيل: والحكمة في ذلك لئلا يشتبه الفرض بالنافلة، وقد ورد أن ذلك هلكة (٢)، وعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر فقال له: اجلس فإنما أهلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله - ﷺ -: «أحسن ابن الخطاب» (٣)، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن الحكمة في النهي: «لأن وصلها بها يوهم بأنها تابعة لها، وهذا في الجمعة وغيرها، فإذا فصل بينها بكلام، أو خروج، أو تكلم باستغفار، أو بشيء من ذكرٍ انفصلت» (٤). قال الصنعاني - ﵀ -: «وقد ذكر العلماء: أنه يستحب التحول للنافلة من موضع الفريضة، والأفضل أن يتحول إلى بيته؛ فإن فعل النوافل في البيوت أفضل، وإلا فإلى موضع في المسجد أو غيره، وفيه تكثيرٌ لمواضع السجود» (٥). وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أيعجز أحدكم أن يتقدم\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ٨٨٣.\n(٢) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٨٢.\n(٣) أحمد في المسند، ٥/ ٣٦٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٢٣٤: «رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح».\n(٤) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٨٥.\n(٥) سبل السلام، ٣/ ١٨٣.","vol":"1","page":419},{"text":"أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة» يعني في السبحة (١). وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ الانتقال في الفرض وفي النفل كذلك: كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلّ في المسجد فقيل له فقال: «كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك» (٢).\nقلت: وهذا يستشهد به على تكثير مواضع السجود كما قرره شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>٦ - ترك الرواتب وغيرها إذا أقيمت المكتوبة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٣)، ولحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله - ﷺ -، لاث به الناس (٤) فقال له رسول الله - ﷺ -: «آلصبح أربعًا، آلصبح أربعًا؟» (٥)؛ ولحديث عبد الله بن سرجس - ﵁ - قال: دخل رجل المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع\nرسول الله - ﷺ -، فلما سلم رسول الله - ﷺ - قال: «يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟» (٦).وهذه الأحاديث تدل\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يتطوع في مكانه الذي صلى فيه المكتوبة، برقم ١٠٠٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٨.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة بعد الجمعة، برقم ١١٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢١٠.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة سواء كانت الراتبة كسنة الصبح والظهر وغيرهما وسواء علم أنه يدرك الركعة مع الإمام أم لا، برقم ٧١٠.\n(٤) لاث به الناس: اختلطوا به والتفوا عليه. القاموس المحيط. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٢٨٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الأذان، باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، برقم ٦٦٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، برقم ٧١١.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب كراهة الشروع في نافلة بعد شروع المؤذن في إقامة الصلاة، برقم ٧١٢.","vol":"1","page":420},{"text":"على أن المسلم إذا سمع الإقامة لا يحل له أن يدخل في صلاة تطوع سواء كانت راتبة: كسنة الفجر، والظهر، والعصر، أو غيرها، وسواء كانت في المسجد أو خارجه، وسواء خاف فوات الركعة الأولى أو لم يخف، والحجة عند التنازع السنة، فمن أدلى بها فقد أفلح (١)، والصحيح أن الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام؛ فإنه إذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها، وفيه حكمة أخرى: وهي النهي عن الاختلاف على الأئمة.\nواستُدلَّ بعموم قوله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة (٢).\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقطعها إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي؛ بل يتمها خفيفة عملًا بعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣). وحملوا الأحاديث على من بدأ الصلاة بعد الإقامة، وقيل: إن خشي فوات الفريضة في الجماعة قطعها، وإن لم يخشَ فوات الجماعة أتمها (٤).\nوالصواب الذي دل عليه عموم الأحاديث أنه يقطعها، وهذا صريح في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة الذي سبق ذكره قبل أسطر (٥)، وأصرح منه لفظه عند مسلم، قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا والمؤذن يقيم فقال: «أتصلي الصبح أربعًا».\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم، ٥/ ٢٢٩، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٥٠، والمغني لابن قدامة، ٢/ ١١٩، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٨٤.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ١٥١.\n(٣) سورة محمد، الآية: ٣٣.\n(٤) انظر: المغني، لابن قدامة، ٢/ ١٢٠، وفتح الباري، لابن حجر، ٢/ ١٥١.\n(٥) البخاري، برقم ٦٦٣، مسلم، برقم ٧١١، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":421},{"text":"وهذا الذي سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يرجحه، ويقول: «أما الآية الكريمة فهي عامة، والحديث خاص، والخاص يقضي على العام ولا يخالفه، كما يُعلم ذلك من أصول الفقه ومصطلح الحديث، لكن لو أقيمت الصلاة وقد ركع الركوع الثاني، أو في السجود أوفي التحيات فإنه لا حرج في إتمامها؛ لأن الصلاة قد انتهت ولم يبق منها إلا أقل من ركعة» (١). وقال مرة في موضع آخر: «لأن أقل الصلاة ركعة ولم يبق إلا أقل منها، فإتمامها لا يخالف الحديث المذكور» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>٧ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر</span>؛ لحديث عاصم بن عمر بن الخطاب، قال صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقَدْ كانَ لكُم في رسولِ الله أُسوةٌ حسَنةٌ﴾ (٣). أما سنة الفجر، والوتر فلا تترك لا في الحضر ولا في السفر؛\nلحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر، أن النبي - ﷺ - «لم يكن يدعهما أبدًا» (٤)؛ ولحديث أبي قتادة - ﵁ - في نوم النبي - ﷺ - وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ومقالات متنوعة لابن باز، ١١/ ٣٩٣، ١١/ ٣٧٠ - ٣٧٢.\n(٢) المرجع السابق، ١١/ ٣٩٤.\n(٣) متفق عليه، البخاري بنحوه، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠١، ١١٠٢،ومسلم بلفظه، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٧٢٤، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":422},{"text":"رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (١).\nوأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته». وفي لفظ: «كان يوتر على البعير» (٢).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «وكان تعاهده - ﷺ - ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا ... ولم ينقل عنه في السفر أنه - ﷺ - صلّى سنة راتبة غيرهما» (٣).\nوأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (٤).\nقال الإمام النووي﵀-: «وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ...» (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر على الدابة، برقم ٩٩٩، وباب الوتر في السفر، برقم ١٠٠٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، برقم ٧٠٠.\n(٣) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٣١٥.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ومقالات للإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٥) شرح النووي صحيح مسلم، ٥/ ٢٠٥، وقال: «واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليله الأحاديث المطلقة في ندب الرواتب»، ٥/ ٢٠٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٧. وقال ابن قدامة: فأما سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس، وروي عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين ... ثم قال: وحديث الحسن عن أصحاب رسول الله - ﷺ - قد ذكرناه [مصنف ابن أبي شيبة، ١/ ٣٨٢] فهذا يدل على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها، فيجمع بين الأحاديث والله أعلم. المغني، ٣/ ١٥٦ - ١٥٧.\nقلت: والصواب ما رجحه شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن المشروع ترك الرواتب في السفر، وهذا هو السنة أن يترك راتبة الظهر، والمغرب، والعشاء، ما عدا الوتر وسنة الفجر، فلا يتركهما؛ لحديث ابن عمر وغيره أن النبي - ﷺ - كان يدع الرواتب في السفر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب. انظر: فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>النوع الثاني: الوتر:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>١ - الوتر سنة مؤكدة </span>(١)؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الوتر حقٌ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (٢)؛ولحديث علي - ﵁ - قال: «الوتر ليس بحَتْم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنةٌ سنها رسول الله - ﷺ -» (٣). ومما يدل على أن الوتر ليس بحتم بل سنة مؤكدة ما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن\nالإسلام، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟ فقال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوَّع شيئًا» فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: «شهر رمضان إلا أن تطوع شيئًا». فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة [وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة، قال:\n_________\n(١) والوتر: من صلاة الليل، وهو ختامها، ركعة واحد يختم بها صلاة الليل. انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٩٤، وفتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ٣٠٩، ٣١٧.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب كم الوتر، برقم ١٤٢٢، والنسائي، كتاب قيام الليل، باب ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب في الوتر، برقم ١٧١٢، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس ...، برقم ١١٩٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٧.\n(٣) الترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم، برقم ٤٥٤، والنسائي، كتاب قيام الليل، باب الأمر بالوتر، برقم ١٦٧٧، والحاكم، ١/ ٣٠٠، وأحمد، ١/ ١٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٦٨.","vol":"1","page":424},{"text":"هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»] فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «أفلح إن صدق، أو أُدخل الجنة إن صدق» (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن وفيه: «... فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلوات في اليوم والليلة ...» (٢). وهذان الحديثان يدلان على أن الوتر ليس بواجب، وهو مذهب جمهور العلماء (٣)، بل هو سنة مؤكدة جدًا، ولهذا لم يترك رسول الله - ﷺ - سنة الفجر والوتر في الحضر ولا في السفر (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>٢ - فضل الوتر، له فضل عظيم</span>؛ لحديث خارجة بن حذافة العدوي، قال: خرج علينا النبي - ﷺ - فقال: «إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حُمرِ النَّعم، وهي الوِتر، وجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب الزكاة في الإسلام، برقم ٤٦، وكتاب الصوم، باب وجوب صوم رمضان، برقم ١٨١٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، برقم ١١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، برقم ٤٣٤٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم ١٩.\n(٣) وذهب إلى وجوب الوتر الإمام أبو حنيفة - ﵀ -؛ لظاهر الأحاديث المشعرة بالوجوب، ولكن قد صرفها عن الوجوب أحاديث أخرى. انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن الوتر يجب على من يتهجد بالليل، قال: «وهو مذهب بعض من يوجبه مطلقًا»، [الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية للبعلي، ص٩٦].\nقلت: وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز مرات أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٩٣، وتقريره على الروض المربع، ٢/ ١٨٣ يذكر أن الوتر ليس بواجب بل سنة مؤكدة. وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٩١، ٢/ ٦، ٢/ ٥٩٥.\n(٤) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣١٥، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٩٦، و٢/ ٢٤٠.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب استحباب الوتر، برقم ١٤١٨، وسنن الترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في فضل الوتر، برقم ٤٥٢، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر، برقم ١١٦٨،والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،١/ ٣٠٦،وله شاهد عند أحمد، ١/ ١٤٨، وصححه الألباني دون قوله: «هي خير لكم من حمر النعم» إرواء الغليل، ٢/ ١٥٦.","vol":"1","page":425},{"text":"ومما يدل على فضلها وتأكد سنيتها حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: أوتر رسول الله - ﷺ - ثم قال: «يا أهل القرآن أوتروا فإن الله - ﷿ - وتر يحب الوتر» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز يقول في تقريره على هذا الحديث: «هذا يدل على أنه ينبغي أن يكون أهل العلم لهم عناية أكثر من غيرهم وإن كان مشروعًا للجميع حتى يقتدي بهم من عرف أحوالهم وأعمالهم، والوتر أقله ركعة بين العشاء والفجر، وهو سبحانه وتر يحب الوتر، ويحب ما يوافق صفاته، فهو صبور يحب الصابرين، بخلاف العزة والعظمة، فالعباد يأخذون من صفاته ما يناسب العبد من كرم وجود وإحسان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٣ - وقت صلاة الوتر: جميع أوقات الليل بعد صلاة العشاء على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>أ- وقت الوتر الشامل: </span>ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بصرة الغفاري عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله - ﷿ - زادكم صلاة وهي الوتر، فصلُّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر» (٣). فظهر من هذا الحديث أن وقت الوتر ما بين صلاة\nالعشاء والفجر، وسواء صلى المسلم العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب جمع تقديم؛ فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء (٤).\n_________\n(١) أخرجه النسائي بلفظه، في كتاب قيام الليل، باب الأمر بالوتر، برقم ١٦٧٦، والترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم، برقم ٤٥٣، وأبو داود، كتاب الوتر، باب استحباب الوتر، برقم ١٤١٦، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر، برقم ١١٦٩، وأحمد، ١/ ٨٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩٣.\n(٢) سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٠٥.\n(٣) أحمد في المسند،٦/ ٣٩٧، و٢/ ١٨٠، ٢٠٦، ٢٠٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٢٥٨.\nقلت: وله شاهد عن معاذ بن جبل - ﵁ - في مسند أحمد، ٥/ ٢٤٢.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٩٥، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ١٨٤، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -﵀- يقول أثناء تقريره على الروض المربع،٢/ ١٨٤: «وقت الوتر يبدأ بعد صلاة العشاء ولو مجموعة مع المغرب تقديمًا إلى طلوع الفجر»، وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ١٥.","vol":"1","page":426},{"text":"وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة بتوكيد ذلك من فعل النبي - ﷺ - وقوله، فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة» (١).\nوقد حدد النبي - ﷺ - آخر وقت الوتر، فعن أبي سعيد - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أوتروا قبل أن تُصبحوا». وفي رواية: «أوتروا قبل الصبح» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «بادروا الصبح بالوتر» (٣). وهذا يدل على مسابقة طلوع الفجر بالوتر بأن يوقع الوتر قبل دخوله؛ ولهذا ثبت عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: «صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى» (٤). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك الصبح فلم يوتر فلا وتر له» (٥). ويؤكد ذلك حديث ابن\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، برقم، ٧٣٦.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، برقم ٧٥٤.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، برقم ٧٥٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، برقم ٩٩٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل، برقم ٧٤٩.\n(٥) ابن حبان في صحيحه [الإحسان، ٦/ ١٦٨، برقم ٢٤٠٨]، وابن خزيمة في صحيحه، ٢/ ١٤٨، برقم ١٠٩٢، والحاكم في المستدرك، ١/ ٣٠١ - ٣٠٢، وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي، ٢/ ٤٧٨، وصحح إسناده الألباني في الحاشية على صحيح ابن خزيمة، ٢/ ١٤٨، وصححه شعيب الأرنؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان، ٦/ ١٦٩.","vol":"1","page":427},{"text":"عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا طلع الفجر فقد ذهب كلُّ صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر» (١). قال الإمام الترمذي - ﵀ -: «وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق لايرون الوتر بعد صلاة الصبح» (٢).\nويزيد ذلك وضوحًا فعل النبي - ﷺ -، فإن آخر وتره السحر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر» (٣)، فظهر في جميع هذه الأحاديث أن وقت الوتر يبدأ بعد الانتهاء من صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر الثاني، ولا قول لأحد بعد قول رسول الله - ﷺ - (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>ب- الوتر قبل النوم مستحب لمن ظن أن لا يستيقظ آخر الليل</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث [لا أدعهن حتى\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر، برقم ٤٦٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٤٦، وانظر: إرواء الغليل، ٢/ ١٥٤.\n(٢) سنن الترمذي، ٢/ ٣٣٣، آخر الحديث رقم ٤٦٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب ساعات الوتر، برقم ٩٩٦، ومسلم، بلفظه في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة، برقم ٧٤٥.\n(٤) وهذا يرد قول من قال بجواز الإيتار بعد طلوع الفجر من السلف الصالح، كما ذكر عن عبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن مسعود - ﵃ - أنهم كانوا يوترون بعد طلوع الفجر إذا فاتهم الوتر قبل الفجر، ثم يصلون الفجر بعد الوتر. انظر: موطأ الإمام مالك، كتاب الوتر، باب الوتر بعد الفجر، ٢/ ١٢٦، وعن علي، وأبي الدرداء، وغيرهم، انظر: المصنف لابن شيبة، ٢/ ٢٨٦، ومسند أحمد، ٦/ ٢٤٢ - ٢٢٣، وإرواء الغليل، ٢/ ١٥٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ١٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١١/ ٣٠٥ - ٣٠٨، قال الإمام مالك في الموطأ يعتذر لهؤلاء: «وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر ولا ينبغي لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر»،٢/ ١٢٧.وانظر جامع الأصول، ٦/ ٥٩ - ٦١. وقال العلامة ابن عثيمين: «فإذا طلع الفجر فلا وتر، وأما ما يروى عن بعض السلف أنه كان يوتر بين أذان الفجر وإقامة الفجر، فإنه عمل مخالف لما تقتضيه السنة ولا حجة في قول أحد بعد رسول الله - ﷺ -» الشرح الممتع، ٣/ ١٦.","vol":"1","page":428},{"text":"أموت] صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (١)؛ ولحديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: «أوصاني حبيبي - ﷺ - بثلاث، لن أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر» (٢). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وفيه استحباب تقديم الوتر على النوم، وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ، ويتناول من يصلي بين النومين» (٣).\nومما يدل على أن الأمر على حسب أحوال الأشخاص وقدراتهم ما ثبت من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «أيَّ حين توتر؟» قال: أول الليل بعد العتمة، قال: «فأنتَ يا عمر؟»، فقال: آخر الليل، فقال النبي - ﷺ -: «أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالوثقى، وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة» (٤). وحديث أبي قتادة أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر: «متى توتر؟» قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: «متى توتر؟»، فقال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: «أخذ هذا بالحزم»، وقال لعمر: «أخذ هذا بالقوة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>ج- الوتر في آخر الليل أفضل لمن وثق بالاستيقاظ</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة آخر\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة، وخمس عشرة، برقم ١٩٨١، وما بين المعقوفين من الطرف رقم ١١٧٨، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، برقم ٧٢١.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، برقم ٧٢٢.\n(٣) فتح الباري، ٣/ ٥٧.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر أول الليل، برقم ١٢٠٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ١٩٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الوتر، باب في الوتر قبل النوم، برقم ١٤٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٨.","vol":"1","page":429},{"text":"الليل مشهودة (١)، وذلك أفضل». وفي رواية «... ومن وثق بقيام من الليل فليوتر من آخره؛ فإن قراءة آخر الليل محضورة، وذلك أفضل» (٢). قال الإمام النووي - ﵀ -: «فيه دليل صريح على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل، لمن وثق بالاستيقاظ آخر الليل، وأن من لا يثق بذلك فالتقديم له أفضل، وهذا هو الصواب، ويحمل باقي الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث: «أوصاني خليلي أن لا أنام إلا على وتر». وهو محمول على من لا يثق بالاستيقاظ» (٣).\nومما يؤكد استحباب الوتر آخر الليل ما ثبت عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأُعطيَهُ؟ من يستغفرني فأغفرَ له؟» (٤). وفي رواية لمسلم: «فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر» (٥). وفي لفظ مسلم: «... هل من سائلٍ يُعْطَى؟ هل من داعٍ يُستجابُ له؟ هل من مستغفرٍ يُغْفَرُ له؟ حتى ينفجرَ\nالفجر» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>٤ - أنواع الوتر وعدده</span>، الوتر له عدد وأنواع على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>أولًا: إحدى عشرة ركعة يسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - «كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة\n_________\n(١) مشهودة: أي تشهدها ملائكة الرحمة، وفيه دليلان صريحان على تفضيل صلاة الوتر وغيره آخر الليل. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٨١، وقيل: مشهودة محضورة: تشهدها ملائكة الليل والنهار، وتحضرها هذه صاعدة وهذه نازلة. جامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ٥٨.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، برقم ٧٥٥.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٨١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، برقم ١١٤٥، وطرفاه برقم ٦٣٢١، ٧٤٩٤، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، برقم٧٥٨.\n(٥) مسلم، برقم١٦٩ - (٧٥٨).\n(٦) مسلم برقم ١٧٠ - (٧٥٨).","vol":"1","page":430},{"text":"ويوتر منها بواحدة». وفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي تدعونها العتمة - إلى الفجر إحدى عشر ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>ثانيًا: ثلاث عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة</span>؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ في وصف صلاة رسول الله - ﷺ - وفيه: «... فقمت إلى جنبه عن يساره فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها، فحوَّلَني فجعلني عن يمينه ثم صلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح» (٢).\nوعنه - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» (٣).\nوعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: «لأرمقن صلاة رسول الله - ﷺ - الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين، طويلتين، طويلتين، ثم صلى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>ثالثًا: ثلاث عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر من ذلك بخمس سردًا</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها» (٥).\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٣٦، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، برقم ٩٩٢، وطرقه رقم١١٧، ١٣٨، ٦٣١٦،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ١٨٢ - (٧٦٣).\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، رقم ٧٦٤.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٦٥.\n(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة، رقم ٧٣٧.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>رابعًا: تسع ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ثم يأتي بالتاسعة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «... كنا نُعدُّ له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوَّك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعناه ...» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>خامسًا: سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن</span>؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «... فلما أسنَّ نبي الله - ﷺ - وأخذه اللحم أوتر بسبع ...» (٢).\nوفي رواية: «لا يقعد إلا في آخرهن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>سادسًا: سبع ركعات لا يجلس إلا في السادسة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنا نُعدُّ له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي سبع ركعات، ولا يجلس فيهن إلا عند السادسة فيجلس ويذكر الله ويدعو» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>سابعًا: خمس ركعات لا يجلس إلا في آخرهن</span>؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الوتر حق على كل مسلم، فمن أحبَّ أن يُوترَ بخمسٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يوتر بثلاثٍ فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يوتر بواحدةٍ فليفعلْ» (٥). وقد ثبت من حديث عائشة ﵂\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، برقم ٧٤٦.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل برقم ٧٤٦ وهو جزء منه.\n(٣) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف الوتر بسبع، برقم ١٧١٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٧٥، وابن ماجه وأحمد، ٦/ ٢٩٠ من حديث أم سلمة ﵂ بلفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يوتر بسبع أو بخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام»، سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر بثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، برقم ١١٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ١٩٧.\n(٤) ابن حبان في صحيحه [الإحسان]،برقم ٢٤٤١،وقال الأرنؤوط في حاشيته على ابن حبان، ٦/ ١٩٥: «إسناده صحيح على شرطهما» واللفظ له، وأحمد بنحوه،٦/ ٥٤.\n(٥) أبو داود، برقم ١٤٢٢، والنسائي، برقم١٧١٢، وابن ماجه، برقم١١٩٢، وابن حبان في صحيحه [الإحسان]، برقم ٦٧٠، والحاكم في المستدرك، ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":432},{"text":"أن هذا النوع يصلَّى سردًا، لا يجلس إلا في الركعة الخامسة، وفيه: «... يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>ثامنًا: ثلاث ركعات يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يفصل بين الشفع والوتر بتسليم يُسمعناه» (٢). وقد ثبت ذلك عن عبد الله بن عمر موقوفًا. فعن نافع: «أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته» (٣).والموقوف يؤيد المرفوع. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن الوتر بثلاث ركعات بسلامين: «هذا هو الأفضل لمن صلى ثلاثًا، وهي أدنى الكمال» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>تاسعًا: ثلاث ركعات سردًا - ﵁ - لا يجلس إلا في آخرهن</span>؛ لحديث أبي أيوب - ﵁ - وفيه: «ومن أحبَّ أن يوتر بثلاثٍ فليفعلْ» (٥)؛ ولحديث أُبيّ بن كعب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، وفي الركعة الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ولا يسلّم إلا في آخرهن، ويقول بعد التسليم: «سبحان الملك القدوس» ثلاثًا (٦).لكن يصلي ثلاثًا سردًا يتشهد تشهدًا واحدًا في\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٣٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) ابن حبان [الإحسان]،برقم ٢٤٣٣، ٢٤٣٤،٢٤٣٥،وأحمد ٢/ ٧٦ عن عتاب بن زياد، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٤٨٢: «إسناده قوي».قال الألباني - ﵀ -: «وله شاهد مرفوع ... عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يوتر بركعة يتكلم بين الركعتين والركعة، هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين»،وعزاه لابن شيبة، انظر إرواء الغليل،٢/ ١٥٠.\n(٣) البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، برقم ٩٩١،وموطأ الإمام مالك،١/ ١٢٥.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ١٨٧ بتاريخ ١٥/ ١١/١٤١٩هـ.\n(٥) أبو داود، برقم ١٤٢٢، والنسائي، برقم ١٧١٢، وابن ماجه، برقم ١١٩٢، وابن حبان في صحيحه، برقم ٦٧٠، والحاكم، ١/ ٣٠٢، وتقدم تخريجه.\n(٦) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبيّ بن كعب في الوتر، برقم ١٧٠١،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،١/ ٣٧٢،وانظر: نيل الأوطار،٢/ ٢١١، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ففيه شواهد،٢/ ٤٨١،ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢١٢.","vol":"1","page":433},{"text":"آخرهن؛ لأنه لو جعلها بتشهدين لأشبهت صلاة المغرب (١)،وقد نهى النبي - ﷺ - أن تشبَّه بصلاة المغرب (٢)،لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب» (٣). وقد جمع الحافظ ابن حجر - ﵀ - بين أحاديث وآثار جواز الإيتار بحملها على أنها متصلة بتشهد واحد في آخرها، وأحاديث النهي عن الإيتار بثلاث بحملها على أنها بتشهدين لمشابهة ذلك لصلاة المغرب (٤).\nومما يدل على الإيتار بثلاث حديث القاسم عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة واحدة توتر لك ما صليت». قال القاسم: «ورأينا أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإنَّ كلًا لواسعٌ، وأرجو أن لا يكون بشيء منه بأس» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>عاشرًا: ركعة واحدة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الوتر ركعة من آخر الليل» (٦)؛ وعن أبي مجلزٍ قال:\nسألت ابن عباس عن الوتر؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ركعة من آخر الليل»، وسألت ابن عمر فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ركعة من آخر الليل» (٧). وذكر الإمام النووي - ﵀ -: أن هذا\n_________\n(١) وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ١٨٨، عندما تكلم عن الوتر بثلاث بسلام واحد، قال: «لكن لا يشبهها بالمغرب وإنما سردًا».\n(٢) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٢١.\n(٣) ابن حبان [الإحسان]، برقم ٢٤٢٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤، والبيهقي، ٣/ ٣١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٣٠٤، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٤٨١: «وإسناده على شرط الشيخين». وقال في التلخيص: ٢/ ١٤، برقم ٥١١: وإسناد كلهم ثقات ولا يضره وقف من وقفه.\n(٤) انظر: فتح الباري لشرح صحيح البخاري، لابن حجر،٢/ ٤٨١،ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٢١٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري واللفظ له، برقم ٩٩٣، ومسلم، برقم ٧٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من الليل، برقم ٧٥٢.\n(٧) مسلم، في الكتاب والباب السابقين، برقم ٧٥٣.","vol":"1","page":434},{"text":"دليل على صحة الإيتار بركعة وعلى استحبابه آخر الليل (١). وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «لكن كلما زاد فهو أفضل فإذا اقتصر على واحدة فلا كراهة ...» (٢).\nومما يدل على الإيتار بركعة واحدة، حديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - وفيه: «... ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعلْ ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>٥ - القراءة في الوتر، يقرأ في الوتر في الركعة الأولى: بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾</span>، وفي الركعة الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾﴾، و﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾﴾ في ركعة ركعة» (٤)، قال الترمذي - ﵀ -: «يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة» (٥).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٧٧.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الروض المربع، ٢/ ١٨٥.\n(٣) أبو داود، برقم ١٤٢٢، والنسائي، برقم ١٧١٢، وابن ماجه، برقم ١١٩٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر، برقم ٤٦٢، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الاختلاف على أبي إسحاق في حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس في الوتر، برقم ١٧٠٢، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيما يقرأ في الوتر، برقم ١١٧٢. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٧٢، وصحيح سنن ابن ماجه،\n١/ ١٩٣، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ١٤٤.\n(٥) سنن الترمذي، ٢/ ٣٢٦، وروى الترمذي، برقم ٤٦٣، وأبو داود، برقم ١٤٢٤، وابن ماجه، برقم ١١٧٣، عن عائشة ﵂ حينما سُئلت بأي شيء كان يوتر رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان يقرأ في الأولى بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ:\n﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، و(المعوذتين) وقد ضعفه كثير من أهل العلم. [انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢١١،٢١٢]، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٧، وصحيح الترمذي، ١/ ١٤٤، وصحيح ابن ماجه، ١/ ١٩٣، وقال الترمذي: «والذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم: أن يقرأ بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة». ٢/ ٣٢٦، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٠٩، يقول: «زيادة المعوذتين ضعيفة، والمحفوظ:\n﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ولكن لو صح حديث عائشة هذا فتارة وتارة». قلت: ورواه الحاكم، ١/ ٣٠٥ وصححه ووافقه الذهبي، قال شعيب الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول، ٦/ ٥٢: «وهو كما قالا». وقال محقق سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٥٤: وقال ابن حجر في نتائج الأفكار، ١/ ٥١٣ - ٥١٤: «وهو حديث حسن».","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>٦ - القنوت في الوتر </span>(١)، يقنت في الوتر؛ لحديث الحسن بن علي ﵄ قال: علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولها في [قنوت] الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت [ولا يعز من عاديت] (٢) [سبحانك] (٣) تباركت ربنا وتعاليت» (٤).\nب- وقد ثبت عن علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٥). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (٦).\n_________\n(١) القنوت: يطلق على معانٍ، والمراد به هنا الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٩٠ و٤٩١، والشرح الممتع، ٤/ ٢٣.\n(٢) زادها الطبراني في المعجم الكبير، ٣/ ٧٣، برقم ١٧٠١، ورقم ٢٧٠٣، ورقم ٢٧٠٤، ورقم ٢٧٠٥، ورقم ٢٧٠٧، والبيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٢٠٩. قال الحافظ في التلخيص الحبير،\n١/ ٢٤٩، برقم ٣٧١: «هذه الزيادة ثابتة في الحديث»، ثم بين ﵀ أنها متصلة، وردَّ على الإمام النووي تضعيفه لهذه الزيادة. وانظر أيضًا نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٢٤، وإرواء الغليل للألباني، ٢/ ١٧٢.\n(٣) زادها الترمذي، برقم ٤٦٤.\n(٤) أحمد، ١/ ١٩٩، وأبو داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر، برقم ١٤٢٥، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر، برقم ١٧٤٥، ورقم ٧٤٦، والترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في القنوت في الوتر، برقم ٤٦٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في الوتر، برقم ١١٧٩، وغيرهم، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٧٢، برقم ٤٤٩.\n(٥) أحمد في المسند ١/ ٩٦، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر، برقم ١٧٤٧، وأبو داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر، برقم ١٤٢٧، والترمذي، كتاب الدعوات، باب دعاء الوتر، برقم ٣٥٦٦، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في الوتر، برقم ١١٧٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٧٥، برقم ٤٣٠.\n(٦) الصلاة على النبي - ﷺ - في آخر القنوت ثابتة من فعل الصحابة - ﵁ -، كما ذكر العلامة الألباني - ﵀ - في إرواء الغليل، ٢/ ١٧٧.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-910>٧ - مَوضِعُ دعاء القنوت قبل الركوع وبعده</span>؛ لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قنت قبل الركوع، وثبت أنه قنت بعد الركوع، فهذا مشروع وهذا مشروع، والأفضل القنوت بعد الركوع؛ لأنه الأكثر في الأحاديث (١)، والقنوت في الوتر سنة (٢)، ومما يدل على موضع القنوت ومحله المشروع حديث أنس بن مالك - ﵁ - أنه قال حينما سُئل عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: «قبل الركوع ...»، ثم قال: «إنما قنت رسول الله\n- ﷺ - بعد الركوع شهرًا يدعو على أحياء من بني سُليم» (٣). وحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما القنوت فالناس فيه طرفان ووسط: منهم من لا يرى القنوت إلا قبل الركوع، ومنهم من لا يراه إلا بعده، وأما فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره فيجوّزون كلا الأمرين لمجيء السنة الصحيحة بهما، وإن اختاروا القنوت بعده؛ لأنه أكثر وأقيس». الفتاوى، ٢٣/ ١٠٠.\nوسمعت سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز -﵀- أثناء تقريره على الروض المربع،٢/ ١٨٩، في فجر الأربعاء ٨/ ١١/١٤١٩هـ يقول: «يقنت في الركعة الأخيرة بعد الركوع، وقد ثبت عنه - ﷺ - القنوت بعد الركوع في النوازل، وجاء القنوت قبل الركوع، جاء هذا وهذا؛ فالأمر واسع، لكن الأكثر والأصح، والأفضل بعد الركوع؛ لأنه الأغلب في الأحاديث». وذكر ابن قدامة في المغني أن هذا روي عن الأربعة الخلفاء الراشدين، ونقل عن الإمام أحمد أنه يذهب إلى أنه بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس، المغني، ٢/ ٥٨١ - ٥٨٢،وانظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٨٢، وفتح الباري، ٢/ ٤٩١.\n(٢) قيل هو مسنون في جميع السنة، وقيل لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، وقيل: لا يقنت مطلقًا. والذي اختاره أكثر أصحاب الإمام أحمد القول الأول. انظر: المغني، ٢/ ٥٨٠ - ٥٨١، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٢٦، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٨٣، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما القنوت في الوتر فهو جائز وليس بلازم، فمن أصحابه [- ﷺ -] من لم يقنت، ومنهم من قنت في النصف الأخير من رمضان، ومنهم من قنت السنة كلها، والعلماء منهم من يستحب الأول كمالك، ومنهم من يستحب الثاني كالشافعي وأحمد في رواية، ومنهم من يستحب الثالث كأبي حنيفة والإمام أحمد في رواية، والجميع جائز، فمن فعل شيئًا من ذلك فلا لوم عليه». الفتاوى، ٢٣/ ٩٩، وانظر المغني لابن قدامة،٢/ ٥٨٠،ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٢٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، برقم ١٠٠٢، ولفظه من عدة مواضع، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٧.","vol":"1","page":437},{"text":"الحمد»، ثم يقول وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد ...» (١).\nوحديث ابن عباس ﵄ وفيه: «قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعْلٍ وذكوان، وعُصية، ويؤمّنُ مَنْ خَلفَه» (٢).وحديث أُبي بن كعب - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - كان يوتر فيقنت قبل الركوع» (٣). وحديث أنس - ﵁ - وقد سُئل عن القنوت في صلاة الصبح فقال: «كنا نقنت قبل الركوع وبعده» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>٨ - رفع اليدين في دعاء القنوت وتأمين المأمومين</span>؛ لعموم حديث سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن ربكم ﵎ حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردَّهما صفرًا» (٥)؛ ولأنه صح عن عمر بن الخطاب - ﵁ - فعن أبي رافع قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب - ﵁ - فقنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الصلوات، برقم ١٤٤٣، والحاكم، ١/ ٢٢٥، والبيهقي، وحسّن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٧٠، وذكر أن القنوت بعد الركوع ثبت عن أبي بكر وعمر وعثمان بإسناد حسن، انظر: إرواء الغليل، ٢/ ١٦٤.\n(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الوتر، برقم١٤٢٧، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده، برقم ١١٨٢ وحسّن إسناده الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ١٩٥، وصحّح إسناده في إرواء الغليل، ٢/ ١٦٧، برقم ٤٢٦، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٨.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده، برقم ١١٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٩٥، وفي الإرواء، ٢/ ١٦٠.\n(٥) أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، برقم ١٤٨٨، والترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٦، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء، برقم ٣٨٦٥، والبغوي في شرح السنة، ٥/ ١٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٦٩.\n(٦) البيهقي، ٢/ ٢١٢، وقال: وهذا عن عمر - ﵁ - صحيح.","vol":"1","page":438},{"text":"وعن أنس - ﵁ - في قصة القرَّاء الذين قُتِلوا - ﵃ - قال: «لقد رأيت رسول الله - ﷺ - كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم - يعني على الذين قتلوهم» (١). وذكر البيهقي - ﵀ - أن عددًا من الصحابة رفعوا أيديهم في القنوت (٢)، أما تأمين المأمومين على قنوت الإمام، ففي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - «... إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم على رعلٍ وذكوان، وعصية، ويؤمّن مَن خلفه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>٩ - آخر صلاة الليل الوتر</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» (٤). وفي رواية لمسلم: «من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا [قبل الصبح]، فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بذلك» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>١٠ - الدعاء بعد السلام من صلاة الوتر</span>؛ يقول بعد التسليم: «سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح»؛ لحديث أُبيّ بن كعب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى بـ: ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، ويقنت قبل الركوع، فإذا فرغ قال عند فراغه: «سبحان الملك القدوس» ثلاث\n_________\n(١) البيهقي، ٢/ ٢١١، قال البنا في الفتح الرباني مع بلوغ الأماني: «قال صاحب البيان: «وهو قول أكثر أصحابنا واختاره من أصحابنا الجامعين بين الفقه والحديث الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي. بما رواه بإسناد له صحيح أو حسن عن أنس - ﵁ - ...» الحديث السابق.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي، ٢/ ٢١١، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٨٤، والشرح الممتع، ٤/ ٢٦، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٣.\n(٣) أبو داود، برقم ١٤٤٣، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وترًا، برقم ٩٩٨، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، برقم ٧٥١.\n(٥) مسلم، برقم ١٥٢ - (٧٥١)، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":439},{"text":"مرات، يمد بها صوته في الأخيرة يقول: «[رب الملائكة والروح]» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>١١ - لا وتران في ليلة ولا يُنقض الوتر</span>؛ لحديث طلق بن علي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا وتران في ليلةٍ» (٢)؛ ولأن النبي - ﷺ - كان يصلي ركعتين بعدما يوتر (٣)، فإذا أوتر المسلم أول الليل ثم نام، ثم يسَّر الله له القيام من آخر الليل، فإنه يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره بل يكتفي بوتره السابق (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>١٢ - إيقاظ الأهل لصلاة الوتر مشروع</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل وأنا معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت». وفي لفظ لمسلم: «كان يصلي صلاته من الليل وهي معترضة بين يديه، فإذا بقي الوتر أيقظها فأوترت». وفي لفظ آخر لمسلم: «فإذا أوتر قال: «قومي فأوتري يا عائشة» (٥). قال الإمام النووي - ﵀ -: «فيه أنه يستحب جعل الوتر آخر الليل سواء كان\n_________\n(١) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر أخبار الناقلين لخبر أبيّ بن كعب في الوتر، برقم ١٦٩٩، وأبو داود مختصرًا، كتاب الوتر، باب في الدعاء بعد الوتر، برقم ١٤٣٠، والدارقطني،\n٢/ ٣١، وما بين المعقوفين للدارقطني، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب في نقض الوتر، برقم ١٤٣٩، والترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء لا وتران في ليلة، برقم ٤٧٠، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب نهي النبي - ﷺ - عن وترين في ليلة، برقم ١٦٧٩، وأحمد، ٤/ ٢٣، وابن حبان في صحيحه [الإحسان]، ٤/ ٧٤، برقم ٢٤٤٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٤٦.\n(٣) مسلم، برقم ٧٣٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٥٩٨، وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٠٧ يقول: «السنة تأخير الوتر، لكنه إذا أوتر أول الليل لا يوتر آخره؛ لحديث: «لا وتران في ليلة»، أما من يقول بنقض الوتر فمعنى ذلك أنه يوتر ثلاث مرات، والصواب أنه إذا أوتر أول الليل ثم صلى آخره، فيصلي ولكنه لا يوتر بل يكتفي بوتره الأول». وانظر: مجموع فتاواه، ١١/ ٣١٠ - ٣١١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب إيقاظ النبي - ﷺ - أهله بالوتر، برقم ٩٩٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، برقم ٧٤٤.","vol":"1","page":440},{"text":"للإنسان تهجد أم لا، إذا وثق بالاستيقاظ آخر الليل إما بنفسه وإما بإيقاظ غيره، وأن الأمر بالنوم على وتر إنما هو في حق من لم يثق» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>١٣ - قضاء الوتر لمن فاته</span>؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - وفيه: «... وكان رسول الله - ﷺ - إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله - ﷺ - قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان ...» (٢).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل» (٣).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصلّ إذا أصبح أو ذكره» (٤). فالأفضل أن يقضي الوتر إذا نام عنه\nأو نسيه، من النهار بعد ارتفاع الشمس شفعًا على حسب عادته، فإن كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة، وإن كان يصلي تسع ركعات صلى عشر ركعات، وهكذا.\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم،٢/ ٢٧٠،وانظر: فتح الباري لابن حجر،٢/ ٤٨٧.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، برقم ٧٤٦.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، برقم ٧٤٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الدعاء بعد الوتر، برقم ١٤٣١، وابن ماجه بلفظه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من نام عن وتر أو نسيه، برقم ١١٨٨، والترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينسى، برقم ٤٦٥، ولفظه: «فليصلّ إذا ذكر وإذا استيقظ»، وفي لفظ له: «فليصلّ إذا أصبح»، والحاكم بلفظ الترمذي، ١/ ٣٠٢، وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد، ٣/ ٤٤ بلفظ: «إذا ذكرها أو إذا أصبح»، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٥٣. وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «هذا ضعيف بهذا اللفظ، ورواه أبو داود بإسناد جيد؛ لكن ليس فيه إذا أصبح، فرواية أبي داود تشهد له بالصحة، فالأفضل له أن يقضيه لكنه يشفعه، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: إن النبي - ﷺ - كان إذا شغله عن وتره نوم أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة»، سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم٤١٢.","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>١٤ - دعاء القنوت في النوازل في الصلاة المفروضة</span>، قد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قنت عند النازلة شهرًا يدعو على قوم، وثبت أنه قنت يدعو لقوم مستضعفين من أصحابه كانوا مأسورين عند أقوام يمنعونهم من الهجرة، فلما زال السبب ترك القنوت، ولم يداوم النبي - ﷺ - على القنوت في شيء من الصلوات المفروضة: لا الفجر، ولا غيرها، وكذلك خلفاؤه الراشدون كانوا يقنتون نحو هذا القنوت، فما كانوا يداومون عليه، ولكن إذا زال السبب تركوا القنوت، فالسنة القنوت عند النوازل ويُدعى فيها بما يناسب الحال من الدعاء لقوم أو عليهم، أو بما يناسب النازلة (١).\nوثبت عن النبي - ﷺ - أنه قنت في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء؛ لكن القنوت في الفجر والمغرب آكد (٢)، فلما زال السبب ترك القنوت، لزوال سببه، حتى في الفجر، وهذا يؤكد أن دعاء القنوت في الفجر على الدوام في غير النوازل بدعة (٣).\nويدل على ما تقدم من مشروعية القنوت في النوازل الأحاديث الآتية:\nالحديث الأول: حديث أنس - ﵁ - قال: «قنت النبي - ﷺ - شهرًا يدعو على رعلٍ وذكوان» (٤). وفي لفظ لمسلم: «دعا رسول الله - ﷺ - على الذين قتلوا\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢١/ ١٥١ - ١٥٦، و٢٣/ ٩٨ - ١١٦، وزاد المعاد، ١/ ١٧٢ - ١٨٦.\n(٢) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٩٧.\n(٣) ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المسلمين تنازعوا في القنوت على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن القنوت منسوخ وكله بدعة، فلا يشرع بحال بناءً على أن النبي - ﷺ - قنت ثم ترك، والترك نسخ للفعل.\nالقول الثاني: أن القنوت مشروع دائمًا، وأن المداومة عليه سنة، ولكن يكون ذلك في الفجر.\nالقول الثالث: وهو الصحيح، أنه يسن عند الحاجة إليه، كما قنت رسول الله - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون، ثم تركوا عند ارتفاع النوازل، فيكون القنوت مسنونًا عند النوازل، وهو الذي عليه فقهاء الحديث. انظر: الفتاوى، ٢٣/ ٩٩ و١٠٥ - ١٠٨، وقال - ﵀ -: «ولا يقنت في غير الوتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة، فيقنت كل مصلٍّ في جميع الصلوات، لكنه في الفجر والمغرب آكد، بما يناسب تلك النازلة». انظر: الاختيارات الفقهية، ص٩٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري بلفظه: كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، برقم ١٠٠٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٧.","vol":"1","page":442},{"text":"أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحًا ...». وفي لفظ له: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - وجد على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة، كانوا يُدعَوْن القرَّاء فمكث شهرًا يدعو على قَتَلَتِهِم» (١).\nالحديث الثاني: حديث خفاف بن إيماء الغفاري - ﵁ - قال: «ركع رسول الله - ﷺ - ثم رفع رأسه فقال: «غِفارُ غفَرَ الله لها، وأسلم سالمها الله، وعُصيَةُ عَصَتِ الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان، والعن رِعلًا وذكوان»، ثم وقع ساجدًا» (٢).\nالحديث الثالث: حديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: «قنت رسول الله - ﷺ - في الصبح والمغرب» (٣).\nالحديث الرابع: حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: «كان القنوت في المغرب والفجر» (٤).\nالحديث الخامس: حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «والله لأقرّبنَّ بكم\nصلاة رسول الله - ﷺ -، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر، وصلاة العشاء، وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار» (٥).\nالحديث السادس: حديث ابن عباس ﵄ قال: «قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا\n_________\n(١) مسلم، برقم ٢٩٧ (٦٧٧)، و٣٠٢ - (٦٧٧)، وتقدم تخريجه.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٩.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزل بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٨.\n(٤) البخاري، كتاب الوتر، باب القنوت قبل الركوع وبعده، برقم ١٠٠٤.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: حدثنا معاذ بن فضالة، برقم ٧٩٧، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم ٦٧٦.","vol":"1","page":443},{"text":"متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، في دبُر كل صلاة إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سُليم، على رِعلٍ وذكوان، وعصيّة، ويؤمّن مَن خلفه» (١).\nالحديث السابع: ديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قنت بعد الركعة في صلاةٍ شهرًا، إذا قال: «سمع الله لمن حمده» يقول في قنوته: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، قال أبو هريرة - ﵁ -: «ثم رأيت رسول الله - ﷺ - ترك الدعاء بعدُ، فقلت: أرى رسول الله - ﷺ - قد ترك الدعاء لهم؟ قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟» (٢). وفي رواية للبخاري: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يدعوَ على أحدٍ، أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الركوع ...» (٣). وفي لفظ لمسلم: «إن ذلك في صلاة الفجر» (٤). وفي لفظ للبخاري: «بينما النبي - ﷺ - يصلي\nالعشاء» (٥).\nالخبر الثامن: خبر عمر موقوفًا، فعن عبد الرحمن بن أبزى، قال: صليت خلف عمر بن الخطاب - ﵁ - صلاة الصبح، فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع: «اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِدُ، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين مُلحقٌ، اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونثني عليك الخير، ولا نكفرك،\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوتر، باب القنوت في الصلوات، برقم ١٤٤٣، وأحمد، ١/ ٣٠١ - ٣٠٢، والحاكم، والبيهقي، ٢/ ٢٠٠، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الإرواء، ٢/ ١٦٣، وفي صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٧٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: يهوي بالتكبير حين يسجد، برقم ٨٠٤، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة برقم ٦٧٥.\n(٣) البخاري، برقم ٤٥٦٠، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٤) مسلم، برقم ٦٧٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، برقم ٤٥٩٨، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":444},{"text":"ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع من يكفر» (١). وفي رواية أخرى أنه قنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء (٢).\nالحديث التاسع: حديث سعد بن طارق الأشجعي - ﵁ - قال: «قلت لأبي: يا أبتِ إنك قد صليت خلف رسول الله - ﷺ -،وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبي طالب هاهنا بالكوفة نحوًا من خمس سنين، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: أي بُنيَّ محدثٌ» (٣).فالقنوت في الفجر لا يكون إلا في النوازل.\nفظهر من جميع الأحاديث السابقة: أن القنوت في النوازل سُنَّة، وأنه يكون في الصلوات الخمس، ولكن في صلاة المغرب والفجر آكد، وأن الأفضل أن يكون القنوت بعد الرفع من الركوع، وأن الأفضل أن يرفع يديه ويجهر بالدعاء، ويؤمّن مَن خلف الإمام، وأن القنوت في الفجر في غير النوازل بدعة (٤)؛ لحديث سعد بن طارق - ﵁ - وفيه: «أي بني\nمحدث» (٥)، فسنة رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>الأول: أن دعاء القنوت في النوازل مشروع عند السبب الذي يقتضيه</span>، وليس بسنة دائمة في الصلاة.\n_________\n(١) البيهقي، ٢/ ٢١١،وصحح إسناده، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٧٠.\n(٢) سنن البيهقي،٢/ ١٢ وصححه، وقال الألباني في قنوت عمر بعد الركوع وقبله: «والصواب ثبوت الأمرين عنه» الإرواء، ٢/ ١٧١.\n(٣) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في ترك القنوت، برقم ٤٠٢، والنسائي، كتاب التطبيق، باب ترك القنوت، برقم ١٠٨٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر، برقم ١٢٤١،وأحمد، ٦/ ٣٩٤،وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٤٣٥.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية،٢٣/ ٩٨ - ١١٦،و٢١/ ١٥١ - ١٥٦،وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٢٧٢ - ٢٨٦.\n(٥) وأما حديث أنس عند أحمد، ٣/ ١٦٢، والدارقطني، ٢/ ٣٩، وغيرهما ولفظه: «ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا»، فضعفه أهل العلم، ونقل الألباني - ﵀ - تضعيفهم له بالتفصيل في الأحاديث الضعيفة، برقم ٢٣٨، ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٨، وقال: منكر.\nوسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٣٢٥ يقول عن هذه الرواية: «ضعيفة بكل حال ويدل على ضعفها حديث سعد بن طارق».","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاءً راتبًا محددًا</span>؛ بل يدعو في كل وقت ونازلة بما يناسب ذلك الوقت أو النازلة؛ لفعل النبي - ﷺ - وخلفائه - ﵃ - (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>النوع الثالث: صلاة الضحى:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>١ - صلاة الضحى سنة مؤكدة </span>(٢)؛ لأن النبي - ﷺ - فعلها وأرشد إليها أصحابه، وأوصى بها، والوصية لرجل واحد وصية للأمة كلها إلا إذا دلَّ الدليل على اختصاصه بها؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث [لا أدعهن حتى أموت]: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» (٣)؛ ولحديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: «أوصاني حبيبي - ﷺ - بثلاث لن أدعهن ما عشت، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر» (٤).\nوسمعت سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «هذان الحديثان الصحيحان حجة قائمة للدلالة على شرعية سنة الضحى وأنها سنة مؤكدة؛ لأنه - ﷺ - إذا أوصى بشيء فوصيته للأمة وليست خاصة بذلك الشخص، وهكذا إذا أمر أو نهى، فالحكم عام، إلا أن يخصه بشيء فيقول: هذا لك خاصة، وكون النبي - ﷺ - ما فعلها دائمًا لا ينافي سنيتها، فقد يفعل الشيء لبيان سنيته، وقد يتركه لبيان عدم وجوبه» (٥).\nوقد رجح النووي - ﵀ - أن سنة الضحى سنة مؤكدة بعد أن ذكر الأحاديث في ذلك، قال: «هذه الأحاديث كلها متفقة لا اختلاف\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ١٠٩، وزاد المعاد، ١/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١١/ ٣٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٩٨١، ومسلم، برقم ٧٢١، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٧٢٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤١٥.","vol":"1","page":446},{"text":"بينها عند أهل التحقيق، وحاصلها أن [سنة] الضحى سنة مؤكدة ...» (١).\nفالصواب أن المواظبة عليها سنة مؤكدة (٢)؛ لوصية النبي - ﷺ - بها، ولبيانه لفضلها، وقد صلاها - ﷺ - كما في حديث عائشة ﵂ حينما سُئلت كم كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة الضحى؟ قالت: «أربع ركعات ويزيد ما شاء الله». وفي رواية: «ما شاء» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>٢ - فضل صلاة الضحى ثابت في الأحاديث الصحيحة؛ للأحاديث الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>الأول: حديث أبي ذر - ﵁ </span>- عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يصبح على كل سُلامَى (٤) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ٢٣٧،وانظر: فتح الباري، لابن حجر،٣/ ٥٧.\n(٢) أما ما جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: «ما رأيت النبي - ﷺ - يصلي سبحة الضحى قط؛ وإني لأسبحها، وإن كان النبي - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» [البخاري، برقم ١٢٢٨، ومسلم، برقم ٧١٨]، وحديثها الآخر حينما سُئلت: هل كان النبي - ﷺ - يصلي الضحى؟ قالت: «لا، إلا أن يجيء من مغيبة»، [مسلم، برقم ٧١٧]. وحديثها أنه - ﷺ - كان يصلي «أربع ركعات ويزيد ما شاء الله»، فنفي عائشة ﵂ فعل النبي - ﷺ - لصلاة الضحى، وإثباتها لذلك لا تعارض بينهما، فإنما أثبتته لم تره وإنما بلغها أنه كان يصلي الضحى أربعًا، أما النفي فهي لم تره يفعلها إلا إذا قدم من مغيبه، وأخبرت أنها كانت تفعلها كأنه استناد إلى ما بلغها من الحث عليها، ومن فعله - ﷺ - لها، فألفاظها لا تتعارض. انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٦٠،وقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٢٥٦: «وغاية الأمر أنها أخبرت عما بلغ إليه علمها، وغيرها من الصحابة أخبر بما يدل على المداومة وتأكد المشروعية، ومن علم حجة على من لم يعلم، لا سيما، وذلك الوقت الذي تفعل فيه ليس من الأوقات التي تعتاد فيها الخلوة بالنساء».\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم٤١٥ - ٤١٧ يقول: «والجمع بين الروايات أن يقال: إن الإثبات كان أولًا ثم نسيت، أو أن النفي كان أولًا ثم ذكرت، وما أثبتت من حجة مقدم على ما نفت، كما لو كان عن صحابيين فالمثبت مقدم على النافي».\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، برقم ٧١٩.\n(٤) سُلامى: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٤٢.","vol":"1","page":447},{"text":"المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>الثاني: حديث بريدة - ﵁ </span>- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلًا فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة»، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: «النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئُك» (٢).\nومما يدل على ذلك حديث عائشة ﵂ ترفعه: «إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>الثالث: حديث نعيم بن همار</span>، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يقول الله - ﷿ -: يا ابن آدم لا تُعجزْني (٤) من أربع ركعات في أول النهار أكْفِكَ آخره» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>الرابع: حديث أبي الدرداء وأبي ذر ﵄ </span>عن رسول الله - ﷺ -، عن الله - ﵎ - أنه قال: «ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>الخامس: حديث أنس - ﵁ </span>- في فضل صلاة الضحى لمن جلس في المسجد بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلَّى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، برقم ٧٢٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الأدب، باب إماطة الأذى عن الطريق، برقم ٥٢٤٢،وأحمد،٥/ ٣٥٤،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،٣/ ٩٨٤،وإرواء الغليل، ٢/ ٢١٣.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، برقم ١٠٠٧.\n(٤) لا تعجزني: قيل: لا تفوتني من العبادة: أي لا تفتني بأن لا تفعل ذلك فيفوتك كفايتي آخر النهار. عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، ٤/ ١٦٨.\n(٥) أبو داود، كتاب التطوع، باب صلاة الضحى، برقم ١٢٨٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٣٩، وإرواء الغليل، ٢/ ٢١٦.\n(٦) الترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في صلاة الضحى، برقم ٤٧٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٧، والإرواء، ٢/ ٢١٩.","vol":"1","page":448},{"text":"ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة، تامةٍ، تامةٍ، تامة» (١). وقد صح في الحديث أن النبي - ﷺ - «كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حَسَنًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>٣ - وقت صلاة الضحى</span>، من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبل وقوف الشمس في كبد السماء قبل الزوال، والأفضل أن تُصلَّى بعد اشتداد الحر؛ لحديث زيد بن أرقم - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صلاة الأوَّابين حين تَرمَض الفصال» (٣).وفي لفظ: «صلاة الأوَّابين إذا رمضت الفصال» (٤)، فمن صلاها بعد ارتفاع الشمس قدر رمح فلا بأس، ومن صلاها بعد اشتداد الحر قبل وقت النهي فهو أفضل (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>٤ - عدد ركعات سنة الضحى لا حدّ له على الصحيح</span>؛ لأن النبي - ﷺ - «أوصى بركعتي الضحى، وبيَّن فضلهما» (٦)، وفي حديث عائشة ﵂\nقالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء الله» (٧). وقد روي عن جابر وأنس ﵄ «أن النبي - ﷺ - صلَّى الضحى ست ركعات» (٨)، وثبت عن أمّ هانئ بنت أبي طالب ﵂ أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، برقم ٥٨٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١٨١، وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - يحسّنه لكثرة طرقه.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، برقم ٦٧٠ عن جابر بن سمرة - ﵁ -.\n(٣) ترمض الفصال: أي حين تحتر الرمضاء فتحرق خفاف الصغار من أولاد الإبل. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٧٦.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، برقم ٧٤٨.\n(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١١/ ٣٩٥.\n(٦) البخاري، برقم ١٩٨١، ومسلم، ٧٢٠، ٧٢١، وتقدم التخريج.\n(٧) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع أو ست، والحث على المحافظة عليها، برقم ٧١٩.\n(٨) حديث جابر أخرجه الطبراني في الأوسط، برقم ١٠٦٦، ١٠٦٧ [مجمع البحرين]، ١/ ٢٧٨، وأخرج حديث أنس أيضًا في الأوسط، برقم ١٠٦٥ [مجمع البحرين]، ١/ ٢٧٦، وأخرجه الترمذي في الشمائل [المختصر للألباني]، برقم ٢٤٥ وصححه الألباني في هذا المختصر، ص١٥٦، وفي إرواء الغليل، برقم ٤٦٣، وذكر له طرقًا، فلتراجع حيث جزم بصحته، ٢/ ٢١٧.","vol":"1","page":449},{"text":"صلى في بيتها يوم فتح مكة ثمان ركعات بعدما ارتفع النهار، قالت: «فما رأيته صلَّى صلاة أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود» (١).\nوقد دل حديث عمرو بن عبسة - ﵁ - أن صلاة الضحى لا حد لأكثرها، وفيه: «... صلّ صلاة الصبح ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صلّ فإن الصلاة مشهودة محضورة (٢) حتى يستقلّ الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنَّ حينئذٍ تسجر جهنم ...» (٣). وفي سنن أبي داود: «... ثم أقصر حتى تطلع الشمس فترتفع قيد رمح أو رمحين» (٤)، وفي لفظ لأحمد: «فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فصلّ ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>القسم الثاني: ما تسن له الجماعة ومنه صلاة التراويح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>١ - مفهوم صلاة التروايح: </span>سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات» (٦).\nوالتراويح: هي قيام رمضان أول الليل (٧)، ويقال: الترويحة في شهر رمضان؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، بناءً على حديث\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب من تطوع في السفر، في غير دبر الصلوات وقبلها، برقم ١١٠٣،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان، وأوسطها أربع ركعات أو ست، برقم ٣٣٦.\n(٢) مشهودة محضورة: أي تحضرها الملائكة فهي أقرب إلى القبول وحصول الرحمة، شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٣٦٤.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة، برقم ٨٣٢.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب التطوع، باب من رخص فيها إذا كانت الشمس مرتفعة برقم ١٢٧٧.\n(٥) مسند أحمد،٤/ ١١١.\n(٦) انظر: القاموس المحيط، باب الحاء، فصل الراء، ص٢٨٢، ولسان العرب لابن منظور، باب الحاء، فصل الراء،٢/ ٤٦٢.\n(٧) انظر: مجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز.","vol":"1","page":450},{"text":"عائشة ﵂ أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهنّ، ثم يصلي ثلاثًا ...» (١). ودل قولها ﵂: «يصلي أربعًا ... ثم يصلي أربعًا ...» على أن هناك فصلًا بين الأربع الأولى والأربع الثانية، والثلاث الأخيرة، ويسلم في الأربع من كل ركعتين (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة». وفي لفظ: «يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة» (٣). وهذا يفسر الحديث الأول، وأنه - ﷺ - يسلم من كل ركعتين، وقد قال - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>٢ - صلاة التراويح سنة مؤكدة</span>، سنَّها رسول الله - ﷺ - بقوله، وفعله، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يرغّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» (٥)، قال الإمام النووي - ﵀ -: «اتفق العلماء\nعلى استحبابها» (٦)، ولا شك أن صلاة التراويح سنة مؤكدة أول من سنها بقوله وفعله رسول الله - ﷺ - (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>٣ - فضل صلاة التراويح </span>ثبت من قول النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره، برقم ١١٤٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ -، برقم ٧٣٨.\n(٢) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين،٤/ ٦٦.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ -،برقم ٧٣٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٠، ومسلم، برقم ٧٤٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب: تطوع قيام رمضان من الإيمان، برقم ٣٧، ومسلم، واللفظ له، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، برقم ٧٥٩.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٢٨٦.\n(٧) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٦٠١.","vol":"1","page":451},{"text":"- ﵁ - أنه قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (١). فإذا قام المسلم رمضان تصديقًا بأنه حق شرعه الله وتصديقًا بما قاله رسول الله - ﷺ - وما جاء به، واحتسابًا للثواب يرجو الله مخلصًا له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه حصل له هذا الثواب العظيم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>٤ - مشروعية الجماعة في صلاة التراويح وقيام رمضان وملازمة الإمام حتى ينصرف</span>؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - قال: صمنا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة»، وفي لفظ: «كُتبَ له قيام ليلة»،فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال، قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدَّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج إليهم رسول الله - ﷺ - في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فطفق (٤) رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري بلفظه، برقم ٣٧، ومسلم، برقم ٧٥٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٨٦، وفتح الباري لابن حجر، ١/ ٩٢، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٣٣.\n(٣) أحمد، ٥/ ١٥٩، وأبو داود، كتاب شهر رمضان، باب في قيام شهر رمضان برقم ١٣٧٥، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب قيام شهر رمضان، برقم ١٦٠٥، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، برقم ٨٠٦، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، برقم ١٣٢٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٥٣، وفي غيره.\n(٤) طفق: أي جعل.","vol":"1","page":452},{"text":"- ﷺ - حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهَّد، فقال: «أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ شأنكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها»، وذلك في رمضان» (١).\nوعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل»، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: «نعم البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله» (٢).\nوهذه الأحاديث تدلّ على مشروعية صلاة التراويح وقيام رمضان جماعة بالمسجد، وأن من لازم الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة كاملة.\nوأما قول عمر - ﵁ -: «نعم البدعة هذه» فهذا يعني به في اللغة، فمراده - ﵁ - أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، منها:\nأ- أن النبي - ﷺ - كان يحثّ على قيام رمضان، ورغَّب فيه، وقد صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن\nيكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمِنَ من بعده - ﷺ -.\nب- أمر النبي - ﷺ - باتباع خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين - ﵁ - (٣).\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد، برقم ٩٢٤، ومسلم واللفظ له، في كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، برقم ٧٦١.\n(٢) البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان، برقم ٢٠١٠.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ٢/ ١٢٩.","vol":"1","page":453},{"text":"قول عمر - ﵁ - «نعم البدعة هذه»: «البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر - ﵁ - وإلا فهي سنة فعلها - ﷺ - ليالي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>٥ - الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدم من ذنبه» (٢).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي - ﷺ - إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر (٣») (٤).\nوعنها ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (٥).\nوعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: «قمنا مع رسول الله - ﷺ - ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا يسمونه السحور» (٦). وفي حديث أبي ذر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم» (٧).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٠١٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب فضل ليلة القدر، برقم ٢٠١٤، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، برقم ٧٦٠.\n(٣) شدّ المئزر: معناه التشمير في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب ليلة القدر، باب العمل في العشر الأواخر من رمضان، برقم ٢٠٢٤، ومسلم واللفظ له، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان،\nبرقم ١١٧٤.\n(٥) مسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان، برقم ١١٧٥.\n(٦) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب قيام شهر رمضان، برقم ١٦٠٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ٣٥٤،وتقدم حديث أبي ذر - ﵁ - قبل يسير.\n(٧) أحمد، ٥/ ١٥٩، وأبو داود، برقم ١٣٧٥، والنسائي، برقم ١٦٠٥، والترمذي، برقم ٨٠٦، وابن ماجه، برقم ١٣٢٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>٦ - وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة</span>، ثم تصلى صلاة التراويح بعد ذلك (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>٧ - عدد صلاة التراويح ليس له تحديد لا يجوز غيره</span>، وإنما قال النبي - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى» (٢). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، أو صلى ستًا وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج (٣)، ولكن الأفضل ما فعله رسول الله - ﷺ - وهو ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباسرضي الله عنهما قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة» (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» (٥)، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب (٦)، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم\nالصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» (٧). والأمر واسع في ذلك، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، والله الموفق سبحانه (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>القسم الثالث: التطوع المطلق مشروع في الليل كله والنهار إلا أوقات النهي وهو نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>النوع الأول: التهجد بالليل:</span>\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٨٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٠، ومسلم، برقم ٧٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: سنن الترمذي، ٣/ ١٦١، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٦٠٤، وفتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ١١٢ - ١١٣، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٢٠ - ٢٣.\n(٤) مسلم، برقم ٧٦٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٤٧، ومسلم، برقم ٧٣٨، وتقدم تخريجه.\n(٦) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٧٢.\n(٧) البخاري، برقم ٩٩٠، ومسلم، برقم ٧٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٨) انظر: فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ٣٢٠ - ٣٢٤.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>أولًا: مفهوم التهجد</span>، يقال: هجد الرجل إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>ثانيًا: صلاة التهجد سنة مؤكدة </span>(٢)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله - ﷿ - في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣)، وقال - ﷿ - في صفة المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٦). وقال - ﷾ -: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٧) ووصف الله - ﷿ - أهل الإيمان الكامل الذين يقومون بالليل بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٨)؛ ولعظم شأن صلاة الليل قال الله لنبيه - ﷺ -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَمّل * قُمِ الليل إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ (٩). وقال سبحانه للنبي - ﷺ -: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الدال، فصل الهاء، ٣/ ٤٣٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الدال، فصل الهاء، ص٤١٨.\n(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز، ١١/ ٢٩٦.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٤.\n(٤) سورة الذاريات، الآيتان: ١٧، ١٨.\n(٥) سورة السجدة، الآيتان: ١٦، ١٧.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١١٣.\n(٧) سورة آل عمران، الآية: ١٧.\n(٨) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٩) سورة المزمل، الآيات: ١ - ٤.","vol":"1","page":456},{"text":"عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ (٢). وقال - ﷾ -: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود﴾ (٣). وقال - ﷿ -: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (٤)، وحث عليها النبي - ﷺ - بقوله: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>ثالثًا: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>١ - عناية النبي - ﷺ - بقيام الليل حتى تفطرت قدماه</span>، فقد كان يجتهد في القيام اجتهادًا عظيمًا، فعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكُورًا» (٦)، وعن المغيرة - ﵁ - قال: «قام النبي - ﷺ - حتى تورَّمت قدماه،\nفقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٧).\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.\n(٢) سورة الإنسان، الآيات: ٢٣ - ٢٦.\n(٣) سورة ق، الآية: ٤٠.\n(٤) سورة الطور، الآية: ٤٩.\n(٥) مسلم، كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم، برقم ١١٦٣ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الفتح، باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، برقم ٤٨٣٧، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم ٢٨٢٠.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، سورة الفتح، باب قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، برقم ٤٨٣٦، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، برقم ٢٨١٩.","vol":"1","page":457},{"text":"وقد أحسن القائل من أصحاب النبي - ﷺ - حين قال:\nوفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع\nيبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-944>٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة</span>، فعن عبد الله بن سلام - ﵁ - قال: لما قَدم النبي - ﷺ - المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل: قدِم رسول الله - ﷺ -، قدم رسول الله - ﷺ -، قدم رسول الله - ﷺ - ثلاثًا، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (٢).\nوقد أحسن القائل حين قال:\nألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍ ... مع الخيرات في غرف الجنان\nتعيش مُخلَّدًا لا موت فيها ... وتنعم في الجنان مع الحسان\nتيقظ من منامك إنَّ خيرًا ... من النوم التهجدُ بالقران (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة</span>؛ لحديث أبي مالك الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن في الجنة غُرفًا يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام (٤)، وأفشى السلام، وصلى بالليل\n_________\n(١) يذكر عن عبد الله بن رواحة - ﵁ -.\n(٢) أخرجه ابن ماجه بلفظه، كتاب الأطعمة، باب إطعام الطعام، برقم ٣٢٥١، وكتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل، برقم ١٣٣٤، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حديث: أفشوا السلام، برقم ٢٤٨٥، وفي كتاب البر والصلة، باب ما جاء في قول المعروف، برقم ١٩٨٤، والحاكم، ٣/ ١٣، وأحمد، ٥/ ٤٥١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٥٦٩، وإرواء الغليل، ٣/ ٢٣٩.\n(٣) قيام الليل للإمام محمد بن نصر المروزي، ص٩٠، والتهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا، ص٣١٧، وقيل الأبيات لمالك ابن دينار.\n(٤) تابع الصيام: أي أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضًا ولا يقطعها رأسًا، وقيل: أقله أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ٦/ ١١٩.","vol":"1","page":458},{"text":"والناس نيام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته</span>؛ لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-947>٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن</span>، فقال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل </span>فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ*تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ُنفِقُونَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم</span>، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>٨ - قيام الليل مكفّر للسيئات ومنهاة للآثام</span>، لحديث أبي أمامة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم،\nوهو قُربة إلى ربكم، ومكفّر للسيئات، ومنهاة للآثام» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>٩ - قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) أحمد، ٥/ ٣٤٣، وابن حبان (موارد) برقم ٦٤١، والترمذي، عن علي - ﵁ - كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة، برقم ٢٥٢٧، وأحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، ٢/ ١٧٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣١١، وصحيح الجامع، ٢/ ٢٢٠، برقم ٢١١٩.\n(٢) سورة الذاريات، الآيتان: ١٧ - ١٨.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٦٤.\n(٤) سورة السجدة، الآيات: ١٥ - ١٧.\n(٥) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٦) الترمذي، كتاب الدعوات، باب من فتح له منكم باب الدعاء، برقم ٣٥٤٩، والحاكم، ١/ ٣٠٨، والبيهقي، ٢/ ٥٠٢،وحسنه الألباني في إرواء الغليل،٢/ ١٩٩، برقم ٤٥٢، وفي صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٧٨.","vol":"1","page":459},{"text":"يرفعه، وفيه: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>١٠ - شرف المؤمن قيام الليل</span>؛ لحديث سهل بن سعد - ﵁ - قال: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به» ثم قال: «يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>١١ - قيام الليل يُغْبَطُ عليه صاحبه</span>؛ لعظيم ثوابه، فهو خير من الدنيا وما فيها؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (٣)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>١٢ - قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية\n_________\n(١) مسلم، برقم ١١٦٣، وتقدم تخريجه.\n(٢) أخرجه الحاكم، ٤/ ٣٢٥، وصححه ووافقه الذهبي، وحسّن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٦٤٠، وعزاه للطبراني في الأوسط، وأشار إلى ثبوته الهيثمي في مجمع الزوائد،\n٢/ ٢٥٣، وعزاه للطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٣١، وذكر له ثلاث طرق: عن علي، وعن سهل، وعن جابر - ﵁ -.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن، برقم ٨١٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة، برقم ٧٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلّمه وفضل من تعلم حكمه من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها، برقم ٨١٦.","vol":"1","page":460},{"text":"كتب من المقنطرين (١») (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عظام سمانٍ؟» قلنا: نعم، قال: «ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان» (٣).\nوقد حدد النبي - ﷺ - أقصى مدة وأدنى زمن يُختم فيه القرآن لعبد الله بن عمرو ﵄ عندما سأله، فقال له: «في أربعين يومًا»،ثم قال: «في شهر»،ثم قال: «في خمس عشرة» ثم قال: «في عشر»،ثم قال: «في سبع» (٤). قال: إني أقوى من ذلك، قال: «لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>رابعًا: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر</span>، وصلاة الليل تجوز في أوله، وأوسطه، وآخره؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته» (٦). وهذا يدل على التيسير، فعلى حسب ما تيسر للمسلم يقوم، ولكن\nالأفضل أن يكون القيام في الثلث الآخر من الليل؛ لحديث عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك\n_________\n(١) المقنطرين: أي ممن كتب له قنطار من الأجر، الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٤٩٥.\n(٢) أبو داود، كتاب شهر رمضان، باب تحزيب القرآن، برقم ١٣٩٨، وابن خزيمة في صحيحه،\n٢/ ١٨١، برقم ١١٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٦٤٣.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه، برقم٨٠٢.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب شهر رمضان، باب تحزيب القرآن، برقم ٣٩٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٢.\n(٥) أبو داود، كتاب شهر رمضان، باب في كم يقرأ القرآن، برقم ١٣٩٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦١.\n(٦) البخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - الليل من نومه وما نسخ من قيام الليل، برقم ١١٤١.","vol":"1","page":461},{"text":"الساعة فكن» (١). ومما يزيد ذلك وضوحًا حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ [فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر]» (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن في الليل لساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» (٣).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال له: «أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثلثَه، وينام سُدسَه، ويصوم يومًا ويُفطر يومًا، ولا يفرُّ إذا لاقى» (٤).\nوعن عائشة ﵂ قالت حينما سُئلت: أي العمل كان أحبَّ إلى رسول الله - ﷺ -؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ (٥). وفي حديثها الآخر ﵂: «إن كان رسول الله - ﷺ - ليوقظه الله من الليل فما يجيء السَّحر حتى يفرغ من حزبه» (٦).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء الضيف، برقم ٣٥٧٩، وأبو داود بنحوه، كتاب التطوع، باب من رخص فيها إذا كانت الشمس مرتفعة، برقم ١٢٧٧،والنسائي، كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد العصر، برقم ٥٧٢،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،٣/ ١٨٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٥، ومسلم، برقم٧٥٨، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب في الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء، برقم ٧٥٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب من نام عند السحر، برقم ١١٣١، و١٩٧٩، ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الصوم الدهر، برقم ١١٥٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري برقم ١١٣٢، ومسلم، برقم ٧٤١، وتقدم تخريجه.\n(٦) أبو داود، كتاب التطوع، باب وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل، برقم ١٣١٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٤.","vol":"1","page":462},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-956>خامسًا: عدد ركعات قيام الليل، ليس له عددٌ مخصوص</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» (١).\nولكن الأفضل أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ أو ثلاث عشرة ركعة، لفعل النبي - ﷺ -، فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة» (٢)؛ ولحديثها الآخر: «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>سادسًا: آداب قيام الليل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>١ - ينوي عند نومه قيام الليل وينوي بنومه التَّقوّي على الطاعة ليحصل على الثواب على نومه</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومُه صدقةً عليه» (٤)؛ولحديث أبي الدرداء - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ - قال: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبتْهُ عيناه حتى أصبح، كُتبَ له ما نوى، وكان نومُهُ صدقةً عليه من ربه - ﷿ -» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>٢ - يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ، ويذكر الله، ويشوص فاه بالسواك </span>ويقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٠، ومسلم، برقم ٧٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) مسلم، برقم ٧٣٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه، البخاري، برقم ١١٤٧، ومسلم، برقم ٧٣٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من كان له صلاة بالليل فغلبه عليها النوم، برقم ١٧٨٤، وأبو داود، كتاب التطوع، باب من نوى القيام فنام، برقم ١٣١٤، ومالك في الموطأ،\n١/ ١١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٨٦، وفي إرواء الغليل، ٢/ ٢٠٥.\n(٥) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب من أتى فراشه وهو ينوي القيام فنام، برقم ٦٨٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٤٥٤، وفي صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٨٦.","vol":"1","page":463},{"text":"أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربّ اغفر لي»؛لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب [له] (١») (٢).\nوفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «... استيقظ رسول الله - ﷺ - فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ...» (٣)، وعن حذيفة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (٤)، ويقول أذكار الاستيقاظ من النوم الأخرى (٥)، ويتوضأ كما أمره الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>٣ - يفتتح تهجّدَه بركعتين خفيفتين</span>؛ لفعل النبي - ﷺ - وقوله، لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٦)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>٤ - يُستحبُّ أن يكون تهجدُه في بيته</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يتهجَّد في بيته؛ ولحديث زيد بن ثابت - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «... فعليكم بالصلاة\n_________\n(١) ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٤١ أن قوله «له» زادها الأصيلي، قال: «وكذا في الروايات الأخرى» قلت: زادها ابن ماجه في سننه، برقم ٣٨٧٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٣٥.\n(٢) البخاري، كتاب التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى، برقم ١١٥٤.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ١٨٢ - (٧٦٣) وأصل الحديث متفق عليه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الغسل، باب السواك، برقم ٢٤٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، برقم ٢٥٤.\n(٥) انظر، حصن المسلم، للمؤلف ص١٢ - ١٦.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٦٧.\n(٧) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٦٨.","vol":"1","page":464},{"text":"في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>٥ - المداومة على قيام الليل وعدم قطعه</span>، يُستحب أن يكون للمسلم ركعات معلومة يداوم عليها، فإذا نشط طوَّلها وإذا لم ينشط خفَّفها، وإذا فاتته قضاها؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا» وكان يقول: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ» (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي النبي - ﷺ -: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: «... وكان رسول الله - ﷺ - إذا صلى صلاة أحبّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة» (٤)، ولحديث عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>٦ - إذا غلبه النعاس ينبغي له أن يترك الصلاة وينام حتى يذهب عنه النوم</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا نعس أحدُكم في الصلاة فليرقدْ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدَكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب\nيستغفر فيسبّ نفسه» (٦)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع» (٧).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٣١، ومسلم واللفظ له، برقم ٧٨١، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٧٠، ومسلم برقم ٧٨٢، واللفظ له، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٥٢، ومسلم، برقم ١١٥٩، ويأتي تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٧٤٦، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، برقم ٧٤٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٢١٢، ومسلم، برقم ٧٨٦، وتقدم تخريجه.\n(٧) مسلم، برقم ٧٨٧، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-964>٧ - يُستحب له أن يوقظ أهله</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يصلي من الليل فإذا أوتر قال لعائشة ﵂: «قومي فأوتري يا عائشة» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» (٢). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات» (٣).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - طرقه وفاطمة بنت النبي - ﷺ - ليلةً فقال: «ألا تصليان؟» فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله - ﷺ - حين قلت له ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئًا، ثم سمعته وهو مدبرٌ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٤).\nقال ابن بطال - ﵀ -: «فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك» (٥)، وقال الطبري - ﵀ -: «لولا ما علم النبي - ﷺ - من عِظَمِ فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنَتَه وابنَ عمه، في\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٧، ومسلم واللفظ له، برقم ٧٤٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الترغيب في قيام الليل، برقم ١٦١٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، برقم ١٣٣٦، وأبو داود، كتاب التطوع، باب قيام الليل، برقم ١٣٠٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٥٤.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، برقم ١٣٣٥، وأبو داود، كتاب التطوع، باب قيام الليل، برقم ١٣٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، برقم ١١٢٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الحث على صلاة الليل وإن قلَّت، برقم ٧٧٥، والآية من سورة الكهف: ٥٤.\n(٥) نقلًا عن فتح الباري، لابن حجر ٣/ ١١.","vol":"1","page":466},{"text":"وقت جعله الله لخلقه سكنًا، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدَّعة والسكون، امتثالًا لقول الله تعالى (١): ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). وقول علي - ﵁ -: «إنما أنفسنا بيد الله» اقتبس علي - ﵁ - ذلك من قوله تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقوله «بعثنا» المقصود: أيقظنا (٤)، وقوله: «طرقه»، ذكر النووي - ﵀ - أن الطرق هو الإتيان في الليل، وأن ضرب النبي - ﷺ - لفخذه المختار في معناه: أنه من سرعة جوابه وعدم موافقته به على الاعتذار، ولهذا ضرب فخذه، والحديث فيه: الحث على صلاة الليل، وأمر الإنسان صاحبه بها، وتعهد الإمام والكبير رعيته، بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته أو اعتذر إليه بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يُعنّف إلا لمصلحة (٥).\nوعن أم سلمة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت: استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلة فزعًا، فقال: «سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفتن؟ أيقظوا صواحب يوسف - يريد أزواجه - لكي يصلين، رُبَّ كاسية في\nالدنيا عارية في الآخرة». وفي لفظ: «ماذا أنزل الليلة؟» (٦). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «... فيه التحريض على صلاة الليل وعدم الإيجاب،\n_________\n(١) نقلًا عن فتح الباري، لابن حجر ٣/ ١١.\n(٢) سورة طه، الآية: ١٣٢.\n(٣) سورة الزمر، الآية: ٤٢.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١١.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٣١١،وفتح الباري لابن حجر، ٣/ ١١.\n(٦) البخاري، كتاب العلم، باب العلم والعظة بالليل، برقم ١١٥، وكتاب التهجد، باب تحريض النبي على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، برقم ١١٢٦، وكتاب الأدب، باب التكبير والتسبيح عند التعجب، برقم ٦٢١٨، وكتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، برقم ٧٠٧٩.","vol":"1","page":467},{"text":"يُؤخذ من ترك إلزامهن بذلك» (١). وفي الحديث استحباب ذكر الله عند الاستيقاظ، وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند آية تَحدُثُ (٢)، قال ابن الأثير - ﵀ -: «رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» هذا كناية عما يقدمه الإنسان لنفسه من الأعمال الصالحة، يقول: «رُبَّ غني في الدنيا لا يفعل خيرًا، وهو فقير في الآخرة، ورُبَّ مكتسٍ في الدنيا ذي ثروة ونعمة عارٍ في الآخرة شقيٌّ» (٣).\nوعن عبد الله بن عمر - ﵁ -، أن أباه عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>٨ - يقرأ المتهجد جزءًا من القرآن أو أكثر، أو أقل على حسب ما تيسر مع التدبر لما يقرأ</span>، وهو مُخيَّر بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها فالجهر أفضل، وإن كان قريبًا منه من يتهجد، أو من يتضرر برفع صوته، فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء (٥).\nوقد دلت الأحاديث على هذا كله، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «صليت مع رسول الله - ﷺ - ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه» (٦). وعن حذيفة - ﵁ - قال:\n_________\n(١) فتح الباري، ٣/ ١١.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ١١.\n(٣) جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، ٦/ ٦٨.\n(٤) موطأ الإمام مالك، كتاب صلاة الليل، باب ما جاء في صلاة الليل، برقم ٥، قال الشيخ\nعبد القادر الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول، ٦/ ٦٩: «إسناده صحيح»، وصححه الألباني في حاشيته على مشكاة المصابيح للتبريزي، ١/ ٣٩٠، برقم ١٢٤٠.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٦٢.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل، برقم ١١٣٥، ومسلم واللفظ له، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٣.","vol":"1","page":468},{"text":"«صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذ ...» (١)، وعن عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ - قال: قمت مع رسول الله - ﷺ - ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة» ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة» (٢). وعن حذيفة - ﵁ - أنه رأى رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام» (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رجلًا قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: «هذًَّا كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن\nبينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة» (٤).وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة» وقال: «عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من\n_________\n(١) مسلم، تاب صلاة المسافرين، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم ٧٧٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٨٧٣، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر في الركوع، برقم ١٠٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم ٧٧٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة، والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، برقم ٧٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ترتيل القرآن واجتناب الهذّ، برقم ٢٧٥ - (٧٢٢).","vol":"1","page":469},{"text":"الحواميم: ﴿حم﴾،الدخان، و﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١). وفي لفظ لمسلم: «عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف عبد الله» (٢). وفي لفظ لمسلم: «... هذًّا كهذّ الشعر، إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن ...» (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «قام رسول الله - ﷺ - بآية من القرآن ليلة» (٤). وعن أبي ذر - ﵁ - قال: «قام النبي - ﷺ - بآية حتى أصبح يرددها، والآية: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥).\nوهذا يدل على التنويع في القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده، وعلى حسب الأحوال وقوة الإيمان.\nوأما الجهر بالقراءة والإسرار بها في قيام الليل، فعن عائشة ﵂ أنها سُئلت عن قراءة النبي - ﷺ - بالليل يجهر أم يسرّ؟ فقالت: «كل ذلك قد كان يفعل، ربما جهر وربما أسرَّ» (٦). وعن أبي قتادة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر: «يا أبا بكر، مررت بك وإنك تصلي تخفضُ صوتك» قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، قال: «ارفع قليلًا» وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعًا صوتك» فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان\n_________\n(١) البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، برقم ٤٩٩٦، ورقم ٥٠٤٣.\n(٢) مسلم، برقم ٢٧٦ - (٧٢٢)، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم٢٧٥ - (٧٢٢).\n(٤) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في قراءة الليل، برقم ٤٤٨، وصحح إسناده الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٤٠.\n(٥) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٥٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٢٥، وصححه الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول، ٦/ ١٠٥.\n(٦) أبو داود، كتاب الوتر، باب في وقت الوتر، برقم ١٤٣٧، والترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء كيف كانت قراءة النبي - ﷺ -، برقم ٢٩٢٤، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف القراءة بالليل، برقم ١٦٦٢، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٥٤، وأحمد، ٦/ ١٤٩، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٦٥.","vol":"1","page":470},{"text":"وأطرد الشيطان، قال: «اخفض قليلًا» (١).\nوعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يقرأ من الليل، فقال: «يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا» وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: «﵀ لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها» (٢).\nوالقرآن إذا صلَّى به الحافظ له بالليل والنهار ذكره، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت» (٣). وفي رواية لمسلم: «وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>٩ - جواز التطوع جماعة أحيانًا في قيام الليل</span>؛ لأن النبي - ﷺ - صلى جماعة، وصلى منفردًا، لكن كان أكثر تطوعه منفردًا، فصلى بحذيفة مرة (٥)،وابن\nعباس مرة (٦)،وبأنس وأمه واليتيم مرة (٧)،وبابن مسعود مرة (٨)،وبعوف بن مالك مرة (٩)، وصلى بأنس وأمه، وأم حرام خالة أنس مرة (١٠)، وصلى\n_________\n(١) أبو داود، كتاب التطوع، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٢٩، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة بالليل، برقم ٤٤٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب من لم ير بأسًا أن يقول سورة البقرة، وسورة كذا وكذا، ومسلم، واللفظ له في كتاب فضائل القرآن، باب الأمر بتعهد القرآن، وكراهة قول نسيت آية كذا، وجواز قول أُنسيتها، برقم ٧٨٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، برقم ٥٠٣١، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأمر بتعهد القرآن، برقم ٧٨٩.\n(٤) مسلم، برقم ٢٢٧ - (٧٨٩)، وتقدم في الذي قبله.\n(٥) مسلم، برقم ٢٢٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٢، ومسلم، برقم ٨٢ - (٧٦٣)، وتقدم تخريجه.\n(٧) مسلم، برقم ٦٥٨، وتقدم تخريجه.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٥، ومسلم، برقم ٧٧٣، وتقدم تخريجه.\n(٩) أبو داود، برقم ٨٧٣، والنسائي برقم ١٠٤٩، وتقدم تخريجه.\n(١٠) مسلم، برقم ٦٦٠، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":471},{"text":"بعتبان بن مالك وأبي بكر مرة (١)، وأَمَّ أصحابه في بيت عثمان مرة (٢)، ولكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة، وإنما إذا فعل ذلك أحيانًا فلا بأس، إلا صلاة التراويح فإن الجماعة فيها سنة دائمة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>١٠ - يختم تهجده بوتر</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا». وفي لفظ لمسلم: «من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا [قبل الصبح]،فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بذلك» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>١١ - يحتسب النومة والقومة</span>؛ ليحصل على الأجر في جميع أحواله: في النوم واليقظة، وقد تذاكر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري ﵄ الأعمال الصالحة، فقال معاذ: يا عبد الله (٥) كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوّقُهُ تفوُّقًا (٦)، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي»، وفي رواية: «فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقًا، قال: أما أنا فأقوم وأنام، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي» (٧).\nقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: «ومعناه أنه يطلب الثواب\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٨٦، ومسلم، برقم ٣٣.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٦٧.\n(٣) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٩٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٨، ومسلم، برقم ٧٥١، وتقدم تخريجه.\n(٥) أبو موسى الأشعري: اسمه عبد الله بن قيس.\n(٦) أتفوقه: أي ألازم قراءته ليلًا ونهارًا شيئًا بعد شيء، وحينًا بعد حين، مأخوذ من فواق الناقة، وهو أن تحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب، هكذا دائمًا. انظر: فتح الباري لابن حجر،٨/ ٦٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، برقم٤٣٤١، ٤٣٤٢، ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ومسلم، كتاب الجهاد، بابٌ في الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٣.","vol":"1","page":472},{"text":"في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حصَّلت الثواب» (١).\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا فيه حسن سيرة الصحابة وغيرتهم، والمذاكرة فيما بينهم، وفيه الاحتساب حتى النومة والقومة، فالمسلم ينظّم وقته، وينظّم أموره: ساعة للقرآن، وساعة لأموره الأخرى، وساعة لأهله ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>١٢ - طول القيام مع كثرة الركوع والسجود </span>هو الأفضل في صلاة الليل ما لم يشق ذلك أو يسبب الملل؛ لحديث جابر بن\nعبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «أفضل الصلاة\nطول القنوت (٣) ...» (٤)؛ ولحديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، أن رجلًا\nسأله عن عملٍ يدخل به الجنة، أو بأحب الأعمال إلى الله، فقال: سألت\n_________\n(١) فتح الباري، ٨/ ٦٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٣٤١، في فجر يوم الخميس الموافق\n٢٢/ ٧/١٤١٦هـ بالجامع الكبير في مدينة الرياض.\n(٣) القنوت: في الحديث يروى بمعانٍ متعددة، فيطلق على: الطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع [انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب القاف مع النون، ٤/ ١١١، ومشارق الأنوار على الصحاح والآثار، للقاضي عياض، حرف القاف مع سائر الحروف، ٢/ ١٨٦، وهدي الساري مقدمة فتح الباري، لابن حجر، ص١٧٦]، وذكر الحافظ ابن حجر أن ابن العربي ذكر أن القنوت ورد لعشرة معانٍ نظمها الحافظ زين الدين العراقي:\nولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيدًا على عشرة معاني مرضية\nدعاء، خشوع، والعبادة، طاعة ... إقامتها، إفراده بالعبودية\nسكوت، صلاة، والقيام، وطوله ... كذا دوام الطاعة الرابح القنيه\n\n[راجع فتح الباري الطبعة السلفية ٢/ ٤٩١].\nقال ابن الأثير - ﵀ - بعد أن ذكر معاني القنوت في الأحاديث: «فيصرف كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله الحديث الوارد فيه» [النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ١١١].\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت، برقم ٧٥٦.","vol":"1","page":473},{"text":"رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة» (١)؛ ولحديث ربيعة بن كعب الأسلمي - ﵁ - قال: كنت أبيت مع رسول الله - ﷺ - فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أوَغيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثر الدعاء» (٣)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌ أن يُستجاب لكم» (٤).\nواختلف العلماء - ﵏ -؛ لهذه الأحاديث في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثر السجود مع قصر القيام؟\nفمنهم من قال: كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث فضل السجود آنفة الذكر.\nومنهم من قال: إنهما سواء.\nومنهم من قال: طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفًا (٥): «أفضل الصلاة طول القنوت» (٦)،قال الإمام النووي﵀-: «المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت» (٧).\n_________\n(١) مسلم، برقم٤٨٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) مسلم، برقم ٤٨٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) مسلم، برقم ٤٨٢، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٤٧٩، وتقدم تخريجه.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٦٤، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٦٩، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٧٠.\n(٦) مسلم، برقم ٧٥٦، وتقدم تخريجه.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٨١.","vol":"1","page":474},{"text":"وقال الإمام الطبري﵀- في قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١) هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائمًا في الصلاة ... وقال آخرون: هو الطاعة، والقانت المطيع» (٢).\nوقال ابن كثير - ﵀ -: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود - ﵁ - القانت المطيع لله - ﷿ - ولرسوله - ﷺ -» (٣).\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: أن تطويل الصلاة قيامًا وركوعًا وسجودًا أولى من تكثيرها قيامًا وركوعًا وسجودًا (٤).\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - يقول: «قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من فضل هذا، وكانت صلاة الرسول - ﷺ - معتدلة إن أطال القيام أطال السجود والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون». وذكر - ﵀ - أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا\nارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي صلاة معتدلة إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن قصر\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٩.\n(٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١/ ٢٦٧.\n(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ٤/ ٤٨.\n(٤) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٧١، وقد فصل في ذلك من ٢٣/ ٦٩ - ٨٣، وذكر أن جنس السجود أفضل من جنس القيام من اثني عشر وجهًا، ثم ذكر هذه الوجوه بالأدلة تفصيلًا.","vol":"1","page":475},{"text":"قصر (١).\nوقد كان النبي - ﷺ - يتحمل كثيرًا في العبادة، ويتلذذ بها، وربما يقوم في صلاة الليل حتى تتفطَّرَ قدماه، فتقول له عائشة ﵂: يا رسول الله، لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢).وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قرأ في ركعة واحدة من قيام الليل: سورة البقرة، والنساء، وآل عمران (٣)،ورآه حذيفة - ﵁ - يصلي أربع ركعات من الليل قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام (٤).\nوقالت عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -: «كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته - تعني بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأُ أَحَدُكُم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه» (٥).\nوقد كان - ﷺ - يرتاح لذلك ولا يملُّ من عبادة ربه - ﷿ -؛ بل كانت الصلاة قُرَّةَ عينه، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُبّبَ إليّ النساء والطيب، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة» (٦). وكانت الصلاة راحته، فعن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل: ليتني صليت واسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها» (٧).\n_________\n(١) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الحديث رقم ١٢٦١ من منتقى الأخبار لابن تيمية.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٨٣٦/ ٤٨٣٧، ومسلم، برقم ٢٨١٩، ٢٨٢٠ من حديث عائشة والمغيرة ﵄ وتقدم تخريجهما.\n(٣) مسلم، برقم ٧٧٢، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، برقم ٨٧٣، والنسائي، برقم ١٠٤٩، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، برقم ٩٩٤.\n(٦) النسائي، كتاب عِشرة النساء، باب حب النساء، برقم ٣٩٠٤، وأحمد، ٣/ ١٢٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٨٢٧.\n(٧) أبو داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في العتمة، برقم ٤٩٨٥، ورقم ٤٩٨٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ٩٤١.","vol":"1","page":476},{"text":"أما الأمة فقال لهم - ﷺ -: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا» (١). وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الدين يُسْرٌ ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ، فسدّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا» (٢).\nوسمعت سماحة الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا يدل على أن الأفضل في حقنا القصد وعدم التطويل الذي يشق علينا حتى لا نمل، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلي ويجتهد ويتعبد لكن من غير مشقة، بل يتوسط في الأمور حتى لا يمل العبادة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>سابعًا: الأسباب المعينة على قيام الليل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>١ - معرفة فضل قيام الليل، ومنزلة أهله عند الله تعالى</span>، وما لهم من السعادة في الدنيا والآخرة، وأن لهم الجنة، وقد شهد الله لهم بالإيمان الكامل، وأنهم لا يستوون هم والذين لا يعلمون، وأن قيام الليل من أسباب دخول الجنة، ورفع الدرجات في غرفها العالية، وأنه من صفات عباد الله الصالحين، وأن شرف المؤمن قيام الليل، وأنه مما ينبغي أن يغبط عليه الإنسان المؤمن (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>٢ - معرفة كيد الشيطان، وتثبيطه عن قيام الليل والترهيب من ترك قيام شيء من الليل</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: ذُكرَ عند النبي - ﷺ - رجل نام ليلة حتى أصبح قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه»، أو قال: «في أذنيه» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يعقد الشيطان\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري ١٩٧٠، ومسلم، برقم ٧٨٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٩، ورقم ٦٤٦٣، ومسلم، برقم ٢٨١٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الأحاديث من رقم ١٢٥٧ - ١٢٦٢ من منتقى الأخبار.\n(٤) تقدمت جميع الأدلة على كل مسألة من هذه المسائل في فضل قيام الليل قبل صفحات.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه، برقم ١١٤٤، وكتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم ٣٢٧٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الحث على صلاة الليل وإن قلت، برقم ٧٧٤.","vol":"1","page":477},{"text":"على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقدٍ، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن صلى انحلَّت عُقَدُهُ، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل» (٢)، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى رؤيا فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂ فقصَّتها على رسول الله - ﷺ - فقال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلًا» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يُبغض كل جعظريٍّ جوَّاظ (٤)، سخَّاب (٥) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالمٍ جاهل بأمر الآخرة» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>٣ - قصر الأمل وتذكر الموت</span>؛ فإنه يدفع على العمل ويذهب الكسل؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب عقد الشيطان، على قافية الرأس إذا لم يصلّ بالليل، برقم ١١٤٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الحث على صلاة الليل، برقم ٧٧٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، برقم ١١٥٢، وقد أخرجه في سبعة عشر موضعًا بألفاظ مفيدة في الصيام والصلاة والحقوق وهذه المواضع أولها برقم ١١٣١. وأخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، برقم ١٨٥ - (١١٥٩).\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل، برقم ١١٢١، ١١٢٢، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو ﵄ برقم ٢٤٧٩.\n(٤) الجعظري: الشديد الغليظ، والجواظ: الأكول، وقيل: الجموع المنوع.\n(٥) السخاب والصخاب: الصياح. انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٥٠٠.\n(٦) ابن حبان في [الإحسان]، برقم ٧٢، ١/ ٢٧٣، والبيهقي في السنن، وصحح إسناده على شرط مسلم شعيب الأرنؤوط في حاشيته على صحيح ابن حبان، (الإحسان)، ١/ ٢٧٤، وصحح إسناده الألباني في الصحيحة، برقم ١٩٥، وحسَّن إسناده في صحيح الترغيب برقم ٦٤٥.","vol":"1","page":478},{"text":"بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».وكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» (١).\nقال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -:\nاغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ ... فعسى أن يكون موتك بغتة\nكم صحيح رأيت من غيرسقمٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٢)\n\nولَمّا نُعي إليه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ أنشد:\nإن عشت تفجع بالأحبة كلهم ... وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع (٣)\n\nوقال آخر:\nصلاتك نورٌ والعباد رقودٌ ... ونومك ضد للصلاة عنيد\nوعمرك غُنمٌ إن عقلت ومهلةٌ ... يسيرُ ويفنى دائبًا ويبيد (٤)\n\nوقال بعض الصالحين:\nعجبتُ من جسمٍ ومن صحةٍ ... ومن فتىً نام إلى الفجر\nفالموتُ لا تؤمن خطفاتُهُ ... في ظلم الليل إذا يسرِي\nمن بين منقول إلى حفرةٍ ... يفترش الأعمال في القبر\nوبين مأخوذٍ على غِرَّةٍ ... بات طويل الكبر والفخر\nعاجله الموتُ على غفلةٍ ... فمات محسورًا إلى خسر (٥)\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب» برقم ٦٤١٦.\n(٢) هدي الساري مقدمة صحيح البخاري، لابن حجر، ص٤٨١.\n(٣) المرجع السابق، ص٤٨١.\n(٤) قيام الليل لمحمد بن نصر، ص٤٢، والتهجد وقيام الليل لابن أبي الدنيا، ص٣٢٩.\n(٥) التهجد وقيام الليل، لابن أبي الدنيا، ص٣٣، وقيام الليل لمحمد بن نصر، ص٩٢.","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-974>٤ - اغتنام الصحة والفراغ</span>؛ ليكتب له ما كان يعمل؛ لحديث أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (١).\nفينبغي للعاقل أن لا يفوته هذا الفضل العظيم، فيجتهد في حال الصحة، والفراغ، والإقامة في الأعمال الصالحة حتى تكتب له إذا عجز أو شُغل؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ» (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>٥ - الحرص على النوم مبكرًا؛ ليأخذ قوة ونشاطًا يستعين بذلك </span>على قيام الليل وصلاة الفجر؛ لحديث أبي برزة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>٦ - الحرص على آداب النوم، وذلك بأن ينام على طهارة</span>، وإن لم يكن على طهارة توضأ، وصلى ركعتين سنة الوضوء، ثم يدعو بما ثبت من أذكار النوم، ويجمع كفيه ثم ينفث فيهما ويقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الناس﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة، برقم ٦٤١٢.\n(٣) الحاكم، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٠٦، وابن المبارك في الزهد،\n١/ ١٠٤، برقم ٢، من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا، وقال ابن حجر في فتح الباري،\n١١/ ٢٣٥ «... أخرجه ابن المبارك في الزهد بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون» فمرسل عمرو بن ميمون شاهد لرواية الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ٣٥٥، برقم ١٠٨٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري بلفظه، كتاب مواقيت الصلاة، باب ما يكره من النوم قبل العشاء، برقم ٥٦٨، ومسلم بمعناه، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦١.","vol":"1","page":480},{"text":"جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، ويقرأ آية الكرسي، والآيتين من آخر سورة البقرة، ويكمل أذكار النوم (١)، وهذا يكون من أسباب الإعانة على قيام الليل، وعليه أن يأخذ بالأسباب بأن يضع ساعة عند رأسه تنبهه، أو يوصي من حوله من أهله، وأقاربه، أو جيرانه، أو زملائه أن يوقظوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>٧ - العناية بجملة الأسباب التي تعين على قيام الليل</span>، فلا يكثر الأكل، ولا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال التي لا فائدة فيها؛ بل ينظم أعماله النافعة، ولا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها تعين على قيام الليل، ويجتنب الذنوب والمعاصي، وقد ذُكِرَ عن الثوري - ﵀ - أنه قال: «حُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته»، فالذنوب قد يُحْرَمُ بها العبد فيفوته كثير من الغنائم: كقيام الليل، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: سلامة القلب للمسلمين، وطهارته من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: حب الله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام (٢)، ففي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة\nإلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>النوع الثاني: صلاة النهار والليل المطلقة:</span>\nيصلي المسلم ما شاء من ليل أو نهار من الصلوات المطلقة في غير أوقات النهي، وتكون صلاته مثنى مثنى؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «صلاة الليل والنهار، مثنى مثنى ...» (٤)، فيصلي\n_________\n(١) انظر: حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة، للمؤلف، ص٦٨ - ٧٨.\n(٢) انظر: مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ص٦٧ - ٦٨.\n(٣) مسلم عن جابر - ﵁ - برقم ٧٥٧، وتقدم تخريجه.\n(٤) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف صلاة الليل، برقم ١١٦٦، وأبو داود، باب في صلاة النهار، برقم ١٢٩٥، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، برقم ١٣٢٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٦٦، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٢٢١، وصحيح أبي داود، ١/ ٢٤٠.","vol":"1","page":481},{"text":"المؤمن ما شاء، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا َزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (١). قال: «كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون». وكان الحسن يقول: «قيام الليل» (٢). وعن أنس - ﵁ - أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) قال: «كانوا يصلون في ما بين المغرب والعشاء وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ (٤). وعن حذيفة - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة» (٥)، وفي رواية عن حذيفة - ﵁ - قال: سألتني أمي: متى عهدك بالنبي - ﷺ -؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبي - ﷺ - فأصلي معه وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي - ﷺ - فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعتُه، فسمع صوتي فقال: «من هذا حذيفة؟» قلت: نعم، قال: «ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟» قال: «إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطُّ قبل هذه الليلة استأذن ربَّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء\n_________\n(١) سورة السجدة، الآية: ١٦.\n(٢) أبو داود، كتاب التطوع، باب وقت قيام النبي - ﷺ -، برقم ١٣٢١، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، بابٌ ومن سورة السجدة، برقم ٣١٩٦، لكن لفظه: «عن أنس بن مالك عن هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في انتظار [هذه] الصلاة التي تُدعى العتمة»، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٨٩، وفي صحيح أبي داود، ١/ ٢٤٥.\n(٣) سورة الذاريات، الآية: ١٧.\n(٤) أبو داود، كتاب التطوع، باب وقت قيام النبي - ﷺ -، برقم١٣٢٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٤٥.\n(٥) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما ذكر في الصلاة بعد المغرب أنه في البيت أفضل، برقم ٦٠٤، وقد قال الترمذي: «وقد روي عن حذيفة وساقه ...» انظر: صحيح الترمذي للألباني، ١/ ١٨٧.","vol":"1","page":482},{"text":"أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة» (١). وفي لفظ له: «أتيت النبي - ﷺ - فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>القسم الرابع: الصلوات ذوات الأسباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>أولًا: تحية المسجد سنة مؤكدة لمن دخل المسجد في أي وقت على الصحيح</span>؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس». وفي لفظ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٣)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان لي على النبي - ﷺ - دَين فقضاني وزادني، ودخلت عليه\nفي المسجد فقال لي: «صلّ ركعتين» (٤)، وعنه - ﵁ - قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب فجلس فقال له: «يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما» ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما» (٥).\n_________\n(١) الترمذي بلفظه، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين ﵄، برقم ٣٧٨١، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد، ٥/ ٤٠٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٢٢٦، وقال العلامة أحمد محمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي، ٢/ ٥٠٢ بعد ذكره لإسناد الإمام أحمد: «وهذا إسناد جيد، حسن أو صحيح».\n(٢) ابن خزيمة في صحيحه، كتاب التطوع بالليل، باب فضل التطوع بين المغرب والعشاء، برقم ١١٩٤، ورواه النسائي في السنن الكبرى، برقم ٣٨٠، وقال المنذري في الترغيب والترهيب،\n١/ ٤٥٨: «رواه النسائي بإسناد جيد»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢٤١، وقال في حاشيته على مشكاة المصابيح للتبريزي، برقم ٦١٦٢، على سند الترمذي، برقم ٣٧٨١: «سند جيد».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب: إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، برقم ٤٤٤، وفي كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، برقم ١١٦٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، وكراهة الجلوس قبل صلاتهما وأنهما مشروعة في جميع الأوقات، برقم ٧١٤.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد، برقم٧١٥.\n(٥) متفق عليه، البخاري، كتاب الجمعة، باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين، برقم ٩٣٠،٩٣١،وكتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، برقم ١١٦٦، ومسلم بلفظه، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، برقم ٥٩ - (٨٧٥).","vol":"1","page":483},{"text":"والأمر بتحية المسجد يفيد بحقيقته وجوب فعل التحية، والنهي يفيد بحقيقته أيضًا تحريم تركها، واختلف أهل العلم في القول بالوجوب والسنية، والصواب أنها سنة مؤكدة وهو قول الجمهور، قال الإمام النووي - ﵀ -: «فيه استحباب تحية المسجد بركعتين وهي سنة بإجماع المسلمين، وفيه استحباب التحية في أي وقت دخل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>ثانيًا: صلاة القدوم من السفر في المسجد</span>، يُصلي المسلم عند القدوم من السفر ركعتين في المسجد قبل أن يذهب إلى بيته؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: اشترى مني رسول الله - ﷺ - بعيرًا، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين (٢)، وعن كعب بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان لا يقدم إلا نهارًا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس فيه»، قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: «في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر؛ لا أنها تحية المسجد، والأحاديث المذكورة صريحة فيما ذكرته، وفيه استحباب القدوم أوائل النهار، وفيه أنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة ومن يقصده الناس إذا قدم من سفر للسلام عليه أن يقعد أول قدومه قريبًا من داره في موضع بارز سهل على زائريه، إما المسجد وإما غيره (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>ثالثًا: الصلاة عقب الوضوء: </span>سنة مؤكدة في أي وقت من ليل أو نهار؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٣٣، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٦٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة إذا قدم من السفر، برقم ٤٤٣، وكتاب العمرة، باب لا يطرق أهله إذا دخل المدينة، برقم ١٨٠١، ورقم ٢٠٩٧، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، برقم ٧١ - (٧١٥).\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٣٦، وانظر: فتح الباري، ١/ ٥٣٧.","vol":"1","page":484},{"text":"حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة؟» قال: ما عملت عملًا أرجى أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (١).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «وفيه فضيلة الصلاة عقب الوضوء، وأنها سنة، وأنها تباح في أوقات النهي عند طلوع الشمس واستوائها، وغروبها، وبعد صلاة الصبح والعصر؛ لأنها ذات سبب» (٢)،وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - يقول: «الحديث واضح في أن سنة الوضوء تصلى في أي وقت من ليل أو نهار» (٣)، ومما يؤكد هذه السنة العظيمة حديث عثمان - ﵁ - أنه توضأ وضوءًا كاملًا ثم قال: رأيت النبي - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه» (٤)، وعن عقبة بن عامر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة» (٥).\nومما يؤكد أن سنة الوضوء تُصلَّى في أي وقت، حديث بريدة - ﵁ - قال: أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا فدعا بلالًا، فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قطُّ إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ...» فقال بلال: يا رسول الله، ما أذَّنتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التهجد، باب فضل الطهور بالليل والنهار وفضل الصلاة عند الطهور بالليل والنهار، برقم ١١٤٩،ومسلم، كتاب فضائل الصحابة باب: من فضائل بلال - ﵁ -،برقم ٢٤٥٨.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم،١٥/ ٢٤٦،وانظر فتح الباري لابن حجر،٣/ ٣٥.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١١٤٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء، برقم ١٦٤، ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم ٢٢٦.\n(٥) مسلم، كتاب الطهارة، باب ذكر المستحب عقب الوضوء، برقم ٢٣٤.","vol":"1","page":485},{"text":"عندها، ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «بهما» (١)،قال الحافظ ابن حجر﵀-: «فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أي وقت كان» (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام، وأن سنة الوضوء تصلى ولو كانت في وقت النهي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>رابعًا: صلاة الاستخارة</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور [كلها] كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ثم يسميه بعينه] خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به». قال: «ويسمي حاجته» وفي لفظ: «ثم رضّني به» (٤).\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن المسلم يصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة (٥).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب عمر بن الخطاب - ﵁ - - برقم ٣٦٨٩، وأحمد، ٥/ ٣٦٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٢٠٥،وصحيح الترغيب والترهيب،١/ ٨٧، برقم ١٩٦.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٣٥.\n(٣) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠١.\n(٤) البخاري، كتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، برقم ١١٦٢، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة، برقم ٦٣٨٢، وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾، برقم ٧٣٩٠.\n(٥) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠١، ومجموع الفتاوى له، ٢٣/ ٢١٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ١٨٣.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-984>خامسًا: صلاة التوبة: سنة</span>؛ لحديث علي - ﵁ - قال: كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر - ﵁ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبدٍ يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١)﴾» (٢).\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أنها تصلى حتى في وقت النهي؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهو مندوب إلى أن يصلي ركعتين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>سادسًا: سجود تلاوة القرآن الكريم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>١ - فضل سجود التلاوة عظيم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (٤)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة\nوالترغيب فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>٢ - سجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح </span>(٥) للتالي والمستمع؛\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٥.\n(٢) أبو داود، كتاب الوتر، باب الاستغفار، برقم ١٥٢١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة عند التوبة، برقم ٤٠٦،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٨٣.\n(٣) فتاوى شيخ الإسلام، ٢٣/ ٢١٥.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم ٨١.\n(٥) اختلف العلماء في حكم سجود التلاوة: فذهب أبو حنيفة وأصحابه ومن وافقهم إلى أن سجود التلاوة واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [سورة الانشقاق، الآيتان: ٢٠، ٢١]، وقالوا: هذا ذم ولا يذم على ترك واجب؛ ولأنه سجود يفعل في الصلاة فكان واجبًا كسجود الصلاة، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، ٢٣/ ١٥٢ - ١٦٢ وقيل: هو رواية عن الإمام أحمد، انظر: الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٢١٠، وذهب الإمام أحمد، والإمام مالك، والإمام الشافعي، وهو قول عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄ إلى أن سجود التلاوة ليس بواجب بل سنة مؤكدة. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٣١، و٥/ ٧٨، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٤. وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، على الحديث رقم ٣٦٢، يقول: «... وهو سنة مؤكدة لفعله - ﷺ -».","vol":"1","page":487},{"text":"لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قرأ النبي - ﷺ - النجم بمكة فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير شيخ أخذ كفًَّا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته [فسجد عليه] وقال يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافرًا [وهو أمية بن خلف]»، وفي رواية: «أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله - ﷺ - وسجد من خلفه ...» الحديث (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «سجد النبي - ﷺ -[بالنجم]، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه» ولفظ مسلم: «أن النبي - ﷺ - كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة ونسجد معه ...» الحديث (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري واللفظ له. كتاب سجود القرآن، باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها، برقم ١٠٦٧، وبرقم ١٠٧٠، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، برقم ٣٨٥٣، والمغازي، باب قتل أبي جهل، برقم ٣٩٧٢، وكتاب التفسير سورة والنجم، باب ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾، برقم ٤٨٦٣، والألفاظ جمعت بينها من بعض هذه الروايات. وأخرجه مسلم، في كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٦.\n(٢) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها، برقم ١٠٧١،وكتاب التفسير، سورة النجم، باب ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾، برقم ٤٨٦٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من سجد لسجود القارئ، برقم١٠٧٥، وباب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة، برقم ١٠٧٦، وباب من لم يجد موضعًا للسجود مع الإمام مع الزحام، برقم ١٠٧٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٥.","vol":"1","page":488},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سجدنا مع النبي - ﷺ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ﴾ (١).\nوهذه الأحاديث تدل على أهمية سجود التلاوة ومشروعيته المؤكدة وعناية النبي - ﷺ - به، ولكن دلت الأدلة الأخرى على عدم الوجوب، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: «يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه» ولم يسجد عمر - ﵁ - وفي لفظ: «إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء» (٢).\nومن أوضح الأدلة على أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب حديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: «قرأت على النبي - ﷺ - ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها» (٣).\nورجّح الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وابن قدامة - ﵏ - أن حديث زيد بن ثابت هذا محمول على بيان جواز عدم السجود، وأنه سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك (٤)، وقال الحافظ ابن حجر: «وأقوى الأدلة على نفي الوجوب\nحديث عمر المذكور في هذا الباب» (٥)، وتعقبه الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀فبين «أن أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة: قراءة زيد بن ثابت على النبي - ﷺ - سورة النجم فلم يسجد\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ١٠٨ - (٥٧٨).\n(٢) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود، برقم ١٠٧٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من قرأ السجدة ولم يسجد، برقم ١٠٧٢، ١٠٧٣ ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٧.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨١، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٦٥، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٥.\n(٥) فتح الباري، ٢/ ٥٥٨.","vol":"1","page":489},{"text":"فيها، ولم يأمره النبي - ﷺ - بالسجود، ولو كان واجبًا لأمره به» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>٣ - سجود المستمع إذا سجد القارئ، وإذا لم يسجد لم يسجد</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعًا يسجد عليه» (٢)،وقال ابن مسعود - ﵁ - لتميم بن حَذْلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: «اسجد فأنت إمامنا فيها» (٣)،فالمستمع الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع يسجد مع القارئ إذا سجد وإذا لم يسجد فلا (٤).\nأما السامع الذي لا يقصد سماع القرآن وإنما مر فسمع القراءة وسجد القارئ، فإنه لا يلزمه السجود، قيل لعمران بن حصين - ﵁ -: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال: «أرأيت لو قعد لها» كأنه لا يوجبه عليه (٥). وقال سلمان الفارسي - ﵁ -: «ما لهذا غدونا» (٦)، وقال عثمان - ﵁ -: «إنما السجدة على من استمعها» (٧)، وأما المستمع بقصدٍ فقال ابن بطال:\n_________\n(١) حاشية الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز على فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٧٥، ومسلم، برقم ٥٧٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من سجد لسجود القارئ، رقم الباب ٨، قبل الحديث رقم١٠٧٥، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٥٥٦: «وصله سعيد بن منصور».\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٨، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٦٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ١٣١.\n(٥) البخاري، كتاب سجود القرآن، باب من رأى أن الله - ﷿ - لم يوجب السجود، قبل الحديث رقم ١٠٨٧، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أنه وصله ابن أبي شيبة بمعناه، ثم صحح إسناده ابن حجر في الفتح، ٢/ ٥٥٨.\n(٦) أخرجه البخاري في الكتاب والباب السابقين، وذكر ابن حجر أنه طرف من أثر وصله عبد الرزاق قال: مرَّ سلمان على قوم قعود فقرؤوا السجدة فسجدوا، فقيل له فقال: «ليس لهذا غدونا»، قال الحافظ في الفتح، ٢/ ٥٥٨: «وإسناده صحيح».\n(٧) البخاري، في الكتاب والباب السابقين، وذكر الحافظ في الفتح، ٢/ ٥٥٨ أن عبد الرزاق وصله، وابن أبي شيبة قال: والطريقان صحيحان.","vol":"1","page":490},{"text":"«وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد» (١).\nفقد فرَّق بعض العلماء بين السامع والمستمع بما دلت عليه هذه الآثار (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>٤ - عدد سجدات القرآن ومواضعها، خمس عشرة سجدة </span>(٣) في المواضع لآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>الموضع الأول: آخر سورة الأعراف، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>الموضع الثاني: في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ﴾ </span>(٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>الموضع الثالث: في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ </span>(٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>الموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ </span>(٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>الموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ </span>(٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>الموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ </span>(٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>الموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ</span>\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٥٦،وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٠٩.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٥٨، وقال الإمام النووي - ﵀ - في حكم سجود التلاوة للسامع: «وهو سنة للقارئ والمستمع له، ويستحب أيضًا للسامع الذي لا يسمع لكن لا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع المصغي»، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٧٨.\n(٣) اختلف العلماء في عدد سجدات التلاوة: فقيل: خمس عشرة سجدة، وهو رواية عن الإمام أحمد وبعض أصحاب الشافعي وهو الصواب.\nوقيل: أربع عشرة سجدة وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وهو رواية عن الشافعي وأبي حنيفة، لكن الحنابلة أسقطوا سجدة ص، والأحناف أسقطوا السجدة الثانية من الحج، وقيل: إحدى عشرة سجدة، وهو رواية عن الإمام مالك ومن تبعه.\nانظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨١، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٥٢، والمقنع والشرح الكبير ومعهما الإنصاف، ٤/ ٢٢٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ١٣٤.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٦.\n(٥) سورة الرعد، الآية: ١٥.\n(٦) سورة النحل، الآية: ٥٠.\n(٧) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(٨) سورة مريم، الآية: ٥٨.\n(٩) سورة الحج، الآية: ١٨.","vol":"1","page":491},{"text":"لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>الموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ </span>(٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا\nوَأَنَابَ﴾ </span>(٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ </span>(٦).\nوهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك - ﵀ - وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم</span>، عند قوله تعالى:\n_________\n(١) سورة الحج، الآية، ٧٧.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٦٠.\n(٣) -سورة النمل، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة السجدة، الآية: ١٥.\n(٥) سورة ص الآية:٢٤، وسجدة ص ثبت بها الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: «ليس (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت النبي - ﷺ - يسجد فيها»، [صحيح البخاري، كتاب سجود القرآن، باب سجدة ص، برقم ١٠٦١، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، برقم ٣٤٢٢] ومعنى ص ليس من عزائم السجود: «أي ما وردت العزيمة على فعله كصيغة الأمر مثلًا، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب»، فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٢. وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٣ يقول: «هذا الحديث يدل على ثبوت سجدة «ص»، والصواب أنه يُسجد بها في الصلاة وخارجها، أما ما قاله ابن عباس ﵄ فهو من اجتهاده، وقد دل على سجدة «ص» فعل النبي - ﷺ - وكفى».\n(٦) سورة فصلت، الآية: ٣٧.\n(٧) سورة فصلت، الآية: ٣٨.","vol":"1","page":492},{"text":"﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1003>الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ </span>(٣). وسجدتي سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان - ﵁ - قال: «فضلت سورة الحج بسجدتين» (٤)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: «فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1005>٥ - سجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال:\n«سجدت فيها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1006>٦ - صفة سجود التلاوة</span>، من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب\n_________\n(١) سورة النجم، الآية: ٦٢.\n(٢) سورة الانشقاق، الآية: ٢١.\n(٣) سورة العلق، الآية: ١٩.\n(٤) ذكره الحافظ في بلوغ المرام، برقم ٣٦٦،وعزاه إلى أبي داود في المراسيل، وسمعت سماحة العلامة ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على هذا الخبر: «لا بأس بإسناده عند أبي داود، وأيد ذلك ما بعده».\n(٥) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في السجدة في الحج، برقم ٥٧٨، قال الترمذي: ليس إسناده بذاك القوي. وأخرجه أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب تفريع أبواب السجود، برقم ١٤٠٢، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٨، وفي صحيح الترمذي،\n١/ ٣١٩، وضعف الحافظ ابن حجر إسناده في البلوغ، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «يُعضد بالمرسل قبله، وابن كثير أنكر تضعيفه؛ لأن ابن لهيعة صرح بالسماع، والمعروف عند العلماء ضعف ابن لهيعة مطلقًا، لكن يعضد حديثه مرسل أبي داود، فيرفع الحديث إلى درجة الحسن المقبول الذي يحتج به». وقال: «عدد السجدات خمس عشرة سجدة: ثلاث في المفصل: النجم والانشقاق، والعلق، وسجدتان في الحج، وعشر مجمع عليها، والصواب سنية الجميع»، سمعت ذلك من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٦، ٣٦٧، وحسّنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٨٨، وصحيح الترمذي، ١/ ٣١٩.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في العشاء، برقم ٧٦٦، وباب القراءة في العشاء بالسجدة، برقم ٦٧٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب سجود التلاوة، برقم ٥٧٨.","vol":"1","page":493},{"text":"له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (١)؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه» (٢).وإذا كان سجود التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي - ﷺ - كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (٣)،وقد قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٤)،وإذا قرأ السجدة في\n_________\n(١) اختلف أهل العلم هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة أم لا يشترط ذلك؟ رجح الإمام النووي أنه يشترط ذلك، ورجح الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك لا يشترط كما كان ابن عمر يفعل، [صحيح البخاري في كتاب سجود القرآن، باب سجود المشركين مع المسلمين رقم الباب ٥]، لكن قال: «هي بشروط الصلاة أفضل ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا بعذر»،انظر: شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ٨٢، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ١٦٥ - ١٧٠ ورجح عدم الاشتراط ابن القيم في تهذيب السنن،١/ ٥٣ - ٥٦، وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يرجح أن الطهارة لسجود التلاوة لا تجب وإن كان ذلك خلاف ما عليه الجمهور، لأنها مستحبة لأسباب تقع في القراءة، والقراءة لا تجب لها الطهارة، فما كان من توابع القراءة فكذلك وقول الجمهور ليس بحجة فلا تلزم موافقتهم بغير دليل. سمعته من سماحته - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٩ عندما سئل هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة؟ وانظر للفائدة في معرفة الخلاف: المغني لابن قدامة، ٢/ ٣٥٨، ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٣١٣، وقال: «أما ستر العورة والاستقبال فقيل إنه معتبر اتفاقًا»، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٧٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ١٢٦، وفتاوى ابن باز، ١١/ ٤٠٦ - ٤١٥.\n(٢) أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب في الرجل يسمع السجدة وهو راكب أو في غير صلاة، برقم ١٤١٣، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: «إسناده لين»، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٤٧٢، وأخرجه الحاكم في المستدرك عن عُبيد الله، ١/ ٢٢٢، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ولكن الحاكم لم يذكر التكبير في النسخة الموجودة عندي، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «يتقوى الحديث برواية الحاكم، فتكون التكبيرة عند السجود فقط إلا إذا كان في الصلاة فإنه يكبر مع كل خفض ورفع»، سمعته أثناء تقريره - ﵀ - على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٦٩، وهكذا الشوكاني في نيل الأوطار، رأى ثبوته عن عبيد الله المصغر،\n٢/ ٣١١، والصنعاني في سبل السلام، ٢/ ٣٨٦.\n(٣) رجح هذا كله الإمام ابن باز في مجموع فتاوى ومقالات متنوعة،١١/ ٤٠٦ - ٤١٠، وانظر: المختارات الجلية من المسائل الفقهية للسعدي، ص٤٩.\n(٤) البخاري، برقم ٥٩٥، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":494},{"text":"الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئًا من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1007>٧ - الدعاء في سجود التلاوة</span>، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مرارًا] (٢): «سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٣) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك الله أحسن الخالقين] (٤») (٥).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود]». قال ابن عباس ﵄: «فرأيت النبي - ﷺ - قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة» (٦).\nويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (٧).\nوالصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة\n_________\n(١) نقله ابن قدامة في المغني، ٢/ ٣٦٩.\n(٢) من سنن أبي داود، برقم١٤١٤.\n(٣) من سنن البيهقي، ٢/ ٣٢٥.\n(٤) من المستدرك للحاكم، ١/ ٢٢٠.\n(٥) أبو داود، كتاب سجود القرآن، باب ما يقول إذا سجد، برقم ١٤١٤، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٨٠، والنسائي، كتاب التطبيق، باب نوع آخر، برقم ١١٢٩، وأحمد، ٦/ ٢١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٥.\n(٦) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء ما يقول في سجود القرآن، برقم ٥٧٩، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب سجود القرآن، برقم ١٠٥٣، وعنده (اللهم احطط) بدلًا من «اللهم اكتب»، ما بين المعقوفين من سنن الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١٨٠ وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٧٣.\n(٧) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام عبد العزيز بن باز،١١/ ٤٠٧،وانظر: الشرح الممتع،٤/ ١٤٤.","vol":"1","page":495},{"text":"فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1008>سابعًا: سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، واندفاع النقم التي وجد سببها فَسَلِمَ منها المسلم </span>(٢)؛ لحديث أبي بكرة - ﵁ - «عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا أتاه أمر يَسُرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا لله ﵎» (٣).\nوعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: سجد النبي فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال: «إن جبريل - ﵇ - أتاني فبشرني فقال: إن الله - ﷿ - يقول: «من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله - ﷿ - شكرًا» (٤).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - بعث عليًَّا إلى اليمن - فذكر الحديث - قال: فكتب عليٌّ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله - ﷺ - الكتاب خرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى على ذلك (٥).\nوقد سجد كعب بن مالك - ﵁ - لما سمع صوت البشير بتوبة الله عليه (٦). وسجد علي بن أبي طالب - ﵁ - شكرًا لله حينما وجد ذا الثدية في قتلى الخوارج (٧).\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٨٢، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣١٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ١١/ ٢٩١.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٣٧١، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣١٤، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٨٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ١٥٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في سجود الشكر، برقم ٢٧٧٤، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في سجدة الشكر، برقم ١٥٧٨، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر، برقم ١٣٩٤،وأحمد،٥/ ٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٣٤، وحسنه في إرواء الغليل، ٢/ ٢٢٦، برقم ٤٧٤.\n(٤) أحمد في المسند،١/ ١٩١،وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح،١/ ٢٩٦،برقم ٩٣٧.\n(٥) البيهقي، في السنن الكبرى، ٢/ ٣٦٩، وأصله في صحيح البخاري، [برقم٤٠٩٢ نسخة البغا]، قال البيهقي: أخرج البخاري صدر هذا الحديث ... وسجود الشكر صحيح على شرطه. السنن الكبرى،٢/ ٣٦٩.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم٤٤١٨، ومسلم، برقم ٥٣ - (٢٧٦٩).\n(٧) أحمد في المسند، ١/ ١٠٧ - ١٠٨و١٤٧ وحسنه الألباني في الإرواء، برقم ٤٧٦.","vol":"1","page":496},{"text":"والصواب أنه كسجود التلاوة فلا يشترط له ما يشترط للصلاة، وليس في الأحاديث ما يدل على التكبير في سجود الشكر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1009>القسم الخامس: أوقات النهي عن صلاة التطوع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1010>أولًا: أوقات النهي عن صلاة التطوع المطلق خمسة بالبسط وثلاثة بالاختصار</span>، فأما بالبسط: فمن صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند قيامها في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، وإذا شرعت في الغروب حتى يتم غروبها.\nوأما أوقات النهي بالاختصار: فمن صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وعند قيام الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب الشمس، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». وفي رواية البخاري: «... لا صلاة بعد صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس»، ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس» (٢)، وعن عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه قال: للنبي\n- ﷺ -: أخبرني عن الصلاة؟ قال: «صلّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان،\n_________\n(١) وسمعت الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «والظاهر أنه يسجد للشكر بدون تكبير وهذا هو الأصل»، سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام حديث رقم٣٧٢، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني،\n٢/ ٣١٥، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ٣٨٩، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٣٧٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب لا تُتحرَّى الصلاة قبل غروب الشمس، برقم ٥٨٦،وكتاب جزاء الصيد، باب حج النساء، برقم ١٨٦٤، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، برقم ٨٢٧.","vol":"1","page":497},{"text":"وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنَّه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار» (١).\nوعن عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - قال: ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة (٢) حتى تميل الشمس، وحين تضيَّفُ (٣) الشمس للغروب حتى تغرب» (٤).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا بدا حاجب الشمس فأخّروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب» (٥).\nفدلت هذه الأحاديث على النهي عن صلاة التطوع في هذه الأوقات (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب إسلام عمرو بن عبسة، برقم٨٣٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) قائم الظهيرة: حال استواء الشمس، ومعناه: حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٦٢.\n(٣) تضيف: تميل، انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٩٤.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، برقم ٨٣١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم ٣٢٧٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات المنهي عن الصلاة فيها برقم ٨٢٩.\n(٦) وفي الباب أحاديث كثيرة، منها حديث عمر - ﵁ - عند البخاري، برقم ٥٨١، ومسلم، برقم ٨٢٦، وحديث ابن عمر عند البخاري، برقم ٥٨٢، ورقم ٥٨٣، ومسلم، برقم ٨٢٨، ورقم٨٢٩، وحديث أبي هريرة عند البخاري، برقم ٣٦٨، ومسلم، برقم١٥١١، وحديث معاوية عند البخاري، برقم٥٨٧، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة في الصحيحين وغيرهما، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - أثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٢٧ يقول: «والأحاديث في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر متواترة، والأوقات خمسة: بعد الفجر، عند طلوعها حتى ترتفع، الزوال، بعد العصر، عند غروبها حتى تغرب، والصحيح أن صلوات ذات الأسباب لا تدخل في النهي: كصلاة الطواف، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف للشمس، وصلاة الجنازة في غير وقت الإشراق والغروب ...».","vol":"1","page":498},{"text":"ويضاف إلى هذه الأوقات الخمسة: النهي عن صلاة النافلة بعد طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين» (١)، ويفسر ذلك لفظ أبي داود، عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار إن رسول الله - ﷺ - خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: «ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1011>ثانيًا: الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي:</span>\nالصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي، اختلف العلماء - يرحمهم الله - هل تؤدى في الأوقات التي نهى النبي - ﷺ - عن الصلاة فيها أم لا تفعل؟ والصواب من ذلك أنها مخصوصة بالاستثناء في أوقات النهي، قال الإمام النووي - ﵀ - بعد أن ذكر أحاديث النهي: «في أحاديث الباب نهيه - ﷺ - عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها حتى تغرب، وأجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة: تحية المسجد، وسجود\nالتلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت. ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي - ﷺ - قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين، برقم ٤١٩، واللفظ له، وأبو داود، كتاب التطوع، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، برقم ١٢٧٨، وابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علمًا، برقم ٢٣٥، وأحمد ٢/ ١٠٤، وعبد الرزاق في المصنف، ٣/ ٥٣، برقم ٤٧٦٠، بلفظ: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر»، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٣٨، وصحيح الترمذي، ١/ ١٣٣، وفي الإرواء، برقم ٤٧٨.\n(٢) سنن أبي داود، برقم ١٢٧٨، وتقدم تخريجه في الذي قبله.","vol":"1","page":499},{"text":"في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى، والفريضة المقضيَّة أولى وكذا الجنازة» (١). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، وقال: «... وهذا أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه» (٢).\nوقال سماحة الإمام ابن باز - ﵀ - على قول من قال: «يُحْمَل النهي على ما لا سبب له ويخص منه ما له سبب جمعًا بين الأدلة» (٣): «وهذا القول هو أصح الأقوال، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، وبه تجتمع الأخبار والله أعلم» (٤).\nومما يدل على استثناء الصلوات ذوات الأسباب حديث جبير بن مطعم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا بني عبد منافٍ لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى، أيةَ ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهار» (٥).\nوحديث يزيد بن الأسود - ﵁ - قال: شهدت مع النبي - ﷺ - حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخَيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أُخْرى القوم لم يصليا معه فقال: «عليَّ بهما» فجيء بهما\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم،٦/ ٣٥٨،وتعقب الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٥٩ مسألة الإجماع، فقد حكي عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وأن أحاديث النهي منسوخة، وعن طائفة أخرى المنع مطلقًا.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٣/ ٢١٠، وانظر: المختارات الجلية للمسائل الفقهية، للعلامة عبد الرحمن السعدي، ص٥١.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٩.\n(٤) حاشية ابن باز على فتح الباري، ٢/ ٥٩، وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ١٧٨ - ٢٢٢.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب الطواف بعد العصر، برقم ١٨٩٤، والترمذي، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح لمن يطوف، برقم ٨٦٨، والنسائي، كتاب المناسك، باب إباحة الطواف في كل الأوقات، برقم ٢٩٢٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، برقم ١٢٥٤، وسمعت الإمام ابن باز يقول: إسناده جيد، وذلك أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٢٩٢٤،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٣٥٤.","vol":"1","page":500},{"text":"ترعد فرائصُهُما (١) فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة» (٢). وفي لفظ لأبي داود: «إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه؛ فإنها له نافلة» (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» (٤) قال، قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي]» (٥).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات؛ لأن النبي - ﷺ - أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة وهذا هو الصحيح» (٦).\nوعن محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله - ﷺ -، فأذن بالصلاة، فقام رسول الله - ﷺ -، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال رسول - ﷺ -: «ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟» قال: بلى ولكني كنت قد صليت في أهلي،\n_________\n(١) ترعد فرائصهما: تتحرك فرائصهما، والفريضة لحمة بين الكتف والجنب ترجف عند الخوف. انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٩٧.\n(٢) الترمذي واللفظ له، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي وحده، ثم يدرك الجماعة، برقم ٢١٩، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، برقم ٥٧٥، والنسائي، كتاب الإمامة، باب إعادة الفجر في جماعة لمن صلى وحده، برقم ٨٥٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٨٦.\n(٣) سنن أبي داود، برقم ٥٧٥، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٤) يميتون الصلاة: يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه، والمراد بتأخيرها عن وقتها: أي عن وقتها المختار. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٥٣.\n(٥) -مسلم، كتاب المساجد، باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام، برقم٦٤٨.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٥٤.","vol":"1","page":501},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت» (١).\nوهذه الأحاديث وما في معناها تدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة، وإن كان الوقت وقت كراهة، للتصريح في حديث يزيد بن الأسود بأن ذلك كان في صلاة الصبح؛ ولأن النبي - ﷺ - أطلق الأمر بإعادة الصلاة في حديث أبي ذر وحديث محجن، ولم يفرق - ﷺ - بين صلاة وصلاة، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة في أوقات النهي (٢).\nوأما حديث أم سلمة ﵂ الذي قالت فيه: «صلى رسول الله - ﷺ - ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ فقال: «قدم عليَّ مال فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن» فقلت: يا رسول الله، أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: «لا» (٣)، فهذا من خصائص النبي - ﷺ -، قال الصنعاني - ﵀ -: «والحديث دليل على ما سلف من أن القضاء في ذلك الوقت كان من خصائصه - ﷺ -» (٤).\nوسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول عن هذا الحديث: «سنده جيد ويدل على أنه من خصائصه - ﷺ -، وهناك من أهل العلم من يقول: تقضى، والصحيح أنها من خصائصه - ﷺ -» (٥).\nويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا\n_________\n(١) النسائي، كتاب الإمامة، باب إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل نفسه، برقم ٨٥٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٨٦،وفي صحيح الجامع برقم ٤٨٠، وفي الإرواء، برقم ٥٣٤.\n(٢) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٩٨.\n(٣) أحمد في المسند، ٦/ ٣١٥، وسمعت سماحة الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ١٨٨ يقول: «سنده جيد».\n(٤) سبل السلام، ٢/ ٥٢، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٢٦٢.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ١٨٨.","vol":"1","page":502},{"text":"ذلك». وفي رواية لمسلم: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (١).\nوالذي اتضح من الأحاديث التي مضت جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي ومنها:\nقضاء الفوائت، والصلاة المعادة مع الجماعة، وتحية المسجد، وسجود التلاوة وسجود الشكر، وصلاة الكسوف، وصلاة الطواف بالبيت، وصلاة الجنازة بعد العصر وبعد الفجر، وصلاة نصف النهار في المسجد يوم الجمعة للمأمومين حتى يخرج الإمام، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة إذا كان الذي يستخير له يفوت إذا أخره، وصلاة التوبة، وقضاء سنة الفجر بعدها (٢)، ولكن لا يُصلي على الجنائز ولا يقبر الموتى في أوقات النهي المضيَّقة: عند الغروب، وعند الشروق، وعندما تكون الشمس في وسط السماء؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب» (٣).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال:\n«ألا رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه» (٤).وذكر ابن تيمية - ﵀\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري برقم ٥٩٧، ومسلم، برقم ٦٨٤، وتقدم تخريجه.\n(٢) جميع هذه الصلوات ذوات الأسباب ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى،\n٢٣/ ٢٥٩ - ٢٦١ و٢٣/ ١٧٨ - ٢٢١، وذكر كثيرًا منها سماحة الإمام ابن باز في مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، ١١/ ٢٨٦ - ٢٩٥ و١١/ ٣٨٤.\n(٣) مسلم، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في الجمع في المسجد، برقم٥٧٤، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صُلّي فيه، برقم ٢٢٠، وأحمد، ٣/ ٤٥، ٥/ ٤٥، والحاكم، ١/ ٢٠٩، وابن حبان، ٦/ ٢٥٧، برقم ٢٣٩٧ - ٢٣٩٩، وأبو يعلى، ٢/ ٣٢١، برقم ١٠٥٧،وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٦١٣ برقم ٥٣٥.","vol":"1","page":503},{"text":"-: أن هذا الحديث مما جاء في الإعادة لسبب، ثم قال: «فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة ليحصل لذلك المصلي فضيلة الجماعة، ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعي، وأحمد، ومالك وقت النهي، وعند أبي حنيفة لا تشرع وقت النهي» (١)، والله - ﷿ - أعلم (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٢٦١، وينظر: ٢٣/ ٢٥٩، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٨٠، والمغني لابن قدامة ٢/ ٥١٥، ٥١٧، ٥١٩، ٥٣١،٥٣٣،والمختارات الجلية في المسائل الفقهية، للعلامة السعدي، ص٥٠ - ٥١، والشرح للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ١٧٥ - ١٧٦.\n(٢) انظر: الأمور التي تفارق فيها النوافل الفرائض في الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين ٤/ ١٨٤ - ١٨٧، فقد ذكر واحدًا وثلاثين فرقًا.","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>المبحث الرابع والعشرون: صلاة الجماعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1013>أولًا: مفهوم صلاة الجماعة: لغة، واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1014>١ - الصلاة لغة: </span>الدعاء، قاله الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (١) أي ادعُ لهم، وقال النبي - ﷺ -: «إذا دُعي أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائمًا فليصلّ، وإن كان مفطرًا فليطعم» (٢).\nأي فليدعُ بالبركة والخير والمغفرة (٣)، والصلاة من الله حسن الثناء، ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء» (٥)، وقال ابن عباس ﵄: «يصلون: يبرّكون» (٦)، وقيل: إن صلاة الله الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والصواب القول الأول (٧). فالصلاة من الله: الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن: القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح. والصلاة من الطير والهوام: التسبيح (٨).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1015>٢ - الصلاة في الاصطلاح الشرعي: </span>عبادة لله ذات أقوال، وأفعال معلومة\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.\n(٢) مسلم، برقم ١٤٣١، وتقدم تخريجه في أول الصلاة.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الصاد مع اللام، ٣/ ٥٠، ولسان العرب لابن منظور، باب اللام، فصل الصاد، ١٤/ ٤٦٤، والتعريفات للجرجاني، ص١٧٤.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.\n(٥) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾ قبل الحديث رقم ٤٧٩٧.\n(٦) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾، قبل الحديث رقم ٤٧٩٧.\n(٧) انظر: تفسير ابن كثير، ص٧٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ٢٢٨.\n(٨) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الياء، فصل الصاد، ١٤/ ٤٦٥.","vol":"1","page":505},{"text":"مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمّيت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء (١)؛فإنها كانت اسمًا لكل دعاء، فصارت اسمًا لدعاء مخصوص، أو كانت اسمًا لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية؛ لما بينها وبين الدعاء من المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (٢)، وقد اشتملت على الدعاء بنوعيه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>دعاء المسألة: </span>وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع، أو دفع ضر، أو كشفه، وسؤال الحاجات من الله بلسان الحال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1017>ودعاء العبادة: </span>وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام، والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، فاتضح بذلك أن الصلاة كلها: دعاء مسألة، ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1018>٣ - الجماعة لغة: </span>عدد كل شيء وكثرته، والجمعُ: تأليف المتفرّق؛ والمسجدُ الجامعُ: الذي يجمع أهله، نعتٌ له؛ لأنه علامة للاجتماع، ويجوز: مسجد الجامع بالإضافة، كقولك: الحقُ اليقينُ، وحقُّ اليقين، بمعنى: مسجد اليوم الجامع، وحق الشي اليقين؛ لأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز إلا على هذا التقدير، والجماعة: عدد من الناس يجمعهم غرض واحد (٤).\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٥، والشرح الكبير، ٣/ ٥، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع الشرح الكبير، ٣/ ٥، والتعريفات للجرجاني، ص١٧٤.\n(٢) انظر: شرح العمدة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ٣٠.\n(٣) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، للعلامة محمد بن حسين آل الشيخ، ص١٨٠، والقول المفيد على كتاب التوحيد، للعلامة محمد بن صالح بن عثيمين، ١/ ١١٧، وانظر: شروط الدعاء وموانع الإجابة، للمؤلف، ص١٠.\n(٤) انظر: لسان العرب لابن منظور، فصل الجيم، باب العين، ٨/ ٥٥، والقاموس المحيط، للفيروز آبادي، باب العين، فصل الجيم، ص٩١٧، والموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف بالكويت، ١٥/ ٢٨٠، وصلاة الجماعة، للأستاذ الدكتور صالح السدلان، ص١٣.","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>٤ - الجماعة في الاصطلاح الشرعي: </span>تطلق على عدد من الناس، مأخوذة من معنى الاجتماع، وأقل ما يتحقق به الاجتماع اثنان: إمام ومأموم (١)، وسميت صلاة الجماعة: لاجتماع المصلين في الفعل: مكانًا وزمانًا، فإذا أخلوا بهما أو بأحدهما لغير عذر كان ذلك منهيًّا عنه باتفاق الأئمة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1020>ثانيًا: حكم صلاة الجماعة:</span>\nصلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضرًا وسفرًا، للصلوات الخمس (٣)؛ لأدلة صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:\n_________\n(١) انظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ١/ ١٥٦، وصلاة الجماعة، للأستاذ الدكتور صالح السدلان، ص١٤.\n(٢) حاشية عبد الرحمن بن القاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٥٥.\n(٣) اتفق علماء الإسلام على أن إقامة الصلوات الخمس في المساجد هي من أعظم العبادات، وأجل القربات، ولكن تنازع العلماء بعد ذلك في كونها، واجبة على الأعيان، أو على الكفاية، أو سنة مؤكدة على النحو الآتي:\n١ - فرض عين، وهذا المنصوص عن الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف وفقهاء الحديث.\n٢ - فرض كفاية، وهذا المرجح في مذهب الشافعي، وقول بعض أصحاب مالك، وقول في مذهب أحمد.\n٣ - سنة مؤكدة، وهذا هو المعروف عن أصحاب أبي حنيفة، وأكثر أصحاب مالك، وكثير من أصحاب الشافعي، ويذكر رواية عن أحمد.\n٤ - فرض عين وشرط في صحة الصلاة، وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد وطائفة من السلف، واختاره ابن حزم وغيره، ويذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية في أحد قوليه كما في الاختيارات الفقهية له، ص١٠٣، وعن تلميذه ابن القيم كما في كتاب الصلاة له، ص٨٢ - ٨٧ والقول الصواب هو الأول والله أعلم.\nانظر: كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي، للإمام النووي، ٤/ ٨٧، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٢٢٥ - ٢٥٤، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٢٦٥، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٤٠، والأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٣،وكتاب الصلاة لابن القيم، ص ٦٩ - ٨٦، وصلاة الجماعة، للأستاذ الدكتور صالح بن غانم السدلان، ص٦١ - ٧٢، وأهمية صلاة الجماعة، للأستاذ الدكتور فضل إلهي، ص٤١ - ١١٠، وفتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٧، والشرح الممتع، للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٢٠٤، والإحكام شرح أصول الأحكام، لابن قاسم، ١/ ٢٣٩.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>١ - أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة </span>فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١)، فالله - ﷿ - أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>٢ - أمر الله - ﷿ - بالصلاة مع المصلين </span>فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢)،فقد أمر الله - ﷿ - بالصلاة مع جماعة المصلين، والأمر يقتضي الوجوب.\n٣ - عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (٣). فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا».وفي لفظ: «.. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٠٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٣\n(٣) سورة القلم، الآيتان: ٤٢ - ٤٣.","vol":"1","page":508},{"text":"واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه ..» (١).\nوهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقًا واحدًا: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1023>٤ - أمر النبي - ﷺ - بالصلاة مع الجماعة</span>، فعن مالك بن الحويرث - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة - وكان رحيمًا رفيقًا- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: «ارجعوا فكونوا فيهم، وعلّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» (٣).\nفالنبي - ﷺ - أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1024>٥ - همّ النبي - ﷺ - بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة</span>؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - فقد ناسًا في بعض الصلوات فقال: «لقد هممتُ أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ (٤) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها». وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلًا فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا (٥)، أو مرماتين حسنتين (٦) لشهد العشاء». وفي لفظ لمسلم: «إن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، باب «يوم يكشف عن ساق» برقم ٤٩١٩، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبّهَا نَاظِرَةٌ﴾، برقم ٧٤٣٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، برقم ١٨٢.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ١١٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من قال يؤذن في السفر مؤذن واحد، برقم ٦٢٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة، برقم ٦٧٤.\n(٤) أخالف إلى رجال: أي أذهب إليهم، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٠.\n(٥) عَرقا: العرق: العظم بما عليه من بقايا اللحم بعدما أخذ عنه معظم اللحم. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٥٦٨.\n(٦) المرماة: قيل: هو ما بين ظلفي الشاة، وقيل: سهمان يرمي بهما الرجل. انظر جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٥٦٨.","vol":"1","page":509},{"text":"أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا (١)، ولقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (٢). وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1025>٦ - لم يرخص النبي - ﷺ - للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة</span>؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - ﷺ - أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم، قال: «فأجب» (٤).\nوعن ابن أم مكتوم - ﵁ - أنه سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة» (٥). وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي - ﷺ -: «أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا (٦») (٧).\n_________\n(١) حبوًا: الحبو حبو الصبي الصغير على يديه ورجليه، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، برقم ٦٤٤، ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، برقم ٦٥١.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦١.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، برقم ٦٥٣.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٥٥٢، وقال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود: «حسن صحيح»، ١/ ١١٠.\n(٦) «حيَّ» أي هلمَّ، وكلمة «هلا» بمعنى عَجَّل وأسرع. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٥٦٦].\n(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٥٥٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٠.","vol":"1","page":510},{"text":"وهذا يصرح فيه النبي - ﷺ - بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيرًا بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن، وكثرة النخل والشجر بينه وبين المسجد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>٧ - بيَّن النبي - ﷺ - أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له</span>؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهماعن النبي - ﷺ - أنه قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من عُذرٍ» (٢). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يقول: «معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء ...» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1027>٨ - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال</span>؛ لقول عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي - ﷺ - علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه». وفي رواية: أن عبد الله قال: «من سرَّه أن يلقى الله تعالى غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات،\n_________\n(١) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم ص٧٦، وصحيح الترغيب والترهيب، للألباني ص١٧٣.\n(٢) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، برقم ٧٩٣، والدارقطني في سننه، ١/ ٤٢٠، برقم ٤، وابن حبان «الإحسان»، ٥/ ٤١٥ برقم ٢٠٦٤، والحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ١/ ٢٤٥، وأخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٥٥١، وصححه ابن القيم في كتاب الصلاة، ص٧٦، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٣٢، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٠، وفي إرواء الغليل، ٢/ ٣٢٧، وسمعت الإمام ابن باز أثناء تقريره على الحديث رقم ٤٢٧ من بلوغ المرام يقول: «لا بأس به على شرط مسلم»، وهذا كما قال الحافظ ابن حجر في البلوغ: «وإسناده على شرط مسلم».\n(٣) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٢٧.","vol":"1","page":511},{"text":"حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى (١)، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (٢)، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين (٣) حتى يقام في الصف» (٤).\nوهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب، ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم (٥)،وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها (٦).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن للمنافقين علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْرًا (٧)، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا (٨) مستكبرين، لا يألفون ولا\n_________\n(١) سنن الهدى، روي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى والصواب. شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٢.\n(٢) وفي رواية أبي داود برقم ٥٥٠ «ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم». قال الألباني في صحيح سنن أبي داود: «لضللتم»، وهو المحفوظ، ١/ ١١٠.\n(٣) يهادَى: أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٢.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى، برقم ٦٥٤.\n(٥) انظر: كتاب الصلاة، لابن القيم، ص٧٧.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٢.\n(٧) لا يقربون المساجد إلا هجرًا: يعني لا يقربون المساجد بل يهجرونها، انظر: شرح المسند، لأحمد شاكر، ١٥/ ٥١.\n(٨) دَبْرًا: أي آخرًا، حين كاد الإمام أن يفرغ. شرح المسند، لأحمد شاكر، ١٥/ ٦١.","vol":"1","page":512},{"text":"يُؤلفون، خُشُبٌ (١) بالليل، صُخُبٌ بالنهار» (٢).وفي لفظ: «سُخُبٌ بالنهار» (٣).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن» (٤). وفي رواية عنه - ﵁ -: «كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>٩ - تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه</span>؛ لحديث ابن عباس وابن عمر - ﵃ - أنهما سمعا النبي - ﷺ - يقول على أعواده (٦): «لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم (٧) الجماعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين» (٨). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1029>١٠ - استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة</span>؛ لحديث\nأبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من ثلاثة في\nقرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة (٩) إلا قد استحوذ عليهم\n_________\n(١) خشب بالليل: أي ينامون الليل لا يصلون، شبههم في تمددهم نيامًا بالخشب المطرحة، شرح المسند لأحمد شاكر، ١٥/ ٥١.\n(٢) صخب: سخب وصخب: الضجة واضطراب الأصوات للخصام على الدنيا شحًّا وحرصًا. انظر: شرح المسند، لأحمد شاكر، ١٥/ ٥١.\n(٣) أحمد في المسند، ٢/ ٢٩٣، وحسن إسناده العلامة أحمد محمد شاكر، في شرحه للمسند، ١٥/ ٥٠ - ٥١، برقم ٧٩١٣.\n(٤) ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلوات، في التخلف في العشاء والفجر، وفضل حضورهما،\n١/ ٣٣٢، ورواه الطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ٢٧١، برقم ١٣٠٨٥، والبزار [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد لابن حجر، ١/ ٢٢٨، برقم ٣٠١]، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٤٠: «رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجال الطبراني موثوقون».\n(٥) البزار [مختصر زوائد مسند البزار، لابن حجر، ١/ ٢٢٨، برقم ٣٠٢]، وقال ابن حجر: «وهذا إسناد صحيح»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٤٠: «رواه البزار ورجاله ثقات».\n(٦) على أعواده: أي على المنبر الذي اتخذه من الأعواد. شرح السندي على سنن ابن ماجه، ١/ ٤٣٦.\n(٧) عن ودعهم الجماعات: أي تركهم. شرح السندي على سنن ابن ماجه، ١/ ٤٣٦.\n(٨) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، برقم ٧٩٤، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٣٢، والحديث أخرجه مسلم، برقم ٨٦٥، لكنه بلفظ: «الجُمُعات».\n(٩) لا تقام فيهم الصلاة: أي جماعة. عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي، ٢/ ٢٥١.","vol":"1","page":513},{"text":"الشيطان (١)، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (٢). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة (٣)، فقد أخبر النبي - ﷺ - باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندبًا يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1030>١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة</span>؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة - ﵁ - فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة - ﵁ -: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٥). فقد جعله أبو هريرة - ﵁ - عاصيًا لرسول الله - ﷺ - بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة (٦).\nقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: «فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم» (٧). وقد جاء النهي صريحًا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ -: «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» (٨). وعنه - ﵁ - قال:\n_________\n(١) استحوذ عليهم الشيطان: أي غلبهم وحولهم إليه، عون المعبود شرح سنن أبي داود، ٢/ ٢٥١.\n(٢) فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، أي إن الشيطان يتسلط على الخارج عن الجماعة. انظر: عون المعبود، ٢/ ٢٥١.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٥٤٧، والنسائي، كتاب الإمامة، باب التشديد في ترك الجماعة، برقم ٨٤٧، وأحمد، ٦/ ٤٤٦، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٤٦ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٠٩، وفي صحيح سنن النسائي، ١١/ ١٨٢.\n(٤) انظر: كتاب الصلاة، لابن القيم، ص٨٠.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، برقم ٦٥٥.\n(٦) انظر: كتاب الصلاة لابن القيم، ص٨١.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٦٣.\n(٨) أخرجه أحمد في المسند، ٢/ ٥٣٧، قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٥: «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح».","vol":"1","page":514},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أذن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر.\nقلت: قال الترمذي - ﵀-: «وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه» (٢).\nوذكر المباركفوري - ﵀-: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنبًا، أو عليه حدث أصغر، أو الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إمامًا لمسجد آخر، ومن في معناه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1031>١٢ - تفقد النبي - ﷺ - للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة</span>؛ لحديث أبي بن كعب - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - يومًا الصبح، فقال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «أشاهد فلان؟» قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين (٤) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبوًا على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٢/ ٢٢، برقم ٦٤٣]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٥: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح».\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب النهي عن الخروج من المسجد إذا أذن المؤذن، بعد الحديث رقم ٢٠٤.\n(٣) انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، ٢/ ٦٠٧.\n(٤) إن هاتين الصلاتين: أي صلاة العشاء والفجر، كما تقدم.","vol":"1","page":515},{"text":"مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1032>١٣ - إجماع الصحابة - ﵃ - على وجوب صلاة الجماعة</span>؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: «فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشارًا، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق» (٢).\nوقال الترمذي - ﵀-: «وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له» (٣). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر» (٤).\nوقال مجاهد: «وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار» (٥).\nقال الترمذي - ﵀-: «ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافًا بحقها، وتهاونًا بها» (٦).\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم٥٥٤، واللفظ له، والنسائي، كتاب الإمامة، باب الجماعة إذا كانوا اثنين، برقم ٨٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١،/١١٠، وفي صحيح سنن النسائي، ١/ ١٨٣.\n(٢) كتاب الصلاة، ص٨١ - ٨٢.\n(٣) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجيب، بعد الحديث رقم ٢١٧.\n(٤) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجيب، بعد الحديث رقم ٢١٧.\n(٥) سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن يسمع النداء فلا يجيب، برقم ٢١٨، قال العلامة أحمد محمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي، ١/ ٤٢٤: «وهذا إسناد صحيح، وهذا الحديث وإن كان موقوفًا ظاهرًا على ابن عباس إلا أنه مرفوع حكمًا؛ لأن مثل هذا مما لا يعلم بالرأي ...».\n(٦) سنن الترمذي، في الباب السابق، ١/ ٤٢٤.","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>ثالثًا: فوائد صلاة الجماعة:</span>\nصلاة الجماعة فيها فوائد كثيرة، ومصالح عظيمة، ومنافع متعددة شرعت من أجلها، وهذا يدل على أن الحكمة تقتضي أن صلاة الجماعة فرض عين، ومن هذه الفوائد والحكم التي شرعت من أجلها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1034>١ - شرع الله - ﷿ - لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة</span>، منها ما هو في اليوم والليلة كالصلوات الخمس، ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السنة متكررًا وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عامٌّ في السنة وهو الوقوف بعرفة؛ لأجل التواصل وهو الإحسان، والعطف، والرعاية؛ ولأجل نظافة القلوب، والدعوة إلى الله - ﷿ - بالقول والعمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1035>٢ - التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع؛ طلبًا للثواب، وخوفًا من عقاب الله، ورغبة فيما عنده</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1036>٣ - التوادد، وهو التحابّ</span>؛ لأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض، فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين؛ ولأن ملاقاة الناس بعضهم لبعض توجب المحبة، والألفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1037>٤ - التعارف</span>؛ لأن الناس إذا صلى بعضهم مع بعض حصل التعارف، وقد يحصل من التعارف معرفة بعض الأقرباء، فتحصل صلته بقدر قرابته، وقد يعرف الغريب عن بلده فيقوم الناس بحقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1038>٥ - إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام</span>؛ لأن الناس لو صلُّوا كلهم في بيوتهم ما عرف أن هنالك صلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1039>٦ - إظهار عز المسلمين</span>، وذلك إذا دخلوا المساجد ثم خرجوا جميعًا، وهذا فيه إغاظة لأهل النفاق والكافرين، وفيه البعد عن التشبه بهم والبعد عن سبيلهم.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>٧ - تعليم الجاهل</span>؛ لأن كثيرًا من الناس يستفيد مما شرع في الصلاة بواسطة صلاة الجماعة، ويسمع القراءة في الجهرية فيستفيد ويتعلم، ويسمع أذكار أدبار الصلوات فيحفظها، ويقتدي بالإمام ومن بجانبه وأمامه فيتعلم أحكام صلاته، ويتعلم الجاهل من العالم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>٨ - تشجيع المتخلف عن الجماعة</span>، والقيام بإرشاده وتوجيهه، والتواصي بالحق والصبر عليه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1042>٩ - تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع وعدم التفرق</span>؛ فإن الأمة مجتمعة على طاعة ولي الأمر، وهذه الصلاة في الجماعة ولاية صغرى؛ لأنهم يقتدون بإمام واحد يتابعونه تمامًا، فهي تشكل النظرة العامة للإسلام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1043>١٠ - تعويد الإنسان ضبط النفس</span>؛ لأنه إذا اعتاد على متابعة الإمام متابعة دقيقة، لا يكبّر قبله، ولا يتقدم ولا يتأخر كثيرًا، ولا يوافقه؛ بل يتابعه تعوّد على ضبط النفس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>١١ - استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد </span>كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (١). فهؤلاء الذين صاروا صفًّا في الجهاد لا شك أنهم إذا تعوَّدوا ذلك في الصلوات الخمس سوف يكون ذلك وسيلة إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد، فلا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1045>١٢ - شعور المسلمين بالمساواة، وتحطيم الفوارق الاجتماعية</span>؛ لأنهم يجتمعون في المسجد: أغنى الناس بجنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا، فيشعر الناس بأنهم سواء، فتحصل بذلك الألفة؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - بمساواة الصفوف حتى قال: «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (٢).\n_________\n(١) سورة الصف، الآية: ٤.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم ٤٣٢.","vol":"1","page":518},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>١٣ - تفقد أحوال الفقراء، والمرضى، والمتهاونين بالصلاة</span>؛ فإن الناس إذا رأوا الإنسان يلبس ثيابًا بالية وتبدو عليه علامات الجوع رحموه، وأحسنوا إليه، وإذا تخلف بعضهم عن الجماعة عرفوا أنه كان مريضًا، أو عاصيًا فينصحوه، فيحصل التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1047>١٤ - استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أولها</span>؛ لأن الصحابة كانوا يقتدون بالرسول - ﷺ -، فيستشعر الإمام أنه في مقام الرسول - ﷺ -، ويستشعر المأموم أنه في مقام الصحابة - ﵃ -، وهذا يعطي الأمة الحرص على الاقتداء بالنبي - ﷺ - وأصحابه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1048>١٥ - اجتماع المسلمين في المسجد راغبين فيما عند الله من أسباب نزول البركات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1049>١٦ - يزيد نشاط المسلم فيزيد عمله عندما يشاهد أهل النشاط في العبادة</span>، وهذا فيه فائدة عظيمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1050>١٧ - تضاعف الحسنات ويعظم الثواب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1051>١٨ - الدعوة إلى الله - ﷿ - بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1052>١٩ - اجتماع المسلمين في أوقات معينة يربيهم على المحافظة على الأوقات</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1053>رابعًا: فضل صلاة الجماعة:</span>\nالصلاة مع الجماعة لها فضائل كثيرة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1054>١ - صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى</span>، فالمصلي مع جماعة\nيحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبع وعشرين\n_________\n(١) انظر: حاشية الروض المربع، لعبد الرحمن بن قاسم، ٢/ ٢٥٥، والإحكام شرح أصول الأحكام له، ١/ ٣٤٠، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٩ - ٢٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ١٩٢ - ١٩٥، وصلاة الجماعة للأستاذ الدكتور صالح غانم السدلان، ص٢٣.","vol":"1","page":519},{"text":"مرة (١)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». ولفظ مسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». وفي لفظ له: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده سبعًا وعشرين» (٢). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «الجماعة تفضل صلاة الفذّ بخمس وعشرين درجة» (٣). وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجة». قال: «وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر». قال أبو هريرة: «واقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُودً ا﴾. وفي لفظ: «بخمس وعشرين جزءًا» (٤). والجزء والدرجة بمعنى واحد (٥).\nوقد جُمع بين هذه الروايات: بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفردًا وصلاته في الجماعة، والفضل بينهما، فصار المجموع سبعًا وعشرين (٦). وقال الإمام النووي - ﵀-: «والجمع بينها من ثلاثة أوجه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>أحدها: أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير</span>، ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين.\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٤٧، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٦٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٤٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٥٠.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٤٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، برقم ٦٤٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٤٩.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ١٥٨،وسبل السلام للصنعاني،٣/ ٦٦.\n(٦) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>والثاني: أن يكون أخبر أولًا بالقليل</span>، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1057>والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة: </span>فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة، ومحافظته على هيئتها، وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك فهذه هي الأجوبة المعتمدة» (١). وسمعت سماحة الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يقول: «وأما التفاوت فهذا والله أعلم كان لعدم نزول فضل الزائد إلا بعد الناقص، فأخبر بخمس وعشرين، ثم أخبر بسبع وعشرين» (٢).\nوقد استدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث، وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل (٣).وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يقول: «هذه الأحاديث تدل على فضل الجماعة، وهذا التفضيل لا يلزم منه عدم الوجوب، فصلاة الجماعة واجبة، ومفضلة، فلا منافاة بين التفضيل والوجوب، ومن لم يصلّها مع الجماعة فصلاته صحيحة على الراجح، مع الإثم» (٤).\nوالمنفرد الذي لا يحصل على ثواب صلاة الجماعة هو غير المعذور والله أعلم، أما إذا كان من عادته أنه يصلي الصلاة مع الجماعة فمنعه عذرٌ:\nكمرضٍ أو سفر، أو حبس وتعذرت عليه الجماعة، والله يعلم أن من نيته\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٥٦ - ١٥٧، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٤٦.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٤٢١، ٤٢٢، ٤٢٣، وقال ﵀ في تعليقه على جمع الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ١٣٤: «وفي هذا الترجيح نظر، والأظهر عموم الحديث لجميع الصلوات الخمس، وذلك من زيادة فضل الله سبحانه لمن يحضر الصلاة في الجماعة». والله أعلم.\n(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٥٨.\n(٤) سمعته من سماحته أثناء تقريره على الحديث رقم ٤٢١، ٤٢٢،٤٢٣ من بلوغ المرام.","vol":"1","page":521},{"text":"لو قدر على الصلاة مع الجماعة لما تركها، فهذا يكمل له أجره؛ لأن من كان عازمًا على الفعل عزمًا جازمًا، وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل (١)؛ لحديث أبي بردة - ﵁ - عن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1058>٢ - يعصم الله بالصلاة مع الجماعة من الشيطان</span>؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: «إن الشيطان ذئب للإنسان كذئب الغنم (٣)، يأخذ الشاة القاصية، والناحية (٤)، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة (٥)، والعامة» (٦)؛ ولحديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>٣ - يزيد فضل الصلاة مع الجماعة بزيادة عدد المصلين</span>؛ لحديث أبيّ بن كعب - ﵁ -، وفيه: «... إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله - ﷿ -» (٨). وهذا يرغب في الصلاة مع الجماعة الكثيرة مع\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٢٣٦، وكتاب الصلاة، لابن القيم، ص٨٥، والاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٢، والإحكام شرح أصول الأحكام، للعلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ١/ ٣٤٦، وحاشية الروض المربع له، ٢/ ٢٦٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٠٦.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.\n(٣) كذئب الغنم: يعني أن الشيطان مفسد للإنسان مهلك له، بإغوائه كإفساد الذئب إذا أرسل في قطيع من الغنم. الفتح الرباني مع بلوغ الأماني، للبنا، ٥/ ١٧٥.\n(٤) الناحية، التي غفل عنها وبقيت في جانب منفرد، الفتح الرباني مع بلوغ الأماني، ٥/ ١٧٦.\n(٥) وعليكم بالجماعة: أي الزموا ما عليه جماعة أهل السنة في كل شيء، ومن ذلك الجماعة في الصلاة، الفتح الرباني مع بلوغ الأماني، ٥/ ١٧٦.\n(٦) أخرجه أحمد في المسند، ٥/ ٢٤٣، وقال عنه البنا في بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني،\n٥/ ١٧٦: «وسنده جيد».\n(٧) أبو داود، برقم ٥٤٧،والنسائي، برقم ٨٤٧،وأحمد، ٦/ ٤٤٦،وتقدم تخريجه في وجوب صلاة الجماعة.\n(٨) أبو داود، برقم ٥٥٤، والنسائي، برقم ٨٤٣، وتقدم تخريجه في وجوب صلاة الجماعة.","vol":"1","page":522},{"text":"أمن المفاسد، وعدم فوات المصالح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1060>٤ - براءة من النار وبراءة من النفاق لمن صلَّى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك تكبيرة الإحرام</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» (١).\nوهذا فيه فضل الإخلاص في الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: «من صلى لله» أي خالصًا لله تعالى، «براءة من النار» أي نجاة وخلاص منها، وكتب له «براءة من النفاق» أي يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفي الآخرة يؤمنه مما يعذب به المنافق، ويشهد له بأنه غير منافق، يعني بأن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى» وحال هذا بخلافهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1061>٥ - من صلى الصبح في جماعة فهو في ضمان الله وأمانه حتى يمسي</span>؛ لحديث جندب بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله (٣)، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه (٤) على وجهه في نار جهنم» (٥).\nوهذا يؤكد أن من صلى الصبح فهو في أمان الله، وفي جواره، فهو قد\nاستجار بالله تعالى، والله قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فالله يطلبه بحقه، ومن يطلبه لم يجد مفرًّا ولا\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب فضل التكبيرة الأولى، برقم ٢٤١، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٦٥٢، وبرقم ١٩٧٩، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٧٧، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٦٥، برقم ٤٠٧.\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، ٢/ ٤٥.\n(٣) في ذمة الله: ضمان الله، وقيل: أمان الله، شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ١٦٤.\n(٤) يكبه: يقلبه فيها على وجهه. المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٢/ ٢٨٢.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، برقم ٦٥٧.","vol":"1","page":523},{"text":"ملجأ، وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين، وترغيب في حضور صلاة الصبح (١). وقد جاءت بعض الأخبار تقيد ذلك بصلاة الصبح مع الجماعة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1062>٦ - من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس فله أجر حجة وعمرة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1063>٧ - عظم ثواب صلاة العشاء والصبح في جماعة</span>؛ لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله» (٤).\nقيل: المراد بذلك من صلى الصبح في جماعة وقد صلى العشاء في جماعة فكأنما صلى الليل كله، ويد على ذلك لفظ أبي داود: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة» (٥). واختار هذا المنذري، وأن اجتماعهما كقيام ليلة (٦).\nوقيل: المراد بذلك أن من صلى العشاء في جماعة كانت له كقيام نصف ليلة، أما من صلى الصبح في جماعة فتكون له كقيام الليل كله،\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٨٢.\n(٢) انظر: الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٣٦٥، برقم ٦٤٧، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني، ١/ ١٧٠، برقم ٤١٨، ومجمع الزوائد للهيثمي، ٢/ ٤١.\n(٣) الترمذي، برقم ٥٨٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١٨١، وسمعت الإمام ابن باز يحسنه لكثرة طرقه. وتقدم تخريجه في فضل صلاة الضحى.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، برقم ٦٥٦.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٥٥٥، والترمذي، كتاب الصلاة، باب فضل العشاء والفجر في جماعة، برقم ٢٢١،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١١.\n(٦) انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري،١/ ٢٩٣،والترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٣٤٣، وفيض القدير للمناوي،٦/ ١٦٥،وتحفة الأحوذي للمباركفوري،١/ ١٣.","vol":"1","page":524},{"text":"وهذا فضل الله - ﷿ -. وأيَّد ذلك الإمام ابن خزيمة - ﵀- فقال: «باب فضل صلاة العشاء والفجر في الجماعة، والبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضعفي فضل العشاء في الجماعة»، ثم ساق الحديث بنحو لفظ مسلم (١)، وفضل الله - ﷿ - واسع. وقد قال النبي - ﷺ - عن صلاة الصبح والعشاء: «... ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبوًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1064>٨ - اجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر والعصر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (٣). قال الإمام النووي - ﵀-: «ومعنى يتعاقبون: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقب الجيوش، وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون، وأما اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمته لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم، ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فيكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير» (٤)، والأظهر وهو قول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتّاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة بجملة الناس غير\nالحفظة. والله أعلم (٥).\n_________\n(١) انظر: صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٣٦٥.\n(٢) متفق عليه، البخاري، برقم ٦٤٤، ومسلم، برقم ٦٥١، وتقدم تخريجه في وجوب صلاة الجماعة.\n(٣) متفق عليه: البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، برقم ٥٥٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، برقم ٦٣٢.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٣٨.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٣٨.","vol":"1","page":525},{"text":"وعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامُون (١) في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» يعني الفجر والعصر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِها﴾ (٢).\nوقد ثبت الفضل العظيم لمن حافظ على صلاة الفجر والعصر مع الجماعة، فعن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لن يلجَ النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» يعني الفجر والعصر (٣).\nوعنه - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من صلى البردين دخل الجنة» (٤)، وهما: الصبح والعصر (٥). وقد جاء الوعيد الشديد لمن ترك صلاة العصر، أو فاتته، فعن بريدة - ﵁ - أنه قال لأصحابه في يوم ذي غيم: بكّروا بصلاة العصر؛ فإن النبي - ﷺ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» (٦).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «الذي تفوته\n_________\n(١) لا تضامون: أي لا يلحقكم ضيم وهو المشقة، وفي رواية بتشديد الميم (تضامُّون: أي لا ينضم بعضكم إلى بعض بل كل يراه منفردًا، وجاء «هل تضارُّن» أي لا تضارن غيركم في حالة الرؤية، وكل هذا صحيح. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٨.\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، برقم ٥٥٤، ومسلم واللفظ له، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الصبح والعصر والمحافظة عليهما، برقم ٦٣٣، والآية من سورة طه ١٣٠، أما في صحيح البخاري فقرأ: ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ سورة ق، الآية:٣٩.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، برقم٦٣٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر، برقم ٥٧٤، ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، برقم ٦٣٥.\n(٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٦٢.\n(٦) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من ترك العصر، برقم ٥٥٣.","vol":"1","page":526},{"text":"صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلُهُ وماله» (١).\nذكر الإمام القرطبي - ﵀-:أن قوله: «وُتِرَ أهلُه ومالُه» روي بالرفع على أن المعنى: نُزع وأُخذ، وروي بالنصب «أهلَه ومالَه» على أن المعنى: سُلب، وقيل في تفسير الحديث: هذا يحصل لمن لم يصلّها في الوقت المختار، وقيل: هو أن يؤخرها إلى أن تصفرَّ الشمس. وقيل: خُصَّت العصر بالذكر؛ لكونها مشهودة للملائكة، وعلى هذا يشاركها في ذلك الصبح. وقيل: خصت صلاة العصر بالذكر؛ لأنها صلاة تأتي في انشغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي وقت النوم. أما قوله - ﷺ -: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» فليس ذلك خاصًا بالعصر، بل ذلك حكم غيرها من الصلوات كذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1065>٩ - يعجب الله تعالى من الصلاة في الجماعة</span>؛ لمحبته لها سبحانه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله ليعجب من الصلاة في الجميع» (٣). وهذا العجب يليق بالله تعالى، ولا يشبه فيه أحدًا من خلقه؛ لأن عجبه سبحانه ليس كعجب خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1066>١٠ - منتظر الصلاة مع الجماعة في صلاة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال العبد\nفي صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب إثم من فاتته العصر، برقم ٥٥٦، ومسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، برقم ٥٣٥.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٥٢.\n(٣) أحمد في المسند، ٢/ ٥٠، وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٣٣٧: «رواه أحمد بإسناد حسن، وكذلك رواه الطبراني بإسناد حسن»،وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،١/ ١٦٣، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم١٦٥٢، وصحيح الجامع الصغير، برقم ١٨١٦.\n(٤) سورة الشورى، الآية:١١.","vol":"1","page":527},{"text":"له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحدِث». قلت: ما يحدث؟ قال: «يفسو أو يضرط». وفي لفظ لمسلم: «والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ ما لم يُحْدِث» (١). وقوله: «ما لم يُؤذِ» أي ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، والله أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1067>١١ - الملائكة يدعون لمن صلى مع الجماعة قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلا</span>ه، ما لم يُحْدِث أو يُؤذِ؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحْدِث ..» وفي مسلم: «والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يُؤذِ، ما لم يُحْدِث» (٣).\nوسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يقول: «والملائكة تصلي عليه في مصلاه، قبل الصلاة في المسجد، وبعدها مادام في مصلاه، ما لم يؤذِ بغيبة أو نميمة، أو كلام باطل، وما لم يحدث» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1068>١٢ - فضل الصف الأول وميامن الصفوف في صلاة الجماعة</span>، وفضل وصلها، ثبت في ذلك فضائل كثيرة منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>الفضل الأول: القرعة على الصف الأول وأنه مثل صف الملائكة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ..» (٥). وفي رواية\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٦٤٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، برقم ٦٤٩.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٩٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٤٧، ومسلم، برقم ٦٤٩، وتقدم تخريجه آنفا.\n(٤) سمعته منه أثناء تقرير سماحته على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤١١٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٦١٥،ومسلم، برقم ٤٣٧،وتقدم تخريجه في فضل الصلاة.","vol":"1","page":528},{"text":"لمسلم: «لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم، لكانت القرعة» (١).\nوقد ثبت أن الصف الأول على مثل صف الملائكة؛ لحديث أبيّ بن كعب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وفيه: «... وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فيه لابتدرتموه» الحديث (٢).\nقال الشيخ أحمد البنا في شرح قوله - ﷺ -: «على مثل صف الملائكة ...» «أي في القرب من الله - ﷿ -، ونزول الرحمة، وإتمامه واعتداله، ويستفاد منه أن الملائكة يصفون لعبادة الله تعالى (٣)، وقد جاء ذلك صريحًا عن جابر - ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ «فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأوَلَ ويتراصون في الصف» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1070>الفضل الثاني: الصف الأول خير الصفوف</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (٥).\nقال الإمام النووي -﵀-: «أما صفوف الرجال فهي على عمومها، فخيرها أولها أبدًا، وشرها آخرها أبدًا، أما صفوف النساء فالمراد بالحديث صفوف النساء اللواتي يصلين مع الرجال، وأما إذا\nصلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء أقلها ثوابًا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الصف الأول، برقم ٤٣٩.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، برقم ٥٥٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١١.\n(٣) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، ٥/ ١٧١.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد ورفعها عند السلام، وإتمام الصفوف الأوَل والتراص فيها، والأمر بالاجتماع، برقم ٤٣٠.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها، برقم ٤٤٠.","vol":"1","page":529},{"text":"وفضلًا، وأبعدها من مطلوب الشرع، وخير بعكسه، وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك، وذم أول صفوفهن لعكس ذلك، والله أعلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1071>الفضل الثالث: الله تعالى وملائكته يصلون على الصفوف الأُولى</span>، والصف المقدم أكثرها صلاة؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول»، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: «وعلى الثاني» (٢).\nوصلاة الله تعالى: ثناؤه عليهم عند الملائكة، وصلاة الملائكة والنبي - ﷺ -، وسائر الناس: الدعاء والاستغفار (٣).\n\nوعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله - ﷿ - وملائكته يصلون على<span data-type=\"title\" id=toc-1072> الصف الأول، أو الصفوف الأولى» </span>(٤).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>الفضل الرابع: النبي - ﷺ - صلى على الصف الأول ثلاثًا، وعلى الثاني مرة واحدة</span>، لحديث العرباض بن سارية - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -: «كان\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٠٣.\n(٢) أحمد في المسند، ٥/ ٢٦٢، قال المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٣٨٤: «رواه أحمد بإسناد لا بأس به، والطبراني وغيره»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٩١: «رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجال أحمد موثقون»، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩٧.\n(٣) انظر: صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ٤٧٩٧،وتقدم تخريجه في مفهوم الصلاة.\n(٤) أحمد، ٤/ ٢٦٩، وقال المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٣٨٥: «رواه أحمد بإسناد جيد»، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩٧.\n(٥) النسائي، كتاب الإمامة، باب كيف يقوّم الإمام الصفوف، برقم ٨١١، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب فضل الصف المقدم، برقم ٩٩٧، لكن بلفظ: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأُوَل»، وأبو داود، برقم ٦٦٤، ولفظه: «إن الله - ﷿ - وملائكته يصلون على الصفوف الأُوَل»، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٧٥.","vol":"1","page":530},{"text":"يصلي على الصف الأول ثلاثًا، وعلى الثاني واحدة». ولفظ ابن ماجه: «كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا، والثاني مرة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1074>الفضل الخامس: صلاة الله تعالى وملائكته على ميامين الصفوف</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» (٢)، وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1075>الفضل السادس: من وصل صفًّا وصله الله وعليه صلاة الله تعالى وملائكته</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلُون الصفوف، ومن سد فرجة رفعه الله بها درجة» (٤).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من وصل صفًّا\nوصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله - ﷿ -» (٥).\n_________\n(١) النسائي، كتاب الإمامة، باب فضل الصف الأول على الثاني، برقم ٨١٧، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب فضل الصف المقدم، برقم ٩٩٦، وابن خزيمة، ٣/ ٢٧، مثل لفظ ابن ماجه، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وهو بلفظ ابن ماجه، ١/ ٢١٤، وابن حبان في صحيحه «الإحسان»، ٥/ ٥٣١، برقم ٢١٥٨، مثل لفظ النسائي، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٧٧، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩٦.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من يستحب أن يلي الإمام في الصف، برقم ٦٧٦، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب فضل ميمنة الصف، برقم ١٠٠٥، وقال المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٣٨٨: «رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن»، وقال الألباني في صحيح أبي داود ١/ ١٣٢: حسن بلفظ «الذين يصلون الصفوف»، قلت: وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٢١٣.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب يمين الإمام، برقم ٧٠٩،وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) ابن ماجه، واللفظ له، كتاب إمامة الصلاة والسنة فيها، باب إقامة الصفوف، برقم ٩٩٥، وأحمد، ٦/ ٦٧، وابن خزيمة، ٣/ ٢٣، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢١٤، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢٠٠.\n(٥) النسائي، كتاب الإمامة، باب من وصل صفًا، برقم ٨١٩ بلفظه، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٦٦٦،وابن خزيمة،٣/ ٢٣،والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي،١/ ٢١٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢٠٠، وفي صحيح النسائي، ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1076>١٣ - مغفرة الله ومحبته لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أمَّن الإمام فأمّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (١)؛ ولحديثه الآخر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» (٢)؛ ولحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - وفيه: أن رسول الله - ﷺ - خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: «إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبّروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يحبّكم الله» الحديث (٣).\nالله أكبر ما أعظم هذا الثواب: مغفرة ما تقدم من الذنوب، ومحبة الله تعالى، لمن وافق تأمينه تأمين الملائكة!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1077>خامسًا: فضل المشي إلى صلاة الجماعة:</span>\nالمشي لأداء الصلاة جماعة من أعظم الطاعات، وقد ثبت في ذلك فضائل عظيمة كثيرة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1078>١ - شديد الحب لصلاة الجماعة بالمسجد في ظل الله يوم القيامة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظلّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». وفي لفظ لمسلم: «ورجل معلق بالمسجد\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٠،ومسلم، برقم ٤١٠،وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٨٢، ومسلم، برقم ٤١٠، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة، برقم ٤٠٤.","vol":"1","page":532},{"text":"إذا خرج منه حتى يعود إليه» (١).\nقال الإمام النووي - ﵀- في شرح قوله - ﷺ -: «ورجل قلبه معلق في المساجد»، ومعناه شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد» (٢). وقال الحافظ ابن حجر - ﵀-: «معلق في المساجد» هكذا في الصحيحين، وظاهره أنه من التعليق، كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد، كالقنديل مثلًا، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه رواية الجوزقي: «كأنما قلبه معلق في المسجد»، ويحتمل أن يكون من العلاقة: وهي شدة الحب. ويدل عليه رواية أحمد: «معلق بالمساجد» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1079>٢ - المشي إلى صلاة الجماعة ترفع به الدرجات، وتحط الخطايا</span>، وتكتب الحسنات؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أنه قال: «وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة ...» (٤)؛ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «... وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رُفِعَ له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة ...» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهر في بيته ثم\nمشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله كانت\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، برقم ٦٦٠، وكتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، برقم ١٤٢٣، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٢٦.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٤٥.\n(٤) مسلم، برقم ٦٥٤، وتقدم تخريجه في أدلة وجوب الصلاة مع الجماعة.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٤٧، ومسلم، برقم ٦٤٩، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.","vol":"1","page":533},{"text":"خطواته: إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة» (١).\nقال الإمام القرطبي - ﵀-: «قال الداودي: إن كانت له ذنوب حطت عنه، وإلا رفعت له بها درجات، قلت: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجة واحدة، إما الحطُّ وإما الرفعُ، وقال غيره: بل الحاصل بالخطوة الواحدة: ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: «كتب الله له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة» والله أعلم انتهى (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -ر حمه الله- يقول: «كل خطوة واحدة: يرفع بها درجة، وتحط عنه بها خطيئة، وتكتب له حسنة، وهذه الزيادة الأخيرة «الحسنة» في مسلم عن ابن مسعود، وإذا صحت رواية إحداهما يرفع بها درجة، والأخرى يحط عنه بها خطيئة، فتكون هذه الرواية أولًا ثم تفضل الله بالزيادة، فجعل بكل خطوة واحدة ثلاث فضائل: رفع درجة، وحط خطيئة، وكتب حسنة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1080>٣ - يكتب له المشي إلى بيته كما كتب له المشي إلى الصلاة</span>، إذا احتسب ذلك؛ لحديث أبي بن كعب - ﵁ - قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، وفي الرمضاء؟ قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد جمع الله لك ذلك كله».وفي لفظ: «إن لك ما احتسبت» (٤).\nقال الإمام النووي - ﵀-: «فيه إثبات الثواب في الخُطا في\n_________\n(١) مسلم، برقم ٦٦٦، وتقدم تخريجه في فضل الصلاة.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٩٠.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري على الحديث رقم ٢١١٩.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، برقم ٦٦٣.","vol":"1","page":534},{"text":"الرجوع كما يثبت في الذهاب» (١).\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام» (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد» قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا، فقال: «يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>٤ - المشي إلى صلاة الجماعة تمحى به الخطايا</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (٤).\nمحو الخطايا: كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ويكون دليلًا على غفرانها، ورفع الدرجات: أعلى المنازل في الجنة، وإسباغ الوضوء: تمامه، والمكاره: تكون بشدة البرد، وألم الجسم، ونحو ذلك، وكثرة الخطا: تكون ببعد الدار وكثرة التكرار (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1082>٥ - المشي إلى صلاة الجماعة بعد إسباغ الوضوء تغفر به الذنوب</span>؛\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٧٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، برقم ٦٥١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، برقم ٦٦٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب احتساب الآثار، برقم ٦٥٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، برقم ٦٦٥.\n(٤) مسلم، برقم ٢٥١، وتقدم تخريجه في فضل الصلاة.\n(٥) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٣/ ١٤٣.","vol":"1","page":535},{"text":"لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد غفر الله له ذنوبه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1083>٦ - إعداد الله تعالى الضيافة في الجنة لمن غدا إلى المسجد أو راح كلما غدا أو راح</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح» (٢).\nوأصل «غدا» خرج بِغَدْوٍ، أي: أتى مبكرًا، وراح: رجع بعشيٍّ، ثم قد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقًا توسعًا، و«أعد» هيأ، و«النزل» ما يهيأ للضيف من الكرامة عند قدومه، ويكون ذلك بكل غدوة أو روحة (٣)، وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من قام بهذا الغدو والرواح، تعد له في الجنة ضيافة بذهابه، وضيافة برجوعه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1084>٧ - من ذهب إلى صلاة الجماعة فسُبق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله - ﷿ - مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>٨ - من تطهر وخرج إلى صلاة الجماعة فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل: هكذا»\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء والصلاة، برقم ٢٣٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب فضل من غدا إلى المسجد أو راح، برقم ٦٦٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات، برقم٦٦٩.\n(٣) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٩٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٧٦.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسبق بها، برقم ٥٦٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٣.","vol":"1","page":536},{"text":"وشبك بين أصابعه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>٩ - أجر من خرج إلى صلاة الجماعة متطهرًا كأجر الحاج المحرم</span>؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من خرج من بيته متطهرًا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1087>١٠ - الخارج إلى صلاة الجماعة ضامن على الله تعالى</span>؛ لحديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله - ﷿ -: رجل خرج غازيًا في سبيل الله - ﷿ - فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله - ﷿ -» (٣).\nوهذا من فضل الله - ﷿ - أن جعل كل واحد من هؤلاء الثلاثة في ضمانه - ﷿ - حتى يجزيه الجزاء الأوفى؛ فإن معنى «ضامن» أي مضمون، أما قوله - ﷺ -: «ورجل دخل بيته بسلام» فيحتمل وجهين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1088>الوجه الأول: أن يسلم إذا دخل منزله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1089>الوجه الثاني: أن يكون أراد بدخول بيته بسلام: </span>أي لزوم البيت طلب السلامة من الفتن، يرغب بذلك في العزلة ويأمره بالإقلال من الخلطة (٤)، وهذا عند ظهور الفتن وخشية المسلم على دينه، أما مع\nالأمن من ذلك فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم\n_________\n(١) ابن خزيمة، ١/ ٢٢٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٠٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١١٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، برقم ٥٥٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١١، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٢٧.\n(٣) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب فضل الغزو في البحر، برقم ٢٤٩٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٧٣.\n(٤) انظر: معالم السنن للخطابي، ٣/ ٣٦١.","vol":"1","page":537},{"text":"ويدعوهم إلى الله أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>١١ - اختصام الملأ الأعلى في المشي على الأقدام إلى صلاة الجماعة</span>؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -، وفيه: أن الله تعالى قال للنبي - ﷺ - في المنام: «... يا محمد هل تدري فيمَ يختصم (١) الملأ الأعلى (٢)؟ قلت: نعم، في الكفارات: المكث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ...» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>١٢ - المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة</span>؛ لقوله - ﷺ - في هذا الحديث: «فمن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير»، ولقول الله تعالى (٤): ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1092>١٣ - المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب تكفير الخطايا</span>؛ لقوله - ﷺ - في الحديث السابق: «وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه».\n_________\n(١) يختصم: يبحث، واختصامهم: عبارة عن تبادرهم إلى ثبات تلك الأعمال والصعود بها إلى السماء، إما عن تقاولهم في فضلها وشرفها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل، لاختصاصهم بها وتفضلهم على الملائكة بسببها مع تهافتهم في الشهوات، وإنما سماه مخاصمة؛ لأنه ورد مورد سؤال وجواب، وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة؛ فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه ... وذكر ابن كثير ﵀ أن هذا الاختصام ليس هو الاختصام المذكور في القرآن. انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ٩/ ١٩٣، ١٠٩.\n(٢) الملأ الأعلى: الملائكة المقربون، والملأ: هم الأشراف الذين يملأون المجالس والصدور عظمة وإجلالًا، ووصفوا بالأعلى إما لعلو مكانتهم عند الله تعالى، وإما لعلو مكانهم. تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٩/ ٣.\n(٣) سنن الترمذي، كتاب التفسير، سورة ص، برقم ٣٢٣٣، ورقم ٣٢٣٤، وله شاهد من حديث معاذ - ﵁ - عند الترمذي، برقم ٣٢٣٥، وصححهما الألباني في صحيح سنن الترمذي،٣/ ٩٨ - ٩٩.\n(٤) انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ٩/ ١٠٤.\n(٥) سورة النحل، الآية: ٩٧.","vol":"1","page":538},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>١٤ - إكرام الله تعالى لزائر المسجد</span>؛ لحديث سلمان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر لله، وحقٌ على المزُور أن يكرم الزائر» (١).\nوعن عمرو بن ميمون - ﵀- قال: أدركت أصحاب رسول الله - ﷺ - وهم يقولون: «المساجد بيوت الله وإنه حق على الله أن يكرم من زاره» (٢)، وفي لفظ عن عمرو بن ميمون عن عمر - ﵁ - قال: «المساجد بيوت الله في الأرض وحق على المزور أن يكرم زائره» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1094>١٥ - فَرَحُ الله تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيًا</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته» (٤). وقد بوَّب الإمام ابن خزيمة على هذا الحديث بقوله: «باب ذكر فرح الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيًا» (٥). وجميع صفات الله تعالى تثبت له على الوجه اللائق به - ﷿ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1095>١٦ - النور التام يوم القيامة لمن مشى في الظلم إلى المساجد</span>؛ لحديث بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (٦).\n_________\n(١) الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٢٥٣، برقم ٦١٣٩، ٦١٤٥، قال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n٢/ ٣١: «رواه الطبراني في الكبير، وأحد أسانيده رجاله رجال الصحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ١٣/ ٣١٩، برقم ١٦٤٦٥.\n(٢) أخرجه بإسناده ابن جرير في جامع البيان، ١٩/ ١٨٩.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ١٣/ ٣١٨، برقم ١٦٤٦٣.\n(٤) ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الإمامة في الصلاة، باب ذكر فرح الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضيًا، ٢/ ٣٧٤، برقم ١٤٩١، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،\n١/ ١٢٣، برقم ٣٠١.\n(٥) صحيح ابن خزيمة، ٢/ ٣٤٧.\n(٦) أبو داود، برقم ٥٦١، والترمذي، برقم ٢٢٣، وتقدم تخريجه في فضل الصلاة.","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1096>سادسًا: آداب المشي إلى الصلاة في الجماعة:</span>\nالمشي إلى الصلاة له آداب عظيمة، منها ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>١ - يتوَضأ في بيته ويسبغ الوضوء</span>؛ لحديث ابن مسعود - ﵁ -: «ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1098>٢ - يبتعد عن الروائح الكريهة</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته». وفي لفظ لمسلم: «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس». وفي لفظ لمسلم: «من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1099>٣ - يأخذ زينته ويتجمل</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ (٣)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «إن الله جميل يحب الجمال» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1100>٤ - يدعو دعاء الخروج من المنزل ويخرج بنية الصلاة</span>؛ فيقول: «بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله» (٥). «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَ، أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ» (٦). «اللهم\n_________\n(١) مسلم، برقم ٦٥٤، وتقدم تخريجه في وجوب صلاة الجماعة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٥٥، ومسلم، برقم ٥٦٤، و٥٦١، ٥٦٧، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٣١.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم ٩١.\n(٥) إذا قال ذلك يقال حينئذ: «هُديت، وكفيت، ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي، وكفى ووقي»، أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقال إذا خرج من بيته، برقم ٥٠٩٥، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء ما يقول إذا خرج من بيته، برقم ٣٤٢٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٥١.\n(٦) أبو داود، كتاب الأدب، باب ما يقول الرجل إذا خرج من بيته، برقم ٥٠٩٤، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء فيما يقول إذا خرج من بيته، برقم ٣٤٢٧، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما يدعو الرجل إذا خرج من بيته، برقم ٣٨٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٣٦.","vol":"1","page":540},{"text":"اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن أمامي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا، وعظّم لي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا، اللهم أعطني نورًا، واجعل في عصبي نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي دمي نورًا، وفي شعري نورًا، وفي بشري نورًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1101>٥ - لا يشبك بين أصابعه في طريقه إلى المسجد ولا في صلاته</span>؛ لحديث\nكعب بن عجرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>٦ - يمشي وعليه السكينة والوقار</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وفي لفظ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٣).\nوفي هذا الحديث الحث على إتيان الصلاة بسكينة ووقار، والنهي عن إتيانها سعيًا، سواء في صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أو لا، وقوله «إذا سمعت الإقامة» إنما ذكر الإقامة للتنبيه على ما سواها؛ لأنه إذا نهي عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة مع خوفه فوت\n_________\n(١) جميع هذه الألفاظ من صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، برقم ٦٣١٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه، برقم ٧٦٣، وفي رواية ١٩١ -\n(٧٦٣) فخرج إلى الصلاة وهو يقول. وكل هذه الروايات من حديث ابن عباس ﵄.\n(٢) الترمذي، برقم ٣٨٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٢١، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأتها بالسكينة والوقار، برقم ٦٣٦، وكتاب الجمعة، باب المشي إلى الجماعة، برقم ٩٠٨، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، والنهي عن إتيانها سعيًا، برقم ٦٠٢.","vol":"1","page":541},{"text":"بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكَّد ذلك ببيان العلة فقال - ﷺ -: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة»، وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدًا آخر، فقال: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي وإن فات من الصلاة ما فات، وبيَّن ما يفعل فيما فات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1103>٧ - ينظر في نعليه قبل دخول المسجد</span>، فإن رأى فيهما أذى مسحه بالتراب؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - وفيه: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذى فليمسحه وليصلّ فيهما» (٢). وتطهير النعلين يكون بمسحهما بالتراب؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وطئَ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور». وفي لفظ: «إذا وطئَ الأذى بخفيه فطهورهما التراب» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1104>٨ - يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد ويقول: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم</span>، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (٤). [بسم الله والصلاة] (٥) [والسلام على رسول الله] (٦) [اللهم افتح لي أبواب رحمتك]؛ لحديث أنس - ﵁ - أنه كان يقول: «من السنة إذا دخلت\n_________\n(١) انظر: شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٠٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعلين، برقم ٦٥٠، وابن خزيمة، برقم ١٠١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٨.\n(٣) أبو داود، كتاب الطهارة، باب الأذى يصيب النعل، برقم ٣٨٥، ٣٨٦، وصححهما الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٧٧.\n(٤) فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم، أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد، برقم ٤٤٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٢، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n(٥) ابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم ٨٨، وحسنه الألباني.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخول المسجد، برقم ٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٢.","vol":"1","page":542},{"text":"المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» (١)؛ ولحديث أبي حميد أو أبي أسيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>٩ - يسلم إذا دخل المسجد على من فيه بصوت يسمعه من حوله</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣). وقال عمار بن ياسر - ﵁ -: «ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>١٠ - يصلي تحية المسجد</span>، فإن كان المؤذن قد أذن بعد دخول الوقت صلى الراتبة إن كان للصلاة راتبة، فإن لم يكن لها راتبة قبلها فسنة ما بين الأذانين؛ لأن بين كل أذانين صلاة، وتجزئ عن تحية المسجد، فإن دخل المسجد قبل دخول وقت الصلاة صلى ركعتين؛ لحديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>١١ - إذا خلع نعليه داخل المسجد وضعهما بين رجليه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذي بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلّ فيهما». وفي لفظ: «إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين\n_________\n(١) أخرجه الحاكم،١/ ٢١٨، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي، ٢/ ٤٤٢، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٥/ ٦٢٤، برقم ٢٤٧٨.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد، برقم ١١٣.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم ٥٤.\n(٤) البخاري، كتاب الإيمان، باب السلام من الإسلام، ١/ ١٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٤، ومسلم، برقم ٧١٤، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.","vol":"1","page":543},{"text":"غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد وليضعهما بين رجليه» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀- يقول: «الصلاة في النعال سنة خلاف اليهود، لكن بعد العناية، فإن رأى فيها شيئًا أزاله بالتراب أو الحجر أو غيره، أما المساجد المفروشة فقد يحصل عليها الغبار للتساهل من بعض الناس، فيحصل تنفير الناس، فالأولى عندي والله أعلم أن يوضع لها محل» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1108>١٢ - يختار الجلوس في الصف الأول على يمين الإمام إن تيسر</span>، بلا مزاحمة ولا أذى لأحد؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته يصلون على ميامين الصفوف» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>١٣ - يجلس مستقبلًا القبلة يقرأ القرآن أو يذكر الله تعالى</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1110>١٤ - ينوي انتظار الصلاة ولا يؤذي</span>؛ فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة، وتصلي عليه الملائكة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ...». وفي لفظ لمسلم: «والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون:\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟ برقم ٦٥٤، ٦٥٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٢٨.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٣٢، ورقم ٢٣٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٦١٥،ومسلم، برقم ٤٣٧،وتقدم تخريجه في فضل الأذان.\n(٤) أبو داود، برقم ٦٧٦، وابن ماجه برقم ١٠٠٥، وحسنه المنذري، وابن حجر في فتح الباري\n٢/ ٢١٣، وتقدم تخريجه في فضل الصف الأول وميامن الصفوف.\n(٥) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٥/ ٢٧٨، برقم ٣٠٦٢]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n٨/ ٥٩: «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن».","vol":"1","page":544},{"text":"اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ، ما لم يحدث» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1111>١٥ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>١٦ - يقدم رجله اليسرى عند الخروج من المسجد بعكس دخوله</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره، وترجله، وتنعله (٣). وكان ابن عمر ﵄ يبدأ برجله اليمنى فإذا خرج بدأ برجله اليسرى (٤). وقال أنس - ﵁ -: «من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى (٥). ويقول: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إني أسألك من فضلك] (٦) [اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم]» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1113>سابعًا: تنعقد الجماعة باثنين: إمام ومأموم، ولو مع صبي على الصحيح </span>أو امرأة ذات محرم عند الخلوة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي - ﷺ - يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه» (٨). وعن مالك بن الحويرث - ﵁ - أنه قال: أتى رجلان النبي - ﷺ - يريدان السفر، فقال النبي - ﷺ -: «إذا أنتما خرجتما فأذّنا، ثم أقيما، ثم ليؤمَّكما أكبرُكما» (٩)؛ ولحديث أنس - ﵁ - أن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٤٧، ومسلم، برقم ٦٤٩، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٢) مسلم، برقم ٧١٠، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٣) البخاري، كتاب الصلاة، باب التيمن في دخول المسجد وغيره، قبل الحديث ٤٢٦.\n(٤) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الصلاة، باب التيمن في دخول المسجد وغيره، قبل الحديث ٤٢٦.\n(٥) الحاكم، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ١/ ٢١٨، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ١١٣، وأبو داود، برقم ٤٦٥، وتقدم تخريجه في دعاء دخول المسجد.\n(٧) ابن ماجه، كتاب المساجد، والجماعات، برقم ٧٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٢٩.\n(٨) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٧، ٦٩٩، ورقم ٩٩٢، ومسلم، برقم ٨٢ (٧٦٣)، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٩) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين، برقم ٦٣٠،وبابٌ: اثنان فما فوقهما جماعة، برقم ٦٥٨.","vol":"1","page":545},{"text":"النبي - ﷺ - دخل على أنس، وأمه، وأم حرام خالة أنس، فقال النبي - ﷺ -: «قوموا فلأصلي بكم» في غير وقت صلاة، فصلى بهم، وجعل أنسًا عن يمينه، وأقام المرأة خلفهم (١). ومما يدل على صحة الجماعة وانعقادها برجل وامرأة، حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات» (٢).\nوالأصل صحة الجماعة وانعقادها بالمرأة مع الرجل كما تنعقد بالرجل مع الرجل، ومن منع فعليه الدليل (٣). إلا إذا كانت أجنبية وحدها، وليس عندهم أحد، فإنه يحرم عليه أن يؤمها؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم» (٤).\nوالصواب صحة مصافة الصبي وإمامته في الفرض والنفل؛ لعموم الأدلة، ومن أصرحها حديث عمرو بن سلمة - ﵁ - قال أبي: جئتكم من عند النبي - ﷺ - حقًّا فقال: «صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا». فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني؛ لما كنتُ أتلقَّى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ستٍّ أو سبْعِ سنين (٥).\nقال الوزير ابن هبيرة - ﵀-: «وأجمعوا على أن أقل الجمع الذي تنعقد به صلاة الجماعة في الفرض غير الجمعة اثنان: إمام\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد، باب جواز الجماعة في النافلة، برقم ٦٦٠.\n(٢) ابن ماجه، برقم ١٣٣٥، وأبو داود، برقم ١٣٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٢٤٣، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٣) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٦٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٥١ - ٣٥٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء، برقم ١٨٦٢، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج، برقم ١٣٤١.\n(٥) البخاري، كتاب المغازي، بابٌ: وقال الليث. برقم ٤٣٠٢.","vol":"1","page":546},{"text":"ومأموم قائم عن يمينه» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة - ﵀-: «وتنعقد الجماعة باثنين فصاعدًا، لا نعلم فيه خلافًا» (٢).\nوقال الإمام ابن عبد البر -﵀-: «أجمع العلماء على أن المرأة تصلي خلف الرجل وحدها صفًا، وأن سنتها الوقوف خلف الرجل لا عن يمينه» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يقول في تقريره على حديث عمرو بن سلمة آنف الذكر: «هذا الحديث يدل على جواز إمامة الصبي إذا عقل وميَّز، وكثير من الفقهاء يقول: لا يؤمُّ، ولا يُعتدُّ به في المصافة، وهذا قول غلط وضعيف، والصواب أنه يؤمُّ ويصافّ، وقد صفَّ أنسٌ مع اليتيم خلف النبي - ﷺ - (٤)، والأصل في الفرائض والنوافل سواء، إلا ما خصه الدليل، وحديث عمرو هذا يدل على جواز إمامة العاقل المميز، ويحمل الشك على السبع؛ لأن الغالب أن المميز ابن سبع، ولقوله - ﷺ -: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين» (٥) فإذا كان يتقن الصلاة قدم» (٦)، أي إذا كان أكثرهم قرآنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1114>ثامنًا: تدرك الجماعة بإدراك ركعة، ولا يُعتدُّ بركعة لا يُدْرك ركوعها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٧)؛ وإذا أدرك الركوع قبل أن يقيم\n_________\n(١) الإفصاح عن معاني الصحاح، ١/ ١٥٥.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٢/ ٧.\n(٣) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، ٦/ ٢٤٩.\n(٤) مسلم، برقم ٦٥٨، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٥) أبو داود، برقم ٤٩٥، وأحمد، ٢/ ١٨٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ٢٦٦، و٢/ ٧، وتقدم تخريجه في منزلة الصلاة في الإسلام.\n(٦) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٤٣٥.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الصلاة ركعة، برقم ٥٨٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٧.","vol":"1","page":547},{"text":"الإمام صلبه من ركوعه فقد أدرك الركعة (١)؛ لحديث أبي بكرة - ﵁ - أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «زادك الله حرصًا ولا تَعُدْ (٢») (٣).وزاد أبو داود فيه: «فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف» (٤).\nومما يدل على أن من أدرك الركوع قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدرك الركعة حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدُّوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» (٥).\nوفي لفظ لابن خزيمة والدارقطني والبيهقي: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه» (٦). وهذا مذهب جمهور الأئمة من\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٨١، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٦١.\n(٢) ولا تعد: قيل: معناها: لا تُعِدْ صلاتك فإنها صحيحة، وقيل: لا تَعْدُ: من العدو والسعي، وقيل: لا تَعُدْ، من العود: أي لا تَعُدْ ساعيًا إلى الدخول في الركوع قبل وصولك الصف، وهذا هو الأقرب، واختاره الصنعاني في سبل السلام،٣/ ١٠٩، وابن باز في مجموع الفتاوى، ١٢/ ١٦٠، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني،\n٢/ ٤٣٠، وقال ابن عبد البر: «زادك الله حرصًا ولا تعد» معناه عند أهل العلم: «زادك الله حرصًا إلى الصلاة ولا تعد إلى الإبطاء عنها». الاستذكار، ٦/ ٢٥٠، وقال ابن قدامة: «بل إنما يعود النهي إلى المذكور والمذكور الركوع دون الصف»، المغني، ٢/ ٧٧.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: إذا ركع دون الصف، برقم ٧٨٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يركع دون الصف، برقم ٦٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٣.\n(٥) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يدرك الإمام ساجدًا كيف يصنع، برقم ٨٩٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٩، وقال الإمام ابن باز «وحديث أبي هريرة قد جاء من طريقين يشد أحدهما الآخر، وتقوم بمثلهما الحجة». انظر مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٦١.\n(٦) سنن الدارقطني، كتاب الصلاة، باب من أدرك الإمام قبل إقامة صلبه فقد أدرك الصلاة،\n١/ ٣٤٦، برقم ١، وسنن البيهقي الكبرى، كتاب الصلاة، باب إدراك الإمام في الركوع، ٢/ ٨٩، وصحيح ابن خزيمة، كتاب الصلاة، باب ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركًا للركعة إذا ركع إمامه قبل، ٣/ ٤٥، برقم ١٥٩٥، قال الألباني في حاشيته على صحيح ابن خزيمة، ٣/ ٤٥: «إسناده ضعيف لسوء حفظ قرّة، لكن الحديث له طرق أخرى وشواهد كما حققته في صحيح أبي داود (٨٣٢)، والإرواء (٨٩)، قلت الطبعة التي عندي صحيح أبي داود، ١/ ١٦٩، والإرواء ٢/ ٢٦٠، وحسنه في صحيح أبي داود وصححه في الإرواء.","vol":"1","page":548},{"text":"السلف والخلف: أن من أدرك الإمام راكعًا فكبر وركع وأمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك ذلك فقد فاتته الركعة فلا يُعتد بها، وهذا مذهب الإمام مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وزيد، وابن عمر - ﵃ - (١). أما من تأخر عن صلاة الجماعة لعذر وهو من المحافظين دائمًا على صلاة الجماعة، ثم جاء وأدرك جزءًا من الصلاة أقل من ركعة فقد فاتته صلاة الجماعة، لكن له أجر وفضل الجماعة لحسن نيته ولعذره؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله - ﷿ - مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا» (٢)؛ ولحديث أبي موسى - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٣)؛ولحديث أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال في غزوة تبوك: «إن أقوامًا بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا فيه\nحبسهم\n_________\n(١) وهذا القول هو الصواب الذي عليه جمهور الأئمة، وهو المتفق عليه عند أصحاب المذاهب الأربعة كما تقدم، ورجحه: الإمام ابن عبد البر، والإمام النووي، والشوكاني في قوله الثاني، والإمام ابن باز - ﵏-.\nوالقول الثاني: إن من أدرك الإمام راكعًا ودخل معه في الركوع لا يعتد بتلك الركعة؛ لأن قراءة الفاتحة فرض ولم يأتِ به، روي هذا القول عن أبي هريرة ورجحه البخاري في كتابه «جزء القراءة»، وحكاه عن كل من يرى وجوب قراءة الفاتحة على المأموم، ورجحه الشوكاني في قوله الآخر في النيل وبسط أدلته.\nوالصواب القول الأول كما تقدم. انظر: مجموع هذه الأقوال في عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، ٣/ ١٤٥ - ١٦١، فقد أبدع في النقل، وانظر: المجموع للنووي، ٤/ ٢١٥، والاستذكار لابن عبد البر، ٥/ ٦٤ - ٦٨ و٦/ ٢٤٥ - ٢٥٠، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٧٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٧٨٤ - ٧٩٢، و٢/ ٣٨١، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٠٨، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٥٧ - ١٦٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٤٠ - ٢٤٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فيمن خرج يريد الصلاة فسُبِق بها، برقم ٥٦٤، والنسائي، كتاب الإمامة، باب حد إدراك الجماعة، برقم ٨٥٥، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٦/ ١٣٧: «إسناده قوي»، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٣، وقد سبق تخريجه في فضل الصلاة.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.","vol":"1","page":549},{"text":"العذر». وفي لفظ: أن رسول الله - ﷺ - رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» (١). فدلَّ ذلك على أن من حبسه عذر شرعي يكون له أجر من عمل العمل على الوجه الشرعي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1115>تاسعًا: صلاة الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته صلاة الجماعة الأولى </span>مع الإمام في المسجد (٣)؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟» (٤). ولفظ الترمذي: جاء رجل وقد صلى رسول الله - ﷺ -، فقال: «أيُّكم يتّجرُ على هذا؟» فقام رجل فصلى معه. ولفظ الإمام أحمد: أن\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من حبسه العذر عن الغزو برقم ٢٨٣٨، وبرقم ٤٤٢٣.\n(٢) انظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٠٢، ومجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ١٦٥.\n(٣) تكرار الجماعة في المسجد الواحد له صور، منها:\nالصورة الأولى: أن يكون إعادة الجماعة أمرًا راتبًا، بأن يكون في المسجد جماعتان دائمًا: الجماعة الأولى، والجماعة الثانية، أو أكثر، فهذا بدعة.\nالصورة الثانية: أن يكون إعادة الجماعة أمرًا عارضًا، والإمام الراتب هو الذي يصلي بالمسجد، لكن أحيانًا يتخلف رجلان، أو ثلاثة، أو أكثر لعذر، فهذا هو محل الخلاف، فمن العلماء من يقول: لا تعاد الجماعة، بل يصلون فرادى، ومنهم من قال: بل تعاد، وهذا هو الصواب وهو الصحيح، وهو مذهب الحنابلة، للأدلة المذكورة في متن هذه الرسالة.\nالصورة الثالثة: أن يكون المسجد في طريق الناس، أو سوقهم، فيأتي الرجلان والثلاثة يصلون ثم يخرجون، ثم يأتي غيرهم فيصلون فلا تكره الإعادة في هذا المسجد أيضًا، قال الإمام النووي في المجموع، ٤/ ٢٢٢: «إذا لم يكن للمسجد إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية بالإجماع». وانظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين ٤/ ٢٢٦ - ٢٣٢. وفي المسألة صور أخرى: انظر: صلاة الجماعة للعلامة صالح بن غانم السدلان، ص١٠٠.\n(٤) أبو داود، برقم ٥٧٤، والترمذي، برقم ٢٢٠، وأحمد، ٣/ ٤٥، ٦٤، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٠٩ وابن حبان، ٦/ ١٥٧، برقم ٢٣٩٧ - ٢٣٩٩، وأبو يعلى، ٢/ ٣٢١، برقم ١٠٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٣١٦، برقم ٥٣٥، وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب آخر صلاة التطوع.","vol":"1","page":550},{"text":"رجلًا دخل المسجد وقد صلى رسول الله - ﷺ - بأصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: «من يتصدق على هذا فيصلي معه؟» فقام رجل من القوم فصلى معه. قال الإمام الشوكاني - ﵀-: «فقام رجل من القوم فصلى معه» هو أبو بكر الصديق كما بيّن ذلك ابن أبي شيبة» (١).\nوالحديث يدل على مشروعية الدخول مع من دخل في الصلاة منفردًا، وإن كان الداخل قد صلى في جماعة (٢). قال الترمذي -﵀-: «وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، وغيرهم من التابعين. قالوا: لا بأس أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صُلّيَ فيه جماعة، وبه يقول أحمد وإسحاق» (٣). وهذا هو الصواب؛ لعموم الأدلة الدالة على أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة؛ ولحديث أبيّ بن كعب - ﵁ - وفيه: «وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى» (٤). ومن قال: إن فضل الجماعة يختص بالجماعة الأولى فعليه الدليل المخصص، ومجرد الرأي ليس بحجة (٥)، وقد ثبت عن أنس - ﵁ - أنه جاء ذات يوم والناس قد صلوا، فجمع أصحابه فصلى بهم جماعة (٦).\n_________\n(١) نيل الأوطار، ٢/ ٣٨٠.\n(٢) نيل الأوطار، ٢/ ٣٨٠.\n(٣) قال الترمذي: «وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، يختارون الصلاة فرادى». سنن الترمذي، الحديث رقم ٢٢٠.\n(٤) أبو داود، برقم ٥٥٤، والنسائي، برقم ٨٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١١٠، وفي سنن النسائي،١/ ١٨٣،وتقدم تخريجه في وجوب صلاة الجماعة.\n(٥) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٦٦.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، قبل الحديث رقم ٦٤٥، في ترجمة الباب، ولفظه: «وجاء أنس إلى مسجدٍ قد صُلّيَ فيه فأذَّن وأقام وصلى جماعة» قال ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ١٣١: «وصله أبو يعلى في مسنده، من طريق الجعد أبي عثمان»، قال: مر بنا أنس بن مالك في مسجد بني ثعلبة، فذكر نحوه، قال: وذلك في صلاة الصبح، وفيه: «فأمر رجلًا فأذن وأقام، ثم صلى بأصحابه»، وفي رواية ابن أبي شيبة، من طرق عن الجعد، والبيهقي من طريق أبي عبد الصمد عن الجعد نحوه، وقال: مسجد بني رفاعة، وقال: «فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه» قال الحافظ ابن حجر: «وهو يؤيد ما قلنا من إرادة التجميع في المسجد»، فتح الباري، ٢/ ١٣١.","vol":"1","page":551},{"text":"والمقصود أن الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته الجماعة الأولى، وهذا هو الأصل ولا يخرج منه إلا بدليل (١)، والله الموفق - ﷾ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>عاشرًا: من صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة</span>؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخّرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت فما تأمرني؟ قال: «صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي]» (٣)؛ ولحديث يزيد بن الأسود، وفيه: «... إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلّيا معهم فإنها لكما نافلة». وفي لفظ: «إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم\n_________\n(١) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٦٦\n(٢) أما حديث ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين» أبو داود، برقم ٥٧٩، والنسائي، ٢/ ١١٤، برقم ٨٦٠ وأحمد ٢/ ١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٥، فقال ابن عبد البر: «اتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى قول رسول الله - ﷺ -: «لاتصلوا صلاة في يوم مرتين» أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة ثم يقوم بعد الفراغ منها فيعيدها على جهة الفرض أيضًا، وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها له نافلة اقتداء برسول الله - ﷺ - في أمره، وقوله - ﷺ - للذين أمرهم بإعادة الصلاة في جماعة: «إنها لكم نافلة» فليس ذلك ممن أعاد الصلاة في يوم مرتين؛ لأن الأولى فريضة والثانية نافلة». الاستذكار لابن عبد البر، ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨، وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى، ٢٣/ ٢٦٠ - ٢٦١، أن حديث ابن عمر في النهي عن إعادة الصلاة مرتين في الإعادة مطلقًا من غير سبب، ولا ريب أن هذا منهي عنه، وأما حديث ابن الأسود فهو إعادة مقيدة بسبب اقتضى الإعادة، فسبب الإعادة حضور الجماعة الراتبة، أو إعادة الصلاة؛ ليحصل من فاتته صلاة الجماعة على فضل الجماعة، وقال الإمام الخطابي: «هذه صلاة الإيثار والاختيار، دون ما كان له سبب كالرجل يدرك الجماعة وهم يصلون فيصلي معهم ليدرك فضيلة الجماعة، توفيقًا بين الأخبار ورفعًا للاختلاف بينها»، معالم السنن، ١/ ٣٠١، وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٧،ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٢٩٦ - ٢٩٨ و٣٨٠،و١/ ٥٠٨ - ٥١٠، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٦٥ - ١٧٥، وقال الإمام ابن عبد البر أيضًا في جواز إعادة الجماعة في المسجد لمن فاتته الجماعة الأولى: «وممن أجاز ذلك ابن مسعود، وأنس، وعلقمة، ومسروق، والأسود، والحسن، وقتادة، وعطاء على اختلاف عنه» الاستذكار، ٤/ ٦٨، وقال ابن قدامة في المغني، ٣/ ١٠: «ولا يكره إعادة الجماعة في المسجد، ومعناه أنه إذا صلى إمام الحي وحضر جماعة أخرى استحب لهم أن يصلوا جماعة».\n(٣) مسلم، برقم ٦٤٨،وتقدم تخريجه في الصلوات ذات الأسباب في آخر صلاة التطوع.","vol":"1","page":552},{"text":"يصلّ فليصلّ معه؛ فإنها له نافلة» (١)؛ ولحديث محجن، وفيه فقال رسول الله - ﷺ -: «ما منعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟» قال: بلى ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا جئت فصلّ مع الناس وإن كنت قد صليت» (٢)؛ولحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - (٣)؛ ولحديث ابن مسعود - ﵁ - (٤) والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1117>الحادي عشر: المسبوق يصلي ما بقي من صلاته إذا سلم إمامه من غير زيادة</span>؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - حينما كان مع النبي - ﷺ - في غزوة تبوك، قال: فتبرز رسول الله - ﷺ - وذكر وضوءه، وأن ذلك قبل صلاة الفجر، قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، ووجدنا عبد الرحمن وقد صلى بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله - ﷺ - فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، فلما سلم عبد الرحمن قام رسول الله - ﷺ - يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته أقبل عليهم، ثم قال: «أحسنتم، أو قد أصبتم» يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها» (٦). وقوله: «يتم صلاته» يدل\n_________\n(١) الترمذي، برقم ٢١٩، وأبو داود، برقم ٥٧٥، والنسائي، برقم ٨٥٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٨٦، وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب.\n(٢) النسائي، برقم ٨٥٧،وصححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ١٨٦،وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب.\n(٣) أحمد، ٥/ ١٦٩، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، برقم ٤٣٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٨٨.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت برقم ٤٣٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٨٧.\n(٥) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٥٠٨ - ٥١٠ و٢/ ٢٩٦، ٣٨٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢١٩، وصلاة الجماعة، للسدلان، ص١٠٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري مختصرًا، كتاب الوضوء، باب الرجل يوضئ صاحبه، برقم ١٨٢، ومسلم مختصرًا، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، برقم ٢٧٤، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، برقم ١٤٩، وأحمد، ٤/ ٢٥١، وألفاظه من سنن أبي داود ومسند أحمد.","vol":"1","page":553},{"text":"على أن ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (١). وجاء في بعض الروايات: «فاقضوا» (٢) والقضاء يطلق على أداء الشيء فهو بمعنى أتموا، فلا مغايرة بين اللفظين (٣)، ولا حجة لمن تمسك برواية «فاقضوا» على أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وإنما الصواب أن ما يدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀- يقول: «وما فاتكم فأتموا» هذا أكثر الروايات، وفي بعض الروايات: «فاقضوا» بمعنى أتموا سواء بسواء، فالروايتان مجتمعتان بمعنى الإتمام والإكمال، فما أدرك فهو أول صلاته، وما قضى فهو آخرها (٥).\nوالمسبوق يدخل مع الإمام في أي جزء أدركه فيه؛ لحديث علي بن أبي طالب ومعاذ ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أتى أحدكم الصلاة والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام» (٦).قال الترمذي - ﵀-:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٦، ومسلم، برقم ٩٠٨، وتقدم تخريجه في آداب المشي إلى الصلاة.\n(٢) أحمد، ٢/ ٢٧٠، وأبو داود، برقم ٥٧٣، والنسائي، ٢/ ١١٤.\n(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٢٥٧، ٣٨٣،وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ١١٥.\n(٤) قال الإمام النووي: «واختلف العلماء في المسألة، فقال الشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف: ما أدركه المسبوق مع الإمام أول صلاته، وما يأتي به بعد سلامه آخرها، وعكسه أبو حنيفة وطائفة، وعن مالك وأصحابه روايتان كالمذهبين، وحجة هؤلاء: «واقضِ ما سبقك»، وحجة الجمهور أن أكثر الروايات «وما فاتكم فأتموا» وأجابوا عن رواية «واقضِ ما سبقك» أن المراد بالقضاء الفعل لا القضاء المصطلح عليه عند الفقهاء، وقد كثر استعمال القضاء بمعنى الفعل» شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٠٤.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٤٥.\n(٦) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما ذكر في الرجل يدرك الإمام وهو ساجد كيف يصنع، برقم ٥٩١، قال العلامة أحمد محمد شاكر في حاشيته على سنن الترمذي: قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، ٢/ ٤٢، فيه ضعف وانقطاع، ويريد بالضعف الإشارة إلى تضعيف حجاج بن أرطأة وهو عندنا ثقة إلا أنه يدلس ولم يصرح بالسماع هنا، ويشير بالانقطاع إلى أن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ولكن له شاهد من حديثه أيضًا عند أبي داود، برقم ٥٠٦، يقول فيه ابن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا ثم ذكر الحديث وفيه فقال معاذ: «لا أراه على حال إلا كنت عليها» قال: فقال إن معاذًا قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا». وهذا متصل؛ لأن المراد بأصحابه الصحابة كما صرح بذلك في رواية ابن أبي شيبة: «حدثنا أصحاب محمد - ﷺ -» [حاشية أحمد شاكر على سنن الترمذي، ٢/ ٤٨٦]، وذكر له العلامة الألباني شاهدًا عن عبد الله بن مغفل - ﵁ - أخرجه المروزي في مسائل أحمد وإسحاق، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ١٨٥: «وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين». والحديث صحيح المعنى لقوله - ﷺ -: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا».","vol":"1","page":554},{"text":"«والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>الثاني عشر: يعذر في ترك الجماعة بأشياء، هي على النحو الآتي:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1119> الخوف أو المرض</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر» (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1120> المطر، أو الدحض </span>(٤)؛ لحديث ابن عباس ﵄ أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: «إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة (٥) وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في\n_________\n(١) سنن الترمذي، ٢/ ٤٨٦.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٩٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٩، وتقدم تخريجه في إدراك الجماعة بركعة.\n(٣) ابن ماجه، برقم ٧٩٣، وأبو داود، برقم ٥٥١، وصححه الألباني في الإرواء، ٢/ ٣٢٧، وتقدم تخريجه في وجوب صلاة الجماعة.\n(٤) الدحض: الزلق. فتح الباري لابن حجر، ١/ ٣٨٤.\n(٥) إن الجمعة عزمة: أي فلو تركت المؤذن يقول حي على الصلاة لبادر من سمعه إلى المجيء في المطر، فيشق عليه، فأمرته أن يقول صلوا في بيوتكم؛ لتعلموا أن المطر من الأعذار التي تصيّر العزيمة رخصة. فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٨٤.","vol":"1","page":555},{"text":"الطين والدحض» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1121> الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه أذَّن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال: ألا صلوا في رحالكم (٢) ثم قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر، يقول: «ألا صلوا في الرحال» وفي لفظ للبخاري: «أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: «ألا صلوا في الرحال» في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر»، وفي لفظ لمسلم: «أن ابن عمر نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في السفر أن يقول: «ألا صلوا في رحالكم» (٣).\nوعن جابر - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فمطرنا، فقال: «ليصلّ من شاء منكم في رحله» (٤) والأفضل أن يأتي بألفاظ الأذان كاملة ثم يقول: «صلوا في بيوتكم». أو يقول: «صلوا في رحالكم» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، برقم ٩٠١، وسبق في كتاب الأذان، باب الكلام في الأذان، برقم ٦١٦، وفي باب هل يصلي الإمام بمن حضر، برقم ٦٦٨، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال، برقم ٦٩٩.\n(٢) الرحل: المنزل وسكن الرجل وما فيه من أثاثه. فتح الباري لابن حجر،١/ ٩٨،ونيل الأوطار،٢/ ٣٨٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين، برقم ٦٣٢،وباب الرخصة في المطر، والعلة أن يصلي في رحله، برقم ٦٦٦،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال، برقم ٦٩٩.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال في المطر، برقم ٦٩٨.\n(٥) قال الإمام القرطبي ﵀ عن حديث ابن عمر ﵄: «ظاهر قوله: «في آخر ندائه» أنه قال ذلك بعد فراغه من الأذان، ويحتمل أن يكون في آخره قبل الفراغ، ويكون هذا مثل حديث ابن عباس». ثم قال: «هذا الحديث قد رواه أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة، قال فيه: كان رسول الله - ﷺ - إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة، أمر المؤذن فأذن بالأذان الأول، فإذا فرغ نادى: الصلاة في الرحال أو في رحالكم». [رواه ابن عدي في الكامل، ٦/ ٢٢٦٣]، وهذا نص يرفع ذلك الاحتمال. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٣٣٨]، وقال الإمام النووي ﵀: «... في حديث ابن عباس ﵄ أنه يقول: «ألا صلوا في رحالكم» في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر أنه قال في آخر ندائه، والأمران جائزان نص عليهما الشافعي رحمه الله تعالى في الأم في كتاب الأذان، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان وفي أثنائه؛ لثبوت السنة فيهما، لكن قوله بعده أحسن؛ ليبقى نظم الأذان على وضعه، ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس ﵄ ولا منافاة بينه وبين الحديث الأول؛ حديث ابن عمر ﵄؛ لأن هذا جرى في وقت وذاك في وقت وكلاهما صحيح»، شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٤.\nوقال الحافظ ابن حجر على قوله: «إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة: وبوب عليه ابن خزيمة، وتبعه ابن حبان، ثم المحب الطبري «حذف حي على الصلاة في يوم المطر» وكأنه نظر إلى المعنى؛ لأن حي على الصلاة، والصلاة في الرحال، وصلوا في بيوتكم يناقض ذلك، وعند الشافعية وجه أنه يقول ذلك بعد الأذان، وآخر أنه يقوله بعد الحيعلتين، والذي يقتضيه الحديث ما تقدم» [فتح الباري، ٢/ ٩٨]، وقال الحافظ في موضع آخر في كلامه على حديث عبد الله بن عمر: «كان يأمر المؤذن يؤذن ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال»: «.. صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان» ثم قال عن اجتماع كلمة صلوا في الرحال وكلمة حي على الصلاة: «وقد قدمنا في باب الكلام في الأذان، عن ابن خزيمة أنه حمل حديث ابن عباس على ظاهره، وأن ذلك يقال: بدلًا من الحيعلة، نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى «حي على الصلاة» هلموا إليها، ومعنى: «الصلاة في الرحال» تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معًا، لأن أحدهما نقيض الآخر، ويمكن أن يجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفريضة ولو تحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فمطرنا فقال: «ليصلّ من شاء منكم في رحله» [مسلم برقم ٦٩٨] فتح الباري،\n٢/ ١١٣، وقال الحافظ أيضًا في موضع آخر على حديث ابن عباس: «والذي يظهر أنه لم يترك بقية الأذان، وإنما أبدل قوله: «حي على الصلاة» بقوله: «صلوا في بيوتكم» الفتح، ٢/ ٣٨٤، وانظر المغني لابن قدامة، ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٨٦.\nوأقرب الأقوال قول النووي رحمه الله تعالى، وقد سمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ أثناء تقريره على صحيح البخاري الحديث رقم ٦١٦، يقول: «الأفضل أن يكمل الأذان ثم يقول بعده صلوا في بيوتكم». وقال على الحديث رقم ٦٦٦: «يقول ذلك بعد الأذان» وقال على الحديث رقم ٦٦٨: «المعروف أنه قاله بعد الأذان».","vol":"1","page":556},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1122> حضور الطعام ونفسه تتوق إليه</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة» (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ عن النبي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٧٤، ومسلم، برقم ٥٥٩، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.","vol":"1","page":557},{"text":"- ﷺ - أنه قال: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1123> مدافعة الأخبثين [البول والغائط]</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» (٢).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: «من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1124> يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ أنه ذكر له أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل - وكان بدريًّا- مرض في يوم جمعة فركب إليه بعد أن تعالى النهار، واقتربت الجمعة وترك الجمعة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1125>فظهر أنه يعذر بترك الجماعة بثمانية أشياء:</span>\nالمرض، والخوف على النفس، أو المال، أو العرض، والمطر، والدحض [الوحل]، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وحضور الطعام والنفس تتوق إليه، ومدافعة الأخبثين أو أحدهما، وأن يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره. وتقدمت الأدلة على كل مسألة من هذه الأشياء (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري برقم ٦٧١، ومسلم، برقم ٥٥٨، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.\n(٢) مسلم، برقم ٥٦٠، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، بابٌ: إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، قبل الحديث رقم ٦٧١، وقال ابن حجر في فتح الباري: «وصله ابن المبارك في كتاب الزهد» [رقم ١١٤٢] وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب قدر الصلاة.\n(٤) البخاري، كتاب المغازي، باب: حدثني عبد الله بن محمد، برقم ٣٩٩٠.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٧٦ - ٣٨٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٣٩٨ - ٤٠١.","vol":"1","page":558},{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nصلاة المؤمن\nمفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفية\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالجزء الثاني","vol":"2","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>المبحث الخامس والعشرون: مكان صلاة الجماعة: المساجد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1127>١ - مفهوم المساجد: </span>جمع مَسجِد، إن أُريد به المكان المخصوص المُعَدّ للصلوات الخمس، وإن أُريد به موضع سجود الجبهة، فإنه بالفتح لا غير «مَسجَد» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>فالمسجد لغة: </span>الموضع الذي يسجد فيه، ثم اتّسع المعنى إلى البيت المُتّخذ لاجتماع المسلمين لأداء الصلاة فيه، قال الزركشي ﵀: «ولَمّا كان السجود أشرف أفعال الصلاة، لقرب العبد من ربه، اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركع، ثم إن العُرف خصص المسجد بالمكان المهيّأ للصلوات الخمس، حتى يخرج المُصلّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها، فلا يُعطى حكمه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1129>والمسجد في الاصطلاح الشرعي: </span>المكان الذي أُعِدّ للصلاة فيه على الدّوام (٣)، وأصل المسجد شرعًا: كل موضع من الأرض يُسجد لله فيه (٤)؛لحديث جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «... وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمّتي أدركته الصلاة، فليصلّ» (٥)، وهذا من خصائص نبيّنا - ﷺ - وأمّته، وكانت الأنبياء قبله إنما أُبيحت لهم الصلاة في مواضع مخصصة: كالبِيَع والكنائس (٦).\nوقد ثبت في حديث أبي ذرّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «... وأينما\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الدّال، فصل الميم،٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥،وسبل السلام، للصنعاني، ٢/ ١٧٩.\n(٢) إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص٢٧ - ٢٨، وانظر: مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢/ ٢٠٧، ومفردات ألفاظ القرآن، للأصفهاني، ص٣٩٧، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ١٠/ ١٢، وشرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١١/ ٣٦٣٥.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور/ محمد رواس، ص٣٩٧.\n(٤) انظر: إعلام الساجد بأحكام المساجد، للزركشي، ص٢٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب التيمم، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، برقم ٣٣٥، ومسلم، كتاب المساجد، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢١.\n(٦) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ١١٧.","vol":"2","page":561},{"text":"أدركتك الصلاة فصلّ، فهو مسجد» (١)، قال الإمام النووي ﵀: «فيه جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة: في المقابر، وغيرها من المواضع التي فيها النجاسة: كالمزبلة، والمجزرة، وكذا ما نُهِيَ عنه لمعنى آخر: فمن ذلك أعطان الإبل، ... ومنه قارعة الطريق، والحمام، وغيرها؛ لحديث ورد فيها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1130>أما الجامع: فهو نعت للمسجد</span>، سمّي بذلك؛ لأنه يجمع أهله؛ ولأنه علامة للاجتماع، فيقال: المسجد الجامع، ويجوز: «مسجد الجامع» بالإضافة، بمعنى: مسجد اليوم الجامع (٣)، ويقال للمسجد الذي تُصلَّى فيه الجمعة، وإن كان صغيرًا؛ لأنه يجمع الناس في وقت معلوم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1131>٢ - فضل المساجد وشرفها: </span>لأهميّة المساجد، ومكانتها وفضلها، ذكرها الله - ﷿ - في كتابه في ثمانية عشر موضعًا (٤).\nولمكانتها العالية وعظم منزلتها عند الله تعالى أضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم؛ فإن المضاف إلى الله - ﷿ - نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها: كالعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه، وكلامه، وقدرته، وحياته، ووجهه، ويده، صفاتٌ له لا يشبهه فيها أحد من خلقه، وهي تليق به - ﷿ -. والنوع الثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت، والناقة، والعبد، والرسول، والروح، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا يتميز بها المضاف عن غيره (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأنبياء، بابٌ: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ برقم ٤٢٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢٠.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٥.\n(٣) انظر: لسان العرب، لابن منظور، فصل الجيم، باب العين،٨/ ٥٥.\n(٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٤٥.\n(٥) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص٤٤٢، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية للسلمان، ٢٤٢.","vol":"2","page":562},{"text":"والله - ﷿ - أضاف المساجد إلى نفسه إضافة تشريف، وفضل، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١). وكقوله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢).وقوله - ﷾ -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا﴾ (٣). مع أن جميع البقاع وما فيها ملك لله - ﷿ -، فهو خالق كل شيء ومالكه، ولكن المساجد لها ميزة وشرف؛ لأنها تختص بكثير من العبادات، والطاعات، والقربات، فليست المساجد لأحد سوى الله، كما أن العبادة التي كلف الله بها عباده لا يجوز أن تصرف لأحد سواه (٤). ومن هذه الإضافة ما أضافه النبي - ﷺ - إلى الله إضافة تشريف بقوله - ﷺ -: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده» (٥).\nومما يدل على فضل المساجد، ومكانتها قول الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا﴾ (٦). فالجهاد شُرع لإعلاء كلمة الله، والمساجد هي أفضل البقاع التي تُرْفَع فيها كلمة التوحيد، وتُؤَدَّى فيها أعظم الفرائض بعد الشهادتين، ولهذا كان الدفاع عنها واجبًا على المسلمين، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ قال الإمام ابن جرير ﵀: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١١٤.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ١٨.\n(٣) سورة الجن، الآية: ١٨.\n(٤) انظر: فصول ومسائل تتعلق بالمساجد، للدكتور العلامة، عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، ص٥، والأثر التربوي للمسجد، للدكتور العلامة صالح بن غانم السدلان، ص٤،والمشروع والممنوع في المسجد، للشيخ محمد بن علي العرفج، ص٦.\n(٥) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، برقم ٢٦٩٩.\n(٦) سورة الحج، الآية: ٤٠.","vol":"2","page":563},{"text":"أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهدم ما ذكر، من دفعه تعالى ذكره بعضهم ببعض، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كفه ببعضهم التظالم: كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفُّه لمن أجاز شهادته بينهم بعضهم عن الذهاب بحق من له قبله حق، ونحو ذلك ...» (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀: «أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكفّ شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف» (٢). وقال الإمام البغوي ﵀: «ومعنى الآية ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وإقامة الحدود، لهدم في شريعة كل نبي مكان صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، وفي زمن محمد - ﷺ - المساجد» (٣).\nوقيل: الضمير في قوله تعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا﴾ عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات، قال الإمام ابن جرير ﵀: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: لهدّمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا» (٤).\nومن دافع عن المساجد ونصر دين الله نصره الله تعالى، كما قال - ﷿ -:\n﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٥). ثم بيَّن الله - ﷿ - صفات ناصريه (٦)، فقال: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا\n_________\n(١) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٨/ ٦٤٧.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ص٩٠١.\n(٣) تفسير البغوي، ٣/ ٢٩٠.\n(٤) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٨/ ٦٥٠، وانظر: تفسير ابن كثير، ص٩٠١.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٤٠.\n(٦) تفسير البغوي، ٣/ ٢٨٩.","vol":"2","page":564},{"text":"الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلله عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (١).\nولعظم فضل المساجد جعل الله - ﷿ - من أقبح القبائح، وأعظم الظلم المنع من عمارتها، فقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٢). ولا شك أن الله - ﷿ - نسخ جميع الشرائع السابقة كلها بالإسلام، فبعد هذا النسخ يتعين منع عمارة الكنائس، والصوامع، والبيع، وجميع المعابد، ويجب إظهار هذه المساجد ورفعها، والعناية بها، لقوله - ﷿ - (٣): ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤) والله المستعان (٥).\nوفضل المساجد ثبت فيه حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أَحَبُّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (٦).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها»؛ لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى، «وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»؛ لأنها محل الغش، والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه» (٧).\nوقال الإمام القرطبي - ﵀ -: «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها» أي أحب بيوت البلاد، أو بقاعها، وإنما كان ذلك لما خُصَّت به من العبادات، والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور شعائر الدين، وحضور الملائكة، وإنما كانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله؛ لأنها مخصوصة\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٤١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١١٤.\n(٣) انظر: فصول ومسائل تتعلق بالمساجد، للعلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، ص٦.\n(٤) سورة النور، الآية: ٣٦.\n(٥) انظر تفسير ابن كثير، ص١٠٩.\n(٦) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في المصلى بعد الصبح وفضل المساجد، برقم ٦٧١.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٧٧.","vol":"2","page":565},{"text":"بطلب الدنيا، ومطالب العباد، والإعراض عن ذكر الله؛ ولأنها مكان الأيمان الفاجرة، وهي معركة الشيطان، وبها يركز رايته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>٣ - أفضل المساجد: المساجد الثلاثة: </span>المسجد الحرام، ومسجد النبي - ﷺ -، والمسجد الأقصى؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أوَّل؟ قال: «المسجد الحرام». قلت: ثم أيُّ؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلّ، فهو مسجد» (٢).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم». ولفظ ابن خزيمة: «.. أشد بياضًا من الثلج» (٣).\nوعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «والله ليبعثنه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». ولفظ مسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٥). والصواب أن الصلاة في المسجد الحرام تضاعف داخل\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، ٢/ ٢٩٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأنبياء، باب ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ برقم ٤٢٥، وبرقم ٣٣٦٦،ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٢٠.\n(٣) الترمذي، وقال: حسن صحيح، كتاب الحج، باب ما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام، برقم ٨٧٧، وابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٢٢٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ٦٣١،وحسنه الأرنؤوط في جامع الأصول،٩/ ٢٧٥.\n(٤) الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الحجر الأسود، برقم ٩٦١، وابن خزيمة، ٤/ ٢٠، وأحمد، ١/ ٢٦٦، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،\n١/ ٢٨٤، ورواه الحاكم، ١/ ٤٥٧، وصححه ووافقه الذهبي.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، برقم ١١٩٠، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٤.","vol":"2","page":566},{"text":"الحرم كله (١).\nوعن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٢). وقد جاء: «والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، والمسجد الأقصى». ولفظ البخاري: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1133>٤ - مسجد قباء أفضل المساجد بعد المساجد الثلاثة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يأتي مسجد قباء كل سبتٍ ماشيًا وراكبًا». وكان عبد الله بن عمر يفعله. وفي لفظ لمسلم: «كان رسول الله\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٢٣٠.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، برقم ١٤٠٦، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٦، وإرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.\n(٣) جاء من حديث أبي الدرداء عند البزار، وابن عبد البر، والبيهقي في الشعب، وحسنه البزار، ونقله ابن حجر في الفتح، ٣/ ٦٧، ولم يتعقبه بشيء، ولم يتضح للألباني فتوقف عنه في إرواء الغليل، ٤/ ٣٤٢، وانظر: التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل، لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ص٤٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٨٩، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل المساجد الثلاثة، برقم ١٣٩٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، برقم ١١٩٦، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل مابين قبره - ﷺ - ومنبره، وفضل موضع منبره، برقم ١٣٩١.","vol":"2","page":567},{"text":"- ﷺ - يأتي مسجد قباء، راكبًا، وماشيًا، فيصلي فيه ركعتين» (١).\nوعن سهل بن حنيف - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» (٢).\nوعن أسيد بن ظُهير الأنصاري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الصلاة في مسجد قباءٍ كعُمرة» (٣).\nوهذا لمن لم يشدَّ الرحال، وإنما زار مسجد قباء من المدينة، أو قدم للمدينة ثم أراد زيارة قباء، أما شدُّ الرحال فلا يجوز إلا للمساجد الثلاثة كما تقدم آنفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1134>٥ - فضل بناء المساجد وعمارتها</span>، جاء فيه نصوص كثيرة تدل على العناية بها، كقول الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٤). وتكون عمارة المساجد ببنائها، وتنظيفها، وفرشها، وإنارتها، كما تكون عمارتها: بالصلاة فيها، وكثرة التردد عليها لحضور الجماعات، وتعلم وتعليم العلوم النافعة، وأعظم العلم النافع تعلُّم القرآن وتعليمه، وغير ذلك من أنواع الطاعات (٥)، وإخلاص هذه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت، برقم ١١٩٣،ومسلم، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه، برقم ١٣٩٩.\n(٢) النسائي، كتاب المساجد، باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه، برقم ٧٠٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٥٠، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٧.\n(٣) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ٣٢٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١١، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ١٠٤، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٢٣٧.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٨.\n(٥) انظر: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، ص٥٨٦، وجامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٤/ ١٦٥، وتفسير البغوي، ٢/ ١٧٤، وتفسير السعدي، ص٢٩١.","vol":"2","page":568},{"text":"العبادات كلها لله تعالى، كما قال - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَدًا﴾ (١).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ، رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾: أي أمر الله - ﷿ - ببنائها، ورفعها، وأمر بعمارتها، وتطهيرها، وقيل: أمر الله بتعاهدها، وتطهيرها من الدنس، واللغو، والأقوال، والأفعال التي لا تليق فيها (٣). وذكر الإمام الطبري ﵀ أن معنى: ﴿أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ أي: أذن الله أن تُبنى، وقال بعضهم: «أذن الله أن تعظم ...».ثم رجح القول الأول فقال: «وأولى القولين عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناءً، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٤). وذلك أن هذا هو الأغلب في معنى الرفع في البيوت والأبنية» (٥).\nوقال العلامة السعدي - ﵀ -: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هذا مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان، الذين لا يتحرزون من النجاسات، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله» (٦).\n_________\n(١) سورة الجن، الآية: ١٨.\n(٢) سورة النور، الآيات: ٣٦ - ٣٨.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص٩٤٣.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٢٧.\n(٥) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٩/ ١٩٠، وانظر: تفسير البغوي ٣/ ٣٤٧.\n(٦) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة السعدي، ص٥١٨.","vol":"2","page":569},{"text":"وعن عمرو بن ميمون - ﵀ - قال: «أدركت أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهم يقولون: المساجد بيوت الله، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره» (١).\nوقد حثّ النبي - ﷺ - على بناء المساجد ورغَّب في ذلك، فعن عثمان بن عفان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من بنى مسجدًا» قال بكير: حسبت أنه قال: «يبتغي به وجه الله» «بنى الله له مثله في الجنة». ولفظ مسلم: «من بنى مسجدًا لله» قال بكير: حسبت أنه قال: «يبتغي به وجه الله تعالى، بنى الله له بيتًا في الجنة» (٢).\nوذكر ابن حجر ﵀ أن قوله - ﷺ -: «من بنى مسجدًا» التنكير فيه للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير» (٣). ووقع في رواية أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من بنى لله مسجدًا صغيرًا أو كبيرًا بنى الله له بيتًا في الجنة» (٤). وجاء من حديث أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من بنى لله مسجدًا ولو قدر مفحص قطاة (٥) بنى الله له بيتًا في الجنة» (٦).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀ -: «وحمل أكثر العلماء ذلك على\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في جامع البيان، ١٩/ ١٨٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب من بنى مسجدًا، برقم ٤٥٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب فضل بناء المساجد، والحث عليها، برقم ٥٣٣.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٥٤٥.\n(٤) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل بنيان المسجد، برقم ٣١٩، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١١٠.\n(٥) مفحص قطاة: القطاة: واحدة القطا، وهو طائر معروف ببطء سيره، والمفحص من الفحص: أي الحفر، والمراد هنا: الموضع الذي تحفره لترقد فيه فتضع فيه بيضها. وانظر: الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٢٦٢.\n(٦) البزار بلفظ [مختصر زوائد البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، لابن حجر، ١/ ٢١٠ برقم ٢٦٠]، والطبراني في المعجم الصغير [مجمع البحرين، ١/ ٤٤١، برقم ٥٧٨]، وابن حبان [الإحسان،\n٤/ ٤٩٠، برقم ١٦١٠]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٧: «رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجاله ثقات»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٨/ ١٠٩.","vol":"2","page":570},{"text":"المبالغة؛ لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه؛ لتضع فيه بيضها، وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وقيل: هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، وهذا كله بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود وهو ما يسع الجبهة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله: «بنى» يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة ﵂: «من بنى لله بيتًا» أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن ... لكن لا يمنع إرادة الآخر مجازًا إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود، وروى البيهقي في الشعب من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم، وللطبراني نحوه من حديث أبي قرصافة وإسنادهما حسن» (١).\nأما قوله - ﷺ -: «من بنى مسجدًا لله» فمعناه: «أي مخلصًا في بنائه لله تعالى» (٢). وذكر ابن حجر ﵀ عن ابن الجوزي - ﵀ - أنه قال: «من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من لإخلاص» (٣). ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة على حسب إخلاصه، لكن الإخلاص الكامل لا يحصل إلا من المتطوع (٤).\nأما قوله - ﷺ - في حديث عثمان - ﵁ -: «بنى الله له مثله في الجنة» فقال\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١/ ٥٤٥.\n(٢) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ١٣٠.\n(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١/ ٥٤٥.\n(٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١/ ٥٤٥.","vol":"2","page":571},{"text":"القرطبي - ﵀ -: «هذه المثلية ليست على ظاهرها ... وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناءً أشرف وأعظم، وأرفع» (١). وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى -: «يحتمل قوله: «مثله» أمرين: أحدهما أن يكون معناه: بنى الله تعالى له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها أنها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nالثاني: «أن معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا» (٢).\nوقال الحافظ ابن حجر -﵀ -: «ومن الأجوبة المرضية، أيضًا أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة بل من مائة» (٣).وهذا هو الاحتمال الأول عند النووي. ولا شك أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا، وسعة الجنة؛ لأن موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها (٤).\nوجاء عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1135>٦ - تنظيف المساجد، وتطييبها، وصيانتها</span>؛ لحديث عائشة ﵂\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ١٣٠.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٨.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٥٤٦.\n(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري،١/ ٥٤٦.\n(٥) ابن ماجه، المقدمة، باب من بلغ علمًا، برقم ٢٤٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١١١.","vol":"2","page":572},{"text":"قالت: «أمر رسول الله - ﷺ - ببناء المساجد في الدور (١) وأن تنظف، وتطيب» (٢).\nوعن سمرة - ﵁ - أنه كتب إلى ابنه: «أما بعد، فإن رسول الله - ﷺ - كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في دورنا، ونصلح صنعتها، ونطهرها» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا أسودَ أو امرأة سوداء كان يقمُّ المسجد (٤) فمات ولم يعلم النبي - ﷺ - بموته، فذكره ذات يوم، فقال: «ما فعل ذلك الإنسان»؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: «أفلا آذنتموني»؟ فقالوا: إنه كان كذا وكذا قصته، قال: فحقروا شأنه، قال: «دلّوني على قبره» أو قال: «على قبرها» فأتى قبرها فصلى عليها، [ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله - ﷿ - ينوّرها لهم بصلاتي عليهم» (٥)]. وعن أنس - ﵁ - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ -، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مه، مه (٦)؟ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزرموه (٧) دعوه» فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله\n_________\n(١) بناء المساجد في الدور: قال سفيان: يعني في القبائل، جامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٢٠٨.\n(٢) أحمد في المسند، ٦/ ٢٧٩، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور، برقم ٤٥٥، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما ذكر في تطييب المساجد، برقم ٥٩٤، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، برقم ٧٥٨، ٧٥٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور، برقم ٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٢.\n(٤) قَمُّ المسجد: هو كنسه. الترغيب والترهيب للمنذري، ١/ ٢٦٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كنس المسجد والتقاط الخرق، والأذى، والعيدان، برقم ٤٥٨، وكتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن، برقم ١٣٣٧، ومسلم كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٦، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.\n(٦) مَهْ مَهْ: معناه اكفف، وهي كلمة زجر قيل: أصلها ما هذا؟ ثم حذف تخفيفًا، وتقال مكررة ومفردة. انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٨٢.\n(٧) لا تزرموه: أي لا تقطعوا عليه بوله. شرح السنة للبغوي، ٢/ ٤٠١.","vol":"2","page":573},{"text":"- ﷿ - والصلاة، وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله - ﷺ -، قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنَّه (١) عليه» (٢).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفَّارتها دفنه». وفي لفظ لمسلم: «التفل في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها» (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «عُرضت عليّ أعمال أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها، الأذى يُماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة (٤) تكون في المسجد ولا تدفن» (٥). قال الإمام النووي ﵀: «هذا ظاهر أن هذا القبح أو الذم لا يختص بصاحب النخاعة بل يدخل فيه هو، وكل من رآها ولا يزيلها بدفن أو حكٍّ، ونحوه» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1136>٧ - يبتعد المسلم عن الروائح الخبيثة إذا ذهب إلى المسجد</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلْنا، أو ليعتزلْ مسجدَنا، وليقعدْ في بيته». وفي لفظ لمسلم: «فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم» (٧).\n_________\n(١) شنَّه عليه: أي صبه عليه. المرجع السابق، ٢/ ٤٠١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، بابٌ: صب الماء على البول في المسجد، برقم ٢٢١، ومسلم واللفظ له، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها، برقم ٢٨٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كفارة البزاق في المسجد، برقم ٤١٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد، في الصلاة وغيرها، والنهي عن بصاق المصلي بين يديه وعن يمينه، برقم ٥٥٢.\n(٤) النخاعة: البزقة التي تخرج من أصل الفم مما يلي أصل النخاع. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب النون مع الخاء، ٥/ ٣٣.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، برقم ٥٥٣.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٤٥.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٥٥، ومسلم، برقم ٥٦٤، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.","vol":"2","page":574},{"text":"وخطب عمر بن الخطاب - ﵁ - الناس في آخر حياته، وقال: «إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأُخرج، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1137>٨ - فضل المشي إلى المساجد دلت عليه الأدلة الصحيحة الصريحة</span>، ومن هذه الفضائل: أن من تعلق قلبه بالمساجد يكون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، المشي إلى المساجد تُرفع به الدرجات، وتُحطّ الخطايا، وتُكتب الحسنات؛ والذاهب إليها في صلاة حتى يرجع إلى بيته، وإذا أسبغ الوضوء ثم ذهب إليها غفر الله له ذنوبه، وإذا غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة ضيافة كلما غدا أو راح؛ والمشي إلى المساجد لأداء صلاة الجماعة من أسباب سعادة الدنيا والآخرة. وغير ذلك من الفضائل (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1138>٩ - المساجد يجب أن تقام الجماعة فيها، ولا يجوز للرجال فعلها إلا في المسجد</span>، والأدلة على ذلك هي البراهين الدالة على وجوب صلاة الجماعة، وأنها فرض عين (٣) ولكن إذا لم يتيسر مسجد أو كان المسجد بعيدًا لا يُسمع الأذان منه أو كان الجماعة في سفر، فإن الجماعة تجب على من يستطيع أن يجدها، وعليهم أن يصلوا في مكان طاهر؛ لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أُعطيت خمسًا لم يُعطهنّ أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلت لي الغنائم ولم تُحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٥٦٦.\n(٢) تقدمت أدلة هذه الفضائل في فضل المشي إلى صلاة الجماعة.\n(٣) تقدمت الأدلة على ذلك في حكم صلاة الجماعة.","vol":"2","page":575},{"text":"الناس عامة» (١). قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «من تأمل السنة حق التّأمُّل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان، إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار ... فالذي ندينُ الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1139>١٠ - تحريم اتخاذ القبور مساجد</span>، لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٣)؛ ولحديث عائشة وابن عباس - ﵃ - قالا: «لَمّا نزل (٤) برسول الله - ﷺ - طفق (٥) يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها (٦) كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا» (٧).\nوعن جُندب - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت مُتخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التيمم، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، برقم ٣٣٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المساجد ومواضع الصلاة برقم٥٢١.\n(٢) كتاب الصلاة، لابن القيم، ص٨٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: حدثنا أبو اليمان، برقم ٤٣٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور برقم٥٣٠.\n(٤) نزل: أي نزل ملك الموت برسول الله - ﷺ -.\n(٥) طفق: جعل.\n(٦) اغتم: أي تغطَّى بها. انظر: المصباح المنير للفيومي، ٤٥٤.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، بابٌ: حدثنا أبو اليمان، برقم ٤٣٦، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، برقم ٥٣١.","vol":"2","page":576},{"text":"مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (١).\nوعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ﵅ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فَذَكرتا للنبي - ﷺ - فقال: «إنَّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله - ﷿ - يوم القيامة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>١١ - دخول الكافر المسجد عند الحاجة بدون ضرر أو أذى</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: بعث النبي - ﷺ - خيلًا قِبَلَ نجدٍ فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي - ﷺ - فقال: «أطلقوه» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله (٣).وهذا يدل على جواز دخول المشرك المسجد إذا كان له فيه حاجة، أما المسجد الحرام فلا (٤).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا فيه شاهد على جواز ربط الكافر في المسجد، ويدل على جواز دخول الكافر المدينة المنورة، فليست كمكة عند الحاجة، وفيه دليل على جواز دخول الكافر المسجد للحاجة، فإذا جاز دخوله مسجد المدينة فالمساجد الأخرى من باب أولى ما عدا مكة» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٣٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، برقم ٤٢٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٢٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الصلاة، باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد، برقم ٤٦٢، وباب دخول المشرك المسجد، برقم ٤٦٩، ومسلم، كتاب الجهاد، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه، برقم ١٧٦٤.\n(٤) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٨٥.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٦٥.","vol":"2","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>١٢ - جواز إنشاد الشعر الحكيم النافع في المسجد</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن عمر - ﵁ - مرّ بحسان - ﵁ - وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه (١) فقال: قد كنت أنشدُ وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله يقول: «أجب عني اللهم أيّده بروح القدس» (٢) قال: اللهم نعم (٣).\nوفي هذا الحديث دلالة على جواز إنشاد الأشعار التي تدعو إلى الخير في المسجد؛ لما في ذلك من الأثر العظيم في النفوس، وتشجيع أهل الحق، أما ما جاء من أحاديث النهي عن تناشد الأشعار في المسجد، فالنهي محمول على تناشد أشعار الجاهلية، وأهل البطالة، فالمأذون فيه ما سلم من ذلك، وقيل: المأذون فيه: مشروط بأن لا يكون ذلك مما يشغل مَن في المسجد (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1142>١٣ - تحريم السؤال عن الضالة في المسجد</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سمع رجلًا ينشد ضالة (٥) في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبنَ لهذا» (٦). وعن بريدة - ﵁ - أن رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا (٧) إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي - ﷺ -: «لا وجدتَ إنما بُنيت المساجد لِمَا بُنيت له» (٨).\n_________\n(١) لحظ إليه: نظر إليه وكأن حسان فهم منه نظر الإنكار. سبل السلام، ٢/ ١٨٧.\n(٢) روح القدس: جبريل - ﵇ -.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الشعر في المسجد، برقم ٤٥٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت - ﵁ -، برقم ٢٤٨٥.\n(٤) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٨٧.\n(٥) ينشُدُ: من نشدت إذا طلبت، ومنه قوله: «نشد» شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٥٨.\n(٦) مسلم، كتاب المساجد، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد، برقم ٥٦٨.\n(٧) من دعا إلى الجمل الأحمر: أي من وجد ضالتي وهو الجمل الأحمر فدعاني إليه. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢٠٤.\n(٨) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد وما يقوله من سمع الناشد، برقم ٥٦٩.","vol":"2","page":578},{"text":"دلّ هذان الحديثان على النهي عن نشد الضالة في المسجد، ويلحق به ما في معناه: من البيع والشراء، والإجارة، ونحوها من العقود، وكراهة رفع الصوت في المسجد، والدعاء عليه: عقوبة له على مخالفته وعصيانه، وينبغي لسامعه أن يقول: لا وجدت فإن المساجد لم تبن لهذا، أو يقول: لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له (١). والضالة: الضائعة، ونشدها طلبها والسؤال عنها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1143>١٤ - تحريم البيع والشراء في المساجد</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع (٣) في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردّ الله عليك» (٤).\nوالحديث يدل على تحريم البيع والشراء في المسجد، وأنه ينبغي لمن رأى ذلك أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، جهرًا للفاعل (٥) هذا فيه تعزير بالدعاء، والعلة في قوله فيما سلف: «فإن المساجد لم تبن لذلك».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>١٥ - لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها</span>؛ لحديث حكيم بن حزام - ﵁ - أنه قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود» (٦).\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٥٨ - ٥٩.\n(٢) انظر: جامع الأصول، لابن الأثير، ١١/ ٢٠٣.\n(٣) يبتاع: أي يشتري. سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٨٩.\n(٤) الترمذي، بلفظه، كتاب البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد، برقم ١٣٢١، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ١٧٦، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم ١٥٤، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٢/ ٥٦،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،٢/ ٣٤،وفي إرواء الغليل، برقم ١٤٩٥.\n(٥) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٨٩.\n(٦) أبو داود، كتاب الحدود، باب في إقامة الحد في المسجد، برقم ٤٤٩٠، بلفظه، وأحمد في المسند، ٣/ ٣٤، والحاكم في المستدرك، ٤/ ٣٧٨، والدارقطني في السنن، ٣/ ٨٦، برقم ١٤، والبيهقي في السنن الكبرى، ٨/ ٣٢٨، وعزاه ابن حجر في التلخيص الحبير إلى ابن السكن، وضعف إسناده الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وقال في التلخيص الحبير، ٤/ ٧٨: «لا بأس بإسناده»، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٨٥٠.","vol":"2","page":579},{"text":"والحديث يدلّ على تحريم إقامة الحدود في المساجد، وعلى تحريم الاستقادة فيها (١)، أما الأشعار التي لا تجوز في المساجد فهي أشعار الجاهلية، وأهل المعاصي، بخلاف الأشعار التي تدعو إلى الفضيلة فلا بأس بها. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -﵀ - يقول: «الحديث وإن كان ضعيفًا لكن معناه تشهد له الأدلة الأخرى؛ فإن إقامة الحدود في المساجد قد تلوثها عند الضرب أو القطع، فيحصل تلويث المسجد بالبول أو غيره» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1145>١٦ - النوم والأكل والسكن وبقاء المريض في المسجد</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «أصيب سعد يوم الخندق فضرب عليه رسول الله - ﷺ - (٣) خيمة في المسجد ليعوده من قريب» (٤). وهذا يدل على جواز النوم في المسجد، وبقاء المريض فيه، ونصب الخيمة (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «لا بأس من اتخاذ خيمة، أو خيام في المسجد، سواء كانت للاعتكاف، أو لرجل له شأن، ليزار، أو للسكن لمن لم يكن له سكن» (٦).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي - ﷺ - (٧).وعن عائشة ﵂ أن وليدة سوداء كان لها خباء\n_________\n(١) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٩١.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٦٩.\n(٣) فضرب عليه خيمة: أي نصب عليه خيمة. سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٩٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم، برقم ٤٦٣، ومسلم، كتاب الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، برقم ١٧٦٩.\n(٥) انظر: سبل السلام للصنعاني،٢/ ١٩٣.\n(٦) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٧٠.\n(٧) البخاري، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد، برقم ٤٤٠، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر ﵄ برقم ٢٤٧٩.","vol":"2","page":580},{"text":"في المسجد، فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس عندي مجلسًا إلا قالت:\nويوم الوشاح من تعاجيب ربنا (١) ألا إنه من بلدة الكفر أنجاني (٢)\nوفي هذا دليل على إباحة المبيت، والمقيل في المسجد، لمن ليس له مسكن من المسلمين، رجلًا كان أو امرأة عند أمن الفتنة (٣). وكان أصحاب الصفة يسكنون في المسجد؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداءٌ، إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن تُرى عورته» (٤).\nوعن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي - ﵁ - قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد الخبز واللحم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1146>١٧ - اللعب المباح في المسجد: </span>ما أذن فيه النبي - ﷺ -، فعن عائشة ﵂ قالت: «لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله - ﷺ - يسترني بردائه، أنظر إلى لعبهم». وفي لفظ: «كان الحبشة يلعبون بحرابهم فيسترني رسول الله - ﷺ - وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو» (٦). وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: بينما الحبشة\n_________\n(١) يوم الوشاح له قصة عجيبة، انظرها في صحيح البخاري، برقم ٤٣٩، ٣٨٣٥.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب نوم المرأة في المسجد، برقم ٤٣٩، وفيه قصة عجيبة!.\n(٣) انظر: سبل السلام، ٢/ ١٩٦.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب نوم الرجال في المسجد، برقم ٤٤٢.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الأطعمة، باب الأكل في المسجد، برقم ٣٣٠٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٣٠.\n(٦) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد، برقم ٤٥٤، وكتاب النكاح، باب حسن المعاشرة مع الأهل، برقم ٥١٩٠، وكتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، برقم ٩٥٠، وكتاب النكاح، باب نظر المرأة إلى الجيش ونحوهم، برقم ٥٢٣٦، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، برقم ٨٩٢.","vol":"2","page":581},{"text":"يلعبون عند النبي - ﷺ -[وفي رواية: في المسجد] دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال: «دعهم يا عمر» (١). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «واللعب بالحراب ليس لعبًا مجردًا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدو» (٢).\nوقال - ﵀ -: «واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه» (٣).\nوأما نظر عائشة ﵂ إلى الحبشة، وهم يلعبون وهي أجنبية ففيه دلالة على جواز نظر المرأة إلى جملة الناس من دون تفصيل لأفرادهم، كما تنظرهم إذا خرجت للصلاة في المسجد، وعند الملاقاة في الطرقات (٤). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «هذا الحديث يدل على أن نظر النساء في الجملة لا حرج فيه، كما ينظرن الرجال في الأسفار والمساجد، فالنظر العام للماشين والمصلين، واللاعبين لا يضر؛ لأنه في الغالب لا يكون مع الشهوة ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1147>١٨ - تشييد المساجد، وزخرفتها، والاقتصاد في بنائها</span>، جاء في النهي عن تشييد المساجد وزخرفتها آثار وأحاديث، وجاء في الأمر بالاقتصاد في بنائها أحاديث أخر، فعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس (٦) في المساجد». ولفظ النسائي: «من أشراط\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب اللهو بالحراب ونحوها، برقم ٢٩٠١، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه، برقم ٨٩٣.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١/ ٥٤٩.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ٤٤٥.\n(٤) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٩٥.\n(٥) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٢٧١.\n(٦) يتباهى الناس: يتفاخرون في بناء المساجد: بالنقش والكثرة. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢١٠، ونيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٦٩٥.","vol":"2","page":582},{"text":"الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أمرت بتشييد (٢) المساجد» (٣).\nقال ابن عباس ﵄: «لتزخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى (٤») (٥).\nوقال أبو سعيد الخدري - ﵁ -: «كان سقف المسجد من جريد النخل» (٦)، وأمر عمر - ﵁ - ببناء المسجد، وقال: «أكِنَّ الناس من المطر، وإياك أن تُحَمّر، أو تُصفّر، فتفتن الناس» (٧). وكأنَّ عمر - ﵁ - فهم ذلك من رد النبي - ﷺ - الخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام التي فيها، وقال: «إنها ألهتني عن صلاتي» (٨). قال ابن حجر - ﵀ -: «ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم» (٩). وقال أنس بن مالك - ﵁ -: «يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا» (١٠).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، برقم ٤٤٩، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب تشييد المساجد، برقم ٧٣٩، والنسائي، كتاب المساجد، باب المباهاة في المساجد، برقم ٦٨٩، وأحمد، ٣/ ٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٤٨، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٩١.\n(٢) تشييد: المراد بالتشييد رفع البناء وتطويله. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٥١٧، وشرح السنة للبغوي، ٢/ ٣٤٩.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، برقم ٤٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٠.\n(٤) الزخرفة: النقوش، وتذهيب الحيطان وتمويهها بالذهب. جامع الأصول، ١١/ ٢٠٩.\n(٥) البخاري، كتاب الصلاة، باب بنيان المساجد، معلقًا قبل الحديث رقم ٤٤٦، ووصله أبو داود، برقم ٤٤٨.\n(٦) البخاري موقوفًا معلقًا، كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد، قبل الحديث رقم ٤٤٦، قال الحافظ ابن حجر وهو طرف من حديثه في ليلة القدر، وقد وصله المؤلف في الاعتكاف. انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٥٣٩.\n(٧) البخاري، كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد [في ترجمة الباب]،قبل الحديث رقم ٤٤٦.\n(٨) البخاري، برقم ٣٧٣، ومسلم، برقم ٥٥٦، وتقدم تخريجه في مكروهات الصلاة.\n(٩) فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٣٣٩.\n(١٠) البخاري، كتاب الصلاة، باب بنيان المساجد، [في ترجمة الباب] قبل الحديث رقم ٤٤٦. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١/ ٥٣٩: «وهذا التعليق رويناه موصولًا في مسند أبي يعلى، وصحيح ابن خزيمة، من طريق أبي قلابة، أن أنسًا قال: «سمعته يقول: «يأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا».","vol":"2","page":583},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «زخرفة المساجد وعدم الصلاة فيها من المصائب» (١).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄: أن المسجد كان على عهد رسول الله مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر وبناه على بنياه في عهد رسول الله - ﷺ -: باللَّبِن والجريد، وأعاد عمده خشبًا، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجار المنقوشة والقصة (٢)، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج (٣») (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «فعل عثمان - ﵁ - يدل على تحسين المسجد بالحجارة المنقوشة، والأخشاب الطيبة، والقصة يعني صبغ الجدار لا بأس بذلك، وإن كان حياة السلف أولى وأفضل، لكن إذا حسَّن الناس مساكنهم، ونفروا من البنايات القديمة، وصار ترك المسجد على حالته القديمة قد ينفرهم من الصلاة والاجتماع في المساجد، فلا بأس أن يفعل مثل ما فعل عثمان - ﵁ - للترغيب في المساجد، أما للمفاخرة فلا، ويكره أن يكتب في المسجد فالأولى أن يكون سادة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>١٩ - الكلام في المسجد لا بأس به إذا كان مباحًا</span>؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - وفيه أن النبي - ﷺ -: «كان لا يقوم من مصلاّه الذي صلى فيه الصبح\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ٤٤٦.\n(٢) القصة: الجص بلغة أهل الحجاز. جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ١٨٦.\n(٣) الساج: نوع من الخشب معروف يؤتى به من الهند. فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٥٤٠.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب بنيان المسجد، برقم ٤٤٦.\n(٥) سمعته من سماحته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٧٤.","vol":"2","page":584},{"text":"أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسّم» (١). ولفظ أحمد: «شهدت النبي - ﷺ - أكثر من مائة مرة في المسجد، وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسم معهم» (٢). قال النووي - ﵀ -: «فيه جواز الضحك والتبسّم» (٣).وقال القرطبي -﵀-: «يمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلمون؛ لأن الكلام فيه جائز غير ممنوع، إذ لم يرد في ذلك منع، وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضل وأولى، ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت، والله تعالى أعلم» (٤).قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ -: «وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله - ﷺ - في المسجد فحسن، وأما المحرَّم فهو في المسجد أشد تحريمًا، وكذلك المكروه، ويكره فيه فضول المباح» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1149>٢٠ - رفع الأصوات في المساجد ممنوع</span>؛ لأنه يشوّش على المصلين، ولو بقراءة القرآن؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد فسمعهم يجهرون بالقرآن، فكشف الستر وقال: «ألا إن كلكم مناج ربَّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة» أو قال: «في الصلاة» (٦).\n_________\n(١) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد صلاة الصبح، برقم٦٧٠.\n(٢) أحمد بلفظه ٥/ ٩١، والترمذي بنحوه، في كتاب الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر، برقم ٢٨٥٠، وقال: «حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٣٧ [طبعة مكتبة المعارف].\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ١٧٧.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٢٩٦.\n(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ابن تيمية، ٢٢/ ٢٠٠، ٢٦٢.\n(٦) أبو داود، كتاب التطوع، باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل، برقم ١٣٣٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ١٤٧،ورواه أحمد بنحوه في المسند،٢/ ٦٧، عن ابن عمر ﵄ وصححه أحمد شاكر في شرحه للمسند، برقم ٩٢٨، و٥٣٤٩.","vol":"2","page":585},{"text":"وعن السائب بن يزيد - ﵁ - قال: «كنت قائمًا في المسجد فحصبني (١) رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - ﷺ -» (٢).\nوعن كعب بن مالك - ﵁ - أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد دينًا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما، حتى سمعهما رسول الله - ﷺ - وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجفَ حجرته (٣) فنادى: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، قال: «ضع من دينك هذا» وأومأ إليه: أي الشطر، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله - ﷺ -: «قم فاقضه» (٤)،قال الحافظ ابن حجر -﵀-: «وفي الحديث جواز رفع الصوت في المسجد، وهو كذلك ما لم يفحش ... والمنقول عن مالك منعه في المسجد مطلقًا، وعنه التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير، وما لا بد منه فيجوز، وبين رفعه باللغط ونحوه فلا» (٥). ونقل الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن المهلب قوله: «لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لما تركهما النبي - ﷺ -، ولبيَّن لهما ذلك» قال ابن حجر: «قلت: ولمن منع أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصل بالطريق المؤدية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة، الموجبة لرفع الصوت» (٦)،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا فيه جواز طلب قضاء الدين في المسجد، كأن يقول: أعطني ديني، وهذا ليس كالبيع، [أو] يقول: اقضني\n_________\n(١) فحصبني: حصبته: إذا رميته بالحصباء، وهي الحصى الصغار. جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢٠٥.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد، برقم ٤٧٠.\n(٣) سِجْف حجرته: الستر، وقيل: أحد طرفي الستر المفرج. فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٥٥٢.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب التقاضي والملازمة في المسجد، برقم ٤٥٧.\n(٥) فتح الباري، ١/ ٥٥٢.\n(٦) فتح الباري، ١/ ٥٥٢.","vol":"2","page":586},{"text":"ديني جزاك الله خيرًا» (١)، وسمعته يقول عن كلام النبي - ﷺ - لكعب وابن أبي حدرد: «هذا من باب الإصلاح، والصواب أنهما إذا اتفقا على تعجيل الدين والوضع منه فلا بأس ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1150>٢١ - الصلاة بين السواري في المسجد</span>، لا بأس بها للمنفرد، والإمام، أما المأمومون فتكره صلاتهم بينها عند السعة؛ لأن السواري تقطع الصفوف، ولا تكره عند ضيق المسجد، وقد جاء في ذلك حديث أنس بن مالك - ﵁ -، فعن عبد الحميد بن محمود قال: كنت مع أنس بن مالك أصلي، قال: فألقونا بين السواري، قال: فتأخر أنس، فلما صلينا قال: إنَّا كُنَّا نتقي هذا على عهد رسول الله - ﷺ -» (٣). وعن معاوية بن قرة عن أبيه - ﵁ - قال: «كنا نُنْهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها طردًا» (٤).\nأما جواز ذلك للإمام والمنفرد؛ فلحديث ابن عمر ﵄: «أن النبي - ﷺ - لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1151>٢٢ - التّحلُّق في المسجد قبل صلاة الجمعة</span>، جاء فيه حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «أن النبي - ﷺ - نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد». ولفظ الترمذي: «نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلَّق الناس فيه يوم\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٥٧.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٤١٨.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الصفوف بين السواري، برقم ٦٧٣، والترمذي، برقم ٢٢٩، والنسائي، ٢/ ٩٤، وأحمد، ٣/ ١٣١، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢١٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٤٩.\n(٤) ابن ماجه، برقم ١٠٠٢، والحاكم وصححه ١/ ٢١٨، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه،\n١/ ٢٩٨: «حسن صحيح».\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة بين السواري في غير جماعة، برقم ٥٠٤، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة، برقم ١٣٢٩.","vol":"2","page":587},{"text":"الجمعة قبل الصلاة» (١). والتحلق، والحِلَق: جمع حَلْقة: الجماعة من الناس، فنهاهم أن يجلسوا متحلقين حلقة واحدة أو أكثر، حتى ولو كان ذلك لمذاكرة العلم؛ لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة، والتراصّ في الصفوف: الأول، فالأول، والتحلق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي ندبوا إليه، فإذا فرغ من صلاة الجمعة فلا حرج ولا كراهة (٢). وقد كان شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يعمل بهذا الحديث فيوقف الحلقات يوم الجمعة ابتداء من صلاة الفجر إلى الفراغ من صلاة الجمعة، ثم يكون هناك حلقة بعد صلاة الجمعة في بيته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>٢٣ - الانتقال عند النعاس في المسجد إلى مكان آخر</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره» (٣). ولفظ الترمذي: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة، فليتحول عن مجلسه ذلك». ولفظ أحمد: «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول إلى غيره».\n_________\n(١) النسائي، كتاب المساجد، باب النهي عن البيع والشراء في المسجد وعن التحلق قبل صلاة الجمعة، برقم: ٧١٤، وأبو داود، كتاب الجمعة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، برقم ١٠٧٩، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهة البيع والشراء، وإنشاد الضالة والشعر في المسجد، برقم ٣٢٢، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة والاحتباء والإمام يخطب، برقم ١١٣٣.\nوحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٥٤، وفي صحيح سنن أبي داود،١/ ٢٢١، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ١٠٣، وصحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٨٦، وحسنه الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢٠٤.\n(٢) انظر: تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٢/ ٢٧٢، وشرح السندي على سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٩.\n(٣) أبو داود بلفظه، كتاب الصلاة، باب الرجل ينعس والإمام يخطب، برقم ١١١٩، والترمذي، كتاب الجمعة، باب فيمن نعس يوم الجمعة أنه يتحول من مجلسه، وقال: «حسن صحيح»، برقم ٥٢٦، وأحمد في المسند، ٢/ ٢٢، ٣٢، ١٣٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٢٠٨، وحسنه الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢٠٦، قلت: وقد صرح محمد بن إسحاق بالسماع في رواية أحمد، ٢/ ١٣٥.","vol":"2","page":588},{"text":"وفي لفظ لأحمد: «إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره». وفي لفظ: «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحول منه إلى غيره».\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «وظاهر الأوامر الوجوب» (١).\nوالحكمة من الانتقال أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه: انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه، وإن كان النائم لا حرج عليه، فقد أمر النبي - ﷺ - في قصة نومهم عن صلاة الصبح بالانتقال من المكان الذي ناموا فيه، وأيضًا من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد عن الذكر، أو سماع الخطبة، أو ما فيه منفعة (٢).\nوقوله: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة» لم يرد بذلك جميع اليوم بل المراد به إذا كان في المسجد ينتظر صلاة الجمعة، وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر. وقوله: «يوم الجمعة» يحتمل أنه خرج مخرج الأغلب؛ لطول مكث الناس في المسجد؛ للتبكير إلى صلاة الجمعة؛ ولسماع الخطبة، وأن المراد انتظار الصلاة في المسجد في الجمعة وغيرها، كما في لفظ أبي داود في الباب: «إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره»، فيكون ذكر يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العام، ويحتمل أن المراد يوم\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على سنن الترمذي، الحديث رقم ٥٢٦.\n(٢) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٢٤،وتحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، للمباركفوري، ٣/ ٦٤، وعون المعبود، ٣/ ٤٦٩.","vol":"2","page":589},{"text":"الجمعة فقط؛ للاعتناء بسماع الخطبة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>٢٤ - الصلاة في الكنيسة وإزالتها واتخاذ مكانها مسجد</span>؛ لحديث طلق بن علي - ﵁ - قال: خرجنا وفدًا إلى النبي - ﷺ - فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة (٢) لنا فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا فتوضأ، وتمضمض، ثم صبه في إداوةٍ (٣)، وأمرنا فقال: «اخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم، وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوها مسجدًا» قلنا: إن البلد بعيدٌ والحر شديد، والماء ينشف، فقال: «مدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبًا»، فخرجنا حتى قدمنا فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجدًا فنادينا فيه بالأذان، قال: والراهب رجل من طيئ، فلما سمع الأذان قال: دعوة حقٍّ، ثم استقبل تلعةً (٤) من تلاعنا فلم نره بعد» (٥).\nوقال عمر لبعض عظماء النصارى: «إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور» (٦). «وكان ابن عباس ﵄ يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تمثال» (٧).\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٢٤.\n(٢) البيعَة: قيل: صومعة الراهب، وقيل: كنيسة النصارى، ورجح ابن حجر في فتح الباري أن القول الثاني هو المعتمد، ١/ ٥٣١.\n(٣) إداوة: الإناء الصغير.\n(٤) تلعة: قيل مجرى أعلى الأرض إلى بطون الأودية، وقيل: هو ما ارتفع من الأرض وما انهبط منها. فهو إذن من الأضداد. جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢١٠.\n(٥) النسائي، كتاب المساجد، باب اتخاذ البيع مساجد، برقم ٧٠١، وصحح الألباني إسناده في صحيح النسائي، ١/ ١٥١.\n(٦) البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، قبل الحديث رقم ٤٣٤، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١/ ٥٣١: «وصله عبد الرزاق».\n(٧) البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، قبل الحديث رقم ٤٣٤، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١/ ٥٣٢: «وصله البغوي في الجعديات، وزاد فيه: «فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر».","vol":"2","page":590},{"text":"وهذا الحديث يدل على جواز تحويل أماكن الكنائس إلى مساجد، وتدل الآثار على جواز الصلاة في الكنائس ولا يُصلَّى إلى الصور، ولا في مكان نجس (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «لا بأس بالصلاة في الكنيسة، ولا يصلي إلى الصور، هذا إذا لم يجد مكانًا يصلي فيه غيرها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1154>٢٥ - الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق</span>؛ لحديث أبي موسى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا مرّ أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا ومعه نبل (٣) فليمسك على نصالها» (٤)، أو قال: «فليقبض بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها شيء». وفي رواية: «من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفّه مسلمًا» (٥).\nوعن جابر - ﵁ -: أن رجلًا مرّ في المسجد بأسهم قد بدا نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها لا يخدش مسلمًا. وفي لفظ مسلم: فقال له رسول الله - ﷺ -: «أمسك بنصالها». وفي لفظ آخر لمسلم: «أن رجلًا مرَّ بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلمًا» (٦).\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٦٨٧.\n(٢) سمعته من سماحته أثناء تقريره على صحيح البخاري، قبل الحديث رقم ٤٣٤.\n(٣) نبل: النبل: السهام العربية. فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٤٤٦.\n(٤) نصل: النصول والنصال: جمع نصل، وهو حديدة السهم. شرح النووي على صحيح مسلم،١٦/ ٤٠٧، وهو: حديدة السهم والسيف، وانظر: غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص٧٩، ١٣٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب المرور في المسجد، برقم ٤٥٢، وكتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: من حمل علينا السلاح فليس منا، برقم ٧٠٧٥، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها، برقم ٢٦١٥.\n(٦) متفق عليه: البخاري، الصلاة، بابٌ: يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد، برقم ٤٥١، وكتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: من حمل علينا السلاح فليس منا، برقم ٧٠٧٤، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر من مرّ بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما من المواضع الجامعة للناس أن يمسك نصالها، برقم ٢٦١٤.","vol":"2","page":591},{"text":"قال الإمام النووي - ﵀ -: «في هذا الأدب وهو الإمساك بنصالها عند المرور بين الناس في مسجد أو سوق أو غيرهما» (١). وهذا فيه اجتناب كل ما يخاف منه والتحذير مما يؤذي المسلمين (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح» (٣). قال الإمام النووي - ﵀ -: «هذا النهي إذا لم تكن حاجة فإن كانت حاجة جاز، وهذا مذهبنا ومذهب الجماهير، قال القاضي عياض: وهذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة ...» (٤).\nوقد جاء التشديد في النهي عن الإشارة بالسلاح حتى لو كان من باب المزاح، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح؛ فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من حفر النار» (٥). ولفظ مسلم: «لا يشير أحدكم (٦) إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع (٧) في يده فيقع في\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ١٦/ ٤٠٧.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب النهي عن حمل السلاح بمكة من غير حاجة، برقم ١٣٥٦.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٩/ ١٣٩، وانظر: المفهم للقرطبي، ٣/ ٤٧٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: من حمل علينا السلاح فليس منا، برقم ٧٠٧٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم، برقم ٢٦١٧.\n(٦) يشير: قال النووي: هكذا وقع في جميع النسخ: لا يشير بالياء بعد الشين وهو صحيح، وهو نهي بلفظ الخبر. الشرح على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٠٨، وقال الحافظ ابن حجر: «ووقع لبعضهم لا يشر بغير ياء، وهو بلفظ النهي، وكلاهما جائز»، فتح الباري، ١٣/ ٢٤.\n(٧) ينزع: هذا في جميع النسخ عند مسلم، ومعناه يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته، وفي البخاري: «ينزغ: أي يحمل على تحقيق الضرب به ويزين ذلك». شرح النووي على صحيح مسلم، ١٥/ ٤٠٨.","vol":"2","page":592},{"text":"حفرة من النار» (١)؛ولعظم الأمر قال النبي - ﷺ -: «من أشار إلى أخيه بحديدة؛ فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٢).\nوأعظم من ذلك حمل السلاح على المسلمين؛ لقتالهم، فعن عبد الله بن عمر، وأبي موسى - ﵃ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» (٣). وهذا يدلّ على الوعيد لمن سلّ السيف على المسلمين، وحمل السلاح عليهم لقتالهم به بغير حق، لِمَا في ذلك من تخويفهم وإدخال الرعب عليهم (٤).\nوقد حرص النبي - ﷺ - على سلامة المؤمنين من كل ما يؤذيهم سدًّا لأبواب الشرور، ومن ذلك نهيه عن تناول السيف مسلولًا، فعن جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نهى أن يُتعاطى السيف مسلولًا (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1155>٢٦ - صلاة النساء في المساجد جاءت في الأحاديث الصحيحة</span>، وصلاتهن في البيوت أفضل، فإذا لم يكن في خروجهن ما يدعو إلى الفتنة: من طيب، أو تبرج وسفور، أو إظهار حليٍّ أو زينة وجب على الرجال الإذن لهن وعدم منعهن، أما مع وجود هذه المنكرات فلا يجب ولا يجوز، ويحرم عليهن الخروج، ومن الأحاديث في ذلك ما يأتي:\nالحديث الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها».وفي لفظ لمسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (٦). ولفظ أبي داود: «لا تمنعوا نساءكم مساجد الله وبيوتهن خيرٌ\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الإشارة بالسلاح، برقم ٢٦١٧.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم، برقم ٢٦١٦.\n(٣) البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: «من حمل علينا السلاح فليس منا»، برقم ٧٠٧٠، ٧٠٧١.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٢٤.\n(٥) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في النهي أن يتعاطى السيف مسلولًا، برقم ٢٥٨٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٩١.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب استئذان المرأة زوجها إلى المسجد وغيره، برقم ٥٢٣٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد، برقم ٤٤٢.","vol":"2","page":593},{"text":"لهن» (١).\nالحديث الثاني: عن زينب الثقفية عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا شَهِدَتْ إحداكُنَّ العشاء فلا تطيَّب تلك الليلة»، وفي لفظ: «إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمسّ طيبًا» (٢).\nالحديث الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (٣).\nالحديث الرابع: عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تَفِلات (٤») (٥).\nالحديث الخامس: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «صلاة المرأة في بيتها (٦) أفضل من صلاتها في حجرتها (٧)، وصلاتها في مَخْدعها (٨) أفضل من صلاتها في بيتها» (٩).\nفدل الحديث على أن ثواب صلاة المرأة في مسكنها الذي تسكن فيه، وتأوي إليه أكثر من ثواب صلاتها في حجرتها: أي صحن دارها التي تكون\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في خروج النساء إلى المسجد، برقم ٥٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٣.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد، برقم ٤٤٣.\n(٣) مسلم، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد، برقم ٤٤٤.\n(٤) تفلات: أي غير متطيبات. نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٥٢.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد، برقم ٥٦٥، وأحمد، ٢/ ٤٣٨، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٣: «حسن صحيح».\n(٦) صلاة المرأة في بيتها: أي الداخلي، لكمال سترها. عون المعبود، ٢/ ٢٧٧.\n(٧) حجرتها: صحن الدار، وأراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها وهي أدنى حالًا من البيت في الستر، انظر: عون المعبود، ٢/ ٢٧٧، والمنهل العذب المورود للسبكي، ٤/ ٢٧٠.\n(٨) مُخْدَعُ: بيت صغير يحرز فيه الشيء، يكون داخل البيت الكبير، تحفظ فيه الأمتعة النفيسة، من الخدع وهو إخفاء الشيء: أي في خزانتها. انظر: المصباح المنير، للفيومي، ١/ ١٦٥، وعون المعبود شرح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٧.\n(٩) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ذلك، برقم ٥٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٤.","vol":"2","page":594},{"text":"أبواب البيت إليها، وهي أدنى حالًا من البيت في الستر، وصلاة المرأة في الغرفة الصغيرة داخل بيتها الكبير أفضل من صلاتها في بيتها؛ لأن مبنى أمرها على التستر، فكلما كان المكان أستر كانت صلاتها فيه أفضل (١).\nالحديث السادس: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو تركنا هذا الباب للنساء» قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات (٢). والمعنى: لو تركنا هذا الباب للنساء لكان حسنًا؛ لئلا يختلط الرجال بالنساء في الدخول والخروج إذا حضرن المسجد لصلاة الجماعة فتحصل الفتنة، فينبغي أن يجعل في المساجد بعض الأبواب المخصوصة للنساء يدخلن ويخرجن منه، وهذا إن أمنت الفتنة وإلا فيمنعن (٣).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «... أحاديث ظاهرة في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء، مأخوذة من الأحاديث، وهو أن لا تكون: متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلال يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة، ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة، ونحوها ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1156>٢٧ - الاحتباء في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب</span>، جاء فيه حديث معاذ بن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن الحُبْوَةِ (٥) يوم الجمعة والإمام يخطب» (٦).\n_________\n(١) المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، للسبكي، ٤/ ٢٧٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب في اعتزال النساء في المسجد عن الرجال، برقم ٤٦٢، وباب التشديد في ذلك برقم ٥٧١،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ١١٤.\n(٣) انظر: المنهل العذب المورود، ٤/ ٧٠، وعون المعبود، ٢/ ٢٧٧.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٠٦.\n(٥) الحبوة: هي أن يقيم الجالس ركبتيه، ويقيم رجليه إلى بطنه، بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشد عليهما، وتكون أليتاه على الأرض، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب. نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٢٥.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاحتباء والإمام يخطب، برقم ١١١٠، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في كراهة الاحتباء والإمام يخطب، برقم ٥١٤، وقال: «هذا حديث حسن»، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٠٦، وفي صحيح الترمذي، ١/ ١٥٩.","vol":"2","page":595},{"text":"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني والإمام يخطب» (١).\nقال الترمذي -﵀-: «وقد كَرِه قومٌ من أهل العلم الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب، ورخَّص في ذلك بعضهم، ومنهم: عبد الله بن عمر، وغيره، وبه يقول أحمد وإسحاق: لا يريان بالحبوة والإمام يخطب بأسًا» (٢).\nوقال الإمام الشوكاني: «وقد اختلف العلماء في كراهية الاحتباء يوم الجمعة، فقال بالكراهة قوم من أهل العلم، واستدلوا بحديث الباب وما ذكرناه في معناه وهي تقوّي بعضها بعضًا. وذهب أكثر أهل العلم كما قال العراقي إلى عدم الكراهة ... وأجابوا عن أحاديث الباب أنها كلها ضعيفة ...» (٣).\nوقال المباركفوري: «أحاديث الباب وإن كانت ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضًا، ولا شك في أن الحبوة جالبة للنوم، فالأولى أن يحترز عنها يوم الجمعة في حال الخطبة، هذا ما عندي والله تعالى أعلم» (٤). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول تعليقًا على كلام المباركفوري: «هذا هو الأقرب فتركها أحسن» (٥). وسمعته -﵀- يقول عن حديث معاذ بن أنس - ﵁ -: «أحسن ما جاء في الاحتباء هذا الحديث، وفيه مقال، وله شواهد ضعيفة، فالأولى بالمؤمن أن لا يحتبي،\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب ما جاء في الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة والاحتباء والإمام يخطب، برقم ١١٣٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٨٧.\n(٢) سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي، ٣/ ٤٦.\n(٣) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٢٥.\n(٤) تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، ٣/ ٤٧.\n(٥) سمعته منه أثناء تعليقه على كلام المباركفوري في تحفة الأحوذي، ٣/ ٤٧.","vol":"2","page":596},{"text":"أما احتباء بعض الصحابة؛ فلأنه لم يبلغهم هذا الحديث» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1157>٢٨ - المنبر: مرقاة الخطيب سمي منبرًا</span>؛ لارتفاعه وعلوه (٢)، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - اتخذ منبرًا في مسجده، فعن أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد - ﵁ - من أي شيء المنبر؟ فقال: «ما بقي بالناس أعلم مني: هو من أثل الغابة عمله فلان مولى فلانة لرسول الله - ﷺ -». وفي لفظ: «بعث رسول الله - ﷺ - إلى امرأة أن مُري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن». وفي لفظ: «والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله - ﷺ -، أرسل رسول الله - ﷺ - إلى فلانة امرأة من الأنصار: «مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إذا كلمتُ الناس» فأمرته فعملها من طرفاءِ الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ -، فأمر بها فوضعت هاهنا ...» (٣).\nوعن جابر - ﵁ - أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فإن لي غلامًا نجارًا، قال: «إن شئت». وفي لفظ: «كان جذع يقوم عليه النبي - ﷺ - فلما وُضِع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل النبي - ﷺ - فوضع يده عليه».\nوفي لفظ: «فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي - ﷺ - حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئنّ أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر» (٤).\n_________\n(١) سمعته منه أثناء تقريره على الحديث رقم ٥١٤ من سنن الترمذي.\n(٢) لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل الميم، ٥/ ١٨٩.\n(٣) البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، برقم ٣٧٧، وباب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد، برقم ٤٤٨، وكتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، ٩١٧.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد، برقم ٤٤٩، وكتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٨، وكتاب البيوع، باب النجار، برقم ٢٠٩٥، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٥٨٥.","vol":"2","page":597},{"text":"وفي لفظ: «كان المسجد مسقوفًا على جذوع من النخل، فكان النبي - ﷺ - يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه ...» الحديث.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - لَمّا بدَّن (١) قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: «بلى» فاتخذ له منبرًا مرقاتين» (٢). وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: أرسل رسول الله - ﷺ - إلى امرأة: «انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها» فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله - ﷺ - فوضعت هذا الموضع (٣).\nوعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: «وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة» (٤). وعن سهل - ﵁ -: «أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1158>٢٩ - الإخلاص عند إتيان المسجد، ليفوز بالثواب العظيم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أتى المسجد لشيء فهو حظه» (٦). وهذا يدلّ على أن من أتى المسجد لقصد حصول شيء أخروي أو دنيوي فذلك الشيء حظه ونصيبه؛ لأن لكل امرئ ما نوى، وفيه تنبيه على تصحيح النية في إتيان المسجد، لئلا يكون مختلطًا بغرض دنيوي: كالتمشية والمصاحبة مع الأصحاب، بل ينوي\n_________\n(١) بدَّن: بدَّن الرجل بالتشديد: إذا كبر، وبالتخفيف: «بَدَنَ» إذا سمن. جامع الأصول، لابن الأثير، ١١/ ١٨٨.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب اتخاذ المنبر، برقم ١٠٨١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٠٢.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، برقم ٥٤٤.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب دنوّ المصلي من السترة، برقم ٥٠٩.\n(٥) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما ذكر عن النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم وما يجتمع عليه الحرمان: مكة والمدينة، وما كان بهما من مشاهد النبي - ﷺ - والمهاجرين والأنصار، ومصلى النبي - ﷺ - والمنبر، برقم ٧٣٣٤.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فضل القعود في المسجد، برقم ٤٧٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٤، وحسنه الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٢١١.","vol":"2","page":598},{"text":"الاعتكاف، والعزلة والانفراد، والعبادة، وزيارة بيت الله، واستفادة علم وإفادته، ونحوها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1159>٣٠ - يحذر من هجر المسجد الذي يليه إلا لعذر</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليصلّ أحدكم في مسجده ولا يتتبع المساجد» (٢).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه، وإيحاش صدر الإمام، وإن كان الإمام لا يتم الصلاة، أو يُرْمَى ببدعة، أو يُعلن بفجورٍ، فلا بأس بتخطيه إلى غيره» (٣).\nوهجر المسجد القريب إذا كثر من أهل الحي يؤدي أيضًا إلى خلوّه عن الجماعة، ويؤدي إلى إساءة الظن بالإمام، أما إذا وُجد غرضٌ صحيح: كأن يحضر محاضرة، أو درسًا، أو يكون المسجد الأبعد يبكر بالصلاة والمأموم محتاج إلى ذلك فلا بأس (٤). أو يكون الإنسان في المدينة أو مكة، فإن الأفضل أن يصلي في المسجد الحرام في مكة، وفي المسجد النبوي في المدينة؛ لأنه امتاز المسجد الأبعد بخاصية فيه (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>٣١ - يحذر من تخطي رقاب الناس</span>؛ لحديث عبد الله بن بسر - ﵁ - قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب، فقال له النبي - ﷺ -: «اجلس فقد آذيت» (٦).\n_________\n(١) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي، ٢/ ١٣٦.\n(٢) الطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ٢٧٠، برقم ١٣٣٧٣، وصححه الألباني في صحيح الجامع،\n٥/ ١٠٥، برقم ٥٣٣٢، وانظر: الأحاديث الصحيحة للألباني، ٥/ ٢٣٤، برقم ٢٢٠٠.\n(٣) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ٣/ ١٦٠.\n(٤) انظر: أحكام حضور المساجد، لعبد الله بن فوزان، ص١٧٦، وكيف نعيد للمسجد مكانته، للدكتور محمد أحمد لوح، ص٤١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(٥) الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين،٤/ ٢١٤ - ٢١٥.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، برقم ١١١٨، والنسائي، كتاب الجمعة، باب النهي عن تخطي رقاب الناس، والإمام على لمنبر يوم الجمعة، برقم ١٣٩٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٠٨.","vol":"2","page":599},{"text":"وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب فجعل يتخطى الناس فقال رسول الله - ﷺ -: «اجلس فقد آذيت وآنيت (١») (٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «ليس لأحد أن يتخطَّى رقاب الناس؛ ليدخل في الصف، إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأن هذا من الظلم، والتعدي لحدود الله» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>٣٢ - لا يُفرّق بين اثنين</span>؛ لحديث سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من الطّهر، ويدهن من دهنه، أو يمسّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يُفرّق بين اثنين، ثم يصلّي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلّم الإمام إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1162>٣٣ - لا يمر بين يدي المصلي وسترته</span>؛ لحديث أبي جهيم - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمرَّ بين يديه»، قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يومًا، أو شهرًا، أو سنة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1163>٣٤ - لا يتخذ مكانًا خاصًا لا يصلي إلا فيه</span>؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن\n_________\n(١) آنيت: أي أخرت المجيء وأبطأت. شرح السندي، لسنن ابن ماجه، ٢/ ٢٢.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة، برقم ١١١٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٤.\n(٣) الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٨١.\n(٤) البخاري، كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة، برقم ٨٨٣.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٥١٠،ومسلم، برقم ٥٠٧،وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.","vol":"2","page":600},{"text":"يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>٣٥ - لا يقيم أحدًا من مكانه ليجلس فيه</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يقيمنَّ أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا» (٢). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «لا يقيمنّ أحدُكم الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا» قال نافع: الجمعة؟ قال الجمعة وغيرها (٣)، وهذا عام في جميع المجالس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>٣٦ - يُنْصتُ للخطبة يوم الجمعة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1166>٣٧ - لا يشغل الوقت بين الأذان والإقامة بالكلام مع الناس</span>، فيضيع هذا الوقت العظيم بالقيل والقال وكثرة السؤال في أمور الدنيا، والإعراض عن قراءة القرآن والذكر، فقد ورد عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - يرفعه: «سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقًا حلقًا، إمامهم الدنيا، فلا تُجالسوهم؛ فإنه ليس لله فيهم حاجة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1167>٣٨ - لا يحجز مكانًا بسجادة ونحوها</span>، لا يوم الجمعة ولا غيره؛ لأنه غصب بقعة في المسجد بفرش ذلك المفروش فيها، ومنع غيره من المصلين الذين يسبقونه إلى المسجد أن يصلي في ذلك المكان، والمأمور به أن يسبق بنفسه إلى المسجد، فإذا قدَّم المفروش وتأخر هو فقد خالف\n_________\n(١) سنن أبي داود، برقم ٨٦٢، وأحمد، ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧، والحاكم، ١/ ٢٢٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٣، وتقدم تخريجه، في مكروهات الصلاة.\n(٢) مسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، برقم ٢١٧٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه، برقم ٩١١، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، برقم ٢١٧٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، برقم ٩٣٤، ومسلم، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، برقم ٨٥١.\n(٥) الطبراني في الكبير، ١٠/ ١٩٩،برقم ١٠٤٥٢،وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١٦٣.","vol":"2","page":601},{"text":"الشريعة من جهتين: من جهة تأخره وهو مأمور بالتقدم، ومن جهة غصبه لطائفة من المسجد ومنعه السابقين إلى المسجد أن يصلّوا فيه، وأن يتمّوا الصف الأول، ثم إنه يتخطّى الناس إذا حضروا (١).وأفتى بعدم جواز ذلك العلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، وبيَّن أنه لا يحلّ؛ لأنه مخالف للشرع، ومخالف لما كان عليه الصحابة - ﵃ - والتابعون لهم بإحسان (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>٣٩ - لا يجلس الجنب والحائض في المسجد</span>، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٣). والمعنى: لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنبًا إلا عابري سبيل: يعني إلا مجتازين فيه الخروج منه، فقد أقيمت الصلاة هنا مقام المصلى والمسجد إذا كانت صلاة المسلمين في مساجدهم، ورجح هذا التفسير الإمام ابن جرير ﵀ (٤).وقال الحافظ ابن كثير ﵀: «ومن هذه الآية احتجّ كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه» (٥)، ولكن على الحائض والنفساء أن تتحفظ حتى لا تلوث المسجد، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: «ناوليني الخمرة (٦) من المسجد»، فقالت: إني حائض، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (٧). وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد قال: «يا عائشة ناوليني الثوب»، فقالت:\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ابن تيمية، ٢٤/ ٢١٦ - ٢١٧، و٢٧/ ٨٨.\n(٢) انظر: الفتاوى السعدية، ص١٨٢، وقد سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يفتي بعدم جواز ذلك، إلا إذا كان الإنسان في المسجد ثم خرج للوضوء ثم يعود.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٤) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن،٨/ ٣٨٢ - ٣٨٥.\n(٥) تفسير القرآن العظيم، ص٣٢٧.\n(٦) الخمرة: السجادة أو ما في معناها.\n(٧) مسلم، كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، برقم ٢٩٨.","vol":"2","page":602},{"text":"إني حائض، فقال: «حيضتك ليست في يدك» (١). أما حديث عائشة ﵂ ترفعه: «وجّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب» (٢).فهذا في حق من يجلس في المسجد، وقد قال بعض أهل العلم بجواز جلوس الجنب في المسجد إذا توضأ، لخبر زيد بن أسلم أن بعض أصحاب النبي - ﷺ - كانوا إذا توضؤوا جلسوا في المسجد (٣)، ولكن قال غيرهم من أهل العلم لا يجلس مطلقًا لعموم الآية: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٤).والوضوء لا يخرجه من كونه جنبًا؛ ولعموم الحديث المذكور آنفًا، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -حمه الله -قول: «وهذا هو أظهر وأقوى، وفعل من جلس من الصحابة يحمل على أنه خفي عليه الدليل الدالّ على أنه يمنع الجنب من الجلوس في المسجد، والأصل الأخذ بالدليل، وزيد بن أسلم وإن روى له مسلم ففي القلب منه شيء إذا تفرد بالحديث» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1169>٤٠ - المواضع المنهي عن الصلاة فيها</span>؛ مما لا شك فيه أن الله قد جعل الأرض مسجدًا وطهورًا للنبي محمد ﵊ وأمته، إلا المقبرة، والحمّام، ومعاطن الإبل، ومواضع النجاسة، ومواضع الخسف والعذاب؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمّام» (٦). فالمقبرة لا يُصلى فيها\n_________\n(١) مسلم، في كتاب الحيض، الباب السابق، برقم ٢٩٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، بابٌ في الجنب يدخل المسجد، برقم ٢٣٢، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ١٤٠، قال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقد صححه ابن خزيمة، وحسنه ابن القطان، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ١٣٢، يقول: «سنده لا بأس به». وحسنه الأرنؤوط في حاشيته على جامع الأصول، ١١/ ٢٠٥.\n(٣) رواه سعيد بن منصور، وحنبل بن إسحاق، كما في المنتقى لابن تيمية، ١/ ١٤١ - ١٤٢، وشرح العمدة لابن تيمية، ١/ ٣٩١.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٣.\n(٥) سمعته منه ﵀ أثناء تقريره على المنتقى للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ٣٩٦.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها، برقم ٤٩٢، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، برقم ٣١٧، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب المواضع التي تكره الصلاة فيها، برقم ٧٤٥، وأحمد، ٣/ ٨٣، ٩٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٧، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ١٠٢، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٢٥، وسمعت الإمام ابن باز ﵀ يقول: «الصواب أن الحديث موصول؛ لأن الوصل مقدم على الإرسال، فالحكم لمن وصل. سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٩.","vol":"2","page":603},{"text":"ولا تصحُّ فيها الصلاة، سواء كانت الصلاة على القبر، أو بين القبور، أو في مكان منفرد عن القبور: كالبيت داخل المقبرة، ولا يُصلَّى في الحمام، ولا تصح الصلاة فيه؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة والحمام لا يُصلَّى فيه (١). وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل: هو لِمَا تحت المصلي من النجاسة، وقيل: لحرمة الموتى، وأما الحمام فحكمة المنع من الصلاة فيه؛ لأنه تكثر فيه النجاسات، وقيل: إنه مأوى الشياطين (٢). وسمعت الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «والحمامات: المعدّة للغسل، والصلاة في المقبرة، والصلاة إليها ممنوعة، والعلة أن الصلاة في المقبرة أو إليها وسيلة إلى الشرك، أما الحمام فهو مظنة النجاسات، أو لأنه بيت الشيطان، والله أعلم بالعلة» (٣).\nوالصلاة على القبور ممنوعة؛ لحديث أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٤). وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبر» (٥).\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٦٧٠، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ١١٩.\n(٢) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٦٧٠، وسبل السلام، ٢/ ١١٩.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٩.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧٢.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧١.","vol":"2","page":604},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا» (١).\nوالمراد بالصلاة في البيوت: النوافل؛ لأن الفرائض تقام مع الجماعة في المسجد، وقوله - ﷺ -: «ولا تتخذوها قبورًا»؛لأن القبور ليست بمحل للصلاة، وقد استنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر (٢).\nولا يُصلّي المسلم في معاطن الإبل وهي مبارك الإبل؛ لحديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين». وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: «صلوا فيها فإنها بركة» (٣).\nوعن عبد الله بن مغفل المزني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلقت من الشياطين» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل» (٥).\nوعن سبرة بن معبد الجهني - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يُصلَّى في أعطان الإبل، ويُصلّى في مراح الغنم» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كراهية الصلاة في المقابر، ٤٣٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم ٧٧٧.\n(٢) انظر: نيل الأوطار، ١/ ٦٧٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، برقم ٤٩٣، ورقم ١٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٩٧.\n(٤) النسائي، كتاب المساجد، باب ذكر نهي النبي - ﷺ - عن الصلاة في أعطان الإبل، برقم ٧٣٦، وابن ماجه بلفظه، كتاب المساجد والجماعات، باب الصلاة في أعطان الإبل ومُراح الغنم، برقم ٧٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ١٥٨، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٢٨.\n(٥) الترمذي بلفظه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مرابض الغنم، وأعطان الإبل، برقم ٣٤٨، وابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم، برقم ٧٦٨، وأحمد، ٤/ ١٥٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١١٠، وصحيح ابن ماجه، ١/ ١٢٨.\n(٦) ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب الصلاة في أعطان الإبل، برقم ٧٧٠، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ١٢٨: «حسن صحيح».","vol":"2","page":605},{"text":"وعن جابر بن سمرة - ﵁ - أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ» قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل». قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم». قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (١).\nجاء في معظم الأحاديث التعبير بمعاطن الإبل، ووقع في بعضها «مبارك الإبل» وفي بعضها: «أعطان الإبل». وفي بعضها: «مناخ الإبل». وفي بعضها: «مرابد الإبل». وفي بعضها: «مزابل الإبل» والأحاديث تدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم، وعلى تحريم الصلاة في معاطن الإبل، وإليه ذهب الإمام أحمد فقال: «لا تصح بحال» ومن صلى في معاطن الإبل أعاد لهذه الأحاديث، وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة، والصواب أن النهي يقتضي التحريم، وقد نقل ابن حزم أن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة، بنقل متواتر يوجب العلم. وقد قيل: إن حكمة النهي: كونها خلقت من الشياطين، وقيل: لكونها لا تخلو غالبًا عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة؛ أو لئلا يتعرض لنفارها في صلاته فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها، أو تشوّش عليه فتزيل الخشوع، وهذا كله مما يؤكد على المصلي أن يجتنب الصلاة في معاطنها (٢).\nولا يصلي المسلم في مواضع الخسف والعذاب؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا\nيصيبكم\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل، برقم ٣٦٠.\n(٢) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ١/ ٦٠٦، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٢٨٩، وفتح الباري، لابن حجر، ١/ ٥٢٧، ونيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٦٧٧، وسبل السلام للصنعاني، ٢/ ١٢٠.","vol":"2","page":606},{"text":"ما أصابهم» (١). وفي لفظ: لَمّا مرّ رسول الله - ﷺ - بالحِجر قال: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين». ثم رفع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي» (٢).\nأما جعل الإبل سترة في غير المعاطن فلا حرج، فقد كان ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره، وقال: «رأيت النبي - ﷺ - يفعله» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1170>٤١ - حلقات العلم في المساجد من أعظم القربات لله تعالى</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه» (٤). وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله - ﷿ - إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٥).\nوهذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم، والقواعد، والآداب، وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسَّر: من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب، برقم ٤٣٣، ومسلم، كتاب الزهد، باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، برقم ٢٩٨٠.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في مواضع الإبل، برقم ٤٣٥.\n(٣) البخاري، برقم ٤٤١٩ و٤٧٠٢، ومسلم، برقم ٢٩٨٠ - ٢٩٨١.\n(٤) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٦٩٩.\n(٥) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٧٠٠.","vol":"2","page":607},{"text":"المسلمين، وفضل إنظار المعسر، وفضل المشي في طلب العلم، ويلزم من ذلك الاشتغال بالعلم الشرعي، بشرط أن يقصد به وجه الله تعالى، وفيه فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة، أو بيت ونحوهما إن شاء الله تعالى، ويدل عليه الحديث الثاني؛ فإنه مطلق يتناول جميع المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرج على الغالب، وفي الحديث أن من كان عمله ناقصًا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب، وفضيلة الآباء (١).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: خرج معاوية - ﵁ - على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أسْتَحْلِفْكُم تُهمةً لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله - ﷺ - أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله - ﷺ - خرج على حلقةٍ من أصحابه فقال: «ما أجلسكم؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟» قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله - ﷿ - يباهي بكم الملائكة» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم - ﷿ - وهو أعلم بهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال فيقولون: لا، والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٢٤.\n(٢) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٧٠١.","vol":"2","page":608},{"text":"رأوك كانوا أشدّ لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا،\nقال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: فممَ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال يقولون: لا، والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم» (١). وفي لفظ مسلم: «إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضُلًا (٢) يبتغون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحفَّ بعضهم بعضًا بأجنحتهم حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله - ﷿ - وهو أعلم بهم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لكفي الأرض: يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك ...» الحديث. وفيه: «قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: يقولون: رب فيهم فلان عبدٌ خطّاء إنما مرّ فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم» (٣).\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله ﷿، برقم ٦٤٠٨، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل مجالس الذكر، برقم ٢٦٨٩.\n(٢) سيارة: معناه: سياحون في الأرض، وأما معنى «فضلًا» على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ١٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٢٠٩.\n(٣) مسلم، برقم ٢٦٨٩، وتقدم تخريجه في الهامش الذي قبل السابق.","vol":"2","page":609},{"text":"فضل عظيم نسأل الله أن يتقبّل، ومجالس العلم أعظم من مجالس التسبيح» (١).\nوعن أبي واقد الليثي أن رسول الله - ﷺ - بينما هو جالس في المسجد والناس معه، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله - ﷺ - وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله - ﷺ -، فأما أحدهما فرأى فُرْجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة: أما أحدهم فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه» (٢).\nوهذا الحديث فيه فوائد عظيمة، منها: جواز الإخبار عن أهل المعاصي، وأحوالهم للزجر عنها، وأن ذلك لا يعد من الغيبة، وفيه فضل ملازمة حلق العلم والذكر، وجلوس العالم والمذكّر في المسجد، وفيه: الثناء على المستحي، والجلوس حيث ينتهي به المجلس (٣)، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدل على أن العالم ينبغي له أن يكون له في مسجده حلقات، حتى يستفيد الناس، وفيه أن الطالب يشرع له أن يدخل في فرج الحلقات، وحضورها، والأولى الانضمام في الحلقة والدخول فيها» (٤). وسمعته أيضًا يقول: «وهذا فيه الحرص على حلقات العلم، والقرب من المحدث، ويخشى على من يخرج من المواعظ أن يدخل في الإعراض» (٥).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ -، ونحن في الصّفّة (٦)\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٠٨.\n(٢) البخاري، كتاب الصلاة، باب الحلق والجلوس في المسجد، برقم ٤٧٤، وكتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، برقم ٦٦.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ١/ ١٥٧.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٦.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم ٤٧٤ من صحيح البخاري.\n(٦) الصفة: سقيفة كانت في المسجد، يأوي إليها الفقراء. المفهم للقرطبي، ٢/ ٤٢٩.","vol":"2","page":610},{"text":"فقال: «أيكم يحب أن يغدو (١) كل يوم إلى بُطْحَانَ أو العقيق (٢) فيأتي منه\nبناقتين كَوْمَاويْنِ (٣) في غير إثمٍ ولا قطع رحمٍ؟» فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدُكُم إلى المسجد فيعلَمُ أو يقرأُ آيتين من كتاب الله - ﷿ -، خير له من ناقتينِ، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهن من الإبل» (٤). قال الإمام القرطبي ﵀: «ومقصود الحديث: الترغيب في تعلُّمِ القرآن، وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقل جزءٍ من ثواب القرآن وتعليمه خيرٌ من الدنيا وما فيها» (٥)، وقد قال - ﷺ -: «ولقاب قوس أحدكم (٦) أو موضع قدمٍ خير من الدنيا وما فيها» (٧).\n_________\n(١) يغدو: يبكر. المفهم للقرطبي، ٢/ ٤٢٩.\n(٢) بطحان، والعقيق، واديان بينهما وبين المدينة قريب من ثلاثة أميال، أو نحوها. المرجع السابق، ٢/ ٤٢٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٣٧.\n(٣) الكوماوان، تثنية كوماء: الناقة العظيمة السنام، كأنه كوم، انظر: المفهم للقرطبي، ٢/ ٤٢٩، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٣٧.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وتعلمه، برقم ٨٠٣.\n(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٢٩.\n(٦) لقاب قوس أحدكم: القاب القدر، أي موضعٌ قدره، وقيل: قدر ذراع، وفي لفظ للبخاري [برقم ٢٧٩٦] «ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضع قيدٍ يعني سوطه خيرٌ من الدنيا وما فيها»، وفي الترمذي عن أبي هريرة - ﵁ -[برقم ٣٠١٣] «إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». وانظر: تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص٣٤٦، والنهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الواو، ٤/ ١١٨.\n(٧) متفق عليه. البخاري، واللفظ له، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم ٦٥٦٨، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، برقم ١٨٨٠.","vol":"2","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1171>المبحث السادس والعشرون: الإمامة في الصّلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>أولًا: مفهوم الإمامة والإمام:</span>\nالإمامة: مصدر أمَّ الناس: صار لهم إمامًا يتبعونه في صلاته (١). أي: تقدّم رجل المصلين ليقتدوا به في صلاتهم، والإمامة: رياسة المسلمين، والإمامة الكبرى: رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي - ﷺ -، والخلافة هي الإمامة الكبرى، وإمام المسلمين: الخليفة ومن جرى مجراه (٢). والإمامة الصغرى: ربط صلاة المؤتم بالإمام بشروط (٣).\nالإمام: كل من اقتُدِي به، وقُدّم في الأمور، والنبي - ﷺ - إمام الأئمة، والخليفة: إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الجند: قائدهم.\nوالإمام جَمْعُهُ: أئمة، والإمام في الصلاة: من يتقدم المصلين ويتابعونه في حركات الصلاة. والإمام: من يأتم به الناس من رئيس وغيره، محقًّا كان أو مبطلًا، ومنه: إمام الصلاة، والإمام: العالم المقتدى به، وإمام كل شيء: قيّمه والمصلح له (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1173>ثانيًا: فضل الإمامة في الصلاة والعلم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1174>١ - الإمامة في الصلاة ولاية شرعية ذات فضل</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله» (٥). ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بأقرأ يدل على أفضليتها (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>٢ - الإمام في الصلاة يُقتدى به في الخير</span>، ويدلّ على ذلك عموم قول\n_________\n(١) حاشية الروض المربع، للعلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ٢/ ٢٩٦.\n(٢) انظر: القاموس الفقهي لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو حبيب، ص٢٤.\n(٣) انظر: المصدر السابق، ص٢٤.\n(٤) انظر: معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، كتاب الهمزة، باب الهمزة في الذي يقال له مضاعف، ص٤٨، ولسان العرب، لابن منظور، باب الميم، فصل الهمزة، ١٢/ ٢٥، ومفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة: «أمَّ»، ص٨٧، ومعجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور محمد رواس، ص٦٨ - ٦٩.\n(٥) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، برقم ٦٧٣،من حديث أبي مسعود - ﵁ -.\n(٦) انظر: الشرح الممتع، للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ٢/ ٣٦.","vol":"2","page":612},{"text":"الله - ﷿ - في وصفه لعباد الرحمن، وأنهم يقولون في دعائهم لربهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (١). المعنى: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا في الخير، وقيل: المعنى: اجعلنا هُداةً مهتدين دعاةً إلى الخير (٢). فسألوا الله أن يجعلهم أئمة التقوى يقتدي بهم أهل التقوى، قال ابن زيد كما قال لإبراهيم: ﴿إِنّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما (٣)،وامتنّ الله - ﷿ - على من وفقه للإمامة في الدين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤) أي لَمّا كانوا صابرين على أوامر الله - ﷿ - وترك نواهيه، والصبر على التعلم والتعليم والدعوة إلى الله، ووصلوا في إيمانهم إلى درجة اليقين - وهو العلم التام الموجب للعمل - كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>٣ - دعاء النبي - ﷺ - للأئمة بالإرشاد</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الإمام ضامنٌ والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1177>٤ - الإمامة فضلها مشهور، تولاها النبي - ﷺ - بنفسه</span>، وكذلك خلفاؤه الراشدون، وما زال يتولاها أفضل المسلمين علمًا وعملًا، ولا يمنع هذا\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(٢) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للإمام الطبري، ١٩/ ٣١٩، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص٩٦٦.\n(٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ١٩/ ٣١٩.\n(٤) سورة السجدة، الآية: ٢٤.\n(٥) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ٢٠/ ١٩٤، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص١٠١٩، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٠٤، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٣٤٠.\n(٦) أبو داود، برقم ٥١٧، والترمذي، برقم ٢٠٧، وابن خزيمة، برقم ٥٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٠٥، وتقدم تخريجه في فضل الأذان.","vol":"2","page":613},{"text":"الفضل العظيم أن يكون الأذان له ثواب أكثر؛ لِمَا فيه من إعلان ذكر الله تعالى، ولِمَا فيه من المشقّة، ولهذا اختلف العلماء في أيهما أفضل: الأذان أم الإمامة؟ فمنهم من قال: الإمامة أفضل، لِمَا سبق من الأدلة، ومنهم من قال: الأذان أفضل، لقوله - ﷺ -: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين». ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان وأعلى منه، والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد، فالمغفرة أعلى من الإرشاد؛ لأن المغفرة نهاية الخير (١).\nواختار شيخ الإسلام - ﵀ - أن الأذان أفضل من الإمامة (٢). وأما إمامة النبي - ﷺ - وإمامة الخلفاء الراشدين - ﵃ - فكانت متعينة عليهم؛ فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان؛ لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1178>٥ - عظم شأن الإمامة وخطره على من استهان بأمرها ظاهر </span>في حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم [ولهم] وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٤). والمعنى: «يصلون» أي الأئمة «لكم» أي لأجلكم، «فإن أصابوا» في الأركان والشروط، والواجبات، والسنن «فلكم» ثواب صلاتكم، «ولهم» ثواب صلاتهم، «وإن أخطأوا» أي ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم، ككونهم محدثين «فلكم»، ثوابها، «وعليهم» عقابها (٥). وعن\n_________\n(١) انظر: المغني، لابن قدامة، ٢/ ٥٥، وشرح العمدة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢/ ١٣٦ - ١٤٠، وحاشية عبد الرحمن القاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٩٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٣٦.\n(٢) انظر: شرح العمدة، ٢/ ١٣٧، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٥٦، ورجح قول شيخ الإسلام العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٢/ ٣٦.\n(٣) الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٥٦،وشرح العمدة له، ٢/ ١٣٩.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه، برقم ٦٩٤ وما بين المعقوفين في نسخة دار السلام، وعند أحمد، ٢/ ٣٥٥.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٨٧، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٢/ ٣٤١.","vol":"2","page":614},{"text":"عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن أمّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم» (١).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء - يعني - فعليه ولا عليهم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1179>ثالثًا: طلب الإمامة في الصلاة إذا صلحت النية لا بأس به</span>؛ لحديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ - قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: «أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا» (٣).\nوالحديث يدلّ على جواز طلب الإمامة في الخير، وقد ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف الجميلة أنهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٤). وليس ذلك من طلب الرياسة المكروهة؛ فإن ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يُعطاها من سألها (٥)، فإذا صلحت النية وتأكدت الرغبة في القيام بالواجب والدعوة إلى الله - ﷿ - فلا حرج من طلب ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1180>رابعًا: أولى الناس بالإمامة: الأقرأ </span>(٦) العالم فقه صلاته، فإن استووا\n_________\n(١) أحمد، ٤/ ١٥٤، وابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما يجب على الإمام، برقم ٩٨٣، أبو داود، كتاب الصلاة، باب جماع الإمامة وفضلها، برقم ٥٨٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٥: «حسن صحيح»، وصححه في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٩٣.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما يجب على الإمام، برقم ٩٨١، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٩٢.\n(٣) أبو داود، برقم ٥٣١، والترمذي، برقم ٢٠٩، والنسائي، برقم ٦٧٢، وتقدم تخريجه في الأذان، آداب المؤذن، وصححه الألباني في الإرواء، ٥/ ٣١٥.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٧٤.\n(٥) انظر: سبل السلام، للصنعاني، ٢/ ٨٦، والمنهل العذب المورود في شرح سنن الإمام أبي داود، للشيخ محمود بن محمد بن خطاب السبكي، ٤/ ٢٠٨.\n(٦) الأقرأ: قيل: الأقرأ: هو أكثرهم قرآنًا، وقيل: أجودهم وأحسنهم وأتقنهم قراءة، والصواب القول الأول؛ لحديث عمرو بن سلمة وفيه: «... وليؤمكم أكثركم قرآنًا»، [البخاري برقم ٤٣٠٢]؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - وفيه: «وأحقهم بالإمامة أقرؤهم»، [مسلم برقم ٦٧٢]، ومعناه: أكثرهم قرآنًا، ولكن لو استووا في القرآن بحيث قد استظهروا القرآن كله فيرجح من كان أتقنهم قراءة وأضبط لها، وأحسن ترتيلًا؛ لأنه الأقرأ بالنسبة لهؤلاء الذين استووا في كثرة الحفظ. [انظر: المفهم، للقرطبي، ٢/ ٢٩٧، والمغني، لابن قدامة، ٢/ ١٤، ونيل الأوطار، للشوكاني، ٢/ ٣٩٠].","vol":"2","page":615},{"text":"في القراءة وعلم فقه الصلاة (١) فأفقههم، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأقدمهم إسلامًا، لحديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله (٢) فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة (٣)، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلمًا -وفي رواية- سنًّا (٤) ولا يؤمّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في\n_________\n(١) العالم فقه صلاته: أي يعلم شروطها، وأركانها، وواجباتها، ومبطلاتها، ونحو ذلك، قال الحافظ ابن حجر: «ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك فلا يقدم اتفاقًا» فتح الباري، ٢/ ١٧١، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٩٦، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٢٩١.\n(٢) يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله: فيه دليل واضح على أنه يقدم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، وقال الإمام مالك والشافعي وأصحابهما: الأفقه مقدم على الأقرأ؛ لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه، لكن في قوله - ﷺ -: «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة»: دليل على تقديم الأقرأ مطلقًا، والصواب أن الأقرأ يقدم إذا كان عارفًا فقه صلاته. [انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٧٨، والمفهم في تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٩٧، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١١ - ١٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٧١، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٨٩، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٩٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٨٩ - ٢٩١، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٩٥].\n(٣) فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة: الهجرة المقدَّم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره - ﷺ -، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة كما ثبت ذلك في الأحاديث؛ لأن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام قربة وطاعة، فقدم السابق إليها؛ لسبقه إلى الطاعة. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٧٩، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٩٠، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٩٦.\n(٤) الأقدم سلمًا وفي رواية «سنًّا»، وفي الرواية الأخرى «فأكبرهم سنًّا»، وهذا لفضيلة السبق إلى الإسلام، والرواية الأخرى «سنًّا» راجع إلى سبق السن بالإسلام؛ لأن الأكبر سبق الأصغر. [انظر: المفهم للقرطبي، ٢/ ٢٩٨] وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٣٦: «ومن كان أقدم سلمًا فهو أكبرهم سنًّا إلا أن يكونوا كفارًا ثم أسلموا، فأقدمهم إسلامًا هو من جنس أقدمهم هجرة» [وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ١٨٠، ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٣٩٠،وسبل السلام للصنعاني،٣/ ٩٦،والمغني لابن قدامة،٣/ ١٥].","vol":"2","page":616},{"text":"سلطانه (١)، ولا يقعد في بيته على تكْرِمَتِه (٢) إلا بإذنه». وفي لفظ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواءً ...» (٣).\nأما حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - الذي فيه: «فإذا حضرت الصلاة فليؤذّن لكم أحدُكم ثم ليؤمَّكم أكبرُكم» (٤).فقدم الأكبر؛ لأنهم استووا في باقي الخصال والشروط؛ لأنهم هاجروا جميعًا، وصحبوا رسول الله - ﷺ - ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما يقدم به إلا السن (٥).\nفالمراتب خمس: يقدم الأقرأ، فالأعلم بالسنة، فالأقدم هجرة، فالأقدم إسلامًا، فالأكبر سنًّا (٦).\n_________\n(١) ولا يؤمّنّ الرجل الرجل في سلطانه أي في موضع سلطته، وهو ما يملكه أو يتسلط عليه بالتصرف فيه، ويدخل فيه صاحب البيت والمجلس، وإمام المسجد، وأعظم السلطة السلطان الأعظم؛ لأن ولايته عامة، وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم وإن شاء قدم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولًا بالنسبة للحاضرين؛ لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء، والسلطان مقدم على إمام المسجد وصاحب البيت، ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. [انظر: المفهم للقرطبي،\n٢/ ٢٩٩،والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢،وشرح النووي، ٥/ ١٨٠،ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٩١، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٩٧،والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٩٩].\n(٢) «ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه»، وفي رواية: «ولا تجلس على تكرمته في بيته إلا أن يأذن لك أو بإذنه»، والتكرمة: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به، ووجه هذا المنع أنه مبني على منع التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، غير أنه خص التكرمة بالذكر للتساهل في القعود عليها، وإذا منع القعود فمنع التصرف بنقلها أو بيعها أولى. المفهم للقرطبي، ٢/ ٢٩٩،وشرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ١٨٠.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، برقم ٦٧٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد، برقم ٦٢٨، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من الأحق بالإمامة، برقم ٦٧٤.\n(٥) انظر: شرح النووي على مسلم، ٥/ ١٨١، والمفهم للقرطبي، ٢/ ٣٠١.\n(٦) انظر: الشرح الممتع، ٤/ ٢٩٦.","vol":"2","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1181>خامسًا: أنواع الإمامة في الصلاة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1182>١ - إمامة الصبي جائزة على الصحيح </span>(١)؛ لحديث عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممرّ الناس (٢)، وكان يمرّ بنا الرّكبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ (٣) فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح (٤)، فيقولون اتركوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم (٥)، فلما قَدِمَ قال: «جئتكم والله من عند النبي - ﷺ - حقًّا، فقال: «صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصّلاة فليؤذّن أحدُكم، وليؤمَّكم أكثرُكم قرآنًا» فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا منّي؛ لِمَا كنت أتلقَّى من الركبان، فقدّموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني (٦)،فقالت امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا است قارئكم؟ فاشتروا (٧) فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص».وفي أبي داود زيادة: «قال عمرو بن سلمة:\nفما شهدت\n_________\n(١) اختلف أهل العلم في إمامة الصبي: فمذهب الشافعية أنها تصح مطلقًا في الفريضة والنفل، ومذهب المالكية، والحنفية، والحنابلة أن إمامة الصبي لا تصح في الفرض بالبالغ. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٧٠، والشرح الكبير ومعه المقنع والإنصاف، ٤/ ٣٨٧، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٣، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠١.\n(٢) بماء ممر الناس: موضع مرورهم. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٣، وإرشاد الساري للقسطلاني، ٩/ ٢٨٤.\n(٣) ما هذا الرجل: يسألون عن حال النبي - ﷺ - وحال العرب معه. فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٣.\n(٤) تلوَّم: تنتظر. فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٣.\n(٥) بدر: سبق. المرجع السابق، ٨/ ٢٣.\n(٦) بردة: كساء صغير مربع ويقال كساء أسود، ومعنى: تقلصت: انكشفت عنه. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٣، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠١.\n(٧) فاشتروا: أي ثوبًا، انظر: فتح الباري، ٨/ ٢٣.","vol":"2","page":618},{"text":"مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا» (١).\nوهذا هو الصّواب أنّ إمامة الصّبي تصحّ بالفرض والنّفل إذا قدّمه القوم وكان أكثرهم قرآنًا، وقد بلغ سبع سنين؛ لأنه لا قياس في مقابلة النّصّ؛ ولأنّ إمامة عمرو بن سلمة بقومه كانت زمن الوحي، فلو كانت الصّلاة باطلة وعمله منكرًا؛ لأنكره الله تعالى؛ ولأنّ الذين قدَّموا عمرًا كانوا كلهم صحابة (٢)، وقد قال جابر - ﵁ -: «كنّا نعزل والقرآن ينزل» وفي لفظ: «كنّا نعزل على عهد رسول الله - ﷺ -» (٣). وفي رواية مسلم: «كنّا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن».\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يرجّح صحّة إمامة الصبي الذي بلغ سبع سنين في الفرض والنّفل، وأنه يعتدّ بالصّبي في المصافة في الصّلاة، وأنّ الأصل في الفرائض والنّوافل سواء إلا ما خصّه الدّليل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1183>٢ - إمامة الأعمى صحيحة بلا كراهة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - أنّ النبي - ﷺ - استخلف ابن أمّ مكتوم يؤمُّ الناس وهو أعمى (٥)، وفي رواية عنه أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) البخاري، كتاب المغازي، باب مقام النبي - ﷺ - بمكة زمن الفتح، برقم ٤٣٠٢، وزيادة أبي داود: «فاشتروا لي قميصًا عُمانيًّا»، برقم ٥٨٥،وزاد في روايته رقم ٥٨٧: «فما شهدت مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومي هذا».\n(٢) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠١، وفتح الباري لابن حجر، ٨/ ٢٣، و٢/ ١٨٥، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٩٤، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٩٨، والشرح الممتع لابن عثيمين،\n٤/ ٣١٧ - ٣١٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب العزل، برقم ٥٢٠٧ - ٥٢٠٩، ومسلم، كتاب النكاح، باب حكم العزل، برقم ١٤٤٠.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٤٣٥، وأثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤٣٠٢.\n(٥) ابو داود، كتاب الصلاة، باب إمامة الأعمى، برقم ٥٩٥،وأحمد في المسند، ٣/ ١٩٢، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٨٨، وله شاهد عن عائشة ﵂ عند ابن حبان في [الإحسان،٥/ ٥٠٦ برقم ٢١٣٤]،وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١١٨: «حسن صحيح».","vol":"2","page":619},{"text":"استخلف ابن أمّ مكتوم على المدينة مرتين (١). وقد عُدَّت مراتُ استخلاف ابن أم مكتوم فبلغت ثلاث عشرة مرة، وهذا دليل على صحّة إمامة الأعمى من دون كراهة في ذلك (٢)، ويدلّ على ذلك ما رواه محمود بن الربيع الأنصاري - ﵁ - أن عتبان بن مالك كان يؤمُّ قومَهُ وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله - ﷺ -، يا رسول الله: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مُصلَّى، فجاءه رسول الله - ﷺ - فقال: «أين تحبّ أن أصلّي»؟ فأشار إلى مكان من البيت فصلّى فيه رسول الله - ﷺ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1184>٣ - إمامة العبد والمولى صحيحة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: لَمّا قَدِمَ المهاجرون الأوّلون العقبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله - ﷺ - كان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة - ﵁ - وكان أكثرهما قرآنًا (٤).\nوفي رواية: عن ابن عمر ﵄ قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي - ﷺ - في مسجد قباء، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة (٥).\nوكان سالم مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يُعتق، وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة؛ لأنه لازم أبا حذيفة بعد أن أعتق فتبناه، فلما نهوا عن ذلك قيل له: مولاه، وسبب تقديمهم له؛ لأنه كان أكثرهم قرآنًا (٦)، قال البخاري - ﵀ -: «باب إمامة العبد المولى، وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف. وولد البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم، لقول\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الخراج، باب في الضرير يولَّى، برقم ٢٩٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٦٦.\n(٢) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٢٠، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٩٥.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، برقم ٦٦٧.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، برقم ٦٩٢.\n(٥) البخاري، كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم، برقم ٧١٧٥.\n(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٨٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٩٦.","vol":"2","page":620},{"text":"النبي - ﷺ -: «يؤمُّهم أقرؤهم لكتاب الله» ولا يُمنع العبد من الجماعة بغير علة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1185>٤ - إمامة المرأة للنساء صحيحة</span>؛ لحديث أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن رسول الله - ﷺ - كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها. قال عبد الرحمن بن خلاَّد الراوي عنها: «أنا رأيتُ مؤذنها شيخًا كبيرًا» (٢). وهذا يدلّ على مشروعية صلاة النساء جماعة منفردات عن الرجال (٣)، ورجح الإمام ابن القيم - ﵀ - استحباب صلاة النساء جماعة؛ لحديث أم ورقة؛ ولأن عائشة ﵂ أمَّت نسوة في المكتوبة فأمتهنَّ بينهن وسطًا (٤)؛ ولأن أم سلمة ﵂ أمَّت نساء فقامت وسطهن (٥)، ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله - ﷺ -: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (٦) لكفى (٧).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن حديث ورقة: «وأنه يدلّ على مشروعية ذلك، ولا بأس به، ويستحب ذلك، والحديث وإن كان في إسناده كلام، ولكن مثله نوع\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، قبل الحديث رقم ٦٩٢.\n(٢) أبو داود، بلفظه، كتاب الصلاة، باب إمامة النساء، برقم ٥٩٢، وأحمد، ٦/ ٤٠٥، والحاكم،\n١/ ٢٠٣، والبيهقي، ٣/ ١٣٠، والدارقطني، ١/ ٤٠٣، وابن خزيمة في صحيحه،٣/ ٨٩،برقم ١٦٧٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ١١٨.\n(٣) اختلف العلماء في صلاة الجماعة للنساء منفردات عن الرجال في بيوتهن: فقيل: سنة؛ لأن النبي - ﷺ - أمر ورقة أن تؤم أهل دارها، وقيل: مكروهة، وقالوا: بأن حديث ورقة ضعيف، وقيل: مباحة؛ لأن النساء من أهل الجماعة في الجملة؛ ولهذا أبيح لها أن تحضر في المسجد لإقامة الجماعة، فتكون إقامة الجماعة في بيتها مباحة مع ما في ذلك من التستر. انظر: المغني لابن قدامة ٣/ ٣٧، والشرح الممتع لابن عثيمين ٤/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(٤) عبد الرزاق في المصنف، ٣/ ١٤١ برقم ٥٠٨٦، وابن أبي شيبة، ٢/ ٨٩، والحاكم ١/ ٢٠٣، والدارقطني، ١/ ٤٠٤، والبيهقي، ٣/ ١٣١، وابن حزم، ٣/ ١٧١.\n(٥) عبد الرزاق في المصنف، ٢/ ١٤٠،برقم ٥٠٨٢،وابن أبي شيبة، ٢/ ٨٨،والشافعي في المسند، ٦/ ٨٦، والدارقطني، ١/ ٤٠٤، والبيهقي، ٣/ ١٣١، وابن حزم، ٣/ ١٧٢.\n(٦) متفق عليه، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٧) إعلام الموقعين، ٣/ ٣٥٧.","vol":"2","page":621},{"text":"مستقل ويعمل به، ويعضده ما جاء عن عائشة، وأم سلمة أنهما كانتا تؤمان أهل بيتهما، لكن تقف في وسط النساء، وصلاة الجماعة لا تجب عليهن، ولكن تستحب» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1186>٥ - إمامة الرجل للنساء فقط صحيحة</span>؛ لأخبار وردت في ذلك (٢)؛ ولأن الأصل صحة صلاة الجماعة وانعقادها بالنساء مع الرجل، بل بالمرأة مع الرجل ومن منع فعليه الدليل (٣)، إلا إذا كانت أجنبية وحدها فإنه يحرم أن يؤمَّها؛ لحديث ابن عباس ﵄ يرفعه: «لا يخلونَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي محرم» (٤)، والصحيح أن إمامة النساء لا تكره إلا إذا خاف الفتنة؛ ابتعد عن ذلك؛ لأن ما كان ذريعة إلى حرام فهو حرام (٥)، وقد كان ذكوان مولى عائشة ﵄ يؤمها من المصحف (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1187>٦ - إمامة المفضول للفاضل صحيحة</span>؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - حينما كان مع النبي في غزوة تبوك، وذكر وضوء النبي - ﷺ - وأنه جاء معه قال: حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، قال: ووجدنا عبد الرحمن وقد صلى بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله - ﷺ - فصفَّ مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، فلما سلَّم عبد الرحمن قام رسول الله - ﷺ - يتمُّ صلاته، قال: فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته أقبل عليهم ثم قال: «أحسنتم»، أو «قد أصبتم»، يغبطهم أن صلّوا الصلاة لوقتها (٧)، وهذا يدلّ على صحّة\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٤٧،وانظر: مجموع فتاوى ومقالات له،١٢/ ١٣٠.\n(٢) مسند أبي يعلى، ٣/ ٣٣٦ برقم ١٨٠١، وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي، ٢/ ٧٤، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١١٩.\n(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٦٢،ومسلم، برقم ١٣٤١،وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٥) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٣٥٢.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، قبل الحديث رقم ٦٩٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٢،ومسلم برقم ٢٧٤،وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.","vol":"2","page":622},{"text":"إمامة المفضول للفاضل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1188>٧ - إمامة المتيمم للمتوضئ جائزة</span>؛ لحديث عمرو بن العاص - ﵁ - قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب»؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيما﴾ (١)، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا (٢). وفي رواية: «فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلّى بهم ...» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وقال البيهقي: يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ ثم تيمم عن الباقي، وقال النووي: وهو متعيّن» (٤). وفي لفظ البخاري: «فذكر للنبي - ﷺ - فلم يعنّف»، ووقع في رواية «فلم يعنّفه»، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان من أجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين ..» (٥). قال ابن قدامة - ﵀ -: «ويصحَّ ائتمام المتوضئ بالمتيمم لا أعلم فيه خللًا» (٦).ولكن لا يتيمم لشدة البرد من أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجه يأمن الضرر منه (٧).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٢٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ برقم ٣٣٤، وأحمد، ٤/ ٢٠٣، والدارقطني، ١/ ١٧٨، والحاكم، ١/ ١٧٧، والبيهقي، ١/ ٢٢٦، وابن حبان، برقم ١٣١٥، والبخاري تعليقًا في كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم، قبل الحديث رقم ٣٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٦٨.\n(٣) أبو داود في الكتاب والباب المذكور، برقم ٣٣٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٦٨.\n(٤) فتح الباري، ١/ ٤٥٤.\n(٥) فتح الباري ١/ ٤٥٤، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٦٦.\n(٦) المغني، ٣/ ٦٦.\n(٧) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ١/ ٢٩٤.","vol":"2","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1189>٨ - إمامة المسافر للمقيم صحيحة ويتم المقيم بعد سلام المسافر</span>؛ للآثار في ذلك (١) والإجماع، قال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: «أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة» (٢). وعن عمر - ﵁ - أنه كان إذا قدم بمكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفْرٌ» (٣).\nفظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٤).\nوإذا أمّ المسافر المقيمين فأتمَّ بهم فصلاتهم تامّة صحيحة وخالف الأفضل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1190>٩ - إمامة المقيم للمسافر صحيحة، ويتمّ المسافر مثل صلاة إمامه</span>، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير\n_________\n(١) روي عن عمران - ﵁ - يرفعه: «أنه - ﷺ - أقام بمكة زمان الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم يقول: يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا سفر» أحمد بلفظه،\n٤/ ٤٣٠، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب متى يتم المسافر، برقم ١٢٢٩ ولفظه: «يا أهل البلد صلوا أربعًا فإنا قوم سفر»، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، قال الشوكاني: «وإنما حسّن الترمذي حديثه (٥٤٥) لشواهده»، نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢.\n(٢) المغني، ٣/ ١٤٦، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٣.\n(٣) مالك في الموطأ موقوفًا، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة المسافر إذا كان إمامًا أو كان وراء الإمام، برقم ١٩، ١/ ١٤٩. قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢: «وأثر عمر رجال إسناده أئمة ثقات».\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام ابن باز، ١٢/ ٢٥٩ - ٢٦١.\n(٥) انظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ١٤٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠، وقد كان عثمان - ﵁ - يتم بالناس في الحج في السنوات الأخيرة من خلافته، وثبت عن عائشة ﵂ أنها كانت تتم الصلاة في السفر، وتقول: إنه لا يشق عليها، فلا حرج في إتمام المسافر، ولكن الأفضل ما فعله النبي - ﷺ -؛ لأنه المشرع المعلم - ﷺ -. انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠، وحديث عثمان في مسلم، برقم ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"2","page":624},{"text":"قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم، لِمَا ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة - ﵀ - قال: كنّا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كُنّا معكم صلّينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنّة أبي القاسم - ﷺ -» (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعًا وإذا صلاها وحده صلّى ركعتين (٢).\nوذكر الإمام ابن عبد البر - ﵀ - أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا (٣). وقال: «قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام» (٤).\nومما يدلّ على أنّ المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله - ﷺ -: «إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبّروا ... (٥») (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1191>١٠ - إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم</span>، مثال ذلك رجل وجد الناس يصلون ظهر اليوم وذكر أن عليه صلاة الظهر بالأمس، فإنه يدخل معهم خلف الإمام وينوي ظهر أمس؛ فصلاته صحيحة، لأنه قاضٍ صلى خلف مؤدٍّ؛ ولأنّ التّرتيب بين الصّلوات واجب فيصلي\n_________\n(١) أحمد في المسند، ١/ ٢١٦، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢١: «قلت وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح»، والحديث أخرجه مسلم بلفظ: «كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلّ مع الإمام؟ فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم - ﷺ -»، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٨.\n(٢) مسلم، الكتاب والباب السابق، برقم ١٧ (٦٨٨)،وانظر آثارًا في موطأ الإمام مالك، ١/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٣) التمهيد، ١٦/ ٣١١ - ٣١٢.\n(٤) التمهيد ١٦/ ٣١٥.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -:البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٦، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٥٩، ٢٦٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين ٤/ ٥١٩.","vol":"2","page":625},{"text":"الصّلاة بنيّة الفائتة ثم يصلي الحاضرة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1192>١١ - إمامة من يقضي الصلاة بمن يؤديها عكس المسألة السابقة صحيحة على القول الصحيح</span>، فيكون الإمام هو الذي يقضي والمأموم هو الذي يؤدي، مثال ذلك رجل عليه ظهر أمس فصلى فدخل معه من يصلي ظهر اليوم، فالإمام يصلي بنية ظهر أمس، والمأموم بنية ظهر اليوم، فصحّة المؤداة خلف المقضية وبالعكس؛ لأنّ الصلاة واحدة وإنما اختلف الزّمن (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1193>١٢ - إمامة المفترض للمتنفل صحيحة بلا خلاف</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أبصر رجلًا يصلي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلي معه» (٣)؛ ولأحاديث إعادة صلاة الجماعة لمن أدرك الجماعة وقد صلى قبل ذلك (٤)، ومنها حديث يزيد بن الأسود وفيه: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة» (٥).\nقال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: «ولا نعلم بين أهل العلم فيه\n_________\n(١) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٤، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٤٠٨، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٢٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٥٧، ومجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ١٨٢.\n(٢) انظر: الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٤٠٩، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٤، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،\n٢/ ٣٢٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٥٧، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٨٢، ١٨٤، ١٨٦، ١٨٨، ١٨٩، ١٩١.\n(٣) أبو داود، برقم ٥٧٤، والترمذي، برقم ٢٢٠، وأحمد ٣/ ٤٥، ٦٤، وغيرهم، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ٣١٦، وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب آخر صلاة التطوع.\n(٤) تقدم تخريجها في صلاة الجماعة فيمن صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة.\n(٥) الترمذي، برقم ٢١٩، وأبو داود، برقم ٥٧٥، والنسائي، برقم ٨٥٨، وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب آخر صلاة التطوع.","vol":"2","page":626},{"text":"اختلافًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1194>١٣ - إمامة المتنفل للمفترض جائزة على القول الصحيح</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - أن معاذ بن جبل - ﵁ - «كان يصلي مع رسول الله - ﷺ - العشاء ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» (٢). ومعلوم أن الصلاة الأولى هي الفريضة والثانية لمعاذ هي النافلة، ولم ينكر عليه النبي - ﷺ -.\nوقد صلى النبي - ﷺ - في بعض أنواع صلاة الخوف بالطائفة الأولى ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين ثم سلم (٣)، فالصلاة الأولى فرض النبي - ﷺ -، والثانية نفلًا (٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥). فعلى هذا تجوز صلاة العشاء خلف من يصلي صلاة التراويح وغيرها (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن هذين الحديثين: «وهذا واضح في جواز إمامة المتنفل بالمفترض» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1195>١٤ - إمامة من يصلي العصر أو غيرها بمن يصلي الظهر أو غيرها جائزة على القول الصحيح</span>؛ لأنها فرع من إمامة المتنفل بالمفترض على الصحيح، وهي مثلها في الحكم، بل هنا أولى؛ لصحة صلاة من يصلي الظهر خلف من يصلي الجمعة، فلو أدرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الجمعة دخل معه بنية\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٦٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج وصلى، برقم ٧٠٠، ومسلم بلفظه، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ١٨٠ و١٨١ [٤٦٤].\n(٣) النسائي، كتاب صلاة الخوف، برقم ١٥٥٢، وصححه الألباني، في صحيح سنن النسائي ١/ ٣٤٠.\n(٤) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٢١٠، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣١٠، وفتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ١٧٨، والإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم، ١/ ٣٨١.\n(٥) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٤.\n(٦) المغني لابن قدامة، ٣/ ٦٩،وانظر: مجموع فتاوى الإمام ابن تيمية، ٢٣/ ٣٨٦، ومجموع فتاوى ابن باز،١٢/ ١٨١ جمع الشويعر، و٤/ ٤١٣ - ٤١٤، ٤٤٣ جمع الطيار.\n(٧) سمعته منه أثناء تقريره على المنتقى من أحاديث المصطفى - ﷺ - الحديث رقم ١٤٣٨.","vol":"2","page":627},{"text":"الظهر فإذا سلم الإمام قام فصلى أربعًا ظهرًا (١). وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا الإمام ابن باز وغيرهما - ﵏ - (٢).\nوأما قول النبي - ﷺ -: «إنّما جُعِل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه ...» (٣). فالاختلاف المراد به في الحديث الاختلاف في الأفعال والأقوال (٤)، كما جاء مفسرًا بقوله: «إنّما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبّر فكبروا ولا تكبروا حتى يُكبّر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربّنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعون» (٥). قال الإمام الصنعاني - ﵀ -: «الحديث لم يشترط المساواة في النية، فدلّ أنها إذا اختلفت نية الإمام والمأموم - كأن ينوي أحدهما فرضًا والآخر نفلًا، أو ينوي هذا عصرًا، والآخر ظهرًا أنها تصحّ الصلاة جماعة» (٦). وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول في شرحه لهذا الحديث: «فقد ذكر الأفعال والأقوال ولم يذكر النية فدلّ على أن النية مغتفرة» (٧)، فعلى ذلك لا يؤثر اختلاف النية: فتصح إمامة من يصلي الظهر بمن يصلي العشاء،\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٣٠.\n(٢) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٤، ومجموع فتاوى ابن باز،\n١٢/ ١٩١، وهو مذهب الشافعي كما في المجموع للنووي، ٤/ ١٥٠، واختاره أيضًا الشيخ\nمحمد بن إبراهيم في فتاويه، ٢/ ٣٠٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٢٢، ومسلم، برقم ٤١٤،وتقدم تخريجه في إمامة المقيم للمسافر.\n(٤) انظر: الشرح الكبير لابن قدامة، ٤/ ٤١٢، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٢٩، والإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم، ١/ ٣٨٢، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٦٥.\n(٥) أبو داود بلفظه، كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، برقم ٦٠٣، وهو حديث صحيح، وأصله متفق عليه: البخاري، برقم ٧٢٢، ومسلم، برقم ٤١٤، وتقدم تخريجه في إمامة المقيم للمسافر.\n(٦) سبل السلام شرح بلوغ المرام، ٣/ ٧٩.\n(٧) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٢٩.","vol":"2","page":628},{"text":"وإمامة من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي العصر بمن يصلي الظهر، ومن يصلي صلاة أكثر بمن يصلي أقل، ومن يصلي أقل بمن يصلي أكثر مثال من يصلي صلاة أكثر خلف من يصلي أقل: كمن يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب، فإنه يصلي مع الإمام فإذا سلّم إمامه قام وأتى بركعة. ومثال من يصلي صلاة أقل خلف من يصلي صلاة أكثر، كمن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فإنه إن أدرك الإمام في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال؛ لأنه يتابع إمامه ويسلم معه، وإن دخل في الركعة الثالثة أتى بعده بركعة، وإن دخل في الرابعة أتى بعده بركعتين، لكن إن أدرك الإمام في الركعة الأولى فإنه يلزمه إذا قام الإمام إلى الرابعة أن يجلس ولا يقوم معه بل ينتظر في التشهد حتى يسلم مع إمامه، هذا هو الأفضل، وإن نوى الانفراد وقرأ التشهد الأخير ثم سلم فلا حرج (١)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وشيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز (٣)، والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٤) رحمهم الله تعالى (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «... وهكذا على الأرجح لو جاء وهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب بسبب السفر أو المرض [فقد] اختلف العلماء: فقيل يصلي معهم العشاء نافلة ثم يصلي المغرب، وقيل: يجوز عدم الترتيب، وقيل: يصلي معهم المغرب بنية المغرب فإذا قاموا إلى الرابعة جلس ينتظرهم ثم يسلم معهم، وهذا قول حسن وجيد وهو معذور في الجلوس كما\n_________\n(١) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير\n٤/ ٤١٣ - ٤١٤ وذكر أنه اختيار المجد في شرحه، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.\n(٢) انظر: الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٤ - ١٠٥.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للإمام ابن باز، ١٢/ ١٨٦، ١٩٠.\n(٤) انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦.\n(٥) وانظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٨.","vol":"2","page":629},{"text":"يجلس المسبوق ثم يتم صلاته، حتى ولو لم يدرك إلا ركعة جلس معهم ثم أتم، فالتأخر لعذر والمتابعة لعذر شرعي» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>١٥ - إمامة الفاسق الذي تصحّ صلاته لنفسه صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم</span>، إذا كانت معصيته أو بدعته لا تخرجه عن الإسلام، لكن ينبغي أن لا يرتب إمامًا في الصلاة وغيرها (٢).\nومما يدلّ على صحّة إمامة الفاسق حديث أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُؤَخّرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها»؟ قال: قلت فما تأمرني؟ قال: «صلّ الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صلّيت فلا أصلي]» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يصلّون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٤)؛ ولأن جمعًا من الصحابة - ﵃ - كانوا يصلون الجمعة، والجماعة، والأعياد خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون الصلاة، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف (٥)، وابن عمر كان - ﵁ - من أشدّ الناس تحرّيًا لاتباع السنة، واحتياطًا لها، والحجاج معروف بأنه من أفسق الناس.\nوكذا أنس - ﵁ - كان يصلي خلف الحجاج، وكذلك عبد الله بن مسعود - ﵁ - وغيره من الصحابة كانوا يصلّون خلف الوليد بن أبي معيط، وقد صلّى بهم الصبح يومًا ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان عند عثمان - ﵁ - فأقام عليه الحدّ، فجلده\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم ٤٢٩ من بلوغ المرام. وانظر: مجموع الفتاوى له،\n١٢/ ١٨٦، ١٩٠.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١١٢، ومن ١٠٦ - ١٢٧، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٢٢، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤١٥.\n(٣) مسلم، برقم ٦٤٨،وتقدم تخريجه في الصلوات ذوات الأسباب في آخر صلاة التطوع.\n(٤) البخاري، برقم ٦٩٤، وتقدم تخريجه في فضل الإمامة.\n(٥) البخاري، كتاب الحج، باب التهجير بالرواح يوم عرفة، برقم ١٦٦٠، وباب الجمع بين الصلاتين بعرفة، برقم ١٦٦٢، وباب قصر الخطبة بعرفة، برقم ١٦٦٣.","vol":"2","page":630},{"text":"أربعين، ثم قال: جلد النبي - ﷺ - أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة وهذا أحب إليّ (١).\nوفي الصحيح عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان - ﵁ - وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال: «الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم» (٢).\nوصلى أبو سعيد الخدري - ﵁ - خلف مروان بن الحكم صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة (٣). قال الإمام الشوكاني - ﵀ -: «... وقد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًّا، ولا يبعد أن يكون قوليًّا على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير» (٤). وقال: «والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحّت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره ... واعلم أن محلّ النّزاع إنما هو صحة الجماعة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك» (٥).قال الإمام الطحاوي﵀-: «ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم» (٦). وقد تكلم الشارح كلامًا نفيسًا رجح فيه صحة الصلاة خلف الفاسق، وأن من أظهر بدعته وفسقه لا يرتب إمامًا للمسلمين؛ لأنه يستحق التعزير حتى يتوب، وإن أمكن هجره حتى يتوب\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحدود، باب حدّ الخمر، برقم ١٧٠٧.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، برقم ٦٩٥.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٩.\n(٤) نيل الأوطار، ٢/ ٣٩٨.\n(٥) نيل الأوطار، ٢/ ٣٩٩، وانظر الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٠٧.\n(٦) الطحاوية مع شرحها، ص٤٢١.","vol":"2","page":631},{"text":"كان حسنًا، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهذا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة - ﵃ - وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فلا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل، فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما؛ فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، فتفويت الُجمَع والجماعات أعظم فسادًا من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، ولا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورًا فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية دون دفع المفسدة.\nأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذٍ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء: منهم من قال: يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد (١)، والأقرب أنه لا يعيد (٢).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «من يسلم من الأئمة من الفسق ولا سيما آخر الزمان، فالقول بعدم صحة الصلاة خلف الفاسق فيه حرج عظيم، ومشقة كبيرة، فالصواب أنها تصح، ولكن على المسؤولين أن يختاروا» (٣) والله المستعان (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص٤٢٣.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١١٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٠٧، والإحكام شرح أصول الأحكام لابن قاسم، ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٧، واختار أن الصلاة لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة مع القدرة على الصلاة خلف غيرهم. وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٤/ ٣٥٥.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على الأحاديث رقم ١٤٢٩ - ١٤٣٢ من المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لأبي البركات ابن تيمية.\n(٤) فكل من صحّت صلاته لنفسه صحّت إمامته، قال العلامة محمد بن عثيمين في الشرح الممتع،\n٤/ ٣٠٧: «وهذا القول لا يسع الناس اليوم إلا هو، لأننا لو طبقنا القول الأول على الناس ما وجدنا إمامًا يصلح للإمامة».","vol":"2","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1197>١٦ - إمامة من يكرهه أكثر الجماعة بحق مكروهة على أقل الأحوال</span>؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون» (١). وعن عمرو بن الحارث بن المصطلق قال: كان يقال: أشدُّ الناس عذابًا [يوم القيامة] اثنان: امرأة عصت زوجها، وإمام قومٍ وهم له كارهون (٢).\nقال الإمام الترمذي - رحمه الله تعالى -: «وقد كره قوم من أهل العلم أن يؤمَّ الرجل قومًا وهم له كارهون، فإذا كان الإمام غير ظالم فإنما الإثم على من كرهه، وقال أحمد وإسحاق في هذا: إذا كَرِهَ واحدٌ، أو اثنان، أو ثلاثة فلا بأس أن يصلي بهم حتى يكرهه أكثر القوم» (٣). وذكر الشوكاني - ﵀ -: أنه ذهب إلى التحريم قوم وإلى الكراهة آخرون، وقيّد جماعة من أهل العلم ذلك بالكراهة الدينية لسبب شرعي، فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها، وقيدوه بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد، والاثنين، والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعًا كثيرًا، لا إذا كانوا اثنين أو ثلاثة، فإن كراهتهم\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في من أمّ قومًا وهم له كارهون، برقم ٣٦٠، وقال: «هذا حديث حسن غريب»، والبيهقي، ٣/ ١٢٨ وقال: «إسناده ليس بالقوي»، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب وذكر تحسين الترمذي له وأقرّه، ١/ ٣٨٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢٢٨، وله شاهد من حديث طلحة في صحيح الترغيب، ١/ ٢٢٨، ومن حديث الذهلي، ١/ ٢٢٨، وقد جاء لهذا شواهد: عن أنس عند الترمذي، برقم ٣٥٨، وعن عبد الله بن عمرو عند أبي داود، برقم ٥٩٣، وابن ماجه، برقم ٩٧٠، وعن ابن عباس عند ابن ماجه، برقم ٩٧١. والحديث صححه أحمد شاكر في شرحه على سنن الترمذي، ٢/ ١٩٣، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي، ٢/ ٣٤٨: «قال النووي في الخلاصة: والأرجح هنا قول الترمذي». وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١١٣، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٤١٧: «وأحاديث الباب يقوي بعضها بعضًا».\n(٢) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن أمّ قومًا وهم له كارهون، برقم ٣٥٩، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١١٣: «صحيح الإسناد».\n(٣) سنن الترمذي، ص٩٧.","vol":"2","page":633},{"text":"أو كراهة أكثرهم معتبرة، والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم (١).\nوقال الترمذي - ﵀ -: «قال هنَّاد: قال جرير: قال منصور: فسألنا عن أمر الإمام؛ فقيل لنا: إنما عنى بهذا الأئمة الظلمة، فأما من أقام السنة فإنما الإثم على من كرهه» (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ - يقول: «ذكر أهل العلم - ﵏ - أن كراهة المأمومين فيها تفصيل: فمراد النبي - ﷺ - إذا كرهوه بحق، أما إذا كانت كراهتهم له؛ لأنه صاحب سنة، أو [لأنه] يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فلا وجه لكراهتهم، وهذا مأخوذ من الأدلة الشرعية، أما إذا كرهوه لشحناء بينهم، أو لفسقه، أو يشق عليهم، أو لعدم عنايته بالصلاة، أو عدم مواظبته، فلا ينبغي أن يصلي بهم؛ لأنه مسيء إليهم، فلا يجوز له أن يصلي بهم في هذه الحال، وهو داخل في هذا الوعيد في هذه الأحاديث» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1198>١٧ - إمامة الزائر لقوم منهيٌّ عنها إلا بإذنهم</span>؛ لحديث مالك بن الحويرث - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من زار قومًا فلا يؤمَّهم، وليؤُمَّهم رجل منهم» (٤). قال الإمام الترمذي - ﵀ -: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -،وغيرهم، قالوا: «صاحب\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤١٧ - ٤١٨، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٦ وقال: «وإذا كان بين الإمام والمأمومين معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء أو المذاهب لم ينبغ أن يؤمهم؛ لأن المقصود بالصلاة جماعة الائتلاف، ولهذا قال - ﷺ -: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» [مسلم برقم ٤٣٢]، فإن أمهم فقد أتى بواجب ومحرم يقاوم الصلاة فلم تقبل إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها» ص١٠٦ - ١٠٧، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٢٧ والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٥٣ - ٣٥٥.\n(٢) الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن أم قومًا وهم له كارهون، بعد الحديث رقم ٣٥٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٧١.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ - لأبي البركات ابن تيمية، الأحاديث رقم ١٤٥٦، ١٤٥٧.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إمامة الزائر، برقم ٥٩٦، والترمذي، كتاب الصلاة، باب فيمن زار قومًا فلا يصلي بهم، برقم ٣٥٦، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والنسائي، كتاب الإمامة، باب إمامة الزائر، برقم ٧٨٧، وأحمد، ٥/ ٥٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ١١٢.","vol":"2","page":634},{"text":"المنزل أحق بالإمامة من الزائر». قال: «وقال بعض أهل العلم: إذا أَذِنَ فلا بأس أن يصلي به» (١). وقال أبو البركات ابن تيمية: «وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان (٢)؛ لقوله - ﷺ - في حديث أبي مسعود - ﵁ -: «إلا بإذنه» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف». وقال: «ولا يحلّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قومًا إلا بإذنهم، ولا يختصّ نفسه بدعوة دونهم (٤)، فإن فعل فقد خانهم» (٥). قال الإمام الشوكاني - ﵀ -: «وقوله في حديث أبي هريرة «إلا بإذنهم» يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور، قال العراقي: ويشترط أن يكون المزور أهلًا للإمامة؛ فإن لم يكن أهلًا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلًا، والأمي في صورة كون الزائر قارئًا ونحوهما فلا حق له في الإمامة» (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وفي حديث أبي مسعود في آخره: «ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تكرمته إلا بإذنه» هذا يفيد أن من زار قومًا فلا يؤمّهم كما في حديث مالك بن الحويرث وإن كان في سنده ضعف لكن حديث أبي مسعود صحيح، فالزائر لا يؤم إلا بإذنٍ إذا زار [القوم] في مسجدهم أو في بيتهم، وحضرت الصلاة فالإمام صاحب البيت، وإن كان في\n_________\n(١) الترمذي، بعد الحديث رقم ٣٥٦، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٢) المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، بعد الحديث رقم ١٤٢٢.\n(٣) مسلم، برقم ٦٧٣، وتقدم تخريجه في أولى الناس بالإمامة.\n(٤) قوله: «ولا يختص نفسه بدعوة دونهم» أي الذي يؤمنون عليه خلفه: كالدعاء في القنوت وغيره والله أعلم. هكذا سمعته من شيخنا ابن باز.\n(٥) أبو داود، كتاب الطهارة، باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ برقم ٩١، قال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٥: «صحيح إلا جملة الدعوة».\n(٦) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٩٤.","vol":"2","page":635},{"text":"المسجد فصاحب السلطان، فلا يتقدم عليه، وإن كان الزائر أعلم أو أكبر سنًّا، إلا أن يقدمه ويأذن له فلا بأس؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: «إلا بإذنه»، أما حديث: «من زار قومًا» لو صحَّ فهو محمول على بغير الإذن، وحديث: «من زار قومًا» تعضده الأدلة الأخرى، وبعض الناس قد يأذن حياءً، فينبغي للزائر أن لا يعجل في التقدم حتى يلحَّ عليه صاحب السلطان ويشدد ويلزم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1199>١٨ - الإمامة في مسجد قبل إمامه لا تجوز إلا إذا تأخر عن الوقت المحدد أو بإذنه</span>؛ لقوله - ﷺ -: «ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه» (٢). فلا يجوز للإنسان أن يؤم في مسجد له إمام راتب إلا بإذن الإمام، كأن يوكّله فيقول: صلّ بالناس، أو يقول للجماعة إذا تأخَّرْتُ عن موعد الإقامة فصلوا.\nويجوز للجماعة إذا تأخر الإمام تأخرًا ظاهرًا أن يقدّموا أحدهم؛ لفعل الصّدّيق - ﵁ - (٣) وعبد الرحمن بن عوف - ﵁ - حين غاب النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: «أحسنتم» (٤)، وإذا أمَّ في مسجد قبل إمامه بدون إذن الإمام أو عذره فقيل: الصلاة لا تصحّ، ويجب عليهم الإعادة مع الإمام الرّاتب، وقيل: تصحّ مع الإثم وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل الصّحّة حتى يقوم الدليل على الفساد (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1200>١٩ - الإمامة من المصحف صحيحة على الصحيح من قولي أهل العلم</span>؛ لأن عائشة ﵂ كان يؤمُّها عبدُها ذكوان من المصحف (٦). قال الإمام ابن باز - ﵀ -: «يجوز ذلك إذا دعت الحاجة إليه، كما يجوز\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -،الأحاديث ١٤١٤ - ١٤٢٢.\n(٢) مسلم، برقم ٦٧٣، وتقدم تخريجه في أولى الناس بالإمامة.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٨٤، ومسلم، برقم ٤٢١، ويأتي تخريجه في انتقال الإمام مأمومًا.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٢، ومسلم، برقم ٢٧٤، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٥) انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨، والشرح الممتع لابن عثيمين،\n٤/ ٢١٨، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٤٣.\n(٦) البخاري، كتاب الأذان، باب إمامة العبد والمولى، في ترجمة الباب، قبل الحديث رقم ٦٩٢.","vol":"2","page":636},{"text":"القراءة من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن، وتطويل القراءة في صلاة الفجر سنة، فإذا كان الإمام لا يحفظ المفصل ولا غيره من بقية القرآن الكريم جاز له أن يقرأ من المصحف، ويشرع له أن يشتغل بحفظ القرآن وأن يجتهد» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1201>سادسًا: وقوف المأموم مع الإمام أنواع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1202>١ - وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام</span>؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: «فقام النبي [- ﷺ -] يصلي فقمت عن يساره، فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه»، وهذا يدلّ على أن موقف الواحد مع الإمام عن يمينه، بدليل الإدارة، إذ لو كان اليسار موقفًا له لما أداره في الصلاة (٢)،وهذا هو الأفضل والأكمل (٣).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وهذا يدلّ على أن المأموم إذا كان واحدًا يكون عن يمين الإمام مساويًا له لا يتقدم ولا يتأخر؛ لأن النبي - ﷺ - لم يقل لابن عباس لا تتأخر عني» (٤).وسمعته - ﵀ - يقول: «لو صلى عن يسار الإمام صحت صلاته؛ لأن النبي - ﷺ - ما أمره بإعادة التحريمة، لكن السنة عن يمين الإمام» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1203>٢ - وقوف الاثنين فأكثر خلف الإمام</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: «جئت حتى قمت عن يسار رسول الله - ﷺ - فأخذ بيدي فأدارني حتى\n_________\n(١) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، جمع الطيار، ٤/ ٣٨٨، وحاشية ابن باز على فتح الباري، ٢/ ١٨٥.\n(٢) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٠٦، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥٣.\n(٣) فإن صلى الواحد عن يسار الإمام أو صلى اثنان: واحد عن يمينه والآخر عن شماله أو صلى معه واحد أو أكثر عن شماله مع خلوّ يمينه صحّت الصلاة على الصحيح، وكان ذلك خلاف الأفضل. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٣، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٢٩، واختيارات السعدي، ص٦٢، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٠٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٢١، والشرح الممتع، ٤/ ٣٧٥.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٩٧ مغرب الأحد بتاريخ ٢٧/ ٨/١٤١٩هـ.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٧٢٨، ورقم ٧٢٦، مغرب الأحد الموافق ٧/ ١٠/١٤١٩هـ.","vol":"2","page":637},{"text":"أقامني عن يمينه، ثم جاء جبَّار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله - ﷺ -، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (١). وهذا يدلّ على أن موقف الرجلين فأكثر مع الإمام في الصلاة خلفه (٢)، ومما يدل على ذلك حديث أنس - ﵁ - وفيه: «فقام رسول الله - ﷺ -، وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين ثم انصرف» (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «فدلّ على جواز مصافّة الصغير وأن المرأة الواحدة تصلي خلف الصف» (٤). وسمعته يقول: «فدلت السنة على أن الواحد يقف عن يمين الإمام كما في حديث جابر، وأنس، وابن عباس، في الفرض والنفل جميعًا، أما إذا كانوا اثنين فأكثر فإن السنة أن يكونوا خلفه. أما أثر ابن مسعود، وهو أنه جعل علقمة والأسود عن يمينه وشماله، ونقله عن النبي - ﷺ -، فقال العلماء فيه: إنه موقوف، وأعلّه بعضهم، وقال بعضهم: إنه منسوخ، والصواب أنه موقوف من اجتهاده أو منسوخ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>٣ - وقوف الإمام تلقاء وسط الصف</span>، العمل عليه عند أهل العلم، فينبغي أن يجعل الإمام مقابلًا لوسط الصف. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «وسّطوا الإمام وسدوا الخلل» (٦):\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٦٦، وفي كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، برقم ٣٠١٠.\n(٢) انظر: نيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٤٢٠،وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٠٧،والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٨٠، ومسلم، برقم ٦٥٨، وتقدم تخريجه في جواز صلاة التطوع جماعة أحيانًا.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٨٧١، وذلك يوم الأحد بعد المغرب في مسجد سارة، الموافق ٩/ ١١/١٤١٩هـ، وانظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٣، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٢٧، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٠٧.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار لأبي البركات ابن تيمية، الأحاديث ١٤٥٨ - ١٤٦٤.\n(٦) الحديث رواه أبو داود، برقم ٦٨١، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص٥٦، قال: «لكن الشطر الثاني منه صحيح».","vol":"2","page":638},{"text":"الحديث وإن كان فيه ضعف ولكن العمل عليه عند أهل\nالعلم، فالسنة أن يكون الإمام وسطًا في المساجد، هذه السنة العملية التي درج عليها المسلمون (١») (٢). وقال ﵀: «الصف يبدأ من الوسط مما يلي الإمام، ويمين كل صف أفضل من يساره، والواجب ألا يبدأ في صف حتى يكمل الذي قبله. ولا بأس أن يكون الناس في يمين الصف أكثر، ولا حاجة إلى التعديل، بل الأمر بذلك خلاف السنة، ولكن لا يُصفّ في الثاني حتى يكمل الأول، ولا في الثالث حتى يكمل الثاني، وهكذا بقية الصفوف؛ لأنه قد ثبت عن رسول الله - ﷺ - الأمر بذلك» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1205>٤ - وقوف المرأة الواحدة خلف الرجل</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - وفيه: «وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا» (٤). وقال الإمام ابن عبد البر - ﵀ -: «أجمع العلماء على أن المرأة تصلي خلف الرجل وحدها صفًّا، وأن سنتها الوقوف خلف الرجل لا عن يمينه» (٥). ولكن لا تجوز الخلوة بالمرأة وحدها كما تقدم (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1206>٥ - وقوف المرأة الواحدة أو أكثر خلف الرجال</span>؛ لحديث أنس السابق؛ ولحديثه الآخر أن النبي - ﷺ - دخل عليه وصلى به وبأمه وقال: «فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» (٧).وإذا زاد النساء عن واحدة صلين خلف الرجال؛ لحديث أنس - ﵁ - وفيه: «صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - ﷺ - وأمي وأم سليم خلفنا» (٨).وإذا لم يوجد إلا الإمام صلى بالنساء وهن\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على المنتقى للمجد أبي البركات ابن تيمية، الحديث رقم ١٤٦٥.\n(٢) وانظر: نيل الأوطار،٢/ ٤٢٢، وفتاوى ابن باز،١٢/ ٢٠٥،والكافي لابن قدامة،١/ ٤٣٤.\n(٣) فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٠٥.\n(٤) متفق عليه، وتقدم قبل ست حواشٍ.\n(٥) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، ٦/ ٢٤٩،وانظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٥٣ - ٥٤.\n(٦) انظر: ما تقدم في صلاة الجماعة: انعقاد الجماعة باثنين.\n(٧) مسلم، برقم ٦٦٠، وتقدم تخريجه في جواز صلاة التطوع جماعة أحيانًا.\n(٨) البخاري، كتاب الأذان، باب المرأة وحدها تكون صفًّا، برقم ٧٢٧، وهو طرف الحديث رقم ٣٨٠.","vol":"2","page":639},{"text":"خلفه إلا إذا خاف الفتنة فلا يصلي بهن؛ لأن ما كان ذريعة إلى الحرام فهو حرام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>٦ - وقوف المرأة الواحدة مع المرأة كوقوف الرجل مع الرجل الواحد، تقف عن يمينها </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1208>٧ - وقوف النساء مع المرأة عن يمينها وشمالها، فإمامتهن تقوم وسطهن في صفهن</span>، استحبابًا؛ لأن أم سلمة ﵂ كانت إذا أمَّت النساء وقفت في صفهن (٣)، وعائشة ﵂ أيضًا كانت إذا أمَّت النساء وقفت في صفهن (٤)؛ لأن ذلك أستر للمرأة، والمرأة مطلوب منها الستر بقدر المستطاع (٥)، وإذا كن عراة فكذلك تقوم إمامتهم وسطهن، وتجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1209>٨ - وقوف العراة مع إمامهم العاري عن يمينه وشماله، فيكون إمامهم وسط صفهم ولو طال الصف</span>؛ لأن ذلك أستر له (٧). قال الإمام ابن قدامة - ﵀ - في المغني: «وإذا شرعت الجماعة لعراة النساء مع أن الستر في حقهن آكد، والجماعة في حقهن أخف فللرجال أولى وأحرى، وغض البصر يحصل بكونهم صفًّا واحدًا يستر بعضهم بعضًا، إذا ثبت هذا فإنهم يصلون صفًّا واحدًا ويكون إمامهم وسطهم، ليكون أستر\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٤/ ٣٨٩، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٣٤، والروض المربع، ٢/ ٣٤٠، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٣١، والاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٩.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، برقم ٥٠٨٢، وابن أبي شيبة، ٢/ ٨٨، والشافعي في المسند،\n٦/ ٨٢، والدارقطني، ١/ ٤٠٤،والبيهقي، ٣/ ١٣١،وابن حزم في المحلى واحتج به، ٣/ ١٧٢.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق، برقم ٥٠٨٦، وابن أبي شيبة، ٢/ ٨٩، والحاكم، ١/ ٢٠٣، والدارقطني،١/ ٤٠٤، والبيهقي،٣/ ١٣١،وابن حزم في المحلى واحتج به، ٣/ ١٧١.\n(٥) انظر: الإنصاف للمرداوي، مع الشرح الكبير، ٤/ ٤٦٢، والشرح الممتع، ٤/ ٣٧٠، و٣/ ١٢٥، المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٧، و٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، وحاشية الروض لابن قاسم، ٢/ ٣٣٩.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١٣٠.\n(٧) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٣١٨،والشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٣٧٠،و٢/ ١٨٤.","vol":"2","page":640},{"text":"له» (١). وهذا على سبيل الوجوب إلا إذا كانوا عميًا، أو في ظلمة فإنه يصلي بهم أمامهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>٩ - وقوف الرجال، والصبيان، والنساء مع الإمام على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1211>أ- يصف الرجال خلف الإمام إن سَبقُوا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1212>ب- ثم يصف الصبيان خلف الرجال ما لم يسبقوا أو يمنع مانع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1213>ج- ثم يصف النساء خلف الصبيان</span>.\nويدل على هذا الترتيب حديث أبي مسعود - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلِني منكم أُولو الأحلام والنهى (٣)،ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٤).وفي حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم-ثلاثًا-وإياكم وهيشات (٥) الأسواق» (٦).قال الإمام النووي-رحمه الله تعالى-: «فالأفضل إلى الأمام؛ لأنه أولى بالإكرام؛ ولأنه ربما يحتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لِمَا لا يتفطن له غيره؛ وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها، وينقلوها ويُعلّموها للناس؛ وليقتدي بأفعالهم من وراءهم، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٢/ ٣١٨ - ٣٢٠.\n(٢) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ١٨٤، ٤/ ٣٧٠.\n(٣) الأحلام والنهى: العقول والألباب، وهما بمعنى واحد: وهي العقول: واحدها: نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن الرذائل، انظر: المفهم للقرطبي، ٢/ ٦٢، وجامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٥٩٩.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، وإقامتها، وفضل الأول فالأول منها، والازدحام على الصف الأول، والمسابقة إليها، وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام، برقم ١٢٢ - «٤٣٢».\n(٥) هيْشات الأسواق: اختلاطها، والمنازعة، والخصومات وارتفاع الأصوات، واللغط والفتن التي فيها. شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٠٠.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، وفضل الأول فالأول منها، والازدحام على الصف الأول، والمسابقة إليها، وتقديم أولي الفضل وتقريبهم من الإمام، برقم ١٢٣ - «٤٣٢».","vol":"2","page":641},{"text":"إلى الإمام وكبير المجلس: كمجالس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - رأى في أصحابه تأخرًا فقال: «تقدّموا فائتمّوا بي وليأتمّ بكم مَنْ بعدكم (٢)، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم (٣) الله» (٤). وفي لفظ أبي داود عن عائشة ﵂: «لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار» (٥). والمقصود فيما تقدم أن يتقدم الرجال، ثم بعد ذلك الصبيان؛ لأن الصبيان ذكور وقد فضّل الله الذكور على الإناث فهم أقدم من النساء، ثم بعد ذلك النساء؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها» (٦). ويلزم من ذلك تأخر صفوف النساء عن صفوف الرجال (٧).\nأما ترتيب صفوف الصبيان فلا شك أن الأولى أن يكونوا خلف الرجال إلا إذا حصل بذلك تشويش على المصلين فإنا نجعل بين كل\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٩٩ - ٤٠٠.\n(٢) معنى وليأتم بكم من بعدكم: أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه، وصف قدامه يراه متابعًا للإمام. شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٠٣.\n(٣) لا يزال قوم يتأخرون: أي عن الصفوف الأول حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة، وعن العلم ونحو ذلك، شرح النووي، ٤/ ٤٠٣.\n(٤) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم ٤٣٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب صف النساء وكراهية التأخر عن الصف الأول، برقم ٤٧٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٠٠.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٤٤٠.\n(٧) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٣٩٠.","vol":"2","page":642},{"text":"صبيين رجلًا بالغًا، ليخشع الناس في الصلاة (١).\nوتقديم الرجال ثم الصبيان يكون في ابتداء الأمر، كأن يجتمع الناس للصلاة في وقت واحد ولم يتقدم أحد قبل أحد، أما إذا جاء الصبي إلى الصفوف الأُوَل وسبق إلى مكانٍ فالصواب أنه أحق به من غيره (٢)؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه». وفي لفظ: «نهى النبي - ﷺ - أن يقيم الرجل الرجل من مقعده ويجلس فيه» فقيل لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها (٣). وفي لفظ لمسلم: «لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسّحوا وتوسّعوا».\nوإقامة الصبي من مكانه وتأخيره يؤدي إلى تنفير الصبيان من المساجد، وكراهتهم للرجل الذي أخّرهم عن الصف (٤)،وهذه مفسدة (٥).قال الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -: «إذا كان الصبي مميزًا عاقلًا فلا يؤخر من مكانه؛ لأنه قد سبق إلى ما لم\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٣٩١.\n(٢) وهو اختيار أبي البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف: «وهو الصواب» الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٣/ ٤٠٦، و٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه، برقم ٩١١، وكتاب الاستئذان، باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، برقم ٦٢٦٩، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، برقم ٢١٧٧.\n(٤) رأيت رجلًا كبيرًا في السن معه عكازه جاء متأخرًا إلى الجامع الكبير بالرياض قبل عام ١٤٠٥هـ فوجد صبيًا في الصف الأول فقرعه في رأسه بالعصا وقال: تأخّر وجلس مكانه وقال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» فاستغربت هذا العمل، وسألت العلامة شيخنا عبد العزيز ابن باز - ﵀ - وكان إمام الجامع آنذاك فبيّن - ﵀ - أن هذا خطأ ولا يجوز، وإنما تأخير الصبيان إذا جاء الناس للصلاة في وقت واحد ولم يتقدم أحد على أحد، وذكر أنه ينبغي لأولي الأحلام والنهى أن يتقدموا ويسبقوا إلى الصف الأول.\n(٥) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٣/ ٢٠ - ٢١ و٤/ ٣٨٩ - ٣٩٣، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٤١، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥٧، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠ و٣/ ٤٠٦، ونيل الأوطار، للشوكاني، ٢/ ٤٢٦.","vol":"2","page":643},{"text":"يسبق إليه مسلم، فكان أولى؛ ولِمَا فيه من التشجيع للصبيان على المسابقة إلى الصلاة، وإذا كان دون التمييز أو غير عاقل فإنه يؤخر؛ لأن صلاته غير صحيحة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>سابعًا: متى يقوم المأمومون لأداء الصلاة</span>؟\nوقت قيام المأمومين للصلاة ليس له حدّ محدود، والأمر فيه واسع: سواء كان في أول الإقامة، أو في أثنائها، أو في آخرها، والمطلوب أن يكبر تكبيرة الإحرام بعد تكبير الإمام ولا تفوته مع الإمام (٢)، ولا يقوم المصلون إذا أخذ المؤذن في الإقامة حتى يخرج الإمام، لحديث أبي قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني [قد خرجت]» (٣)، وعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان بلال يؤذن إذا\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، جمع الطيار، ٤/ ٤١٦.\n(٢) اختلف العلماء من السلف فمن بعدهم متى يقوم الناس للصلاة على أقوال: فقيل: يقوم المصلي عند «حي على الفلاح» يذكر عن أبي حنيفة، وقيل: عند «حي على الصلاة» يذكر عن أبي حنيفة أيضًا، وقيل: يستحب ألا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، ويذكر عن الشافعي، وقيل: يقوم إذا أخذ المؤذن في الإقامة، يذكر عن مالك، وقيل: القيام موكول إلى قدرة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف، وليس في ذلك حد محدود، ويذكر ذلك عن مالك في الموطأ أيضًا. وقيل: يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة، يذكر ذلك عن أنس - ﵁ -، وبه قال أحمد، وقيل: إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة، وإذا لم يكن الإمام في المسجد فلا يقوموا حتى يروه. انظر: شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٠٦، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٢/ ٢٢١، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٢٠، والمغني لابن قدامة، ٢/ ١٢٣، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٣/ ٤٠١،ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٤٣٨،وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢/ ٦ - ٧،والشرح الممتع لابن عثيمين،٣/ ٩ - ١٠،وصلاة الجماعة للسدلان، ص٩٧،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٣٧،وعلى الروض المربع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٦: «والصواب أنه لا حرج في القيام في أول الإقامة أو في أثنائها أو في آخرها، فالأمر واسع».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة، برقم ٦٣٧، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٤، وما بين المعقوفين له.","vol":"2","page":644},{"text":"دحضت الشمس (١) فلا يقيم حتى يخرج النبي - ﷺ - فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه» (٢). ويجمع بين هذا الحديث وحديث أبي قتادة السابق أن بلالًا - ﵁ - كان يراقب خروج النبي - ﷺ -،فيراه أول خروجه قبل أن يراه غيره أو إلا القليل، فعند أول خروجه - ﷺ - يقيم بلال ولا يقوم الناس حتى يروا النبي - ﷺ -،ثم لا يقوم الرسول - ﷺ - حتى يُعدّلوا صفوفهم (٣).قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر هذا الجمع: «وبهذا الترتيب يصحّ الجمع بين الأحاديث المتعارضة في هذا المعنى» (٤).\nوأما حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أن الصلاة كانت تقام لرسول الله - ﷺ - فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النبي - ﷺ - مقامه» (٥) فقال الإمام النووي - ﵀ - عنه: «وقوله في رواية أبي هريرة - ﵁ -: فأخذ الناس مصافهم قبل خروجه: لعله كان مرة أو مرتين ونحوهما لبيان الجواز، أو لعذر، ولعل قوله - ﷺ -: «فلا تقوموا حتى تروني» كان بعد ذلك، قال العلماء: «والنهي عن القيام قبل أن يروه؛ لئلا يطول عليهم القيام؛ ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه» (٦).\nوقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - عن حديث أبي هريرة - ﵁ -: «... يجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي\n_________\n(١) إذا دحضت الشمس: أي إذا زالت عن كبد السماء، وأصل الدحض: الزلق. المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٢٢.\n(٢) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٦.\n(٣) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم،٢/ ٢٢٢،وشرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ١٠٦.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٢٢٢.\n(٥) متفق عليه واللفظ لمسلم، البخاري، كتاب الأذان، باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة، برقم ٦٣٩، ومسلم، كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٥.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٠٦،وانظر: بدائع الفوائد، لابن القيم، ٣/ ٦٩.","vol":"2","page":645},{"text":"قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي - ﷺ -، فنهاهم عن ذلك؛ لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره، ولا يرد هذا حديث أنس الآتي (١): أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم؛ لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا، أو فعله؛ لبيان الجواز» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1215>ثامنًا: الصفوف في الصلاة والعناية بها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1216>١ - ترتيب الصفوف</span>؛ لحديث أبي مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ -،وفيه: «لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٣)، وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم -ثلاثًا -وإياكم وهيشات الأسواق» (٤).\nففي هذا الحديث ترتيب الصفوف على حسب الأفضلية خلف الإمام: الرجال، ثم الصبيان، ثم النساء، ما لم يسبق الصبيان إلى الصفوف الأُوَل، أو يمنع مانع، فإن سبقوا فهم أولى بها، أما إذا كان المأموم واحدًا، فإنه يقف على يمين الإمام، لحديث ابن عباس ﵄ (٥).\nوإذا كان المأمومون اثنين وقفا خلفه؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ في قصته وجبار بن صخر، وأن النبي - ﷺ - جعلهما خلفه (٦)، وإذا كانت امرأة واحدة وقفت خلف الرجال؛ لحديث أنس - ﵁ - وفيه: «فأقامني عن يمينه وأقام المرأة خلفنا» (٧).\n_________\n(١) حديث أنس: قال: «أقيمت الصلاة والنبي - ﷺ - يناجي رجلًا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم» البخاري، برقم ٦٤٢.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ١٢٠.\n(٣) مسلم، برقم ٤٣٢، وتقدم في موقف الرجال والصبيان والنساء مع الإمام.\n(٤) مسلم، برقم ١٢٣ - (٤٣٢)،وتقدم في موقف الرجال والصبيان والنساء مع الإمام.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣١٦، ومسلم، برقم ٧٦٣، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع جماعة.\n(٦) مسلم، برقم ٧٦٦، ورقم ٣٠١٠، وتقدم تخريجه في موقف الاثنين خلف الإمام.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٨٠،ومسلم واللفظ له، برقم ٢٦٩ - (٦٦٠) وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.","vol":"2","page":646},{"text":"وإذا كان المأمومون: امرأتين ورجلًا وقف الرجل على يمين الإمام والمرأتان خلف الإمام لرواية أنس، وفيها: «ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعًا فقامت أمُّ سليم وأم حرام خلفنا» قال: «أقامني عن يمينه على بساط» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>٢ - تسوية الصفوف تجب على الصحيح</span>؛ لحديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم». وفي لفظ لمسلم: كان رسول الله - ﷺ - يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح (٢) حتى رأى أنّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا فقام حتى كاد يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف فقال: «عباد الله لتسوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم» (٣).\nوظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجوب تسوية الصفوف؛ لهذا الحديث (٤)؛ ولحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة». وفي لفظ مسلم: «من تمام الصلاة» (٥)، وفي حديث أبي هريرة يرفعه: «... وأقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة» (٦).\nومن ذكر الإجماع على استحباب تسوية الصفوف فمراده: ثبوت استحباب ذلك لا نفي وجوبه، والله أعلم (٧).قال العلامة محمد بن صالح العثيمين -\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان، برقم ٦٠٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٢.\n(٢) القداح: خشب السهام حينما تنحت وتبرى، واحدها: قدح بكسر القاف، معناه يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوّم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها. شرح النووي على صحيح مسلم،٤/ ٤٠١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، برقم ٧١٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم ٤٣٦.\n(٤) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٧٥ - ٧٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٣، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم ٤٣٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤.\n(٧) انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٧٦.","vol":"2","page":647},{"text":"﵀ -: «... القول الراجح في هذه المسألة وجوب تسوية الصف، وأن الجماعة إذا لم يسوُّوا الصف فهم آثمون، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1218>٣ - ألفاظ النبي - ﷺ - في تسوية الصفوف أنواع على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1219>النوع الأول: «أقيموا صفوفكم وتراصُّوا»</span>؛لحديث أنس - ﵁ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1220>النوع الثاني: «سوُّوا صفوفكم فإنّ تسوية الصفوف من إقامة الصلاة»</span>، لحديث أنس - ﵁ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>النوع الثالث: «سوُّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة»</span>، لحديث أنس - ﵁ - (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1222>النوع الرابع: «أقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة»</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1223>النوع الخامس: «استووا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم»</span>؛ لحديث أبي مسعود، وعبد الله بن مسعود ﵄، ولفظ حديث أبي مسعود: «كان رسول الله - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: الحديث» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1224>النوع السادس: «أتموا الصفوف»</span>، لحديث أنس - ﵁ - يرفعه: «أتموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري» (٧).\n_________\n(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٤/ ١١.\n(٢) البخاري بلفظه، كتاب الأذان، باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف، برقم ٧١٩.\n(٣) البخاري بلفظه، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٣.\n(٤) مسلم، بلفظه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٤٣٣.\n(٥) مسلم، بلفظه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٤٣٥، وأصله عند البخاري بلفظ: «وأقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف من حسن الصلاة»، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢.\n(٦) مسلم بلفظه، كتاب الصلاة باب تسوية الصفوف، برقم ١٢٢ - (٤٣٢)،و١٢٣ - (٤٣٢).\n(٧) مسلم بلفظه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٤٣٤.","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1225>النوع السابع: «أقيموا الصفوف </span>..»؛ لحديث أنس - ﵁ - يرفعه: «أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري»، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1226>النوع الثامن: «أقيموا صفوفكم - ثلاثًا </span>-»؛ لحديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: أقبل رسول الله - ﷺ - على الناس بوجهه فقال: «أقيموا صفوفكم - ثلاثًا - والله لتقيمنَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين قلوبكم» قال: «فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1227>النوع التاسع: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدُّوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم </span>(٣)،ولا تذروا فُرجات للشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله»؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1228>النوع العاشر: «رصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق»</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - وفيه: «فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف (٥») (٦). وفي لفظ النسائي: «فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى\n_________\n(١) البخاري بلفظه، كتاب الصلاة، باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف، برقم ٧٢٥.\n(٢) أبو داود بلفظه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٦٦٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٦.\n(٣) لينوا بأيدي إخوانكم: قال أبو داود: ومعنى ولينوا بأيدي إخوانكم: إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه، فينبغي أن يُلين له كل رجل منكبه حتى يدخل في الصف. سنن أبي داود، برقم ٦٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٧.\n(٤) أبو داود بلفظه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٦٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٧.\n(٥) الحذف: الغنم الصغار الحجازية، وقيل: غنم صغار ليس لها أذناب ولا آذان، يجاء بها من جُرَش اليمن، سميت حذفًا؛ لأنها محذوفة عن مقدار الكبار. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٦٠٩، وثبت عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خياركم ألينكم مناكب في الصلاة»، أبو داود، برقم ٦٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٨.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٦٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٨.","vol":"2","page":649},{"text":"الشياطين تدخل من خلل الصف كأنها الحذف» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>النوع الحادي عشر: «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»</span>؛لحديث أنس - ﵁ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1230>النوع الثاني عشر: «استووا، استووا، استووا </span>...»؛ لحديث أنس - ﵁ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1231>النوع الثالث عشر: «كان رسول الله - ﷺ - يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا</span>، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1232>النوع الرابع عشر: «أحسنوا إقامة الصفوف»</span>؛لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>النوع الخامس عشر: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها»</span>؟ فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأُوَل ويتراصون في الصف» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1234>٤ - الصف الأول أفضل الصفوف</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا» (٧)؛ ولحديث أبيّ بن كعب - ﵁ - يرفعه وفيه: «وإن\n_________\n(١) النسائي، كتاب الإمامة، باب حث الإمام على رصّ الصفوف والمقاربة بينها، برقم ٨١٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٦٩.\n(٢) أبو داود بلفظه، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٦٧١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٨.\n(٣) سنن النسائي بلفظه، كتاب الإمامة، باب كم مرة يقول: استووا، برقم ٨١٢، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٦٩.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، برقم ٦٦٤، عن البراء بن عازب، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٩٧.\n(٥) أحمد في المسند،٢/ ٤٨٥،وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،١/ ٣٣٤.\n(٦) مسلم، برقم ٤٣٠، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٦١٥، ومسلم، برقم ١٣٧، ١٣٩، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة وفي فضل الصلاة.","vol":"2","page":650},{"text":"الصف الأول على مثل صف الملائكة» (١)، أي في القرب من الله ونزول الرحمة، وإتمامه، واعتداله (٢)، والصف الأول خير الصفوف؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (٣)، والله - ﷿ - وملائكته يصلون على الصف الأول؛ لحديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول، أو الصفوف الأولى» (٤)، وعن البراء - ﵁ - يرفعه: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة» (٥). والنبي - ﷺ - صلّى على الصف الأول ثلاثًا وعلى الثاني مرة واحدة؛ لحديث العرباض - ﵁ - يرفعه: «كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا وعلى الثاني واحدة». ولفظ ابن ماجه: «كان يستغفر للصف المقدم ثلاثًا، والثاني مرة» (٦)، وقد حذر النبي - ﷺ - عن التأخر عن الصفوف الأُوَل، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار» (٧)، عن أبي سعيد - ﵁ - يرفعه، وفيه: «تقدموا فأتمُّوا بي وليأتمَّ بكم مَنْ بعدَكم، لا يزال قوم\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٥٥٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٥، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٢) بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، ٥/ ١٧١.\n(٣) مسلم، برقم ٤٤٠، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٤) أحمد، ٤/ ٢٦٩، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ١٩٧، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٥) النسائي، برقم ٨١١، وابن ماجه، برقم ٩٩٧، لكن بلفظ: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٧٥، وأبو داود، برقم ٦٦٤، لكن بلفظ: «إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأُوَل»، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٦) النسائي، برقم ٨١٧، وابن ماجه، برقم ٩٩٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،\n١/ ١٧٧، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٧) أبو داود، برقم ٤٧٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٢٠، وتقدم تخريجه في وقوف الرجال والصبيان والنساء مع الإمام.","vol":"2","page":651},{"text":"يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1235>٥ - ميامن الصفوف أفضل</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف» (٢)، وعن البراء - ﵁ - قال: كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1236>٦ - وصل الصفوف رغَّب فيه النبي - ﷺ -، وحذّر عن قطعها</span>؛ لحديث عائشة ﵂ ترفعه وفيه: «إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلُون الصفوف، ومن سدَّ فرجةً رفعه الله بها درجة» (٤).وعن ابن عمر ﵄ يرفعه: «من وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>٧ - صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح على القول الصحيح</span>؛ لحديث وابصة - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة» (٦)؛ ولحديث علي بن شيبان أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا فَرْدًا يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال رسول الله - ﷺ -: «استقبل صلاتك فلا صلاة لرجل فرد خلف\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٣٨، وتقدم تخريجه في وقوف الرجال والصبيان والنساء مع الإمام.\n(٢) أبو داود، برقم ٦٧٦، وابن ماجه، برقم ١٠٠٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ١٩٩، لكن قال بلفظ: «على الذين يصلون الصفوف»، قلت: وحسن إسناده ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٢١٣، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٣) مسلم، برقم ٧٠٩، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) ابن ماجه، بلفظه، برقم ٩٩٥، وقال الألباني في صحيح الترغيب، ١/ ٣٣٥، «صحيح لغيره». وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجماعة.\n(٥) النسائي، برقم ٨١٩ بلفظه، وأبو داود، برقم ٦٦٦، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٣٣٥.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يصلي وحده خلف الصف، برقم ٦٨٢، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة خلف الصف وحده، برقم ٢٣٠، ٢٣١، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، برقم ١٠٠٤، وأحمد ٤/ ٢٢٨، وابن حبان، [الإحسان]، ٥/ ٥٧٦، برقم ٢١٩٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٢٩٩، وفي إرواء الغليل، برقم ٥٤١.","vol":"2","page":652},{"text":"الصف» (١)، وهذان الحديثان يدلان على بطلان صلاة الرجل الذي صلى منفردًا وحده خلف الصف (٢)، لكن من ركع دون الصف ثم دخل في\n_________\n(١) أحمد في المسند،٤/ ٢٣،وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب صلاة الرجل خلف الصف وحده، برقم ١٠٠٣،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٢٩٩،وفي إرواء الغليل، ٢/ ٣٢٨.\n(٢) اختلف السلف في صلاة الرجل المأموم خلف الصف وحده، على أقوال:\nالقول الأول: لا يجوز ولا يصح، وممن قال بذلك النخعي، والحسن بن صالح، وأحمد، وإسحاق، وحماد، وابن أبي ليلى، ووكيع؛ لهذين الحديثين الثابتين الصريحين ..\nالقول الثاني: يجوز للرجل الفرد أن يصلي خلف الصف، وممن قال بذلك، الحسن البصري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، واستدلوا بحديث أبي بكرة، قالوا: لأنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي - ﷺ - بالإعادة، ومما تمسكوا به أيضًا: حديث ابن عباس عند البخاري، برقم ٦٣١٦، ومسلم، برقم ٧٦٣،وحديث جابر عند مسلم، برقم ٧٦٦، إذ جاء كل واحد منهما فوقف عن يسار النبي - ﷺ - مؤتمًّا به وحده، فأدار كل واحد منهما حتى جعله عن يمينه، فعلى هذا فقد صار كل واحد منهما خلف رسول الله - ﷺ - في تلك الإدارة. وهذا متمسك غير مفيد؛ لأن المدار من اليسار إلى اليمين لا يسمى مصليًّا خلف الصف، وإنما هو مصل عن اليمين، وهذا القول الثاني هو قول أكثر أهل العلم إن الصلاة منفردًا خلف الصف صحيحة سواء كان لعذر أو غير عذر، ولو كان في الصف سعة، وهو رواية عن أحمد أيضًا.\nالقول الثالث: قال بعض العلماء: المسألة فيها تفصيل، فإن صلى خلف الصف منفردًا لعذر صحت الصلاة، وإن لم يكن له عذر لم تصح الصلاة. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ومحمد بن صالح العثيمين. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٩، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٢٩، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١١٠ - ١١١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٣٦٧ - ٣٨٥، وفتاوى ابن باز، ١٢/ ٢١٩ - ٢٢٩، والمختارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٠٨، وفتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٣٩٣ - ٤٠٠، وإعلام الموقعين لابن القيم، ٢/ ٤١، والفتاوى السعدية ١/ ١٧١، والمختارات الجلية للسعدي، ص٦٢.\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يرجح القول الأول وذلك أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٤٣ و٤٤٤، فيقول: «هذان الحديثان يدلان على أنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف، وكما يدل عليه حديث أبي بكرة المتقدم: زادك الله حرصًا ولا تعد، والمراد: لا تركع خلف الصف، فدل ذلك على أن من ركع دون الصف ثم دخل في الصف أو جاء معه آخر قبل الاستمرار في السجود فلا حرج، أما إذا استمر وسجد، فإنه يؤمر بالإعادة جمعًا بين النصوص. وذهب الأكثرون إلى صحة الصلاة، وأنه من باب الأدب ومن الكمال، وليس من باب الإيجاب، والحق قول من قال: بالوجوب؛ لأن هذا هو الأصل في النفي «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» هذا هو الأصل، ثم فعل النبي - ﷺ - وأمره أن يعيد يوضح هذا المعنى، وأن المراد نفي الإجزاء، واحتج بعضهم بأن الإمام يصلي وحده، وهذه حجة باطلة؛ لأن الإمام مأمور بهذا فلا يقاس ما أمر به على ما نهي عنه».","vol":"2","page":653},{"text":"الصف أو دخل معه رجل آخر قبل السجود أجزأته الركعة وصلاته صحيحة؛ لحديث أبي بكرة - ﵁ - أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذُكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد» (١)، ولم يأمره النبي - ﷺ - بقضاء الركعة، فدل ذلك على إجزائها، وأن مثل هذا العمل مستثنى من قوله - ﷺ -: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» والله ولي التوفيق (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1238>٨ - صلاة الصفوف بين السواري مكروهة لغير حاجة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - فعن عبد الحميد بن محمود قال: كنا مع أنس فصلينا مع أمير من الأمراء، فدفعونا حتى قمنا وصلينا بين ساريتين، فجعل أنس يتأخر، وقال: «قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله - ﷺ -». وفي لفظ: «صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فدفعونا إلى السواري ...» الحديث. وفي لفظ: «صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطرَّنا الناس فصلينا بين الساريتين ...» الحديث (٣). وعن قرة - ﵁ - قال: «كنا نُنهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله - ﷺ -، ونُطردُ عنها طردًا» (٤)، ويجوز للإمام والمنفرد الصلاة بين السواري؛ لحديث ابن عمر ﵄ «أن النبي - ﷺ - لَمّا دخل الكعبة صلى بين الساريتين» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1239>٩ - كمال الصفوف وتسويتها يشمل عدة أمور على النحو الآتي:</span>\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب: إذا ركع دون الصف، برقم ٧٨٣.\n(٢) مجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ٢٢٨.\n(٣) النسائي، كتاب الإمامة، باب الصف بين السواري، برقم ٨٢٠، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الصفوف بين السواري، برقم ٦٧٣، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الصف بين السواري، برقم ٢٢٩، وأحمد، ٣/ ٨٣١، والحاكم وصححه، ١/ ٢١٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧١.\n(٤) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب الصلاة بين السواري في الصف، برقم ١٠٠٢، والحاكم وصححه، ١/ ٢١٨، وقال الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٩٨: «حسن صحيح».\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٠٤،ومسلم، برقم ١٣٢٩،وتقدم تخريجه في المساجد «الصلاة بين السواري».","vol":"2","page":654},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1240>الأمر الأول: أن يدنوَ أُولو الفضل من الإمام</span>؛ لحديث أبي مسعود وابن مسعود ﵄ في أول الباب أن النبي - ﷺ - قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ...».\n<span data-type=\"title\" id=toc-1241>الأمر الثاني: ترتيب الصفوف: الرجال، ثم الصبيان إن لم يسبق الصبيان إلى الصفوف الأُوَل</span>، ثم النساء؛ لحديث أبي سعيد السابق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1242>الأمر الثالث: تسوية محاذاة الصفوف وقد سبقت</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1243>الأمر الرابع: التراصّ في الصف؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1244>الأمر الخامس: إكمال الصف الأول فالأول</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>الأمر السادس: التقارب بين الصفوف، وبينها وبين الإمام</span>، وأنهم جماعة والجماعة مأخوذة من الاجتماع، ولا اجتماع مع التباعد، وكلما قربت الصفوف بعضها إلى بعض، وقربت إلى الإمام كان أفضل وأجمل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1246>الأمر السابع: تفضيل اليمين في الصفوف: </span>يمين الإمام على شماله، ولكن ليس على سبيل الإطلاق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1247>الأمر الثامن: أن تفرد النساء وحدهن بحيث يكون النساء خلف الرجال، ولا يختلط النساء </span>بالرجال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1248>الأمر التاسع: اقتداء كل صف بمن أمامه عند الحاجة إذا كان صوت الإمام خفيًّا</span>، وليس هناك من يبلغ عنه، فكل صف يقتدي بمن أمامه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>الأمر العاشر: عدم صلاة الفذ خلف الصف</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1250>الأمر الحادي عشر: عدم صلاة المأمومين بين السواري </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1251>١٠ - جواز انفراد المأموم عن الإمام لعذر</span>؛ لحديث صالح بن خوَّات عمن شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: «أن طائفة\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٣/ ١٣ - ٢٢، وتقدمت جميع الأدلة على ذلك.","vol":"2","page":655},{"text":"صلّت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم» (١)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن معاذًا - ﵁ - كان يصلي مع النبي - ﷺ - ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذًا فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا (٢)، وإن معاذًا صلى بنا البارحة فقرأ سورة البقرة، فتجوَّزت فزعم أني منافق؟ فقال - ﷺ -: «يا معاذ أفتّان أنت؟» - ثلاثًا - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، ونحوهما». وفي لفظ لمسلم: «كان يصلي مع رسول الله - ﷺ - العشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة» (٣).\nوفي رواية لمسلم: «كان معاذ يصلي مع رسول الله - ﷺ - ثم يأتي فيؤمّ قومه، فصلى ليلة مع النبي - ﷺ - العشاء ثم أتى قومه فأمّهم فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف ..» (٤). وفي حديث أنس عند الإمام أحمد، وفيه: «فلما رأى معاذًا طوَّل تجوَّز في صلاته ولحق بنخله يسقيه ...» (٥). وفي حديث بريدة الأسلمي - ﵁ - «أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء فقرأ فيها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَة﴾، فقام رجل من\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٢٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٨٤٢.\n(٢) النواضح: الإبل التي يستقى عليها. شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٢٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الأدب، باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، برقم ٦١٠٦،ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ٨١ (٤٦٥).\n(٤) مسلم، برقم ٤٦٥، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٥) الإمام أحمد، في المسند ٣/ ١٠١،وصحح إسناده ابن حجر في فتح الباري،٢/ ١٩٤.","vol":"2","page":656},{"text":"قبل أن يفرغ فصلى وذهب ...» (١) دلّ حديث جابر بلفظ الإمام البخاري ﵀ وحديث أنس وحديث بريدة الأسلمي بلفظ الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - على أن الرجل قطع القدوة فقط ولم يخرج من الصلاة؛ بل استمر فيها منفردًا حتى أتمها (٢). ودلّت رواية الإمام مسلم على أن الرجل قطع الصلاة وابتدأها من جديد، ولهذا قال الإمام الشوكاني - ﵀ - في شرحه لمنتقى الأخبار: «استدلّ المصنف بحديث أنس وبريدة ﵄ المذكورين على جواز صلاة من قطع الائتمام بعد الدخول فيه لعذر وأتم لنفسه، وجُمِعَ بينه وبين ما في الصحيحين من أنه سلم، ثم استأنف بتعدد الواقعة» (٣). قال ابن تيمية - ﵀ - في منتقى الأخبار: «... فَعُلِم بذلك أنهما قضيتان إما لرجل أو رجلين» (٤).\n\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن حديث أنس وبريدة ﵄: «فيه الدلالة على جواز الانفراد عن الإمام لعذر، سواء أتمَّ لنفسه أو قطعها وابتدأها من جديد، كما في القصتين، وهذا عذر شرعي؛ لإطالة الإمام، ويظهر من هذا أنه ينبغي للإمام ألا يطول، ويراعي الناس حتى لا يشق عليهم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1252>١١ - انتقال المنفرد إمامًا لا بأس به</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٥/ ٣٥٥، وقوّى إسناده ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ١٩٣.\n(٢) اختلف العلماء - ﵏ - هل الرجل استأنف صلاته أم أتمها خفيفة، وانظر: التحقيق في ذلك: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٩٤ - ١٩٥، ١٩٧، وشرح النووي على صحيح مسلم،\n٤/ ٤٢٦ - ٤٢٨، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٧١ - ٣٧٣.\n(٣) نيل الأوطار، ٢/ ٣٧١ - ٣٧٣.\n(٤) المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لأبي البركات عبد السلام ابن تيمية الحراني، ١/ ٦٠٩، على الحديث رقم ١٣٨٦.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار لأبي البركات ابن تيمية، الأحاديث رقم ١٣٨٣ - ١٣٨٦.","vol":"2","page":657},{"text":"آخر فقام أيضًا، حتى كنَّا رهطًا، فلما حس النبي - ﷺ - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله (١) فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال - قلنا له حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ فقال: «نعم ذلك الذي حملني على الذي صنعت» (٢)؛ ولحديث زيد بن ثابت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - اتخذ حُجرة في المسجد من حصير في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم، جعل يقعد فخرج إليهم فقال: «قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وفي رواية: «ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله - ﷺ - عنهم، فلم يخرج عليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضبًا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم [ولو كتب عليكم ما قمتم به]، فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي - ﷺ -، فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية فقام معه ناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله - ﷺ - فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال: «إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل» (٤). قال أبو البركات - ابن تيمية - ﵀ -: «باب انتقال المنفرد إمامًا\n_________\n(١) رحله: منزله، ويتجوز في صلاته: أي يخفف ويقتصر على الجائز المجزي مع بعض المندوبات. شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٢٢١.\n(٢) مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال، برقم ١١٠٤.\n(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب صلاة الليل، برقم ٧٣١، وكتاب الأدب، باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، برقم ٦١١٣، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه، برقم ٧٢٩٠.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، بابٌ إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، برقم ٧٢٩.","vol":"2","page":658},{"text":"في النوافل» ثم ساق الأحاديث السابقة (١). قال الإمام الشوكاني - ﵀ -: «والأحاديث المذكورة تدل على ما بوّب له المصنف - ﵀ - من جواز انتقال المنفرد إمامًا في النوافل، وكذلك في غيرها لعدم الفارق» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1253>١٢ - انتقال الإمام مأمومًا إذا استُخلف فحضر مستَخْلِفُه</span>؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - ذهب إلى بني عمرو بن عوف، ليصلح بينهم فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي للناس فأقيمَ؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله - ﷺ - والناس في الصلاة، فتخلَّص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله - ﷺ -، فأشار إليه رسول الله - ﷺ - أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر - ﵁ - يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله - ﷺ - من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله - ﷺ -، فلما انصرف قال: «يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟» فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قُحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابَهُ (٣) شيء في صلاته فليسبح؛ فإنه إذا سبح التُفت إليه، وإنما التصفيق للنساء». وفي رواية: «أن هذه الصلاة هي صلاة العصر، وأن النبي - ﷺ - لما جاء وأبو بكر يصلي بالناس شق الصفوف حتى قام خلف أبي بكر فتقدم في الصف الذي يليه ...» (٤).\n_________\n(١) المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، ١/ ٦٠٩.\n(٢) نيل الأوطار، ٢/ ٣٧٥.\n(٣) وفي رواية للبخاري، برقم ١٢١٨: «من نابه شيء في صلاته» والمعنى: من أصابه شيء يحتاج فيه إلى إعلام الغير».\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته، برقم ٦٨٤، وكتاب الأحكام، باب الإمام يأتي قومًا يصلح بينهم، برقم ٧١٩٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام ولم يخافوا مفسدة بالتقديم، برقم ٤٢١.","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1254>والحديث يدلّ على جواز انتقال الإمام مأمومًا إذا استُخلف فحضر مستخلفهُ </span>(١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «فيه الدلالة على أنه لا بأس أن يتأخر الإمام إذا كان خليفة وجاء المستخلف، فيكون في أول [الصلاة إمامًا] وفي أثنائها مأمومًا، لا حرج في ذلك، كما فعل الصّدّيق لمَّا حضر النبي - ﷺ -، ولو استمر إمامًا فلا حرج؛ لأن النبي - ﷺ - أشار إليه أن يستمر، ولكنه كره ذلك وقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - ﷺ -، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف عند مسلم في غزوة تبوك (٢) أنه صلى بالناس وأقره النبي - ﷺ -، وصلى خلفه، وكان عبد الرحمن قد صلى بالناس ركعة من صلاة الفجر، فلمَّا سلم عبد الرحمن قام النبي فقضى ركعة هو والمغيرة، فإذا جاء الإمام والمستخلف قد صلى ركعة فينبغي له ألا يتقدم؛ بل يصلي مع الناس، أما إذا كان في أولها فهو مخير إن شاء تقدم وتأخر الخليفة، وإن شاء تركه يكمل وصلى مع الناس، والأفضل أن يتركه يكمل؛ لأن الرسول - ﷺ - أمر الصّدّيق أن يكمل ولكن الصّدّيق تأدَّب» (٣).\nويدل على ذلك أيضًا حديث عائشة ﵂: «أن النبي - ﷺ - في مرض موته وجد خفة فخرج فوجد أبا بكر يصلي بالناس فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه أن مكانك، ثم جيء به - ﷺ - يُهادى بين رجلين حتى جلس إلى جنبه عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٣٧٧، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٦٥.\n(٢) مسلم، برقم ٢٧٤، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، الحديث رقم ١٣٩٠.","vol":"2","page":660},{"text":"- ﷺ - قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ -، والناس بصلاة أبي بكر». وفي لفظ للبخاري: أنها صلاة الظهر، وفي لفظ لمسلم: «وكان النبي - ﷺ - يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1255>١٣ - انتقال المأموم إمامًا إذا استخلفه الإمام لا بأس به</span>؛ لحديث عمرو بن ميمون قال: «إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس، فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدَّمه، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة» (٢).\nقال الإمام الشوكاني - ﵀ -: «وفيه جواز الاستخلاف للإمام عند عروض عذر يقتضي ذلك؛ لتقرير الصحابة لعمر على ذلك، وعدم الإنكار من أحد منهم فكان إجماعًا، وكذلك فعل علي وتقريرهم له على ذلك» (٣). والله - ﷿ - أعلم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1256>تاسعًا: الاقتداء وشروطه ولوازمه على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1257>١ - صفة الاقتداء بالإمام وعدم سبقه ومقارنته</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، [فلا تختلفوا عليه] فإذا كبر فكبروا، ولا تكبّروا حتى يكبّر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم، برقم ٧١٣، ومسلم، كتاب الصلاة، باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر، برقم ٤١٨.\n(٢) البخاري مختصرًا، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -، باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان، برقم ٣٧٠٠.\n(٣) نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، ٢/ ٤١٦.\n(٤) وتأتي أحكام الاستخلاف، وأحكام الاقتداء بمن أخطأ بترك شرطٍ أو ركن، والاقتداء بمن ذكر أنه محدث، بعد صفحات.","vol":"2","page":661},{"text":"قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون» (١). هذا الحديث دل على أن شرعية الإمامة؛ ليُقتدَى بالإمام، ومن شأن التابع والمأموم أن لا يتقدم متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على إثرها بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، وقد فصَّل الحديث ذلك، ويقاس ما لم يذكر من أحواله: - كالتسليم - على ما ذكر، فمن خالفه في شيء مما ذكر فقد أثم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1258>٢ - مسابقة الإمام</span>. قد توعّد النبي - ﷺ - من سابق إمامه بقوله - ﷺ -: «أمَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوَّل رأسُهُ رأس حمار»، وفي لفظ البخاري: «أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار» (٣)، وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف (٤)؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي، والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» قالوا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: «الجنة والنار» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - موقوفًا عليه: «الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان» (٦). قال الإمام مالك - ﵀ - فيمن سها فرفع رأسه قبل\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، برقم ٦٠٣، وأصله في صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤، وما بين المعقوفين من لفظ البخاري ومسلم.\n(٢) سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٧٨، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢٠٩، ٢١٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٧٧.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -:البخاري، كتاب الأذان باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام، برقم ٦٩١،ومسلم، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع وسجود أو نحوهما، برقم ٤٢٧.\n(٤) الانصراف: المراد به السلام.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام: بركوع، أو سجود، أو نحوهما، برقم ٤٢٦.\n(٦) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب ما يفعل من رفع رأسه قبل الإمام،\n١/ ٩٢، برقم ٥٧، وانظر: فتح الباري، ٢/ ١٨٣.","vol":"2","page":662},{"text":"الإمام في الركوع أو السجود: «إن السنة في ذلك أن يرجع راكعًا أو ساجدًا، ولا ينتظر الإمام، وذلك خطأ ممن فعله؛ لأن الرسول - ﷺ - قال: «إنّما جُعِلَ الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه». وقال أبو هريرة: الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام: «إنما ناصيته بيد شيطان» (١).وعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: «كنا نصلي خلف النبي - ﷺ -، فإذا قال: «سمع الله لمن حمده» لم يحنِ أحدٌ منَّا ظهره حتى يضع النبي - ﷺ - جبهته على الأرض [ثم يخرّ من وراءه ساجدًا]» (٢).\nوعن معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تبادروني بركوع ولا بسجود، إنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت إني قد بدَّنت (٣») (٤).\nوعن عمرو بن حريث - ﵁ - قال: «صليت خلف النبي - ﷺ - الفجر، فسمعته يقرأ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (٥)، وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجدًا» (٦). قال النووي - ﵀ -: «في هذا الحديث وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنة للمأموم التأخر عن الإمام قليلًا بحيث يشرع في الركن بعد شروعه وقبل فراغه منه والله أعلم» (٧).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -\n_________\n(١) موطأ مالك، كتاب الصلاة، باب ما يفعل من رفع رأسه قبل الإمام، ١/ ٩٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، اب متى يسجد مَن خلف الإمام؟ برقم ٦٩٠،وباب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، برقم ٧٤٧،وباب السجود على سبعة أعظم، برقم ٨١١،ومسلم، كتاب الصلاة، باب متابعة الإمام والعمل بعده، برقم ٤٧٤،واللفظ للبخاري، وما بين المعقوفين لمسلم.\n(٣) بدَّنت: بدَّن الرجل: إذا كبر، وبَدُن: إذا سمن. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٦٢٩.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يؤمر به المأموم من اتباع الإمام، برقم ٦١٩، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٤: «حسن صحيح».\n(٥) سورة التكوير، الآيتان: ١٥ - ١٦.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب متابعة الإمام والعمل بعده، برقم ٤٧٥.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٣٦.","vol":"2","page":663},{"text":"يقول عن حديث أبي هريرة أول هذه الأحاديث: «المقصود أنهم يتأخرون عنه قليلًا لا كثيرًا، إذا انتهى صوته مكبرًا كبروا، وإذا استوى راكعًا ركعوا، وإذا استوى ساجدًا سجدوا في غير مهلة، وقد ذكر الأفعال والأقوال ولم يذكر النية، فدل على أن النية مغتفرة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1259>٣ - أحوال المأموم مع إمامه: أربعة أحوال: </span>مسابقة، وموافقة أو مقارنة، وتأخر، ومتابعة، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1260>الحال الأول: المسابقة: </span>وهي أن يسبق المأموم إمامه في شيء من الأفعال أو الأقوال في الصلاة، مثل: أن يتقدمه في تكبير، أو ركوع، أو رفع، أو سجود، أو سلام، أو غير ذلك من الأفعال أو الأقوال داخل الصلاة (٢).\nومسابقة الإمام حرام متوعَّد عليها بالعقوبة، باتفاق العلماء؛ للأدلة السابقة آنفًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «... أما مسابقة الإمام فحرام باتفاق الأئمة: لا يجوز لأحد أن يركع قبل إمامه، ولا يرفع قبله، ولا يسجد قبله» (٣). ثم قال: «ومن فعل ذلك استحق العقوبة والتعزير الذي يردعه وأمثاله، كما رُوي عن عمر: أنه رأى رجلًا يسابق الإمام، فضربه، وقال: لا وحدك صليت ولا بإمامك اقتديت» (٤).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٢٩.\n(٢) انظر: المغني، لابن قدامة، ٢/ ٢٠٨ - ٢١٢،والمقنع لابن قدامة مع الشرح الكبير، ٤/ ٢١٧ - ٣٢٧، والشرح الكبير لابن قدامة مع المقنع،٤/ ٣١٧ - ٣٢٧،والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي مع المقنع والشرح الكبير،٤/ ٣١٧ - ٣٢٦،ومنتهى الإرادات مع حاشية النجدي،\n١/ ٢٨٧ - ٢٩٣، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٤، وإرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للسعدي، ص٥٦ - ٥٨، والشرح الممتع لابن عثيمين،\n٤/ ٢٥٧ - ٢٧٠، وصلاة الجماعة، للسدلان، ص١٧٤ - ١٨١، والمختارات الجلية للسعدي، ص٥٥، والإقناع لطالب الانتفاع، لأبي النجا الحجاوي،١/ ٢٥١ - ٢٥٢، ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٣٦٣ - ٣٦٦،ومنار السبيل للضويان،١/ ١٦٤، ١٦٥.\n(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٣٣٦.\n(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٣٣٧.","vol":"2","page":664},{"text":"قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله تعالى -: «والصواب أن مسابقة الإمام عمدًا، إذا كان المسابق عالمًا بالحال والحكم، أنها مبطلة للصلاة بمجرد ذلك، سواء سبقه إلى ركن (١)، أو بركن (٢)، أو ركنين (٣)، وسواء كان ذلك ركوعًا، أو سجودًا، أو غيرهما، وسواء أدركه الإمام أو رجع إلى ترتيب الصلاة (٤)؛ لأن النهي والوعيد يتناول هذا، وما نهي عنه لخصوص العبادة كان من مفسداتها، وأما القول: بأن ذلك محرَّم، والإبطال يتوقف على السبق بركن الركوع، أو بركنين غيره، فهذا القول لا دليل عليه، وكما أنه خلاف النص؛ فإنه خلاف نص الإمام أحمد كما صرح بذلك في رسالته المشهورة» (٥).\nوقال العلامة عبد الرحمن السعدي - ﵀ - أيضًا: «وأما إذا وقع السبق نسيانًا أو جهلًا فلا يخلو: إما أن يرجع فيأتي بما سبق به مع الإمام أو لا، فإن رجع صحت ركعته مطلقًا؛ سواء كان السبق إلى ركن، أو بركن، أو ركنين، أو أكثر، فإن لم يرجع حتى لحقه الإمام فإن كان سبقه إلى ركن الركوع: بأن ركع ساهيًا أو جاهلًا قبل إمامه، ثم ركع الإمام والسابق في ركوعه صحت ركعته واعتد بها، ومثله السبق بركن واحد غير الركوع، وإن كان السبق بركن الركوع، أو بركنين غير الركوع\n_________\n(١) سبقه إلى ركن، مثل: أن يركع أو يسجد أو يرفع قبل إمامه.\n(٢) سبقه بركن، مثل: أن يركع ويرفع قبل ركوع إمامه [ولا يعد سابقًا بركن حتى يتخلص منه، فلا يعد سابقًا بالركوع حتى يرفع، ولا بالرفع حتى يهوي إلى السجود] حاشية منتهى الإرادات للنجدي، ١/ ٢٨٩.\n(٣) سبقه بركنين، مثل: أن يسجد المأموم قبل سجود إمامه ثم يرفع، ثم يسجد الثانية قبل أن يصله الإمام.\n(٤) أو رجع إلى ترتيب الصلاة، مثل: أن يرجع إلى ما سبق به إمامه فيأتي به بعده. انظر هذه الأمثلة: إرشاد أولي البصائر للسعدي، ص٥٧، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٣٢٢، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٨٧.\n(٥) المختارات الجلية للسعدي، ص٥٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢١٠، أما رسالة الإمام أحمد: فهي الرسالة السنية، انظر: مجموعة الحديث النجدية، ص ٤٤٦.","vol":"2","page":665},{"text":"فإن رجع قبل وصول الإمام له صحت أيضًا ركعته، وإن لحقه الإمام لغت الركعة التي وقع فيها السبق» (١).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين - ﵀ -: «والصحيح أنه متى سبق إمامه عالمًا ذاكرًا فصلاته باطلة بكل أقسام السبق (٢)، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة إلا أن يزول عذره (٣) قبل أن يدركه الإمام، فإنه يلزمه الرجوع ليأتي بما سبق فيه بعد إمامه، فإن لم يفعل عالمًا ذاكرًا بطلت صلاته وإلا فلا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1261>الحال الثاني: الموافقة أو المقارنة</span>، وهي أن يوافق المأموم الإمام عند الانتقال إلى ركن، كأن يركع أو يسجد معه سواء بسواء، وهي مكروهة في غير تكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام يشترط أن يأتي بها بعد إمامه فلو أتى بها معه لم يعتد بها.\nوالموافقة قسمان: الموافقة في الأقوال والموافقة في الأفعال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1262>القسم الأول: الموافقة في الأقوال</span>، لا تضر إلا في تكبيرة الإحرام والسلام.\nأما تكبيرة الإحرام؛ فإن المأموم لا يكبر إلا بعد أن يتم الإمام تكبيرة الإحرام؛ فإن كبر قبل انتهاء إمامه نهائيًا منها لم تنعقد صلاته.\nوأما الموافقة في السلام فيكره أن يسلم مع الإمام، فالأولى أن يسلم المأموم عقب فراغ الإمام من التسليمتين (٥).\n_________\n(١) إرشاد أولي البصائر والألباب، ص٥٧ - ٥٨.\n(٢) أقسام السبق: السبق إلى ركن، والسبق بركن الركوع، والسبق بركن غير الركوع، والسبق بركنين غير الركوع. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٦١ - ٢٦٢.\n(٣) والعذر: كالجهل والنسيان.\n(٤) الشرح الممتع، ٤/ ٢٦٣.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٠٨، ومنار السبيل، للضويان، ١/ ١٦٤، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، ٤/ ٣٢٣، وقال في هذا الموضع: قال ابن رجب في شرح البخاري: «الأولى أن يسلم المأموم عقيب فراغ الإمام من التسليمتين، فإن سلم بعد الأولى جاز عند من يقول إن الثانية غير واجبة، ولم يجز عند من يرى أن الثانية واجبة لا يخرج من الصلاة بدونها» وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٨٦، والشرح الممتع لابن عثيمين،\n٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨، وصلاة الجماعة للسدلان، ص١٧٨، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، ٦/ ١٤٧ - ١٤٨.","vol":"2","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1263>القسم الثاني: الموافقة في الأفعال</span>، مكروهة على القول الصحيح من قولي أهل العلم، مثل: أن يركع المأموم مع الإمام، أو يسجد، أو يرفع؛ لقول النبي - ﷺ -: «... إذا ركع الإمام فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد» (١). فإن قارن المأموم إمامه في أفعاله كره له ذلك (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1264>الحال الثالث: التأخر أو التخلف عن متابعة الإمام</span>، مثل: أن يتخلف عنه بركن، أو بركنين، أو ركعة أو ركعتين، أو أقل أو أكثر (٣).\nوالتخلف عن الإمام قسمان: تخلف بعذر، وتخلف بغير عذر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1265>القسم الأول: التخلف بعذر</span>، مثل: النوم والسهو، والزحام، والجهل، والنسيان، أو لم يسمع الإمام حتى سبقه، أو عجلة إمام؛ فإن المأموم في هذه الحالة يأتي بما تخلف به عن الإمام؛ سواء كان: ركنًا، أو ركنين، أو أقل، أو أكثر، ويدرك إمامه فيتابعه ولا شيء عليه، إلا إذا وصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه، فإنه لا يأتي به ويبقى مع الإمام وتصح له ركعة ملفقة من ركعتي إمامه: الركعة التي تخلف فيها، والركعة التي وصل إليها الإمام وهو في مكانه، فإذا سلم الإمام قام المتخلف فأتى بركعة كاملة.\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٦٠٣، وأصله في البخاري برقم ٧٢٢، ومسلم، برقم ٤١٤، وتقدم تخريجه في أول الاقتداء وشروطه قبل صفحات.\n(٢) انظر: الإنصاف للمرداوي،٤/ ٣٢٣،وحاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ٢٨٦.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٢/ ٢١١، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي ٤/ ٣٢٤، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٢٨٨، والشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٢٦٤، وصلاة الجماعة للسدلان، ص١٧٨.","vol":"2","page":667},{"text":"أما إذا تخلف عن إمامه بركعة أو ركعتين أو أكثر، فإنه يتابع إمامه، وبعد سلام الإمام يقضي ما تخلف به عن إمامه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>القسم الثاني: تخلف أو تأخر بغير عذر</span>، فإما أن يكون تخلفًا في ركن أو تخلفًا بركن، والتخلف في ركن: هو أن يتأخر المأموم في المتابعة لكن يدرك الإمام في الركن الذي انتقل إليه، مثل: أن يركع الإمام وقد بقي على المأموم آية أو آيتين فيكملها ثم يدرك الإمام في ركوعه قبل أن يرفع، فالركعة هنا صحيحة لكن الفعل مخالف للسنة.\nأما التخلف بالركن، فهو: أن يتأخر المأموم حتى يسبقه الإمام بركن، مثل: أن يركع ويرفع من الركوع قبل أن يركع المأموم، فهذا كما قال الفقهاء - ﵏ -: «التخلف عن الإمام كسبقه»، فهذا تكون صلاته باطلة على الصحيح، سواء كان الركن ركوعًا أو سجودًا أو غيرهما؛ لأن المأموم تخلف بغير عذر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>الحال الرابع: المتابعة</span>، وهي أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة، من: الركوع، والرفع، والسجود بعد فراغ الإمام، وكذلك يتابعه في التكبير فلا يكبر حتى يكبر. وهذا هو السنة، وهو المطلوب من المأموم (٣)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما جُعل الإمام ليُؤْتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع،\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢١١ - ٢١٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥، وصلاة الجماعة، للسدلان، ص١٧٨ - ١٧٩.\n(٢) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٢٦٥ - ٢٦٧، وصلاة الجماعة للسدلان، ص١٧٨ - ١٨٨، وينظر أيضًا: المغني لابن قدامة، ٢/ ٢١١ - ٢١٢، والإنصاف للمرداوي، ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ١٦١، ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، ٤/ ٣٢٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠، وحاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ٢٨٥.","vol":"2","page":668},{"text":"وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1268>٤ - ارتفاع مكان الإمام اليسير على المأمومين لا يضر</span>؛ لحديث سهل بن سعد - ﵁ - وفيه: أن النبي - ﷺ - جلس على المنبر في أول يوم وُضِعَ فكبر وهو عليه، ثم ركع، ثم نزل القهقرى (٢) فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فلما فرغ أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، إنما صنعت هذا؛ لتأتموا بي؛ ولتعلَّموا صلاتي». وفي لفظ: «وقام عليه رسول الله - ﷺ - حين عمل ووُضِع فاستقبل القبلة، كبَّر وقام الناس خلفه فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه، قال أبو عبد الله (٣): قال علي بن المديني: سألني أحمد بن حنبل - ﵀ - عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي - ﷺ - كان أعلى من الناس بهذا الحديث ...» (٤)؛ ولحديث أنس - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - سقط عن فرسه فجحش (٥) ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه (٦) شهرًا، فجلس في مَشْرُبة (٧) له درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه\n_________\n(١) أبو داود برقم ٦٠٣،والبخاري، برقم ٧٢٢،ومسلم، برقم ٤١٤،وتقدم تخريجه في الاقتداء وشروطه.\n(٢) القهقرى: المشي إلى الخلف، والحامل عليه المحافظة على استقبال القبلة، انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٤٣.\n(٣) هو الإمام البخاري ﵀.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح، والمنبر، والخشب، برقم ٣٧٧، وكتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٧، ومسلم، كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، وأنه لا كراهة في ذلك إذا كان لحاجة، وجواز صلاة الإمام على موضع أرفع من المأمومين للحاجة كتعليم الصلاة أو غير ذلك، برقم ٥٤٤.\n(٥) الجحش: الخدش، أو أشد منه قليلًا. فتح الباري لابن حجر، ١/ ٤٨٧.\n(٦) آلى من نسائه: أي حلف لا يدخل عليهن شهرًا. فتح الباري لابن حجر،١/ ٤٨٩.\n(٧) مشربة: الغرفة المرتفعة: فتح الباري لابن حجر، ١/ ٤٨٨.","vol":"2","page":669},{"text":"يعودونه فصلى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا» (١).\nوهذان الحديثان فيهما جواز الارتفاع اليسير لمكان الإمام على المأموم عند الحاجة لذلك.\nأما حديث أبي مسعود: «أن حذيفة - ﵁ - أمَّ الناس بالمدائن (٢) على دكان (٣) فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مددْتني» (٤). وحديث حذيفة في قصته مع عمار بن ياسر وأخذه على يديه وإنزاله من الصلاة على الدكان المرتفع، فاتَّبعه عمار حتى أنزله حذيفة فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا أمَّ الرجل القوم، فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم» أو نحو ذلك (٥)، فهذان الحديثان وما في معناهما يدلان على كراهة علوّ الإمام على المأموم علوًّا أكثر مما فعل النبي - ﷺ -، جمعًا بين الأخبار (٦)، والله أعلم (٧).وسمعت شيخنا الإمام\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٧٨، ومسلم، برقم ٤١١، ويأتي تخريجه في اقتداء الجالس القادر على القيام بالجالس المعذور.\n(٢) المدائن: مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد. نيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٤٤١.\n(٣) الدكان: الدكة، وهو الموضع المرتفع يجلس عليه، جامع الأصول لابن الأثير،٥/ ٦٣٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الإمام يقوم مكانًا أرفع من مكان المأموم، برقم ٥٩٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٧٨.\n(٥) أبو داود، الصلاة، باب الإمام يقوم مكانًا أرفع من مكان المأموم، برقم ٥٩٨، قال عنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٧٩: «حسن بما قبله إلا ما خالفه».\n(٦) انظر: المغني، لابن قدامة،٣/ ٤٨،والإنصاف مع شرح الكبير والمقنع، ٤/ ٤٥٥،وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢/ ٣٥٠ - ٣٥١،والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٣٧،وفتح الباري لابن حجر،٢/ ٤٨٦ - ٤٨٨، ومنتهى الإرادات مع حاشية النجدي، ١/ ٣١٧، والشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٤٢٣ - ٤٢٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٤٠ - ٤٤٢،ومنار السبيل للضويان،١/ ١٧٣،وفتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٩٤.\n(٧) اختلف العلماء - ﵏ - في مسألة علوّ الإمام على المأموم، فقيل: يمنع ارتفاع الإمام على المأموم مطلقًا، وأما صلاته - ﷺ - على المنبر فقيل إنه إنما فعل ذلك لغرض التعليم، وقيل: الصلاة على مكان مرتفع من خصائص النبي - ﷺ -، وقيل: إنه لا يكره مطلقًا؛ لأن الحديث ضعيف. والصواب أن الذي يكره هو الارتفاع الكثير، أما اليسير فلا بأس به. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٧ - ٤٨، والإنصاف مع الشرح الكبير والمقنع، ٤/ ٤٥٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٢٦.","vol":"2","page":670},{"text":"عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «يكره العلو الكثير من الإمام على المأمومين، أما العلو اليسير فلا بأس به عند أحمد وجماعة، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم؛ لأنه قد يؤثر في نفس الإمام شيئًا، فمن التواضع أن يصلي مساويًا لهم، وهذا إذا لم يكن حاجة، أما إذا كان هناك حاجة [مثل]: الزحمة، زالت الكراهة، ثم إذا كان معه بعض الصفوف زالت الكراهة، أما علو المأموم فلا كراهة في ذلك، كما يفعل الناس أيام الجمع من الصلاة فوق السطوح، وإنما جاءت الكراهة للإمام، وإذا كان العلو للتعليم والتوجيه زالت الكراهة» (١).\nأما إذا كان مع الإمام في المكان المرتفع بعض الصفوف من المأمومين زال المنع فلا حرج ولا كراهة؛ لأن الإمام في هذه الحالة لم ينفرد بمكانه (٢)، فحينئذ يُصلى معه وفوقه، وتحته (٣).\nأما علوّ المأموم على الإمام فلا بأس به، مثل أن يصلي على السطوح أو في مكان أعلى من الإمام بحيث لا يكون فذًّا وحده؛ لأن أبا هريرة - ﵁ - صلى على سقف المسجد بصلاة الإمام (٤)؛ ولما جاء من الآثار عن\nابن عمر ﵄ والحسن البصري (٥). أما إذا كان المؤتم فوق الإمام\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، لأبي البركات المجد ابن تيمية، الأحاديث: ١٤٩٦ - ١٤٩٨، وذلك يوم الإثنين الموافق ١١/ ١١/١٤١٠هـ.\n(٢) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٤/ ٤٥٧،وفتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٩٤ و٩٥، والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٣٥٠. وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٥٠.\n(٣) سمعته من شيخنا عبد العزيز ابن باز، أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٣٧٧.\n(٤) البخاري معلقًا مجزومًا به، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، قبل الحديث رقم ٣٧٧.\n(٥) البخاري، قبل الحديث رقم ٣٧٧.","vol":"2","page":671},{"text":"وكان ارتفاعه ارتفاعًا مفرطًا بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام فهو ممنوع بالإجماع، وإن كان دون ذلك فالأصل الجواز حتى يقوم الدليل على المنع، ويعتضد هذا الأصل بفعل أبي هريرة - ﵁ - ولم ينكر عليه (١).\nوقيل يكره دخول الإمام في الطاق الذي يقال له: المحراب؛ لآثار وردت في ذلك عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وغيره من السلف الصالح (٢)؛ ولأنه إذا دخل في الطاق استتر عن بعض المأمومين فلا يرونه لو أخطأ في الركوع أو السجود، فإن لم يمنع المحراب رؤية الإمام لم يكره، وكذلك إذا احتاج إليه الإمام لكثرة الزحام فلا بأس أن يتقدم فيدخل (٣) فيه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>٥ - الاقتداء بالإمام داخل المسجد وخارجه، والحوائل بينه وبين المأمومين على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1270>أولًا: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد </span>وإن لم يره ولا من وراءه إذا سمع التكبير؛ حتى لو لم تتصل الصفوف؛ لأنهم في موضع الجماعة ويمكنهم الاقتداء به بسماع التكبير، أشبه المشاهدة، ولو كان\nبينهما حائل إذا علم حال الإمام بالتكبير أو غيره (٥)؛ لحديث عائشة\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار، للشوكاني،٢/ ٤٤٢، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٣٥١، والشرح الكبير مع الإنصاف، ٤/ ٤٥٦، ومنار السبيل لابن ضويان، ١/ ١٧٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٢٦، ٤/ ٤١٩.\n(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة،٢/ ٥٩ - ٦٠،والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٣٥١.\n(٣) اختلف في صلاة الإمام في الطاق الذي يقال له: المحراب، فقيل: يكره لما تقدم، وقيل: لا يكره، وقيل: تستحب الصلاة فيه، ومحل الخلاف في الكراهة إذا لم تكن له حاجة، فإن كان ثَمّ حاجة، كضيق المسجد زالت الكراهة، ومحلّ الخلاف إذا كان المحراب يمنع رؤية المأمومين للإمام فإن كان لا يمنعه، كالخشب ونحوه لم يكره الوقوف فيه. انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، مع الشرح الكبير، ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨.\n(٤) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٤٢٧.\n(٥) انظر: الروض المربع من حاشية ابن قاسم، ٢/ ٣٤٧، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٤٣، وفتاوى ابن باز، ١٢/ ٢١٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤١٩، والشرح الكبير مع الإنصاف، ٤/ ٤٤٥، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤.","vol":"2","page":672},{"text":"﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل في حجرته (١) وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي - ﷺ - فقام أناس يصلون بصلاته ...» الحديث (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1271>ثانيًا: إذا كان المأموم خارج المسجد والإمام داخله صحّ الاقتداء </span>إن رأى المأموم الإمام أو بعض المأمومين الذين وراء الإمام ولو كانت الرؤية في بعض الصلاة، أو من شباك ونحوه (٣)، والله - ﷿ - أعلم (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>ثالثًا: إذا كان المأموم خارج المسجد والإمام داخله </span>وفصل بينهم نهر أو طريق كبير لم تتصل فيه الصفوف مع رؤية المأمومين للإمام أو بعض الصفوف خلفه فقيل تصحّ (٥)،وقيل لا تصح (٦). قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -: «إذا كان المأمومون خارج المسجد ويرون بعض الصفوف أمامهم ولو فصل بينهم بعض الشوارع فلا حرج في\nذلك؛ لوجوب الصلاة في الجماعة، وتمكنهم منها بالرؤية للإمام أو بعض\n_________\n(١) حجرته: قيل حجرة بيته وهو الظاهر، ويحتمل أن المراد الحجرة التي احتجرها في المسجد. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢١٤.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، بابٌ إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة، برقم ٧٢٩.\n(٣) ينظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٤٤٨، والشرح الكبير مع الإنصاف، ٤/ ٤٤٥، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٥.\n(٤) قال بعض أهل العلم: لابد أيضًا من اتصال الصفوف في هذه الحالة، وقال بعضهم: لا يشترط اتصال الصفوف وإنما رؤية المأموم للإمام أو بعض المأمومين هي المشروطة. انظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤، والإنصاف مع الشرح الكبير، ٤/ ٤٤٥ - ٤٤٧، والشرح الممتع، لابن عثيمين،\n٤/ ٤١٩ - ٤٢٢، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٤٨، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٤٠٤ - ٤١٠، وفتاوى ابن باز، ١٢/ ٢١٢، ٢١٥، ٢١٧.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤ - ٤٥، والإنصاف مع الشرح الكبير، ٤/ ٤٤٦، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٤٩، والمختارات الجلية للسعدي، ص٦٢، وإرشاد أولي البصائر له، ص٦٠،والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٤١٢ - ٤٢٢.\n(٦) انظر: المراجع السابقة في الصفحات المشار إليها نفسها.","vol":"2","page":673},{"text":"المأمومين، لكن ليس لأحد أن يصلي أمام الإمام؛ لأن ذلك ليس موقفًا للمأموم» (١).وقد جاء بعض الآثار في ذلك عن بعض السلف الصالح، قال الإمام البخاري - ﵀ -: «بابٌ: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائطٌ أو سُترةٌ». وقال الحسن: «لا بأس أن تُصلّي وبينك وبينه نهر» (٢).\nوقال أبو مجلز: «يأتم بالإمام - وإن كان بينهما طريق أو جدار - إذا سمع تكبير الإمام» (٣).\nورجح العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ -: «أن المأموم إذا أمكنه الاقتداء بإمامه أوسماع الصوت، أنه يصح اقتداؤه به؛ سواء كان في المسجد، أو خارج المسجد، وسواء حال بينهما نهر، أو طريق؛ لأنه لا دليل على المنع، ولا على التفريق، وإن قدَّرنا أن الطريق لا تصح فيه الصلاة فلا يضر حيلولته بينه وبين إمامه، إذا كان الموضع الذي يصلي فيه الإمام لا مانع فيه، والذي يصلي فيه المأموم كذلك» (٤).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «من أهل العلم من يقول: لا يجوز الحائل ولو في المسجد، ولو سمع الصوت؛ لأنه قد ينقطع الصوت، وهناك من يقول: إذا كان في المسجد فلا بأس؛ لأنه محل التعبد؛ ولأنه قد لا ينقطع الصوت عنه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة. ولعل الأقرب أنه لا حرج إذا كانوا في المسجد، بخلاف خارج المسجد فلابد من رؤية الإمام أو المأموم، ولو سمع الصوت، ولا بأس لو انقطعت\nالصفوف، لأنه يرى المأمومين» (٥).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ١٢/ ٢١٢.\n(٢) البخاري مع الفتح، كتاب الأذان، باب إذا كان بين الإمام وبين المأموم حائط أو سترة، الباب رقم ٨٠، قبل الحديث رقم ٧٢٩، ٢/ ٢١٣.\n(٣) البخاري مع الفتح في الكتاب والباب السابقين، قبل الحديث رقم ٧٢٩، ٢/ ٢١٣.\n(٤) المختارات الجلية للسعدي، ص٦٢ - ٦٣، وقرر هذا القول أيضًا في كتاب: إرشاد أولي البصائر والألباب، ص٦٠ - ٦١.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على المنتقى لأبي البركات، الحديث رقم ١٤٩٩،يوم الأحد ١١/ ٤/١٤١١هـ.","vol":"2","page":674},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1273>٦ - المسبوق إذا أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (١).وعنه - ﵁ - يرفعه: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» (٢).وفي لفظ لابن خزيمة والدارقطني والبيهقي: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه» (٣). والمسبوق يصلي ما أدرك مع الإمام، فإذا سلم إمامه صلى ما بقي من صلاته من غير زيادة؛ لأن النبي - ﷺ - حينما تأخر هو والمغيرة في غزوة تبوك، صلى عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - بالناس صلاة الفجر، فأدرك النبي - ﷺ - والمغيرة الركعة الثانية، فلما سلم عبد الرحمن قاما فقضى كل واحد منهما ركعة (٤).\nوما يدركه المأموم مع الإمام هو أول صلاته؛ لقوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٥). والمأموم إذا أتى والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام، ثم يتم ما فاته من صلاته (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1274>٧ - اقتداء الصف الأول ومن بعده بالإمام، واقتداء الثاني بالأول، والصف الثالث بالثاني</span>، ونحوه أو بمن يبلغ عن الإمام؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - رأى في أصحابه تأخرًا فقال لهم: «تقدموا فأتموا بي وليأتمَّ بكم مَنْ بعدَكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى\nيؤخرَّهم الله» (٧). ولفظ أبي داود: «لا يزال قوم يتأخّرون عن الصف\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٨٠،ومسلم، برقم ٦٠٧، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٢) أبو داود، برقم ٨٩٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٦٩، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٣) الدارقطني،١/ ٣٤٦، وسنن البيهقي الكبرى، ٢/ ٨٩، وصحيح ابن خزيمة، ٣/ ٤٥، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة، وانظر: الإرواء، الحديث رقم ٨٩، ٢/ ٢٦٠.\n(٤) القصة متفق عليها: البخاري، برقم ١٨٢، ومسلم، برقم ٢٧٤، وتقدم تخريجها في صلاة الجماعة.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٦،ومسلم، برقم ٩٠٨،وتقدم تخريجه صلاة الجماعة.\n(٦) تقدم البحث عن أحكام المسبوق في صلاة الجماعة.\n(٧) مسلم، برقم ٤٣٨، وتقدم تخريجه في وقوف الرجال والصبيان والنساء مع الإمام.","vol":"2","page":675},{"text":"الأول حتى يؤخرَّهم الله في النار» (١). قال الإمام النووي - ﵀ -: «معنى وليأتمّ بكم مَنْ بعدكم: أي يقتدوا بي مستدلين على أفعالي بأفعالكم، ففيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مُبلّغ عنه، أو صف قدامه يراه متابعًا للإمام» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1275>٨ - الاقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو غير ذلك ولم يعلم المأموم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم [ولهم] وإن أخطأوا فلكم وعليهم» (٣)؛ ولحديث سهل بن سعد - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء - يعني - فعليه ولا عليهم» (٤)؛ ولحديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أمَّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم» (٥).\nوقد ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى أرضه بالجرف (٦) فوجد في ثوبه احتلامًا، فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه، وأعاد صلاته بعد أن طلعت الشمس ولم يعد الناس (٧).\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٤٧٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٢٠، وتقدم تخريجه في وقوف الرجال والصبيان والنساء مع الإمام.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم،٤/ ٤٠٣،وانظر: سبل السلام للصنعاني،٣/ ٨٤.\n(٣) البخاري، برقم ٦٩٤، وأحمد، ٢/ ٣٥٥، وتقدم تخريجه في عظم شأن الإمامة.\n(٤) ابن ماجه، برقم ٩٨١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٩٢، وتقدم تخريجه في عظم شأن الإمامة.\n(٥) أبو داود، برقم ٥٨٠، وابن ماجه، برقم ٩٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،\n١/ ٢٩٣، وتقدم تخريجه في عظم شأن الإمامة.\n(٦) الجُرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام. معجم البلدان، ١/ ١٢٨.\n(٧) موطأ الإمام مالك، ١/ ٤٩، برقم ٨١، ٨٢، وعبد الرزاق في المصنف، ٢/ ٣٤٨، برقم ٣٦٤٨، ٣٦٤٩، قال العلامة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في كتابه التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل، ص٢٤: «بإسناد صحيح» والدارقطني، ١/ ٣٦٤.","vol":"2","page":676},{"text":"وكذلك عن عثمان بن عفان - ﵁ - (١)،وروي عن علي - ﵁ - من قوله (٢).\nوقد دلّت هذه الأحاديث والآثار على أن صلاة الإمام إذا فسدت لم تفسد صلاة المأمومين إذا لم يعلموا فساد صلاة إمامهم، وحتى لو علموا بعد انتهاء الصلاة لا يؤثر ذلك في صحة صلاتهم، ويعيد الإمام ولا يعيد المأمومون (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «والإمام إذا أخل بشيء عن اجتهاد، أو تأويل، أو عن جهل، أو نسيان، ولم يعلم به المأمومون فصلاتهم صحيحة، وعليه الإعادة هو، إذا كان ما فعله يوجب الإعادة، كمن صلى ناسيًا حدثه، ولم يعلم إلا بعد الصلاة، أو علم واستحى ولم يقل لهم شيئًا (٤) فإنه يعيد ولا يعيدون، وهكذا لو اعتقد أن ما خرج منه لا ينقض وضوءه: كالحجامة، فإن الجمهور يرون أنها لا تنقض الوضوء، فصلاة المأمومين صحيحة، وصلى عمر بالناس ثم ذكر أنه جنب فأعاد ولم يعيدوا، وهكذا فعل عثمان وعلي، فمن صلى صلاة يعتقد أنها مجزئة فصلاة المأمومين صحيحة، أو صلاها يعتقد طهارته ثم بان أنه على غير وضوء، فإنه يعيد ولا يعيدون؛ فهم معذورون؛ لأنهم ما علموا، وإذا علم أثناء الصلاة فلا يجوز له أن يمضي [في صلاته]، [ولكن] لو جهل ومضى ولم ينبههم\nفصلاتهم صحيحة، [حتى] لو علموا بعد الصلاة لا يعيدون، [و]\n_________\n(١) ابن المنذر في الأوسط،٤/ ٢١٢،والدارقطني في سننه،١/ ٣٦٤،ورواه الأثرم كما ساقه ابن عبد البر في التمهيد،١/ ١٨٢،ولفظه: «أن عثمان بن عفان صلى بالناس صلاة الفجر فلما أصبح وارتفع النهار فإذا هو بأثر الجنابة فقال: كبرت والله، كبرت والله، فأعاد الصلاة ولم يأمرهم أن يعيدوا».\n(٢) مصنف ابن أبي شيبة،٢/ ٤٥،والأثرم في سننه كما في التمهيد لابن عبد البر،١/ ١٨٢.\n(٣) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٣/ ٣٦٩، وفتح الباري، لابن حجر، ٢/ ١٨٧ - ١٨٨، وفتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ١٣٤ - ١٤٢، ونيل الأوطار للشوكاني،\n٢/ ٤١٣ - ٤١٤، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٣١٢ - ٣١٨، و٤/ ٣٣٧ - ٣٤٢، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٠٥، والاختيارات الجلية للسعدي، ص٤٥، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٥٠٤ - ٥١٢.\n(٤) ولكن هذا حرام عليه أن يستمر في صلاته.","vol":"2","page":677},{"text":"الواجب عليه إذا علم أنه ليس على طهارة أو سبقه الحدث (١) [أن] يستخلف: يقدم واحدًا يكمل بهم الصلاة، كما فعل عمر لما طُعِنَ قَدّم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالناس. وقال بعض أهل العلم: إنه إن دخل بغير وضوء ينتظرونه ويستأنف بهم الصلاة، أو يقدم واحدًا يستأنف بهم الصلاة، ولكن الصواب لا يستأنف، [بل] يقدم واحدًا يكمل بهم ما بقي؛ لأنهم معذورون، ما أخطأوا هم، لكن لو أعاد بهم من جديد صحت إذا كان يرى هذا المذهب وهذا الرأي فلا بأس، لكن الأفضل أن يكمل بهم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1276>٩ - الاقتداء بمن ذكر أنه مُحدث أو خرج لحدث سبقه وحكم الاستخلاف:</span>\nعن أبي بكرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - استفتح الصلاة فكبّر ثم أومأ أن مكانكم، ثم دخل فخرج ورأسه يقطر فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال: «إنما أنا بشر وإني كنت جنبًا» (٣). وفي لفظ أبي داود: «دخل في صلاة الفجر [فكبر] فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم فلما قضى الصلاة قال: «إنما أنا بشر مثلكم، وإني كنت جنبًا» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «أقيمت الصلاة وعُدّلت الصفوف قيامًا فخرج إلينا رسول الله - ﷺ -، فلمّا قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: «مكانكم»، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا\n_________\n(١) سبقه الحدث: أي غلبه فأحدث أثناء الصلاة. انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع،\n٢/ ٥٧٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٣١٤.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، الحديث رقم ١٤٥٠، ورقم ١٤٥١.\n(٣) أحمد في المسند، ٥/ ٤١.\n(٤) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الجنب يصلي بالقوم، برقم ٢٣٣، ورقم ٢٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٧٠.","vol":"2","page":678},{"text":"معه» (١). وفي رواية: «أن رسول الله - ﷺ - خرج وقد أقيمت الصلاة وعُدّلَت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف، قال: «على مكانكم ...» (٢). وفي لفظ لمسلم: «حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف، وقال لنا: «مكانكم» فلم نزل قيامًا ننتظره حتى خرج إلينا وقد اغتسل ينطف رأسه ماءً فكبر فصلى بنا». وفي لفظ: «فأومأ إليهم بيده أن مكانكم» (٣).\nفي حديث أبي بكرة دلالة على أن الإمام إذا صلى بالناس وهو جنب وهم لا يعلمون بجنابته أن صلاتهم صحيحة ولا إعادة عليهم، وعلى الإمام الإعادة، وذلك أن الظاهر أنهم قد دخلوا في الصلاة مع النبي - ﷺ - ثم استوقفهم إلى أن اغتسل وجاء فأتم الصلاة بهم (٤).\nوفي حديث أبي هريرة - ﵁ - دلالة صريحة على أنه - ﷺ - انصرف بعدما قام في مصلاه وقبل أن يكبر، وحديث أبي هريرة هذا معارض لحديث أبي بكرة (٥)،وقد أشكل ذلك على كثير من العلماء فقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله «كبّر» على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالًا، وقال النووي إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح» (٦).وقال النووي﵀ - عن حديث أبي بكرة: «فتحمل هذه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الغسل، باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو برقم ٢٧٥، وباب: إذا قال الإمام مكانكم حتى نرجع انتظروه، برقم ٦٤٠، ومسلم، كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، برقم ٦٠٥.\n(٢) البخاري، الطرف رقم ٦٣٩.\n(٣) مسلم، برقم ٦٠٥ و١٥٨ - (٦٠٥).\n(٤) معالم السنن للخطابي المطبوع مع مختصر المنذري لسنن أبي داود، ١/ ١٥٩.\n(٥) انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، ١/ ٣٩٦ - ٣٩٨.\n(٦) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ١٢٢.","vol":"2","page":679},{"text":"الرواية على أن المراد بقوله: دخل في الصلاة أنه قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، ويحتمل أنهما قضيتان وهو الأظهر» (١). وقال القرطبي - ﵀ -: «وقد أشكل هذا الحديث على هذه الرواية على كثير من العلماء؛ ولذلك سلكوا فيه مسالك: فمنهم من ذهب إلى ترجيح الرواية الأولى (٢) ورأى أنها أصح وأشهر، ولم يعرج على هذه الرواية (٣). ومنهم من رأى أن كلتيهما صحيح، وأنه لا تعارض بينهما إذ يحتمل أنهما نازلتان في وقتين فيقتبس من كل واحدة منهما ما تضمنته من الأحكام» (٤).\nوعن عمرو بن ميمون قال: «إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة» (٥).\nوعن أبي رزين قال: «صلى عليٌّ - ﵁ - ذات يوم فرعُف، فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف» (٦).\nوقال أحمد بن حنبل - ﵀ -: «إن استخلف الإمام فقد استخلف عمر وعليّ، وإن صلوا وحدانًا فقد طُعن معاوية وصلى الناس وحدانًا من حيث طعن أتموا صلاتهم» (٧).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ١٠٧.\n(٢) أي حديث أبي هريرة في الصحيحين.\n(٣) أي حديث أبي بكرة في سنن أبي داود ومسند أحمد.\n(٤) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٢٢٩.\n(٥) البخاري، رقم ٣٧٠٠، وتقدم تخريجه في انتقال المأموم إمامًا.\n(٦) ذكره أبو البركات ابن تيمية في منتقى الأخبار، برقم ١٤٥٥،وعزاه إلى سعيد بن منصور في سننه.\n(٧) ذكره المجد أبو البركات ابن تيمية في منتقى الأخبار، بعد الحديث رقم ١٤٥٥.","vol":"2","page":680},{"text":"يقول: «هذه الأحاديث فيما يتعلق بصلاة الإمام وهو محدث، أو سبقه الحدث بعدما دخلها وهو على طهارة: حديث أبي بكرة وما جاء في معناه كلها تدل على أن الإمام إذا دخل وهو على غير طهارة ثم ذكر أنه على غير طهارة فإنه ينفتل ويتطهر ويأتيهم على حالهم ويكمل بهم؛ لأنه - ﷺ - قال: «مكانكم» وبقوا صفوفًا. وقد اختلفت الروايات في هذا، ففي روايات أبي بكرة وبعض روايات أبي هريرة أنه كبَّر ودخل في الصلاة، وفي رواية في الصحيحين أنه وقف وانتظر الناس تكبيرهُ ثم قال لهم: «مكانكم» قبل أن يكبر وذهب واغتسل.\nاختلف العلماء في ذلك: هل هما قصتان أو قصة واحدة؟ فذهب قوم إلى أنهما قصة واحدة ورجحوا رواية الصحيحين وأنه لم يكبر وإنما ذكر قبل أن يكبر ثم ذهب واغتسل وجاء ﵊.\nوقال آخرون: كالنووي، وابن حبان، وجماعة: إنهما قصتان: قصة فيها أنه كبَّر، وقصة فيها أنه لم يكبر، وكل واحدة لها حكمها، فالتي فيها أنه كبر بنى على صلاته بالنسبة إليهم، فإنهم بقوا على حالهم، فلما جاء كبر وصلى بهم فدل ذلك على أن صلاتهم لا تبطل بسبقه الحدث، أو تَذَكَّر أنه محدث وهذا هو الصواب، فإذا صلى بهم مثلًا: ركعة أو ركعتين ثم بان له أنه ليس على طهارة فإن شاء قال: مكانكم، ثم ذهب فتطهر، ثم جاء وكمل بهم، ثم ينتظرونه حتى يكمل ما عليه.\nوإن شاء استخلف كما استخلف عمر لما طعن قدّم عبد الرحمن وصلى بالناس وهذا أرفق بالناس، ولا سيما إذا كان مكانه بعيدًا؛ لأن الرسول - ﷺ - مكانه قريب في المسجد؛ ولهذا ذهب بسرعة ورجع ﵊ وصلى بهم.\nوإن صلوا وحدانًا كلٌّ صلى لنفسه، وكمَّل لنفسه كما فُعِل في قصة معاوية فلا حرج، لكن الأفضل أن يفعل كما فعل عمر، وأن يقدّم من","vol":"2","page":681},{"text":"يصلّي بهم، فيتم ما بقي على الإمام؛ ولا ينتظرون؛ لأن الانتظار قد يكون فيه مشقة كبيرة في بعض الأحيان.\nأما إذا تذكر وهو واقف قبل أن يكبّر فحينئذ إن أمرهم أن ينتظروه فلا بأس، وإن أمرهم أن يصلوا حتى لا يشق عليهم فعل، والناس يحتاجون مثل هذا: منهم من يكون محله قريبًا يستطيع أن يرجع عليهم بسرعة، ومنهم من يكون محله بعيدًا يشق عليهم الانتظار، فالإمام ينظر ما هو الأصلح، وفعله - ﷺ - يدل على أن انتظارهم هو الأولى إذا كان قريبًا ولا مشقة في ذلك؛ لأنه قال: «مكانكم» ولم يستخلف، فيدل على أن هذا هو الأفضل إذا تيسر ولم يكن فيه مشقة، أما إذا كان هناك مشقة فالأدلة الشرعية تدل على أنه يشرع الرفق بالجماعة، وعدم المشقة، والاستخلاف يكون أصلح في هذه الحالة وأرفق بالمأمومين، كما فعل عمر - ﵁ -» (١)، والله أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1277>١٠ - اقتداء الجالس القادر على القيام بالجالس المعذور</span>؛ لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: صلى رسول الله - ﷺ - في بيته وهو شَاكٍ فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: سقط النبي - ﷺ - عن فرس فجُحِشَ شقّه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدًا فصلينا وراءه قعودًا، فلما قضى الصلاة قال: «إنما جُعل الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبر\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لأبي البركات ابن تيمية، الأحاديث رقم ١٤٥٢ - ١٤٥٥.\n(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر،١/ ١٧٣ - ١٩٠،والمغني لابن قدامة،٢/ ٥٠٤ - ٥١٢، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٥٧٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٢/ ٣١٢ - ٣١٨، و٤/ ٣٣٧ - ٣٤٢، وفتاوى ابن باز، ١٢/ ١٣٢ - ١٤٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، برقم ٦٨٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٢.","vol":"2","page":682},{"text":"فكبروا، [فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا] وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون» (١).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: اشتكى رسول الله - ﷺ - فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلم قال: «إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» (٢).وفي حديث أبي هريرة: «وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون» (٣).\nوهذه الأحاديث فيها حجة على أن الإمام إذا عجز عن القيام صلى جالسًا ويصلي الناس قعودًا متابعة له، أما صلاة النبي - ﷺ - جالسًا في مرضه والناس قيامًا فهذا يدل على الجواز، ولكن الأفضل إذا صلى الإمام قاعدًا أن يصلي المأمومون خلفه قعودًا (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، برقم ٦٨٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١١.\n(٢) مسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤.\n(٤) اختلف العلماء في الجلوس خلف الإمام المعتل الذي لا يقدر على القيام. فقال قوم: يجب أن يصلي المأمومون خلفه قعودًا، وقال بعضهم: لا تصح صلاة القائم خلف القاعد لا قائمًا ولا قاعدًا. وقال آخرون: تصح صلاة القائم خلف القاعد، ولا يتابعه في القعود؛ لأن الصحابة - ﵃ - صلوا خلف النبي - ﷺ - في مرض موته قيامًا فكان ذلك ناسخًا لأمر النبي - ﷺ - بالقعود؛ فإن ذلك كان في صلاته حين جحش وانفكت قدمه فكان هذا آخر الأمرين، وقيل: الأمر بالجلوس للاستحباب، وقيل: إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعدًا لمرض يرجى برؤه، فإنهم يصلون خلفه قعودًا، وإذا ابتدأ الإمام الصلاة قائمًا لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٧٥ - ١٧٦،والمغني لابن قدامة،٣/ ٦٠ - ٦٥،وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٨٠ - ٨٣، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٨ - ٤١١.\nوسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «قوله وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا ..» هذا فيه حجة على أن الإمام إذا اعتل فلا بأس أن يصلي قاعدًا والناس قعودًا متابعة له، وصرف هذا الأمر عن الوجوب ما فعل آخر حياته - ﷺ -، فقد صلى بالناس قاعدًا والناس قيامًا يقتدون بأبي بكر مبلغًا، وهذا يدل على جواز قيام المأمومين، فالراجح أن الصلاة مع الإمام القاعد قعودًا أفضل، وإذا صلوا خلفه قيامًا جاز، وقيل: هذا ناسخ للجلوس، والصواب أنه ليس بناسخ؛ لأن القاعدة أن الجمع مقدم إذا أمكن، والجمع ممكن، وهو أن الجلوس أفضل متابعة للإمام، وإن قاموا وصلوا قيامًا كما فعل النبي - ﷺ - آخر حياته فلا بأس، وقيل: إن شرع الإمام قائمًا ثم اعتل أتموا قيامًا، وإن شرع جالسًا صلوا جلوسًا». سمعته منه - ﵀ - أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٢٩.","vol":"2","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1278>١١ - اقتداء القائم بالجالس المعذور جائز</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «مرض رسول الله - ﷺ -، فقال: «مُروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، فخرج أبو بكر يصلي فوجد النبي - ﷺ - في نفسه خفة فخرج يهادى (١) بين رجلين، فأراد أبو بكر أن يتأخر، فأومأ إليه النبي - ﷺ - أن مكانك، ثم أتيا به حتى جلس إلى جنبه عن يسار أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله - ﷺ - يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ -،والناس بصلاة أبي بكر».وفي لفظ للبخاري: «فخرج يهادى بين رجلين في صلاة الظهر».وفي لفظ لمسلم: «وكان النبي - ﷺ - يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير» (٢).قال الإمام الشوكاني﵀ -: «وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز ائتمام القائم بالقاعد» (٣).\nوقرر الحافظ ابن حجر - ﵀ -: أن الروايات تضافرت عن عائشة ﵂ بالجزم بما يدل على أن النبي - ﷺ - كان هو الإمام في تلك الصلاة، ثم بيّن بعد أن ذكر الخلاف أن من العلماء من سلك الترجيح فقدّم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ومنهم من سلك عكس ذلك ورجّح أنّ أبا بكر كان إمامًا، ومنهم من سلك الجمع فحمل القصة على التعدد، وأنه - ﷺ - صلى تارة إمامًا وتارة مأمومًا في\n_________\n(١) يهادى: أي يعتمد على رجلين متمايلًا يمينًا وشمالًا في مشيته من شدة الضعف. انظر: المفهم للقرطبي، ٢/ ٥١، ونيل الأوطار، ٢/ ٣٧٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧١٣، ومسلم، برقم ٤١٨، وتقدم تخريجه في انتقال الإمام مأمومًا.\n(٣) نيل الأوطار، ٢/ ٣٧٩.","vol":"2","page":684},{"text":"مرض موته هذا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1279>١٢ - اقتداء الجالس المعذور بالقائم لا بأس به</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «صلى رسول الله - ﷺ - في مرضه خلف أبي بكر قاعدًا في ثوب متوشحًا به» (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: «صلى رسول الله - ﷺ - خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدًا» (٣). قال الإمام الشوكاني - ﵀ - عن هذين الحديثين: «فيهما دليل على جواز صلاة القاعد لعذر خلف القائم، ولا أعلم فيه خلافًا» (٤).\nوقد تقدم الجمع بين الأحاديث التي تُبَيّن هل كان النبي - ﷺ - في هذه الصلاة إمامًا أو مأمومًا (٥).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «لا بأس أن يصلي القاعد خلف القائم، يكون الإمام قائمًا والمأموم قاعدًا إذا عجز عن ذلك ولا حرج، كالعكس: كما يصلي المأموم قائمًا والإمام قاعدًا، لا حرج أن يكون الإمام قاعدًا والمأموم قائمًا كما تركهم النبي - ﷺ - في بعض الأحيان لم يأمرهم بالجلوس، وفي بعض الأحيان أمرهم بالجلوس، فقال: «إذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا أجمعون» (٦).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ١٥٥، و١٧٦، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ٨٩، ونيل الأوطار، للشوكاني، ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي،\n٢/ ٥١، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٧.\n(٢) الترمذي، كتاب الصلاة، باب منه، برقم ٣٦٣، والنسائي، كتاب الإمامة، باب صلاة الإمام خلف رجل من رعيته، برقم ٧٨٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٢١١، وفي صحيح النسائي، ١/ ٢٦٠.\n(٣) الترمذي، كتاب الصلاة، باب منه، برقم ٣٦٢، والنسائي، كتاب الإمامة، برقم ٧٨٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٢١١، وفي صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٦٠.\n(٤) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٦.\n(٥) انظر: ما تقدم في الصفحات السابقة.\n(٦) مسلم، برقم ٤١٣، من حديث أنس - ﵁ -، وتقدم تخريجه في اقتداء الجالس القادر على القيام بالجالس المعذور.","vol":"2","page":685},{"text":"والمحفوظ في الصحيحين أن صلاته - ﷺ - مع أبي بكر كان هو الإمام، وكان الصديق مأمومًا مبلغًا عنه، أما رواية من روى أنه كان مأمومًا ففيها نظر، وإنما المحفوظ أنه كان مأمومًا في قصة عبد الرحمن بن عوف في تبوك، لما جاء وقد صلى بهم عبد الرحمن الركعة الأولى من صلاة الفجر، فصلى النبي - ﷺ - هو والمغيرة معهم الركعة الثانية، فلما سلم عبد الرحمن قاما فقضيا ما عليهما، ولما سلم - ﷺ - قال: «أصبتم وأحسنتم» (١).\nويحتمل أنه - ﷺ - صلى خلف أبي بكر في مرض موته في بعض الأحيان، حينما كان أبو بكر إمامًا للناس» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1280>١٣ - قراءة المأموم خلف الإمام واجبة على القول الصحيح في الصلاة السرية والجهرية</span>؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - يرفعه، وفيه: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟» قلنا: نعم هذًّا يا رسول الله، قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٣)؛ ولحديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل، قال: «لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (٤).\nوقد اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام في صلاة الجماعة على أقوال ثلاثة: فقيل: القراءة خلف الإمام واجبة فيما يجهر فيه وفيما لا يجهر فيه، وقيل: لا يقرأ المأموم في الصلاة الجهرية ولا في السرية، وقيل: يقرأ المأموم فيما أسرّ به الإمام، ولا يقرأ\n_________\n(١) مسلم، برقم ٣٧٤، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أحاديث المصطفى - ﷺ - لأبي البركات، الحديث رقم ١٤٤١ و١٤٤٢.\n(٣) أبو داود، برقم ٨٢٣، والترمذي، برقم ٣١١، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) أحمد في المسند، ٥/ ٤١٠، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ٢٣١.","vol":"2","page":686},{"text":"فيما جهر به (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «هذه الروايات تدل على أن قراءة الفاتحة فرض، واختلف في قراءتها للمأموم: فقيل: فرض مطلقًا، وهذا أرجح الأقوال وأظهرها في الدليل، وقيل لا تجب مطلقًا، وقيل: إنها فرض في السرية لا في الجهرية، والراجح القول الأول، لكن إن تركها المأموم جهلًا، أو نسيانًا، أو تقليدًا صحت صلاته، أما إذا تركها عمدًا مع علمه بالأدلة فهذا محل الخطر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1281>عاشرًا: آداب الإمام في الصلاة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1282>١ - تخفيف الصلاة مع الكمال والتمام</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف؛ فإن فيهم الصغير، والكبير، والضعيف، والمريض [وذا الحاجة] فإذا صلى وحده فليصلّ كيف شاء» (٣)؛ولحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن معاذ بن جبل - ﵁ - كان يصلي مع النبي - ﷺ - صلاة العشاء ثم يرجع فيؤمُّ قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: «يا معاذ أفتانٌ أنت؟ أو فاتنٌ أنت؟» ثلاث مرات. «فلولا صليت بـ ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؛فإنه يصلي وراءك: الكبير، والضعيف، وذو الحاجة» (٤)؛ ولحديث أبي مسعود - ﵁ - قال: جاء رجل\n_________\n(١) انظر: فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر، ٥/ ١٠٨، وصلاة الجماعة للسدلان، ص١٦٥، وفتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٢٦٥ - ٣٣٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٤٥ - ٢٥٥، وحاشية ابن قاسم على الروض، ٢/ ٢٧٨، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٨.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الأحاديث رقم: ٢٩٤ - ٢٩٦، وانظر مجموع فتاوى ابن باز للطيار، ٤/ ٣٨٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، برقم ٧٠٣، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم ٤٦٧، واللفظ لمسلم.\n(٤) متفق عليه: البخاري واللفظ له، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طول، برقم ٧٠٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء برقم ٤٦٥.","vol":"2","page":687},{"text":"إلى رسول الله - ﷺ - فقال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، فما رأيت النبي - ﷺ - غضب في موعظة قطّ أشدَّ مما غضب يومئذٍ، ثم قال: «أيها الناس، إن منكم منفّرين (١)، فأيكم أمَّ الناس فليخفف؛ فإن فيهم [المريض]، والضعيف، والكبير، وذا الحاجة» (٢)؛ ولحديث أبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوَّز (٣) في صلاتي كراهية أن أشق على أمّه» (٤)؛ ولحديث عثمان بن أبي العاص، وفيه: «أمَّ قومك، فمن أمَّ قومًا فليخفف؛ فإن فيهم الكبير، وإن فيهم المريض، وإن فيهم الضعيف، وإن فيهم ذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم وحده فليصل كيف شاء» (٥)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يوجز في الصلاة ويكمّلُها» (٦).\nوالتخفيف أمر نسبي يُرجع فيه إلى ما فعله النبي - ﷺ -، وواظب عليه، وهديه الذي واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه الناس، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة تبيّن قراءة النبي - ﷺ - في الصلوات الخمس، وسبق بيان ذلك في صفة الصلاة، فَفِعل النبي - ﷺ - هو التخفيف الذي أمر به؛ ولهذا قال ابن عمر ﵄: «كان رسول الله - ﷺ - يأمر بالتخفيف\n_________\n(١) منفرين: المنفر الذي يذكر للإنسان شيئًا يخافه ويكرهه فينفر منه. جامع الأصول لابن الأثير،٥/ ٥٩١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود، برقم ٧٠٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم ٤٦٦، وما بين المعقوفين من رواية للبخاري، برقم ٩٠.\n(٣) فأتجوز: التجوز في الأمر: التخفيف والتسهيل. جامع الأصول لابن الأثير،٥/ ٥٩١.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، برقم ٧٠٧، وثبت أيضًا من حديث أنس عند البخاري، برقم ٧٠٩، ومسلم، برقم ٤٧٣.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم ٤٦٨.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها، برقم ٧٠٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم ٤٦٩.","vol":"2","page":688},{"text":"ويؤمُّنا بالصافات» (١)، قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «فالقراءة بالصافات من التخفيف الذي أُمِرَ به والله أعلم» (٢).\nوالتخفيف المطلوب من الإمام ينقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>القسم الأول: تخفيف لازم</span>، وهو ألا يتجاوز ما جاءت به السنة؛ فإن تجاوز ما جاءت به السنة فهو مطول، والدليل على ذلك قوله - ﷺ -: «إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1284>القسم الثاني: تخفيف عارض</span>، وهو أن يكون هناك سبب يقتضي الإيجاز عما جاءت به السنة فيخفف أكثر مما جاءت به السنة، والدليل على ذلك تخفيف النبي - ﷺ - الصلاة عند سماعه بكاء الصبي مخافة أن يشقَّ على أمه (٤)، وهذان النوعان كلاهما من السنة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1285>٢ - تطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله - ﷺ - في الركعة الأولى مما يطيلها» (٦).\nواستثنى العلماء مسألتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1286>المسألة الأولى: إذا كان الفرق يسيرًا فلا حرج</span>، مثل: سبح والغاشية في يوم الجمعة وفي يوم العيد؛ فإن الغاشية أطول، ولكن الطول يسيرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1287>المسألة الثانية: الوجه الثاني في صلاة الخوف</span>؛ فإن من الأوجه أو\n_________\n(١) النسائي، كتاب الإمامة، باب الرخصة للإمام في التطويل، برقم ٨٢٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٢.\n(٢) زاد المعاد، ١/ ٢١٤.\n(٣) البخاري، برقم ٧٠٣، ومسلم، برقم ٤٦٧، وتقدم تخريجه في أول آداب الإمام.\n(٤) البخاري، رقم ٧٠٧، وتقدم تخريجه في أول آداب الإمام.\n(٥) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٧١.\n(٦) مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥٤.","vol":"2","page":689},{"text":"الأنواع التي وردت أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين، قسم يبقون أمام العدو، وقسم يدخل مع الإمام يصلي، فإذا قام إلى الركعة الثانية انفرد الذين يصلون معه وأتموا صلاتهم، والإمام واقف، ثم انصرفوا إلى مكان الطائفة الثانية، وجاءت الطائفة الثانية ودخلوا مع الإمام وصلوا معه الركعة التي بقيت، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. فهذا جاءت به السنة مراعاة للطائفة الثانية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1288>٣ - تطويل الركعتين الأوليين وتقصير الأخريين من كل صلاة</span>؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - وفيه أن سعدًا - ﵁ - قال لعمر بن الخطاب: «إني لأصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ -، فأمدُّ في الأوليين وأحذف في الأخريين، ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله - ﷺ -» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1289>٤ - مراعاة مصلحة المأمومين بشرط ألا يخالف السنة</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - فقد راعى فيه النبي - ﷺ - مصلحة الناس فيؤخر العشاء إذا لم يجتمع أصحابه، قال جابر: «والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رأهم أبطؤوا أخَّر» (٣).فالصلاة هنا يسن تأخيرها، ولكن النبي - ﷺ - يراعي أحوالهم ولا يشق عليهم فيقدمها إذا اجتمعوا، أما غير العشاء من الصلوات الأخرى فكان يصليها في أول وقتها ما عدا الظهر في شدة الحر (٤).\nفظهر أن أحوال المأمومين يراعيها الإمام إذا لم يخالف بمراعاته السنة، ومما يدل على هذه المراعاة: إيجاز النبي - ﷺ - في الصلاة عند سماعه بكاء الصبي مخافة أن يشقَّ على أمه، وتطويله الركعة الأولى في الصلاة؛ ليدرك الناس الركعة الأولى، وانتظاره الطائفة الثانية في صلاة\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب يطوّل في الأوليين ويحذف في الأخريين، برقم ٧٧٠، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٦٠،ومسلم، برقم ٦٤٦،وتقدم تخريجه في شروط الصلاة.\n(٤) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧.","vol":"2","page":690},{"text":"الخوف، ويؤخذ من هذا استحباب انتظار الداخل أثناء الركوع حتى يدرك الركوع ما لم يشق على المأمومين، والله أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>٥ - لا يصلي في موضعه الذي صلى فيه المكتوبة</span>؛ لما روي عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه: «لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه، حتى يتحوّل» (٢). وقد جاءت آثار في كراهة تطوع الإمام في مكانه الذي أمَّ فيه الناس حتى يتحوّل من مكانه، فعن علي - ﵁ - قال: «إذا سلم الإمام لم يتطوع حتى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام» (٣). وعن ابن عمر: «أنه كره إذا صلى الإمام أن يتطوع في مكانه ولم ير به لغير الإمام بأسًا» (٤). وعن عبد الله بن عمرو: «أنه كره للإمام أن يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة» (٥). وعن سعيد بن المسيب والحسن أنهما كانا يعجبهما إذا سلم الإمام أن يتقدم» (٦). وعن علي - ﵁ - قال: «لا يتطوع الإمام في المكان الذي أمَّ فيه القوم حتى يتحوّل أو يفصل بكلام» (٧). قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -: «قال لنا آدم،\n_________\n(١) انظر: الروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢، والشرح الممتع لابن عثيمين،\n٤/ ٢٧٦ - ٢٨٣.\n(٢) أبو داود، في كتاب الصلاة، باب الإمام يتطوع في مكانه، برقم ٦١٦، وابن ماجه في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة النافلة حيث تصلى المكتوبة، برقم ١٤٢٨، وصححه الألباني فقال في مشكاة المصابيح، ١/ ٣٠٠، بعد أن ذكر انقطاعه وعلته: «لكن الحديث صحيح، فإن له شاهدين ذكرتهما في صحيح أبي داود، ٦٢٩». وصححه الألباني أيضًا لهذين الشاهدين في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٨٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٢٩. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز أثناء تقريره على المنتقى للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ١٥٠٣ يقول: «حديث ضعيف، لكن المعنى صحيح؛ لهذا ثبت عن علي - ﵁ - قال: «من السنة أن لا يصلي الإمام في مكانه» بل يقوم من مكانه، حتى لا يظن أنه في الفريضة، وهذا أولى [و] من السنة».\n(٣) المصنف لابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب من كره للإمام أن يتطوع في مكانه،٢/ ٢٠٩.\n(٤) المصنف لابن أبي شيبة، كتاب الصلوات، باب من كره للإمام أن يتطوع في مكانه ٢/ ٢٠٩.\n(٥) المرجع السابق، ٢/ ٢٠٩.\n(٦) المرجع السابق، ٢/ ٢٠٩.\n(٧) المرجع السابق، ٢/ ٢١٠.","vol":"2","page":691},{"text":"حدثنا شعبة عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم (١)، ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «لا يتطوع الإمام في مكانه، ولم يصح» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي قال: «من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه» (٣). وحكى الإمام ابن قدامة في المغني عن الإمام أحمد أنه كره ذلك (٤). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وكأن المعنى في كراهة ذلك: خشية التباس النافلة بالفريضة» (٥).\nوعن السائب بن يزيد أن معاوية - ﵁ - قال له: «إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك: أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (٦).قال الإمام النووي﵀-: «هذا فيه دليل لما قاله أصحابنا أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحوّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحوّل إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد، أو غيره؛ ليكثر مواضع سجوده؛ ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة، وقوله: «حتى يتكلم» دليل إلى أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضًا، ولكن بالانتقال أفضل، لما ذكرناه والله أعلم» (٧).\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «ففي هذا إرشاد إلى طريق\n_________\n(١) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٣٥.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، قبل الحديث رقم ٨٤٨، ورقم الباب ١٥٧.\n(٣) فتح الباري،٢/ ٣٣٥، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة، ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٥) فتح الباري، ٢/ ٣٣٥.\n(٦) مسلم، برقم ٨٨٣،وتقدم تخريجه في صلاة التطوع: الفصل بين النوافل والفرائض بخروج أو كلام.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٠.","vol":"2","page":692},{"text":"الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة ويؤخذ من مجموع الأدلة: أن للإمام أحوالًا؛ لأن الصلاة: إما أن تكون مما يتطوع بعدها أو لا يتطوع، الأول: اختلف فيه هل يتشاغل قبل التطوع بالذكر المأثور ثم يتطوع؟ وهذا الذي عليه عمل الأكثر. وعند الحنفية يبدأ بالتطوع. وحجة الجمهور حديث معاوية، ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر؛ بل إذا تنحَّى من مكانه كفى، فإن قيل لم يثبت الحديث في التنحي؟ قلنا: قد ثبت في حديث معاوية: «أو تخرج» (١)، ويترجح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة»، ثم قال - ﵀ -: «وأما الصلاة التي لا يُتطوع بعدها فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعين له مكان، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا ..» (٢).\nوعن أبي هريرة مرفوعًا: «أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة» يعني في السبحة (٣).\nوقال الإمام الشوكاني - ﵀ - بعد الكلام على حديث المغيرة، وحديث أبي هريرة هذا: «والحديثان يدلان على مشروعية انتقال المصلي عن مصلاه الذي صلى فيه لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، أما الإمام بنص الحديث الأول، وبعموم الثاني، وأما المؤتم والمنفرد فبعموم الحديث الثاني، وبالقياس على الإمام، والعلة في ذلك تكثير مواضع\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٣٣٥.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٣٣٥.\n(٣) أبو داود، برقم ١٠٠٦، وابن ماجه، برقم ١٤٢٧، وأحمد، ٢/ ٤٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٧٩، الطبعة الجديدة والطبعة القديمة، ١/ ١٨٨. وسمعت العلامة ابن باز يقول أثناء تقريره على المنتقى لأبي البركات، الحديث رقم ١٥٠٤: «حديث ضعيف، لكن بعض السلف كان يتحول من مكانه، من باب الحرص على تعدد البقاع، وكان ابن عمر يصلي في مكانه، وجاء في أبي داود أنه كان يتحول يوم الجمعة، فمن تحول فلا بأس، ومن بقي مكانه فلا بأس، والأمر في هذا واسع بعد الفريضة أو النافلة».","vol":"2","page":693},{"text":"العبادة، كما قال البخاري والبغوي؛ لأن مواضع السجود تشهد له ... وهذه العلة تقتضي أن ينتقل إلى الفرض من موضع نفله، وأن ينتقل لكل صلاة يفتتحها من أفراد النوافل، فإن لم ينتقل فينبغي أن يفصل بالكلام؛ لحديث النهي عن أن توصل صلاة بصلاة حتى يتكلم المصلي أو يخرج. أخرجه مسلم وأبو داود» (١)، والله تعالى أعلم» (٢) وأحكم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1291>٦ - يمكث في مكانه بعد السلام يسيرًا</span>؛ لحديث أمّ سلمة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيرًا قبل أن يقوم».وفي لفظ: «كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ -».قال ابن شهاب: فأرى والله أعلم أن مكثه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم (٤).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت» (٥). ولفظ النسائي: «أن النساء في عهد رسول الله - ﷺ - كنَّ إذا سلّمْنَ من الصلاة قمْنَ وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا\n_________\n(١) مسلم، برقم ٨٨٣، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٢) نيل الأوطار، ٢/ ٤٤٦.\n(٣) سبق الكلام مع الأدلة في الفصل بين الرواتب والفرائض بخروج أو كلام، في صلاة التطوع، وانظر للفائدة: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٣٥، والمصنف لابن أبي شيبة، ٢/ ٢٠٨ - ٢١٠، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٨٢ - ١٨٣، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠،وحاشية الروض المربع لابن قاسم،٢/ ٣٥٢.\n(٤) البخاري، كتاب الأذان، باب التسليم، برقم ٨٣٧، وباب مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، برقم ٨٤٩، ٨٥٠.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٣٦.","vol":"2","page":694},{"text":"قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1292>٧ - يستقبل المأمومين بوجهه إذا سلم</span>؛ لحديث سمرة بن جندب - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه» (٢)،والمعنى: إذا صلى صلاة\nففرغ منها وسلم استقبل المأمومين بوجهه؛ لأن استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحقّ الإمامة، فإذا انقضت الصلاة زال السبب، فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين. والله أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1293>٨ - لا يخصّ نفسه بالدعاء الذي يؤمن عليه المأمومون دونهم</span>؛ لِمَا روي عن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه، وفيه: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤمَّ قومًا إلا بإذنهم، ولا يختصَّ نفسه بدعوة دونهم (٤)؛فإن فعل فقد خانهم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>٩ - لا يصلي في مكان مرتفع جدًّا عن المأمومين إلا أن يكون معه بعض الصفوف فلا حرج</span>، أما المأموم فلا يكره إذا كان الإمام هو الذي في الأسفل (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1295>١٠ - لا يصلي في مكان يستتر فيه عن جميع المأمومين </span>(٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1296>١١ - لا يطيل القعود بعد السلام مستقبل القبلة</span>؛ لحديث عائشة\n_________\n(١) النسائي، كتاب السهو، باب جلسة الإمام بين التسليم والانصراف، برقم ١٣٣٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٢٨.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، برقم ٨٤٥.\n(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٣٤.\n(٤) ولا يختص نفسه بدعوة دونهم: أي الذي يؤمنون عليه: كالدعاء في القنوت وغيره، والله أعلم، هكذا سمعته من شيخنا ابن باز - ﵀ -.\n(٥) أبو داود، برقم ٩١، وله شاهد عند الترمذي، برقم ٣٥٧، وأحمد، ٢/ ٢٥٠، من حديث ثوبان، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٥: «صحيح إلا جملة الدعوة» وتقدم تخريجه في إمامة الزائر.\n(٦) تقدم الدليل على كراهة ارتفاع الإمام على المأموم في ارتفاع مكان الإمام اليسير على المأمومين. وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٨، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٢٣ - ٤٢٦.\n(٧) انظر: مصنف ابن أبي شيبة، ٢/ ٥٩ - ٦٠، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، المطبوع مع الشرح الكبير، ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨، والشرح الممتع، ٤/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٣٥١.","vol":"2","page":695},{"text":"﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - لا يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١) ثم يستقبل الناس بوجهه كما تقدم في حديث سمرة - ﵁ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1297>١٢ - ينصرف إلى الناس بعد السلام تارة عن يمينه وتارة عن شماله، لا حرج في شيء من ذلك</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته يرى أن حقًّا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي - ﷺ - كثيرًا ينصرف عن يساره». ولفظ مسلم: «أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن شماله» (٣). وعن أنس - ﵁ - قال: «أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن يمينه». وفي رواية لمسلم: «كان ينصرف عن يمينه» (٤).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «وجه الجمع بينهما أن النبي - ﷺ - كان يفعل تارة هذا، وتارة هذا، فأخبر كل واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأما الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود فليست بسبب أصل الانحراف عن اليمين أو الشمال، وإنما هي في حق من يرى أن ذلك لابد منه؛ فإن من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ؛ ولهذا قال: يرى أن حقًّا عليه؛ فإنما ذم من رآه حقًّا عليه، ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحب أن ينصرف في جهة حاجته، سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوت الجهتان في الحاجة وعدمها فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها. هذا\n_________\n(١) مسلم، برقم ٥٩١، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٢) البخاري، برقم ٨٤٥، وتقدم تخريجه في البند السابع.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب الانفتال والانصراف عن اليمين وعن الشمال، برقم ٨٥٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، برقم ٧٠٧.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال، برقم ٧٠٨.","vol":"2","page":696},{"text":"صواب الكلام في هذين الحديثين، وقد يقال فيهما خلاف الصواب، والله أعلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>١٣ - يتخذ سترة؛ لأنها سترة له ولمن خلفه</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه: «إذا صلى أحدكم فليصلّ إلى سترة وليدنُ منها» (٢)؛ ولأن ابن عباس ﵄ سار بحماره بين يدي بعض الصف الأول ثم نزل عنه ولم ينكر ذلك أحد (٣)، فدل ذلك على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1299>الحادي عشر: آداب المأموم في الصلاة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1300>١ - إذا سمع الإقامة فلا يسرع وعليه السكينة والوقار</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». وفي لفظ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1301>٢ - لا يركع قبل الدخول في الصف</span>؛ لحديث أبي بكرة - ﵁ - أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>٣ - لا يقوم المأموم إذا أقيمت الصلاة حتى يخرج الإمام</span>؛ لحديث\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٣٨.\n(٢) أبو داود، برقم ٦٩٨، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٣٥: «حسن صحيح» وتقدم تخريجه في صفة الصلاة في سترة المصلي.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٩٣،ومسلم، برقم ٥٠٤،وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) وانظر: الأحاديث في سترة المصلي: صفة الصلاة فقد ذكرت هناك جملة منها.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٦، ورقم ٩٠٨، ومسلم، برقم ٦٠٢، وتقدم تخريجه في آداب المشي إلى صلاة الجماعة.\n(٦) البخاري، برقم ٧٨٣،وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة، في إدراك الجماعة بإدراك ركعة.","vol":"2","page":697},{"text":"أبي قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني [قد خرجت]». وفي لفظ للبخاري: «وعليكم السكينة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1303>٤ - يُبَلّغ صوتَ الإمام عند الحاجة</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - الظهر وأبو بكر خلفه، فإذا كبر رسول الله - ﷺ - كبَّر أبو بكر يُسمعنا» (٢).\nوأصله في البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ وفيه: «وكان أبو بكر يصلي قائمًا وكان رسول الله - ﷺ - يصلي قاعدًا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - ﷺ -، والناس بصلاة أبي بكر». وفي لفظ لمسلم: «وكان النبي - ﷺ - يصلي بالناس وأبو بكر يسمعهم التكبير» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1304>٥ - يقول خلف الإمام «ربنا لك الحمد» بعد قول الإمام «سمع الله لمن حمده»</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد ..» (٤)؛ ولقول عامر الشعبي: «لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1305>٦ - إذا تأخر الإمام تأخرًا ظاهرًا قدَّم المأمومون أفضلهم</span>؛ لحديث سهل بن سعد في تقديم الصحابة - ﵃ - لأبي بكر حينما ذهب النبي - ﷺ - يصلح بين بني عمرو بن عوف فتأخر (٦)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة في تقديم الصحابة لعبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، فصلى بهم صلاة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٧،ومسلم برقم ٦٠٤،وتقدم تخريجه في وقت قيام المأمومين للصلاة.\n(٢) النسائي، كتاب الإمامة، باب الائتمام بمن يأتم بالإمام، برقم ٧٩٨، ورقم ١١٩٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٦٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٧١٣، ومسلم، برقم ٤١٨، وتقدم تخريجه في انتقال الإمام مأمومًا.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٢٢،ومسلم، برقم ٤١٤،وتقدم تخريجه في الاقتداء وشروطه.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٨٤٩، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٣٩: «حسن مقطوع».\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٨٤،ومسلم، برقم ٤٢١،وتقدم تخريجه في انتقال المأموم إمامًا.","vol":"2","page":698},{"text":"الفجر، فقال النبي - ﷺ -: «أحسنتم أو قد أصبتم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>٧ - إذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1307>٨ - لا يتطوع مكان المكتوبة حتى يفصل بينهما بكلام أو يخرج</span>؛ لحديث السائب بن يزيد عن معاوية أنه قال له: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك: «أن لا نصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1308>٩ - لا ينصرف قبل الإمام، بل ينتظر حتى يستقبل الإمام الناس</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى بهم يومًا فلما قضى الصلاة أقبل عليهم بوجهه فقال: «أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف (٤») (٥). فيستحب أن لا ينصرف المأموم قبل انصراف إمامه عن القبلة؛ لئلا يذكر سهوًا فيسجد، إلا أن يخالف إمامه السنة في إطالة الجلوس مستقبل القبلة، فلا بأس بانصراف المأموم حينئذٍ (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٢، ومسلم، برقم ٢٨٤، وتقدم تخريجه في مسألة المسبوق يصلي ما بقي من صلاته.\n(٢) مسلم، برقم ٧١٠،وتقدم تخريجه في صلاة التطوع في ترك الرواتب وغيرها إذا أقيمت الصلاة.\n(٣) مسلم، برقم ٨٨٣،وتقدم تخريجه في صلاة التطوع في الفصل بين الرواتب والفرائض بخروج أو كلام.\n(٤) ولا بالانصراف: قال النووي: المراد بالانصراف السلام، شرح النووي،٤/ ٣٩٤، وقال القرطبي في المفهم: «وذهب الحسن والزهري إلى أن حق المأموم ألا ينصرف حتى ينصرف الإمام أخذًا بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تم بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك خاصًّا بالنبي - ﷺ -، ويحتمل أن يريد بالانصراف المذكور: التسليم؛ فإنه يقال: انصرف من الصلاة: أي سلم منها»، المفهم، ٢/ ٢١٥٩.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما، برقم ٤٢٦.\n(٦) انظر: المغني، لابن قدامة، وفتاوى ابن تيمية،٢٢/ ٥٠٥،٢/ ٢٥٧،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،\n٤/ ٤٦١،وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥،والكافي لابن قدامة، ١/ ٣٢٥.","vol":"2","page":699},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1309>١٠ - لا يصفّ في صفٍّ بين السواري إلا لحاجة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله - ﷺ -» (١)؛ ولحديث قرة - ﵁ -: «كُنّا نُنهى أن نصفَّ بين السواري على عهد رسول الله - ﷺ -، ونُطرد عنها طردًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>١١ - يدخل مع الإمام إذا سبقه على أي حال يدركه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه وفيه: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1311>١٢ - لا يلازم بقعة بعينها في المسجد لا يصلي إلا فيها</span>؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثلاث: «عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المقام للصلاة كما يوطن البعير» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>١٣ - الفتح على الإمام إذا لُبّس عليه في القراءة</span>؛ لحديث المسور بن يزيد المالكي - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -، وفي لفظ: شهدت رسول الله - ﷺ - يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ -: «هلا أذْكَرْتَنِيها»؟ [قال: كنت أُرَاها نسخت]» (٥).\nعن عبد الله بن عمر أن النبي - ﷺ - صلى صلاة فقرأ فيها فَلُبِسَ عليه، فلما انصرف قال: لأبيٍّ: «أصليت معنا»؟ قال: نعم، قال: «فما منعك»؟ (٦).\n_________\n(١) النسائي، برقم ٨٢٠، وأبو داود، برقم ٢٢٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٧٧، وتقدم تخريجه في الصلاة بين السواري.\n(٢) ابن ماجه، برقم ١٠٠٢، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٩٨: «حسن صحيح»، وتقدم تخريجه في الصلاة بين السواري.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٦، ومسلم، برقم ٩٠٨، وتقدم في صلاة الجماعة.\n(٤) النسائي، كتاب التطبيق، باب النهي عن نقرة الغراب، برقم ١١١١، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في توطين المكان في المسجد يصلي فيه، برقم ١٤٢٩،وأبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، برقم ٨٦٢،وأحمد في المسند، ٥/ ٤٤٦ - ٤٤٧، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،١/ ٢٢٩،وحسنه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٣٦٠.\n(٥) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام في الصلاة، برقم ٩٠٧ «أ»، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٥٤.\n(٦) سنن أبي داود، الكتاب والباب المشار إليهما آنفًا برقم ٩٠٧ «ب»، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٥٤.","vol":"2","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1313>١٤ - لا يصلي قدَّام الإمام </span>(١)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه، وفيه: «إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به» (٢). وذكر المرداوي ﵀: أن ذلك في غير الكعبة؛ فإن المأمومين إذا استداروا حول الكعبة والإمام منها على ذراعين والمقابلون له على ذراع صحَّت صلاتهم، وذكر أن المجد قال في شرحه: لا أعلم فيه خلافًا. وقال أبو المعالي: صحت إجماعًا. هذا إذا كانوا في جهات، أما إذا كانوا في جهة فلا يجوز تقدم المأمومين عليه (٣).\nوالله - ﷿ - أعلم وأحكم.\n_________\n(١) وهو مذهب الحنابلة، والشافعية والحنفية: أن من صلى قدَّام الإمام فصلاته باطلة؛ لحديث أبي هريرة: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»؛ ولأنه يحتاج إلى الالتفات إلى ورائه. أما مالك وإسحاق فقالا: تصح لأن ذلك لا يمنع الاقتداء. واختار ابن تيمية قولًا ثالثًا وقال: إنه رواية عن أحمد أنها تصح صلاة المأموم قدام الإمام مع العذر. انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٣/ ٤٠٤ - ٤٠٦، والاختيارات الفقهية له، ص١٠٨، ورجحه ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٤/ ٣٧٢، ورجحه ابن القيم في إعلام الموقعين، ٢/ ٢٢، أما صاحب المغني، ٣/ ٥٢، والشرح الكبير، ٤/ ٤١٨، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٤/ ٤١٨ فكلهم قال ببطلان صلاة من صلى قدَّام الإمام مطلقًا، وقال الإمام ابن باز: «ليس لأحد أن يصلي أمام الإمام؛ لأن ذلك ليس موقفًا للمأموم، والله ولي التوفيق» الفتاوى له، ١٢/ ٢١٢.\n(٢) البخاري، برقم ٧٢٢، ومسلم، برقم ٤١٤، وتقدم تخريجه في الاقتداء وشروطه.\n(٣) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، ٤/ ٤١٩،المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٤/ ٤١٩.","vol":"2","page":701},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1314>المبحث السابع والعشرون: صلاة المريض</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1315>أولًا: مفهوم المرض: </span>المرض: السُّقم، نقيض الصحة، ويقال: المرض والسُّقم في البدن والدين جميعًا، كما يقال الصحة في البدن والدين جميعًا، والمرض في القلب يطلق على كل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين، وأصل المرض: النقصان، يقال: بدن مريض: ناقص القوة، ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، والمرض في القلب: فتورٌ عن الحق، وفي الأبدان، فتورُ الأعضاء (١)، والمرض: جمع أمراض؛ فساد المزاج وسوء الصحة بعد اعتدالها، ومرض الموت: العلة التي يقرر الأطباء أنها علة مميتة (٢). وعلى هذا فالمريض: هو الذي اعتلت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1316>ثانيًا: صبر المريض واحتسابه</span>. المريض يجب عليه أن يصبر ويحتسب على الله - ﷿ - الثواب الذي وعده سبحانه الصابرين، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤).وقال - ﷿ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٥). وقال - ﷾ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٦). وقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب الضاد، فصل الميم، ٧/ ٢٣١ - ٢٣٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الضاد، فصل الميم، ص٨٤٣، والمعجم الوسيط، ٢/ ٨٦٣، ومختار الصحاح، مادة «مرض»، ص٢٥٩.\n(٢) انظر: معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور محمد روّاس، ص٣٩١.\n(٣) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٥٩.\n(٤) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٥) سورة محمد، الآية: ٣١.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.","vol":"2","page":702},{"text":"فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). وقال رسول الله - ﷺ -: «... والصبر ضياء» (٦). وعن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضّراء صبر فكان خيرًا له» (٧). وعن أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله - ﷿ - قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوَّضته منهما الجنة» يريد عينيه (٨).\nوعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الطاعون فأخبرها «أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٩)، فليس من عبد\n_________\n(١) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.\n(٣) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٤) سورة الشورى، الآية: ٤٣.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٦) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣، من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -.\n(٧) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٨) البخاري، كتاب المرض، باب فضل من ذهب بصره، برقم ٥٦٥٣.\n(٩) الطاعون: قيل هو الموت العام، وقيل: المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان، وقيل: هو الوباء، وقيل: هو المرض الذي يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، وقيل: أصل الطاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٨٠، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ٣/ ١٨٦: «مرض معروف هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب ويسودّ ما حواليه، أو يخضرّ أو يحمرّ حمرة بنفسجية كدرة يحصل معه خفقان القلب والقيء، ويخرج في المراق والآباط غالبًا والأيدي والأصابع وسائر الجسد» ورجح ابن حجر في فتح الباري، ١٠/ ١٨١ «أن الطاعون يكون من طعن الجن وقرعه»، واستشهد لذلك بأدلة وصحح بعضها.","vol":"2","page":703},{"text":"يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» (١). وقال - ﷺ -: «... إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٢).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما يصيب المسلم من نصب (٣)، ولا وصب (٤)، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٥).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يُصيبه أذى من مرض فما سواه إلاّ حطَّ الله سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها» (٦).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة» (٧).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر على الطاعون، برقم ٥٧٣٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجائز، باب زيارة القبور، برقم ١٢٨٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، برقم ٩٢٦.\n(٣) النصب: التعب.\n(٤) الوصب: المرض.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٧، ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٧) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٢.","vol":"2","page":704},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرد الله به خيرًا يُصبْ (١) منه» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - يرفعه: «إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخط» (٣).\nوعن مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1317>ثالثًا: المسلم يسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة</span>، ولا يسأل البلاء؛ لحديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله؟ قال: «سل الله العافية»، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: «يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: «سل الله العافية في الدنيا والآخرة» (٥)؛ ولحديث أبي بكر الصديق - ﵁ - أن\n_________\n(١) يصب منه: معناه يبتليه بالمصائب، ليثيبه عليها، وقيل: يوجه إليه البلاء فيصيبه. فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥: «أي يصيبه بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه».\n(٢) البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٥.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٣١، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٦٤، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣٢٠، وفي الصحيحة، برقم ١٤٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وقال الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣١٨، وفي الصحيحة، برقم ١٤٣، ٢٢٨٠: «حسن صحيح».\n(٥) الترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ: حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٤، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٤٤٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٢٣.","vol":"2","page":705},{"text":"النبي - ﷺ - قال على المنبر: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية» (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>رابعًا: الاجتهاد في حال الصحة في الأعمال الصالحة</span>؛ لتكتب له كاملة في حال عجزه عن العمل؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٤)\n<span data-type=\"title\" id=toc-1319>خامسًا: يُسْر الشريعة الإسلامية وسهولتها، وكمالها</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٧). وقال النبي - ﷺ -: «دعوني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما\nاستطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (٨).وقال - ﷺ -: «إن الدين يسر» (٩).\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الدعوات، بابٌ: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٨، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٤٩، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٦٤: «حسن صحيح»،وفي صحيح ابن ماجه،٣/ ٢٥٩: «صحيح».\n(٢) مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، برقم ٢٧٣٩.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، بابٌ: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء، وغيره، برقم ٢٧٠٧.\n(٤) البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٧) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٨) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم ١٣٣٧.\n(٩) البخاري، كتاب الإيمان، بابٌ: الدين يسر، برقم ٣٩ من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1320>سادسًا: كيفية طهارة المريض على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1321>١ - يجب على المريض أن يتوضأ من الحدث الأصغر: </span>(نواقض الوضوء)، ويغتسل من الحدث الأكبر: (موجبات الغسل).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>٢ - يجب أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة بالما</span>ء قبل الوضوء؛ لأن النبي - ﷺ - كان يستنجي بالماء (١).\nوالاستجمار بالحجارة، أو ما يقوم مقامها يقوم مقام الاستنجاء بالماء، ويقوم مقام الحجارة ما في معناها من كل جامد طاهر ليس له حرمة: كالخشب، والخرق، والمناديل، وكل ما أنقى به فهو كالحجارة على الصحيح (٢)؛ لقوله - ﷺ -: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه» (٣). ولابد في الاستجمار من ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها فأكثر؛ لحديث سلمان - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع (٤) أو بعظم» (٥). فإن لم تكفِ ثلاثة أحجار زاد رابعًا، وخامسًا حتى ينقي المحل، والأفضل أن يقطع الاستجمار على وتر؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن\n_________\n(١) متفق عليه من حديث أنس - ﵁ -، البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستنجاء بالماء، برقم ١٥٠، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالماء من التبرز، برقم ٢٧١.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ١/ ٢١٣.\n(٣) أبو داود، من حديث عائشة ﵂ برقم ٤٠، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ١٠، وتقدم تخريجه في الطهارة في آداب قضاء الحاجة.\n(٤) الرجيع: الروث والعذرة.\n(٥) مسلم، برقم ٢٦٢، وتقدم تخريجه في الطهارة، في آداب قضاء الحاجة.","vol":"2","page":707},{"text":"النبي - ﷺ - وفيه: «ومن استجمر فليوتر» (١).\nوالأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة ثم يتبعها بالماء؛ لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر المحل، فيكون أبلغ في الطهارة، وهو مخير بين الاستجمار بالحجارة، أو الاستنجاء بالماء أو الجمع بينهما وهو الأفضل، وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر.\nوالاستنجاء يكون من الخارج الرطب من السبيلين: كالبول والغائط، أما النوم، والريح، وأكل لحم الإبل، ومس الفرج فلا يُستنجى منها؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة من السبيلين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1323>٣ - إذا كان المريض لا يستطيع الحركة</span>؛ فإنه يوضئه شخص آخر، وإذا كان عليه حدث أكبر ساعده في الغسل، ولا ينظر إلى عورته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1324>٤ - فإن كان المريض لا يستطيع أن يتطهر بالماء</span>؛ لخوفه تلف النفس، أو تلف عضو، أو حدوث مرض، أو لعجزه، أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه؛ فإنه يتيمم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-1325>كيفية التيمم: </span>أن ينوي رفع الحدث، ثم يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة فيمسح جميع وجهه، بباطن أصابعه، ثم يمسح كفيه براحتيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مّنكُم مّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٤)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مّنَ الْغَائِطِ أَوْ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٦٢،ومسلم، برقم ٢٣٧،وتقدم تخريجه في الطهارة، آداب قضاء الحاجة.\n(٢) انظر: فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، ١٢/ ٢٣٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ٢٩.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٤٣.","vol":"2","page":708},{"text":"لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مّنْهُ مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1326>٥ - فإن لم يستطع أن يتيمم بنفسه</span>؛ فإنه ييممه من عنده من المرافقين أو الحاضرين، يحضر التراب الطاهر ثم ييممه به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1327>٦ - من به جروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء</span>؛ فإنه يتيمم سواء كان محدثًا حدثًا أصغر أو أكبر، لكن لو أمكنه أن يغسل الصحيح من جسده أو أعضائه وجب عليه ذلك وتيمم للباقي؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)؛ ولقوله - ﷾ -: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1328>٧ - إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح يستطيع أن يغسله بالماء غسله</span>، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه بالماء مسحًا، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضًا فإنه يشد عليه جبيرة أو لزقة ويمسح عليها، فإن عجز فحينئذ يتيمم عنه بعد الطهارة.\nأما إذا كان الجرح مستورًا بجبس أو لزقة أو جبيرة، أو ما أشبه ذلك ففي هذا الحال يمسح على الساتر ويغنيه عن الغسل، ولا يشترط لبس الجبيرة على طهارة على القول الراجح، وليس للمسح على الجبيرة توقيت؛ لأن مسحها لضرورة فيقدر بقدرها، ويمسح عليها في الحدث الأكبر والأصغر (٤).والصواب أنه إذا مسح على العضو يكفيه عن التيمم، فلا يجمع بين المسح والتيمم إلا إذا كان هناك عضو آخر لم يستطع المسح\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية ٦.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٤) انظر: ما تقدم في الطهارة: المسح على الجبائر.","vol":"2","page":709},{"text":"عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1329>٨ - إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى</span>؛ فإنه يصليها بالتيمم الأول؛ ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية؛ لأنه لم يزل على طهارته ولم يحصل ما يبطلها من نواقض الطهارة؛ لأن التيمم لا يبطل إلا بما يبطل الوضوء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1330>٩ - يجب على المريض أن يطهر بدنه وثيابه، وموضع صلاته من النجاسات</span>، فإن عجز عن شيء من ذلك ولم يجد من يقوم بتطهير النجاسة صلى على حسب حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، ولكن لو استطاع أن يبدل ثيابه النجسة بثياب أخرى طاهرة أو يفرش على الفراش النجس فراشًا طاهرًا وجب عليه ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1331>١٠ - لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة</span>، بل يتطهر بقدر ما يستطيع، ويطهر بدنه وثوبه والبقعة التي يصلي عليها؛ فإن عجز عن استعمال الماء تيمم، فإن عجز عن استعمال التيمم سقطت عنه الطهارة وصلى على حسب حاله (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1332>١١ - المريض المصاب بسلس البول، أو استمرار خروج الدم، أو الريح</span>، ولم يبرأ بمعالجته، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها، ويغسل ما يصيب بدنه، وثوبه، أو يجعل للصلاة ثوبًا طاهرًا إن تيسر له ذلك، ويحتاط لنفسه احتياطًا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه، أو مكان صلاته، وله أن يفعل في وقت الصلاة ما تيسر من صلاة،\nوقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت فإذا خرج الوقت فعليه أن يعيد الوضوء أو التيمم إن عجز عن الوضوء؛ لأن النبي - ﷺ - أمر المستحاضة\n_________\n(١) انظر: فتاوى العلامة ابن باز،١٢/ ٢٤٠،وفتاوى العلامة ابن عثيمين،١١/ ١٥٥، ١٧٢.\n(٢) انظر: ما تقدم في الطهارة: التيمم، ومن يجوز له التيمم، ونواقض التيمم ومبطلاته، وفاقد الطهورين: الماء والتراب. وانظر: فتاوى العلامة ابن باز،١٢/ ٢٣٩،وفتاوى العلامة ابن عثيمين، ١١/ ١٥٦.","vol":"2","page":710},{"text":"أن تتوضأ لوقت كل صلاة (١)؛ولقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا\nاسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وهذا فيه الدلالة على يسر الشريعة وسماحتها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1333>سابعًا: كيفية صلاة المريض على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1334>١ - يجب على المريض الذي لا يخاف زيادة مرضه أن يصلي الفريضة قائمًا</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1335>٢ - إن قدر المريض على القيام بأن يتكئ على عصا أو يستند إلى حائط </span>أو يعتمد على أحد جانبيه لزمه القيام؛ لحديث وابصة - ﵁ - عن أم قيس ﵂: أن رسول الله - ﷺ - لما أسنَّ وحمل اللحم اتخذ عمودًا في مصلاه يعتمد عليه (٥)؛ ولأنه قادر على القيام من غير ضرر؛ لحديث عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: «صلّ قائمًا ...» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1336>٣ - إن قدر المريض على القيام إلا أنه يكون منحنيًا على هيئة الراكع</span>؛ كالأحدب، أو الكبير الذي انحنى ظهره وهو يستطيع القيام لزمه القيام؛ لحديث عمران - ﵁ - المتقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1337>٤ - المريض الذي يقدر على القيام لكنه يعجز عن الركوع أو السجود لا يسقط عنه القيام</span>، وعليه أن يصلي قائمًا ويومئ بالركوع قائمًا إن عجز عنه، وإن لم يمكنه أن يحني ظهره حنى رقبته، وإن تقوّس ظهره فصار كأنه راكع زاد في انحنائه قليلًا، ثم يجلس فيومئ بالسجود جالسًا إن عجز\n_________\n(١) تقدمت الأدلة في الطهارة في أحكام السلس والاستحاضة، وانظر فتاوى العلامة ابن باز، ١٢/ ٢٤٠.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز، ١٢/ ٢٣٥ - ٢٤١، ومجموع فتاوى ورسائل العلامة ابن عثيمين، ١١/ ١٥٤ - ١٥٦.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يعتمد في الصلاة على عصا، برقم ٩٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٦٤، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ٣١٩.\n(٦) البخاري، برقم ١١١٧، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.","vol":"2","page":711},{"text":"عنه ويقرب وجهه إلى الأرض في السجود أكثر ما يمكنه؛ لقول الله تعالى:\n﴿وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ﴾ (١)؛ ولقول النبي - ﷺ - لعمران بن حصين ﵄: «صلّ قائمًا» (٢)؛ ولأن القيام ركن قدر عليه فلزمه الإتيان به (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1338>٥ - المريض الذي يزيد القيام في مرضه، أو يشق عليه مشقة شديدة، أو يضره</span>، أو يخاف زيادة مرضه يصلي قاعدًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)؛ ولقوله - ﷿ -: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٥)؛ ولقوله - ﷾ -: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٦)، ولقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٧)؛ ولحديث عمران بن حصين ﵄ وفيه: «صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا ...» (٨)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: سقط النبي - ﷺ - عن فرس فجُحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدًا (٩).\nوقد أجمع العلماء على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسًا (١٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>٦ - الأفضل للمريض إذا صلى جالسًا أن يكون متربعًا في موضع القيام</span>، والصحيح أنه إذا ركع يركع وهو متربع؛ لأن الراكع قائم؛\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٨.\n(٢) البخاري، برقم ١١١٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٥٧٢،٥٧٥، ٥٧٦، والشرح الكبير، لعبد الرحمن بن قدامة، ٥/ ١٣، والإنصاف للمرداوي مع الشرح الكبير، ٥/ ٥.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٧) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٨) البخاري، برقم ١١١٧، وتقدم تخريجه.\n(٩) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٨٩،ومسلم، برقم ٤١١،وتقدم تخريجه في الإمامة في الاقتداء.\n(١٠) المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٧٠، والشرح الكبير، ٥/ ٦، والإنصاف، ٥/ ٦.","vol":"2","page":712},{"text":"لحديث عائشة ﵂ قالت: «رأيت النبي - ﷺ - يصلي متربعًا» (١)، والسنة له أن يجعل يديه على ركبتيه في حال الركوع، أما في حال السجود فالواجب أن يسجد على الأرض، فإن لم يستطع وجب عليه أن يجعل يديه على الأرض وأومأ بالسجود؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين» (٢)؛ فإن لم يستطع جعل يديه على ركبتيه وأومأ بالسجود وجعله أخفض من الركوع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)؛ ولقوله - ﷺ -: «... وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (٤») (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1340>٧ - إن عجز المريض عن الصلاة قاعدًا صلى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه</span>، والأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن؛ لحديث عمران - ﵁ - وفيه: «صلّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (٦)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي - ﷺ - يعجبه التيمن في تنعُّله، وترجُّله، وطهوره، وفي شأنه كله» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1341>٨ - فإن عجز المريض عن الصلاة على جنبه صلى مستلقيًا </span>رجلاه إلى\n_________\n(١) النسائي، كتاب قيام الليل، باب كيف صلاة القاعد، برقم ١٦٦٢، وابن خزيمة، برقم ١٢٣٨، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢٥٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٥٣٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف في الطين، برقم ٨١٢، ومسلم، في كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود برقم ٤٩٠.\n(٣) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٢٨٨،ومسلم، برقم ١٣٣٧،وتقدم تخريجه في أول المبحث.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٧٢، ومجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز،\n١٢/ ٢٤٢ - ٢٤٧، ومجموع فتاوى العلامة محمد بن صالح العثيمين، ١١/ ٣٢٩.\n(٦) البخاري، برقم ١١١٧، وتقدم تخريجه.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب التيمن في الوضوء والغسل، برقم ١٦٨، ومسلم، كتاب الطهارة، باب التيمن في الطهور وغيره، برقم ١٦٨.","vol":"2","page":713},{"text":"القبلة؛ لحديث عمران بن حصين ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال له: «صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (١)، زاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيًا لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وزاد النسائي: «فإن لم تستطع فمستلقيًا»، ثم قال: فكانت الصفات: «قائمًا، جالسًا، على جنب، مستلقيًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1342>٩ - فإن عجز المريض عن الصلاة إلى القبلة ولم يوجد من يوجهه إليها </span>صلى على حسب حاله؛ لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1343>١٠ - فإن عجز المريض عن الصلاة مستلقيًا صلى على حسب حاله </span>على أي حال كان؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1344>١١ - فإن عجز المريض عن جميع الأحوال السابقة صلى بقلبه: </span>فيكبّر، ويقرأ، وينوي الركوع والسجود، والقيام والقعود بقلبه، فإن الصلاة لا تسقط عنه مادام عقله ثابتًا بأي حال من الأحوال؛ للأدلة السابقة (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>١٢ - إذا قدر المريض في أثناء صلاته على ما كان عاجزًا عنه: </span>من قيام أو قعود، أو ركوع، أو سجود، أو إيماء انتقل إليه وبنى على ما مضى من\n_________\n(١) البخاري، برقم ١١١٧.\n(٢) عزاه إليه ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ٢٢٥ برقم ٣٣٤، وعزاه إليه أيضًا المجد ابن تيمية في منتقى الأخبار، برقم ١٥٠٧،وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز: «وزاد النسائي» ثم ذكر الزيادة، انظر: مجموع الفتاوى، ١٢/ ٢٤٢، وقال في الفتاوى أيضًا بعد أن ساق اللفظ كاملًا: «وهذا لفظ النسائي»، ١٢/ ٢٤٧، ولم يعزه المزي في تحفة الأشراف إلى النسائي، ٨/ ١٨٥، برقم ١٠٨٣٣.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٣٤٧.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٥) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٧٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٤٣، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١١/ ٢٣٢.","vol":"2","page":714},{"text":"صلاته، وهكذا لو كان قادرًا فعجز أثناء الصلاة أتم صلاته على حسب حاله؛ لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحًا فبنى عليه كما لو لم يتغير حاله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1346>١٣ - إن عجز المريض عن السجود على الأرض؛ فإنه يومئ بالسجود في الهواء </span>ولا يتخذ شيئًا يسجد عليه؛ لحديث جابر - ﵁ - يرفعه: أن رسول الله - ﷺ - عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها، فأخذ عودًا ليصلي عليه فأخذه فرمى به، قال: «صلّ على الأرض إن استطعت وإلا فأومِ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1347>١٤ - يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها</span>، ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها؛ فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، إما جمع تقديم بحيث يقدم العصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب، وإما جمع تأخير بحيث يؤخر الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، حسبما يكون أيسر له، أما صلاة الفجر فلا تجمع مع ما قبلها ولا مع ما بعدها؛ لأن وقتها منفصل عما قبلها وعما بعدها (٣)، ومما يدل على جواز الجمع للمريض الذي\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٧٧، والشرح الكبير، ٥/ ١٥، والإنصاف، ٥/ ١٥، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٤٣.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٣٠٦، قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: «رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحح أبو حاتم وقفه»، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على الحديث رقم ٣٤٨ من بلوغ المرام: «إسناده قوي»، ومال إلى رفعه؛ لأنه يقدم قول من رفع على من وقف إذا كان من رفع ثقة؛ للقاعدة، وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر، ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧، والحديث رواه الطبراني عن ابن عمر ﵄ في المعجم الكبير، ١٢/ ٢٦٩، برقم ١٣٠٨٢، وذكره الألباني في الأحاديث الصحيحة، وذكر طرقه ثم قال في الحديث رقم ٣٢٣ في المجلد الأول: «والذي لا شك فيه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح والله تعالى هو الموفق»، ثم ذكر رواية أخرى عن ابن عمر موقوفًا، ثم قال: «وسنده صحيح على شرط الشيخين». وانظر: صفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني، ص٦٨.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥، وفتاوى العلامة ابن باز، ١٢/ ٢٤٤، ومجموع فتاوى العلامة ابن عثيمين، ١١/ ٢٣٠.","vol":"2","page":715},{"text":"يشق عليه فعل الصلاة في وقتها ويضعف عن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: «صلى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر». وفي لفظ: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر» فسئل ابن عباس لم فعل ذلك؟ فقال: «أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته»، وفي لفظ: «أراد أن لا يحرج أمته» (١). والصواب في تأويل هذا الحديث قول من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار (٢).\nوقد ثبت أن النبي - ﷺ - أمر حمنة بنت جحش ﵂ لما كانت مستحاضة بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء (٣)، وهذا هو الجمع الصوري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1348>١٥ - لا يجوز للمريض ترك الصلاة بأي حال من الأحوال مادام عقله ثابتًا</span>، بل يجب على المكلف أن يحرص على الصلاة أيام مرضه أكثر من حرصه عليها أيام صحته ويصليها في وقتها المشروع حسب استطاعته، فإذا تركها متعمدًا وهو عاقل عالم بالحكم الشرعي مكلف يقوى على أدائها ولو إيماءً فهو آثم، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى كفره بذلك (٤)؛ لقول النبي - ﷺ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» (٥)؛ ولحديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «بين\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، برقم ٤٩ - (٧٠٥)، ٥٠ - (٧٠٥)، ٥٤ - (٧٠٥).\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢٦، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول بهذا القول.\n(٣) أبو داود، برقم ٢٨٧، والترمذي، برقم ١٢٨، وابن ماجه، برقم ٦٢٧، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١٨٨، وتقدم تخريجه في الطهارة في أحكام المستحاضة.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٢٤٤.\n(٥) الترمذي عن بريدة - ﵁ -، برقم ٢٦٢١، والنسائي، برقم ٤٦٣، وابن ماجه، برقم ١٠٧٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ١٥٦، وتقدم تخريجه في منزلة الصلاة، حكم تارك الصلاة.","vol":"2","page":716},{"text":"الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» (١)؛ ولحديث معاذ - ﵁ - وفيه: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>١٦ - إذا نام المريض عن صلاته، أو نسيها وجب عليه أن يصليها حال استيقاظه</span>، أو ذكره لها، ولا يجوز له تركها إلى دخول وقت مثلها ليصليها فيه؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من نسي صلاته فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك»، وفي لفظ لمسلم: «من نسي صلاته أو نام عنها ...» الحديث (٣).\nويقضي الصلاة المغمى عليه ثلاثة أيام فأقل؛ لأنه يلحق بالنائم، أما إذا كانت المدة أكثر من ذلك فلا قضاء عليه؛ لأنه يلحق بالمجنون لجامع زوال العقل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>١٧ - إذا كان المريض مسافرًا يعالج في غير بلده، فإنه يقصر الصلاة الرباعية</span>، فيصلي الظهر، والعصر، والعشاء، ركعتين ركعتين مادام مسافرًا لم يُجمِعْ على إقامة أكثر من أربعة أيام (٥)،أما صلاة المغرب فيصليها ثلاثًا سفرًا وحضرًا، وهكذا صلاة الفجر يصليها اثنتين سفرًا وحضرًا، ويصلي سنة الفجر قبلها: ركعتين؛ لأن النبي - ﷺ - كان يصليهما حضرًا وسفرًا، قالت عائشة ﵂: «لم يكن يدعهما أبدًا» (٦)،ويصلي الوتر كذلك؛ لحديث\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٦، وتقدم تخريجه في منزلة الصلاة، حكم تارك الصلاة.\n(٢) الترمذي، برقم ٢٦١٦، وابن ماجه، برقم ٣٩٧٣، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٢/ ١٣٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٩٧، ومسلم، برقم ٦٨٤، وتقدم تخريجه في منزلة الصلاة.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٢/ ٥٠ - ٥٢،والشرح الكبير، ٣/ ٨، ومجموع فتاوى ابن باز، ٢/ ٤٥٧.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٤ - ١٣٤، والشرح الكبير، ٥/ ٢٦ - ٨٤، والإنصاف في المطبوع مع الشرح الكبير،٥/ ٢٦ - ٨٤ وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية،٨/ ٩٠ - ٩٣، ٩٥، ٩٨، وفتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٤ - ٢٨٠.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٧٢٤، وتقدم تخريجه في التطوع.","vol":"2","page":717},{"text":"ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته». وفي لفظ: «كان يوتر على راحلته» (١). أما السنن الرواتب فالسنة أن لا يصليها في السفر؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله» (٢).\nأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، وصلاة الليل، وسنة الوضوء وغيرها من النوافل، قال النووي ﵀: «وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ...» (٣). وهذا لمن لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، أو لا يدري متى يرتحل؛ فإنَّ له أحكام السفر حتى يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام أو يرجع إلى وطنه. والأحوط للمسلم أن لا يقصر في أقل من مسافة يوم وليلة للإبل والمشاة بالسير العادي، وذلك يقارب ثمانين كيلو تقريبًا؛ لأن هذه المسافة تعتبر سفرًا عُرفًا عند الجمهور، فإن عزم على الإقامة أكثر من أربعة أيام، أو كانت المسافة أقل من مسيرة يوم وليلة فالأحوط للمؤمن أن لا يأخذ بأحكام السفر، بل يتم الصلاة أربعًا كالمقيمين: الظهر، والعصر، والعشاء (٤) والله الموفق (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٩٩، ومسلم، برقم ٧٠٠، وتقدم تخريجه في التطوع.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠١١، ومسلم، برقم ٦٨٩، وتقدم تخريجه في التطوع.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٠٥.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، ١٢/ ٢٦٤ - ٢٨٠، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٤ - ١٣٤.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٤ - ١٣٤، والشرح الكبير، ٥/ ٢٦ - ٨٤، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٢٦ - ٨٤، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ٩٠، ٩٢، ٩٥، ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠٧، ١١٠، ١١٣، ٨/ ٩٠ - ١١٨، وفتاوى الإمام ابن باز ﵀، ١٢/ ٢٦٤ - ٢٨٠، وانظر للفائدة: فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٧ - ١٦٢، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٥/ ٢٥٢ - ٤٤٨، والشرح الممتع له، ٤/ ٤٩٠ - ٥٤٧.","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1351>ثامنًا: الصلاة في السفينة والطائرة، والقطار، والسيارة، أو على الراحلة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>١ - تصح صلاة الفرض في السفينة والباخرة والقطار، قائمًا عند القدرة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: «سئل النبي - ﷺ - عن الصلاة في السفينة، فقال: كيف أصلي في السفينة؟ قال: «صلّ فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق» (١).\nوعن عبد الله بن أبي عتبة قال: «صحبت جابر بن عبد الله، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة في سفينة فصلوا قيامًا في جماعة، أمّهم بعضهم، وهم يقدرون على الجُدَّ (٢») (٣)،قال الإمام الشوكاني ﵀: «والمراد أنهم يقدرون على الصلاة في البر، وقد صحت صلاتهم في السفينة مع اضطرابها، وفيه جواز الصلاة في السفينة وإن كان الخروج إلى البر ممكنًا» (٤). ولا تصح صلاة الفرض في السفينة قاعدًا لقادر على القيام، فإن عجز عن القيام صلى جالسًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥)، فيصلي على حسب حاله ويأتي بما يقدر عليه من القيام وغيره على حسب ما تقدم في صفة صلاة المريض (٦)،ويصلون فيها جماعة على حسب استطاعتهم، ويستقبلون القبلة في الفرض، وكلما انحرفت السفينة\n_________\n(١) الحاكم، ١/ ٢٧٥، وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ١/ ٢٧٥، والدارقطني في السنن، ١/ ٣٩٥، وذكره الألباني في صفة الصلاة، ص٦٨، ونقل تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي، وقال الشيخ محمد شمس الحق في التعليق المغني على الدارقطني: «فيه بشر بن فأفأ ضعفه الدارقطني، كذا في الميزان، لكن ما بين وجه الضعف فهو جرح مبهم»، ١/ ٣٩٥.\n(٢) الجدَّ: شاطئ البحر. انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٤٩.\n(٣) الحديث أخرجه سعيد بن منصور في سننه كما عزاه إليه المجد بن تيمية في منتقى الأخبار، رقم١٥١٠.\n(٤) نيل الأوطار، ٢/ ٤٤٩.\n(٥) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٦) انظر: الشرح الكبير، لعبد الرحمن بن قدامة المقدسي، ٥/ ٢٠، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٢٠.","vol":"2","page":719},{"text":"عن القبلة اتجهوا إليها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>٢ - الصلاة المفروضة في الطائرة صحيحة</span>؛ لأن الطائرة في الجو على متن الهواء كالباخرة في البحر على متن الماء، ولكن يجب على المسلم أن يفعل ما يجب عليه في الصلاة: من القيام بالأركان، والواجبات، والشروط مثل: الطهارة، واستقبال القبلة، والقيام، والقعود، والركوع، والسجود، وغير ذلك مما يجب، وإذا كان لا يستطيع القيام بذلك فلا يصلي في الطائرة بل ينتظر حتى تهبط إلا إذا علم أن الهبوط بعد خروج الوقت، وكانت الصلاة التي أدركته في الجو لا يمكن جمعها مع ما بعدها، مثل: العصر والفجر ويعلم بأن هبوط الطائرة بعد خروج وقتها لزمه أن يصليها في الطائرة ولا يؤخرها عن وقتها، فيصليها كالصلاة في السفينة كما تقدم، فإن استطاع أن يصلي قائمًا صلى قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا ويكون مستقبل القبلة ويدور مع القبلة حيث دارت، ويومئ بالركوع والسجود ويكون أخفض من الركوع، ويقوم بما يستطيع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾﴾ (٢)، أما إذا كانت الصلاة مما يجمع جمع تقديم أو تأخير، فإن الأفضل للمسلم أن يصليها إذا أدركه وقت الأولى قبل الإقلاع، فيصلي التي أدركه وقتها كالظهر مثلًا ثم يصلي العصر، وهكذا المغرب والعشاء إذا كان مسافرًا قد خرج من بلده، أما إذا لم يدخل وقت الأولى وأقلعت الطائرة أو القطار أو السفينة قبل دخول الوقت فإنه يؤخرها إلى وقت الثانية فيصلي جمع تأخير مع قصر الرباعية إذا كان مسافرًا.\nأما إذا دخل الوقت أثناء السير وهو يعلم أن وقت الصلاة الثانية يخرج قبل الهبوط وجب عليه أن يصليها قبل خروج وقت الثانية على حسب استطاعته.\n_________\n(١) الإنصاف مع الشرح الكبير، ٥/ ٢٠، والروض المربع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٣٧٣.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١٦.","vol":"2","page":720},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1354>٣ - الصلاة في السيارة أو على الراحلة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1355>أ- إذا كانت السيارة كبيرة وفيها مكان واسع للصلاة </span>يستطيع الإنسان أن يصلي الفرض قائمًا راكعًا ساجدًا، مستقبل القبلة، وقد تطهر، فلا حرج عليه أن يصلي فيها، كما يصلي في السفينة والطائرة والقطار كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>ب- إذا كان لا يستطيع أن يقوم بما يجب عليه في صلاة الفريضة </span>فإنه لا يصلي في السيارة إلا إذا لم يستطع النزول منها وخشي خروج وقت الصلاة، فإنه حينئذ يصلي على حسب حاله كما تقدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>جـ- أما الصلاة على الرواحل: كالإبل، والخيل، والبغال</span>، وغيرها فلا تصح إلا عند خشية التأذي بمطر، أو وحل إذا نزل على الأرض ولا يستقر في صلاته فإنه حينئذ يصلي ولكن يستقبل القبلة، ويعمل ما يستطيع في صلاته، وكذا يصح الفرض على الراحلة إذا خاف انقطاعًا عن رفقته بنزوله، أو خاف على نفسه من عدو أو عجز عن ركوب إن نزل، وعليه أن يستقبل القبلة إن قدر على ذلك، وعليه أن يركع ويسجد ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾﴾ (١)، ولقوله سبحانه: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1358>٤ - صلاة النافلة في السفر تصح على جميع وسائل النقل</span>، سواء كانت: من السفن، أو البواخر، أو الطائرات، أو السيارات، أو الراحلة؛ لأن النبي - ﷺ - كان يصلي النافلة وهو على راحلته حيث توجهت به، وقد رآه ابن عمر ﵄ يصلي الوتر كذلك على الراحلة (٣)؛ لكن الأفضل\n_________\n(١) سورة التغابن، الآية: ١٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية ٢٨٦.\n(٣) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، البخاري، برقم ٩٩٩، ورقم ١٠٠٠، ١٠٩٥،\nو١٠٩٦، ١٠٩٨، و١١٠٥، ومسلم، برقم ٧٠٠، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.","vol":"2","page":721},{"text":"أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام ثم يصلي كيفما توجهت به (١) السفينة، أو الطائرة، أو الراحلة أو غير ذلك (٢)، ولو لم يستقبل القبلة في النافلة عند تكبيرة الإحرام فلا حرج في ذلك، ولكن هذا من باب الاستحباب.\nوالله - ﷿ - أعلم وأحكم، وهو الموفق - ﷾ -.\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٢٢٥،وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٢) انظر: الصلاة في السفينة والطائرة، والقطار، والسيارة، وعلى الراحلة ما في المغني لابن قدامة،\n٢/ ٣٢٣، ٣٢٦، ٢/ ٩٧ - ٩٨، والشرح الكبير، ٥/ ٢٠، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير،\n٥/ ٢٠، والروض المربع، مع شرح ابن قاسم، ٢/ ٣٧٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٤/ ٤٨٤ - ٤٨٩، والفتاوى له، ١٥/ ٢٤٤ - ٢٥٥، وفتاوى الإمام ابن باز جمع عبد الله الطيار، ٤/ ٤٦١ - ٤٦٤، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ١١٩ - ١٢٧.","vol":"2","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1359>المبحث الثامن والعشرون: صلاة المسافر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>أولًا: مفهوم السفر</span>، والمسافر: السُّفْرُ: جمع سافر، والمسافرون: جمع مسافر، والسفر والمسافرون بمعنىً. وسُمّي المسافر مسافرًا؛ لكشفه قناع الكنّ عن وجهه، ومنازل الحضَرِ عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها (١)، فظهر أن السفر: قطع المسافة؛ سمي بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ومنه قولهم: سفرت المرأة عن وجهها: إذا أظهرته، والسفر هو الخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصدًا مكانًا يبعد مسافة يصحُّ فيها قصر الصلاة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>ثانيًا: أنواع السفر على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1362>١ - سفرٌ حرام</span>، وهو أن يسافر لفعل ما حرمه الله أو حرمه رسوله - ﷺ -، مثل: من يسافر للتجارة في الخمر، والمحرمات، وقطع الطريق، أو سفر المرأة بدون محرم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>٢ - سفر واجب</span>، مثل: السفر لفريضة الحج، أو السفر للعمرة الواجبة، أو الجهاد الواجب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1364>٣ - سفر مستحب</span>، مثل: السفر للعمرة غير الواجبة، أو السفر لحج التطوع، أو جهاد التطوع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1365>٤ - سفر مباح</span>، مثل: السفر للتجارة المباحة، وكل أمر مباح.\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور، باب الراء، فصل السين،٤/ ٣٦٨. وقيل: السفر لغة: قطع المسافة، وشرعًا: هو الخروج على قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فما فوقها بسير الإبل ومشي الأقدام. التعريفات للجرجاني، ص١٥٧، وقال: المسافر: هو من قصد سيرًا وسطًا ثلاثة أيام ولياليها، وفارق بيوت بلده، التعريفات للجرجاني، ص٢٦٦.\n(٢) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد رواس، ص٢١٩.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥،والشرح الممتع لابن عثيمين ﵀،٤/ ٤٩٢.","vol":"2","page":723},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1366>٥ - سفر مكروه</span>، مثل: سفر الإنسان وحده بدون رفقة إلا في أمر لابد منه (١)؛ لقوله - ﷺ -: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» (٢).\nفهذه أنواع السفر التي ذكرها أهل العلم، فيجب على كل مسلم أن لا يسافر إلى سفر محرم، وينبغي له أن لا يتعمد السفر المكروه، بل يقتصر في جميع أسفاره على السفر الواجب، والمستحب، والمباح (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1367>ثالثًا: آداب السفر والعمرة والحج:</span>\nالآداب التي ينبغي للمسافر والمعتمر والحاج المسافر معرفتها والعمل بها؛ ليحصل على عمرة مقبولة، ويُوفَّق لحج مبرور، وسفر مبارك آداب كثيرة منها: آداب واجبة وآداب مستحبة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية:\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ١١٤ - ١١٧،والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين،٤/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، برقم ٢٩٩٨،من حديث ابن عمر ﵄.\n(٣) اختلف العلماء في نوع السفر الذي تختص به رخص السفر: من القصر، والجمع، والفطر، والمسح على الخفين والعمائم ثلاثة أيام، والصلاة على الراحلة تطوعًا على أقوال:\n١ - فقيل: رخص السفر: من القصر، والجمع، والفطر في رمضان، والمسح ثلاثًا، والصلاة على الراحلة تطوعًا تكون في السفر الواجب، والمندوب، والمباح، أما السفر المحرم والمكروه فلا تباح فيه هذه الرخص.\n٢ - وقيل: لا يقصر إلا في الحج والعمرة والجهاد؛ لأن الواجب لا يترك إلا لواجب، أما السفر المباح والمحرم والمكروه فلا.\n٣ - وقيل لا يقصر إلا في سفر الطاعة؛ لأن النبي - ﷺ - إنما قصر في سفر واجب أو مندوب.\n٤ - وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه يجوز القصر حتى في السفر المحرم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والحجة مع من جعل القصر والفطر مشروعًا في جنس السفر ولم يخص سفرًا دون سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٠٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٥ - ١١٧، والأخبار العلمية، من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٤٧، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، ٥/ ٣٠، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع الفتح والشرح الكبير،٥/ ٣٤،والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٤٩٣،والفتاوى له، ١٥/ ٢٦٠، ٢٧٤ - ٢٨١.","vol":"2","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>١ - يستخير الله سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق، وجهة الطريق </span>إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح. أما الحج؛ فإنه خير لا شك فيه. وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1369>٢ - يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله تعالى</span>، والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدًا﴾ (٣). والمسلم هكذا لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٤)، وفي الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٥).\nوقد خاف النبي - ﷺ - على أمته من الشرك الأصغر فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسُئل عنه فقال: «الرياء» (٦). وقال - ﷺ -: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن يُرائي يُرائي الله به» (٧). قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا\n_________\n(١) انظر الاستخارة في البخاري، ٧/ ١٦٢، وحصن المسلم، ص٤٥، للمؤلف.\n(٢) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٣) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ١٨.\n(٥) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم ٢٩٨٥.\n(٦) أحمد في المسند،٥/ ٤٢٨ وحسنه الألباني في صحيح الجامع،٢/ ٤٥.\n(٧) متفق عليه من حديث جندب - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب الرياء والسمعة، برقم ٦٤٩٩، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم ٢٩٨٧.","vol":"2","page":725},{"text":"إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيّمَة﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>٣ - على الحاج والمعتمر التفقه في أحكام العمرة والحج، وأحكام السفر قبل أن يسافر: </span>من القصر، والجمع، وأحكام التيمم، والمسح على الخفين، وغير ذلك مما يحتاجه في طريقه إلى أداء المناسك قال - ﷺ -: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1371>٤ - التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، سواء كان حاجًّا أو معتمرًا</span>، أو غير ذلك فتجب التوبة من جميع الذنوب والمعاصي، وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب وتركها، والندم على فعل ما مضى منها، والعزيمة على عدم العودة إليها، وإن كان عنده للناس مظالم ردّها وتحللهم منها، سواء كانت: عرضًا أو مالًا، أو غير ذلك من قبل أن يُؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات أخيه فطرحت عليه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1372>٥ - على الحاج أو المعتمر أن ينتخب المال الحلال لحجه وعمرت</span>ه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيّبًا؛ ولأن المال الحرام يسبب عدم إجابة الدعاء (٤)، وأيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1373>٦ - يستحب للمسافر أن يكتب وصيته، وما له وما عليه فالآجال بيد الله تعالى: </span>﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ\n_________\n(١) سورة البينة، الآية: ٥.\n(٢) البخاري، من حديث معاوية - ﵁ -،كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، برقم ٧١.\n(٣) انظر: سورة النور، الآية: ٣١، والبخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، برقم ٦٥٣٤، ٦٥٣٥.\n(٤) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، برقم ١٠١٥.\n(٥) أبو نعيم في الحلية بنحوه، ١/ ٣١، وأحمد في الزهد بمعناه، ص١٦٤ وفي المسند، ٣/ ٣٢١، والدارمي، ٢/ ٢٢٩، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٤/ ١٧٢، وانظر: فتح الباري، ٣/ ١١٣.","vol":"2","page":726},{"text":"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١)، وقال - ﷺ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٢). ويشهد عليها، ويقضي ما عليه من الديون، ويرد الودائع إلى أهلها أو يستأذنهم في بقائها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>٧ - يستحب للمسافر أن يوصي أهله بتقوى الله تعالى، وهي وصية الله تعالى </span>للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1375>٨ - يستحب للمسافر أن يجتهد في اختيار الرفيق الصالح</span>، ويحرص أن يكون من طلبة العلم الشرعي؛ فإن هذا من أسباب توفيقه وعدم وقوعه في الأخطاء في سفره وفي حجه وعمرته؛ لقول النبي - ﷺ - «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٤)؛ولقوله - ﷺ - «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي» (٥)، وقد مثل النبي - ﷺ - الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (٦).\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية: ٣٤.\n(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم ٢٧٣٨، ومسلم، كتاب الوصية، برقم ١٦٢٧.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٣١.\n(٤) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٨٨.\n(٥) أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس، برقم ٤٨٣٢، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في صحبة المؤمن، برقم ٢٣٩٥، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ٤٨٣٢، وصحيح الترمذي، برقم ٢٥١٩.\n(٦) متفق عليه من حديث أبي موسى - ﵁ -: البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك، برقم ٥٥٣٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، برقم ٢٦٢٨.","vol":"2","page":727},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1376>٩ - يستحب للمسافر أن يودع أهله، وأقاربه، وأهل العلم: من جيرانه</span>، وأصحابه، قال - ﷺ -: «من أراد سفرًا فليقل لمن يخلّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه» (١)، وكان النبي - ﷺ - يودع أصحابه إذا أراد أحدهم سفرًا فيقول: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» (٢)، وكان - ﷺ - يقول لمن طلب منه أن يوصيه من المسافرين: «زوَّدك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسَّر لك الخير حيثُ ما كنتَ» (٣). وجاء رجل إلى النبي - ﷺ - يريد سفرًا فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف»، فلما مضى قال: «اللهم ازوِ له الأرض، وهوّن عليه السفر» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1377>١٠ - لا يصطحب معه الجرس والمزامير والكلب في السفر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» (٥).وعنه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الجرس مزامير الشيطان» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1378>١١ - إذا أراد السفر بإحدى زوجاته إن كان له أكثر من واحدة أقرع بينهن </span>فأي زوجة وقعت عليها القرعة خرجت معه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج\n_________\n(١) أحمد، ٢/ ٤٠٣، ابن ماجه، الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم، برقم ٢٨٢٥، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦، ٢٥٤٧، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٣٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع، برقم ٢٦٠٠،والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء فيما يقول إذا ودع إنسانًا، برقم ٣٤٤٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٥.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا ودع إنسانًا، برقم ٣٤٤٤، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤١٩: «حسن صحيح».\n(٤) الترمذي، كتاب الدعوات، باب منه وصيته - ﷺ - المسافر بتقوى الله والتكبير على كل شرف، برقم ٣٤٤٥ وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله، برقم ٢٧٧١. وأحمد، والحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٦، وصحيح ابن ماجه، ٢/ ١٢٤، وصحيح ابن خزيمة، ٤/ ١٤٩.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة: باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (برقم ٢١١٣).\n(٦) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب كراهة الكلب والجرس في السفر، (رقم ٢١١٤)، وأحمد في مسنده، (٢/ ٣٧٢)،وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في تعليق الأجراس، (رقم ٢٥٥٦).","vol":"2","page":728},{"text":"سهمها خرج بها معه» (١). وهذا هو السنة، إذا أراد أن يسافر ببعض نسائه، فالقرعة فيها راحة عظيمة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>١٢ - يستحب له أن يخرج للسفر يوم الخميس من أول النهار؛ لفعله - ﷺ </span>- قال كعب بن مالك - ﵁ -: «لقلَّما كان رسول الله - ﷺ - يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس» (٣). ودعا لأمته - ﷺ - بالبركة في أول النهار فقال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1380>١٣ - يستحبُّ له أن يدعو بدعاء الخروج من المنزل </span>فيقول عند خروجه: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (٥)، اللهم إني أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أزلَّ أو أُزَلَّ، أو أظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهلَ أو يُجهلَ عليَّ» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1381>١٤ - يستحبّ له أن يدعو بدعاء السفر</span>، إذا ركب دابته، أو سيارته، أو الطائرة، أو غيرها من المركوبات فيقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر»\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها، برقم ٢٥٩٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة ﵂، برقم ٢٤٤٥.\n(٢) سمعته من شيخنا الإمام ابن باز أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٢٨٧٩.\n(٣) البخاري، كتاب الجهاد، باب من أراد غزوة فورّى بغيرها ومن أحب الخروج يوم الخميس، برقم ٢٩٤٨.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الابتكار في السفر (رقم ٢٦٠٦)، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في التبكير بالتجارة، (رقم ١٢١٢)، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب ما يرجى من البركة في البكور، (رقم ٢٢٣٦)، وأحمد في مسنده، (١/ ١٥٤، ٣/ ٤١٦)، قال أبو عيسى: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ٤٩٤، وصحيح الترمذي، ٢/ ٧ - ٨.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٥٠٩٥)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٣٤٢٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ٤١٠، وصحيح أبي داود، ٣/ ٩٥٩.\n(٦) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا خرج من بيته، (رقم ٥٠٩٤)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب منه، (رقم ٣٤٢٧)، والنسائي في كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من دعاء لا يستجاب، (رقم ٥٥٣٦)، وابن ماجه في كتاب الدعوات، باب ما يدعو الرجل إذا خرج من بيته، (رقم ٣٨٨٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٩٥٩، وصحيح الترمذي، ٣/ ٤١٠ - ٤١١.","vol":"2","page":729},{"text":"﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ*وَإِنَّا إِلَى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ (١)، «اللهمّ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهمّ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهمّ إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب: في المال، والأهل ..» وإذا رجع من سفره قالهن وزاد فيهن: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>١٥ - يستحبّ له أن لا يسافر وحده بلا رفقة</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده» (٣).وقال - ﷺ -: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، الثلاثة ركب» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1383>١٦ - يؤمِّر المسافرون أحدَهم؛ ليكون أجمعَ لشملهم، وأدعى لاتفاقهم</span>، وأقوى لتحصيل غرضهم، قال - ﷺ -: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا أحدهم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1384>١٧ - يستحب إذا نزل المسافرون منزلًا أن ينضمّ بعضهم إلى بعض</span>، فقد كان بعض أصحاب النبي - ﷺ - إذا نزلوا منزلًا تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال - ﷺ -: «إنما تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان» (٦). فكانوا بعد ذلك ينضمُّ بعضُهم إلى بعض حتى لو بسط\n_________\n(١) سورة الزخرف، الآيتان: ١٣ - ١٤.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٢).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، (رقم ٢٩٩٨).\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الرجل يسافر وحده، (رقم ٢٦٠٧)،والترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، (رقم ١٦٧٤)،وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده، (٢/ ١٨٦، ٢١٤)،والحاكم في المستدرك، (٢/ ١٠٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسّنه الألباني في الصحيحة، (رقم ٦٢)،وصحيح الترمذي، ٢/ ٢٤٥.\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم، (رقم ٢٦٠٨، ٢٦٠٩)، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٩٤، ٤٩٥.\n(٦) أبو داود، كتاب الجهاد، باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته، برقم ٢٦٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٣٠.","vol":"2","page":730},{"text":"عليهم ثوب لوسعهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>١٨ - يستحبّ إذا نزل منزلًا في السفر أو غيره من المنازل أن يدعو بما ثبت عنه - ﷺ </span>-: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»؛ فإنه إذا قال ذلك لم يضرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1386>١٩ - يستحبّ له أن يكبّر على المرتفعات ويسبح إذا هبط المنخفضات والأودية</span>، قال جابر - ﵁ -: «كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا» (٢)، ولا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، قال - ﷺ -: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم، إنه سميع قريب» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1387>٢٠ - يستحبّ له أن يدعوَ بدعاء دخول القرية أو البلدة </span>فيقول إذا رآها: «اللهم ربَّ السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1388>٢١ - يستحبّ له السير أثناء السفر في الليل وخاصة أوله</span>؛ لقوله - ﷺ -: «عليكم بالدُّلجة؛ فإن الأرض تُطوَى بالليل» (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره، (رقم ٢٧٠٩).\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب التسبيح إذا هبط واديًا، (رقم ٢٩٩٣).\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير، (رقم ٢٩٩٢)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، (رقم ٢٧٠٤).\n(٤) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، (رقم ٥٤٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، (رقم ٥٢٤)،وابن حبان كما في موارد الظمآن، (رقم ٢٣٧٧)،وابن خزيمة في صحيحه، (رقم ٢٥٦٥)، والحاكم في المستدرك، (١/ ٤٤٦، ٢/ ١٠٠)، وصححه ووافقه الذهبي، وحسّنه الحافظ ابن حجر. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، (١٠/ ١٣٧):رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. وقال ابن باز ﵀ في تحفة الأخيار، ص٣٧: «رواه النسائي بإسناد حسن».\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الدلجة، (رقم ٢٥٧١)،والحاكم في مستدركه، (١/ ٤٤٥)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه الكبرى،\n(٥/ ٢٥٦)، وصححه الألباني في الصحيحة، (رقم ٦٨١)، وفي صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٦٩.","vol":"2","page":731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1389>٢٢ - يستحبّ له أن يقول في السحر إذا بدا له الفجر: </span>«سمّع سامعٌ بحمد الله وحسن بلائه علينا. ربنا صاحبنا، وأفضل علينا عائذًا بالله من النار» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1390>٢٣ - يستحبّ له أن يكثر من الدعاء في السفر</span>؛ فإنه حريٌّ بأن تجاب دعوته، ويُعطى مسألته؛ لقوله - ﷺ -: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده» (٢)، ويكثر الحاج من الدعاء كذلك على الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي المشعر الحرام بعد الفجر، وبعد رمي الجمرة الصغرى، والوسطى أيام التشريق؛ لأن النبي - ﷺ - أكثر في هذه المواطن الستة من الدعاء ورفع يديه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1391>٢٤ - يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر على حسب طاقته وعلمه</span>، ولابد من أن يكون على علم وبصيرة فيما يأمر وفيما ينهى عنه، ويلتزم الرفق واللين، ولا شك أنه يُخشى على من لم ينكر المنكر أن يعاقبه الله - ﷿ - بعدم قبول دعائه؛ لقوله - ﷺ -: «والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1392>٢٥ - يبتعد عن جميع المعاصي</span>، فلا يؤذي أحدًا بلسانه، ولا بيده، ولا يزاحم الحجاج والمعتمرين زحامًا يؤذيهم، ولا ينقل النميمة ولا يقع في\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، (رقم ٢٧١٨).\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الوتر، باب الدعاء بظهر الغيب، (رقم ١٥٣٦)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في دعوة الوالدين، (رقم ١٩٠٥)، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم، (رقم ٣٨٦٢)، وأحمد، ٣/ ٢٥٨، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٤/ ٣٤٤، وغيره.\n(٣) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٢٢٧ و٢٨٦.\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، برقم ٢١٦٩، وابن ماجه، وأحمد،٥/ ٣٨٨، وحسنه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٤٦٠.","vol":"2","page":732},{"text":"الغيبة، ولا يجادل مع أصحابه وغيرهم إلا بالتي هي أحسن، ولا يكذب، ولا يقول على الله ما لا يعلم، وغير ذلك من أنواع المعاصي والسيئات قال سبحانه: ﴿الحج أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج﴾ (١)،وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (٢)، والمعاصي في الحرم ليست كالمعاصي في غيره، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1393>٢٦ - يحافظ على جميع الواجبات، ومن أعظمها الصلاة في أوقاتها مع الجماعة</span>، ويكثر من الطاعات: كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والإحسان إلى الناس بالقول والفعل، والرفق بهم، وإعانتهم عند الحاجة. قال - ﷺ -: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>٢٧ - يتخلق بالخلق الحسن، ويخالق به الناس، والخلق الحسن </span>يشمل: الصبر، والعفو، والرفق، واللين، والحلم، والأناة وعدم العجلة في الأمور، والتواضع، والكرم والجود، والعدل، والثبات، والرحمة، والأمانة، والزهد والورع، والسماحة، والوفاء، والحياء، والصدق، والبر والإحسان، والعفة، والنشاط، والمروءة؛ ولعظم فضل حسن الخلق قال النبي - ﷺ -: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا ..» (٥)، وقال - ﷺ -: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٢٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم ٦٠١١، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، (رقم ٢٥٨٦).\n(٥) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، (رقم ٤٦٨٢)، والترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، (رقم١١٦٢)، وقال: حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده، (٢/ ٢٥٠، ٤٧٢)، والحاكم في مستدركه، (١/ ٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة، (رقم ٢٨٤)، وصحيح الترمذي، ١/ ٥٩٤.","vol":"2","page":733},{"text":"الصائم القائم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1395>٢٨ - يعين الضعيف، والرفيق في السفر: بالنفس، والمال، والجاه</span>، ويواسيهم بفضول المال وغيره مما يحتاجون إليه، فعن أبي سعيد - ﵁ - «أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فقال: «من كان معه فضل ظهر فليعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعُدْ به على من لا زاد له»، فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» (٢). وعن جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتخلف في المسير فيزجي الضعيف (٣)، ويردف، ويدعو لهم» (٤). وهذا يدل على رأفته - ﷺ - وحرصه على مصالحهم؛ ليقتدي به المسلمون عامة، والمسؤولون خاصة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1396>٢٩ - يتعجّل في العودة ولا يطيل المكث في السفر لغير حاجة</span>؛ لقوله - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1397>٣٠ - يستحبّ له أن يقول أثناء رجوعه من سفره ما ثبت عن النبي - ﷺ </span>- أنه كان إذا قفل من غزو، أو حج، أو عمرة، يكبّر على كل شرف من\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب في حسن الخلق، (رقم ٤٧٩٨)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، (٣/ ٩١١)، وفي صحيح الجامع، (رقم ١٩٣٢).\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب اللقطة، باب استحباب المؤاساة بفضول المال، (رقم ١٧٢٨).\n(٣) ومعنى يزجي الضعيف: أي يسوقه ويدفعه حتى يلحق بالرفاق. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٢/ ٢٩٧.\n(٤) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في لزوم الساقة، (رقم ٢٦٣٩)، والحاكم في المستدرك،\n(٢/ ١١٥)،وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح أبي داود، (٢/ ٥٠٠)، وفي الصحيحة، (رقم ٢١٢٠).\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، (رقم ١٨٠٤)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله بعد قضاء شغله، (رقم ١٩٢٧)، والنهمة: هي الحاجة.","vol":"2","page":734},{"text":"الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1398>٣١ - يستحبّ له إذا رأى بلدته أن يقول: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون»</span>. ويردّد ذلك حتى يدخل بلدته؛ لفعله - ﷺ - (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1399>٣٢ - لا يقدم على أهله ليلًا إذا أطال الغَيْبة لغير حاجة إلا إذا بلَّغهم بذلك</span>، وأخبرهم بوقت قدومه ليلًا؛ لنهيه - ﷺ - عن ذلك، قال جابر بن عبد الله ﵄: «نهى النبي - ﷺ - أن يطرق (٣) الرجل أهله ليلًا» (٤). ومن الحكمة في ذلك ما فسرته الرواية الأخرى: «حتى تمتشط الشعثة، وتستحدَّ المغيَّبة»، وفي أخرى: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخوّنهم، أو يلتمس عثراتهم» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1400>٣٣ - يستحبّ للقادم من السفر أن يبتدئ بالمسجد الذي بجواره ويصلي فيه ركعتين</span>؛ لفعله - ﷺ -؛ فإنه «كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين» (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج، (رقم ١٧٩٧)، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٤).\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره، (رقم ١٣٤٢).\n(٣) لا يطرق أهله: أي لا يدخل عليهم ليلًا إذا قدم من سفر.\n(٤) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة، (رقم ١٨٠١)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر، (رقم ١٩٢٨/ ١٨٤).\n(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر، (رقم ١٩٢٨/ ١٨٤).\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة إذا قدم من سفر بعد الحديث رقم ٤٤٣، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، (رقم ٧١٦).","vol":"2","page":735},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1401>٣٤ - يستحب للمسافر إذا قدم من سفر أن يتلطف بالوِلْدَان من أهل بيته وجيرانه ويحسن إليهم </span>إذا استقبلوه، فعن ابن عباس ﵄ قال: لما قدم النبي - ﷺ - مكة استقبله أُغيلمة بني عبد المطلب فحمل واحدًا بين يديه والآخر خلفه (١).وقال عبد الله بن جعفر - ﵁ -: «كان - ﷺ - إذا قدم من سفر تُلُقّي بنا، فَتُلُقّيَ بي وبالحسن أو بالحسين فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه حتى دخلنا المدينة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>٣٥ - تستحبّ الهدية، لما فيها من تطييب القلوب وإزالة الشحناء، ويستحب قبولها، والإثابة عليها</span>، ويكره ردّها لغير مانع شرعي؛ ولهذا قال - ﷺ -: «تهادوا تحابّوا» (٣)، والهدية سبب من أسباب المودة بين المسلمين؛ ولهذا قال بعضهم:\nهدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا\n\nوقد ذُكِرَ أن أحد الحجاج عاد إلى أهله فلم يقدّم لهم شيئًا فغضب واحد منهم وأنشد شعرًا فقال:\nكأن الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكًا ولا نعلًا\nأتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كف طفل لنا نقلا (٤)\n\nومن أجمل الهدايا ماء زمزم؛ لأنها مباركة، قال - ﷺ - في ماء زمزم: «إنها\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب العمرة، باب استقبال الحاج القادمين والثلاثة على الدابة، (رقم ١٧٩٨)، وفي كتاب اللباس، باب الثلاثة على الدابة، (رقم ٥٩٦٥).\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عبد الله بن جعفر ﵄، (رقم ٢٤٢٨/ ٦٧)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في ركوب ثلاثة على دابة، (رقم ٢٥٦٦)،وابن ماجه في كتاب الأدب، باب ركوب ثلاثة على دابة، (رقم ٣٧٧٣)، وانظر فتح الباري، (١٠/ ٣٩٦).\n(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده، (رقم ٦١٤٨)، والبيهقي في سننه الكبرى، (٦/ ١٦٩)، وفي شعب الإيمان، (رقم ٨٩٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد، (رقم ٥٩٤)، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، (٣/ ٧٠): إسناده حسن. وكذا حسّنه الألباني في إرواء الغليل، (رقم ١٦٠١).\n(٤) انظر: المنهاج للمعتمر والحاج لسعود بن إبراهيم الشريم، ص١٢٤.","vol":"2","page":736},{"text":"مباركة، إنها طعام طعم [وشفاء سقم]» (١).\nوعن جابر - ﵁ - يرفعه: «ماء زمزم لما شُرِبَ له» (٢). ويُذكر أن النبي - ﷺ - «كان يحمل ماء زمزم في الأداوي والقرب، فكان يصب على المرضى ويسقيهم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1403>٣٦ - إذا قدم المسافر إلى بلده استحبت المعانقة</span>؛ لما ثبت عن أصحاب النبي - ﷺ - كما قال أنس - ﵁ -: «كانوا إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>٣٧ - يستحب جمع الأصحاب وإطعامهم عند القدوم من السفر</span>؛ لفعل النبي - ﷺ -، فعن جابر بن عبد الله ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة». زاد معاذ عن شعبة عن محارب سمع جابر بن عبد الله يقول: «اشترى مني النبي - ﷺ - بعيرًا بأوقيتين ودرهم أو درهمين، فلما قدم صرارًا (٥) أمر ببقرة فذبحت فأكلوا منها ...» الحديث (٦). وهذا الطعام يقال له: (النقيعة)، وهي طعام يتخذه القادم من السفر (٧)، وهذا الحديث وما جاء في معناه يدل على إطعام الإمام\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي ذر - ﵁ -، (رقم ٢٤٧٣)، وما بين المعقوفين عند البزار، والبيهقي والطبراني، وإسناده صحيح، انظر: مجمع الزوائد، ٣/ ٢٨٦.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم، (رقم ٣٠٦٢)،والبيهقي في السنن الكبرى،\n(٥/ ٢٠٢)، وأحمد في المسند، (٣/ ٣٧٢)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٩، وإرواء الغليل، (رقم ١١٢٣)، والصحيحة، (رقم ٨٨٣).\n(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الحج، باب رقم ١١٥، (رقم ٩٦٣) مختصرًا، والحاكم في المستدرك، (١/ ٤٨٥)، وصححه الألباني في الصحيحة، (رقم ٨٨٣)، وصحيح الجامع، (رقم ٤٩٣١).\n(٤) الطبراني في الأوسط (مجمع البحرين في زوائد المعجمين)، ٥/ ٢٦٢، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ٨/ ٣٦، وقال: رجاله رجاله الصحيح.\n(٥) صرار: موضع بظاهر المدينة على ثلاثة أميال منها من جهة المشرق. فتح الباري، ٦/ ١٩٤.\n(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الطعام عند القدوم، (رقم ٣٠٨٩)، واللفظ له، ومسلم مختصرًا في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب الركعتين في المسجد لمن قدم من سفر أول قدومه، (رقم ٧١٥/ ٧٢).\n(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، ٥/ ١٠٩ والقاموس المحيط، ص٩٩٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ١/ ١٩١.","vol":"2","page":737},{"text":"والرئيس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1405>رابعًا: الأصل في قصر الصلاة في السفر: الكتاب والسنة والإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1406>١ - أما الكتاب </span>فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (٢). وعن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1407>٢ - وأما السنة فقد تواترت الأخبار </span>أن رسول الله - ﷺ - كان يقصر في أسفاره: حاجًّا، ومعتمرًا، وغازيًا، قال عبد الله بن عمر ﵄: «صحبت رسول الله - ﷺ - فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك، - ﵃ -» (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: «فرض الله الصلاة حين فرضها: ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر». وفي لفظ للبخاري: «فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ - ففرضت أربعًا وتركت صلاة السفر على الأولى» (٥).\nزاد أحمد: إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها\n_________\n(١) قاله ابن بطال كما في فتح الباري، ٦/ ١٩٤.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٠١.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، برقم ٣٥٠، وكتاب التقصير، باب يقصر إذا خرج من موضعه، برقم ١٠٩٠، وكتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ من أين أرَّخوا التاريخ، برقم ٣٩٣٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ١٥٧٠.","vol":"2","page":738},{"text":"القراءة» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (٢)، وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان». وفي لفظ: «صليت مع النبي - ﷺ - ركعتين، ومع أبي بكر - ﵁ - ركعتين، ومع عمر - ﵁ - ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، يا ليت حظي من أربع: ركعتان متقبلتان» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>٣ - وأما الإجماع</span>، فقد أجمع أهل العلم على أن من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة: في حج، أو عمرة، أو جهاد أن له أن يقصر الرباعية فيصليها ركعتين (٤)، وأجمعوا على أن لا يقصر في المغرب ولا في صلاة الصبح (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1409>خامسًا: القصر في السفر أفضل من الإتمام</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يحب أن تؤتى رُخصُه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٦)، وفي رواية: «إن الله يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن تؤتى عزائمُه» (٧). ولكن لو أتم المسافر الصلاة\n_________\n(١) مسند أحمد، ٦/ ٢٤١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٥، وابن حبان، برقم ٢٧٣٨.\n(٢) مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.\n(٤) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٦، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥.\n(٥) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٦.\n(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٥٦٤.\n(٧) أخرجه ابن حبان من حديث ابن عباس ﵄، ٢/ ٦٩، برقم ٣٥٤، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١١٨٨٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١١، برقم ٥٦٤.","vol":"2","page":739},{"text":"الرباعية أربعًا فصلاته صحيحة ولكنه خالف الأفضل؛ لأن عائشة ﵂ كانت تتم في السفر بعد موت النبي - ﷺ -، وأتم عثمان - ﵁ - بمنى (١)، ولكن ما داوم عليه رسول الله - ﷺ - في أسفاره أفضل بلا شك (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «أصل الصلاة ركعتان كما فرضها الله تعالى، ثم زاد فيها سبحانه في الحضر بعد الهجرة ثنتين، في العشاء، والظهر، والعصر، وبقيت صلاة السفر على حالها: الظهر، والعصر، والعشاء ركعتان، وهذا يؤيد الأصل، والمغرب والفجر بقيت على أصلها، فالقصر سنة مؤكدة، ولكن لا مانع من الإتمام في السفر، والقصر صدقة من الله، فمن صلى أربعًا فلا حرج، وقد كانت عائشة ﵂ تتم في السفر، وتأولت أنه لا يشق عليها، ولم ينكر عليها الصحابة، وهي من أعلم الناس» (٣).\n_________\n(١) إتمام عائشة ﵂ في السفر رواه مسلم، في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٣ - (٦٨٥)، وإتمام عثمان - ﵁ - في منى رواه البخاري في كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٤، وكتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم ١٦٥٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٥.\n(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد تنازع العلماء في التربيع [في السفر] هل هو محرم أو مكروه أو ترك الأولى؟ أو مستحب؟ أو هما سواء؟ على خمسة أقوال: «أحدها: قول من يقول: الإتمام أفضل، كقولٍ للشافعي، والثاني: قول من يسوي بينهما كبعض أصحاب مالك، والثالث: قول من يقول القصر أفضل، كقول الشافعي الصحيح، وإحدى الروايتين عن أحمد، والرابع: قول من يقول: القصر واجب، كقول أبي حنيفة ومالك في رواية، وأظهر الأقوال: قول من يقول: إنه سنة والإتمام مكروه؛ ولهذا لا تجب نية القصر عند أكثر العلماء: كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد في أحد القولين عنه في مذهبه». مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٩، ١٠، ٢١ - ٢٢.\n(٣) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، على الأحاديث ذات الأرقام ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٥٤، ٤٥٥، وقال على حديث عائشة ﵂: «إن النبي - ﷺ - كان يقصر في السفر ويتم ويصوم ويفطر» قال أهل العلم ليس بمحفوظ، بل هو شاذ، والمحفوظ عن النبي - ﷺ - في السفر أنه كان يقصر، فقد خالفت هذه الرواية رواية الثقات كأنس وغيره، لكن فعل عائشة يدل على الجواز كما تقدم، ولكن ما سار عليه النبي - ﷺ - هو أولى وأفضل، وقد كان عثمان يقصر ثم أتم بعد ذلك، وصلى معه بعض أصحابه.","vol":"2","page":740},{"text":"وإذا نسي صلاة الحضر فذكرها في السفر فعليه أن يصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ، وأما إن نسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال الإمام أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان (١)، والله - ﷿ - أعلم (٢). وإن نسيها في سفر وذكرها فيه أو ذكرها في سفر آخر قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر وفُعلت فيه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>سادسًا: مسافة قصر الصلاة في السفر: </span>قال البخاري ﵀: «بابٌ: في كم يقصرُ الصلاة، وسمَّى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا، وكان ابن عمر وابن عباس - ﵃ - يقصران ويفطران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخًا» (٤)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «قوله: بابٌ في كم\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤١ - ١٤٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣ - ٥٤، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٣٨٧.\n(٢) اختار العلامة محمد بن صالح العثيمين أن الراجح فيمن نسي صلاة سفر فذكرها في حضر صلاها قصرًا؛ لأنها صلاة وجبت عليه في سفر وصلاة السفر مقصورة فلا يلزمه إتمامها، وعلى هذا فللمسألة أربع صور:\n١ - ذكر صلاة سفر في سفر، يقصر.\n٢ - ذكر صلاة حضر في حضر، يتم.\n٣ - ذكر صلاة سفر في حضر، يقصر على الصحيح.\n٤ - ذكر صلاة حضر في سفر، يتم. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٧ - ٥١٩ و٥/ ٥٤٢ - ٥٤٣.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٢.\n(٤) البخاري، كتاب التقصير، باب: في كم يقصر الصلاة؟ قبل الحديث رقم ١٠٨٦، قال الحافظ ابن حجر عن أثر بن عمر وابن عباس: «وصله ابن المنذر من رواية يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح: أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك» فتح الباري، ٢/ ٥٦٦، وقال الألباني عن أثر ابن عباس وابن عمر ﵄: «صحيح ... وصله البيهقي في سننه، ٣/ ١٣٧: إن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ﵄ كانا يصليان ركعتين ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك وإسناده صحيح». إرواء الغليل، ٣/ ١٧.","vol":"2","page":741},{"text":"يقصر الصلاة؟ يريد بيان المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر، ولا يسوغ له في أقل منها ... وقد أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام وأورد ما يدل على اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة» (١). وقول البخاري ﵀: «وسمى النبي - ﷺ - يومًا وليلة سفرًا». قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى سمى مدة اليوم والليلة سفرًا، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة المذكور عنده في الباب» (٢)، قلت: وهو قوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (٣)، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها». وفي لفظ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم». وعن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم». وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم» (٤). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (٥).\nومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (٦).\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٢) المرجع السابق، ٢/ ٥٦٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٣٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: في كم يقصر الصلاة، برقم ١٠٨٦، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره برقم ١٣٣٨.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، برقم ١٣٤١.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، برقم ٥٢٣٣، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٤١.","vol":"2","page":742},{"text":"قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة» (١)،وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: «لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٢)، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهل أو ماشية فأتمَّ» (٣).\nوالخلاصة أن الجمهور من أهل العلم على أن مسافة السفر التي تقصر فيها الصلاة أربعة بُرُد، والبريد مسيرة نصف يوم، وهو أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فإذا كانت مسافة سفر الإنسان ستة عشر فرسخًا أو ثمانية وأربعين ميلًا فله أن يقصر عند الجمهور (٤)، وهذا هو الأحوط للمسلم، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول (٥): «الأولى في هذا أن ما يعد سفرًا تلحقه أحكام السفر: من قصر وجمع، وفطر، وثلاثة أيام للمسح على الخفين؛ لأنه يحتاج إلى الزاد والمزاد: أي ما يعد سفرًا وما لا فلا، ولكن إذا عمل المسلم\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٥٦٦.\n(٢) عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان، ٤/ ١٢١.\n(٣) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٣٧،وابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ له، ٢/ ٤٤٥، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤: «وإسناده صحيح».\n(٤) المسافة التي إذا أراد المسافر الوصول إليها ساغ له القصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته من الأمور التي اختلف فيه العلماء حتى حكاه ابن المنذر وغيره فيها نحوًا من عشرين قولًا، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن العلماء تنازعوا هل يختص القصر بسفر دون سفر، أو يجوز في كل سفر، واختار أن أظهر الأقوال أنه يجوز في كل سفر قصيرًا كان أو طويلًا، كما قصر أهل مكة خلف النبي - ﷺ - بعرفة ومنى، وبين مكة وعرفة نحو بريد: أربعة فراسخ، ولكن لابد أن يكون ذلك مما يعد سفرًا مثل: أن يتزود له، ويبرز للصحراء، وتنازع العلماء في قصر أهل مكة، فقيل: كان ذلك لأجل النسك، وقيل: كان ذلك لأجل السفر، وكلا القولين قال به بعض أصحاب أحمد، والقول الثاني هو الصواب، وهو أنهم قصروا لأجل سفرهم؛ ولهذا لم يكونوا يقصرون بمكة وكانوا محرمين، والقصر معلق بالسفر وجودًا وعدمًا. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤ - ١١ - ٤١. والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٥ - ١٠٩، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨.\n(٥) سمعته منه أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧.","vol":"2","page":743},{"text":"بقول الجمهور وهو أنَّ ما يُعدُّ سفرًا هو يومين قاصدين (١)، أما البريد والفراسخ الثلاثة فلا تعد عندهم سفرًا، فلو عمل الإنسان بهذا القول فهذا حسن من باب الاحتياط؛ لئلا يتساهل الناس فيصلوا قصرًا فيما لا ينبغي لهم ذلك؛ لكثرة الجهل، وقلة البصيرة، ولا سيما عند وجود السيارات؛ فإن هذا قد يفضي إلى التساهل حتى يفطر في ضواحي البلد، واليومان هما سبعون كيلو أو ثمانون كيلو تقريبًا» (٢).\nوقال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله تعالى: «وقال بعض أهل العلم إنه يحدد بالعُرف ولا يحدد بالمسافة المقدرة بالكيلوات، فما يُعدُّ سفرًا في العُرف يسمى سفرًا، وما لا فلا (٣)، والصواب ما قرره جمهور أهل\n_________\n(١) اليومان القاصدان هما أربعة برد، والبريد مسيرة نصف يوم، ومعنى القاصدين: أي لا يسير فيها الإنسان ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثير النزول والإقامة، والبريد قدروه بأربعة فراسخ، فتكون أربعة برد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدروه بثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا، والميل المعروف ألف وستمائة متر، فتكون الأربعة برد =٧٦.٨ كيلو تقريبًا، وقيل: ٨٠.٦٤ كيلو، وقيل: ٧٢، قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: والميل المعروف = كيلو وستين في المائة. انظر: الشرح الممتع،٤/ ٤٩٦، تيسير العلام للبسام،١/ ٢٧٣،والفتح الرباني للبنا، ٥/ ١٠٨.\n(٢) واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما تقدم أنه لا حدّ للسفر بالمسافة بل كل ما يعد سفرًا يتزود له ويبرز للصحراء فهو سفر، ورجحه العلامة ابن عثيمين، بل واختاره ابن قدامة في المغني. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٠٩، ومجموع فتاوى ابن تيمية،٢٤/ ١١ - ١٣٥،ومجموع فتاوى ابن عثيمين،١٥/ ٢٥٢ - ٤٥١، والاختيارات للسعدي، ص٦٥.\n(٣) ذكر ابن تيمية ﵀: أن حد السفر الذي علق عليه الشارع الفطر، والقصر اضطرب الناس فيه، فقيل: ثلاثة أيام، وقيل يومين، وقيل أقل من ذلك، حتى قيل: ميل، والذين حددوا ذلك بالمسافة، منهم من قال: ثمانية وأربعون ميلًا، ومنهم من قال: ستة وأربعون، وقيل: خمسة وأربعون، وقيل: أربعون، فالذين قالوا ثلاثة أيام، احتجوا بحديث يمسح المسافر ثلاثة أيام، وحديث لا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم ... والذين قالوا: يومين اعتمدوا على قول ابن عمر وابن عباس. مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٣٨ - ٤٠. وذكر ابن تيمية أيضًا أن ابن حزم قال: «لم نجد أحدًا يقصر في أقل من ميل». فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٤١.\nوعن أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين» مسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩١، وقوله: «ثلاثة أميال أو فراسخ» شك من الراوي، وقال الظاهرية: مسافة القصر ثلاثة أميال، وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ يحتج به على الثلاثة الأميال، نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطًا. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٧، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٣٤، وسمعت هذا المعنى من شيخنا ابن باز أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٧. وقال ابن قدامة في المغني، ٣/ ١٠٨: «يحتمل أنه أراد إذا سافر سفرًا طويلًا قصر إذا بلغ ثلاثة أميال، كما قال في لفظه الآخر «إن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين» وقال الصنعاني في سبل السلام،٣/ ١٣٣: «المراد من قوله إذا خرج: إذا كان قصده مسافة هذا القدر لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفرًا طويلًا فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة».","vol":"2","page":744},{"text":"العلم وهو التحديد بالمسافة التي ذكرت، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم فينبغي الالتزام بذلك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1411>سابعًا: يقصر المسافر إذا خرج عن جميع بيوت قريته أو مدينته </span>إذا كان سفره تقصر في مثله الصلاة، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع البيوت من القرية التي خرج منها» (٢)، وهذا مذهب جمهور أهل العلم أن المسافر إذا أراد سفرًا تقصر في مثله الصلاة لا يقصر حتى يفارق جميع البيوت (٣)، قال أنس - ﵁ -: «صليت الظهر مع النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة ركعتين»، وفي لفظ: «أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين» (٤)، وهذا فيه دلالة على أنه ليس لمن نوى السفر أن يقصر حتى يخرج من عامر بيوت قريته أو مدينته أو خيام قومه ويجعلها وراء ظهره (٥).وخرج علي - ﵁ - فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة؟ قال: لا، حتى ندخلها (٦).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٧.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص٤٧.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب يقصر إذا خرج من موضعه برقم ١٠٨٩،وكتاب الحج، باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح، برقم ١٥٤٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩٠.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١١، والشرح الكبير مع المقنع، ٥/ ٤٤، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٤، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥١٢.\n(٦) البخاري، كتاب التقصير، بابٌ: يقصر إذا خرج من موضعه، قبل الحديث رقم ١٠٨٩.","vol":"2","page":745},{"text":"وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فله قصرها؛ لأنه سافر قبل خروج وقتها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن له قصرها، وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، وهو إحدى الروايتين في مذهب الحنابلة (١) والله أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1412>ثامنًا: إقامة المسافر التي يقصر فيها الصلاة</span>، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرًا يقصر في مثله الصلاة وكان سفره في حج أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر مادام مسافرًا» (٣).\nفعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين، قلت: كم أقام بمكة (٤)؟ قال: عشرًا» (٥).\nقال ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أن من لم يُجمع إقامة مدة تزيد على إحدى وعشرين صلاة فله القصر ولو أقام سنين» (٦).\nأما إذا نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام؛ فإنه يتم؛ لأن النبي - ﷺ - قدم مكة في حجة الوداع يوم الأحد من ذي الحجة، وأقام فيها الأحد، والإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم خرج إلى منى يوم الخميس، فقد قدم لصبح رابعة، فأقام اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع المسافر أن يقيم كما أقام النبي - ﷺ - قصر، وإذا أجمع\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣، وانظر: الإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع، والشرح الكبير،\n٥/ ٥٣، والرواية الثانية عند الحنابلة وهي الرواية الصحيحة من مذهبهم أنه يتمها. انظر: الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٥٣، المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٣.\n(٢) واختار العلامة ابن عثيمين القصر فقال: «لو دخل وقت وهو في بلده ثم سافر فإنه يقصر، ولو دخل وقت الصلاة وهو السفر ثم دخل بلده فإنه يتم، اعتبارًا بحال فعل الصلاة» الشرح الممتع، ٤/ ٥٢٣.\n(٣) الإجماع لابن المنذر، ص٤٧.\n(٤) السائل هو الراوي عن أنس: يحيى بن أبي إسحاق.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر، برقم ١٠٨١، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٩٣.\n(٦) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥٣.","vol":"2","page":746},{"text":"على أكثر من ذلك أتمَّ (١)،قال ابن عباس ﵄: «قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من معه الهدي» (٢).\nقال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: «إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة كما فعل النبي - ﷺ - لما دخل مكة، فإنه أقام بها أربعة أيام يقصر الصلاة، وإن كان أكثر ففيه نزاع، والأحوط أن يتم الصلاة، وأما إن قال غدًا أسافر، أو بعد غد أسافر، ولم ينوِ المقام فإنه يقصر؛ فإن النبي - ﷺ - أقام بمكة بضعة عشر يومًا، يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة. والله أعلم» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن إقامة النبي - ﷺ - عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة (٤):\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٧ - ١٤٨، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، ٥/ ٦٨، والإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ١٦٨،وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢/ ٣٩٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب كم أقام النبي - ﷺ - في حجته، برقم ١٠٨٥.\n(٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ٢٤/ ١٧، وسئل ﵀ عن رجل يعلم أنه يقيم شهرين فهل يجوز له القصر فأجاب: «الحمد لله هذه مسألة فيها نزاع بين العلماء منهم من يوجب الإتمام، ومنهم من يوجب القصر، والصحيح أن كليهما سائغ فمن قصر فلا ينكر عليه، ومن أتم لا ينكر عليه، وكذلك تنازعوا في الأفضل، فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل، وأما من تبينت له السنة، وعلم أن النبي - ﷺ - لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحد السفر بزمان أو بمكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدود، لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عشر، ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل، حتى كان مسروق قد ولَّوه ولاية لم يكن يختارها، فأقام سنين يقصر الصلاة، وقد أقام المسلمون بنهاوند ستة أشهر يقصرون الصلاة، وكانوا يقصرون الصلاة مع علمهم أن حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيام ولا أكثر كما أقام النبي - ﷺ - وأصحابه بعد فتح مكة قريبًا من عشرين يومًا يقصرون الصلاة، وأقاموا بمكة أكثر من عشرة أيام يفطرون في رمضان، وكان النبي - ﷺ - لما فتح مكة يعلم أنه يحتاج أن يقيم بها أكثر من أربعة أيام، وإذا كان التحديد لا أصل له فمادام المسافر مسافرًا يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهورًا والله أعلم».مجموع الفتاوى، ٢٤/ ١٧ - ١٨، وانظر: مواضع أخرى في الفتاوى، ٢٤/ ١٤٠،و٢٤/ ١٣٧، وانظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٠، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٢٩ - ٥٣٩، والاختيارات الجلية للسعدي، ص٦٦.\n(٤) البخاري، كتاب التقصير، باب ما جاء في التقصير ولم يقيم حتى يقصر، برقم ١٠٨٠، وفي كتاب المغازي، برقم ٤٢٩٨، ٤٢٩٩.","vol":"2","page":747},{"text":"«وقد أقام - ﷺ - في مصالح الإسلام والمسلمين، وهذه الإقامة لم يكن مجمعًا عليها؛ لهذه الأغراض، فلما حصل المقصود ارتحل إلى المدينة، ومن المعلوم أن المهاجر لا يقيم في بلده أكثر من ثلاثة أيام، ولكنه أقام لهذه المصالح، فإذا أقام المسافر إقامة لم يُجمعها قصر» (١). وسمعته يقول عن إقامة النبي - ﷺ - في غزوة تبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة (٢): «وإقامته - ﷺ - عشرين يومًا في تبوك ينظر فيما يتعلق بحرب الروم، هل يتقدم أم يرجع، ثم أذن الله له أن يرجع، واحتج بهذه القصة وقصة الفتح على أنه لا بأس بالقصر مدة الإقامة العارضة، ولو طالت، حتى قال أهل العلم: لو مكث سنين مادام لم يجمع إقامة؛ فإنه في سفر، وله أحكام السفر، وهذا هو الصواب، أما إذا أجمع إقامة فاختلف العلماء في مقدارها هل تقدر بعشرين يومًا، أو بتسعة عشر يومًا، أو بثلاثة أيام، أو أربعة أيام على أقوال: وأحسن ما قيل في ذلك: أربعة أيام؛ لأنها إقامة النبي - ﷺ - في حجة الوداع، فإذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام أتمَّ، وإن كانت أربعة فأقلّ قصر؛ لأنها إقامة معزوم عليها، وعليه الشافعي، وأحمد، ومالك، وبقول الشافعي وأحمد ومالك، تنتظم الأدلة، ويكون ذلك صيانة من تلاعب الناس، وهذا هو الأحوط، كما قال الجمهور: أربعة أيام؛ لأن ما زاد عنها غير مجمع عليه، وما نقص من هذا مجمع عليه: أي داخل في المجمع عليه» (٣). وبهذا يخرج المسلم من الخلاف ويترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، والله - ﷿ - أعلم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>تاسعًا: قصر الصلاة بمنى لأهل مكة وغيرهم من الحجاج</span>؛\nلحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: «صليت مع النبي - ﷺ - بمنى\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٥٩،وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٦٢.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا أقام بأرض العدو يقصر، برقم ١٢٣٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٣٦.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦١.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ٢٧٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٨/ ٩٩.","vol":"2","page":748},{"text":"ركعتين، وأبي بكر، وعمر، ومع عثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها أربعًا» (١).وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: «صلى بنا عثمان بن عفان - ﵁ - بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود - ﵁ - فاسترجع، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق - ﵁ - بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب - ﵁ - ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان» (٢).\nوعن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمت بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا»، وفي لفظ مسلم: «كم أقام بمكة؟ قال: عشرًا». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة إلى الحج ...» (٣).\nوحديث أنس هذا لا يعارض حديث ابن عباس: «أقام رسول الله - ﷺ - تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا» (٤)؛ لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة وحديث أنس في حجة الوداع، وقد قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة، ولا شك أنه - ﷺ - خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة وضواحيها في حجة الوداع عشرة أيام بلياليها كما قال أنس - ﵁ - (٥).\nوعن حارثة بن وهب الخزاعي - ﵁ - قال: «صليت خلف رسول الله - ﷺ - بمنى والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين في حجة الوداع» (٦). فهذه سنة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨٤، ومسلم، برقم ٦٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر؟ برقم ١٥٨٠.\n(٤) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر؟ برقم ١٠٨٠.\n(٥) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٠.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى، برقم ١٠٨٣، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى، برقم ٦٩٦.","vol":"2","page":749},{"text":"رسول الله - ﷺ -، فينبغي العمل بها واتباعها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1414>عاشرًا: جواز التطوع على المركوب في السفر الطويل والقصير:</span>\nيصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلابد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ [برأسه] إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته».\nوفي لفظ: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» (٢)؛ ولحديث عامر بن ربيعة - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - يصلي على راحلته حيث توجهت به». وفي لفظ: «ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في المكتوبة». وفي لفظ: «أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به» (٣)؛ولحديث جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي على\n_________\n(١) أما إتمام عثمان - ﵁ - فله تأويلات كثيرة ذكر الإمام ابن القيم منها ستة تأويلات يعتذر له بها، منها: أن الأعراب كثروا في ذلك العام، وقد قال له بعضهم: إنه صلى ركعتين فقال: «يا أمير المؤمنين مازلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين» فأحب عثمان - ﵁ - أن يعلم الأعراب أن الصلاة أربع، وغير ذلك من التأويلات. أما عائشة ﵂، فقد قيل إنها تأولت أن القصر رخصة وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، فعن عروة عن أبيه أنها كانت تصلي في السفر أربعًا فقلت لها: لو صليت ركعتين؟ فقالت: يا ابن أخي إنه لا يشق علي» رواه البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ١٤٣، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٥٧١: «إسناده صحيح».\nوانظر: للفائدة لاستكمال الاعتذار لعثمان - ﵁ - ولعائشة أم المؤمنين ﵂: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٦٥ - ٤٧٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، برقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ورقم ١٠٩٥، ١٠٩٦، ١٠٩٨، ١١٠٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، برقم ٧٠٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٩٣، ١١٠٤، ومسلم، برقم ٧٠١، وتقدم تخريجه.","vol":"2","page":750},{"text":"راحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة» (١).وفي لفظ: «كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة». وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس - ﵁ - (٢).\nويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجهه ركابه» (٣)، فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملًا بالأحاديث الصحيحة كما رجحه شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ (٤).\nوذكر الإمام النووي ﵀ «أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ...» (٥).\nوأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور (٦)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧)، وقد رجح الإمام ابن جرير ﵀ أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٨). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الطبري ﵀ أنه احتج للجمهور: أن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفر آخر ولم يجد ماءً أنه\n_________\n(١) البخاري، برقم ٤٠٠، ١٠٩٤، ١٠٩٩، ٤١٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة، برقم ٧٠٢.\n(٣) أبو داود برقم ١٢٢٥، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) سمعته يرجح ذلك أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٢٢٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٦.\n(٦) انظر: فتح الباري لابن حجر،٢/ ٥٧٥، وشرح النووي، ٥/ ٢١٧، والمغني لابن قدامة، ٢/ ٩٦.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ١١٥.\n(٨) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن،٣/ ٥٣٠،و٥٣٣،وانظر: المغني لابن قدامة،٢/ ٩٥ - ٩٦.","vol":"2","page":751},{"text":"يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1415>الحادي عشر: السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر</span>، والوتر؛ لحديث حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتةٌ نحوَ (٢) حيثُ صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣). أما سنة الفجر، والوتر فلا تُترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر أن النبي - ﷺ - «لم يكن يدعهما أبدًا» (٤)؛ ولحديث أبي قتادة - ﵁ - في نوم النبي - ﷺ - وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: «ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم» (٥).\nوأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ -\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٥٧٥، وقد ذكر صاحب المغني أن الأحكام التي يستوي فيها السفر الطويل والقصير ثلاثة: التيمم، وأكل الميتة في المخمصة، والتطوع على الراحلة، وبقية الرخص تختص بالسفر الطويل. المغني لابن قدامة، ٢/ ٦٩.\n(٢) المقصود: حصلت منه التفاتةٌ إلى جهة المكان الذي صلَّى فيه. انظر: شرح النووي، ٥/ ٢٠٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري بنحوه، كتاب التقصير، باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة، برقم ١١٠١، ١١٠٢، ومسلم بلفظه، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٧٢٤، وتقدم تخريجه.\n(٥) أخرجه مسلم، برقم ٦٨١، وتقدم تخريجه.","vol":"2","page":752},{"text":"يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته». وفي لفظ: «كان يوتر على البعير» (١).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان تعاهده - ﷺ - ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل ولم يكن يدعها هي والوتر سفرًا ولا حضرًا ... ولم ينقل عنه في السفر أنه - ﷺ - صلى سنة راتبة غيرهما» (٢).\nوأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقًا، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (٣).\nقال الإمام النووي ﵀: «وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ...» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر على الدابة، برقم ٩٩٩، وباب الوتر في السفر، برقم ١٠٠٠، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت به، برقم ٧٠٠.\n(٢) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٣١٥.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى ومقالات للإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(٤) شرح النووي صحيح مسلم، ٥/ ٢٠٥، وقال: «واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة فكرهها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور، ودليله الأحاديث المطلقة في ندب الرواتب»، ٥/ ٢٠٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٧٧، وقال ابن قدامة: فأما سائر السنن والتطوعات قبل الفرائض وبعدها فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس، وروي عن الحسن، قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجابر، وأنس، وابن عباس، وأبي ذر، وجماعة من التابعين كثير، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر، وكان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، ونقل ذلك عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين ... ثم قال: وحديث الحسن عن أصحاب رسول الله - ﷺ - قد ذكرناه [مصنف ابن أبي شيبة، ١/ ٣٨٢]، فهذا يدل على أنه لا بأس بفعلها، وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها، فيجمع بين الأحاديث والله أعلم. المغني، ٣/ ١٥٥ - ١٥٧.\nقلت: والصواب ما رجحه شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ -:أن المشروع ترك الرواتب في السفر، وهذا هو السنة أن يترك راتبة الظهر، والمغرب، والعشاء، ما عدا الوتر وسنة الفجر، فلا يتركهما؛ لحديث ابن عمر وغيره أن النبي - ﷺ - كان يدع الرواتب في السفر، أما النوافل المطلقة فمشروعة في السفر والحضر، وهكذا ذوات الأسباب. انظر: فتاوى الإمام ابن باز، ١١/ ٣٩٠ - ٣٩١.","vol":"2","page":753},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1416>الثاني عشر: صلاة المقيم خلف المسافر صحيحة </span>ويتمُّ المقيم بعد سلام المسافر؛ للآثار في ذلك (١)،والإجماع، قال ابن قدامة ﵀: «أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمّ بالمسافر، وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة» (٢). وعن عمر - ﵁ - أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفرٌ» (٣).\nفظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعًا، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلبًا لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (٤).\nوإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم بهم فصلاتهم تامة صحيحة وخالف الأفضل (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>الثالث عشر: صلاة المسافر خلف المقيم صحيحة</span>، ويتم المسافر مثل صلاة إمامه، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو\n_________\n(١) روي عن عمران - ﵁ - يرفعه: «أنه - ﷺ - أقام بمكة زمان الفتح ثماني عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم يقول: يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا سفر» أحمد بلفظه،\n٤/ ٤٣٠، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب متى يتم المسافر، برقم ١٢٢٩، ولفظه: «يا أهل البلد صلوا أربعًا فإنا قوم سفر» وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، قال الشوكاني: «وإنما حسّن الترمذي حديثه (٥٤٥) لشواهده»، نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢.\n(٢) المغني، ٣/ ١٤٦، وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٠٣.\n(٣) مالك في الموطأ موقوفًا، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب صلاة المسافر إذا كان إمامًا أو كان وراء الإمام، برقم ١٩، ١/ ١٤٩، قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٤٠٢: «وأثر عمر رجال إسناده أئمة ثقات».\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للإمام ابن باز، ١٢/ ٢٥٩ - ٢٦١.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٤٦،ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٦٠،وقد كان عثمان - ﵁ - يتم بالناس في الحج في السنوات الأخيرة من خلافته، وثبت عن عائشة أنها كانت تتم الصلاة في السفر، وتقول: إنه لا يشق عليها، فلا حرج في إتمام المسافر، ولكن الأفضل ما فعله النبي - ﷺ - لأنه المشرع المعلم - ﷺ -،انظر: مجموع فتاوى ابن باز،١٢/ ٢٦٠،وحديث عثمان في مسلم، برقم ٦٩٤، ٦٩٥.","vol":"2","page":754},{"text":"دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم؛ لما ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀ قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعًا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: «تلك سنة أبي القاسم - ﷺ -» (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (٢).\nوذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعًا (٣). وقال: «قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام» (٤).\nومما يدل على أن المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه الإتمام عموم قوله - ﷺ -: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبّروا ...» (٥) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1418>الرابع عشر: نية القصر أو الجمع عند افتتاح الصلاة والموالاة </span>بين الصلاتين المجموعتين:\nاختلف العلماء هل يشترط للقصر والجمع نية؟ قال شيخ الإسلام ابن\n_________\n(١) أحمد في المسند، ١/ ٢١٦، قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٢١: «قلت وسنده صحيح رجاله رجال الصحيح»، والحديث أخرجه مسلم بلفظ: «كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلّ مع الإمام»؟ فقال: «ركعتين سنة أبي القاسم - ﷺ -»، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٨.\n(٢) مسلم، الكتاب والباب السابق، برقم ١٧ (٦٨٨)، وانظر آثارًا في موطأ الإمام مالك، ١/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٣) التمهيد، ١٦/ ٣١١ - ٣١٢.\n(٤) المرجع السابق، ١٦/ ٣١٥.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، برقم ٧٢٢، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٤.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٤٦، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٢/ ١٥٩، ٢٦٠، والشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٥١٩.","vol":"2","page":755},{"text":"تيمية ﵀: «الجمهور لا يشترطون النية: كمالك، وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط: كقول الشافعي، وكثير من أصحاب أحمد: كالخرقي وغيره، والأول أظهر، ومن علم بأحد القولين لم ينكر عليه» (١). وقال ﵀: «والأول هو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي - ﷺ -، فإنه كان يقصر بأصحابه ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر، ولا يأمرهم بنية القصر ... وكذلك لما جمع بهم لم يعلمهم أنه جمع قبل الدخول، بل لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاة الأولى، فعلم أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأولى» (٢)، وقال ﵀: «والنبي - ﷺ - لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع، ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر، ولم يكونوا نووا الجمع، وهذا جمع تقديم، وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر» (٣).\nوقال سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «... والراجح أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة الأولى، بل يجوز الجمع بعد الفراغ من الأولى إذا وجد شرطه: من خوف، أو مطر، أو مرض» (٤). فظهر أن الصحيح من قولي أهل العلم أن النية ليست بشرط عند افتتاح الصلاة في القصر والجمع (٥).\n_________\n(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ١٦، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١١٩.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٢١،وانظر: الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ١٠٢.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٥٠.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٩٤.\n(٥) ورجح ذلك شيخ الإسلام كما تقدم، والإمام ابن باز، والسعدي في المختارات الجلية، ص٦٧، والمرداوي في الإنصاف، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٦٢، وابن عثيمين في الشرح الممتع، ٤/ ٥٢٣ - ٥٢٥، و٥٦٦، وانظر: الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١١٣.","vol":"2","page":756},{"text":"أما الموالاة بين الصلاتين المجموعتين فقد اشترطها بعضهم، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والعلامة السعدي، عدم اشتراط الموالاة (١).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «الواجب في جمع التقديم الموالاة بين الصلاتين، ولا بأس بالفصل اليسير عُرفًا؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك وقد قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). أما جمع التأخير فالأمر فيه واسع؛ لأن الثانية تفعل في وقتها؛ ولكن الأفضل هو الموالاة بينهما تأسيًا بالنبي - ﷺ - في ذلك، والله ولي التوفيق» (٣) والله أعلم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1419>الخامس عشر: رخص السفر:</span>\nمن قواعد الشريعة: «المشقة تجلب التيسير» (٥)، ولما كان السفر قطعة من العذاب؛ لقوله - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه، ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله» (٦)، رتّب الشارع ما\n_________\n(١) انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٥١، و٥٤، والاختيارات الفقهية له، ص١١٢، والمختارات الجلية للسعدي، ص٦٨، والإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٠٤.\n(٢) البخاري، كتاب الأذان، برقم ٦٣١.\n(٣) مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، ١٢/ ٢٩٥.\n(٤) قال العلامة ابن عثيمين: «واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين، وقال: إن معنى الجمع هو الضم بالوقت: أي ضم وقت الثانية للأولى بحيث يكون الوقتان وقتًا واحدًا ... وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ نصوصًا عن الإمام أحمد تدل على ما ذهب إليه من أنه لا تشترط الموالاة في الجمع بين الصلاتين تقديمًا كما أن الموالاة لا تشترط بالجمع بينهما تأخيرًا، والأحوط أن لا يجمع إذا لم يتصل، ولكن رأي شيخ الإسلام له قوة» الشرح الممتع،٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\nوالأقوال ثلاثة: الأول: الموالاة ليست شرطًا في جمع التقديم ولا في جمع التأخير، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.\nالثاني: الموالاة شرط في الجمعين؛ لأن الجمع هو الضم، وهو قول بعض العلماء.\nالثالث: تشترط الموالاة في جمع التقديم ولا تشترط في جمع التأخير، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة. الشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٧٨.\n(٥) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب للعلامة السعدي، ص١١٣،ورسالة القواعد الفقهية له، ص٤٩ - ٥٠.\n(٦) البخاري، كتاب العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، برقم ١٨٠٤.","vol":"2","page":757},{"text":"رتّب من الرخص، حتى ولو فُرِض خلوُّه من المشاق؛ لأن الأحكام تعلَّق بعللها العامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد، فالحكم الفرد يُلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا معنى قول الفقهاء ﵏: «النادر لا حكم له»، يعني لا ينقض القاعدة ولا يخالف حكمه حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره، فأعظم رخص السفر وأكثرها حاجة ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1420>١ - القصر؛ ولذلك ليس للقصر من الأسباب غير السفر</span>؛ ولهذا أضيف السفر إلى القصر لاختصاصه به، فتقصر الرباعية من أربع إلى ركعتين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1421>٢ - الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما</span>، والجمع أوسع من القصر؛ ولهذا له أسباب أُخر غير السفر: كالمرض، والاستحاضة، والمطر، والوحل، والريح الشديدة الباردة، ونحوها من الحاجات، والقصر أفضل من الإتمام، بل يكره الإتمام لغير سبب، وأما الجمع في السفر فالأفضل تركه إلا عند الحاجة إليه، أو إدراك الجماعة، فإذا اقترن به مصلحة جاز.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1422>٣ - الفطر في رمضان من رخص السفر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1423>٤ - الصلاة النافلة على الراحلة أو وسيلة النقل إلى جهة سيره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1424>٥ - وكذلك المتنفل الماشي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1425>٦ - المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، ونحوها، ثلاثة أيام بلياليها</span>؛ لحديث علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: «جعل رسول الله - ﷺ -، ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (١). وأما التيمم فليس سببه السفر، وإن كان الغالب أن الحاجة إليه في السفر أكثر منه في\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، برقم ٢٧٦.","vol":"2","page":758},{"text":"الحضر، وكذلك أكل الميتة للمضطر عام في السفر والحضر، ولكن في الغالب وجود الضرورة في السفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>٧ - ترك الرواتب في السفر، ولا يكره له ذلك</span>، مع أنه يكره تركها في الحضر، أما راتبة الفجر وصلاة الوتر، والصلوات المطلقة فتصلى حضرًا وسفرًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1427>٨ - من رخص السفر ما ثبت عن النبي - ﷺ </span>- أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (١). فالأعمال التي يعملها في حضره: من الأعمال القاصرة على نفسه، والمتعدية يجري له أجرها إذا سافر، وكذلك إذا مرض، فيا لها من نعمة ما أجلها وأعظمها.\nوأما صلاة الخوف فليس سببه السفر، ولكنه فيه أكثر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>السادس عشر: الجمع وأنواعه ودرجاته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1429>١ - الجمع بعرفة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السُّنّة» (٣)، «وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته الصلاة مع الإمام جمع بينهما» (٤). وعن جابر - ﵁ - في حديثه في حجة الوداع، وفيه: أن النبي - ﷺ - أتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئًا» (٥). ومما يدل على أنه - ﷺ - صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين حديث أنس - ﵁ - قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة». وفي لفظ لمسلم: «خرجنا من المدينة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجهاد والسير، بابٌ: يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦.\n(٢) انظر: إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للعلامة السعدي، ص١١٣ - ١١٦ بتصرف يسير.\n(٣) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، برقم ١٦٦٢.\n(٤) البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، قبل الحديث رقم ١٦٦٢.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.","vol":"2","page":759},{"text":"إلى الحج ..» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1430>٢ - الجمع بمزدلفة</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - حينما أفاض من عرفة: «أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما (٢) شيئًا» (٣)؛ ولحديث أسامة بن زيد - ﵁ -، وفيه: «أن النبي - ﷺ - لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصلّ بينهما شيئًا» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء بِجَمْعٍ، ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>٣ - الجمع في الأسفار الأخرى أثناء السير في وقت الأولى أو الثانية أو بينهما</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين صلاة الظهر والعصر، إذا كان على ظهر سير (٦)، ويجمع بين المغرب والعشاء» (٧)، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير (٨») (٩)، وعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ -\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٨١، ومسلم، برقم ٦٩٣، وتقدم تخريجه في قصر الصلاة بمنى.\n(٢) ولم يسبح بينهما: لم يصلّ صلاة النافلة. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٧٢١.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، برقم ١٦٧٢، ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعًا بالمزدلفة في هذه الليلة، برقم ١٢٨٠.\n(٥) مسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعًا بالمزدلفة في هذه الليلة، برقم ١٢٨٨.\n(٦) إذا كان على ظهر سير: أي إذا كان سائرًا. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٠.\n(٧) البخاري، كتاب تقصر الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم ١١٠٧.\n(٨) إذا جد به السير: أي إذا اهتم به وأسرع فيه. النهاية في غريب الحديث، ١/ ٢٤٤، وقال الحافظ: «إذا جد به السير: أي اشتد». فتح الباري، ٢/ ٥٨٠.\n(٩) متفق عليه: البخاري، كتاب التقصير، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء برقم ١١٠٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم ٧٠٣.","vol":"2","page":760},{"text":"يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «أورد فيه ثلاثة أحاديث (٢): حديث ابن عمر وهو مقيد بما إذا جد السير، وحديث ابن عباس، وهو مقيد بما إذا كان سائرًا، وحديث أنس وهو مطلق، واستعمل المصنف الترجمة مطلقة إشارة إلى العمل بالمطلق؛ لأن القيد فرد من أفراده، وكأنه رأى جواز الجمع بالسفر: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيره مُجدًّا أم لا» (٣) وعلى ذلك كثير من الصحابة - ﵃ - (٤)، وهو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة (٥)، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان النبي\n_________\n(١) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، برقم ١١٠٨.\n(٢) يعني البخاري ﵀ في قوله: «باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء».\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٥٨٠.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الجمع بين الصلاتين في السفر على أقوال:\n١ - جواز الجمع مطلقًا في السفر في قول أكثر أهل العلم في وقت إحدى الصلاتين: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، وعليه كثير من أصحاب النبي - ﷺ -، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء: الثوري، والشافعي، وأحمد، ومالك.\n٢ - ومذهب أبي حنيفة لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة مزدلفة بها.\n٣ - وقيل يجوز جمع التأخير فقط وهو رواية عن أحمد، ومالك، واختاره ابن حزم.\nوالصواب الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو القول الأول. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٢٧، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٨٥، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٠، وشرح النووي على صحيح مسلم،\n٥/ ٢٢٠، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٧١.\n(٥) قرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن فعل كل صلاة في وقتها قصرًا أفضل في السفر إذا لم يكن به حاجة إلى الجمع؛ فإن غالب صلاة النبي - ﷺ - التي كان يصليها في السفر إنما يصليها في أوقاتها، وإنما كان الجمع منه مرات قليلة، أما الجمع في عرفة ومزدلفة، فمتفق عليه ومنقول بالتواتر، وهو السنة، والجمع ليس كالقصر؛ فإن القصر سنة راتبة، وأما الجمع فإنه رخصة عارضة يختص بمحل الحاجة. انظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١٩، و٢٤/ ٢٣، ٢٧، وقال ﵀: «ومن سوّى من العامة بين القصر والجمع فهو جاهل بسنة رسول الله - ﷺ -، وبأقوال علماء المسلمين» مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٢٧، وانظر: حاشية الروض المربع، لابن قاسم ٢/ ٣٩٦. وذكر المرداوي في الإنصاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ٨٥: أن ترك الجمع أفضل على الصحيح من مذهب الحنابلة، وقيل: الجمع أفضل.\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: «الصحيح أن الجمع سنة إذا وجد سببه؛ لوجهين: الوجه الأول: أنه من رخص الله - ﷿ -، والله سبحانه يحب أن تؤتى رخصه. الوجه الثاني: أن فيه اقتداء برسول الله - ﷺ -، فإنه كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع» الشرح الممتع، ٤/ ٥٤٨.","vol":"2","page":761},{"text":"- ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (١) أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» (٢)، وفي رواية للحاكم في الأربعين: «صلى الظهر والعصر، ثم ركب» (٣)؛ ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: «كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم ارتحل» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن الجمع يراعى فيه الرحيل قبل الوقت وبعد الوقت، فإن كان الرحيل قبل الوقت جمع جمع تأخير، وإن كان بعد الوقت جمع جمع تقديم، هذا هو الأفضل، وكيفما جمع جاز؛ لأن الوقتين صارا وقتًا واحدًا، فلو صلى أول الوقت، أو آخره، فلا بأس، ففي حالة السفر والمرض يكون وقت الظهر والعصر وقتًا واحدًا، والمغرب والعشاء وقتًا واحدًا، ولكن الأفضل ما تقدم» (٥).\nومما يدل على مشروعية جمع التقديم حديث معاذ - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فكان يصلي الظهر والعصر جميعًا،\n_________\n(١) تزيغ الشمس: زاغت الشمس، تزيغ: إذا مالت عن وسط السماء إلى الغرب. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٧١٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب تقصير الصلاة، بابٌ: يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، برقم ١١١١،وبابٌ: إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، برقم ١١١٢.\n(٣) قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦٢، في رواية الحاكم في الأربعين: «بإسناد صحيح». وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٨٣، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٧٧ - ٤٨٠.\n(٤) عزاه إليه ابن حجر في بلوغ المرام، وقال الصنعاني في سبل السلام،٣/ ١٤٤ في رواية المستخرج على صحيح مسلم: «لا مقال فيها».وقال الألباني في إرواء الغليل بعد ذكره للطرق: «فقد تبيّن مما سبق ثبوت جمع التقديم في حديث أنس من طرق ثلاثة عنه» إرواء الغليل، ٣/ ٣٤، و٣/ ٣٢ - ٣٣.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٦٢.","vol":"2","page":762},{"text":"والمغرب والعشاء جميعًا» (١). وقد فصل هذا الإجمال رواية الترمذي وأبي داود عن معاذ - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1432>٤ - درجات الجمع في السفر ثلاث </span>(٣):\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>الدرجة الأولى: إذا كان المسافر سائرًا في وقت الصلاة الأولى </span>فإنه ينزل في وقت الثانية فيصلي جمع تأخير في وقت الثانية (٤)،فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس، وابن عمر، كما تقدم، وهو نظير جمع مزدلفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1434>الدرجة الثانية: إذا كان المسافر نازلًا في وقت الصلاة الأولى </span>ويكون سائرًا في وقت الصلاة الثانية؛ فإنه يصلي جمع تقديم في وقت الأولى،\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، برقم ١٠٦.\n(٢) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين برقم ٥٥٣، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، برقم ١٢٠٨، و١١٢٠، وصححه الألباني في إرواء الغليل،\n٣/ ٣٨، برقم ٥٧٨، وفي صحيح سنن الترمذي، ١/ ٣٠٧، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٣٠.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٦٣.\n(٤) وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الجمع جائز في الوقت المشترك، فتارة يجمع في أول الوقت، كما جمع - ﷺ - بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع - ﷺ - بمزدلفة: وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد يقعان معًا في آخر وقت الأولى، وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية، وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، وكل هذا جائز؛ لأن أصل هذه المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك، والتقديم، والتوسط، والتأخير بحسب الحاجة والمصلحة، ففي عرفة ونحوها يكون التقديم هو السنة، وكذلك جمع المطر: السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب، حتى اختلف مذهب أحمد هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ ... انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٤/ ٥٦.","vol":"2","page":763},{"text":"وهذا نظير الجمع بعرفة، وهذا الذي ثبت من حديث أنس - ﵁ - في رواية الحاكم ومستخرج مسلم لأبي نعيم، وثبت من حديث معاذ - ﵁ - في سنن الترمذي وأبي داود كما تقدّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1435>الدرجة الثالثة: إذا كان المسافر نازلًا في وقت الصلاتين جميعًا نزولًا مستمرًا</span>، فالغالب من سنة النبي - ﷺ - أنه لا يجمع بينهما وإنما يصلي كل صلاة في وقتها مقصورة كما فعل - ﷺ - في منى وفي أكثر أسفاره، ولكن قد يجمع أحيانًا أثناء نزوله نزولًا مستمرًا كما جاء عن معاذ - ﵁ - أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، «فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخّر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا» (١)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ظاهره أنَّه كان نازلًا في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج بل نزل وركب ... وهذا دليل على أنه - ﷺ - كان يجمع أحيانًا في السفر وأحيانًا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره ... وهذا يبيّن أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يفعل للحاجة، سواء كان في السفر أو الحضر؛ فإنه قد جمع أيضًا في الحضر؛ لئلا يحرج أمته، فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء كان ذلك سيره وقت الثانية، أو وقت الأولى وشقَّ النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى: مثل أن يحتاج إلى النوم والاستراحة وقت الظهر، ووقت العشاء، فينزل وقت\n_________\n(١) النسائي، كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين الظهر والعصر، برقم ٥٨٧، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، برقم ١٢٠٦، وموطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر،١/ ١٤٣ - ١٤٤ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٣٠، وفي صحيح سنن النسائي،١/ ١٩٦.","vol":"2","page":764},{"text":"الظهر وهو تعبان، سهران، جائع محتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يحتاج أن يقدم العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك؛ ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح له الجمع. وأما النازل أيامًا في قرية أو مصر وهو في ذلك كأهل المصر: فهذا وإن كان يقصر؛ لأنه مسافر فلا يجمع» (١).\nواستُدِلَّ على أن المسافر يجمع بين الصلاتين عند الحاجة في نزوله في السفر بحديث أبي جحيفة - ﵁ -:أنه أتى النبي - ﷺ - وهو نازل بمكة بالأبطح في حجة الوداع في قبة له حمراء من أدم، قال: فخرج النبي - ﷺ - بالهاجرة عليه حلة حمراء، فتوضأ وأذن بلال، ثم رُكِزَت له عنزة فتقدم فصلى بهم بالبطحاء الظهر ركعتين، والعصر ركعتين ...» (٢)،قال النووي ﵀: «فيه دليل على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع وهو نازل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية» (٣)،والله تعالى أعلم (٤).\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٦٤ - ٦٥، وأما تلميذه ابن القيم فلا يرى الجمع وقت النزول، انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٤٨١، وأما شيخنا عبد العزيز ابن باز، فيرى أن الجمع للمسافر وقت النزول لا بأس به، ولكن تركه أفضل. انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٢٩٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، برقم ١٨٧، ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، برقم ٥٠٣.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٤٦٨.\n(٤) ذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ خلاف العلماء في مسألة جمع المسافر أثناء السير والنزول: قال:\nأ - فمنهم من يقول: لا يجوز الجمع للمسافر إلا إذا كان سائرًا لا إذا كان نازلًا، وذكر أدلتهم.\nب - والقول الثاني: أنه يجوز الجمع للمسافر سواء كان نازلًا، أم سائرًا واستدلوا بما يلي:\n١ - أن النبي - ﷺ - جمع بغزوة تبوك وهو نازل.\n٢ - ظاهر حديث أبي جحيفة - ﵁ - الثابت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - كان نازلًا بالأبطح في حجة الوداع فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين.\n٣ - عموم حديث ابن عباس: «جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا سفر».\n٤ - أنه إذا جاز الجمع للمطر ونحوه فجوازه في السفر من باب أولى.\n٥ - أن المسافر يشق عليه أن يفرد كل صلاة في وقتها: إما للعناء أو قلة الماء أو غير ذلك.\nقال ﵀: «والصحيح أن الجمع للمسافر جائز لكنه في حق السائر مستحب وفي حق النازل جائز غير مستحب، إن جمع فلا بأس وإن ترك فهو أفضل» الشرح الممتع، ٤/ ٥٥٠ - ٥٥٣.","vol":"2","page":765},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1436>٥ - الجمع للمريض الذي يلحقه بتركه مشقة وضعف جائز</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر»، وفي لفظ: «صلى رسول الله - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر»، وسئل ابن عباس لِمَ فعل ذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، وفي لفظ: «أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته» (١).\nوعنه - ﵁ - قال: «صليت مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فانتفى أن يكون الجمع المذكور: للخوف، أو السفر، أو المطر، وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض ..» (٣)، قال الإمام النووي ﵀: «... ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار ... وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة؛ ولأن المشقة فيه أشد من المطر ...» (٤). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «الصواب حمل\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤٩ - (٧٠٥)، ورقم ٥٤ - (٧٠٥)، وتقدم تخريجه في صلاة المريض.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر، برقم ٥٤٣، وكتاب التطوع، باب من لم يتطوع بعد المكتوبة، برقم ١١٧٤، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، برقم ٥٥ - (٧٠٥)، ورقم ٦٥ - (٧٠٥).\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢٤.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦، وانظر الإعلام بفوائد عمدة الأحكام للإمام عمر بن علي المعروف بابن الملقن، ٤/ ٨٠.","vol":"2","page":766},{"text":"الحديث المذكور على أنه - ﷺ - جمع بين الصلوات المذكورة لمشقة عارضة ذلك اليوم: من مرض غالب، أو برد شديد، أو وحل، ونحو ذلك، ويدل على ذلك قول ابن عباس لما سئل عن علة هذا الجمع قال: «لئلا يحرج أمته»، وهذا جواب عظيم، سديد، شافٍ. والله أعلم» (١). وقد ثبت أن النبي - ﷺ - أمر حمنة بنت جحش لما كانت مستحاضة بتأخير الظهر وتعجيل العصر، وتأخير المغرب وتعجيل العشاء (٢)، وهذا هو الجمع الصوري (٣). والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعف، والمريض مخير في جمع التقديم والتأخير على حسب ما يكون أيسر له، فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى (٤). والله الموفق (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>٦ - الجمع في المطر الذي تحصل به المشقة على الناس</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر». وفي لفظ: «في غير خوف ولا\n_________\n(١) تعليق الإمام ابن باز على فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٢٤.\n(٢) أبو داود، برقم ٢٨٧، والترمذي، برقم ١٢٨، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١٨٨، وقد تقدم تخريجه في صلاة المريض، وفي الطهارة في أحكام المستحاضة.\n(٣) وقال ابن قدامة، ﵀: «وقد روي عن أبي عبد الله أنه قال في حديث ابن عباس: هذا عندي رخصة للمريض والمرضع» وقال ابن قدامة أيضًا: «وكذلك يجوز الجمع للمستحاضة، ولمن به سلسل البول، ومن في معناهما» المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥ - ١٣٦، وانظر: الشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٩٠.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٥ - ١٣٦ والشرح الكبير المطبوع مع المقنع، والإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٦٠ - ٤٦٢، وفتاوى ابن تيمية،\n١/ ٢٣٣، ٢٢/ ٢٩٢، و٢٤/ ١٤، ٢٩.\n(٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «... فلهذا كان مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء كطائفة من أصحاب مالك وغيره: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين إذا كان عليه حرج، فيجمع بينهما المريض، وهو مذهب مالك وطائفة من أصحاب الشافعي ...» مجموع فتاوى شيخ الإسلام،١/ ٤٣٣،وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠،وانظر: التمهيد لابن عبد البر،١٢/ ٢١١ - ٢١٤.","vol":"2","page":767},{"text":"سفر»، فسئل لِمَ فعل ذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته» (١). قال المجد ابن تيمية ﵀: «وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر، والخوف، والمرض، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير؛ للإجماع؛ ولأخبار المواقيت، فيبقى فحواه على مقتضاه، وقد صح الحديث في الجمع للمستحاضة، والاستحاضة نوع مرض» (٢).\nوقال العلامة الألباني ﵀ عن قول ابن عباس ﵄: «في غير خوف ولا مطر» «... يشعر أن الجمع في المطر كان معروفًا في عهده - ﷺ -، ولو لم يكن كذلك لما كان ثمة فائدة من نفي المطر كسبب مبرر للجمع فَتَأمَّل» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول ابن عباس ﵄ أيضًا: «من غير خوف ولا مطر»، «ولا سفر»: «والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا هذا، وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى؛ فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل؛ فإنه إذا جمع يرفع الحرج الحاصل بدون الخوف، والمطر، والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها» (٤).\nوقد جاء في الجمع بسبب المطر آثار (٥) عن الصحابة والتابعين، فعن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم» (٦).\nوعن هشام بن عروة أن أباه عروة، وسعيد بن المسيب، وأبا بكر بن\n_________\n(١) مسلم، برقم ٧٠٥، وتقدم تخريجه في صلاة المريض.\n(٢) المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، باب جمع المقيم لمطر أو غيره، ٢/ ٤.\n(٣) إرواء الغليل، ٣/ ٤٠.\n(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٧٦.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٢.\n(٦) موطأ الإمام مالك، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، برقم ٥، ١/ ١٤٥، والبيهقي، ٣/ ١٦٨، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤١، برقم ٥٨٣.","vol":"2","page":768},{"text":"عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكرون ذلك» (١).\nوعن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك» (٢)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدل على أن النبي - ﷺ - لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جمع في السفر، وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا» (٣). والله أعلم (٤)،قال الإمام ابن قدامة ﵀: «والمطر المبيح للجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه، وأما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب، فلا يبيح، والثلج كالمطر في ذلك؛ لأنه في\n_________\n(١) البيهقي في الكبرى، ٣/ ١٦٨، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٤٠.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى،٣/ ١٦٨،وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٤٠.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٨٣.\n(٤) يذكر بعض الفقهاء عن ابن عمر أن النبي - ﷺ -: جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة. قالوا: رواه النجَّاد بإسناده، وذكر الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٣٩ أنه ضعيف جدًّا. رواه الضياء المقدسي، أما النجاد الذي عُزي إليه الحديث فله مسند، وكتاب كبير في السنن، ولم يعثر الألباني إلى على أجزاء يسيرة من أحاديث ولم يجد الحديث فيها فلعله في الأجزاء المفقودة. الإرواء ٣/ ٤٠.","vol":"2","page":769},{"text":"معناه، وكذلك البَرَد» (١).\nوالجمع للمطر، ونحوه الأفضل أن يقدم في وقت الأولى؛ لأن السلف إنما كانوا يجمعون في وقت الأولى؛ ولأنه أرفق بالناس، ولا شك أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتًا واحدًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>٧ - الجمع لأجل الوحل الشديد </span>(٣)، والريح الشديدة الباردة؛ لحديث عبد الله بن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من ذا؟ فقد فعل ذا من هو خير مني إن الجمعة عزمة (٤)، وإني كرهت أن أُحرجكم فتمشوا في الطين والدحض». وفي لفظ: «أذن مؤذّن ابن عباس في يوم الجمعة في يوم مطير ... وقال: وكرهت أن تمشوا في الدحض والزلل (٥») (٦).\nذكر النووي ﵀ أن هذا الحديث دليل على تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن عذر، وأنها مشروعة لمن\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٣.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٦، وفتاوى شيخ الإسلام، ٢٥/ ٢٣٠، ٢٤/ ٥٦، والشرح الممتع لابن عثيمين،٤/ ٥٦٣.\n(٣) الوحل: الطين الرقيق الملوث بالرطوبة، وهو الزلق، والوحل، والدحض، والزلل، والزلق، الردغ كله بمعنى واحد، وقيل: هو المطر الذي يبل وجه الأرض. شرح النووي على صحيح مسلم،٥/ ٢١٥، وانظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم،٢/ ٤٠٣.\n(٤) الجمعة عزمة: أي واجبة متحتمة: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢٤٤.\n(٥) مسلم، برقم ٦٩٩، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة: في أعذار ترك الجماعة.\n(٦) والخلاصة أن الجمع بين الصلاتين يجوز في حالات:\n١ - في سفر القصر. ٢ - ولمريض يلحقه بترك الجمع مشقة، والمستحاضة. ٣ - المرضع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة. ٤ - في المطر. ٥ - والدحض الشديد. ٦ - والريح الشديدة الباردة. ٧ - ولكل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة. انظر: الشرح الممتع، ٤/ ٥٥٨، والاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٠.\nوالجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، مجموع فتاوى ابن تيمية،٢٤/ ٨٤،و٢٢/ ٣١،٥٣، ٥٤.","vol":"2","page":770},{"text":"تكلف الإتيان إليها، وتحمل المشقة؛ لقوله في الرواية الأخرى: «ليصلّ من شاء في رحله» (١)، وأنها مشروعة في السفر. والحديث دليل على سقوط\nالجمعة بعذر المطر ونحوه (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «فأما الوحل فبمجرد فقال القاضي: قال أصحابنا: هو عذر؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال، والثياب كما تلحق بالمطر، وهو قول مالك ...» (٣) ثم إن هذا القول أصح؛ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال، ويتعرض الإنسان للزلق، فيتأذى بنفسه وثيابه، وذلك أعظم من البلل، وقد ساوى المطر في العذر في ترك الجمعة والجماعة، فدل على تساويهما في المشقة المرعية في الحكم» (٤).\nوكذلك الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة يجوز الجمع فيها؛ لحصول المشقة (٥).\nوسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن صلاة الجمع في المطر بين العشائين: هل يجوز من البرد الشديد، أو الريح الشديدة، أم لا يجوز إلا من المطر خاصة؟ فأجاب: «الحمد لله رب العالمين، يجوز الجمع بين العشائين للمطر، والريح الشديدة الباردة، والوحل الشديد، وهذا أصح قولي العلماء، وهو ظاهر مذهب أحمد، ومالك، وغيرهما، والله أعلم» (٦)، ثم قال: «وذلك أولى من أن يصلُّوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالف للسنة، إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في\n_________\n(١) مسلم، برقم ٦٩٨، وتقدم تخريجه في أعذار ترك الجماعة.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٢١٣ - ٢١٦.\n(٣) المغني، ٣/ ١٣٣.\n(٤) المغني، ٣/ ١٣٣ - ١٣٤.\n(٥) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٣٤.\n(٦) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٤/ ٢٩.","vol":"2","page":771},{"text":"البيوت باتفاق المسلمين» (١).\nوقد اختلف العلماء في جواز الجمع بين الظهر والعصر، في الأعذار\nالمبيحة للجمع في الحضر، فقال قوم: لا يجوز الجمع إلا للمغرب والعشاء؛ لأن الألفاظ وردت بالجمع في الليلة المطيرة، والقول الثاني: جواز الجمع بين الظهر والعصر؛ لأن الألفاظ لا تمنع أن يجمع في يوم مطير؛ لأن العلة هي المشقة، فإذا وجدت المشقة في ليل أو نهار جاز الجمع (٢)، وقال العلامة محمد بن قاسم ﵀: «الوجه الآخر يجوز [الجمع] بين الظهرين كالعشائين، اختاره القاضي، وأبو الخطاب، والشيخ، وغيرهم، ولم يذكر الوزير عن أحمد غيره، وقدمه، وجزم به، وصححه غير واحد، وهو مذهب الشافعي» (٣)، وقال العلامة السعدي ﵀: «والصحيح جواز الجمع إذا وجد العذر، ولا يشترط غير وجود العذر، لا موالاة ولا نية ...» (٤) وقال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «أما الجمع فأمره أوسع؛ فإنه يجوز للمريض، ويجوز أيضًا للمسلمين في مساجدهم عند وجود المطر، أو الدحض، بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر، ولا يجوز لهم القصر؛ لأن القصر مختص بالسفر فقط، وبالله التوفيق» (٥).\nوبيّن ﵀ أن الضابط في الجمع بين الصلاتين وجود العذر، فإذا وجد العذر جاز أن يجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لعذر المرض، والسفر، والمطر الشديد في أصح قولي العلماء\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٢٤/ ٣٠.\n(٢) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين،٤/ ٥٥٨.\n(٣) حاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ٤٠٢، وذكر القولين ابن قدامة في المغني، ٣/ ١٣٢، وفي الكافي، ١/ ٤٥٩، والمرداوي في الإنصاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٩٦.\n(٤) المختارات الجلية، ص٦٨.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠.","vol":"2","page":772},{"text":"وبعض أهل العلم يمنع الجمع بين الظهر والعصر في البلد للمطر ونحوه: كالدحض الذي تحصل به مشقة، والصواب جواز ذلك كالجمع بين المغرب والعشاء، إذا كان الدحض أو المطر شديدًا تحصل به\nالمشقة، فإذا جمع بين الظهر والعصر جميع تقديم فلا بأس كالمغرب والعشاء، سواء جمع في أول الوقت، أو في وسطه» (١).\nوأما صلاة العصر في جميع الأعذار فلا يصح أن تجمع إلى صلاة الجمعة؛ لأن الجمعة صلاة منفردة مستقلة في شروطها، وهيئاتها، وأركانها، وثوابها، والسنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر، ولم يرد عن النبي - ﷺ - أنه جمع العصر إلى الجمعة، فلا يصح أن تقاس الجمعة على الظهر، ولكن لو صلى المسافر ظهرًا يوم الجمعة ولم يصل الجمعة مع المقيمين فلا حرج أن يجمع إليها العصر؛ لأن المسافر لا جمعة عليه؛ ولأن النبي - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر في حجة الوداع، يوم الجمعة يوم عرفة، بأذان واحد وإقامتين ولم يصل جمعة، ومن جمع من أهل الأعذار صلاة العصر مع الجمعة فعليه أن يعيد صلاة العصر؛ لأنه صلى قبل الوقت على وجه لا يجوز فيه الجمع، فلا يجوز الجمع بين صلاة الجمعة والعصر: لا في سفر، ولا مطر، ولا وحل، ولا غير ذلك، وإنما يجب على من صلى الجمعة من أهل الأعذار أن يصلي العصر في وقتها (٢).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز ٢/ ٢٩٢.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ١٢/ ٣٠٠، و١٢/ ٣٠١ - ٣٠٣، والشرح الممتع للعلامة محمد بن صالح العثيمين،٤/ ٥٧٢.","vol":"2","page":773},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1439>المبحث التاسع والعشرون: صلاة الخوف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1440>أولًا: مفهوم صلاة الخوف: </span><span data-type=\"title\" id=toc-1441>الصلاة: لغة </span>الدعاء،<span data-type=\"title\" id=toc-1442><span data-type=\"title\" id=toc-1444> واصطلاحًا: </span></span>عبادة لله ذات أقوال وأفعال معلومة، مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وسميت صلاة لاشتمالها على: دعاء العبادة، ودعاء المسألة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1443>والخوف لغة: </span>الفزع والذُّعر، قال ابن فارس ﵀: «الخاء، والواو، والفاء أصل واحد يدل على الذُّعر والفزع، يقال: خفت الشيء خوفًا، وخيفة ..» (٢) مصدر خاف.\nواصطلاحًا: اضطراب في النفس؛ لتوقع نزول مكروه، أو فوات محبوب، ومنه إخافة السبيل (٣).\nقال الإمام الحافظ المعروف بابن الملقن ﵀: «والخوف غمٌّ على ما سيكون، والحزن غمٌّ على ما مضى» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1445>ثانيًا: سماحة الإسلام ويسر الشريعة ومحاسنها مع الكمال ورفع الحرج</span>، لا شك أن دين الإسلام: دين الرحمة، والبركة، والإحسان، والحكمة، ودين فطرة، ودين العقل، والصلاح، والفلاح، والشرع الإسلامي لا يأتي بما تحيله العقول، ولا بما ينقضه العلم الصحيح، وهذا من أكبر الأدلة على أن ما عند الله - ﷿ - محكم ثابت، صالح لكل زمان ومكان (٥).\n_________\n(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، باب الياء، فصل الصاد، ١٤/ ٤٦٥، والمغني لابن قدامة،\n٣/ ٥، وتقدم التفصيل في مفهوم الصلاة في منزلة الصلاة في الإسلام.\n(٢) معجم المقاييس في اللغة؛ لابن فارس، كتاب الخاء، باب الخاء والواو، وما يثلثهما، ص٣٣٦.\n(٣) معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور محمد رواس، ص١٨٠.\n(٤) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٨١، ٣٤٩.\n(٥) انظر: الدرة المختصرة في محاسن الدين الإسلامي، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص١٧، ١٩، ٣٩.","vol":"2","page":774},{"text":"وقد دلت الأدلة من القرآن العظيم، والسنة النبوية الشريفة على يسر الشريعة الإسلامية وسماحتها، وعلى رفع الحرج، ومن هذه الأدلة ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>أ - من القرآن الكريم آيات كثيرة وهي على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1447>النوع الأول: الآيات الكريمة التي تنص على نفي الحرج، ومنها:</span>\n١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)، أي لم يجعل عليكم في الدين مشقةً، وعسرًا، بل يسره غاية التيسير، وسهّله غاية السهولة، فلم يُلزم إلا بما هو سهل على النفوس: لا يُثقلها، ثم إذا عرض بعض الأسباب الموجبة للتخفيف خفَّف - ﷾ - ما أمر به: إما بإسقاطه، أو إسقاط بعضه، ويؤخذ من هذه الآية قاعدة شرعية: وهي أن المشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات، فيدخل في ذلك من الأحكام الفرعية شيء كثير معروف في كتب الأحكام (٢).\n٢ - قال الله - ﷿ -: ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣) لم يجعل الله - ﷾ - علينا فيما شرع لنا من حرج، ولا مشقة، ولا عسر، وإنما هو رحمة منه بعباده (٤).\n٣ - قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لله وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)،وهذه الآية أصل في سقوط التكاليف عن\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٧٨.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٥٤٧.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير المنان، للسعدي، ص٢٢٤.\n(٥) سورة التوبة، الآية:٩١،وانظر: سورة النور:٦١،وسورة الأحزاب: ٣٧ - ٣٨،وسورة الفتح: ١٧.","vol":"2","page":775},{"text":"العاجز، فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى عزم هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة المال، والعجز من جهة القوة (١)، ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن إلى غيره في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف أنه غير ضامن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن وهو السيئ: كالمفرط والمتعدي أن عليه الضمان (٢).\n٤ - قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣)، فأصل الأوامر والنواهي ليست الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح، ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانًا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف أو إسقاط بعضه، كما في التخفيف عن المريض، والمسافر، والخائف، وغيرهم (٤) وغير ذلك من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1448>النوع الثاني: الآيات التي تدل على التيسير والتخفيف، ومنها:</span>\n١ - قال الله - ﷿ -: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥) أي يريد الله تعالى أن ييسّر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهّلها أبلغ تسهيل؛ ولهذا كان جميع ما أمر به عباده في غاية السهولة في أصله، وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله سهَّله تسهيلًا آخر: إما\n_________\n(١) انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور صالح بن حميد، ص٦١.\n(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص٣٤٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦، والأعراف: ٤٢، والمؤمنون: ٥٧ - ٦٢، والبقرة: ٣٣، والطلاق: ٧١، والأنعام: ١٥٢.\n(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص١٢٠.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.","vol":"2","page":776},{"text":"بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات، وهذه جملة لا يمكن تفصيلها؛ لأن تفاصيلها جميع الشرعيات، ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات (١).\n٢ - قال ﵎: ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا﴾ (٢) أي بسهولة ما أمركم به وما نهاكم عنه، ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع أباح لكم ما تقتضيه حاجاتكم، وذلك لرحمته التامة، وإحسانه الشامل، وعلمه، وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه: ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه ما يَضْعُف عنه، وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته (٣).\n٣ - قال تعالى: ﴿وَنُيَسّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (٤) وهذه بشارة كبيرة أن الله - ﷿ - ييسّر رسوله - ﷺ - لليسرى في جميع أموره، ويجعل شرعه ودينه يسرًا (٥).\n٤ - قال - ﷿ -: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٦) هذه بشارة عظيمة أنه كل ما وُجد عسر وصعوبة فإن اليسر يقارنه، حتى لو دخل العسر جحر ضب لدخل عليه اليسر فأخرجه، كما قال الله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٧) وتعريف «العسر» في الآيتين يدل أنه واحد، وتنكير «اليسر» يدل على تكراره، فلن يغلب عسرٌ يسرين، وفي تعريف العسر بالألف واللام الدالة على استغراق العموم يدل على أن\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص٨٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٢٨.\n(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص١٧٥.\n(٤) سورة الأعلى، الآية: ٨.\n(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص٩٢١.\n(٦) سورة الشرح، الآيتان: ٥ - ٦.\n(٧) سورة الطلاق، الآية: ٧.","vol":"2","page":777},{"text":"كل عسر وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ فإن في آخره التيسير ملازم له (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1449>ب - الأدلة من السنة على اليسر والسماحة والسهولة كثيرة منها:</span>\n١ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌّ إلا غلبه (٢)، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا: بالغدوة، والروحة، وشيء من الدُّلجة (٣) [القصد القصد (٤) تبلغوا»] (٥).\n٢ - قال الإمام البخاري ﵀: بابٌ: الدين يسرٌ، وقول النبي - ﷺ -: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» (٦)، والمقصود أن أحب خصال\n_________\n(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٩٢٩.\n(٢) ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه: المعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيُغلَب، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة؛ فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن خرجت الشمس فخرج وقت الفريضة. فتح الباري للحافظ ابن حجر، ١/ ٩٤.\n(٣) الغدوة: أول النهار، والروحة: آخر النهار بعد الزوال، والدلجة السير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله، وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه - ﷺ - خاطب مسافرًا إلى مقصد، فنبهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنه المداومة من غير مشقة، وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة. فتح الباري لابن حجر، ١/ ٩٥.\n(٤) القصد، القصد: بالنصب فيهما الإغراء، والقصد: الأخذ بالأمر الأوسط، فالأولى للعبد أن لا يجهد نفسه بحيث يعجز عن العمل وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدرج ليدوم عمله ولا ينقطع. فتح الباري للحافظ ابن حجر، ١/ ٩٥.\n(٥) البخاري، كتاب الإيمان، باب الدين يسر، برقم ٣٩، وما بين المعقوفين من كتاب الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٦٣.\n(٦) البخاري، كتاب الإيمان، باب: الدين يسر، قبل الحديث رقم ٣٩،قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١/ ٩٤: «وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب (يعني صحيح البخاري) لأنه ليس على شرطه، نعم وصله في كتاب الأدب المفرد [رقم ٢٨٧، وكذا وصله أحمد بن حنبل برقم ٢١٠٧] وغيره، بإسناد حسن، فتح الباري،١/ ٩٤،وحسنه الألباني لغيره في صحيح الأدب المفرد، ص١٢٢، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٨١،وانظر: أيضًا سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ١٦٣٥.","vol":"2","page":778},{"text":"الدين الحنيفية، وخصال الدين كلها محبوبة، لكن ما كان منها سمحًا - أي سهلًا - فهو أحب إلى الله تعالى، والحنيفية: ملة إبراهيم، والحنيف في اللغة ما كان على ملة إبراهيم، وسمي إبراهيم حنيفًا؛ لميله عن الباطل إلى الحق؛ لأن أصل الحنف الميل، والسمحة: السهلة: أي إنها مبنية على السهولة (١).\n٣ - وعن أسامة بن شريك - ﵁ - قال: شهدتُ الأعراب يسألون النبي - ﷺ -: أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال لهم: «عباد الله وضع الله الحرج إلا من اقترض من عرض أخيه شيئًا فذلك الذي حرج» (٢)، فقالوا: يا رسول الله، هل علينا جناح أن نتداوى؟ قال: «تداووا عباد الله، فإن الله سبحانه لم يضع داءً إلا وضع معه شفاء، إلا الهرم» قالوا: يا رسول الله، ما خير ما أُعطي العبد؟ قال: «خلق حسن» (٣).\n٤ - وعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا» (٤).\n٥ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقال: «يسّرا ولا تُعسّرا، وبشّرا ولا تُنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (٥).\nقال الإمام النووي ﵀: «إنما جمع هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأنه قد يفعلهما في وقتين، فلو اقتصر على «يسّروا» لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات، فإذا قال «ولا تُعسّروا» انتفى\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١/ ٩٤.\n(٢) فذلك الذي حرج: أي الذي حُرم.\n(٣) ابن ماجه بلفظه، في كتاب الطب، باب ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء، برقم ٤٣٣٦، وأحمد،\n٤/ ٢٧٨، والحاكم، ٤/ ١٩٨، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ١٥٨، وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٣٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، برقم ٦٩، ومسلم، كتاب الجهاد، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٤.\n(٥) مسلم، كتاب الجهاد، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير، برقم ١٧٣٣.","vol":"2","page":779},{"text":"التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب، وكذلك يقال في «يسّرا ولا تُعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (١).وغير ذلك من السنة كثير (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>ج - منهج الصحابة - ﵃ - ومن تبعهم بإحسان: </span>اتباع اليُسر والسماحة، والصحابة - ﵃ - هم الذين يطبقون الكتاب والسنة، وقد جاء عنهم أخبار كثيرة طبقوا فيها الإسلام كما جاء، وعملوا بالتيسير وتركوا التعسير؛ وذلك لفهم الكتاب والسنة، وعدم التنطع في الدين؛ ولهذا جاء عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هديًا، اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، [ولإقامة دينه] فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» (٣).\nوما تقدم من أدلة الكتاب والسنة، وهدي الصحابة يدل على رفع الحرج عن الأمة، وأن الإسلام دين اليسر والسماحة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1451>ثالثًا: الأصل في مشروعية صلاة الخوف: الكتاب والسنة، والإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1452>١ - أما الكتاب</span>؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٢٨٤.\n(٢) انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور صالح بن عبد الله بن حميد، ص٧٥ - ٨٦، فقد ذكر ثلاثين دليلًا من السنة على رفع الحرج.\n(٣) جاء هذا الأثر في عدة روايات، أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله،٢/ ٩٤٦، برقم ١٨٠٧، ١٨١٠،وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم،١/ ١٥٩،ومجمع الزوائد للهيثمي، ١/ ١٨١.\n(٤) انظر: رفع الحرج، لابن حميد، ص٨٧، ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية تأصيلية للدكتور يعقوب عبد الوهاب، ص٦٨.","vol":"2","page":780},{"text":"وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ الله أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1453>٢ - وأما السنة</span>، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه صلاة الخوف مرات متعددة على صفات متنوعة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>٣ - وأما الإجماع</span>، فأجمع الصحابة على فعلها، فكان الصحابة في الخوف يصلون صلاة الخوف، جاء ذلك عن علي - ﵁ - ليلة صِفّين، وجاء عن أبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وعن سعيد بن العاص، وحذيفة - ﵃ - (٣) ولا ينظر إلى الأقوال الشاذة التي تخالف ذلك (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1455>رابعًا: أنواع صلاة الخوف: </span>جاءت صلاة الخوف في أحاديث كثيرة، وأشكال متباينة (٥)، والصواب أن كل صفة ثبتت عن النبي - ﷺ - جائزة\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٠٢.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٩٦،والشرح الكبير لابن قدامة المطبوع مع المقنع والإنصاف،٥/ ١١٤.\n(٣) انظر: المغني، ٣/ ٢٩٧، والشرح الكبير، ٥/ ١١٤، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،\n٢/ ٤١١، وتيسير العلام شرح عمدة الأحكام، للبسام، ١/ ٣٤٨، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٣٥٠، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١١٥.\n(٤) كقول من يقول: إن صلاة الخوف مختصة بالنبي - ﷺ -، وبمن صلى معه وذهبت بوفاته، وهذا يذكر عن أبي يوسف، وقوله لا حجة فيه؛ لأن الله قد أمر باتباع النبي - ﷺ - والتأسي به ويلزمنا ذلك مطلقًا حتى يدل الدليل على الخصوص؛ ولأن النبي - ﷺ - قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» البخاري برقم ٦٠٠٨، ومسلم برقم ٦٧٤؛ ولأن الصحابة - ﵃ - لم يقولوا بالخصوص، وادعى المزني: نسخ صلاة الخوف؛ لأنها لم تفعل يوم الخندق، والجواب: أنها لم تشرع حينذاك وإنما شرعت بعد ذلك. وانفرد مالك فقال: لا يجوز فعلها في الحضر، وقد ذكر الإمام القرطبي في المفهم أنه صلاها ببطن نخل على باب المدينة، ومن العلماء من رأى أن الصلاة تؤخر إلى وقت الأمن ولا تصلى في حال الخوف، كما فعل النبي - ﷺ - يوم الخندق، والجواب: أن فعله - ﷺ - كان قبل نزول صلاة الخوف بالإجماع. انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١، والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٧٢ - ٣٧٨.\n(٥) جاءت صلاة الخوف عن النبي - ﷺ - على أنواع مختلفة، ذكر الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم أنها جاءت في أحاديث يبلغ مجموعها ستة عشر نوعًا، وهي مفصلة في صحيح مسلم، وبعضها في سنن أبي داود، واختار الشافعي منها ثلاثة أنواع: بطن نخل، وذات الرقاع، وعسفان. شرح النووي، ٦/ ٣٧٥، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٣٥١. وذكر الحاكم في مستدركه،\n١/ ٣٣٥، ٣٣٨، ثمانية أنواع منها. وصحح ابن حزم في صفتها عن رسول الله - ﷺ - أربعة عشر نوعًا [المحلى، ٥/ ٣٣، ٤٢، وابن خزيمة، ٢/ ٢٩٣، ٣٠٧، وذكر القرطبي في المفهم عشرة أحاديث منها وتكلم عليها. المفهم، ٢/ ٤٦٨ - ٤٧٦، قال أبو داود: جميع ما روي عن النبي - ﷺ - في صلاة الخوف جائز، لا نرجح بعضه على بعض، وقال الإمام أحمد: ما أعلم في هذا الباب إلا حديثًا صحيحًا، واختار حديث سهل بن أبي حثمة. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٣٥٢، وانظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣١١ - ٣١٤، وقال الإمام ابن القيم بعد أن ذكر ست صفات من أنواع صلاة الخوف، وقد روي عنه - ﷺ - صفات أخرى ترجع كلها إلى هذه، وهذه أصولها، وربما اختلف بعض ألفاظها، وقد ذكر بعضهم عشر صفات، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمس عشرة صفة، والصحيح ما ذكرناه أولًا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوهًا من فعل النبي - ﷺ -، وإنما هو من اختلاف الرواة، والله أعلم» زاد المعاد، ١/ ٥٣٢.","vol":"2","page":781},{"text":"حسب مواطنها، يتحرَّى المسلمون فيها ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى، ومن هذه الأنواع الثابتة في الأحاديث الصفات الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1456>النوع الأول: ما يوافق ظاهر القرآن: يقسم الأمير أو القائد من معه </span>إلى طائفتين: طائفة وجاه العدو؛ لئلا يهجم، وطائفة تصلي معه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة، فإذا قام إلى الركعة الثانية نووا الانفراد وأتموا لأنفسهم ركعة والإمام واقف، وسلموا قبل ركوعه، ثم ذهبوا إلى الطائفة التي وجاه العدو، ثم تأتي الطائفة التي كانت تحرس وجاه العدو إلى الإمام فتجده ينتظرها واقفًا في الركعة الثانية فتدخل معه فيها وتصلي معه هذه الركعة، فإذا جلس للتشهد قامت فقضت ركعة والإمام ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت سلم بهم؛ لحديث صالح بن خوَّات عمن صلى مع رسول الله - ﷺ - (١) يوم ذات الرقاع (٢) صلاة الخوف، أن طائفة\n_________\n(١) وفي رواية لمسلم برقم ٨٤١، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة، فصرح به في هذه الرواية، وفي رواية أبهمه.\n(٢) ذات الرقاع: غزوة معروفة، قال النووي: «سميت ذات الرقاع؛ لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا عليها الخرق هذا هو الصحيح في سبب تسميتها» وقال: «كانت سنة خمس» شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٧٦، وذكر ابن القيم ﵀ أن أهل السير قالوا: كانت في السنة الرابعة جمادى الأولى، وقيل محرم، ورجح أنها كانت بعد خيبر، وسمعت شيخنا ابن باز يرد هذا القول ويرجح أنها قبل الخندق. انظر: زاد المعاد، ٣/ ٢٥٠ - ٢٥٣، وانظر للفائدة: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٣٥٢، ٧/ ٤١٧، ٤٦٤.","vol":"2","page":782},{"text":"صفت معه وطائفة وجاه (١) العدو فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائمًا وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم» (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهذا أيسر الأنواع، والصحابي المبهم في سند الحديث هو سهل بن أبي حثمة» (٣) وهذا النوع اختاره الإمام أحمد بن حنبل، لموافقته ظاهر القرآن، وأقر جميع الأنواع الأخرى، وأن كل حديث صح في صلاة الخوف يجوز العمل به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>النوع الثاني: إذا كان العدو في جهة القبلة ولا يخفى بعضهم </span>على المسلمين صف الإمام المسلمين خلفه صفين، فيكبر ويكبروا جميعًا، ثم يركع فيركعوا جميعًا، ثم يرفع من الركوع ويرفعوا جميعًا معه، ثم ينحدر فيسجد ويسجد معه الصف الأول الذي يليه، ويبقى الصف الثاني قائمًا يحرس مواجهة العدو، فإذا صلى بالصف الأول سجدتين وقام إلى الركعة الثانية سجد الصف الثاني الذي كان يحرس سجدتين، ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول، وتأخر الصف الأول مكانهم، ثم يركع الإمام ويركعوا معه جميعًا، ثم يرفع ويرفعوا جميعًا، ثم يسجد ويسجد\n_________\n(١) وجاه العدو: يقال: وجاه وتجاه: أي قبالته، والطائفة: الفرقة. شرح النووي،٦/ ٣٧٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٢٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٨٤٢.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٩٩.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩٩، ٣١١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،\n٥/ ١٢٥، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٥/ ١١٧، والكافي، ١/ ٤٦٧.","vol":"2","page":783},{"text":"معه الصف الأول الذي كان في الركعة الأولى هو الثاني، فإذا سجد سجدتين وجلس للتشهد سجد الصف الثاني ولحقوه في التشهد، وتشهدوا جميعًا، ثم سلم بهم جميعًا (١)؛ لحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف فصفنا صفين: صف خلف رسول الله - ﷺ - والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي - ﷺ - وكبرنا جميعًا، ثم ركع وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو (٢) فلما قضى النبي - ﷺ - السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي - ﷺ - وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - ﷺ - السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي - ﷺ -، وسلمنا جميعًا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>النوع الثالث: يقسم الإمام أصحابه إلى طائفتين: </span>فرقة تجاه العدو وفرقة تصلي معه، فيصلي بإحدى الطائفتين ركعة ثم تنصرف قبل أن تسلم وهي في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى، ثم تأتي الفرقة الأخرى إلى مكان هذه خلف الإمام فتصلي معه الركعة الثانية، ثم يسلم\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٣١٢، والشرح الكبير، ٥/ ١١٨، وزاد المعاد، ١/ ٥٢٩، والشرح الممتع، ٤/ ٥٨٣، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٧١.\n(٢) في نحر العدو: أي في مقابله، ونحر كل شيء أوله. شرح النووي، ٦/ ٣٧٦.\n(٣) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٨٤٠، وفي رواية أنها صلاة العصر، ولأبي داود في سننه عن أبي عياش الزرقي في كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، برقم ١٢٣٦، أن هذه الصلاة كانت بعسفان، وعسفان موضع على مرحلتين من مكة، كما في القاموس المحيط، ص١٠٨٢، والمصباح المنير، ص١٥٥، قال الإمام ابن القيم: «ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق» زاد المعاد، ٣/ ٢٥٢.","vol":"2","page":784},{"text":"وحده، وتقضي كل طائفة ركعة؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: غزوت مع النبي - ﷺ - قِبَل نجدٍ فوازينا (١) العدو، فصاففناهم، فقام رسول الله - ﷺ - يصلي لنا، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله - ﷺ - بمن معه وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة (٢) التي لم تصلّ، فجاؤوا فركع رسول الله - ﷺ - بهم ركعة وسجد سجدتين، ثم سلَّم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة (٣) وسجد سجدتين» وفي لفظ لمسلم: «ثم سلم النبي - ﷺ -،ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة» وفي لفظ لمسلم أيضًا: «ثم قضت الطائفتان: ركعة ركعة» (٤)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «صلى بهم ركعة ثم انصرفوا، وجاءت الطائفة الثانية فركع بهم ركعة ثم سلم، فقام كل واحد فركع لنفسه ركعة، قضوا الركعة كلهم بعد سلام النبي - ﷺ -،وسمح لهم في\n_________\n(١) الإزاء: المقابل، فوازينا العدو: أي قابلناهم: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٣٠.\n(٢) ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلّ: أي فقاموا في مكانهم. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٣٠.\n(٣) «فقام كل واحد فركع لنفسه ركعة» قال الحافظ ابن حجر ﵀: «لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه: «ثم سلم فقام هؤلاء - أي الطائفة - فقضوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، [سنن أبي داود برقم ١٢٤٤، ١٢٤٥]،وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها ووقع في الرافعي تبعًا من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا، ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود: أشهب والأوزاعي، وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حثمة من رواية مالك عن يحيى بن سعيد، واستدل بقوله طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لابد أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة تطلق على القليل والكثير، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم خوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد ويحرس واحد، ثم يصلي بالآخر» فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٣١.\n(٤) متفق عليه واللفظ للبخاري: البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الخوف، برقم ٩٤٢،ورقم ٤١٣٣،ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٨٣٩.","vol":"2","page":785},{"text":"هذه الحركة؛ للحاجة، وانصراف الطائفة الأولى قبل سلامهم، وهذا جائز والنوع الأول أسهل» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1459>النوع الرابع: أن يصلي الإمام بكل طائفة صلاة منفردة: </span>فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يسلم بها، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم ركعتين ثم يسلم بهم؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي - ﷺ - صلى بطائفة من أصحابه ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بآخرين أيضًا ركعتين، ثم سلم» (٢)؛ ولحديث أبي بكرة - ﵁ -، قال: صلى النبي - ﷺ - في خوفٍ الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت لرسول الله - ﷺ - أربعًا، ولأصحابه ركعتين» وبذلك كان يفتي الحسن، قال أبو داود في المغرب؛ يكون للإمام ستُّ ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم يسلم، ويصلي بالطائفة الثانية ركعتين، ثم يسلم، وروى مسلم ما رواه النسائي وأبو داود، ورواه البخاري معلقًا مجزومًا به، وهذا دليل على جواز إمامة المتنفل» (٤).\nوعن جابر - ﵁ -، قال: كنا مع النبي - ﷺ - بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي - ﷺ -، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي - ﷺ -\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٠٠.\n(٢) سنن النسائي، كتاب صلاة الخوف، برقم ١٥٥١، ورقم ١٥٥٣، وصححه العلامة الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٥٠٣، ٥٠٤.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب من قال يصلي بكل طائفة ركعتين، وتكون للإمام أربعًا، برقم ١٢٤٨،والنسائي، كتاب صلاة الخوف، برقم ١٥٥٤،١٥٥٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٣٤٢،وصحيح النسائي،١/ ٥٠٣، ٥٠٤.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٠٣، ورقم ٥٠٤.","vol":"2","page":786},{"text":"معلق بالشجرة فاخترطه فقال له: تخافني؟ فقال له: «لا» قال: فمن يمنعك مني؟ قال: «الله» فتهدده أصحاب النبي - ﷺ - وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبي - ﷺ - أربعٌ وللقوم ركعتان» (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا مثل الوجه الذي قبله (٢) إلا أنه لا يسلم في الركعتين الأوليين» (٣). وقال الإمام النووي ﵀ عن حديث جابر هذا «صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله - ﷺ - أربع ركعات وللقوم ركعتان». قال [النووي] «صلى بالطائفة الأولى ركعتين وسلم وسلموا، وبالثانية كذلك ..» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «هذه صفة من أنواع صلاة الخوف: صلى ركعتين ثم سلم، ثم صلى بطائفة أخرى ركعتين ثم سلم، وهذا هو الصواب، ومن قال: إنه صلى بدون سلام فقد غلط، ومن أهم شيء عند طالب العلم إذا أشكل عليه بعض الأحاديث أن يجمع الروايات وطرقها حتى يتضح له الأمر» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1460>النوع الخامس: يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ركعة </span>ثم تذهب ولا تقضي شيئًا، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصف خلفه ويصلي بهم ركعة ثم يسلم ولا تقضي شيئًا؛\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٣٦، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٨٤٣.\n(٢) يعني بذلك ﵀ نفس النوع الرابع الذي دل عليه حديث جابر عند النسائي، برقم ١٥٥١.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣١٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٣٨، والكافي لابن قدامة،\n١/ ٤٦٩، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٥٢٩، وكل هذه المراجع ذكر أصحابها أن حديث جابر في الصحيحين بدون سلام للنبي - ﷺ -؛ ولهذا عدُّوه نوعًا خامسًا لا يدخل في النوع الرابع، والله أعلم.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٣٧٨،وكذلك اختار المجد ابن تيمية أن حديث جابر في الصحيحين تكون كل ركعتين بسلام [انظر: الحديث رقم ١٣١٤ من منتقى الأخبار المطبوع مع نيل الأوطار].\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٤١٣٦.","vol":"2","page":787},{"text":"لحديث ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف بذي قرد: أرض من أرض بني سليم (١)، فصلى الناس خلفه صَفَّين: صفًّا يوازي العدو، وصفًّا خلفه، فصلى بالصف الذي يليه ركعة، ثم نهض هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة أخرى». ولفظ النسائي: «أن رسول الله - ﷺ - صلى بذي قرد فصفّ الناس خلفه صَفَّين: صفًّا خلفه وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا» (٢)؛لحديث حذيفة - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة، ولم يقضوا» (٣)،وسمعت شيخنا الإمام يقول: «صلى بطائفة ركعة وبطائفة ركعة، ولم يقضوا فكان له ركعتان» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ -: في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (٥)،قال الإمام الصنعاني ﵀: «صلاة الخوف ركعة واحدة في حق الإمام والمأموم» (٦)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذا النوع: «صلاة الخوف ركعة على أي حال كان، يعني للإمام والمأمومين» (٧)، وهذه الأنواع الستة ثبتت، وذكرها أهل العلم (٨).\n_________\n(١) ذو قرد: ماء على ليلتين من المدينة، بينها وبين خيبر، وكان رسول الله - ﷺ - خرج إليه لما خرج في طلب عيينة حين أغار على لقاحه. معجم البلدان، ٤/ ٥٥.\n(٢) أحمد، ٥/ ٣٨٥، والنسائي، كتاب صلاة الخوف، برقم ١٥٣٢، والبخاري بنحوه، في كتاب صلاة الخوف، باب: يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف، برقم ٩٤٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٤٩٦.\n(٣) أحمد، ٥/ ٣٩٩، والنسائي، كتاب الخوف، برقم ١٥٢٨، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب صلاة الخوف، برقم ١٢٤٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٤٢، وصحيح النسائي، ١/ ٤٩٥.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٠٥.\n(٥) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٦٨٧.\n(٦) سبل السلام، ٣/ ٢١٣.\n(٧) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٠٧.\n(٨) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٩٨ - ٣٢٦،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١١٧ - ١٤٤، والكافي لابن قدامة، ١/ ٢٦٧ - ٢٧٢، وزاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٥٢٩ - ٥٣١.","vol":"2","page":788},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1461>خامسًا: صلاة الخوف في الحضر تؤدى بدون قصر</span>، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان من هديه - ﷺ - في صلاة الخوف أن أباح الله - ﷾ - قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصر العدد وحده إذا كان سفر لا خوف معه، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوف لا سفر معه، وهذا كان من هديه - ﷺ - وبه تُعلم الحكمة في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض والخوف» (١). وهذا يبيّن أن صلاة الخوف جائزة في الحضر إذا احتاج الناس إلى ذلك؛ لنزول العدو قريبًا من البلد (٢). فإن خاف الناس وقت الإقامة صلَّى الإمام الصلاة الرباعية بكل طائفة ركعتين وأتمت الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة، والطائفة الثانية تتم بالحمد لله وسورة (٣).\nقال الخرقي ﵀: «وإن كانت الصلاة مغربًا، صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، وأتمت لأنفسها ركعة تقرأ فيها بالحمد لله، ويصلي بالطائفة الأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين، تقرأ فيهما بالحمد لله وسورة» (٤).\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٥٢٩.\n(٢) وذكر عن الإمام مالك أن صلاة الخوف لا تجوز في الحضر، لأن الآية إنما دلّت على صلاة ركعتين، وصلاة الحضر أربعًا؛ ولأن النبي - ﷺ - لم يفعلها في الحضر، وخالفه أصحابه فقالوا كقولنا، ولنا من الأدلة أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ﴾ وهذا عام في كل حال، وترك النبي - ﷺ - فعلها في الحضر إنما كان لغناه عن فعلها في الحضر. انظر: المغني، ٣/ ٣٠٥، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٣٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٥٧٣.\n(٣) وهل تفارقه الطائفة الأولى في التشهد أو حين يقوم إلى الثالثة على وجهين:\nأحدها: حين يقوم إلى الثالثة، وهو قول مالك الأوزاعي.\nوالثاني: تفارقه في التشهد؛ لتدرك الطائفة الثانية جميع الركعة الثالثة وعلى أي الصفتين فعل كان جائزًا. انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٣٠٥،والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،٥/ ١٣٠ - ١٣١،والكافي لابن قدامة،١/ ٤٧٣.\n(٤) المغني، ٣/ ٣٠٩. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، وسفيان والشافعي في أحد قوليه، وقال في القول الآخر: يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، قال المرداوي في الإنصاف: «وإن كانت الصلاة مغربًا صلى بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة بلا نزاع، ونص عليه. ولو صلى بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين عكس الصفة الأولى صحت على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب ونص عليه» ٥/ ١٢٩. قال الحافظ ابن حجر في الفتح، ٢/ ٤٢٤: «لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها القصر، واختلفوا هل الأولى أن يصلي بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس» وقال الشوكاني: «وحكي عن الشافعي التخيير، قال وفي الأفضل وجهان أصحهما ركعتان بالأولى، واستدل له بفعل النبي - ﷺ -، وليس للنبي فعل في صلاة المغرب ولا قول كما عرفت». نيل الأوطار، ٢/ ٦٣٠.","vol":"2","page":789},{"text":"والله أعلم (١). قال الإمام الحافظ ابن المنذر ﵀: «ويصلي صلاة الخوف في الحضر، يجعلهم طائفتين، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وينتظرهم في التشهد جالسًا، ويتمون لأنفسهم، وينصرفون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعتين، ويثبت جالسًا ويصلون لأنفسهم، فإذا جلسوا وتشهدوا سلم بهم، وإذا كانت صلاة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة الثانية ركعة على هذا المثال» (٢)، والله - ﷾ - أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1462>سادسًا: صلاة الخوف حال القتال والتحام الحرب</span>، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لله قَانِتِينَ * فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ\n_________\n(١) وهل تفارق الإمام الطائفة الأولى في التشهد الأول أو في الركعة الثالثة على وجهين: أحدهما حين قيامه إلى الثالثة، وهو قول مالك والأوزاعي. والوجه الثاني تفارقه في التشهد، قيل وكلا الأمرين جائز. انظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٥/ ١٣١ - ١٣٢،والمغني،٣/ ٣١٠،والكافي،١/ ٤٧٣.\n(٢) الإقناع للإمام ابن المنذر، ١/ ١٢٣.\n(٣) وإذا صلى [الإمام] بالطائفة الثانية الركعة الثالثة وجلس للتشهد فإن الطائفة تقوم ولا تتشهد معه، ذكره القاضي؛ لأنه ليس بموضع تشهدٍ لها بخلاف الرباعية، ويحتمل أن تتشهد معه؛ لأنها تقضي ركعتين متواليتين على إحدى الروايتين، فيفضي إلى أن تصلي ثلاث ركعات بتشهد واحد، ولا نظير لهذا في الصلوات، فعلى هذا الاحتمال تتشهد معه التشهد الأول ثم تقوم كالصلاة الرباعية سواء» المغني لابن قدامة، ٣/ ٣١٠، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٢٩ - ١٣٠، والكافي، ١/ ٤٧٣، وقال الإمام المرداوي: «فائدة: لا تتشهد الطائفة الثانية بعد ثالثة المغرب على الصحيح من المذهب؛ لأنه ليس محل تشهدها، وقيل: تتشهد معه، إن قلنا: تقضي ركعتين متواليتين؛ لئلا تصلي المغرب بتشهد واحد، قلت: فعلى الأول إن قلنا: تقضي ركعتين متواليتين يعايى بها، لكن يظهر بعد هذا أن يُقال: لا تتشهد بعد الثالثة، وإذا قضت تقضي ركعتين متواليتين، ويتصور في المغرب أيضًا ست تشهدات بأن يدرك المأموم الإمام في التشهد الأول، فيتشهد معه، ويكون على الإمام سجود سهو محله بعد السلام، فيتشهد معه ثلاث تشهدات، ثم يقضي فيتشهد عقب ركعة، وفي آخر صلاته، وسهو لما يجب سجوده بعد السلام، وبأن يسلم قبل إتمام صلاته، فيعايى بها» الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"2","page":790},{"text":"رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: «لما أمر الله تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي فصلوا على أي حال كان: رجالًا أو ركبانًا، يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٢)، كما قال مالك عن نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - ﷺ -»، ولفظ مسلم: «فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصلّ راكبًا، أو قائمًا، تومئ إيماءً» (٣)، وفي حديث عبد الله بن أنيس - ﵁ - لما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: «اذهب فاقتله» قال فرأيته وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة فانطلقت أمشي وأنا أصلي، وأومئ إيماءً نحوه ...» الحديث (٤).\nوقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، وقال الوليد: ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط\n_________\n(١) سورة البقرة، الآيتان: ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ص١٩٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾، برقم ٤٥٣٥ [و٩٤٢، ٩٤٣]، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم ٣٠٦ - (٨٣٩).\n(٤) أحمد، ٣/ ٤٩٦، وأبو داود، كتاب صلاة السفر، باب صلاة الطالب، برقم ١٢٤٩، قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره، ص١٩٧: «رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد». وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٤٣٧: «وإسناده حسن» وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص٩٧، برقم ١٢٤٩.","vol":"2","page":791},{"text":"وأصحابه على ظهر الدابة، فقال: كذلك الأمر عندنا إذا تُخُوّفَ الفوت، واحتج الوليد بقول النبي - ﷺ -: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماءً، وإن كان طالبًا نزل فصلى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه، فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل، بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب ظاهرة؛ لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه، وإنما يخاف أن يفوته العدو، وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي؛ فإنه قيده بخوف الفوت ولم يستثنِ طالبًا من مطلوب» (٢)، ثم ذكر ابن حجر ﵀ حديث عبد الله بن أنيس المتقدم وحسّن إسناده (٣).\nوقال البخاري رحمه الله تعالى: «باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو. وقال الأوزاعي: إن كان تهيّأ الفتح وعقدوا على الصلاة صلوا إيماءً كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأْمَنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأْمَنوا، وبه قال مكحول. وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تُستر (٤) عند إضاءة الفجر - واشتد اشتعال القتال - فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصلّ إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا، وقال\n_________\n(١) البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب، قبل الحديث رقم ٩٤٦، والحديث الذي احتج به الوليد، هو نفسه رقم ٩٤٦، ورقم ٤١١٩.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧.\n(٣) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٤٣٧.\n(٤) تستر: بلد معروف من بلاد الأهواز، وذكر خليفة أن فتحها كان في سنة عشرين في خلافة عمر - ﵁ -، فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٣٥.","vol":"2","page":792},{"text":"أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها» (١)،ثم ساق البخاري عن جابر بن عبد الله قال: جاء عمر يوم الخندق فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله، ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب. فقال النبي - ﷺ -: «وأنا والله ما صليتها بعد» قال: فنزل إلى بطحان فتوضأ وصلى العصر بعدما غابت الشمس، ثم صلى المغرب بعدها» (٢).\nمما تقدم من الأدلة على صلاة الخوف عند اشتداد الحرب اختلف العلماء على قولين:\n١ - قال جمهور العلماء: لا تؤخر الصلاة عند اشتداد الحرب والتحام القوم بعضهم ببعض، بل يصلون على حسب أحوالهم على أي صفة كانوا ولو ركعة واحدة إيماءً سواء كانوا مستقبلين القبلة أو مستدبرين، وسواء كانوا رجالًا على الأقدام أو ركبانًا على الخيل والإبل وغيرها، فقالوا تكون الصلاة على ما ورد به القرآن ووردت به الأحاديث، وأن الصلاة لا تؤخر، أما تأخير الصلاة يوم الخندق؛ فلأن صلاة الخوف لم تشرع بعد (٣).\n٢ - وذهب قوم من أهل العلم إلى أن صلاة الخوف في اشتداد القتال يجوز تأخيرها إلى الفراغ من التحام القتال إذا لم يستطع المجاهدون أن يعقلوا صلاتهم، وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد ﵀ وغيره، واختاره البخاري، والأوزاعي، ومكحول، وهو الذي عمل به الصحابة - ﵃ - زمن عمر بن الخطاب في فتح تستر، وقد اشتهر ولم ينكر عليهم تأخير صلاة الفجر إلى أن\n_________\n(١) البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، قبل الحديث رقم ٩٤٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، برقم ٩٤٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي العصر، برقم ٦٣١.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣١٦،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٢٥، وزاد المعاد، ٣/ ٢٥٣، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٢٥، ومنتهى الإرادات، ١/ ٣٤٥، ونيل الأوطار، ٢/ ٦٣١، ومنار السبيل، ١/ ١٨٥، والإقناع لابن المنذر، ١/ ١٢٢، والإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي، ١/ ٢٨٨، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٤١٥.","vol":"2","page":793},{"text":"استتم الفتح ضحى فصلوها بعد ارتفاع الشمس (١)، ورجح شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ أنه يجوز تأخير الصلاة في حال المسايفة إلى أن يتمكن من فعلها، فسمعته يقول: «والصواب أن غزوة ذات الرقاع قبل الأحزاب، وأنه إذا اشتد الخوف أخّر الصلاة كما فعل الصحابة يوم تستر أخَّروا صلاة الفجر إلى الضحى لشدة الحرب» (٢).ورجح ذلك أيضًا العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀، وبيّن أنه يجوز تأخير الصلاة إذا اشتد الخوف بحيث لا يتدبر الإنسان ما يقول، وذكر أن تأخير صلاة النبي - ﷺ - يوم الأحزاب ليس منسوخًا، بل هو محكم إذا دعت الضرورة القصوى إلى ذلك، بحيث لا يقر للمقاتلين قرار، ثم قال: «ونحن في هذا المكان لا ندركه وإنما يدركه من كان في ميدان المعركة» (٣)، قال ابن رشيد ﵀: «من باشر الحرب، واشتغال القلب، والجوارح، إذا اشتغلت عرف كيف يتعذر الإيماء» (٤).\n_________\n(١) انظر فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٦، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٩٧ - ١٩٨، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٣٧٤، والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٤/ ٥٨٥، وزاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ٢٥٣، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٦٣١.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٣/ ٢٥٣.\n(٣) الشرح الممتع بتصرف يسير، ٤/ ٥٨٦.\n(٤) نقلًا عن فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٣٤.","vol":"2","page":794},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1463>المبحث الثلاثون: صلاة الجمعة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1464>أولًا: مفهومها: </span>الجمعة لغة: قال ابن فارس ﵀: «الجيم، والميم، والعين أصل واحد يدل على تضامّ الشيء، يقال جمعت الشيء جمعًا». «وتقول: استجمع الفرس جريًا. وجَمْع: مكة سُمّي لاجتماع الناس فيه، وكذلك يوم الجمعة» (١). سمّي به لاجتماع الناس فيه (٢)، وجمعة جمعها: جُمَع، وجُمُعات، والذين قالوا: الجمعة ذهبوا بها إلى صفة اليوم، ويقال: الجمعة، والجُمَعة (٣) (٤).\n_________\n(١) معجم المقاييس في اللغة، كتاب الجيم، باب الجيم والميم وما بينهما، ص٢٢٤.\n(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الجيم مع الميم، ٢٨٧، وقال: «وفي حديث الجمعة: أول جمعة جمّعت بعد المدينة بجواثى جمعت: بالتشديد أي صليت، ويوم الجمعة سمي به لاجتماع الناس فيه» النهاية، ١/ ٢٩٧.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور، باب العين، فصل الجيم، ٨/ ٥٨، والقاموس المحيط، باب العين، فصل الجيم، ص٩١٧.\n(٤) وسميت بالجمعة؛ لاجتماع الناس لها، وقيل: لِمَا جمع فيها من الخير، وقيل: لجمعها الخلق الكثير، وقيل: لأن آدم جمع مع حواء فيها، وقيل: لأنه اليوم الذي اجتمعت فيه المخلوقات وكمالها، وقيل: سمي يوم الجمعة؛ لأن آدم جمع خلقه فيها، ونقل المرداوي عن مجمع البحرين أن هذا القول أولى، وقال عبد الرحمن بن محمد بن قاسم: قال الحافظ: هو أصحها، ويليه: لاجتماع الناس لها. قال الإمام ابن خزيمة ﵀: «باب ذكر العلة التي أحسب لها سميت الجمعة جمعة» ثم أورد حديث سلمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا سلمان ما يوم الجمعة»؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «يا سلمان ما يوم الجمعة»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا سلمان ما يوم الجمعة»؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «يا سلمان يوم الجمعة به جمع أبوك - أو أبوكم - أنا أحدثك عن يوم الجمعة، ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمرتم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة، فيقعد، فينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لِمَا قبله من الجمعة» صححه ابن خزيمة، ٣/ ١١٧ - ١١٨، برقم ١٧٣٢، وقال العلامة الألباني: «إسناده حسن»، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٦/ ٢٣٧،برقم ٦٠٨٩،وأحمد في المسند،٥/ ٤٣٩ - ٤٤٠،وفي الفتح الرباني،٦/ ٤٥،قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٧٤: «روى النسائي بعضه [٣/ ١٠٤]، ورواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن» انتهى.\nوفي لفظ أحمد: «... لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره ثم يأتي يوم الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة» ٥/ ٤٣٩، وفي لفظ لأحمد أيضًا: «... ألا أحدثك عن يوم الجمعة؟ لا يتطهر رجل مسلم ثم يمشي إلى المسجد ثم ينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة لِمَا بينها وبين الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المقتلة» ٥/ ٤٤٠.\nوقد كان يوم الجمعة يسمَّى في الجاهلية: «العروبة»؛ لأن العرب كانت تعظمه، وقيل [ذكره السهيلي في الروض الأنف، ١/ ٨، ٢/ ١٩٦]: أول من سمى العروبة كعب بن لؤي، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويذكرهم بمبعث رسول الله - ﷺ - ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه والإيمان به» انظر: الكشاف للزمخشري، ٤/ ٩٧، والوسائل في مسامرة الأوائل، للسيوطي، ١٩، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ١٠٢ - ١٠٣، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي،٥/ ١٧٥،وحاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢/ ٤١٨، وسبل السلام، ٣/ ١٥٣.","vol":"2","page":795},{"text":"والجمعة اصطلاحًا: بضم الجيم والميم، ويجوز سكون الميم وفتحها، يوم من أيام الأسبوع، تُصلَّى فيه صلاة خاصة هي صلاة الجمعة (١).\nوصلاة الجمعة: صلاة مستقلة بنفسها، تخالف الظهر: في الجهر، والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت (٢).\nوأول جمعةٍ جُمّعَتْ بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1465>ثانيًا: الأصل في وجوب صلاة الجمعة: الكتاب والسنة والإجماع:</span><span data-type=\"title\" id=toc-1466>١ - أما الكتاب </span>فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فأمر بالسعي، ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع؛ لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن فرضًا لَمَا نهى\n_________\n(١) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد روَّاس، ص١٤٥، وانظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ١٠١.\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٤٣٢ - ٤٣٤، والإنصاف للمرداوي المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ١٥٩ - ١٦٠، والشرح الكبير المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٧٨، وحاشية عبد الرحمن بن محمد بن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٢٠.\n(٣) البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم ٨٩٢، ٤٣٧١.\n(٤) سورة الجمعة، الآية: ٩.","vol":"2","page":796},{"text":"عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الإسراع؛ فإن السعي في كتاب الله لم يُرَدْ به العَدْوُ (١).<span data-type=\"title\" id=toc-1467>٢ - وأما السُّنَّة</span>؛ فلحديث ابن عمر وأبي هريرة - ﵃ - أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: «لينتهينَّ أقوام عن وَدْعهم (٢) الجُمُعاتِ أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (٣)؛ ولحديث أبي الجعد الضمري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من ترك ثلاث جُمَع تَهَاوُنًا بها طبع الله على قلبه» (٤)، ولفظ الترمذي وابن ماجه: «من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا بها طبع الله على قلبه» (٥). وعن حفصة ﵂، أن النبي - ﷺ - قال: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» (٦).<span data-type=\"title\" id=toc-1468>٣ - وأما الإجماع</span>، فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة (٧)، وقال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار،\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة،، ٣/ ١٥٨، والشرح الكبير، ٥/ ١٥٧.\n(٢) ودعهم: الودع: الترك، وهو مصدر: ودع يدع ودعًا، وزعم بعض النحويين أن مصدر مثل هذا الفعل: متروك، وكذلك أفعالها الماضية، وأنهم يستغنون عن «ودع» بترك، وعن الودع بالترك، ونحو ذلك، ورسول الله - ﷺ - أفصح وأعرف بالعربية. جامع الأصول لابن الأثير،٦٤٢، ٥/ ٦٦٧.\n(٣) مسلم، كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، برقم ٨٦٥.\n(٤) طبع الله على قلبه: الطبع والختم واحد، والمراد أنه بتركه الجمعة قد أغلق قلبه وختم عليه فلا يصل إليه شيء من الخير. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٦٦٦.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجمعة، برقم ١٠٥٢، والنسائي، كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، برقم ١٣٧٠، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، برقم ٥٠٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب فيمن ترك الجمعة من غير عذر، برقم ١١٢٥،والحديث حسنه الترمذي، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي،١/ ٤٤٢: «حسن صحيح» وقال عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٥/ ٦٦٦: «وصححه جماعة، وهو حديث صحيح بشواهده»، ورواه النسائي من حديث جابر - ﵁ - برقم ١٣٦٨، وابن ماجه برقم ١١٢٦، بلفظ: «من ترك الجمعة ثلاثًا من غير ضرورة طبع الله على قلبه»، وقال الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٤٢: «حسن صحيح».\n(٦) النسائي، كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، برقم ١٣٧٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٤٣.\n(٧) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥٩.","vol":"2","page":797},{"text":"البالغين، المقيمين الذين لا عذر لهم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1469>ثالثًا: حكم صلاة الجمعة: من تجب عليه، ومن لا تجب عليه:</span>\nصلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم، بالغ، عاقل، حُرٍّ (٢)، مستوطن ببناء يشمله اسم واحد ولا تفرق يسيرًا، فإن كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة لزمته، ولو كان بينه وبين موضعها فراسخ، ولو لم يسمع النداء؛ لأن البلد كالشيء الواحد مثل: اسم: مكة، والمدينة، والرياض، فما دام البناء يشمله اسم واحد فهو بلد واحد، ولو فرض أن هذا البلد اتسع وصار بين أطرافه أميال كثيرة، أو فراسخ فتلزم الجمعة من بأقصاه الشرقي، كما تلزم من بأقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد ليس بينه وبين المسجد أكثر من ثلاثة أميال\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص٤٤.\n(٢) وقيل: تجب على المملوك؛ لأنه داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. وهي رواية عن أحمد، وقيل: إذا أذن له سيده لزمته وإذا لم يأذن له لا تلزمه، وهي رواية ثالثة عن أحمد، انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، ٥/ ١٧١، والمغني لابن قدامة،\n٣/ ٢١٧، والشرح الكبير، ٥/ ١٦٠، وقال السعدي ﵀: «الصواب أن الجمعة والجماعة تجب على العبيد الأرقاء؛ لأن النصوص عامة في دخولهم، ولا دليل يدل على إخراج العبيد، وأما حديث طارق بن شهاب: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة»، فذكر منهم العبد المملوك فهو حديث ضعيف الإسناد ... وأصح منه حديث حفصة في سنن النسائي مرفوعًا: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» [برقم ١٣٧٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٤٣] وهو عام في الحر والمملوك، والأصل أن المملوك حكمه حكم الحر في جميع العبادات البدنية المحضة التي لا تعلق لها بالمال». الاختيارات الجلية، ص٦٩، واختار تلميذه محمد بن صالح العثيمين ﵀ القول الثالث، وهو أن الجمعة تلزم العبد إذا أذن له سيده، وقال: «وهذا القول قول وسط بين قول من يلزمه جمعة مطلقًا وقول من لا يلزمه مطلقًا» الشرح الممتع، ٥/ ٩، ولكن سماحة شيخنا الإمام ابن باز ذكر أن حديث طارق بن شهاب صحيح؛ وأن مرسل الصحابي لا يضر، وهو مقبول وقد ذكر غير واحد إجماع أهل العلم على قبول مرسل الصحابي، وقد صرح بالسماع عن أبي موسى الأشعري فزال ما يخشى منه معنى كلامه ﵀، وسيأتي نصه إن شاء الله مع تخريج الحديث.\nوقال شيخ الإسلام في الفتاوى،٢٤/ ١٨٤: «وجوبها على العبد قوي إما مطلقًا وإما إذا أذن له سيده».","vol":"2","page":798},{"text":"تقريبًا إذا لم يكن له عذر؛ لأن الموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب، إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيّتًا على موضع عال، والمستمع غير ساهٍ ثلاثة أميال أو ما يقاربها، فحُدَّ بذلك تقريبًا، والله أعلم (١). هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان البلد واحدًا، فإن الجمعة تلزمه ولو كان بينه وبين موضع الجمعة فراسخ كما تقدم. وخلاصة القول: أن صلاة الجمعة تلزم من توفرت فيه هذه الثمانية شروط، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستيطان، وإمكان سماع النداء إذا كان لا يشمل المستمع اسم البلد، وانتفاء الأعذار (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1470>١ - أما الإسلام</span>؛ فلأن الكافر لا تصح منه الصلاة، ولا أي عبادة؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، والكافر مخاطب بفروع الشريعة الإسلامية كما هو مخاطب بأصولها، ولكن لو عمل بفروع الشريعة ولم يدخل في الإسلام لا تقبل منه حتى يدخل في الإسلام (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1471>٢ - وأما البلوغ</span>؛ فلحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم،\n_________\n(١) انظر: المغني، ٣/ ٢٤٤ - ٤٤٦، والشرح الكبير، لابن قدامة، ٥/ ١٦٠ - ١٦٤، والإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٦٠ - ١٦٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٤١٨ - ٤٢٤، والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين، ٥/ ٧ - ١٩.\n(٢) انظر: الشرح الكبير، ٥/ ١٦٠، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨.\n(٣) سورة الفرقان، الآية:٢٣.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٨٨.\n(٥) انظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢/ ٤٢١،والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٥/ ١٠ - ١١.","vol":"2","page":799},{"text":"وعن المجنون حتى يعقل» (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1472>٣ - وأما العقل</span>؛ فلحديث علي وعائشة ﵄ كما تقدم.٤ - وأما الذكورية، فذكر ابن المنذر الإجماع على أنه ليس على النساء جمعة (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>٥ - وأما الحرية</span>؛ فلحديث طارق بن شهاب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن الجمعة حق واجب» (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، بابٌ في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، برقم ٤٤٣، واللفظ له، والترمذي، كتاب الحدود، باب من جاء فيمن لا يجب عليه الحد، رقم ١٤٢٣، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، برقم ٢٠٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٥٦، وإرواء الغليل ٢/ ٥ - ٦، وغيرهما.\n(٢) النسائي، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، برقم ٣٤٣٢، وأبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا، برقم ٤٣٩٨، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المجنون والصغير والنائم، برقم ٢٠٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،\n١/ ٥٥، وفي إرواء الغليل، برقم ٢٩٧.\n(٣) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص٤٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الجمعة للمملوك والمرأة، برقم ١٠٦٧، قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي - ﷺ - ولم يسمع منه شيئًا. وصحح الحديث العلامة الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٤، ورواه الحاكم عن طارق بن شهاب عن أبي موسى الأشعري ﵄، ١/ ٢٨٨، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي. وسمعت شيخنا ابن باز يقول: «لمرسل مرسل صحابي وقد ذكر غير واحد إجماع أهل العلم على قبول مرسل الصحابي، وقد صرح بالسماع عن أبي موسى الأشعري فزال ما يخشى، وإن صلى هؤلاء الأربعة أجزأتهم» سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٩٤.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٩٤.","vol":"2","page":800},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1474>٦ - الاستيطان ببناء معتاد</span>، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفًا، تقام فيه الجمعة إذا كان مبنيًا بما جرت به عادتهم: من مدر (١) وخشب، أو قصب، أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ فإن أجزأ البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين، ليسوا كأهل الخيام، والحلل الذين يتتبعون في الغالب مواقع القطر، ويتنقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم، إذا انتقلوا، وهذا مذهب جمهور العلماء ... وقال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة؛ لأنهم ينتقلون، فعلَّل سقوطها بالانتقال، فكل من كان مستوطنًا لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى» (٢).\nوالمسافر لا جمعة عليه؛ لأن رسول الله - ﷺ - كان يسافر أسفارًا كثيرة: قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته، وحج حجة الوداع، ومعه ألوف مؤلفة، وغزا أكثر من عشرين غزوة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيدًا، بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره، ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام، وكان يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة، وصلى ظهرًا، ففي صحيح مسلم من حديث جابر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - لَمّا وصل بطن الوادي يوم عرفة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر» (٣).\nوهذا نص واضح صريح صحيح أنه - ﷺ - لم يصلّ الجمعة، وإنما صلى\n_________\n(١) مدر: الطين اليابس. القاموس المحيط، فصل الميم، باب الراء، ص٦٠٩.\n(٢) فتاوى ابن تيمية ٢٤/ ١٦٦، ١٦٩، وقال ابن تيمية ﵀: «وتجب الجمعة على من أقام في غير بناء: كالخيام وبيوت الشعر ونحوها، وهو أحد قولي الشافعي، وحكاه الأزجي رواية عن أحمد ...» وقال أبو العباس ابن تيمية في موضع آخر: «يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية» الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٩،وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٠٣.\n(٣) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، برقم ١٢١٨.","vol":"2","page":801},{"text":"ظهرًا (١) هذا هو الحق الذي لا شك فيه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1475>٧ - سماع النداء</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) فالمعتبر في رواية عن الإمام أحمد: إمكان سماع النداء، ويمكن سماعه في الغالب على بعد فرسخ، وهو: ثلاثة أميال تقريبًا إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيّتًا، على موضع عالٍ، والمستمع غير ساهٍ، وهذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان داخل البلد، ويشمل موضعه اسم البلد وجبت\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١٧٨ - ١٧٩ بتصرف يسير، والشرح الممتع لابن عثيمين،\n٥/ ١٣، والشرح الكبير، ٥/ ١٦٩.\n(٢) وحكي عن الزهري، والنخعي، أن صلاة الجمعة تجب على المسافر؛ لأن الجماعة تجب عليه فالجمعة أولى، والصواب ما تقدم. انظر: الشرح الكبير، ٥/ ١٦٩، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٢١٦، لكن إذا أجمع المسافر إقامة تمنع القصر ولم يرد استيطانًا لبلد: كطالب العلم، أو التاجر الذي يقيم ليبيع متاعه، أو مشتري شيء لا ينجز إلا في مدة طويلة ففيه وجهان عند الحنابلة:\nالوجه الأول: تلزمه الجمعة لعموم الآية، ودلالة الأخبار؛ فإن الأخبار جاءت بوجوب الجمعة إلا على خمسة: المريض، والمسافر، والمرأة، والصبي، والمملوك، وليس المسافر المقيم إقامة تمنع القصر من هؤلاء الخمسة.\nالوجه الثاني: لا تجب عليه؛ لأنه ليس بمستوطن، والاستيطان من شروط الوجوب؛ ولأنه لم ينوِ الإقامة في هذا البلد على الدوام، فأشبه أهل القرية الذين يسكنونها صيفًا ويظعنون عنها شتاء. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢١٨، والشرح الكبير، المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٧٠.\nوالصواب أن المسافر الذي أقام إقامة تمنع القصر ولم ينو الاستيطان أن وجوب صلاة الجمعة عليه فيه تفصيل:\nأ - إذا أقام المسافرون إقامة تمنع القصر في مكان لا تقام فيه صلاة الجمعة فلا تجب عليهم صلاة الجمعة؛ لأنهم أشبه بالمسافرين وسكان البادية، والجمعة إنما تجب على المستوطنين.\nب - إذا أقاموا في مكان تقام فيه صلاة الجمعة من المسلمين المستوطنين فالمشروع أن يصلوا معهم؛ لأن الجمعة تلزمهم بغيرهم، ورجحه المرداوي في الإنصاف قال: «فالصحيح من المذهب أن الصلاة تلزمه بغيره» الإنصاف، ٥/ ١٧٠، وهذا ما أفتى به شيخنا ابن باز أهل الغربة في مجموع الفتاوى، ١٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢١٨، والشرح الكبير، ٥/ ١٧٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٥، وحاشية ابن قاسم مع الروض المربع، ٢/ ٤٢٦.\n(٣) سورة الجمعة، الآية: ٩.","vol":"2","page":802},{"text":"عليه الجمعة ولو كان بينه وبينها فراسخ (١)، ولو لم يسمع النداء؛ لأن البلد كالشيء الواحد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1476>٨ - انتفاء الأعذار</span>، فإذا كان من توفرت فيه شروط الجمعة غير معذور وجبت عليه، أما إذا كان معذورًا فلا تجب عليه الجمعة، وقد ذكرت هذه الأعذار بأدلتها في آخر صلاة الجماعة (٣)، وهذه الشروط تنقسم إلى أربعة أقسام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1477>القسم الأول: شرط للصحة والانعقاد، وهو: الإسلام والعقل</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1478>القسم الثاني: شروط للوجوب والانعقاد</span>، وهي: الحرية على قول، والذكورية، والبلوغ، والاستيطان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1479>القسم الثالث: شرط لوجوب السعي فقط</span>، وهو انتفاء الأعذار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1480>القسم الرابع: شرط الانعقاد: </span>وهو الإقامة بمكان الجمعة على قول (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1481>رابعًا: من حضر الجمعة ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء</span>، أجزأته عن الظهر، وانعقدت به، وصحّ أن يؤم فيها على الصحيح؛ إلا المرأة، فلا يصح أن تكون خطيبًا ولا إمامًا، ولا تنعقد بها الجمعة: أي لا تحسب من العدد الذي تصح به صلاة الجمعة، ولكن لو حضرتها أجزأتها عن صلاة الظهر، قال ابن المنذر - ﵀ -: «وأجمعوا على أنهن إذا حضرن الإمام\n_________\n(١) تقدم غير مرة: أن الفرسخ ثلاثة أميال.\n(٢) انظر: الإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٦٠، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٢٤٤، والشرح الكبير لابن قدامة، ٥/ ١٦٠، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢١٨ - ٤٢٤، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٧ - ١٩، وصحيح البخاري، رقم ٩٠٢.\n(٣) وقد سبق أن الأعذار التي تسقط بها الجمعة والجماعة ثمانية أشياء: المرض، والخوف على النفس أو المال أو العرض، والمطر، والدحض، والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، وحضور الطعام والنفس تتوق إليه، ومدافعة أحد الأخبثين، وأن يكون له قريب يخاف موته ولا يحضره، وتقدمت الأدلة على ذلك في الأعذار المسقطة لصلاة الجماعة.\n(٤) انظر: الكافي لابن قدامة، ١/ ٤٧٨ - ٤٧٩.","vol":"2","page":803},{"text":"فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1482>خامسًا: عقوبة تارك صلاة الجمعة عظيمة</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أُحرّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» (٣)، ولحديث أبي هريرة وابن عمر - ﵃ - أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: «لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجُمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (٤)؛ ولحديث أبي الجعد الضمري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من ترك ثلاث جُمع تهاونًا بها طبع الله على قلبه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1483>سادسًا: حكم السفر في يوم الجمعة لمن تلزمه: </span>لا يجوز إذا أذن المؤذن بعد دخول وقتها؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) (٧) إلا إذا خاف فوات رفقته، فإن خاف فواتهم فله أن\n_________\n(١) الإجماع لابن المنذر، ص٤٤.\n(٢) اختلف أهل العلم في إمامة المسافر في صلاة الجمعة، وكذلك إمامة المملوك، فقال قوم لا يؤم المسافر ولا المملوك في صلاة الجمعة، ولا يعتبر بهما في العدد المشروط، وقال آخرون: بل تصح إمامتهما ويعتبر بهما في العدد المشروط، واختار شيخ الإسلام أن العبد والمسافر تنعقد بهما الجمعة، وتصح إمامتهما؛ لأن من صحت منه انعقدت به، وصحت إمامته. نقله ابن قاسم في حاشية الروض، ٢/ ٤٢٧ وبين أن إمامة المرأة والخنثى لا تصح بلا نزاع، وأما إمامة العبد والمسافر فتجوز وفاقًا إلا مالكًا في العبد، وجمهور العلماء على خلافه، ونقل أبو حامد إجماع المسلمين على صحتها خلف المسافر، حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٢٧، وذكر المرداوي أن من حضرها منهم أجزأته عن الظهر بلا نزاع، وذكر رواية عن الإمام أحمد أن صلاة الجمعة تنعقد بالعبد ويؤم فيها، وقال في الصبي المميز إن قلنا تجب عليه انعقدت به وأم فيها. انظر الإنصاف، ٥/ ١٧٣ - ١٧٤، والمغني، ٣/ ٢٢٠، والشرح الكبير، ٥/ ١٧٣،ورجح العلامة ابن عثيمين أن الصحيح أن الجمعة تنعقد بالمسافر والعبد ويصح أن يكونوا أئمة وخطباء؛ لأن القول بعدم صحة ذلك لا دليل عليه. الشرح الممتع، ٥/ ٢٣.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، برقم ٦٥٢.\n(٤) مسلم، برقم ٨٦٥، وتقدم تخريجه في الأصل في وجوب صلاة الجمعة.\n(٥) أبو داود، برقم ١٠٥٢، والنسائي، برقم ١٣٧٠، والترمذي، برقم ٥٠٠، وتقدم تخريجه في الأصل في وجوب الجمعة.\n(٦) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(٧) يعبر الفقهاء بقولهم: «لا يجوز لمن تلزمه الجمعة السفر في يومها بعد الزوال» المغني لابن قدامة،\n٣/ ٢٤٧، والشرح الكبير، ٥/ ١٨٢، والمقنع، ٥/ ١٨٢، ولكن قال العلامة ابن عثيمين: «الأولى أن يعلق الحكم بما علقه الله به وهو النداء إلى الجمعة؛ لأنه من الجائز أن يتأخر الإمام عن الزوال ... فلا ينادى للجمعة إلا عند حضور الإمام، ولكن الغالب أن الإمام يحضر إذا زالت الشمس» الشرح الممتع، ٥/ ٢٩ - ٣٠.","vol":"2","page":804},{"text":"يسافر؛ لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فكذلك يكون عذرًا في السفر بعد دخول وقت الجمعة بعد الزوال.\nوكذلك يجوز له السفر إذا كان يمكنه أن يأتي بصلاة الجمعة في طريقه في مسجد آخر من غير كراهة (١)، والله - ﷿ - أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1484>سابعًا: فضائل يوم الجمعة، له فضائل كثيرة، منها ما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1485>١ - هداية هذه الأمة ليوم الجمعة فضل عظيم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي،٥/ ١٨٢،١٨٥،والشرح الممتع،٥/ ٣٠.\n(٢) اختلف العلماء في جواز السفر يوم الجمعة على أقوال:\nأولًا: اختلفوا في جوازه من طلوع الفجر إلى الزوال على خمسة أقوال:\nالقول الأول: الجواز، وهو قول أكثر العلماء، كعمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وأبي عبيدة، وابن عمر، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وأبي حنيفة، ومالك في المشهور عنه، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل في المشهور عنه، وهو القول القديم للشافعي، وحكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم.\nالقول الثاني: المنع منه، وهو قول الشافعي في الجديد، ورواية عن أحمد، ورواية عن مالك.\nالقول الثالث: جواز السفر للجهاد دون غيره، وهو رواية عن أحمد.\nالقول الرابع: جواز السفر الواجب دون غيره، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي من الشافعية، ومال إليه إمام الحرمين.\nالقول الخامس: جواز سفر الطاعة واجبًا كان أو مسنونًا، وهو قول كثير من الشافعية، وصححه الرافعي.\nثانيًا: اختلفوا في جواز السفر يوم الجمعة بعد الزوال، فذهب أبو حنيفة والأوزاعي إلى جوازه كسائر الصلوات، وقال عامة العلماء بعدم جوازه وفرقوا بين الجمعة وغيرها. والصواب في ذلك إن شاء الله تعالى أن السفر يوم الجمعة لا يجوز بعد الأذان الذي بعد دخول وقت الجمعة إلا أن يخشى حصول مضرة من تخلفه للجمعة: كالانقطاع عن الرفقة التي لا يتمكن من السفر إلا معها، وما شابه ذلك من الأعذار، وقد جاز التخلف عن الجمعة لعذر المطر الشاق فجوازه لما كان أدخل في المشقة منه أولى. وكذلك يجوز السفر بعد الزوال إذا تيقن أن يأتي بصلاة الجمعة في طريقه في مسجد آخر، والله أعلم. انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٣، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٨٢ - ٣٨٥، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٥/ ١٨٢، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٣٠.","vol":"2","page":805},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد (١) أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ» وفي لفظ للبخاري: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كل أمة أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم ...» ولفظ مسلم: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لِمَا اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له - قال يوم الجمعة (٢) - فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى» (٣). وقد فسرته الرواية الأخرى عند مسلم من حديث حذيفة - ﵁ - «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضيُّ لهم قبل الخلائق».وفي رواية واصل: «المقضي بينهم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1486>٢ - يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدْخِلَ الجنة، وفيه أُخْرِجَ منها، ولا تقوم الساعة إلا\nفي يوم الجمعة» (٥)، ولفظ أبي داود: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم\n_________\n(١) بيد أنهم: أي غير أنهم؛ فإن بيد تأتي: بمعنى غير، وبمعنى على، وبمعنى من أجل. وقيل: ميد بمعنى غير أيضًا. انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٤٩١.\n(٢) قال: أي قال الراوي، ويفسره ما في النسائي: «يعني يوم الجمعة».\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة، برقم ٨٧٦، ورقم ٣٤٨٦،ومسلم، كتاب الجمعة، باب هداية الله هذه الأمة ليوم الجمعة، برقم ٨٥٥.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب هداية الله هذه الأمة ليوم الجمعة، برقم ٨٥٦.\n(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب في الساعة التي يوم الجمعة، برقم ٨٥٤.","vol":"2","page":806},{"text":"الجمعة: فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة (١) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفي ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها» قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كتب التوراة فقال: صدق النبي - ﷺ -، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي! قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها؟ فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله - ﷺ -: «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي» وتلك الساعة لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: «من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي» قال: فقلت: بلى، قال: هو ذاك» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1487>٣ - يوم الجمعة سيد الأيام</span>؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر، قال: قال النبي - ﷺ -: «إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأُهبط فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل اللهَ فيها العبدُ شيئًا إلا أعطاه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر إلا\nوهن يشفقن من يوم الجمعة» (٣).\n_________\n(١) مسيخة، وروي مصيخة، والسين بدلًا من الصاد، ومعناهما: منتظرة لقيام الساعة.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، رقم ١٠٤٦، واللفظ له، ١/ ٢٩٠، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة، برقم ٤٩١، والنسائي، كتاب الجمعة، باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، برقم ١٤٢٩، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٠، وصحيح الترمذي، ١/ ٢٧٨ وغيرهما.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب فضل يوم الجمعة، ١٠٨٤، وأحمد، ٣/ ٤٣٠، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٢١، ومشكاة المصابيح، ١/ ٤٠٠.","vol":"2","page":807},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1488>٤ - يوم الجمعة أفضل الأيام</span>؛ لحديث أوس بن أوس - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ». قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرَمْتَ؟ - يقولون: بليت - فقال: «إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1489>٥ - يوم الجمعة عيد الأسبوع، ويوم المزيد لأهل الجنة</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: عرضت الجمعة على رسول الله - ﷺ -، جاء جبريل في كفه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: «ما هذه يا جبريل»؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو قِسْمٌ إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، وذلك أن ربك اتخذ في الجنة واديًا أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين فجلس على كرسيه، وحُفّ الكرسي بمنابر من نور، فجلس عليها النبيون، وحُفَّ المنابر بكراسي من ذهب مكللة بالجواهر، وجاء الصديقون والشهداء، فجلسوا عليها، وجاء أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على الكثيب وهو كثيب أبيض من مسك أذفر، ثم يتجلَّى لهم ذو الجلال والإكرام، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم\nنعمتي، وهذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى، [فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا] فيشهد عليهم على\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، برقم ١٠٤٧، والنسائي، كتاب الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة، برقم ١٣٧٣، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب فضل الجمعة، برقم ١٠٨٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٠، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٣٢٢، وصحيح النسائي، ١/ ٤٤٣.","vol":"2","page":808},{"text":"الرضا ثم يفتح لهم ما لم ترَ عينٌ، ولم يخطر [على] قلب بشر، إلى مقدار منصرفهم من الجمعة، وهي زبرجدة خضراء، أو ياقوتة حمراء، مُطَّرِدة فيها أنهارها متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها، فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظرًا إلى ربهم - ﷿ - وكرامته، ولذلك دعي يوم المزيد» (١).\nوعن أنس - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا» (٢). قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: «وسمي سوقًا؛ لقيام الناس فيها على ساق، وقيل: لسوق الناس بضائعهم إليها، فيحتمل أن يكون سوق الجنة عبارة عن مجتمع أهل الجنة، ومحل تزاورهم، وسمّي سوقًا بالمعنى الأول، ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئًا حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق، ويحتمل أن يكون سوقًا مشتملًا على محاسن ومشتهيات مستلذات تجتمع هنالك مرتبة، محسَّنة، كما تجتمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهل الجنة فرأوها فمن اشتهى شيئًا وصل إليه من غير مبايعة ولا معاوضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كله، وخصّ يوم الجمعة بذلك لفضيلته، ولِمَا خصّه الله تعالى به من الأمور التي تقدم ذكرها؛ ولأنه يوم المزيد:\nأي الذي يُوفَّى لهم ما وُعِدوا من الزيادة، وأيام الجنة تقديرية إذ لا ليل\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين في زوائد المعجمين، برقم ٤٨٧٩،\n٨/ ١٥٤، وبرقم ٩٤٤ مختصرًا، ٢/ ١٩٧]، قال المنذري في الترغيب والترهيب: «رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد»، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٣٥: «حسن صحيح»، وقال في موضع آخر في صحيح الترغيب والترهيب، ٣/ ٥٢٥: «حسن لغيره».\n(٢) مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم والجمال، برقم ٢٨٣٣.","vol":"2","page":809},{"text":"هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمة معها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1490>٦ - يوم الجمعة فيه ساعة إجابة الدعوات</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها [عبد] مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه» وقال بيده يُقَلّلُها يُزهّدها. وفي لفظ للبخاري: وأشار بيده يقللها. وفي رواية لمسلم: «وهي ساعة خفيفة» (٢).\nوقد اختلف الناس في تعيين ساعة الإجابة يوم الجمعة أي ساعة هي (٣)؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة وأحدهما أرجح من الآخر» (٤)، ثم ذكر أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، والقول الآخر: أنها آخر ساعة بعد العصر (٥)، والقولان تفصيلًا على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1491>القول الأول: إنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة</span>، وحجة هذا القول؛ حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - ﷺ - في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «هي ما\n_________\n(١) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص مسلم، ٧/ ١٧٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، برقم ٩٣٥، ومسلم، كتاب الجمعة، بابٌ في الساعة التي في يوم الجمعة، برقم ٨٥٢.\n(٣) ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٤١٦ - ٤٢١:ثلاثة وأربعين قولًا في اختلاف العلماء في ساعة الجمعة، ثم قال: «ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام ... وقد اختلف السلف أيهما أرجح». ثم بيّن أن أكثر العلماء كأحمد وغيره رجحوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة، ثم مال ابن حجر في آخر كلامه إلى قول ابن القيم أن الإجابة ترجى في ساعة الصلاة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كان الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر. انظر: الفتح، ٢/ ٤١٦ - ٤٢٢.\n(٤) زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.\n(٥) انظر: المرجع السابق، ١/ ٣٩٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٨٨.","vol":"2","page":810},{"text":"بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1492>القول الثاني: إن ساعة الإجابة في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر</span>، قال الإمام ابن القيم: «وهذا أرجح القولين وهو قول: عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق» (٢)، وحجة هذا القول أحاديث كثير، منها، حديث جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة [فيها ساعة] لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» (٣)، وحديث عبد الله بن سلام قال:\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة، برقم ٨٥٣، قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (٤٨٨): «ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة»، قال النووي: «هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: لم يسنده غير مخرمة عن أبيه عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: [القائل الدارقطني]: «والصواب أنه من قول أبي بردة، كذلك رواه يحيى القطان عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة وتابعه واصل الأحدب ومخالد روياه عن أبي بردة من قوله، وقال النعمان بن عبد السلام عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موقوف ولا يثبت قوله عن أبيه، وقال أحمد بن حنبل عن حماد بن خالد: قلت لمخرمة سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا. هذا كلام الدارقطني. وهذا الذي استدركه [القائل النووي] بناه على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث: وقف ورفع، أو إرسال واتصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين، والفقهاء، والبخاري، ومسلم، ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال؛ لأنها زيادة ثقة، وقد سبق التنبيه على مثل هذا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أخرى بعدها، وقد روينا في سنن البيهقي عن أحمد بن سلمة قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج حديث مخرمة هذا فقال مسلم: هو أجود حديث وأصحه في بيان ساعة الجمعة» انتهى كلام النووي ﵀. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٩٠، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول عن حديث أبي بردة عن أبي موسى أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٨٨: «القاعدة أن زيادة الثقة مقبولة، وهذا ما لا يقال بالرأي فلا يمنع أن يكون مرفوعًا»، وسمعته يقول أثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٥٣: «والصواب مع مسلم، فإن زيادة الثقة مقبولة، وهو صحيح مرفوعًا».\n(٢) زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٩٠.\n(٣) أخرجه النسائي بلفظه، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة، برقم ١٣٨٧،وما بين المعقوفين من السنن الكبرى له، ١/ ٢٥٦/١٦٩٧،وأبو داود، كتاب الصلاة، باب الإجابة، أية ساعة هي في يوم الجمعة، برقم ١٠٤٨،والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،١/ ٢٧٩،وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري،\n٢/ ٤٢٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ٤٤٨،وفي صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٠.","vol":"2","page":811},{"text":"قلت - ورسول الله - ﷺ - جالس -: إننا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئًا إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله - ﷺ -: «أو بعض ساعة» فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال: «هي آخر ساعات النهار» قلت: إنها ليست ساعة صلاة؟ قال: «بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة» (١)؛ ولحديث: «التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس» (٢)؛ ولحديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄ (٣)، وحديث أبي هريرة عن عبد الله بن سلام من قوله، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة» (٥)، والله الموفق (٦).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الساعة التي ترجى في الجمعة، برقم ١١٣٩،وقال العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه،١/ ٣٣٧: «حسن صحيح» وكذلك في مشكاة المصابيح، برقم ١٣٥٩.\n(٢) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٢٧٧، وفي صحيح الترغيب، ١/ ٢٣٨.\n(٣) أحمد في المسند، ٢/ ٢٧٢، ويشهد له حديث جابر السابق.\n(٤) أبو داود، برقم ١٠٤٦،والترمذي، برقم ٤٩١، والنسائي، برقم ١٤٢٩، والإمام مالك في الموطأ، ١/ ١٨٢، ١٨٣، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه في يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس.\n(٥) نقلًا عن فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٢١، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٩١.\n(٦) وذكر الحافظ أن كثيرًا من الأئمة رجحوا هذا القول كأحمد وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره ويحكيه عن نص الشافعي، وأجابوا عن كونه ليس في أحد الصحيحين بأن الترجيح بما في الصحيحين أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ: كحديث أبي موسى هذا فإنه أُعل بالانقطاع والاضطراب. أما الانقطاع؛ فلأن مخرمة لم يسمع من أبيه، قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم عن موسى بن سلمة عن مخرمة، وزاد إنما هي كتب كانت عندنا، وقال علي بن المديني: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي، ولا يقال مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا؛ لأنا نقول وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كافٍ في دعوى الانقطاع. وأما الاضطراب فقد رواه أبو إسحاق وواصل الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفي فهم أعلم بحديثه من بكير المدني، وهم عدد وهو واحد، وأيضًا فلو كان عن أبي بردة مرفوعًا لم يُفتِ فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب» فتح الباري، ٢/ ٤٢٢.","vol":"2","page":812},{"text":"وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵃ -، قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس، وهذا قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة وبقية الأقوال لا دليل عليها» (١).\nقال ابن القيم: «وعندي أن ساعة الصلاة ساعة تُرجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ...» (٢).\nوقال ﵀: «وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، يُعَظّمُها جميع أهل الملل، وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما عرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنهم» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عند بيانه لفضل\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٣٩٤.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ٣٩٤.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٣٩٦.","vol":"2","page":813},{"text":"الجمعة: «هذا يبين أنه ينبغي للمسلم أن يعتني بيوم الجمعة، ففيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله بشيء إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر، وربما تكون بعد جلوس الإمام على المنبر، فإذا جاء الإنسان وجلس بعد العصر ينتظر المغرب ويدعو فهو حري بالإجابة، وكذلك بعد صعود الإمام على المنبر، فيدعو الإنسان في سجوده، وجلوسه، فإنه حريٌّ بالإجابة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1493>ثامنًا: فضائل صلاة الجمعة كثيرة متعددة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>١ - التبكير إليها من أعظم الصدقات والقربات العظيمة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٢). وعنه - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر، ومثل المهجّر كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة». ولفظ البخاري: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجّر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشًا، ثم دجاجة، ثم بيضة، ثم إذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر» (٣).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٥٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة، برقم ٨٨١، ومسلم، كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، برقم ٨٥٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة، برقم ٩٢٩، ومسلم، كتاب الجمعة، باب فضل التهجير يوم الجمعة، برقم ٢٤ - (٨٥٠). وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٥٠: «والساعة الأولى تبدأ من ارتفاع الشمس؛ لأن المصلي له أن يجلس بعد صلاة الفجر إلى الشروق في المسجد».","vol":"2","page":814},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1495>٢ - القائم بآداب صلاة الجمعة يغفر له عشرة أيام</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام». وفي رواية أخرى: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت (١) غفر له ما بين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصى فقد لغا» (٢) (٣). وعن سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر (٤) ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٥). وعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة ولم يلغُ، ولم يفرق بين اثنين، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة\n_________\n(١) استمع وأنصت: هما شيئان متمايزان وقد يجتمعان: فالاستماع الإصغاء والإنصات السكوت؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾ (الأعراف: ١٨٠)، شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٩٦.\n(٢) من مس الحصى فقد لغا: أي تكلم، واتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو: ما لا يحسن من الكلام، وقيل: خبت من الأجر، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل: صارت جمعتك ظهرًا، انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤١٤، والنهاية في غريب الأثر لابن الأثير، ٤/ ٢٥٨، وجامع الأصول له، ٥/ ٦٨٧.\n(٣) مسلم، كتاب الجمعة، باب فضل من استمع وأنصت في الخطبة برقم ٨٥٧.\n(٤) ويتطهر ما استطاع من الطهر: المراد به المبالغة في التنظيف، أو المراد به التنظيف بأخذ الشارب، والظفر، والعانة، أو المراد بالغسل غسل الجسد والتطهر غسل الرأس، وقوله: «ويدهن» المراد به إزالة شعث الرأس. فتح الباري لابن حجر،٢/ ٣٧١.\n(٥) البخاري، كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة، برقم ٨٨٣.","vol":"2","page":815},{"text":"الأخرى» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسّ من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها» قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لِمَا بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا» (٣)، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله - ﷿ - إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى - ﷿ - يقول: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1496>٣ - المتأدب بآداب صلاة الجمعة يكتب له بكل خطوة عمل سنة </span>أجر\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، برقم ١٠٩٧، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٢٦: «حسن صحيح».\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، برقم ٣٤٣، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ١٠٣.\n(٣) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، برقم ٣٤٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ١٠٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الكلام والإمام يخطب، برقم ١١١٣، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠٥.","vol":"2","page":816},{"text":"صيامها وقيامها؛ لحديث أوس بن أوس الثقفي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها، وقيامها» وفي رواية لأبي داود: «من غسّل رأسه يوم الجمعة واغتسل»،وفي سنن الترمذي قال محمود: [هو ابن غيلان شيخ الترمذي]: قال وكيع: اغتسل هو وغسَّل امرأته، قال: ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه قال في هذا الحديث: «من غسَّل واغتسل» (١) يعني غسل رأسه واغتسل. وفي لفظ النسائي: «من غسَّل واغتسل، وغدا وابتكر ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1497>٤ - الجمعة إلى الجمعة كفارة لِمَا بينهما</span>؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان\n_________\n(١) واختلف العلماء في معنى قوله - ﷺ -: «غسَّل واغتسل، وبكَّر وابتكر فقيل: هو من الكلام المتظاهر الذي يراد به التوكيد، ولم تقع المخالفة بين المعنيين لاختلاف اللفظين، ألا تراه يقول: «ومشى ولم يركب» ومعناهما واحد، وإلى هذا ذهب الأثرم صاحب أحمد. وقيل: قوله: «غسل» معناه غسل الرأس خاصة؛ لأن العرب لهم شعور، فأفرد غسل الرأس من أجل ذلك، وإلى هذا ذهب مكحول، وقيل: «اغتسل» معناه غسل سائر الجسد، وقال بعضهم: «غسَّل» معناه: أصاب أهله قبل خروجه إلى الجمعة؛ ليكون أملك لنفسه، وأحفظ في طريقه لبصره، فأوجب على أهله الغسل، فكأنه غسل زوجته واغتسل، وقيل: غسَّل للجنابة واغتسل للجمعة، وقيل: غسَّل بالغ في النظافة والدلك، واغتسل: صب الماء عليه، وقيل: حمل غيره على الغسل بالحث والترغيب، والتذكير. وقوله: «بكَّر» أي راح في أول الوقت، «وابتكر» أي أدرك أول الخطبة، وقيل: كرره للتأكيد، وقيل: «غسَّل» إسباغ الوضوء وإكماله، ثم اغتسل بعد الوضوء للجمعة، وقيل: غسل الرجل امرأته إذا جامعها، وقال الإمام ابن خزيمة في صحيحه: «من قال في الخبر: غسّل واغتسل (يعني بالتشديد) معناه: جامع فأوجب الغسل على زوجته، أو أمته واغتسل، ومن قال: «غَسَلَ واغتسل (بالتخفيف) أراد غسل رأسه. واغتسل: فضل سائر الجسد، لخبر طاوس عن ابن عباس. انظر: معالم السنن للخطابي، ١/ ٢١٣، والمفهم للقرطبي، ١/ ٤٨٤، وجامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٤٣٠، والترغيب للمنذري، ١/ ٤٣٤، وتحفة الأحوذي، ٣/ ٣ - ٤.\n(٢) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، برقم ٣٤٥،والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، برقم ٤٩٦،وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، برقم ١٠٨٧، والنسائي، كتاب الجمعة، باب فضل غسل يوم الجمعة، برقم ١٣٨٠،وصححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ٤٤٥،وفي صحيح المراجع السابقة، وفي غيرها، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٣٣.","vol":"2","page":817},{"text":"إلى رمضان، مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>تاسعًا: آداب صلاة الجمعة: الواجبة والمستحبة، كثيرة، منها ما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>١ - الغسل يوم الجمعة سنَّة مؤكدة جدًا</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (٢)،وعن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب - ﵁ - بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي - ﷺ - فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل».وفي لفظ البخاري: «ألم تسمعوا النبي - ﷺ - يقول: «إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» وفي لفظ لمسلم: «بينما عمر بن الخطاب - ﵁ - يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان - ﵁ -،فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر: والوضوء أيضًا؟ ألم تسمعوا أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» (٣).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «أشهد على رسول الله - ﷺ - أنه قال: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنَّ (٤)، وأن يمس طيبًا إن\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لِمَا بينهن، ما اجتنبت الكبائر، برقم ٢٣٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود الجمعة أو على النساء، برقم ٨٧٧، وبابٌ هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم، برقم ٨٩٤، وباب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٩، ومسلم، كتاب الجمعة، باب كتاب الجمعة، برقم ٨٤٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة، أو على النساء؟ برقم ٨٧٨، وباب: حدثنا أبو نعيم، برقم ٨٨٢، ومسلم، كتاب الجمعة، باب كتاب الجمعة، برقم ٨٤٥.\n(٤) وأن يستن: أي يدلك أسنانه بالسواك. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٦٤.","vol":"2","page":818},{"text":"وُجد» قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث». وفي لفظ مسلم: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواكٌ، ويمسُّ من الطيب ما قَدَرَ عليه» (١). وعن أبي هريرة - ﵁ -: «حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغتسل فيه رأسه وجسده». وفي رواية للبخاري: «لله تعالى على كل مسلم حقٌّ أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا» (٢). وفي لفظ النسائي عن جابر - ﵁ - يرفعه: «على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة» (٣).\nوقال ابن عمر ﵄: «إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة» (٤).\nوهذه الأحاديث استدل بها جمع من أهل العلم على وجوب الغسل يوم الجمعة على من يحضر صلاة الجمعة؛ لهذه الأخبار الصحيحة، وقال جمع آخر من أهل العلم: غسل يوم الجمعة لمن يشهد صلاة الجمعة سنة مؤكدة جدًا، ولا يجب؛ لحديث سمرة بن جُندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضأ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الطيب، برقم ٨٨٠، ومسلم، كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، برقم ٨٤٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، بابٌ: هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم، برقم ٨٩٧، ٨٩٨، ومسلم، كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، برقم ٨٤٩.\n(٣) النسائي، كتاب الجمعة، باب إيجاب الغسل يوم الجمعة، برقم ١٣٧٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٤، وفي إرواء الغليل، ١/ ١٧٣.\n(٤) البخاري، كتاب الجمعة، بابٌ: هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم. قبل الحديث رقم ٨٩٤.\n(٥) أبو داود، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ترك الغسل، برقم ٣٥٤، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الوضوء يوم الجمعة، برقم ٤٩٧، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الرخصة في ذلك، برقم ١٠٩١، والنسائي، كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، برقم ١٣٧٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٤٥، وفي جميع المواضع السابقة في التخريج.","vol":"2","page":819},{"text":"فأحسن الوضوء، ثم أتى يوم الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا» (١). ورجح شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه خروجًا من خلاف من قال بالوجوب، وأقوال العلماء في غسل الجمعة ثلاثة: منهم من قال بالوجوب مطلقًا، وهذا قول قوي، ومنهم من قال: بأنه سنة مؤكدة مطلقًا، ومنهم من فصَّل فقال: غسل يوم الجمعة يجب على أصحاب الأعمال الشاقة؛ لما يحصل لهم من بعض التعب والعرق، ومستحب في حق غيرهم، وهذا قول ضعيف، والصواب أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، أما قوله - ﷺ -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» [ف] معناه عند أكثر أهل العلم: متأكد كما تقول العرب: «العدة دين وحق عليَّ واجب»،ويقول بعضهم: «حقك عليَّ واجب» أي متأكد، ويدل على هذا المعنى اكتفاؤه - ﷺ - بالأمر بالوضوء في بعض الأحاديث ... وهكذا الطيب، والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير إلى الجمعة كله من السنن المرغَّب فيها، وليس شيء منها واجب (٢)، والقول بأن غسل الجمعة سنة مؤكدة هو قول أكثر أهل العلم (٣).\n_________\n(١) مسلم، برقم ٢٧ - (٨٥٧)، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٢) اقتبست هذا كله من فتاوى سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀، انظر: مجموع الفتاوى له، ١٢/ ٤٠٤، والفتاوى الإسلامية، ١/ ٤١٩، وسمعته في تقريراته الكثيرة أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٨١٨ وصحيح مسلم، الحديث رقم ٨٤٤، ومنتقى الأخبار، الأحاديث ذات الرقم ٤٠٠ - ٤٠٧، وبلوغ المرام، الحديث رقم ١٢٠، ورقم ١٢٣.\n(٣) وقد ذكر ذلك الإمام الترمذي بعد أن ساق حديث سمرة بن جندب «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، قال الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة. ورأوا أن يجزئ الوضوء من الغسل يوم الجمعة. قال الشافعي [القائل الترمذي] ومما يدل على أن أمر النبي - ﷺ - بالغسل يوم الجمعة أنه على الاختيار لا على الوجوب حديث عمر حيث قال لعثمان: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - أمر بالغسل يوم الجمعة؟ فلو علما أن أمره - ﷺ - على الوجوب لا على الاختيار لم يترك عثمان حتى يرده، ويقول له: ارجع فاغتسل، ولما خفي على عثمان ذلك مع علمه، ولكن دل في هذا الحديث أن الغسل يوم الجمعة، فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء في ذلك» [الترمذي بعد إخراجه لحديث سمرة بن جندب، برقم ٤٩٧].\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀ في الغسل يوم الجمعة: «لا خلاف في استحباب ذلك وفيه آثار صحيحة ... وليس بواجب في قول أكثر أهل العلم ... وهو قول الأوزاعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وقيل: إن هذا إجماع» [المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٢٥] ...\nوقال الإمام ابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن غسل الجمعة ليس بواجب إلا طائفة من أهل الظاهر قالوا بوجوبه وشددوا في ذلك، وأما سائر العلماء والفقهاء، فإنما هم فيه على قولين: أحدهما أنه سنة، والآخر أنه مستحب، وأن الأمر به كان لعلة فسقط، والطيب يجزئ عنه» [التمهيد، ١٤/ ١٥١ - ١٥٢]، قال الإمام ابن قدامة: «وحكي عن أحمد رواية أخرى أنه واجب» [المغني، ٣/ ٢٢٥].\nوقال الإمام النووي ﵀: «اختلف العلماء في غسل الجمعة فحكى وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطابي عن الحسن البصري ومالك، وذهب جمهور من العلماء من السلف والخلف، وفقهاء الأمصار، إلى أنه سنة مستحبة ليس بواجب، قال القاضي: وهو المعروف من مذهب مالك، وأصحابه، واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث، واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب، وقد ترك الغسل، وقد ذكره مسلم، وهذا الرجل هو عثمان بن عفان جاء مبينًا في الرواية الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأقره عمر، وحاضروا الجمعة، وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجبًا لما تركه، ولألزموه، ومنها قوله - ﷺ -: «من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» حديث حسن في السنن مشهور، وفيه دليل على أنه ليس بواجب، ومنها، قوله - ﷺ -: «لو اغتسلتم يوم الجمعة» [ولفظه عند مسلم: عن عائشة أنها قالت: كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العباء، ويصيبهم الغبار، فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله - ﷺ - إنسان منهم وهو عندي، فقال رسول الله - ﷺ -: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» وفي لفظ: «لو اغتسلتم يوم الجمعة» برقم ٨٤٧]. وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب؛ لأن تقديره لكان أفضل وأكمل، ونحو هذا ... وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة على الندب جمعًا بين الأحاديث، وقوله - ﷺ -: «واجب على كل محتلم» أي متأكد في حقه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب عليّ: أي متأكد، لا أن المراد الواجب المتحتم المعاقب عليه» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢].\nوذكر الإمام القرطبي ﵀ أن قوله - ﷺ -: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم»، وقوله - ﷺ -: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» ظاهر في وجوب غسل الجمعة، وبه قال أهل الظاهر، وحكي عن بعض الصحابة، وعن الحسن، وحكاه الخطابي عن مالك، ومعروف مذهبه وصحيحه: أنه سنة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى، وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة، ودلهم على ذلك أمور:\nأحدها: قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع، وأنصت، غفر له ...» [مسلم، برقم ٨٥٧]. فذكر فيه الوضوء واقتصر عليه دون الغسل، ورتب الصحة والثواب عليه، فدل على أن الوضوء كافٍ من غير غسل، وأن الغسل ليس بواجب [بل سنة مؤكدة].\nوثانيها: تقرير عمر والصحابة لعثمان - ﵃ - على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غسل، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك كالإجماع منهم على أن الغسل ليس بشرط في صحة الجمعة ولا واجب.\nوثالثها: قوله لهم - ﷺ - حين وجد منهم الريح الكريهة: «لو اغتسلتم ليومكم هذا» وهذا عرض، وتحضيض، وإرشاد للنظافة المستحسنة، ولا يقال مثل ذلك اللفظ في الواجب.\nورابعها: ما يقطع مادة النزاع ويحسم كل إشكال حديث الحسن عن سمرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» [أبو داود، برقم ٣٥٤، والترمذي، برقم ٤٩٧، والنسائي، برقم ١٣٧٩، وابن ماجه، برقم ١٠٩١، وتقدم تخريجه قبل صفحات]، وهذا نص في موضع الخلاف، غير أن سماع الحسن من سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدل دليل على غير ذلك، والله تعالى أعلم.\nوخامسها: أنه ﵊ قد قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمسك من الطيب ما قدر عليه» [متفق عليه: البخاري، برقم ٨٨٠، ومسلم، برقم ٨٤٦]، وظاهر هذا وجوب السواك، والطيب، وليس كذلك بالاتفاق، يدل على أن قوله: «واجب ليس على ظاهره، بل المراد به: ندب المؤكد، إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ «الواو» والله تعالى أعلم». [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠] [وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٥٦ - ٣٦٤، وزاد المعاد، ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧].\nوقال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على حديث أبي هريرة المتفق عليه: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه رأسه وجسده» [البخاري، برقم ٨٩٧، ٨٩٨، ومسلم، برقم ٨٤٩]، وحديث جابر: «على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة» [النسائي، برقم ١٣٧٧]. قال ﵀: «وهذا في أحد قولي العلماء هو غسل راتب مسنون للنظافة في كل أسبوع، وإن لم يشهد الجمعة، بحيث يفعله من لا جمعة عليه ... وأما الأحاديث في غسل يوم الجمعة [فـ] متعددة، وذلك يعلل باجتماع الناس بدخول المسجد وشهود الملائكة، ومع العبد ملائكة، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» [مسلم، كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد حتى يذهب ذلك الريح وإخراجه من المسجد، برقم ٥٦٤]. مجموع فتاوى ابن تيمية، ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: «أن غسل الجمعة يجب على من له عرق أو ريح يتأذى به غيره، وهو بعض مذهب من يوجبه مطلقًا بطريق الأولى» الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٣٠، والمستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ٣/ ٤١.\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ عن غسل يوم الجمعة: «وهو أمر مؤكد جدًا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوب الوضوء من مس الذكر، ووجوب الوضوء من القهقهة في الصلاة، ووجوب الوضوء من الرعاف والحجامة، والقيء، ووجوب الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير، ووجوب القراءة على المأموم، وللناس في وجوبه ثلاثة أقوال: النفي، والإثبات، والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد» زاد المعاد،\n١/ ٣٧٦ - ٣٧٧،وممن أوجب غسل الجمعة من العلماء المتأخرين المعاصرين فضيلة العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀، فقد رجح وجوب غسل الجمعة وانتصر له في كتابه [الشرح الممتع،\n٥/ ١٠٨ - ١١٠]، أما شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ فقد سبق قوله أن القول بالوجوب قول قوي، ولكن رجح أن غسل الجمعة سنة مؤكدة. والذي أراه أنه ينبغي للمسلم أن يعتني بغسل يوم الجمعة قبل الصلاة؛ لعظم الأمر؛ وللفضل العظيم في ذلك، وخروجًا من خلاف من قال بوجوبه مطلقًا، والله الموفق.\nوذكر الحافظ ابن رجب أن أكثر العلماء على أن غسل الجمعة يستحب وليس بواجب، وقد حكي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وعائشة، وغيرهم من الصحابة - ﵃ -، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار: الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق، ورواه ابن وهب عن مالك، وأما الأمر بالغسل فمحمول على الاستحباب. [فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن رجب، ٨/ ٧٨ - ٨٢ بتصرف].","vol":"2","page":820},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1500>٢ - الطيب لصلاة الجمعة</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1501>٣ - السواك لصلاة الجمعة</span>؛ لحديث أبي سعيد السابق؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لولا أن أشق على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» وفي لفظ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك» (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٨٠، ومسلم واللفظ له، برقم ٨٤٦، وتقدم في الأدب الأول من آداب الجمعة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، برقم ٨٨٧، وكتاب التمني، باب ما يجوز من اللهو، برقم ٧٢٤٠، ومسلم، كتاب الطهارة، باب السواك، برقم ٢٥٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، برقم ١٠٩٨، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ١/ ٣٢٦.","vol":"2","page":823},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1502>٤ - الدهن لصلاة الجمعة</span>؛ لحديث سلمان الفارسي - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتِبَ له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (١). وقوله - ﷺ -: «ويتطهر ما استطاع من الطهر» المراد به المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغسل أن إفاضة الماء تكفي في حصول الغسل، أو المراد بالتنظيف: بأخذ الشارب، والظفر، والعانة، أو المراد بالغسل غسل الجسد، وبالتطهر غسل الرأس، وأما قوله: «ويدهن» فالمراد به إزالة شعث الرأس به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1503>٥ - يلبس لصلاة الجمعة أحسن ما يجد من الثياب</span>؛ لحديث أبي ذر - ﵁ - يرفعه: «من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة، ولم يلغُ، ولم يفرق بين اثنين، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: «من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها». ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: «إن الحسنة بعشر أمثالها» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب - ﵁ - رأى حلة سيراء (٥) عند باب المسجد فقال: يا رسول الله! لو اشتريت\n_________\n(١) البخاري، برقم ٨٨٣، ٩١٠، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٧١.\n(٣) ابن ماجه، برقم ١٠٩٧، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٤) أبو داود، برقم ٣٤٣، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٥) حلة سيراء: أي حرير، وسميت سيراء؛ لأنها مأخوذة من السيور، هذا وجه التشبيه. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٧٤.","vol":"2","page":824},{"text":"هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» (١).\nووجه الاستدلال به من جهة تقريره - ﷺ - لعمر على أصل التجمل للجمعة، وللوفد، وقصر الإنكار على لبس مثل تلك الحلة؛ لكونها كانت حريرًا (٢)، وعن محمد بن يحيى بن حبَّان أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما على أحدكم إن وجد - أو: ما على أحدكم إن وجدتم - أن يتخذ ثوبين يوم الجمعة سوى ثوبي مهنته». وعن ابن سلام أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول ذلك على المنبر (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1504>٦ - يستقبل الإمام بوجهه أثناء الخطبة</span>؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» (٤).\nوعن ثابت - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» (٥).\nقال الإمام الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم: يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول: سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب يلبس أحسن ما يجد، برقم ٨٨٦، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم لبس الحرير، برقم ٢٠٦٨.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ٢/ ٣٧٤.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب اللبس للجمعة، برقم ١٠٧٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٧.\n(٤) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب، برقم ٥٠٩، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٢٨٧، وفي الصحيحة، برقم ٢٠٨٠.\n(٥) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في استقبال الإمام وهو يخطب، برقم ١١٣٦،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ٣٣٦،وفي الصحيحة، برقم ٢٠٨٠.\n(٦) سنن الترمذي، في آخر الحديث رقم ٥٠٩.","vol":"2","page":825},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1505>٧ - يُبَكّر إلى الجمعة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:\n«من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (١).\nوقوله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح» يدل على أن الغسل المستحب للجمعة أوله طلوع الفجر، وآخره الرواح إلى الجمعة، فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يأت بسنة الغسل، كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر العلماء (٢). وقوله - ﷺ -: «غسل الجنابة» قيل: المراد تعميم الجسد بالغسل كما يعمه بغسل الجنابة، فيكون المعنى: اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة في المبالغة وتعميم البدن بالماء، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.\nوقيل: المراد به غسل الجنابة حقيقة، وأنه يستحب لمن له زوجة أو مملوكة أن يطأها يوم الجمعة ثم يغتسل؛ لأنه أغض لبصره (٣).\nوقوله - ﷺ -: «ثم راح فكأنما قرب بدنة» المراد راح في الساعة الأولى، بدليل قوله - ﷺ -: «ومن راح في الساعة الثانية» وقد صرح الإمام مالك في روايته للحديث بذكر الساعة الأولى، وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعة، فقيل: المراد بها الساعة التي بعد زوال الشمس؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال، والغدوّ يكون قبله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٨٨١، ومسلم، برقم ٨٥٠، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجمعة.\n(٢) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن رجب، ٨/ ٨٩.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن رجب، ٨/ ٩٠.","vol":"2","page":826},{"text":"الرّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (١)، وهذا قول مالك وأكثر أصحابه،\nووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك. وعلى هذا تكون الساعات أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال. وقيل: المراد بالساعات من أول النهار، وأولها من طلوع الفجر، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وأحمد.\nوقيل: أول الساعات من طلوع الشمس، ذُكِرَ عن الثوري، وأبي حنيفة، ورجحه الخطابي وغيره؛ لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر، ورجح هذا القول عبد الملك بن حبيب المالكي، وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم؛ فإن ظاهر الحديث يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة مع طول النهار وقصره، ولا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربع وعشرين ساعة؛ فإن ذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره، ويدل على هذا حديث جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة [فيها ساعة] لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئًا إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» (٢).\nوأما ذكر الرواح فيجاب عنه بجوابين:\nالأول: أنه لما كان آخر الساعات بعد الزوال هو رواح حقيقي سُميت كلها رواحًا، كما يسمى الخارج للحج والجهاد: حاجًّا وغازيًا قبل تلبسه بالحج والغزو؛ لأن أمره ينتهي إلى ذلك.\nالثاني: أن الرواح أريد به هنا القصد والذهاب مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده؛ فإن الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير\n_________\n(١) سورة سبأ، الآية: ١٢.\n(٢) النسائي، برقم ١٣٨٧، والسنن الكبرى للنسائي، ١/ ٥٢٦، وأبو داود، برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه في ساعة الجمعة.","vol":"2","page":827},{"text":"أي وقت كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره، وغدا بمعناه (١)، قال الحافظ ابن رجب ﵀: «الغدوّ يكون من أول النهار،\nوالرواح: يكون من آخره بعد الزوال، وقد يعبَّر بأحدهما عن الخروج والمشي، سواء كان قبل الزوال أو بعده» (٢).\nوذكر ابن قاسم: أن ذكر الساعات في قوله - ﷺ -: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة» ذكر للحث على التبكير إلى الجمعة، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل فضيلة الصف الأول، وانتظارها بالتنفل، والقراءة والذكر (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يرجح أن التبكير إلى الجمعة أول ساعة بعد ارتفاع الشمس؛ لأن للمسلم أن يجلس بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1506>٨ - المشي على الأقدام</span>؛ لحديث أوس بن أوس - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر وابتكر،\n_________\n(١) اقتبسته من فتح الباري للحافظ ابن رجب، ٨/ ٨٩ - ١٠٠.\n(٢) المرجع السابق، ٦/ ٥٣.\n(٣) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٧٥، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم،\n٦/ ٣٨٥.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٥٠.\n(٥) انظر: خلاف العلماء في متى تكون ساعات التبكير: المغني لابن قدامة، ٣/ ١٦٩، ورجح أن وقت سعي الفضيلة يكون من أول النهار. وشرح النووي على صحيح مسلم ٦/ ٣٨٥، ورجح عند أصحابه أن تعيين الساعات من طلوع الفجر. والمفهم للقرطبي ٢/ ٤٨٥، ورجح قول الإمام مالك وأن تعيين الساعات يكون بعد الزوال. والمقنع والشرح الكبير، ٥/ ٢٧٥، ورجح كما رجح صاحب المغني. والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي، ٥/ ٢٧٥، ورجح أن التبكير الأفضل بعد طلوع الفجر. ونيل الأوطار، ٢/ ٥٠٦، وقال: «ومجموع الروايات يدل على أن المراد بالرواح: الذهاب، وما ذكرته المالكية أقرب إلى الصواب، وذكر الأقوال. وانظر: تفصيل جميع الأقوال في فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٦٦ - ٣٧٠، ورجح ابن القيم في زاد المعاد، ١/ ٣٩٨ - ٤٠٧ أن الساعات من أول النهار، وأن الذي يصلي الفجر يجلس في مكانه ينتظر صلاة الجمعة أفضل من الذي يذهب ثم يجيء في وقتها، وبين أن لفظ: «التهجير إلى الجمعة» هو التبكير والمبادرة إلى كل شيء وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم. والرواح هو الذهاب والمضي.","vol":"2","page":828},{"text":"ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها، وقيامها» (١). فقال: «ومشى ولم يركب»؛\nولحديث عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من اغبرَتْ قدماه في سبيل الله حَرَّمه الله على النار» (٢). وقد أورد البخاري هذا الحديث هنا؛ لعموم قوله - ﷺ -: «في سبيل الله» فدخلت فيه الجمعة؛ ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك، وقد جعل أبو عبس حكم السعي إلى الجمعة حكم الجهاد وليس العدو من مطالب الجهاد، فكذلك الجمعة (٣)؛ ولأن كل خطوة يخطوها يكتب له بها درجة (٤)، لكن لو كان منزله بعيدًا يشق عليه المشي، أو كان ضعيفًا أو مريضًا، فالأولى ألا يشق على نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1507>٩ - القراءة فجر يوم الجمعة بـ ﴿الم﴾ السجدة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية بسورة الإنسان</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في فجر يوم الجمعة: ﴿الم، تَنزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1508>١٠ - القراءة في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - «أنه صلى بها في صلاة الجمعة، فسئل عن ذلك؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بهما في يوم الجمعة» (٦).\nأو يقرأ بسبح، والغاشية؛ لحديث النعمان بن بشير - ﵁ -، قال: «كان\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٤٥،والترمذي، برقم ٤٩٦،وابن ماجه، برقم ١٠٨٧، والنسائي، برقم ١٣٨٠، وتقدم تخريجه في فضل صلاة الجمعة.\n(٢) البخاري، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة ... برقم ٩٠٧.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٦٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري: كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة، برقم ٨٩١، ومسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في يوم الجمعة، برقم ٨٧٩.\n(٦) مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم ٨٧٧.","vol":"2","page":829},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم\nيقرأ بهما أيضًا في الصلاتين» (١).\nأو يقرأ بسورتي الجمعة والغاشية؛ لرواية مسلم عن النعمان - ﵁ - أنه سئل: أي شيء قرأ رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: «كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾» ولفظ أبي داود: ماذا كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة؟ فقال: «كان يقرأ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1509>١١ - يكثر الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة، وليلة الجمعة</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرًا» (٣)؛ ولحديث أوس بن أوس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ» قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يقولون بليت - فقال: «إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم ٨٧٨.\n(٢) مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم ٦٣ - (٨٧٨)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب ما يقرأ به في الجمعة، برقم ١١٢٤.\n(٣) البيهقي في الكبرى، كتاب الجمعة، باب ما يؤمر به في ليلة الجمعة ويومها من كثرة الصلاة على رسول الله - ﷺ -،٣/ ٢٤٩.وذكر العلامة الألباني طرقه في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٣٩٧، برقم ١٤٠٧،ثم قال: «وبالجملة فالحديث بهذه الطرق حسن على أقل الدرجات، وهو صحيح بدون ذكر ليلة الجمعة؛ لحديث أوس» وانظر: تمام المنة في التعليق على فقه السنة للألباني، ص٣٢٤.\n(٤) أبو داود، برقم ١٠٤٧،والنسائي، برقم ١٣٧٣،وابن ماجه، برقم ١٠٨٥،وصححه الألباني في هذه المواضع، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم ١٥٢٧،وتقدم تخريجه في فضل يوم الجمعة، رقم ٣.","vol":"2","page":830},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1510>١٢ - يكثر الدعاء يوم الجمعة؛ لعله يوافق ساعة الإجابة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها\nعبد مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه» (١). وقد تقدمت الأقوال في تعيين هذه الساعة، ولكن ينبغي للعبد المسلم أن يكثر من الدعاء في جميع ساعات الجمعة لعله أن يُوفَّق لها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1511>١٣ - لا يُفرّق بين اثنين أثناء دخوله الجامع</span>؛ لحديث سلمان الفارسي - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر ما استطاع من طهر، ثم ادهن، أو مس من طيب، ثم راح فلم يفرّقْ بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1512>١٤ - لا يتخطى رقاب الناس</span>؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «من اغتسل يوم الجمعة، ولبس أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها» قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لما\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٣٥،ومسلم، برقم ٨٥٢،وتقدم تخريجه في فضل يوم الجمعة برقم٦.\n(٢) تقدمت أقوال أهل العلم في هذه الساعة في فضل يوم الجمعة برقم ٦. وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٩.\n(٣) البخاري، برقم ٩١٠، ورقم ٨٨٣، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٤) أبو داود، برقم ٣٤٣، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.","vol":"2","page":831},{"text":"بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرًا» (١)؛ولحديث أبي الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر - صاحب النبي - ﷺ - يوم الجمعة،\nفجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بُسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب فقال له النبي - ﷺ -: «اجلس فقد آذيت» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1513>١٥ - لا يقيم أخاه ويقعد مكانه</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: «نهى النبي - ﷺ - أن يقيم الرجلُ الرجلَ من مقعده، ويجلس فيه» فقيل لنافع وهو الراوي عن ابن عمر: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها» (٣).وفي رواية لمسلم: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا» (٤)؛ ولحديث جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «لا يُقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: تفسّحوا» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1514>١٦ - إذا دخل المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: دخل رجل والنبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: «أصليت يا فلان؟» فقال: لا. قال: «قم فاركع». وفي رواية للبخاري: «فصلّ ركعتين»، وفي لفظ للبخاري أيضًا: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصلّ ركعتين». وفي لفظ لمسلم: «جاء سُليكٌ الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب فجلس فقال\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٤٧، وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٢) النسائي، كتاب الجمعة، باب النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة، برقم ١٣٩٨، وأبو داود بلفظه، كتاب الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، برقم ١١١٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٥١، وصحيح أبي داود، ١/ ٣٠٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، بابٌ: لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه، برقم ٩١١، ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه برقم ٢١٧٧.\n(٤) مسلم، برقم ٢٨ - (٢١٧٧)، وتقدم تخريجه.\n(٥) مسلم، كتاب السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، برقم ٢١٧٨.","vol":"2","page":832},{"text":"له: «يا سليكٌ قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما»، ثم قال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1515>١٧ - ينصت للخطبة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» (٢)،وفي حديث أبي هريرة الآخر عند مسلم: «ومن مس الحصى فقد لغا» (٣)،وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها ...» الحديث (٤)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول: له أنصت ليس له جمعة» (٥)، ومعنى لا جمعة له: أي لا جمعة له كاملة، ولكنها تجزئه عن صلاة الظهر كما في حديث ابن عمر عند أبي داود كما تقدم، وهذا للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب إذا رأى الإمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين، برقم ٩٣٠، وباب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين، برقم ٩٣١، وكتاب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، برقم ١١٦٦، ومسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب، برقم ٨٧٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، برقم ٩٣٤، ومسلم، كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة، برقم ٨٥١.\n(٣) مسلم، برقم ٨٥٧، وتقدم تخريجه في فضائل الجمعة.\n(٤) أبو داود، برقم ١١١٣، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠٥، وتقدم تخريجه بتمامه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٥) أحمد في المسند، ١/ ٢٣٠، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٧٨: «رواه أحمد بإسناد لا بأس به، وهو يفسر حديث أبي هريرة في الصحيح مرفوعًا: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت» ا. هـ. وأورده الحافظ ابن حجر أيضًا في فتح الباري،٢/ ٤١٤،وقال عقبه: «وله شاهد قوي في جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفًا» أهـ. وقال العلامة أحمد شاكر في شرحه وترقيمه لمسند أحمد، برقم ٢٠٣٣: «إسناده حسن»،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ١٨٤: «رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية».والحديث ضعفه الألباني في مشكاة المصابيح، وفي تمام المنة، ص٣٣٧.\n(٦) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤١٤، وسبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٧٢.","vol":"2","page":833},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث ابن عباس السابق وحديث أبي هريرة في الصحيحين: «هذان الحديثان يدلان على وجوب الإنصات، ومعنى ليس له جمعة: أي يفوته\nفضلها، وإلا فهي تجزئه، وفي مسلم: «ومن مس الحصى فقد لغا»، ولكن لا مانع [من] الإشارة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الإشارة لا مانع منها في الصلاة للحاجة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1516>١٨ - لا تتخذ الحلقات في المسجد قبل صلاة الجمعة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: «أن النبي - ﷺ - نهى عن التحلُّق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد». ولفظ الترمذي: «نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1517>١٩ - يتحول إذا نعس من مجلسه إلى مقعد آخر</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحوَّلْ من مجلسه ذلك إلى غيره»، ولفظ الترمذي: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحوَّل عن مجلسه».ولفظ أحمد: «إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحوَّل إلى غيره».وفي لفظ آخر لأحمد: «إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحوَّل من مجلسه ذلك إلى غيره» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1518>٢٠ - لا يحتبئ في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب</span>؛ لحديث معاذ بن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: «نهى عن الحُبوة يوم الجمعة\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم٤٧٨.\n(٢) النسائي، برقم ٧١٤،وأبو داود، برقم ١٠٧٩، والترمذي، برقم ٣٢٢، وابن ماجه، برقم ١١٣٣، وحسنه الألباني في هذه المواضع كلها، وتقدم تخريجه في المساجد: أحكام المساجد، برقم ١٦.\n(٣) أبو داود، برقم ١١١٩، والترمذي، برقم ٥٢٦، وأحمد في المسند، ٢/ ٢٢، ٣٢، ١٣٥، وصححه الألباني في سنن أبي داود، ١/ ٢٠٨، وقد صرح محمد بن إسحاق بالسماع في رواية أحمد، ٢/ ١٣٥، وتقدم تخريجه في المساجد، أحكام المساجد، برقم ١٧.","vol":"2","page":834},{"text":"والإمام يخطب» (١).وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ -\nعن الاحتباء يوم الجمعة» يعني والإمام يخطب (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1519>٢١ - الدنوُّ من الإمام عند الموعظة والخطبة</span>؛ لحديث سمرة بن جندب أن النبي - ﷺ - قال: «احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها» (٣)؛ولحديث أوس بن أوس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من غسَّل واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1520>٢٢ - إذا وافق يوم عيد يوم الجمعة حضر الإمام ومن شاء من الناس</span>، وصلى بهم؛ لحديث إياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع محمد رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصلّ» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «قد اجتمع في\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١١١٠،والترمذي، برقم ٥١٤،وقال: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٢٠٦،وتقدم تخريجه في المساجد: أحكام المساجد، برقم ٢١.\n(٢) ابن ماجه، برقم ١١٣٤،وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ١٨٧،وتقدم تخريجه في المساجد.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدنو من الإمام عند الموعظة، برقم ١١٠٨، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠٤.\n(٤) أبو داود، برقم ٣٤٥، والترمذي، برقم ٤٩٦، وابن ماجه برقم ١٠٨٧، والنسائي، برقم ١٣٨٠، وصححه الألباني في هذه المواضع كلها. وتقدم تخريجه في فضائل صلاة الجمعة.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، برقم ١٠٧٠، النسائي، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد، برقم ١٥٩٠،وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، برقم ١٣١٠،وأحمد،٤/ ٣٧٢، والحاكم،\n١/ ٢٨٨، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة في صحيحه، ٢/ ٣٥٩، برقم ١٤٦٤، وصححه ابن المديني كما في تلخيص الحبير، ٢/ ٨٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٢٩٥، وصحيح النسائي، ١/ ٥١٦، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.","vol":"2","page":835},{"text":"يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون» (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «اجتمع عيدان\nفي يومكم هذا فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون (٢) إن شاء الله» (٣)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -،فصلى بالناس ثم قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف» (٤).\nوهذه الأحاديث تدل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة: يجوز فعلها وتركها، وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلّها، ومن لم يحضر صلاة الجمعة، فإنه يصلي ظهرًا؛ لأن الظهر هي الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، وهي بدل عن الظهر، ثم إن الجمعة إذا فاتت في غير يوم العيد وجب صلاة الظهر إجماعًا فهي البدل عنها (٥). أما الإمام فلا تسقط عنه على الصحيح، لقوله - ﷺ -: «وإنا مجمعون»؛ ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن يريدها، بخلاف غيره من الناس (٦).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن أرقم: [هذا] «يدل على أنه لا بأس أن يترك الجمعة من حضر صلاة العيد، لكن يصلي ظهرًا، ومن قال: لا يصلي ظهرًا فقد\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، برقم ١٠٧٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٦.\n(٢) وإنا مجمعون: أي مصلون الجمعة.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، برقم ١٣١١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، برقم ١٣١٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.\n(٥) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٧٩ - ١٨٠ بتصرف يسير.\n(٦) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٢٤٣.","vol":"2","page":836},{"text":"غلط، وهو كالإجماع من أهل العلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1521>٢٣ - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له نور ما بينه وبين الجمعتين» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1522>٢٤ - النداء الأول لصلاة الجمعة</span>؛ لحديث السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - ﷺ -،وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان - ﵁ -،وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء (٣)،وفي رواية: التأذين الثاني».وفي لفظ: «إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان في خلافة عثمان - ﵁ - وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: زاد النداء الثالث: في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٨٣. وسمعته يقول أثناء تقريره على الحديث رقم ١٦٤٤ من منتقى الأخبار للمجدّ ابن تيمية عن فعل ابن الزبير - ﵁ - حينما ترك الظهر اكتفاءً بصلاة العيد: «وهذا اجتهاد ابن الزبير، والصواب أنه لابد من صلاة الظهر، والنبي - ﷺ - صلى العيد وصلى الجمعة في يوم واحد، وهذا الذي ينبغي للأمة أن يصلوا العيد ويصلوا الجمعة».وانظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٤٣.\n(٢) الحاكم، ٢/ ٣٦٨، وصحح إسناده، وأخرجه البيهقي، ٣/ ٢٤٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٩٣، برقم ٦٢٦، وفي صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٤٤٥، والحديث له عدة ألفاظ ذكرها العلامة الألباني في الإرواء، ٣/ ٦٣ - ٦٥، وانظر: صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٢٠٩، برقم ٢٢٥، ١/ ٤٥٥،برقم ٧٣٦، وانظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٧٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ١٢٠ - ١٢٢، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٢٣٦.\n(٣) الزوراء: قال البخاري ﵀: «موضع بالسوق بالمدينة» البخاري، برقم ٩١٢.\n(٤) البخاري، كتاب الجمعة، باب الأذان يوم الجمعة، برقم ٩١٢،وباب المؤذن الواحد يوم الجمعة، برقم ٩١٣،وباب التأذين عند الخطبة، برقم ٩١٦،وباب الجلوس على المنبر عند التأذين، برقم ٩١٥.","vol":"2","page":837},{"text":"هذا الوجه، ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه مزيدًا يسمى ثالثًا، وباعتبار كونه مقدمًا على الأذان والإقامة يسمى أولًا. [أما رواية] أن التأذين الثاني أمر به عثمان وتسميته ثانيًا أيضًا متوجه بالنظر إلى الأذان\nالحقيقي، لا الإقامة» (١). والنداء الأول للجمعة الذي جعله عثمان - ﵁ - ليس ببدعة؛ لأمر النبي - ﷺ - باتباع الخلفاء الراشدين، بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد كلامه على رويات الأذان الذي جعله عثمان: «وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب» (٣). وعلق القسطلاني في شرحه للبخاري على حديث السائب بن يزيد، فذكر بأن النداء الذي زاده عثمان هو عند دخول الوقت، وسماه ثالثًا باعتبار كونه مزيدًا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة، وأطلق على الإقامة أذانًا تغليبًا بجامع الإعلام فيهما، وكان هذا الأذان لما كثر المسلمون، فزاده اجتهادًا منه وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت، وعدم الإنكار فصار إجماعًا» (٤).\nوقال الإمام شيخنا ابن باز ﵀: «إن الناس كثروا في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان - ﵁ - في المدينة، فرأى أن يزاد الأذان\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٩٤.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم ٤٦٠٧، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، برقم ٢٦٧٦، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، برقم ٤٢ - ٤٤، وأحمد، ٤/ ٤٦ - ٤٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ١١٩ وغيره.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٩٤.\n(٤) انظر: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري، للقسطلاني، ٢/ ٥٨٥، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ١٩٨.","vol":"2","page":838},{"text":"الثالث، ويقال له الأذان الأول؛ لأجل تنبيه الناس على أن اليوم يوم الجمعة حتى يستعدوا ويبادروا إلى الصلاة ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1523>٢٥ - السنة أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات</span>، أما قبل صلاة الجمعة فيصلي صلاة مطلقة، وليس لها قبلها سنة راتبة مقدرة، بل يشتغل بالتطوع المطلق، والذكر حتى يخرج الإمام (٢).\nأما راتبة الجمعة التي بعدها؛ فلحديث ابن عمر ﵄ أنه حفظ من رسول الله - ﷺ - السنن الرواتب وفيه: «... وركعتين بعد الجمعة في بيته» (٣). وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلّ بعدها أربعًا».وفي لفظ: «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعًا»،وفي لفظ ثالث: «من كان منكم مصليًا بعد الجمعة فليصلّ أربعًا».قال سهيل أحد رواة الحديث: «فإن عجل بك شيء فصلّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت» (٤).\nوذكر ابن القيم أن ابن تيمية قال: «إن صلى في المسجد صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين» (٥). وكان ابن عمر ﵄: «إن صلى في المسجد صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين» (٦). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يذكر خلاف العلماء في ذلك ثم قال: «وقال آخرون: أقلها اثنتان وأكثرها أربع، ولا فرق بين كونها تصلى في البيت أو في المسجد، وهذا القول أظهر؛ لأن القول مقدم على الفعل، والأربع\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ٣٤٨.\n(٢) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٢٧٧، ٤٣٦، ٣٧٨.\n(٣) البخاري، برقم ١٨٢، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع: السنن الرواتب.\n(٤) مسلم، برقم ٨٨١، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع: راتبة الجمعة.\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٤٤٠.\n(٦) أبو داود، برقم ١١٣٠، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع: راتبة الجمعة.","vol":"2","page":839},{"text":"أفضل؛ لأنه يتعلق بها الأمر» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1524>٢٦ - لا تُعدَّدُ صلاة الجمعة في القرية الواحدة أو البلد الواحد إلا لحاجة لابد منها: </span>كسعة البلد، وكثرة سكانه، أو بُعد الجامع، أو ضيقه،\nأو خوف فتنة، فيجوز إقامة أكثر من جمعة؛ لهذه الأعذار؛ ولغيرها من الأعذار التي تشق على الناس، قال الخرقي رحمه الله تعالى: «وإذا كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة في جميعها جائزة» (٢).\nوقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وجملته أن البلد متى كان كبيرًا، يشق على أهله الاجتماع في مسجد واحد، ويتعذر ذلك لتباعد أقطاره، أو ضيق مسجده عن أهله ... جازت إقامة الجمعة فيما يحتاج إليه من جوامعها ...» (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «... فإقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء» (٤). وقال ﵀: «ويجوز إقامة جمعتين في بلد واحد؛ لأجل الشحناء، بأن حضروا كلهم وقعت الفتنة، ويجوز ذلك للضرورة إلى أن تزول الفتنة» (٥). أما إذا لم يكن لذلك حاجة فلا يجوز؛ لأن النبي - ﷺ - لم يكن يجمع إلا في مسجد واحد هو مسجده بالمدينة (٦). ولا يشترط على الصحيح إذن الإمام لإقامة الجمعة، ورجح العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: أن إذن الإمام\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٨٤، وانظر للفائدة ما تقدم في صلاة التطوع: راتبة الجمعة.\n(٢) مختصر الخرقي المطبوع مع المغني لابن قدامة، ٣/ ٢١٢.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢١٢ - ٢١٣.\n(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٠٨.\n(٥) المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، لمحمد بن قاسم، ٣/ ١٢٧.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢١٢ - ٢١٥، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٢٥٢ - ٢٥٥، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٤، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٩٦ - ٤٩٧، ومجموع فتاوى العلامة ابن باز، ١٢/ ٣٥١ - ٣٥٨،وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،٨/ ٢٥٦ - ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٦٦،والشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين،٥/ ٩٢، ٩٣.","vol":"2","page":840},{"text":"يشترط في تعدد الجمعة، أما لإقامة الجمعة فلا يشترط كما تقدم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1525>٢٧ - إذا أحدث في صلاته أخذ بأنفه ثم انصرف</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: «إذا أحدث أحدكم في صلاته؛ فليأخذ بأنفه\nثم ينصرف» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>٢٨ - لا يصلي المأمومون بين السواري إلا لحاجة</span>؛ لحديث أنس (٣)، وحديث قرة (٤) ﵄.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1527>٢٩ - لا يتخذ مكانًا خاصًَّا لا يصلي إلا فيه</span>؛ لحديث عبد الرحمن بن شبل - ﵁ - (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1528>٣٠ - لا يمرُّ بين يدي المصلي وسترته</span>؛ لحديث أبي جهم - ﵁ - (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1529>٣١ - لا يحجز مكاناَ بسجادة ونحوها، وإنما يتقدم بنفسه </span>(٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1530>٣٢ - لا يرفع صوته بالقراءة إذا كان ذلك يشوش على الناس</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1531>٣٣ - يستحضر المشي إلى الصلاة وما أعد الله لذلك </span>(٩).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1532>٣٤ - يلتزم بآداب المشي إلى المسجد </span>(١٠).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1533>٣٥ - لا حرج في تكلم الخطيب وتكليمه للمصلحة</span>؛ لحديث جابر\n_________\n(١) الشرح الممتع، ٥/ ٣٣، و١٧٠.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب استئذان المحدث للإمام، برقم ١١١٤، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠٦.\n(٣) الحاكم وصححه، ١/ ٢١٨، وتقدم تخريجه في المساجد، أحكام المساجد، برقم ١٥.\n(٤) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٢١٨ وتقدم في أحكام المساجد، برقم ١٥.\n(٥) أبو داود، برقم ٨٦٢ وغيره، وتقدم تخريجه في أحكام المساجد، برقم ٢٨.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٥١٠،ومسلم، برقم ٥٠٧،وتقدم تخريجه في أحكام المساجد، برقم ٢٧.\n(٧) تقدم في المساجد: أحكام المساجد، برقم ٣٨.\n(٨) أبو داود، برقم ١٣٣٢، وغيره، وتقدم في أحكام المساجد، برقم ١٤.\n(٩) تقدم فضل المشي في المساجد من رقم ١ - ١٦.\n(١٠) تقدمت آداب المشي إلى المساجد في المساجد من رقم ١ - ١٦.","vol":"2","page":841},{"text":"- ﵁ - (١)، وحديث أبي الزاهرية (٢)، وحديث أنس - ﵁ - (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1534>٣٦ - السجود أثناء الزحام: </span>«من كبرتكبيرة الإحرام مع الإمام ثم\nحصل له زحام شديد لا يستطيع السجود؛ فإنه يسجد على حسب استطاعته، فقيل: يسجد على ظهر إنسان أو رجله ويُمَكّن الجبهة والأنف، لقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه» (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة، ولم يظهر له مخالف فكان إجماعًا؛ ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض» (٥).\nوقيل: لا يسجد على ظهر أحد ولا على رجله، ولكنه يومئ غاية الإمكان (٦).\nوقيل: إن شاء سجد على ظهر إنسان أو رجله، وإن شاء انتظر الزحام والأفضل السجود (٧).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يرجح أن الإنسان إذا حصل له زحام شديد في الحرم فلم يستطع السجود فإنه ينتظر حتى يقوم الناس ثم يسجد.\n_________\n(١) وتقدم تخريجه في الأدب، رقم ١٧ من هذه الآداب.\n(٢) وتقدم تخريجه في الأدب، رقم ١٧ من هذه الآداب.\n(٣) البخاري، برقم ١٠٢٩، ومسلم، برقم ٨٩٧.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٣٢، والبيهقي في السنن، ٣/ ١٨٢ - ١٨٣، والطيالسي في المسند، برقم ٧٠، وعبد الرزاق في المصنف، كتاب الجمعة، باب من حضر الجمعة فزحم فلم يستطع يركع مع الإمام، ٣/ ٢٣٣، برقم ٥٤٦٥، و٥٤٦٩، قال العلامة الألباني في تمام المنة في التعليق على فقه السنة، ص٣٤١: «وصله البيهقي، وإسناده صحيح».\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٨٦، فذكره عن أحمد وقال: «وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال عطاء والزهري ومالك لا يفعل، قال مالك: وتبطل الصلاة». وانظر: الشرح الكبير، ٥/ ٢٠٩ - ٢١١.\n(٦) نقله المرداوي في الإنصاف، ٥/ ٢١٠ عن ابن عقيل.\n(٧) نقله المرداوي في الإنصاف، ٥/ ٢١٠.","vol":"2","page":842},{"text":"ورجح العلامة ابن عثيمين «أنه يومئ بالسجود إيماء؛ لأن الإيماء في السجود قد جاءت به السنة، ويليه القول بأنه ينتظر ثم يسجد ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1535>٣٧ - لا يصلي في موضعه الذي صلى فيه الجمعة</span>، حتى يتكلم أو\nيخرج؛ لحديث السائب بن يزيد عن معاوية - ﵁ - (٢). والله - ﷿ - أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1536>عاشرًا: خصائص الجمعة كثيرة متعددة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1537>١ - يقرأ في فجرها بسورتي: ﴿الم، تَنزِيلُ﴾ «السجدة»، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان﴾</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1538>٢ - استحباب كثرة الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة وليلة الجمعة </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1539>٣ - صلاة الجمعة من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1540>٤ - الأمر بالاغتسال في يومها، وهو أمر مؤكد جدًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1541>٥ - التطيب فيه وهو أفضل من التطيب في غيره من أيام الأسبوع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1542>٦ - السواك فيه وله مزية على السواك في غيره</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1543>٧ - التبكير للصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1544>٨ - أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإمام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1545>٩ - الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا في أصح القولين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1546>١٠ - قراءة سورة الكهف في يومها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1547>١١ - لا يكره فعل الصلاة في يومها وقت الزوال لمن ينتظر الصلاة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1548>١٢ - قراءة سورة الجمعة وسورة المنافقون، أو </span>سبح والغاشية، أو\n_________\n(١) الشرح الممتع، ٥/ ٦٤، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣.\n(٢) مسلم برقم ٧١٠، وتقدم تخريجه في آداب الإمام، وفي آداب المأموم في الإمامة.\n(٣) لحديث أنس - ﵁ - يرفعه: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة» رواه البيهقي وحسّن إسناده الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٧٦.","vol":"2","page":843},{"text":"الجمعة والغاشية في صلاة الجمعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1549>١٣ - يوم الجمعة يوم عيد متكرر في الأسبوع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1550>١٤ - يستحب أن يلبس فيه أحسن الثياب التي يقدر عليها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1551>١٥ - يستحب فيه تجمير المسجد</span>، لما رواه سعيد بن منصور عن عمر\nأنه أمر بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1552>١٦ - لا يجوز السفر في يومها لمن تلزمه إذا دخل وقتها وأذن لها إلا لعذر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1553>١٧ - للماشي إلى الجمعة بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>١٨ - يوم تكفير السيئات ما لم تُؤتَ الكبائر</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1555>١٩ - جهنم تُسجَّر كل يوم إلا يوم الجمعة؛ لحديث أبي قتادة في ذلك </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1556>٢٠ - في يوم الجمعة ساعة الإجابة لا يسأل الله عبد مسلم شيئًا فيها إلا أعطاه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1557>٢١ - فيه صلاة الجمعة التي خصت من بين سائر الصلوات المفروضات </span>بخصائص لا توجد في غيرها، من الاجتماع، والعدد المخصوص، واشتراط الإقامة، والاستيطان، والجهر بالقراءة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1558>٢٢ - في يوم الجمعة الخطبة التي فيها الثناء على الله وتذكير العباد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1559>٢٣ - يوم الجمعة هو اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه للعبادة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1560>٢٤ - جعل الله سبحانه التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان وقائم مقامه</span>، فيجتمع للرائح فيه الصلاة والقربان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1561>٢٥ - للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام </span>(٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1562>٢٦ - أنه يوم يتجلى الله - ﷿ - فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة</span>.\n_________\n(١) زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٨٧.\n(٢) ذكر ذلك الإمام ابن القيم في زاد المعاد، ١/ ٤٠٧.","vol":"2","page":844},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1563>٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم الله به بيوم الجمعة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1564>٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض والجبال والبحار والخلائق كلها </span>إلا الإنس والجن، وذلك لخوفهم أن تقوم القيامة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1565>٢٩ - أنه اليوم الذي ادَّخره الله لهذه الأمة وأضل عنه أهل الكتاب\nقبلهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1566>٣٠ - أنه خيرة الله من أيام الأسبوع، كما أن رمضان خيرته من شهور العام</span>، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد خيرته من خلقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1567>٣١ - ذكر ابن القيم أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم وتوافيها في يوم الجمعة </span>فيعرفون زوارهم ومن يمرُّ بهم ويسلّم عليهم. وذكر في ذلك آثارًا عن بعض السلف. قلت: وهذا يحتاج إلى دليل صحيح عن المعصوم - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1568>٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يكون في صيام كان يصومه </span>كمن يصوم يومًا ويفطر يومًا. ويكره أيضًا إفراد ليلتها بالقيام إلا ما كان يفعله المسلم في غير ليلة الجمعة فلا حرج من ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1569>٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس وتذكيرهم بالمبدأ والمعاد</span>، ويتذكر المسلمون اجتماع اليوم الأكبر (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1570>الحادي عشر: شروط صحة الجمعة على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1571>الشرط الأول: الوقت، فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها المشروع</span>، ومما يدل على وقت صلاة الجمعة حديث أنس بن مالك - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (٢). وحديث\n_________\n(١) زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٣٧٥ - ٤٢٥ بتصرف يسير فكل هذه الخصائص لخصتها من هذا الكتاب القيم لابن القيم، فانظر أدلتها هناك.\n(٢) البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، برقم ٩٠٤.","vol":"2","page":845},{"text":"سلمة بن الأكوع - ﵁ -، قال: «كنا نجمّع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» (١). وفي لفظ: «كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الجمعة، فنرجع وما نجد للحيطان فيئًا نستظل به».\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة» (٢). وفي لفظ: «كنا نبكر إلى الجمعة ثم نقيل». وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه سأل جابر بن عبد الله: متى كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة؟ قال: «كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها». زاد عبد الله في حديثه: حين تزول الشمس: يعني النواضح. وفي رواية: «كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ -،ثم نرجع فنريح نواضحنا (٣)،قال حسن: فقلت لجعفر: في أي ساعة تلك؟ قال: زوال الشمس (٤). وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة». زاد ابن حُجر: «في عهد رسول الله - ﷺ -» (٥).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» فيه إشعار بمواظبته - ﷺ - على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، وأما رواية أبي حميد التي بعدها عن أنس: «كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة، فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، برقم ٤١٦٨، ومسلم، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، برقم ٨٦٠.\n(٢) البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، برقم ٩٠٥، وباب القائلة بعد الجمعة، برقم ٩٤٠.\n(٣) نريح نواضحنا: هو جمع ناضح وهو البعير الذي يستقى به، سمي بذلك؛ لأنه ينضح الماء: أي يصبه، ومعنى نريح: أن نريحها من العمل وتعب السقي ونخليها منه، شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٩٨.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، برقم ٨٥٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ الله وَاذْكُرُوا الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، برقم ٩٤١، ومسلم، كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، برقم ٨٥٩.","vol":"2","page":846},{"text":"الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته، أو تقديمه على غيره، وهو المراد هنا، والمعنى: أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر؛ فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون؛\nلمشروعية الإبراد» (١).\nقال الإمام البخاري ﵀: «باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك يُروَى عن عمر، وعلي، والنعمان بن بشير، وعمر بن حريث - ﵃ -» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «باب وقت الجمعة» أي أوله، «إذا زالت الشمس» جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالفة عنده» (٣)، ثم وصل الحافظ ابن حجر ﵀ الآثار عن هؤلاء الصحابة، فقال: «فأما الأثر عن عمر، فروى أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وابن أبي شيبة من رواية عبد الله بن سيدان، قال: «شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته إلى نصف النهار، وشهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار» رجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان ... فإنه تابعي كبير، إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول، وقال البخاري: «لا يتابع على حديثه، بل عارضه ما هو أقوى منه، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، وإسناده قوي». وفي الموطأ عن مالك بن أبي عامر قال: «كنت أرى طنفسة (٤) لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي فإذا غشيها ظل الجدار خرج عمر» إسناده صحيح. وهو\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر، ٢/ ٣٨٧.\n(٢) البخاري، كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، قبل الحديث رقم ٩٠٣.\n(٣) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٨٧.\n(٤) الطنفسة: كساء له خمل يجلس عليه، جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٦٧٣.","vol":"2","page":847},{"text":"ظاهر في أن عمر كان يخرج بعد زوال الشمس ... والذي يظهر [أن الطنفسة] كانت تفرش داخل المسجد، وعلى هذا فكان عمر يتأخر بعد الزوال قليلًا، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال: «فلما كان يوم الجمعة زالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر»، وأما علي فروى\nابن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق أنه: «صلى خلف عليّ الجمعة بعدما زالت الشمس». إسناده صحيح. وروى أيضًا من طريق أبي رزين قال: «كنا نصلي مع علي الجمعة، فأحيانًا نجد فيئًا وأحيانًا لا نجد». وهذا محمول على المبادرة عند الزوال، أو التأخير قليلًا. وأما النعمان بن بشير، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سماك بن حرب قال: «كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس». قلت: [القائل ابن حجر] وكان النعمان أميرًا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية. وأما عمرو بن حريث فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، من طريق الوليد بن العِزار قال: «ما رأيت إمامًا كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث، فكان يصليها إذا زالت الشمس» إسناده صحيح أيضًا، وكان عمرو ينوب عن زياد وعن ولده في الكوفة أيضًا ...» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك ...؛ ولأن في ذلك خروجًا من الخلاف؛ فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة، وإنما الخلاف فيما قبله، ولا فرق في استحباب إقامتها عقيب الزوال\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٨٧: نقل هذه الآثار عن الصحابة وصححها كما ترى. ثم ذكر ما يعارض هذه الآثار، ومنها أن عبد الله بن مسعود صلى الجمعة ضحى، وضعفه، ومنها ما نقل أن معاوية صلى الجمعة ضحى، وضعفه أيضًا. وقال في احتجاج بعض الحنابلة بقوله - ﷺ -: «إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين» فلما سماه عيدًا جازت الصلاة فيه وقت العيد كالفطر والأضحى، وتعقب بأنه لا يلزم من تسمية يوم الجمعة عيدًا أن يشتمل على جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقًا سواء صام قبله أو بعده بخلاف يوم الجمعة باتفاقهم» فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٨٧.","vol":"2","page":848},{"text":"بين شدة الحر وبين غيره؛ فإن الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظروا الإبراد شق عليهم، وكذلك كان النبي - ﷺ - يفعلها إذا زالت الشمس في الشتاء والصيف (١) على ميقات واحد (٢)،وهذا هو الأفضل والأكمل\nوالأحوط (٣).\n_________\n(١) وأما حديث أنس - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة» يعني الجمعة [البخاري، برقم ٩٠٦]، فقال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «بابٌ إذا اشتد الحر يوم الجمعة» لما اختلف ظاهر النقل عن أنس وتقرر أن طريق الجمع أن يحمل الأمر على اختلاف الحال بين الظهر والجمعة كما قدمناه جاء عن أنس حديث آخر يوهم خلاف ذلك ترجم المصنف هذه الترجمة لأجله ... قوله: «وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة» لم يجزم المصنف بحكم الترجمة لاحتمال الواقع في قوله: يعني الجمعة؛ لاحتمال أن يكون من كلام التابعي، أو من دونه، وهو ظن ممن قاله، والتصريح عن أنس في رواية حميد الماضية أنه كان يبكر بها مطلقًا من غير تفصيل، ويؤيده الرواية المعلقة الثانية فإن فيها البيان: بأن قوله: «يعني الجمعة»، إنما أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الجمعة والظهر عند أنس حيث استدل لما سئل عن الجمعة: «كان يصلي الظهر» وأوضح من ذلك رواية الإسماعيلي من طريق أخرى عن حرمي ولفظه: «سمعت أنسًا - وناداه يزيد الضبي يوم الجمعة يا أبا حمزة قد شهدت الصلاة مع رسول الله - ﷺ - فكيف كان يصلي الجمعة -؟ فذكره ولم يقل يعني الجمعة ... وعرف بهذا أن الإبراد بالجمعة عند أنس إنما هو بالقياس على الظهر، لا بالنص، لكن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة بينهما» [فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٣٨٩].\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥٩ - ١٦٠،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٥/ ١٩٠.\n(٣) اختلف العلماء في أول وقت صلاة الجمعة هل يجوز قبل الزوال، أو لا يجوز إلا بعده. قال الإمام القرطبي ﵀ على قوله: «كنا نجمع مع رسول الله - ﷺ - إذا زالت الشمس» دليل للجمهور على أحمد بن حنبل وإسحاق، إذ قالا: إنه يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، وهذا الحديث مبين للأحاديث التي بعده، ولا متمسك لأحمد وإسحاق في شيء منها مع هذا النص، فإنها كلها محتملة، وهو القاضي عليها المبيّن لها» [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٩٥].\nوقال الإمام النووي ﵀: «وهذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء: من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد الزوال، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّزاها قبل الزوال، قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوت التبكير إليها، وقوله: «نتتبع الفيء» إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير، وقوله: «ما نجد فيئًا نستظل به» موافق لهذا؛ فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يستظل به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به» [شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨].\nوقال الإمام ابن الملقن عن حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -: «فيه دلالة على أن وقت الجمعة وقت الظهر لا يجوز إلا بعد الزوال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماعة العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلا أحمد وإسحاق، فقالا: بجوازها قبل الزوال، قال الخرقي في السادسة تمسكًا بهذا الحديث» [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، /١٧٩].\nوقال الخرقي: «وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم» قال الإمام ابن قدامة: «وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة، وروي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية، أنهم صلوا قبل الزوال. وقال القاضي وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد، وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا في أول النهار، وروي عن ابن مسعود، ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحى، وقالا: إنما عجلنا خشية الحر عليكم، ولأنها عيد فجاز في وقت العيد: كالفطر والأضحى، والدليل على أنها عيد قول النبي - ﷺ -: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين ...» [ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٢٦] وقوله - ﷺ -: «قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان» [أبو داود وغيره، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٦] وقال أكثر أهل العلم: وقتها وقت الظهر إلا أنه يستحب تعجيلها في أول وقتها؛ لقول سلمة بن الأكوع: «كنا نجمع مع النبي - ﷺ - إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» متفق عليه. وقال أنس: كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري؛ ولأنهما صلاتا وقت فكان وقتهما واحدًا، كالمقصورة والتامة؛ ولأن إحداهما بدل عن الأخرى، وقائمة مقامها، فأشبها الأصل المذكور؛ ولأن آخر وقتهما واحد، فكان أوله واحدًا: كصلاة الحضر والسفر. ولنا على جوازها في السادسة: السنة والإجماع، أما السنة فما روي عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي - يعني الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس». أخرجه مسلم. وعن\nسهل بن سعد قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله - ﷺ -». متفق عليه. قال ابن قتيبة: «لا يسمى غداء، ولا قائلة بعد الزوال». وعن سلمة بن الأكوع قال: «كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء نستظل به». رواه أبو داود. وأما الإجماع فروى الإمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان قال: «شهدت يوم الجمعة مع أبي بكر، وكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، وكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره» [رواه الدارقطني، ٢/ ١٧، وقال في التعليق المغني على الدارقطني: رواته كلهم ثقات إلا عبد الله بن سيدان متكلم فيه ... قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول، وقال ابن عدي شبه مجهول ...] وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي - ﷺ - فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل، والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما، وأما في أول النهار، فالصحيح أنها لا تجوز؛ لما ذكره أهل العلم؛ ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل: من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي - ﷺ - ولا عن خلفائه أنهم صلوها في أول النهار؛ ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها، والله أعلم؛ ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين؛ لأن العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنما يأتيها ضحىً آحاد من الناس وعدد يسير، كما روي عن ابن مسعود أنه أتى الجمعة فوجد أربعة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد. إذا ثبت هذا فالأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي - ﷺ - يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويجعلها في أول وقتها في الشتاء والصيف؛ لأن النبي - ﷺ - كان يعجلها، بدليل الأخبار التي رويناها؛ ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، ويبكرون إليها قبل وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين، وإنما يجعل الإبراد بالظهر في شدة الحر رفعًا للمشقة التي يحصل أعظم منها بالإبراد بالجمعة» انتهى كلام ابن قدامة. [المغني، ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٢]، وانظر: الشرح الكبير،٥/ ١٨٦ - ١٩٠،والإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٨٥ - ١٩٠]. ومما يستدل به على أن الجمعة تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة حديث أبي هريرة - ﵁ -: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ثم ذكر: الثانية، والثالثة، والرابعة، ثم الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر، فيكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة في الساعة السادسة [انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤١].\nوذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ الأقوال الثلاثة:\nالقول الأول: أول وقت صلاة الجمعة وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس، ثم قال: بأن أثر عبد الله بن سيدان ضعيف كما تقدم، وإن صح فليس فيه دليل؛ لأن قوله: كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار يدل على أنها قريبة من النصف، ولو كانت في أول النهار، لقال: كانت صلاته في أول النهار، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر - ﵁ - كانت قريبة من الزوال، والقول بأن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال هو المذهب، بل هو من المفردات.\nالقول الثاني: أنها لا تصح إلا بعد الزوال، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.\nالقول الثالث: أنها تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة استنادًا لحديث أبي هريرة: «من راح في الساعة الأولى» ... وهذا القول هو الراجح أنها لا تصح في أول النهار إنما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنها تصح في السادسة أن تكون بعد الزوال وفاقًا لأكثر العلماء. [الشرح الممتع، ٥/ ٤١ - ٤٢].\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول على حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -: «وهذا الحديث يدل على أن وقتها وقت الظهر، لكن بمراعاة التبكير في أول وقت الظهر، وبهذا قال جمهور أهل العلم، وقال آخرون: يجوز أن تقدم قبل الزوال، واختلفوا: فبعضهم قال: يكون وقتها بعد ارتفاع الشمس، وقال آخرون: الساعة السادسة قُبيل الزوال، وهذا أظهر؛ لما جاء في الأحاديث الصحيحة من فضل التبكير، وأن في الساعة السادسة يخرج الإمام، والساعة السادسة قُبيل الزوال، والتبكير بالجمعة قبل الزوال لا حرج فيه [يعني في الساعة السادسة] والأحوط، والأولى، والأفضل الخروج من الخلاف، وأن تصلى بعد الزوال عملًا بالأحاديث كلها، وخروجًا من الخلاف، واحتياطًا لهذه العبادة العظيمة» [سمعته من سماحة الإمام ﵀ أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٧٠، وأثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٥٨، وسمعته مرة يضعف القول بأن أول وقت الجمعة بعد ارتفاع الشمس كصلاة العيد].\nوقال الإمام الشوكاني عن قول الجمهور: لا تصح الصلاة قبل الزوال حتى في الساعة السادسة: «واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه - ﷺ - صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله» [نيل الأوطار، ٢/ ٥٣٩].","vol":"2","page":849},{"text":"وآخر وقت الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر وهو أن يكون ظل الشيء كطوله بعد في الزوال، فإذا خرج وقت صلاة الظهر قبل إدراك\nركعة بعد أداء الواجب من الخطبتين صليت ظهرًا؛ لقول النبي - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (١)، وهذا هو الصواب أنها لا تدرك إلا بإدراك ركعة (٢)، فإذا أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي ركعة فله أن يفعل ذلك (٣) وإلا صليت ظهرًا (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٨٠،ومسلم، برقم ٦٠٧،وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.\n(٢) وقيل: تدرك بإدراك تكبيرة الإحرام في الوقت، قال العلامة ابن عثيمين: «الصحيح أن جميع الإدراكات لا تكون إلا بركعة؛ لقول النبي - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» هذا منطوق الحديث، ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة، وهذا عام في جميع الإدراكات. [الشرح الممتع، ٥/ ٤٣] وهو الذي اختاره الخرقي ﵀ في مختصره قال: «ومتى دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة أتموا بركعة أخرى، وأجزأتهم جمعة» انظر: مختصر الخرقي مع المغني ٣/ ١٩١، والشرح الكبير، ٥/ ١٩٠ - ١٩٣، والإنصاف، ٥/ ١٩٠.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٩٢.\n(٤) اختلف العلماء بما تدرك به صلاة الجمعة في الوقت على النحو الآتي:\nظاهر كلام الخرقي أن الجمعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة في وقتها. واختاره ابن قدامة.\nوقال القاضي: متى دخل وقت العصر بعد إحرامه أتمها جمعة، ونحو هذا قال أبو الخطاب؛ لأنه أحرم بها في وقتها أشبه ما لو أتمها فيه.\nوالمنصوص عن أحمد أنه إذا دخل وقت العصر بعد تشهده وقبل سلامه سلم وأجزأته، وهذا قول أبي يوسف، ومحمد، وظاهر هذا أنه متى دخل الوقت قبل ذلك بطلت أو انقلبت ظهرًا.\nوقال أبو حنيفة: إذا خرج الوقت قبل فراغه منها بطلت ولا يبني عليها ظهرًا؛ لأنهما صلاتان مختلفتان فلا يبني إحداهما على الأخرى كالظهر والعصر، والظاهر أن مذهب أبي حنيفة في هذا كما ذكرنا عن أحمد؛ لأن السلام عنده ليس من الصلاة.\nوقال الشافعي: لا يتمها جمعة ويبني عليها ظهرًا، لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء إحداهما على الأخرى، كصلاة الحضر والسفر، واحتجوا على أنه لا يتمها جمعة بأن ما كان شرطًا في بعضها كان شرطًا في جميعها: كالطهارة وسائر الشروط.\nوالصواب ما قاله الخرقي وابن قدامة؛ ولهذا قال ابن قدامة: «ولنا قوله - ﷺ -: «من أدرك من الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» [متفق عليه]؛ ولأنه أدرك من الجمعة ركعة فكان مدركًا لها، كالمسبوق بركعة؛ ولأن الوقت شرط يختص بالجمعة فاكتفي به في ركعة كالجمعة، وما ذكروه ينتقض بالجماعة فإنه يكتفى بإدراكها في ركعة» المغني، ٣/ ١٩١ - ١٩٢.","vol":"2","page":852},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1572>الشرط الثاني: الجماعة، فلا تنعقد صلاة الجمعة إلا بحضور جماعة</span>، والصواب أنها تنعقد بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان؛ لأن اسم الجمع يتناول الثلاثة؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ\nمِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) بصيغة الجمع فيدخل فيه الثلاثة (٢)؛ ولعموم حديث أبي سعيد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم» (٣)، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، فَنُقِلَ عنه في الاختيارات: «وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب، واثنان يستمعان، وهو إحدى الروايات عن أحمد (٤)،وقول طائفة من العلماء» (٥)،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «واختلف الناس في عدد الجمعة، فقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: اثنا عشر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: اثنان، وأحسن ما قيل: إنها تنعقد بثلاثة: إمام ومأمومَيْن،\n_________\n(١) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(٢) انظر: الشرح الكبير، لابن قدامة مع المقنع والإنصاف، ٥/ ١٩٩.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، برقم ٦٧٢.\n(٤) الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١١٩ - ١٢٠، وانظر: الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف للمرداوي المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ١٩٩، والإحكام شرح أصول الأحكام للعلامة عبد الرحمن بن محمد القاسم، ١/ ٤٤٢ - ٤٤٤.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في العدد الذي تقوم بهم الجمعة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر خمسة عشر قولًا: فقيل: تصح من الواحد، وقيل: اثنان كالجماعة، وقيل: اثنان مع الإمام، وقيل: ثلاثة مع الإمام، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثنا عشر، وقيل: اثنا عشر غير الإمام، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون بالإمام، وقيل: أربعون غير الإمام، وقيل: خمسون، وقيل: ثمانون، وقيل: جمع كثير بغير قيد، قال ابن حجر: ولعل هذا الأخير أرجحها من حيث الدليل، ويمكن أن يزداد العدد باعتبار زيادة شرط: كالذكورة، والحرية، والبلوغ، والإقامة، والاستيطان، فيكمل بذلك عشرين قولًا. انظر فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٢٣، بتصرف.","vol":"2","page":853},{"text":"واختاره ابن تيمية، وهذا فيه احتياط وبرأة للذمة» (١)،وسمعته مرة أخرى يقول: «والصواب أن صلاة الجمعة تصح بثلاثة: الإمام، واثنان معه» (٢)، قلت: وهذا القول الذي لا تطمئن النفس إلا إليه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1573>الشرط الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين بها مبنية بما جرت به العادة لا يرحلون عنها صيفًا ولا شتاء</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «فأما القرية فيعتبر أن تكون مبنية بما جرت به العادة ببنائها به: من حجر، أو طين، أو لَبِن، أو قصب، أو شجر ونحوه، فأما أهل الخيام وبيوت الشعر ... فلا جمعة عليهم ولا تصح منهم؛ لأن ذلك لم ينصب للاستيطان غالبًا، وكذلك كانت قبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ٤٩١.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٩٣٦.\n(٣) وقد استدل الإمام الشافعي، والإمام أحمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهم في اشتراط الأربعين لصلاة الجمعة، بما رواه أبو داود، برقم ١٠٦٩، وابن ماجه، برقم ١٠٨٢ عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعدما عمي بصره، عن أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحّم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أوّل من جمّع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له نقيع الخصمان، قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون» [وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٥، وصحيح ابن ماجه ١/ ٣٢٠، والعلامة ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٢/ ٣٦١. وقال الشوكاني: وصحح الحافظ إسناده]. وذكر الإمام الشوكاني أيضًا: «بأنه لا دلالة في الحديث على اشتراط الأربعين؛ لأن هذه واقعة عين، وذلك أن الجمعة فرضت على النبي - ﷺ - وهو بمكة قبل الهجرة كما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، فلم يتمكن من إقامتها هنالك من أجل الكفار، فلما هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمّعوا، واتفق أن عدتهم إذن كانت أربعين، وليس فيه ما يدل على أن ما دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة، وقد تقرر في الأصول أن وقائع الأعيان لا يحتج بها على العموم ... وما أخرجه الطبراني عن أبي مسعود الأنصاري قال: أول من قدم المدينة من المهاجرين مصعب بن عمير وهو أول من جمع بها يوم الجمعة قبل أن يقدم النبي - ﷺ -، وهم اثنا عشر رجلًا، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف. قال الحافظ: ويجمع بينه وبين حديث الباب بأن أسعد كان أميرًا، ومصعب كان إمامًا ...» انتهى كلام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥. وأما ما أخرجه الدراقطني عن جابر - ﵁ -: «مضت السنَّة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى وفطر». فقال العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ٦٩: «ضعيف جدًا». وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٩١: «ضعيف»؛ بل قد ضعفه ابن حجر في البلوغ أيضًا.","vol":"2","page":854},{"text":"النبي - ﷺ -، ولو كان ذلك لم يخفَ ولم يُترك نقله مع كثرته وعموم البلوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء لزمهم السعي إليها، كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر ... ويشترط في القرية أن تكون مجتمعة البناء بما جرت به العادة في القرية الواحدة، فإن كانت متفرقة المنازل تفرقًا لم تجرِ العادة به لم تجب عليهم الجمعة» (١)، ولكن لو اجتمع في\nالقرية الصغيرة ما تنعقد به الجمعة وجبت عليهم ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البناء بعضه ببعض، ومتى كانت القرية لا تجب عليهم الجمعة، ولكن كانوا يسمعون النداء من المدينة؛ فإنه يلزمهم السعي إليها لعموم الآية (٢)، وقد تقدم شيء من التفصيل في ذلك، في حكم صلاة الجمعة: من تجب عليه ومن لا تجب عليه (٣).\nوقد أقيمت الجمعة في زمن النبي - ﷺ - في قرية بالبحرين، فعن ابن عباس أنه قال: «إن أول جمعة جُمّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس بجوثى من البحرين» يعني قرية من البحرين (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ووجه الاستدلال منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يُجَمّعوا إلا بأمر النبي - ﷺ -؛ لما عُرِفَ من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي؛ ولأنه لو كان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه والقرآن ينزل فلم يُنهَوا عنه» (٥)، وتقدم أن أسعد بن زرارة أول من جَمَّعَ في المدينة قبل مقدم النبي - ﷺ - في قرية\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٢٠٣.\n(٢) المرجع السابق، ٣/ ٢٠٣.\n(٣) انظر: الشرط السادس من شروط فرضية الجمعة.\n(٤) البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم ٨٩٢، وكتاب المغازي، باب وفد عبد القيس، برقم ٤٣٧١.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٣٨٠، وذكر آثارًا عن الصحابة في إقامة الجمع في القرى. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٤٩٨.","vol":"2","page":855},{"text":"يقال لها: هزم النبيت في حرة بني بياضة على ميل من المدينة (١)، وقد فَصَّل شيخ الإسلام تفصيلًا واضحًا عن الاستيطان وقد ذكرته في شروط فرضية الجمعة وأنها فرض عين بشروط ثمانية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1574>الشرط الرابع: تقدم خطبتين</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يخطب قبل صلاة الجمعة خطبتين يقعد بينهما، فعن ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين يقعد بينهما». وفي لفظ: «كان النبي - ﷺ - يخطب قائمًا ثم يقعد، ثم يقوم كما يفعلون اليوم» (٣). وعن جابر بن سمرة قال: «كانت للنبي - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس». وفي لفظ: «كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» (٤)؛ ولأن النبي - ﷺ - قال: «... صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦)، والذكر هو الخطبة؛ ولأن النبي - ﷺ - ما ترك الخطبة للجمعة في حال من الأحوال (٧)، وجاء عن عمر - ﵁ - قال: «إنما جعلت الخطبة مكان الركعتين» (٨)، وجاء ذلك عن عطاء،\n_________\n(١) أبو داود، برقم ١٠٦٩،وابن ماجه، برقم ١٠٨٢،وتقدم في شرط الجماعة في صلاة الجمعة في الهامش.\n(٢) تقدم تحت حكم صلاة الجمعة من تجب عليه ومن لا تجب عليه، رقم ٦، وانظر: فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ١٦٠، ١٩٠، واختيارات ابن تيمية، ص١١٩، وانظر أيضًا: الإحكام في شرح أصول الأحكام لابن قاسم، ١/ ٤٤٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٥٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الخطبة قائمًا، برقم ٩٢٠، وباب القعدة بين الخطبتين يوم الجمعة، برقم ٩٢٨، ومسلم، كتاب الجمعة، باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة، برقم ٨٦١.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب ذكر الخطبتين وما فيهما من الجلسة، برقم ٨٦٢.\n(٥) البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، برقم ٦٣١.\n(٦) سورة الجمعة، الآية: ٩.\n(٧) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٧١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٢١٩.\n(٨) أخرجه ابن أبي شيبة في باب الرجل تفوته الخطبة، من كتاب الصلاة في المصنف،٢/ ١٢٨.","vol":"2","page":856},{"text":"وطاوس، ومجاهد، ومكحول (١)، وهذا مذهب عامة العلماء أن صلاة الجمعة لا تصح إلا بخطبتين قبلها (٢)، فظهر أن الخطبتين لصلاة الجمعة شرط من شروط صحتها، ويؤكد ذلك الأمور التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1575>١ - أن الله أمر بالسعي إلى ذكر الله من حين النداء</span>، والتواتر القطعي\nأن النبي - ﷺ - كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة خطب خطبتين، فالسعي إلى الخطبة واجب، وما كان السعي إليه واجبًا فهو واجب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1576>٢ - أن النبي - ﷺ - حرم الكلام والإمام يخطب </span>وهذا يدل على وجوب الاستماع إلى الخطبة، ووجوب الاستماع إليهما يدل على وجوبهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1577>٣ - مواظبة النبي - ﷺ - موظبة دائمة وهذا الدوام المستمر صيفًا وشتاء</span>، شدة ورخاء يدل على جوبهما.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1578>٤ - أنه لو لم تجب لها خطبتان لكانت كغيرها من الصلوات </span>ولا يستفيد الناس من التجمع لها، ومن أهم الأغراض لهذه الصلاة: الموعظة وتذكير الناس (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1579>ويشرع أن تشتمل الخطبة على أربعة أمور </span>(٤):\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الصلاة، باب الرجل تفوته الخطبة، ٢/ ١٢٨.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٩٨، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٧١، ١٧٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٢١٩.\n(٣) انظر: الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٥/ ٦٦.\n(٤) من أهل العلم من جعل هذه الأربعة الأمور من شروط صحة الخطبتين فلا تصح إلا بها، فقال: «من شرط صحة الخطبتين: حمد الله، والصلاة على رسوله محمد - ﷺ -، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله تعالى، وقال الإمام ابن قدامة، ﵀: «ومن شرط صحتهما: حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله - ﷺ -، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله تعالى، وحضور العدد المشترط» [المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٥/ ٢١٨، وانظر: المغني له، ٣/ ١٧٣ - ١٧٦]. وقال الشيخ العلامة الزركشي: «واعلم أن هذه الأربع: من الحمد، والصلاة، والقراءة، والموعظة أركان للخطبتين، لا تصح واحدة من الخطبتين إلا بهن» [شرح الزركشي على مختصر الخرقي، ٢/ ١٧٨] وذكر الإمام النووي أنه يشترط عند الشافعي في الخطبة: الوعظ، والقرآن، وأن الخطبتين لا تصح إلا بحمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، والوعظ قال: «وهذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح، وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم» [شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٣٩٩]، وذكر عن ابن تيمية أن ذم الدنيا وذكر الموت لا يكفي في الخطبة، بل لابد من مسمى الخطبة عرفًا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود، ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وأوجب في موضع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي - ﷺ - في الخطبة وقال في موضع آخر ويحتمل - وهو الأشبه - أن الصلاة عليه - ﷺ - فيها واجبة مع الدعاء، ولا تجب مفردة؛ لقول عمر وعلي ﵄: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك - ﷺ -، وتقديم الصلاة عليه - ﷺ - على الدعاء؛ لوجوب تقديمه على النفس، وبين أن الأمر بتقوى الله واجب إما بالمعنى وهو أشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى، وصرح بوجوب القراءة في الخطبة. [انظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٢٠ - ١٢١]. وانظر: الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١، وقال العلامة السعدي ﵀: «وأما اشتراط تلك الشروط في الخطبتين: الحمد، والصلاة على رسول الله، وقراءة آية من كتاب الله فليس على اشتراط ذلك دليل، والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة، أن ذلك كافٍ وإن لم يلتزم بتلك المذكورات، نعم من كمال الخطبة الثناء فيها على الله وعلى رسوله، وأن تشتمل على قراءة شيء من كتاب الله، أما كون هذه الأمور شروطًا لا تصح إلا بها سواء تركها عمدًا أو خطأ أو سهوًا ففيه نظر ظاهر، وكذلك كون مجرد الإتيان بهذه الأركان الأربعة من دون موعظة تحرك القلوب يجزئ ويسقط الواجب وذلك لا يحصل به مقصود فغير صحيح» [المختارات الجلية، ص٧٠].","vol":"2","page":857},{"text":"حمد الله تعالى، والصلاة على رسوله - ﷺ - وقراءة آية من كتاب الله تعالى، والأمر بتقوى الله تعالى؛ لحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يخطب الناس: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله ...» (١)؛ ولأن كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى، فهو أقطع، أبتر، أجذم، ناقص البركة والخير (٢)؛ ولقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك - ﷺ -» (٣)؛ ولقول علي بن أبي طالب - ﵁ -: «كل دعاء محجوب حتى تصلي على محمد - ﷺ - وآل محمد» (٤)؛ ولحديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كانت\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٦٧.\n(٢) انظر: مسند الإمام أحمد، ٢/ ٣٥٩، وسنن أبي داود، برقم ٤٨٤٠، وابن ماجه، برقم ١٨٩٤، وابن حبان، برقم ١٩٩٣ (موارد).\n(٣) الترمذي، كتاب الوتر، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي - ﷺ -، برقم ٤٨٦، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٢٧٤، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت الحديث رقم ٢٠٣٥.\n(٤) الطبراني في الأوسط ٤/ ٤٤٨ مصورة الجامعة الإسلامية، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة لكثرة طرقه، الحديث رقم ٢٠٣٥.","vol":"2","page":858},{"text":"للنبي - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس» (١). ولفظ أبي داود: «كانت صلاة رسول الله - ﷺ - قصدًا، وخطبته قصدًا، يقرأ آيات من القرآن ويذكر الناس» (٢)؛ ولحديث أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله\nعنها قالت: «لقد كانت تنورنا وتنور رسول الله - ﷺ - واحدًا (٣)، سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق*وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا عن لسان رسول الله - ﷺ -، يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس» (٤)، وعن صفوان بن يعلى عن أبيه أنه سمع النبي - ﷺ - يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ (٥) (٦)، قال الإمام النووي ﵀: «فيه القراءة في الخطبة وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلها آية». قوله: «ما حفظت (ق) إلا من فِيّ رسول الله - ﷺ - يخطب بها كل جمعة» قال العلماء: «سبب اختيار ق أنها مشتملة على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكدية، وفيه دليل للقراءة في الخطبة كما سبق، وفيه استحباب قراءة (ق) أو بعضها في كل خطبة» (٧)، وعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر\n_________\n(١) مسلم، برقم ٨٦٢، وتقدم تخريجه في الشرط الرابع من شروط صحة صلاة الجمعة.\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس، برقم ١١٠١، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٣٠٣،وأصله في صحيح مسلم، برقم ٨٦٦.\n(٣) التنور: الكانون يخبز فيه. القاموس المحيط، ص٤٥٦.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة، والخطبة، برقم ٨٧٣.\n(٥) سورة الزخرف، الآية: ٧٧.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، برقم ٣٢٣٠، ومسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة، والخطبة، برقم ٨٧١.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤١٠.","vol":"2","page":859},{"text":"جيش يقول: صبحكم ومساكم (١)، ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعين: السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي (٢) هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها،\nوكل بدعة ضلالة». ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا (٣) فإليَّ وعليَّ». وفي لفظ: «كانت خطبة النبي - ﷺ - يوم الجمعة: يحمد الله، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته ...». وفي لفظ: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب الناس: يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله ...» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ أن ضمادًا (٥) قدم مكة، وكان من أزد شنوءة وكان يرقي من هذه الريح (٦) فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهل لك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد» قال:\n_________\n(١) منذر جيش: المنذر: المعلم المعروف للقوم بما يكون قد دهمهم من عدو أو غيره، وهو المخوف. جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٦٨٠.\n(٢) الهدي: السيرة والطريقة. جامع الأصول، ٥/ ٦٨٠،قال النووي: «لفظ الهدي له معنيان: أحدهما بمعنى الدلالة والإرشاد، وهو الذي يضاف إلى الرسل والقرآن والعباد.\nوالثاني: بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد وهو الذي تفرد الله به» شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٠٣.\n(٣) الضياع: العيال، جامع الأصول لابن الأثير، ٥/ ٦٨٠. والضياع: الأطفال والعيال. شرح النووي، ٦/ ٤٠٤.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٦٧.\n(٥) ضماد: هو ضماد بن ثعلبة الأزدي من أزد شنوءة، تمييز الصحابة لابن حجر، ٢/ ٢١٠.\n(٦) الريح: أي الأرواح الخبيثة [الجن].","vol":"2","page":860},{"text":"فقال أعد عليّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله - ﷺ -، ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر (١)، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله - ﷺ -:\n«وعلى قومك؟» قال: «وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله - ﷺ - سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منه مطهرة (٢)، فقال: ردُّوها؛ فإن هؤلاء قوم ضماد» (٣).\nقال النووي ﵀ عن حديث جابر - ﵁ -، قوله: «إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش» يستدل بهذا على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه: من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا، وتحديده خَطْبًا جسيمًا ... ثم قال [و] «فيه استحباب قول أما بعد في خطب: الوعظ، والجمعة، والعيد، وغيرها، وكذا في خطب الكتب المصنفة، وقد عقد البخاري بابًا في استحبابه وذكر فيه جملة من الأحاديث ... وقوله: «كانت خطب النبي - ﷺ - يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه» فيه دليل للشافعي - ﵁ - أنه يجب حمد الله تعالى في الخطبة ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه» (٤).\n_________\n(١) ناعوس البحر: قيل: لجته، وقيل: وسطه، وقيل: قعره الأقصى، وقيل: عمقه ولجته. شرح النووي على مسلم، ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٢) مطهرة: الميضأة والمطهرة: ما يتوضأ به ويتطهر فيه من الآنية، تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص١١٢.\n(٣) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٦٨.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦.","vol":"2","page":861},{"text":"وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: أُتي رسول الله - ﷺ - جوامع الخير وخواتمه - أو قال: فواتح الخير - فعلَّمنا خطبة الصلاة وخطبة الحاجة:\nخطبة الصلاة: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوخطبة الحاجة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا الناس اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) (٤). [أما بعد] (٥).\nوكان أحيانًا لا يذكر هذه الآيات الثلاث (٦)؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: «الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(٣) سورة الأحزاب، الآيتان: ٧٠ - ٧١.\n(٤) ابن ماجه، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، برقم ١٨٩٢، والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، برقم ١١٠٥، وأبو داود، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، برقم ٢١١٨، والنسائي، كتاب الجمعة، باب كيفية الخطبة، برقم ١٤٠٣، واللفظ لابن ماجه، وصححه الألباني في هذه المواضع كلها.\n(٥) هذه من رواية ابن عباس الآتية، وتقدمت أيضًا في قصة ضماد من حديث ابن عباس.\n(٦) انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة للألباني، ص٣٣٥.","vol":"2","page":862},{"text":"فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد» (١).\nوينبغي أن يقول أحيانًا بعد قوله: أما بعد (٢):\n«فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة [وكل ضلالة في النار]» (٣)، وفي لفظ النسائي: «... إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٤).\nقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في خصائص يوم الجمعة: «... إن فيه الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله - ﷺ - بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه، وإلى جناته، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها» (٥).\nوقال ﵀ في موضوع آخر: «وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله، ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار، والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه، وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين، ومصلحتهم، ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العام، وثبت عنه أنه\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح، برقم ١٨٩٣، وصححه الألباني في هذا الموضع، وفي خطبة الحاجة (٣١)، وأصله في صحيح مسلم، برقم ٨٦٨ في قصة ضماد، وتقدمت.\n(٢) انظر: تمام المنة في التعليق على فقه السنة، للألباني، ص٣٣٥.\n(٣) مسلم، من حديث جابر، برقم ٨٦٧،وتقدم وما بين المعقوفين من سنن النسائي، برقم ١٥٧٧.\n(٤) النسائي، كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة، برقم ١٥٧٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٥١٢، وهو في مسلم كما تقدم إلا «وكل ضلالة في النار».\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٣٩٨، وانظر هديه - ﷺ - في خطبته في زاد المعاد،١/ ١٨٦ - ١٩١ و١/ ٤٢٥ - ٤٤٠.","vol":"2","page":863},{"text":"قال: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» (١) (٢).\nفظهر مما تقدم أهمية مشروعية اشتمال الخطبة على ما يأتي:\nحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله.\nالشهادة لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة.\nالصلاة على النبي - ﷺ - وخاصة مع الدعاء.\nقراءة بعض الآيات من كتاب الله تعالى.\nالوصية بتقوى الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1580>وسنن خطبة الجمعة كثيرة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1581>١ - يسلم على المأمومين. والسلام هنا نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1582>النوع الأول: يسلم سلامًا خاصًا إذا دخل المسجد على من يلاقيه </span>وهذا من السنة بناءً على النصوص العامة التي يؤمر فيها بالسلام على من يقابل من المسلمين؛ لقوله ﵊ في حقوق المسلم على المسلم: «وإذا لقيته فسلم عليه» (٣)، ولقوله - ﷺ -: «أفشوا السلام بينكم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1583>النوع الثاني: يسلم تسليمًا عامًا إذا صعد المنبر، قبل أن يجلس</span>؛ لأن ذلك روي عن النبي - ﷺ - (٥)، وثبت من فعل أبي بكر، وعمر (٦)،\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الأدب، باب في الخطبة، برقم ٤٨٤١،والترمذي، في كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، برقم ١١٠٦، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ١٨٩، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٦٢، وهو في مسند أحمد، ٢/ ٣٠٢ - ٣٤٣.\n(٢) زاد المعاد، فصل في هديه - ﷺ - في خطبته، ١/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، برقم ١٢٤٠، ومسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، برقم ٢١٦٢.\n(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم ٥٤.\n(٥) روي ذلك عن جابر يرفعه: «كان إذا صعد المنبر سلم» ابن ماجه، برقم ١١٠٩، وفيه ابن لهيعة.\n(٦) عن عطاء أن النبي - ﷺ - كان إذا صعد المنبر، أقبل بوجهه على الناس، فقال: السلام عليكم. مصنف عبد الرزاق،\n٣/ ١٩٢ مرسلًا، برقم ٥٢٨١. وعن الشعبي قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا صعد المنبر [يوم الجمعة] أقبل على الناس بوجهه وقال: «السلام عليكم»، فكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك بعد النبي - ﷺ -. مصنف عبد الرزاق،\n٣/ ١٩٣، برقم ٥٢٨٢، وابن أبي شيبة، ٢/ ١١٤، واللفظ له، وصحح مرسل عطاء الأرناؤوط في تحقيق زاد المعاد، ١/ ١٨٧، وقال الألباني في الأحاديث الصحيحة تحت الحديث رقم ٢٠٧٦ عن مرسل الشعبي: «هو مرسل لا بأس به في الشواهد»، وقال عن مرسل عطاء: «ورجاله ثقات رجال الشيخين». وقال الألباني أيضًا في تمام المنة، ص٣٣٣: «هذان المرسلان ... يقويان حديث جابر ولا سيما وقد جرى عمل الخلفاء عليه كما حققته في الصحيحة (٢٠٧٦) بما لا تراه في مكان آخر إن شاء الله تعالى».","vol":"2","page":864},{"text":"وعثمان (١)، وعمر بن عبد العزيز (٢) - ﵃ -. قال العلامة الألباني ﵀\nتعالى: «ومما يشهد للحديث ويقويه جريان عمل الخلفاء عليه» (٣)،وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «... وإن كان الحديث المرفوع فيه ضعيفًا لكن الأمة عملت به، واشتهر بينها أن الخطيب إذا جاء وصعد المنبر فإنه يسلم على الناس، وهذا التسليم العام. أما الخاص فإنه إذا دخل المسجد سلم على من يلاقيه أولًا، وهذا من السنة بناء على النصوص العامة: أن الإنسان إذا أتى قومًا فإنه يسلم عليهم» (٤)، والله الموفق (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1584>٢ - يخطب على منبر أو موضع عالٍ مرتفع</span>، والأفضل أن يكون ثلاث درجات، وأن يكون عن يمين القبلة؛ لأن منبر النبي - ﷺ - كان\n_________\n(١) عن أبي نضرة قال: كان عثمان قد كبر فإذا صعد المنبر سلم فأطال قدر ما يقرأ إنسان أم الكتاب» ابن أبي شيبة، ٢/ ١١٤، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/ ١٠٧، تحت الحديث رقم ٢٠٧٦: «وإسناده صحيح».\n(٢) عن عمر بن هاجر أن عمر بن عبد العزيز كان إذا استوى على المنبر سلم على الناس وردوا عليه. ابن أبي شيبة، ٢/ ١١٤، وقال الألباني في الصحيحة، ٥/ ١٠٧، برقم ٢٠٧٦: «وسنده صحيح».\nوروى البيهقي عن ابن عمر قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم». البيهقي في الكبرى،٣/ ٢٠٥، وقال: «وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن الزبير، ثم عن عمر بن عبد العزيز، ٣/ ٢٠٥. وقد أشار العلامة الألباني إلى هذا الشاهد لما سبق بقوله: «وللحديث شاهد آخر من حديث ابن عمر مرفوعًا به وفيه زيادة أوردته من أجلها في الضعيفة (٤١٩٤) من رواية البيهقي وابن عساكر» الأحاديث الصحيحة، ٥/ ١٠٧.\n(٣) الأحاديث الصحيحة، ٥/ ١٠٧.\n(٤) الشرح الممتع، ٥/ ٨٠.\n(٥) انظر: الشرح الكبير، لابن قدامة، ٥/ ٢٣٦، وزاد المعاد لابن القيم،١/ ١٨٦.","vol":"2","page":865},{"text":"كذلك (١)،قال العلامة ابن القاسم: «وأجمع المسلمون على ذلك في كل عصر ومصر» (٢).\nوالمنبر: مرقاة الخطيب سمي منبرًا؛ لارتفاعه وعلوه (٣)، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - اتخذ منبرًا في مسجده، فعن أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد - ﵁ - من أي شيء المنبر؟ فقال: «ما بقي بالناس أعلم مني: هو من أثل الغابة عمله فلان مولى فلانة لرسول الله - ﷺ -». وفي لفظ: «بعث رسول الله - ﷺ - إلى امرأة أن مُري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن». وفي لفظ: «والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله - ﷺ -، أرسل رسول الله - ﷺ - إلى فلانة امرأة من الأنصار: «مُري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس» فأمرته فعملها من طرفاءِ الغابة، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - ﷺ -، فأمر بها فوضعت هاهنا ...» (٤).\nوعن جابر - ﵁ - أن امرأة قالت: يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فإن لي غلامًا نجارًا، قال: «إن شئت». وفي لفظ: «كان جذع يقوم عليه النبي - ﷺ - فلما وُضِعَ له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشارحتى نزل النبي - ﷺ - فوضع يده عليه»، وفي لفظ: «فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي - ﷺ - حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكَّت حتى استقرت، قال:\n_________\n(١) قال ابن قدامة في الشرح الكبير، ٥/ ٢٣٥: «ويستحب أن يكون المنبر عن يمين القبلة؛ لأن النبي - ﷺ - هكذا صنع» وقال المرداوي في الإنصاف: «لكن يكون المنبر عن يمين مستقبلي القبلة» وعبر عنه: «عن يمين مستقبل القبلة بالمحراب يلي جنبه من جهة يمين المصلي في المحراب» حاشية ابن قاسم على الروض المربع،٢٠/ ٤٥٢.\n(٢) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٥٢.\n(٣) لسان العرب، لابن منظور، باب الراء، فصل الميم، ٥/ ١٨٩.\n(٤) البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، برقم ٣٧٧،وباب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد، برقم ٤٤٨،وكتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٧.","vol":"2","page":866},{"text":"بكت على ما كانت تسمع من الذكر» (١)، وفي لفظ: «كان المسجد مسقوفًا على جذوع من النخل، فكان النبي - ﷺ - يقوم إلى جذع منها، فلما صُنِعَ له المنبر فكان عليه ...» الحديث.\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - لما بدَّن (٢) قال له تميم\nالداري: ألا أتخذ لك منبرًا يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: «بلى» فاتخذ له منبرًا مرقاتين» (٣).وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: أرسل رسول الله - ﷺ - إلى امرأة: «انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أكلم الناس عليها» فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول الله - ﷺ - فَوُضِعَتْ هذا الموضع (٤).\nوعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: «وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة» (٥). وعن سهل - ﵁ -: «أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1585>٣ - يجلس إذا سلم على المأمومين حتى يفرغ المؤذن</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين: كان يجلس إذا صعد المنبر، حتى يفرغ - أراه قال - المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب» (٧).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الصلاة، باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد، برقم ٤٤٩، وكتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، برقم ٩١٨،وكتاب البيوع، باب النجار، برقم ٢٠٩٥، وكتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٥٨٥.\n(٢) بدَّن: بدَّن الرجل بالتشديد: إذا كبر، وبالتخفيف: «بَدَنَ» إذا سمن. جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ١٨٨.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب اتخاذ المنبر، برقم ١٠٨١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٢٠٢.\n(٤) مسلم، كتاب المساجد، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، برقم ٥٤٤.\n(٥) مسلم، كتاب الصلاة، باب دنوّ المصلي من السترة، برقم ٥٠٩.\n(٦) البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما ذكر عن النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم وما يجتمع عليه الحرمان: مكة والمدينة، وما كان بهما من مشاهد النبي - ﷺ - والمهاجرين والأنصار، ومصلى النبي - ﷺ - والمنبر، برقم ٧٣٣٤.\n(٧) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الجلوس إذا صعد المنبر، برقم ١٠٩٢،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٣٠١،وأصل الحديث متفق عليه: البخاري، برقم ٩٢٠، ومسلم، برقم ٨٦٢،وتقدم تخريجه في الشرط الرابع من شروط صحة صلاة الجمعة.","vol":"2","page":867},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1586>٤ - يخطب قائمًا</span>؛ لحديث جابر بن سمرة، قال: «كانت للنبي - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكّر الناس». وفي لفظ: «كان يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» (١)، وعن جابر بن عبد الله رضي الله\nعنهما أن النبي - ﷺ - كان يخطب قائمًا يوم الجمعة فجاء عير (٢) من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣)، وفي لفظ لمسلم: «فابتدرها أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر ...» (٤). وعن أبي عبيدة عن كعب بن عجرة قال: دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا، فقال: «انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1587>٥ - يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄\n_________\n(١) مسلم، برقم ٨٦٢، وتقدم تخريجه في الشرط الرابع من شروط صحة الجمعة، وقوله: «ألفي صلاة: المراد الصلوات الخمس لا الجمعة؛ فإنها أقل من ذلك. انظر: شرح النووي، ٦/ ٤٠٠.\n(٢) العير: الإبل التي تحمل الطعام. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٠٠.\n(٣) سورة الجمعة، الآية: ١١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة، برقم ٩٣٦، ومسلم، كتاب الجمعة، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، برقم ٨٦٣.\n(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مّنَ اللهوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَالله خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾،برقم ٨٦٤.","vol":"2","page":868},{"text":"قال: «كان النبي - ﷺ - يخطب قائمًا ثم يقعد، ثم يقوم» (١)، وهذه الجلسة سنة عند جمهور أهل العلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1588>٦ - يعتمد على عصا أو قوس</span>؛ لحديث الحكم بن حَزْن الكلفي، قال: وفدت إلى رسول الله - ﷺ - سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله! زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشأن إذ ذاك دونٌ، فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله - ﷺ -، فقام متوكئًا على عصًا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه: كلمات، خفيات، طيبات، مباركات، ثم قال: «أيها الناس إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كلما أمرتم به، ولكن سدّدوا، وأبشروا» (٣).\nوعن البراء - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نُووِلَ يوم العيد قوسًا فخطب عليه (٤).\nوالحديث فيه مشروعية الاعتماد على عصا أو قوس، قيل: والحكمة في ذلك: الاشتغال عن العبث، وقيل: إنه أربط للجأش (٥)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره، وإنما كان يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان في الحرب يعتمد\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٢٠، ومسلم، برقم ٨٦١، وتقدم تخريجه في الشرط الرابع من شروط صحة الجمعة.\n(٢) ذهب الإمام الشافعي إلى أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام إلا قائمًا في الخطبتين، ولا يصح حتى يجلس بينهما، وأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين ... وقال أبو حنيفة ومالك والجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة ليس بواجب ولا شرط. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وذكر ابن قدامة أن الجلسة بين الخطبتين ليست بواجبة في قول أكثر أهل العلم، وذكر قول الشافعي بالوجوب. ثم رجح أنها مستحبة؛ لأنه قد سرد الخطبة جماعة منهم: المغيرة بن شعبة، وأبي بن كعب، وعلي؛ ولأن جلوس النبي - ﷺ - كان للاستراحة فلم تكن واجبة. المغني لابن قدامة، ٣/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس، برقم ١٠٩٦، وحسن إسناده في التلخيص، ٢/ ٦٥، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠٢.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب يخطب على قوس، برقم ١١٤٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٤.\n(٥) انظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٥٥١.","vol":"2","page":869},{"text":"على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصا» (١).\nوسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «إن اعتمد على عصًا فلا بأس، وإن لم يعتمد على شيء فلا بأس» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1589>٧ - يقصر الخطبة ويطيل الصلاة</span>؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة؛ إنما هي كلمات يسيرات» (٣).\nوعن عمار بن ياسر - ﵁ - قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - بإقصار الخطب» (٤)؛\nلحديث عمار - ﵁ - قال أبو وائل: «خطبنا عمار بن ياسر فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، فقال لي: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرا» (٥).\nوعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «كنت أصلي مع رسول الله - ﷺ - فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا» (٦).\nوعن عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» (٧).\nوهذه الأحاديث تدل على مشروعية إقصار الخطبة وإكمال الصلاة، وقوله: «فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا» أي بين الطول الظاهر\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٤٢٩.\n(٢) أشكلت علي هذه المسألة في زاد المعاد، ١/ ٤٢٩، فسألته فأجاب ﵀.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إقصار الخطب، برقم ١١٠٧،وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣٠٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إقصار الخطب، برقم ١١٠٦،وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٣٠٣.\n(٥) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٦٩.\n(٦) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٦٦.\n(٧) النسائي، كتاب الجمعة، باب ما يستحب من تقصير الخطبة، برقم ١٤١٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٥٦.","vol":"2","page":870},{"text":"والتخفيف الماحق (١).\nوطول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه: أي علامة ظاهرة على فقهه، قوله - ﷺ -: «فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة» قال الإمام النووي ﵀: «س٥ في واقصروا همزة وصل، وليس هذا الحديث مخالفًاَ للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة؛ لقوله في الرواية الأخرى: وكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا؛ لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلًا يشق على المأمومين، وهي حينئذ قصد: أي معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها، وقوله:\n«وإن من البيان لسحرًا» قيل: من الفهم وذكاء القلب. وقيل فيه تأويلان:\nالأول: أنه ذم؛ لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر.\nوالثاني: أنه مدح؛ لأن الله تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر، لميل القلوب إليه وأصل السحر: الصرف: فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعو إليه، واختار الإمام النووي ﵀ أن هذا هو الصحيح (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يذكر أن قوله: «إن من البيان لسحرًا» على معنيين: إن استخدم في الحق وبيانه وإيضاحه فهو محمود وحلال، وإن استخدم في رد الحق وتزيين الباطل فهو مذموم لا يجوز.\nوفي تقصير الخطبة ثلاث فوائد: لا يحصل الملل للسامعين، وأوعى للسامع فيحفظ ما سمع، وفي ذلك اتباع السنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1590>٨ - يرفع صوته حسب طاقته ويفخم أمر الخطبة </span>ويظهر غاية غضبه\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٠٢.\n(٢) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٠٢ - ٤٠٨.\n(٣) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٨٦.","vol":"2","page":871},{"text":"على حسب نوع الخطبة، ويجزل كلامه؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدّ غضبُه حتى كأنه منذر جيش ...» (١).قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «يستدل بهذا على أنه يستحب للخطيب أن يفخّم أمر الخطب، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه: من ترغيب أو ترهيب» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>٩ - يستحب أن يؤذن المؤذن إذا جلس الإمام على المنبر</span>، لحديث السائب بن يزيد - ﵁ - قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان\nعثمان - ﵁ - وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1592>١٠ - لا يرفع يديه على المنبر في الدعاء بل يشير بإصبعه ولا يحرك يديه عند الانفعال</span>؛ لحديث حصين عن عمارة بن رؤيبة قال: «رأى بشر بن مروان على المنبر رافعًا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة» (٤).\nولفظ الترمذي: «عن حصين قال: سمعت عمارة بن رؤيبة الثقفي وبشر بن مروان يخطب فرفع يديه في الدعاء، فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين القصيرتين، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وما يزيد على أن يقول: هكذا - وأشار هشيم بالسبابة» (٥).\nوفي لفظ أبي داود: «رأى عمارةُ بنُ رؤيبة بشَر بنَ مروان وهو يدعو\n_________\n(١) مسلم، برقم ٨٦٧، وتقدم تخريجه في الشرط الرابع من شروط صحة الخطبة.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٣) البخاري، برقم ٩١٢، ٩١٣، ٩١٥، ٩١٦،وتقدم تخريجه في آداب الجمعة، رقم ٢٣.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم ٨٧٤.\n(٥) الترمذي، كتاب الجمعة، باب كراهية رفع الأيدي على المنبر، برقم ٥١٥.","vol":"2","page":872},{"text":"في يوم الجمعة ...» (١).\nقال الإمام النووي ﵀: «هذا فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة وهو قول مالك وأصحابنا وغيرهم، وحكى القاضي عن بعض السلف وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبي - ﷺ - رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى (٢).وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض» (٣). قلت: وهو أنه دعا للاستسقاء، فعن أنس - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه» (٤)، فلا يرفع الإمام ولا المأموم اليدين في الدعاء أثناء\nالخطبة إلا إذا كان الدعاء في الخطبة للاستسقاء، وكذلك في جميع المواضع التي يخطب ويوعظ فيها. أما غير ذلك فإن رفع اليدين حال الدعاء سنة، ومن أسباب قبول الدعاء واستجابته؛ ولهذا قال الإمام النووي ﵀ على قوله: «كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء»: «هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع - ﷺ - إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا، من الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويتأول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ، بحيث يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره رفع وقد رآه غيره رفع فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة - وهم جماعات - على\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين على المنبر، برقم ١١٠٤،وأحمد،٤/ ١٣٦.\n(٢) البخاري، برقم ١٠٢٩، ومسلم، برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤١١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء، برقم ١٠٣١، وكتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٦٥، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٥.","vol":"2","page":873},{"text":"واحد لم يحضر ذلك، ولابد من تأويله لما ذكرناه، والله أعلم» (١).\nوعلى كل حال: فلا يرفع يديه الإمام والمأموم أثناء الدعاء في جميع الخطب والمواعظ إلا في خطبة الاستسقاء، أو إذا استسقى الإمام في خطبة الجمعة أما غير ذلك فيكون رفع الأيدي وعدمه في مواضع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1593>أ - مواضع وأحوال رفع فيها النبي - ﷺ </span>-، فنحن نرفع فيها، والأصل في الدعاء رفع اليدين.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1594>ب - مواضع أو أحوال لم يرفع فيها النبي - ﷺ </span>- وقد وجد سبب الرفع فنحن لا نرفع فيها، مثل الدعاء في الخطبة، والذكر أدبار الصلوات المفروضة: قبل السلام، وبعد السلام، أما رفع الأيدي بعد السلام من\nالنوافل فلا حرج كالدعاء بعد صلاة الاستخارة وغيرها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1595>١١ - يخطب مترسلًا معربًا من غير عجلة ولا تمطيط</span>؛ لأنه أبلغ وأحسن؛ حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - «كان يحدّث حديثًا لو عدّه العادُّ لأحصاه».وفي لفظ للبخاري: «إن رسول الله - ﷺ - لم يكن يسرد الحديث كسردكم» (٣).والمعنى: لو عد العادّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك وبلغ آخرها، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل، والتفهيم (٤)، وقوله: «لم يكن يسرد الحديث كسردكم» أي لم يكن يتابع الحديث استعجالًا بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع، إنما كان حديث رسول الله - ﷺ -:فصلًا،\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٤٢،وانظر: فتح الباري لابن حجر،٢/ ٥١٧.\n(٢) سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يذكر أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٣٤١ أن الأصل في الدعاء رفع اليدين إلا المواطن التي لم يرفع فيها النبي - ﷺ - وقد وجدت أسباب الرفع فلم يرفع فنحن لا نرفع.\nوذكر العلامة ابن عثيمين أنه لا يحرك الخطيب يديه عند الانفعال. الشرح الممتع،٥/ ٨٥.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٦٧، ٣٥٦٨، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي هريرة الدوسي - ﵁ -، برقم ١٦٠ - (٢٤٩٣) وكتاب الزهد، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، برقم ٧١ - (٢٤٩٣).\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٥٧٨ - ٥٧٩.","vol":"2","page":874},{"text":"فهمًا، تفهمه القلوب، واعتذر عن أبي هريرة - ﵁ - بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي على فِيَّ (١).\nفالسنة للخطيب أن لا يُكثر الحديث؛ لئلا يمل الناس، ولا يستعجل في المتابعة بل يتثبت ويتأنّى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1596>١٢ - يقصد تلقاء وجهه</span>؛ لأن في التفاته إلى أحد جانبيه إعراضًا عن الجانب الآخر، ويذكر أن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك يخطب مستقبل المأمومين، ونقل عن ابن المنذر أنه قال: هذا كالإجماع، وقال النووي: لا\nيلتفت يمينًا ولا شمالًا، قال ابن حجر: لأن ذلك بدعة (٣)، وأما المأمومون فإنهم ينحرفون إلى الإمام ويستقبلونه بوجوههم؛ لحديث ابن مسعود - ﵁ -: «كان رسول الله - ﷺ - إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» (٤)؛ ولحديث ثابت - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1597>١٣ - يدعو للمسلمين</span>؛ لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخطبة، ففيها أولى، وإن دعا للسلطان فحسن؛ لأن صلاحه نفع للمسلمين، فالدعاء له دعاء لهم (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1598>الثاني عشر: صفة صلاة الجمعة: </span>صلاة الجمعة ركعتان بالنص وبإجماع المسلمين، فعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «صلاة الجمعة ركعتان،\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٦/ ٥٧٨ - ٥٧٩.\n(٢) انظر: شرح النووي، ١٦/ ٢٨٧، و١٨/ ٣٣٩، والكافي لابن قدامة، ١/ ٤٩٣.\n(٣) نقلًا عن حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٥٦، وانظر: الشرح الكبير، ٥/ ٢٤٠، والمغني لابن قدامة، ٣/ ١٧٩، والكافي، ١/ ٤٩٢.\n(٤) الترمذي، برقم ٥٠٩، وتقدم تخريجه في آداب الجمعة برقم ٦.\n(٥) ابن ماجه، برقم ١١٣٦، وتقدم تخريجه في آداب الجمعة برقم ٦.\n(٦) الكافي لابن قدامة، ١/ ٤٩٤، والشرح الكبير، ٥/ ٢٤٣، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، والشرح الممتع، وكأنه توقف عن السنية حتى يأتي الدليل، وبين بأنه إذا لم يكن دليل فهو جائز. الشرح الممتع، ٥/ ٨٧.","vol":"2","page":875},{"text":"وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد - ﷺ -» (١).وقال الإمام ابن المنذر: «وأجمعوا على أن صلاة الجمعة ركعتان، وأجمعوا على أن من فاتته الجمعة من المقيمين أن يصلوا أربعًا» (٢)،إذا فرغ الإمام من خطبة الجمعة نزل وأخذ المؤذن في الإقامة، ثم أمر الإمام بتسوية الصفوف، ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة «الجمعة» وفي الركعة الثانية\nبسورة «المنافقون» (٣)، أو «بسبح والغاشية» (٤) أو «بالجمعة والغاشية» (٥) كل ذلك ثبت عن النبي - ﷺ - (٦).\nومن أدرك مع الإمام منها ركعة بركوعها وسجدتيها أضاف إليها ركعة أخرى، وكانت له جمعة، ومن أدرك مع الإمام أقل من ركعة دخل معه بنية الظهر وأتمها ظهرًا إذا كان قد دخل وقت الظهر؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٧)؛ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة».ولفظ النسائي: «من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فلقد تمت صلاته».وفي لفظ للنسائي أيضًا: «من أدرك ركعة من صلاة من الصلوات فقد أدركها،\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجمعة، باب عدد صلاة الجمعة، برقم ١٤١٩، وكتاب تقصير الصلاة في السفر، برقم ١٢٣٩، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب تقصير الصلاة، برقم ١٠٦٣، ١٠٦٤، وأحمد، ١/ ٣٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٥٧، ٤٦٤، وفي صحيح ابن ماجه،\n١/ ٣١٥، وفي إرواء الغليل، ٣/ ١٠٥، برقم ٦٣٨.\n(٢) الإجماع لابن المنذر، ص٤٥، برقم ٧٣، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٢٤٨، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٦٠، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٨٨.\n(٣) مسلم، برقم ٨٧٧، وتقدم تخريجه في آداب الجمعة برقم ١١.\n(٤) مسلم، برقم ٨٧٧، وتقدم تخريجه في آداب الجمعة برقم ١١.\n(٥) رواية لمسلم، برقم ٦٣ (٨٧٨).\n(٦) انظر: الشرح الكبير، لابن قدامة،٥/ ٢٤٩،وحاشية ابن قاسم على الروض،٢/ ٤٦٠.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٨٠،ومسلم، برقم ٦٠٧،وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة.","vol":"2","page":876},{"text":"يقضي ما فاته».ولفظ الدارقطني: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته» (١). وتدرك الركعة بإدراك ركوعها مع الإمام قبل أن يرفع، وهذا هو الصواب وبالله التوفيق (٢).\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «أما من أدرك أقل من ركعة، فإنه لا يكون مدركًا للجمعة ويصلي ظهرًا أربعًا» (٣).\nوالسنة أن يصلي بعد الجمعة أربع ركعات في بيته، وإن صلاها في المسجد فلا بأس، وإن صلى ركعتين فلا بأس؛ لحديث ابن عمر ﵄ (٤)، ولكن الأفضل أن يصلي أربعًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - (٥) والله الموفق (٦).\nوصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة، برقم ١١٢٣، والنسائي، كتاب المواقيت، باب من أدركه من الصلاة، برقم ٥٥٦، ٥٥٧، والدارقطني،٢/ ١٢،برقم ١٢،وصححه الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٨٤،برقم ٦٢٢.\n(٢) قال الإمام ابن قدامة: «أكثر أهل العلم يرون أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فهو مدرك لها ويضيف إليها أخرى، ويجزئه، وهذا قول ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعلقمة، والأسود، وعروة، والزهري، والنخعي، ومالك، والشافعي، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقال: عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول: من لم يدرك الخطبة صلى أربعًا؛ لأن الخطبة شرط للجمعة فلا تكون جمعة في حق من لم يوجد في حقه شرطها» ثم رجح ابن قدامة ﵀: أن من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم [المغني لابن قدامة، ٣/ ١٨٣ - ١٨٤] وانظر: الشرح الكبير لابن قدامة، ٥/ ٢٠٤ - ٢٠٦، والشرح الممتع، ٥/ ٦١ - ٦٢.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٨٤.\n(٤) البخاري، برقم ١٨٢، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٥) مسلم، برقم ٨٨١، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٦) تقدم الكلام عن سنة الجمعة بعدها في آداب الجمعة، برقم ٢٦.","vol":"2","page":877},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1599>المبحث الحادي والثلاثون: صلاة العيدين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1600>أولًا: مفهوم العيدين: </span>العيدُ: كل يوم فيه جمع، والعيد: ما عاد عليك، ويقال: عيَّدوا: شهدوا العيد. واشتقاقه من عاد يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع: أعياد، ويقال: عيَّد المسلمون: شهدوا عيدهم، قال الأزهري: «العيد عند العرب: الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن».وقال ابن الأعرابي: «سمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدَّد» (١).قال الإمام النووي ﵀: «قالوا: وسمي عيدًا، لعوده، وتكرره، وقيل: لعود السرور فيه، وقيل: تفاؤلًا بعوده على من أدركه، كما سميت القافلة حين خروجها تفاؤلًا لقفولها سالمة، وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة» (٢).وقيل: سمي عيدًا؛ لكثرة عوائد الله تعالى على عباده في ذلك اليوم؛ لأن له عوائد الإحسان على عباده في ذلك اليوم كل عام (٣).\nواصطلاحًا: العيد: جمع أعياد: يوم الاحتفال بذكرى سارَّة، أو إعادة الاحتفال بذكرى سارة وأحد العيدين: يوم الفطر، والآخر يوم الأضحى (٤)، والمسلمون لهم ثلاثة أعياد لا رابع لها: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويوم الجمعة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1601>ثانيًا: الأصل في صلاة العيدين: الكتاب، والسنة، والإجماع:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1602>١ - أما الكتاب </span>فقول الله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٦). والمشهور في\n_________\n(١) لسان العرب لابن منظور، باب الدال، فصل العين، ١٣/ ٣١٧ - ٣١٩، وانظر: القاموس المحيط للفيروزآبادي، ص٣٨٦.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢١.\n(٣) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن،، ٤/ ١٩٢، وحاشية الروض المربع، لابن قاسم، ٢/ ٤٩٢.\n(٤) معجم لغة الفقهاء، للدكتور محمد روَّاس، ص٢٩٤.\n(٥) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ٣١٧.\n(٦) سورة الكوثر، الآية: ٢.","vol":"2","page":878},{"text":"التفسير أن المراد بذلك صلاة العيد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1603>٢ - وأما السنة</span>، فثبت بالتواتر أن رسول الله - ﷺ - كان يُصلّي صلاة العيدين (٢)، فعن ابن عباس ﵄ قال: «شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة» (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1604>٣ - وأما الإجماع</span>، فأجمع المسلمون على صلاة العيدين (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1605>ثالثًا: حكم صلاة العيدين: </span>قيل: صلاة العيد فرض كفاية،\nوالصواب أن صلاة العيد فرض عين (٦)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَصَلّ\nلِرَبّكَ وَانْحَر﴾ (٧)؛ ولحديث أم عطية قالت: أمرنا - تعني\nالنبي - ﷺ - أن نُخرج في العيدين: العواتق (٨)، وذوات\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٣.\n(٢) المرجع السابق، ٣/ ٢٥٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، برقم ٩٦٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، برقم٩٦٣.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٢/ ٢٥٣.\n(٦) اختلف العلماء ﵏ في حكم صلاة العيد على ثلاثة أقوال:\nأ - ظاهر مذهب الإمام أحمد أن صلاة العيد فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين.\nب- مذهب الإمام أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد أن صلاة العيد فرض عين.\nج- وقال ابن أبي موسى: قيل: إنها سنة مؤكدة غير واجبة، وبه قال الإمام مالك، وأكثر أصحاب الإمام الشافعي؛ لقول رسول الله - ﷺ - للأعرابي حين ذكر خمس صلوات، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تطوع) [البخاري، برقم ٢٦٧٨، ومسلم، برقم ١١].\nانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤، والشرح الكبير، ٥/ ٣١٦، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٩٣، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ١٩٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٨.\n(٧) سورة الكوثر، الآية: ٢.\n(٨) العواتق: جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقيل: التي قاربت البلوغ، وقيل: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، والتعنيس طول المقام في بيت أبيها بلا زوج حتى تطعن في السن، وقالوا: سميت عاتقًا؛ لأنها عتقت من امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٨.","vol":"2","page":879},{"text":"الخدور (١)، وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين (٢)، ومما يؤكد فرضيتها، وأنها واجبة على الأعيان: أن النبي - ﷺ - واظب عليها، وقد اشتهر في السّير أن أول صلاة صلاها رسول الله - ﷺ - يوم عيد الفطر في السنة الثانية للهجرة، ولم يزل يواظب عليها حتى فارق الدنيا، صلوات الله وسلامه عليه، وواظب عليها الخلفاء بعد النبي - ﷺ -، وهي من أعلام الدين وشعائره الظاهرة، وهذا كله يؤيد الوجوب (٣).\nقال العلامة السعدي ﵀: «والصحيح أن صلاة العيد فرض عين، والدليل الذي استدلوا به على فرض الكفاية هو دليل على أنها فرض عين؛ ولأن النبي - ﷺ - كان يُحرّض عليها حتى يأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيَّض أن يعتزلن المصلى، ولولا رجحان مصلحتها على كثير من الواجبات لم يحضَّ أمته هذا الحضّ عليها، فدل على أنها من آكد فروض الأعيان» (٤).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «صلاة العيد فرض كفاية عند كثير من أهل العلم ويجوز التخلف من بعض الأفراد عنها، لكن حضوره لها ومشاركته لإخوانه المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغي تركها إلا لعذر شرعي. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة العيد فرض عين: كصلاة الجمعة، فلا يجوز لأي مكلف من الرجال الأحرار المستوطنين أن يتخلف عنها، وهذا القول أظهر في الأدلة وأقرب إلى\n_________\n(١) ذوات الخدور: وهن الأبكار، والخدور: البيوت، وقيل: الخدر: ستر يكون في ناحية البيت. شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٢٨،وانظر: الإعلام لابن الملقن،٤/ ٢٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب إذا لم يكن لها جلباب في العيد، برقم٩٨٠، ومسلم،، كتاب صلاة العيدين، باب إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال، برقم٨٩٠.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٤، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٤٩٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٤) المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ص٧٢.","vol":"2","page":880},{"text":"الصواب، ويسن للنساء حضورها مع العناية بالحجاب والستر، وعدم التطيُّب» (١)،وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في القول: إن صلاة العيد فرض عين: «وهذا عندي أقرب الأقوال» (٢)، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى القول بأن صلاة العيد فرض عين (٣)، وقال ﵀: «... ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد» (٤)، واختاره تلميذه الإمام ابن القيم ﵀ (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1606>رابعًا: آداب صلاة العيد على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1607>١ - الغسل يوم العيد</span>، ثبت من فعل الصحابة - ﵃ -، فعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (٦).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي - ﷺ -»، وقال العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀: «وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين، ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان، قال: سأل رجل عليًَّا عن الغسل؟ قال: «اغتسل كل يوم إن شئت» فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: «يوم الجمعة، ويوم عرفة (٧)، ويوم النحر،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ١٣/ ٧،وقرره ﵀ أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥١٣.\n(٢) الشرح الممتع، ٥/ ١٥١ - ١٥٢.\n(٣) الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٢٣.\n(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ٢٣/ ١٦١.\n(٥) كتاب الصلاة للإمام ابن القيم، ص١١، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ٢٨٤.\n(٦) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب العيدين، باب العمل في غسل العيدين، والنداء فيهما والإقامة، برقم ٢، وانظر: آثارًا نقلت في وقفات للصائمين، للشيخ سليمان بن فهد العودة، ص٩٧.\n(٧) أي يوم عرفة للحاج.","vol":"2","page":881},{"text":"ويوم الفطر» (١). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: «سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن علي - ﵁ -،وبه قال: علقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر ...» (٣)،وقال ابن قدامة أيضًا: «وروي أيضًا أن النبي - ﷺ - قال في جمعة من الجمع: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمسَّ منه، وعليكم بالسواك» (٤)،فلعل هذه الأشياء بكون الجمعة عيدًا؛ ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وإن اقتصر على الوضوء أجزأه؛ لأنه إذا لم يجب الغسل للجمعة مع الأمر به فيها فغيرها أولى» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1608>٢ - يستحب أن يتنظف، ويتطيب، ويتسوك، كما ذكر في الجمعة</span>؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفًا، وفيه: «وإن كان طيب فليمسَّ منه وعليكم بالسواك» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1609>٣ - يلبس أحسن ما يجد</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ عمر جبة (٧) من إستبرق (٨) تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله - ﷺ - فقال:\n_________\n(١) قال في إرواء الغليل، ١/ ١٧٧: «وسنده صحيح» أي موقوف على علي - ﵁ -.\n(٢) قال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٠٤: «رواه الفريابي وإسناده صحيح».\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٦.\n(٤) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة، برقم ١٠٩٨، من حديث ابن عباس ﵄، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،١/ ٣٢٦.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٧، وانظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٤٢.\n(٦) الحديث تقدم تخريجه في الذي قبله، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٧.\n(٧) جبة: ثوب جمعه: جبَبٌ وجباب. القاموس المحيط، ص٨٣.\n(٨) إستبرق: هو ما غلظ من الديباج، والديباج: هي الثياب المتخذة من إبريسم. هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر، ص٧٨، وص١١٤.","vol":"2","page":882},{"text":"يا رسول الله ابتع هذه فتجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله - ﷺ -: «إنما هذه لباس من لا خَلاقَ (١) له» (٢)، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وهذا يدل على أن التجمُّل عندهم في هذه المواضع كان مشهورًا ... وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق؛ لأنه المنظور إليه من بينهم» (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «روى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين» (٤)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بُردين أخضرين (٥)، ومرة بُردًا أحمر، وليس هو أحمر مُصمتًا (٦) كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك ...» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1610>٤ - يستحب أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى في عيد الفطر تمرات</span>، والأفضل أن تكون وترًا، أما عيد الأضحى فالأفضل أن لا يأكل حتى يرجع من المصلى، فيأكل من أضحيته (٨)، فعن أنس - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا» (٩).\n_________\n(١) من لا خلاق له، الخلاق: النصيب. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص٤٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، بابٌ: في العيدين والتجمل فيه، برقم ٩٤٨، ومسلم، كتاب اللباس، باب تحريم لبس الحرير وغير ذلك للرجال، برقم ٢٠٦٨.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٤) فتح الباري، ٢/ ٤٣٩.\n(٥) البُردُ: ثوب مخطط، القاموس المحيط، ص٣٤١.\n(٦) مصمتًا: الثوب المصمت: هو الذي لا يخالط لونه لون. القاموس المحيط، ص١٩٩.\n(٧) زاد المعاد، ١/ ٤٤١.\n(٨) زاد المعاد، ١/ ٤٤١.\n(٩) البخاري، كتاب العيدين، باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج، برقم ٩٥٣.","vol":"2","page":883},{"text":"وعن بريدة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي» (١)، وقد قيل: الحكمة في الأكل قبل صلاة الفطر: أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، وقيل: لأن الشيطان الذي يُحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر بِدارًا إلى السلامة من وسوسته، وقيل: وقع أكله - ﷺ - في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدوّ إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة وافترقا من جهة أخرى (٢)، وذكر ابن قدامة ﵀ أن الحكمة من الإفطار يوم الفطر؛ لأن يوم الفطر حرم فيه الصيام عقب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر؛ لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى، وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة، والأضحى بخلافه؛ ولأن في الأضحى شرع الأضحية، والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1611>٥ - يخرج إلى العيد ماشيًا وعليه السكينة والوقار</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وممن استحب المشي: عمر بن عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي وغيرهم» (٤)، وقد جاء في ذلك أخبار:\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في الأكل يوم الفطر قبل الخروج، برقم٥٤٢، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب في الأكل يوم الفطر قبل أن يخرج، برقم١٧٥٦، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٠٢.\n(٢) انظر جميع هذه الحكم: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤٧، ٤٤٨.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٥٩.\n(٤) المغني، ٣/ ٢٦٢.","vol":"2","page":884},{"text":"فعن سعد أن النبي - ﷺ - «كان يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا» (١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخرج إلى العيد ماشيًا ويرجع ماشيًا» (٢).\nوعن علي - ﵁ - قال: «من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيًا ...» (٣)،قال الإمام الترمذي ﵀: «والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشيًا، وأن يأكل شيئًا قبل أن يخرج لصلاة الفطر، ويستحب أن لا يركب إلا من عذر» (٤)، وعن أبي رافع - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يأتي العيد ماشيًا» (٥)، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: «سنة الفطر ثلاث: المشي إلى الصلاة، والأكل قبل الخروج، والاغتسال» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1612>٦ - السنة أن تُصلَّى صلاة العيدين في المصلى، ولا يُصلى في المسجد إلا لحاجة</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ -\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الخروج إلى العيد ماشيًا، برقم١٢٩٤، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٨.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الخروج إلى العيد ماشيًا، برقم ١٢٩٥، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٨.\n(٣) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في المشي يوم العيد، برقم ٥٣٠،وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الخروج إلى العيد ماشيًا، برقم١٢٩٦،وحسنه الألباني في صحيح الترمذي،\n١/ ٢٩٦، وفي صحيح ابن ماجه،١/ ٣٨٨،وقد حسنه الترمذي، وذكر الألباني في الإرواء، ٣/ ١٠٣: أن له شواهد كثيرة أخرجها ابن ماجه من حديث سعد القرظي، وابن عمر، وأبي رافع، وقد ذكرتها في المتن.\n(٤) الترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في المشي يوم العيد، بعد الحديث رقم٥٣٠.\n(٥) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الخروج إلى العيد ماشيًا، برقم١٢٩٧، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٩.\n(٦) ذكره الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٠٤، وعزاه إلى الفريابي، وقال: «وإسناده صحيح»، وذكر الألباني أيضًا في الإرواء ٣/ ١٠٣ عن الزهري مرسلًا: «أن رسول الله - ﷺ - لم يركب في جنازة قط، ولا في خروج أضحى ولا فطر»،ثم قال الألباني ﵀: «وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات ولكنه مرسل» إرواء الغليل،٣/ ١٠٤.","vol":"2","page":885},{"text":"يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة» (١)، والمصلى بالمدينة قال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: «هو موضع بالمدينة معروف بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة، عن أبي غسان الكناني صاحب مالك» (٢).\nوقال الإمام النووي ﵀ عن حديث أبي سعيد - ﵁ -: «هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول» (٣). قال العلامة ابن الحاج المالكي: «والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٤)، ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة خرج - ﷺ - وتركه (٥)، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «السنة أن يُصلَّى العيد في المصلى، أمر بذلك علي - ﵁ -، واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر» (٦)، وقال ﵀ بعد أن ذكر بعض الأقوال المخالفة: «ولنا أن النبي - ﷺ - كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده ولا يترك النبي - ﷺ - الأفضل مع قربه، ويتكلف الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل؛ ولأننا قد أُمرنا باتباع النبي - ﷺ -، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو\nالناقص والمنهي عنه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، برقم ٩٥٦، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٩.\n(٢) فتح الباري، ٢/ ٤٤٩.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٩٠،ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٤.\n(٥) المدخل، ٢/ ٢٨٣ نقلًا عن أحكام العيدين في السنة المطهرة، للشيخ علي بن حسن عبد الحميد الحلبي الأثري.\n(٦) المغني، ٣/ ٢٦٠.","vol":"2","page":886},{"text":"هو الكامل، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه صلّى العيد بمسجده إلا من عذر؛ ولأن هذا إجماع المسلمين» (١).\nوإن حصل عذر يمنع الخروج إلى المصلى: من مطر، أو خوف، أو ضعف، أو مرض، أو غير ذلك صلى في المسجد ولا حرج عليه إن شاء الله تعالى (٢).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «فإذا أصاب الأرض دحض صلوا في المسجد، أما مكة فيصلى العيد في المسجد مطلقًا، ومن صلى في المسجد صلى تحية المسجد» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1613>٧ - السنة أن يذهب إلى المصلى من طريق ويرجع من طريق آخر</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم عيد خالف الطريق» (٤).\nوأعظم الحكم التي يعتمدها المسلم: متابعة النبي - ﷺ -، وهذه الحكمة أعلى حكمة يقنع بها المؤمن: أن يقال: هذا أمر الله ورسوله، ودليل ذلك قول الله تعالى (٥): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٦)، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا﴾ (٧)، وقول عائشة ﵂ وقد سُئلت: لماذا تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء\n_________\n(١) المرجع السابق، ٣/ ٢٦٠.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٦١.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٦٦٠.\n(٤) البخاري، كتاب العيدين، باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد، برقم ٩٨٦.\n(٥) انظر: الشرح الممتع للعلامة ابن عثيمين ﵀، ٥/ ١٧١.\n(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.\n(٧) سورة الأحزاب، الآية: ٣٦.","vol":"2","page":887},{"text":"الصلاة» (١)، ولم تذكر سوى ذلك من الحكم؛ لأن المؤمن لسانه وحاله: سمعنا وأطعنا (٢).\nولا مانع من وجود الحكم الأخرى؛ فإن الله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة: علمناها أو لم نعلمها. ومما قيل في حكمة مخالفة الطريق يوم العيد، ما يأتي:\nقيل: يفعل ذلك؛ ليشهد له الطريقان.\nوقيل: ليشهد له سكانهما من الجن والإنس.\nوقيل: لإظهار شعار الإسلام في الطريقين.\nوقيل: لإظهار ذكر الله تعالى.\nوقيل: ليغيظ أعداء الإسلام.\nوقيل: ليدخل السرور على أهل الطريقين، أو لينتفع به أهل الطريقين في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء والاسترشاد، أو الصدقة والسلام عليهم.\nوقيل: لزيارة الأقرباء وصلة الأرحام.\nوقيل: ليتفاءل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا.\nوقيل: لتخفيف الزحام.\nوقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات، فأراد أن يشهد له فريقان منهم (٣)، قال الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر كثيرًا من هذه الحكم: «وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كله ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله [- ﷺ -] عنها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1614>٨ - يستحب للمأموم التبكير إلى مصلى العيد بعد صلاة الصبح</span>، أما الإمام فيستحب له أن يتأخر إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٢١،ومسلم، برقم ٣٣٥،وتقدم تخريجه في الطهارة: أحكام الحيض.\n(٢) انظر: الشرح الممتع، للعلامة ابن عثيمين، ٥/ ١٧١.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٧٣، فقد ذكر هذه الحكم وغيرها وقال: «وقد اختلف في ذلك على أقوال كثيرة اجتمع لي منها أكثر من عشرين ...» ثم ذكرها.\n(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد،١/ ٤٤٩، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٨٣.","vol":"2","page":888},{"text":"ذلك، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة ...» (١)، ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر، ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس فلا بأس. قال الإمام مالك: مضت السنّة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاّه، وقد حلّت الصلاة، فأما غيره فيستحب له التبكير، والدنوُّ من الإمام، ليحصل له: أجر التبكير، وانتظار الصلاة، والدنوّ من الإمام من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى لأحد، قال عطاء بن السائب: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل، يصليان الفجر يوم العيد وعليهما ثيابهما ثم يندفعان إلى الجبَّانة أحدهما يُكبّر والآخر يُهلّل» (٢).\n\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «و<span data-type=\"title\" id=toc-1615>الدليل على سنية الخروج بعد صلاة الصبح ما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1616>أ - عمل الصحابة - ﵃ </span>-؛ لأن النبي - ﷺ - كان يخرج إلى المصلى إذا طلعت الشمس ويجد الناس قد حضروا، وهذا يستلزم أن يكونوا قد تقدموا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1617>ب - ولأن ذلك أسبق إلى الخير</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1618>ج - ولأنه إذا وصل المسجد وانتظر الصلاة</span>؛ فإنه لا يزال في صلاة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1619>د - ولأنه إذا تقدم يحصل له الدنوّ من الإمام</span>، كل هذه العلل مقصودة في الشرع» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1620>٩ - يُكبّر في طريقه إلى مُصلّى العيد ويرفع صوته بالتكبير</span>؛ لقول الله تعالى:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٥٦، ومسلم، برقم ٨٨٩، وتقدم تخريجه في سنة الخروج إلى المصلى.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٦١، وشرح السنة للبغوي، ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(٣) الشرح الممتع، ٥/ ١٦٣ - ١٦٤.","vol":"2","page":889},{"text":"﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١)،وقد جاء أن النبي - ﷺ - كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي صلاته فإذا قضى الصلاة قطع التكبير» (٢).وقد صحّ عن ابن عمر موقوفًا أنه «كان يجهر بالتكبير يوم الفطر [ويوم الأضحى] إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره» (٣)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويكبر في طريق العيد ويرفع صوته بالتكبير، وهو معنى قول الخرقي: «مظهرين للتكبير» قال أحمد: يكبر جهرًا إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وأبي رهم [كلثوم بن الحصين الصحابي] وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -،وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، وأبي بكر بن محمد، وفعله النخعي، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وبه قال الحكم، وحماد، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر وإذا ثبت هذا فإنه يكبر حتى يأتي المصلى ... وقال القاضي [في رواية عن الإمام أحمد] حتى يخرج الإمام».وقال ابن أبي موسى: «يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهرًا، حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك» (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ٢/ ١/٢، والمحاملي في كتاب صلاة العيدين، ٢/ ١٤٢/٢ عن الزهري مرسلًا بإسناد صحيح، وقد ذكر له العلامة الألباني شواهد يتقوّى بها ثم قال بعد ذكرها: «وبذلك يصير الحديث صحيحًا كما تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف» سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٧٠، ١/ ١٢٠.\n(٣) قال العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة تحت الحديث رقم ١٧٠، ١/ ١٢٠: «أخرجه الفريابي في كتاب أحكام العيدين، ق ١٢٠/ ١ «بسند صحيح، ورواه الدارقطني (١٨٠) وغيره بزيادة: «ويوم الأضحى» وسنده جيد».\nثم قال الألباني عن حديث الزهري المرفوع، وحديث ابن عمر الموقوف: «فالحديث صحيح عندي مرفوعًا وموقوفًا».\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣، ٣/ ٢٥٥، ٢٥٦، وانظر الإنصاف، ٥/ ٣٦٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢١٠.","vol":"2","page":890},{"text":"وقال العلامة الألباني عن حديث الزهري وابن عمر: «وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرًا في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصدع بالسنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم، فكان الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون، وأما ما هم بأمسّ الحاجة إلى معرفته فذلك مما لا يلتفتون إليه ... ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع بصوت واحد، كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور ... فلتكن على حذر من ذلك، ولتذكر دائمًا قوله - ﷺ -: «وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>١٠ - السنة أن لا يُصلَّى قبل صلاة العيد ولا بعدها</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄: «أن النبي - ﷺ - خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال» (٢)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «ولم يكن هو [- ﷺ -] ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئًا قبل الصلاة ولا بعدها» (٣)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا لمن قاسها على الجمعة» (٤).\nوأما حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - لا يصلي قبل العيد\n_________\n(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة بتصرف يسير، ١/ ١٢١،تحت الحديث رقم ١٧٠،وللشيخ حمود التويجري ﵀ رسالة مفردة في إنكار هذا التكبير الجماعي، وهي مطبوعة. [قاله الشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد في أحكام العيدين، ص٢٨].\n(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب العيدين، باب الصلاة قبل العيد وبعدها، برقم ٩٨٩، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى، برقم ٨٨٤.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٤٤٣.\n(٤) فتح الباري، ٢/ ٤٧٦.","vol":"2","page":891},{"text":"شيئًا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» (١)،فقال عنه العلامة الألباني ﵀: «والتوفيق بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة النافية للصلاة بعد العيد بأن النفي إنما وقع على الصلاة في المصلى، كما أفاد الحافظ في التلخيص» (٢).\nولكن إذا احتاج الناس إلى الصلاة في المسجد؛ لخوف، أو مطر، أو برد شديد، أو ريح شديدة، أو غير ذلك من الأعذار فلا يجلس المسلم حتى يصلي ركعتين، لقول النبي - ﷺ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1622>١١ - السنة: أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين</span>؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ -، قال: «صليت مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» (٤)، ولحديث ابن عباس وجابر بن عبد الله - ﵃ -، قالا: «لم يكن يؤذن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى» (٥)، ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري، أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذٍ ولا إقامة» (٦).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان - ﷺ - إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة، من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أن\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، برقم ١٢٩٣، وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، والبوصيري في الزوائد، والألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٠٠، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٨٨.\n(٢) إرواء الغليل، ٣/ ١٠٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٤،ومسلم، برقم ٧١٤،وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٤) مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٧.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة، وبغير أذان وإقامة، برقم ٩٦٠، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٦.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٦.","vol":"2","page":892},{"text":"لا يُفعل شيء من ذلك» (١).\nوقال الإمام الصنعاني ﵀ في تعليقه على أحاديث نفي الأذان والإقامة لصلاة العيد: «وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1623>١٢ - لا يحمل السلاح يوم العيد إلا لحاجة لابد منها</span>؛ لحديث سعيد بن جبير - ﵁ - قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه فلزقت قدمه بالركاب فنزلتُ فنزعتها - وذلك بمنى - فبلغ الحجاج فجعل يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح يدخل الحرم» (٣). وفي رواية إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: «دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله» يعني الحجاج (٤).\nوقال الحسن: «نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدوًا» (٥).\nوقد جمع الحافظ ابن حجر بين هذا النهي وبين لعب الحبشة في المسجد بالحراب: بأن قصة الحبشة دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها وهذا دائر بين الكراهة والتحريم؛ لقول ابن عمر: «في يوم لا يحل فيه حمل السلاح»،ويجمع بينهما بحمل الأولى على وقوعها ممن حملها بالدربة وعهدت منه السلامة من إيذاء أحد من الناس بها، وحمل\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٤٤٢.\n(٢) سبل السلام، ٣/ ٢٢٩.\n(٣) البخاري، كتاب العيدين، باب ما يكره من حمل السلام في العيد والحرم، برقم٩٦٦.\n(٤) البخاري، كتاب العيدين، باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، برقم ٩٦٧.\n(٥) البخاري معلقًا، كتاب العيدين، باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، رقم الباب ٩.","vol":"2","page":893},{"text":"الحالة الثانية على وقوعها ممن حملها: بطرًا، وأشرًا، أو لم يتحفظ حال حملها وتجريدها من إصابتها أحدًا من الناس، ولا سيما عند المزاحمة وفي المسالك الضيقة (١)، وقد سبق أن ذكرت في مبحث المساجد الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق، وتحريم حمل السلاح على المسلمين، والمزح به.\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حمل السلاح في يوم العيد: «لا ينبغي أن يحمل السلاح فيه إلا أن يكون هناك خوف، وهكذا في الحرمين لا يحمل السلاح إلا إذا دعت الحاجة كما دخل النبي - ﷺ -» (٢) يعني يوم الفتح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1624>١٣ - لا بأس باللعب بالدف للجواري، واللعب المباح في يوم العيد</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان (٣) تغنيان بغناء (٤) بُعاث (٥) فاضطجع على الفراش، وحوَّل\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٤٥٥، وقد ذكر في هذا الموضع آثارًا كثيرة عند عبد الرزاق،\n٣/ ٢٨٩، وابن ماجه، برقم ١٣١٤، وغير ذلك تدل على النهي عن حمل السلاح يوم العيد، وفي بعضها إلا بحضرة العدو.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ١٦٤٧.\n(٣) جاريتان: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان عن من دون البلوغ منهما. [المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي،٢/ ٥٣٣].\n(٤) تغنيان: ترفعان أصواتهما بإنشاد شعر العرب، وهو إنشاد بصوت رقيق فيه تمطيط وهو يجري مجرى الحداء. المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٥٣٣.\n(٥) ومعنى يوم بعاث: أما بعاث، فقيل: هو موضع من المدينة على ليلتين، وقيل: هو اسم حصن للأوس، وقيل: هو موضع في دار بني قريظة فيه أموال لهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك، ولا تنافي بين القولين. ويوم بعاث هو آخر وقعة وقعت بين الأوس والخزرج، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهو المعتمد وهو أصح من قول ابن عبد البر ... [إن] يوم بعاث كان قبل الهجرة بخمس سنين» [فتح الباري، ٢/ ٤٤١] وقد كانت الحرب قائمة بين الأوس والخزرج دامت مائة وعشرين سنة إلى الإسلام، وقع فيها وقائع كثيرة من أشهرها: يوم السرارة، ويوم قارع، ويوم الفجار الأول والثاني، وحرب حصين بن الأسلت، وحرب حاطب بن قيس، إلى أن كان آخر ذلك يوم بعاث. [فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤١، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٣، وشرح السنة للبغوي، ٤/ ٣٢٢ والمفهم للقرطبي، ٢/ ٥٣٣ - ٥٣٧].","vol":"2","page":894},{"text":"وجهه، وجاء أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان (١) عند رسول الله - ﷺ -، فأقبل عليه رسول الله - ﷺ - فقال: «دعهما» فلما غفل غمزتهما فخرجتا». وفي رواية قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان مما تقاولت الأنصار (٢) يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين (٣)، فقال أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا». وفي لفظ: أن ذلك في منى وأنهما تدقان وتضربان فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي - ﷺ - عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد» وتلك الأيام أيام منى، وفي رواية لمسلم: «جاريتان\n_________\n(١) مِزمارة الشيطان: يعني الغناء أو الدف؛ لأن المزمارة أو المزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، ويطلق على الصوت الحسن وعلى الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التي يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي، فقد تشغل القلب عن الذكر، وقيل: المزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان ذم على ما ظهر لأبي بكر، وهذا إنكار منه لما سمع مستصحبًا لما كان مقررًا عنده من تحريم اللهو والغناء جملة، حتى ظن أن هذا من قبيل ما ينكر فبادر إلى ذلك، قيامًا عن النبي - ﷺ - على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبين له أن النبي - ﷺ - قررهن على ذلك بعد، وعند ذلك قال له النبي - ﷺ -: «دعهما» ثم علل الإباحة بأنه يوم عيد، يعني أنه يوم سرور وفرح شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراس، ويؤخذ من إنكار أبي بكر: أن مواضع الصالحين وأهل الفضل تتنزه عن الهوى واللغو ونحوه وإن لم يكن فيه إثم. [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم،٢/ ٥٣٥، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤٢، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٤].\n(٢) مما تقاولت به الأنصار: أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء، وهذا الغناء: كان في الشجاعة، والقتل، والحذق في القتال، ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج النفوس على الشر، ويحملها على البطالة والقبح، قال القاضي عياض: إنما كان غناؤهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة، والظهور، والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه وإنما هو رفع الصوت بالإنشاد [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٣، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤١].\n(٣) «وليستا بمغنيتين» أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز من الغناء المعتاد عند المشهورين به، الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه محاسن النساء، وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق. [المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٣٤، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤٢].","vol":"2","page":895},{"text":"تلعبان بدف» (١)، ولفظ النسائي: «أن رسول الله - ﷺ - دخل عليها وعندها جاريتان تضربان بدفين، فانتهرهما أبو بكر، فقال النبي - ﷺ -: «دعهن فإن لكل قوم عيدًا» (٢).\nقال الإمام البغوي ﵀: «وكان الشعر الذي تغنيان في وصف الحرب، والشجاعة، وفي ذكره معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش، والابتهار بالحرام (٣) والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء، وحاشاه [- ﷺ -] أن يجري شيء من ذلك بحضرته ﵊، فيغفل النكير له، وكل من رفع صوته بشيء جاهرًا به، ومصرحًا باسمه لا يستره ولا يكني عنه فقد غنَّى، بدليل قولها: «وليستا بمغنيتين» (٤)، وقال الإمام القرطبي ﵀: «وقولها: وليستا بمغنيتين» أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشهورين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، الذي يحرك\n_________\n(١) تلعبان بدف: الدف هو الذي يضرب به في الأعراس، وهو الذي لا حلق فيه ولا صنوج، وهو بضم الدال على الأشهر وقد تفتح، ويقال له أيضًا: الكِربال، وهو الذي لا جلاجل فيه، والدقدقة: استعجال ضرب الدف. والدَّف: الجنب من كل شيء أو صفحته. والدُّف: آلة من آلات الموسيقى مستديرة كالغربال، ليس لها جلاجل، يشد الجلد من أحد طرفيها. ويقال: آلة طرب ينقر عليها. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هو مفتوح من جهة والجهة الأخرى مغطاة بجلد». انظر: المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٣٦، وفتح الباري، ٢/ ٢٤٠، وهدي الساري (مقدمة فتح الباري، ص١١٧، ولسان العرب، ٩/ ١٠٦، والقاموس المحيط، ص١٠٤٧، والمعجم الوسيط، ١/ ٢٨٩، ومعجم لغة الفقهاء، لمحمد روّاس، ص١٨٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، برقم ٩٤٩، وباب سنة العيدين لأهل الإسلام، برقم ٩٥٢، وباب إذا فاته العيد صلى ركعتين، برقم ٩٨٧، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، برقم ٨٩٢، والنسائي، كتاب صلاة العيدين، باب ضرب الدف يوم العيد، برقم ١٥٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٥١٦.\n(٣) الابتهار: الاشتهار. من قولك ابتهر بفلانة: أي شهر بها.\n(٤) شرح السنة للإمام البغوي، ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣.","vol":"2","page":896},{"text":"الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور، والمحرمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، أما ما يسلم من تلك المحرمات فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه على ما يأتي في أبوابه، مثل: ما جاء في الوليمة، وفي حفر الخندق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، وشهر بذكره حتى عموا عن تحريم ذلك، وعن فحشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عورات المُجَّان والمخانيث، والصبيان، فيرقصون، ويَزْفِنون بحركات مطابقة وتقطيعات متلاحقة، كما يفعل أهل السَّفَه والمجون، وقد انتهى التوقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال، وأن ذلك يثمر صفاء الأوقات، وسيئات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل البطالة، والمخرقة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة والمشي على السنن» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يُحصّل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين» (٢).\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٥٣٤. وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤٤٢، وشرح النووي، ٦/ ٤٣٣.\n(٢) فتح الباري لابن حجر،٢/ ٤٣٣،وقد كتب الشيخ علي بن حسن عبد الحميد الأثري رسالة نشرت بعنوان: «الجواب السديد على من سأل عن حكم الدفوف والأناشيد».","vol":"2","page":897},{"text":"ومما يؤيد ذلك حديث أنس - ﵁ - قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» ولفظ النسائي: «كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي - ﷺ - المدينة قال: «كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الضحى» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «هذا يدل على أن الله جعل يوم العيد يوم سرور، ويجوز فيه اللعب فيما لا محذور فيه للنساء والجواري، وفيه التعلم على الآلات كما فعل الحبشة» (٢).\nوعن عائشة ﵂، قالت: دخل رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان تغنيان بغنا بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله - ﷺ -، فأقبل عليه رسول الله - ﷺ - فقال: «دعهما» فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرق (٣) والحراب، فإما سألت رسول الله - ﷺ - وإما قال: «تشتهين تنظرين»؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة» (٤)،حتى إذا مللت قال: «حسبك»؟ قلت: نعم، قال: «اذهبي».\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين، برقم ١١٣٤،والنسائي، كتاب صلاة العيدين، باب ١، برقم ١٥٥٥، وصححه الألباني في صحيح أبو داود، ١/ ٣١١، وصحيح النسائي، ١/ ٥٠٥.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٢٣.\n(٣) الدرق: جمع درقة وهي الترس. فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٤٠.\n(٤) يا بني أرفدة بفتح الفاء وكسرها والكسر أشهر: وهو لقب الحبشة، ولفظة «دونكم» من ألفاظ الإغراء، وحذف المغرى به تقديره عليكم بهذا اللعب الذي أنتم فيه. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٦.","vol":"2","page":898},{"text":"وفي لفظ لمسلم: «جاء الحبشة يزفنون (١) في يوم عيد في المسجد» (٢).\nقال الإمام القرطبي ﵀: «وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعبًا بالحراب والدرق تواثبًا، ورقصًا بهما، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب، ولذلك أباحه النبي - ﷺ - في المسجد» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «بينما الحبشة يلعبون بحرابهم عند رسول الله - ﷺ - إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله - ﷺ -: «دعهم يا عمر» (٤).\nقال القرطبي ﵀: «وإنكار عمر عليهم تمسكٌ منه بالصورة الظاهرة، كما قلنا في حق أبي بكر ﵄» (٥).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «واللعب بالحراب ليس لعبًا مجردًا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو» (٦). وقال ﵀ في موضع آخر: «واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه» (٧).\nويشرع لعب النساء بالدف في العرس دون الرجال؛ لحديث الربيع بنت معوذ، وفيه: أن النبي - ﷺ - وجد عندها غداة بُنِيَ عليها جويريات\n_________\n(١) يزفنون: معناه يرقصون، وحمله العلماء على التوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الرقص؛ لأن معظم الروايات إنما فيه لعبهم بحرابهم فيؤول هذه اللفظة على موافقة سائر الروايات. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٦.\n(٢) متفق عليه، واللفظ لمسلم هنا: البخاري، برقم ٩٤٩، ٩٥٠، ومسلم، برقم ١٩ - (٨٩٢)، وتقدم تخريجه في أول هذا المبحث.\n(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٥٣٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٩٠١،ومسلم، برقم ٨٩٣، وتقدم تخريجه في المساجد.\n(٥) المفهم، ٢/ ٥٣٦.\n(٦) فتح الباري، ١/ ٥٤٩.\n(٧) المرجع السابق، ٢/ ٤٤٥.","vol":"2","page":899},{"text":"يضربن بالدف، قالت أم الربيع: «يندُبن (١) من قتل من آبائي يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي الله يعلم ما في غد، فقال النبي - ﷺ -: «لا تقولي هذا وقولي ما كنت تقولين» (٢). وعن محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدل على مشروعية الدف والصوت للنساء: الغناء العادي، أما المزامير والغناء المحرم فلا، والدف هو ذو الوجه الواحد، ويقال له الطار» (٤).\nوعن عائشة ﵂ أنها زفَّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله - ﷺ -: «يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو»؟ (٥)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي رواية شريك، فقال: «بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني»؟ قلت تقول: ماذا؟ قال تقول:\nأتيناكم أتيناكم ... فحيَّانا وحيَّاكم\nولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم\nولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم (٦)\n\nفظهر مما تقدم من الأحاديث في اللعب ما يأتي:\n١ - جواز اللعب للنساء والجواري والضرب بالدف أيام العيد بشرط\n_________\n(١) يندُبن: الندب أن يذكر الميت بأحسن أوصافه وأفعاله. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٣٤.\n(٢) البخاري، كتاب المغازي، بابٌ: حدثني خليفة، برقم ٤٠٠١، وكتاب النكاح باب ضرب الدف في النكاح والوليمة، برقم ٥١٤٧.\n(٣) الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في إعلان النكاح، برقم ١٠٨٨، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب إعلان النكاح، برقم ١٨٩٦،والنسائي، كتاب النكاح، باب إعلان النكاح، برقم ٣٣٦٩،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ٥٥٣ وغيره.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٣٦٩.\n(٥) البخاري، كتاب النكاح، باب النسوة التي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة، برقم ٥١٦٢.\n(٦) فتح الباري، ٩/ ٢٢٦.","vol":"2","page":900},{"text":"أن لا يكون شعرًا محرمًا أو شعرًا بآلات الطرب المحرمة.\n٢ - مشروعية الضرب بالدف في النكاح ويكون ذلك للنساء خاصة بشرط أن لا يقلن الألفاظ المحرمة كما تقدم.\n٣ - جواز اللعب للرجال الذي فيه تدريب على الحرب والقتال، وتعلم الكرّ والفرّ في الجهاد في سبيل الله تعالى.\n٤ - لا يجوز لعب الرجال بالدف ولا بغيره، أما اللعب الذي فيه تدريب على الجهاد بدون دف فلا بأس به كما تقدم.\nقال المباركفوري ﵀: «الإذن في ذلك للنساء فلا يلحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن، وكذلك الغناء المباح في العرس مختص بالنساء، فلا يجوز للرجال» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «أما ضرب الدف فهو من باب إعلان النكاح للنساء خاصة» (٢) والله الموفق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1625>١٤ - خروج النساء إلى مصلى العيد متحجبات غير متطيّبات</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت عن النبي - ﷺ - سمعته يقول: «تخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيّض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيّض المصلى».وفي لفظ: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب؟\n_________\n(١) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٤/ ٢١٠.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحدث رقم ٥١٤٧.\n(٣) انظر: في اللعب وأنواعه: جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٤٣٩،وتحفة الأحوذي، ٤/ ٢١٠ - ٢١٣، وفتح الباري، ٢/ ٤٤٠ و٩/ ٢٠٢،وشرح السنة للبغوي،٩/ ٤٦ - ٤٩، ونيل الأوطار للشوكاني،٤/ ٢٨٩ - ٢٩٢، ونيل المآرب شرح دليل الطالب، ٢/ ٢١١.","vol":"2","page":901},{"text":"قال: «لتلبسْها أختُها من جلبابها» (١). وصلاة العيد ليست واجبة على المرأة ولكنها سنة في حقها وتصليها في المصلى مع المسلمين؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك (٢)،وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «وخروج النساء في صلاة العيد سنة وليس بواجب» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1626>١٥ - خروج الصبيان إلى المصلى؛ ليشهدوا دعوة المسلمين</span>، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب خروج الصبيان إلى المصلى» ثم ساق حديث ابن عباس ﵄ قال: «خرجت مع النبي - ﷺ - يوم فطر أو أضحى فصلى العيد ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، وأمرهن بالصدقة» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله باب خروج الصبيان إلى المصلى» أي في الأعياد، وإن لم يصلوا. قال الزين بن المنير: آثر المصنف في الترجمة قوله: إلى المصلى على قوله: صلاة العيد؛ ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى» (٥). وفي لفظ لحديث ابن عباس ﵄ حينما سئل: أشهدت العيد مع النبي - ﷺ -؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته ...» (٦). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال ابن بطال: خروج الصبيان إلى المصلى إنما هو إذا كان الصبي ممن يضبط نفسه عن اللعب ويعقل الصلاة ويتحفظ مما يفسدها، ألا ترى إلى ضبط ابن عباس القصة. اهـ[قال الحافظ]: وفيه نظر؛ لأن مشروعية إخراج\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب شهود الحائض العيدين، ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى، برقم ٣٢٤، ومسلم، كتاب العيدين، باب خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مفارقات للرجال، برقم ١٢ - (٨٩٠).\n(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ٢٨٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد، الحديث رقم ١٦٤٩.\n(٤) البخاري، كتاب العيدين، باب خروج الصبيان إلى المصلى، برقم ٩٧٥.\n(٥) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤٦٤.\n(٦) البخاري، كتاب العيدين، باب العلم الذي بالمصلى، برقم ٩٧٧.","vol":"2","page":902},{"text":"الصبيان إلى المصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعار الإسلام بكثرة من يحضر منهم، ولذلك شرع للحيَّض كما سيأتي، فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا، وعلى هذا إنما يحتاج أن يكون مع الصبيان من يضبطهم عما ذكر من اللعب ونحوه سواء صلوا أم لا، وأما ضبط ابن عباس القصة فلعله كان لفرط ذكائه، والله أعلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1627>١٦ - التهنئة بالعيد من فعل أصحاب النبي - ﷺ </span>-، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ورُوّينا في «المحامليات» بإسناد حسن عن جبير بن نُفير قال: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منَّا ومنك» (٢).\nونقل ابن قدامة ﵀ عن ابن عقيل في تهنئة العيد أن محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي - ﷺ - فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنك». وقال أحمد: إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد، وقال علي بن ثابت: «سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة وقال: لم نزل نعرف هذا بالمدينة» (٣). «وقال أحمد ﵀: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، وقال حرب: سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبَّل الله منا ومنكم، قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة، قيل: وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد؟ قال: لا» (٤)، «وروي عن أحمد أنه قال: لا أبتدي به أحدًا، وإن قاله أحد رددت عليه» (٥)، وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن التهنئة في العيد، فأجاب: «أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٤٦٦.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٢/ ٤٤٦.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩٤.\n(٤) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٩٤.\n(٥) المرجع السابق، ٣/ ٢٩٥.","vol":"2","page":903},{"text":"بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحدًا، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1628>١٧ - يقضي صلاة العيد من فاتته مع الإمام</span>، قال الإمام البخاري ﵀: «بابٌ إذا فاتته العيد يصلي ركعتين. وكذلك النساء ومن كان في البيوت، والقرى، لقول النبي - ﷺ -: «هذا عيدنا أهل الإسلام»، وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية (٢) فجمع أهله وبنيه وصلى صلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد (٣) يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام، وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين» (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «في هذه الترجمة حكمان: مشروعية استدراك صلاة العيد إذا فاتت مع الجماعة سواء كانت بالاضطرار أو بالاختيار، وكونها تقضى ركعتين كأصلها» (٥) (٦).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٢٥٣.\n(٢) الزاوية: موضع على فرسخين من البصرة كان به لأنس قصر وأرض، وكان يقيم هناك كثيرًا، فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٧٥.\n(٣) أهل السواد: ما حول كل مدينة من القرى: أي كأنها الأشخاص والمواضع العامرة بالناس والنبات بخلاف ما لا عمارة فيه. مشارق الأنوار للقاضي عياض،٢/ ٢٢٩.\n(٤) البخاري، كتاب العيدين، باب إذا فاتته العيد يصلي ركعتين، قبل الحديث ٩٨٧.\n(٥) فتح الباري، ٢/ ٤٧٤.\n(٦) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل يسن أن تقضى صلاة العيد إذا فاتت مع الإمام أم لا فقال جماعة: لا تقضى، منهم المزني، وقال أبو حنيفة يتخير بين القضاء والترك [فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٧٥]، واختار هذا القول العلامة ابن عثيمين ونسبه لشيخ الإسلام ابن تيمية، وأن من فاتته صلاة العيد لا يسن له أن يقضيها؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - ﷺ -؛ ولأنها صلاة ذات اجتماع معين فلا تشرع إلا على هذا الوجه [الشرح الممتع، ٥/ ٢٠٨، وأسئلة وأجوبة صلاة العيدين، ص٤، الجواب رقم ٤].\nوقال جماعة أخرى: يسن أن تقضى فمن فاتته العيد مع الإمام، فإنه يقضي، ثم اختلفوا كم يقضي: ركعتين أم أربعًا.\n١ - فذهب الإمام البخاري إلى أن من فاتته صلاة العيد قضاها ركعتين كأصلها: أي يصلي ركعتين بتكبيرها: فيكبر في الركعة الأولى ستًّا بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا غير تكبيرة الانتقال، وهذه رواية عن الإمام أحمد. نقل ذلك عن أحمد إسماعيل بن سعيد واختاره الجوزجاني وهذا قول النخعي، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لما روي عن أنس أنه إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين يكبر فيهما؛ ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها، كسائر الصلوات، وهو مخير إن شاء صلاها وحده، وإن شاء في جماعة، قيل لأبي عبد الله: أين يصلي؟ قال: إن شاء مضى إلى المصلى وإن شاء حيث شاء.\n٢ - وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أن من فاتته صلاة العيد صلاها أربعًا، وهو قول الثوري، قال الحافظ ابن حجر: «ولهما في ذلك سلف قال ابن مسعود [- ﵁ -]: من فاته العيد مع الإمام فليصلّ أربعًا. أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح». [فتح الباري، ٢/ ٤٧٥] وروي عن علي - ﵁ - أنه قال: إن أمرت رجلًا أن يصلي بضعفة الناس أمرته أن يصلي أربعًا، رواه سعيد [مصنف ابن أبي شيبة، ٢/ ٢٨٤]، ويقوي ذلك حديث علي أنه أمر رجلًا يصلي بضعفة الناس أربعًا [المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٦٠ و٣/ ٢٨٤، والشرح الكبير، ٥/ ٣٣٧، و٥/ ٣٦٥] لأنه قضاء صلاة عيد فكانت أربعًا قضاء الجمعة [المغني، ٣/ ٣٨٤، والشرح الكبير، ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦]. قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب للإمام إذا خرج أن يخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد كما فعل علي - ﵁ -، فروى هزيل بن شرحبيل قال: قيل لعلي - ﵁ -: لو أمرت رجلًا يصلي بضعفة الناس هونًا في المسجد الأكبر قال: إن أمرت رجلًا يصلي أمرته أن يصلي بهم أربعًا، وروي أنه استخلف أبا مسعود البدري فصلى بهم في المسجد [المغني، ٣/ ٢٦٠، ٢٨٤، والشرح الكبير، والإنصاف،\n٥/ ٣٣٧، ٣٦٥، وانظر: سنن البيهقي،٣/ ٣١٠، ومصنف ابن أبي شيبة، ٢/ ٢٨٤].\n٣ - وفي رواية عن أحمد أنه مخير بين ركعتين وأربع، وهذا قول الأوزاعي؛ لأنها صلاة تطوع أشبهت صلاة الضحى [الشرح الكبير، ٥/ ٣٦٦، والمغني، ٣/ ٢٨٥]، وقال أبو حنيفة بهذا القول: أي مخير بين الثنتين والأربع [فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤٧٥]، وانظر: الكافي لابن قدامة،\n١/ ٥١٥، وحاشية الروض المربع لابن قاسم، ٢/ ٥١٤.","vol":"2","page":904},{"text":"قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملة القول أن من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه» (١)، ثم يبين ﵀ أنه إن أحب قضاءها استحب له أن يقضيها، ثم ذكر الأقوال التي أشير إليها آنفًا (٢).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٨٤، وانظر: الشرح الكبير، ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٦، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع الشرح الكبير، ٥/ ٣٦٤ - ٣٦٦.\n(٢) المغني، ٣/ ٢٨٤.","vol":"2","page":905},{"text":"ثم قال ﵀: «وإن أدرك الإمام في التشهد جلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع فقضاها على صفتها كسائر الصلوات. وإن أدركه في الخطبة: فإن كان في المسجد صلى تحية المسجد؛ لأنها إذا صليت في خطبة الجمعة التي يجب الإنصات لها ففي خطبة العيد أولى ... فأما إن لم يكن في المسجد؛ فإنه يجلس فيستمع ثم إن أحب قضى صلاة العيد على ما ذكرناه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1629>خامسًا: يشترط الاستيطان لوجوب صلاة العيد، والعدد المشترط لصلاة الجمعة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط للجمعة وهو على الصحيح ثلاثة: إمام ورجلان معه؛ لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة، ولا يشترط إذن الإمام لإقامة صلاة العيد على الصحيح، وليس من شرط صحتها الاستيطان ولا عدد الجمعة، وإنما هما شرط للوجوب؛ لأن صلاة العيد تصح من الواحد (٢).\nواختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن «من شرطها الاستيطان، وعدد الجمعة، فيفعلها المسافر، والعبد، والمرأة تبعًا ولا يستحب\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٢٨٥.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٨٧، ونص كلامه ﵀: «ويشترط الاستيطان لوجوبها؛ لأن النبي - ﷺ - لم يصلها في سفره، ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط للجمعة؛ لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة، وفي إذن الإمام روايتان أصحهما ليس بشرط، ولا يشترط شيء من ذلك لصحتها؛ لأنها تصح من الواحد في الفضاء، وقال أبو الخطاب في ذلك كله روايتان، وقال الخطابي: كلام أحمد يقتضي روايتين إحداهما لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة وهذا مذهب أبي حنيفة إلا أنه لا يرى ذلك إلا في مصر؛ لقوله: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع، والثانية يصليها المنفرد، والمسافر، والعبد، والنساء على كل حال، وهذا قول الحسن والشافعي؛ لأنه ليس من شرطها الاستيطان، فلم يكن من شرطها الجماعة كالنوافل إلا أن الإمام إذا خطب مرة ثم أرادوا أن يصلوا لم يخطبوا وصلوا بغير خطبة، كيلا يؤدي إلى تفريق الكلمة، والتفصيل الذي ذكرناه أولى ما قيل به إن شاء الله تعالى»، المغني، ٣/ ٢٨٧، وانظر: الشرح الكبير مع الإنصاف، ٥/ ٣٣٣.","vol":"2","page":906},{"text":"قضاؤها لمن فاتته منهم، وهو قول أبي حنيفة» (١)، والله سبحانه أعلم (٢).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى: «صلاة العيد إنما تقام في المدن والقرى، ولا تشرع إقامتها في البوادي والسفر، هكذا جاءت السنة عن رسول الله - ﷺ -، ولم يحفظ عنه - ﷺ -، ولا عن أصحابه - ﵃ - أنهم صلوا صلاة العيد في السفر ولا في البادية، وقد حج حجة الوداع ﵊ فلم يصلّ الجمعة في عرفة، وكان ذلك اليوم هو يوم الجمعة، ولم يصلّ صلاة العيد في منى، وفي اتباعه - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - كل الخير والسعادة، والله ولي التوفيق» (٣) (٤).\nوقال شيخنا أيضًا عن العدد المشترط لصلاة الجمعة والعيد: «واختلف العلماء في العدد المشترط لهما، وأصح الأقوال أن أقل عدد تقام به الجمعة والعيد ثلاثة فأكثر، أما شرط الأربعين فليس له دليل صحيح يعتمد عليه، ومن شرطهما الاستيطان، أما أهل البادية والمسافرون فليس عليهم جمعة ولا صلاة عيد» (٥).\n_________\n(١) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٢٣، والمستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام لمحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ٣/ ١٢٩.\n(٢) واختار العلامة ابن عثيمين اشتراط الاستيطان والعدد الذي تنعقد به الجمعة، أما إذن الإمام فاختار أن ذلك لا يشترط، إلا أنه اختار أنه ينبغي اشتراط إذن الإمام لتعدد مصلى العيد في البلد الواحد حتى لا يحصل فوضى بين الناس، ويصير كل واحد فيهم يقيم مصلى عيد. الشرح الممتع، ٥/ ١٧٠ - ١٧١، واختار في تعدد الجمعة كذلك، ٥/ ٣٣.\n(٣) فتاوى ابن باز، ١٣/ ٩.\n(٤) ورجح العلامة ابن عثيمين أن من شرط صلاة العيد الاستيطان؛ لأن النبي - ﷺ - لم يقم صلاة العيد إلا في المدينة، وسافر إلى مكة عام غزوة الفتح وبقي فيها إلى أول شوال وأتاه العيد ولم ينقل أنه - ﷺ - صلى صلاة العيد، وفي حجة الوداع صادفه العيد وهو في منى ولم يقم صلاة العيد؛ لأنه مسافر، كما أنه لم يقم صلاة الجمعة في عرفة؛ لأنه مسافر، قال ﵀: ومن شرطها أيضًا عدد الجمعة، وقد سبق لنا أن القول الراجح في عدد الجمعة ثلاثة فهذا مبني على ذاك، فإن لم يوجد في القرية إلا رجل واحد مسلم فإنه لا يقيم صلاة العيد، أو رجلان فلا يقيمان صلاة العيد. الشرح الممتع، ٥/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٢.","vol":"2","page":907},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1630>سادسًا: وقت صلاة العيد أوله بعد ارتفاع الشمس قيد رمح</span>؛ لحديث يزيد بن حُمير الرحبي قال: خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله - ﷺ - مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام فقال: «إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: وذلك حين التسبيح أي وقت السبحة وهي النافلة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة»، وفي رواية صحيحة للطبراني: «وذلك حين تسبيح الضحى»، قال ابن بطال: «أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما جوزوا عند جواز النافلة» (٢)، وآخر وقت صلاة العيد زوال الشمس، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ووقتها من حين ترتفع الشمس ويزول وقت النهي إلى الزوال، فإن لم يعلم بها إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم» (٣)؛ لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم قالوا: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد» (٤).وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» (٥).وعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الصوم يوم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب وقت الخروج إلى العيد، برقم ١١٣٥، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب في وقت صلاة العيد، برقم ١٣١٧، وعلقه البخاري في كتاب العيدين، باب التبكير للعيد، قبل الحديث رقم ٩٦٨. والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣١١، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٥٧.\n(٣) الكافي، ١/ ٥١٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا لم يخرج الإمام للعيد من يومه يخرج من الغد، برقم ١١٥٧، والنسائي، كتاب صلاة العيدين، باب الخروج إلى العيدين من الغد، برقم ١٥٥٦، وابن ماجه بلفظه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، برقم ١٦٥٣، وأحمد في المسند،\n٥/ ٥٧ - ٥٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٧، وصحيح النسائي، ١/ ٥٠٥.\n(٥) الترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون، برقم ٨٠٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٢٠.","vol":"2","page":908},{"text":"تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون» (١).\nوالأفضل تعجيل صلاة عيد الأضحى إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وتأخير صلاة الفطر، فتصلى إذا ارتفعت الشمس قيد رمحين (٢).\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ويسن تقديم صلاة الأضحى؛ ليتسع وقت التضحية، وتأخير الفطر؛ ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافًا ...» (٣)؛ولأن لكل عيد وظيفة: فوظيفة الفطر إخراج الفطرة ووقتها قبل الصلاة، ووظيفة الأضحى التضحية، ووقتها بعد الصلاة، وفي تأخير الفطر وتقديم الأضحى توسيع لوظيفة كل منهما» (٤).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان [- ﷺ -] يؤخر صلاة عيد الفطر ويعجل الأضحى، وكان ابن عمر مع شدة اتّباعه لا يخرج حتى تطلع\n_________\n(١) الترمذي، برقم ٦٩٧، وقد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة، وعظم الناس، ورواه أبو داود، برقم ٢٣٢٤، وابن ماجه، برقم ١١٦٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٣٧٥ وغيره.\n(٢) جاء في ذلك حديث في الأضاحي للحسن بن أحمد البنا من طريق وكيع عن المعلى بن هلال عن الأسود بن قيس عن جندب قال: «كان النبي - ﷺ - يصلي بنا يوم الفطر والشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رمح» كما في التلخيص، ١/ ٨٣، قال العلامة الألباني: لكن المعلى هذا اتفق النقاد على تكذيبه كما قال الحافظ في التقريب. ثم بيّن الألباني في الإرواء، ٣/ ١٠١ أن هذا أقرب إلى عمل المسلمين، وروى الشافعي في مسنده، ص٧٤، وفي الأم، ١/ ٢٠٥، مرسلًا: «أن النبي - ﷺ - كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن عجّل الأضحى وأخّر الفطر، وذكّر الناس» قال الحافظ في التلخيص، ١/ ٨٣: «وهو مرسل وضعيف أيضًا». وقال الألباني في الإرواء ٣/ ١٠٢، برقم ٦٣٣: «ضعيف جدًا»، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ١٦٦٢: «ضعيف لكن قد ذكر جمع من أهل العلم تعجيل صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر».\n(٣) ثم ذكر مرسل الشافعي المذكور آنفًا.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٦٧.","vol":"2","page":909},{"text":"الشمس، يُكبّر من بيته إلى المصلى» (١)،قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الحكمة من تعجيل الأضحى وتأخير الفطر: «أما النظر؛ فلأن الناس في صلاة عيد الفطر محتاجون إلى امتداد الوقت، ليتسع وقت إخراج زكاة الفطر؛ لأن أفضل وقت تخرج فيه زكاة الفطر صباح يوم العيد قبل الصلاة؛ لحديث ابن عمر: «أمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢)،ومعلوم أنه إذا امتدت الصلاة وتأخرت صار هذا أوسع للناس. وأما عيد الأضحى فإن المشروع المبادرة بالتضحية؛ لأن التضحية من شعائر الإسلام وقد قرنها الله - ﷿ - في كتابه بالصلاة فقال: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣)،وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)،ففعلها مبادرًا بها في هذا اليوم أفضل، وهذا إنما يحصل إذا قدمت الصلاة،؛لأنه لا يمكن أن يذبح الأضحية قبل الصلاة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1631>سابعًا: صفة صلاة العيد: السنة أن يصلي الإمام إلى سترة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم اتخذها الأمراء». وفي رواية: «أن النبي - ﷺ - كان تُركز له الحربة قُدَّامه يوم الفطر، والنحر، ثم يصلي». وفي رواية: «كان النبي - ﷺ - يغدو إلى المصلى، والعنزة بين يديه تُحمل، وتُنصب بالمُصَلَّى بين يديه، فيصلي إليها» (٦). ولا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ١/ ٤٤٢.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل العيد، برقم ١٥٠٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الأمر بإخراج زكاة الفطر، برقم ٩٨٦.\n(٣) سورة الكوثر، الآية: ٢.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٢.\n(٥) الشرح الممتع، ٥/ ١٥٨ - ١٥٩.\n(٦) البخاري، كتاب الصلاة، باب سترة الإمام ستر من خلفه برقم ٤٩٤، وكتاب العيدين، باب الصلاة إلى حربة يوم العيد، برقم ٩٧٢، وباب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد، برقم ٩٧٣.","vol":"2","page":910},{"text":"الإمام ركعتان، وفيما تواتر عن النبي - ﷺ - أنه صلى العيد ركعتين وفعله الأئمة بعده إلى عصرنا، ولم يُعلم أن أحدًا فعل غير ذلك، ولا خلاف فيه (١)،وقد قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد - ﷺ -» (٢)، ويصلي الصلاة قبل الخطبة (٣)، يكبر في الركعة الأولى تكبيرة الإحرام ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يكبر ست تكبيرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر؛، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي - ﷺ -: «التكبيرة في الفطر: سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما» (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ «أن رسول الله - ﷺ - كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرتي الركوع» (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «هذه السبع التكبيرات مع تكبيرة الإحرام، وفي الركعة الثانية يأتي بخمس غير تكبيرة النقل» (٦).\nثم يستعيذ ويقرأ الفاتحة وسورة «ق» أو سورة «سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٦٥،وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٣٩.\n(٢) النسائي، برقم ١٤١٩، وابن ماجه، برقم ١٠٦٣، وأحمد ١/ ٣٧، وصححه الألباني، وتقدم تخريجه في صفة صلاة الجمعة.\n(٣) البخاري، برقم ٩٥٦،ومسلم، برقم ٨٨٩،وتقدم تخريجه في أن السنة صلاة العيد في المصلى.\n(٤) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التكبير في العيدين، برقم ١١٥١، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في التكبير في العيدين، برقم ٥٣٦، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في تكبير الإمام في صلاة العيدين، برقم ١٢٧٩، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣١٥، وغيره، وقال الترمذي في العلل: سألت البخاري عنه فقال: «هو صحيح».\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب التكبير في العيدين، برقم ١١٤٩، ١١٥٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين؟ برقم ١٢٨٠،وأحمد، ٦/ ٧٠،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٣١٥ وغيره.\n(٦) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥١٩.","vol":"2","page":911},{"text":"الأعلى»، ثم يكمل الركعة ثم يقوم من الركعة الأولى مكبرًا، ثم يكبر خمسًا بعد أن يستتم قائمًا، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄: «أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح وفي الآخرة ستًا بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة» (١). ثم يقرأ الفاتحة وسورة اقتربت أو سورة الغاشية (٢)؛ لحديث أبي واقد الليثي - ﵁ - أن عمر بن الخطاب - ﵁ - سأله: ما كان يقرأ به رسول الله - ﷺ - في الأضحى والفطر، فقال: «يقرأ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القمر﴾ (٣)؛ ولحديث النعمان بن بشير - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعلى﴾،و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين» (٤). ويرفع يديه مع كل تكبيرة لعموم الأحاديث (٥)؛ ولفعل\n_________\n(١) ابن أبي شيبة، ٢/ ٥/١،والفريابي،١/ ١٣٦، وصحح إسناده الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١١١.\n(٢) قال الإمام ابن قدامة في المغني: «يدعو بدعاء الاستفتاح عقيب التكبيرة الأولى [الإحرام] ثم يكبر تكبيرات العيد، ثم يتعوذ ويقرأ، وهذا [المشهور من مذهب أحمد و] مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى، أن الاستفتاح بعد التكبيرات، اختارها الخلال وصاحبه، وهو قول الأوزاعي؛ لأن الاستفتاح تليه الاستعاذة، وهي قبل القراءة، وقال أبو يوسف: يتعوذ قبل التكبير؛ لئلا يفصل بين الاستفتاح والاستعاذة، ولنا أن الاستفتاح شرع يستفتح به الصلاة، فكان في أولها كسائر الصلوات، والاستعاذة شرعت للقراءة، فهي تابعة لها، فتكون عند الابتداء بها؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة النحل: ٩٨]. وقد روى أبو سعيد أن النبي - ﷺ - كان يتعوذ قبل القراءة [أبو داود، برقم ٧٧٥]،وإنما جمع بينهما في سائر الصلوات؛ لأن القراءة تلي الاستفتاح من غير فاصل، فلزم أن يليه ما يكون في أولها، بخلاف مسألتنا، وأيا ما فعل كان جائزًا» المغني، ٣/ ٢٧٣ -\n٢٧٤، وانظر الشرح الكبير لابن قدامة المطبوع مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٤١ - ٣٤٢.\n(٣) مسلم، كتاب العيدين، باب ما يقرأ في صلاة العيدين، برقم ٨٩١.\n(٤) مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم ٨٧٨.\n(٥) قال الإمام ابن قدامة: «وجملته أنه يستحب أن يرفع يديه في حال تكبيره حسب رفعهما مع تكبيرة الإحرام، وبه قال عطاء، والأوزاعي، وأبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك، والثوري: لا يرفعهما فيما عدا تكبيرة الإحرام؛ لأنها تكبيرات في أثناء الصلاة فأشبهت تكبيرات السجود»، [ولكن قد روى الفريابي،٢/ ١٣٦ عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس عن ذلك - يعني الرفع في التكبيرات الزوائد - فقال: نعم ارفع يديك مع كل تكبيرة، ولم أسمع فيه شيئًا] قال ابن قدامة: «ولنا ما روي أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه مع التكبير [يعني حديث يرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع، حتى تنقضي صلاته، أبو داود، برقم ٧٢٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٠٩، وهو في استفتاح الصلاة] قال أحمد: أما أنا فأرى أن هذا الحديث يدخل فيه هذا كله، وروي عن عمر أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة: في الجنازة، وفي العيد. رواه الأثرم، ولا يعرف له مخالف في الصحابة، ولا يشبه هذا تكبير السجود؛ لأن هذه يقع طرفاها في حال القيام، فهي بمنزلة تكبيرة الافتتاح». [المغني، ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣]؛ لكن ضعّف الألباني حديث عمر في إرواء الغليل، ٣/ ١١٢،وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ١٦٧٣. «ولا بأس أن يكبر بين التكبيرات: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، والسنة رفع اليدين في جميع التكبيرات كما فعل عمر - ﵁ -، وغيره».","vol":"2","page":912},{"text":"عمر - ﵁ - (١)، ويقول بين التكبيرات ما ثبت عن ابن مسعود - ﵁ - بحضرة حذيفة وأبي موسى، أن الوليد بن عقبة قال: إن العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: تقول: الله أكبر، وتحمد الله، وتثني عليه، وتصلي على النبي - ﷺ -، وتدعو الله، ثم تكبر، وتحمد الله وتثني عليه، وتصلي على النبي - ﷺ -، ثم تكبر، وتحمد الله، وتثني عليه وتصلي على النبي - ﷺ -، وتدعو الله، ثم تكبر، وتحمد الله، وتثني عليه، وتصلي على النبي - ﷺ - وتدعو الله ثم تكبر، فقال حذيفة وأبو موسى: أصاب» (٢).\nوقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وكان [- ﷺ -] يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح (٣) يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ذكر\n_________\n(١) البيهقي، ٣/ ٢٩٣ وضعفه الألباني في الإرواء، برقم ٦٤٠، ولكن قال: «وفي التلخيص (١٤٥)، «واحتج ابن المنذر والبيهقي بحديث روياه من طريق بقية عن الزبيدي، عن الزهري عن سالم عن أبيه في الرفع عند الإحرام والركوع والرفع منه، وفي آخره: «ويرفعهما في كل تكبيرة يكبرها قبل الركوع» وصححه الألباني كما تقدم. إرواء الغليل، ٣/ ١١٢، واستدلوا بعموم حديث وائل أن النبي - ﷺ - كان يرفع يديه مع التكبير. أحمد، ٤/ ٣١٦، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١١٣.\n(٢) الطبراني في الكبير،٩/ ٣٠٣،برقم ٩٥١٥،ورقم ٩٥٢٣،وصححه الألباني في إرواء الغليل،٣/ ١١٥.\n(٣) قال الإمام ابن قدامة «قال أبو عبد الله: يكبر في الأولى سبعًا مع تكبيرة الإحرام، ولا يعتد بتكبيرة الركوع؛ لأن بينهما قراءة، ويكبر في الركعة الثانية خمس تكبيرات، ولا يعتد بتكبيرة النهوض، ثم يقرأ في الثانية، ثم يكبر ويركع، وروي ذلك عن فقهاء المدينة السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ومالك، والمزني، وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ويحيى الأنصاري، قالوا: يكبر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، إلا أنهم قالوا: يكبر سبعًا في الأولى سوى تكبيرة الافتتاح، وروي عن ابن عباس، وأنس، والمغيرة بن شعبة، وسعيد بن المسيب، والنخعي، يكبر سبعًا سبعًا، وقال أبو حنيفة والثوري في الأولى والثانية: ثلاثًا ثلاثًا، ولنا أحاديث كثيرة، وعبد الله بن عمر، وعائشة التي قدمناها، قال ابن عبد البر: قد روي عن النبي - ﷺ - من طرق كثيرة حسان أنه كبَّر في العيد سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، من حديث عبد الله بن عمرو، وابن عمر، وجابر، وعائشة، وأبي واقد، وعمرو بن عوف المزني، ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أولى ما عمل به ...» المغني،\n٣/ ٢٧١ - ٢٧٢، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٤٢.","vol":"2","page":913},{"text":"معين بين التكبيرات، ولكن ذُكر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه ويصلي على النبي - ﷺ -،ذكره الخلال، وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1632>ثامنًا: خطبة صلاة العيد بعد الصلاة: فإذا سلم الإمام قام فاستقبل الناس وخطبهم </span>(٢) بما يناسب الحال، فإن كان في عيد الفطر: أمرهم\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٤٤٣.\n(٢) الأحاديث الصحيحة لم تصرح بخطبتي العيد والذي اعتمد عليه الفقهاء ﵏ هو ما جاء عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة زمن التابعين أنه قال: «السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين يفصل بينهما بجلوس» [أخرجه الشافعي في مسنده، ١/ ١٥٨، والأم، ١/ ٢١١، وهو بهامش الأم، ص١١٠]، قال الشوكاني في هذا الحديث: «يرجحه القياس على الجمعة، وعبيد الله بن عبد الله تابعي كما عرفت فلا يكون قوله: «من السنة» دليلًا على أنها سنة النبي - ﷺ - كما تقرر في الأصول». نيل الأوطار، ٢/ ٦٠٦، وقد ورد في حديث جابر - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - يوم فطر أو أضحى فخطب قائمًا، ثم قعد قعدة ثم قام» [ابن ماجه، برقم ١٢٨٩، قال الشوكاني: «في إسناده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف» [نيل الأوطار، ٢/ ٦٠٦، وقال العلامة الألباني: «منكر سندًا ومتنًا: والمحفوظ أن ذلك في خطبة الجمعة ومن حديث جابر بن سمرة كما في (م). ضعيف ابن ماجه، ص٩٥، والتعليق على ابن خزيمة، ٢/ ٣٤٩]، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز أثناء تقريره على حديث عبيد الله بن عبد الله في منتقى الأخبار، برقم ١٦٨٥، يقول: «هذا الحديث مرسل ولكن تقاس خطبة العيد على الجمعة مع هذا الحديث المرسل، وعلى هذا العلماء والأخيار، ومن خطب خطبة واحدة للعيد، فيذكر باتباع العلماء والأخيار، وأنهم لم يخطبوا خطبة واحدة وإنما خطبوا خطبتين».\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٥/ ١٩١ - ١٩٢: قوله: «فإذا سلم خطب خطبتين» «هذا ما مشى عليه الفقهاء ﵏ أن خطبة العيد اثنتان؛ لأنه ورد هذا في حديث أخرجه ابن ماجه بإسناد فيه نظر ... ومن نظر في السنة المتفق عليها، تبين له بأن النبي - ﷺ - لم يخطب إلا خطبة واحدة؛ لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهن فإن جعلنا هذا أصلًا في مشروعية الخطبتين فمحتمل مع أنه لا يصح؛ لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهن لعدم وصول الخطبة إليهن، وهذا احتمال، ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن، ولكن أراد أن يخصهن بخصيصة؛ ولهذا ذكرهن، ووعظهن، بأشياء خاصة بهن».","vol":"2","page":914},{"text":"بصدقة الفطر، وبيَّن لهم وجوبها، وثوابها، وقدر المخرج، وجنسه، وعلى من تجب، وإلى من تدفع، وأن من أخرجها قبل الصلاة فهي زكاة مُتقبّلة، ومن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. ويأمر بالتقوى، ويعظ، ويوصي بطاعة الله. وإن كان في عيد الأضحى ذكر الأضحية، وفضلها، وأنها سنة مؤكدة جدًا، وبين ما يجزئ فيها، ووقتها، وذبحها، والعيوب التي تمنع منها، وكيفية تفرقتها، وما يقول المسلم عند ذبحها، ويأمر بالتقوى، ويوصي بطاعة الله تعالى ويذكر الناس، ويأمر بالصدقة لفعل النبي - ﷺ - (١).\nفقد ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف». وفي لفظ مسلم: وكان يقول: «تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا». وكان أكثر من يتصدق النساء، ثم ينصرف (٢).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، فقال: «تصدقن\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٧٨، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٢٢٢، وزاد المعاد، ١/ ٤٤٥،والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،٥/ ٣٥١ - ٣٥٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، برقم ٩٥٦، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٩.","vol":"2","page":915},{"text":"فإن أكثركنّ حطب جهنم» فقامت امرأة من سِطة (١) النساء سفعاء الخدين (٢) فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تُكثِرن الشّكاة (٣) وتكفرْن العشير» (٤) قال: فجعلهن يتصدقن من حليهن، ويلقين في ثوب بلال من أقرطهن (٥) وخواتيمهن» (٦). ولفظ البخاري: «قام النبي - ﷺ - يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء، فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة» (٧).\nوعن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة: مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة؟ فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» (٨).\nوالخطبة بعد الصلاة؛ لفعل النبي - ﷺ -؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال:\n_________\n(١) سطة النساء: من خيار النساء، وفي بعض نسخ مسلم: وسطة النساء: والوسط العدل والخيار. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٥، ورجح أن المعنى: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. شرح النووي، ٦/ ٤٢٦.\n(٢) سفعاء الخدين: فيها تغير وسواد. شرح النووي، ٦/ ٤٢٦.\n(٣) الشكاة: الشكوى. شرح النووي، ٦/ ٤٢٦.\n(٤) العشير: المخالط، وحمله الأكثرون على الزوج، والمعنى أنهن يجحدن الإحسان لضعف عقولهن، وقلة معرفتهن، فيستدل به على ذم من يجحد إحسان ذي الإحسان. شرح النووي، ٦/ ٤٢٦.\n(٥) من أقرطهن: جمع قرط، وهو كل ما علق من شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو خرز، وأما الخرص فهو الحلقة الصغيرة من الحلي. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٢٦.\n(٦) خواتيمهن: جمع خاتم وفيه ست لغات، والفتخ: الخواتيم العظام، وقيل: هي خواتيم لا فصوص لها، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٣٤٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب موعظة الإمام النساء يوم العيد، برقم ٩٧٨، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب صلاة العيدين، برقم ٤ - (٨٨٥).\n(٨) مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم ٤٩.","vol":"2","page":916},{"text":"«شهدت (١) العيد مع رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ -، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة» (٢).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «كان رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة» (٣). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافًا بين المسلمين، إلا عن بني أمية ... ولا يعتد بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله - ﷺ - الصحيحة، وقد أُنكِرَ عليهم فعلهم، وعُدَّ بدعة، ومخالفًا للسنة» (٤).\nوخطبة العيد تبدأ بالحمد (٥) قال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان - ﷺ - يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير ...» (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لم ينقل أحد عن النبي - ﷺ - أنه افتتح خطبة بغير الحمد (٧): لا خطبة عيد، ولا خطبة\n_________\n(١) شهدت: حضرت.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، برقم ٩٦٢، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، برقم ٩٦٣، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب كتاب صلاة العيدين، برقم ٨٨٨.\n(٤) المغني، ٣/ ٢٧٦.\n(٥) وقيل يبدأ بالتكبير؛ لحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «السنة التكبير على المنبر يوم العيد، يبتدئ خطبته الأولى بتسع تكبيرات قبل أن يخطب، ويبدأ الآخرة بسبع» [أخرجه عبد الرزاق، برقم٥٦٧٢ - ٥٦٧٤،وابن أبي شيبة،٢/ ١٩٠، والبيهقي، ٣/ ٢٩٩، وعبيد الله من التابعين. وعن عمار بن سعد مؤذن رسول الله - ﷺ - قال: كان النبي - ﷺ - يكبّر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين» [ابن ماجه، برقم ١٢٨٧، والحاكم، ٣/ ٦٠٧، والبيهقي، ٣/ ٢٩٩، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٠، لضعف عبد الرحمن بن سعد، وأبوه وجده لا يعرف حالهم. وانظر: ضعيف ابن ماجه، ص٩٥.\n(٦) زاد المعاد، ١/ ٤٤٧.\n(٧) قال ابن القيم: «وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين، والاستسقاء، فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل: يفتتحان بالحمد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الصواب؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم». [أحمد، برقم ٨٦٩٧،وأبو داود، برقم ٤٨٤٠، وابن ماجه، برقم ١٨٩٤، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص٣٩٤،برقم ٤٨٤٠]،وكان يفتتح خطبه كلها بالحمد». زاد المعاد، ١/ ٤٤٨.","vol":"2","page":917},{"text":"استسقاء، ولا غير ذلك» (١).\nودلت السنة أن النبي - ﷺ - كان يخطب يوم العيد على مكان مرتفع؛ لحديث جابر - ﵁ - وفيه: «قام النبي - ﷺ - يوم الفطر، فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن ...» (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: «ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد، وأول من أخرجه مروان بن الحكم، فأُنكر عليه، وأما منبر اللبن والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، فلعله - ﷺ - كان يقوم في المصلى إلى مكان مرتفع، أو دكان، وهي التي تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن، ويذكرهن، والله أعلم (٣). وعن أبي كامل الأحمسي - ﵁ - قال: «رأيت النبي - ﷺ - يخطب على ناقة، وحبشيٌّ آخذ بخطام الناقة» (٤).\nورخّص النبي - ﷺ - لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة، وأن يذهب (٥)؛ لحديث عبد الله بن السائب - ﵁ - قال: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد فلما قضى الصلاة قال: «إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» (٦). قال الإمام ابن قدامة رحمه\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٢/ ٣٩٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ٩٧٨، ومسلم، برقم ٨٨٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٤٤٧.\n(٤) النسائي، كتاب صلاة العيدين، باب الخطبة على البعير، برقم ١٥٧٢، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في الخطبة في العيدين، برقم ١٢٨٤، وحسنه الألباني في صحيح النسائي، برقم ١٥٧٢.\n(٥) زاد المعاد، ١/ ٤٤٨.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الجلوس للخطبة، برقم ١١٥٥،والنسائي، كتاب صلاة العيدين، باب التخيير بين الجلوس في الخطبة للعيدين، برقم ١٥٧٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء في انتظار الخطبة بعد الصلاة، برقم ١٢٩٠، وصححه الألباني في صحيح النسائي،\n١/ ٥١٠،وفي المواضع السابقة كلها وغيرها.","vol":"2","page":918},{"text":"الله: «والخطبة سنة لا يجب حضورها، ولا استماعها، وإنما أُخّرت عن الصلاة والله أعلم؛ لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها مِنْ تَرْكِهَا، بخلاف خطبة الجمعة، والاستماع لها أفضل» (١)، وثبت أن النبي - ﷺ - خطب يوم الأضحى بمنى في حجة الوداع على ناقته العضباء (٢)، وخطب - ﷺ - بين أوسط أيام التشريق بمنى (٣)، وعن أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت خطبة رسول الله - ﷺ - بمنى يوم النحر (٤).\nوعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي - ﵁ - قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى ففُتحت أسماعنا، حتى كُنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم ...» (٥).\nفظهر في هذه الأحاديث أن النبي - ﷺ - خطب في منى في حجة الوداع: يوم النحر، ثم خطب أوسط أيام التشريق، ومن أعظم خطبه ما ثبت من حديث أبي بكر - ﵁ - قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر [قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه، أو بزمامه، ثم قال] «أتدرون أي يوم هذا»؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس يومَ النحر»؟ قلنا: بلى، قال: «أيّ شهر هذا»؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس بذي الحجة»؟ قلنا: بلى، قال: «أيّ بلد هذا»؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليست بالبلدة الحرام»؟ قلنا: بلى، قال: «فإن\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٢٧٩، وانظر: المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٥/ ٣٥١ - ٣٥٨.\n(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب من قال خطب يوم النحر، برقم ١٩٥٤، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٥٤٩، وأخرجه أحمد أيضًا،٣/ ٤٨٥.\n(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب أي يوم خطب بمنى، برقم ٩٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٥٤٨.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب من قال خطب يوم النحر، برقم ١٩٥٥، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٥٤٩.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب ما يذكر الإمام بخطبته في منى، برقم ١٩٥٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،١/ ٥٤٩.","vol":"2","page":919},{"text":"دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم، عليكم حرام: كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلّغت»؟ قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».وفي لفظ: «وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1633>تاسعًا: التكبير أيام العيد نوعان على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1634>النوع الأول: التكبير المطلق</span>، وهو الذي لا يتقيد بأدبار الصلوات، بل يشرع في كل وقت: وهو في عيد الفطر، وعيد الأضحى، والذي ينبغي معرفته عن التكبير المطلق في العيدين: وقته، وصفته، وذلك على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1635>١ - وقت التكبير المطلق في عيد الفطر، وعيد الأضحى على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1636>أ - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الفطر من غروب الشمس آخر يوم من رمضان: </span>إما بإكمال ثلاثين يومًا، وإما برؤية هلال شوال، فإذا غربت شمس آخر يوم من رمضان شرع التكبير المطلق، لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢) ويستمر في التكبير من غروب الشمس إلى أن يفرغ الإمام من الخطبة (٣).\n_________\n(١) البخاري، كتاب العلم، باب قول النبي - ﷺ -: «رب مبلغ أوعى من سامع»، برقم ٦٧، وكتاب الحج، باب الخطبة أيام منى، برقم ١٧٤١،وكتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»،برقم ٧٠٧٨،وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ*إِلَى رَبّهَا نَاظِرَةٌ﴾، برقم ٧٤٤٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.\n(٣) فقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى وحتى يقضي صلاته، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير، [ابن أبي شيبة في المصنف، والمحامي في كتاب صلاة العيدين، وتقدم تخريجه في التكبير في الطريق إلى مصلى العيد]. قال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧: «ويستحب التكبير في ليلتي العيدين، أما ليلة عيد الفطر فيسن التكبير فيها بلا نزاع أعلمه، ونص عليه، ويستحب أيضًا أن يكبر من الخروج إليها إلى فراغ الخطبة على الصحيح من المذهب وعليه أكثر الأصحاب، منهم القاضي وأصحابه، وهو من المفردات، وعنه إلى خروج الإمام إلى صلاة العيد، وقيل إلى سلامه، وعنه إلى وصول المصلّي إلى المصلَّى، وإن لم يخرج الإمام».قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «ويسن التكبير المطلق في عشر ذي الحجة، وتبتدئ من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر اليوم التاسع، وسميت عشرًا وهي تسع من باب التغليب، فالمطلق في ليلتي العيدين من غروب الشمس إلى أن ينتهي الإمام من خطبته على مذهب الحنابلة، أو إلى خروج الإمام من البلد، فإذا رأوه سكتوا، أو إلى أن تبتدئ الصلاة أو إلى أن تنتهي الصلاة، والخلاف في هذا أمره سهل، ومعلوم أن الإمام إذا حضر سيشرع في الصلاة وينقطع كل شيء، وإذا انتهى من الصلاة سيشرع في الخطبة»،الشرح الممتع، ٥/ ٢١٥.","vol":"2","page":920},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1637>ب - يبتدئ التكبير المطلق في عيد الأضحى من أول عشر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق: </span>في جميع الأوقات، في الليل، والنهار، والطريق، والأسواق، والمساجد، والمنازل، وفي كل موضع يجوز فيه ذكر الله تعالى؛ لقول الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مّن بَهِيمَةِ الأنعام فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (١)، وقول الله - ﷿ -: ﴿وَاذْكُرُواْ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ (٢)، قال ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق» (٣).\nوعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «الأيام المعلومات التي قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، والمعدودات أيام التشريق» (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن: من التهليل، والتكبير، والتحميد» (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٣) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، قبل الحديث رقم ٩٦٩ بصيغة الجزم، وقال النووي في شرح المذهب،٨/ ٣٨٢: «رواه البيهقي بإسناد صحيح».\n(٤) ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري،٢/ ٤٥٨،وعزاه إلى ابن مردويه، وقال: «إسناده صحيح».\n(٥) أخرجه أحمد، برقم ٥٤٤٦،ورقم ٦١٥٤،وقال أحمد شاكر في شرحه للمسند،٧/ ٢٢٤: «إسناده صحيح».","vol":"2","page":921},{"text":"وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (١).\nوقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «وكان ابن عمر، وأبو هريرة ﵄ يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، ويكبر محمد بن علي خلف النافلة» (٢)،وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «وكان عمر - ﵁ - يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيرًا، وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فُسطاطه، ومجلسه، وممشاه تلك الأيام جميعًا، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكنَّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد» (٣).وعن أم عطية ﵂ قالت: كنا نؤمر أن نَخرج يوم العيد حتى نُخرج البكر من خدرها، حتى نُخرج الحيّض، فيكنّ خلف الناس فيُكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته» (٤)؛ ولحديث نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيام التشريق أيام أكل وشرب [وذكر لله]» (٥).\nقال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «أما التكبير في الأضحى فمشروع من أول الشهر إلى نهاية اليوم الثالث من شهر ذي الحجة» ثم ذكر آية البقرة والحج والأحاديث والآثار السابقة (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1638>٢ - صفة التكبير جاء في آثارٍ عن أصحاب النبي - ﷺ - على أنواع متعددة </span>منها ما يلي:\n_________\n(١) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، برقم ٩٦٩،واللفظ للترمذي، برقم ٧٥٧.\n(٢) البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق، قبل الحديث رقم ٩٦٩. وقال الحافظ في الفتح، ٢/ ٤٥٨ في أثر محمد بن علي: «وقد وصله الدارقطني ... قال حدثنا أبو هنة رزيق المدني، قال: رأيت أبا جعفر محمد بن علي يكبر بمنى في أيام التشريق خلف النوافل».\n(٣) البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، قبل الحديث رقم ٩٧٠.\n(٤) البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، الحديث رقم ٩٧١.\n(٥) مسلم، كتاب الصوم، باب تحريم صوم أيام التشريق، وبيان أنها أيام أكل وشرب وذكر لله - ﷿ -، برقم ١١٤١.\n(٦) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٨.","vol":"2","page":922},{"text":"أ - كان عبد الله بن مسعود - ﵁ - يقول: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا قول: عمر، وعلي، وابن مسعود، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك إلا أنه زاد: على ما هدانا، لقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٢).\nب - وكان ابن عباس ﵄ يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر وأجل، الله أكبر على ما هدانا» (٣).\nج - وكان سلمان - ﵁ - يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا» (٤).\nد - وكان عبد الله بن مسعود - ﵁ - يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد» (٥).\nقال الإمام الصنعاني ﵀: «وفي الشرح صفات كثيرة عن عدة من الأئمة وهو يدل على التوسعة في الأمر؛ وإطلاق الآية يقتضي ذلك» (٦) والله - ﷿ - أعلم (٧).\n_________\n(١) ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٨، قال العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وإسناده صحيح». وقال: «ولكنه ذكره في مكان آخر بالسند نفسه بتثليث التكبير».\n(٢) المغني، ٣/ ٢٩٠، قال: وقال مالك، والشافعي، يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر؛ لأن جابرًا صلى في أيام التشريق، فلما فرغ من صلاته قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ... ولنا خبر جابر، عن النبي - ﷺ -، وهو نص في كيفية التكبير، وأنه قول الخليفتين الراشدين، وقول ابن مسعود» المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩٠.\n(٣) البيهقي في السنن الكبرى،٣/ ٣١٥، قال العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وسنده صحيح أيضًا».\n(٤) ذكره ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٤٦٢ فقال: «وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه: ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان، قال: كبروا الله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا»، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣١٦، ولكنه بلفظ: «كبروا: الله أكبر، الله أكبر كبيرًا».\n(٥) مصنف ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٥.\n(٦) سبل السلام، ٣/ ٢٤٧.\n(٧) قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وأما صيغة التكبير فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: «كبروا الله: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا» ونقل عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه جعفر الفريابي في كتاب العيدين، من طريق يزيد ابن أبي زياد عنهم، وهو قول الشافعي، وزاد «ولله الحمد».\nوقيل يكبر ثلاثًا، ويزيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلخ» وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعود نحوه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقد أحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها» [فتح الباري، ٢/ ٤٦٢]، وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ أن صفة التكبير فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:\nالأول: أنه شفع: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد».\nالثاني: أنه وتر: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد».\nالثالث: أنه وتر في الأولى شفع في الثانية: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد». الشرح الممتع، ٥/ ٢٢٥، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٩٠، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٢٦٢.","vol":"2","page":923},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1639>النوع الثاني التكبير المقيَّد: </span>وهو الذي يُقيَّد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى خاصة، ووقته، وصفته على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1640>١ - يبتدئ التكبير المقيَّد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة</span>، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لما ورد عن علي بن أبي طالب الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين - ﵃ -: «أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر» (١)، ولما ورد عن عمر الخليفة الراشد - ﵁ -: «أنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق» (٢)، ولما ورد عن ابن عباس ﵄ «أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب» (٣). ولما ورد عن ابن\nمسعود - ﵁ - أنه كان: «يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة،٢/ ١٦٥،والحاكم وصححه،٢٩٩،والبيهقي،٣/ ٣١٤،وصححه النووي في المجموع\n٥/ ٣٥، وقال الألباني في إرواء الغليل،٣/ ١٢٥: «وقد صح عن علي - ﵁ -».\n(٢) ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٦، والبيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣١٤، وفيه الحجاج بن أرطأة، وقد صححه الحاكم، ١/ ٢٩٩، وصححه النووي في المجموع، ٣/ ٣٥، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وسنده صحيح».\n(٣) ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٧، والبيهقي، ٣/ ٣١٤، والحاكم وصححه، ١/ ٢٩٩، وصححه النووي في المجموع، ٣/ ٣٥، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٢٥: «وسنده صحيح».","vol":"2","page":924},{"text":"من آخر أيام التشريق» (١). وفي الباب آثار كثيرة عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - (٢) والله أعلم (٣). قال الحاكم ﵀: «فأما من فِعْلِ عمر، وعلي، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، فصحَّ عنهم التكبير، من غداة\nعرفة، إلى آخر أيام التشريق» (٤).وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وأصح\n_________\n(١) الحاكم وصححه،١/ ٢٩٩ - ٣٠٠،واللفظ له، وصححه النووي في المجموع،٥/ ٣٥، وابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٦، ولكن بلفظ: «... إلى صلاة العصر من يوم النحر».\n(٢) فقد جاء عن جابر مرفوعًا: في الدارقطني، ٢/ ٤٩، والبيهقي، ٣/ ٣١٥، ولكن فيه كلام، انظر: إرواء الغليل للألباني ٣/ ١٢٤، وجاء عن زيد بن ثابت، عند ابن أبي شيبة، ٢/ ١٦٦، وعن عمار عند الحاكم، ١/ ٢٩٩، وصححه، وضعفه النووي في المجموع، ٣/ ٣٥.\n(٣) قال الإمام النووي ﵀: «أما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه على نحو عشرة مذاهب، هل ابتداؤه: من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره، وهل انتهاؤه: في ظهر يوم النحر [وقيل إلى عصره] أو ظهر أول أيام النفر، أو في صبح آخر أيام التشريق، أو ظهره، أو عصره، واختار مالك والشافعي وجماعة: ابتداؤه من يوم النحر، وانتهاؤه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعي قول إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقول إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا وعليه العمل في الأمصار». شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٠، وما بين المعقوفين من فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٦٢، نقلًا عن غير النووي. وقال الإمام ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٥٩: «وأما التكبير بعد الصلوات وغيرها: ففي عيد الفطر لا يسن عقب صلوات ليلته على الأصح، وفي عيد الأضحى اختلف علماء السلف». ثم ساق كلام النووي. ثم قال: «فرع: مذهب مالك، والشافعي، وجماعة من أهل العلم استحباب هذا التكبير: للمنفرد، والجماعة، والرجال، والنساء، والمقيم، والمسافر، وقال أبو حنيفة والثوري، وأحمد: إنما يلزم جماعات الرجال، ثم قال: «فرع: اختلفوا في التكبير عقب النوافل: فالأصح عند الشافعي أنه يكبر، وقال مالك في المشهور عنه: لا يكبر، وهو قول الثوري، وأحمد وإسحاق» ا. هـ. وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره للآثار عن الصحابة وغيرهم في التكبير المقيد بأدبار الصلوات: «وقد اشتملت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات، ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤداة دون المقضية، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية، وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده» فتح الباري شرح صحيح البخاري، ٢/ ٤٦٢، وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: «وإذا رأيت اختلاف العلماء بدون أن يذكروا نصًّا فاصلًا فإن الأمر في هذه المسألة واسع، فإن كبّر بعد صلاته منفردًا فلا حرج عليه، وإن ترك التكبير ولو في الجماعة فلا حرج عليه؛ لأن الأمر واسع». الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢١٨.\nوانظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٩١،والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،٥/ ٣٦٦ - ٣٨٠،وشرح السنة للإمام البغوي، ٤/ ٣٠٠، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٤٩، والكافي لابن قدامة، ١/ ٥٢٤.\n(٤) مستدرك الحاكم، ١/ ٢٩٩.","vol":"2","page":925},{"text":"ما ورد فيه عن الصحابة: قول علي، وابن مسعود، إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره، والله أعلم» (١).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة. ويشرع لكل أحد أن يكبر عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة» (٢).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «وروي عن النبي - ﷺ - وعن جماعة من الصحابة - ﵃ -: التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير عند أول حصاة من الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس، لقول أنس - ﵁ -: «كان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه» (٣)، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة، وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد، لما تقدم من الآية والآثار» (٤).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأما المحرمون فإنهم يكبرون من\nصلاة الظهر يوم النحر ... لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٤٦٢.\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢٠.\n(٣) البخاري، كتاب العيدين، باب التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة، برقم ٩٧٠.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٨ - ١٩.","vol":"2","page":926},{"text":"وغيرهم يبتدئ من يوم عرفة لعدم المانع» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1641>٢ - صفة التكبير المقيد: هو مثل التكبير المطلق كما تقدم </span>(٢): «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» (٣)، وهو قول الخليفتين الراشدين: عمر بن الخطاب، وعلي، وقول ابن مسعود - ﵃ -، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق رحمهم الله تعالى (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1642>عاشرًا: اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد: إذا وافق يوم عيد يوم الجمعة </span>حضر الإمام ومن شاء من الناس، وصلى بهم؛ لحديث إياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصلّ» (٥)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا\nمجمّعون» (٦)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٨٩.\n(٢) تقدم في صفة التكبير المطلق أنه جاء عن الصحابة - ﵃ - أنواع من التكبير. فانظرها قبل صفحات.\n(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وصفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة: قد روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد» وإن قال الله أكبر ثلاثًا جاز، ومن الفقهاء من يكبر ثلاثًا فقط، ومنهم من يكبر ثلاثًا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٢٢٠.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٩٠،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٣٨٠، وتقدمت أقوال الأئمة في أنواع التكبير في التكبير المطلق.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، برقم ١٧٠، النسائي، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في التخلف عن الجمعة لمن شهد العيد، برقم ١٥٩٠، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، برقم ١٣١٠،وأحمد،٤/ ٣٧٢، والحاكم، ١/ ٢٨٨، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه ابن خزيمة في صحيحه، ٢/ ٣٥٩، برقم ١٤٦٤، وصححه ابن المديني كما في تلخيص الحبير، ٢/ ٨٨، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٥، وصحيح النسائي، ١/ ٥١٦، وصحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، برقم ١٠٧٣، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٦.","vol":"2","page":927},{"text":"«اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمّعون (١) إن شاء الله» (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: «اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -، فصلى بالناس ثم قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلّف فليتخلّف» (٣).\nوهذه الأحاديث تدل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة: يجوز فعلها وتركها، وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلها، ومن لم يحضر صلاة الجمعة، فإنه يصلي ظهرًا؛ لأن الظهر هي الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، ثم إن الجمعة إذا فاتت في غير يوم العيد وجبت صلاة الظهر إجماعًا فهي البدل عنها (٤). أما الإمام فلا تسقط عنه على الصحيح؛ لقوله - ﷺ -: «وإنا مجمّعون»؛ ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن يريدها، بخلاف غيره من الناس» (٥).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن أرقم: إنه «يدل على أنه لا بأس أن يترك الجمعة من حضر صلاة العيد، لكن يصلي ظهرًا، ومن قال: لا يصلي ظهرًا، فقد غلط، وهو كالإجماع من أهل العلم» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1643>الحادي عشر: زكاة الفطر لها أحكام وآداب على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1644>١ - زكاة الفطر فرض على كل مسلم فضل عنده يوم العيد وليلته</span>\n_________\n(١) وإنا مجمعون: أي مصلون الجمعة.\n(٢) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم برقم ١٣١١، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب ما جاء فيما إذا اجتمع العيدان في يوم، برقم ١٣١٣، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٩٢.\n(٤) انظر: سبل السلام للصنعاني، ٣/ ١٧٩ - ١٨٠ بتصرف يسير.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٤٣.\n(٦) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٨٣.وانظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٢٤٣.","vol":"2","page":928},{"text":"صاع من طعام عن قوته وقوت أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حُرٍّ أو عبد، أو رجل، أو امرأة، صغيرٍ، أو كبيرٍ، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير» وهذا لفظ مسلم في رواية، ولفظ البخاري: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد، والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة». وفي لفظ للبخاري عن نافع عن ابن عمر: «فرض النبي - ﷺ - صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر والأنثى والحر والمملوك: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من برٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرًا، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي بنيَّ، وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (١). ويستحب إخراج زكاة الفطر عن الحمل؛ لفعل عثمان - ﵁ -» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1645>٢ - وقت إخراج زكاة الفطر</span>، وقَّت النبي - ﷺ - وقت إخراج زكاة الفطر في حديث ابن عمر السابق بقول ابن عمر عن النبي - ﷺ -: «وأمر بها أن تؤدى\nقبل خروج الناس إلى الصلاة» (٣). أي صلاة العيد. وفي رواية عن ابن عمر ﵄: «وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (٤)؛ ولكن الأفضل أن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، برقم ١٥٠٣، وباب صدقة الفطر على الحر والمملوك، برقم ١٥١١، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، برقم ١٦ - (٩٨٤).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٩، وأخرجه عبد الله بن أحمد في مسألة ٦٤٤، عن حميد وقتادة: «أن عثمان كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير والكبير والحمل». وأخرج ابن أبي شيبة ٣/ ٤١٩،وعبد الرزاق ٧٨٨ عن أبي قلابة قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر، حتى يعطوا عن الحبل»،وفي رواية لأحمد أن زكاة الفطر عن الحمل تجب. الشرح الكبير، ٧/ ٩٦،وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،٩/ ٣٦٦.\n(٣) متفق عليه، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٤) البخاري، برقم ١٥١١، وتقدم تخريجه في الهامش الذي قبل السابق.","vol":"2","page":929},{"text":"تخرج يوم العيد قبل الصلاة؛ لسدّ حاجة الفقراء يوم العيد، وإغنائهم يوم العيد عن المسألة.\nولا يجوز تأخيرها بعد الصلاة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (١).\nولكن زكاة الفطر لا تجب إلا بغروب شمس آخر يوم من رمضان: فمن أسلم بعد الغروب، أو تزوج، أو ولد له ولد، أو مات قبل الغروب لم تلزم فطرتهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1646>٣ - مقدار زكاة الفطر وأنواعها: </span>هو صاع من قوت البلد الذي يأكله الناس، وقد ثبت في حديث ابن عمر ﵄ الذي ذكرته آنفًا أنه قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير ...». وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه كان يقول: «كنا نُخرج زكاة الفطر: صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من\nزبيب». وفي لفظ للبخاري: «كنا نُعطيها في زمان النبي - ﷺ - ...». وفي لفظ لمسلم: «كنا نُخرج إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر عن كل صغير، وكبير، حرٍّ أو مملوك: صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، برقم ١٨٢٧، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٦٠٩، وصحيح ابن ماجه، برقم ١٨٥٤، وإرواء الغليل، برقم ٨٤٣.\n(٢) انظر: الكافي لابن قدامة، ١/ ١٧٠، والروض المربع، وقال الإمام النووي: «قوله: من رمضان» إشارة إلى وقت وجوبها وفيه خلاف للعلماء: فالصحيح من قول الشافعي أنها تجب بغروب الشمس ودخول أول جزء من ليلة عيد الفطر. والثاني تجب لطلوع الفجر ليلة العيد، وقال أصحابنا: تجب بالغروب والطلوع معًا، فإن ولد بعد الغروب أو مات قبل الطلوع لم تجب، وعن مالك روايتان: كالقولين، وعند أبي حنيفة تجب بطلوع الفجر» شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦٣، وانظر: المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٧/ ١١٣.","vol":"2","page":930},{"text":"صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو معتمرًا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت» (١).\nوفي لفظ ابن ماجه قال أبو سعيد: «لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله - ﷺ - أبدًا ما عشت» (٢). وفي حديث أبي سعيد زيادات لم أذكرها؛ لأن فيها نظرًا (٣)، أما رأي معاوية - ﵁ - في أن البر يعدل المدّ منه المدَّين من غيره فيجزئ نصف صاع، فقال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: «حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافًا للطحاوي، وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنسٍ كان ولا فرق بين الحنطة وغيرها، وهذه حجة\nالشافعي ومن تبعه. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر صاع من طعام، برقم ١٥٠٦، وباب صاع من زبيب، برقم ١٥٠٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، برقم ٩٨٥.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر، برقم ١٨٢٩.\n(٣) من ذلك الحنطة، قال الحافظ بعد ذكره لزيادة الحنطة عند الحاكم وابن خزيمة: «قال ابن خزيمة: «ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم ...» ثم نقل الحافظ أن أبا داود أشار إلى أن ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، وذكر أن معاوية بن هشام روى في هذا الحديث: نصف صاع من بر، وهو وهم وأن ابن عيينة حدث به عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه: «أو صاعًا من دقيق» وأنهم أنكروا عليه فتركه، قال أبو داود [القائل ابن حجر] وذكر الدقيق وهم من ابن عيينة» فتح الباري، ٣/ ٣٧٣.\n(٤) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٧٤.","vol":"2","page":931},{"text":"وقد قال الإمام النووي ﵀: «قوله: عن معاوية أنه كلم الناس على المنبر فقال: إني أرى أن مدين من سمراء الشام يعدل صاعًا من تمر فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجها كما كنت أخرجها أبدًا ما عشت، فقوله سمراء الشام: هي الحنطة وهذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي وقد خالفه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة، وأعلم بأحوال النبي - ﷺ -، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض، فنرجع إلى دليل آخر. وجدنا ظاهر الأحاديث، والقياس متفقًا على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرح معاوية بأنه رأيٌ رآه لا أنه سمعه من النبي - ﷺ -، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي - ﷺ - لذكره» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول فيمن جعل مُدَّين من الحنطة تقوم مقام الصاع من غيرها: «اجتهد معاوية فجعل عدله مدين، والصواب أنه لابد من صاع أخذًا بالنص؛ ولهذا قال أبو سعيد: أما أنا فلا أخرج إلا صاعًا وهو الصواب كما تقدم (٢)، والله تعالى أعلم (٣).\nومقدار الصاع الذي تؤدى به زكاة الفطر هو صاع النبي - ﷺ -،وهو\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٦٧.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٠٧، ١٥٠٨.\n(٣) وفي سنن أبي داود، برقم ١٦٢٠ عن ثعلبة بن صعير قال: قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا، فأمر بصدقة الفطر صاع تمر، أو صاع شعير، عن كل رأس. وفي زيادة: «أو صاع بر أو قمح بين اثنين، عن الكبير والصغير، والحر والعبد».وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٤٤٩،وذكر الشوكاني الروايات في نيل الأوطار،٣/ ١٠٢، التي جاءت في أن نصف الصاع يجزئ، ثم قال: «وهذه تنهض بمجموعها للتخصيص»، ولكن سماحة شيخنا ابن باز ﵀ يرى أن جميع الكفارات الإطعام فيها يكون نصف صاع، أما زكاة الفطر فقد حددها النبي - ﷺ - بصاع.","vol":"2","page":932},{"text":"خمسة أرطال وثلث بالعراقي (١)،وهو أربعة أمداد، والمد ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدَّ يديه بهما، وبه سمي مدًّا، قال الفيروزآبادي: «وقد جربت ذلك فوجدته صحيحًا» (٢)،والصاع أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، إذ ليس كل مكان يوجد فيه صاع النبي - ﷺ -،قاله الداوودي (٣). قال الفيروزآبادي: «وجربت ذلك فوجدته صحيحًا» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1647>٤ - أهل زكاة الفطر الذين تدفع لهم: </span>قيل: تعطى صدقة الفطر لمن يجوز أن يُعطَى صدقة الأموال؛ لأن صدقة الفطر زكاة فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات؛ ولأنها صدقة فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) (٦).\nوقيل: لا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة، فتجري مجرى كفارة اليمين، والظهار، والقتل، والجماع في نهار رمضان، ومجرى كفارة الحج، فتدفع لهؤلاء الآخذين لحاجة أنفسهم، وهم الفقراء والمساكين، ولا يعطى المؤلفة قلوبهم، ولا الرقاب ولا غير ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية\n﵀: «وهذا القول أقوى في الدليل» (٧).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان من هديه - ﷺ - تخصيص\n_________\n(١) الدارقطني، ٢/ ١٥١، والبيهقي، ١٠/ ٢٧٨، قال الشوكاني في رواية البيهقي: «بإنساد جيد». نيل الأوطار، ٣/ ١٠٤.\n(٢) القاموس المحيط، ص٤٠٧.\n(٣) المرجع السابق، ص٩٥٥.\n(٤) القاموس المحيط، ص٩٥٥، وانظر: فتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٩٧، وفتاوى اللجنة الدائمة، ٩/ ٣٦٥.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ٦٠.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٤/ ٣١٤، قال: «وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي، وأبو ثور» وقال أبو حنيفة: يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، وإلى الذمي».\n(٧) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٥/ ٧٣.","vol":"2","page":933},{"text":"المساكين بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية» (١).\nوقال الشوكاني ﵀ عن حديث ابن عباس ﵄ وفيه: «وطعمة المساكين ...» (٢). «وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة» (٣). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في ذكر القولين: «هناك قولان لأهل العلم: الأول أنها تصرف مصرف بقية الزكوات، حتى المؤلفة قلوبهم والغارمين ... والثاني أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1648>٥ - حِكَمُ زكاة الفطر وفوائدها عظيمة من أهمها ما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1649>أ - طهرة للصائم من اللغو والرفث</span>، فترفع خلل الصوم، فيكون بذلك تمام السرور.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1650>ب - طعمة للمساكين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1651>ج - زكاة للبدن حيث أبقاه الله عامًا من الأعوام وأنعم عليه - ﷾ - بالبقاء</span>؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والكامل والناقص في مقدار الواجب وهو الصاع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1652>د - مواساة للمسلمين أغنيائهم وفقرائهم ذلك اليوم فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى</span>، والسرور بنعمه.\n_________\n(١) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٢/ ٢٢.\n(٢) أبو داود، برقم ١٦٠٩، وابن ماجه، ١٨٢٧، وتقدم تخريجه.\n(٣) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٠٣.\n(٤) الشرح الممتع، ٦/ ١٨٤، وانظر: الإنصاف مع الشرح الكبير، ٧/ ١٣٧.","vol":"2","page":934},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1653>هـ - شكر نعم الله تعالى على الصائمين بالصيام ولله حكم وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1654>الثاني عشر: الأضحية مشروعة ولها أحكام على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1655>١ - مفهومها: </span>هي اسم لما يذبح أو ينحر بسبب العيد: من الإبل، والبقر، والغنم: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، تقربًا إلى الله تعالى، وسميت بذلك والله أعلم؛ لأن أفضل زمن لذبحها ضحى يوم العيد (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1656>٢ - حكمها: </span>الأضحية مشروعة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1657>فأما الكتاب</span>؛ فلقول الله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1658>وأما السنة</span>؛ فلحديث أنس - ﵁ - قال: «ضحى النبي - ﷺ - بكبشين، أملحين (٤) أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما». وفي لفظ لمسلم: ويقول: «باسم الله والله أكبر». وفي لفظ للبخاري: «كان النبي - ﷺ - يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1659>وأما الإجماع: </span>فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (٦)،والأضحية سنة مؤكدة جدًا لا ينبغي تركها لمن يقدر عليها، وعلى هذا أكثر أهل\nالعلم (٧). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول:\n_________\n(١) إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، للشيخ العلامة السعدي، ص١٣٤.\n(٢) انظر: أحكام الأضاحي، للعلامة محمد بن صالح بن عثيمين، ص٥، ومجالس عشر ذي الحجة، للشيخ عبد الله بن صالح الفوزان، ص٦٩.\n(٣) سورة الكوثر، الآية: ٢.\n(٤) الأملح: يقال: كبش أملح: إذا كان بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض. جامع الأصول لابن الأثير،٣/ ٣٢٥،وانظر: المغني لابن قدامة،١٣/ ٣٦٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، برقم ٥٥٥٣، ومسلم، كتاب الأضاحي باب استحباب استحسان الأضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل، والتسمية والتكبير، برقم ١٩٦٦.\n(٦) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٠.\n(٧) اختلف العلماء ﵏ في حكم الأضحية، فقال قوم: بأنها سنة، وقال آخرون: بالوجوب. قال الإمام ابن قدامة: «أكثر أهل العلم يرون الأضحية سنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وأبي مسعود البدري - ﵃ -، وبه قال سويد بن عقبة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا» [أحمد، ٢/ ٣٢١،وابن ماجه، برقم ٣١٢٣،وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه،٣/ ٨٢]،وعن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفًا عند النبي - ﷺ - بعرفة فقال: «يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية ...» [أحمد، ٤/ ٢١٥، وأبو داود برقم ٢٧٨٨، والنسائي، برقم ٤٢٣٥،وابن ماجه، برقم ٣١٢٥، والترمذي، وحسنه برقم ١٥١٨،وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٨٢]، المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٠ - ٣٦١، ومن قال: بأن الأضحية سنة احتجوا بحديث ابن عباس يرفعه: «ثلاث هن عليّ فرائض وهن لكم تطوع: الوتر، والنحر، وصلاة الضحى» وفي لفظ الدارقطني: «وركعتا الفجر» بدل «وصلاة الضحى» رواه أحمد، برقم ٢٠٥٠، والدارقطني، ٢/ ٢١، ونقل أحمد شاكر تضعيف هذا الحديث باللفظين]. واستدل الجمهور أيضًا بحديث أم سلمة: أن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا»، وفي لفظ: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره»، وفي لفظ: «... فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» [مسلم، برقم ١٩٧٧] فقالوا: علقه على الإرادة، والواجب لا يعلق على الإرادة؛ ولأنها ذبيحة لم يجب تفريق لحمها فلم تكن واجبة كالعقيقة، وردوا على أهل الوجوب بأن حديثهم قد ضُعّف، وقالوا: «ثم نحمله على تأكيد الاستحباب كما قال - ﷺ -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» [تقدم تخريجه] المغني لابن قدامة، ١٣/ ٢٦١. ولكن من قال بالوجوب استدلوا أيضًا بحديث في الصحيحين عن جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي - ﷺ - يوم النحر قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح [على اسم الله]» [البخاري، برقم ٥٥٦٢، ومسلم، برقم ١٩٦٠، وما بين المعقوفين له]، وسمعت شيخنا ابن باز يقول أثناء تقريره على هذا الحديث: «من ذبح قبل الصلاة فالسنة أن يضحي بأخرى، وإذا صلى الإنسان دخل وقت ضحيته».","vol":"2","page":935},{"text":"«والضحية سنة، وقال بعض أهل العلم بوجوبها، والذي عليه جمهور أهل العلم أنها سنة مؤكدة لمن قدر لمن كان له سعة، والحجة في ذلك فعله - ﷺ -؛ فإنه كان يضحي كل سنة، فهي سنة من قوله وفعله ﵊» (١).\nوالأحوط للمسلم أن لا يترك الضحية إذا كان موسرًا له قدرة عليها؛\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام لابن حجر، الحديث رقم ١٣٧٢، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٣٩٤، وروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما مخافة أن يُرى ذلك واجبًا». أخرجه البيهقي، ٩/ ٢٩٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١١٣٩.","vol":"2","page":936},{"text":"اتباعًا لسنة نبيه - ﷺ -: القولية، والفعلية، والتقريرية، وبراءة للذمة، وخروجًا من الخلاف عند من قال بالوجوب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1660>٣ - ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يلي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1661>أ - لأن الذبح وإراقة الدم تقربًا لله تعالى عبادة مشتملة على تعظيم الله تعالى</span>، وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1662>ب - ذبح الأضحية وعدم التصدق بثمنها هو هدي النبي - ﷺ - وعمل المسلمين</span>، ولم ينقل أحد أن رسول الله - ﷺ - تصدق بثمنها، ولا أحد من أصحابه - ﵃ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1663>ج - ومما يؤكد أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها </span>ولو زاد الثمن أن العلماء اختلفوا في وجوبها، وأن القائلين بأنها سنة صَرَّح جمعٌ منهم بأنه يكره تركها للقادر (٣)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n«والأضحية، والعقيقة، والهدي (٤)، أفضل من الصدقة بثمن ذلك» (٥).\n_________\n(١) رجح وجوبها على القادر شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: «وأما الأضحية فالأظهر وجوبها فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته». [فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،٢٣/ ١٦٢، وقال: «تجوز الأضحية عن الميت كما يجوز الحج عنه، أو الصدقة عنه، ويُضحَّى عنه في البيت ولا يُذبح عند القبر أضحية ولا غيرها» مجموع الفتاوى، ٢٦/ ٣٠٦]، وذكر العلامة ابن عثيمين أن الأضحية عن الأموات ثلاثة أٌقسام:\nالقسم الأول: أن تكون تبعًا للأحياء كأن يضحي عن نفسه وأهله وفيهم أموات كما فعل النبي - ﷺ -.\nالقسم الثاني: أن يضحي عن الميت استقلالًا، فقد نص عليه فقهاء الحنابلة، وبعض العلماء لا يرى ذلك إلا أن يوصي الميت بذلك.\nالقسم الثالث: أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه فتنفذ الوصية: أحكام الأضاحي، ص١٧، واختار شيخ الإسلام أن الأضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها. الاختيارات، ص١١٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.\n(٣) انظر: أحكام الأضحية، للعلامة ابن عثيمين، ص١٤ - ١٦.\n(٤) الهدي: أي هدي التطوع.\n(٥) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٦/ ٣٠٤.","vol":"2","page":937},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1664>٤ - إذا دخل شهر ذي الحجة فلا يأخذ من أراد أن يضحي من شعره ولا بشرته شيئًا</span>؛ لحديث أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره» وفي لفظ: «فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1665>٥ - يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة عيد الأضحى</span>؛ لحديث البراء - ﵁ -،قال: قال النبي - ﷺ -: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبلُ فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء» فقام أبو بردة بن دينار - وقد ذبح - فقال: إن عندي جذعة، فقال: «اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك» وفي لفظ لمسلم: يا رسول الله إن عندي جذعة من المعز، فقال: «ضحّ بها ولا تصلح لغيرك». قال مطرّف عن عامر، عن البراء، قال النبي - ﷺ -: «من ذبح بعد الصلاة تمَّ نسكُه وأصاب سنة المسلمين» (٢).ولحديث جندب بن سفيان البجلي - ﵁ - قال: «شهدت النبي - ﷺ - يوم النحر، قال: «من ذبح قبل أن يصلي فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح [على اسم الله]» (٣)؛ ولحديث أنس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد\nالصلاة فقد تمَّ نسكُه، وأصاب سنة المسلمين» (٤).\nوآخر وقت ذبح الأضاحي هو غروب شمس اليوم الثالث من أيام\n_________\n(١) مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ من شعره وأظفاره شيئًا، مسلم، برقم ١٩٧٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية، وقال ابن عمر: هي سنة ومعروف، برقم ٥٥٤٥، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، برقم ١٩٦١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة، برقم ٥٥٦٢، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، برقم ١٩٦٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية، برقم ٥٥٤٦، ومسلم، كتاب الأضاحي باب وقتها، برقم ١٩٦٢.","vol":"2","page":938},{"text":"التشريق على القول الراجح من أقوال أهل العلم، فيكون ذبح الأضاحي أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1666>٦ - شروط الأضحية: الأضحية عبادة لله تعالى لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله تعالى</span>، وأن تكون على سنة رسول الله - ﷺ -، فإذا لم تكن خالصة وعلى هدي رسول الله ﵊ فهي غير مقبولة بل مردودة، ولا تكون الأضحية على هدي رسول الله - ﷺ - إلا باجتماع\nشروطها، وانتفاء موانعها.\nوشروطها أنواع: منها ما يعود للوقت، وتقدم، ومنها ما يعود لعدد المضحين بها، وسيأتي إن شاء الله تعالى، ومنها ما يعود للمُضحَّى به وهي أربعة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1667>الشرط الأول: أن تكون الضحية ملكًا للمضحي ملكها بطريق شرعي</span>،\n_________\n(١) اختلف العلماء في آخر وقت ذبح الأضاحي: فقيل: آخر الوقت: آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، وهذا قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأنس، قال أحمد: أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله - ﷺ -،وهو قول مالك، والثوري، وأبي حنيفة.\nوقيل: آخره آخر أيام التشريق، وهو مذهب الشافعي، وقول عطاء، والحسن، لما روي «كل أيام التشريق ذبح» [أحمد، ٤/ ٨٢، والبيهقي، ٩/ ٢٩٥، وذكر الإمام ابن القيم أن الأقوال أربعة:\n١ - الذبح أربعة أيام: يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة، وأنه قول علي - ﵁ -، قال: وهو مذهب إمام أهل البصرة الحسن، وإمام أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث الشافعي، واختاره ابن المنذر.\n٢ - الذبح يوم النحر ويومان بعده، وهذا مذهب أحمد، ومالك، وأبي حنيفة ﵏، قال أحمد: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - وذكره الأثرم عن ابن عمر وابن عباس - ﵃ -.\n٣ - وقت النحر يوم واحد وهو قول ابن سيرين.\n٤ - يوم واحد في الأمصار، وثلاثة أيام في منى. زاد المعاد،٢/ ٣١٩ - ٣٢٠، وسمعت سماحة شيخنا الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٣٢٠: «أصح هذه الأقوال الأربعة أن الذبح أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده». وانظر المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٨٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٨/ ٤٠٦.","vol":"2","page":939},{"text":"فلا تصح الأضحية بمغصوب، أو مسروق، أو مملوك بعقد فاسد، أو ما كان ثمنه خبيثًا محرمًا: كالربا وغيره؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (١). وينبغي للمسلم أن يختار الأضحية التي تجتمع فيها الصفات المستحبة؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر الله؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢)، وتعظيم البدن من تعظيم شعائر الله، وعن مجاهد في قوله: ﴿وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ الله﴾ قال استعظام البدن: استحسانها، واستسمانها» (٣).\nقال يحيى بن سعيد سمعتُ أبا أمامة بن سهل قال: «كنَّا نُسمّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمّنون» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>الشرط الثاني: أن تكون الأضحية من الجنس الذي عينه الشارع </span>وهو: الإبل، والبقر، والغنم: ضأنها ومعزها، وهي بهيمة الأنعام فقط، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُم مّن بَهِيمَةِ الأنعام﴾ (٥)، وذكر الإمام النووي الإجماع على أنه لا يجزئ في الأضحية إلا: الإبل، والبقر، والغنم (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1669>الشرط الثالث: أن تبلغ الأضحية السنّ المعتبرة شرعًا</span>، فلا يجزئ إلا\nالجذع من الضأن والثني من غيره: والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر ودخل في السابع، ويُعرف إذا مالت الصوفة على ظهره عُلِمَ أنه قد أجذع. وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية، والبقر إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة، والإبل إذا صار لها خمس سنين ودخلت في\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، برقم ١٠١٥.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٣٢.\n(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٥٣٦، والمغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٧.\n(٤) البخاري، كتاب الأضاحي، باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، رقم الباب ٧، قبل الحديث رقم ٥٥٥٣.\n(٥) سورة الحج، الآية: ٣٤.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٢٥.","vol":"2","page":940},{"text":"السادسة، قال الأصمعي وغيره: «إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثني، ونرى أنه إنما سمي ثنيًا؛ لأنه ألقى ثنيته، وأما البقرة فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «لا تذبحوا إلا مُسِنَّة» (١)، ومسنة البقرة التي لها سنتان. وقال وكيع: «الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر» (٢)، فالضحية عبادة لا يشرع فيها إلا ما حدده النبي - ﷺ -، وقد قال ﵊: «لا تذبحوا إلا مُسِنّة، إلا أن تعسّر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن» (٣). قال الإمام النووي ﵀: «قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء: من الإبل والبقر، والغنم، فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مُجْمَع عليه على ما نقله القاضي عياض. وأما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة يجزئ سواء وجد غيره أم لا، قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزئ بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1670>الشرط الرابع: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء</span>، ومن هذه العيوب ما ثبت في حديث البراء بن عازب - ﵁ - أنه قال: قام فينا رسول\nالله - ﷺ -، وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله، فقال: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البيّن عورُها (٥)، والمريضة البيّن\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩، وانظر: أحكام الأضحية لابن عثيمين، ص٢٤.\n(٣) مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الضحية، برقم ١٩٦٣.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١٢٥.\n(٥) العوراء البيّن عورها: وهي التي انخسفت عينها أو برزت، فإن كانت عوراء لا تبصر بعينها ولكن عورها غير بين أجزأت والسليمة من ذلك أولى.","vol":"2","page":941},{"text":"مرضُها (١)، والعرجاء البيّن ظلعُها (٢)، والكسيرة التي لا تنقى» (٣). قال [الراوي عن البراء] قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص؟ فقال: «ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد».وهذا لفظ أبي داود، أما لفظ الترمذي: «لا يُضَحَّى بالعرجاء بيّن ظلعها، ولا بالعوراء بيّن عورها، ولا بالمريضة بيّن مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقى». ولفظ النسائي: «أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى». [قال الراوي عن البراء] قلت: إني أكره أن يكون في القرن نقص، وأن يكون في السن نقص، قال: «ما كرهته فدعه، ولا تحرمه على أحد».ولفظ ابن ماجه مثل لفظ النسائي إلا أنه قال: إني أكره أن يكون نقص في الأذن، قال: «فما كرهت منه فدعه، ولا تحرمه على أحد».وفي رواية الموطأ نحو رواية أبي داود، والنسائي، إلى قوله: «لا تنقى» وجعل بدل الكسيرة «العجفاء» (٤) (٥).\nقال الإمام الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند أهل العلم» (٦).\n_________\n(١) المريضة البيّن مرضها: وهي التي ظهر عليها آثار المرض، مثل: الحمى التي تقعدها عن الرعي، ومثل: الجرب الظاهر المفسد للحمها، أو المؤثر في صحتها، ونحو ذلك مما يعده الناس مرضًا بينًا، فإن كان فيها كسل أو فتور يمنعها من المرعى، والأكل، أجزأت لكن السلامة منه أولى.\n(٢) العرجاء: هي التي لا تستطيع مرافقة السليمة في المشي، فإن كان فيها عرج يسير لا يتبين أجزأت والسلامة منه أولى، والظلع: العرج، والظالع: الغامز في مشيته. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٤، وأحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٤.\n(٣) الكسيرة: الهزيلة، والتي لا تنقى: أي التي ليس فيها مخ، أي مخ العظم، انظر: جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٤، وأحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٤.\n(٤) العجفاء: هي الكسيرة التي لا تنقى أي الهزيلة الضعيفة، انظر جامع الأصول لابن الأثير،\n٣/ ٣٣٥.\n(٥) أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا، برقم ٢٨٠، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما لا يجزئ من الأضاحي، برقم ١٤٩٧، والنسائي، كتاب الضحايا، باب ما نهي عنه من الأضاحي، برقم ٤٣٦٩،وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، برقم ٤١٤٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٦٧٦.\n(٦) سنن الترمذي، ص٣٦٤.","vol":"2","page":942},{"text":"قال الإمام ابن قدامة ﵀ عن هذه الأربع المذكورة: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنها تمنع الإجزاء» (١). ويُلحق بهذه الأربع ما كان به عيب أعظم من هذه العيوب؛ فإن عدم إجزائها أولى، كالعمياء التي لا تبصر بعينها؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العوراء البين عورها، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيّن ظلعها، وما أصابه سبب الموت: كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ لأن هذه أولى بعدم الإجزاء من المريضة البين مرضها، والعاجزة عن المشي لعاهة- وتسمى: الزمنى - أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيّن ظلعها، وغير ذلك من العيوب التي هي أشد من العيوب الأربع المذكورة (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز يقول: «العمياء أشد من العوراء، فما كان أشد من هذه الأربع في العيب، كان عدم إجزائه أولى» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1671>٧ - العيوب المكروهة في الأضحية على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1672>الأولى: العضباء: </span>وهي مقطوعة الأذن: النصف فما فوقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1673>الثانية: المقابلة: </span>وهي التي شُقّت أذنها من الأمام عرضًا. وقال ابن الأثير: «شاة مقابلة إذا قطع من مقدم أذنها وتركت معلقة فيها كأنها زنمة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1674>الثالثة: المدابرة: </span>وهي التي شُقّت أذنها من الخلف عرضًا، وقال ابن الأثير: «المدابرة التي فعل بها ذلك من مؤخرة أذنها، واسم الجلدة فيها:\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩.\n(٢) انظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٥ - ٣٦.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٤٣٦٩،وذلك بتاريخ ٢٩/ ٦/١٤١٧هـ.\n(٤) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.","vol":"2","page":943},{"text":"الإقبالة والإدبارة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1675>الرابعة: الشرقاء: </span>وهي التي شُقّت أذنها طولًا، وقال ابن الأثير: «الشرقاء التي شُقّت أذنها، وقد شرقت الشاة - بالكسر - فهي شاة شرقاء (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1676>الخامسة: الخرقاء: </span>وهي التي خُرقت أذنها، قال ابن الأثير: «الخرقاء من الغنم التي في أذنها خرق، وهو ثقب مستدير» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1677>السادسة: المصفرة: </span>وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1678>السابعة: المستأصلة: </span>وهي التي ذهب قرنها من أصله، قال ابن الأثير: «والمستأصلة: التي استُؤْصل قرنها من أصله» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1679>الثامنة: البخقاء: </span>وهي التي بخقت عينها، قال ابن الأثير: «والبخقاء: التي تبخق عينها» (٦).وقال في النهاية: «والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة».وقال في القاموس: «البخق أقبح العور وأكثره غمصًا». وعلى هذا فإذا كان البخق عورًا بيّنًا لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1680>التاسعة: المشيعة: </span>وهي التي لا تتبع الغنم عجفًا، وضعفًا، تكون وراء الغنم: كالمشيع للمسافر، وقيل بفتح الياء؛ لحاجتها إلى من يشيعها؛ لتلحق بالغنم، فإن لم يكن فيها مخ فلا تجزئ، وإن كان فيها مخ ولا تستطيع\nمعانقة الغنم لم تجز أيضًا؛ لأنها كالعرجاء البين ظلعها، وإن كانت\n_________\n(١) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.\n(٢) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.\n(٣) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٦، وانظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٣٧.\n(٤) جامع الأصول لابن الأثير، ٣/ ٣٣٧، وقال في التلخيص إنها المهزولة، وذكرها في النهاية بقيل: كذا وقيل: كذا. أحكام الأضاحي، ص٣٨.\n(٥) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٧.\n(٦) جامع الأصول، ٣/ ٣٣٧.\n(٧) انظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٨.","vol":"2","page":944},{"text":"تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة (١) (٢).\n_________\n(١) انظر: جامع الأصول لابن الأثير،٣/ ٣٣٧،وأحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٣٨.\n(٢) وجاء في هذه العيوب التسعة حديث علي - ﵁ - قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء» وفي رواية: «المقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة: ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء: المشقوقة، والخرقاء: المثقوبة» هذا لفظ الترمذي في كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي، برقم ١٤٩٨، وقال: «حديث حسن صحيح»، ولفظ النسائي: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين، والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا بتراء، ولا خرقاء»، وفي لفظ: «وأن لا نضحي بعوراء» وفي لفظ: «... أو جدعاء»، وهذا لفظ النسائي في كتاب الأضاحي، باب المقابلة، برقم ٤٣٧٢، وباب المدابرة، برقم ٤٣٧٣، وباب الخرقاء، برقم ٤٣٧٤، وباب الشرقاء، برقم ٤٣٧٥. ولفظ أبي داود: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء»، قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أذكر عضباء؟ قال: لا، قلت: فما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن، قلت: فما المدابرة، قال: يقطع من مؤخر الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تخرق أذنها للسمة» أبو داود، كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي، برقم ٢٨٠٤. ولفظ ابن ماجه: «نهى رسول الله - ﷺ - أن نضحي بمقابلة، أو مدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء، أو جدعاء». ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، برقم ٣١٤٢، ولفظ الإمام أحمد: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يضحى بالمقابلة، أو بمدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء، أو جدعاء»، وفي لفظ عن حُجّيّة بن عدي رجل من كندة قال: سمعت رجلًا سأل عليًّا قال: إني اشتريت هذه البقرة للأضحى، قال عن سبعة، قال: القرن؟ قال: لا يضرك، قال العرج؟ قال: إذا بلغت المنسك فانحر، ثم قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن» أحمد برقم ٨٣٢، ورقم ٧٣٤، ورقم ٨٢٦، وصحح إسناده أحمد شاكر في هذه المواضع كلها، ورواه بهذا اللفظ الترمذي عن حجية بن عدي عن علي قال: «البقرة عن سبعة، قلت: فإن ولدت؟ قال: اذبح ولدها معها، قلت: فالعرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك، قلت فمكسورة القرن؟ قال: لا بأس، أُمرنا - أو أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العينين، والأذنين». الترمذي، كتاب الضحايا، باب في الضحية بعضباء القرن والأذن، برقم ١٥٠٣، ولفظ ابن ماجه في كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به، برقم ٣١٤٣، عن حجية بن عدي عن علي قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن»، وصحح إسناد حديث حجية أحمد شاكر كما تقدم آنفًا، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٣٦٢، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٨٦، وقبل ذلك صحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، ٤/ ٢٢٥، وروى أحمد لفظ أبي داود في المقابلة والمدابرة والشرقاء، والخرقاء، برقم ٨٥١، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. وقال الشوكاني بعد أن ذكر حديث علي هذا الذي رواه الخمسة: «وحديث علي - ﵁ - أخرجه أيضًا البزار [كشف الأستار، برقم ١٢٠٣]، وابن حبان [برقم ٥٩٢٠]، والحاكم [١/ ٤٦٨]، والبيهقي [٩/ ٢٧٥]، وأعله الدارقطني [نيل الأوطار، ٣/ ٤٨٢] وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، ص١٤٤ في ضعيف أبي داود ص٢١٧، وضعيف سنن النسائي، ص١٤٤، وضعيف ابن ماجه، ص٢٥٣، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصحح إسناده أحمد شاكر كما تقدم، وقد ذكر الألباني طرقه في إرواء الغليل، ٤/ ٣٦٤، ثم قال: «وجملة القول: إن الحديث بمجموع طرقه هذه صحيح وذكر القرن فيه منكر عندي تفرد جري به».\nوأما ما جاء في المستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسراء، والمصفرة؛ لما روي عن يزيد ذي مصر قال: أتيت عتبة بن عبد السلمي، فقلت: يا أبا الوليد إني خرجت ألتمس الضحايا، فلم أجد شيئًا يعجبني، غير ثرماء، فكرهتها، فما تقول؟ قال: أفلا جئتني بها؟ قلت: سبحان الله تجوز عنك ولا تجوز عني؟ قال: نعم. إنك تشك ولا أشك، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن المصفرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسراء، فالمصفرة: التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي استوصل قرنها من أصله، والبخقاء: التي تبخق عينها، والمشيعة: التي لا تتبع الغنم عجفًا وضعفًا، والكسراء: الكسيرة». أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا، برقم ٢٨٠٣،وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، ص٢١٧،وقال الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٣٣٧: «وفي إسناده أبو حميد الرعيني، وهو مجهول، ويزيد ذو مصر لم يوثقه غير ابن حبان».\nوأما عضباء الأذن والقرن، فعن علي أن النبي - ﷺ - نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن. قال قتادة لسعيد بن المسيب: ما الأعضب؟ قال: النصف فما فوقه. هذا لفظ أبي داود، برقم ٢٨٠٥،في كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا. ولفظ النسائي في كتاب الضحايا، باب العضباء، برقم ٤٣٨٩: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُضحى بأعضب القرن» فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب؟ قال: «نعم الأعضب النصف وأكثر من ذلك».ولفظ الترمذي في كتاب الأضاحي، باب في الضحية بعضباء القرن والأذن برقم ١٥٠٤ عن قتادة عن جري بن كليب الهندي عن علي قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن نضحي بأعضب القرن والأذن»،قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: العضب ما بلغ النصف فما فوق ذلك. ولفظ ابن ماجه في كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يُضحَّى به، برقم ٣١٤٥، عن علي قال: «إن رسول الله - ﷺ - نهى أن يضحى بأعضب القرن والأذن». ولفظ الإمام أحمد في المسند ١/ ١٢٩: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُضحَّى بعضباء القرن والأذن»، وحديث علي - ﵁ - في النهي عن التضحية بعضباء القرن والأذن قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٣/ ٤٧٩: «حديث علي - ﵁ - صححه الترمذي ... وسكت عنه أبو داود»، وتكلم على إسناده أحمد شاكر في المسند، برقم ٦٣٣، وقال: «إسناده صحيح»، ولكن الألباني ضعفه في ضعيف ابن ماجه، وضعيف النسائي، وضعيف أبي داود، وضعيف الترمذي، وفي إرواء الغليل، برقم ١١٤٩ قال: «منكر». وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار لابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٢١: «حديث علي صحيح»، والله - ﷿ - أعلم.\nقال الشوكاني: «فيه دليل على أنها لا تجزئ التضحية بأعضب القرن والأذن وهو ما ذهب نصف قرنه أو أذنه، وذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور إلى أنها تجزئ التضحية بمكسور القرن مطلقًا ... فالظاهر أن مكسورة القرن لا تجوز التضحية بها إلا أن يكون الذاهب من القرن مقدارًا يسيرًا، بحيث لا يقال لها عضباء؛ لأجله، أو يكون دون النصف ... وكذلك لا تجزئ التضحية بأعضب الأذن وهو ما صدق عليه اسم العضب ...» [نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٤٧٩].\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٤٣٧٢ بتاريخ ٢/ ٧/١٤١٧هـ: «النقص كالشرق أو الخرق مكروه وكذلك المقابلة والمدابرة إلا إذا كان ذلك أكثر من نصف الأذن أو القرن فهذا لا يجزئ، فيكون غير المجزئ خمس: العوراء البين عورها، والعرجاء البين ظلعها، والهزيلة التي لا تنقى، والمريضة البين مرضها، والعضباء: وهي ما ذهب نصف قرنها أو أذنها»، وسمعته يصحح حديث علي في عضباء الأذن والقرن أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ٢٧٢١.\nواختار الإمام الخرقي في مختصره أن عضباء الأذن والقرن لا تجزئ، وقال ابن قدامة في المغني شارحًا ذلك: «أما العيوب الأربعة الأولى فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا بأنها تمنع الإجزاء ... وأما العضب وهو ذهاب نصف الأذن والقرن، وذلك يمنع الإجزاء أيضًا، وبه قال النخعي، وأبو يوسف، ومحمد. وقال أبو حنيفة والشافعي تجزئ مكسورة القرن ...» ثم رجح أن عضباء الأذن والقرن لا تجزئ. المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠.","vol":"2","page":945},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1681>وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1682>الأولى: البتراء</span>، وهي التي قطع ذنبها: من الإبل، والبقر، والمعز، فتكره التضحية بها؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي - ﵁ - (١) وبالقياس على العضباء، قال ابن الأثير ﵀ في معنى البتراء: «هي التي قطع ذنبها» (٢)؛ لأن في الذنب مصلحة للحيوان، ودفاعًا لما يؤذيه، وجمالًا لمؤخره، وفي قطعه فوات هذه الأمور. وأما البتراء بأصل الخلقة فلا تكره ولكن غيرها أولى.\nوأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فلا تجزئ، لأن ذلك نقص بيّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوع لا ألية له بأصل الخلقة أجزأت بدون كراهة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1683>الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها</span>؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي - ﵁ - (٤)، قال ابن الأثير ﵀ في الجدعاء: «الجدع قطع الأنف،\n_________\n(١) ولفظه عند النسائي: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نُضحّي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا بتراء، ولا خرقاء ...» الحديث أخرجه الخمسة وهذا لفظ النسائي، برقم ٤٣٧٢، وتقدم الكلام عليه.\n(٢) النهاية في غريب الحديث، ١/ ٩٣.\n(٣) انظر: أحكام الأضحية لابن عثيمين، ص٤٠.\n(٤) ولفظه عند النسائي: «نهى رسول الله - ﷺ -: أن نضحي بمقابلة، أو مدابرة، أو شرقاء، أو خرقاء، أو جدعاء»، برقم ٤٣٧٤، وتقدم تخريجه والكلام عليه.","vol":"2","page":947},{"text":"والأذن، والشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1684>الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به</span>، قياسًا على العضباء، فأما ما قطعت خصيتاه فلا تكره التضحية به؛ لأن الخصاء يزيد سمنه، وطيب لحمه (٢). وغير ذلك من العيوب التي ذكرها أهل العلم التي تكره التضحية بها (٣)، والله تعالى أعلم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1685>٨ - تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة، والبقرة عن سبعة</span>؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، حينما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال: «كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى» (٤). قال الإمام الترمذي ﵀: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق» (٥).\nوأما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: «نحرنا مع رسول الله - ﷺ - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة». وفي لفظ: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - مهلين بالحج فأمرنا رسول الله - ﷺ - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة». وفي لفظ: «حججنا مع رسول الله - ﷺ - فنحرنا البعير عن سبعة،\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، ١/ ٢٤٦.\n(٢) أحكام الأضاحي للعلامة ابن عثيمين، ص٤١.\n(٣) ذكر من ذلك الهتماء التي سقطت بعض أسنانها، وكذلك ما قطع شيء من حلمات ضرعها، قياسًا على العضباء، والله - ﷿ - أعلم. انظر: أحكام الأضحية لابن عثيمين، ص٤١.\n(٤) الترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، برقم ١٥٠٥، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب من ضحى بشاة عن أهله، برقم ٣١٤٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١١٤٢.\n(٥) سنن الترمذي، الحديث رقم ١٥٠٥.","vol":"2","page":948},{"text":"والبقرة عن سبعة» (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة - ﵃ -، وبه قال: عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي» (٢). ولكن هل يجزئ سُبع البدنة أو سُبع البقرة عن الرجل وأهل بيته أم لا يجزئ السبع إلا عن واحد: قولان لأهل العلم، والذي مالت إليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن سُبع البدنة وسبع البقرة لا يجزئ إلا عن واحد والله - ﷿ - أعلم، أما الشاة فتجزئ عن الرجل وأهل بيته (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1686>٩ - تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة</span>، أو بذبحها يوم العيد بنية الأضحية، فإذا تعينت الأضحية تعلقت بها الأحكام الآتية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1687>الحكم الأول: زوال ملكه عنها</span>، فلا يجوز له بيعها، ولا هبتها، ولا إبدالها إلا بخير منها؛ لأنه جعلها لله تعالى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1688>الحكم الثاني: لا يتصرف فيها تصرفًا مطلقًا </span>فلا يستعملها في حرث، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها، أو يحتاجه ولدها المتعين معها، ولا يجزّ شيئًا من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها، وإذا جزَّه فليتصدق به أو ينتفع به\n_________\n(١) مسلم، كتاب الحج، باب جواز الاشتراك في الهدي، وإجزاء البدنة والبقرة كل واحدة منهما عن سبعة، برقم ١٣١٨.\n(٢) المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٦٣.\n(٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٣٩٦، وانظر: حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٤/ ٢٢٠، فقد قال: «وأما التشريك في سبع منها فمفهوم هذا الحديث وحديث تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته أنه لا يجزئ شرك في سبع من بدنة أو بقرة وجزم به شيخنا وغيره». وقال شيخنا عبد العزيز ابن باز: «في إجزاء السبع من البدنة والبقرة عن الرجل وأهل بيته توقف من بعض أهل العلم، والراجح أنه يجزئ عن الرجل وأهل بيته؛ لأنهم في معنى الشخص الواحد» مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٤٤ - ٤٥.","vol":"2","page":949},{"text":"والصدقة به أفضل، وإن ولدت ذبح ولدها معها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1689>الحكم الثالث: إذا حصل لها عيب يمنع الإجزاء: </span>كالعرج البيّن، فإن كان هذا العيب بتفريط منه لزمه إبدالها بسليمة، وإن كان بدون فعل منه ولا تفريط فإنه يذبحها وتجزئه ما لم تكن واجبة في ذمته قبل التعيين، كما لو نذر أن يُضحّي ثم عيَّن نذره فتعيبت بدون فعل منه ولا تفريط لزمه إبدالها بسليمة؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1690>الحكم الرابع: إذا ضاعت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه </span>إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق لزمه ذبحها، ولو فات وقت الذبح، أما إذا كان ضياعها أو سرقتها بتفريط منه لزمه إبدالها بمثلها أو أفضل. والله أعلم (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1691>الحكم الخامس: لا يجوز بيع شيء من الأضحية، لا جلدها، ولا لحمها</span>، ولا يعطي الجزار أجرته منها؛ لحديث علي - ﵁ - قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها، وجلودها، وأجلَّتها، وأن لا أعطي الجزار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا»، وفي لفظ لمسلم: «أن النبي - ﷺ - أمره أن يقوم على بدنه، وأمره أن يقسم بدنه كلها: لحومها، وجلودها، وجلالها، في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا» (٢).\nلكن إذا دفع إلى جازرها شيئًا، لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس، والأفضل أن يعطيه أجرته كاملة أولًا، ثم يعطيه منها؛ لئلا تقع مسامحة\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة، ١٣/ ٣٧٣ - ٣٧٨، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٩/ ٣٧٢ - ٤٠٦، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٨، وأحكام الأضحية للعثيمين، ص٤٢ - ٤٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي، برقم ١٧١٧،ومسلم، كتاب الحج، باب الصدقة بلحوم الهدايا وجلودها، وجلالها، وأن لا يعطى الجزار منها شيئًا، برقم ١٣١٧.","vol":"2","page":950},{"text":"في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1692>١٠ - يأكل من أضحيته ويتصدق</span>؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٢)، وعن عبد الله بن واقد - ﵁ - في بيان الأكل من الأضاحي وفيه: «فكلوا، وادَّخِروا، وتصدَّقوا». وفي لفظ: «كلوا وتزوَّدوا» (٣)، وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي - ﷺ - إلى المدينة». وقال غير مرة: «لحوم الهدي» (٤)، وعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - في حديثه عن الأكل من لحوم الأضاحي، وفيه: «كلوا وأطعموا، وادخروا» (٥). وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ - فيه: «كلوا، وأطعموا، واحبسوا، أو ادَّخروا» (٦).\nواستحب كثير من العلماء للمُضحّي أن يقسم أضحيته أثلاثًا: ثلثًا للادّخار، وثلثًا للصدقة، وثلثًا للأكل؛ لقوله - ﷺ -: «فكلوا وادَّخروا وتصدقوا» (٧) (٨).\nواستحب بعضهم أن يقسمها أثلاثًا: يأكل ثلثًا، ويُهدي ثلثًا، ويتصدق بثلث؛ للآثار في ذلك (٩).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٥٥٦.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٢٨.\n(٣) مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته، برقم ١٩٧١.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي، برقم٥٥٦٧، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته، برقم ١٩٧٢.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي، وما يتزود منها، برقم ٥٥٦٩،ومسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته برقم ١٩٧٤.\n(٦) مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، برقم ١٩٧٣.\n(٧) مسلم، برقم١٩٧١، وتقدم تخريجه في الصفحات السابقة.\n(٨) سبل السلام للصنعاني، ٧/ ٢٧٠.\n(٩) انظر: المغني، لابن قدامة، ١٣/ ٣٧٩، قال ابن قدامة: (ولنا ما روي عن ابن عباس في صفة ضحية النبي - ﷺ -،قال: «ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السوَّال بالثلث»،رواه الحافظ أبو موسى الأصبهاني في الوظائف، وقال: «حديث حسن»؛ ولأنه قول ابن مسعود، وابن عمر، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة، فكان إجماعًا. ا. هـ. المغني، ١٣/ ٣٨٠، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٩/ ٤١٤ - ٤١٨.","vol":"2","page":951},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1693>١١ - صفة ذبح الأضاحي وغيرها مما يُذكَّى على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1694>أ- لا يذبح إلا المسلم المميز العاقل، أو الكتابي</span>، ويقصد المذكي التذكية، ولا يذبح لغير الله، ولا يهل لغير الله، ويسمي عند الذبح أو النحر، ويذكي بآلة حادة غير سنٍّ ولا ظُفرٍ، وينهر الدم في موضعه، ولا بد أن يكون المذكي مأذونًا في ذكاته شرعًا (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1695>ب- يراعي المضحي الأمور الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1696>الأمر الأول: يختار الأضحية</span>، فيحرص على أكمل الأضاحي؛ لأن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد (٢)،وينظر في سواد، فأُتي به، ليضحي به، قال لعائشة: «هلُمّي (٣) المدية» (٤)،ثم قال: «اشحذيها بحجر» (٥).ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبش، ثم ذبحه، ثم قال: «بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به» (٦). وعن أنس قال: «ضحَّى رسول الله - ﷺ - بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما». وفي لفظ لمسلم: «ويقول باسم الله والله أكبر».وفي لفظ للبخاري: «كان رسول الله - ﷺ - يُضحّي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين» (٧).\n_________\n(١) أحكام الأضحية للعلامة محمد بن عثيمين، ص٥٦ - ٨٧،وذكر هذه الشروط التسعة بالأدلة، فراجعها.\n(٢) يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد: أي قوائمه سود، وبطنه أسود، وما حول عينيه أسود.\n(٣) هلمي: أي هاتيها. شرح النووي على مسلم، ١٣/ ١٢٠.\n(٤) المدية: السكين. المرجع السابق، ١٣/ ١٢٠.\n(٥) اشحذيها: حدديها، شرح النووي على مسلم، ١٣/ ١٢٠.\n(٦) مسلم، كتاب الأضاحي، باب استحباب استحسان الضحية، وذبحها مباشرة بلا توكيل، والتسمية والتكبير، برقم١٩٦٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٥٥٣،ومسلم، برقم ١٩٦٦،وتقدم تخريجه في أول الأضحية.","vol":"2","page":952},{"text":"ويختار السمين العظيم؛ لقول أبي أمامة بن سهل، قال: «كنَّا نُسمّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمّنون» (١). وهذا من تعظيم شعائر الله (٢)، وغير ذلك من الصفات الحسنة، التي تزيد الأضحية كمالًا، وجمالًا؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا (٣)، وإن ضحى بكبشين فلا بأس، فعن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين» (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «إذا ضحى بكبشين تأسيًا به - ﷺ - فلا حرج» (٥). وعن عائشة وأبي هريرة ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد - ﷺ -» (٦).\nوعن أبي سعيد - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - يضحي بكبش أقرن، فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1697>الأمر الثاني: الإحسان إلى الذبيحة</span>، فيعمل كل ما يريحها عند الذَّكاة،\n_________\n(١) البخاري، الأضاحي، باب أضحية النبي - ﷺ - بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، رقم الباالنحل، قبل الحديث رقم٥٥٥٣.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٣٦.\n(٣) ومن الصفات التي ثبتت في الأحاديث في أضحية النبي - ﷺ - الصفات الآتية:\n١ - الكبش.٢ - الأقرن.٣ - الأملح.٤ - قوائمه سوداء.٥ - بطنه أسود.٦ - ما حول عينيه أسود.\n٧ - يأكل في سواد. ٨ - عظيم. ٩ - موجوء.١٠ - سمين.١١ - فحيل، وجاء في صحيح أبي عوانة كما قال ابن حجر في البلوغ ١٢ - ثمين. انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٥٥٣،ومسلم، برقم ٩٦٦،وتقدم تخريجه في أول الأضحية.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم٥٥٥٣.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله - ﷺ -، برقم٣١٢٢، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٨١.\n(٧) أبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحسن من الضحايا، برقم٢٧٩٦، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ١٨٤، ورواه الترمذي، كتاب الأضاحي عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء ما يستحب من الأضاحي، برقم ١٤٩٦، والنسائي، كتاب الضحايا، باب الكبش، برقم ٤٤٠٢.","vol":"2","page":953},{"text":"ومن ذلك: أن يكون الذبح بآلة حادَّة، وأن يمرها على محل الذبح بقوة وسرعة؛ لأن المطلوب الإسراع في إزهاق النفس على أكمل الوجوه من غير تعذيب؛ لحديث شداد بن أوس - ﵁ - قال: «ثنتان حفظتهما عن رسول الله - ﷺ -، قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدُكم شفرته، فليُرِحْ ذبيحته» (١). ويكره أن يحدَّ السكين والبهيمة تنظر إليه؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: «أمر النبي - ﷺ - بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وقال: «إذا ذبح أحدكم فليُجْهِزْ» (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: مر رسول الله - ﷺ - على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: «أفلا قبل هذا؟ أو تريد أن تميتها موتات»؟ ولفظ الحاكم: «أتريد أن تميتها موتان؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها» (٣). قال الإمام النووي ﵀: «ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة الذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة الأخرى، ولا يجرها إلى مذبحها» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1698>الأمر الثالث: إذا كانت الضحية من الإبل نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى</span>، لقول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مّن شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا\n_________\n(١) مسلم، كتاب العيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، برقم١٩٥٥.\n(٢) أحمد في المسند، ٢/ ١٠٨، وابن ماجه، كتاب الذبائح، باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، برقم ٣١٧٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٦٣١، وضعفه في ضعيف ابن ماجه، ص٢٥٥، وذكر أنه صححه من طريق أحمد، وقال وانظر: «الصحيحة٣١٣٠».\n(٣) الطبراني في الكبير، ١١/ ٣٣٢، برقم ١١٩١٦، والأوسط، برقم١٦١، [مجمع البحرين]، والحاكم، قال المنذري في الترغيب: «ورجاله رجال الصحيح»، وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري»، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٦٣٠، وقال في مجمع الزوائد،٤/ ٣٣: «رجاله رجال الصحيح».\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٣/ ١١٣، وانظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٩٤ - ٩٥.","vol":"2","page":954},{"text":"وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١).قال ابن عباس ﵄: «قيامًا على ثلاث معقولة يدها اليسرى» (٢).وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها» (٣).وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمد - ﷺ -» (٤). فإن لم يتيسر له نحرها قائمة جاز له نحرها باركة إذا أتى بما يجب في الذكاة؛ لحصول المقصود بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1699>الأمر الرابع: إذا كانت الضحية من غير الإبل ذبحها مضجعة على جنبها الأيسر</span>، ويضع رجله على صفحة عنقها، ليتمكن منها؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: «ضحى رسول الله - ﷺ - بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» (٥)، فإن كان الذابح لا يستطيع أن يذبح بيمينه ويعمل بيده اليسرى عمل اليمنى وكان الأيسر له أن يضجعها على الجنب الأيمن فلا بأس أن يضجعها عليه؛ لأن المهم راحة الذبيحة (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1700>الأمر الخامس: أن يستقبل القبلة عند الذبح</span>؛ لما رُوي عن النبي - ﷺ - من حديث جابر قال: «ضحى رسول الله - ﷺ - يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما: «إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض» (٧).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٣٦.\n(٢) تفسير ابن كثير، ١٣/ ٢٢٢.\n(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف تنحر البدن؟ برقم١٧٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٩٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة، برقم١٧١٣، ومسلم، كتاب الحج، باب نحر الإبل قيامًا مقيدة، برقم١٣٢٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٥٥٣،ومسلم، برقم ١٩٦٦.وتقدم تخريجه في أول الأضحية.\n(٦) انظر: أحكام الأضاحي، لابن عثيمين، ص٨٨ - ٨٩.\n(٧) ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله - ﷺ -، برقم ٣١٢١، وأبو داود، كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، برقم ٢٧٩٥، والبيهقي، ٩/ ٢٨٥، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه، ص٢٥٠، وانظر: إرواء الغليل، ٤/ ٣٥٠.","vol":"2","page":955},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1701>الأمر السادس: التسمية عند الذبح والنحر</span>، وهي واجبة، لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢)؛ ولقول النبي - ﷺ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ما لم يكن سن ولا ظفر» (٣). وذكر اسم الله تعالى على الذبح أو النحر شرط من شروط ذكاة الحيوان (٤)، ويستحب التكبير: «الله أكبر» مع التسمية (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1702>الأمر السابع: من الآداب المستحبة أن يسمي عند ذبح الأضحية من هي له</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - الأضحى في المصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره وأُتي بكبش فذبحه رسول الله - ﷺ - بيده، وقال: «بسم الله والله أكبر، هذا عني وعن من لم يضحّ من أمتي» (٦)؛ ولحديث أبي رافع - ﵁ - قال: «ضحى رسول الله - ﷺ - بكبشين، أملحين، موجبين (٧)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول الله - ﷺ - قد كفانا».\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١١٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.\n(٣) متفق عليه من حديث رافع بن خديج: البخاري، كتاب الذبائح والعيد، باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابه، لم تؤكل، برقم٥٥٤٣،ومسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، برقم١٩٦٨.\n(٤) انظر: أحكام الأضاحي لابن عثيمين، ص٥٦ - ٨٧.\n(٥) المرجع السابق، ص٩١.\n(٦) أبو داود، كتاب الضحايا، باب في الشاة يضحى بها عن جماعة، برقم ٢٨١٠، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما يقول إذا ذبح، برقم١٥٢١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ٢/ ١٨٨، وصحيح الترمذي.\n(٧) موجبين: وفي مجمع الزوائد٤/ ٢٢: «موجوءين».","vol":"2","page":956},{"text":"وفي رواية لأحمد: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أُتيَ بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: «اللهم إن هذا عن أمتي جميعًا ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ». ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: «هذا عن محمد وآل محمد» فيطعمهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله - ﷺ - والغُرْمَ» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1703>الأمر الثامن: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وإنهار الدم: </span>أي إجراؤه من شروط صحة الذكاة، ولكن استكمال هذه الأربعة يكون نهاية الكمال، وهي:\nأ- الحلقوم: وهو مجرى النفس [القصبة الهوائية].\nب- المريء: وهو مجرى الطعام والشراب.\nج - د - الودجان: وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء فمتى قطعت هذه الأشياء الأربعة حلَّت المذكاة بإجماع أهل العلم (٢). ولا يتجاوز ذلك إلى النخاع فإنه لا يشرع (٣). وذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن التذكية الشرعية للإبل والبقر والغنم: على ثلاث حالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1704>الحالة الأولى: أن يقطع الذابح: الحلقوم، والمريء، والودجين</span>، وهو أكمل الذبح وأحسنه، فإذا قطعت هذه الأربعة فالذبح حلال عند جميع العلماء.\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٦/ ٨، و٦/ ٣٩١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم١١٤٧.\n(٢) انظر: بداية المجتهد، لابن رشد، ١/ ٣٢٥ - ٣٣٢، أحكام الأضاحي للعلامة ابن عثيمين، ص٧٢ - ٨١، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٨/ ٢٦.\n(٣) بداية المجتهد١،/٣٢٧، وذكر أن الإمام مالك كرهه إذا تمادى في القطع ولم ينوِ قطع النخاع من أول الأمر؛ لأنه إن نوى ذلك فكأنه نوى التذكية على غير الصفة الجائزة، وقال مطرف والماجشون: لا تؤكل إن قطعها متعمدًا دون جهل، وتؤكل إن قطعها ساهيًا أو جاهلًا، ١/ ٣٢٧.","vol":"2","page":957},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1705>الحالة الثانية: أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين </span>وهذا حلال صحيح وطيب وإن كان دون الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1706>والحالة الثالثة: أن يقطع الحلقوم والمريء فقط دون الودجين </span>وهو أيضًا صحيح، وقال به جمع من أهل العلم، ودليلهم قوله - ﷺ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السن والظفر» (١)، وهذا هو المختار في هذه المسألة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1707>الأمر التاسع: يدعو عند ذبح الأضحية بالقبول</span>؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد» (٣). وفي حديث جابر: «اللهم منك ولك» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1708>الثالث عشر: المنكرات في العيد التي يفعلها كثير من الناس كثيرة لا يمكن حصرها</span>، ولكن منها ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1709>١ - الشرك بالله تعالى بالتقرب لأصحاب القبور ودعائهم من دون الله </span>في بعض الأمصار والبلدان، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٦). وحد الشرك الأكبر الذي يجمع أنواعه وأفراده:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم٢٥٤٣، ومسلم، برقم١٩٦٨، وتقدم تخريجه في التسمية عند الذبح.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٨/ ٢٦.\n(٣) مسلم، برقم١٩٦٧، وتقدم تخريجه في صفة ذبح الأضحية.\n(٤) أبو داود، برقم٢٧٩٥، وابن ماجه، برقم٣١٢١، وتقدم تخريجه في التوجيه إلى القبلة، وقد قال العلامة الألباني: هذه الجملة لها شاهد من حديث أبي سعيد عند أبي يعلى، فانظر: مجمع الزوائد،\n٤/ ٢٢، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم١١٥٢.\n(٥) سورة يونس، الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧.\n(٦) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"2","page":958},{"text":"أن يصرف العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله، فكل اعتقاد أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده: توحيد، وإيمان، وإخلاص، وصرفه لغير الله: شرك وكفر، وهذا ضابط للشرك الأكبر لا يشذ عنه شيء، وأما حد الشرك الأصغر فهو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر: من الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1710>٢ - إسبال الثياب، والمشالح، والسراويل</span>، وغير ذلك من أنواع ألبسة الرجال التي تنزل تحت الكعبين، فكثير من الناس يوم العيد يلبس الملابس وقد خطت على الأرض تكنس الشوارع والأرصفة، وقد قال النبي - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». فقرأها رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات - قال أبو ذر: «خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار» (٣).\nوعن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى مَن جرَّ إزاره بطرًا» (٥).\n_________\n(١) القول السديد في مقاصد التوحيد، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص٣١، ٣٢، ٥٤.\n(٢) مسلم، كتاب المن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، برقم١٠٦.\n(٣) البخاري، كتاب اللباس، باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار، برقم ٥٧٨٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب من جر إزاره من غير خيلاء، برقم ٥٧٨٤، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء، برقم ٢٠٨٥.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، برقم ٥٧٨٨، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم جر الثوب خيلاء، برقم ٢٠٨٧.","vol":"2","page":959},{"text":"وعن سالم بن عبد الله أن أباه حدثه أن رسول الله - ﷺ - قال: «بينما رجل يجرّ إزاره خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» (١).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: «مررت على رسول الله - ﷺ - وفي إزاري استرخاء، فقال: «يا عبد الله، ارفع إزارك» فرفعته، ثم قال: «زد» فزدت، فما زلت أتحراها بعد، فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: «إلى أنصاف الساقين» (٢).\nوعن أبي جريٍّ جابر بن سُليم يرفعه وفيه: «وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة» (٣).\nوعن عبد الرحمن بن الحلاج، قال: سألت أبا سعيد الخدري عن الإزار؟ فقال: على الخبير سقطت، قال رسول الله - ﷺ -: «إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج - أو لا جُناح - فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جرَّ إزاره لم ينظر الله إليه» (٤).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، من جرَّ منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (٥).\nوعن أم سلمة ﵂ زوج النبي - ﷺ - أنها قالت لرسول الله - ﷺ - حين ذكر الإزار: فالمرأة يا رسول الله؟ قال: «ترخي شبرًا» قالت أم سلمة: إذًا\n_________\n(١) البخاري، كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، برقم٥٧٩٠.\n(٢) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم الثوب خيلاء، برقم٢٠٨٦.\n(٣) أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار، برقم٤٠٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٤٠٨٤.\n(٤) أبو داود، كتاب اللباس، باب في قدر موضع الإزار، برقم٤٠٩٣.\n(٥) أبو داود، كتاب اللباس، باب موضع الإزار، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٤٠٩٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم١١٩٤.","vol":"2","page":960},{"text":"ينكشف عنها! قال: «فذراعًا لا تزيد عليه» (١).\nوعن ابن عمر - ﵁ - قال: رخَّص رسول الله - ﷺ - لأمهات المؤمنين في الذيل شبرًا ثم استأذننه فزادهن شبرًا، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهنَّ ذراعًا (٢).\nوهذه الأحاديث تدل على أن إسبال الثياب والعمائم، والمشالح، والسراويل من كبائر الذنوب. وأن المسبل من الرجال إن كان متكبرًا فقد ارتكب كبيرتين: الكبر، والإسبال، وإن لم يكن متكبرًا فقد ارتكب كبيرة الإسبال.\nوعن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: رأيت النبي - ﷺ - آخذًا بحجزة سفيان بن أبي سهل وهو يقول: «يا سفيان بن أبي سهل لا تسبل إزارك فإن الله لا يحب المسبلين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1711>٣ - الكبر: بعض الناس أيام العيد يحتقر الناس ويتكبر عليهم</span>، ويعجب بنفسه، ويختال في مشيته، وهذا محرم في جميع الأوقات، قال الله - ﷿ -: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٥).وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ (٦). وقال سبحانه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ\n_________\n(١) أبو داود، كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، برقم٤١١٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٤١١٧.\n(٢) أبو داود، كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، برقم ٤١١٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٤١١٩.\n(٣) أخرجه أحمد،٤/ ٢٤٦، ٤/ ٢٥٠،وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «إسناده جيد».\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٣٧.\n(٥) سورة لقمان، الآية: ١٨.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٤٦.","vol":"2","page":961},{"text":"الْحَرِيقِ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢).وقال - ﷿ -: ﴿إنهُ لا يُحبُّ الْمُستكبرينَ﴾ (٣). وقال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤).وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بينما رجل يمشي في حُلَّةٍ تعجبه نفسه، مرجّلٌ جُمَّته، إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» (٦).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ -،عن النبي - ﷺ - قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس» (٧).\nوعن سلمة بن الأكوع - ﵁ - «أن رجلًا أكل عند رسول الله - ﷺ - بشماله، فقال: «كل بيمينك»،قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت ما منعه إلا الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه» (٨).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -، قال الله - ﷿ -: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» (٩).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٩.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٤٠.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٢٦.\n(٥) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، في كتاب اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، برقم ٥٧٨٩، ومسلم، كتاب اللباس، باب تحريم التبختر في المشي، مع إعجابه بثيابه، برقم٢٠٨٨.\n(٧) مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم٩١.\n(٨) مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، برقم ٢٠٢١.\n(٩) أبو داود، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، برقم ٤٠٩٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود.","vol":"2","page":962},{"text":"ولفظ مسلم: «العزّ إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته» (١).\nوعن عياض بن حمار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله تعالى» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: كانت ناقة النبي - ﷺ - تسمى العضباء، وكانت لا تُسْبَق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبقت العضباء، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن حقًّا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه» (٤).\nوعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات: فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية، وأما الكفارات: فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر، برقم٢٦٢٠.\n(٢) مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب الصفات التي يُعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، برقم ٦٤ - (٢٨٦٥).\n(٣) مسلم، كتاب البر الصلة، باب استحباب العفو والتواضع، برقم٢٥٨٨.\n(٤) البخاري كتاب الرقائق، باب التواضع، برقم ٦٥٠١.\n(٥) المعجم الأوسط للطبراني، [مجمع البحرين في زوائد المعجمين، ١/ ١٥٦، برقم١٤٢]، وله شاهد من حديث أنس في المرجع نفسه، برقم ١٤١، ١/ ١٥٥. وذكر الألباني أنه روي عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن عمر، وذكرها ثم قال: «وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن على أقل الدرجات إنشاء الله تعالى». الأحاديث الصحيحة، برقم ١٨٠٢، ٤/ ٤١٦، وحسنه في صحيح الجامع، ٣/ ٦٧.","vol":"2","page":963},{"text":"وعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «من تَعظَّم في نفسه، أو اختال في مشيته لقي الله - ﷿ - وهو عليه غضبان» (١).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي - ﷺ -: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى بُولَس، تعلوهم نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار، طينة الخبال» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1712>٤ - الغناء، والمزامير، والمعازف: </span>بعض الناس يُضيّعون أوقات العيد المبارك في الاجتماع على مزامير الشيطان، وآلات اللهو المحرمة، قال الله - ﷿ - للشيطان: ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا *وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (٣). قال مجاهد في تفسير الصوت هنا: باللهو، والغناء: أي استشغفهم بذلك (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥).ال ابن مسعود - ﵁ - في تفسير ذلك: «الغناء والله الذي لا إله إلا هو» يرددها ثلاث مرات، وتبع ابن مسعود عبد الله بن عباس، وجابر، ومجاهد - ﵃ - ورحمهم.\nوقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ *\n_________\n(١) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٥٤٩،وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ٥٤٣،وفي صحيح الأدب المفرد، ص٢٠٧،ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٦٠ بلفظ: «من تعاظم في نفسه واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان».\n(٢) أحمد، ٢/ ١١٨، والترمذي، كتاب صفة القيامة، باب حدثنا هناد، برقم ٢٤٩٢، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٥٥٧، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٦٠٢،وفي صحيح الأدب المفرد، ص٢١٠.\n(٣) سورة الإسراء، الآيات: ٦٢ - ٦٤.\n(٤) تفسير ابن كثير، ٣/ ٥٠.\n(٥) سورة لقمان، الآيتان: ٦ - ٧.","vol":"2","page":964},{"text":"وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ (١). قال ابن عباس في السمود: هو الغناء، ويقال: اسمدي لنا: أي غني لنا، والسمد أيضًا: الغفلة واللهو عن الشيء. وقال - ﷿ -: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٢). واللهو كل ما ألهى عن طاعة الله، واللعب كل ما لا فائدة فيه.\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٣). والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق.\nوعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - يرفعه: «ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير» (٤). وعنه - ﵁ - يرفعه: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير، والخمر، والمعازف» (٥). وعن أنس مرفوعًا: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة، ورنة عند مصيبة» (٦).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله حرَّم\nعليكم: الخمر، والميسر، والكوبة (٧)، وقال: كل مسكر حرام» (٨).\n_________\n(١) سورة النجم، الآيات: ٥٩ - ٦١.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٥١.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٣٥.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات، برقم٤٠٢٠،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٣١٧.\n(٥) البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر، ويسميه بغير اسمه، برقم ٥٥٩٠، قال شيخنا ابن باز أثناء تقريره على صحيح البخاري على هذا الحديث: «وكلام ابن حزم فاسد حيث يرى أن هذا الحديث ليس متصلًا».\n(٦) ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى البزار، والضياء المقدسي في المختارة، وعزاه الألباني إلى أبي بكر الشافعي في الرباعيات، وذكر له شاهدًا عند الحاكم، ٤/ ٤٠، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٦٩٥، وانظر: الأحاديث الصحيحة، رقم٤٢٨.\n(٧) الكوبة: الطبل كما في رواية أبي داود، برقم ٣٦٩٦.\n(٨) أحمد بلفظه، ١/ ٣٥٠، و٢٧٤، ٢٧٨، ٢٨٩، وأبو داود، كتاب الأشربة، باب في الأوعية، برقم٣٦٩٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧٠٥، وفي الأحاديث الصحيحة ١٨٠٦.","vol":"2","page":965},{"text":"وجاء عن ابن مسعود - ﵁ -: «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل». وفي رواية: «الزرع».\nوقال الإمام مالك ﵀: «إنما يفعله عندنا الفساق».\nوقال عمر بن عبد العزيز ﵀: «بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن».\nوقال الضحاك ﵀: «الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب».\nوقال الفضيل بن عياض ﵀: «الغناء رائد الفجور».\nوقال الوليد بن عبد الملك ﵀: «الغناء داعية الزنا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>٥ - حلق اللحى يكثر عند أمة من البشر يوم العيد</span>، وهو محرم؛ لقول النبي - ﷺ -: «خالفوا المشركين وفّروا اللحى وأحفّوا الشوارب». وفي لفظ: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «جزُّوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» (٣).وفي حديث زيد بن أرقم: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» (٤).\nفلا يجوز لمسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ - حقًا بعد سماعه لهذه الأحاديث أن يأخذ من لحيته شيئًا، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1714>٦ - مصافحة النساء من غير المحارم محرمة في كل وقت</span>، وقد وقع بعض ضعفاء الإيمان في هذا المُحرَّم، وخاصة أيام الأعياد والأفراح، ومما يؤكد تحريم مصافحة النساء الأجنبيات حديث معقل بن يسار - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لَأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد\nخير له من أن يمس امرأة لا تحلُّ له» (٥). وقد ذكرت عائشة ﵂\n_________\n(١) انظر هذه الأقوال: إغاثة اللهفان لابن القيم، ١/ ٣٤٧ - ٣٩٩.\n(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، البخاري برقم ٥٨٩٢، ورقم ٥٨٩٣، ومسلم، برقم ٢٥٩، وتقدم تخريجه في الطهارة: سنن الفطرة.\n(٣) مسلم، برقم ٢٦٠، وتقدم تخريجه في الطهارة، سنن الفطرة.\n(٤) الترمذي، برقم ٢٧٦١،والنسائي، برقم ١٣،وصححه الألباني، وتقدم تخريجه في الطهارة، سنن الفطرة.\n(٥) الطبراني في الكبير،٢٠/ ٢١١ - ٢١٢،برقم ٤٨٦، ٤٨٧،وقال المنذري في الترغيب والترهيب،\n٢/ ٦٥٧: «رواه الطبراني والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح»، حسنه الألباني في غاية المرام، برقم ١٩٦،والأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٦.","vol":"2","page":966},{"text":"كيفية بيعة النبي - ﷺ - للنساء، ثم قالت: «وكان رسول الله - ﷺ - إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله - ﷺ -: «انطلقن فقد بايعتكن» ولا والله ما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1715>٧ - التشبه بالكفار والمشركين، في الملابس وغيرها</span>، سواء كان التشبه من الرجال أو النساء، فلا يجوز لمسلم أن يتشبه بأعداء الله ورسوله؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمحي، وجُعل الذلّ والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1716>٨ - تشبه الرجال بالنساء في الملابس أو الحركات، أو الزينة </span>أو مما هو من خصائص النساء، وتشبه النساء بالرجال كذلك، وهذا يحصل في الأعياد وفي غيرها، وهو محرم لا يجوز؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال» وفي لفظ: «لعن النبي - ﷺ - المخنثين (٣) من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم» فأخرج النبي - ﷺ - فلانًا، وأخرج عمر فلانًا» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1717>٩ - الخلوة بالنساء أيام الأعياد، أو الأفراح أو غير ذلك محرمة</span>، ومن خلا بامرأة فالشيطان ثالثهما؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والدخول\nعلى النساء» فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحموَ؟ قال: «الحموُ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب كيف بيعة النساء، برقم ١٨٦٦.\n(٢) أحمد،٢/ ٥٠، ٩٢،وابن أبي شيبة في المصنف،٥/ ٣١٣،وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٥/ ١٠٩.\n(٣) المخنثين: المتشبهين بالنساء، والمترجلات: المتشبهات بالرجال، انظر فتح الباري لابن حجر، ١/ ٣٣٢.\n(٤) البخاري، كتاب اللباس، باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال، وباب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت، برقم ٥٨٨٥، ورقم ٥٨٨٦.","vol":"2","page":967},{"text":"الموت» (١) (٢). ولحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» (٣). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان» (٤). قال الترمذي ﵀: «وإنما معنى كراهية الدخول على النساء: على نحو ما روي عن النبي - ﷺ - قال: «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان». ومعنى قوله: «الحمو» يقال: هو أخو الزوج، كأنه كره له أن يخلو بها» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1718>١٠ - تبرج النساء وخروجهن من البيوت إلى الأسواق</span>، يكثر أيام العيد خروج النساء متبرجات إلا من عصم الله - ﷿ -،وهذا حرام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (٦).وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات (٧) مميلات (٨) مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت (٩)\nالمائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، والدخول على المغيبة، برقم٥٢٣٢،ومسلم، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية، برقم ٢١٧٢.\n(٢) الحمو: قريب الزوج، والمعنى: فليمت ولا يفعلن ذلك. الترغيب والترهيب للمنذري، ٢/ ٦٥٧.\n(٣) البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة، برقم ٥٢٣٣.\n(٤) مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية، برقم ٢١٧٣.\n(٥) الترمذي، كتاب الرضاع، باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات، برقم١١٧١ من كلام الترمذي.\n(٦) سورة الأحزاب، الآية: ٣٣.\n(٧) كاسيات عاريات: قيل: كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها، وقيل: تستر بعض بدنها وتكشف بعضه، وقيل: تلبس ثوبًا رقيقًا يصف لون بدنها. شرح النووي على صحيح مسلم،\n١٤/ ٣٥٦. ويدخل في ذلك والله أعلم: من تلبس ثوبًا ضيقًا يبين صورة عورتها.\n(٨) مميلات مائلات: قيل: مائلات عن طاعة الله مميلات: يعلمن غيرهن فعلهن المذموم، وقيل: مائلات: يتثنين متبخترات مميلات لأكتافهن، وقيل: مائلات: يمشطن المشطة المائلة مشطة البغايا، مميلات بمشطهن غيرهن تلك المشطة. شرح النووي،١٤/ ٣٥٧.\n(٩) رؤوسهن كأسنمة البخت: يكبرنها ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها. شرح النووي، ١٤/ ٣٥٧.","vol":"2","page":968},{"text":"وكذا».وفي لفظ: «وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1719>١١ - التبذير والإسراف</span>، يقول الله - ﷿ -: ﴿وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُورًا﴾ (٣). وقال النبي - ﷺ -: «كلوا واشربوا والبسوا، وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة» (٤).وعن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم» (٥).\nوعن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1720>١٢ - عدم العناية بالفقراء والمساكين</span>، وكثيرًا ما يُظهر أبناء الأغنياء السرور والفرح، ويأكلون المأكولات المتنوعة، يفعلون ذلك أمام الفقراء وأبنائهم، دون رحمة أو شفقة، ولا تعاون، وقد قال النبي - ﷺ -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1721>١٣ - عدم صلة الأرحام </span>بما يحتاجونه من مساعدات، أو زيارات، أو\n_________\n(١) مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النساء الكاسيات، برقم ٢١٢٨، وكتاب الجنة والنار، باب النار يدخلها الجبارون، برقم ٢١٢٨.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.\n(٣) سورة الإسراء، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(٤) البخاري، معلقًا، مجزومًا به، كتاب اللباس، باب قول الله تعالى: ﴿قُل مَن حرَّمَ زينةَ الله التي أخرجَ لعبادِهِ﴾، قبل الحديث رقم ٥٧٨٤.\n(٥) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، برقم ٢٤١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٧٢، والأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٦.\n(٦) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، برقم ٢٤١٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٧٢.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، برقم ١٣، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، برقم ٤٥.","vol":"2","page":969},{"text":"إحسان، أو إدخال سرور، أو غير ذلك من أنواع الإحسان؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: يقول: «من سره أن يُبسط له في رزقه أو يُنسأ له في أثره فليصل رحمه». وفي لفظ: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه» (١)؛ ولحديث جبير بن مطعم أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «لا يدخل الجنة قاطع» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك». قال رسول الله - ﷺ -: «فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾» (٣). وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفّهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (٤).\nوالله - ﷾ - ولي التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب البيوع، باب من أحب أن يبسط له في الرزق، برقم ٢٠٦٧،وكتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق، لصلة الرحم، برقم ٥٩٨٥، ورقم ٥٩٨٦،ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم ٢٥٥٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب إثم القاطع، برقم ٥٩٨٤، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم، برقم ٢٥٥٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأدب، باب من وصل وصله الله، برقم ٥٩٨٧، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم، برقم ٢٥٥٤، والآيات من سورة محمد ٢٢ - ٢٤.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم ٢٥٥٨.","vol":"2","page":970},{"text":"سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nصلاة المؤمن\nمفهوم، وفضائل، وآداب، وأنواع، وأحكام، وكيفية\nفي ضوء الكتاب والسنة\n\nتأليف الفقير إلى الله تعالى\nسعيد بن علي بن وهف القحطاني\n\nالجزء الثالث","vol":"3","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1722>المبحث الثاني والثلاثون: صلاة الكسوف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1723>أولًا: مفهوم الكسوف</span>،\n<span data-type=\"title\" id=toc-1724>الكسوف لغة: </span>التغير إلى سواد، يقال: كسفت حاله إذا تغيرت، وكسف وجهه إذا تغير، وكسفت الشمس: اسودَّت، وذهب شعاعها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1725>والخسوف لغة: </span>النقصان، يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا، إذا ذهب في الأرض، ويقال: عينٌ خاسفة: إذا غابت حدقتها، منقول من خسف القمر، وبئر مخسوفة: إذا غاب ماؤها ونزف، منقول من خسف الله القمر، وتُصوّرَ من خسف القمر مهانة تلحقه فاستعير الخسف للذل، فقيل: تحمل فلان خسفًا (٢).\nفكسوف الشمس والقمر وخسوفهما: تغيرهما ونقصان ضوئهما فهما بمعنى واحد وكلاهما صحت به الأحاديث، وجاء القرآن بلفظ الخسوف للقمر (٣).\nالكسوف أو الخسوف في الاصطلاح: احتجاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه بسبب معتاد يخوف الله به عباده، فعلى هذا يكون الكسوف والخسوف مترادفين أي بمعنى واحد، فَيُقال: كسفت الشمس وخسفت، وكسف القمر وخسف (٤)، وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر (٥).\n_________\n(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٢/ ٥٤٩، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٢٦٤، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٢٦.\n(٢) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٦٤، والمفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم،\n٢/ ٥٤٩، ومفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، ص٢٨٢.\n(٣) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم،٢/ ٥٤٩،والمغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢١.\n(٤) الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٥/ ٢٢٩.\n(٥) اختلف في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أو لا قال ابن الأثير ﵀ في النهاية في غريب الحديث، ٤/ ١٧٤: «قد تكرر في الحديث ذكر الكسوف والخسوف «للشمس والقمر» فرواه جماعة فيهما بالكاف، ورواه جماعة فيهما بالخاء، ورواه جماعة في الشمس بالكاف، وفي القمر بالخاء، وكلهم رووا أنهما آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، والكثير في اللغة - وهو اختيار الفراء - أن يكون الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، يقال: كسفت الشمس، وكسفها الله، وانكسفت، وخسف القمر، وخسفه الله، وانخسف». وقال أيضًا، ٢/ ٣١: «إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته: «يقال: خسف القمر بوزن ضرب إذا كان الفعل له، وخُسِفَ القمر على ما لم يسم فاعله، وقد ورد الخسوف في الحديث كثيرًا للشمس، والمعروف لها في اللغة الكسوف، لا الخسوف، فأما إطلاقه في مثل هذا الحديث فتغليبًا للقمر، لتذكيره على تأنيث الشمس، فجمع بينهما فيما يخص القمر، وللمعاوضة أيضًا؛ فإنه قد جاء في رواية أخرى: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان»، وأما إطلاق الخسوف على الشمس منفردة؛ فلاشتراك الخسوف والكسوف في معنى ذهاب نورهما وإظلامهما، والانخساف مطاوع خسفته فانخسف».\nوقال في جامع الأصول ٦/ ١٦٤: «يقال: كسفت الشمس وكسفها الله بتعدّي فعله ولا يتعدّى، وكذلك كسف القمر، والأولى أن يقال: خسف القمر، وقد جاء في الحديث: كسفت الشمس، وخسفت، وكسف القمر وخسف».\nوقال الفيروز آبادي في القاموس، ص١٠٣٩: «خسف المكان يخسف خسوفًا: إذا ذهب في الأرض، وخسف القمر: كسف، أو كسف للشمس وخسف للقمر، أو الخسوف إذا ذهب بعضهما، والكسوف كلهما، وقال في موضع آخر، ص١٠٩٧: «كسف الشمس والقمر كسوفًا: احتجبا، كانكسفا، وكسف الله إيهما: حجبهما، والأحسن في القمر: خسف، وفي الشمس: كسفت».\nوقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «يقال: كسفت الشمس والقمر، بفتح الكاف، وكُسِفا بضمها، وانكسفا وخسفا، وخُسِفا، وانخسفا بمعنى، وقيل: كسف الشمس بالكاف، وخسف القمر بالخاء، وحكى القاضي عياض عكسه عن بعض أهل اللغة والمتقدمين وهو باطل مردود بقول الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ ثم جمهور أهل العلم وغيرهم على أن الخسوف والكسوف يكون لذهاب ضوئهما، كله، ويكون لذهاب بعضه، وقال جماعة منهم الليث بن سعد: الخسوف في الجميع، والكسوف في بعض، وقيل: الخسوف ذهاب لونهما، والكسوف تغيره» شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٢٥١.\nقال الإمام البخاري ﵀: «بابٌ: هل يقول: كسفت الشمس أو خسفت، وقال الله تعالى:\n﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨]، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «قال الزين بن المنير: أتى بلفظ الاستفهام إشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء». ثم قال ابن حجر: «قلت: ولعله أشار إلى ما رواه ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال: لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا: خسفت، وهذا موقوف صحيح رواه سعيد بن منصور عنه، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عنه، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه؛ لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن وكأن هذا السر في استشهاد المؤلف به في الترجمة، وقيل: يقال بهما في كل منهما وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف التغير إلى السواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل: في الشمس كسفت أو خسفت؛ لأنها تتغير ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل: بالكاف في الابتداء وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون والكاف لتغيره ... [فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٥]،وقال الحافظ ابن حجر أيضًا: «قيل: الخسوف في الكل والكسوف في البعض وهو أولى من قول من قال: الخسوف للقمر، والكسوف للشمس لصحة ورود ذلك في الصحيح بالخاء للشمس» [هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص١١١]. وقال: «كسفت الشمس: أي سُتِر ضوؤها» [المرجع السابق، ١٧٩].\nوقال في معجم لغة الفقهاء، ص١٧٣، و٣٤٩: «خسوف بضم الخاء مصدر خُسف الشيء: نقص: ذهاب ضوء القمر خاصة كلًا أو جزءًا، كُسوف: بالضم مصدر كسف: زوال ضوء الشمس كلًا أو جزءًا، بسبب اعتراض القمر بين الأرض والشمس» والراجح ما تقدم في المتن، والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":973},{"text":"ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان فقيل: كسوف وخسوف، أما إذا انفردت كل واحدة عن الأخرى فهما بمعنى واحد؛ ولهذا نظائر في اللغة العربية، والله تعالى أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1726>ثانيًا: الكسوف أو الخسوف: </span>آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده؛ لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنَّ الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا» (٢)؛ ولحديث أبي مسعود - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ -: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ من الناس، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فقوموا فصلُّوا» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: قوله: «آيتان»: أي علامتان، «من آيات الله» أي الدالة على وحدانية الله، وعظيم قدرته، أو على تخويف\n_________\n(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ٥/ ٢٢٩، وانظر: نيل الأوطار للإمام الشوكاني،\n٢/ ٦٣٣ - ٦٤٨.\n(٢) البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، برقم ١٠٤٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، برقم ١٠٤١، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة»، برقم ٩١١.","vol":"3","page":975},{"text":"العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (١) (٢)؛ ولحديث أبي بكرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يُخوّف بهما عباده» (٣).\nوعن عائشة ﵂ ترفعه: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم كسوفًا فاذكروا الله حتى ينجليا» (٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وكأن بعض الناس ظن أن كسوفها [أي الشمس] كان؛ لأن إبراهيم مات فخطبهم النبي - ﷺ - وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» (٥). وفي رواية في الصحيح: «ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده» (٦). وهذا بيان منه - ﷺ - أنهما سبب لنزول عذاب بالناس؛ فإن الله تعالى إنما يخوف عباده بما يخافونه إذا عصوه، وعصوا رسله، وإنما يخاف الناس مما يضرهم فلولا إمكان حصول الضرر بالناس عند الخسوف ما كان ذلك تخويفًا، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (٧)، وأمر النبي - ﷺ - بما يزيل\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٢٨.\n(٣) البخاري، كتاب الكسوف، باب قول النبي - ﷺ -:يخوف الله عباده بالكسوف، برقم ١٠٤٨.\n(٤) مسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، برقم ٦ - «٩٠١».\n(٥) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري برقم ١٠٤٤، ورقم ١٠٤٧، ومسلم، برقم ٩٠١، ويأتي تخريجه في صفة صلاة الكسوف.\n(٦) البخاري، برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٧) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.","vol":"3","page":976},{"text":"الخوف: أمر بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، والصدقة، والعتق، حتى يُكشف ما بالناس، وصلى بالمسلمين صلاة الكسوف صلاة طويلة» (١).\nوهذا يؤكد الاستعداد بالمراقبة لله تعالى والالتجاء إليه سبحانه، وخاصة عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1727>ثالثًا: أسباب الكسوف الحسّيَّة والشرعية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1728>السبب الحسي </span>(٣)، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وفي قوله - ﷺ -: «لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» (٤)، قولان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1729>أحدهما: أن موت الميت وحياته لا يكون سببًا انكسافهما</span>، كما كان يقوله كثير من جهال العرب وغيرهم عند الانكساف، أن ذلك لموت عظيم، أو ولادة عظيم، فأبطل النبي - ﷺ - ذلك، وأخبر أن موت الميت وحياته لا يؤثر في كسوفهما البتة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1730>والثاني: أنه لا يحصل عن انكسافهما موت ولا حياة</span>، فلا يكون انكسافهما سببًا لموت ميت ولا لحياة حي، وإنما ذلك تخويف من الله لعباده أجرى العادة بحصوله في أوقات معلومة، بالحساب: طلوع الهلال، وإبداره، وسراره.\nفأما سبب كسوف الشمس: فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا.\nوأما سبب خسوف القمر: «فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعًا من اكتساب النور من الشمس، ويبقى ظلام ظل الأرض في ممره؛ لأن القمر لا ضوء له أبدًا، وأنه يكتسب الضوء من\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩، وانظر: ٣٥/ ١٦٩.\n(٢) حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٥٢٤.\n(٣) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٣٠.\n(٤) البخاري برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه.","vol":"3","page":977},{"text":"الشمس ...» (١).\nوالعلم بوقت الكسوف ليس من علم الغيب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الكسوف والخسوف لهما أوقات مقدرة، كما لطلوع الهلال وقت مقدر، وذلك ما أجرى الله عادته بالليل والنهار، والشتاء والصيف، وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر، وذلك من آيات الله ... وكما أن العادة التي أجراها الله تعالى أن الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين من الشهر، أو ليلة إحدى وثلاثين، وأن الشهر لا يكون إلا ثلاثين أو تسعة وعشرين، فمن ظن أن الشهر يكون أكثر من ذلك أو أقل، فهو غالط، فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار، وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار، ووقت إبداره: الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها: ليلة الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فالقمر لا يخسف إلا في هذه الليالي، والهلال يستسر آخر الشهر إما ليلة وإما ليلتين، كما يستسر ليلة تسع وعشرين، وثلاثين، والشمس لا تكسف إلا وقت استسراره، وللشمس والقمر ليالي معتادة من عرفها عرف الكسوف والخسوف ... وليس خبر الحاسب بذلك من علم الغيب، ومن قال من الفقهاء إن الشمس تكسف في وقت الاستسرار فقد غلط، وقال ما ليس له به علم ... (٢») (٣).\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة، ٣/ ٢١٢ - ٢١٥، وقد شرح هذه الأسباب شرحًا مفصلًا، فليرجع إليه من شاء من ٣/ ٢١٢ - ٢٣٠.\n(٢) فتاوى شيخ الإسلام، ٢٤/ ٢٥٤ - ٢٥٧، وانظر ٣٥/ ١٧٥.\n(٣) وقال شيخ الإسلام أيضًا: «وما يروى عن الواقدي من ذكره أن إبراهيم بن النبي - ﷺ - مات يوم العاشر من الشهر، وهو اليوم الذي صلى فيه النبي - ﷺ - صلاة الكسوف: غلط، والواقدي لا يحتج بمسانيده فكيف بما أرسله من غير أن يسنده إلى أحد، وهذا فيما لا يعلم أنه خطأ، فأما هذا فيعلم أنه خطأ. ومن جوز هذا فقد قفا ما ليس له به علم، ومن حاج في ذلك فقد حاج فيما ليس له به علم» [مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٢٥٧]، وقد ذكر العلامة أحمد شاكر نقلًا عن بعض علماء الفلك تحقيق وقت الكسوف الذي صلى فيه النبي - ﷺ - صلاة الكسوف يوم مات إبراهيم، وأن الشمس كسفت في المدينة في يوم الإثنين ٢٩ شوال سنة ١٠هـ الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢م في الساعة الثامنة والدقيقة ٣٠ صباحًا [المحلى، الحاشية، ٥/ ١٠٣ - ١٠٥]، وانظر هذا النقل أيضًا في إسعاف الملهوف في بيان أحكام صلاة الكسوف، لأبي عمر حاوي بن سالم الحاوي، ص٥٢ - ٥٣، الدار السلفية، الكويت.","vol":"3","page":978},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1731> ولا يُكذَّب المخبر بالكسوف ولا يُصدَّق</span>، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما تصديق المخبر بذلك وتكذيبه، فلا يجوز أن يصدق إلا أن يعلم صدقه، ولا يكذب إلا أن يعلم كذبه (١)، ولكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون، ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي، فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تُصلَّى إلا إذا شاهدنا ذلك، وإذا جوَّز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوى أن يُصلي الكسوف والخسوف عند ذلك، واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا حثًّا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته؛ فإن الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين، وقد تواترت بها السنن عن النبي - ﷺ -، ورواها أهل الصحيح، والسنن، والمسانيد من وجوه كثيرة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1732>السبب الشرعي: هو تخويف الله تعالى لعباده</span>؛ لحديث أبي بكرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوّف بهما عباده» (٣).\nوهذا السبب هو الذي يفيد؛ ليرجعوا إلى الله تعالى، أما السبب الحسي فليس ذا فائدة كبيرة؛ ولهذا لم يبينه النبي - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) قال الإمام ابن باز: «وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم ما يوافق ذلك وأن الله سبحانه قد أجرى العادة بخسوف الشمس والقمر؛ لأسباب معلومة يعقلها أهل الحساب، والواقع شاهد بذلك ولكن لا يلزم من ذلك أن يصيب أهل الحساب في كل ما يقولون، بل قد يخطئون في حسابهم، فلا ينبغي أن يصدقوا ولا أن يكذبوا، والتخويف بذلك حاصل على كل تقدير، لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم» تعليق ابن باز على فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٧.\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٤/ ٢٥٨.\n(٣) البخاري، برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) انظر: الشرح الممتع؛ لابن عثيمين، ٥/ ٢٣٣.","vol":"3","page":979},{"text":"قال شيخ الإسلام ﵀ عن الحديث السابق: «فذكر أن حِكْمَةَ ذلك تخويف العباد كما يكون تخويفهم في سائر الآيات: كالرياح الشديدة، والزلازل، والجدب، والأمطار المتواترة، ونحو ذلك من الأسباب التي قد تكون عذابًا؛ كما عذب الله أُممًا بالريح، والصيحة، والطوفان، وقال تعالى: ﴿فَكُلًا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١)، وقد قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (٢)، وإخباره بأنه يخوف عباده بذلك يبين أنه قد يكون سببًا لعذاب ينزل: كالريح العاصفة الشديدة، وإنما يكون ذلك إذا كان الله قد جعل ذلك سببًا لِمَا ينزل في الأرض» (٣).\nوقد سبق أن شيخ الإسلام ذكر: أن النبي - ﷺ - بيّن أن كسوف الشمس والقمر سبب لنزول عذاب بالناس (٤).\nوقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «نعم لا ننكر أنه سبحانه يحدث عند الكسوفين من أقضيته وأقداره ما يكون بلاء لقوم ومصيبة لهم، ويجعل الكسوف سببًا لذلك؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله، والصلاة، والعتاقة، والصدقة، والصيام؛ لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسف الذي جعله الله سببًا لِمَا جعله، فلولا انعقاد سبب التخويف لَمَا أمر بدفع موجبه بهذه العبادات، ولله تعالى في أيام دهره أوقات يحدث فيها ما يشاء من البلاء، والنعماء، ويقضي من الأسباب ما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به، أو يقلله، أو يخففه،\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٩.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، ٣٥/ ١٦٩.\n(٤) المرجع السابق، ٢٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩.","vol":"3","page":980},{"text":"فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها اندفع عنه الشر الذي جعل الله الكسوف سببًا له أو بعضه؛ ولهذا قلّ ما تسلم أطراف الأرض حيث يخفى الإيمان وما جاءت به الرسل من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف، وتسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور النبوة والقيام بما جاءت به الرسل، أو يقل فيها جدًا، ولمَّا كسفت الشمس على عهد النبي - ﷺ - قام فزعًا مسرعًا يجرُّ رداءه، ونادى في الناس: الصلاة جامعة، وخطبهم بتلك الخطبة البليغة، وأخبر أنه لم يرَ كيومه ذلك في الخير والشر، وأمرهم عند حصول مثل تلك الحالة: بالعتاقة، والصدقة، والصلاة، والتوبة، فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله، وبأمره، وشأنه، وتعريفه أمور مخلوقاته، وتدبيره، وأنصحهم للأمة، ومن دعاهم إلى ما فيه سعادتهم: في معاشهم، ومعادهم، ونهاهم عما فيه: هلاكهم: في معاشهم ومعادهم» (١).\n* والعلم بوقت الكسوف لا ينافي الخوف؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وأما كون الكسوف أو غيره قد يكون سببًا لحادث في الأرض من عذاب يقتضي موتًا أو غيره: فهذا قد أثبته الحديث نفسه» (٢). وقال ﵀: «فإذا كان الكسوف له أجل مسمى لم ينافي ذلك أن يكون عند أجله يجعله الله سببًا لِمَا يقتضيه من عذاب وغيره لمن يعذب الله في ذلك الوقت، أو لغيره ممن ينزل الله به ذلك، كما أن تعذيب الله لمن عذبه بالريح الشديدة الباردة: كقوم عاد كانت في الوقت المناسب وهو آخر الشتاء كما ذكر ذلك أهل التفسير، وقصص الأنبياء، وكذلك الأوقات التي يُنزل الله فيها الرحمة: كالعشر الآخرة من رمضان، والأُول من ذي الحجة، وكجوف الليل، وغير ذلك: هي أوقات محدودة لا تتقدم ولا تتأخر، وينزل\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة، ٣/ ٢٢٠.\n(٢) مجموع الفتاوى، ٣٥/ ١٧٥.","vol":"3","page":981},{"text":"فيها من الرحمة ما لا ينزل في غيرها» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1733> ولا تنافي بين اجتماع السبب الحسي والشرعي</span>، ويكون الحسي معلومًا معروفًا للناس قبل أن يقع، والشرعي معلومًا بطريق الوحي؛ «لأنه حتى الأمور العظيمة: كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها وأنها عقوبة لها أسباب طبيعية، يُقدّر الله هذه الأسباب الطبيعية حتى تكون المسببات، وتكون الحكمة من ذلك: هو تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يُقَدّر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1734>رابعًا: فوائد الكسوف وحِكَمَهُ: للكسوف حِكَمٌ عظيمةٌ منها، سبع فوائد: </span>قال ابن الملقن رحمه الله تعالى: «ونقل المحب الطبري في أحكامه عن بعضهم أن في الكسوف سبع فوائد:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1735>الأولى: ظهور التصرف في الشمس والقمر</span>، وهما خلقان عظيمان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1736>الثانية: أن يتبين بتغيُّرهما تَغيُّر شأن ما بعدهما </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1737>الثالثة: إزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1738>الرابعة: ليرى الناس نموذج ما سيجري في القيامة</span>، قال تعالى:\n﴿وَخَسَفَ القمر* وَجُمِعَ الشمس وَالْقَمَرُ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1739>الخامسة: أنهما موجودان في حال الكمال، ويكسفان ثم يلطف بهما</span>، ويعادان إلى ما كانا عليه، تنبيهًا على خوف المكر ورجاء العفو.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1740>السادسة: إعلام بأنه قد يؤخذ من لا ذنب له</span>؛ ليحذر من له ذنب.\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣٥/ ١٧٦.\n(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين، ٥/ ٢٣٣.\n(٣) في عمدة القاري للعيني، ٦/ ٥٣ «الثانية: تبين قبح شأن من يعبدها».\n(٤) سورة القيامة، الآيتان: ٨ - ٩.","vol":"3","page":982},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1741>السابعة: أن الناس قد أَنسوا بالصلوات المفروضات</span>، فيأتونها من غير انزعاج ولا خوف، فأتى بهذه الآية سببًا لهذه الصلاة؛ ليفعلها بانزعاج، وخوف، ولعل تركه يصير عادة لهم في المفروضات» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1742>خامسًا: حُكم صلاة الكسوف: </span>صلاة الكسوف: قيل: سنة مؤكدة، قال الإمام النووي ﵀: «وأجمع العلماء على أنها سنة» (٢). وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وصلاة الكسوف سنة مؤكدة؛ لأن النبي - ﷺ - فعلها وأمر بها» (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، ولم أره لغيره، إلا ما حُكي عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة أنه أوجبها، وكذا نقل عن بعض مصنفي الحنفية أنها واجبة» (٤)، وقال العلامة السعدي ﵀: «وقال بعض العلماء بوجوب صلاة الكسوف؛ لأن النبي - ﷺ - فعلها وأمر بها» (٥). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لقول النبي - ﷺ -: «إذا رأيتم ذلك فصلوا» قال ابن القيم في كتاب الصلاة وهو قول قوي (٦)، أي القول بالوجوب، وصدق ﵀؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بها، وخرج فزعًا، وقال: إنها تخويف، وخطب خطبة عظيمة، وعُرِضت عليه الجنة والنار، وكل هذه القرائن العظيمة تشعر بوجوبها؛ لأنها قرائن عظيمة، ولو قلنا: إنها ليست بواجبة، وأن الناس مع وجود الكسوف إذا تركوها مع\n_________\n(١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٦٧، وانظر: عمدة القاري للعيني، ٦/ ٥٣، وفتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥١.\n(٣) المغني، ٣/ ٣٣٠.\n(٤) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٢٧، وانظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٥/ ٣٨٩.\n(٥) المختارات الجلية من المسائل الفقهية، ص٧٣.\n(٦) كتاب الصلاة لابن القيم، ص١٥.","vol":"3","page":983},{"text":"هذا الأمر من النبي - ﷺ - والتأكيد فلا إثم عليهم لكان في هذا شيء من النظر، كيف يكون تخويفًا ثم لا نبالي وكأنه أمر عادي، أين الخوف؟ وهذا القول قوي جدًّا، ولا أرى أن الناس يرون الكسوف في الشمس أو القمر ثم لا يبالون به، كل في تجارته، كل في لهوه، كل في مزرعته، فهذا شيء يخشى أن تنزل بسببه العقوبة التي أنذرنا الله إياها بهذا الكسوف، فالقول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهي سنة مؤكدة، وقيل بالوجوب وهو قول قوي» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1743>سادسًا: آداب صلاة الكسوف</span>، لصلاة الكسوف آداب عظيمة ينبغي العناية بها، ومنها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1744>١ - الخوف من الله تعالى عند كسوف الشمس أو القمر</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله يخوّف بهما عباده» (٣)؛ ولحديث أبي بردة عن أبي موسى قال: خسفت الشمس فقام النبي - ﷺ - فَزِعًا يخشى أن تكون الساعة، فأتى المسجد فصلى بأطول قيام، وركوع، وسجود رأيته قط يفعله، وقال: «هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه، واستغفاره» (٤).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فلعله [- ﷺ -] خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط: كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن\n_________\n(١) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٣٧ - ٢٤٠.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -،الحديثان رقم ١٧٢٠، و١٧٢١.\n(٣) البخاري، برقم ١٠٤٨، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب الذكر في الكسوف، برقم ١٠٥٩، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف برقم ٩١١.","vol":"3","page":984},{"text":"يتخلل بين الطلوع والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (١) (٢).\nفينبغي للمؤمن أن يخاف من نزول عقوبة عند كسوف الشمس أو القمر، وقد خاف النبي - ﷺ - عند كسوف الشمس، فخرج فزعًا يجرُّ رداءه، وقد كان من هديه - ﷺ - أنه يعتني بما يحدث من الظواهر الكونية التي يجريها الله تعالى ويحثّ الناس على الدعاء والحذر من نزول العقوبات، فعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان يوم الريح والغيم عُرِفَ ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرّ بِهِ وذهب عنه ذلك، فسألته فقال: «إني خشيت أن يكون عذابًا سُلّط على أمتي» ويقول إذا رأى المطر: «رحمة» (٣).\nوفي رواية: «كان النبي - ﷺ - إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أُرسلت به»،وإذا تخيلت السماء (٤) تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرّي عنه (٥) فعرفتُ ذلك في وجهه، فسألته فقال: «لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦»).\nوفي رواية عن عائشة ﵂ أيضًا أنها قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى من لهواته، إنما كان يَتَبَسَّمُ، قالت: وكان\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٧٧.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٤٦.\n(٣) ويقول إذا رأى المطر «رحمة» أي هذا رحمة، شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٤٩.\n(٤) تخيلت: من المخيلة بفتح الميم، وهي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرة، ويقال: أخالت: إذا تغيمت. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٩.\n(٥) سُرّي عنه: أي انكشف عنه الهم، يقال: سروت الثوب وسريته: إذا خلعته، والتشديد للمبالغة.\n(٦) سورة الأحقاف، الآية: ٢٤.","vol":"3","page":985},{"text":"إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيتَهُ عرفتُ في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال: «يا عائشة ما يُؤمّنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (١») (٢).\nقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ذكره لفوائد روايات هذا الحديث: «فيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه - ﷺ - أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره؛ لزوال سبب الخوف» (٣)، وقال - ﷺ -: «نُصِرتُ بالصَّبا وأهلكت عاد بالدَّبور (٤») (٥).\nفهذا من هدي النبي - ﷺ - وشدة خوفه من عذاب الله تعالى، وشفقته على أمته، فإذا كانت هذه حاله ﵊ حينما يحدث الكسوف، أو الغيم والريح؛ لأن هذه من آيات الله التي قد تكون دالة على حدوث بلية أو نازلة، أو عذاب، فكيف بحالنا في هذه الأزمان التي كَثُرت فيها المعاصي، والغفلة، والإعراض، واللهو، وغير ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فيجب علينا أن نلجأ إلى الله - ﷿ - ونلوذ به ونعتصم بحبله في جميع أحوالنا: في الرخاء والشدة، والسراء والضراء، وقد قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى الله إِنّي لَكُم مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (٦)، قال العلامة السعدي ﵀: «فلما دعا العباد إلى النظر لآياته الموجبة لخشيته، والإنابة إليه أمر بما هو المقصود من ذلك:\n_________\n(١) سورة الأحقاف، الآية: ٢٤.\n(٢) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر، برقم ١٤، ١٥، ١٦ [٨٩٩].\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٩.\n(٤) الصَّبا: بفتح الصاد ومقصورة، وهي الريح الشرقية، وأهلكت عاد بالدبور: وهي بفتح الدال، وهي الريح الغربية. شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٠.\n(٥) مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، بابٌ: في ريح الصبا والدبور، برقم ٩٠٠.\n(٦) سورة الذاريات، الآية: ٥٠.","vol":"3","page":986},{"text":"وهو الفرار إليه: أي الفرار مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا: فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه المرهوب، وحصل له نهاية المراد والمطلوب، وسمى الله الرجوع إليه فرارًا؛ لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب، والأمن والسرور، والسعادة، والفوز، فيفرُّ العبد من قضائه، وقدره، إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلا الله تعالى، فإنه بحسب الخوف منه يكون الفرار إليه» (١).\nولشدة خوف النبي - ﷺ - من الله - ﷿ - بكى في سجود صلاة الكسوف فينبغي الاقتداء به ﵊ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1745>٢ - استحضار ما رآه النبي من الأمور العظيمة في صلاة الكسوف</span>؛ فإن ذلك يثمر الخوف من الله - ﷿ -، فقد رأى النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف: الجنة والنار، وهمَّ أن يأخذ عنقودًا من الجنة فيريهم إياه، ورأى بعض عذاب أهل النار، فرأى: امرأة تعذب في هِرَّة، ورأى عمرو بن مالك بن لُحي يجرّ أمعاءه في النار وكان أول من غيّر دين إبراهيم - ﷺ -، ورأى فيها سارق الحاج يعذب، ورأى أكثر أهل النار النساء بكفرهن لإحسان العشير، وأُوحي إليه أن الناس يفتنون في قبورهم، ورأى فيها سارق بدنتي رسول الله - ﷺ -، وغير ذلك. فعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال حين خطب الناس بعد صلاة الكسوف: «يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا». وفي رواية: «ثم أمرهم أن يتعوذوا من\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٨١٢.\n(٢) النسائي، كتاب الكسوف، باب القول في سجود صلاة الكسوف، برقم ١٤٩٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٨٠.","vol":"3","page":987},{"text":"عذاب القبر».\nوفي رواية: «لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعِدْتُهُ حتى لقد رأيت أُريد أن آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلتُ أتقدم، ولقد رأيت جهنم يَحْطِمُ بعضُها بعضًا، حينما رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها عمرو بن لُحيّ، وهو الذي سيَّب السوائب» (١). وفي رواية: «ورأيت عمرًا يجر قُصْبَهُ (٢) وهو أول من سيَّب السوائب» (٣).\nوفي حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال بعد أن صلى صلاة الكسوف: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله»، قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئًا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت؟ (٤) قال - ﷺ -: «إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أرَ منظرًا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء» قالوا: بِمَ يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن» قيل: يكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كلَّه، ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط» (٥).\nوفي حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال في خطبته بعد أن صلى صلاة الكسوف: «ما من شيء لم أكن أُريته إلا [وقد] رأيته في مقامي\n_________\n(١) السوائب: جمع سائبة، وهي الناقة التي كانوا يسيبونها من إبلهم، فلا تُركب ولا تحُلب، ولا يُؤكل لحمها، جامع الأصول، لابن الأثير، ١٦٥.\n(٢) قُصْبَهُ: القصب: واحد الأقصاب وهو أمعاء. جامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ١٦٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف، برقم ١٠٤٤، والرواية الثانية من باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف، برقم ١٠٥٠، والرواية الثالثة من كتاب العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة، برقم ١٢١٢، والرواية الرابعة من كتاب التفسير، برقم ٤٦٢٤، ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، برقم ٩٠١.\n(٤) تكعكعت: المشي إلى وراء، وقيل: التوقف والاحتباس، جامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ١٧٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة، برقم١٠٥٢، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف، برقم ٩٠٧.","vol":"3","page":988},{"text":"هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال، يُؤتى أحدكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما «المؤمن» أو قال «الموقن» فيقال: ما علمك بهذا؟ فيقول: هو رسول الله، هو محمد - ﷺ -، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا وأجبنا، واتبعنا، وصدقنا، فيقال له: نَمْ صالحًا قد كنا نعلم أنك كنت لمؤمنًا به، وأما المنافق أو قال المرتاب شك هشام فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُهُ» (١)، وفي لفظ لمسلم عن عائشة ﵂ ترفعه: «إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال ...» قالت عائشة: «فكنت أسمع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك يتعوَّذ من عذاب النار وعذاب القبر» (٢)، قال الإمام النووي ﵀: «فيه إثبات عذاب القبر، وفتنته، وهو مذهب أهل الحق، ومعنى: تفتنون: تمتحنون، فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول المؤمن هو رسول الله، ويقول المنافق: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت، هكذا جاء مفسرًا في الصحيح، وقوله: «كفتنة الدجال» أي فتنة شديدة جدًا، وامتحانًا هائلًا، ولكن يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» (٣).\nوفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ يرفعه: «... وعرضت عليّ النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض» (٤)، وفي رواية: «... وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجرُّ قُصْبَهُ في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، برقم ١٠٥٣، وكتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد، برقم ٩٢٢.\n(٢) مسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف، برقم ٩٠٣.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٩.\n(٤) خشاش الأرض: هوامها وحشراتها، وقيل: صغار الطير، شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٦١.","vol":"3","page":989},{"text":"فإن فُطِنَ له قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غُفِل عنه ذهب به ...» (١).\nوفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄: «... وعرضت عليّ النار فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها، ورأيت فيها سارق بدنتي رسول الله - ﷺ -» (٢) وغير ذلك من الآيات العظيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1746>٣ - النداء بالصلاة جامعة</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: «لَمّا كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - نودي: «إن الصلاة جامعة» (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فأمر النبي - ﷺ - مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة، فاجتمعوا واصطفوا فصلى بهم أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات» (٤). ومعنى «الصلاة جامعة» أي احضروا الصلاة في حال كونها جامعة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1747>٤ - لا أذان لصلاة الكسوف ولا إقامة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - صلاها بغير أذان ولا إقامة؛ ولأنها من غير الصلوات الخمس، فأشبهت سائر النوافل (٦)، ونقل الحافظ ابن حجر ﵀ عن ابن دقيق العيد قوله: «وقد اتفقوا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، برقم ١٠ - (٩٠٤).\n(٢) النسائي، كتاب الكسوف، باب القول في السجود في صلاة الكسوف، برقم ١٤٩٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٨٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب النداء بـ «الصلاة جامعة» في الكسوف، برقم ١٠٤٥، ١٠٥١، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف «الصلاة جامعة»، برقم ٩١٠.\n(٤) النسائي، كتاب الكسوف، باب الأمر بالنداء لصلاة الكسوف، برقم ١٤٦٤،وأبو داود، كتاب الصلاة، باب صلاة الكسوف، برقم ١١٩٠،وصححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ٤٧٠،وصحيح سنن أبي داود،١/ ٣٢٦،وإرواء الغليل، برقم ٦٥٨.\n(٥) الصلاة جامعةً بالنصب فيهما على الحكاية، ونصب الصلاة في الأصل على الإغراء وجامعة على الحال: أي احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، وقيل برفعهما «الصلاةُ جامعةٌ» على أن الصلاة مبتدأ وجامعة خبر، ومعناه: ذات جماعة، وقيل: جامعة صفة والخبر محذوف تقديره فاحضروها، [فتح الباري لابن حجر،٢/ ٥٣٣].\n(٦) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٢٣.","vol":"3","page":990},{"text":"على أنه لا يُؤَذَّنُ لها ولا يُقام» (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويُسَنُّ أن ينادى لها: الصلاة جامعة .. ولا يسن لها أذان ولا إقامة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1748>٥ - الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف سنة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «جهر النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبَّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: «سمع الله لمن حمدهُ ربنا ولك الحمد» ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» (٣)، ويجهر بالقراءة ليلًا كان أو نهارًا؛ لحديث عائشة ﵂؛ ولأنها نافلة شرعت لها الجماعة فكان من سنتها الجهر، كصلاة الاستسقاء، والعيد، والتراويح (٤) (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1749>٦ - صلاة الكسوف جماعة في المسجد</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «ثم ركب رسول الله ذات غداة مركبًا (٦) فكسفت الشمس فرجع ضُحَىً فمر رسول الله - ﷺ - بين ظهراني الحجر (٧) ثم قام فصلى وقام الناس وراءه ...» وفي لفظ لمسلم: «فخرج رسول الله - ﷺ - إلى المسجد فقام وكبر وصفَّ الناس وراءه ...» (٨).\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٣٣.\n(٢) المغني، ٣/ ٣٢٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب الجهر في القراءة في الكسوف، برقم ١٠٦٥، ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، برقم ٥ - (٩٠١).\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٢٦.\n(٥) وقد رد ابن قدامة ﵀ على من قال بعدم الجهر في صلاة الكسوف، بقوله: «فأما قول عائشة ﵂: حزرت قراءته ففي إسناده مقال .. ويحتمل أن تكون سمعت صوته ولم تفهم للبعد، وحديث سمرة يجوز أنه لم يسمع لبعده». المغني، ٣/ ٣٢٦، ورد عليهم ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن رب العالمين، ٢/ ٣٩٤.\n(٦) المركب الذي كان النبي - ﷺ - فيه بسبب موت ابنه إبراهيم حينما ذهب إليه، فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٤٤.\n(٧) الحجر: بيوت النبي - ﷺ - وكانت لاصقة بالمسجد، فأتى النبي - ﷺ - من مركبه حتى أتى إلى مصلاه الذي كان يصلي فيه [فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٤٤].\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف في المسجد، برقم ١٠٥٦، ومسلم، كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، برقم ٣ - (٩٠١).","vol":"3","page":991},{"text":"وذكر الإمام ابن قدامة ﵀ أن السنة في صلاة الكسوف أن تُصلى جماعة في المسجد؛ لفعل النبي - ﷺ -،ويجوز أن تُصلى فرادى، ولكن فعلها في الجماعة أفضل؛ لأن النبي - ﷺ - صلى صلاة جماعة، والسنة أن يصلوا في المسجد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1750>٧ - صلاة النساء خلف الرجال في صلاة الكسوف</span>؛ لأن عائشة وأسماء ﵄ صلَّتا مع رسول الله - ﷺ - صلاة الكسوف، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أنها قالت: «أتيت عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - - حين خسفت الشمس - فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان الله، فقلتُ: آية؟ فأشارت أي نعم، قالت: فقمت حتى تجلاني الغَشْيُ (٢) فجعلت أصب فوق رأسي الماء ...»، وفي لفظ مسلم: «خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فدخلت على عائشة وهي تصلي، فقلت ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقلت: آية؟ فأطال رسول الله - ﷺ - القيام جدًا حتى تجلاّني الغشيُّ فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصبُّ على رأسي أو على وجهي من الماء، فانصرف رسول الله - ﷺ - وقد تجلّت الشمس ...» (٣). وقد ترجم الإمام البخاري ﵀ لهذا الحديث بقوله: «باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف» (٤)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أشار بهذه الترجمة إلى\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٢٣.\n(٢) الغشي: بفتح الغين وإسكان الشين وتخفيف الياء، وبكسر الشين، وتشديد الياء أيضًا «الغشيُّ» وهو طرف من الإغماء، والمراد به هنا الحالة القريبة منه؛ ولهذا قالت فجعلت أصب على رأسي الماء: أي في تلك الحال؛ ليذهب، [فتح الباري، لابن حجر، ١/ ١٨٣].\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة النساء مع الرجال، برقم ١٠٥٣، ومسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، برقم ٩٠٥.\n(٤) البخاري، كتاب الكسوف، قبل الحديث رقم ١٠٥٣.","vol":"3","page":992},{"text":"رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وتشرع في حق النساء؛ لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله - ﷺ -» (٢)، وقال الإمام النووي ﵀: «وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهن وراء الرجال» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>٨ - تُصلَّى صلاة الكسوف في السفر</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا» (٤)، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «وتشرع في الحضر والسفر، بإذن الإمام وغير إذنه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1752>٩ - الإطالة في صلاة الكسوف على حسب تَحَمُّلِ المصلين</span>؛ لحديث أسماء ﵂، وفيه: «فأطال رسول الله القيام جدًّا حتى تجلاني الغَشْيُ فأخذت قربة من ماء إلى جنبي فجعلت أصب على رأسي أو على وجهي من الماء ...» (٦).\nوفي حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - صلى فقام قيامًا طويلًا [في القيام الأول]: «نحوًا من قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعًا طويلًا،\n_________\n(١) فتح الباري، ٢/ ٥٤٣، وتمام كلام الحافظ: «أشار بهذه الترجمة إلى رد قول من منع ذلك وقال: يصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري، وبعض الكوفيين، وفي المدونة: تصلي المرأة في بيتها، وتخرج المتجالة، وعن الشافعي يخرج الجميع إلا من كانت بارعة الجمال، وقال القرطبي: روي عن مالك أن الكسوف إنما يخاطب به من يخاطب بالجمعة، والمشهور عنه خلاف ذلك، وهو إلحاق المصلى في حقهن بحكم المسجد، وقال الزين بن المنير: استدل به ابن بطال على جواز خروج النساء إلى المسجد لصلاة الكسوف، وفيه نظر؛ لأن أسماء إنما صلت في حجرة عائشة لكن يمكنه أن يتمسك بما ورد في بعض طرقه أن نساءً غير أسماء كن بعيدات عنها، فعلى هذا فقد كن في مؤخر المسجد كما جرت عادتهن في سائر الصلوات» فتح الباري، ٢/ ٥٤٣.\n(٢) المغني، ٣/ ٣٢٢.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٦٢.\n(٤) البخاري، برقم ١٠٤٢، وتقدم تخريجه.\n(٥) المغني، ٣/ ٣٢٢.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٥٣، ومسلم، برقم ٩٠٥، وتقدم تخريجه.","vol":"3","page":993},{"text":"ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول ...» (١).\nفالسنة تطويل صلاة الكسوف تطويلًا لا يشقُّ على الناس (٢)، وفي حديث جابر - ﵁ -: «فصلَّى رسول الله - ﷺ - بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا يخرّون ...» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1753>١٠ - الخطبة في صلاة الكسوف سُنَّة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إن النبي - ﷺ - خرج مخرجًا فخُسف بالشمس فخرجنا إلى الحجرة فاجتمع إلينا نساءٌ وأقبل إلينا رسول الله - ﷺ -،وذلك ضحوةً، فقام قيامًا طويلًا، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع رأسه فقام دون القيام الأول، ثم ركع دون ركوعه، ثم سجد ثم قام الثانية، فصنع مثل ذلك إلا أن قيامه وركوعه دون الركعة الأولى، ثم سجد وتجلت الشمس، فلما انصرف قعد على المنبر فقال فيما يقول: «إن الناس يفتنون في قبورهم كفتنة الدجال» وفي رواية: قالت عائشة ﵂: «كنا نسمعه بعد ذلك يتعوَّذ من عذاب القبر» (٤).\nوخلاصة ما جاء في الأحاديث الصحيحة في خطبة النبي - ﷺ - أنه بعد أن سلَّم من صلاة الكسوف قعد على المنبر (٥)، فخطب، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد (٦) ثم قال: «يا أيها الناس إنّما الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئًا من ذلك: فاذكروا الله، وكبّروا»، وأمر بالصدقة،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٥٢، ومسلم، برقم ١٠٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٣/ ٣٥.\n(٣) مسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، برقم ٩٠٤.\n(٤) النسائي، كتاب الكسوف، باب القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف، برقم ١٤٩٨، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٨٢.\n(٥) النسائي، برقم ١٤٩٨، ١٤٧٤، وتقدم تخريجه.\n(٦) البخاري، برقم ١٠٥٣، ١٠٦١ وتقدم تخريجه.","vol":"3","page":994},{"text":"والعتق، والاستغفار، والدعاء (١) وقال: «فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة فصلوا حتى ينكشف ما بكم» (٢). وقال: «يا أمة محمد ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (٣).وأخبر - ﷺ - أنه رأى الجنة وأراد أن يأخذ منها عنقودًا ولو أخذه لأكلوا منه ما بقيت الدنيا، ورأى النار يحطم بعضها بعضًا، ورأى أكثر أهلها النساء (٤)،وأخبر عن فتنة القبر وعذاب القبر (٥)، ورأى امرأة تعذَّب في النار في هرة حبستها، ورأى فيها سارق الحاج صاحب المحجن (٦)،ورأى عمرو بن لحي الذي غيَّر دين إبراهيم يجر أمعاءه في النار (٧)،ورأى فيها سارق بدنتي رسول الله - ﷺ - (٨)،وقال: «إنه عرض عليّ كل شيء تولجونه» (٩)،أي تدخلونه: من جنة، ونار، وقبر، ومحشر (١٠).\nفهذه خطبة عظيمة وعظ فيها النبي - ﷺ - أصحابه موعظة بليغة (١١).\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٠٤٤، ١٠٥٩، ومسلم، برقم ٩٠١، والنسائي برقم ١٥٠٢، وسنن أبي داود، برقم ١١٩١، ١١٩٢، وتقدم تخريجه.\n(٢) البخاري، برقم ١٠٦٣، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٤٤، ومسلم، برقم ٩٠١، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٥٢، ومسلم برقم ٩٠٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) البخاري، برقم ٩٢٢، ١٠٥٣، ومسلم، برقم ٩٠٣، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٩٠١. وتقدم تخريجه.\n(٧) البخاري، برقم ٤٦٢٤، ومسلم، برقم ٩٠١، وتقدم تخريجه.\n(٨) النسائي، برقم ١٤٩٥، وتقدم تخريجه.\n(٩) مسلم، برقم ٩٠٤، و٩٠١، والبخاري أيضًا برقم، ٤٦٢٤، وتقدم تخريجه.\n(١٠) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٦٠.\n(١١) اختلف العلماء ﵏ في خطبة صلاة الكسوف، فقال الإمام النووي ﵀ «اختلف العلماء في الخطبة لصلاة الكسوف فقال الشافعي، وإسحاق، وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث يستحب بعدها خطبتان، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب ذلك، ودليل الشافعي الأحاديث الصحيحة، في الصحيحين وغيرهما أن النبي - ﷺ - خطب بعد صلاة الكسوف»، [شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٥٤] وقال المرداوي ﵀: «ظاهر كلام المصنف أنه لا خطبة لها، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، قال المصنف والشارح: لا خطبة لصلاة الكسوف، قال الزركشي: عليه الصحاب، قال ابن رجب في شرح البخاري هذا ظاهر المذهب، انتهى، وعنه يشرع بعد صلاتها خطبتان سواء تجلّى الكسوف أو لا، اختارها ابن حامد، والقاضي في شرح المذهب، وحكاه عن الأصحاب، وقدمه ابن رجب في شرح البخاري، وأطلقهما ابن تميم، وقال في النصيحة أحب أن يخطب بعدها، وقيل: يخطب خطبة واحدة من غير جلوس، وأطلق جماعة من الأصحاب في استحباب الخطبة روايتين، ولم يذكر القاضي وغيره نصًّا عن أحمد، أنه لا يخطب، وإنما أخذوه من نصه لا خطبة في الاستسقاء، وقال أيضًا: لم يذكر لها أحمد خطبة». [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير،\n٥/ ٤٠٤]، [وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٢٨]، وقال ابن الملقن في الإعلام: «فيه شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لقولها: «فخطب فحمد الله وأثنى عليه» وهو ظاهر الدلالة في أن لصلاة الكسوف خطبة، وبه قال الشافعي، وابن جرير، وفقهاء أصحاب الحديث، قالوا: يستحب بعدها خطبتان، ولم ير ذلك مالك وأبو حنيفة، وأحمد، ووافقنا أحمد في رواية ...». [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠] وقال الحافظ ابن حجر على قول البخاري: «باب خطبة الإمام في الكسوف» «اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق، وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة لم يبلغنا عن أحمد ﵀ أن لها خطبة، وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكية أن لا خطبة لها، مع أن مالكًا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه - ﷺ - لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من: الحمد، والثناء، والموعظة، وغير ذلك، مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل، وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور، وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من: الحمد، والثناء، والموعظة، وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبي - ﷺ - فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف، نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته، ورد على من أنكر أصل الخطبة، لثبوت ذلك صريحًا في الأحاديث، وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطبة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطًا، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم يقع [فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٤] وقد أيده في الدراية في تخريج أحاديث الهداية على قوله: «وليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل» هذا النفي مردود بما في الصحيحين عن أسماء ثم ساق لفظه، وفي المتفق عليه عن ابن عباس، وعائشة، ومسلم عن جابر، ولأحمد والحاكم عن سمرة، ولابن حبان عن عمرو بن العاص، وصرح أحمد والنسائي وابن حبان في روايتهم «بأنه صعد المنبر» [الدراية في تخريج الهداية، ١/ ٢٢٥]، [وانظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٢٨].\nواختار العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ أن صلاة الكسوف يُسًنُّ لها خطبة واحدة، قال: «وذلك لأن النبي - ﷺ - لَمّا انتهى من صلاة الكسوف قام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ثم وعظ الناس، وهذه الصفات صفات الخطبة ...». [الشرح الممتع على زاد المستقنع،٥/ ٢٤٩]. سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار لابن تيمية، الحديث رقم ١٧١٨: «ويعظ الإمام الناس ويذكرهم»، وقال ﵀: «تُسَنُّ الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك». [مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤٤].\nواختا ذلك العلامة عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في الإحكام شرح أصول الأحكام، ١/ ٥٠٣.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٦٣٥: «فيه استحباب الخطبة بعد صلاة الكسوف».","vol":"3","page":995},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1754>١١ - الفزع إلى ذكر الله، والدعاء، والاستغفار، والتكبير، والعتق، والصدقة، والصلاة</span>، والتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر؛ للأحاديث الكثيرة في ذلك، ومنها:\nحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -،وفيه: «... فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا الله» (١).\nوحديث عائشة ﵂ وفيه: «فإذا رأيتم ذلك، فاذكروا الله، وكبّروا، وصلوا، وتصدقوا».\nوفي لفظ: «فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» (٢).\nوحديث أبي موسى - ﵁ -، وفيه: «فإذا رأيتم شيئًا من ذلك، فافزعوا إلى ذكر الله، ودعائه واستغفاره» (٣).\nوحديث أسماء ﵂ قالت: «لقد أمر النبي - ﷺ - بالعتاقة في كسوف الشمس» (٤).\nوحديث عائشة ﵂ وفيه: «ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر» (٥). ويتعوذوا من فتنة القبر (٦).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، برقم ١٠٤٣، وفي باب الدعاء في الكسوف، برقم ١٠٦٠.\n(٢) البخاري، برقم ١٠٤٤، ورقم ١٠٥٨، ومسلم، برقم ١٠١، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، برقم ١٠٥٩، وتقدم تخريجه.\n(٤) البخاري، كتاب الكسوف، باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس، برقم ١٠٥٤.\n(٥) مسلم، برقم ٩٠٣، وتقدم تخريجه.\n(٦) مسلم، برقم ٩٠٣، وتقدم تخريجه.","vol":"3","page":997},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1755>سابعًا: صفة صلاة الكسوف على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1756>١ - يكبّر تكبيرة الإحرام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1757>٢ - يقرأ دعاء الاستفتاح</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1758>٣ - يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول بسم الله الرحمن الرحيم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1759>٤ - يقرأ الفاتحة وسورة طويلة جهرًا </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1760>٥ - يكبر ويركع ركوعًا طويلًا يكرر فيه دعاء الركوع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1761>٦ - يرفع ويقول سمع الله لمن حمده</span>، ويقول بعد أن يعتدل: ربنا ولك الحمد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1762>٧ - يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون السورة الأولى </span>(٢) بحيث يتميَّز القيام الأول عن القيام الثاني (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1763>٨ - يكبر ويركع ركوعًا طويلًا دون الركوع الأول </span>بحيث يتميز الركوع الأول عن الركوع الثاني.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1764>٩ - يرفع ويقول: سمع الله لمن حمده</span>، ويقول بعد أن يعتدل: ربنا ولك الحمد، والصواب إطالة هذا الاعتدال بقدر الركوع (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1765>١٠ - يكبر ويسجد سجودًا طويلًا بقدر الركوع </span>(٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1766>١١ - يكبر ويرفع فيجلس بين السجدتين والصواب إطالة هذا الجلوس بقدر السجود </span>(٦).\n_________\n(١) قال ابن عباس ﵄: نحوًا من سورة البقرة. البخاري، برقم ١٠٥٢، ومسلم، برقم ٩٠٧.\n(٢) قالت عائشة ﵂: «فحرزت قراءته فرأيت أنه قرأ بسورة آل عمران».أبو داود برقم ١١٨٧، وأورده الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٢٥.\n(٣) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٤٤.\n(٤) لحديث جابر عند مسلم، برقم ٩٠٤، وحديث عبد الله بن عمرو عند النسائي، برقم ١٤٨١، ويأتي كلام ابن حجر وابن عثيمين في الهامش بعد صفحات.\n(٥) البخاري، برقم ١٠٤٤، ورقم ١٠٥٦، ومسلم، برقم ٩٠٤.\n(٦) لحديث عبد الله بن عمرو عند النسائي، برقم ١٤٨١، ويأتي كلام ابن حجر وابن عثيمين بعد صفحات في الهامش.","vol":"3","page":998},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1767>١٢ - يكبر ويسجد سجودًا طويلًا وهو دون السجود الأول </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1768>١٣ - يكبر ويقوم للركعة الثانية فيصليها مثل الركعة الأولى: </span>بقراءتين، وركوعين، وسجودين إلا أن كل قراءة وقيام وسجود أول أطول من الذي بعده (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1769>١٤ - يجلس للتشهد والصلاة على النبي - ﷺ </span>-.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1770>١٥ - ينصرف بالتسليمتين</span>؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - صلى يوم خسفت الشمس، فقام فكبر، فقرأ قراءة طويلة.\nثم ركع ركوعًا طويلًا.\nثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده.\nوقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول.\nثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول.\nثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، [ثم سجد] سجودًا طويلًا.\nثم قام فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول.\nثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول.\nثم قام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول.\nثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دون الركوع الأول.\nثم سجد وهو دون السجود الأول، ثم انصرف (٣).\nوهذه الصفة لصلاة الكسوف هي المعتمدة (٤)، وهي الصواب؛ لأن\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٠٥٦.\n(٢) مسلم، برقم ١٠ - (٩٠٤).\n(٣) البخاري، برقم ١٠٤٤، ١٠٤٧، ١٠٥٠، ١٠٥٦، ومسلم، برقم ٩٠١.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في صفة صلاة الكسوف، فذهب الحنابلة والشافعية، والمالكية إلى أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة: قيامان، وقراءتان، وركوعان، وسجودان، للأحاديث الصحيحة السابقة. وذهب أبو حنيفة والثوري والنخعي إلى أن صلاة الكسوف ركعتان، وحكاه النووي عن الكوفيين إلى أنها ركعتان في كل ركعة ركوع واحد كسائر النوافل، والأحاديث الصحيحة حجة عليهم. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٢، والمفهم للقرطبي،\n٢/ ٥٥٠، ونيل الأوطار، ٢/ ٦٣٧، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٧٤، وزاد المعاد، ١/ ٤٥٠، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٣٢٣].\nأما ما جاء في الأحاديث الأخرى أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان كما في حديث جابر - ﵁ - عند مسلم برقم ١٠ - (٩٠٤)، وما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن صفة صلاة الكسوف تصلى ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات وسجدتان، كما في صحيح مسلم، برقم ٩٠٨، وما جاء في حديث أبي بن كعب - ﵁ - أن صلاة الكسوف تصلى ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات كما في سنن أبي داود، برقم ١١٨٢، وفي مسند الإمام أحمد، ٥/ ٦٠ - ٦١، وما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة أن صلاة الكسوف تصلى ركعتين كل ركعة بركوع واحد كما في صحيح مسلم، برقم ٩١٣، وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك على أقوال:\nقال الصنعاني ﵀ في سبل السلام، ٣/ ٢٦٠: «إذا عرفت هذه الأحاديث فقد يحصل من مجموعها أن صلاة الكسوف ركعتان اتفاقًا إنما اختلف في كمية الركوع في كل ركعة فحصل من مجموع الروايات التي ساقها المصنف أربع صور:\nالأولى ركعتان في كل ركعة ركوعان، وبهذا أخذ الشافعي ومالك والليث وأحمد وغيرهم، وعليها دل حديث عائشة، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، قال ابن عبد البر [في التمهيد، ٣/ ٣٠٢، ٣١٣، والاستذكار، ٧/ ٩٣]: هو أصح ما في الباب وباقي الروايات معللة ضعيفة.\nالثانية: ركعتان في كل ركعة أربع ركوعات، وهي التي أفادتها رواية مسلم عن ابن عباس وعلي [- ﵃ -].\nوالثالثة: ركعتان أيضًا في كل ركعة ثلاث ركوعات وعليها دل حديث جابر.\nوالرابعة: ركعتان أيضًا يركع في كل واحدة خمس ركوعات، ولَمّا اختلفت الروايات اختلف العلماء، فالجمهور أخذوا بالأولى لِمَا عرفت من كلام ابن عبد البر، وقال النووي في شرح مسلم،\n[٦/ ٤٥٣]: إنه أخذ بكل نوع بعض الصحابة، وقال جماعة من المحققين: إنه مخير بين الأنواع، فأيها فعل فقد أحسن، وهو مبني على أنه تعدد الكسوف، وأنه فعل هذا تارة وهذا أخرى، ولكن التحقيق أن كل الروايات حكاية عن واقعة واحدة هي صلاته - ﷺ - يوم وفاة إبراهيم، ولهذا عوّل الآخرون على إعلال الأحاديث التي حكت الصور الثلاث، قال ابن القيم [في زاد المعاد،\n١/ ٤٥٣]: «لا يصححون التعدد لذلك، كالإمام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطًا». وذهبت الحنفية إلى أنها تصلى ركعتين كسائر النوافل» انتهى كلام الصنعاني ونقله ﵀.\nوقال النووي ﵀: «وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات حسب اختلاف حال الكسوف ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر فتوسط في عدده، واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي من أول الحال». [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٣].\nورجح الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، ١/ ٤٥٦، أن الصواب أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجدتان، قال: «وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، وكان يضعّف كل ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلى النبي - ﷺ - الكسوف مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم، والله أعلم». انتهى.\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٧٢٢، يقول: «والصواب أن هذه الأحاديث شاذة، والأقرب والأرجح النوع الأول، وهو أن يصلي ركعتين كل ركعة: بقراءتين، وركوعين، وسجودين»،وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٢، وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٧ - ١٨/ ١٨، والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٢٧٤ - ٢٨٠.","vol":"3","page":999},{"text":"الأحاديث الصحيحة دلّت عليها (١) (٢).\nوالله - ﷿ - الموفق للصواب (٣) وهو الذي يهدي إلى سواء السبيل (٤).\n_________\n(١) قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني، ٣/ ٣٢٣: «وجملته أن المستحب في صلاة الكسوف أن يصلي ركعتين، يحرم بالأولى، ويستفتح ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة وسورة البقرة، أو قدرها في الطول، ثم يركع فيسبح الله تعالى قدر مائة آية، ثم يرفع فيقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقرأ الفاتحة وآل عمران، أو قدرها، ثم يركع بقدر ثلثي ركوعه الأول، ثم يرفع فيسمّع ويحمد ثم يسجد فيطيل السجود فيهما، ثم يقوم إلى الركعة الثانية فيقرأ الفاتحة وسورة النساء، ثم يركع فيسبح بقدر ثلثي تسبيحه في الثانية، ثم يرفع فيقرأ الفاتحة والمائدة، ثم يركع فيطيل دون الذي قبله، ثم يرفع فيسمّع ويحمّد، ثم يسجد فيطيل، فيكون الجميع ركعتين في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وسجودان، ويجهر بالقراءة ليلًا كان أو نهارًا، وليس هذا التقدير في القراءة منقولًا عن أحمد، لكن قد نقل عنه أن الأولى أطول من الثانية، جاء التقدير في حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، متفق عليه [البخاري، برقم ١٠٥٢، ومسلم، برقم ٩٠٧] وفي حديث عائشة حزرت قراءة رسول الله - ﷺ - فرأيت أنه قرأ في الركعة الأولى سورة البقرة، وفي الثانية سورة آل عمران، [أبو داود، برقم ١١٨٧].\n(٢) قال الإمام النووي ﵀ اتفق العلماء على أنه يقرأ الفاتحة في القيام الأول من كل ركعة واختلفوا في القيام الثاني فمذهبنا ومذهب مالك وجمهور أصحابه أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فيه، وقال محمد بن مسلمة من المالكية: لا يقرأ الفاتحة في القيام الثاني، واتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أقصر من القيام الأول والركوع الأول، وكذلك القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية أقصر من الأول منهما، واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى، ويكون هذا معنى قوله في الحديث: «وهو دون القيام الأول، ودون الركوع الأول، أم يكونان سواء، ويكون قوله «دون القيام الأول» أي أول قيام وأول ركوع. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٣]. وانظر: فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٣٠، فقد رجح قراءة الفاتحة بعد الرفع من الركوع الأول، ونقل الاتفاق على ذلك إلا خلاف محمد بن مسلمة المالكي. وذكر صاحب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير ٥/ ٣٩٦ أن كل ركوع وقراءة، وسجود وتسبيح واستغفار أقصر من الذي قبله، وهو اختيار ابن قدامة في المغني، ٣/ ٣٢٣ كما تقدم قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٥/ ٢٤٦: «لكن الذي يظهر والله أعلم أن كل قيام وركوع، وسجود دون الذي قبله».\n(٣) قال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٤: «واختلفوا في استحباب إطالة السجود، فقال جمهور أصحابنا: لا يطوله بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات، وقال المحققون منهم: يستحب إطالته نحو الركوع الذي قبله، وهذا هو المنصوص للشافعي وفي البوطي وهو الصحيح للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك. والأصح استحباب التعوذ في ابتداء الفاتحة في كل قيام، وقيل: يقتصر عليه في القيام الأول».\n(٤) واختلفوا هل يطيل الاعتدال الذي يليه السجود، وقد وقع هذا التطويل في حديث جابر عند مسلم، برقم ٩٠٤، ولفظه: «... ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال، ثم سجد» قال النووي: هذا ظاهره أنه طوَّل الاعتدال الذي يلي السجود ولا ذكر له في باقي الروايات ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يلي السجود، وحينئذ يجاب عن هذه الرواية بجوابين:\nأحدهما أنها شاذة مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يعمل بها.\nوالثاني أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال ومده قليلًا وليس المراد إطالته نحو الركوع» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٦٠].\nوقد رد الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٢/ ٥٣٩ على الإمام النووي فقال: «وتُعقَّب بما رواه النسائي [برقم ١٤٨١]، وابن خزيمة [برقم ١٣٩٣]، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا ففيه: «... ثم ركع فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد ...» فالحديث صحيح ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا، وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام، وإلا فهو محجوح بهذه الرواية» انتهى كلام الحافظ ﵀. قلت وحديث عبد الله بن عمرو صححه الألباني في صحيح النسائي،١/ ٤٧٧. قال العلامة محمد بن عثيمين: «والصواب أنه يطيل الجلوس بقدر السجود». [الشرح الممتع على زاد المستقنع، ٥/ ٢٤٦]، وهو الذي اختاره الآمدي «ويطيل الجلوس بين السجدتين كالركوع» [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٣٩٥].\nوقد استفدنا من حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - مشروعية إطالة الاعتدال الذي يليه السجود كما أفاده حديث جابر، ومشروعية إطالة الجلوس الذي بين السجدتين، وقد رجح العلامة محمد بن عثيمين ﵀ هاتين المسألتين في الشرح الممتع، ٥/ ٢٤٤ - ٢٤٥.","vol":"3","page":1001},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1771>ثامنًا: وقت صلاة الكسوف من وقت ابتداء الكسوف إلى ذهابه وانجلائه</span>؛ لحديث أبي بكرة - ﵁ - قال: كنا عند النبي - ﷺ - فانكسفت الشمس، فقام رسول الله - ﷺ - يجرُّ رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموها فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم»","vol":"3","page":1002},{"text":"وفي رواية: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا يخسفان لموت أحد، وإذا كان ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» (١)؛ ولحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - وفيه: «... إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجليَ» (٢).\nوفي حديث عائشة ﵂: «فإذا رأيتم كسوفًا فاذكروا الله حتى ينجليا» (٣). وهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن وقت صلاة الكسوف من حين الكسوف إلى التجليّ، فإن فات لم تُقْضَ؛ لأن النبي - ﷺ - جعل الانجلاء غاية للصلاة؛ ولأن الصلاة إنما شرعت رغبة إلى الله في ردها، فإذا حصل ذلك حصل مقصود الصلاة، وإن انجلت وهو في الصلاة أتمها خفيفة، وإن استترت الشمس والقمر بالسحاب وهما مكسوفان صلى؛ لأن الأصل بقاء الكسوف، وإن غابت الشمس كاسفة أو طلعت على القمر وهو خاسف لم يصل؛ لأنه قد ذهب وقت الانتفاع بنورهما، وإن فرغ من الصلاة والكسوف قائم لم يزد صلاة أخرى، وإنما يشتغل بالذكر، والدعاء، والاستغفار؛ لأن النبي - ﷺ - لم يزد على ركعتين، وإن غاب القمر ليلًا وهو كاسف لم يصل كالشمس إذا غابت؛ لأن ما يُصلَّى من أجل كسوفه قد غاب، وقيل يصلّي؛ لأن وقت سلطانه باقٍ (٤)، فظهر أن صلاة كسوف الشمس تفوت بأمرين:\n_________\n(١) البخاري، كتاب الكسوف، باب الصلاة في الكسوف برقم ١٠٤٠، وباب الصلاة في كسوف القمر، برقم ١٠٦٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٦٠، ومسلم، برقم ٩١٥. وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٤٤،ومسلم، واللفظ له، برقم ٦ (٩٠١).وتقدم تخريجه.\n(٤) اختار القاضي أن القمر إذا غاب ليلًا فإنه يصلي؛ لأنه لم يذهب وقت الانتفاع بنوره؛ لأن سلطانه باق، قال المرداوي في الإنصاف: «لكن إذا غاب القمر خاسفًا ليلًا فالأشهر في المذهب أنه يُصلي له»، ثم ذكر الخلاف وأن صاحب المحرر جزم أنه لا يصلي. والله أعلم [انظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٢٣١، والكافي لابن قدامة، ١/ ٥٣٠، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٠٠].","vol":"3","page":1003},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1772>الأمر الأول: الانجلاء</span>، فإذا انجلت كلها لم يصلّ.\nالأمر الثاني: إذا غابت كاسفة فلا يصلي بعد الغروب، وأما صلاة خسوف القمر فتفوت بأمرين أيضًا:\nالأمر الأول: الانجلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1773>الأمر الثاني: طلوع الشمس</span>.\nأما إذا طلع الفجر والقمر خاسف، فإنه يصلي صلاة الكسوف إذا لم يمنع ضوء القمر إلا الكسوف؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» (١)؛ ولأن سلطان القمر لم يذهب بالكلية فيشرع لكونه صلاة الكسوف (٢)،وهو الذي اختاره شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀؛ لظاهر الأدلة (٣)، وقال: «والأفضل البدار بذلك قبل صلاة الفجر، وهكذا لو كسفت في آخر الليل ولم يعلم إلا بعد طلوع الفجر فإنه يشرع البدء بصلاة الكسوف ثم يصلي صلاة الفجر بعد ذلك، مع مراعاة تخفيف صلاة الكسوف حتى يصلي الفجر في وقتها» (٤)، واختاره أيضًا العلامة ابن عثيمين - ﵀ - إذا لم يمنع من ضوء القمر إلا الكسوف، أما إن كان النهار قد انتشر، ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به (٥).\nوإذا كسفت الشمس بعد صلاة العصر، أو القمر بعد طلوع الفجر، فالصواب أنه يشرع للمصلين أن يبادروا للصلاة؛ لأن صلاة الكسوف\n_________\n(١) البخاري، برقم ١٠٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) قال في الشرح الكبير لابن قدامة، ٥/ ٤٠٠: «فإن لم يصل حتى طلع الفجر الثاني ولم يغب أو ابتدأ الخسف بعد طلوع الفجر وغاب قبل طلوع الشمس فيه احتمالان ذكرهما القاضي: أحدهما لا يصلي؛ لأن القمر آية الليل وقد ذهب الليل أشبه إذا طلعت الشمس، والثاني: يصلي؛ لأن الانتفاع بنور باق، أشبه ما قبل الفجر» وقال المرداوي في الإنصاف، ٥/ ٤٠١: «إذا طلع الفجر والقمر خاسف لم يمنع من الصلاة، إذا قلنا إنها تفعل في وقت نهي، اختاره المجد في شرحه، وقيل: يمنع. اختاره المصنف».\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤١،قال: «ومن ترك فلا حرج عليه عملًا بالقول الثاني».\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤١.\n(٥) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٥/ ٢٥٤.","vol":"3","page":1004},{"text":"من الصلوات ذوات الأسباب التي يجوز أن تُصلَّى في وقت النهي على الصحيح من قولي أهل العلم (١).\nوإذا اجتمع كسوف وجمعة، أو كسوف وصلاة فريضة، أو كسوف ووتر، بدأ بأخوفهما فوتًا، فإن خيف فوتهما بدأ بالواجبة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1774>تاسعًا: تدرك الركعة من صلاة الكسوف بإدراك الركوع الأول</span>، فمن أدرك الركوع الأول فقد أدرك الركعة، ومن لم يدرك إلا الركوع الثاني فلا يعتد بهذه الركعة وعليه أن يقضي كل ركعة فاتته بركوعين؛ لأن العبادات توقيفية؛ ولأن الركوع الأول هو الركن، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1775>عاشرًا: الصلاة للآيات: </span>كالزلزلة، والرجفة الشديدة، والريح الشديدة، وبياض الليل، وسواد النهار، والصواعق المخيفة الشديدة، وكثرة المطر، وغير ذلك من الآيات المخيفة، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى على ثلاثة أقوال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1776>القول الأول: لا يصلّى لأي آية إلا للزلزلة الدائمة </span>وهو مذهب الحنابلة، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «قال أصحابنا: يُصلَّى للزلزلة كصلاة الكسوف، نص عليه، وهو مذهب إسحاق، وأبي ثور، قال القاضي: ولا يصلي للرجفة، والريح الشديدة، والظلمة ونحوها، وقال الآمدي: يصلي لذلك، ورمي الكواكب، والصواعق، وكثرة المطر،\n_________\n(١) انظر: الأدلة على ذلك بالتفصيل ما سبق في صلاة التطوع، وهي في صلاة المؤمن،\n١/ ٤٠٢ - ٤٠٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤١.\n(٢) اختلف فيما إذا اجتمع كسوف وجنازة، فقيل تقدم صلاة الجنازة، وقيل: صلاة الكسوف، وإذا اجتمع كسوف وتراويح فالصواب أنه يبدأ بالكسوف إن شاء الله تعالى. انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣١، والشرح الكبير لابن قدامة، ٥/ ٤٠٠، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٥٣٦، والكافي لابن قدامة، ١/ ٥٣١.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٢،والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير،٥/ ٤٠٤، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٥٣٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٥٩، وفتاوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز، ٨/ ٣٢٤،ومجلة البحوث الإسلامية، العدد رقم ١٣،عام ١٤٠٥،ص٩٩.","vol":"3","page":1005},{"text":"وحكاه عن ابن أبي موسى (١).\nوقال المرداوي ﵀: قوله: لا يصلي لشيء من الآيات إلا الزلزلة الدائمة: «هذا المذهب إلا ما استثني، وعليه أكثر الأصحاب بل جماهيرهم، لِمَا روي عن ابن عباس ﵄ أنه صلى للزلزلة (٢)،وعلي بن أبي طالب - ﵁ - (٣)، وعنه يصلي لكل آية، وذكر الشيخ تقي الدين أن هذا قول محققي أصحابنا وغيرهم، كما دلت عليه السنن والآثار، ولولا أن ذلك قد يكون سببًا لشر وعذاب لم يصح التخويف به ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1777>القول الثاني: لا يُصلّي لشيء من الآيات إلا الكسوف</span>؛ لأن النبي - ﷺ - لم يصلّ لغيره، ولا خلفاؤه، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، ولم يصلّ لها إلا للكسوف، وهذا قول الإمام مالك والشافعي (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1778>القول الثالث: يصلّي لكل آية تخويف</span>؛ لأن النبي - ﷺ - علل الكسوف بأنه آية من آيات الله يخوّف بها عباده؛ ولأن ابن عباس صلى للزلزلة بالبصرة (٦)؛ ولِمَا روي عن علي - ﵁ - (٧)؛ ولِمَا ورد عن حذيفة - ﵁ - أنه صلى بأصحابه بالمدائن مثل صلاة ابن عباس في الآيات (٨)، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، وابن حزم، ورواية عن أحمد (٩)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن\n_________\n(١) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(٢) عبد الرزاق، برقم ٤٩٢٩، وابن أبي شيبة، ٢/ ٤٧٢، والبيهقي، ٣/ ٣٤٣.\n(٣) البيهقي، ٣/ ٣٤٣.\n(٤) الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٠٥.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٣، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٦) عبد الرزاق، برقم ٤٩٢٩، وتقدم تخريجه.\n(٧) البيهقي، ٣/ ٣٤٣، وتقدم تخريجه.\n(٨) عبد الرزاق، برقم ٤٩٣٠.\n(٩) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٣، والشرح الكبير، ٥/ ٤٠٦، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٥٦، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٥٢٣.","vol":"3","page":1006},{"text":"تيمية (١)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وهو كما ترون له قوة عظيمة» (٢)، واختار شيخنا الإمام ابن باز ﵀ أنه لا يصلي لأي آية إلا الكسوف، لا الزلزلة ولا غيرها؛ لأنه قد عُلِم من السنة أن العبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة (٣)، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\n_________\n(١) الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٢٦.\n(٢) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٥٨.\n(٣) مجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٣/ ٤٥.","vol":"3","page":1007},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1779>المبحث الثالث والثلاثون: صلاة الاستسقاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1780>أولًا: مفهوم الاستسقاء:</span>\nالاستسقاء طلب السقيا، كالاستصحاء: طلب الصحو، وهو استفعال من أسقيت (١)، قال ابن منظور - رحمه الله تعالى -: «ذكر الاستسقاء في الحديث، وهو استفعال من طلب السقيا: أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: استسقى، وسقى الله عباده الغيث، وأسقاهم، والاسم: السُّقيا بالضم، واستسقيت فلانًا: إذا طلبت منه أن يسقيك» (٢).\nولكن في عرف الفقهاء إذا قالوا: صلاة الاستسقاء إنما يعنون استسقاء الرب - ﷿ - لا استسقاء المخلوق (٣).\nقال الجرجاني - رحمه الله تعالى -: «الاستسقاء: هو طلب المطر عند طول انقطاعه» (٤)، أي: من الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1781>ثانيًا: حكم الاستسقاء: </span>الاستسقاء سنة مؤكدة إذا أجدبت الأرض وقحط المَطَر (٥).\nقال الإمام ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: «صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة بسنة رسول الله - ﷺ -، وخلفائه - ﵃ -» (٦).\nوقال الإمام ابن عبد البر - ﵀ -: «وأجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز، والاجتماع إلى الله - ﷿ - خارج المصر:\n_________\n(١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن، ٤/ ٣١٧.\n(٢) لسان العرب، لابن منظور، فصل السين، باب الياء، ١٤/ ٣٩٣.\n(٣) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٥/ ٣٦١.\n(٤) التعريفات، للجرجاني، فصل السين، ص٣٩.\n(٥) قحط: يقال: قُحِط وقَحَطَ: إذا احتبس وانقطع، وأقحط الناس: إذا لم يمطروا، والقحط: الجدب؛ لأنه من أثره، [النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير،٤/ ١٧].\n(٦) المغني، لابن قدامة،٣/ ٣٣٤،وانظر: الإحكام شرح أصول الأحكام، لابن قاسم،١/ ٥٠٨.","vol":"3","page":1008},{"text":"بالدعاء، والضراعة إلى الله تبارك اسمه في نزول الغيث عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط: سنة مسنونة سنها رسول الله - ﷺ -، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك (١») (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1782>ثالثًا: أسباب القحط وحبس المطر: </span>معصية الله تعالى ورسوله - ﷺ -؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن:\nلم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلاَّ فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا.\nولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجَوْر السلطان عليهم.\nولم يَمْنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطروا.\nولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم.\nوما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (٣).\n_________\n(١) التمهيد، لابن عبد البر، ١٧/ ١٧٢.\n(٢) وهل يشترط لصلاة الاستسقاء إذن الإمام؛ اختُلِفَ في ذلك فقال في زاد المستقنع: «وليس من شرطها إذن الإمام»، وقال ابن قدامة على روايتين: إحداهما لا يستحب إلا بخروج الإمام، وعنه أنهم يصلون لأنفسهم ويخطب بهم أحدهم، فعلى هذه الرواية يكون الاستسقاء مشروعًا في حق كل أحد: مقيم، ومسافر، وأهل القرى، والأعراب؛ لأنها صلاة نافلة». المغني لابن قدامة،\n٣/ ٣٤٦، والإنصاف مع المقنع والشرح الكبير، ٥/ ٤٣٥، لكن قال ابن عثيمين: «لكن حسب العرف عندنا لا تقام صلاة الاستسقاء إلا بالإمام».الشرح الممتع،٥/ ٢٩١،وقَرَّرَ شيخنا ابن باز أنها تصلى في السفر وفي البادية وإذا لم يأمر بها الإمام، مجموع الفتاوى لابن باز،١٣/ ٦٦، ٨٥.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات، برقم ٤٠١٩، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،\n٤/ ٥٤٠، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٧٠، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ١/ ٧، برقم ١٠٦.","vol":"3","page":1009},{"text":"وهذا الحديث فيه من الفوائد: أن نقص المكيال والميزان سبب للجدب وشدة المؤونة وجور السلاطين، وفيه أن منع الزكاة من الأسباب الموجبة لمنع قطر السماء، وأن نزول الغيث مع وجود المعاصي إنما هو رحمة من الله تعالى للبهائم (١).\nوقد قال الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه: «بابُ انتقام الرب - ﷿ - من خلقه بالقحط إذا انتُهِكَتْ محارمُه» (٢).\nوقد جاء عن مجاهد - رحمه الله تعالى - أن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض، ذكر ذلك الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (٣).\nفقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ قال ابن كثير: «يعني دواب الأرض .. وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة، والجن، والإنس، وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: هذا من أجل عُصاة بني آدم، لعن الله عُصاة بني آدم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: «ويلعنهم اللاعنون» يعني: تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر (٤)،وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله، والملائكة، والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا: وهو كل فصيح، وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو كان له\n_________\n(١) نيل الأوطار، للشوكاني، ٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠.\n(٢) البخاري، كتاب الاستسقاء، قبل الحديث رقم ١٠١٣.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٥٩.\n(٤) الحديث أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب في فضل الفقه على العبادة، برقم ٢٨٢٥،وقال: «هذا حديث حسن غريب صحيح» وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٤٣.","vol":"3","page":1010},{"text":"عقل ويوم القيامة والله أعلم» (١).\nوقد بيّن الله - ﷿ - أن الابتعاد عن المعاصي والقيام بالواجبات من أعظم أسباب إنزال البركات، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). ذكر الله - ﷿ - أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدَّقَتْه الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، بترك جميع ما حرَّم الله؛ لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نَصَب، ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا، ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ بالعقوبات والبلايا، ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو أخذهم بجميع ما كسبوا ما ترك عليها من دابة (٣). كما قال - ﷾ -: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤). وكما قال - ﷾ -: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٥).وكما قال - ﷿ -: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٧، وتفسير البغوي، ١/ ١٣٤.\n(٢) سورة الأعراف، الآيات: ٩٦ - ٩٩.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص٢٩٨، ٢٣٨.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٦١.\n(٥) سورة فاطر، الآية: ٤٥.","vol":"3","page":1011},{"text":"يَرْجِعُونَ﴾ (١).\nوقد أوضح الله - ﷿ - أن أهل الكتاب لو قاموا بأوامر التوراة والإنجيل وابتعدوا عن نواهيهما، لأدرّ الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض (٢)، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مّن رَّبّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).\nولا شك أن الناس قد يحرمون الأرزاق بالذنوب يصيبونها؛ لأن من لم يتق الله لا يجعل الله له مخرجًا ولا يرزقه من حيث لا يحتسب، وما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي (٤)؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٥).\nومعلوم أن المعاصي تُزيل النعم وتُحِلُّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلَّت به نقمة إلا بذنب، كما ذُكِرَ عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة» (٦)،قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٧)، وقال - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّرًا نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٨)، فلا يغيّر الله تعالى نعمته التي أنعم\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٤١.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٢٣٨.\n(٣) سورة المائدة، الآيتان: ٦٥ - ٦٦.\n(٤) الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٠٤.\n(٥) سورة الطلاق، الآيتان: ٢ - ٣.\n(٦) الجواب الكافي لابن القيم، ص١٤٢.\n(٧) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٨) سورة الأنفال، الآية: ٥٣.","vol":"3","page":1012},{"text":"بها على أحد حتى يكون هو الذي يُغَيّرُ ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غُيّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلام للعبيد.\nفإن غيَّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذلّ بالعزّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ الله بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (١).\nولقد أحسن القائل:\nإذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم\nوحطها بطاعة رب العباد ... فربُّ العباد سريع النقم (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1783>رابعًا: أنواع الاستسقاء: الاستسقاء أنواع على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1784>النوع الأول: الاستسقاء بصلاة جماعة أو فرادى </span>(٣) على ما يأتي تفصيله، وهو أكملها، وصلاته - ﷺ - مستفيضة في الصحاح وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على هذا النوع (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1785>النوع الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها</span>، كما فعل النبي - ﷺ -، واستفاض عنه من غير وجه، وهذا النوع مستحب اتفاقًا، واستمر عمل المسلمين عليه (٥)؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي - ﷺ -، فبينما النبي - ﷺ - يخطب في يوم جمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ١١.\n(٢) الجواب الكافي، لابن القيم، ص١٤٢.\n(٣) قال الإمام ابن الملقن في الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٣١٧: «واعلم أن الاستسقاء أنواع: الأول: الدعاء بلا صلاة ولا خلف صلاة، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وفي خطبة الجمعة، والاستسقاء بركعتين وخطبتين، والثاني أفضل من الأول، والثالث أكمل الكل وخالف فيه أبو حنيفة ...».\n(٤) الإحكام شرح أصول الأحكام، لابن قاسم، ١/ ٥٠٤، والاستسقاء: سننه وآدابه، للشيخ عبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد، ص٣١.\n(٥) الإحكام شرح أصول الأحكام، لابن قاسم، ١/ ٥٠٤.","vol":"3","page":1013},{"text":"رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»، وفي لفظ للبخاري: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا»، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة (١) ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْع (٢) من بيتٍ ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (٣)، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس سبتًا (٤) ... «وفي لفظ للبخاري: «أصابت الناس سنة على عهد النبي - ﷺ -، فبينما النبي - ﷺ - يخطب في يوم الجمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحدر على لحيته فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد، ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره فقال: يا رسول الله! تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: «اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا»،فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مِثْلَ الجَوْبة (٥)،وسال الوادي قناة شهرًا (٦) ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدَّث بالجود»،وفي لفظ: «ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، فتبسم النبي - ﷺ -، [وفي لفظ فضحك] قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على\n_________\n(١) قزعة: قطعة من سحاب. المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي،٢/ ٥٤٣.\n(٢) سَلْع: جبل بالمدينة.\n(٣) الترس: أي تشبه السحابة الترس في كثافتها واستدارتها. المرجع السابق، ٢/ ٥٤٣.\n(٤) سبتًا: أي من سبت إلى سبت، المرجع السابق، ٢/ ٥٤٣.\n(٥) الجوبة: الفجوة بين البيوت، المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٤٥.\n(٦) قناة: اسم واد من أودية المدينة، وكأنه سُمي مكانه: قناة وقد جاء في غير كتاب مسلم: «وسال وادي قناة شهرًا» على الإضافة، المرجع السابق، ٢/ ٥٤٥.","vol":"3","page":1014},{"text":"الآكام (١)، والجبال، والظّراب (٢)، وبطون الأودية، ومنابت الشجر» قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1786>النوع الثالث: الدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات</span>، ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة» (٤).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - أن النبي - ﷺ - استسقى على وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1787>الوجه الأول: يوم الجمعة على المنبر </span>(٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>الوجه الثاني: أنه - ﷺ - وعد الناس يومًا يخرجون فيه إلى المصلى</span>، فخرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة، وحوَّل رداءه، وصلى ركعتين (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1789>الوجه الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردًا في غير يوم جمعة</span>، ولم يحفظ عنه في هذا اليوم صلاة (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1790>الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد </span>فرفع يديه ودعا الله\n_________\n(١) الآكام: جمع أكمة: وهي دون الجبال، وقال الخليل: الأكمة: هي تلٌّ، المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٤٤.\n(٢) الظراب: الروابي، واحدتها ظرب، قال الخليل: الأكمة أعلى من الرابية، المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٤٤، والظراب: صغار الجبال والتلال، جامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ٢٠٣.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، برقم ٩٣٣، وكتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع، برقم ١٠١٣، وباب الدعاء إذا كثر المطر: حوالينا ولا علينا، برقم ١٠٢١، وكتاب الأدب، باب التبسم والضحك، برقم ٦٠٩٣، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٧.\n(٤) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٩، والإنصاف مع الشرح الكبير،٥/ ٤٣٦، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٣٤٨، والإحكام شرح أصول الأحكام ٨/ ٥٠٥.\n(٥) لحديث أنس، عند البخاري برقم ٩٣٣، ومسلم برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه.\n(٦) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء وخروج النبي - ﷺ - في الاستسقاء، برقم ١٠٠٥، ولفظه في باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا: «أن النبي - ﷺ - خرج إلى المصلى فاستسقى، فاستقبل القبلة، وحول رداءه، وصلى ركعتين» برقم ١٠١٢.\n(٧) انظر: سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، برقم ١٢٧٠، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، برقم ١٢٨٦، وإرواء الغليل، ١/ ١٤٥.","vol":"3","page":1015},{"text":"- ﷿ -، فَحُفِظَ من دعائه: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا (١)، مريعًا (٢)، طبقًا (٣)، عاجلًا غير رائث (٤)، نافعًا غير ضار» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1791>الوجه الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء</span>، وهي خارج باب المسجد الذي يُدعى اليوم باب السلام، نحو قذفة حجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1792>الوجه السادس: أنه - ﷺ - استسقى في بعض غزواته</span>، لَمَّا سبقه المشركون إلى الماء (٧)،وأُغيث - ﷺ - في كل مرَّة استسقى فيها (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1793>خامسًا: آداب الاستسقاء كثيرة ومهمة، ومنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1794>١ - إذا أصاب الناس قحط لجؤوا إلى الله تعالى وصلوا صلاة الاستسقاء</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبَّر - ﷺ -، وحمد الله - ﷿ - ثم قال: «إنكم\n_________\n(١) مريئًا: المري الذي يمرئ، يقال: مرأني الطعام وأمرأني، قال الفراء: يقال: هنأني الطعام، ومرأني، فإذا أتبعوها: «هنأني» قالوا: مرأني بغير ألف، فإذا أفردوها قالوا: أمرأني. جامع الأصول، لابن الأثير، ٦/ ٢١١.\n(٢) مريعًا: يروى على وجهين: بالباء والياء، فمن رواه بالياء جعله من المراعة وهي الخصب، يقال منه: مرع المكان: إذا أخصب فهو مريع، بوزن قتيل، ومن رواه بالباء، فمعناه: منبتًا للربيع، يقال: أربع الغيث يُربع فهو مربع بوزن مُكرم. جامع الأصول، لابن الأثير، ٦/ ٢١١.\n(٣) طبقًا: أي مائلًا إلى الأرض مغطيًا، يقال: غيث طبق: أي عام واسع.\n(٤) رائث: أي غير بطيء متأخر. جامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٢١١.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ١١٦٩.\n(٦) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٦٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ١١٦٨.\n(٧) زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٤٥٨.\n(٨) المرجع السابق، ١/ ٤٥٩.","vol":"3","page":1016},{"text":"شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبَّان (١) زمانه عنكم، وقد أمركم الله - ﷿ - أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا (٢) إلى حين»،ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حَوَّلَ إلى الناس ظهره، وقلب - أو حوَّلَ - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ (٣) ضحك - ﷺ - حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1795>٢ - موعظة الإمام الناس، وأمرهم بتقوى الله تعالى، والخروج عن المظالم</span>، والتوبة من المعاصي، وتحليل بعضهم بعضًا، والصيام والصدقة، وترك التشاحن؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (٥)، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران: «إني كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا؛ ليستسقوا، ومن استطاع أن يصوم ويتصدق؛ فليفعل؛ فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلَّى﴾ (٦)، وقولوا كما قال أبواكم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ\n_________\n(١) إبَّان: إبان الشيء: وقته وأوانه. جامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ٢٠٥.\n(٢) بلاغًا: البلاغ: ما يتبلغ به ويتوصل به إلى الشيء المطلوب. جامع الأصول،٦/ ٢٠٥.\n(٣) الكنُّ: ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن. جامع الأصول، ٦/ ٢٠٥.\n(٤) أبو داود، كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٧٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ١١٧٣.\n(٥) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٣٥، والكافي، لابن قدامة أيضًا، ١/ ٥٣٥.\n(٦) سورة الأعلى، الآيتان: ١٤ - ١٥.","vol":"3","page":1017},{"text":"لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقولوا كما قال موسى: ﴿إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، وقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1796>٣ - يَعِدُ الإمام الناس يومًا يخرجون فيه</span>؛ لحديث عائشة ﵂: «شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضعَ له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجوا فيه ...» (٥)، والله - ﷿ - الموفق والمعين (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1797>٤ - وقت خروج الناس إلى الاستسقاء: </span>الأفضل أن تُصلَّى صلاة الاستسقاء في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه:\n«... فخرج رسول الله - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر ..» (٧)، هذا هو الأفضل، وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين لا تصح إلا فيه، إلا أنها لا تُصلَّى في وقت النهي بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، والأولى فعلها في وقت العيد؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور آنفًا؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت، إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين (٨)،وقال ابن عبد البر -﵀ -: «والخروج إلى الاستسقاء في\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.\n(٢) سورة هود، الآية: ٤٧.\n(٣) سورة القصص، الآية: ١٦.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن جعفر بن برقان،٣/ ٨٧،قال الشيخ عبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد في رسالته: الاستسقاء: سننه وآدابه: «وإسناده صحيح»، ص٤٠.\n(٥) أبو داود، برقم ١١٧٣، وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٥.\n(٧) أبو داود، برقم ١١٧٣، وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء.\n(٨) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٢٧ - ٣٢٨.","vol":"3","page":1018},{"text":"وقت خروج الناس إلى العيد عند جماعة العلماء، إلا أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ فإنه قال: الخروج إليها عند زوال الشمس» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1798>٥ - تُصلى صلاة الاستسقاء في الصحراء</span>، وهذا هو الأفضل؛ لأن النبي - ﷺ - صلاها في الصحراء كصلاة العيد (٢)؛لحديث عائشة ﵂ قالت: «شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه ...» (٣)؛ولحديث عبد الله بن زيد المازني - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة، [فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله]، وحوّل رداءه حين استقبل القبلة ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1799>٦ - يخرج الإمام والناس في تواضعٍ، وتبذّلٍ وتخشّعٍ، وتضرّعٍ</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ - فعن إسحاق بن عبد الله بن كِنانة قال: أرسلني الوليد بن عقبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله - ﷺ - في الاستسقاء، فقال ابن عباس ﵄: ما منعه أن يسألني؟ [ثم قال ابن عباس ﵄]: خرج رسول الله - ﷺ - مُتبذّلا (٥)، متواضعًا، متضرّعًا (٦)، [متخشّعًا، مترسّلًا] (٧) حتى أتى المصلى، ولم\n_________\n(١) التمهيد لابن عبد البر، ١٧/ ١٧٥.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٣٤، والكافي له، ١/ ٥٣٣، والروض المربع، ٢/ ٥٤١.\n(٣) أبو داود، برقم ١١٧٣، وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء، وخروج النبي - ﷺ - في الاستسقاء، برقم ١٠٠٥، وباب تحويل الرداء في الاستسقاء، برقم ١٠١١، ورقم ١٠١٢، وباب الدعاء في الاستسقاء قائمًا، برقم ١٠٢٣، وباب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، برقم ١٠٢٤، وباب كيف حوّل النبي - ﷺ - ظهره إلى الناس، برقم ١٠٢٥، وباب صلاة الاستسقاء ركعتين، برقم ١٠٢٦، وباب الاستسقاء في المصلى، برقم ١٠٢٧،وباب استقبال القبلة في الاستسقاء، برقم ١٠٢٨، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب كتاب صلاة الاستسقاء، برقم ٨٩٤.\n(٥) متبذلًا: التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة. جامع الأصول، لابن الأثير، ٦/ ١٩٢.\n(٦) متضرعًا: التضرع: المبالغة في السؤال والرغبة. جامع الأصول، ٦/ ١٩٢.\n(٧) مترسلًا: يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل.","vol":"3","page":1019},{"text":"يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1800>٧ - خروج الصبيان والنساء في الاستسقاء لا بأس به بشروطه</span>، قال الإمام ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: «ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين، وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحبابًا؛ لأنه أسرع للإجابة، فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن الخروج؛ لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأن النبي - ﷺ - لم يفعله» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1801>٨ - لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء</span>؛ لحديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، قال أبو إسحاق: خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري، وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم - ﵃ - فاستسقى فقام بهم على رجليه، على غير منبر، فاستسقى فقام بهم على رجليه، على غير منبر، فاستسقى ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم، قال أبو إسحاق: ورأى عبد الله بن يزيد النبي - ﷺ -» (٣)، وقال حارثة بن مضرب العبدي: «خرجنا مع أبي موسى نستسقي فصلى بنا ركعتين من غير أذان ولا إقامة» (٤)، قال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: «ولا يسن لها أذان ولا إقامة، ولا نعلم فيه خلافًا» (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب جُمّاع أبواب صلاة الاستسقاء، وتفريعها، برقم ١١٦٥، والترمذي، كتاب الجمعة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، برقم ٥٥٨، والنسائي، كتاب الاستسقاء، باب الحال التي يستحب للإمام أن يكون عليها إذا خرج، برقم ١٥٠٥، وباب جلوس الإمام على المنبر للاستسقاء، برقم ١٥٠٧، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، برقم ١٢٨١، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٤٨٦، وفي غيره.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٣٥، والكافي له، ١/ ٥٣٥.\n(٣) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا، برقم ١٠٢٢.\n(٤) ابن أبي شيبة، ٢/ ٢٢١.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٧.","vol":"3","page":1020},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1802>٩ - الاستسقاء بدعاء الصالحين سُنَّة</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي - ﷺ - يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:\nوأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمالُ (١) اليتامى عصمةً للأرامل\n\nوهو قول أبي طالب (٢).\nوعن أنس - ﵁ - أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - ﷺ - فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسقنا، قال: فيسقون» (٣).\nوالمعنى أنهم كانوا يستسقون بدعاء النبي - ﷺ - كما تقدم في حديث أنس - ﵁ - حينما قال رجل: يا رسول الله: هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» فنزل المطر بإذن الله - ﷿ - (٤)، وعندما توفي رسول الله - ﷺ - وقحط الناس استسقى عمر - ﵁ - بعمّ رسول الله - ﷺ - العباس بن عبد المطلب - ﵁ - في حياته، وذلك بأن يدعو الله لهم.\nوعلى هذا كان المسلمون وأئمتهم يستسقون بدعاء الصالحين في حياتهم، قال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: «ويستحب أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه؛ لأن عمر - ﵁ - استسقى بالعباس عم رسول الله - ﷺ -، واستسقى معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجرشي» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1803>سادسًا: كيفية صلاة الاستسقاء: كصلاة العيد</span>؛ لحديث ابن عباس\n_________\n(١) «ثِمالُ» أي: غياث.\n(٢) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، برقم ١٠٠٨، ورقم ١٠٠٩.\n(٣) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا، برقم ١٠١٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٣٣، ومسلم، برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه في أنواع الاستسقاء.\n(٥) الكافي، لابن قدامة، ١/ ٥٣٥، والمغني له، ٣/ ٣٤٦.","vol":"3","page":1021},{"text":"﵄ قال: «... خرج رسول الله - ﷺ - متبذّلًا، متواضعًا، متضرعًا، متخشّعًا، مترسّلًا، حتى أتى المصلى ولم يخطب كخطبتكم هذه (١)، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد» (٢).\nوهذا يؤكد قول الجمهور أن صلاة الاستسقاء تُصلَّى كما تُصلَّى صلاة العيد: في العدد، والجهر بالقراءة، والتكبيرات، وجواز الخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة؛ لأنها في معناها إلا أنه لا وقت لصلاة الاستسقاء، ولكنها لا تفعل في وقت النهي بلا خلاف (٣)، والأفضل أن تُصلّى في وقت صلاة العيد (٤)؛ لحديث عائشة ﵂ وغيره (٥).\n_________\n(١) قوله: «ولم يخطب كخطبتكم هذه» المعنى نفي للصفة لا لأصل الخطبة: أي لم يخطب كخطبتكم هذه إنما كان جل خطبته الدعاء والتضرع ...».المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٩.\n(٢) أبو داود، برقم ١١٦٥، والترمذي، برقم ٥٥٨، والنسائي برقم ١٥٠٥، ١٥٠٧، وابن ماجه، برقم ١٢٨١، وغيرهم، وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء.\n(٣) انظر: الإنصاف للمرداوي مع المقنع والشرح الكبير،٥/ ٤١١،والمغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٣٥، والكافي له، ١/ ٥٣٣، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٥٤١.\n(٤) انظر: في صفة صلاة العيد بالتفصيل ما تقدم في صلاة العيدين «صفة صلاة العيد».\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في صفة صلاة الاستسقاء، وهل تقدم على الخطبة أو تؤخر عنها: وقد ذكر الإمام ابن قدامة ﵀: أنه لا يعلم بين القائلين بصلاة الاستسقاء خلافًا في أنها ركعتان، وأن الرواية قد اختلفت في صفتها. فروي أنه يكبر فيهما تكبيرات العيد: سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، قال: وهو قول: سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر محمد بن عمر بن حزم، وداود، والشافعي، وحكي عن ابن عباس؛ لقول ابن عباس ﵄: «وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد»، وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، كانوا يصلون صلاة الاستسقاء يكبرون فيها: سبعًا وخمسًا [أخرجه عبد الرزاق في باب الاستسقاء مع كتاب الصلاة، في المصنف، ٣/ ٨٥] قال ابن قدامة - ﵀ -: «والرواية الثانية أنه يصلي ركعتين كصلاة التطوع، وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق؛ لأن عبد الله بن زيد قال: «خرج النبي - ﷺ - إلى المصلى فاستقبل القبلة وحول رداءه، وصلى ركعتين» وفي لفظ: «استسقى فصلى ركعتين وقلب رداءه» [متفق عليه: البخاري، برقم ١٠١٢، ورقم ١٠٢٦، ومسلم، برقم ٨٩٤] ولم يذكر التكبير، وظاهره أنه لم يكبر، وهذا ظاهر كلام الخرقي، وكيفما فعل كان جائزًا حسنًا.\n\nوقال أبو حنيفة: لا تسن صلاة الاستسقاء ولا الخروج لها؛ لأن النبي - ﷺ - استسقى على المنبر يوم الجمعة، ولم يصلّ لها، واستسقى عمر بالعباس ولم يصلّ، وليس هذا بشيء؛ فإنه قد ثبت بما رواه عبد الله بن زيد وابن عباس، وأبو هريرة، أنه خرج - ﷺ -، وصلى، وما ذكروه لا يعارض ما رووه؛ لأنه يجوز الدعاء بغير صلاة، وفعل النبي - ﷺ - لِمَا ذكروه لا يمنع فعل ما ذكرناه، بل قد فعل النبي - ﷺ - الأمرين، قال ابن المنذر: ثبت أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الاستسقاء وخطب، وبه قال عوامُّ أهل العلم إلا أبا حنيفة، وخالفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فوافقا سائر العلماء، والسنة يستغنى بها عن كل قول، ويسن أن يجهر بالقراءة؛ لِمَا روى عبد الله بن زيد قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة [فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله] وحول رداءه حين استقبل القبلة، ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة» [متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٠٥، ورقم ١٠١١، ورقم ١٠١٢، ورقم ١٠٢٣، ورقم ١٠٢٤، ورقم ١٠٢٥، ورقم ١٠٢٦، ورقم ١٠٢٧، ورقم ١٠٢٨، ومسلم، برقم ٨٩٤] وإن قرأ فيهما بـ ﴿سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فحسن؛ لقول ابن عباس ﵄: صلّى ركعتين كما كان يصلي في العيد [رواه أهل السنن وتقدم تخريجه] [المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٣٥ - ٣٣٧ ببعض التصرف].\n* وقال الإمام النووي ﵀: «أجمع العلماء على أن للاستسقاء سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا، فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة، بل يستسقى بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء من السلف والخلف: الصحابة والتابعون فمن بعدهم تسن الصلاة، ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله - ﷺ - صلى للاستسقاء ركعتين، وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتفى بها ولو لم يصلّ أصلًا كان بيانًا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما، قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة، الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة أو في أثر صلاة مفروضة وهو أفضل من النوع الذي قبله، والثالث: وهو أكملها أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة، وصيام، وتوبة، وإقبال على الخير، ومجانبة الشر، ونحو ذلك من طاعة الله تعالى» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٣٩].\n* وقد قال الإمام القرطبي ﵀: «حديث عبد الله بن زيد يقتضي أن سنة الاستسقاء: الخروج إلى المصلى، والخطبة، والصلاة، وبذلك قال جمهور العلماء ...» [المفهم للقرطبي، ٢/ ٥٣٨].وانظر في صفة صلاة العيد أيضًا: [فتح الباري، لابن حجر،٢/ ٤٩٩ - ٥٠١،والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن،٤/ ٣١٩ - ٣٢٣،والمفهم للقرطبي،٢/ ٥٣٩،ونيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٦٥٤].","vol":"3","page":1022},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1804>سابعًا: خطبة الاستسقاء سُنَّة</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحوط المطر فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المُصلَّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة ﵂ فخرج رسول الله","vol":"3","page":1023},{"text":"- ﷺ - حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله - ﷿ - ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبَّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله - ﷿ - أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مَلِكِ يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا إلى حين» ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهره، وقلب - أو حوَّلَ - رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ ضحك - ﷺ - حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله» (١)؛ ولحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - خرج ليستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما وحوَّلَ رداءه، ورفع يديه، فدعا، واستسقى، واستقبل القبلة» (٢).\nوالصواب إن شاء الله تعالى جواز خطبة الاستسقاء بعد صلاة الاستسقاء وقبلها؛ لحديث عائشة، وعبد الله بن زيد ﵄ فقد دل ذلك على أن النبي - ﷺ - خطب ثم صلى، ودل على أن الخطبة بعد الصلاة حديث أبي هريرة - ﵁ - وبعض روايات حديث عبد الله بن زيد - ﵁ -، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس ﵄ فالأمر في ذلك واسع: من خَطَب قبل الصلاة فلا حرج، ومن صلى ثم خطب فلا حرج، والله تعالى أعلم (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، برقم ١١٧٣، وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء.\n(٢) أبو داود، كتاب الصلاة، باب جُمَّاع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها، برقم ١١٦١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٨.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل صلاة الاستسقاء قبل الخطبة أو بعدها، على قولين:\n* فقال الإمام القرطبي ﵀ بعد ذكره لحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين الذي دل على الخطبة قبل الصلاة: «وظاهر هذا الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة؛ لأنه جاء فيه بـ (ثم) التي للترتيب والمهلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة، والجمهور على أن الصلاة مقدمة على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في الموطأ، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل ثم، وروي عن إسحاق بن عيسى بن الصباغ عن مالك: أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نص، ويعتضد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة، ويخطب فيهما خطبتان يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك، والشافعي، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهدي: خطبة واحدة لا جلوس فيها، وخيَّره الطبري ...» [المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩، ببعض التصرف اليسير].\n* وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - عند الكلام على فوائد حديث عبد الله بن زيد المازني - ﵁ -: «وفيه أن صلاة الاستسقاء ركعتان وهو كذلك بإجماع المثبتين لها، واختلفوا هل هي قبل الخطبة أو بعدها، فذهب الشافعي، والجماهير إلى أنها قبل الخطبة، وقال الليث بعد الخطبة، وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير، قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز العيد والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة - ﵃ - واختلف العلماء هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء كما يكبر في صلاة العيد، فقال به الشافعي، وابن جرير، وروي عن ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واحتجوا للشافعي بأنه جاء في بعض الأحاديث: صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد: كصلاة العيد في العدد، والجهر، والقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، وخيّره داود بين التكبير وتركه ...» [شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٠ - ٤٤١].\n* وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «اختلفت الرواية في الخطبة للاستسقاء، وفي وقتها، والمشهور أن فيها خطبة بعد الصلاة، قال أبو بكر: اتفقوا عن أبي عبد الله أن في صلاة الاستسقاء خطبة، وصعودًا على المنبر، والصحيح أنها بعد الصلاة، وبهذا قال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن، وعليه جماعة الفقهاء؛ لقول أبي هريرة - ﵁ -: [«خرج نبي الله - ﷺ - يومًا يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله - ﷿ -، وحول وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن» أحمد، برقم ٨٣٢٧، وابن ماجه برقم ١٢٦٨، وابن خزيمة برقم ١٤٠٩، ١٤٢٢، وغيرهم، وقال أصحاب الموسوعة في تحقيق مسند الإمام أحمد برقم ٨٣٢٧: «صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، فالنعمان ضعيف يعتبر به وباقي رجال الإسناد ثقات من رجال الشيخين» وقال الإمام ابن باز عن حديث أبي هريرة هذا: «أخرج أحمد ﵀ حديث أبي هريرة المذكور بإسناد حسن، وصرح فيه بأنه خطب بعد الصلاة، ويجمع بين الحديثين - يعني حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، وحديث أبي هريرة - بجواز الأمرين» [انظر تعليق ابن باز على فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٥٠٠]، ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص، برقم ٧٢٠، عن البيهقي في الخلافيات أنه قال: «رواته ثقات». وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: «إسناده صحيح» والحديث ضعفه العلامة الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه، برقم ١٢٨٤]،ثم قال ابن قدامة؛ ولقول ابن عباس: صنع في الاستسقاء كما صنع في العيدين؛ ولأنها صلاة ذات تكبير فأشبهت صلاة العيد. والرواية الثانية أنه يخطب قبل الصلاة، روي ذلك عن عمر، وابن الزبير، وأبان بن عثمان، وهشام بن إسماعيل، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وذهب إليه الليث بن سعد، وابن المنذر؛ ولحديث أنس وعائشة، وعبد الله بن زيد. الرواية الثالثة: هو مخيّر في الخطبة قبل الصلاة وبعدها؛ لورود الأخبار بكلا الأمرين؛ ولدلالتهما على كلتا الصفتين، فيحتمل أن النبي - ﷺ - فعل الأمرين، والرابعة: أنه لا يخطب وإنما يدعو ويتضرع، وأيًّا ما فعل من ذلك فهو جائز؛ لأن الخطبة غير واجبة على الروايات كلها، فإن شاء فعلها وإن شاء تركها، والأولى أن يخطب بعد الصلاة خطبة واحدة؛ لتكون كالعيد؛ وليكونوا قد فرغوا من الصلاة إن أجيب دعاؤهم فأغيثوا، فلا يحتاجون إلى صلاة في المطر» [المغني لابن قدامة، ببعض التصرف اليسير، ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩.وانظر: التمهيد لابن عبد البر، ١٧/ ١٧٢ - ١٧٣].\n* وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنه - ﷺ - بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذلك وقع الاختلاف ...» [فتح الباري، ٢/ ٥٠٠].\n* وقال الإمام البغوي ﵀: «السنة في الاستسقاء أن يخرج إلى المصلى، فيبدأ بالصلاة، فيصلي ركعتين مثل صلاة العيدين، يكبر في الأولى سبعًا سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام، ويجهر فيهما بالقراءة، ثم يخطب، يروى ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وعن أبي بكر وعمر، وعلي ...» [شرح السنة للإمام البغوي، ٤/ ٤٠٢].\n* وقد ذكر ابن قدامة - ﵀ - أن الاستسقاء لها خطبة واحدة، ونقل عن الشافعي ومالك أنهما قالا: يخطب خطبتين كخطبتي العيد، قال ابن قدامة: ولنا قول ابن عباس: «لم يخطب كخطبتكم هذه»، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت، ولا جلوس؛ ولأن كل من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين؛ ولأن المقصود إنما هو دعاء الله تعالى؛ ليغيثهم، ولا أثر لكونها خطبتين في ذلك ...» المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٤٢.","vol":"3","page":1024},{"text":"وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «في حديث عبد الله بن زيد أنه - ﷺ - دعا أولًا ثم صلى (١)، وهكذا في حديث عائشة: دعا أولًا ثم صلى (٢)، والمقصود أنه إن خطب أولًا\n_________\n(١) ولفظه: «أن النبي - ﷺ - خرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة وحول رداءه وصلى ركعتين»، وفي رواية: «خرج النبي - ﷺ - يستسقي فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة» [متفق عليه: البخاري، رقم ١٠١٢،ورقم ١٠٢٤،ومسلم، برقم ٨٩٤].وتقدم تخريجه.\n(٢) وفي حديث عائشة ﵂: «فخرج رسول الله - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله - ﷿ - ..». وفي آخره: «.. ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين ..» [رواه أبو داود، برقم ١١٣٧، وتقدم تخريجه مرات].","vol":"3","page":1026},{"text":"ثم صلى فلا بأس كما جاء في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، و[في حديث] عائشة، وإن قدم الصلاة: كالعيد ثم خطب كما في رواية ابن عباس (١)، وأبي هريرة (٢)، وعبد الله بن زيد عند أحمد (٣) فلا بأس» (٤)، وسمعته أيضًا يقول: «... وهذه الروايات تدل على أنه - ﷺ - ربما خطب ثم صلى، وربما صلى ثم خطب، وهذا يدل على جواز الصفتين: يخطب ثم يصلي، أو يصلي ثم يخطب» (٥).\nوقد رجحه - ﵀ - في مواطن متعددة من كتبه (٦).وقال العلامة ابن\n_________\n(١) وحديث ابن عباس فيه: «.. صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد» [أخرجه الخمسة، وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء].\n(٢) لفظ حديث أبي هريرة «خرج نبي الله - ﷺ - يومًا يستسقي فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله - ﷿ -، وحوَّل وجهه نحو القبلة رافعًا يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» [أحمد، برقم ٨٣٢٧، وابن ماجه، برقم ١٢٦٨، وتقدم أن سماحة الشيخ ابن باز حسنه، وصححه لغيره محققو المسند، وضعفه الألباني].\n(٣) ولفظه: «خرج رسول الله - ﷺ - بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين، وجهر بالقراءة فيها، وحول رداءه، ودعا، واستقبل القبلة» [أحمد، برقم ١٦٤٣٧، ورقم ١٦٤٦٦، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح على شرط الشيخين» وهو في سنن أبي داود، برقم ١١٦١، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٣١٨].\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٣٤.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى - ﷺ -، لأبي البركات ابن تيمية، الأحاديث رقم ١٧٤٤ - ١٧٤٩.\n(٦) قال ﵀ في مجموع الفتاوى، جمع الدكتور الشويعر، ١٣/ ٦١ - ٦٢: «وثبت عنه - ﷺ - ما يدل على أنه خطب قبل الصلاة، وخطب بعد الصلاة، ولعل ذلك كان في حالين وفي وقتين؛ فإنه ثبت أنه دعا وخطب قبل الصلاة، وثبت في أحاديث أخرى أنه دعا وخطب بعد الصلاة، جاء في حديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة أنه - ﷺ - صلَّى ثم دعا وخطب ﵊، وجاء في حديث ابن عباس ما يؤيد ذلك، وأنه صلى كما يصلي في العيد.\nوقد جاء في حديث عبد الله بن زيد أيضًا، وحديث عائشة أنه خطب قبل الصلاة وصلى بعد ذلك فكل منهما ثابت، وكل منهما موسع بحمد الله، من خطب ثم صلى فلا بأس، ومن صلى ثم خطب فلا بأس، كل هذا جاء عنه ﵊، والأمر في ذلك واسع والحمد لله، ومن شبهها بالعيد - كما قال ابن عباس وأخبر أنه صلى كما صلى في العيد - فقد أصاب السنة، ووافق ما رواه عبد الله بن زيد في إحدى رواياته، ووافق حديث أبي هريرة في الصلاة ثم الخطبة، ومن خطب قبل ذلك وافق حديث عبد الله بن زيد المخرج في الصحيحين، ووافق حديث عائشة، فكل منهما سنة وكل منهما خير والحمد لله، المهم في هذا الأمر إخلاص القلوب وضراعتها إلى الله، وانكسارها بين يدي الله سبحانه، وأن يخرج الناس إلى صلاة الاستسقاء بقلوب مقبلة على الله جل وعلا منيبة إليه، تائبة، نادمة، مقلعة عن الذنوب، ترجو رحمته وتخشى عقابه ...».","vol":"3","page":1027},{"text":"عثيمين - ﵀ -: «وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها، ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها فلا يجمع بين الأمرين» (١).\nويُكثر في الخطبة الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ (٢). وكقوله:\n﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مّدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٣).\nوعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران يقول: قد كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا وكذا، وأمرتهم بالصدقة، والصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلَّى﴾ (٤)، وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥)، ويقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، ويقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٧)،ويقولوا كما قال موسى: ﴿رَبّ\n_________\n(١) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(٢) سورة هود، الآية: ٥٢.\n(٣) سورة نوح، الآيات: ١٠ - ١٢.\n(٤) سورة الأعلى، الآيتان: ١٤ - ١٥.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.\n(٦) سورة هود، الآية: ٤٧.\n(٧) سورة الأنبياء، الآية: ٤٧.","vol":"3","page":1028},{"text":"إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١)؛ ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة من الغيث فيأتي الله به، ويصلي على النبي - ﷺ - ويدعو بدعائه - ﷺ -» (٢).\nوكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ (٣). وكقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٤). وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1805>ثامنًا: المبالغة في رفع اليدين في الدعاء</span>، ثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يرفع يديه في دعاء الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه، ويبالغ في رفع اليدين حتى يجعل ظهر كفيه إلى السماء، فعن أنس - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى بياض إبطيه».\nوفي لفظ: «كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه»، وفي لفظ لمسلم: «أن النبي - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء» (٥).\nقال الإمام القرطبي - ﵀ -: «قول أنس إنه - ﷺ - كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء» يعني: أنه لم يكن يبالغ في الرفع إلا في الاستسقاء؛ ولذلك قال: «حتى يُرى بياض إبطيه» وإلا فقد رفع النبي - ﷺ - يوم بدر عند الدعاء، وفي غير ذلك» (٦).\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ١٦.\n(٢) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٤٣.\n(٣) سورة هود، الآية: ٣.\n(٤) سورة هود، الآية: ٩٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء، برقم ١٠٣١، وفي كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٦٥، ومسلم، كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٥.\n(٦) المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٥٤١.","vol":"3","page":1029},{"text":"وقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: «هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع - ﷺ - إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه - ﷺ - في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا في الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويتأول الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره رفع وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة - وهم جماعات - على واحد لم يحضر ذلك ولابد من تأويله؛ لِمَا ذكرناه والله أعلم» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «قوله: «إلا في الاستسقاء» ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وقد تقدم أنها كثيرة، وقد أفردها المصنف بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيها عدة أحاديث فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة: إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله: «حتى يُرى بياض إبطيه»، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به: مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعها إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه.\nوأما صفة رفع اليدين في ذلك؛ فلِما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس «أن النبي - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء»، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: «كان يستسقي هكذا ومد يديه - وجعل بطونهما\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤٢.","vol":"3","page":1030},{"text":"مما يلي الأرض - حتى رأيت بياض إبطيه (١») (٢).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء رفع بلاء: كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، احتجوا بهذا الحديث» (٣).\nوقال الحافظ ابن حجر: «وقال غيره -أي النووي-: «الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء، دون غيره للتفاؤل بقلب الحال ظهرًا لبطن كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول وهو نزول السحاب إلى الأرض» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول على قول أنس - ﵁ -: «كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ..» والمراد هنا الرفع الشديد والمبالغة في الرفع وإلا فقد ثبت عنه - ﷺ - أنه رفع في أدعية كثيرة غير ذلك» (٥).\nوسمعته يقول - ﵀ -: «رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، ومستحب إلا في المواطن التي وجدت الأسباب [للرفع] فلم يرفع فيها النبي - ﷺ -، لكن المواضع التي رفع فيها نرفع فيها، مثل: الدعاء في الاستسقاء، ومثل: إذا عرض للإنسان حاجة فرفع يديه يدعو: كالاستخارة وغيرها، أما المواضع التي ما رفع فيها - ﷺ - مثل: ما بين السجدتين، فلا نرفع فيها، [و] مثل [ذلك] في آخر الصلاة قبل السلام،\n_________\n(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٧٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٢٠.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥١٨.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢.\n(٤) فتح الباري، ٢/ ٥١٨.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٣٥٦٥.","vol":"3","page":1031},{"text":"وبعد الفريضة كذلك، ما كان يرفع - ﷺ - فلا نرفع، والأصل في الدعاء رفع اليدين إلا [في] المواطن التي لم يرفع فيها النبي - ﷺ - وقد وجدت أسباب الرفع، ومسح الوجه باليدين لا بأس به؛ لأن الحافظ حسّن الحديث، وهو أعلم من غيره» (١).\nوقد استفدت من شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى، أن اليدين لا ترفع في جميع الخطب ولا المواعظ في الدعاء لا من الخطيب أو الواعظ ولا من المستمعين إلا في دعاء الاستسقاء، وأن معنى قوله «فأشار بظهر كفيه إلى السماء»:المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1806>تاسعًا: الأدعية في الاستسقاء: </span>ثبت عن النبي - ﷺ - أدعية كثيرة في الاستسقاء، منها الأدعية الآتية:\n١ - «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا»، وفي لفظ: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» (٢).\n٢ - «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل» (٣).\n٣ - «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين» (٤).\n٤ - «اللهم اسق عبادك، وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت» (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٣٤١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠١٣، ١٠١٤، ومسلم، برقم ٨٩٧، وتقدم تخريجه في أنواع الاستسقاء، من حديث أنس - ﵁ -.\n(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، برقم ١١٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٢٠، من حديث جابر - ﵁ -.\n(٤) أبو داود، برقم ١١٧٣،وتقدم تخريجه في آداب الاستسقاء من حديث عائشة ﵂.\n(٥) أبو داود، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الدعاء، برقم ١١٧٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٢٢ من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"3","page":1032},{"text":"٥ - «اللهم اسقنا غيثًا مريئًا (١) مريعًا (٢) طبقًا (٣) عاجلًا غير رائث (٤)، نافعًا غير ضار» (٥).\nوغير ذلك من الأدعية النافعة والاستغفار (٦).\n_________\n(١) مريئًا: أي محمود العاقبة.\n(٢) مريعًا: بضم الميم وفتحها: من الرائع وهو الزيادة.\n(٣) طبقًا: أي مائلًا إلى الأرض مغطيًا، يقال غيث طبق: أي عام واسع.\n(٤) رائث: أي بطيء متأخر.\n(٥) ابن ماجه من حديث كعب بن مرة، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الدعاء في الاستسقاء، برقم ١٢٦٩،وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه،١/ ٣٨٢،وفي الإرواء، ٢/ ١٤٥.\n(٦) جاء في الاستسقاء أدعية أخرى ضعيفة ومعناها صحيح، منها: ما روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعًا: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا، هنيئًا، مريئًا، مريعًا، غدقًا، مجللًا، سحًّا، طبقًا، عامًّا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد، والبلاد، والبهائم، والخلق من اللأواء، والجهد، والضنك، ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع، والعُري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا» قال الحافظ ابن حجر في التلخيص، برقم ٧٢١: «هذا الحديث ذكره الشافعي في الأم تعليقًا، ١/ ٢٥١، ولم نقف له على إسناد، ولا وصله البيهقي في مصنفاته، بل رواه في المعرفة من طريق الشافعي، قال: ويروى عن سالم به، ثم قال: وقد روّينا بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها في حديث أنس بن مالك، وفي حديث جابر، وفي حديث عبد الله بن جراد، وفي حديث كعب بن مرة، وفي حديث غيرهم، ثم ساقها بأسانيده». [التلخيص الحبير، ٢/ ٩٨،برقم ٧٢١،وقال شعيب الأرنؤوط وعبد القادرفي تحقيق زاد المعاد: «وفيه انقطاع بين الشافعي وسالم بن عبد الله» ١/ ٤٦٠.\nوروي عن سعد مرفوعًا: «اللهم جلّلنا سحابًا، كثيفًا، قصيفًا، دَلُوقًا، ضحوكًا، تمطرنا منه رذذًا، قِطْقطًا، سَجْلًا، يا ذا الجلال والإكرام» عزاه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام إلى أبي عوانة، وفي التلخيص، ٢/ ٩٩ إلى أبي عوانة في صحيحه، وقال: «وفيه ألفاظ غريبة كثيرة أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ».\n«جللنا» المراد تعميم الأرض.\n«كثيفًا»: أي: متكاثفًا متراكمًا.\n«قصيفًا»: ما كان رعده شديد الصوت وهو من أمارات قوة المطر.\n«دلوقًا»: مندق شديد الدفع.\n«ضحوكًا»: ذا برق.\n«رذذًا»: ما كان مطره دون الطش.\n«قِطْقطًا»: القطقط أصغر المطر، ثم الطش، وهو فوق الرذاذ.\n«سَجْلًا»: يصب صبًّا.\n«يا ذا الجلال والإكرام» هذان الوصفان نطق بهما القرآن، وفي التفسير: الاستغناء المطلق والفضل التام، وقيل: الذي عنده الإجلال والإكرام للمخلصين من عباده، وهما من عظائم صفاته تعالى. [سبل السلام، ٣/ ٢٨١].\nوروي عن المطلب بن حنطب - ﵁ - مرفوعًا: أنه كان يقول عند المطر: «سقيا رحمة، ولا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم على الظراب ومنابت الشجر، اللهم حوالينا ولا علينا» قال أبو البركات في المنتقى من أخبار المصطفى، برقم ١٧٥٦: «رواه الشافعي في مسنده، ١/ ١٧٣، وهو مرسل. قال الشوكاني في النيل:٢/ ٦٦١: «وهو مرسل كما قال المصنف، وأكثر ألفاظه في الصحيحين».","vol":"3","page":1033},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1807>عاشرًا: تحويل الرداء في الاستقاء واستقبال القبلة سنة</span>؛ لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وفيه: «خرج النبي - ﷺ - يستسقي وحول رداءه»، وفي لفظ: «أن النبي - ﷺ - استسقى وقلب رداءه». وفي لفظ: «خرج إلى المصلى فاستسقى، فاستقبل القبلة، وحوَّل رداءه وصلى ركعتين». وفي لفظ: «خرج بالناس يستسقي لهم، فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قِبَل القبلة وحول رداءه فأُسقوا». وفي لفظ: «خرج النبي - ﷺ - يستسقي، فتوجَّه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة». وفي لفظ: «رأيت النبي - ﷺ - يوم خرج يستسقي، قال: فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حوَّل رداءه، ثم صلى لنا ركعتين جهر فيهما بالقراءة». وفي لفظ: «أن النبي - ﷺ - استسقى، فصلى ركعتين وقلب رداءه». وفي لفظ: «خرج النبي - ﷺ - إلى المصلى يستسقي واستقبل القبلة، فصلى ركعتين وقلب رداءه»، قال سفيان: فأخبرني المسعودي عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال، وفي لفظ: «أن النبي - ﷺ - خرج إلى المصلى يصلي، وأنه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه».وفي لفظ: «خرج رسول الله - ﷺ - إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه» (١). وهذه الألفاظ للبخاري، ولفظ أبي داود: «وحول رداءه فجعل\n_________\n(١) متفق عليه، وهذه الألفاظ للبخاري، برقم ١٠٠٥، ١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣.ومسلم، برقم ٨٩٤.وتقدم تخريجه.","vol":"3","page":1034},{"text":"عِطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم دعا الله - ﷿ -» (١)، ولفظ الإمام أحمد: «رأيت رسول الله - ﷺ - حين استسقى لنا أطال الدعاء وأكثر المسألة، ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرًا لبطن، وتحول الناس معه» (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «واستحب الجمهور أيضًا أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق أخرى عن عباد في هذا الحديث بلفظ: «وحوّل الناس معه» (٣)، ثم قال الحافظ: «ثم إن ظاهر قوله: «فقلب رداءه» أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء، وليس كذلك، بل المعنى قلب رداءه في أثناء الاستسقاء، وقد بينه مالك في روايته المذكورة ولفظه: «حول رداءه حين استقبل القبلة» (٤)، ولمسلم من رواية يحيى عن أبي بكر بن محمد «وأنه لَمّا أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه» (٥). وأصله عند المصنف كما سيأتي بعد أبواب» (٦)، فَعُرِفَ بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء (٧)، ويدعو سرًّا حال استقبال القبلة، وكذلك الناس (٨).\nواختُلِفَ في الحكمة من تحويل الرداء، والصواب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه (٩). وظاهر قوله: «ويحول الناس» أنه يستحب ذلك\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب جُمَّاع أبواب صلاة الاستسقاء، برقم ١١٦٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣١٨.\n(٢) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٤١.\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٤/ ٤١.\n(٤) فتح الباري، ٢/ ٤٩٨.\n(٥) مسلم، برقم ٤ - «٨٩٤»، وهو عند البخاري، برقم ١٠٢٨.\n(٦) فتح الباري،٢/ ٤٩٨،وقوله المصنف: أي البخاري في الصحيح، وهو برقم ١٠٢٨ كما تقدم.\n(٧) فتح الباري لابن حجر، ٢/ ٤٩٩، وانظر: نيل الأوطار، ٤/ ٦٦٢.\n(٨) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٤٠.\n(٩) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤٩٩.","vol":"3","page":1035},{"text":"للنساء، وقال ابن الماجشون: لا يستحب في حقهن (١). قال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -: «إذا كانت المرأة تتكشّف عند تحويلها للرداء في صلاة الاستسقاء والرجال ينظرون إليها؛ فإنها لا تفعل؛ لأن قلب الرداء سُنَّة، والتكشّف أمام الرجال فتنة ومحرّم، وأما إذا كانت لا تتكشّف فالظاهر أن حكمها حكم الرجل؛ لأن هذا هو الأصل، وهو تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل الدليل على الاختلاف بينهما فيه» (٢).\nفإن سُقوا وإلا أعادوا الاستسقاء: ثانيًا، وثالثًا؛ لأن الله يحبّ الملحّين في الدعاء، وهو أرجى للإجابة؛ ولأن الله يستجيب للإنسان إذا دعا ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1808>الحادي عشر: تحريم الاستسقاء بالأنواء</span>؛ لحديث زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء (٤) كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء (٥) كذا\n_________\n(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٤/ ٦٦٣، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٤٩٨.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٨٤.\n(٣) انظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٥/ ٤٣٣، والروض المربع، ٢/ ٥٥٧، والمغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٤٧.\n(٤) سماء: أي مطر. شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٥٩، وفتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٦٠٧.\n(٥) النوء: معناه سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وهو مأخوذ من ناء إذا سقط، وقيل: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء إذا نهض، ولا تخالف بين القولين في الوقت؛ لأن كل نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال طلوعه آخر في المغرب لا يزال ذلك مستمرًا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السنة؛ فإن لكل واحد منها ثلاثة عشر يومًا تقريبًا، وكانت العرب تقول في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر لابد أن يكون عند ذلك مطر، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى النجم، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٥٢٤، وشرح السنة للبغوي، ٤/ ٤٢٠.","vol":"3","page":1036},{"text":"وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (١).\nوعن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، نَزَّل الله الغيث فيقولون: بكوكب كذا وكذا» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1809>الثاني عشر: الآداب المختصة بالمطر، ومنها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1810>١ - الخوف من الله - ﷿ </span>- لحديث عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - مستجمًا ضاحكًا حتى أرى من لهواته، إنما كان يتبسَّمُ، وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرفَ ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفتُ في وجهك الكراهية؟ فقال: «يا عائشة ما يؤمّنني أن يكون فيه عذاب، فقد عُذّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1811>٢ - لا يدري متى يجيء المطر إلا الله</span>؛ لحديث عمر - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون\n_________\n(١) متفق عليه: البخاريكتاب الاستسقاء، باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ﴾، قال ابن عباس: شكركم، برقم ١٠٣٨،ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، برقم ٧١.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٤.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، برقم ٧٢.\n(٤) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر، برقم ١٦ - «٨٩٩»، قد تقدمت الأحاديث في ذلك في صلاة الكسوف، في آداب صلاة الكسوف.","vol":"3","page":1037},{"text":"في غدٍ، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر». وفي لفظ: «مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1812>٣ - الدعاء إذا رأى المطر</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا رأى المطر قال: «اللهم صيّبا نافعًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1813>٤ - ما يفعل إذا أصابه المطر</span>، عن أنس - ﵁ - قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - مطر، قال: فحسر (٣) رسول الله - ﷺ - ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: «لأنه حديثُ عهدٍ بربه» (٤)، وقد تنزع البركة بسبب الذنوب، لحديث أبي هريرة يرفعه: «ليست السَّنَة بألاَّ تمطروا، ولكن السَّنَةُ: أن تُمطروا، وتُمطر ولا تُنبتُ الأرض شيئًا» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1814>٥ - الذكر بعد نزول المطر</span>، ففي حديث زيد بن خالد الجهني: «مُطرنا بفضل الله ورحمته» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1815>٦ - ذكر ابن القيم آثارًا تذكر أن الإجابة للدعاء قد تطلب عند نزول الغيث </span>(٧).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله، برقم ١٠٣٩، وله شاهد في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، برقم ١٠.\n(٢) البخاري، كتاب الاستسقاء، باب ما يقال إذا أمطرت، برقم ١٠٣٢.\n(٣) فحسر: أي كشف بعض بدنه، شرح مسلم للنووي، ٦/ ١٩٤.\n(٤) مسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٨.\n(٥) مسلم، كتاب الفتن، باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل الساعة، برقم ٢٩٠٤.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٠٣٨،ومسلم، برقم ٧١،وتقدم تخريجه في تحريم الاستسقاء بالأنواء.\n(٧) انظر: زاد المعاد لابن القيم، ١/ ٤٦١.","vol":"3","page":1038},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1816>٧ - دعاء الاستصحاء</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - وفيه: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والجبال، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1817>٨ - دعاء الرعد</span>؛ لحديث عبد الله بن الزبير - ﵁ - موقوفًا: أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته» ثم يقول: «إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد» (٢)، والله - ﷿ - أعلم (٣)، وهو الهادي إلى سواء السبيل (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1818>الثالث عشر: المطر، والرعد، والبرق، والصواعق، والزلازل:</span>\nالمطر: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «أما المطر فإن الله يخلقه في السماء من السحاب، ومن السحاب ينزل، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ (٧). [وقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٩٣٣،ومسلم، برقم ٨٩٧،وتقدم تخريجه في أنواع الاستسقاء.\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الكلام، باب القول إذا سمعت الرعد، برقم ٢٦، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٧٢٣، وصحح إسناده النووي في الأذكار (٢٦٢)، والألباني موقوفًا في تعليقه على الكلم الطيب (١٥٦)، وفي صحيح الأدب المفرد، ص٢٦٨، برقم ٥٥٦/ ٧٢٣.\n(٣) وجاء عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» البخاري في الأدب المفرد، برقم ٧٢١، والترمذي، برقم ٣٤٥٠،والحاكم، ٤/ ٢٨٦، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي» وغيرهم، وقال عبد القادر الأرنؤوط في تخريج الأذكار للنووي، ص٢٦٢: «إسناده ضعيف ولكن له طرق يقوى بها، وضعفه الألباني في الضعيفة، برقم: ١٠٤٢، وغيرها.\n(٤) وانظر: حاشية الروض المربع لابن قاسم،٢/ ٥٦٣،ومجموع فتاوى ابن باز،١٣/ ٨٦.\n(٥) سورة الواقعة، الآيتان: ٦٨ - ٦٩.\n(٦) سورة النبأ، الآية: ١٤.\n(٧) سورة النور، الآية: ٤٣.","vol":"3","page":1039},{"text":"يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ أي من خلال السحاب.\nوقوله في غير موضع من السماء: أي من العلو، والسماء اسم جنس للعالي، فقد يختص بما فوق العرش تارة، وبالأفلاك تارة، وبسقف البيت تارة، لِمَا يقترن باللفظ.\nوالمادة التي يُخلق منها المطر: هي الهواء الذي في الجو تارة، وبالبخار المتصاعد من الأرض تارة، وهذا ما ذكره علماء المسلمين، والفلاسفة يوافقون عليه» (١).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ -: «ذكر العلماء أن بخار ماء البحار قد يجتمع منه الماء في السحب بأمر الله سبحانه، وقد يخلق الماء في الجو فيمطر به الناس بأمر الله سبحانه، وهو القادر على كل شيء، كما قال ﷾: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، والله جل وعلا أعلم بما يصلح عباده، فقد يكون تجمع هذه المياه بإذن الله من البحار ثم يجعله الله عذبًا بعد ذلك في الفضاء يقلبه الله من ملوحة إلى كونه عذبًا، ويسوقه في السحاب إلى ما يشاء - ﷾ - من الأراضي المحتاجة إلى ذلك كما يشاء جل وعلا.\nوقد يخلق الله سبحانه الماء في الجو فتحمله السحب والرياح إلى أماكن محتاجة إلى ذلك، ذكر هذا المعنى ابن القيم - ﵀ - في كتابه مفتاح دار السعادة، وذكره غيره» (٣).\nالرعد والبرق: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «وأما الرعد والبرق ففي الحديث المرفوع في الترمذي وغيره: أنه سئل\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٦٢، وانظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم،\n٢/ ٣٥ - ٣٧، و٧٨.\n(٢) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٨٧.","vol":"3","page":1040},{"text":"عن الرعد قال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله» (١).\nوفي مكارم الأخلاق للخرائطي عن علي أنه سئل عن الرعد فقال: «ملك، وسئل عن البرق فقال: مخاريق بأيدي الملائكة، وفي رواية عنه: مخاريق من حديد بيده». وروي في ذلك آثار كذلك.\nوقد رُوي عن بعض السلف أقوال لا تخالف ذلك، كقول من يقول: إن اصطكاك أجرام السحاب بسبب انضغاط الهواء فيه؛ فإن هذا لا يناقض ذلك؛ فإن الرعد مصدر: رعد يرعد رعدًا، وكذلك الراعد يسمى رعدًا، كما يسمى العادل عدلًا، والحركة توجب الصوت، والملائكة هي التي تحرك السحاب وتنقله من مكان إلى مكان، وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فهي عن الملائكة [بإذن الله - ﷿ -] وصوت الإنسان هو: عن اصطكاك أجرامه الذي هو شفتاه، ولسانه، وأسنانه، ولهاته، وحلقه، وهو مع ذلك يكون مسبحًا للرب، وآمرًا بمعروف، وناهيًا عن منكر.\nفالرعد إذًا صوت يزجر السحاب، وكذلك البرق قد قيل: لَمَعَان الماء، أو لَمَعَان النار، وكونه لَمَعَان النار أو الماء لا ينافي أن يكون اللامع مخراقًا بيد الملك؛ فإن النار التي تلمع بيد الملك كالمخراق مثل مزجي المطر، والملك يزجي السحاب، كما يزجي السائق للمطي» (٢).\nالزلازل: الزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده، كما يخوفهم\n_________\n(١) لفظه في سنن الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «أقبلت اليهود إلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد، ما هو؟ قال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب حيث شاء الله» قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أُمر»، قالوا: صدقت ...». الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الرعد، برقم ٣١١٧، وصححه الألباني في صحيح الترمذي،٣/ ٢٦٢، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ١٨٧٢.\n(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وانظر حاشية ابن قاسم على الروض المربع، ٢/ ٥٦٣.","vol":"3","page":1041},{"text":"بالكسوف، وغيره من الآيات والحوادث لها أسباب، وحكم، فكونها آية يخوف الله بها عباده، هي من حكمه كذلك.\nوأما أسبابه: فمن أسبابه انضغاط البخار في جوف الأرض، كما ينضغط الريح والماء في المكان الضيق، فإذا انضغط طلب مخرجًا فيشق ويزلزل ما قرب منه من الأرض ...» (١).\n_________\n(١) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٦٤.","vol":"3","page":1042},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1819>المبحث الرابع والثلاثون: صلاة الجنائز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1820>أولًا: مفهوم الجنائز: </span>بفتح الجيم لا غير: جمع جِنَازة.\nوالجنازة: بكسر الجيم وفتحها لغتان، والكسر أفصح.\nوقيل: «الجَنَازَةُ» بالفتح للميت، وبالكسر «الجِنازةُ» للنعش عليه ميت. وقيل: عكسه (١).\nقال الإمام ابن الأثير: «والجنائز بالكسر والفتح: الميت بسريره، وقيل: بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت» (٢).\nوقال الفيروزآبادي: «الجِنَازةُ: الميت، ويفتح، أو بالكسر: الميت وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت» (٣)، والله تعالى أعلم (٤).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «الجنازة مشتقة من جنز إذا سُتِرَ» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1821>ثانيًا: اغتنام الأوقات والأحوال بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ الله وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ*أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ*أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً\n_________\n(١) شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٤٧٣،والإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٤/ ٣٧٩.\n(٢) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب الجيم مع النون، ١/ ٣٠٦.\n(٣) القاموس المحيط، باب الزاي فصل الجيم، ص٦٥٠.\n(٤) قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: «... فإذا قيل: جَنازة: أي ميت، وإذا قيل: جِنازة: أي نعش، وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل، والنعش تحت الميت» الشرح الممتع، ٥/ ٢٩٨.\n(٥) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٧٣.","vol":"3","page":1043},{"text":"فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ*وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصَّالِحِينَ*وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَالله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٣).\nفكل مفرّط يندم عند الاحتضار يسأل طول المدة ولو شيئًا يسيرًا، ليستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات كان ما كان، وأتى ما هو آتٍ، وكلٌّ بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال الله تعالى (٤): ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مّن قَبْلُ مَا لَكُم مّن زَوَالٍ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٦).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي - ﷺ -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (٧). وهذا يدل على أن من لم يستعمل نعمة الصحة والفراغ فيما ينبغي فقد غُبِنَ؛ لكونه باعهما بثمن بخس،\n_________\n(١) سورة الزمر، الآيات: ٥٤ - ٥٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٤.\n(٣) سورة المنافقون، الآيات: ٩ - ١١.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٤٩.\n(٥) سورة إبراهيم، الآية: ٤٤.\n(٦) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٩ - ١٠٠.\n(٧) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم ٦٤١٢.","vol":"3","page":1044},{"text":"ولم يحمد رأيه في ذلك، ولاشك أن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على أن لا يُغبَن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شُكْرِه امتثالُ أوامره واجتنابُ نواهيه، فمن فرَّط في ذلك فهو المغبون، والذي يوفَّق لذلك قليل من الناس، ومعلوم أن الإنسان قد يكون صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك: أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم كما قيل:\nيسر الفتى طولُ السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل\nيُرد الفتى بعد اعتدال وصحةٍ ... ينوء إذا رام القيامَ ويحملُ (١)\n\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٢).\nورحم الله الإمام البخاري فقد أحسن حين قال:\nاغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة\n_________\n(١) مقتبس من مجموع كلام ابن حجر، وابن بطال، وابن الجوزي، كما نقله ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، ١١/ ٢٣٠.\n(٢) الحاكم وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٠٦، ورواه ابن المبارك في الزهد، ١/ ١٠٤،برقم ٢،من حديث عمرو بن ميمون مرسلًا، وقال ابن حجر في فتح الباري، ١١/ ٢٣٥: «بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون، فمرسل عمرو بن ميمون شاهد لرواية الحاكم»، وصحح الحديث الألباني في صحيح الجامع الصغير، ٢/ ٣٥٥، برقم ١٠٨٨.","vol":"3","page":1045},{"text":"كم صحيح رأيت من غير سَقم ٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (١)\n\nوقد أحسن البستي - ﵀ - حين قال:\nيا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران؟\nأقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان (٢)\n\nولا ريب أنه ينبغي الاستعداد لما بعد الموت بالأعمال الصالحة، والتوبة من جميع الذنوب؛ لأن الموت قد يأتي بغتة، قال الإمام البخاري - ﵀ -: «بابُ موتِ الفُجاءة (٣): البغتة»، ثم ذكر حديث سعد بن عبادة - ﵁ - حين قال للنبي - ﷺ -: «إن أمي افتُلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدَّقتْ، فهل لها أجر إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: «نعم» (٤).\nوعن عبيد بن خالد السلمي - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «موت الفَجْأَةِ أخذةُ أسَفٍ (٥») (٦).\nوكره بعض السلف موت الفجأة (٧)؛ لما في ذلك - والله أعلم - من\n_________\n(١) ذكره ابن حجر في هدي الساري، ص٤٨١، وعزاه إلى الحاكم في تاريخه، وذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٩٢.\n(٢) النونية لشاعر زمانه: علي بن محمد بن الحسين البُسْتي، وهي مطبوعة ضمن الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٣.\n(٣) الفُجاءَة: يُقال: فجئَه الأمرُ، فجأه فُجاءة: بالضم والمد، وفاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وقيّده بعضهم بفتح الفاء وسكون الجيم من غير مدٍّ على المرة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٤١٢،والفجاءة: الهجوم على من لم يشعر به. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٥٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفُجاءة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤.\n(٥) أسَفٍ: أي غضب، قال ابن حجر في الفتح، ٣/ ٢٥٤: «أسف: أي غضب، وزنًا ومعنى، وروي بوزن الفاعل: أي غضبان. قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث، ١/ ٤٨: «وفي حديث موت الفجأة: «راحة للمؤمن وأخذة أسفٍ للكافر» أي أخذة غضب أو غضبان، يقال: أسِفَ يأسفُ أسفًا فهو آسِفٌ، إذا غضب». فعلى هذا يكون بكسر السين غضبان، وفتحها غضب.\n(٦) أبو داود، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة، برقم ٣١١٠، وأحمد في المسند، برقم ١٥٤٩٦، ١٥٤٩٧، ١٧٩٢٤، ١٧٩٢٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٧، وأصحاب موسوعة مسند الإمام أحمد، ٢٤/ ٢٥٣، ٢٩/ ٤٤٥.\n(٧) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٢٥٤، والسنن الكبرى للبيهقي، ٣/ ٣٧٨، ٣٧٩، ومصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٣٧٠، ومصنف عبد الرزاق، برقم ٦٧٧٩ موقوف على حذيفة - ﵁ -.","vol":"3","page":1046},{"text":"خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد بالتوبة، وغيرها من الأعمال الصالحة، وقد نقلت كراهة موت الفجاءة عن الإمام أحمد، وبعض الشافعية، ونقل الإمام النووي: أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا موت الفجأة؛ قال الإمام النووي ﵀: «وهو محبوب للمراقبين» (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وبذلك يجتمع القولان» (٢).\nوورد ما يؤيد عدم كراهة موت الفجاءة للمؤمن، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «موت الفجاءة تخفيف على المؤمن، وأسف على الكافر» هذا لفظ عبد الرزاق، والطبراني في المعجم الكبير، ولفظ ابن أبي شيبة: «موت الفجاءة راحة على المؤمنين، وأسف على الكفار» (٣).\nورُوي من حديث عن عائشة ﵂ قالت: «سألت رسول الله - ﷺ - عن موت الفجأة؟ فقال: «راحة للمؤمن وأخذة أسَفٍ للفاجر» (٤).\nوعن عبد الله بن مسعود وعائشة ﵄ قالا: «موت الفجاءة رأفة بالمؤمن، وأسف على الفاجر» (٥).\nوما أحسن ما استشهد به الإمام البيهقي - ﵀ - في كتاب الجنائز، باب موت الفجاءة (٦) من حديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٤٥، ونقل ذلك في هذا الموضع عن النووي ﵀.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ٢٥٥.\n(٣) عبد الرزاق في المصنف، برقم ٦٧٧٦، وابن أبي شيبة في المصنف، عن بعض أصحاب عبد الله عنه، ٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠، والطبراني في الكبير، ٩/ ١٧٥، برقم ٨٨٦٥، ولم أجد من حسّن حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، وتوقف عنه ابن باز في تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٣٨٨، وقال: «يُبحث عنه».\n(٤) أحمد في المسند، ٤١/ ٤٩١، برقم ٢٥٠٤٢، والبيهقي، ٣/ ٣٧٩، وفي شعب الإيمان، برقم ١٠٢١٨، وعبد الرزاق، برقم ٦٧٨١، وضعفه أصحاب موسوعة المسند في ٢٤/ ٢٥٤،\nو٤١/ ٤٩١، برقم ٢٥٠٤٢، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٢/ ٢١٨: «رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه قصة، وفيه عبد الله بن الوليد الرصافي وهو متروك».\n(٥) ابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٣٧٠، وهو هنا موقوف، والبيهقي في الكبرى، ٣/ ٣٧٩ موقوف أيضًا، ويراجع كلام أهل موسوعة مسند الإمام أحمد، ٤١/ ٤٩١ - ٤٩٢.\n(٦) السنن الكبرى، ٣/ ٣٧٩.","vol":"3","page":1047},{"text":"مُرَّ عليه بجنازة فقال: «مستريح ومستراح منه» قالوا: يا رسول الله! ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب» (١).\nوثبت في الحديث: «ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى» (٢).\nفينبغي الاستعداد، قال شيخنا الإمام ابن باز - ﵀ -: «فينبغي الاستعداد؛ ولهذا كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءَةِ نقمتك، وجميع سخطك (٣») (٤).\nوما أجمل ما قاله محمود الوراق:\nمضى أمسُك الماضي شهيدًا مُعدَّلًا ... وأعقبه يوم عليك جديد\nفإن كنت بالأمس اقترفت إساءة ... فثنّ بإحسانٍ وأنت حميد\nفيومك إن أعتَبتَه عاد نَفعُه ... عليك وماضي الأمس ليس يعودُ\nولا تُرجِ فِعلَ الخير يومًا إلى غدٍ ... لعلَّ غدًا يأتي وأنت فقيدُ (٥)\nوقال آخر:\nنسير إلى الآجال في كل لحظةٍ ... وأيامنا تطوى وهُنَّ مراحل\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، برقم ٩٥٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب الحور العين وصفتهن، برقم ٢٧٩٥، ومسلم، كتاب الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم ١٨٧٧،وفي لفظ للبخاري: «يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة» البخاري، برقم ٢٨١٧.\n(٣) مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، برقم ٢٧٣٩.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على باب موت الفجاءة في صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٨٨.\n(٥) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٩٢.","vol":"3","page":1048},{"text":"ولم أرَ مثل الموتِ حقًّا كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطلُ\nوما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاملُ\nترحَّلْ من الدنيا بزادٍ من التقى ... فعُمْرُك أيامٌ وهنّ قلائلُ (١)\n\nوما أحسن ما قاله الشاعر الحكيم:\nمن فاته الزرع في وقت البذار فما ... تراه يحصد إلا الهمّ والندما\n\nوقال آخر:\nنتوب من الذنوب إذا مرضنا ... ونرجع للذنوب إذا برينا\nوكم عاهدت ثم نقضت عهدًا ... وأنت لكل معروف نسيتا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1822>ثالثًا: الاجتهاد في حالة الصحة في الأعمال الصالحة</span>؛ لتكتب للمسلم في حال عجزه عن العمل؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1823>رابعًا: الأمور التي تعين على الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة </span>كثيرة منها:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1824>١ - الإكثار من ذكر الموت والاستعداد للقاء الله تعالى: </span>ينبغي للمسلم أن يكثر من ذكر الموت، ويبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيه الموت بغتة فيندم حين لا ينفع الندم؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثروا ذِكْرَ هاذِم اللذَّات» (٣) يعني الموت، وفي لفظ لابن حبان:\n_________\n(١) ذكره ابن رجب في المرجع السابق، ٢/ ٣٨٤.\n(٢) البخاري، برقم ٩٩٦، وتقدم تخريجه في صلاة المريض، وفي الاجتهاد في الصحة.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في ذكر الموت، برقم ٢٣٠٧،والنسائي، كتاب الجنائز، باب كثرة ذكر الموت، برقم ١٨٢٣،وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، رقم ٤٢٥٨،وابن حبان، بلفظ «أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت» برقم ٢٩٩٢.وقال الألباني في صحيح سنن النسائي وغيره،٢/ ٦: «حسن صحيح».","vol":"3","page":1049},{"text":"«أكثروا ذكر هاذِم اللذات، فما ذكره عبد قط وهو في ضيقٍ إلا وسَّعه عليه، ولا ذكره وهو سعةٍ إلا ضيقه عليه» (١)،وفي لفظ لابن حبان أيضًا: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: «أكثروا من ذكر هاذِم اللذات» (٢)،فالموت يقطع اللذات ويزيلها، والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ وهو الموت، قال الإمام الصنعاني: «وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله: «فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلَّلهُ، وقليل إلا كثَّره» (٣).\nوعن ابن عمر ﵄ قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - فجاءه رجل من الأنصار فسلم على النبي - ﷺ - ثم قال: يا رسول الله! أي المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خُلُقًا» قال: فأي المؤمنين أكيس (٤)؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس» (٥).\nقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٦).\nوقال جلَّ وعلا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ\n_________\n(١) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٣، وحسنه الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٤٥.\n(٢) صحيح ابن حبان، برقم ٢٩٩٥ وحسنه شعيب الأرنؤوط.\n(٣) سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٣٠٢، وهذا الخبر أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: «أكثروا ذكر هاذم اللذات - يعني الموت - فإنه ما كان في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا جزأه» [مجمع البحرين، ٨/ ٢٠٦، برقم ٥٠٧٦]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٣٠٩: «إسناده حسن»، وذكر الصنعاني هنا آثارًا منها: «أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله قلبه وهوَّن عليه الموت» [ذكره الديلمي في مسند الفردوس، ١/ ٧٤، برقم ٢١٨].\n(٤) أكيس: أعقل. ومثله: الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت: أي العاقل. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٤/ ٢١٧.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٢٥٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٣٨٤.\n(٦) سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.","vol":"3","page":1050},{"text":"مُّشَيَّدَةٍ﴾ (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ*وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ*وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ* فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ*تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣).\nوقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (٥).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٦).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ\nتُرْجَعُونَ﴾ (٧).\nوقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الْحَقّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧٨.\n(٢) سورة ق، الآية: ١٩.\n(٣) سورة الواقعة، الآيات: ٨٣ - ٨٧.\n(٤) سورة الجمعة، الآية: ٨.\n(٥) سورة القيامة، الآيات: ٣٠ - ٣٦.\n(٦) سورة الملك، الآيتان: ١ - ٢.\n(٧) سورة السجدة، الآية: ١١.\n(٨) سورة الأنعام، الآيتان: ٦١ - ٦٢.","vol":"3","page":1051},{"text":"قال زهير بن أبي سلمى:\nومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم (١)\n\nوقال آخر:\nالموت باب كل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدار\nالدار جنة خلدٍ إن عملت بما يرضي ... الإله، وإن فرطت فالنارُ\n\nوعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال: «يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحببْ من شئتَ فإنك مفارقُه، واعملْ ما شئتَ فإنك مَجزيٌّ به»، ثم قال: «يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس» (٢).\nوما أحسن ما قال الشاعر الحكيم:\nوما هذه الأيام إلا مراحل ... يحثُّ بها داع إلى الموت قاصدًا\nوأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوع والمسافر قاعد (٣)\nوقال آخر:\nأيا ويح نفسي من نهار يقودها ... إلى عسكر الموت وليلٍ يذودُها (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1825>٢ - ذكر القبر والبلى</span>؛ لحديث هانئ مولى عثمان - ﵁ - قال: كان عثمان إذا وقف على قبرٍ بكى حتى يَبُلَّ لحيته، فقيل له: تُذكرُ الجنة والنارُ فلا\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ص٣٤٣.\n(٢) أخرجه الحاكم، ٤/ ٣٢٥، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه في فضل قيام الليل.\n(٣) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٣، وذكره أيضًا ابن القيم في مدارج السالكين، ٣/ ٢٠١.\n(٤) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٣.","vol":"3","page":1052},{"text":"تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه» قال: وقال رسول الله - ﷺ -: «ما رأيت منظرًا قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ (١) منه» (٢).\nوالقبر أقرب شيء للإنسان، وشدته أمارة للشدائد كلها، وهو أشد وأشنع المناظر في الدنيا، وحيث خُصَّ بمناظر الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافي قوله: «فما بعده أشدُّ منه» على أنه يمكن الجواب إذا عمم بأنه أفظع من جهة الوحشة، والوحدة، وغيره أشد عذابًا منه فلا إشكال (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذَّنب، ومنه يُركَّبُ الخلق يوم القيامة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1826>٣ - قصر الأمل والاستعداد للموت بالأعمال الصالحة</span>، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٥).\nقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «ارتحلت الدنيا مدبرةً، وارتحلت الآخرة مقبلةً، ولكل واحدةٍ منها بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل» (٦).\n_________\n(١) أفظع: أي أشدُّ وأشنع. شرح السندي على سنن ابن ماجه، ٤/ ٥٠٠.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب: حدثنا هناد، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، واللفظ له، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٧ وغيره.\n(٣) انظر: شرح السندي على سنن ابن ماجه، ٤/ ٥٠٠.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٦٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٢١، وغيره.\n(٥) سورة الحجر، الآية: ٣.\n(٦) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، قبل الحديث رقم ٦٤١٧، وذكر الحافظ في فتح الباري ١١/ ٢٣٦: زيادة في أوله عند ابن أبي شيبة وابن المبارك في الزهد: «قال علي: إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ...» الحديث كالذي في الأصل سواء.","vol":"3","page":1053},{"text":"وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطًّ خُطَطًا صغارًا إلى الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا الإنسان وهذا أجَلُهُ محيطٌ به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطَطُ الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطوطًا فقال: «هذا الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».\nوكان ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» (٣).\nوقال بعض السلف:\nسبيلك في الدنيا سبيل مسافرٍ ... ولابد من زادٍ لكل مسافر\nولابد للإنسان من حملِ عُدَّةٍ ... ولاسيما إن خاف صولة قاهرِ (٤)\n\nوقال الألبيري - رحمه الله تعالى -:\nفليست هذه الدنيا بشيء ... تسؤك حِقبة وتسرُّك وقتًا\nوغايتُها إذا فكرت فيها ... كفيّك أو كحلمك إذا حلمتا\nسجنت بها وأنت لها محبُّ ... فكيف تُحبُّ ما فيه سُجنتا\nوتُطعمكَ الطعام وعن قريبٍ ... ستطعم منك ما فيها طعِمتا\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، برقم ٦٤١٧، ومعنى نهشه: أصابه.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله، برقم ٦٤١٨.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، برقم ٦٤١٦.\n(٤) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٢.","vol":"3","page":1054},{"text":"وتشفق للمصرّ على المعاصي ... وترحمه ونفسك ما رحمتا (١)\n\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا وطول الأمل» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يَكْبرُ ابنُ آدم ويكبَرُ معه اثنتان: حب المال وطول العمر» ولفظ مسلم: «يهرمُ ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال والحرص على العمر» (٣). ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال متحكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه، وسماه شابًّا إشارة إلى استحكام حبه للمال أو هو من باب المشاكلة والمطابقة (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - يقول: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان» أي يقوى معه اثنان، هذه طبيعة الإنسان: حب الدنيا وطول الأمل إلا من رحم الله، فالواجب\nعلى المؤمن أن يحذر، وأن يعتبر هذه الدار مزرعة، فيجتهد في الزرع للآخرة، حتى يحصد يوم القيامة ما ينفعه» (٥).\nوما أحسن قول بعض السلف الصالح:\nإنّا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يومٍ مضى يدني من الأجل\nفاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا ... فإن الربح والخسران في العمل (٦)\n_________\n(١) تائية الشاعر الزاهد إبراهيم بن مسعود الغرناطي الألبيري، وهي مطبوعة في الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٣٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤٢٠ واللفظ له، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١٠٤٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤٢١،ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم ١٠٤٧.\n(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٤٠، ٢٤١.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٣٢١.\n(٦) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم، ٢/ ٣٨٧.","vol":"3","page":1055},{"text":"وقال آخر:\nتزوّد للذي لابد منه ... فإن الموت ميقات العباد\nأترضى أن تكون رفيق قوم ... لهم زاد وأنت بغير زاد\n\nوقال آخر:\nتزود من التقى فإنك لا تدري ... إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر\nفكم من صحيح مات من غير علة ... وكم من عليل عاش حينًا من الدهر\n\nوقال أبو العتاهية:\nوما أدري وإن أمَّلت عُمرًا ... لعلي حين أصبح لست أُمسي\nألم تر أن كلَّ صباح يوم ... وعمرك فيه أقصر منه أمسِ (١)\n\nوقال آخر:\nيا من بدنياه اشتغل ... وغرَّه طولُ الأمل\nالموت يأتي فجأة ... والقبر صندوقُ العمل\n\nعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب\nالزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالصَّرمة بالنار» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: ال رسول الله - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة أو\n_________\n(١) ذكره ابن رجب في المرجع السابق، ٢/ ٣٨٦، وهو في ديوان أبي العتاهية ص١١١.\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في تقارب الزمان وقصر الأمل، برقم ٢٣٣٢، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٢/ ٥٣٧.","vol":"3","page":1056},{"text":"الخوصة» (١).\nوتقارب الزمان بقلة البركة فيه، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «قد وجد في زماننا هذا من سرعة الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا» (٢). وقيل: سرعة الزمان بسبب وسائل الاتصالات السريعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1827>٤ - القناعة وغنى النفس والتوكل على الله - ﷿ </span>-؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدَّ فاقتُهُ، ومن نزلت به فاقةٌ فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجلٍ أو آجلٍ» (٣). ولفظ أبي داود: «من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدَّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى: إما بموت عاجلٍ أو غنى عاجلٍ» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس الغنى عن كثرة\nالعَرَضِ ولكن الغنى غنى النفس» (٥).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» (٦).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنِعْمَ المعونةُ هُوَ، ومن أخذه بغير حقّه كان\n_________\n(١) ابن حبان في صحيحه، برقم ٤٨٤٢،وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الصحيح».\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ١٣/ ٨١، وانظر هناك: الحديث رقم ٧١٢١.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الهمّ بالدنيا وحبّها، برقم ٢٣٢٦، وصححه الألباني بلفظ: «بموت عاجل أو غنى عاجل» في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٥.\n(٤) أبو داود، كتاب الزكاة، باب في الاستعفاف، برقم ١٦٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٤٥٨، وفي الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٧٨٧.\n(٥) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل القناعة والحث عليها، برقم ١٠٥١.\n(٦) مسلم، كتاب الزكاة، باب في الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.","vol":"3","page":1057},{"text":"كالذي يأكل ولا يشبع» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلّم من يعمل بهنَّ؟ فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدَّ خمسًا، وقال: اتقِ المحارمَ تكنْ أعبدَ الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكنْ أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحكَ، فإن كثرةَ الضحكِ تميتُ القلبَ» (٢).\nوعن سلمةَ بنِ عُبيد الله بن مِحْصَن الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح منكم آمنًا في سربه (٣)، معافىً في جسده، عنده قوتُ يومه، فكأنما حيزت (٤) له الدنيا» (٥).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى إذا نفد ما عنده قال: «ما يكن عندي من خير فلن أدّخرَه عنكم، ومن يستعففْ يعفَّه الله، ومَن يستغنِ يُغنهِ الله،\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا وما يبسط منها، برقم ١٢٢ - (١٠٥٢).\n(٢) الترمذي، كتاب الزهد، باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس، برقم ٢٣٠٥، وأحمد، ٢/ ٣١٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٦، وفي الصحيحة، برقم ٩٣٠.\n(٣) سِرْبِه: أي في نفسه، وقيل: في أهله وعياله، وقيل بفتح السين: أي في مسلكه وطريقه، وقيل بفتحتين: أي في بيته. انظر: النهاية لابن الأثير، ٢/ ٣٥٦، وتحفة الأحوذي، ٧/ ١١، وفضل الله الصمد، ١/ ٤٠١.\n(٤) حيزت: جمعت. سنن الترمذي، برقم ٢٣٤٦،وزاد في المشكاة، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة: «بحذافيرها» أي كأنما حيزت له الدنيا بأسرها، والحذافير الجوانب. ولكن بحثت عن هذه الزيادة فلم أجدها. انظر: فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد،١/ ٤٠١،وتحفة الأحوذي للمباركفوري،٧/ ١١.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب في وصف من حيزت له الدنيا، برقم ٢٣٤٦، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم ٤١٤١، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٣٠٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٤٣، والأحاديث الصحيحة، برقم ٢٣١٨.","vol":"3","page":1058},{"text":"ومن يتصبَّر يُصَبّرْهُ الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرٌ وأوسعُ من الصبر» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» (٢).\nفينبغي أن ينظر المسلم إلى من هو فوقه في الدين فيقتدي به وينافسه في الطاعات، وينظر إلى من هو دونه في الدنيا فيحمد الله تعالى (٣).\nومن لم يقنع كان كالذي يأكل ولا يشبع، وقد حذر النبي - ﷺ - عن الطمع، فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأُ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب».وفي لفظ للبخاري: «ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب».وفي لفظ لمسلم: «ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب، والله يتوب على من تاب» (٤).\nوعن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه خطب في مكة فقال: «يا أيها الناس، إن النبي - ﷺ - كان يقول: «لو أن ابن آدم أعطي واديًا ملآن من ذهب أحب إليه ثانيًا، ولو أعطي ثانيًا أحب إليه ثالثًا، ولا يسدُّ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب» (٥).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٦٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم ١٠٥٣.\n(٢) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب انظروا إلى من هو أسفل منكم، برقم ٢٥١٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب القناعة، برقم ٤١٤٢،وصححه الألباني في صحيح الترمذي،٢/ ٦٠٨،وغيره.\n(٣) انظر: سنن الترمذي، رقم ٢٥١٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، برقم ٦٤٣٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٤٩.\n(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، برقم ٦٤٣٨.","vol":"3","page":1059},{"text":"تاب». ولفظ مسلم: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» (١).\nوفي حديث أبي موسى الأشعري: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول: «والمقصود من هذا كله الحذر من الانشغال بالمال والفتنة بالمال، وأن المؤمن ينبغي أن يكون أكبر همه العمل للآخرة، وأن لا ينشغل بالدنيا وشهواتها، فهو لم يخلق لها، [وإنما] خلق ليعمل فيها للآخرة فلا ينبغي أن ينشغل بها عما خُلِقَ له» (٣).\nويوضح ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٤).\nوفي حديث عمرو بن عوف الأنصاري - ﵁ - في قصة قدوم أبي عبيدة من البحرين: «أظنكم قد سمعتم أبا عبيدة قد جاء بشيء» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشِروا وأمّلوا ما يسُّركم، فوالله لا الفقرَ أخشى\nعليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلكَكُم كما أهلكتهم» وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1828>٥ - الإكثار من التفكر في أحوال المحتضرين</span>. جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة بيان أحوال المحتضرين عند الموت، ومن ذلك على سبيل المثال ما يأتي:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، برقم ٦٤٣٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٤٨.\n(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، برقم ١٠٥٠.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الأحاديث رقم ٦٤٣٦ - ٦٤٣٩.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، برقم ٣٤ - (٥٦٤).\n(٥) متفق عليه: كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم ٣١٥٨، ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦١.","vol":"3","page":1060},{"text":"* قال الله تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ (١) يعظ الله تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي - وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، التي بين ثغرة النحر والعاتق - فحينئذ يشتد الكرب والأهوال ثبتنا الله هناك بالقول الثابت، وفي هذه الحال تُطلب كل وسيلة وسبب يُظن أنه يحصل بها شفاء، ولكن إذا جاء قضاء الله وقدره فلا مردَّ له (٢).\n* وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذّبِينَ الضَّالّينَ * فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٣).\n* فقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ أي الحلق وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: ﴿كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي المحتضر وما يكابده من سكرات الموت ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ﴾ أي بعلمنا وملائكتنا، ﴿وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ﴾ أي ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى الله\n_________\n(١) سورة القيامة، الآيات: ٢٦ - ٣٠.\n(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٩٧، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٩٠٠.\n(٣) سورة الواقعة، الآيات: ٨٣ - ٩٦.","vol":"3","page":1061},{"text":"مَوْلاَهُمُ الْحَقّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ (١) وقوله تعالى:\n﴿فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ معناه: فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها من الجسد ﴿إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ يعني محاسبين، وقيل: ﴿إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ يعني غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس، وقيل: المعنى غير موقنين، وقيل: غير معذبين مقهورين (٢).\nوقد ذكر الله - ﷿ - أحوال الطوائف الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين في أول هذه السورة في دار القرار، ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند الاحتضار، والموت وهي ثلاثة أحوال كذلك:\n* فقال: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي إن كان الميت من المقربين، وهم الذين فعلوا الواجبات، والمستحبات، وتركوا المحرمات، والمكروهات، وبعض المباحات ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي فلهم «روح» راحة، وطمأنينة، وسرور، وبهجة، ونعيم القلب والروح، ورحمة، وفرح، واستراحة، وراحة من الدنيا، ورخاء، ورزق، قال الإمام\nابن كثير - رحمه الله تعالى -: «وكل هذه الأقوال متقاربة» (٣)، ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ هو اسم جامع لكل لذة بدنية من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان: هو الطّيب المعروف، فيكون تعبيرًا بنوع الشيء عن جنسه العام (٤)، وقوله: ﴿وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فَبُشّرَ المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآيتان: ٦١، ٦٢.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٣٠٥، وانظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي، ص٨٣٦.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، ص١٣٠٥.\n(٤) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٨٣٧.","vol":"3","page":1062},{"text":"تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ (١) ويفسر ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). وأن هذه البشارة المذكورة هي البشرى في الحياة الدنيا (٣).\nوقال النبي - ﷺ -: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قالت عائشة ﵂ أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت؟ قال: «ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِرَ بُشّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه». وفي رواية مسلم: «ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بُشّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه،\nوإن الكافر إذا بُشّر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه». وفي لفظ لمسلم: «والموت قبل لقاء الله» (٤).\nقال الإمام ابن كثير - ﵀ - في قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ أي فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت، كما في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: «أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير\n_________\n(١) سورة فصلت، الآيات: ٣٠ - ٣٢.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٦٤.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٨٣٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، برقم ٦٥٠٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، برقم ٢٦٨٤.","vol":"3","page":1063},{"text":"غضبان» (١)، وحديث البراء - ﵁ - له ألفاظ منها: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن على وجوههم الشمس معهم أكفان من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت - ﵇ - حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة [وفي رواية المطمئنة] اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ...» الحديث وفيه: «وإن العبد الكافر [وفي رواية: الفاجر] إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد] سود الوجوه معهم المسوح [من النار] فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب ...» الحديث (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا حُضِرَ المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًّا عنك إلى روح وريحان وربٍّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليتناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتون به السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فَلَهُمْ أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه قدم عليه، فيسألونه: ما فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دَعُوه؛ فإنه كان في غمّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا:\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، ص١٣٠٥.\n(٢) حديث البراء، أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب الجلوس عند القبر، برقم ٣٢١٢، وفي كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر، برقم ٤٧٥٣، و٤٧٥٤، وحسّن إسناده الأرنؤوط في جامع الأصول،١١/ ١٧٩،والحاكم،١/ ٣٧ - ٤٠،وأحمد ٤/ ٢٨٧،و٢٨٨،و٢٩٥، و٢٩٦، والقسم الأول من الحديث إلى قوله: «وكأن على رؤوسنا الطير» أخرجه النسائي،\n١/ ٢٨٢، وهي رواية لأبي داود، ٢/ ٧٠، وكذا أحمد، ٤/ ٢٩٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين، ١/ ٢١٤، وتهذيب السنن ٤/ ٣٣٧، وصححه الألباني، وذكر زياداته في كتاب الجنائز، ص٢٠٢.","vol":"3","page":1064},{"text":"ذُهِبَ به إلى أمّهِ الهاوية، وإن الكافر إذا حُضِر أتته ملائكة العذاب بمسْحٍ، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله - ﷿ -، فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! حتى يأتون به أرواح الكفار» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إذا خرجت روح المؤمن تلقَّاها ملكان يصعدانها، فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه - ﷿ -، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وإن الكافر إذا خرجت روحه وذكر من نتنها، وذكر لعنًا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل» (٢).\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً\n* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير - ﵀ -: «وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، فكذلك هاهنا» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أيضًا، عن النبي - ﷺ - قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها، حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء،\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه، برقم ١٨٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،٢/ ٩،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم١٣٠٩.\n(٢) مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧٢.\n(٣) سورة الفجر، الآيات: ٢٧ - ٣٠.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، ص١٤٣٤، وانظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٣٩.","vol":"3","page":1065},{"text":"فيُفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلانٌ، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يُقال لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي قال فيها الله - ﷿ -، وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شَكْلِه أزواج، فلا يزال يُقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يُعرج بها إلى السماء، فلا يفتح لها، فيُقال: من هذا؟ فيُقال: فلان، فيُقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فيُرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر» (١).\n* ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ وهم الذين أدَّوا الواجبات، وتركوا المحرمات، وإن حصل منهم بعض التقصير في بعض الحقوق التي لا تخل بتوحيدهم، وإيمانهم، فهذا المحتضر تبشّره الملائكة بالسلامة، وأنه لا بأس عليه، وأنه من أصحاب اليمين، وأنه قد سلم من\nعذاب الله، وتُسلّم عليه الملائكة (٢)، وقيل: سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين: أي يسلمون عليه ويحيُّونه عند وصوله إليهم، ولقائهم له، أو يقال له: سلام لك من الآفات، والبليات، والعذاب؛ لأنك من أصحاب اليمين الذين سلموا من الذنوب الموبقات (٣).\n* ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذّبِينَ الضَّالّينَ * فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي ضيافة، ﴿مّنْ حَمِيمٍ﴾ وهو الماء المذاب الذي يُصهر\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، برقم ٤٣٣٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٨٦، وغيره.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ص١٣٠٥، ١٣٠٦.\n(٣) تيسير الكريم الرحمن للسعدي، ص٨٣٧.","vol":"3","page":1066},{"text":"به ما في بطونهم والجلود، ويُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقًا ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ التي تحيط به وتغمره من جميع جهاته، نسأل الله العافية (١).\n* وينبغي للمؤمن أن لا ينسى سكرات الموت وشدته، ويذكر ذلك دائمًا حتى يكون على استعداد للقاء الله تعالى، فعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يوعك (٢) فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «أجلْ إني أوعك كما يوعكُ رجلان منكم» قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله - ﷺ -: «أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه [شوكة فما فوقها] إلا حطَّ الله بها سيئاته كما تَحطُّ الشجرة ورقها» (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت أحدًا أشدَّ عليه الوجع من\nرسول الله - ﷺ -» (٤).\nقالت عائشة ﵂: «فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي - ﷺ -» (٥).\nوفي حديث آخر عن عائشة ﵂ وفيه: «أن النبي - ﷺ - عند موته جعل يديه في إناء صغير فيه ماء يدخلهما في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». وفي لفظ مسلم: «اللهم\n_________\n(١) تفسير ابن كثير، ص١٣٠٦، وتفسير السعدي، ص٨٣٧.\n(٢) يوعك: قيل الحمى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها الموعوك وتحريكها إياه. فتح الباري، لابن حجر، ١٠/ ١١١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٧،وباب أشد الناس بلاء: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، برقم ٥٦٤٨،ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من: مرض أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، برقم ٢٥٧١ واللفظ له إلا ما بين المعقوفين.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٦، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٠.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، برقم ٤٤٤٦، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل عائشة أم المؤمنين ﵂، برقم ٢٤٤٣.","vol":"3","page":1067},{"text":"اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» (١).\nومن أشمل الأحاديث في ذلك حديث البراء بن عازب قال: «خرجنا مع النبي - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحد، فجلس رسول الله - ﷺ -[مستقبل القبلة]، وجلسنا حوله، وكأنَّ على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، [فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثًا]، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثًا [ثم قال: اللهم إن أعوذ بك من عذاب القبر] [ثلاثًا]، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأنَّ وجوهَهم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحَنوط (٢) من حَنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت - ﵇ - (٣) حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية:\nالمطمئنة)، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل مَلَك بين السماء والأرض، وكل مَلَك في السماء، وفُتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يُعرج بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط [فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ﴾، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرّون - يعني - بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري: كتاب المغازي، باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته، برقم ٤٤٤٩، ومسلم، فضائل الصحابة، باب في فضائل عائشة ﵂، برقم ٢٤٤٤.\n(٢) بفتح المهملة: ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة.\n(٣) قال العلامة الألباني ﵀: هذا هو اسمه في الكتاب والسنة (ملك الموت)، وأما تسميته (بعزرائيل) فمما لا أصل له، خلافًا لما هو المشهور عند الناس، ولعله من الإسرائيليات.","vol":"3","page":1068},{"text":"فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله - ﷿ -: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال]: أعيدوه إلى الأرض، فإني [وعدتهم أني] منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فـ[يرد إلى الأرض، و] تُعاد روحه في جسده، [قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه] [مدبرين]، فيأتيه مَلَكان [شديدا الانتهار] فـ[ينتهرانه، و] يُجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك: فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعث فيكم؟ فيقولُ: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان له: وما عِلْمُكَ؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به، وصدَّقت، فينتهره فيقول: مَن ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تُعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله - ﷿ -: ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من\nالجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: [وفي رواية: يُمَثلُ له] رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، [أبشر برضوان من الله، وجناتٍ فيها نعيمٌ مقيمٌ]، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: [وأنت فبشرّك الله بخير] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقولُ: أنا عملك الصالح [فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا]، ثم يُفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجّلْ قيام الساعة، كيما","vol":"3","page":1069},{"text":"أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكنْ].\nقال: وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة [غلاظ شداد]،سود الوجوه، معهم المسوح (١) [من النار]،فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخطٍ من الله وغضبٍ، قال: فتفرَّق في جسده فينتزعها كما يُنتزع السُّفودُ [الكثير الشُّعب من الصوف المبلول، [فتُقطع معها العروق والعصب]، [فيلعنه كل مَلَك بين السماء والأرض، وكل مَلَك في السماء، وتُغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم]، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وُجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرُّون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهيَ به\nإلى السماء الدنيا، فيُستفتح له، فلا يُفتح له، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ﴾ (٢) فيقول الله - ﷿ -: اكتبوا كتابه في سجّين، في الأرض السفلى، [ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى]، فتطرح روحه [من السماء] طرحًا [حتى تقع في جسده]، ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده، [قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه].\n_________\n(١) جمع المِسْح، بكسر الميم، وهو ما يُلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفًا وقهرًا للبدن.\n(٢) أي ثقب الإبرة، والجمل هو الحيوان المعروف، وهو ما أتى عليه تسع سنوات.","vol":"3","page":1070},{"text":"ويأتيه ملكان [شديدا الانتهار، فينتهرانه، و] يجلسانه، فيقولان له: مَن ربك؟ [فيقول: هاهْ، هاهْ (١) لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ لا أدري]، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري [سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دريت]، ولا تلوت]، فيُنادي منادٍ من السماء أن: كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويُمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: [وأنت فبشَّرك الله بالشر] من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر! فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتُ إلا كنتَ بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله]، [فجزاك الله شرًا، ثم يُقيَّض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة! لو ضُرب بها جبل كان ترابًا فيضربه ضربة حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل\nشيء إلا الثقلين، ثم يُفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار]،فيقول: ربّ لا تقم الساعة (٢») (٣).\n_________\n(١) هي كلمة تقال في الضحك وفي الإيعاد، وقد تُقال للتوجع، وهو أليق بمعنى الحديث والله أعلم. كذا في «الترغيب».\n(٢) أبو داود، برقم ٣٢١٢، ويأتي تخريجه أيضًا.\n(٣) قال الألباني ﵀: الزيادة الأولى لأبي داود وابن ماجه والحاكم، والثانية لأحمد والطيالسي، والثالثة له والحاكم، والرابعة لأحمد، والخامسة للطيالسي، وله السادسة والثامنة، والسابعة للحاكم، والثامنة للطيالسي، والتاسعة لأحمد، والعاشرة لأبي داود، والحادية عشرة والثانية عشرة للطيالسي، والثالثة عشرة لأحمد، والرابعة عشرة للطيالسي، والخامسة عشرة له وكذا أحمد، والسادسة عشرة له أيضًا ولأحمد نحوه، وله السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون والواحدة والعشرون، وللحاكم الأخيرتان منها، والثانية والعشرون لأحمد، والثالثة والعشرون والخامسة والعشرون للحاكم، والرابعة والعشرون للطيالسي، والسادسة والعشرون لأحمد، والسابعة والعشرون للطيالسي، والثامنة والعشرون لأبي داود، والتاسعة والعشرون والثلاثون للطيالسي، ولأحمد الزيادات الباقية والثالثة والثلاثون منها للطيالسي ولفظها له.\nوأما الرواية الثانية فهي للحاكم، ولأحمد الثالثة، وللحاكم والطيالسي الرابعة والخامسة والسادسة.","vol":"3","page":1071},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1829>٦ - التفكُّر في أحوال الظالمين عند الاحتضار وما تفعل بهم الملائكة </span>نسأل الله العافية.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٢).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ الله وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبّ ارْجِعُونِ * لَعَلّي\nأَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٤).\nقال ابن كثير ﵀: «وذلك أن الكافر إذا احتضر بشَّرته الملائكة بالعذاب، والنكال، والأغلال، والسلاسل، والجحيم، والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، وقد وردت الأحاديث المتواترة في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت، وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٩٣.\n(٢) سورة الأنفال، الآية: ٥٠.\n(٣) سورة محمد، الآية: ٢٧ - ٢٨.\n(٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩٩ - ١٠٠.","vol":"3","page":1072},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ (١)﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1830>٧ - تَذَكُّر الحمل على الأكتاف وتشييع الناس له</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وُضِعَت الجنازةُ فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلُّ شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لَصَعِقَ» (٣).\nوفي رواية عن أبي هريرة - ﵁ - عند النسائي: «إذا وضع الميت على السرير» (٤)، فدل على أن المراد بالجنازة في هذا الحديث: الميت، أما في غير هذا الحديث فلفظ الجنازة يُطلق على الميت، وعلى السرير\nالذي يُحمل عليه أيضًا، وقد يُطلق على السرير وعليه الميت معًا (٥)، وقد قال الإمام البخاري - ﵀ -: باب قول الميت وهو على الجنازة» (٦) أي السرير (٧)، قال الإمام الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «قوله: «إذا وُضعت الجنازة» يحتمل أن يريد بالجنازة نفس الميت وبوضعه جعله في السرير، ويحتمل أن يريد السرير، والمراد وضعها على الكتف، والأول أولى؛ لقوله بعد ذلك: «فإن كانت صالحة قالت ...»، فإن المراد به الميت، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن مهران\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، ص٤٨٧، وانظر: تفسير آية سورة إبراهيم ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب حمل الرجال على الجنازة دون النساء، برقم ١٣١٤، وباب قول الميت وهو على الجنازة قدموني، برقم ١٣١٦، وباب كلام الميت على الجنازة، برقم ١٣٨٠.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، برقم ١٩٠٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٢.\n(٥) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٢، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، باب الزاي، فصل الجيم، ص٦٥٠.\n(٦) البخاري، كتاب الجنائز، قبل الحديث رقم ١٣١٦.\n(٧) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٥.","vol":"3","page":1073},{"text":"عن أبي هريرة - ﵁ - المذكورة بلفظ: «إذا وُضع المؤمن على سريره يقول قدّموني (١») (٢). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «وظاهر أن قائل ذلك: هو الجسد المحمول على الأعناق، وقال ابن بطال: إنما يقول ذلك الروح، ورده ابن المنير بأنه لا مانع أن يرد الله الروح إلى الجسد في تلك الحال؛ ليكون ذلك زيادة في بشرى المؤمن وبؤس الكافر». ثم قال ابن حجر: «ولا حاجة إلى دعوى إعادة الروح إلى الجسد قبل الدفن؛ لأنه يحتاج إلى دليل، فمن الجائز أن يُحدث الله النطق في الميت إذا شاء، وكلام ابن بطال فيما يظهر لي أصوب» (٣).\nومما يدل على عظم الأمر حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى\nذلك فشر تضعونه عن رقابكم»، ولفظ مسلم: «وإن تكُ غير ذلك» (٤)، ويزيد الأمر اعتناءً حديث أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مُرَّ عليه بجنازة فقال: «مستريح ومُستراحٌ منه»، قالوا: يا رسول الله: ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: «العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه: العباد، والبلاد، والشجر، والدواب» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1831>٨ - تذكُّر فتنة القبر وسؤال منكر ونكير</span>، وسماع قرع نعال الأصدقاء والأصحاب عندما يولّون مُدبرين؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه يسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنت تقول في هذا\n_________\n(١) النسائي، برقم ١٩٠٧، وتقدم تخريجه، ولفظه: «إذا وضع الرجل الصالح على سريره قال: قدموني قدموني».\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٥.\n(٣) المرجع السابق، ٣/ ١٨٥.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، برقم ١٣١٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة، برقم ٩٤٤.\n(٥) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما جاء في مستريح ومستراح منه، برقم ٩٥٠.","vol":"3","page":1074},{"text":"الرجل؟ لمحمد - ﷺ -، فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا».\n[قال قتادة: وذُكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال]: «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيُقال: لا دريتَ ولا تليتَ، ويُضرب بمطارق من حديد ضربةً فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (١).\nولفظ حديث أنس - ﵁ - في سنن أبي داود: «إن نبي الله - ﷺ - دخل نخلًا لبني النجار، فسمع صوتًا ففزع، فقال: «من أصحاب هذه القبور؟» قالوا:\nيا رسول الله ناس ماتوا في الجاهلية، فقال: «تعوذوا بالله من عذاب النار، ومن فتنة الدجال» قالوا: ومِمَّ ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن المؤمن إذا وُضِع في قبره أتاه ملك، فيقول له: ما كنت تعبد؟ فإنِ اللهُ هداه، قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، فما يسأل عن شيء غيرها، فيُنطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقال له: هذا بيتك كان لك في النار، ولكن الله عصمك ورحمك فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيقول: دعوني حتى أذهب وأبشر أهلي، فيقال له: اسكنْ.\nوإنَّ الكافر إذا وُضَع في قبره أتاه ملك، فينتهره فيقول له: ما كنت تعبد؟ فيقول: لا أدري: فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيقال له: فما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: كنت أقول ما يقول الناس، فيضربه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٧٤، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٦٩، وما بين المعقوفين لفظ البخاري دون مسلم.","vol":"3","page":1075},{"text":"بمطراق من حديث بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين». وفي لفظ: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه يسمع قرع نعالهم فيأتيه مَلَكان فيقولان له ... وأما الكافر والمنافق فيقولان له ... يسمعها من يليه غير الثقلين» (١).\nوفي حديث البراء - ﵁ - أن العبد المؤمن تعاد روحه في جسده، وإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه مُدبرين، فيأتيه مَلَكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويُجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله - ﷺ -، فيقولان له: وما عِلْمُك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدَّقت، فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تُعرض على المؤمن، فذلك حين\nيقول الله - ﷿ -: ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفسح له في قبره مَدَّ بصره ... ثم ذكر - ﷺ - في الحديث أن العبد الكافر وفي رواية الفاجر: تُعاد روحه في جسده، فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولَّوا عنه، ويأتيه مَلَكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويُجلسانه فيقولان له: مَن ربك؟ فيقول: هاهْ، هاهْ لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاهْ هاهْ لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري، سمعت الناس يقولون ذلك، قال: فيقال: لا دريتَ، ولا تلوتَ، فيُنادي منادٍ من السماء أن: كذب عبدي فافرشوا له من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرّها وسمومها، ويضيق عليه\n_________\n(١) أبو داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر، وعذاب القبر، برقم ٤٧٥١، ورقم ٤٧٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٦٤.","vol":"3","page":1076},{"text":"قبره حتى تختلف فيه أضلاعه» (١).\nوفي لفظ حديث البراء مختصرًا في حديث مسلم عن النبي - ﷺ - قال:\n﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٢) قال: نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد - ﷺ -، فذلك قوله - ﷿ -: ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾.\nولفظه عند البخاري: «إذا أُقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (٣).\nوعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يُفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجة» (٤)، وفي سنن النسائي أن سبب ضجة الصحابة - ﵃ - قول النبي - ﷺ -: «قد أوحي إليّ أنكم تُفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال» (٥).\nولفظ حديث أسماء عن عائشة ﵄ عند البخاري: أن النبي - ﷺ - قال في خطبته بعد أن صلى الكسوف: «ما من شيء لم أكن أُريته إلا [وقد] رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار، وإنه قد أُوحي إليَّ أنكم تُفتنون في القبور مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال، يُؤتى أحدكم\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤،والحاكم،١/ ٣٧ - ٤٠، وأحمد، ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، وبرقم ١٨٣٤، وتقدم تخريجه في أحوال المحتضرين.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٣) متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٦٩، وصحيح مسلم، كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧١.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٧٣.\n(٥) النسائي، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، برقم ٢٠٦١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٧٦.","vol":"3","page":1077},{"text":"فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو قال الموقن فيقال: ما علمك بهذا؟ فيقول: هو رسول الله، هو محمد - ﷺ -، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا، وأجبنا، واتبعنا، وصدقنا، فيقال له: نَمْ صالحًا قد كنا نعلم أنك كنت لمؤمنًا به، وأما المنافق أو قال المرتاب شك هشام فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُهُ» (١)، وفي لفظ لمسلم عن عائشة ﵂ ترفعه: «إني قد رأيتكم تُفتنون في القبور كفتنة الدجال ...» قالت عائشة: فكنت أسمع رسول الله - ﷺ - بعد ذلك يتعوذ من عذاب النار وعذاب القبر» (٢).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: «فيه إثبات عذاب القبر، وفتنته، وهو مذهب أهل الحق، ومعنى: تُفتنون: تُمتحنون، فيقال: ما علمك\nبهذا الرجل، فيقول المؤمن: هو رسول الله، ويقول المنافق: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلت، هكذا جاء مُفسَّرًا في الصحيح، وقوله: «كفتنة الدجال» أي فتنة شديدة جدًا، وامتحانًا هائلًا، ولكن يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قُبر الميت أو قال: أحدكم، أتاه ملكان، أسودان، أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهدأن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثم ينوَّر له فيه، ثم يقال له: نَمْ، فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نَمْ كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله\n_________\n(١) البخاري، كتاب الكسوف، باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف، برقم ١٠٥٣، وكتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد، برقم ٩٢٢.\n(٢) مسلم، كتاب الكسوف، باب ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف، برقم ٩٠٣.\n(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٥٩.","vol":"3","page":1078},{"text":"إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون (١) فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (٢).\nورواية ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة - ﵁ - لفظها: «إن الميت إذا وُضع في قبره فإنه يسمعُ خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنًا، كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات: من الصدقة، والصلة، والمعروف، والإحسان إلى الناس، عند رجليه. فيُؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يُؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قِبلي مدخل، ثم\nيُؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قِبلي مدخل، ثم يُؤتى من قبل رجليه، فتقول فعل الخيرات: من الصدقة، والصلة، والمعروف، والإحسان إلى الناس: ما قِبلي مدخل، فيقال له: اجلس فيجلس، وقد مُثّلَت له الشمس وقد أدنيت للغروب، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني حتى أصلي، فيقولون (٣): إنك ستفعل، أخبرني عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه، وماذا تشهد عليه؟ قال: فيقول: محمد أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله. فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مُتَّ، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يُفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: هذا مقعدك منها، وما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غِبطةً وسرورًا، ثم يُفتح له بابٌ من أبواب النار، فيقال له: هذا مقعدك\n_________\n(١) في جامع الأصول، ١١/ ١٧٦، زيادة: «قولًا».\n(٢) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٠٧١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٤، وغيره.\n(٣) في الأصل: «فيقول»، والمثبت من «التقاسيم» ٣/ ٤٣٥.","vol":"3","page":1079},{"text":"منها وما أعد الله لك فيها لو عصيته، فيزداد غبطة وسرورًا، ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويُنوّر له فيه، ويُعاد الجسد لما بدأ منه، فتجعل نسمته في النَّسَم الطيب وهي طير يعلق في شجر الجنة، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (١). قال: وإن الكافر إذا أُتي من قبل رأسه، لم يوجد شيء، ثم أُتي عن يمينه، فلا يوجد شيء، ثم أُتي عن شماله، فلا يوجد شيء، ثم أُتي من قبل رجليه فلا يوجد شيء، فيُقال له: اجلس، فيجلس خائفًا مرعوبًا، فيقال له: أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أي رجل؟ فيقال: الذي كان فيكم، فلا يهتدي لاسمه حتى يقال له: محمد، فيقول: ما أدري سمعت الناس قالوا قولًا، فقلت كما قال الناس، فيُقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح له باب من أبواب\nالنار فيُقال له: هذا مقعدك من النار، وما أعد الله لك فيها، فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيُقال له: ذلك مقعدك من الجنة، وما أعد الله لك فيه لو أطعته فيزداد حسرة وثبورًا، ثم يُضيَّقُ عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، فتلك المعيشة الضنكة التي قال الله: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أَعْمَى (٢)﴾ (٣).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٢) سورة طه، الآية: ١٢٤.\n(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه، في كتاب الجنائز، فصل في أحوال الميت في قبره، ٧/ ٣٨٠، برقم ٣١١٣، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده حسن من أجل محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي». وأخرجه عبد الرزاق (٦٧٠٣)،وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤،وهناد بن السري في «الزهد» (٣٣٨)، والطبري في «جامع البيان» ١٣/ ٢١٥ - ٢١٦،والحاكم،١/ ٣٧٩ - ٣٨٠ و٣٨٠ - ٣٨١، والبيهقي في «الاعتقاد» ص٢٢٠ - ٢٢٢،وفي «إثبات عذاب القبر» (٦٧) من طرق عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٥١ - ٥٢ وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.\nوذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٣١ - ٣٢، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه.","vol":"3","page":1080},{"text":"وأما رواية ابن ماجه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فلفظها: «إن الميت يصير إلى القبر، فيُجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشعوف (١)، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: محمد رسول الله - ﷺ -، جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيُفرج له فرجة قِبَل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله، ثم يُفرج له قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: هذا مقعدك، ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ويُجلس الرجل السوء في قبره فزعًا مشعوفًا، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولًا فقلته، فيُفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يُفرج له فرجة قِبل النار،\nفينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: هذا مقعدك، على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله تعالى (٢).\nوفي حديث جابر عند ابن ماجه عن النبي - ﷺ - قال: «إذا دخل الميت القبر مُثلت له الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه ويقول: دعوني أصلي» (٣)،والمقصود الميت المسلم، كما تقدم في حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1832>٩ - تذكُّر نعيم القبر وعذابه</span>؛ لأدلة قطعية كثيرة جدًّا، من القرآن الكريم (٤) والأحاديث الشريفة التي بلغت حد التواتر (٥) ومنها:\n_________\n(١) ولا مشعوف، الشعف: شدة الفزع حتى يذهب بالقلب.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٣٤٤، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، برقم ٤٢٧٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٩٠.\n(٤) تأتي الآيات التي تدل على نعيم القبر وعذابه إن شاء الله.\n(٥) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٣٦ - ٣٣٩، ١/ ١٦٥، وجامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -، ١١/ ١٦٤، من حديث رقم ٨٦٩٠ - ٨٧٠٤.","vol":"3","page":1081},{"text":"حديث أبي طلحة: أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من قريش فقذفوا في طويٍّ (١) من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (٢) ثلاث ليالٍ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفةِ الركيّ (٣) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيَسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟» قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده ما\nأنتم بأسمع لما أقول منهم» قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندمًا» (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1833> واختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في سماع الأموات</span>؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ (٥). وقال تعالى في سورة الروم: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ (٧).\nذكر الإمام الشنقيطي - ﵀ - أنه لا يصح في تفسير ذلك من\n_________\n(١) الطوي: البئر المطوية. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ١٤٦.\n(٢) العرصة: كل موضع واسع لا بناء فيه. النهاية لابن الأثير، ٣/ ٢٠٨.\n(٣) الركي: البئر التي لم تطوَ. تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي، ص٢٦٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، برقم ٣٩٧٦، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم ٢٨٧٥.\n(٥) سورة النمل، الآية: ٨٠.\n(٦) سورة الروم، الآية: ٥٢.\n(٧) سورة فاطر، الآية: ٢٢.","vol":"3","page":1082},{"text":"أقوال العلماء إلا تفسيران:\nالأول: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي لا تسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم، إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله ختم على قلوبهم، فهم لا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع.\nالثاني: أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل ولكن المراد بالسماع المنفي خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضربه الله للكفار، والكفار يسمعون الصوت ولكن لا يسمعون سماع قبول واتباع.\nثم تكلم ﵀ عن مسألة سماع الموتى في قبورهم وأطال ﵀، واختار أنهم يسمعون كلام من كلمهم، وقال: إنه الذي يقتضي الدليل رجحانه، وبين أن من استدل بقول عائشة ﵂ فقد غلط، وبيّن أن سماع الموتى ثبت عنه - ﷺ - في أحاديث صحيحة لا مطعن فيها، ولم\nيذكر - ﷺ - أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت، ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالف ذلك، ثم ذكر ﵀: كلام النبي - ﷺ - لأهل بدر، وسلامه على الأموات كالأحياء، فدل ذلك على أنهم يسمعون التسليم عليهم، وذكر ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه الروح من الآثار الكثيرة التي تدل على معرفة الموتى بزيارة الأحياء، وردّ الله - ﷿ - أرواح الموتى عليهم أثناء سلام أقربائهم عليهم حتى يردوا ﵈، وقد انتصر لسماع الموتى ابن تيمية ﵀ (١) وتلميذه ابن القيم في كتابه «الروح» وغيره. والإمام ابن كثير في تفسيره حيث قال: «والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر ﵄؛ لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أحد يمرُّ بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٩، ٢٤/ ٣٠٤، ٣٣١، ٣٦٢ - ٣٧٩.","vol":"3","page":1083},{"text":"الدنيا فيسلّم عليه إلا ردّ الله عليه روحه حتى يردَّ ﵇» ثم ذكر آثارًا كثيرة جدًّا عن الصحابة - ﵃ -، وعن التابعين ﵏ (١) والله ولي التوفيق (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول: الأقوال في سماع الأموات ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1834>القول الأول: يسمعون مطلقًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1835>القول الثاني: لا يسمعون مطلقًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1836>القول الثالث: التفصيل: </span>يسمعون فيما جاءت به النصوص، ولا يسمعون في غير ذلك، وهذا القول هو الصواب، وأنهم يسمعون فيما جاءت به النصوص فقط، كسماع قرع النعال، وكقوله [- ﷺ - لصناديد قريش] ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون، وعند الزيارة\nوالسلام عليهم، وهذا القول جيد» (٣).\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: أن أرواح الأحياء إذا قبضت تجتمع إلى أرواح الموتى (٤)، وأن الأرواح العليا تنزل إلى الأرواح الدنيا، والأدنى يصعد إلى الأعلى، وأن الروح تعاد إلى اللحد أحيانًا، كرد الروح إذا سُلّم على القبر حتى يرد السلام على من سلم عليه (٥)، وقد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن، وقد تفترق مع اجتماع المدافن (٦).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1837> والشهداء في حياة عظيمة</span>، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد\n_________\n(١) أضواء البيان للشنقيطي، ٦/ ٤١٦ - ٤٣٩.\n(٢) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٧٠، ١٣٧١.\n(٤) مجموع الفتاوى، ٢٤/ ٣٠٣.\n(٥) المرجع السابق، ٢٤/ ٣٠٤، ٣٣١، و٣٦٢ - ٣٧٩.\n(٦) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٣٦٩.","vol":"3","page":1084},{"text":"أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلّغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يتَّكلوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلّغهم عنكم. قال: فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ (١)﴾ (٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀: «الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة: أن الحياة، والرزق، ودخول الأرواح الجنة ليس مختصًّا بالشهيد، كما دلّت على ذلك النصوص الثابتة، ويختصُّ الشهيد بالذكر؛ لكون الظانّ يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد، فأخبر بذلك، ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1838> وعذاب القبر ونعيمه حق لا شك فيه</span>، وقد ظهر في هذا الحديث ما يدل على ذلك، فقد قال عمر - ﵁ - للنبي - ﷺ - حينما خاطب صناديد قريش بعد إلقائهم في قليب بدر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها»؟ فقال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». قال قتادة: «أحياهم الله حتى أسمعهم قوله: توبيخًا، وتصغيرًا ونقمة، وحسرة، وندمًا»، وهذا يؤكد أهمية بيان عذاب القبر؛ ولهذا خاطب النبي - ﷺ - صناديد قريش يوبخهم؛ لإعراضهم وعنادهم التام في الدنيا عن دين الإسلام، بل وقفوا في طريقه وقاتلوا أهله؛ ولأهمية التحذير من عذاب القبر ذكر الله - ﷿ - عذاب آل فرعون في البرزخ فقال - ﷿ -: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة، برقم ٢٥٢٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ١٠٢.\n(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٣٣٢.","vol":"3","page":1085},{"text":"السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١).\nوقال - ﷿ - في عذاب الكفار في الدنيا والبرزخ: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ*يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ*وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوقد ذكر البراء بن عازب، وابن عباس، وعلي - ﵃ - أن قوله - ﷿ -: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ هو عذاب القبر، وقيل: هو الجوع في الدنيا والمصائب التي تصيبهم في الدنيا، ورجح الإمام الطبري -﵀- أن ذلك يشمل الأمرين، وأن للذين ظلموا أنفسهم بكفرهم به عذابًا دون يومهم الذي فيه يصعقون، وذلك يوم القيامة، فعذاب القبر دون يوم القيامة؛ لأنه في البرزخ، والجوع، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة، ولم يخصص نوعًا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع\nبل عمَّ (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1839> وقد بين النبي - ﷺ - للناس عذاب القبر في أحاديث كثيرة</span>، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله عليه يوم القيامة» (٤).\n* وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: بينما النبي - ﷺ - في حائط لبني النجار على\n_________\n(١) سورة غافر، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.\n(٢) سورة الطور، الآيات: ٤٥ - ٤٧.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: [جامع البيان عن تفسير آي القرآن] ٢/ ٤٨٨، وتفسير القرطبي [الجامع لأحكام القرآن]، ١٧/ ٧٩، والروح لابن القيم، ١/ ٣٣٦، ٣٣٩، وذكر ﵀ الآيات في عذاب القبر في هذا الموضع.\n(٤) متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄: البخاري، كتاب الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، ٢/ ١٢٦ برقم ١٦٧٩، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو من النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه،٤/ ٢١٩٩،برقم ٢٨٦٦.","vol":"3","page":1086},{"text":"بغلة له ونحن معه، إذ حادت به (١) فكادت تلقيه، وإذا أقْبُر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر»؟ قال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء»؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه»، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوَّذوا بالله من عذاب القبر» قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوَّذوا بالله من فتنة الدجال» قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (٢).\n* وعن أبي أيوب - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - بعدما غرب الشمس فسمع صوتًا فقال: «يهودُ تُعذَّبُ في قبورها» (٣).\n* وعن أنس - ﵁ - قال: قال نبي الله - ﷺ -: «إن العبد إذا وُضِعَ في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيُقعدانِهِ فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟» محمد - ﷺ - «فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا»، [قال قتادة: «وذُكر لنا أنه يفسح له ما في قبره» ثم رجع إلى حديث أنس قال] «وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويُضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين» (٤).\n_________\n(١) حادت به: أي مالت عن الطريق ونفرت، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١٨/ ٢٠٩.\n(٢) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢١٩٩، برقم ٢٨٦٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، ٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٥، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٠، برقم ٢٨٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر،٢/ ١٢٥،برقم ١٣٧٤، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠٠، برقم ٢٨٧٠، وما بين المعقوفين لفظ البخاري دون مسلم.","vol":"3","page":1087},{"text":"* وعن البراء بن عازب ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أُقعد المؤمن في قبره أُتي ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله:\n﴿يُثَبّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1840> وفتنة القبر كانت تحدث عند الصحابة خشوعًا لله وإقبالًا عظيمًا إلى طاعته </span>حينما يذكرهم رسول الله - ﷺ -، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يُفتتن بها المرء، فلما ذكر ذلك ضجَّ المسلمون ضجّةً» (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1841> والقبر له ضغطة لا ينجو منها أحد</span>، لكن هذه الضغطة ضغطة سخط\nوغضب على المجرمين، وضغطة فرح وسرور للمؤمنين (٣).\nفعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله - ﷺ - قال: «هذا الذي تَحرّك له العرش، وفُتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمَّ ضمةً ثم فُرج عنه» (٤) يعني سعدَ بن معاذ - ﵁ - فينبغي للمسلم أن يسأل الله العافية؛ فإن للقبر ضغطة، فلو نجا أو سلم أحد منها لنجا سعد بن معاذ.\n* ومما يزيد الأمر وضوحًا في عذاب القبر قوله - ﷺ -: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر،٢/ ١٢٤،برقم ١٣٦٩،واللفظ له، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، ٤/ ٢٢٠١،برقم ٢٨٧١،والآية من سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ٢/ ١٢٤، برقم ١٣٧٣.\n(٣) انظر: حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، ٤/ ١٠٠.\n(٤) أخرجه النسائي، كتاب الجنائز، باب ضمة القبر وضغطته، ٤/ ١٠٠،برقم ٢٠٥٥،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي،٢/ ٤٤١،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة،٤/ ٢٦٨،برقم ١٦٩٥.\n(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة، ٢/ ٦٥١، برقم ٩٤٤.","vol":"3","page":1088},{"text":"* وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعه لَصَعِق» (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1842> ولهول عذاب القبر أمر رسول الله - ﷺ - أمته بالاستعاذة منه دبر كل صلاة</span>، فقال - ﷺ -: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جنهم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسح الدجال» (٢).\n* وكان هو - ﷺ - يدعو في صلاته فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من\nعذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟ فقال: «إن الرجل إذا غَرِمَ حدّث فكذب ووعد فأخلف» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1843> ولاشك أن القبور لها ظلمة إلا من نوَّر الله قبره بالإيمان والعمل الصالح</span>، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد، أو شابًّا، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات، قال: «أفلا آذنتموني» فكأنهم صغَّروا أمرها أو أمره فقال: «دلّوني على قبره» فدلّوه فصلى عليها ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٤، وباب قول الميت على الجنازة: قدموني، ٢/ ١٠٨، برقم ١٣١٦.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر،\n٢/ ١٢٥، برقم ١٣٧٧، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، ١/ ٤١٢، برقم ٥٨٨، واللفظ لمسلم.\n(٣) متفق عليه، من حديث عائشة ﵂: كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، ١/ ٢٢٧، برقم ٨٣٢،ومسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة،١/ ٤١٢،برقم ٥٨٨.","vol":"3","page":1089},{"text":"- ﷿ - ينوّرها لهم بصلاتي عليهم» (١).\n* ومن أعظم الأحاديث في عذاب القبر حديث البراء بن عازب - ﵁ - وفيه أن العبد المؤمن يفسح له في قبره مد بصره، وأن العبد الفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه (٢).\n* وعن هانئ مولى عثمان قال: كان عثمان إذا وقف على قبر بكى حتى يبلّ لحيته، فقيل له تُذْكَرُ الجنة والنار فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه» وقال: قال رسول\nالله - ﷺ -: «ما رأيت منظرًا قطّ إلا والقبر أفظع منه» (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1844> ومما يزيد المسلم يقينًا أن النبي - ﷺ - قال عن أرواح المؤمنين في البرزخ: </span>«إنما نسمة المؤمن طائر يُعلق في شجر الجنة: حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (٤).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1845> وأرواح الشهداء أعظم من ذلك: </span>فإن «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» (٥).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1846> ولاشك أن أحكام الدنيا على الأبدان والأرواح تبع لها</span>، وأحكام\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن، ٢/ ١١٣، برقم ١٣٣٧، ومسلم واللفظ له، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، ٢/ ٦٥٩، برقم ٩٥٦.\n(٢) حديث البراء حديث طويل عظيم، أخرجه أحمد،٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦،والحاكم وصححه، وأقره الذهبي ١/ ٧٣ - ٤٠، وغيرهما، وصححه ابن القيم في تهذيب السنن، ٤/ ٣٣٧، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٥٩ على تصحيح الحاكم وإقرار الذهبي له: «وهو كما قالا».\n(٣) الترمذي، وحسنه، في كتاب الزهد، باب: حدثنا هناد، ٤/ ٥٥٣، برقم ٢٣٠٨، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ٤٢٦، برقم ٤٣٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٦٧ وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٢١.\n(٤) أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وغيرهما.\n(٥) مسلم، برقم ١٨٨٧.","vol":"3","page":1090},{"text":"البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها، فإذا كان يوم القيامة كان الحكم والنعيم أو العذاب على الأرواح والأجساد جميعًا (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1847> وعذاب القبر هو عذاب البرزخ</span>، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قُبِرَ أو لم يقبر، أو أكلته السباع، أو أُحرق حتى صار رمادًا أُو نسف في الهواء؛ فإنه يصل إلى روحه وبدنه من النعيم أو العذاب ما يصل إلى القبور (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1848> وأحاديث عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين تبلغ حد التواتر</span>؛ فقد بلغت الأحاديث في ذلك سبعين حديثًا (٣).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1849> ومما يجير من عذاب القبر معرفة الأسباب التي يُعذّب بها أصحاب القبور والابتعاد عنها</span>، والأسباب المنجية من عذاب القبر والعمل بها.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1850> أما أسباب عذاب القبر </span>فمنها: الجهل بالله، وإضاعة أوامره، وارتكاب معاصيه، والنميمة، وترك الاستبراء من البول، والكذب الذي يبلغ الآفاق، وترك العمل بالقرآن والنوم عنه بالليل، والزنا، وأكل الربا، والتثاقل عن الصلاة المفروضة، وترك الزكاة المفروضة، وأكل لحوم الناس بالغيبة والوقوع في أعراضهم، وعذاب الميت بما نيح عليه، وغير ذلك من أسباب عذاب القبر التي ينبغي للمسلم أن يحذر منها.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1851> وأما أسباب النجاة من عذاب القبر فكثيرة</span>، منها: تجنب الأسباب التي تسبب عذاب القبر، ومن أنفع أسباب النجاة أن يجلس المسلم عندما يريد النوم فيحاسب نفسه فيما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحًا فينام على تلك التوبة.\n_________\n(١) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٢٦٣، ٣١١.\n(٢) انظر: المرجع السابق،١/ ٢٩٩، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص٤٥٢.\n(٣) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ١٦٥، وجامع الأصول من أحاديث الرسول - ﷺ -، ١١/ ١٦٤، من حديث رقم ٨٦٩٠ - ٨٧٠٤.","vol":"3","page":1091},{"text":"* ومن أسباب النجاة من عذاب القبر: الموت مرابطًا في سبيل الله تعالى، والشهادة في سبيل الله تعالى، وغير ذلك من الأسباب النافعة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1852>فينبغي للمسلم أن يذكر دائمًا: عذاب القبر ونعيمه</span>، اللهم عافني وسلمني وأعذني من عذاب القبر، ووالديَّ وذريتي وجميع المؤمنين.\n* ومما يوضح أسباب عذاب القبر ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث سمرة بن جندب - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يعنى مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» قال فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: «إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما [وفي رواية: فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة] [وفي رواية: أرض مقدسة] وإنا\nأتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحانه الله، ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: وربما قال أبو رجاء فيشق. قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى. قال: قلت سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، [وفي رواية: أعلاه ضيق وأسلفه واسع يتوقد تحته نارًا] قال: فاطَّلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء\n_________\n(١) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٣٤٠، و٣٤٥.","vol":"3","page":1092},{"text":"عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوا قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال: فانطلقنا فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم، [وفي رواية فانطلقنا فأتينا على نهر من دم] وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرًا. قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلًا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها، قال قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا في\nالسماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قطُّ. قال: قلت لهما: ما هذا، وما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قطُّ أعظمَ منها ولا أحسن. قال: قالا لي: ارقَ، فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففُتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة. قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك. قال: فسما بصري صُعُدًا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله [وفي رواية: فانطلقنا حتى أتينا على روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ","vol":"3","page":1093},{"text":"وصبيان فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أرَ قطُّ أحسن منها، فيها رجال شيوخ، وشباب، ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشبان] قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك:\n* أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ بالقرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة [وفي رواية يفعل به إلى يوم القيامة].\n* وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق [وفي رواية يصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة].\n* وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني.\n* وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويُلقم الحجر فإنه آكل الربا.\n* وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم.\n* وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم - ﷺ -. وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله - ﷺ - وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وأولاد المشركين [وفي رواية والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت","vol":"3","page":1094},{"text":"منزلك].\n* وأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ» (١).\n* ومن ذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: مر النبي - ﷺ - بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يُعذَّبان في قبورهما، فقال النبي - ﷺ -: «يُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبير» ثم قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة، فقيل له: يا رسول الله لم\nفعلت هذا؟ قال - ﷺ -: «لعله أن يخفف عنها ما لم تيبسا» وفي لفظ لمسلم: «وكان الآخر لا يستنزه عن البول، أو من البول» (٢).\n* وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أكثر عذاب القبر من البول» (٣)، وجاء من حديث أنس - ﵁ - بلفظ: «تنزَّهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1853>١٠ - الحَذَرُ من التنافس في الدنيا والانشغال بها عن طاعة الله - ﷿ </span>-؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما\n_________\n(١) البخاري، كتاب الأذان، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، برقم ٨٤٥، وأطرافه في البخاري، برقم ١١٤٣، و١٣٨٦، وما بين المعقوفات من هذا الطرف، إلا الزيادة الثانية فمن الطرف رقم ٢٠٨٥، وأكثر ألفاظ الحديث من الطرف رقم ٧٠٤٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، برقم ٢١٦، وكتاب الجنائز، باب الجريدة على القبر، برقم ١٣٦١، وباب عذاب القبر من الغيبة والبول، برقم ١٣٧٨، وكتاب الأدب، باب الغيبة وقول الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]. برقم ٦٠٥٢، وباب النميمة من الكبائر، برقم ٦٠٥٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، برقم ٢٩٢.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الطهارة، باب التشديد في البول، برقم ٣٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ١٢٥.\n(٤) أخرجه الدارقطني في سننه، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٢٨٠.","vol":"3","page":1095},{"text":"تنافسوها، وتُهلككم كما أهلكتهم» [وفي لفظ: «وتُلهيكم كما ألهتهم»] (١)، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: «وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين» (٢)، «لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك» (٣)، وقوله - ﷺ -: «وتُلهيكم كما ألهتهم»، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي - ﵀ -: «تُلهيكم» أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد\nلآخرتكم (٤)، كما قال الله - ﷿ -: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكّاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٥).\nوهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شر وخطر؛ ولهذا قال - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (٦).\nوعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب - ﵁ - نعوده، فقال: «إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي - ﷺ - نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به»، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال: «إن المسلم يؤجر في كل\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، برقم ١٠٥٢، ويأتي تخريجه في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب في الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٦/ ٣٦٣.\n(٣) المرجع السابق، ١١/ ٢٤٥.\n(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٧/ ١٣٣.\n(٥) سورة التكاثر، الآيتان: ١، ٢.\n(٦) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ٧/ ٢٢٢، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، ٢/ ٧٢٧، برقم ١٠٥٢، وما بين المعقوفين من رواية مسلم.","vol":"3","page":1096},{"text":"شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (١)، قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٢)، وذكر - ﵀ - آثارًا كثيرة في ذم البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر» (٣)، وقد بين الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ الناس وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ\nنَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٥).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٦).\nولا شك أن الإنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ٧/ ١٢، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، ٤/ ٢٠٦٤، برقم ٢٦٨١.\n(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٩٣.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٥) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٦) سورة الكهف، الآيتان: ٤٥ - ٤٦.","vol":"3","page":1097},{"text":"ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ قلبك غنى وأملأْ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأُ قلبك فقرًا وأملأُ يديك شغلًا» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأْ صدرك غنى وأسدَّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ يديك شغلًا ولم أسدَّ فقرك» (٢).\nولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة.\nوعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣).\nوقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما والاه، وعالمٌ، أو متعلم» (٤).\nوهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ - (٥)؛ ولهوانها على على الله - ﷿ - لم يُبلّغ\n_________\n(١) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي، ٤/ ٣٢٦، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة،\n٣/ ٣٤٧: «وهو كما قالا».\n(٢) الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا قتيبة ٤/ ٦٤٢، برقم ٢٤٦٦، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، ٢/ ١٣٧٦، برقم ٤١٠٨، وأحمد، ٢/ ٣٥٨، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٤٤٣، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، ٣/ ٣٤٦.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب الهم بالدنيا، ٤/ ١٣٧٥، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.\n(٤) الترمذي بلفظه، كتاب الزهد، باب: حدثنا محمد بن حاتم، ٤/ ٥٦١، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، ٢/ ١٣٧٧، برقم ٤١١٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب،١/ ٣٤،برقم ٧١، و١/ ٦،برقم ٧.\n(٥) قوله: «وما والاه» أي ما يحبه الله من أعمال البر وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات ومستحسنات الشرع. وقوله: «وعالم أو متعلم» والرفع فيها على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يُحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله، وما والاه، وعالمٌ أو متعلم» والعالم والمتعلم: العلماء بالله الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدين، انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، ٦/ ٦١٣.","vol":"3","page":1098},{"text":"رسولَه - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد مات - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (١)، ومما يزيد ذلك وضوحًا وبيانًا حديث سهل بن سعد - ﵁ - يرفعه: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح\nبعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٢)، فينبغي للمسلم أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1854>١١ - طلب حسن الخاتمة بالقول والعمل: </span>لا شك أن من طلب حسن الخاتمة يكون بالدعاء، وبعمل جميع الأسباب المؤدية إلى حسن الختام؛ لأن من رغب في شيء وحرص عليه جَدَّ في طلبه بالدعاء والضراعة إلى الله - ﷿ - واجتهد في بذل الأسباب؛ قال الله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).\nوقد ثبت في الحديث: أن الأعمال بالخواتيم؛ بقول النبي - ﷺ -: «وإنما الأعمال بخواتيمها» (٤).\nومما يعين المسلم على طلب حسن الخاتمة معرفته بعض ما ثبت عن\n_________\n(١) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، ٣/ ٤٦، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، ٣/ ٢٢٢٦، برقم ١٦٠٣.\n(٢) الترمذي، ٤/ ٥٦٠، برقم ٢٣٢٠، وابن ماجه، ٤/ ١٣٧٦، برقم ٤١١٠، ويأتي تخريجه في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة، رقم ١٣.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يقول فلان شهيد، برقم ٢٨٩٨،والطرف رقم ٤٢٠٢، ٦٤٩٣، و٦٦٠٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم ١١٢.","vol":"3","page":1099},{"text":"النبي - ﷺ - في حسن الخاتمة وسوئها ومن ذلك: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات: فيكتب عمله، وأجله، ورزقه، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار\nفيدخل النار» (١).\nوقد يعمل الرجل الزمن الطويل بالطاعات ويبتعد عن المعاصي والسيئات ثم قبل موته يرتكب الجرائم والموبقات ويترك الواجبات، فيهجم عليه الموت فجأة فيختم له بخاتمة السوء، وبالعكس؛ ولهذا قال - ﷺ -: «إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، ثم يُختم له عمله بعمل أهل الجنة» (٢).\nقال الحافظ ابن رجب - ﵀ - على حديث الباب: «وقوله: «فيما يبدو للناس» إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، من جهة عمل سيئ ونحو ذلك فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار وفي باطنه خصلة\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤/ ٩٤، برقم ٣٢٠٨، واللفظ له، برقم ٣٣٣٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، ٤/ ٢٠٣٦، برقم ٢٦٤٣.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته، وسعادته، ٤/ ٢٠٤٢، برقم ٢٦٥١، عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":1100},{"text":"خفية من خصال الخير، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره، فتوجب له حسن الخاتمة» (١).\nوينبغي للمسلم أن يعمل بالأسباب التي توصل إلى حسن الخاتمة ويبتعد عن جميع الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة، ومن ذلك ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1855>السبب الأول: خوف الله - ﷿ - والخشية من سوء الخاتمة</span>، فقد كان السلف الصالح يخافون من سوء الخاتمة، فيحسنون العمل؛ لأن الخوف\nمع الرجاء يبعث على إحسان العمل؛ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (٢)؛ ولهذا كان الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم من السلف يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم منه؛ لأن المؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب عليه عند الخاتمة فيخرجه إلى النفاق الأكبر؛ لأن دسائس السوء من أسباب سوء الخاتمة (٣).\n* وقد ذُكِرَ عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال لحذيفة - ﵁ -: «نشدتك بالله هل سمَّاني لك رسول الله - ﷺ - منهم»؟ - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا أبرئ بعدك أحدًا، يعني لا يكون مفشيًا سرَّ رسول الله - ﷺ - (٤).\n* وقال عبد الله بن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحد يقول: إن إيمانه على\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم،١/ ١٧٢،وانظر: المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم للقرطبي،١/ ٣١٩.\n(٢) الترمذي، وحسنه، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا محمد بن حاتم المؤدب، ٤/ ٦٣٣، برقم ٢٤٥٠، والحاكم من حديث أبي بن كعب - ﵁ -، ٤/ ٣٠٨، و٢/ ٤٢١، ٥١٣، وأحمد في المسند،\n٥/ ١٣٦، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٤، وبرقم ٢٣٣٥، وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني، ٢/ ٢٩٧.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ١/ ١٧٤، و١٧٢.\n(٤) ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، ٥/ ١٩.","vol":"3","page":1101},{"text":"إيمان جبريل وميكائيل» (١).\n* وقال إبراهيم التيمي - ﵀ -: «ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا» (٢).\n* ويذكر عن الحسن: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق» (٣).\n* ويذكر عن أبي الدرداء - ﵁ - أنه قال: «لأن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1856>السبب الثاني: التوبة من جميع الذنوب والمعاصي وإتباعها بالأعمال الصالحة</span>؛ لأن التسويف في التوبة من أسباب سوء الخاتمة؛ ولهذا قال الله - ﷾ -: ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥).\nوقال - ﷾ -: ﴿نَبّىءْ عِبَادِي أَنّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ (٦).\nولا شك أن: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٧).\nولابد مع التوبة من الأعمال الصالحة؛ لقوله - ﷿ -: ﴿وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ\n_________\n(١) البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، معلقًا مجزومًا به،١/ ٢١.\n(٢) المرجع السابق في الكتاب والباب المذكور، ١/ ٢١، معلقًا مجزومًا به.\n(٣) المرجع السابق في الكتاب نفسه والباب، ١/ ٢١، وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ١/ ١١١: «وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافقين، وأشار الحافظ ﵀ إلى صحته».\n(٤) ذكره ابن كثير في تفسيره، ٢/ ٤١، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن القيم، ص٣٢، والآية من سورة المائدة: ٢٧.\n(٥) سورة النور، الآية: ٣١.\n(٦) سورة الحجر، الآيتان: ٤٩ - ٥٠.\n(٧) رواه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، برقم ٢٤٥٠، والطبراني في المعجم الكبير، برقم ١٠٨١، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم ٦١٥، و٦١٦، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤١٨، وانظر: المقاصد الحسنة للسخاوي، ص٥٢.","vol":"3","page":1102},{"text":"وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (١)، وقال - ﷾ - بعد أن ذكر عقاب المشرك، وقاتل النفس بغير حق، والزاني: ﴿إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله» فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (٣).\nوعن عمرو بن الحَمَقِ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا عَسَلَهُ» قالوا: وكيف يعسله؟ قال: «يفتح الله - ﷿ - له عملًا صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه، أو من حوله» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1857>السبب الثالث: الدعاء بحسن الخاتمة وإظهار الافتقار إلى الله - ﷿ </span>-، ولهذا كان النبي - ﷺ - يُكثر الدعاء بالثبات على دين الله - ﷿ - فعن أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ -: كان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك» قالت: قلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: «يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ» فتلا معاذ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة طه، الآية: ٨٢.\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.\n(٣) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، ٤/ ٤٥٠، برقم ٢١٤٢، والحاكم، ١/ ٣٤٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح للتبريزي، ٣/ ١٤٥٤، برقم ٥٢٨٨: «وهو كما قالا».\n(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار، ٧/ ٥٢ - ٥٣، برقم ٤٦٤٠، و٤٦٤١، وأحمد في المسند،٥/ ٢٢٤،والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،١/ ٣٤٠،وعمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني في كتاب السنة،١/ ١٧٦، برقم ٤٠١،وذكر له شواهد برقم ٤٠٠، ٤٠٢، ٤٠٣. وابن حبان في صحيحه، ٢/ ٥٤،برقم ٣٤٢،وانظر: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي، برقم ١٨٢٢.ونقل الألباني تصحيحه على شرط مسلم في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١١٤.\n(٥) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا أبو موسى الأنصاري، وقال: «وهذا حديث حسن»، ٥/ ٥٣٨، برقم ٣٥٢٢، وأحمد في المسند من حديث النواس بن سمعان،٤/ ١٨٢،والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢٥، ٥٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ١٧١، وفي ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم، ١/ ١٠٠، برقم ٢٢٣. (والآية من آل عمران ٨).","vol":"3","page":1103},{"text":"وعن أنس - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبّتْ قلبي على دينك»، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء» (١).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله - ﷺ -: «اللهم مُصرّف القلوب صرّف قلوبنا على طاعتك» (٢).\nوكان - ﷺ - يدعو: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يتعوذ من: «جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء» (٤).\nفينبغي للمسلم أن يُكثر من هذه الأدعية التي هي من أسباب حسن الخاتمة، وعليه أن يُكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله» فعن عبد الله بن\n_________\n(١) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، وقال: «وهذا حديث حسن»، ٤/ ٤٤٨، برقم ٢١٤٠،وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب دعاء رسول الله - ﷺ -، ٢/ ١٢٦٠، برقم ٣٨٣٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٢٥، وصحيح سنن ابن ماجه،\n٢/ ٣٢٥، وفي ظلال الجنة في تخريج السنة، ١/ ١٠١، برقم ٢٢٥.\n(٢) مسلم، كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء،٤/ ٢٠٤٥، برقم ٢٦٥٤.\n(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٤/ ١٨١ من حديث بسر بن أرطأة - ﵁ -، والطبراني في المعجم الكبير، ٢/ ٣٣، بأرقام: ١١٩٦ - ١١٩٨، وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: رجال أحمد، وأحد أسانيد الطبراني ثقات، ١٠/ ١٧٨.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من جهد البلاء،٧/ ١٩٩،برقم ٦٣٤٧، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره،٤/ ٢٠٨٠،برقم ٢٧٠٧.","vol":"3","page":1104},{"text":"قيس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلُّك على كنز من كنوز الجنة»؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «قل لا حول ولا قوة إلا بالله» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1858>السبب الرابع: قصر الأمل من أسباب حسن الخاتمة</span>، وطول الأمل ضد ذلك؛ لأن قصر الأمل يحث صاحبه على اغتنام الأوقات والأعمال\nالصالحة؛ ويؤكد ذلك حديث عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (٢).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: خطَّ النبي - ﷺ - خطًّا مربعًا، وخطَّ خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخطَّ خُططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: «هذا الإنسان، وهذه أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب الدنيا وطول العمر» (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب القدر، باب «لا حول ولا قوة إلا بالله»، ٧/ ٢٧١، برقم ٦٦١٠، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر،٤/ ٢٠٧٦، برقم ٢٧٠٤.\n(٢) البخاري، ٧/ ٢١٨، برقم ٦٤١٦، وتقدم تخريجه.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله، ٧/ ٢١٩، برقم ٦٤١٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ٧/ ٢٢٠، برقم ٦٤٢٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهية الحرص على الدنيا، ٢/ ٧٢٤، برقم ١٠٤٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، ٧/ ٢٢٠، برقم ٦٤٢١،ومسلم بلفظه في كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، ٢/ ٧٢٤، برقم ١٠٤٧.","vol":"3","page":1105},{"text":"فينبغي للمسلم أن لا يركن إلى الدنيا؛ فإنها متاع زائل، والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1859>السبب الخامس: بغض المعاصي والابتعاد عنها </span>من أسباب حسن الخاتمة، وضدّ ذلك حبها وإلفها. فينبغي للمسلم أن يُبغض كل ما حرمه الله ورسوله - ﷺ -؛ لأن الإنسان إذا أصرَّ على المعاصي ومات على ذلك كان ذلك من أسباب سوء الخاتمة، وبُعِثَ على ما مات عليه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «من مات على شيء بعثه الله عليه» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1860>السبب السادس: الصبر عند المصائب </span>من أسباب حسن الخاتمة، وضد ذلك الجزع أو الانتحار من أسباب سوء الخاتمة، أسأل الله العفو والعافية لي ولأهل بيتي وجميع المؤمنين.\nفينبغي للمسلم الصبر ابتغاء وجه الله - ﷿ - فعن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٢)، ولا شك أن المصائب تكفر الخطايا والسيئات.\nفينبغي للعبد المسلم: الصبر، والثبات، واحتساب الأجر والثواب على الله - ﷿ - فعن ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٣).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: «ما يصيب المؤمن من وصبٍ (٤) ولا نصبٍ (٥) ولا سقمٍ، ولا حزنٍ، حتى\n_________\n(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند، ٣/ ٣١٤ عن جابر - ﵁ -، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٨٣.\n(٢) مسلم، في كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير ٤/ ٢٢٩٥، برقم ٢٩٩٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثال فالأمثل، ٧/ ٤، برقم ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن، أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩١، برقم ٢٥٧١.\n(٤) الوصب: الوجع اللازم. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٣٦٦.\n(٥) النصب: التعب. المرجع السابق، ١٦/ ٣٦٦.","vol":"3","page":1106},{"text":"الهمّ يهمّه إلا كُفّر به من سيئاته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1861>السبب السابع: حسن الظن بالله - ﷿ - من أسباب حسن الخاتمة</span>، وسوء الظن بالله من أسباب سوء الخاتمة، فينبغي للعبد أن يعلم أن الله - ﷿ - لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم الناس شيئًا، وهو عند ظن عبده به؛ قال النبي\n- ﷺ -: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ...» (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل وفاته بثلاث يقول: «لا يمُوتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1862>السبب الثامن: معرفة ما أعده الله - ﷿ - من النعيم المقيم للمؤمنين</span>، من أسباب حسن الخاتمة؛ لأن هذا العلم يحث على العمل، والاستقامة على طاعة الله - ﷿ - رغبة فيما عنده - ﷿ - من الثواب، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٤).\nفينبغي للمسلم أن يعلم أن مستقر أرواح المؤمنين في الحياة البرزخية في الجنة، فعن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله ﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، ٧/ ٣، برقم ٥٦٤١، ومسلم واللفظ له، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ٤/ ١٩٩٣، برقم ٢٥٧٣.\n(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة - ﵁ -: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَالله رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]، ٨/ ٢١٦، برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، ٤/ ٢٠٦١، برقم ٢٦٧٥.\n(٣) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر يحسن الظن بالله تعالى عند الموت،\n٤/ ٢٢٠٥، برقم ٢٨٧٧.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٥) أخرجه أحمد في المسند، ٣/ ٤٥٥، والنسائي في كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، ٤/ ١٠٨، برقم ٢٠٧٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، ٢/ ١٤٢٨، برقم ٤٢٧١، وموطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز، ١/ ٢٤٠، برقم ٤٩. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٧٣٠، برقم ٩٩٥، وفي صحيح سنن النسائي، ٢/ ٤٤٥.","vol":"3","page":1107},{"text":"أما أرواح الشهداء فهي أعظم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن: «أرواحهم في جوف طير خضرٍ، لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ...» (١).\nفينبغي للمسلم أن يعمل بهذه الأسباب الحسنة ويبتعد عن أسباب سوء الخاتمة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن لنا جميعًا الخاتمة، وأن يوفقنا لِمَا يحبه ويرضاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1863>١٢ - معرفة قصر الحياة الدنيا، وأنها كيوم أو بعض يوم </span>مهما عاش الإنسان فحياته قصيرة جدًا، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢).\nوقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ*وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ الله وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ (٤)، وهذا يدل على سرعة انقضاء الدنيا، وأن الناس إذا حشروا كأنه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس وهم يتعارفون بينهم كحالهم في الدنيا، ففي هذا اليوم يربح المتقون ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين إلى الصراط المستقيم والدين القويم (٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، ٣/ ١٥٠٢، برقم ١٨٨٧، من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٣) سورة الرحمن، الآيتان: ٢٦ - ٢٧.\n(٤) سورة يونس، الآية: ٤٥.\n(٥) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للعلامة السعدي، ص٣٦٥.","vol":"3","page":1108},{"text":"وقال الله - ﷿ -: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادّينَ * قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَومَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُم إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ عَشْرًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُم طَرِيقَةً إن لَّبِثْتُمْ إلاَّ يَوْمًا﴾ (٥).\nوقال - ﷿ -: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦).\nوقال الله - ﷿ - في الساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٧).\nوقال - ﷾ -: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآيات: ٢٠٥ - ٢٠٧.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٤٧.\n(٣) سورة المؤمنون، الآيات: ١١٢ - ١١٥.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٥٥.\n(٥) سورة طه، الآيات: ١٠٢ - ١٠٤.\n(٦) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٧) سورة النازعات، الآية: ٤٦.\n(٨) سورة الإسراء، الآية: ٥٢.","vol":"3","page":1109},{"text":"وقال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١).\nوعن المستورد أخي بني فهر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مَثَل الدنيا في الآخرة إلا مَثَل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ فلينظرْ بمَ\nيرجع» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» (٣).\nفينبغي للعبد المسلم أن يزهد في هذه الدنيا القصيرة ويتزود بالأعمال الصالحة، ويعلم أنه مهما طال عمره فهو قصير، ولكن يغتنمه فيما يرفع منزلته عند الله - ﷿ -، ويقيه من عذابه، فإن طال عمره وهو ملتزم بطاعة الله - ﷿ - فهو خير له، فعن عبد الله بن بُسر - ﵁ - أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: «مَن طال عمره وحسن عمله» (٤).\nوعن أبي بكرة - ﵁ -: أن رجلًا قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: «مَن طال عمره وحسن عمله» قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» (٥).\nوأعمار أمة محمد - ﷺ - قصيرة من الستين إلى السبعين لمن أطال الله عمره، وقليل من يجوز ذلك؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة». وفي لفظ: «أعمار أمتي\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ١٤.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٨، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله، برقم ٢٣٢٣،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٣/ ٣٤٧.\n(٣) مسلم، كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، برقم ٢٩٥٦.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٢٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٦.\n(٥) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم ٢٣٣٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٦.","vol":"3","page":1110},{"text":"ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (١).\nوهذا العمر حجة على من لم يستعمله في طاعة الله - ﷿ -،فعن أبي هريرة\n- ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلّغه ستين سنة» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز -﵀- يقول: «وهذا يوجب الحذر وأن المؤمن يأخذ حذره، ولا سيما إذا بلغ ستين» (٣).\nوما أحسن ما قاله الشاعر الحكيم:\nوما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1864>١٣ - معرفة فضل البكاء من خشية الله تعالى يورث الخير الكثير</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٥).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحُقَّ لها أن تئطَّ، ما فيها موضع أربع\n_________\n(١) الترمذي، اللفظ الأول كتاب الزهد، باب ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، برقم ٢٣٣١، واللفظ الثاني في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي - ﷺ -، برقم ٣٥٥٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي في هذا الموضع، ٣/ ٤٦٠.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر، برقم ٦٤١٩.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤١٩.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله، برقم ٢٣١١، والنسائي، كتاب الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ٥٢٨.\n(٥) الترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله، برقم ١٦٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٣٠.","vol":"3","page":1111},{"text":"أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله» (١).\nوعن أنس - ﵁ - قال: خطب النبي - ﷺ - خطبة ما سمعت مثلها قطُّ، قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» قال: فغطَّى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم ولهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: «أبوك فلان». وفي رواية فقال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ فقال: «أبوك حذافة» فلما أكثر - ﷺ - من قوله: «سلوني» برك عمر فقال: رضينا بالله ربَّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فسكت النبي - ﷺ - ثم قال: «والذي نفسي بيده لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط فلم أرَ كاليوم في الخير والشر» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «والذي نفس محمد بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا» (٣).\nولو لم يكن في فضل البكاء من خشية الله إلا أنه يدخل صاحبه في ظلّ الله يوم لا ظل إلا ظلّه لكفى؛ لقوله - ﷺ -: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه» وذكر منهم: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (٤)، وقد\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب قول النبي - ﷺ -: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، برقم ٢٣١٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٢٩، وأخرجه ابن ماجه، في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٠.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وله أطراف كثيرة فيها زيادات كثيرة بأرقام ٩٣،٥٤٠، ٧٤٩، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥، ومسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ -، برقم ٢٣٥٩.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»، برقم ٦٤٨٥، واللفظ من الطرف رقم ٦٦٣٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، برقم ٦٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، برقم ١٠٣١.","vol":"3","page":1112},{"text":"أثنى الله - ﷿ - على من بكى من خشيته في آيات كثيرة، ومن ذلك:\nقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾ (٢).\nوقوله تعالى في أهل العلم إذا سمعوا القرآن: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٣).\nوقوله تعالى في الأنبياء ممن هدى سبحانه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1865>خامسًا: آداب المريض الواجبة والمستحبة كثيرة منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1866>١ - الصبر والاحتساب: المريض يجب عليه الصبر </span>وهو: حبس النفس عن الجزع والتسخط، واللسان عن الشكوى إلى المخلوق، والجوارح عن عملها ما يقتضي التسخّط: كلطم الخدود، وشقّ الجيوب، وحثو التراب على الرؤوس، ونتف الشعر، والدعاء بدعوى الجاهلية، ونحو ذلك (٥).\nأما الشكوى إلى الله فمطلوبة بإجماع المسلمين (٦).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٨٣.\n(٢) سورة التوبة، الآية: ٩٢.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٨٥.\n(٥) انظر: عدة الصابرين لابن القيم، ص٢٧ وص٢٩.\n(٦) الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٢٨.","vol":"3","page":1113},{"text":"قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٢).\nوقال - ﷾ -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ *أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٦).\nوقال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (٧).\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٨).\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة محمد، الآية: ٣١.\n(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥.\n(٤) سورة الحديد، الآيتان: ٢٢، ٢٣.\n(٥) سورة التغابن، الآية: ١١.\n(٦) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٧) سورة الشورى، الآية: ٤٣.\n(٨) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.","vol":"3","page":1114},{"text":"وقال رسول الله - ﷺ -: «الصبر ضياء» (١).\nوعن صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان\nخيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله - ﷿ - قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة» يريد عينيه (٣).\nوعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الطاعون فأخبرها «أنه كان عذابًا يبعثه الله على من شاء فجعله رحمة للمؤمنين (٤)، فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» (٥). وقال - ﷺ -: «... إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٦).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما يصيب\n_________\n(١) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣، من حديث أبي مالك الأشعري - ﵁ -.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٣) البخاري، كتاب المرض، باب فضل من ذهب بصره، برقم ٥٦٥٣.\n(٤) الطاعون: قيل هو الموت العام، وقيل: المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان، وقيل: هو الوباء، وقيل: هو المرض الذي يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، وقيل: أصل الطاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونًا، انظر: فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٨٠، وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ٣/ ١٨٦: «مرض معروف هو بثر وورم مؤلم جدًا يخرج مع لهب ويسودّ ما حواليه، أو يخضرّ أو يحمرّ حمرة بنفسجية كدرة يحصل معه خفقان القلب والقيء، ويخرج في المراق والآباط غالبًا والأيدي والأصابع وسائر الجسد»، ورجح ابن حجر في فتح الباري، ١٠/ ١٨١: «أن الطاعون يكون من طعن الجن وقرعه»، واستشهد لذلك بأدلة وصحح بعضها.\n(٥) البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر على الطاعون، برقم ٥٧٣٤.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم ١٢٨٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، برقم ٩٢٦.","vol":"3","page":1115},{"text":"المسلم من نَصَبٍ (١) ولا وَصَبٍ (٢) ولا هَمٍّ، ولا حزْنٍ، ولا أذىً، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه» (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله سيئاته كما تحطُّ الجشرة ورقها» (٤).\nوعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يُشاك شوكةً فما فوقها، إلا كُتب له بها درجة ومُحيت عنه بها خطيئة» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرد الله به خيرًا يُصِبْ (٦) منه» (٧).\nوعن أنس - ﵁ - يرفعه: «إن عِظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السُّخْط» (٨).\nوعن مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه،\n_________\n(١) النصب: التعب.\n(٢) الوصب: المرض.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب المرض، باب شدة المرض، برقم ٥٦٤٧، ٥٦٤٨، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٢.\n(٦) يصب منه: معناه يبتليه بالمصائب، ليثيبه عليها، وقيل: يوجه إليه البلاء فيصيبه. فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥: «أي يصيبه بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه».\n(٧) البخاري، كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٥.\n(٨) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم ٤٠٣١،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي،٢/ ٥٦٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣٢٠،وفي الصحيحة، برقم ١٤٦.","vol":"3","page":1116},{"text":"فإن كان دينه صلبًا، اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1867>٢ - لا يسأل البلاء</span>؛ لحديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله علمني شيئًا أساله الله؟ قال: «سل الله العافية» فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: يا رسول الله علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: «يا عباسُ يا عمَّ رسول الله: «سل الله العافية في الدنيا والآخرة» (٢).\nولحديث أبي بكر الصديق - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال على المنبر: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يعط بعد اليقين خيرًا من العافية» (٣).\nولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله - ﷺ -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك» (٤).\nولحديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «كان يتعوّذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1868>٣ - الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى</span>، الإيمان بالقدر أصل من\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٥، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٣١٨، وفي الصحيحة، برقم ١٤٣، ٢٢٨٠: «حسن صحيح».\n(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا يوسف بن عيسى، برقم ٣٥١٤، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٤٦، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٢٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الدعوات، باب: حدثنا محمد بن بشار، برقم ٣٥٥٨،وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٤٩،وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٣/ ٤٦٤: «حسن صحيح» وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٢٥٩ «صحيح».\n(٤) مسلم، كتاب الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، برقم ٢٧٣٩.\n(٥) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب: في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء، وغيره، برقم ٢٧٠٧.","vol":"3","page":1117},{"text":"أصول الإيمان وركن من أركانه؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١).\nولحديث عمر - ﵁ - من حديث جبريل المشهور وفيه: «... أخبرني عن\nالإيمان؟ [فقال رسول الله - ﷺ -]: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (٢).\nوالقدر في اللغة: بمعنى التقدير، وهو مصدر: قَدَر يَقْدُرُ قَدَرًا، وقد تسكّن دالُه، وهو عبارة عما قضاه الله وحكم به من الأمور، ومنه «ليلة القدر» وهي الليلة التي تُقدَّرُ فيها الأرزاق وتُقضى، ومن حديث الاستخارة: «فاقدُرْه لي ويسّره» أي اقضِ لي به وهيّئه (٣).\nوالقدر في الشرع: هو تقدير الله تعالى لكل شيء، بعلمه الأزلي الأبدي، الذي لا أول لابتدائه، ولا نهاية لانتهائه، وعلمه - ﷿ - أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته النافذة - ﷿ - الخالق لكل شيء القادر عليه (٤).\nوأما معنى القضاء: فهو في اللغة: إحكام الأمر وإتقانه، وإنفاذه لجهته (٥)، وأصل القضاء القطع والفصل، يقال: قضى يقضي فهو قاضٍ إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء: إحكامه، وإمضاؤه، والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق.\n_________\n(١) سورة القمر، الآية: ٤٩.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، برقم ١.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع الدال، مادة: «قدر»، ٤/ ٢٢.\n(٤) انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن القيم، تحقيق عمر بن سليمان الحفيان، ١/ ٤١ - ٢٢٨، والعقيدة الواسطية مع شرحها للهراس، ص٢٢٠ - ٢٣٠، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني، ١/ ٣٧، ورسائل في العقيدة للشيخ ابن عثيمين، ص٢٧، والقضاء والقدر، للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، ص٣٩، والإيمان والقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، بتقديم وتعليق الإمام ابن باز، ص٢٨.\n(٥) معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، ص٨٩٣.","vol":"3","page":1118},{"text":"والقضاء في اللغة جاء على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أُحكم عمله، أو أُتمّ، أو خُتم، أو أدّي، أو أُوجب، أو أُعلم، أو أُنفذ،\nأو أُمضي، فقد قضيَ، وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1869>وأما العلاقة بين القضاء والقدر ففي ذلك أقوال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1870>القول الأول: </span>قال ابن الأثير ﵀: «ومنه القضاء المقرون بالقدر: المراد بالقدر التقدير، وبالقضاء الخلق، فالقضاء والقدر أمران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما، فقد رام هدم البناء ونقضه (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1871>القول الثاني: </span>قيل: القضاء: هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر: جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله (٣)، والمعنى: أن القضاء: هو العلم السابق الذي حكم الله به في الأزل، والقدر هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السابق (٤) عكس القول الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1872>القول الثالث: </span>قيل: القضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء: أن القدر بمنزلة المُعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا يبين أن القدر ما لم يكن قضاءً فمرجوٌّ أن يدفعه الله، فإذا قضى فلا مدفع له (٥).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، باب القاف مع الضاد، ٤/ ٧٨.\n(٢) المرجع السابق، باب القاف مع الضاد، مادة «قضاء»، ٤/ ٧٨، واختار أن القضاء والقدر شيء واحد، الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، في كتابه القضاء والقدر، ص٤٠، وقال: «لا فرق بينهما في اللغة كما أنه لا دليل على التفريق بينهما في الشرع»، فإذا أطلق التعريف على أحدهما شمل الآخر، وإذا ذكرا جميعًا فلا مشاحة من تعريف أحدهما بالآخر»، ص٤٠ - ٤٤.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر،١١/ ١٤٩،وعمدة القاري، لبدر العيني،٢٣/ ١٤٥.\n(٤) انظر: القضاء والقدر، للشيخ الدكتور عمر الأشقر، ص٢٧.والقضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، ص٤٢، والإيمان بالقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، ص٢٩.\n(٥) مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني، مادة «قضى»، ص٦٧٦.","vol":"3","page":1119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1873>القول الرابع: </span>قيل: القضاء والقدر: إذا اجتمعا افترقا، فيصبح لكل واحد منهما مفهوم، وإذا افترقا اجتمعا بحيث إذا أفرد أحدهما دخل فيه\nالآخر، أي إذا افترقا فهما مترادفان، فإذا قيل: هذا قدر الله فهو شامل للقضاء، وإذا قيل: هذا قضاء الله، فهو شامل للقدر، أما إذا ذكرا جميعًا [هذا قدر الله وقضاؤه] فلكل واحد منهما معنى:\nفالتقدير: هو ما قدره الله في الأزل أن يكون في خلقه.\nوأما القضاء: فهو ما قضى به سبحانه في خلقه من إيجاد أو إعدام، أو تغيير، وعلى هذا يكون التقدير سابقًا.\nواختار هذا القول الرابع العلامة ابن عثيمين ﵀ (١). (٢).\nومن الأدلة العظيمة التي تدل على عظم منزلة الإيمان بالقضاء والقدر ما ثبت عن عبد الله بن عمر من قوله في القدرية: «والذي يحلف به ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ..» (٣).\nوحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج علينا\n_________\n(١) شرح العقيدة الواسطية، لابن عثيمين، ص٤٣٩.\n(٢) والإيمان بالقدر له فوائد وثمرات منها: أنه من تمام الإيمان، فلا يتم الإيمان إلا بذلك، وهو من تمام الإيمان بالربوبية؛ لأن قدر الله من أفعاله، ويرد الإنسان إلى ربه، وبه يعرف الإنسان قدر نفسه، ولا يفخر إذا فعل الخير، ويهوّن المصائب على العبد، يورث إضافة النعم إلى مسديها، ويعرف به الإنسان حكمة الله - ﷿ -، والإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك، ويجلب الشجاعة، والصبر والاحتساب ومواجهة الأخطار والصعاب، وقوة الإيمان، والهداية، والجود والكرم، والتوكل واليقين والاستسلام لله والاعتماد عليه، والإخلاص، وإحسان الظن بالله وقوة الرجاء، والخوف من الله والحذر من سوء الخاتمة، ويقضي على كثير من الأمراض: كالحسد، فالمؤمن لا يحسد، ويحرر العقل من الخرافات، ويجلب التواضع، والسلامة من الاعتراض على أحكام الله، ويجلب الجد والحزم في الأمور، والشكر، والرضا، والفرح برحمة الله، والاستقامة في السراء والضراء، وعدم اليأس من انتصار الحق، وعلو الهمة وكبر النفس، ويجلب عزة النفس والقناعة، وسكون النفس وطمأنينة القلب وراحة البال، فهذه الأمور من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر. انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤١،والإيمان بالقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، ص٣١ - ٣٩.\n(٣) مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام، برقم ١.","vol":"3","page":1120},{"text":"رسول الله - ﷺ -، وفي يده كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان»؟ فقلنا: لا يا رسول الله! إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب\nمن رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا». ثم قال للذي في شماله: «هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدًا» فقال أصحابه: ففيمَ العمل يا رسول الله! إن كان أمرٌ قد فُرِغَ منه؟ فقال: «سدّدوا وقارِبوا، فإن صاحب الجنة يُختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أيَّ عمل، وإن صاحب النار يُختَمُ له بعمل أهل النار، وإن عمل أيَّ عمل» ثم قال رسول الله - ﷺ - بيديه فنبذهما ثم قال: «فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة وفريق في السعير» (١).\nوحديث ابن الديلمي، قال: وقع في نفسي شيء من هذا القدر (٢)، خشيت أن يفسد عليَّ ديني وأمري، فأتيت أُبي بن كعب فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في قلبي شيء من هذا القدر؛ فخشيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء، لعل الله أن ينفعني به، فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا، أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قُبِلَ منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي\n_________\n(١) الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار، برقم ٢١٤١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٤٤٥، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤٤٨، وغيرهما، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند أيضًا، ٢/ ١٦٧.\n(٢) «شيء من هذا القدر» أي: جل هذا القدر، أي: القول به، يريد أنه وقع في نفسه من الشبه لأجل القول بالقدر.","vol":"3","page":1121},{"text":"أخي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أبي. وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة فسألته، فقال\nمثل ما قالا، وقال: ائتِ زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد ذهبًا - أو مثل جبل أحد ذهبًا - تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك (١)، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مُتَّ على غير هذا دخلت النار» (٢).\nوحديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله - ﷺ - إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذّة ولا فاذّة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إنه من أهل النار»، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرِحَ الرجل جُرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله - ﷺ - قال: أشهد أنك رسول الله، قال: «وما ذاك»؟ قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظمَ الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جُرِحَ جُرحًا شديدًا، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه. فقال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل\n_________\n(١) «ليخطئك» أي: يتجاوز عنك فلا يصيبك، بل لابد من إصابته.\n(٢) ابن ماجه، المقدمة، باب القدر، برقم ٧٧،وأبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم ٤٦٩٩، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٤٤،وصحيح سنن أبي داود، ٣/ ١٤٨","vol":"3","page":1122},{"text":"عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» (١).\nوفي رواية: «.. أيُّنا من أهل الجنة إذا كان هذا من أهل النار؟ فقال رجل من القوم لأتبعنه ...» (٢).\nوفي رواية: «نظر النبي - ﷺ - إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من أعظم الناس غَنَاء عنهم - فقال: «من أحبَّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا»، فتبعه رجل فلم يزل على ذلك حتى جُرح فاستعجل الموت، فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه، فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه، فقال النبي - ﷺ -: «إن العبد ليعمل - فيما يرى الناس - عمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار، ويعمل - فيما يرى الناس - عمل أهل النار وهو من أهل الجنة، وإنما الأعمال بخواتيمها» (٣).\nوفي رواية: «وإنما الأعمال بالخواتيم» (٤).\nظهر في هذا الحديث أهمية الإيمان بالقدر (٥)؛ لأن النبي - ﷺ - قال لرجل ظاهره الصلاح والشجاعة في الجهاد: «إنه من أهل النار» وقال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعلم عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة»، وهذا يدل على أن الله - ﷿ - قد قدر المقادير، فعن علي بن أبي طالب - ﵁ -\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يقول فلان شهيد، برقم ٢٨٩٨، وكتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ٥/ ٨٨، برقم ٤٢٠٢، و٥/ ٩٠، برقم ٤٢٠٧، وكتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها، ٧/ ٢٤٠، برقم ٦٤٩٣. وكتاب القدر، باب العمل بالخواتيم، ٧/ ٢٧٠، برقم ٦٦٠٧، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، ١/ ١٠٦، برقم ١١٢.\n(٢) من الطرف رقم ٤٢٠٧.\n(٣) من الطرف رقم ٦٤٩٣.\n(٤) من الطرف رقم ٦٦٠٧.\n(٥) انظر: كتاب الإيمان للحافظ إسحاق بن يحيى بن منده، ١/ ١٢٦ - ١٣٢، والإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، للإمام محمد بن بطة العبكري، «كتاب القدر»، ١/ ٢٥٣.","vol":"3","page":1123},{"text":"عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسةٍ إلا كُتِبَ\nمكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: «أما أهل السعادة فيُيَسَّرون لعمل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسَّرون لعمل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١). قال ابن رجب - ﵀ -: «ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدّر بحسب الأعمال، وأن كلًاّ ميسر لما خُلِقَ له من الأعمال التي هي سبب السعادة أو الشقاوة» (٢).\nولاشك أن الله - ﷿ - إنما يهدي من كان أهلًا للهداية، ويضل من كان أهلًا للضلالة، قال - ﷿ -: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣).\nوقال - ﷾ -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مّمَّا ذُكّرُواْ بِهِ﴾ (٤).\nفبين سبحانه أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسبب من العبد نفسه، والله - ﷿ - لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله،\n٢/ ١٢١، برقم ١٣٦٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وعمله وشقاوته وسعادته، ٤/ ٢٠٣٩ برقم ٦٢٤٧. والآيات من سورة الليل: ٥ - ١٠.\n(٢) جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ١/ ١٦٩.\n(٣) سورة الصف، الآية: ٥.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ١٣.","vol":"3","page":1124},{"text":"أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\n\nوقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا وَلَكِنَّ الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢).<span data-type=\"title\" id=toc-1874> ويجمع الإيمان بالقضاء والقدر أربع مراتب </span>إذا آمن بها العبد فقد استكمل الإيمان بهذا الأصل العظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1875>المرتبة الأولى: العلم، فيؤمن العبد إيمانا جازمًا أن علم الله محيط </span>بكل شيء، وأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأن الله - ﷿ - علم بما الخلق عاملون، بعلمه الأزلي، علم جميع أحوالهم وأعمالهم: من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، وعلم حركاتهم، وسكناتهم، ومن منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار، قال - ﷾ -: ﴿إِنَّ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤) فبنى تقديره - ﷾ - لمقادير الخلائق على هذا العلم السابق الأزلي، وقدر مقادير الخلائق: من السعادة والشقاوة وغير ذلك بحسب الأعمال التي سبق علمه بها من خير وشر (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>المرتبة الثانية: كتابة الله - ﷿ - لجميع الأشياء والمقادير في اللوح المحفوظ: </span>الدقيقة والجليلة، ما كان وما سيكون.\nقال - ﷾ -: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٦)، وقد جمعت هذه الآية بين المرتبتين السابقتين.\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٤٤.\n(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.\n(٤) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(٥) انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب ١/ ١٦٩.\n(٦) سورة الحج، الآية: ٧٠.","vol":"3","page":1125},{"text":"وقال - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٢).\nولهذا قال رسول الله - ﷺ -: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» قال: «وكان عرشه على الماء» (٣).\nوقال عبادة بن الصامت - ﵁ - لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: ربّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» يا بني إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مات على غير هذا فليس مني» (٤)، وفي لفظ للإمام أحمد: «إن أول ما خلق الله ﵎ القلم، ثم قال اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1877>المرتبة الثالثة: مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة التي لا يعجزها شيء </span>فما شاء الله كان، وما لم يشأ لمن يكن، وما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله - ﷾ -، قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢٢.\n(٢) سورة يس، الآية: ١٢.\n(٣) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى، ٤/ ٢٠٤٤، برقم ٢٦٥٣، عن عبد الله بن عمر ﵄.\n(٤) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في القدر، ٤/ ٢٢٥، برقم ٤٧٠٠، واللفظ له، والترمذي، كتاب القدر، باب حدثنا قتيبة، ٤/ ٤٥٧، برقم ٢١٥٤، وأحمد في المسند، ٣/ ٣١٧، وصححه العلامة الألباني، في صحيح سنن أبي داود، ٣/ ٨٩٠.\n(٥) المسند، ٣/ ٣١٧.\n(٦) سورة التكوير، الآية: ٢٩.","vol":"3","page":1126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1878>المرتبة الرابعة: الخلق، فالله - ﷿ - خالق كل شيء، وما سواه مخلوق له - ﷾ </span>-، لا إله غيره ولا رب سواه.\nقال - ﷿ -: ﴿الله خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١)،ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -،ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المحسنين، والمتقين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم (٢).\nوعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يظلم مثقال ذرة، قال - ﷾ -: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣).\nفينبغي للمسلم أن يعقد قلبه على هذا الأصل معتمدًا على الأدلة من الكتاب والسنة، ولا يخوض فيما لا علم له به، ويحث الناس على النشاط والقوة، والاستعانة بالله وتفويض المقادير إلى الله - ﷿ - وأن يتركوا العجز والكسل (٤)، قال النبي - ﷺ -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٥)، ولهذه\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٦٢.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ١٤٨.\n(٣) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.\n(٤) انظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، للإمام ابن بطة، «كتاب الإيمان»، ١/ ٢١٨ - ٢٢٠، و«كتاب القدر» ١/ ٢٦٧، ٢٧٣، ٣٢٣، و٢/ ٣٠٧، وأصول السنة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي، الشهير بابن أبي زمنين، ١٩٧ - ٢٠٦.\n(٥) أخرجه مسلم،٤/ ٢٠٥٢،كتاب العلم، باب الإيمان بالقدر والإذعان له، برقم ٢٦٦٤.","vol":"3","page":1127},{"text":"العقيدة السليمة قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1879>٤ - الابتعاد والحذر كل الحذر من الاغترار بالأعمال: </span>إن من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها ويوجه الناس إلى الحذر منها: الاغترار بالأعمال؛ ولهذا عندما قتل الرجل نفسه أعظم الصحابة - ﵃ - ذلك؛ لأنهم نظروا إلى شجاعته، وقتاله العظيم، ولم يعرفوا الباطن، ولا المآل فأعلم الله الخبيرُ العليمُ النبيَّ - ﷺ - بعاقبة هذا الرجل؛ لسوء مقصده وخبث نيته (٢)،قال الإمام القرطبي - ﵀ - في فوائد هذا الحديث: «... فيه التنبيه على ترك الاعتماد على الأعمال، والتعويل على فضل ذي العزة والجلال» (٣).\nوقال الإمام النووي - ﵀ -: «فيه التحذير من الاغترار بالأعمال، وأنه ينبغي للعبد أن لا يتكل عليها، ولا يركن إليها، مخافة انقلاب الحال للقدر السابق، وكذا ينبغي للعاصي أن لا يقنط ولغيره أن لا يُقنّطه من رحمة الله» (٤)؛ولهذا قال النبي - ﷺ -: «سدّدوا وقارِبوا، وأبشِروا، فإنه لن يُدخلَ الجنةَ أحدًا عملُهُ» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدَّنيَ الله منه برحمة. واعلموا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومُه وإن قلَّ» (٥).\nوقد مدح الله الخائفين على أعمالهم الصالحة يخشون أن لا تقبل منهم، فقال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٥١.\n(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي،١/ ٣١٨.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٣١٨.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٢/ ٤٨٦.\n(٥) متفق عليه من حديث عائشة ﵂: البخاري، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، ٧/ ٢٣٣، برقم ٦٤٦٤، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله،٤/ ٢١٧١،برقم ٢٨١٨.","vol":"3","page":1128},{"text":"رَاجِعُونَ﴾ (١)، قالت عائشة ﵂ للنبي - ﷺ -: أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر [أو يا بنت الصّدّيق]، ولكنه الرجل يصوم، ويتصدق، ويصلي، ويخاف أن لا يتقبل منه» (٢).\nفينبغي للمسلم أن يعلم أن الاعتماد على الله - ﷿ - في كل شيء، والطمع في رحمته مع إحسان العمل وإخلاصه لله - ﷿ - وعدم الغرور والإعجاب بالأعمال. والله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1880>٥ - الجمع بين الخوف والرجاء:</span>\nيظهر من الحديث السابق أنه ينبغي للمسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء؛ لأن الإنسان لا يدري هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، وقد ذكر ابن حجر - ﵀ - عن ابن بطال - ﵀ - أنه قال: «في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، وتدبير لطيف؛ لأنه لو علم وكان ناجيًا أُعجب وكسل، وإن كان هالكًا ازداد عتوًّا، فحُجِب عنه ذلك؛ ليكون بين الخوف والرجاء» (٣).\nفالأمن من مكر الله - ﷿ - ينافي كمال التوحيد؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إذا رأيت الله يعطي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحبُّ فإنما هو استدراج» (٥).ثم تلا رسول الله - ﷺ -:\n﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا\n_________\n(١) سورة المؤمنون، الآية: ٦٠.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوقي في العمل،٢/ ١٤٠٤،برقم ٤١٩٨،والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب «ومن سورة المؤمنون»،٥/ ٣٢٧،برقم ٣١٧٥،وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٢،وفي صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٤٠٩،وصحيح سنن الترمذي، ٣/ ٨٠.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٣٠.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٩٩.\n(٥) أحمد في مسنده، ٤/ ١٤٥، وفي الزهد، ص٢٧ برقم ٦٢، وابن جرير في تفسيره، ١١/ ٣٦١، برقم ١٣٤٠، و١٣٢٤١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٤١٤، وفي تحقيقه لمشكاة المصابيح، ٣/ ١٤٣٦، قال: «إسناده جيد».","vol":"3","page":1129},{"text":"أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (١).\nوالقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله ينافي كمال التوحيد أيضًا؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الكافرون﴾ (٣).\nوالقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم (٤).\nوعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الكبائر؟ فقال:\n«الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله» (٥).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» (٦).\nومعنى الأمن من مكر الله: أي أمن الاستدراج بما أنعم الله به على عباده من صحة الأبدان، ورخاء العيش، وهم على معاصيهم (٧).\nواليأس من روح الله: أي قطع الرجاء من رحمة الله ومن تفريجه للكربات (٨).\nوالقنوط من رحمة الله: هو أشدُّ اليأس (٩).\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٤٤.\n(٢) سورة الحجر، الآية: ٥٦.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ٨٧.\n(٤) انظر: فتح المجيد، لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ٢/ ٥٩٨.\n(٥) أخرجه البزار في مسنده، ١/ ١٠٦، برقم ٥٥، [مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،١/ ١٠٤: رواه البزار، والطبراني ورجاله موثوقون.\n(٦) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، ١٠/ ٤٥٩، برقم ١٩٧٠١، والطبراني في المعجم الكبير،\n٩/ ١٥٦، برقم ٨٧٨٣، ٨٧٨٤، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ١٠٤: إسناده حسن.\n(٧) انظر: تفسير الطبري [جامع البيان عن تأويل آي القرآن]، ١٢/ ٥٧٩، وانظر: ١٢/ ٩٥ - ٩٧.\n(٨) انظر: المرجع السابق، ١٦/ ٢٣٣.\n(٩) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، باب القاف مع النون، مادة: «قنط»، ٤/ ١١٣.","vol":"3","page":1130},{"text":"وهذا فيه التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس بل يرجو رحمة الله (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دخل على شاب وهو في الموت فقال: «كيف تجدك؟» قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف» (٢).\nفينبغي للمسلم أن يكون بين الرجاء والخوف، وقد ذكر بعض علماء نجد أنه يغلّب في الصحة جانب الخوف؛ لأنه إذا غلَّب الرجاء على الخوف فسد القلب، أما في حالة المرض فيغلّب الرجاء، لكن مع الجمع بين الرجاء والخوف في جميع الأحوال (٣).\nولابد أن يكون الرجاء والخوف مع المحبة الكاملة؛ قال الحافظ ابن رجب - ﵀ -: «وكان بعض السلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حَروريٌّ، ومن عبده بالحب وحده فهو زِنديقٌ، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحّد مؤمن، وسبب هذا أنه يجب على المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء، ولابد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان» (٤)، وكلام بعض الحكماء يدل على أن\n_________\n(١) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، للعلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ٢/ ٦٠١.\n(٢) الترمذي، كتاب الجنائز: باب حدثنا عبد الله بن أبي زياد، ٣/ ٣٠٢، برقم ٩٨٣، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، ٢/ ١٤٢٣ برقم ٤٢٦١، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٠٥١.\n(٣) انظر: فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد، لعبد الرحمن بن حسن، ٢/ ٦٠٢، وتيسير العزيز الحميد، لسليمان بن محمد بن عبد الله بن عبد الوهاب، ص٥١١.\n(٤) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، للحافظ أبي الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمدبن رجب، ص٢٥.","vol":"3","page":1131},{"text":"الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء (١).\nوأسأل الله - ﷿ - أن يرزقني وجميع المسلمين خشيته في السر والعلانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1881>٦ - يَرضى بقدر الله وقضائه - ﷾ </span>-: لاشك أن الرضا بالقضاء الذي هو وصف الله - ﷿ - واجب: كعلمه، وكتابته، ومشيئته، وخلقه؛ فإن الرضى بذلك من تمام الرضا بالله ربًّا، ومالكًا، ومدبرًا، وإلهًا؛ لأنه كله خير، وعدل، وحكمة يجب الرضى به كله (٢).\nوأما القضاء الذي هو المقضي فهو نوعان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1882>النوع الأول: ديني شرعي يجب الرضا به</span>، وهو من لوازم الإسلام،\nكقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٣).\nوكقوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1883>النوع الثاني: الكوني القدري</span>، فهذا النوع على ثلاثة أقسام:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1884>القسم الأول: يجب الرضا به: </span>كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1885>القسم الثاني: لا يجوز الرضا به: </span>كالمعائب، والذنوب التي يسخطها الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1886>القسم الثالث: ما يستحب الرضا به على الصحيح ولا يجب: </span>كالمصائب، من مرض، أو فقر، أو حصول مكروه، أو فقد محبوب، أو نحو ذلك؛ فيجب الصبر على ذلك، أما الرضا الذي هو مع ذلك طمأنينة القلب وسكونه، وتسليمه عند المصيبة، وأن لا يكون فيه تمني أنها ما كانت فهذه لا يجب على الصحيح بل يستحب؛ لأن فيه صعوبة\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق، ص٢٥.\n(٢) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦١ - ٧٦٣، وانظر: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، لعبد العزيز السلمان، ص٢٨١.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.\n(٤) سورة النساء، الآية: ٦٥.","vol":"3","page":1132},{"text":"جدًا على النفوس عند أكثر الخلق؛ فلهذا لم يوجبه الله ولا رسوله وإنما هو من الدرجات العالية، وهو مأمور به استحبابًا (١).\nوهذا كله في الرضا بالقضاء الذي هو المقضي، وأما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله: كعلمه، وكتابته، وتقديره، ومشيئته، وخلقه، فالرضا به من تمام الرضا به ربًّا، وإلهًا، ومالكًا، ومدبرًا، فبهذا التفصيل يتبين الصواب، ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس (٢) (٣).\nقال شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز -﵀-: «عند المصيبة ثلاثة أمور: الصبر وهو واجب، والرضى سنة، والشكر أفضل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1887>٧ - لا يُنسب الشرُّ إلى الله - ﷿ </span>-؛ لقول النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل: «وجهت وجي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا\n_________\n(١) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣، وانظر: الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية للسلمان، ص٢٨١، والدرر البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية، شرح الشيخ عبد الرحمن السعدي، ص٥١ - ٥٣، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٩، والاستقامة له، ٢/ ٧٣ - ٧٦، وشرح الطحاوية، ص٢٥٨، والإيمان بالقضاء والقدر للشيخ إبراهيم الحمد، ص١١٥ - ١١٧، وشرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤٣، والمنتقى من فرائد الفوائد له، ص١٠٩.\n(٢) شفاء العليل، لابن القيم، ٢/ ٧٦٢ - ٧٦٣.\n(٣) قال العلامة ابن عثيمين - ﵀ -: «الرضى بالقضاء الذي هو وصف الله وفعله واجب مطلقًا؛ لأنه من تمام الرضا بالله ربًّا.\nوأما القضاء الذي هو المقضي فالرضا به مُختلفٌ: فإن كان المقضي دينيًّا وجب الرضا به مطلقًا.\nوإن كان كونيًّا فإما أن يكونه نعمًا أو نقمًا أو طاعات، أو معاصي: فالنعم يجب الرضا بها؛ لأنه من تمام شكرها، وشكرها واجب.\nوأما النقم: كالفقر والمرض، ونحوهما، فالرضا بها مستحب عند الجمهور وقيل: بوجوبه.\nأما الطاعات فالرضا بها طاعة واجبة إن كانت الطاعة واجبة ومستحبة إن كانت مستحبة.\nوأما المعاصي فالرضى بها معصية، والمكروهات الرضا بها مكروه، والمباحات مباح والله أعلم، المنتقى من فرائد الفوائد، ص١٠٩.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤١٣.","vol":"3","page":1133},{"text":"من المشركين، إن صلاتي ونسكي، ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» (١).\nفقوله - ﷺ -: «والشر ليس إليك» يبين أن الله - ﷿ - منزه عن الشر، وكل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا، لانقطاع نسبته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرًّا.\nوهو - ﷾ - خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله. وخلقه وفعله، وقضاؤه خير كله، فالقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه؛ لأنه علم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه وذلك خير محض وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنما الشر يدخل في بعض مخلوقاته فالشر في المقضي لا في القضاء (٢).\nفالإيمان بالقدر خيره وشره يراد به المقدور خيره وشره.\nوقد يكون المقدور خيرًا بالنسبة إلى محل، وشرًّا بالنسبة إلى محل آخر، وإن لم يعلم جهة الخير فيها كثير من الناس، مثال ذلك القصاص؛ وإقامة الحدود؛ فإن ذلك شر بالنسبة إليهم لا من كل وجه بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر، وكذلك\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعائه بالليل، برقم ٧٧١.\n(٢) انظر: شفاء العليل، لابن القيم،٢/ ٥٠٩ - ٥٣٦،والإيمان بالقضاء والقدر، لمحمد بن إبراهيم الحمد، ص١٠٥ - ١٠٨.","vol":"3","page":1134},{"text":"الأمراض وإن كانت شرورًا من وجه فهي خير من وجوهٍ عديدة (١).\nوالحاصل أن الشر لا ينسب إلى الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1888>٨ - يحمد الله على كل حال</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات» وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» (٢).\nولحديث ابن عباس ﵄ قال: جاء النبي - ﷺ - إلى بعض بناته وهي في السَّوْق (٣)، فأخذها ووضعها في حجره حتى قُبضت فدمعت عيناه فبكت أمُّ أيمن، فقيل لها: أتبكين عند رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: ألا أبكي ورسول الله - ﷺ - يبكي؟ قال: «إني لم أبكِ، وهذه رحمة، إن المؤمن تخرج نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله - ﷿ -» وفي لفظ: فصاحت أم أيمن، فقيل: أتبكين عند رسول الله - ﷺ -؟ قالت: ألست أراكَ تبكي يا رسول الله؟ قال: «لست أبكي، إنما هي رحمة، إن المؤمن بكل خير على كل حال، إن نفسه تخرج من بين جنبيه وهو يحمد الله - ﷿ -» (٤).\n_________\n(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين، ص٥٤٢، ومنهاج السنة لابن تيمية،\n٣/ ١٤٢ - ١٤٤، والتفسير القيم لابن القيم، ص٥٥٠ - ٥٥٦، ومدارج السالكين، ١/ ٤٠٩ - ٤١٢، وبدائع الفوائد، ٢/ ٢١٤ - ٢١٥، وطريق الهجرتين، ص١٧٢ - ١٨١، والروضة الندية لابن فياض، ص٣٥٤ - ٣٦٠، ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشيخ العلامة محمد أمين الشنقيطي، ص٢٨٦ - ٢٨٧، والحكمة والتعليل في أفعال الله. د. محمد بن ربيع المدخلي، ص١٩٩ - ٢٠٤، وفتاوى ابن تيمية، ١٤/ ٢٤٥ - ٤٢٥.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الأدب، باب فضل الحامدين، برقم ٣٨٠٣، والحاكم، ١/ ٤٩٩، وصححه، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٦٥، وحسنه في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٢٤٥.\n(٣) السَّوْق: أي النزع كأن روحه تساق لتخرج من بدنه، ويقال: السياق. النهاية لابن الأثير،٢/ ٤٢٤.\n(٤) أخرجه أحمد في المسند، ٤/ ٢٣٤، برقم ٢٤١٢، و٤/ ٢٧٩، برقم ٢٤٧٥، ورقم ٢٧٠٤، وقال المحققون لمسند أحمد في الموضعين: «إسناده حسن» وأخرجه الترمذي في الشمائل، برقم ٣١٨، وابن أبي شيبة، ٣/ ٣٩٤، وعبد الله بن حميد، برقم ٥٩٣، والبزار، برقم ٨٠٨، والنسائي، ٤/ ١٢، ويشهد لقوله: «هذه رحمة» ما عند البخاري، برقم ١٢٨٤، ومسلم، برقم ٩٢٣ من حديث أسامة بن زيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ -. وقال الألباني عن حديث ابن عباس في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٦٣٢: «وهذا إسناد صحيح».","vol":"3","page":1135},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يقول الله - ﷿ -:إن عبدي المؤمن عندي بمنزلة كل خير (١) يحمدني، وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1889>٩ - يحسن الظن بالله تعالى</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله - ﷿ -» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي ...» (٤).\nوفي رواية لابن حبان: «إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله» (٥).\nقال الإمام النووي - ﵀ -: قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث على الرجاء عند الخاتمة، ومعنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفًا راجيًا، ويكون سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو مّحضه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك، أو معظمه في هذا الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له» (٦).\nويؤيد ذلك حديث جابر الآخر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يبعث كل عبدٍ\n_________\n(١) «بمنزلة كل خير» قال السندي: أي في منزلة يستحق فيها كل خير، نقلًا عن حواشي مسند الإمام أحمد المحقق، ١٤/ ٣٤٦.\n(٢) أحمد في المسند، ١٤/ ١٩٠، برقم ٨٤٩٢، و١٤/ ٣٤٥، برقم ٨٧٣١، وقال محققو المسند: «إسناده جيد»، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان، برقم ٤٤١٤، والبزار برقم ٧٨١، قال العلامة الألباني ﵀ في سلسلة الأحاديث الصحيحة،٤/ ١٧٢: «وقال الهيثمي: إسناده حسن. وهو كما قال».\n(٣) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، برقم ٢٨٧٧.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ برقم ٧٤٠٥، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم ٢٦٧٥.\n(٥) ابن حبان «موارد» وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، برقم ١٦٦٣.\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٢١٤ - ٢١٥.","vol":"3","page":1136},{"text":"على ما مات عليه» (١).\nقال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: «معناه يبعث على الحالة التي مات عليها» (٢).\nوعن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من مات على شيء بعثه الله عليه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1890>١٠ - يطهّر ثيابه ويختار أجملها</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه لما حضره الموت، دعا بثياب جُدد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها» (٤). وقيل: الثياب المراد بها هنا: الأعمال (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1891>١١ - لا يتمنى الموت لضرٍّ نزل به</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنينَّ أحدُكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابدَّ متمنيًا للموت، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (٦).\nوعن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب نعوده وقد اكتوى سبع كيَّات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي - ﷺ - نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطًا له فقال:\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، برقم ٢٨٧٨.\n(٢) شرح الإمام النووي على صحيح مسلم، ١٧/ ٢١٥.\n(٣) أحمد، ٣/ ٣١٤، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٨٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من تطهير ثياب الميت عند الموت، برقم ٣١١٤، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٨.\n(٥) انظر: الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص١٣٢.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة، برقم ٦٣٥١، وكتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧١، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨٠.","vol":"3","page":1137},{"text":"«إن المسلم ليؤجر في كل شيء إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لن يُدْخِلَ أحدًا عَمَلُهُ الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضلٍ ورحمة» [وفي لفظ: إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ] [وفي لفظ: «إلا أن يتغمدني الله بمغفرة منه ورحمة]، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعلّه أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب» (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنينَّ أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» (٣).\nوعن أم الفضل ﵂: أن رسول الله - ﷺ - دخل عليهم، وعباس عم رسول الله - ﷺ - يشتكي فتمنى عباس الموت، فقال له رسول الله - ﷺ -: «يا عمّ! لا تتمنَّ الموت، فإنك إن كنت محسنًا فأن تؤخَّر تزدد إحسانًا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئًا فأن تؤخر فتستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنى الموت» (٤).\nوفي حديث عمار - ﵁ - يرفعه وفيه: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي ...» (٥).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٣، ومسلم، كتاب صفات المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، برقم ٢٨١٦، واللفظ للبخاري إلا ما بين المعقوفات فلمسلم.\n(٣) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨٢.\n(٤) أحمد، ٦/ ٣٣٩، وأبو يعلى، برقم ٧٠٧٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٣٩، والبيهقي، ٣/ ٣٧٧، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٢.\n(٥) النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر، برقم ١٣٠٤، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٨٠، ٢٨١.","vol":"3","page":1138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1892>١٢ - لا بأس أن يتداوى المريض</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لكل داءٍ دواءٌ فإذا أُصيب دواءُ الداء برأ بإذن الله تعالى» (١).\nولحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً» (٢).\nولحديث أسامة بن شريك، قال: قالت الأعراب يا رسول الله: ألا نتداوى؟ قال: «نعم يا عباد الله تداووا؛ فإن الله - ﷿ - لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ» قالوا: يا رسول الله! وما هو؟ قال: «الهرم»، وفي لفظ لأحمد: «تداووا عباد الله؛ فإن الله - ﷿ - لم ينزل داء إلا أنزل معه شفاء إلا الموت والهرم». وفي لفظ لأحمد أيضًا: «تداووا؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، عَلِمَه من عَلِمَه، وجَهِلَهُ من جهله».وفي لفظ لابن ماجه قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي العبد؟ قال: «خلق حسن» (٣).\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - يرفعه: «ما أنزل داءً إلا قد أنزل له شفاء، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ، وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ» (٤).\nولا شك أن الأدوية من قدر الله تعالى (٥)، وقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمر حينما لم يدخل بالجيش الشام بسبب وجود الطاعون بها:\n_________\n(١) مسلم، كتاب السلام، باب لكل داء دواء واستحباب التداوي، برقم ٢٢٠٤.\n(٢) البخاري، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٥٦٧٨.\n(٣) أحمد، ٤/ ٢٧٨، والترمذي، كتاب الطب عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في الدواء والحث عليه، برقم ٢٠٣٨، وأبو داود، كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى، برقم ٣٨٥٥، وابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، وغيره، ٢/ ٤٦١.\n(٤) أحمد، برقم ٣٥٧٨، ٣٩٢٢، ٤٢٣٦، ٤٢٦٧، ٤٣٣٤، وقال أحمد شاكر في شرحه للمسند،\n٥/ ٢٠٠: «إسناده صحيح».\nوأخرجه ابن ماجه، كتاب الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، برقم ٣٤٣٨.\n(٥) انظر: مسند الإمام أحمد، برقم ١٥٤٧٢، ١٥٤٧٣، ١٥٤٧٤، وزاد المعاد ٤/ ١٤.","vol":"3","page":1139},{"text":"«أفرارًا من قدر الله؟» فقال عمر - ﵁ -: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة - وكان عمر يكره خلافه، نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله ...» (١).\nقال الإمام ابن القيم - ﵀ -: «فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن\nيكون قوله - ﷺ -: «لكل داء دواء» على عمومه حتى يتناول الأدواء\nالقاتلة، والأدواء التي لا يمكن الطبيب أن يبرئها، ويكون الله - ﷿ - قد\nجعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلًا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، وهذا أحسن المحملين في الحديث ...» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول: «هذه الأحاديث تدل على شرعية التداوي بالطرق المباحة، وهو خير من ترك الدواء؛ لأن الدواء يعينه على الطاعة، والمرض قد يعوقه عن الطاعات» (٣)، وقال ﵀: «الله قدر الداء وقدَّر الدواء، فكلٌّ من قدر الله» (٤)، وسمعته أيضًا يقول: «ترك الأسباب عجز، والتوكل هو الاعتماد على الله والعمل بالأسباب» (٥)، وقال: «وتعطيل الأسباب فيه فساد الدين والدنيا، أما حديث السبعين [ألف] الذين يدخلون الجنة بغير حساب فهو من باب الأفضلية، وإذا احتاج إلى الاسترقاء، أو الكي فلا حرج» (٦).\nوكنت أسمعه يرجح أن التداوي يكون مستحبًّا فقط، ولا يكون واجبًا\n_________\n(١) متفق عليه في قصة طويلة: البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، برقم ٥٧٢٩،ومسلم، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، برقم ٢٢١٩.\n(٢) زاد المعاد، ٤/ ١٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٣.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٤.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٥.\n(٦) سمعته أثناء تقريره على زاد المعاد، ٤/ ١٦.","vol":"3","page":1140},{"text":"على الصحيح.\nوذكر العلامة ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - خلاف العلماء:\nالقول الأول: منهم من قال: يجب التداوي.\nالقول الثاني: منهم من قال: يستحب ولا يجب.\nالقول الثالث: منهم من قال: ترك التداوي أفضل، ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان.\nالقول الرابع: قال بعض العلماء: إذا كان الدواء مما عُلِمَ أو غَلَبَ على الظن نفعه بحسب التجارب فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل.\nقال: والصحيح أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: السرطان الموضعي، والسرطان الموضعي بإذن الله إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان، فإنه ينجو منه، لكن إذا انتشر في البدن، وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواء معلوم النفع؛ لأنه موضعي يقطع ويزول، وقد خرق الخضر السفينة، لإنجاء جميعها، فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك واجبًا، وعلى ذلك فالأقرب أن يقال ما يلي:\nأ - أن ما عُلِمَ أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب.\nب - أن ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق بتركه فهو أفضل؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك؛ ولأنه من الأسباب النافعة، والإنسان ينتفع بوقته ولاسيما المؤمن المغتنم للأوقات كل ساعة تمر عليه تنفعه؛ ولأن المريض يكون ضيق النفس لا يقوم بما ينبغي من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره، وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذًا مرادًا لغيره فيُسنُّ.","vol":"3","page":1141},{"text":"ج - أن ما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل؛ لئلا يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1893>١٣ - يرقي نفسه</span>؛ لحديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ - أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: «ضع يدك على الذي تألَّم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» (٢).\nوعن عائشة ﵂ «أن النبي - ﷺ - كان ينفث على نفسه في مرضه الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثَقُلَ كنت أنا أنفث عليه بهنَّ وأمسح بيد نفسه لبركتها» قال الراوي: فسألت ابن شهاب الزهري: كيف كان ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه، ولفظ مسلم: «أن النبي - ﷺ - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1894>١٤ - يؤدّي الحقوق لأصحابها إن تيسر له ذلك</span>، وإلا كتبها، وأوصى بها واستعجل بذلك؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره، ومن مات وعليه دين فليس ثم دينار ولا درهم ولكنها الحسنات والسيئات، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه حُبِسَ في ردغة الخبال (٤)\n_________\n(١) الشرح الممتع، لابن عثيمين، ٤/ ٢٩٩ - ٣٠٢، ببعض التصرف.\n(٢) مسلم، كتاب السلام، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، برقم ٢٢٠٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات، برقم ٥٧٣٥، وباب المرأة ترقي الرجل، برقم ٥٧٥١، ومسلم، كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات، برقم ٢١٩٢.\n(٤) ردغة الخبال: الردغة بسكون الدال وفتحها: طين ووحل كثير، وتجمع على ردغ ورداغ. والخبال: عصارة أهل النار، والخبال في الأصل: الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول. النهاية في غريب الحديث لابن الأثي، ر ٢/ ٨، و٢/ ٢١٥.","vol":"3","page":1142},{"text":"حتى يأتي بالمخرج مما قال» (١).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما حضر أحدٌ دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإن عليَّ دينًا فاقضِ واستوصِ بأخواتك خيرًا، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبرٍ ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذ هو كيوم وضعته هنيّةً غير أذنه [فجعلته في قبر على حدة] (٢).\nويستعجل في مثل هذه الوصية الواجبة في الحقوق التي تلزمه: كالحج إن لم يحج، والدَّين، والنذر، والكفَّارات، والودائع وغير ذلك؛ فإنه يلزمه أن يوصي بهذه الحقوق (٣)؛ لقوله - ﷺ -: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت لليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٤).\nوالمعنى ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه؛ لأنه لا يدري متى تأتيه المنية فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك (٥)؛ ولهذا قال ابن عمر ﵄: «ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - قال ذلك إلا وعندي وصيتي» (٦).\n_________\n(١) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي،١/ ٢٧،وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٣.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة، برقم ١٣٥١، وما بين المعقوفين من الطرف رقم ١٣٥٢.\n(٣) انظر: الاستذكار لابن عبد البر، ٢٣/ ٧، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٨٤، وفتح الباري، لابن حجر، ٥/ ٣٩٥، وشرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، ٧/ ٧٤، وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٤/ ٦١: «وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة».\n(٤) مسلم، كتاب الوصية، برقم ١٦٢٧.\n(٥) انظر: فقه الدعوة في صحيح البخاري، للمؤلف، ١/ ٥٠.\n(٦) مسلم، برقم ٤ - (١٦٢٧).","vol":"3","page":1143},{"text":"قال العلامة عبد الرحمن القاسم: «والمعنى: لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة عنده، وذكر الليلتين تأكيد لا تحديد، فلا ينبغي أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة عنده؛ لأنه لا يدري متى يدركه الموت» (١).\nفيجب على المسلم المريض وغيره أن يحذر الظلم؛ ولهذا قال عمر - ﵁ - مولاه: «واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مستجابة» (٢). وقد حذر الله - ﷿ - من الظلم فقال: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مّن قَبْلُ مَا لَكُم مّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ (٣).\nوقال - ﷿ -: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٤).\nوقال - ﷿ -: ﴿وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).\nوقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).\n_________\n(١) حاشية الروض المربع، ٢/ ١٥.\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم، برقم ٣٠٥٩.\n(٣) سورة إبراهيم، الآيات: ٤٢ - ٤٥.\n(٤) سورة غافر، الآية: ٥٢.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٤٠.\n(٦) سورة لقمان، الآية: ١٣.","vol":"3","page":1144},{"text":"وعن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ...» (١).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» (٢).\nوقد ثبت عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (٤).\nوالظالم يؤدي ما عليه من حقوق الخلق حتى البهائم يقتصُّ بعضها من بعض؛ ولهذا قال النبي - ﷺ -: «لتؤدَّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٤، برقم ٢٥٧٧.\n(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٧٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ٣/ ١٣٤، برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٦، برقم ٢٥٨٠.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨١.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨٢، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"3","page":1145},{"text":"والظلم للعباد يوجب النار وإن كان يسيرًا، فعن أبي أمامة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من اقتطع حق امرئٍ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة» فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراك» (١).\nوالله - ﷿ - وإن أمهل الظالم وذهبت الأيام والشهور، فإنه لا يغفل عنه ولا ينساه؛ ولهذا ثبت من حديث أبي موسى - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله - ﷿ - يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته» (٢)، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٣).\nوقد أمر النبي - ﷺ - بنصر المظلوم، فقال: «... ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالمًا فلينهه فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا لينصره» (٤).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (٥).\nوينبغي لكل مسلم أن يتحلل من كانت له عنده مظلمة قبل أن يكون الوفاء من الحسنات؛ قال النبي - ﷺ -: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار،١/ ١٢٢،برقم ١٣٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة هود، باب قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، ٥/ ١٩٩٧، برقم ٢٥٨٣.\n(٣) سورة هود، الآية: ١٠٢.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، ٤/ ١٩٩٨، برقم ٢٥٨٤.\n(٥) البخاري، كتاب المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، ٣/ ١٣٥، برقم ٢٤٤٥.","vol":"3","page":1146},{"text":"من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه» (١).\nوقد يكون الظلم للرعية أو الأهل والذرية فيستحق الظالم العقاب على ذلك، قال الرسول - ﷺ -: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (٢).\nوقد حذر النبي - ﷺ - من دعوة المظلوم، قال - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ -: «... واتق دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» (٣).\nومن أمثلة ذلك قصة سعيد بن زيد مع أروى بنت أويس؛ فإنها ادَّعتْ عليه أنه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم فقال: «أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ قال: وما سمعت من رسول الله - ﷺ -؟ قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوّقه إلى سبع أرضين (٤) يوم القيامة» فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها [وفي رواية: واجعل قبرها في دارها]، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار [وفي رواية: تمشي في أرضها] مرت على بئر في\n_________\n(١) البخاري، كتاب المظالم، باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له هل يبين مظلمته؟\n٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٩، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه: من حديث معقل بن يسار: البخاري، كتاب الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح، ٨/ ١٣٦، برقم ٧١٥١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، ١/ ١٢٥، برقم ١٤٢، واللفظ له.\n(٣) متفق عليه: من حديث ابن عباس ﵄: البخاري، كتاب المظالم، باب الاتقاء والحذر من دعوة المظلوم، ٣/ ١٣٦، برقم ٢٤٤٨، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، ١/ ٥٠، برقم ١٩.\n(٤) طوقه إلى سبع أرضين: يحتمل أن يكون معناه: يحمل مثله من سبع أرضين ويكلف إطاقة ذلك، ويحتمل أن يكون يجعل له كالطوق في عنقه ويطول الله عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه، وقيل معناه: أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق في عنقه. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ١١/ ٥٣.","vol":"3","page":1147},{"text":"الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها» (١).\nومن صور استجابة دعوة المظلوم على من ظلمه، قصة سعد بن أبي وقاص - ﵁ - فعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: «شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر - ﵁ - فعزله واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يُحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - ما أخرِمُ عنها، أصلي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلًا أو رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا حتى دخل مسجدًا لبني عبس فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يُكنى أبا سعدة، قال: أما إذا نشدتنا فإن سعدًا كان لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن (٢).\nوالأحاديث تؤكد على أن دعوة المظلوم مستجابة حتى ولو كان فاجرًا فاسقا، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «دعوة المظلوم\n_________\n(١) أصل الحديث متفق عليه عن سعيد بين زيد - ﵁ -: البخاري، كتاب المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، ٣/ ١٣٧، برقم ٢٤٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، ٣/ ١٢٣٠، برقم ١٦١٠، واللفظ لمسلم مع سبب ورود الحديث.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، وما يجهر فيه وما يخافت، ١/ ٢٠٦، برقم ٧٥٥، واللفظ والقصة له، ومسلم بنحوه، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، ١/ ٣٣٤، برقم ٤٥٣.","vol":"3","page":1148},{"text":"مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه» (١).\nوقد ذكر الإمام ابن عبر البر - ﵀ - آثارًا كثيرة عن السلف الصالح يحذرون فيها من الظلم ويبينون فيها استجابة دعوة المظلوم، ثم قال - ﵀ -: ولقد أحسن القائل:\nنامت جفونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم (٢)\n\nوالظلم في الحقيقة: وضع الأشياء في غير مواضعها (٣)، وهو على قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1895>القسم الأول: ظلم النفس، وهو نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1896>النوع الأول: ظلم النفس بالشرك الذي لا يغفره الله </span>إذا مات العبد عليه قبل التوبة منه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1897>النوع الثاني: ظلمها بالمعاصي </span>التي يكون صاحبها تحت المشيئة إذا لم يتب منها، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه بقدر معصيته ثم يخرجه من النار ويدخله الجنة، بعد التطهير من إثم المعصية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1898>القسم الثاني: ظلم العبد لغيره من الخلق </span>وهذا لا يترك الله منه شيئًا بل يعطي المظلوم حقه من الظالم ما لم يستحلّه في الدنيا (٤).\nوالله - ﷿ - إذا عاقب الظالمين على ظلمهم لم يظلمهم؛ ولهذا قال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا وَلَكِنَّ الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥).\nقال - ﷿ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٢/ ٣٦٧، وابن أبي شيبة في المصنف، ١٠/ ٢٧٥، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٣٦٠: «وإسناده حسن»، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ٢/ ٤٠٧،برقم ٧٦٧.\n(٢) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار، ٢٧/ ٤٣٨.\n(٣) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب، ٢/ ٣٥.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٢/ ٣٦.\n(٥) سورة يونس، الآية: ٤٤.","vol":"3","page":1149},{"text":"مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).\nوقال - ﷾ -: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لّلْعَبِيدِ﴾ (٢).\nوقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلاَ هَضْمًا﴾ (٣).\nأسأل الله العافية لي ولجميع المسلمين في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1899>١٥ - يشرع له أن يوصي بالثلث فأقل لغير وارث</span>، ويشهد على ذلك؛ ولاشك أن الصدقة في حال الصحة أعظم أجرًا؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصدَّقَ وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (٤).\nوعن أبي حبيبة الطائي قال: أوصى إليَّ أخي بطائفة من ماله، فلقيت أبا الدرداء فقلت: إن أخي أوصى إلي بطائفة من ماله فأين ترى لي وضعه: في الفقراء، أو في المساكين، أو المجاهدين في سبيل الله؟ فقال: أما أنا فلو كنت لم أعدل بالمجاهدين، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع»، ولفظ النسائي: «مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع» (٥).\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة فصلت، الآية: ٤٦.\n(٣) سورة طه، الآية: ١١٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح الصحيح، برقم ١٤١٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم ١٠٣٢.\n(٥) الترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، برقم ٢١٢٣، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، برقم ٣٦٤٤، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، قال عبد القادر الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ١١/ ٦٢٨: «وهو كما قال»، أي كما قال الترمذي، وقال: «ورواه أحمد والدارمي وغيرهما»، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ص٢٠٦ وفي ضعيف سنن النسائي، ص١١٥.","vol":"3","page":1150},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» (١).\nولا يزيد في الوصية على الثلث؛ لحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: عادني رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، قلت: يا رسول الله بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلث مالي؟ قال: «لا»، قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لا»، ثم قال: «الثلث والثلث كبير»، أو كثير «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس، وإنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك» (٢). قال: قلت: يا رسول الله أُخلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تُخلَّف فتعمل عملًا صالحًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ثم لعلك تخلّف حتى ينتفع بك أقوام ويضرُّ بك آخرون ...» وفي لفظ لمسلم: «عادني النبي - ﷺ - فقلت: أوصي بمالي كله؟ فقال: «لا»، قلت: فالنصف؟ فقال: «لا»، قلت: أبالثلث؟ فقال: «نعم، والثلث كثير».\nوالأفضل أن يوصي بأقل من الثلث والثلث جائز؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: لو غضَّ الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: «الثلث\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٠٩،وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،\n٢/ ٣٦٥،وفي إرواء الغليل، برقم ١٦٤١،وذكر له شواهد كثيرة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، برقم ١٢٩٥، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨.","vol":"3","page":1151},{"text":"والثلث كثير» (١).\nولا وصية لوارث؛ لحديث أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» (٢).\nأما الوصية للوالدين والأقربين الذين يرثون الموصي فهي منسوخة بآية الميراث، فعن ابن عباس ﵄: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ﴾ فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث» (٣).\nقال العلامة السعدي - ﵀ -: «واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة ردَّها الله تعالى إلى العرف الجاري، ثم أن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد أن كان مجملًا، وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما، ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء، وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين؛ لأن\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٤٣، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٩.\n(٢) الترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، برقم ٢١٢٠، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم ٢٧١٣، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم ٢٨٧٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٧: «حسن صحيح». وأخرجه النسائي في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث، من حديث عمرو بن خارجة، برقم ٣٦٤٣، ٣٦٤٤، ٣٦٤٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٤.\n(٣) أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في نسخ الوصية للوالدين والأقربين، برقم ٢٨٦٩، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٧: «حسن صحيح».","vol":"3","page":1152},{"text":"كلًاّ من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظًا واختلف المورد، فبهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات، فإن أمكن الجمع كان أحسن من ادّعاء النسخ الذي لم يدلَّ عليه دليل صحيح» (١).\nويشهد على وصيته رجلان عدلان من المسلمين، فإن لم يوجدا فرجلان من غير المسلمين، على أن يستوثق منهما عند الشك بشهادتهما حسبما جاء بيانه في قول الله ﵎: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِالله إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِالله لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا الله وَاسْمَعُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1900>١٦ - يحرم عليه الإضرار في الوصية</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ضرر ولا ضرار، من ضارَّ ضارَّه الله، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه» (٤).\n«والإضرار في الوصية من الكبائر» (٥)،قال الإمام الشوكاني: «ثبت عن ابن\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٦٨.\n(٢) سورة المائدة، الآيات: ١٠٦ - ١٠٨.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٢.\n(٤) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ٥٧ - ٥٨، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦، وانظر: إرواء الغليل، رقم ٨٩٦.\n(٥) قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٤/ ٦١: «رواه سعيد بن منصور موقوفًا ورواه النسائي مرفوعًا، ورجاله ثقات».","vol":"3","page":1153},{"text":"عباس ﵄ (١) وقد جاء الوعيد لمن ضارّ في الوصية (٢)،قال ابن الأثير - رحمه الله تعالى -: «المضارّة: إيصال الضرر إلى شخص، ومعنى المضارة في الوصية: أن لا يمضيها، أو ينقص منها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك» (٣).\nومن الإضرار بالوصية: الوصية بالمال كله؛ لحديث عمران بن حصين ﵄ أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ -، فجزأهم أثلاثًا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين» (٤).\nوفي لفظ: «فقال له قولًا شديدًا» (٥).\nوفي لفظ لأحمد: «أن رجلًا أعتق عند موته ستة رَجْلَةٍ (٦) فجاء ورثته من الأعراب فأخبروا رسول الله - ﷺ - بما صنع، قال: «أوفعل ذلك؟» قال: «لو علمنا إن شاء الله ما صلينا عليه» قال: فأقرع بينهم فأعتق منهم اثنين (٧).\nوعن أبي زيد الأنصاري «أن رجلًا أعتق ستة أعبدٍ عند موته ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم رسول الله - ﷺ -، فأعتق اثنين وأرق أربعة» (٨).\n_________\n(١) المرجع السابق، ٤/ ٦١.\n(٢) رُوي مرفوعًا عن أبي هريرة وفيه شهر بن حوشب: «إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [حتى بلغ] ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أبو داود في الوصايا، برقم ٢٨٦٧، والترمذي، برقم ٢١١٨، وابن ماجه، برقم ٢٧٠٤ وأحمد، برقم ٧٧٤٢ ولكن فيه: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة»، ولكن الحديث ضعفه الألباني وغيره، وقد حسنه الترمذي، وقال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول،١١/ ٦٢٦: «ولكن له شاهد بمعناه من حديث ابن عباس «الإضرار في الوصية من الكبائر».رواه سعيد بن منصور موقوفًا بإسناد صحيح، والنسائي مرفوعًا ورجاله ثقات».انتهى كلام الشيخ عبد القادر.\n(٣) جامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ٦٢٦.\n(٤) لفظ مسلم، كتاب الإيمان، باب من أعتق شركًا في عبد، برقم ١٦٦٨.\n(٥) لفظ أبي داود، برقم ٣٩٥٨، وقال الألباني: صحيح الإسناد، وهو لفظ الترمذي أيضًا، برقم ١٣٦٤.\n(٦) جمع رجل.\n(٧) أحمد، برقم ٢٠٠٠٩، واللفظ من هذا الموضع، وأخرجه برقم ١٩٩٣٢، ورقم ١٩٨٢٦، ورقم ٢٠٠٠١، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٧.\n(٨) أحمد، برقم ٢٢٨٩١، ٢٢٨٩٢.","vol":"3","page":1154},{"text":"وزاد أبو داود: «وقال: يعني النبي - ﷺ -: «لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1901>١٧ - يقلم أظفاره ويحلق عانته، ويأخذ من شاربه إن كان له شارب</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة خبيب، وفيه أن خبيبًا - ﵁ - عندما علم بأن المشركين أجمعوا على قتله استعار من ابنة الحارث موسى يستحد به، فأعارته ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1902>١٨ - يجتهد أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله</span>، لعل الله أن يلهمه ذلك؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسولا لله - ﷺ -: «أتاني آتٍ من ربي فأخبرني - أو قال: بشرني - أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٤).\nوقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك وإلا لم يُفتح» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1903>سادسًا: آداب زيارة المريض كثيرة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1904>١ - زيارة المريض حق على أخيه المسلم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الوصايا، باب فيمن أعتق عبيدًا له لم يبلغهم الثلث، برقم ٣٩٦٠، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٨٦: «صحيح الإسناد».\n(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب هل يستأسِرْ الرجل؟ ومن ركع ركعتين عند القتل، برقم ٣٠٤٥.\nوانظر: سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب المريض يؤخذ من أظفاره وعانته، برقم ٣١١٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، بابٌ في التلقين، برقم ٣١١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٩، والحديث أخرجه أحمد، ٥/ ٢٣٣، وغيره.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، برقم ١٢٣٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، رقم ٣٢.\n(٥) البخاري، كتاب الجنائز، باب ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله، قبل الحديث رقم ١٢٣٧.","vol":"3","page":1155},{"text":"قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس»، وفي لفظ لمسلم: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس حمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» (١).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق [وعن المياثر] (٢).\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1905>٢ - ينوي بعيادة المريض القيام بحق أخيه المسلم والحصول على الثواب العظيم</span>؛ لحديث ثوبان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عائد المريض في مخرفة الجنة حتى يرجع»، وفي لفظ: «من عاد مريضًا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، وفي لفظ: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع»، وفي لفظ: قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها» (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، برقم ١٢٣٩، ومسلم، كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، برقم ٦٢٢١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، برقم ١٢٣٩، وما بين المعكوفين من كتاب الأشربة، باب آنية الفضة، برقم ٥٦٣٥، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع، برقم ٢٠٦٦.\n(٣) البخاري، كتاب المرضى، باب وجوب عيادة المريض، برقم ٥٦٤٩.\n(٤) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، برقم ٢٥٦٨.","vol":"3","page":1156},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله - ﷿ - يقوم يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» (١).\nوجاء علي - ﵁ - إلى الحسن يعوده فوجد عنده أبا موسى، فقال علي - ﵁ - أعائدًا جئت أم زائرًا؟ قال: لا بل عائدًا، فقال علي: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة» (٢).\nولفظ ابن ماجه: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أتى أخاه المسلم عائدًا مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عاد مريضًا نادى منادٍ\n_________\n(١) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، برقم ٢٥٦٩.\n(٢) الترمذي بلفظه، كتاب الجنائز، باب في عيادة المريض، برقم ٩٦٩، وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٤٩٧ وفي الصحيحة، برقم ١٣٦٧: «صحيح إلا قوله «زائرًا»، والصواب شامتا».\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عاد مريضًا، برقم ١٤٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٦،وأخرجه أبو داود أيضًا موقوفًا من علي نحوه، برقم ٣٠٩٨،قال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٣: «صحيح موقوف».","vol":"3","page":1157},{"text":"من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلًا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1906>٣ - يدعو للمريض بالشفاء</span>؛ لحديث ابن عباس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من عاد مريضًا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك: إلا عافاه الله من ذلك المرض» (٢).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في حديثه الطويل، وفيه: أن النبي - ﷺ - جاء إليه يعوده ووضع يده على جبهته ثم مسح بيده على صدره وبطنه، ثم قال: «اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا» ثلاث مرار (٣).\nوعن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي - ﷺ - إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1907>٤ - يدعوه إلى التوبة وإحسان الظن بالله ويذكره الوصية</span>؛ لما تقدم في إحسان الظن بالله - ﷿ -؛ولحديث سعد بن مالك قال: عادني رسول الله - ﷺ - وأنا مريض، فقال: «أوصيت؟» قلت: نعم، قال: «بكم؟» قلت: بمالي كله في سبيل الله، قال: «فما تركت لولدك؟» قلت: هم أغنياء بخير، قال: «أوصِ بالعشر» فما زلت أناقصه حتى قال: «أوصِ بالثلث والثلث كثير» (٥)؛ ولحديث ابن عمر ﵄: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عاد مريضًا، برقم ١٤٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٦.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم ٣١٠٦، والترمذي، كتاب الطب، بابٌ، برقم ٢٠٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٣١٠٦.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب وضع اليد على المريض، برقم ٥٦٥٩، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ٨ - (١٦٢٨)، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة، برقم ٣١٠٤.\n(٤) البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم ٣٦١٦.\n(٥) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الوصية بالثلث والربع، برقم ٩٧٥، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٣٦٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،\n١/ ٥٠٠ دون قوله: «أوصِ بالعشر» فهو ضعيف. وأصل الحديث متفق على صحته عند البخاري ومسلم كما تقدم في الوصية، وانظر: إرواء الغليل، برقم ٨٩٩.","vol":"3","page":1158},{"text":"أن يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1908>٥ - يدعوه إلى الإسلام إن كان كافرًا</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - أن غلامًا من اليهود كان مرض فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم»، فنظر إلى أبيه، فقال له أبوه: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقام النبي - ﷺ - وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه بي من النار» (٢).\nوقد عاد رسول الله - ﷺ - عمه أبا طالب في مرض الوفاة ودعاه إلى أن يقول: لا إله إلا الله، ولكنه أبى وقال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول هذه الكلمة العظيمة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1909>٦ - يُبيّن له فضل المرض وما يكفر من السيئات</span>؛ لحديث أم العلاء قالت: عادني رسول الله - ﷺ - وأنا مريضة، فقال: «أبشري يا أم العلاء! فإن مرض المسلم يُذهب الله به خطاياه، كما تذهب النار خبث الذهب والفضة» (٤).\nوغير ذلك من الأحاديث الكثيرة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1910>٧ - يلقنه إذا كان في حالة النزع: «لا إله إلا الله»</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٦).\nولحديث أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - عاد رجلًا من الأنصار، فقال: «يا\n_________\n(١) مسلم، برقم ٤ - (١٦٢٧)، وتقدم تخريجه في آداب المريض.\n(٢) البخاري، كتب المرضى، باب عيادة المشرك، برقم ٥٦٥٧، واللفظ لأبي داود في كتاب الجنائز، باب عيادة الذمي، برقم ٣٠٩٥، وزاد أحمد في رواية، ٣/ ١٧٥، ٢٢٧، ٢٦٠: «فلما مات قال: صلوا على صاحبكم».\n(٣) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله، برقم ١٣٦٠، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، برقم ٢٤.\n(٤) أبو داود، كتاب الجنائز، باب عيادة النساء، برقم ٣٠٩٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٢، والأحاديث الصحيحة، برقم ٧١٤.\n(٥) سبق ذكر جملة منها في آداب المريض.\n(٦) مسلم، كتاب الجنائز، باب تلقين الموتى لا إله إلا الله، برقم ٩١٦.","vol":"3","page":1159},{"text":"خال قل: لا إله إلا الله» فقال: أخالٌ أم عمٌّ؟ فقال: «بل خال» فقال: فخيرٌ لي أن أقول: لا إله إلا الله؟ فقال النبي - ﷺ -: «نعم» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>٨ - لا يقول في حضور المريض إلا خيرًا</span>؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرًا، فإن الملائكة يؤمّنون على ما تقولون» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1912>٩ - يوجه المحتضر إلى القبلة إن تيسر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء سيدًا، وإن سيد المجالس قبالة القبلة» (٣)؛ ولحديث عمير بن قتادة الليثي - وكانت له صحبة - أن رجلًا سأله فقال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ فقال: «هُنَّ تِسعٌ ...» فذكر معناه ... زاد «وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا» (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - يقول عن هذا الحديث: «له شواهد، وهو دليل على توجيه المحتضر، ووضعه في قبره مستقبلًا القبلة» (٥). قال الإمام الشوكاني - ﵀ -: «والأولى الاستدلال لمشروعية التوجيه بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يُوجَّه إلى القبلة إذا احتُضر، فقال رسول الله - ﷺ -: «أصاب الفطرة» (٦).\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ١٥٢، ١٥٤، ٢٦٨،وقال الألباني في الجنائز، ص٢٠: «إسناده صحيح على شرط مسلم».\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المريض، برقم ٩١٩.\n(٣) الطبراني في الأوسط [مجمع البحرين، ٥/ ٢٧٨، برقم ٣٠٦٢]، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد،\n٨/ ٥٩: «رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن».\n(٤) أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم، برقم ٢٨٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٩.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٧٧٠.\n(٦) البيهقي، ٣/ ٣٨٤، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ١/ ٣٥٣، وأعله الألباني في الإرواء بعلتين، ٣/ ١٥٣.","vol":"3","page":1160},{"text":"وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك في قصةٍ ذكرها، قال: وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيًّا وميتًا (١).\nوجاء عن حذيفة - ﵁ - أنه قال: «وجّهوني إلى القبلة» (٢).\nويذكر عن الحسن قال: ذكر عمر الكعبة، فقال: «والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا، ونوجه إليها موتانا» (٣).\nوسئل الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز - ﵀ -: هل يشرع توجيه المحتضر إلى القبلة؟ فأجاب: «نعم، يستحب ذلك عند أهل العلم، لقوله - ﷺ -: «البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا (٤») (٥)، وقال ﵀ في كيفية توجيه المحتضر إلى القبلة: «يجعل على جنبه الأيمن ووجه إلى القبلة كما يوضع في اللحد» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1913>سابعًا: الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1914>١ - يغمض إذا خرجت الروح ولا يقول من حضره إلا خيرًا</span>؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: «إن الروح إذا قُبض تبعه البصر» فضج ناس من أهله فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على\n_________\n(١) سنن البيهقي، ٣/ ٣٨٤، وقال البيهقي: «وهو مرسل جيد»، وقال الألباني في إرواء الغليل،\n٣/ ١٥٤: «بسند صحيح».\n(٢) قال العلامة الألباني ﵀ في إرواء الغليل، ٣/ ١٥٢: «لم أجده عن حذيفة وإنما روي عن البراء بن معرور»، ولكن قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في كتابه: التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل، ص٣٢: «وجدته عن حذيفة. رواه ابن أبي الدنيا في «المحتضرين»، ومن طريق ابن عساكر في «تاريخ دمشق» [٤/ ١٥٦/١] ترجمة حذيفة منه، من طريق داود بن رشيد، نبأنا عن عباد بن العوام، نبأنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش أنه حدثهم أن [أخته] امرأة حذيفة قالت: ... فذكره أثناء خبر. وإسناده صحيح عن ربيعي بن حراش» انتهى.\n(٣) السنن الكبرى للبيهقي، ٣/ ٣٨٤، وانظر: إرواء الغليل للألباني، ٣/ ١٥٤.\n(٤) أبو داود، برقم ٢٨٧٥، وتقدم تخريجه.\n(٥) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، لابن باز، ١٣/ ١٠١.\n(٦) المرجع السابق، ١٣/ ١٠١.","vol":"3","page":1161},{"text":"ما تقولون» ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1915>٢ - يُدعى له</span>؛ لما في حديث أم سلمة السابق فيقال: «اللهم اغفر لفلان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه».\n<span data-type=\"title\" id=toc-1916>٣ - يُغطَّى بثوب يستر جميع بدنه</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سُجّي (٢) رسول الله حين مات بثوب حَبِرةٍ» (٣)، ولفظ البخاري: «أن رسول الله - ﷺ - حين توفي سُجي ببردٍ حِبَرة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1917>٤ - لا يُغطَّى رأس المحرم ولا وجهه</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الرجل الذي وقصته راحلته وهو محرم، وفيه قول النبي - ﷺ -: «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه، ولا تُخمّروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا» وفي رواية: «ولا تُحنّطوه» وفي رواية: «ولا تطيّبوه» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1918>٥ - يُعجَّل بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته</span>، وقاموا بحقوقه: من الغسل، والتكفين، والصلاة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1919>٦ - يُدفنُ في البلد الذي مات فيه، ولا ينقل إلى غيره</span>، لأن النقل\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، برقم ٩٢٠.\n(٢) سُجّيَ: أي غطّي.\n(٣) حَبِرة: نوع من برود اليمن، والبرد: ثوب مخطط، والحبرة من البرود: ما كان موشيًا مخططًا.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب البرود والحِبَر والشملة، برقم ٥٨١٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب تسجية الميت، برقم ٩٤٢.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة، برقم ١٨٣٩، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم ٩٨ - (١٢٠٦).\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٥،ومسلم، برقم ٩٤٤،وتقدم تخريجه، في تذكر الحمل على الأكتاف.","vol":"3","page":1162},{"text":"ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم.\nوحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: «ردوا القتلى إلى مضاجعها» وفي لفظ أبي داود: «إن رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم، فرددناهم» (١).\nولذلك قالت عائشة ﵂ لما مات أخٌ لها بوادي الحبشة فَحُمِلَ من مكانه: «ما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه» (٢).\nقال الإمام النووي في الأذكار كما ذكر الألباني في أحكام الجنائز (٣): «وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون».\nوكان شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول: «حتى لو أوصى الميت أن ينقل إلى مكة أو المدينة لا تُنفذ وصيته؛ لأن الصحابة - ﵃ - لم يوصوا بذلك» سمعت ذلك منه ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1920>٧ - لو مات في غير مولده دفن مكانه وكان خيرًا له</span>؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مات رجل بالمدينة ممن وُلد بها، فصلى عليه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: «يا ليته مات بغير مولده!» قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس من مولده إلى\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن القتيل في مقتله، برقم ١٧١٧، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الميت يحمل على من أرض إلى أرض وكراهة ذلك، برقم ٣١٦٥، والنسائي، كتاب الجنائز، باب أين يدفن الشهيد، برقم ٢٠٠٥، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الشهيد، برقم ١٥١٦، وابن حبان، برقم ٣١٨٣، وأحمد، برقم ١٤١٦٩، ١٥٢٨١، ١٤٣٠٥، ١٥٢٥٨، والبيهقي، ٤/ ٥٧، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٥.\n(٢) البيهقي في السنن الكبرى،٤/ ٥٧،وصحح الألباني إسناده في أحكام الجنائز، ص٢٥.\n(٣) ص ٢٥.","vol":"3","page":1163},{"text":"منقطع أثره في الجنة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1921>٨ - يُبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله</span>، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة، فإن لم تقم به وتطوَّع به بعض الحاضرين جاز؛ لحديث سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا فقال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النبي - ﷺ -: «إن أخاك محتَبسٌ بدينه فاقضِ عنه»، فقال: يا رسول الله: قد أدَّيت عنه إلا دينارين ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها بينة، قال: «فأعطها فإنها مُحقّة» (٢).\nوعن سمرة بن جندب - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - صلَّى على جنازة، فلما انصرف قال: «أهاهنا أحد من آل فلان؟» [فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] فقال ذلك مرارًا [ثلاثًا لا يجيبه أحد] [فقال رجل: هو ذا] قال: فقام رجل يجرُّ إزاره من مؤخر الناس [فقال له النبي - ﷺ -: «ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أُنوّه باسمك إلا لخير، إن فلانًا - لرجل منهم - مأسور بدينه [عن الجنة فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله]» فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه [حتى ما أحد يطلبه شيء] (٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «مات رجل فغسلناه، وكفناه، وحنطناه، ووضعناه لرسول الله - ﷺ - حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله - ﷺ - بالصلاة، فجاء معنا [فتخطى] خُطىً، ثم\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب الموت بغير مولده، برقم ١٨٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٨، وانظر صحيح سنن ابن ماجه من حديث ابن مسعود، ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الأحكام، برقم ٢٤٣٣،وأحمد، ٤/ ١٣٦، ٥/ ٧، والبيهقي، ١٠/ ١٤٢،وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٦، وفي صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٢٨٥.\n(٣) ابو داود، كتاب البيوع، باب التشديد في الدين، برقم ٣٣٤١،والنسائي، كتاب البيوع، باب التغليظ في الدين، برقم ٤٦٩٩،والحاكم، ٢/ ٢٥ - ٢٦،والبيهقي،٦/ ٧٦. وأحمد، برقم ٢٠٢٣١، ٢٠٣٣٣، ٢٠٢٣٤، ٢٠١٢٤، ٢٠٢٣٢، والطبراني في الكبير، ٦٧٥٥، وصححه الألباني في كتاب أحكام الجنائز، ص٢٦، وهو الذي جمع بين الألفاظ ﵀.","vol":"3","page":1164},{"text":"قال: «لعلَّ على صاحبكم دينًا؟» قالوا: نعم ديناران، فتخلّف [قال: «صلوا على صاحبكم»] فقال له رجل منا يقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هما عليَّ، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: «هما عليك، والميت منهما برئ؟» فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله - ﷺ - إذا لقي أبا قتادة يقول: (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال): ما صنعت الديناران؟ [قال: يا رسول الله إنما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: (ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بردت عليه جلده» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يُؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: «هل ترك لدينه من قضاء؟» فإن حُدّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: «صلُّوا على صاحبكم» ولما فتح الله عليه الفتوح قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته» (٢).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1922>٩ - تُنفَّذ وصيته: الثلث فأقل</span>؛ لأن إنفاذ الوصية واجب، والإسراع بالتنفيذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب، فللإسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فللإسراع في الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع، قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن (٤).\n_________\n(١) الحاكم، ٢/ ٥٨، والسياق له، والبيهقي، ٦/ ٧٤ - ٧٥، والطيالسي، برقم ١٦٧٣، وأحمد،\n٣/ ٣٣٠،وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأخرجه مختصرًا أبو داود، كتاب البيوع، باب التشديد في الدين، برقم ٣٣٤١،وانظر أحكام الجنائز للألباني، ص٢٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الكفالة، باب الدين، برقم ٢٢٩٨، ومسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، برقم ١٦١٩.\n(٣) مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، برقم ١٨٨٦.\n(٤) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٣٢.","vol":"3","page":1165},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من أخذ من أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نفس المؤمن معلقة بدَيْنه حتى يُقضَى عنه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1923>ثامنًا: الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>١ - كشف وجه الميت</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1925>٢ - تقبيله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1926>٣ - البكاء عليه بدمع العين</span>.\nوفي ذلك أحاديث منها على سبيل الإيجاز ما يأتي:\nالحديث الأول: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما أصيب أبي يوم أحد فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وجعلوا ينهونني، ورسول الله - ﷺ - لا ينهاني، قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله - ﷺ -: «تبكيه أو لا تبكيه، مازالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه» (٣).\nالحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: أقبل أبو بكر - ﵁ - على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد [وعمر يكلم الناس]، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي - ﷺ - وهو مسجى ببردة حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبل [بين عينيه]، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة\n_________\n(١) البخاري، كتاب المساقاة، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها، برقم ٢٣٨٧.\n(٢) أحمد، ٢/ ٤٤٠، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»، برقم ١٠٧٨، ١٠٧٩، وابن ماجه، الصدقات، باب التشديد في الدين، برقم ٢٤١٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٧، وغيره.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب حدثنا علي بن عبد الله، برقم ١٢٩٣، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر رضي الله تعالى عنهما، برقم ٢٤٧١.","vol":"3","page":1166},{"text":"الأولى التي كتبت لك فقد متها»، وفي رواية: «لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها» (١).\nالحديث الثالث: عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قّبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان (٢).ولفظ ابن ماجه: «قَبَّل رسول الله - ﷺ - عثمان بن مظعون وهو ميّتٌ، فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خدَّيه».\nالحديث الرابع: عن أنس - ﵁ - قال: دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي أسيف القين (٣) - وكان ظئرًا (٤) -لإبراهيم - ﵇ - - فأخذ رسول الله - ﷺ - إبراهيم فقبّله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه (٥)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٦).\nالحديث الخامس: حديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمهل آل جعفر - ثلاثًا - أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم ...» (٧).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه، برقم ١٢٤١، ١٢٤٢، والبيهقي، ٣/ ٤٠٦، وقد ذكر ابن حجر الروايات التي تبين بأن أبا بكر قبل جبهة النبي - ﷺ -، فتح الباري، ٣/ ١١٥، ٨/ ١٤٧، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٣١.\n(٢) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ٩٨٩، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في تقبيل الميت، برقم ١٤٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٩، وغيره.\n(٣) الحداد، فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٤) ظئرًا: مرضعًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٥) يجود بنفسه: يخرجها. المرجع السابق، ٣/ ١٧٣.\n(٦) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «إنا بك لمحزونون»، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - بالصبيان، برقم ٢٣١٥.\n(٧) أبو داود، كتاب الترجل، باب حلق الرأس، برقم ٤١٩٢، وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٥٤٣.","vol":"3","page":1167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1927>٤ - صنع الطعام لأهل الميت</span>، لحديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1928>تاسعًا: الأمور الواجبة على أقارب الميت وغيرهم عديدة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1929>١ - الصبر والرضا بالقدر </span>لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢).\nولحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: «مر رسول الله - ﷺ - بامرأة عند قبرٍ وهي تبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري»، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله - ﷺ - فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله - ﷺ - فلم تجده عند بوابين، فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الصبر عند أول الصدمة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1930>٢ - الاسترجاع</span>، وهو أن يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» (٤)، ويأتي التفصيل في ذلك في فضل الصبر على المصائب بعد صفحات إن شاء الله تعالى.\nولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلّها، حدادًا على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة\nأشهر وعشرًا؛ لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: «دخلت على أم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، برقم ٣١٣٢، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت، برقم ١٦١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٧، وغيره.\n(٢) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٨٣، ومسلم، برقم ١٥ - (٩٢٦). ويأتي تخريجه في شروط الصبر.\n(٤) مسلم، برقم ٩١٨، ويأتي تخريجه في فصل الصبر على المصائب.","vol":"3","page":1168},{"text":"حبيبة زوج النبي - ﷺ - فقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر [أن] تحدَّ على ميّتٍ فوق ثلاث، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشرًا» ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ...» فذكرت الحديث (١).\nولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاءً للزوج وقضاءً لوطره منها، فهو أفضل لها، ويُرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سُليْمٍ وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄ ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك - على طولها - لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، فقال أنس - ﵁ -: «قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم - وهي أم أنس - إن هذا الرجل - يعني النبي - ﷺ - يحرم الخمر - فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سُليم، فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصح لي أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك! قالت: وما دهري! قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، [فإن تُسلِم فذاك مَهري، ولا أسألك غيره]، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله - ﷺ -، فانطلق أبو طلحة يريد النبي - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غُرَّةُ الإسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله - ﷺ - بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك.\nقال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس): فلما بلغنا أن مَهْرًا كان أعظم منه أنها رضيت الإسلام مهرًا، فتزوجها وكانت امرأة مليحة العينين، فيها صغرٌ، فكانت معه حتى ولد له بُني، وكان يحبه أبو طلحة\nحبًّا شديدًا، ومرض الصبي [مرضًا شديدًا]، وتواضع أبو طلحة لمرضه\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب إحداد المرأة على غير زوجها، برقم ١٢٨٠ - ١٢٨٢.","vol":"3","page":1169},{"text":"أو تضعضع له، [وكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي - ﷺ - فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة] فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي - ﷺ - (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي [فسجت عليه] ووضعته [في جانب البيت]، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله - ﷺ - حتى دخل عليها [ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه] فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة [وأرجو أن يكون قد استراح!] فأتته بعشائه [فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم] [قال: فقام إلى فراشه، فوضع رأسه]، ثم قامت فتطيبت، [وتصنعت له أحسن ما كانت تَصَنَّع قبل ذلك]، [ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون الرجل إلى أهله]، [فلما كان آخر الليل] قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا قومًا عارية لهم، فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا؛ قالت: فإن الله - ﷿ - كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب وقال: تركتِني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيتِ إلي ابني! [فاسترجع، وحمد الله] [فلما أصبح اغتسل]، ثم غدا إلى رسول الله - ﷺ -[فصلى معه] فأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما»، فثقلت من ذلك الحمل، وكانت أم سليم تسافر مع النبي - ﷺ -، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله - ﷺ -: «إذا ولدت فأتوني بالصبي». [قال: فكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله - ﷺ -، فقال أبو طلحة: يا رب\nإنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا","vol":"3","page":1170},{"text":"دخل، وقد احتُبست بما ترى، قال: تقول أم سُليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد فانطلقا، قال: وضربها المخاض حين قدموا] فولدت غلامًا، وقالت لابنها أنس: [يا أنس! لا يطعم شيئًا حتى تغدو به إلى رسول الله - ﷺ -، [وبعثت معه بتمرات]، قالت: فبات يبكي، وبت مجنحًا عليه (١)، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله - ﷺ -]، [وعليه بردة]، وهو يسم إبلًا أو غنمًا [قدمت عليه]، فلما نظر إليه، قال لأنس: «أولدت بنت ملحان؟» قال: نعم، [فقال: «رويدك أفرغ لك»]، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: «[أمعه شيء؟» قالوا: نعم، تمرات]، فأخذ النبي - ﷺ -[بعض] التمر [فمضغهن، ثم جمع بزاقه]، [ثم فغر فاه، وأوجره إياه]، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: [يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله - ﷺ -، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (٢) ريق رسول الله - ﷺ - فقال: «انظروا إلى حب الأنصار التمر»، [قال: قلت: يا رسول الله: سمّه، قال:] [فمسح وجهه] وسماه عبد الله، [فما كان في الأنصار شاب أفضل منه]، [قال: فخرج منه رَجِل (٣) كثير، واستشهد عبد الله بفارس]» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1931>عاشرًا: الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1932>١ - النياحة</span>؛ لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي - ﷺ - قال: «أربعٌ في\nأمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في\n_________\n(١) أي: مائلًا.\n(٢) كذا الأصل، ولعل حرف (على) مقحم من بعض النساخ.\n(٣) جمع راجل، وهو ضد الفارس.\n(٤) متفق عليه: البخاري، مختصرًا، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق برقم ٥٤٦٧، وكتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، برقم ١٣٠١، ومسلم، كتاب الأدب، باب استحباب تحنيك المولود، برقم ٢١٤٤، وكتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري - ﵁ -، برقم ٢١٤٤.","vol":"3","page":1171},{"text":"الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت» (٢).\nوعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله - ﷺ - مع البيعة ألا ننوح فما وفّت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ - أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ» (٣).\nوعن أبي موسى - ﵁ - قال: لما أصيب عمر - ﵁ - أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر، فقام بحياله يبكي، فقال له عمر: علام تبكي؟ أعليَّ تبكي؟ قال: إي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: «من يُبكى عليه يُعذَّب» وفي رواية لمسلم عن أنس أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عَوَّلَتْ عليه حفصة فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المُعوَّلُ عليه يعذب» وعَوَّل عليه صهيبٌ فقال عمر: يا صهيب أما علمت: «أن المعوَّل عليه يعذب» وفي لفظ للبخاري: أن عمر لما أصيب دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه، واصاحباه، فقال - ﵁ -: يا صهيب أتبكي عليَّ، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه»، وفي رواية للبخاري: «إن الميت ليعذب ببكاء الحي» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٤.\n(٢) مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، برقم ٦٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، برقم ١٣٠٦، ومسلم، كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة، برقم ٩٣٦.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته»، برقم ١٢٨٧، ١٢٨٦، ١٢٨٩، ٣٩٧٨، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، برقم ٩٢٧ و٩٢٨،وانظر: الأحاديث في مسلم، برقم ٩٢٧ - ٩٣٣.","vol":"3","page":1172},{"text":"واختلف العلماء ﵏ في المراد بهذا الحديث، ومن ذلك قول الجمهور وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يُوصِ بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة. وقيل: معنى «يُعذَّب» أي يتألَّم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، ونصر ابن تيمية وابن القيم هذا القول (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز - ﵀ - يقول: الميت يعذب ببكاء أهله، والله أعلم بالكيفية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>٢ - الدعوى بدعاء الجاهلية</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1934>٣ - ضرب الخدود</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1935>٤ - شق الجيوب</span>؛ لحديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» ونص للبخاري: «ليس منَّا من لطم الخدود ...» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1936>٥ - رفع الصوت عند المصيبة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1937>٦ - حلق الشعر</span>؛ لحديث أبي بردة عن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعًا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأته من أهله، فصاحت امرأةٌ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا بَرِيءٌ مما برئ منه رسول الله - ﷺ -؛ فإن رسول الله - ﷺ -: «بَرِئ من الصالقة،\nوالحالقة، والشاقة» (٤).\n_________\n(١) أحكام الجنائز للألباني، ص٤١.\n(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٧/ ٣٠١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ليس منا من ضرب الخدود، برقم ١٢٩٤، وباب ليس منا من ضرب الخدود، برقم ١٢٩٧، وباب ما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية عند المصيبة، برقم ١٢٩٨، وكتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية، برقم ٣٥١٩، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، برقم ١٠٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة، برقم ١٢٩٦، ومسلم، باب تحريم ضرب الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، برقم ١٠٤.","vol":"3","page":1173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1938>٧ - الويل والدعاء به</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1939>٨ - نشر الشعر</span>؛ لحديث امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله - ﷺ - في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا تخمش وجهًا، ولا ندعو ويلًا، ولا نشق جيبًا، ولا ننثر شَعرًا» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1940>٩ - النعي المحرم</span>، وهو ما كانت الجاهلية يفعلونه، فقد كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الأحياء والأسواق، أو يركب المخبر على دابة ويصيح في الناس (٢)،قال ابن الأثير ﵀: «يقال: نعى الميت ينعاه نعيًا ونعيَّا: إذا أذاع موته وأخبر به، وإذا ندبه .. والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف، أو قُتِلَ بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نعاءِ فلانًا، أو يا نعاء العرب: أي هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان» (٣).\nومن ذلك أن الناعي يصعد على الجبل، أو السور المرتفع، أو على سطوح المنازل وينادي يصيح: أنعى فلانًا (٤)، أو الإخبار بإتيان الآتي إلى الحي من الأحياء وصياحه: أنعى إليكم فلان بن فلان (٥)،فهذا النعي محرم، ومن عادات الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أن يعمل هذا العمل ولا يرضى به، وقد ظهر مما تقدم: أن النعاة: هم المخبرون بموت من مات،\nوأن الناعية: هي النائحة (٦)، وأن المحرم من النعي ما كان على عادة الجاهلية، أما المباح من النعي فسيأتي بضوابطه إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في النوح، برقم ٣١٣١، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص٤٣: «بسند صحيح».\n(٢) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ٣/ ١١٦ - ١١٧.\n(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر، ٥/ ٨٥ - ٨٦.\n(٤) فقه الدعوة في صحيح البخاري، للمؤلف، ٢/ ٧٢٣، وانظر: صحيح البخاري، باب قتل النائم المشرك، برقم ٣٠٢٢.\n(٥) معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص٤٥٣.\n(٦) غريب ما في الصحيحين، ص١٣٠.","vol":"3","page":1174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1941>الحادي عشر: النعي المباح الجائز:</span>\nيجوز الإخبار بالوفاة إذا لم يقترن بذلك، ما يشبه نعي الجاهلية، وقد يجب إذا لم يكن عنده من يقوم بالواجب من حقوق الميت المسلم، من: الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه.\nومن النصوص التي تدل على جواز هذا النعي حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصفَّ بهم وكبَّر أربعًا. ولفظ مسلم: «أن رسول الله - ﷺ - نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات»، وفي لفظ: «نعى لنا رسول الله - ﷺ - النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: «استغفروا لأخيكم» (١).\nوعن جابر - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث» وفي لفظ: «... أصحمة النجاشي» وفي لفظ: قال النبي - ﷺ - حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح فقوموا صلوا على أخيكم».\nوفي لفظ لمسلم: «فكبر عليه أربعًا». وفي لفظ له: «مات اليوم عبد لله صالح». وفي لفظ: «إن أخًا لكم مات فقوموا فصلوا عليه» (٢).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: ال النبي - ﷺ -: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها\nجعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب»،وإن عيني رسول الله - ﷺ - لتذرفان، «ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففُتِحَ له» (٣).\n_________\n(١) متفق عليه البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، برقم ١٢٤٥،و١٣٢٧،٣٨٨٠،ومسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة، رقم ٩٥١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام، برقم ١٣١٧ و٣٨٧٧، ومسلم، كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنائز، برقم ٩٥٢.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه، برقم ١٢٤٦.","vol":"3","page":1175},{"text":"وقد ترجم الإمام البخاري - ﵀ - لحديث أبي هريرة وأنس، بقوله: «باب الرجل ينعى إلى أهل الميت نفسه». وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذه الترجمة: «وفائدة هذه الترجمة: الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور، والأسواق ...» ثم قال: «وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود الجنازة، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام». ثم قال: قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:\nالأولى: إعلام الأهل والأصحاب فهذا سنة.\nالثانية: دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره.\nالثالثة: الإعلام بنوع آخر: كالنياحة، ونحو ذلك فهذا حرام» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «مات إنسان كان رسول الله - ﷺ - يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه فقال: «ما منعكم أن تعلموني؟» قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه» (٢).\nوقد ترجم الإمام البخاري - ﵀ - لهذا الحديث بقوله: «باب الإذن بالجنازة» قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها؛ ليُصلَّى عليها، قيل هذه الترجمة: تغاير التي\n_________\n(١) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١١٦ - ١١٧.\n(٢) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب الإذن بالجنازة، برقم ١٢٤٧، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٦٨ - (٩٥٤)، و٦٩ - (٩٥٤).","vol":"3","page":1176},{"text":"قبلها من جهة: أن المراد بها الإعلام بالنفس وبالغير، قال الزين بن المنير: هي مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام بتهيئة أمره وهو حسن» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد أو شابًّا فقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني» قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: «دلّوني على قبره» فدلوه فصلى عليها، ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله - ﷿ - ينورها بصلاتي عليهم» (٢).\nويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي هريرة المتقدم في قصة النجاشي، وفي بعض رواياته: لما نعى للناس النجاشي قال: «استغفروا لأخيكم» (٣).\nوحديث أبي قتادة في قصة إخبار النبي - ﷺ - بقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، وفي القصة: «ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدوَّ فأصيب زيدٌ شهيدًا، فاستغفروا له، فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشدَّ على القوم حتى قُتِلَ شهيدًا أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء\nخالد بن الوليد ...» (٤) الحديث (٥).\nوقال الإمام ابن الملقن - رحمه الله تعالى -:\n- النعي على ضربين:\n_________\n(١) فتح الباري، ٣/ ١١٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٥٨،٤٦٠، ١٣٣٧،ومسلم، برقم ٩٥٦،وتقدم تخريجه في عذاب القبر.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٢٧،٣٨٨٠،ومسلم، برقم ٩٥١،وتقدم تخريجه قبل قليل.\n(٤) أحمد، ٥/ ٢٩٩، ٣٠٠، ٣٠١، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص٤٧.\n(٥) وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٤٠٨، ٤١٠.","vol":"3","page":1177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1942>أحدهما: مجرد إعلام؛ لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة تحصيلًا للدعاء للميت</span>، وتتميمًا للعدد الذي وُعِدَ بقبول شفاعتهم له: كالأربعين، والمائة مثلًا، أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله ﵊: «هلا آذنتموني به» (١)، ونعيه ﵊ أهل مؤتة: جعفرًا، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1943>الثاني: فيه أمر محرم مثل: نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره</span>، وإظهار التفجع عليه، وإعظام حال موته، فالأول مستحب، والثاني محرم، وعليه يُحمل نهيه ﵊ عن النعي كما أخرجه الترمذي وصححه (٣)، وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>الثاني عشر: العلامات التي تدل على حسن الخاتمة، كثيرة منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1945>١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات بحسن الخاتمة</span>؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1946>٢ - الموت برشح الجبين</span>؛ لحديث بريدة بن الحصيب - ﵁ - أنه كان بخراسان فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «موت المؤمن بعرق\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٥٨،٤٦٠، ١٤٣٧،ومسلم، برقم ٩٥٦،وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه، البخاري، برقم ١٢٩٩،١٣٠٥،٤٢٦٣، ومسلم، برقم ٩٣٥، وتقدم تخريجه.\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية النعي، برقم ٩٨٦، ولفظه عن حذيفة: «سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن النعي».\n(٤) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(٥) أبو داود، برقم ٣١١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٧٩، وتقدم تخريجه في آداب المريض.","vol":"3","page":1178},{"text":"الجبين» (١)، وكلام بريدة في رواية الإمام أحمد صريح في أن العرق على ظاهره، وفي معنى الحديث قولان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1947>أحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق </span>الذي يعرق دون جبينه، وذلك تمحيصًا لذنوبه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1948>والثاني: أنه كناية عن كدّ المؤمن في طلب الحلال </span>وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1949>٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها</span>، لما رُوي وذُكِرَ عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1950>٤ - الاستشهاد في ساحة القتال</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ\nعَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).\nوعن المقدام بن مَعْدِيكرب - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «للشهيد عند\n_________\n(١) أحمد بلفظه، ٥/ ٣٥٧، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين، برقم ٩٨٢،بلفظ: «المؤمن يموت بعرق الجبين»،والنسائي، كتاب الجنائز، باب علامة موت المؤمن، برقم ١٨٢٩،بلفظ: «موت المؤمن بعرق الجبين»، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النزع، برقم ١٤٥٢،مثل لفظ الترمذي. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٠٢ وغيره.\n(٢) سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٣٠٥.\n(٣) أحمد في المسند، برقم ٦٥٨٢، ١١/ ١٤٧، وضعفه محققو المسند، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، برقم ١٠٧٤، وقال الترمذي: ليس إسناده بالمتصل، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص٥٠: «فالحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح»،وحسنه في صحيح سنن الترمذي،١/ ٥٤٥،وسمعت شيخنا ابن باز - ﵀ - يضعف الحديث. والله تعالى أعلم.\n(٤) سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧١.","vol":"3","page":1179},{"text":"الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه» (١).\nوهذه بشارة عظيمة، وعلامة على حسن الخاتمة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن شهداء أمة النبي - ﷺ - كثير: منهم من قتل في سبيل الله كما تقدم، ومنهم ما يأتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1951>٥ - من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد</span>، يعني لم يباشر الحرب ولو لم يشاهده وبأي صفة مات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1952>٦ - المطعون شهيد</span>، وهو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1953>٧ - المبطون شهيد</span>، وهو الذي يموت من علة البطن، كالاستسقاء وهو انتفاخ الجوف، والإسهال، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1954>٨ - الغَرِقُ شهيد</span>، وهو الذي يموت غريقًا في الماء، يروى بغير ياء كحذِر، ويروى بالياء، وهو للمبالغة: كعليم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1955>٩ - وصاحب الهدم شهيد</span>، وهو الذي يموت تحت الهدم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>١٠ - والحريق شهيد</span>، وهو الذي يموت بحرق النار، ومن فرط في هذه الثلاثة ولم يتحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات فهو عاصٍ\nوأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1957>١١ - صاحب ذات الجنب شهيد</span>، وهي قرحة تكون في الجنب وورم شديد باطنًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1958>١٢ - المرأة تموت بُجمع شهيدة</span>، ويقال بضم الجيم وهي المرأة\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم ٢٧٩٩، والترمذي، كتاب الجهاد، باب ثواب الشهيد، برقم ١٦٦٣، وقال: حسن صحيح، وأحمد، ٤/ ١٣١، و٤/ ٢٠٠، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٢٩، وفي أحكام الجنائز، ص٥٠.\n(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٣/ ٧٥٧.","vol":"3","page":1180},{"text":"تموت حاملًا، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، وصحح القرطبي والنووي الأول (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1959>١٣ - من قتل دون ماله فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1960>١٤ - من قتل دون أهله فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1961>١٥ - من قتل دون دينه فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1962>١٦ - من قتل دون دمه فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1963>١٧ - من قتل دون مظلمته فهو شهيد</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1964>١٨ - السّلُّ شهادة</span>، بكسر السين، وضمها وتشديد اللام، وهو داءٌ يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمى هادية، وقيل: غير ذلك (٢).\nفقد بيّن النبي - ﷺ - الشهداء في غير المعركة في عدة أحوال، وخصال، وأدلة هذه الخصال ثابتة في السنة، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِقُ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الطاعون شهادة لكل مسلم» (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تعدون الشهيد فيكم؟» قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: «إن شهداء أمتي إذا لقليل» قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: «من قتل في سبيل الله\n_________\n(١) كل هذه الشروح للكلمات من المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي، ٣/ ٧٥٦ - ٧٥٨،وشرح النووي على صحيح مسلم،١٣/ ٦٦ - ٦٧،وانظر: فتح الباري، لابن حجر،٦/ ٤٣.\n(٢) الترغيب والترهيب للمنذري، ٢/ ٣٠٩.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجهاد، باب الشهادة سبع سوى القتل، برقم ٢٨٢٩، ومسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم ١٩١٤.\n(٤) مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم ١٩١٦.","vol":"3","page":1181},{"text":"فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» وفي رواية: «والغريق شهيد» (١).\nوعن جابر بن عتيك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد» (٢).\nوعن عبادة بن الصامت - ﵁ - يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «إن في القتل شهادة، وفي الطاعون شهادة، وفي البطن شهادة، وفي الغرق شهادة، وفي النفساء يقتلها ولدها جمعاء شهادة» (٣).\nوعن راشد بن حبيش أن رسول الله - ﷺ - دخل على عبادة بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله - ﷺ -: «أتعلمون من الشهيد من أمتي؟» فقال عبادة - ﵁ -:يا رسول الله الصابر المحتسب، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن\nشهداء أمتي إذًا لقليل: القتل في سبيل الله - ﷿ - شهادة، والطاعون شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها ولدها بسره إلى الجنة، والحرق، والسّلُّ» (٤).\nوعن سعيد بن زيد - ﵁ - يرفعه للنبي - ﷺ -: «من قتل دون ماله فهو شهيد،\n_________\n(١) مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم ١٩١٥.\n(٢) مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، ١/ ٣٣٤، واللفظ له، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب فضل من مات في الطاعون، برقم ٣١١١، والنسائي، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، برقم ١٨٤٧، وقال النسائي في المرأة «شهيدة» بالتاء المربوطة، وصححه النووي في شرح صحيح مسلم، ١٣/ ٦٦، والألباني في أحكام الجنائز، ص٤٠.\n(٣) أحمد، ٥/ ٣١٤، ٣١٥، ٣١٧، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥/ ٣٠٠: «رواه الطبراني وأحمد بنحوه، ورجالهما ثقات».\n(٤) أحمد، ٣/ ٤٨٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائ، د ٥/ ٢٩٩: «رواه أحمد ورجاله ثقات»، وصحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٣٩.","vol":"3","page":1182},{"text":"ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد» (١).\nوعن سويد بن مقرن يرفعه: «من قتل دون مظلمته فهو شهيد» (٢).\nقال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: «والذي يظهر أنه - ﷺ - أُعلِمَ بالأقل ثم أُعْلِمَ زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ما قدمته مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة» (٣). قلت: وهي التي اشتملت عليها هذه الأحاديث التي ذكرتها فيما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1965>١٩ - الموت مرابطًا في سبيل الله تعالى</span>؛ لحديث سلمان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه\nرزقه، وأمن الفتان» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1966>٢٠ - الموت على عمل صالح</span>؛ لحديث حذيفة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجهه ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة» (٥).\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٤٧٧٢، والنسائي، برقم ٤٠٩٩، والترمذي برقم ١٤١٨، وابن ماجه، برقم ٢٥٨٠، وأحمد، برقم ١٦٥٢.\n(٢) النسائي، كتاب المحاربة، باب من قتل دون مظلمته، برقم ٤١٠١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٣/ ٨٥٨.\n(٣) فتح الباري، ٦/ ٤٣، وذكر: ومن وقصه فرسه في سبيل الله، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه على أي حتف شاء الله، فهو شهيد، وصحح الدارقطني «موت الغريب شهادة»، ولابن حبان «من مات مرابطًا مات شهيدًا».\n(٤) مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله - ﷿ -، برقم ١٩١٣.\n(٥) أحمد، ٥/ ٣٩١، وصحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٥٨.","vol":"3","page":1183},{"text":"وعن أنس يرفعه: «إذا أراد الله بعد خيرًا استعمله» فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: «يوفقه لعمل صالح قبل الموت» (١).\nوعن عمر بن المحبق يرفعه: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عسله» قالوا: وكيف يعسله؟ قال: «يفتح الله - ﷿ - له عملًا صالحًا بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه أو من حوله» (٢).\nوعن جابر يرفعه: «من مات على شيء بُعِثَ عليه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1967>٢١ - ثناء الناس على الميت</span>؛ من جميع المؤمنين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة بفضل الله - ﷿ - ومن علامات حسن الخاتمة؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: مُرَّ على النبي - ﷺ - بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: «وجبت» ثم مرَّ بأخرى فأثنوا عليها شرًّا أو قال غير ذلك، فقال: «وجبت» فقيل: يا رسول الله! قلت لهذا: وجبت، ولهذا: وجبت، فقال: «شهادة القوم للمؤمن شهادة الله في الأرض». وفي لفظ: فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: ما وجبت؟ قال:\n«هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض». ولفظ مسلم: «وجبت، وجبت، وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض» (٤). وفي حديث عمر - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة» قلنا: وثلاثة: قال: «وثلاثة»\n_________\n(١) الترمذي، برقم ٢١٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٤٤٥، وتقدم تخريجه في أسباب حسن الخاتمة.\n(٢) أحمد، ٥/ ٢٢٤، والحاكم، ١/ ٣٤٠، وغيرهما، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ١١١٤، وتقدم تخريجه في أسباب حسن الخاتمة.\n(٣) أحمد، ٣/ ٣١٤، وغيره، وصححه الألباني في الصحيحة، برقم ٢٨٣.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، برقم ١٣٦٧، ورقم ٢٦٤٢، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فيمن يثنى عليه خيرًا أو شرًّا من الموتى، برقم ٩٤٩.","vol":"3","page":1184},{"text":"قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان» ثم لم نسأله عن الواحد (١).\nوفي حديث أنس زيادة عند الحاكم: «ما من مسلم يموت يشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأقربين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم أو قال: شهادتكم وغفرت له ما لا تعلمون» (٢).\nوفي حديث أنس عند الحاكم أيضًا: «... إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من خير أو شر» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: «... الملائكة شهداء في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض» (٤).\nوالله - ﷿ - أكرم الأكرمين وهو أرحم الراحمين (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1968>الثالث عشر: فضائل الصبر والاحتساب على المصائب، كثيرة منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1969>١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: </span>قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ\nعَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٦).\n﴿وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي بشرهم بأنهم يُوفَّوْن أجورهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن، أو كليهما، كما تقدم في الآيات، ومن ذلك موت الأحباب،\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، برقم ١٣٦٨، ورقم ٢٦٤٣.\n(٢) أصله في البخاري ومسلم، وهذا لفظ الحاكم، ١/ ٣٧٨.\n(٣) الحاكم، ١/ ٣٧٧، وأصله متفق عليه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٦١.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب الثناء، برقم ١٩٣٢،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٨.\n(٥) ذكر العلامة الألباني ﵀ زيادات في أحكام الجنائز، ص٦٠، فراجعها فإنها مفيدة.\n(٦) سورة البقرة، الآيات: ١٥٥ - ١٥٧.","vol":"3","page":1185},{"text":"والأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يحبه، ﴿قَالُواْ إِنَّا لِله﴾ أي مملوكون لله، مدبرون تحت أمره، وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا، وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم الذي أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لما هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفرًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا: صبرهم لله (١).\nقال أمير المؤمنين عمر - ﵁ -: «نعم العدلان ونعمة العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ\nالْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1970>٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة</span>، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣).\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن للعلامة السعدي، ص٧٦، وتفسير ابن كثير، ص١٣٥.\n(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ص١٣٥، وهو في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى، الباب رقم ٤٢، قبل الحديث رقم ١٣٠٢.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٥.","vol":"3","page":1186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1971>٣ - محبة الله للصابرين</span>، قال الله - ﷿ -: ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1972>٤ - معية الله للصابرين: </span>قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1973>٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر</span>، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1974>٦ - الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب</span>، فلا يوزن لهم، ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا، وبدون عدٍّ ولا حدٍّ، ولا مقدار (٤)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ</span>، من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النسمة، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول بل تذهب عند أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير (٦)، قال الله - ﷿ -: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا\nإِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1976>٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال والولد، والأحباب</span>، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علمه وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك وسلم لأمره، فله الثواب الجزيل والأجر الجميل، في\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٦.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٣.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٧٥.\n(٤) تفسير ابن كثير، ص١١٥١، وتفسير السعدي، ص٧٢١.\n(٥) سورة الزمر، الآية: ١٠.\n(٦) تفسير ابن كثير، ص١٣١٣، وتفسير السعدي، ص٨٤٢.\n(٧) سورة الحديد، الآيتان، ٢٢ - ٢٣.","vol":"3","page":1187},{"text":"الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخره الله له يوم الجزاء من الثواب (١)، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢)، قال علقمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هو الرجل الذي أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من عند الله» (٣).\nوما أحسن ما قال ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى:\nسبحان من يبتلي أناسًا ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ\nفاصبرْ لبلْوى وكن راضيًا ... فإن هذا هو الدواءُ\nسلّم إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاءُ (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1977>٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون</span>، قال تعالى: ﴿مَا\nعِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٥) قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّدٌ باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، أي ويتجاوز عن سيئاتهم (٦)، ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل:\nإني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر\n_________\n(١) تفسير السعدي، ص٨٦٧.\n(٢) سورة التغابن، الآية: ١١.\n(٣) البخاري، كتاب التفسير، سورة التغابن، بعد الحديث رقم ٤٩٠٧.\n(٤) برد الأكباد عند فقد الأولاد للحافظ المحدث أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي (٧٧٧ - ٨٤٢هـ)، ص١٢.\n(٥) سورة النحل، الآية: ٩٦.\n(٦) تفسير ابن كثير، ص٧٥٣، وتفسير السعدي، ص٤٤٩.","vol":"3","page":1188},{"text":"وقلّ من جدَّ في أمره يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1978>١٠ - ما يقال عند المصيبة </span>والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك، فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته واخلف له خيرًا منها» قالت أم سلمة، فلما توفي أبو سلمة - ﵁ - قلت كما أمرني رسول الله - ﷺ -، فأخلف الله خيرًا منه رسول الله - ﷺ -، وفي لفظ: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلِفْ لي خيرًا منها ...» الحديث (٢). وفي لفظ ابن ماجه: «إنَّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأْجُرْني فيها وعوّضني خيرًا منها» (٣).\nوحديث أبي موسى الأشعري عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا مات ولد\nالعبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (٤).\nقال ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى:\nيجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي\nإن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ ... في الحالتين يقول الحمد لله (٥)\n_________\n(١) انظر: الصبر الجميل لسليم الهلالي، ١٥ - ١٦.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، برقم ٩١٨.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٨، وصححه الألباني، في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٦٧، وأصله في صحيح مسلم.\n(٤) الترمذي، برقم ١٠٢١، ويأتي تخريجه.\n(٥) برد الأكباد عند فقد الأولاد للحافظ محمد بن عبد الله بن ناصر الدين، ص١٧.","vol":"3","page":1189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1979>١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة </span>لمن مات حبيبه المصافي فصبر وطلب الأجر من الله تعالى، فعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (١)، قوله: «جزاء» أي ثواب وقوله: «إذا قبضت صَفِيَّه»، وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل ما يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت: ... وقوله: «ثم احتسبه إلا الجنة» والمراد: صبر على فقده راجيًا من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصًا.\nووجه الدلالة من هذا الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولدًا أم غيره، وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «صفيه: حبيبه: كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1980>١٢ - أشد الناس بلاءً: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل</span>؛ لحديث مصعب بن سعد عن أبيه - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة» (٤).\n_________\n(١) البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله، برقم ٦٤٢٤.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ١١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٦٤٢٤، وذلك في فجر أحد الموافق\n١٤/ ١٠/١٤١٩هـ في الجامع الكبير بالرياض.\n(٤) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٨، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٢٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٥ وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٧١ وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٣.","vol":"3","page":1190},{"text":"أكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعًا، والتجاء إلى الله تعالى، «ثم الأمثل فالأمثل» أي الفضلاء، والأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، «فإن كان في دينه صلبًا» أي قويًا شديدا «اشتد بلاؤه» أي كمية وكيفية، «فما يبرح البلاء» أي ما يفارق (١).\nومما يزيد ذلك وضوحًا وتفسيرًا، حديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1981>١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب\nقومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» (٣).\nالمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا يُجز به (٤).\nولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي - ﷺ -: «والصبر ضياء» (٥).\n_________\n(١) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٧٨ - ٧٩.\n(٢) أبو يعلى، وابن حبان، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٥٩٩.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٦، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، برقم ٤٠٣١، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٤، وفي صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٧٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٦.\n(٤) تحفة الأحوذي للمباركفوري ٧/ ٧٧.\n(٥) مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم ٢٢٣.","vol":"3","page":1191},{"text":"والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياءً (١)؛ ولهذا والله أعلم يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1982>١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة </span>حتى يلقى الله وما عليه خطيئة؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٢)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1983>١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه</span>، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال:\nقال رسول الله - ﷺ -: «ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٤) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم» (٥).والولد يشمل الذكر والأنثى.\nوعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تعدّون الرّقوب (٦) فيكم؟» قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: «ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئًا» (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1984>١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابًا من النار</span>؛ ودخل\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، ٢/ ٢٤، ٢٥.\n(٢) تحفة الأحوذي للمباركفوري، ٧/ ٨٠.\n(٣) الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، برقم ٢٣٩٩،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٦٥،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٢٨٠.\n(٤) لم يبلغوا الحنث: أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث وهو الإثم. شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠.\n(٥) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، برقم ١٣٨١.\n(٦) أصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد.\n(٧) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يملك نفس عند الغضب، برقم ٢٦٠٨.","vol":"3","page":1192},{"text":"الجنة؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار أو دخل الجنة» (١). وفي مسلم أنه قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: «لقد احتظرت بحظار شديد (٢) من النار» (٣)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1985>١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن\nرسول الله - ﷺ - قال لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة»،فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: «أو اثنين» (٥)،قال النووي ﵀: «وقد جاء في غير مسلم «وواحد» (٦).\nوعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا سول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: «اجتمعن يوم كذا وكذا»، فاجتمعن فأتاهن رسول الله - ﷺ -، فعلّمهن مما علّمه الله قال: «ما منكن من امرأة\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، قبل الحديث، رقم ١٣٨١، وتكلم الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٢٤٥ عن وصله.\n(٢) احتظرت: أي امتنعت بمانع وثيق، والحظار ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط، شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠ - ٤٢١.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ٢٦٣٦.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في ثواب من أصيب بولده، برقم ١٦٠٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٦.\n(٥) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ١٥١ (٢٦٣٢).\n(٦) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢٠ وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ١١٩ جميع الأحاديث التي فيها زيادة واحد وتكلم عليها كلامًا نفيسًا، ثم أشار إلى أن الذي يستدل به على ذلك حديث: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة»، قال: وهذا يدخل فيه الواحد» فتح الباري، ٣/ ١١٩، و١١/ ٢٤٣.","vol":"3","page":1193},{"text":"تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابًا من النار» فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «واثنين، واثنين، واثنين» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1986>١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله تعالى: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: «فاحتسب» أي صبر راضيًا بقضاء الله راجيًا فضله» (٣)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك\nحديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (٤).\nوسيأتي أيضًا حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - الذي فيه قوله - ﷺ -: «ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» فهو يدل على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1987>١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة</span>، بفضل الله - ﷿ - ورحمته؛ لحديث قرة بن إياس - ﵁ - أن رجلًا كان يأتي النبي - ﷺ - ومعه ابن له، فقال له النبي - ﷺ -: «أتحبه؟» فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي - ﷺ -، فقال: «ما فعل ابن فلان؟» قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي - ﷺ - لأبيه: «أما تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟» فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكلنا؟ فقال:\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسبه، برقم ١٠١،و١٢٤٩، و٧٣١٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم ٢٦٣٣.\n(٢) البخاري، كتاب الرقاق، باب العمل الذي يُبتغى به وجه الله، برقم ٦٤٢٤.\n(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ١١٩، ولابن حجر كلام يؤيد هذا في شرحه للحديث رقم ٦٤٢٤، في فتح الباري، ١١/ ٢٤٣.\n(٤) فتح الباري، ١١/ ٢٤٣.\n(٥) الترمذي، برقم ١٠٢١، وسيأتي.","vol":"3","page":1194},{"text":"«بل لكلكم»، ولفظ النسائي: «ما يسرك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1988>٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرًا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره </span>وقضائه بنى الله له بيتًا في الجنة وسماه بيت الحمد؛ لحديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (٢).\nوعن أبي سلمى راعي رسول الله - ﷺ - «بخ بخ - وأشار بيده لخمس - ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1989>٢١ - السقط يجرُّ أمَّه بسرره إلى الجنة</span>؛ لحديث معاذ بن جبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ -:قال: «والذي نفسي بيده إن السقط ليجرُّ أُمَّهُ بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبته» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1990>٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم ويبرّد حرَّ مصيبته أن أولاد المسلمين في الجنة</span>، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولد فيحتسبه: «وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين»، ونقل\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب الأمر باحتساب الأجر، برقم ١٨٧١، رقم الباب ٢٢، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ١١/ ٢٤٣: «أخرجه أحمد والنسائي، وسنده على شرط الصحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم»، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٤٠٤.\n(٢) الترمذي، كتاب الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب، برقم ١٠٢١،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٠، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٤٠٨.\n(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات، ٧/ ٤٣٣، وابن حبان، برقم ٢٣٢٨، والحاكم، ١/ ٥١١ - ٥١٢، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٠٤.\n(٤) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن أصيب بسقط، برقم ١٦٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٦.","vol":"3","page":1195},{"text":"عن المازري قوله: «ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَيْءٍ﴾ (١) (٢).\nويدل عليه حديث أبي هريرة أن أولاد المسلمين في الجنة، «وأن أحدهم يلقى أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه أو قال: أبويه الجنة» (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلاف، وأصح ما قيل فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحان وهو أصح» (٤). وهو الصواب (٥)؛ لحديث سمرة\nبن جندب - ﵁ - في الحديث الطويل وفيه: «وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة» فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1991>٢٣ - من تصبّر ودرّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدّده</span>؛ لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، وفيه: «ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» (٧).\n_________\n(١) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٦/ ٤٢١.\n(٣) مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل من يموت له ولد، فيحتسبه، برقم ٢٦٣٥.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٨١، و١٣٨٢.\n(٥) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٤٦.\n(٦) البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا بعد صلاة الصبح، برقم ٧٠٤٧.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم ١٤٦٩،وكتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، برقم ٦٤٧٠،ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل التعفف والصبر، برقم ١٠٥٣.","vol":"3","page":1196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1992>٢٤ - من أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب؛ ليثيبه عليها </span>(١)؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من يُرد الله به خيرًا يُصِبْ منه» (٢). وسمعت شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «أي بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء</span>، وفي الشدة والرخاء؛ لحديث صهيب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-1994>٢٦ - المصيبة تحطُّ الخطايا حطًّا كما تحطّ الشجرة ورقها</span>؛ لحديث\nعائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» (٥).\nوعن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها» (٦).\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «ما يُصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٧)، وفي لفظ: «ما\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ١٠/ ١٠٨.\n(٢) البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرضى، برقم ٥٦٤٥.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ٥٦٤٥.\n(٤) مسلم، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير، برقم ٢٩٩٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤٠، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٤٩ (٢٥٧٢).\n(٦) مسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧١.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض، برقم ٥٦٤١، ٥٦٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه، برقم ٢٥٧٣.","vol":"3","page":1197},{"text":"يصيب المؤمن من وَصَب (١)، ولا نَصَب (٢)، ولا سَقم ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1995>٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر </span>التي إذا عمل بها المصاب المسلم حصل على الثواب العظيم والأجر الجزيل، وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمور:\n<span data-type=\"title\" id=toc-1996>الشرط الأول: الإخلاص لله - ﷿ - في الصبر</span>؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿وَلِرَبّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٣)، ولقوله - ﷿ - في صفات أصحاب العقول السليمة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٤)، وهذا هو الإخلاص في الصبر المبرأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-1997>الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد</span>؛ لأن ذلك ينافي الصبر ويخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عوّاده أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل» (٥).\nوالله در الشاعر الحكيم حيث قال:\nوإذا عرتك بليّة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم\nوإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (٦)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1998>الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه ولا يكون بعد انتهاء زمانه</span>؛\n_________\n(١) الوصب: المرض.\n(٢) النصب: التعب.\n(٣) سورة المدثر، الآية: ٧.\n(٤) سورة الرعد، الآية: ٢٢.\n(٥) الحاكم في المستدرك، ١/ ٣٤٩، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي.\n(٦) الفوائد لابن القيم، ص١٦٥، وانظر: الصبر الجميل، لسليم الهلالي، ص٢٨.","vol":"3","page":1198},{"text":"لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: مرَّ النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اتقي الله واصبري» [فقالت]: إليك عنّي فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي، فأتت باب النبي - ﷺ - فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (١).أي الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1999>٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2000>الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى</span>؛ فالتضرع إليه ودعاؤه في أوقات الشدة عبادة عظيمة، فإن الله أخبر عن يعقوب بقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله\nالْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٣).\nوقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٤).\nوقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥).\nوأيوب ﵊ أخبر الله عنه ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٦).\nوقال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٧)، فإذا\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم ١٢٨٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، برقم ١٥ (٩٢٦).\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٨١.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ١٨.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ٨٣.\n(٥) سورة يوسف، الآية: ٨٦.\n(٦) سورة الأنبياء، الآية: ٨٣.\n(٧) سورة ص، الآية: ٤٤.","vol":"3","page":1199},{"text":"أصاب العبد مصيبة فأنزلها بالله وطلب كشفها منه فلا ينافي الصبر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2001>الأمر الثاني: الحزن ودمع العين</span>؛ فإن ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبد الله - ﷺ -؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف القين (٢) - وكان ظئرًا (٣) لإبراهيم - ﵇ - - فأخذ رسول الله - ﷺ - إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه (٤)، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان (٥)، فقال له عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: وأنت يا رسول الله (٦)؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ثم أتبعها\nبأخرى (٧)، فقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» (٨).قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه: «فقلت: يا رسول الله تبكي أو لم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه: «إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان».قال: «إنما هذه رحمة،\n_________\n(١) انظر: الصبر الجميل، لسليم الهلالي، ص٨٤\n(٢) القين: الحداد، ويطلق على كل صانع، يقال: قان الشيء: إذا أصلحه. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٣) ظئرًا: مرضعًا، وأطلق عليه ذلك لأنه كان زوج المرضعة، وأصل الظئر: من ظارت الناقة إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي ترضع غير ولدها، وأطلق ذلك على زوجها؛ لأنه يشاركها في تربيته غالبًا. وإبراهيم: ابن رسول الله - ﷺ -، فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٣.\n(٤) يجود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله. فتح الباري لابن حجر،٣/ ١٧٣.\n(٥) تذرفان: يجري دمعها. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٦) وأنت يا رسول الله: أي الناس لا يصبرون على المصيبة وأنت تفعل كفعلهم، كأنه تعجب لذلك منه مع عهده منه أنه يحثه على الصبر وينهى عن الجزع، فأجابه بقوله: «إنها رحمة: أي الحالة التي شاهدتها مني هي رقة القلب على الولد لا ما توهمت من الجزع» فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٧) ثم أتبعها بأخرى: قيل: أتبع الدمعة بدمعة أخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة وهي قوله: «إنها رحمة» بكلمة أخرى مفصلة وهي قوله: «إن العين تدمع» فتح الباري لابن حجر،٣/ ١٧٤.\n(٨) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «إنا بك لمحزونون»، برقم ١٣٠٣، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - ﷺ - بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، برقم ٢٣١٥.","vol":"3","page":1200},{"text":"ومن لا يَرحم لا يُرحم» (١).\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: «هذا الحديث يفسّر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي - ﷺ - ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين: أحدهما: صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق، وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله؛ ليظهر الفرق» (٢).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له\nفأتاه النبي [- ﷺ -] يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود - ﵃ -، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله (٣) فقال: «قد قضى؟» قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - ﷺ -، فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ - بَكَوْا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذّبُ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا (٤) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم (٥)، وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه» (٦)، وكان عمر - ﵁ - يضرب فيه\n_________\n(١) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٧٤.\n(٣) في غاشية أهله: أي الذين يغشونه للخدمة وغيرها. فتح الباري لابن حجر،٣/ ١٧٥.\n(٤) ولكن يعذب بهذا: أي إن قال سوءًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٥) أو يرحم: أي إن قال خيرًا. فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٦) يعذب ببكاء أهله عليه: البكاء المحرم على الميت هو النوح، والندب بما ليس فيه، والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما، شرح النووي على صحيح مسلم، ٦/ ٤٨٠. وانظر فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٥٣ - ١٦٠، وشرح النووي، ٦/ ٤٨٢ - ٤٨٦.","vol":"3","page":1201},{"text":"بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب» (١).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي - ﷺ -؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر» (٢).\nوفي حديث أسامة بن زيد - ﵁ - في قصة لصبي لإحدى بنات رسول الله - ﷺ - حينما قال النبي - ﷺ - لرسول ابنته: «ارجع إليها فأخبرها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبرْ ولتحتسب» فأرسلتْ إلى رسول الله - ﷺ - وأقسمت عليه أن يحضر، فقام النبي - ﷺ - وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأسامة معهم، وحينما رفع الصبي للنبي - ﷺ - وهو في النزع، فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟\nقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٣).\nوقد روى أنس بن مالك - ﵁ - قال: «شهدنا بنتًا لرسول الله - ﷺ -، قال: ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2002>٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2003>الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها </span>وهذا من أعظم العلاج الذي يبرد حرارة المصيبة، وتقدمت الأدلة على ذلك.\n_________\n(١) متفق عليه: كتاب الجنائز، باب البكاء عند المريض، برقم ١٣٠٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٤.\n(٢) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٧٥.\n(٣) متفق عليه، البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه»،برقم ١٢٨٤،ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي - ﷺ -: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» برقم ١٢٨٥.","vol":"3","page":1202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2004>الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطها كما تحط الشجرة ورقها </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2005>الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2006>الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى</span>، فعليه الصبر والرضا، والحمد والاسترجاع والاحتساب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2007>الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها</span>، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2008>الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه</span>، فإن لم يكن له ذنب كالأنبياء والرسل فلرفع درجاته.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2009>الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع </span>ساقه إليه العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر ولا يسخط ولا يشكو إلى غير الله فيذهب نفعه باطلًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2010>الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: </span>من الشفاء والعافية والصحة وزوال الآلام ما لم تحصل بدونه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).\nوقال - ﷿ -: ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣).\n_________\n(١) تقدمت الأدلة على ذلك في الفقرة رقم ٢٥.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.\n(٣) سورة النساء، الآية: ١٩.","vol":"3","page":1203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2011>الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله</span>، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2012>الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء</span>، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2013>الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها</span>؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار مقام إنما ممر ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكيّس الفطن لا يفجأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل:\nإن لله عبادًا فطّنا ... طلقَّوا الدنيا وخافوا الفتنا\nنظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وطنا\nجعلوها لجةًواتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا\n\nفالحياة الدنيا لا تستقيم على حال ولا يقر لها قرار، فيوم لك ويوم آخر عليك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).\nوقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل:\nلكل شيء إذا ما تم نقصانُ ... فلا يغر بطيب العيش إنسانُ\n_________\n(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم، ص٤٤٨ - ٤٥٩، وانظر: زاد المعاد، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦، وعدة الصابرين لابن القيم، ص٧٦ - ٨٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٤٠.","vol":"3","page":1204},{"text":"هي الأيام كما شاهدتها دول ... فمن سره زمن ساءته أزمان (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2014>الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه</span>؛ فإن الله هو الذي منح الإنسان الحياة فخلقه من عدم إلى وجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولًا وآخرًا، وصدق لبيد بن ربيعة - ﵁ - القائل:\nوما المال والأهلون إلا ودائعُ ... ولابد يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2015>الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج</span>، فنصر الله قريب من المحسنين، وبعد الضيق سعة، ومع العسر يسرٌ؛ لأن الله وعد بهذا ولا يخلف الميعاد، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢).\nوقد أحسن القائل:\nولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرْعًا وعند الله منها المخرجُ\nضاقت فلما استحكمت ... حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ\n\nوقد وعد الله - ﷿ - بحسن العوض عما فات؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣).\nولله دَرُّ القائل:\n_________\n(١) هكذا نقل عند البعض، ولكن للإمام البستي في نونيته نحو هذا قال ﵀:\nلا تحسبن سرورًا دائمًا ... من سره زمن ساءته أزمان\nانظر: الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٥.\n(٢) سورة هود، الآية: ٤٩.\n(٣) سورة النحل، الآيتان: ٤١ - ٤٢.","vol":"3","page":1205},{"text":"وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2016>الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله </span>فما على العبد إلا أن يستعين بربه أن يعينه، ويجبر مصيبته، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ومن كانت معية الله معه فهو حقيق أن يتحمل ويصبر على الأذى.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2017>الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر والعزائم</span>، فالتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان الابتلاء والشدائد يعين على الصبر ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي، قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2018>الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة</span>، قال النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس\nأيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي» (٤).\nوكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعرًا فقال:\n_________\n(١) هكذا سمعته من الشيخ محمد بن حسن الدريعي يقول: إنه كتب له بعض أصدقائه عندما انكسرت رجله، ولكن البيت في نونية علي بن محمد البستي هكذا:\nكل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيَّع المرءَ إخلاصٌ وإيمانُ\nوكل كسر فإن الدين يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران\nانظر: الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، ص٦٢٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٢٨.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٤) ابن ماجه، واللفظ له، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة، برقم ١٥٩٩، والدارمي، ١/ ٤٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١١٠٦.","vol":"3","page":1206},{"text":"اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم أن المرء غير مخلد (١)\nوإذا ذكرت محمدًا ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2019>الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة </span>في غير الدين أهون وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2020>وكل كسر فإن الله يجبره </span>... وما لكسر قناة الدين جبران\nوذكر أن امرأة من العرب مرت بابنين لها وقد قتلوا فقالت: الحمد لله رب العالمين، ثم قالت:\nوكل بلوى تصيب المرء عافية ... ما يُصَبْ غيره المجمع في النار (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2021>الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة</span>، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2022>أما الأدلة من الكتاب:</span>\n١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكئوُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ\nالدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).\n٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ الناس وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآيَاتِ\n_________\n(١) انظر: مقومات الداعية الناجح، للمؤلف، ص٢٦٠ - ٢٧٩.\n(٢) برد الأكباد عند فقد الأولاد؛ لابن ناصر الدين، ص٦١.\n(٣) سورة الزخرف، الآيات: ٣٣ - ٣٥.","vol":"3","page":1207},{"text":"لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).\n٣ - وقال - ﷿ -: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٢).\n٤ - وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣).\n٥ - وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).\n٦ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥).\n٧ - وقال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦).\n٨ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ\nخَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٧).\n٩ - وقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٨).\n١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ٢٤.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ٤٥.\n(٣) سورة القصص، الآية: ٦٠.\n(٤) سورة القصص، الآية: ٨٣.\n(٥) سورة القصص، الآية: ٨٨.\n(٦) سورة الشورى، الآية: ٣٦.\n(٧) سورة الأنعام، الآية: ٣٢.\n(٨) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.","vol":"3","page":1208},{"text":"وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).\n١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٢).\n١٢ - وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2023>وأما الأدلة من السنة المطهرة</span>، فقد زهَّد النبي - ﷺ - الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله - ﷺ -.\n١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: «خرج النبي - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبر الشعير» (٤).\n٢ - وقالت: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر» (٥).\n٣ - وقالت: «إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما\nأوقدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» (٦).\n٤ - وقال - ﷺ -: «لو كان لي مثل أُحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا أرصُدُهُ لدَيْن» (٧).\n_________\n(١) سورة الحديد، الآية: ٢٠.\n(٢) سورة الرحمن، الآيتان: ٣٦، ٣٧.\n(٣) سورة غافر، الآية: ٣٩.\n(٤) البخاري، كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون، برقم ٥٤١٤.\n(٥) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٥.\n(٦) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه، وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٩.\n(٧) متفق عليه: البخاري، كتاب الاستقراض وأداء الديون، والحجر والتفليس، باب أداء الديون، برقم ٢٣٨٩، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة، برقم ٩٩١.","vol":"3","page":1209},{"text":"٥ - وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب - ﵁ -، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشًا أَوْثَرَ من هذا؟ فقال - ﷺ -: «ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها» (١).\n٦ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: «ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض» (٢). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٣).\n٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: «كان فراش رسول الله - ﷺ - من أَدَم وحشوُهُ ليف» (٤).\n٨ - ومع هذا كان يقول - ﷺ -: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا» (٥).\n٩ - وقال - ﷺ -: «قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعَهُ الله بما آتاه» (٦).\nوأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:\n١٠ - حديث مطرّف عن أبيه - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ:\n﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر﴾ قال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا\n_________\n(١) أحمد في المسند، ١/ ٣٠١ بلفظه، والترمذي بنحوه، في كتاب الزهد، باب ٤٤، برقم ١٣٧٧، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١٠٩، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٢٨٠، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٩٤.\n(٢) البخاري، كتاب الأطعمة، باب قول الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية، برقم ٥٣٧٤.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر، ٩/ ٥١٧، ٥٤٩.\n(٤) البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٥٦.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا، برقم ٦٤٦٠، ومسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، واللفظ له، برقم ١٠٥٥.\n(٦) مسلم، كتاب الزكاة، باب الكفاف والقناعة، برقم ١٠٥٤.","vol":"3","page":1210},{"text":"ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» (١).\n١١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «يقول العبد: مالي مالي إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، [و] ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» (٢).\n١٢ - وقال النبي - ﷺ - مرة لأصحابه «أيكم مال وراثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر» (٣).\n١٣ - ودخل النبي - ﷺ - السوق يومًا فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟» قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكُّ (٤)، فكيف وهو ميت؟ فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم» (٥).\n١٤ - وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٦).\nوالدنيا مذمومة إذا لم تستخدم في طاعة الله - ﷿ -:\n١٥ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو\n_________\n(١) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٨.\n(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٩.\n(٣) البخاري، كتاب الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له، برقم ٦٤٤٢.\n(٤) الأسك: مصطلم الأذنين مقطوعهما.\n(٥) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٥٧.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٠، والترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله - ﷿ -، وقال: «هذا حديث صحيح» برقم ٢٣٢٠، وابن المبارك في الزهد والرقائق عن رجال من أصحاب النبي - ﷺ -، برقم ٤٧٠، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٣، وفي صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٠.","vol":"3","page":1211},{"text":"متعلمٌ» (١)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة، مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله - ﷿ -؛ ولِهوانها على الله - ﷿ - لم يبلّغ رسوله - ﷺ - فيها وهو أحب الخلق إليه.\n١٦ - فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير (٢).\nوقوله: «وما والاه» أي ما يحبه الله من أعمال البر، وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات، ومستحسنات الشرع، وقوله: «وعالم أو متعلم» العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول، وما لا يتعلق بالدين. والرفع في «عالم أو متعلم» على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمدُ مما فيها «إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم» (٣)، فإذا رأى العاقل من ينافسه في الدنيا فعليه\nأن ينصحه ويحذره وينافسه في الآخرة (٤).\n١٧ - وفي قصة أبي عبيدة - ﵁ - عندما قدم بمال من البحرين فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر، تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم وقال: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟» قالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فأبشروا، وأمّلوا ما يسرُّكم، فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها\n_________\n(١) الترمذي، بلفظه، كتاب الزهد، بابٌ: حدثنا محمد بن حاتم، برقم ٢٣٢٢، وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب مثل الدنيا، برقم ٤١١٢، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٤.\n(٢) انظر: البخاري، كتاب البيوع، باب شراء الطعام إلى أجل، برقم ٢٢٠٠، ومسلم، كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر والسفر، برقم ١٦٠٣.\n(٣) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ١٠/ ٣٢٨٤ - ٣٢٨٥، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا على القاري، ٩/ ٣١، وتحفة الأحوذي للمباركفوري، ٦/ ٦١٣.\n(٤) فقه الدعوة للمؤلف، ٢/ ١٠٠٧.","vol":"3","page":1212},{"text":"وتهلككم كما أهلكتهم»، وفي رواية: «وتلهيكم كما ألهتهم» (١).\n١٨ - وفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض» قيل: وما بركات الأرض؟ قال: «زهرة الدنيا»، ثم قال: «إن هذا المال خَضِرَة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة]» (٢).\n١٩ - وقال خبَّاب - ﵁ -: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب» (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة» (٤).\nوذكر ﵀ آثارًا كثيرة في ذم البنيان ثم قال: «وهذا كله محمول\nعلى ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر» (٥).\nوالمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه.\n٢٠ - فعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلًا» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، برقم ٣١٥٨،٤٠١٥،٦٤٢٥،ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، برقم ٢٩٦١.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، برقم ٦٤٢٧، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم ١٠٥٢، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.\n(٣) متفق عليه: كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، برقم ٥٦٧٢، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، برقم ٢٦٨١.\n(٤) فتح الباري، بشرح صحيح البخاري، ١٠/ ١٢٩.\n(٥) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر، ١١/ ٩٣، و١٠/ ١٢٩.\n(٦) الحاكم وصححه ووافقه الذهبي،٤/ ٣٢٦،وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: «وهو كما قالا»، وصححه في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣١٦٥.","vol":"3","page":1213},{"text":"٢١ - وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلًا ولم أسدَّ فقرك» (١). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ (٢).\nولاشك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة، بل وحتى الأعمال المباحة.\n٢٢ - وعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (٣).\n٢٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له» (٤).\n٢٤ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما\n_________\n(١) الترمذي، تاب صفة القيامة، باب حدثنا قتيبة، برقم٢٤٦٦،وحسنه، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم٤١٠٨،وأحمد،٢/ ٣٥٨،والحاكم وصححه ووافقه الذهبي،٢/ ٤٤٣،وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم٣١٦٦،وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة،٣/ ٣٤٦، وفي صحيح سنن الترمذي،٢/ ٥٩٣.\n(٢) سورة الشورى، الآية: ٢٠.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهم بالدنيا، برقم ٤١٠٥، وصحح الألباني إسناده في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٥٠، وصحيح الجامع، ٥/ ٣٥١.\n(٤) الترمذي، في كتاب صفة القيامة، باب: حدثنا سويد، برقم ٢٤٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٩٣، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٩ - ٩٥٠.","vol":"3","page":1214},{"text":"يفنى» (١).\n٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليبلغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته</span>، ووالديه وأهله، ومن يحب في الجنة، وهذا الاجتماع الذي لا فراق بعده لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مّنْ عَمَلِهِم مّن شَيْءٍ﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير ﵀: «يخبر الله تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل ولا ينقص ذلك من\nعمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذلك» (٤). وهذا فضله تعالى على الأولاد ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأولاد فثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك» (٥)،قال العلامة السعدي ﵀: «وهذا من تمام نعيم أهل الجنة أن\n_________\n(١) أحمد، ٤/ ٤١٢، وابن حبان برقم ٧٠٩، والحاكم، ٤/ ٣١٩، قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، برقم ٤٧٤٤: «رواه أحمد ورواته ثقات». وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب على الحديث برقم ٣٢٤٧: «صحيح لغيره»، وذكر له شاهدًا في الأحاديث الصحيحة، برقم٣٢٨٧.\n(٢) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٤/ ٣١٠، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم ٣٢٤٨.\n(٣) سورة الطور، الآية: ٢١.\n(٤) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١٢٦٨، ٤/ ٢٤٣.\n(٥) أخرجه أحمد في المسند،٢/ ٢٠٩،قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: «إسناده صحيح».","vol":"3","page":1215},{"text":"ألحق الله بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان: أي الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم فصارت الذرية تبعًا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يُلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها جزاء لآبائهم وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئًا» (١).وهذا هو الفوز العظيم.\nنسأل الله تعالى أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع آبائنا، وذرياتنا، وأزواجنا، وجميع أهلينا وأحبابنا إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.\nولاشك أن من فارق ذريته وأهله، وأحبابه في الآخرة فقد خسر خسرانًا مبينًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٢)، أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا، وسواء ذهب أهلوكم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا\nسرور، وهذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح» (٣).\nوقال الله - ﷿ -: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (٤)،قال الإمام ابن كثير ﵀: «أي ذهب\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن، للعلامة السعدي، ص٨١٥، وانظر: تفسير الطبري، ٢٢/ ٤٦٧ - ٤٧٠، وتفسير البغوي، ٤/ ٢٣٨.\n(٢) سورة الزمر، الآية: ١٥.\n(٣) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١١٥١.\n(٤) سورة الشورى، الآيتان: ٤٤ - ٤٥.","vol":"3","page":1216},{"text":"بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرّق بينهم وبين أحبابهم، وأصحابهم، وأهاليهم، وقراباتهم فخسروهم» (١).\nوقد ذكر أن بعض الصالحين مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا، حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فكتب إليه، ومما كتب إليه:\nإني معزيك لا أنّي على ثقةٍ ... من الحياة ولكن سنة الدين\nفما المعزَّى بباقٍ بعد ميته ... ولا المعزّي ولو عاشا إلى حين (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2025>الرابع عشر: غسل الميت</span>\nيراعى في تغسيل الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2026>الأمر الأول: معرفة العلامات التي تدل على خروج الروح بالموت </span>(٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2027>١ - شخوص البصر: </span>أي انفتاحه؛ لحديث أمّ سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله - ﷺ - على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2028>٢ - انخساف الصدغين؛ لارتخاء الفك السفلي؛ ولارتخاء الأعضاء عمومًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2029>٣ - ميل الأنف إلى اليمين أو الشمال</span>.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص١١٩٤.\n(٢) برد الأكباد عند فقد الأولاد، لابن ناصر الدين، ص٦٧.\n(٣) قال في الروض المربع، ٢/ ٢٤: «فإن مات فجأة، أو شك في موته انتظر به حتى يعلم موته: بانخساف صدغيه، وميل أنفه، وانفصال كفيه، واسترخاء رجليه». وقال ابن قدامة في المغني،\n٣/ ٣٦٧: «وإن اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت: من استرخاء رجليه، وانفصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه، وإن مات فجأة: كالمصعوق، أو خائفًا من حرب أو سبع، أو تردَّى من جبل، انتظر به هذه العلامات». وكذلك قال في الشرح الكبير على المقنع، ٦/ ٢٣، وقال المرداوي في الإنصاف: «وإن كان موته فجأة: كالموت بالصعقة، والهدم، والغرق، ونحو ذلك، فينتظر به حتى يعلم موته» الإنصاف مع الشرح الكبير، ٦/ ٢٢.\n(٤) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.","vol":"3","page":1217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2030>٤ - انفصال الكفين؛ لاسترخاء عصب اليد فتبقى كأنها منفصلة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2031>٥ - استرخاء الرجلين، فتلين وتسترسل بعد خروج الروح؛ لصلابتها قبله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2032>٦ - سكون القلب ووقوف ضرباته تمامًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2033>٧ - امتداد جلدة الوجه أحيانًا </span>(١) (٢).\nويغني عن ذلك كله شهادة الأطباء الثقات بأن فلانًا قد مات وخرجت روحه من جسده تمامًا بلا شك ولا ريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2034>الأمر الثاني: آدابٌ يحتاج إليها الميت عقب موته، من أهمها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2035>١ - تغميض عينيه</span>؛ لحديث أمّ سلمة ﵂ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2036>٢ - يُدعى له</span>؛ لحديث أمّ سلمة السابق، فيقال: «اللهم اغفر لفلان [باسمه] وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين،\nواغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوّر له فيه» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2037>٣ - شد لحييه؛ لإقفال فمه</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب شدُّ لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه؛ لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد، بقي مفتوحًا فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله» (٥) (٦)،\nومعلوم أنه بعد أن يبرد تبقى العينان مغمضتين والفم مغلقًا، فيحسن\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٧.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٧، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٢ - ٢٣، والروض المربع مع حاشية ابن القاسم، ٣/ ٢٤.\n(٣) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه.\n(٤) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه.\n(٥) المغني لابن قدامة،٣/ ٣٦٦،والشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف،٦/ ١٨، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم،٣/ ٢١،والشرح الممتع لابن عثيمين،٥/ ٣٢٥.\n(٦) ذكر ابن قدامة في المغني، ٣/ ٣٦٥، قال ﵀: «وروي أن عمر - ﵁ - قال لابنه حين حضرت الوفاة: ادن مني فإذا رأيت روحي قد بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني وأغمضني». ولم يسنده ﵀. قلت: وهاتان الصفتان تجمع أمرين: إغماض الميت، وإغلاق فمه. وانظر: أيضًا: الإحكام شرح أصول الأحكام، لابن قاسم، ٢/ ٢٢.","vol":"3","page":1218},{"text":"منظره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2038>٤ - تليين مفاصله، مفاصل اليدين، والرجلين، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه</span>، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من غسله، وتكفينه، وتمديده، وخلع ثيابه، وهذه الصفة تستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها ببرودته، وإذا شرع في غسله، وإن شق ذلك لقسوة عظام الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه ويصير به ذلك إلى المثلة (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2039>٥ - تخلع ثيابه ويستر بثوب يكون شاملًا للبدن كله، أما خلع الثياب</span>؛ فلقول الصحابة - ﵃ - حينما مات رسول الله - ﷺ -، قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي - ﷺ - قالوا: والله ما ندري أنجرّدُ رسول الله - ﷺ - كما نجرّدُ\nموتانا؟ أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذَقْنُهُ في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هُوَ: أن اغسلوا النبي - ﷺ - وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله - ﷺ - فغسلوه وعليه قميصُهُ، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب خلع ثياب الميت؛ لئلا يخرج منه شيء يفسُدُ به، ويتلوث بها إذا نزعت عنه ...» (٣).\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٧٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٩، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٢٥،والإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن محمد بن قاسم،٢/ ٢٢.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله، برقم ٣١٤١، وأحمد، ٦/ ٢٦٧، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٣/ ٥٩، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٢٨٦.\n(٣) المغني، ٣/ ٣٦٨.","vol":"3","page":1219},{"text":"وأما ستره بثوب يغطي جميع بدنه؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: «سُجّي رسول الله - ﷺ - حين مات بثوب حَبِرةٍ» (١)، إلا المحرم، فلا يغطى رأسه ولا وجهه؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه: «ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2040>٦ - يوضع على بطنه شيء ثقيل، ليمنع انتفاخه إذا لم يعجل بتغسيله</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويجعل على بطنه شيء من خ٣ كمرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ بطنه ...» (٣). وقد ورد ذلك في بعض الآثار عن أنس - ﵁ -، وعن الشعبي ﵀ (٤)، ولكن إذا أُسرع بالجنازة في\nتجهيزها، أو وُضعت في ثلاجة وأُمِنَ من انتفاخ البطن فلا داعي لذلك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2041>٧ - يُجعل على سرير غسله أو لوح؛ لأنه أحفظ له</span>، ولا يُترك على الأرض؛ لئلا يُسرع إليه التغير، ويجعل منحدرًا نحو رجليه (٦)،قال الإمام البيهقي ﵀، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «لما فُرغَ من جهاز رسول الله - ﷺ - يوم الثلاثاء وُضِعَ على سريره في بيته - ﷺ -» (٧).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٨١٤،ومسلم، برقم ٩٤٢،وتقدم تخريجه في الآداب لمن حضر الوفاة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٨٣٩،ومسلم، برقم ١٢٠٦،وتقدم تخريجه في الآداب لمن حضر الوفاة.\n(٣) المغني لابن قدامة على مختصر الخرقي،٣/ ٣٦٦، وانظر: الشرح الكبير على المقنع والإنصاف،٦/ ١٨.\n(٤) قال الإمام البيقي في السنن الكبرى: عن عبد الله بن آدم قال: مات مولىً لأنس بن مالك عند مغيب الشمس فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة، ويذكر عن الشعبي أنه سئل عن السيف يوضع على بطن الميت قال: إنما يوضع ذلك مخافة أن ينتفخ، البيهقي،٣/ ٣٨٥، وروى ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال: «كان يستحب أن يوضع السيف على بطن الميت» المصنف،٣/ ٢٤١.\n(٥) قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «ولكن هل هذا يمنع الانتفاخ؟ لا أظنه يمنع؛ لأن الانتفاخ إذا حصل يقطع الخيوط فلا يغني شيئًا إلا إن كان يوضع عليه حديدة وزن الجبل فهذا شيء ثان ... وفي عصرنا الآن نستغني عن هذا وهو أن يوضع في ثلاجة إذا احتيج إلى تأخير دفنه ...» وقال عن الأثر: «فيه نظر» الشرح الممتع، ٥/ ٣٢٧.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٨، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٦/ ٢٠.\n(٧) السنن الكبرى، ٣/ ٣٨٥، في كتاب الجنائز، باب ما يستحب من وضع شيء على بطنه ثم وضعه على سرير؛ لئلا يسرع انتفاخه.","vol":"3","page":1220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2042>الأمر الثالث: الإسراع بتجهيزه</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (١)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وُضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2043>الأمر الرابع: معرفة الفضل والأجر العظيم، لمن تولَّى غسل الميت المسلم</span>، وستر عليه ما يكره، وأخلص في ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريد به جزاء ولا شكورًا إلا من الله - ﷿ -، ولا يريد شيئًا من أمور الدنيا؛\nلحديث أبي رافع - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غسل مسلمًا فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أُجريَ عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة» (٣). وهذا لفظ البيهقي، ولفظ الحاكم: «من غسل ميتًا فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتًا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبرًا فأجنه فيه أُجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة». ولفظ الطبراني في المعجم الكبير: «من غسل ميتًا فكتم عليه غفر له أربعين كبيرة، ومن حفر لأخيه\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٥، ومسلم، برقم ٩٥٠، وتقدم تخريجه في الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم.\n(٢) البخاري، برقم ١٣١٤،ورقم ١٣١٦،ورقم ١٣٨٠،وتقدم تخريجه في تذكر الحمل على الأكتاف.\n(٣) البيهقي في السنن الكبرى، ٣/ ٣٩٥، والحاكم، ١/ ٣٥٤، والطبراني في الكبير ١/ ٣١٥، برقم ٩٢٩، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي، وقال العلامة الألباني في الجنائز، ص٦٩: «هو كما قالا».وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رجاله رجال الصحيح» ٣/ ٢١، وقال ابن حجر في الدراية (١٤٠): «إسناده قوي». قلت: وله شاهد من حديث أبي أمامة - ﵁ - عند الطبراني في الكبير برقم ٨٠٧٧، ورقم ٨٠٧٨.","vol":"3","page":1221},{"text":"قبرًا حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكنًا مرة حتى يُبعث»؛ ولقول النبي - ﷺ -: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ...» (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ وفيه: «ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٢)، وغير ذلك من الأدلة والآثار الواردة (٣)، ولا بأس بالإخبار بما يشاهده\nالغاسل من علامات الخير: كبياض الوجه، أو التبسم، أو غير ذلك من العلامات التي تبشر بالخير، أما العلامات التي تدل على الشر فلا يخبر بها؛ لأن ذلك يحزن أهل الميت ويؤذيهم، وهو من الغيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسودَ، أو غير ذلك فلا بأس (٤).\nقال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: «وإن رأى حسَنًا مثل: أمارات الخير: من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك استحب إظهاره؛ ليكثر الترحم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2044>الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيًّا وميتًا</span>؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن كسر عظم المؤمن ميتًا\n_________\n(١) مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، برقم ٢٦٩٩، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، برقم ٢٤٤٢، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم ٢٥٨٠.\n(٣) ومن ذلك ما روي عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «من غَسَلَ ميتًا فأدّى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».قال: «ليَلِه أقربكم منه إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم، فمن ترون أن عنده حظًّا من ورع وأمانة» أحمد في المسند،٤١/ ٣٧٤،برقم ٢٤٨٨١، ورقم ٢٤٩١٠،وغيره، وضعفه أصحاب موسوعة مسند الإمام أحمد،٤١/ ٣٧٥، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، ٣/ ٢١ وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه جابر الجعفي وفيه كلام كثير».\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٢٣.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٧١، وانظر: الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٥.","vol":"3","page":1222},{"text":"مثل كسره حيًّا». وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن ماجه: «كسر عظم الميت ككسره حيًّا» (١). وهل يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه في حياته أو يوصي بذلك مع موته؟ اختلف العلماء في ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2045>الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين</span>، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن\nعباس ﵄ في الذي وقصته راحلته أن النبي - ﷺ - قال فيه: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (٣)، والأمر يقتضي الوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت إنما يوجه الخطاب للعموم، فإذا قام به بعضهم كفى (٤)؛ ولحديث أمّ عطية ﵂ وفيه أمر النبي - ﷺ - للنساء اللاتي يغسلن ابنته «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا، أو سبعًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (٥).\n_________\n(١) أحمد، ٦/ ٥٨، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الحفار يجد العظم هل يتنكَّب ذلك المكان، برقم ٣٢٠٧، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في النهي عن كسر عظم الميت، برقم ١٦١٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠١.\n(٢) اختلف العلماء في تبرع الإنسان ببعض أعضائه في حياته، أو الوصية بها بعد مماته، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «والراجح أن الإنسان إذا تبرع بشيء من أعضائه في حياته أنه لا يجوز ذلك عندي؛ لأنه ليس له التصرف في شيء من أعضائه، وليست ملكًا له، ورأى هيئة كبار العلماء بالأكثرية أنه لا بأس بذلك إذا تبرع بذلك في حياته، ولكن هناك منهم من توقف وأنا ممن توقف، ورأيت أن ذلك ليس ملكًا له، حتى لو كان حيًّا فتبرع بكلية أو غيرها، فإني أرى عدم التبرع مطلقًا: لا في الحياة، ولا بعد الموت، لما تقدم أنها ليست ملكًا له. أما الدم والتبرع به فلا بأس؛ لأن الأمر فيه يسير»، انتهى كلامه ﵀. وقد سمعته يقول ذلك أثناء تقريره على المنتقى من أخبار المصطفى، لأبي البركات عبد السلام ابن تيمية، الحديث رقم ١٧٨١.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، برقم ١٢٦٥، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، برقم ١٢٠٦.\n(٤) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٣٦، والروض المربع، ٢/ ٢٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب يجعل الكافور في الأخيرة، برقم ١٢٥٩، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في غسل الميت، برقم ٩٣٩.","vol":"3","page":1223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2046>الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة</span>، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «رجع رسول الله - ﷺ - من البقيع فوجدني وأنا أجد صُداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! فقال: «بل أنا يا عائشة وارأساه!» ثم قال: «ما ضرَّك لو مُتّ قبلي فقمتُ عليك فغسَّلتك، وكفَّنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك» (١).\nوعن عائشة ﵂، قالت: «لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسَّل النبي - ﷺ - غيرُ نسائه» (٢).\nقال الإمام الشوكاني ﵀: «فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياسًا، وبغسل أسماء لأبي بكر لما تقدم، وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن (٣)،ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليّ وأسماء فكان إجماعًا» (٤).\nوقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز﵀-: «تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك، وقد غسل علي - ﵁ - زوجته فاطمة، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق - ﵁ -» (٥).\nوقال: «أما غير الزوجة كالأم والبنت فلا يجوز للرجل تغسيلهما ولا غيرهما من محارمه النساء، ويلحق بالزوجة المملوكة التي يباح له وطؤها فلا بأس بغسلها إذا\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها، برقم ١٤٦٥، وأحمد، ٦/ ٢٢٨، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١، وأحكام الجنائز، ص٦٧.\n(٢) ابن ماجه بلفظه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته، وغسل المرأة زوجها، برقم ١٤٦٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في ستر الميت عند غسله، برقم ٣١٤١،وأحمد،٦/ ٢٦٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١،وصحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٥، وفي أحكام الجنائز، ص٦٧.\n(٣) قال العلامة الألباني ﵀ في إرواء الغليل، برقم ٧٠١: «حديث غسل علي فاطمة ﵂ حسن. أخرجه الحاكم، ٣/ ١٦٣ - ١٦٤،وعنه البيهقي، ٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧.\n(٤) نيل الأوطار، ٢/ ٦٨٧.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز،١٣/ ١٠٧ - ١٠٨،وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٦/ ٤١ - ٥٠.","vol":"3","page":1224},{"text":"ماتت؛ لأنها كالزوجة، وهكذا البنت الصغيرة التي دون السبع، لا حرج على الرجل في تغسيلها سواء كان محرمًا أو أجنبيًّا عنها؛ لأنها لا عورة لها، وهكذا المرأة لها تغسيل الصبي الذي دون السبع» (١).\nوإن مات رجل بين نساء له سبع سنين فأكثر، فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة أو مملوكة، وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال لها سبع سنين فأكثر؛ فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيدًا أو زوجًا، وكذلك لو تعذر تغسيل الميت؛ لكونه محترقًا، أو عند عدم الماء، ففي هذه الصور المتقدمة ييمم الميت؛ لأن التربة الطاهرة تقوم مقام الماء في تغسيل الميت في هذه الأحوال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2047>الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهما أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يُصلّ عليهم». وفي رواية أنه - ﷺ - قال: «ادفنوهم في دمائهم» يعني يوم أحد ولم يغسلهم (٣). ولفظ أحمد: «لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكًا يوم القيامة، ولم يصلَّ عليهم» (٤).\nوجريح المعركة إذا مات بعدها متأثرًا بجراحه يغسل ويكفن ويصلَّى عليه، وله أجر الشهيد إذا خلصت نيته، وكذلك المقتول ظلمًا يغسل\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٠٩.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٨١، المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٥٢ - ٥٣، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٤٣، ومجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ١٢٣.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد، برقم ١٣٤٣، وباب من لم ير غسل الشهداء، برقم ١٣٤٦.\n(٤) أحمد، ٣/ ٣٩٩، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٣/ ١٦٤.","vol":"3","page":1225},{"text":"ويصلى عليه، وله أجر الشهيد، وفضل الله يؤتيه من يشاء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2048>الأمر التاسع: المحرم لا يُطيَّب ولا يُحنَّط ولا يُغطَّى رأسه ولا وجهه</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢)، - أو قال: فأوقصته - فقال رسول الله - ﷺ -: «اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه، ولا تخمّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبّيًا»، وفي لفظ لمسلم: «... ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2049>الأمر العاشر: لا يَغْسِلُ الميت إلا: المسلم، العاقل، المميز، الأمين </span>(٤) الثقة، العارف بأحكام الغسل، والأولى به وصيه العدل (٥)؛ لما رُوي أن أبا بكر الصديق - ﵁ - أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ﵂ فقامت بذلك (٦)، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل (٧)،\n_________\n(١) انظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٤٦٧ - ٤٧٨، ومجموع فتاوى الإمام ابن باز، ١٣/ ١٢١، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٦٤.\n(٢) وقصته: الوقص: كسر العنق. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٥/ ٢١٤.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥ - ١٢٦٨، و١٨٣٩، و١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه في حكم غسل الميت.\n(٤) انظر: الكافي، لابن قدامة، ٢/ ١٥.\n(٥) يتولى غسل الميت: المسلم الأمين، العارف بأحكام الغسل، فإن تنازع الناس في ذلك قُدّم وصيّه العدل العارف بأحكام الغسل، فإن لم يكن له وصي وتنازعوا فيمن يغسله قدّم العصبات، وأولاهم أبوه ثم جده، ثم ابنه، ثم ابن ابنه وإن نزل ثم الأقرب فالأقرب من عصباته على ترتيب الميراث. [المقنع والشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ٣٠]، وأولى الناس بغسل المرأة عند النزاع: وصيتها، ثم أمها ثم جدتها، ثم ابنته، ثم القربى، فالقربى، الكافي لابن قدامة، ٢/ ١٢.\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع،٥/ ٣٣٩: «هنا قدموا ولاية الأصول على الفروع، وفي باب الميراث قدموا الفروع على الأصول، وفي ولاية النكاح قدموا الأصول على الفروع ...» وهذا عند المشاحة والتنازع في تغسيل الميت، أما عند عدم المشاحة فلا بأس أن يتولى التغسيل من تفرع لذلك إذا كان ثقة، مسلمًا، عاقلًا، مميزًا. انظر: المغني،٣/ ٤٠٦،وفتاوى أحكام الجنائز لابن عثيمين، ص٨٥،والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف مع الشرح الكبير والمقنع، ٦/ ٢٩.\n(٦) البيهقي ٣/ ٣٩٧،وضعفه الألباني في معرفة الراجح من الخلاف مع الشرح الكبير والمقنع، ٦/ ٢٩.\n(٧) طبقات ابن سعد، ٧/ ٢٥، قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في كتاب التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل ص٣٣: «وهذا إسناد صحيح».","vol":"3","page":1226},{"text":"ويتولى غسله إن لم يكن له وصي من كان أعرف بسنة الغسل، لاسيما إذا كان من أهله وأقاربه؛ لأن الذين تولوا غسل النبي - ﷺ - كانوا كذلك، فقد قال سعيد بن المسيب، قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «غسلت رسول الله - ﷺ -، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أرَ شيئًا وكان طيّبًا حيًّا وميتًا - ﷺ -، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله - ﷺ -، ولحد رسول الله - ﷺ - لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا». ولفظ ابن ماجه: عن علي - ﵁ - قال: لما غَسَّل النبي - ﷺ - ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجده، فقال: «بأبي الطيّبُ! طبتَ حيًّا وميتًا» (١).\nوفي مرسل الشعبي أنه غسل النبي - ﷺ - مع علي - ﵁ -: الفضل - يعني ابن عباس - وأسامة بن زيد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2050>الأمر الحادي عشر: صفة غسل الميت: المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2051>١ - يُجعل على سرير في مكان مستور عن جميع الأنظار </span>(٣)، ويكون المكان مسقوفًا بسقفٍ إن أمكن؛ ليكون أكمل في الستر فيكون في بيت\n_________\n(١) الحاكم واللفظ الأول له، ١/ ٣٦٢، والبيهقي، ٣/ ٣٨٨، نحو لفظ الحاكم، وابن ماجه باللفظ الثاني، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل النبي - ﷺ -، برقم ١٤٦٧، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين لم يخرجا منه غير اللحد، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١، وفي أحكام الجنائز، ص٦٨، وص١٨٧.\n(٢) قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٦٩: «أخرجه أبو داود، ٢/ ٦٩، وسنده صحيح مرسل، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه (٢٣٥٨) بسند ضعيف.\n(٣) ذكر الإمام ابن قدامة: أن الفرض في غسل الميت ثلاثة أشياء: النية، وتعميم البدن بالغسل، وفي التسمية وجهان بناء على غسل الجنابة، ويسن ثمانية أشياء: حني الميت، وإمرار اليد على بطنه، ثم يلف على يده خرقة وينجيه بها، ثم يوضئه، ثم يغسله بماء وسدر، ويغسل رأسه برغوة السدر، ويبدأ بشقه الأيمن، ويغسله وترًا، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا [الكافي، ٢/ ١٧ - ٢٠].","vol":"3","page":1227},{"text":"أو خيمة، أو غرفة، أو نحو ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2052>٢ - لا يحضره إلا من يباشر تغسيله أو من يحتاج إليه المغسل</span>؛ ليساعده؛ لأن الميت ربما كان به عيب يستره في حياته ولا يحب أن يطلع عليه الناس، وربما بدت عورة الميت من غير قصد الغاسل فيشاهدها من يحضر، فلا يحضره أحد أثناء التغسيل (٢) إلا من يضطر المغسل إليه؛ ليساعده على التغسيل، وإذا ظهر عيب وجب أن يستره المغسل ومن يساعده، وإذا ظهرت علامات الخير استحب الإخبار بها؛ ليدعى له ويقتدى بصفاته الحسنة (٣) (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2053>٣ - يليّن مفاصله، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه</span>، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من تغسيله، وتمديده، وخلع ثيابه، وتكفينه، وقد ذكر الإمام ابن قدامة ﵀: أن ذلك يستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها وبرودته، وإذا شرع في غسله؛ وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه، ويصير به ذلك إلى المثلة (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2054>٤ - يوضع على عورة الميت سِتر من سرته إلى ركبته تدخل من تحت ثيابه وتلف على عورته</span>؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: «وإذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإنما\n_________\n(١) انظر: المغني، لابن قدامة، ٣/ ٣٧٠، والشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف ٦/ ٥٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٤٧.\n(٢) وقال القاضي وابن عقيل: لوليه أن يدخل عليه كيف شاء. قال المرداوي: «وما هو ببعيد» انظر: المغني، ٣/ ٣٧١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٥٩.\n(٣) انظر: المغني، ٣/ ٣٧١، والشرح الكبير، ٦/ ٥٩.\n(٤) لابد من مراعاة الأمور الآتية في تغسيل الميت: أن يكون الماء طهورًا مباحًا، وأن يكون الغاسل: مسلمًا، عاقلًا، ومميزًاً [الإنصاف للمرداوي مع الشرح الكبير، ٦/ ٢٥ - ٢٧].\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٧٢، وانظر: الشرح الكبير، ٦/ ١٩.","vol":"3","page":1228},{"text":"أسفل من سرته إلى ركبته من عورته» (١)،ولا ينظر إلى فخذ حي ولا ميت (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2055>٥ - يجرد من ثيابه بعد ستر عورته كما تقدم</span>؛ لأن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا حينما مات ﵊: «والله ما ندري أنجرّدُ رسول الله - ﷺ - كما نُجرّدُ موتانا أم نغسله وعليه ثيابه ...» (٣) فدل ذلك أنهم كانوا يجرّدون الموتى وينزعون عنهم الثياب قبل التغسيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2056>٦ - تُقلّم أظفاره، ويقص شاربه؛ لأن هذا من تنظيف الميت إذا كانت طويلة</span>؛ لأن هذا من نظافة الميت، وتجميله، وتحسينه، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب تقليم أظفار الميت وقصّ شاربه؛ لأن ذلك سنة في حياته» (٤).\nوقال الإمام ابن باز ﵀: «يستحب قص شاربه وقلم أظفاره، وأما حلق العانة ونتف الإبط فلا أعلم ما يدل على شرعيته، والأولى ترك ذلك؛ لأنه شيء خفي وليس بارزًا: كالظفر، والشارب» (٥) (٦).\n_________\n(١) أحمد، ٢/ ١٨٧، وأبو داود، برقم ٤٩٥، وحسنه الألباني في الإرواء، ١/ ٣٠٢، وتقدم تخريجه في شروط الصلاة.\n(٢) وفي حديث علي: «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت»، أبو داود، برقم ٢٧٣٢، وضعفه الألباني في إرواء الغليل، برقم ٢٦٩.\n(٣) أبو داود في ستر الميت عند غسله، برقم ٣١٤١، وحسنه الألباني، وتقدم تخريجه في الأمر الثاني.\n(٤) الكافي،٢/ ٢١،وانظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٤٨٢،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٦/ ٧٨.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١١٤.\n(٦) خصال الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. أما الختان فلا يستعمل مع الميت بالاتفاق، ويحرم ختنه بلا نزاع في مذهب الحنابلة. قاله المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٨١]. وأما قص الشارب فيقص على مذهب الحنابلة بلا نزاع، وهو قول للشافعي كذلك. قاله المرداوي [في الإنصاف،٦/ ٧٨].وقال أبو حنيفة ومالك: لا يؤخذ من الميت شيء، والراجح مذهب الحنابلة وهو أحد قولي الشافعي أنه يقص شارب الميت إن كان طويلًا، قال ابن قدامة [في المغني، ٣/ ٤٨٢]: «وهذا قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق».\nوأما قص الأظفار فقال الإمام ابن قدامة [في المغني ٣/ ٤٨٣]: «فأما الأظفار إذا طالت ففيها روايتان: إحداهما لا تقلم، قال أحمد: لا تقلم أظفاره وينقى وسخها وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأن الظفر لا يظهر كظهور الشارب فلا حاجة إلى قصه، و[الرواية] الثانية يقص إذا كان فاحشًا نص عليه؛ لأنه من السنة، ولا مضرة فيه فيشرع أخذه كالشارب، ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة ...» وقال المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٩]: «قوله: ويقلم أظفاره: هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وهو من المفردات».\nوأما نتف الإبط فقال المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٩]: «يأخذ شعر إبطيه على الصحيح من المذهب نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب ...» وقال [في الشرح الكبير، ٦/ ٧٩]: «ويخرج في نتف الإبط وجهان، بناء على الروايتين في قص الأظفار؛ لأنه في معناه».\nوأما العانة فقال الإمام ابن قدامة [في المغني، ٣/ ٤٨٣]: «وأما العانة فظاهر كلام الخرقي أنها لا تؤخذ، لتركه ذكرها، وهو قول ابن سيرين، ومالك، وأبي حنيفة؛ لأنها يحتاج في أخذها إلى كشف العورة، ولمسها، وهتك الميت، وذلك محرّم لا يفعل لغير واجب؛ ولأن العورة مستورة يستغنى بسترها عن إزالتها، وروي عن أحمد أن أخذها مسنون، وهو قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق؛ لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت [رواه عبد الرزاق برقم ٦٢٣٥]؛ ولأنه شعر إزالته من السنة فأشبه الشارب، والأول أولى، ويفارق الشارب العانة؛ لأنه ظاهر يتفاحش لرؤيته ولا يحتاج في أخذه إلى كشف العورة ولا مسها»، وقال المرداوي [في الإنصاف، ٦/ ٧٩]: «لا يأخذ شعر عانته على الصحيح من المذهب». قلت: والأقرب والأولى أن لا تؤخذ عانة الميت؛ لما تقدم؛ ولعدم الدليل على مشروعية ذلك، والله تعالى أعلم، وهذا الذي يرجحه شيخنا الإمام ابن باز [وانظر: للفائدة: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧، ومجموع فتاويه، ١٧/ ٨٧، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٢/ ١١٤].","vol":"3","page":1229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2057>٧ - يبدأ فيحني الميت حنيًا رفيقًا لا يبلغ به الجلوس، فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه </span>ويمرُّ بيده على بطنه فيعصره عصرًا رفيقًا، لأجل أن يُخرج منه ما كان مستعدًّا للخروج من النجاسات؛ لئلا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيلوث الكفن ويفسد الغسل - ويكثر صب الماء حين العصر صبًّا كثيرًا؛ ليذهب بما يخرج من النجاسات فلا تظهر رائحته، والأولى أن يكون في المكان الذي يغسل فيه الميت بخور مما يتدخن به الناس من عود ونحوه؛ لئلا يتأذى برائحة الخارج - إلا الحامل فلا يعصر بطنها؛ لئلا يؤذي الجنين (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2058>٨ - يلف الغاسل على يده اليسرى خرقةً أو قفازًا أو كيسًا فينجّيه بها</span>\nفيغسل فرجه فيصب الماء من تحت الإزار أو المنشفة التي قد وضعت\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣، والشرح الكبير على المقنع مع الإنصاف، ٦/ ٦١ - ٦٢، والكافي لابن قدامة، ٢/ ١٧، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٢٩، والشرح الممتع،\n٥/ ٣٤٨، وانظر آثارًا في ذلك: مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"3","page":1230},{"text":"على جميع عورة الميت، ويبالغ في تنظيف الفرجين حتى ينقي ما بهما من نجاسة، ولا يمس عورته بغير حائل؛ لأن النظر إلى العورة يحرم، فلمسها أولى بالتحريم (١)، ثم يلقي هذه الخرقة أو القفاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2059>٩ - يلف الغاسل على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوهما: </span>كالقفاز؛ لأن الصحابة - ﵃ - غسلوا رسول الله - ﷺ - وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2060>١٠ - يوضئه وضوءه للصلاة، ثم يبدأ بالميامن وأعضاء الوضوء والقفاز على يده</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» (٣). فينوي القيام بالوضوء والغسل، ويقول: بسم الله، ثم يغسل يديه ثلاثًا، ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها بالماء ويجعلها على أصبعيه ثم يدخل أصبعيه بين شفتيه فيمسح أسنانه وينظفها، ويدخل أصبعيه في منخريه وينظف المنخرين ولا يدخل الماء في فمه ولا في منخريه، وإنما يكتفي ببل الخرقة وينظف بها أسنانه ومنخريه ثلاثًا؛ ليقوم ذلك مقام المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي - ﷺ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٤). ويغسل وجهه ثلاثًا، ويغسل يديه: اليمنى إلى المرفق ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا، ويمسح رأسه إدبارًا وإقبالًا، ثم يحلّق بأصبعيه على أذنيه فيمسحهما، ويغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2061>١١ - يؤتى بالسدر فيغسل رأسه برغوة السدر، يبدأ بشق رأسه الأيمن\nثم الأيسر</span>، بعد أن يُخَضّ ويُرجّ حتى يكون له رغوة فيغسل رأسه\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٣٧٣، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٦٣، والكافي ٢/ ١٧، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم،٢/ ٣٩،والشرح الممتع لابن عثيمين،٥/ ٣٤٩.\n(٢) أبو داود، برقم ٣١٤١، وتقدم تخريجه.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٥٣، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٢٨٨،ومسلم، برقم ١٣٣٧ وتقدم تخريجه في صلاة المريض.","vol":"3","page":1231},{"text":"ولحيته؛ يفعل ذلك ثلاث مرات؛ لأن النبي - ﷺ - كان يبدأ بعد الوضوء بغسل رأسه في الجنابة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2062>١٢ - يبدأ بغسل جسد الميت فيبدأ بشقه الأيمن</span>؛ لقوله - ﷺ -: «ابدأن بميامنها» (٢) فيغسل يده اليمنى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيمن، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه فيكون الغسل من كتفه الأيمن حتى نهاية قدمه اليمنى، يدلكه باليد داخل القفاز مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر الذي يستر عورة الميت، ويكون الغسل بالماء والسدر مع ثفل السدر (٣) (٤)، ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن وما يليه،\nوكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يقلبه فيعيده على ظهره ويغسل يده\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٢٤٨، ورقم ٢٥٨، ومسلم، برقم ٣١٦، ورقم ٣١٨، وتقدم تخريجه في الغسل في كتاب الطهارة.\n(٢) متفق عليه: البخاري برقم ١١٥٩، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه في حكم تغسيل الميت.\n(٣) ثفل السدر: حثالة ورق السدر المطحون.\n(٤) اختلف العلماء هل يغسل الميت بالماء والسدر في كل غسلة. قال ابن الملقن: قوله ﵊: «بماء وسدر» قد يوهم هذا اللفظ أن الماء المختلط بالسدر يجوز التطهر به من غير ماء مطلق، وليس بظاهر في امتزاج السدر بالماء حال التطهير، بل يحتمل اجتماعهما في الغسل من غير مزج، ويكون أحدهما واردًا على الآخر، فيزول توهم جواز ذلك ... «[الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٤٣٠]. والمعنى على هذا القول: أن يبدأ بالماء والسدر ليقع التنظيف أولًا، ثم بالماء القراح ثانيًا، وقال بعضهم: ويحسب هذا غسلة واحدة. [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام\n٤/ ٤٣١]. وذكر ابن الملقن وابن حجر أن الأصح عند الشافعية: أن غسلة السدر لا تحسب، وإنما المحسوب ما يصب عليه من الماء القراح بعد زوال السدر ثلاثًا بالقراح [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٤٣٢، فتح الباري، ٣/ ١٢٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٦٨ - ٧١]. وقال الإمام ابن قدامة: «الواجب في غسل الميت مرة واحد؛ لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحدة، كغُسل الجنابة والحيض، ويستحب أن يغسل ثلاثًا كل غسلة بالماء والسدر .. ويجعل في الماء كافور في الغسلة الثالثة؛ ليشده ويبرده ويطيبه، وإن رأى الغاسل أن يزيد على ثلاث؛ لكونه لم ينقَّ بها أو غير ذلك، غسله خمسًا أو سبعًا، ولم يقطع إلا على وتر، وإن لم ينق بسبع فالأولى غسله حتى ينقى؛ لقوله - ﷺ -: «اغسلنها: ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن»؛ ولأن الزيادة على الثلاثة إنما كانت للإنقاء، وللحاجة إليها، فكذلك فيما بعد السبع [المغني، ٣/ ٣٧٨ - ٣٨٠ و٣٨١]، وقال الإمام ابن باز: «... بالماء والسدر في جميع الغسلات ...» [مجموع الفتاوى، ١٣/ ١١١]، والغسل بالسدر سنة وإن لم يتيسر فلا بأس أن يغسل بأشنان أو صابون، ولكن السنة السدر إن تيسر.","vol":"3","page":1232},{"text":"اليسرى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيسر، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه، فيكون الغسل من كتفه اليسرى حتى نهاية قدمه اليسرى يدلكه باليد داخل القفازين مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر، ويكون الغسل بالماء والسدر كما تقدم، ثم يقلبه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر مع شق ظهره وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يعم سائر جسده بالماء، ويكرر هذا الغسل ثلاث مرات، أو خمس مرات أو سبعًا، أو أكثر من ذلك على حسب ما يرى الغاسل؛ فإن خرج شيء من بطنه أعاد إنجاءه وأعاد الوضوء والغسل، ولا يعد الوضوء إلا إذا خرج شيء، فإن استمر الخارج سد مكانه بالقطن، وأحكمه، ثم أعاد الوضوء والغسل، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافورًا، ليشده ويطيبه ويبرده؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر»، قالت: قلت: وترًا؟ قال: «نعم، واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور ...» (١).\nويُنقض شعر الميت إن كان له شعر، ويُمشط، ويُضفر شعر المرأة ثلاثة قرون: قرنيها، وناصيتها، ويُلقى خلفها؛ لحديث أم عطية ﵂ (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «ويضفر الرأس ثلاثة قرون حتى ولو كان رجلًا ويجعل وراءه» (٣).\nوإذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بمنشفة ثم توضع هذه المنشفة المبللة خفيفًا على الأخرى الساترة للعورة فتحسب المنشفة المبللة كثيرًا من تحتها فيكون الميت جاهزًا للتكفين (٤).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٥٣، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٥٣، ومسلم، برقم ٩٣٩، وتقدم تخريجه.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٦٦،وأثناء تقريره على المنتقى، الحديث رقم ١٧٩٠.\n(٤) انظر: في تغسيل الميت: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٦٨ - ٣٨٢،الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،\n٦/ ١٥ - ١١٤،والكافي لابن قدامة، ٢/ ١١ - ٢٨،وأحكام الجنائز للألباني، ص٦٤،والشرح الممتع،\n٥/ ٣٣٥ - ٣٨٢،إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٢،ومجموع فتاوى ابن باز،\n١٢/ ١٠٥ - ١٢٤،ومجموع فتاوى ابن عثيمين،١٧/ ٨٥ - ٩٢،والروض المربع مع حاشية ابن قاسم،٢/ ٢٧ - ٦٤.","vol":"3","page":1233},{"text":"والسقط لأربعة أشهر أو أكثر يُغسل ويُصلى عليه؛ لحديث المغيرة بن شعبة يرفعه: «... والسّقط يُصلَّى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة» (١)، ويُكفّن ويُقبر في مقابر المسلمين، ويُسمَّى، ويُعَقُّ عنه؛ لأن الروح قد نفخت فيه، فهو إنسان» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2063>الأمر الثاني عشر: السنة الاغتسال من غسل الميت</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». ولفظ ابن ماجه: «من غسل ميتًا فليغتسل» (٣)، وهذا الأمر للوجوب ولكن يصرف الوجوب إلى الاستحباب أحاديث أخرى، فقد جاء عن ابن عباس ﵄: «ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (٤)، وقول ابن عمر ﵄: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لم يغتسل» (٥).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي أمام الجنازة، برقم ٣١٨٠، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الأطفال، برقم ١٠٣١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٣، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٥.\n(٢) المغني٣،/٤٥٨،والشرح الكبير، ٦/ ١٠٧،والكافي، ٢/ ٢٢،والشرح الممتع ٥/ ٣٧٢، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ٨٩،والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ٦٠.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الغسل من غسل الميت، برقم ٣١٦١، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الغسل من غسل الميت، برقم ٩٩٣، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت، برقم ١٤٦٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٩، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٠٧، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١١، وساق له ابن القيم في تهذيب السنن أحد عشر طريقًا ثم قال: «وهذه الطرق تدل على أن الحديث محفوظ». وقال ابن حجر في التلخيص الحبير، ١/ ١٣٧: «وبالجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا».\n(٤) الحاكم، ١/ ٣٨٦، والبيهقي، ٣/ ٣٩٨، وصححه الحاكم مرفوعًا، ووافقه الذهبي، ولكن قال الألباني: إن الحديث موقوف في أحكام الجنائز، ص٧٢، وحسنه الحافظ في الفتح، ٣/ ١٢٧.\n(٥) الدارقطني، برقم ١٩١، وغيره وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٧٢.","vol":"3","page":1234},{"text":"فيعمل بالأحاديث كلها، يكون الغسل من غسل الميت سنة وليس بواجب (١).\nقال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: «وقال: بعضهم إن الحكمة في ذلك - والله أعلم - جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت، وذكر الموت، وما بعده، وهو معنى مناسب» (٢)، والله أعلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2064>الخامس عشر: تكفين الميت</span>\nيراعى في تكفين الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2065>الأمر الأول: حكم تكفين الميت المسلم</span>، فرض كفاية، إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج والإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته راحلته؛ أن النبي - ﷺ - قال فيه: «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه» (٤)، وهذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2066>الأمر الثاني: معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولَّى تكفين الميت المسلم</span>؛ لحديث أبي رافع، وفيه: أن النبي - ﷺ - قال: «... ومن كفَّن ميتًا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة ...» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2067>الأمر الثالث: الكفن أو ثمنه من مال الميت</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه أن النبي - ﷺ - قال في المحرم: «اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه» (٦)؛ولحديث خباب - ﵁ - في قصة مصعب بن عمير - ﵁ - وأنه كفن في نمرة له، وفي لفظ: بردة (٧).\n_________\n(١) انظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ٤٤٢.\n(٢) تعليق ابن باز على فتح الباري، ٣/ ١٣٥.\n(٣) وانظر: لزيادة الفائدة ما تقدم في الطهارة، الأغسال المستحبة.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه في الأمر السادس من أمور الغسل.\n(٥) البيهقي، ٣/ ٣٩٥، والحاكم، ١/ ٣٥٤، وتقدم تخريجه في الأمر الرابع من أمور الغسل.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه.\n(٧) قال خباب - ﵁ -: «هاجرنا مع رسول الله - ﷺ - في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء، (وفي رواية: ولم يترك) إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: ضعوها مما يلي رأسه (وفي رواية: غطوا بها رأسه)، واجعلوا على رجليه الإذخر، [بكسر الهمزة والخاء: حشيش معروف طيب الرائحة]، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها»، أي: يجتنيها.\nأخرجه البخاري (٣/ ١٠)، برقم ٤٠٤٧، ومسلم (٣/ ٤٨) برقم ٩٤٠، والسياق له، وابن الجارود في «المنتقى» (٢٦٠)، والترمذي (٤/ ٣٥٧)، وصححه النسائي (١/ ٢٦٩)، والبيهقي (٣/ ١٠)، وأحمد (٦/ ٣٩٥)، والرواية الثانية له وللترمذي. وروى منه أبو داود (٢/ ١٤، ٦٢) قوله في مصعب: «قتل يوم أحد ...» والرواية الثالثة له، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف أخرجه البخاري.","vol":"3","page":1235},{"text":"ولكن لو تبرع أحد بكفنه فلا بأس ولا حرج (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2068>الأمر الرابع: يُكفَّن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجهه، ولا يُطيَّب</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته: «اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه، ولا تخمّروا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا». وفي لفظ لمسلم: «ولا تخمّروا رأسه ولا وجهه ...» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2069>الأمر الخامس: يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها</span>، ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، أما تكفينه في ثيابه التي مات فيها؛ فلحديث عبد الله بن ثعلبة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال يوم أحد: «زمّلوهم في ثيابهم» قال: وجعل يدفن في القبر الرهط، قال: وقال: «قدّموا أكثرهم قرآنًا». ولفظ النسائي: «زمّلوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى: لونه لون الدم، وريحه ريح المسك» (٣)؛ ولحديث جابر - ﵁ -: «وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم» (٤).\nوأما استحباب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه التي قتل فيها؛\n_________\n(١) انظر الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٨٣.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٦٥، ومسلم، برقم ١٢٠٦، وتقدم تخريجه في حكم تغسيل الميت.\n(٣) أحمد بلفظه، ٥/ ٤٣١، والنسائي، كتاب الجنائز، باب مواراة الشهيد في دمه، برقم ٢٠٠١، ورقم ٣١٤٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٨، وأحكام الجنائز، ص٨٠.\n(٤) البخاري، برقم ١٣٤٣، وتقدم تخريجه في شهيد المعركة لا يغسل.","vol":"3","page":1236},{"text":"فلحديث شداد بن الهاد - ﵁ - (١)، ولحديث الزبير بن العوام - ﵁ - (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>الأمر السادس: يكون الكفن سابغًا طائلًا يستر جميع بدن الميت</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبِضَ فكُفّن في كفن غير طائل وقبر ليلًا فزجر النبي - ﷺ - أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي - ﷺ -: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٣).\n_________\n(١) عن شداد بن الهاد - ﵁ - قال: «إن رجلًا من الأعراب، جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعه، ثم قال: أُهاجر معك، فأوصى به النبي - ﷺ - بعض أصحابه، فلما كانت غزة [خيبر] غنم النبي - ﷺ -[فيها] شيئًا، فقسم، وقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم لك النبي - ﷺ -، فأخذه فجاء به إلى النبي - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: «قسمته لك»، قال: ما على هذا تبعتك، ولكن اتَّبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال: «إن تصدُقِ الله يَصْدُقكَ»، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي - ﷺ - يُحمَل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي - ﷺ -: «أهو هو؟» قالوا: نعم، قال: «صَدَقَ الله فصدقه»، ثم كفنه النبي - ﷺ - في جُبّة النبي - ﷺ -، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: «اللهمَّ هذا عبدُك، خَرجَ مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك».\nأخرجه عبد الرزاق (٩٥٩٧)، والنسائي (١/ ٢٧٧)، والطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٩١)، والحاكم (٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦)، والبيهقي في «السنن» (٤/ ١٥ - ١٦)، و«الدلائل» (٤/ ٢٢).\nقال الألباني: «وإسناده صحيح، رجاله كلهم على شرط مسلم ما عدا شداد بن الهاد لم يُخرّج له شيئًا، ولا ضير، فإنه صحابي معروف، وأما قول الشوكاني في «نيل الأوطار» (٣/ ٣٧) تبعًا للنووي في «المجموع» (٥/ ٥٦٥): إنه تابعي فوهم واضح فلا يغتر به».\n(٢) عن الزبير بن العوام - ﵁ - قال: «لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى، حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره النبي - ﷺ - أن تراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ! قال: فتوسمت أنها أمي صفية، فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ [أي ضربت ودفعت] في صدري، وكانت امرأة جلدة، قالت: إليك لا أرض لك، فقلت: إن رسول الله - ﷺ - عزم عليك، فوقَفَتْ، وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة، فقد بلغني مقتله، فكفنه فيهما، قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل، قد فُعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفن حمزة في ثوبين، والأنصاري لا كفن له. فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي صار له».\nأخرجه أحمد، (١٤١٨) -[قاله العلامة الألباني]، «والسياق له بسند حسن - والبيهقي\n(٣/ ٤٠١) وسنده صحيح».\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب في تحسين كفن الميت، برقم ٩٤٣.","vol":"3","page":1237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2071>الأمر السابع: إذا ضاق الكفن ستر به رأس الميت وما طال من جسده</span>، ويجعل على الباقي المكشوف شيئًا من الإذخر أو الحشيش أو غيره؛ لحديث خباب - ﵁ - في قصة مصعب بن عمير، وأن النبي - ﷺ - قال في نمرة أو بردة مصعب: «غطّوا بها رأسه، واجعلو على رجليه من الإذخر» أو قال: «ألقوا على رجليه من الإذخر». وفي لفظ: «فأمرنا النبي - ﷺ - أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر» (١) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2072>الأمر الثامن: إذا قلَّت الأكفان وكثر الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد</span>، ويقدم أكثرهم قرآنًا إلى القبلة؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أتى رسول الله - ﷺ - على حمزة يوم أحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثل به، فقال: «لولا أن تجدَ صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة في بطونها». قال: ثم دعا بنمرة فكفنه فيها، فكانت إذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدَّت على رجليه بدا رأسه، قال: فكثر القتلى وقلَّت الثياب، قال: فكفّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله - ﷺ - يسأل عنهم؛ أيهم أكثر قرآنًا فيقدّمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله - ﷺ - ولم يصلّ عليهم» (٣). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٧٦، ورقم ٤٠٤٧، ومسلم، برقم ٩٤٠، وتقدم تخريجه.\n(٢) وعن حارثة بن مضرّب - ﵁ - قال: «دخلت على خباب وقد اكتوى [في بطنه] سبعًا، فقال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يتمنين أحدكم الموت» لتمنيته. ولقد رأيتني مع رسول الله - ﷺ - لا أملك درهمًاً، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم! ثم أتي بكفنه، فلما رآه بكى وقال: ولكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء، إذا جُعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جُعلت على قدميه قلصت عن رأسه، وجُعل على قدميه الإذخر».\nأخرجه أحمد (٦/ ٣٩٥)، [قال العلامة الألباني] «بهذا التمام، وإسناده صحيح، والترمذي دون قوله: «ثم أتى بكفنه ...» وقال: «حديث حسن صحيح».\nوروى الشيخان وغيرهما من طريق أخرى النهي عن تمني الموت. وتقدم تخريجه في آداب المريض.\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قتلى أحد، وذكر حمزة، برقم ١٠١٦، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، برقم ٣١٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي،\n٢/ ٥١٧، وفي أحكام الجنائز، ص٧٩، وفي صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٨٤.","vol":"3","page":1238},{"text":"تعالى أن معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد في بعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنًا فيقدّمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2073>الأمر التاسع: إحسان الكفن</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كفّن أحدكم فليحسن كفنه» (٢)؛ ولحديث أبي قتادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2074>الأمر العاشر: يستحب في الكفن ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2075>١ - يستحب البياض</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2076>٢ - يكون ثلاثة أثواب</span>؛ لحديث عائشة ﵂ «أن رسول الله - ﷺ - كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2077>٣ - تجمير الكفن ثلاثًا لغير المحرم، وهو التبخير بالعود أو غيره</span>؛\n_________\n(١) نقلًا عن عون المعبود، للعظيم آبادي، ٨/ ٤١١، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٧٩، والإنصاف مع الشرح الكبير والمقنع، ٦/ ١١٨.\n(٢) مسلم، برقم ٩٤٣، وتقدم تخريجه في إسباغ الكفن.\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب منه، برقم ٩٩٥، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، برقم ١٤٧٤، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٥٠٨، وأحكام الجنائز، ص٧٧.\n(٤) أبو داود بلفظه، كتاب الطب، باب في الأمر بالكحل، برقم ٣٨٧٨، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، برقم ٩٩٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، برقم ١٤٧٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٠٢ وغيره.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن بلا عمامة، برقم ١٢٧٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في كفن الميت، برقم ٩٤١.","vol":"3","page":1239},{"text":"لحديث جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثًا» (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأوصى أبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، وقال أبو هريرة: يجمر الميت» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2078>الأمر الحادي عشر: لا يغالى في الكفن ولا يزاد فيه على ثلاثة أثواب</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفّنوني فيها، قلت: إن هذا خلق؟ قال: إن الحيَّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة» (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول: «يكفي الوسط المناسب ولا يتحرَّى أحسن شيء، ولا يتكلَّف؛ لأن مصيره إلى الدود والفناء والزوال في القبر، فيكفي الخام الأبيض» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2079>الأمر الثاني عشر: كفن الرجل والمرأة، الواجب فيه الثوب الساتر لجميع بدن الميت</span>، والمستحب ثلاثة أثواب، وإذا كُفّنت المرأة في خمسة أثواب فحسن: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فتؤز بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمّر، ثم تلفّ باللفافتين، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك؛ لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر؛ لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت، ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها وهو أكمل أحوال\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٣٣١، وابن أبي شيبة، ٤/ ٩٢، والحاكم، ١/ ٣٥٥، والبيهقي، ٣/ ٤٠٥، وغيرهم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٨٤: «وهو كما قالا».\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٨٣.\n(٣) البخاري مطولًا، كتاب الجنائز، باب موت يوم الإثنين، برقم ١٣٨٧.\nوالمهلة: بضم الميم وكسرها. قال ابن الأثير في جامع الأصول، ١١/ ١١٤: «القيح والصديد».\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٧٢.","vol":"3","page":1240},{"text":"الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها، والرجل بخلاف ذلك، فافترقا في اللبس بعد الموت لافتراقهما فيه في الحياة، واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما فيه في الحياة» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2080>الأمر الثالث عشر: صفة تكفين الميت: أولى الناس بتكفين الميت </span>هو أولى الناس بغسله كما تقدم، وصفة التكفين الكامل المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي:\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٩١، وانظر: الكافي، ٢/ ٣٣.\n(٢) وقد جاءت هذه الصفة في خبر ضعفه أهل العلم، وهو ما روته ليلى بنت قائف الثقفية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله - ﷺ - عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله - ﷺ -: الحقاء، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله - ﷺ - جالس عند الباب يناولناها ثوبًا ثوبًا». أبو داود، برقم ٣١٥٧،وأحمد،٦/ ٣٨٠ برقم ٢٧١٣٥، وضعفه الألباني لجهالة نوح بن حكيم الثقفي، انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٨٥. وسمعت الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٠٤، يقول: هذا الحديث له طرق وهو جيد، ويدل على أن كفن المرأة خمسة [أثواب] وهذا هو الأفضل والواحد يكفي وهو الواجب، ولا يكشف وجه الميت في القبر، وإنما تحزم الأكفان ثم تفك في القبر ولا يكشف وجهه ولا رأسه إلا المحرم؛ [فإنه لا يغطى] وجهه ولا رأسه». وقال ﵀ في مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٢٧: «أما المرأة فالأفضل تكفينها في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فهذا هو الأفضل كما ذكره أهل العلم وجاء في ذلك أحاديث تدل عليه، وإن كفنت في أقل من ذلك فلا بأس»، وانظر أيضًا: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ٨/ ٣٦٣، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وأما المرأة فإنها تكفن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، وإن كفنت المرأة كما يكفن الرجل فلا حرج في ذلك» مجموع الفتاوى، ١٧/ ٧٥.\nوقال الإمام البخاري ﵀ في باب كيف الإشعار للميت؟ من كتاب الجنائز، قبل الحديث رقم ١٢٦١: «وقال الحسن: الخرقة الخامسة ويشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع». قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ١٣٣: «هذا يدل على أن أول الكلام أن المرأة تكفن في خمسة أثواب، وقد وصله ابن أبي شيبة نحوه، وروى الجوزقي من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن هشام عن حفصة عن أم عطية، قالت: فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي، وهذه الزيادة صحيحة الإسناد، وقول الحسن في الخرقة الخامسة قال به زفر، وقالت طائفة: تشد على صدرها لتضم أكفانها، وكأن المصنف أشار إلى موافقة قول زفر، ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة» انتهى كلام الحافظ ابن حجر ﵀. وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «والذي عليه أكثر أصحابنا وغيرهم أن الأثواب الخمسة: إزار، ودرع، وخمار، ولفافتان، وهو الصحيح» [المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣].","vol":"3","page":1241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2081>١ - تُقصُّ الأربطة من نفس عرض الكفن </span>وتكون وترية: سبعة، أو خمسة، أو غير ذلك، ثم توضع على النعش بالتساوي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2082>٢ - تجمّر الأكفان </span>(١) ثلاث مرات بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق فيها البخور والرائحة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2083>٣ - يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2084>٤ - تبسط اللفافة الأولى على النعش أو على سرير تكفين الميت</span>، ثم يذرُّ عليها حنوطًان وهو أخلاط من الطيب ويجعل عليها كافورًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2085>٥ - ثم يبسط فوق اللفافة الأولى اللفافة الثانية ويجعل فوقها حنوطًا وكافورًا</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2086>٦ - ثم يبسط فوق اللفافة الثانية اللفافة الثالثة </span>ويجعل فوقها حنوطًا وكافورًا ولا يجعل فوق العليا من الظاهر وعلى النعش حنوطًا؛ لأن أبا بكر - ﵁ - قال: «لا تجعلوا على أكفاني حنوطًا» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2087>٧ - يوضع على اللفائف خرقة مثل التبان </span>(٣) مشقوقة الطرف من الأعلى ومن الأسفل ويجعل عليها حنوطًا في قطن، وهذه الخرقة تمسك الحنوط المخلوط من المسك والكافور ليكون بين إليتي الميت.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2088>٨ - ينقل الميت على الأكفان بساتر العورة الذي يستر عورته</span>، ويجعل الزائد من أطراف الكفن عند رأسه أطول مما عند رجليه، ويجعل الميت مستلقيًا على ظهره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2089>٩ - يؤتى بدهن العود أو المسك أو غير ذلك من الأطياب الطيبة</span>، وقد قال النبي - ﷺ -: «والمسك أطيب الطيب» (٤)، ويجعل من الطيب على\n_________\n(١) تجمر: أي تبخر بالعود وسمي التبخير تجميرًا؛ لأنه يوضع في الجمر في مجمر ثم يبخر به الكفن حتى تعبق رائحته، قال ابن الأثير في جامع الأصول، ١١/ ١١٦: «الإجمار والتجمير: تبخير الثياب بالبخور».\n(٢) مالك، كتاب الجنائز، باب النهي عن أن تتبع الجنازة بنار، ١/ ٢٢٦، وابن أبي شيبة في المصنف، ٢/ ٢٧٠ عن أسماء بنت أبي بكر.\n(٣) والتبان: هو السروال الصغير يستر العورة المغلظة، والتبان: السراويل بلا أكمام، ويكون بقدر شبر يكون للملاحين كما قال الجوهري.\n(٤) مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيره، باب استعمال المسك وأنه أطيب الطيب، برقم ٢٢٥٢.","vol":"3","page":1242},{"text":"مواضع السجود: على ركبتيه، ويديه، وجبهته وأنفه، وأطراف قدميه تشريفًا وإكرامًا لهذه الأعضاء؛ لسجودها لله تعالى، ويوضع من هذا الطيب على حلقه، وعلى عينيه، وأنفه، وتحت إبطيه، وعلى سرته، وعلى أذنيه؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك» (١). وإن طيب جسد الميت كله فلا بأس؛ لأن أنس بن مالك - ﵁ - طُلي بالمسك (٢)، وطلي ابن عمر ميتًا بالمسك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2090>١٠ - توضع يداه محاذيتينن لجنبيه، ويربط التبان بأخذ شقه الأعلى والأسفل من اليمين</span>، ثم يربط جيدًا، ثم يؤخذ شقه الأعلى والأسفل من اليسار ثم يربط جيدًا مثل ربط الحفائظ؛ لكي تمسك هذه الحفاظة الحنوط بين إليتي الميت، وتشد وتجمع مثانته وإليتيه؛ ليمنع ما ينزل من بطن الميت على الأكفان لو حصل ذلك حتى تستمر طهارتها إلى أن يوضع في قبره. ولا يطيب الميت بالورس ولا الزعفران؛ لأنهما إنما يستعملان للغذاء والزينة، وهو غير لائق بالميت؛ ولأنه ربما ظهر لونه على الكفن، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2091>١١ - يبدأ بإحكام الكفن فيرد طرف اللفافة الأولى التي من جانب الميت الأيسر </span>على طرفها الذي على شق الميت الأيمن، ثم يُردّ طرفها الأيمن على شقه الأيسر، من رأسه إلى رجليه، قال ابن قدامة ﵀: «وإنما استحب ذلك؛ لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر» (٤). ثم يسحب ساتر العورة، ثم يأخذ شق اللفافة الثانية الأيسر\n_________\n(١) عبد الرزاق، ٣/ ٤١٤، برقم ٦١٤١، والبيهقي، ٣/ ٤٠٦، وقال الشيخ الغصن في تخريج أحاديث الروض المربع، ٣/ ٦٠٢: «إسناده صحيح».\n(٢) ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب في المسك في الحنوط، ٣/ ٢٥٦، والبيهقي، ٦/ ٤٠٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى، ٧/ ٢٥.\n(٣) عبد الرزاق، ٣/ ٤١٤،برقم ٦١٤٠،وابن أبي شيبة،٣/ ٢٥٧،وقال الشيخ الغصن: وإسناده صحيح.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٨٥،والمقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، ٦/ ١٢٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٧٢، والكافي، ٢/ ٣٢.","vol":"3","page":1243},{"text":"فيرده على شقه الأيمن، ثم يرد الأيمن على شقه الأيسر، ثم يأخذ شق اللفافة الثالثة الأيسر فيرده على الأيمن، ثم شقها الأيمن على شقه الأيسر، ويجعل أكثر الزائد عند رأسه كا تقدم؛ لأن رأسه أحق بالستر من رجليه؛ ولشرفه، ويدل على ذلك تكفين مصعب بن عمير كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2092>١٢ - يبدأ بالأربطة، فيبدأ بالرباط على الرأس وما زاد من اللفائف </span>يرد على وجه الميت، ويربط بالزائد من الرباط نفسه، ثم يربط ما تحت الرجلين، وما زاد من اللفائف يرد على رجليه ويربط بالزائد من الرباط نفسه، فإن كانت الأربطة سبعة، فالرباط الثالث على صدره، والرابع على بطنه، والخامس على إليتيه، والسادس على فخذيه، والسابع على ساقيه، وإن كانت خمسة أربطة أو ثلاثة فلا بأس، لكن توزع على أعلاه، وسطه، وأسفله، قال الإمام ابن باز ﵀: «ليس في ذلك حد، لكن الثلاثة تكفي في أعلاه، وأسفله، ووسطه، وإن اكتفي باثنين فلا بأس، لكن المهم ضبط الكفن حتى لا ينتشر» (١).\nويكون ربط الأربطة من ناحية جنبه الأيسر ربطًا يسهل حله إذا وضع في القبر على جنبه الأيمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2093>١٣ - تكفن المرأة في خمسة أثواب بيض من قطن إن تيسر البياض: </span>إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين؛ لما تقدم، وإن كفنت كالرجل فلا بأس، لكن الأفضل أن تكفن في خمسة أثواب. والواجب ثوب يستر جميع جسد الميت، سواء كان كبيرًا، أو صغيرًا، ذكرًا كان أو أنثى، وأما ما تقدم فهو الأفضل والأكمل (٢).\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٢٨.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٣٨٣ - ٣٩٤، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف، ٦/ ١١٤ - ١٣٥، والروض المربع، ٣/ ٦٤ - ٧٨، والكافي، ٣/ ٢٩ - ١٣٧. والشرح الممتع، ٥/ ٢٨٢ - ٣٩٤، إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، لابن جبرين، ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والوجازة في تجهيز الجنازة، للغيث، ص٧٥ - ٨٠.","vol":"3","page":1244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2094>السادس عشر: الصلاة على الميت</span>\nيراعى في الصلاة على الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2095>الأمر الأول: حكم الصلاة على الميت: </span>فرض كفاية؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١)، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دلَّ على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة وهو كذلك (٢)؛ ولأن النبي - ﷺ - كان يصلي على أموات المسلمين باستمرار، وكان يقول أحيانًا: «صلوا على صاحبكم» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2096>الأمر الثاني: فضل الصلاة على الميت</span>، لقد تفضل الله - ﷿ - على عباده المؤمنين بأن وعدهم بالأجر العظيم على الصلاة على أموات المسلمين، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اتّبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلَّى عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» (٤).\nوعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذا طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد،\n_________\n(١) سورة التوبة، الآية: ٨٤.\n(٢) الشرح المتع لابن عثيمين، ٥/ ٣٣٧.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الكفالة، باب الدين، برقم ٢٢٩٨، ومسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته، برقم ١٦١٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الإيمان، باب اتباع الجنائز من الإيمان، برقم ٤٧، وكتاب الجنائز، باب فضل اتباع الجنائز، برقم ١٣٢٣، وباب من انتظر حتى تدفن، برقم ١٣٢٥،ومسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، برقم ٩٤٥.","vol":"3","page":1245},{"text":"ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد» فأرسل ابن عمر خبابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة». وفي لفظ: «قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من تبع جنازة فله قيراط من الأجر». فقال ابن عمر: أكثر أبو هريرة علينا، فبعث إلى عائشة فسألها فصدقت أبا هريرة، فقال ابن عمر، لقد فرطنا في قراريط كثيرة» (١).\nوسئل شيخنا ابن باز ﵀ عمن صلى على خمس جنائز فهل له بكل جنازة قيراط؟ فأجاب: نرجو له قراريط بعدد الجنائز، لقوله - ﷺ -: «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان» (٢). وما جاء في معنى ذلك من الأحاديث وكلها دالة على أن القراريط تتعدد بعدد الجنائز .. وهذا من فضل الله سبحانه وجوده وكرمه على عباده فله الحمد والشكر لا إله غيره ولا رب سواه والله ولي التوفيق (٣).\nوسئل شيخنا ابن باز ﵀ عن حكم السفر لأجل الصلاة على الميت، فقال ﵀: «لا حرج في ذلك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2097>الأمر الثالث: فضل الله - ﷿ - على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه</span>، وقبول شفاعة إخوانه فيه؛ لحديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل اتباع الجنائز، برقم ١٣٢٣، ١٣٢٤، ومسلم، كتاب الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، برقم ٥٦ - (٩٤٥).\n(٢) تقدم تخريجه في الذي قبله.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٣٦ - ١٣٧.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٣٨.","vol":"3","page":1246},{"text":"يشفعون له إلا شفعوا فيه» (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (٢).\nوقد جمع أهل العلم بين حديث المائة، والأربعين، فسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «قال أهل العلم في الجمع بين حديث المائة وحديث الأربعين: إن حديث المائة أولًا، ثم تفضل الله - ﷿ - وجعل الأربعين يقومون مقام المائة في قبول الشفاعة، وبكل حال فالحديثان يدلان على استحباب كثرة الجمع على الجنائز» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2098>الأمر الرابع: شهيد المعركة لا يُصلَّى عليه</span>؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: «... وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلوا ولم يصلَّ عليهم» (٤). أما الذي يُجرح في المعركة ثم يموت بعد ذلك فإنه يُصلّى عليه، وكذلك شهداء غير المعركة يُصلى عليهم، كالذي يموت بالهدم، والغرق، والسل، والمقتول ظلمًا على الصحيح، وغيرهم من الشهداء الذين يموتون في غير معركة الجهاد، يغسلون ويصلى عليهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2099>الأمر الخامس: السقط والطفل يصلى عليهما ويُدعى لوالديهما</span>؛\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه، برقم ٩٤٧.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، برقم ٩٤٨.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٨٠، ثم قال ﵀ أثناء تقريره على هذا الحديث: «وفي حديث مالك بن هبيرة عند أبي داود [٣١٦٦]، والترمذي [١٠٢٨]، وابن ماجه [١٤٩٠] بإسناد فيه ابن إسحاق وقد عنعن أن النبي - ﷺ - قال: «ما من ميت يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب» يعني وجبت له الجنة، وكان مالك [بن هبيرة] إذا استقل الناس جزأهم ثلاثة صفوف، والحديث إسناده جيد لولا عنعنة ابن إسحاق، فإن صرح بالسماع في رواية استقام إسناده لكن لم أقف على أنه صرح بالسماع، وقال الألباني في الجنائز، ص١٢٨: «وقال الترمذي وتبعه النووي في المجموع، ٥/ ٢١٢:حديث حسن وأقره الحافظ في الفتح، ثم قال الألباني: وفيه عندهم جميعًا محمد بن إسحاق وهو حسن الحديث إذا صرح بالتحديث ولكنه هنا قد عنعن فلا أدري وجه تحسينهم للحديث».\n(٤) البخاري، برقم ١٣٤٣،ورقم ١٣٤٦،وتقدم تخريجه في شهيد المعركة لا يغسل، وفي تكفين الشهيد في ثيابه.","vol":"3","page":1247},{"text":"لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه وفيه: «والسقط يُصلَّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة». وفي لفظ: «والطفل يُصلَّى عليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2100>الأمر السادس: الإمام الأعظم لا يصلّى على الغال وقاتل نفسه</span>، بل يصلي عليه سائر الناس؛ لحديث زيد بن خالد الجهني: أن رجلًا من المسلمين توفي بخيبر، وأنه ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - فقال: «صلّوا على صاحبكم» قال: فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله» ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزًا من خرز اليهود ما يساوي درهمين» (٢)؛ ولحديث جابر بن سمرة، قال: أُتي النبي - ﷺ - برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلّ عليه» (٣).\nوسمعت الإمام ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن خالد: «دل الحديث على فوائد: أن ولي الأمر لا يصلي على الغال، وأنه يُصلّي على العاصي» وقال عن حديث جابر: «قاتل نفسه أتى جريمة عظيمة فلا يصلي عليه الإمام أو كبار البلد والجماعة ويصلي عليه غيرهم» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2101>الأمر السابع: يُصلى على من قُتل حدًّا</span>؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رجلًا من أسلم جاء إلى النبي - ﷺ - فاعترف بالزنا، فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي - ﷺ -: «أبك جنون؟» قال: لا. قال: «أحصنت؟» قال:\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣١٨٠، والترمذي، برقم ١٠٣١، وأحمد، ٤/ ٢٤٠، ٢٤٩، والنسائي، ٤/ ٥٥، وتقدم تخريجه في تغسيل الميت.\n(٢) أبو داود، كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، برقم ٢٧١٠، والنسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على من غل، برقم ١٩٦١، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب الغلول، برقم ٢٨٤٨، وأحمد، برقم ١٧٠٣١، ٤/ ١١٤ قال الإمام الشوكاني في هذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري ورجاله رجال الصحيح. نيل الأوطار، ٢/ ٧١٦، وضعفه الألباني في صحيح سنن أبي داود، برقم ٢٧١٠، وفي غيره، وقال عنه أصحاب موسوعة الإمام أحمد، ٢٨/ ٢٥٧، برقم ١٧٠٣١: «إسناده محتمل للتحسين» ثم أطالوا في تخريجه ثم قالوا بعد أن ذكروا له شواهد: «وهذه الأحاديث تقوي معنى حديثنا هذا» ٢٨/ ٢٦٠.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على القاتل نفسه، برقم ٩٧٨.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨١٦، ورقم ١٨١٧.","vol":"3","page":1248},{"text":"نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلفته الحجارة فرَّ، فأُدرِك فَرُجِم حتى مات، فقال له النبي - ﷺ - خيرًا وصلّى عليه» (١).\nوقد صح عنه ﵊ أنه صلى على الغامدية (٢)، وصلى على الجهنية (٣).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: «يدل على أنه يُصلَّى على من أُقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد طهره، ورواية من قال لم يصلّ على ما عز أثبت منها من أثبت الصلاة عليه، فالصواب أنه صلى على ماعز» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2102>الأمر الثامن: الصلاة على الغائب بالنية، فيستقبل القبلة ويصلى عليه </span>إن لم يصلَّ عليه أو كان له شأن في الإسلام، ثبت أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي؛ لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث، وفي لفظ قال النبي - ﷺ -: «قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلمَّ فصلُّوا عليه». قال: فصففنا فصلى النبي - ﷺ - ونحن صفوف. وفي لفظ: «أن النبي - ﷺ - صلى على أصحمة النجاشي فكبّر عليه أربعًا». وفي لفظ: «قوموا فصلوا على أخيكم أصحمة» (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشيَّ في اليوم الذي\n_________\n(١) البخاري، كتاب الحدود، باب الرجم بالمصلى، برقم ٦٨٢٠، وهو عند مسلم من حديث ابن بريدة، برقم ١٦٩٥.\n(٢) مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، برقم ١٦٩٥.\n(٣) مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، برقم ١٦٩٦.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨١٨، ١٨١٩.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام، برقم ١٣١٧، وباب التكبير على الجنازة أربعًا، برقم ١٣٣٤، وكتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي، برقم ٣٨٧٧، ورقم ٣٨٧٨، ورقم ٣٨٧٩، ومسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنائز، برقم ٩٥٢.","vol":"3","page":1249},{"text":"مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم، وكبر أربعًا. وفي لفظ: «نعى لنا رسول الله - ﷺ - النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: «استغفروا لأخيكم». وفي لفظ: «وكبر عليه أربع تكبيرات» (١).\nوعن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أخاكم قد مات فقوموا فصلوا عليه» يعني النجاشي (٢). وفي لفظ للترمذي: قال لنا رسول الله - ﷺ -: «إن أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه». قال: فقمنا فصففنا كما يصفُّ على الميت، وصلينا عليه كما يُصلَّى على الميت» (٣)، والأقرب والله تعالى أعلم: أنه يُصلَّى على الميت\nالغائب (٤) في حالتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2103>الحالة الأولى: أن يموت في أرض ليس بها من يصلي عليه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2104>الحالة الثانية: إذا كان فيه منفعة عظيمة للمسلمين: </span>كالعالم الكبير الذي\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٤٥، ورقم ١٣١٨، ورقم ١٣٢٧، ورقم ١٣٢٨، ورقم ١٣٣٣، ومسلم، برقم ٩٥١، وتقدم تخريجه في النعي الجائز.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة، برقم ٩٥٣.\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في صلاة النبي - ﷺ - على النجاشي، برقم ١٠٣٩، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على النجاشي، برقم ١٥٣٥، وأحمد، ٢/ ٢٨١، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٣٠.\n(٤) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على الغائب، فعند الجمهور من السلف والشافعي، وأحمد، وابن حزم، مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه؛ ولهذا قال الشافعي: الصلاة على الميت دعاء له، وهو إذا كان ملففًا يصلى عليه، فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يدعى له به وهو ملفف.\nوقال الحنفية والمالكية: لا يشرع ذلك؛ وإنما هو خاص بالنبي - ﷺ -.\nوعن بعض أهل العلم إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه لا ما إذا طالت المدة حكاة ابن عبد البر.\nوقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة.\nوقيل: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه.\nوقيل هذه الصلاة خاصة بالنبي - ﷺ - على النجاشي، ولكن الأصل عدم الخصوصية [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٨٨]. وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٨٢ - ١٨٣، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٦، وزاد المعاد لابن القيم، ١/ ٥١٩.","vol":"3","page":1250},{"text":"نفع الله بعلمه فانتفع به الناس، أو كالإمام الذي نفع الله به البلاد والعباد؛ فأقام العدل بين الناس وذَبَّ عن شريعة الإسلام، أو غير ذلك ممن نفع الله بهم الإسلام نفعًا ظاهرًا، وهذا ما اختاره شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد سمعته يقول: «دلَّ ذلك على أنه يُصلى على الغائب صلاة الغائب على الخواص: كالعالم، أما من قال: إن الصلاة على النجاشي؛ لأنه لم يصلَّ عليه فهذا بعيد؛ لأنه ملك عظيم [فكيف] لا يصلي عليه أحد من رعيته، هذا من أبعد الأشياء، أو مستحيل، والمعروف والعادة أن الملوك إذا أسلموا تبعهم بعض خواصهم» (١)،وسمعته ﵀ يقول أيضًا: «واختلف العلماء في الصلاة على الغائب: [فـ] منهم من قال: لا يُصلَّى على أحد إلا النجاشي، ومنهم من قال: يقاس على النجاشي من كان مثله، فيصلى على من له شأن في نصر الإسلام والمسلمين، وهذا عليه أئمة الدعوة» (٢) (٣).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة على القبر» (٤)، والله - ﷿ - أحكم الحاكمين والموفق للصواب (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٧٩.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٢١ - ١٨٢٥.\n(٣) وانظر: زيادة تفصيل في المسألة، مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٨ - ١٦٠.\n(٤) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٤٤٧.\n(٥) وخلاصة ما ذكره ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، ١/ ٥١٩ - ٥٢٠: أنه لم يكن من هديه - ﷺ - الصلاة على كل غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غُيّب فلم يصلّ عليهم، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت فاختلف الناس في ذلك على ثلاث طرق:\nالأول: إن هذا تشريع منه وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.\nالقول الثاني: قال أبو حنيفة ومالك: هذا خاص به - ﷺ -، وليس ذلك لغيره.\nالقول الثالث: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصلَّ عليه فيه صلي عليه صلاة الغائب، وإن صلى عليه حيث مات لم يُصلَّ صلاة الغائب؛ لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والنبي - ﷺ - صلى على الغائب وتركه، وفعله وتركه سنة، وهذا له موضع والله أعلم، والأقوال ثلاثة في مذهب الإمام أحمد وأصحها هذا التفصيل، والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقًا [زاد المعاد، ١/ ٥١٩ - ٥٢١].\nوذكر العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى من خلاف العلماء ثلاثة أقوال من أقوال أهل العلم في حكم صلاة الغائب:\nالقول الأول: يُصلَّى على كل غائب: شريفًا، أو وضيعًا، ذكرًا أو أنثى، قريبًا أو بعيدًا، فيصلى على كل غائب ولو صُلّي عليه.\nالقول الثاني: يصلى على الغائب إذا كان فيه غناء للمسلمين، أي منفعة. كالعلم الذي نفع الناس بعلمه، وتاجر نفع الناس بماله، ومجاهد نفع الناس بجهاده، وما أشبه ذلك، فيصلى عليه شكرًا له وردًّا لجميله، وتشجيعًا لغيره أن يفعل مثل فعله. وهذا قول وسط اختاره كثير من العلماء المعاصرين وغير المعاصرين.\nالقول الثالث: لا يصلَّى على الغائب إلا من لم يُصلَّ عليه حتى وإن كان كبيرًا في علمه، أو ماله، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ [الاختيارات الفقهية، ص٨٧]. انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨.","vol":"3","page":1251},{"text":"وصفة الصلاة على الغائب كصفة الصلاة على الجنازة الحاضرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2105>الأمر التاسع: مشروعية الصلاة على القبر إلى شهر</span>، وحكم إعادة الصلاة على الجنازة وتكرارها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «انتهى رسول الله - ﷺ - إلى قبر رطب، فصلَّى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعًا» (١)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ -:أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد - أو شابًا - ففقدها رسول الله - ﷺ - فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغَّروا أمرها - أو أمره - فقال: «دلوني على قبره» فدلوه فصلى عليها ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله - ﷿ - ينوّرها لهم بصلاتي عليهم» (٢).\nوعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على قبر (٣).\nوعن سعيد بن المسيب - ﵁ - «أن أمَّ سعدٍ ماتت والنبي - ﷺ - غائب، فلما\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر بعدما يدفن، برقم ١٣٣٦، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٤.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٣٦، ومسلم بلفظه، برقم ٩٥٦، وتقدم تخريجه في عذاب القبر.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٥.","vol":"3","page":1252},{"text":"قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ «أن النبي - ﷺ - صلى على قبر بعد شهر» (٢). وعنه «أن النبي - ﷺ - صلى على ميت بعد ثلاث» (٣).\nوعن زيد بن ثابت - ﵁ -: أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم فرأى قبرًا جديدًا، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذه فلانة - مولاة بني فلان، فعرفها رسول الله - ﷺ - - ماتت ظهرًا وأنت نائم قائل، فلم نُحبَّ أن نوقظك بها، فقام رسول الله - ﷺ - وصف الناس خلفه وكبر عليها أربعًا، ثم قال: «لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي له رحمة» (٤).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة - ﵃ - ....» (٥).\nوسمعت الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى يقول عن الأحاديث السابقة: «هذه الأحاديث فيها تحديد الصلاة على الميت بعد موته في حدود شهر، وفي ذلك تواضع النبي - ﷺ -، فلم ينقل عن النبي - ﷺ - الصلاة على الميت أكثر من شهر، والصلاة توقيفية، أما رواية صلاته على\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على القبر، برقم ١٠٣٨. وقال الحافظ في التلخيص، ٢/ ١٢٥: «وإسناده مرسل صحيح» ووصله البيهقي، ٤/ ٤٨ عن ابن عباس، وفي إسناده سويد بن سعيد، ووصله أيضًا الدارقطني، ص١٩٣، وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٢٣٧.\n(٢) الدارقطني، ٢/ ٧٨.\n(٣) الدارقطني، ٢/ ٧٨.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٢٠٢١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٦٤.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٤.","vol":"3","page":1253},{"text":"الشهداء بعد ثمان سنوات فيقال: بأنه دعا لهم ولم يصلّ عليهم» (١)، وسمعته يقول: «هذا يدل على رحمته - ﷺ - بالمسلمين، وفيه فضل كناسة المساجد، ومشروعية الصلاة على القبر، وأكثر ما ورد في الصلاة على القبر شهر؛ لأنه - ﷺ - صلى على أم سعدٍ بعد شهر، أما ما زاد فالأصل عدم ذلك، أما ما ذكر من صلاته على قتلى أحد، فيحتمل أنه دعا لهم كدعوات الجنازة، ويحتمل أن هذا خاص به يودع الأحياء والأموات» (٢). والله - ﷿ - أعلم (٣).\nوصفة الصلاة على القبر كصفة الصلاة على الجنازة؛ لهذه الأحاديث.\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم: ١٨٢٧ - ١٨٣١.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٧٧.\n(٣) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة، فقيل: بعدم مشروعية الصلاة على القبر، وأن الصلاة على القبر من خصائص النبي - ﷺ -.\nوقيل: الصلاة على القبر مشروعة، وبه قال الجمهور، واختلفوا فيمن لم يصلّ فقيل: يؤخر دفنه ليصلي عليه من كان لم يصلّ، وقيل: يبادر بدفنها ويصلي الذي فاتته على القبر. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ومن صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها، وإذا صُلّي على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلي عليها قال القاضي: لا يحسن بعد الصلاة عليه ويبادر بدفنه ...».\nوقال ابن قدامة أيضًا: «ويصلى على القبر وتعاد الصلاة عليه جماعة وفرادى نص عليهما أحمد. وقال: وما بأس بذلك فقد فعله عدة من أصحاب رسول الله - ﷺ -،وفي حديث ابن عباس، قال: انتهى النبي - ﷺ - إلى قبر رطب فصفوا خلفه وكبر أربعًا [متفق عليه وتقدم تخريجه] [المغني،٣/ ٤٤٤ - ٤٤٦،والشرح الكبير،٦/ ١٨١ - ١٨٢].\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية، ص١٢٩: «ويصلى على الجنازة مرة بعد أخرى؛ لأنه دعاء وهو وجه في المذهب واختاره ابن عقيل في الفنون وقال في موضع آخر: ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا بسبب مثل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه، أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة الثانية فيصلي بهم».\nواختلف في المدة التي يُصلى فيها على الميت في القبر: فقيل: إلى شهر، وقيل: ما لم يبل الجسد، وقيل: إلى اليوم الثالث، وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته، وقيل: يجوز أبدًا [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٠٥، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٢٤].\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «والصحيح أنه يُصلى على الغائب ولو بعد شهر، ونصي على القبر أيضًا ولو بعد الشهر» [الشرح الممتع، ٥/ ٤٣٦] والراجح والله تعالى أعلم أنه يصلى عليها في حدود الشهر. كما تقدم.","vol":"3","page":1254},{"text":"وأما إعادة الصلاة على الجنازة وتكرارها، فالصواب من أقوال أهل العلم أنه لا بأس ولا مانع من إعادة صلاة الجنازة لسبب، كمن يصليها مع الناس، ثم يعيدها مع من يصليها كمن لم يُصلّ عليها؛ وهذا مثل من يصلي الفريضة في مسجد، ثم ذهب لمسجد آخر لحاجة، فوجد الناس يصلون فيه؛ فإنه يعيدها معهم، وتكون له نافلة، فكذلك صلاة الجنازة، أما إعادة الصلاة بدون سبب فلا، وكذلك لا تعاد صلاة الجنازة بدون سبب على الصحيح (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2106>الأمر العاشر: موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة</span>، يقف عند رأس الرجل ووسط المرأة؛ لحديث أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي - ﷺ - قام على الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال:\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٣ - ١٥٦.\n(٢) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم من صلى على الجنازة: هل يعيدها مرة أخرى، أم لا يعيدها. قال العلامة المرداوي في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ٦/ ١٧٦ - ١٧٧: «فائدة: يكره لمن صلى عليها أن يعيد الصلاة مرة ثانية، على الصحيح من المذهب، وعليه الأكثر، ونص عليه. وقيل: يَحْرُمُ، وذكره في «المنتخب» نصًّا، وفي كلام القاضي الكراهة وعدم الجواز، وقال في «الفُصول»: لا يصلّيها مرتين، كالعيد، وقيل: يصلّي ثانيًا، اختاره ابن عقيل في «الفُنون»، والمجدُ، والشيخ تقي الدين، وقال أيضًا في موضع آخر: ومن صلَّى على الجنازة فلا يعيدها إلاّ لسببٍ، مثل أن يُعيد غيره الصلاة فيعيدها معهم، أو يكون هو أحقَّ أن بالإمامة من الطائفة الثانية، فيًصلّي بهم، وأطلق في «الوسيلة»، و«فروع أبي الحسين» عن ابن حامد: أنه يصلّي ثانيًا؛ لأنه دعاء، واختار ابن حامد، والمجدُ يُصلّي عليها ثانيًا تبعًا لا استقلالًا إجماعًا ...». [وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٣ - ١٥٦، والإنصاف، ٦/ ١٧٦ - ١٧٧].","vol":"3","page":1255},{"text":"احفظوا» (١).\nوعن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: «صليت وراء النبي - ﷺ - على امرأة ماتت في نفاسها فقام رسول الله - ﷺ - للصلاة عليها وَسْطَهَا» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وكان من هديه - ﷺ - أنه كان يقوم عند رأس الرجل ووسط المرأة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2107>الأمر الحادي عشر: الصلاة على أنواع من الجنائز، إذا اجتمعت جنائز عديدة </span>من الرجال والنساء صُلّي عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور ولو كانوا صغارًا مما يلي الإمام، وجنائز الإناث مما يلي القبلة؛ لحديث نافع أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعًا فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن صفًّا واحدًا، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي، امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد، وضعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوضِعَ الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة» (٤).\nوعن عمار مولى الحارث بن نوفل «أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكر ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٢٠٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه، برقم ٣١٩٤، مطولًا، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة، برقم ١٠٣٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء أين يقوم الإمام إذا صلى على الجنازة، برقم ١٤٩٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٧، وغيره.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب أين يقوم من المرأة والرجل، برقم ١٣٣٢، ومسلم، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه، برقم ٩٦٤.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٥١٢.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب اجتماع جنائز الرجال والنساء، برقم ١٩٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٢.","vol":"3","page":1256},{"text":"سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة» (١).\nوعن مالك بن أنس بلغه: أن عثمان بن عفان، وأبا هريرة، وابن عمر، كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال، والنساء، فيجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذه الأحاديث: (أفادت هذه الأحاديث أن السنة أن يقف الإمام حذاء وسط المرأة ويصلي عند رأس الرجل، وإذا كانوا جماعة يجمعون: يجعل الرجل مما يلي الإمام، والصبي وراءه، والمرأة وراءهما، والطفلة الصغيرة وراء المرأة مما يلي القبلة، وكون سعيد سوَّى بين رأس الرجل والمرأة ليس بجيد وإنما الصواب أن يجعل رأس الرجل حذاء وسط المرأة حتى يقف الإمام منهما موقف السنة» (٣) (٤).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز دفعة واحدة، وإن أفرد كل جنازة بصلاة جاز» (٥).\nفإن كان الأموات نوعًا واحدًا أي إذا تعدد الرجال مثلًا قدم إلى الإمام أفضلهم؛ لأن النبي - ﷺ - كان يسأل الصحابة عن أكثر الشهداء أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد (٦)، وهذا يؤخذ منه أن الأفضل أو العالم هو الذي يقدم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب إذا حضر جنائز رجال ونساء مَن يقدم، برقم ٣١٩٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٧.\n(٢) مالك في الموطأ بلاغًا، في كتاب الجنائز، باب جامع الصلاة على الجنائز، ١/ ٢٣٠، قال الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٦/ ٢٣١: «وإسناده منقطع، ولكن له شواهد بمعناه منها الحديثان اللذان قبله، فهو حديث حسن».\n(٣) سمعته أثناء تقريره على المنتقى، الأحاديث: ١٨٥٩ - ١٨٦٢. وانظر: المغني لابن قدامة،\n٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(٤) انظر المغني، لابن قدامة، ٣/ ٥٠٩.\n(٥) المغني، ٣/ ٥١٢.\n(٦) البخاري، برقم ١٣٤٧، وتقدم تخريجه في أن الشهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه.","vol":"3","page":1257},{"text":"مما يلي الإمام، ثم الأفضل فالأفضل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2108>الأمر الثاني عشر: جواز الصلاة على الجنائز في المسجد</span>؛ لحديث عائشة ﵂: أنها أمرت أن يُمرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد».وفي لفظ: «ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يُمرَّ بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد».\nوفي لفظ: «والله لقد صلَّى رسول الله - ﷺ - على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: قال الخطابي: «وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صُلّي عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل على جوازه» (٣)، وقال ابن القيم ﵀: «ولم يكن من هديه - ﷺ - الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانًا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته (٤).\nثم قال ﵀ بعد ذكر بعض أقوال العلماء في ذلك: «والصواب ما ذكرناه أولًا، وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، والله\n_________\n(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥١١، ومجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٠٢.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، برقم ٩٧٣.\n(٣) زاد المعاد، لابن القيم، ١/ ٥٠٢،وانظر: موطأ الإمام مالك،١/ ٢٣٠،وأخرجه ابن أبي شيبة: إن عمر صلى على أبي بكر في المسجد، وإن صهيبًا صلى على عمر في المسجد، المصنف،٣/ ٣٦٤.\n(٤) زاد المعاد، ١/ ٥٠٠.","vol":"3","page":1258},{"text":"أعلم» (١).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «لا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد لهذين الحديثين، لكن لو جعل مصلى واسع للصلاة على الجنائز والعيد كان أفضل إذا تيسر» (٢).\nوسمعته يقول عن حديث عائشة ﵂: «هذا يدل على جواز الصلاة في المسجد وإن كان في الغالب يُصلَّى على الجنائز في المصلى كما يُصلَّى في مُصلَّى العيد، والسر في ذلك والله أعلم أن الجنائز قد يكثر فيها الأتباع، وصُلّي على النبي - ﷺ - في المسجد، وعلى الصديق وعمر في المسجد، ولو جعل مصلى خارج المسجد أو في البلد فلا بأس» (٣)، والله تعالى الموفق للصواب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2109>الأمر الثالث عشر: مشروعية تكثير الجمع والصفوف على صلاة الجنازة</span>، أما تكثير الجمع في صلاة الجنازة؛ فلحديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه» (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (٦).\nوأما تكثير الصفوف في صلاة الجنازة؛ فلحديث مالك بن هبيرة وفيه ابن إسحاق وقد عنعن كما تقدم: «ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة من\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥٠٢.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم ١٨٦٣ - ١٨٦٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام الحديث رقم ٥٨٢،وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ٣/ ١٦٤.\n(٤) انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٣٥ - ٣٨، فقد ذكر أربعة أحاديث تحدد أماكن الصلاة على الجنازة خارج المسجد في المدينة.\n(٥) مسلم، برقم ٩٤٧، وتقدم تخريجه في فضل الله على عبده المسلم الميت.\n(٦) مسلم، برقم ٩٤٨، وتقدم تخريجه في فضل الله على عبده المسلم الميت.","vol":"3","page":1259},{"text":"المسلمين إلا أوجب»، قال فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف للحديث (١).\nقال العلامة الألباني: «ويستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعدًا لحديثين رويا في ذلك: الأول عن أبي أمامة قال: «صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة ومعه سبعة نفر فجعل ثلاثة صفًّا، واثنين صفًّا، واثنين صفًّا» (٢)، والثاني عن مالك بن هبيرة.\nثم ذكره كما قد تقدم وقد سبق أن حديث ابن هبيرة فيه ابن إسحاق وقد عنعن (٣).\nوقال الإمام البخاري ﵀: «باب الصفوف على الجنازة» قال الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه الترجمة: «وأشار المصنف بصيغة الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب»، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم، وفي رواية له: «إلا غفر له»، قال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغير أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث» انتهى كلام الحافظ ﵀ (٤).\nوقال الإمام الشوكاني ﵀: «وأقل ما يسمى صفًّا رجلان، ولا\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣١٦٦، والترمذي، برقم ١٠٢٨، وابن ماجه، برقم ١٤٩٠، وتقدم خريجه في فضل الله على عبده المسلم الميت، وأن فيه ابن إسحاق وقد عنعن.\n(٢) قال الألباني: رواه الطبراني في الكبير، (٧٧٨٥) وقال الهيثمي في المجمع، ٣/ ٤٣٢: «وفيه لهيعة وفيه كلام ولكن الألباني بين أنه يصلح للشواهد ثم ذكر شاهده من حديث مالك بن هبيرة، أحكام الجنائز، ص١٢٧.\n(٣) انظر ما تقدم في تخريجه، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٢٧ - ١٢٨، وحديث ابن هبيرة حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٢٣.\n(٤) فتح الباري، لابن حجر، ٣/ ١٨٦ - ١٨٧.","vol":"3","page":1260},{"text":"حد لأكثره» (١) (٢)،والله - ﷿ - الموفق للصواب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2110>الأمر الرابع عشر: تحريم الصلاة على الكفار والمنافقين</span>؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٤). وقد نزلت عندما صلى رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي سلول المنافق المعروف (٥).\nوعن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب: «يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٦)، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول\n_________\n(١) نيل الأوطار، ٢/ ٧٢٨.\n(٢) وانظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢٠.\n(٣) ثم رأيت في فتاوى الإمام ابن باز ﵀، ١٣/ ١٣٩: أنه ﵀ يرى أن الأصل أن يصف الناس في صلاة الجنازة كما يصفون في الصلاة المكتوبة فيكملون الصف الأول فالأول؛ لأن حديث ابن هبيرة ضعيف وهو مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب إكمال الصف الأول فالأول. وكذلك يرى العلامة ابن عثيمين ﵀ في الفتاوى، ١٧/ ١٠٨ أن الأفضل في صلاة الجنازة إتمام الصف الأول فالأول، ورجح ذلك.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ٨٤.\n(٥) البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ١١٣.","vol":"3","page":1261},{"text":"الله - ﷺ -: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١) (٢).\nفلا يُصلَّى على المشركين ولا المنافقين، ولا يُدْعَى لهم بالرحمة ولا المغفرة، ولا يُتَرحّم عليهم، ويُلحَق بالمشركين والكفار من أتى بناقض من نواقض الإسلام ولم يتب منه ومات عليه، ولا يُصلَّى على تارك الصلاة متعمدًا جاحدًا لوجوبها بالإجماع، وكذلك على الصواب لا يُصلَّى على تارك الصلاة مطلقًا ولو لم يجحد وجوبها؛ لأن الصواب من أقوال أهل العلم: أن تارك الصلاة يكفر كفرًا أكبر والعياذ بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2111>الأمر الخامس عشر: وقت صلاة الجنازة يُصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2112>الأول: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2113>والثاني: حين يقوم قائم الظهيرة </span>- أي حال استواء الشمس في وسط السماء ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب - حتى تميل الشمس إلى جهة الغروب.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2114>والثالث: حين يغيب حاجب الشمس حتى تغرب</span>؛ لحديث عقبة بن عامر الجهني - ﵁ - قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب» (٣). وهذه الأوقات الثلاثة قصيرة جدًا لا يؤثر الانتظار فيها على الميت ولا يشق على الناس، أما أوقات النهي الأخرى: بعد صلاة الصبح، وبعد العصر فلا حرج في الصلاة على الجنازة فيها؛ لأن صلاة\n_________\n(١) سورة القصص، الآية: ٥٦.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم١٣٦٠،ومسلم برقم٢٤،وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.\n(٣) مسلم، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.","vol":"3","page":1262},{"text":"الجنازة من الصلوات ذوات الأسباب التي يجوز أن تصلى في أوقات النهي؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر ﵄: «يصلى على الجنازة بعد الصبح، وبعد العصر، إذا صليتا لوقتهما» (١). وثبت عن ابن عمر أيضًا أنه قال لأهل جنازة جيء بها بعد صلاة الصبح بغلس وكان الوقت يتسع للصلاة عليها قبل طلوع الشمس: «إما أن تصلوا على جنازتكم الآن، وإما تتركوها حتى ترتفع الشمس» (٢)،وكان ابن عمر ﵄ لا يصلي إلا طاهرًا ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه» (٣).\nوعن ابن جريج قال: «أخبرني زياد أن عليًّا أخبره أن جنازة وضعت في مقبرة أهل البصرة حين اصفرت الشمس فلم يُصلَّ عليها حتى غربت الشمس فأمر أبو برزة المنادي فنادى بالصلاة، ثم أقامها فتقدم أبو برزة فصلى بهم المغرب، وفي الناس أنس بن مالك، وأبو برزة من الأنصار، من أصحاب النبي - ﷺ - ثم صلوا على الجنازة» (٤).\nوقال الإمام الخطابي ﵀ ما ملخصه: «واختلف الناس في جواز الصلاة على الجنازة والدفن في هذه الساعات الثلاث، فذهب أكثر أهل\n_________\n(١) موطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد الإسفار، ١/ ٢٢٩،وقال عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول،٦/ ٢٣٢: «وإسناده صحيح»، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٦: «وسنده صحيح».\n(٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بعد الصبح إلى الإسفار، ١/ ٢٢٩، والبيهقي، ٤/ ٣٣، وقال عبد القادر الأرناؤوط في المرجع السابق: «إسناده صحيح». وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٦: «وسنده صحيح».\n(٣) ذكره البخاري تعليقًا مجزومًا به، في كتاب الجنائز، باب سنة الصلاة على الجنائز، في ترجمة الباب قبل الحديث رقم ١٣٢٢، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ١٩٠: «وصله سعيد بن منصور من طريق أيوب عن نافع»، ثم قال: «فكان ابن عمر يرى اختصاص الكراهة بما عند طلوع الشمس وعند غروبها لا مطلق ما بين الصلاة وطلوع الشمس أو غروبها ..، وإلى قول ابن عمر ذهب مالك، والأوزاعي، والكوفيون، وأحمد، وإسحاق».\n(٤) سنن البيهقي الكبرى، ٤/ ٣٢، وجوّد إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٦، فقال: «بسند جيد عن ابن جريج».","vol":"3","page":1263},{"text":"العلم إلى كراهية الصلاة عليها في هذه الأوقات، وروي عن ابن عمر وهو قول: عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وكان الشافعي يرى الصلاة والدفن أي ساعة من ليل أو نهار، وقول الجماعة أولى لموافقة الحديث» (١).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀ عن حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة على الجنازة في الساعات الثلاث المذكورة في الحديث: «... لا تجوز الصلاة في هذه الأوقات على الميت ولا دفنه فيها؛ لهذا الحديث الصحيح» (٢) (٣)، وهذا يعم الصلاة عليه في القبر، فلا يُصلَّى على القبر في هذه الأوقات الثلاثة، أما في وقت النهي الموسع فهي من ذوات الأسباب كما تقدم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2115>الأمر السادس عشر: أحق الناس بالإمامة في صلاة الجنازة: </span>وصيُّه الذي أوصى أن يصلّي عليه ثم الوالي، أما الوصي؛ فلأنه إجماع الصحابة على ذلك، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأولى الناس بالصلاة عليه من أوصى إليه بذلك؛ لإجماع الصحابة على الوصية بها؛ فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر (٥)، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب (٦)، [وقيل: أوصى عمر إلى الزبير فصلى عليه] (٧)، وابن مسعود أوصى بذلك الزبير (٨)، وأبو بكرة أوصى أبا برزة (٩)، وأم سلمة أوصت\n_________\n(١) معالم السنن للخطابي، ٤/ ٣٢٧.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٧، وانظر مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١٥٧.\n(٣) وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣.\n(٤) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٥٧، ٢٥/ ٢٠١، ٣٠/ ٧٢.\n(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٦) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٢٩، ومصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٧) مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٨) البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ٢٩.\n(٩) ابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٢٨٥، والبيهقي، ٤/ ٢٩.","vol":"3","page":1264},{"text":"به سعيد بن زيد (١)، وعائشة أوصت إلى أبي هريرة (٢)، وأوصى به أبو سريحة إلى زيد بن أرقم فجاء عمر بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدَّم زيدًا (٣)؛ ولأنها حق للميت فقُدّم وصيه بها كتفريق ثلثه» (٤)، وأوصى يونس بن جبير أن يصلي عليه أنس بن مالك (٥).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذه قضايا انتشرت فلم يظهر لها مخالف فكان إجماعًا ...» (٦).\nوأما الوالي أو وكيله فيكون أولى الناس بالصلاة على الميت بعد الوصي، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «أكثر أهل العلم يرون تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت ...» (٧)،قال أبو حازم: «إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي، فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص - ويطعن في عنقه ويقول: تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك، [وسعيد أمير على المدينة يومئذ]،وكان بينهم شيء» (٨).\nوإن صلّي عليه في المسجد فإمام المسجد الراتب أولى؛ لقول النبي - ﷺ -: «لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه» (٩)،وإمام المسجد سلطان في مسجده، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «فإن كان في مكان غير\n_________\n(١) مصنف عبد الرزاق، ٣/ ٤٧١.\n(٢) انظر الكافي لابن قدامة، ٢/ ٤٠، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦.\n(٣) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٣٩ - ٤٠.\n(٤) مصنف عبد الرزاق، ٤/ ٤٧١، وانظر: الأوسط لابن المنذر، ٥/ ٤٠٢.\n(٥) المغني، ٣/ ٤٠٦.\n(٦) المغني، ٣/ ٤٠٦.\n(٧) المغني، ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٨) الحاكم، ٣/ ١٧١، والبزار، (٨١٤) كشف الأستار، والطبراني في الكبير، ٣/ ١٤٨/٢٩١٢، و٢٩١٣، والبيهقي، ٤/ ٢٨، وأحمد، ٢/ ٥٣١، وذكره الألباني في أحكام الجنائز، ص١٢٨ - ١٣٠.\n(٩) مسلم، برقم ٢٩٠ - (٦٧٣) وتقدم تخريجه في الإمامة.","vol":"3","page":1265},{"text":"المسجد فأولى الناس به وصيه، فإن لم يكن له وصي فأقرب الناس إليه» (١)، قلت: بشرط أن يكون القريب أعلم الحاضرين والله أعلم، وإلا صلى عليه الأعلم الأفقه ثم من يليه على حسب الترتيب في أولى الناس بالإمامة.\nوإمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له بأن يصلي على الميت. قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «إمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له؛ لقول النبي - ﷺ -: «لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه» (٢)، وإمام المسجد هو صاحب السلطان في مسجده» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>الأمر السابع عشر: أركان صلاة الجنازة وشروطها:</span>\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «الواجب في صلاة الجنازة: النية، والتكبيرات، والقيام، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي - ﷺ -، وأدنى دعاء للميت، وتسليمة واحدة، ويشترط لها شرائط المكتوبة إلا الوقت، وتسقط بعض واجباتها عن المسبوق ...» (٤).\nوقال العلامة مرعي بن يوسف في دليل الطالب: «وشروطها ثمانية: النية والتكليف (٥)، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وحضور الميت إن كان بالبلد، وإسلام المصلي والمصلى عليه، وطهارتهما ولو بتراب لعذر، وأركانها سبعة: القيام في فرضها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على محمد - ﷺ -، والدعاء\n_________\n(١) مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١١٣.\n(٢) مسلم، برقم ٦٧٣، وتقدم تخريجه.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٣٧.\n(٤) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢٠، وانظر: الشرح الكبير، مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٦٠ - ١٦٤، والكافي، ٢/ ٤١ - ٤٤.\n(٥) التكليف: البلوغ والعقل.","vol":"3","page":1266},{"text":"للميت، والسلام، والترتيب» (١).\nوذكر ابن قدامة في الكافي: أن سننها سبع: رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، والإسرار بالقراءة، يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين بدعاء النبي - ﷺ -، يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلًا، يضع يمينه على شماله على صدره، الالتفات على يمينه في التسليم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2117>الأمر الثامن عشر: صفة الصلاة على الجنازة المشتملة على الواجبات والسنن </span>على النحو الآتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2118>١ - يتوضأ كما أمر الله تعالى</span>؛ ولقول النبي - ﷺ -: «لا تُقبل صلاة بغير طهور» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2119>٢ - يقوم الإمام عند رأس رجل ووسط امرأة</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - أنه صلى عند رأس جنازة رجل وعند وسط امرأة، ورفع ذلك إلى النبي - ﷺ - (٤)؛ولحديث سمرة - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - صلى على امرأة فقام للصلاة عليها وسْطها» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2120>٣ - يصف المأمومون خلف الإمام كصفوف الصلاة المفروضة</span>؛ لحديث جابر - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث». وفي لفظ: «فصففنا فصلى النبي - ﷺ - ونحن صفوف» (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2121>٤ - يسوي الإمام الصفوف؛ لعموم الأدلة في ذلك </span>(٧).\n_________\n(١) منار السبيل في شرح الدليل «دليل الطالب»، ١/ ٢٢٤.\n(٢) الكافي، ٢/ ٤٥ - ٤٧.\n(٣) مسلم، برقم ٢٢٤، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٤) أبو داود، برقم ٣١٩٣، والترمذي، برقم ١٠٣٤، وابن ماجه، برقم ١٤٩٤، وتقدم تخريجه في موقف الإمام في صلاة الجنازة.\n(٥) متفق عليه: البخاري، رقم ١٣٣٢،ومسلم، رقم٩٦٤،وتقدم في موقف الإمام على الجنازة.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٧،ومسلم، برقم ٩٥٢،وتقدم تخريجه في صلاة الغائب.\n(٧) انظر: الأمر بتسوية الصفوف في الإمامة أوسط الكتاب.","vol":"3","page":1267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2122>٥ - يستقبل القبلة والجنائز أمامه على الصفة المذكورة آنفًا </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2123>٦ - يكبر التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام قائمًا قاصدًا بقلبه فعل الصلاة على الجنازة أو الجنائز</span>، متقربًا لله تعالى، قائلًا: «الله أكبر» رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة إلى حذو منكبيه أو إلى حيال أذنيه؛ لما تقدم من الأدلة (٢)؛ ولحديث أبي هريرة، وجابر «أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي وكبر عليه أربع تكبيرات» (٣). أما رفع اليدين في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة؛ فلحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ -: «كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى» (٤).\nقال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على أن المصلي على الجنازة يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2124>٧ - يضع يده على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع: </span>اليمنى يقبضها على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد؛ لحديث أبي هريرة المذكور آنفًا؛ ولحديث وائل بن حُجر (٦)، وحديث سهل بن سعد (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2125>٨ - يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سرًّا</span>؛ لقول الله تعالى:\n﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٨).\n_________\n(١) انظر: الأدلة على وجوب استقبال القبلة في شروط الصلاة.\n(٢) انظر: الأدلة على جميع هذه المسائل في صفة الصلاة فيما تقدم.\n(٣) حديث جابر متفق عليه: البخاري، برقم ٣١٧، ومسلم، برقم ٩٥٢، وتقدم تخريجه، وحديث أبي هريرة متفق عليه أيضًا، البخاري، برقم ١٢٤٥، ومسلم، برقم ٩٥١، وتقدم تخريجه.\n(٤) الترمذي، كتاب الجنائز، باب في رفع اليدين على الجنازة، برقم ١٠٧٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ١/ ٥٤٦، وفي أحكام الجنائز، ص١٤٧.\n(٥) الإجماع لابن المنذر، ص٥١.\n(٦) أبو داود، برقم ٧٢٧، والنسائي برقم ٨٨٩، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٧) البخاري، برقم ٧٤٠، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٨) سورة النحل، الآية: ٩٨، «أو يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم: من همزه، ونفخه، ونفثه» أحمد، ٣/ ٥٠، والترمذي، برقم ٢٤٢، وأبو داود، برقم ٧٧٥، وتقدم خريجه في صفة الصلاة.","vol":"3","page":1268},{"text":"٩ - يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» سرًّا؛ لحديث أنس - ﵁ - (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2127>١٠ - يقرأ الفاتحة سرًّا</span>؛ لحديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٢)؛ ولحديث أبي أمامة أنه قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثًا، والتسليم عند الآخرة» (٣).\nولحديث ابن عباس ﵄، «قال طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: لتعلموا أنها سنة» (٤).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى عن حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة: واجبة، كما قال - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٥). وقال ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٦). وقال ﵀ عن الجهر بالفاتحة أحيانًا: «الجهر بها في بعض الأحيان لا بأس به، وإن قرأ معها سورة قصيرة فلا بأس أيضًا، بل هو أفضل؛ لأنه قد ثبت عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عباس ﵄، وإن اقتصر على الفاتحة كفى» (٧).\n_________\n(١) أحمد، ٣/ ٣٦٤، والنسائي، برقم ٩٠٧، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٧٥٦،ومسلم، برقم ٣٩٤،وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٣) النسائي، كتاب الجنائز، باب الدعاء، برقم ١٩٨٨، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥، وفي أحكام الجنائز، ص١٥٤.\n(٤) البخاري، كتاب الجنائز، باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، برقم ١٣٣٥.\n(٥) البخاري، برقم ٦٣١، وتقدم تخريجه في صفة الصلاة.\n(٦) أصله في البخاري كما تقدم، وهذا لفظ النسائي، كتاب الجنائز، باب الدعاء، برقم ١٩٨٦، ورقم ١٩٨٧، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥.\n(٧) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٣.","vol":"3","page":1269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2128>١١ - يقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة، أو بعض الآيات القصيرة وهذه القراءة سنة</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال طلحة بن عبد الله بن عوف: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: «سنة وحق» (١).\nوقال شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى في حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة: «قراءة سورة بعد الفاتحة أفضل كما ثبت ذلك عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عباس ﵄»،وقال في موضع آخر: «الصلاة على الميت صفتها: أن يكبر الإمام ويتعوذ، ويسمي، ويقرأ الفاتحة، ويستحب أن يقرأ معها سورة قصيرة مثل: الإخلاص، أو العصر، أو بعض الآيات ...» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2129>١٢ - يكبر التكبيرة الثانية رافعًا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه</span>، ثم يردهما على صدره؛ لما تقدم من الأدلة؛ لما روي عن عبد الله بن عمر ﵄: «أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة» (٣). وأورد البخاري أن عبد الله بن عمر: كان يرفع يديه: أي في كل تكبيرة على الجنازة» (٤). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد صح\n_________\n(١) النسائي، كتاب الجنائز، باب الدعاء، برقم ١٩٨٦،وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٠، ١٣/ ١٤٤.\n(٣) رواه الدارقطني في العلل كما في نصب الراية، ٢/ ٢٨٥، قال الإمام ابن باز في حاشيته على فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٩٠: «وأخرجه الدارقطني في العلل بإسناد جيد عن ابن عمر مرفوعًا وصوّب وقفه؛ لأنه لم يرفعه سوى عمر بن شبة، والأظهر عدم الالتفات إلى هذه العلة؛ لأن عمر المذكور ثقة فيقبل رفعه؛ لأن ذلك زيادة من ثقة، وهي مقبولة على الراجح عند أئمة الحديث، ويكون ذلك دليلًا على شرعية رفع اليدين في تكبيرات الجنازة».\n(٤) البخاري معلقًا، كتاب الجنائز، باب سنة الصلاة على الجنازة، في ترجمة الباب قبل الحديث رقم ١٣٢٢، ووصله البخاري في كتابه جزء رفع اليدين (١٠٥) وفي الأدب المفرد، من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر «أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة على الجنازة»، وقد روي مرفوعًا أخرجه الطبراني في الأوسط من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر بإسناد ضعيف [فتح الباري لابن حجر، ٣/ ١٩٠]. قلت: وقد تقدم في صلاة العيدين: أنه روي عن عمر «أنه كان يرفع يديه في كل تكبيرة في الجنازة وفي العيد». رواه الأثرم، لكن ضعفه الألباني في إرواء الغليل،\n٣/ ١١٢. [وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣].","vol":"3","page":1270},{"text":"عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة، رواه سعيد بن منصور» (١)، وروي عن خلق من السلف أنهم كانوا يرفعون أيديهم في كل تكبيرة في صلاة الجنازة (٢) (٣).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀ عن أثر ابن عمر: «صح عن ابن عمر موقوفًا، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يثبت بالاجتهاد» (٤).\nوقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «السنة رفع اليدين مع التكبيرات الأربع كلها؛ لما ثبت عن ابن عمر، وابن عباس، أنهما كانا يرفعان مع التكبيرات كلها، ورواه الدارقطني مرفوعًا من حديث ابن عمر بسند جيد» (٥) (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2130>١٣ - يصلي على النبي - ﷺ - كما يصلي في التشهد في صلاة الفريضة</span>؛ لحديث أبي أمامة - ﵁ - أنه أخبره رجل من أصحاب النبي - ﷺ -: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي - ﷺ -، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات [الثلاث] لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم تسليمًا خفيًّا [حين ينصرف] [عن يمينه] والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه]» (٧).\n_________\n(١) التلخيص الحبير، ٢/ ١٤٧.\n(٢) انظر هذه الآثار الكثيرة في مصنف ابن أبي شيبة،٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧،ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٣٩.\n(٣) قال العلامة الألباني ﵀: «نعم روى البيهقي،٤/ ٤٤ بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة، فمن كان يظن أنه لا يفعل ذلك إلا بتوقيف النبي - ﷺ - فله أن يرفع، وقد ذكر السرخسي عن ابن عمر خلاف هذا وذلك مما لا نعرف له أصلًا في كتب الحديث [أحكام الجنائز، ص١٤٨].\n(٤) الشرح الممتع، ٥/ ٤٢٦، ومجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٧/ ١١٢، ١٣٢، ١٣٣.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٨.\n(٦) وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤١٧.\n(٧) أخرجه البيهقي، ٤/ ٣٩، والحاكم، ١/ ٣٦٠، وصححه ووافقه الذهبي، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٥٥: «وهو كما قالا».","vol":"3","page":1271},{"text":"قال الإمام ابن باز ﵀: «... ويصلي على النبي - ﷺ - مثل ما يصلي عليه في التشهد الأخير ...» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2131>١٤ - يكبر التكبيرة الثالثة رافعًا يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه</span>، ثم يرد يديه على صدره؛ لما تقدم من الأدلة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2132>١٥ - يدعو للميت بالدعاء المأثور ويخلص له الدعاء</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» (٢)، فيقول:\nأ - «اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضلَّنا بعده» (٣).\nب - «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسّعْ مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّهِ من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار» [وفي لفظ: [وقِهِ فتنةَ القبر] (٤).\nج - «اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب القبر، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤١.\n(٢) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، برقم ٣١٩٩، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، برقم ١٤٩٧،وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،٢/ ٢٩٩.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، برقم ٣٢٠١، والترمذي كتاب الجنائز، باب ما يقول في الصلاة على الميت، برقم ١٠٢٤، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء على صلاة الجنازة، برقم ١٤٩٨، والنسائي لكنه من حديث أبي إبراهيم الأنصاري، برقم ١٩٨٥، قال أبو هريرة - ﵁ -: «صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة» وصححه لألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٠ وغيره.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة عليه، برقم ٩٦٣، من حديث عوف بن مالك، قال: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه. الحديث، ثم قال: «حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت».","vol":"3","page":1272},{"text":"أنت الغفور الرحيم» (١).\nد - «اللهم عبدك، وابن أمتك، أحتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسنًا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه» [ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو] (٢).\nهـ - الدعاء للطفل في الصلاة عليه صلاة الجنازة، يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» (٣).\n* «اللهم أعذه من عذاب القبر» (٤).\n* «اللهم اجعله لنا فرطًا (٥) وسلفًا وأجرًا» (٦).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، برقم ٣٢٠٢، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدعاء في الصلاة على الجنازة، برقم ١٤٩٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٠، وأحكام الجنائز، ص١٥٨، والحديث عن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - على رجل من المسلمين فسمعته يقول: الحديث.\n(٢) الحاكم، ١/ ٣٥٩، والطبراني في الكبير، ٢٢/ ٢٤٩/٦٤٧، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٥٩.\n(٣) أبو داود، برقم ٣١٩، والترمذي، ١٠٢٤، وابن ماجه، برقم ١٤٩٨، وتقدم في الدعاء للميت.\n(٤) قال سعيد بن المسيب: صليت وراء أبي هريرة - ﵁ - على صبي لم يعمل خطيئة قط، فسمعته يقول: «اللهم أعذه من عذاب القبر» أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب ما يقول المصلي على الجنازة، برقم ١٨، ١/ ٢٨٨، وابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٢١٧، والبيهقي، ٤/ ٩، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لشرح السنة للبغوي، ٤/ ٣٥٧.\n(٥) فرطًا: أي أجرًا يتقدمنا حتى نرد عليه، والفرط الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم ما يحتاجون إليه، وهو هنا المتقدم للثواب والشفاعة. هدي الساري، ص١٧٥،والنهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٣٤.\n(٦) علقه البخاري، كتاب الجنائز، باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، ولفظه: «وقال الحسن: يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطًا وسلفًا وأجرًا» قبل الحديث رقم ١٣٣٥، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق، ٢/ ٤٢٤، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦١، وانظر فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٢٠٣.","vol":"3","page":1273},{"text":"«اللهم اغفر لوالديه وارحمهما» (١).\n* وإن قال: «اللهم اجعله فرطًا لوالديه، وذخرًا، وسلفًا، وأجرًا، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره، اللهم ثقّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، اللهم اغفر لأسلافنا، وأفراطنا، ومن سبقنا بالإيمان» (٢) فحسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2133>١٦ - يكبر التكبيرة الرابعة رافعًا يديه حذو منكبيه أو أذنيه، ويردهما على صدره</span>؛ لعموم الأدلة؛ ولما تقدم من الأدلة (٣).\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣١٨٠، والترمذي، برقم ١٠٣١، وأحمد، ٤/ ٢٤٠، والنسائي، ٤/ ٥٥، وتقدم تخريجه في تغسيل الميت، وهو عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - يرفعه «والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة»، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٣.\n(٢) ذكره ابن قدامة في المغني، ٣/ ٤١٦، والنووي في الأذكار، ص٢٣٢، وذكره الإمام عبد العزيز ابن باز في الدروس المهمة، ص١٥.\n(٣) جاءت أحاديث تدل على أنه ورد التكبير خمس تكبيرات، منها حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيدٌ يكبر على جنائزنا أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا فسألته فقال: كان رسول الله - ﷺ - يكبرها» [مسلم، كتاب الجائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٧]. وكبر علي بن أبي طالب - ﵁ - على سهل بن حنيف ستًّا» [البيهقي في السنن، ٤/ ٣٦، وأصله في البخاري، برقم ٤٠٠٤]، «وكبر علي على أبي قتادة سبعًا» [البيهقي، ٤/ ٣٦،وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٤٤]، «وعن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - ﷺ - أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات» [الطحاوي في معاني الآثار،١/ ٢٩٠،وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٠٦] [ولكن قد تقدم في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - لم يصلّ على شهداء أحد]، وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، فبعضهم يرى أن هذا خلاف تنوع فيصلى بهذه الأنواع، المغني لابن قدامة،\n٣/ ٤٤٧،قال ابن القيم ﵀: «وهذه آثار صحيحة فلا موجب للمنع منها، والنبي - ﷺ - لم يمنع مما زاد على الأربع بل فعله هو وأصحابه من بعده». ثم رد ﵀ على الذين منعوا من الزيادة على أربع تكبيرات، [زاد المعاد، ١/ ٥٠٨]،وقال الألباني ﵀: «فأيها فعل أجزأ والأولى التنويع فيفعل هذا تارة وهذا تارة كما هو الشأن في أمثاله مثل أدعية الاستفتاح» [أحكام الجنائز، ص١٤١]، [وانظر: نيل الأوطار للشوكاني،٢/ ٧٣٢ - ٧٣٥].\nورجح الشيخ العلامة ابن عثيمين ﵀ أنه ينبغي التنويع إحياء للسنة [الشرح الممتع،٥/ ٤٢٧ - ٤٢٩،ومجموع رسائله،١٧/ ١٢٨]،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٨٣، ورقم ٥٨٤: «هذا يدل على أنه ربما كبر خمسًا ولكن الأغلب والأكثر أنه كان يكبر أربعًا هذا هو الأصح والأثبت وعليه جمهور العلماء، وقال بعض أهل العلم: استقرت السنة على هذا ويجوز أن يكبر على الجنائز خمسًا وستًا، كما فعل علي، ولكن الأفضل الاقتصار على أربع، قال بعضهم: ولعل هذا هو الآخر من فعله ﵊، وقد كبر على النجاشي أربعًا».وقال أيضًا في مجموع الفتاوى له، ١٣/ ١٤٨: «الأفضل الاقتصار على أربع كما عليه العمل؛ لأن هذا هو الآخر من فعل النبي - ﷺ -، والنجاشي مع كونه له مزية كبيرة اقتصر ﵊ في التكبير عليه بأربع».\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٢٠٢: «قال ابن المنذر ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع، وفيه أقوال أخر ... قال: وذهب بكر بن عبد الله المزني إلى أنه لا ينقص من ثلاث ولا يزيد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا ينقص من أربع، وقال ابن مسعود: كبر ما كبر الإمام، قال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر ثم ساق بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: كان التكبير أربعًا وخمسًا فجمع عمر الناس على أربع. وروى البيهقي بإسناد حسن إلى أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله - ﷺ - سبعًا وستًا وخمسًا وأربعًا، فجمع عمر الناس على أربع كأطول الصلاة». [وانظر المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٧]، قال ابن قدامة: «والأفضل أن لا يزيد على أربع» [المغني، ٣/ ٤٥٠].","vol":"3","page":1274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2134>١٧ - يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلًا </span>(١).\n_________\n(١) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل يدعو المصلي على الجنازة بعد التكبيرة الرابعة أو يسكت قليلًا ثم يسلم بدون دعاء، فقال قوم: لا يدعو بعد التكبيرة الرابعة، وإنما يقف قليلًا ويسلم.\nوقال آخرون: بل يستحب أن يدعو، لحديث الهَجري قال: صليت مع عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي صاحب رسول الله - ﷺ - على جنازة ابنةٍ له فكبَّر عليها أربعًا، فمكث بعد الرابعة شيئًا، قال: فسمعت القوم يسبحون به من نواحي الصفوف، فسلم ثم قال: أكنتم تُرونَ أني مكبر خمسًا؟ قالوا: تخوفنا ذلك، قال: لم أكن لأفعل ولكن رسول الله - ﷺ - كان يكبر أربعًا ثم يمكث ساعة فيقول ما شاء الله أن يقول، ثم يسلم» [ابن ماجه بلفظه، برقم ١٥٠٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٩، ورواه أحمد، ٤/ ٣٥٦، وأخرجه البيهقي، ٤/ ٣٥، عن أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: «شهدته وكبر على جنازة أربعًا ثم قام ساعة - يعني - يدعو ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسًا؟ قالوا: لا، قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يكبر أربعًا» قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٠: «بسند صحيح»]، قال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٤٤: فيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف والراجح الاستحباب لهذا الحديث». وظاهر كلام الخرقي أنه لا يدعو بعد الرابعة وهذا منقول عن الإمام أحمد، وعن أحمد أنه يدعو ثم يسلم، قال ابن أبي موسى وأبو الخطاب: يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وقيل: يقول: «اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده».\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وهذا الخلاف في استحبابه، ولا خلاف في المذهب أنه غير واجب، وأن الوقوف بعد التكبير قليلًا مشروع» [المغني، ٣/ ٤١٧، وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ١٥٥ - ١٥٦] قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٥/ ٤٢٤: «والقول بأنه يدعو بما تيسر أولى من السكوت؛ لأن الصلاة عبادة ليس فيها سكوت أبدًا إلا لسبب كالاستماع إلى قراءة الإمام أو نحو ذلك».\nوقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ في مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٤٧: «لم يثبت شيئًا في ذلك بل يكبر ثم يسكت قليلًا: ثم يسلم بعد الرابعة» وسمعته ﵀ أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٥٨ حديث عبد الله بن أبي أوفى يقول: «الأحاديث الصحيحة أنه إذا كبر الرابعة سلم ولم يدع بعد الرابعة».","vol":"3","page":1275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2135>١٨ - يسلم تسليمة واحدة عن يمينه </span>قائلًا: «السلام عليكم ورحمة الله»؛ لأن التسليمة الواحدة ثبتت عن عشرة من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم كانوا يسلمون في صلاة الجنازة تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، قال الإمام ابن القيم: «فهؤلاء عشرة من الصحابة» - ﵃ - (١) وكان عبد الله بن عمر إذا صلى على\n_________\n(١) زاد المعاد، ١/ ٥١١، وانظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤١٨ - ٤١٩، واختار من الأقوال أنه يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تلقاء وجهه فلا بأس. [وانظر: الشرح الكبير والإنصاف،\n٦/ ١٥٧] ويستدل على التسليمة الواحدة بما روي عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - صلى على جنازة فكبر عليها أربعًا وسلم تسليمة واحدة»، الدارقطني، ٢/ ٧٢، ٧٧، والحاكم، ١/ ٣٦٠، والبيهقي، ٤/ ٤٣، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٣.\nواستدل من اختار تسليمتين بحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: ثلاث خلال كان رسول الله - ﷺ - يفعلهن وتركها الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة» [البيهقي،٤/ ٣٤، وقال النووي في المجموع،٥/ ٢٣٩: «إسناده جيد».وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٢.\nقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «والصحيح أنه لا بأس أن يسلم مرة ثانية لورود ذلك في بعض الأحاديث عن النبي - ﷺ -» [الشرح الممتع، ٥/ ٤٢٤، ومجموع فتاوى ابن عثيمين،\n١٧/ ١٣٠]، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٨٩: «وبعد الدعاء يسكت قليلًا ثم يسلم عن يمينه تسليمة واحدة، وقد ثبتت التسليمة الواحدة عن الصحابة، ومن الغريب والعجائب، أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - في التسليم في صلاة الجنازة شيء، وهو قد صلى على الجنائز ثمان سنوات، جاء في حديث ضعيف أنه سلم واحدة، لكنه ثبت عن الصحابة».","vol":"3","page":1276},{"text":"الجنازة يسلم حتى يسمع من يليه» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2136>الأمر التاسع عشر: المسبوق في صلاة الجنازة، يستحب له أن يقضي ما فاته من صلاة الجنازة</span>؛ لقول النبي - ﷺ -: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٢)، قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «... فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي - ﷺ -، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت موجزًا، ثم يكبر الرابعة ويسلم» (٣).\nوإذا أدرك الإمام بين تكبيرتين كبر في الحال وقرأ الفاتحة، ثم يكبر بعد إمامه التكبيرة التي أدركها فيصلي على النبي - ﷺ -، ثم إذا سلم الإمام يكبر ويدعو للميت بإيجاز، ثم يكبر ويسلم، وهكذا يعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها؛ لقول النبي - ﷺ -: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (٤) (٥).\n_________\n(١) البيهقي، ٤/ ٤٣، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٦٥: «وإسناده صحيح».\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٦٣٦، ومسلم، برقم ٦٠٢، وتقدم تخريجه.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٤٩.\n(٤) ملخص من كلام الإمام ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٤٩ - ١٥٠.\n(٥) اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في كيفية قضاء المسبوق في صلاة الجنازة، فقال الخرقي: «ومن فاته شيء من التكبير قضاه متتابعًا، فإن سلم ولم يقضِ فلا بأس» وذكر ابن قدامة في المغني أقوالًا هي على النحو الآتي:\nقيل: يُسنُّ له قضاء ما فاته منها، ونسبه إلى سعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وقتادة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي.\nوقيل: إن سلم قبل القضاء فلا بأس، ونسب ذلك إلى ابن عمر، والحسن، وأيوب السختياني، والأوزاعي، قالوا: لا يقضي ما فات من تكبير الجنازة، وقال أحمد: لا يقضي وإن كبر متتابعًا - أي بدون ذكر - فلا بأس.\nوقيل: إن سلم قبل أن يقضي: فقيل: لا تصح، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، للحديث: «... وما فاتكم فأتموا»، ورجح ابن قدامة أنه إذا لم يقض لم يبال، ثم رجح أنه وإذا قضى أتى بالتكبير متواليًا لا ذكر معه، كذا قال أحمد، حكاه عن إبراهيم قال: يبادر بالتكبير متتابعًا، وإن لم يرفع قضى ما فاته، وإذا أدرك الإمام في الدعاء للميت تابعه فيه، فإذا سلم الإمام كبر وقرأ الفاتحة، ثم كبر وصلى على النبي - ﷺ - وكبر وسلم.\nوقال الشافعي: متى دخل المسبوق في الصلاة ابتدأ الفاتحة، ثم أتى بالصلاة في الثانية، ووجه الأول أن المسبوق في سائر الصلوات يقرأ فيما يقضيه الفاتحة وسورة على صفة ما فاته، فينبغي أن يأتي هاهنا بالقراءة على صفة ما فاته، والله أعلم.\nوإذا أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين، فعن أحمد أنه ينتظر الإمام حتى يكبر معه، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وإسحاق؛ لأن التكبيرات كالركعات، ثم لو فاتته ركعة لم يتشاغل بقضائها، وكذلك إذا فاتته تكبيرة.\nوقيل: يكبر ولا ينتظر، وهو قول الشافعي؛ لأنه في سائر الصلوات متى أدرك الإمام كبر معه ولم ينتظر، وليس هذا انشغالًا بقضاء ما فاته، وإنما يصلي معه ما أدركه فيجزيه كالذي عقب تكبير الإمام أو يتأخر عن ذلك قليلًا. قال ابن المنذر: سَهَّل أحمد في القولين جميعًا، ومتى أدرك الإمام في التكبيرة الأولى فكبر، وشرع في القراءة، ثم كبر الإمام قبل أن يتمها، فإنه يكبر ويتابعه ويقطع القراءة كالمسبوق في بقية الصلوات إذا ركع الإمام قبل إتمام القراءة. [انظر: المغني لابن قدامة،\n٣/ ٤٢٣ - ٤٢٥،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٦/ ١٧٣،والكافي لابن قدامة، ٢/ ٢٩].","vol":"3","page":1277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2137>السابع عشر: حمل الجنازة واتباعها وتشييعها:</span>\nيراعى في حمل الجنازة واتباعها وتشييعها الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2138>الأمر الأول: حكم حمل الجنازة فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين </span>(١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2139>الأمر الثاني: أقسام اتباعها: ثلاثة أقسام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2140>١ - يصلي عليها ثم ينصرف، وله قيراط من الأجر؛ للحديث الآتي</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2141>٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان أجر كل قيراط مثل أُحُدٍ، ومن صلى عليها ثم رجع كان له مثل أحُدٍ» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2142>٣ - يقف بعد الدفن يستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت</span>؛ لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه\n_________\n(١) الكافي لابن قدامة، ٢/ ٥٥.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٢٣،ومسلم، برقم ٩٤٥،وتقدم تخريجه في فضل الصلاة على الميت.","vol":"3","page":1278},{"text":"فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» (١). والجمع بين هذه الأقسام أكمل في عظم الأجر واتباع السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2143>الأمر الثالث: فضل اتباع الجنائز</span>، فقد ثبت في حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق أن النبي - ﷺ - قال: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن؛ فإنه يرجع بقيراط» وفي لفظ: قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين». وفي لفظ لمسلم: «قيل وما القيراطان؟ قال: «أصغرهما مثل أحد» (٢)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أصبح اليوم منكم صائمًا؟» قالو أبو بكر: أنا. قال: «فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال أبو بكر: أنا، قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (٣).\nولفظ البخاري في الأدب المفرد: «ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2144>الأمر الرابع: اتباع الجنازة حق على المسلم لأخيه المسلم</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، برقم ٣٢٢١، والحاكم واللفظ له، ١/ ٣٧٠، والبيهقي، ٤/ ٥٦، وصحح إسناده الحاكم، والألباني في أحكام الجنائز، ص١٩٨.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٧،ومسلم، برقم ٩٤٥،وتقدم في فضل الصلاة على الميت.\n(٣) مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل من ضم إلى الصدقة غيرها من أنواع البر، برقم ١٠٢٨.\n(٤) الأدب المفرد، برقم ٥١٥،وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص١٩٥،برقم ٤٠٠/ ٥١٥.","vol":"3","page":1279},{"text":"فشمّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه» (١).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا عن سبع: «أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ...» الحديث (٢)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه: «عودوا المريض، واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2145>الأمر الخامس: يحمل الميت على حسب الحال والتيسير</span>، ولا يتكلف الإنسان ما لم يرد بذلك سنة صحيحة فالأمر فيه واسع (٤).\n_________\n(١) متفق عليه، واللفظ لمسلم: البخاري، برقم ١٢٤٠،ومسلم، برقم ٢١٦٢، وفي لفظ لمسلم: «خمس تجب للمسلم على أخيه ...» وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٢٣٩، ومسلم، برقم ٢٠٦٦، وتقدم تخريجه في آداب زيارة المريض.\n(٣) ابن أبي شيبة في المصنف، ٤/ ٧٣، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٥١٨، وأحمد، ٣/ ٢٧، ٣٢، ٢٨، وغيرهم، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٨٧، وذكر له شاهدًا عند الطبراني، أورده الهيثمي في المجمع، ٢/ ٢٩٩، وصححه الألباني أيضًا في صحيح الأدب المفرد، ص١٩٦.\n(٤) ذكر الإمام الخرقي ﵀ بقوله: «والتربيع أن يوضع على الكتف اليمنى إلى الرجل ثم الكتف اليسرى إلى الرجل» قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٣/ ٤٠٢: «التربيع هو الأخذ بجوانب السرير الأربع وهو سنة في حمل الجنازة لقول ابن مسعود: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع وإن يشاء فليدع» [ابن ماجه، برقم ١٤٧٨]، قال ابن قدامة: «وصفة التربيع المسنون أن يبدأ فيضع قائمة السرير اليسرى على كتفه اليمنى من عند رأس الميت ثم يضع القائمة اليسرى عند الرجل على الكتف اليمنى أيضًا، ثم يعود إلى القائمة اليمنى من عند رأس الميت فيضعها على كتفه اليسرى ثم ينتقل إلى اليمنى من عند رجليه، وبهذا قال أبو حنيف والشافعي، وعن أحمد ﵀ أنه يدور عليها فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة، وهو مذهب إسحاق، وروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، وأيوب؛ ولأنه أخف، ووجه الأول أنه أحد الجانبين فينبغي أن يبدأ فيه بمقدمه كالأول. فأما الحمل بين العمودين فقال ابن المنذر: روينا عن عثمان، وسعيد بن مالك، وابن عمر، وأبي هريرة، وابن الزبير، أنهم حملوا بين عمودي السرير، وقال به الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وكرهه النخعي، والحسن، وأبو حنيفة، وإسحاق، والصحيح الأول؛ لأن الصحابة ﵏ ورضي عنهم قد فعلوه وفيهم أسوة حسنة، وقال مالك: ليس في حمل الميت توقيت، يحمل من حيث شاء، ونحوه قال الأوزاعي، واتباع الصحابة - ﵃ - فيما فعلوه وقالوه: أحسن وأولى» [المغني، ٣/ ٤٠٣] قلت: لا شك أنه أحسن وأولى، لكن إذا لم يثبت فالأمر واسع كما تقدم، وخبر ابن مسعود في التربيع قال عنه الألباني ﵀ في أحكام الجنائز، ص١٥٤: «وهو غير صحيح لأنه منقطع أبو عبيدة لم يدرك أباه ...» وأما ما ذكره من الحمل بين العمودين لسعد بن معاذ كما ذكر في طبقات ابن سعد، ٣/ ٤٣١، وفي نصب الراية، ٢/ ٢٨٧، فقيل: فيه الواقدي وهو ضعيف؛ ولهذا فالأمر واسع كما قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع،\n٥/ ٤٤٦،وسمعت ابن باز يقول أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٦٥: «في سنده انقطاع، لكن روي عن جماعة من الصحابة، فالسنة أن يحمل من أمام أو من خلف أو يمشي بدون حمل».","vol":"3","page":1280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2146>الأمر السادس: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف الشرع</span>؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن تُتبع جنازة معها رانَّةٌ» (١) (٢).\nوعن أبي بردة قال: «أوصى أبو موسى الأشعري حين حضره الموت فقال: لا تتَّبعوني بمجمرٍ، قالوا له: أسمعت فيه شيئًا؟ قال: نعم، من رسول الله - ﷺ -» (٣).\nوأوصى عمرو بن العاص في وصيته: «فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار» (٤) (٥).\nوقال قيس بن عباد: «كان أصحاب النبي - ﷺ - يكرهون رفع الصوت عند الجنائز» (٦).\n_________\n(١) الرانَّةُ: الصائحة، والرنة: الصوت. يقال: رنت المرأة: إذا صاحت ورفعت صوتها.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب في النهي عن النياحة، برقم ١٥٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٠، وأحكام الجنائز، ص٩١.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنازة لا تؤخر إذا حضرت ولا تتبع بنار، برقم ١٤٨٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٤، وفي أحكام الجنائز، ص١٨، وهو مطول في مسند أحمد، ٤/ ٣٩٧، والبيهقي، ٣/ ٣٩٥.\n(٤) أحمد، ٤/ ١٩٩ ولفظه: «ولا تتبعني مادحًا ولا نارًا» وقال الألباني: أخرجه مسلم، ١/ ٧٨، وأوصى أبو هريرة فقال: «... ولا تتبعوني بمجمر ...» قال الألباني: أخرجه النسائي، وابن حبان في صحيحه (٧٦٤)، والبيهقي، والطيالسي، رقم ٢٣٣٦، وأحمد، ٢/ ٢٩٢، و٢٧٤، و٥٥٠، بإسناد صحيح على شرط مسلم، أحكام الجنائز، ص٩٣.\n(٥) وذكر الألباني في ذلك آثارًا وأخبارًا. انظر أحكام الجنائز، ص٩١ - ٩٣.\n(٦) البيهقي، ٤/ ٧٤، وغيره، ووثق رجال سنده الألباني في أحكام الجنائز، ص٩٢.","vol":"3","page":1281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2147>الأمر السابع: القيام للجنازة إذا مرت مشروع</span>؛ لحديث عبد الله بن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلّفها أو تخلّفَهُ أو توضع من قبل أن تُخلّفه». وفي لفظ: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخلّفكم (١) أو توضع» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (٣).\nوعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي - ﷺ - فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا» (٤)، ولفظ مسلم: «إن الموتَ فزعٌ فإذا رأيتم الجنازة فقوموا».\nوعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد بن أبي ليلى أنهما كانا قاعدين بالقادسية فمرُّوا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض - أي من أهل الذمة - فقالا: إن النبي - ﷺ - مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أليست نفسًا» (٥).\nوالصواب أن هذه الأحاديث تدل على مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدًا؛ لأمر النبي - ﷺ - بذلك؛ ولفعله ﵊، أما حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «قام ثم قعد»، وفي لفظ:\n_________\n(١) تُخلّفكم: أي تترككم وراءها. نيل الأوطار، ٢/ ٧٥٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ١٣٠٧، وباب متى يقعد إذا قام للجنازة، برقم ١٣٠٨، ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٥٨.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من تبع الجنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام، برقم ١٣١٠،ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٥٩.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، برقم ١٣١١، ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٦١.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، برقم ١٣١٢، ومسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة، برقم ٩٦١.","vol":"3","page":1282},{"text":"«رأينا رسول الله - ﷺ - قام فقمنا، وقعد فقعدنا -يعني في الجنازة-» (١) فهذا يدل على أن الأمر بالقيام للجنازة للاستحباب، والقعود للجواز، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر خلاف العلماء: «فيكون الأمر للندب والقعود بيانًا للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر والله أعلم» (٢) (٣).\nورجح الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ما ذهب إليه الإمام النووي في الجمع بين الأحاديث (٤).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: «وهذا يدل على أن السنة القيام للجنازة ولو كانت كافرة؛ فإن للموت فزعًا، وهذا القيام سنة وليس بواجب؛ لأن النبي - ﷺ - قام وقعد، فدل ذلك على أن القيام ليس بواجب وإنما هو سنة» (٥).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب نسخ القيام للجنازة، برقم ٩٦٢.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٢.\n(٣) وتمام كلام النووي: «اختلف الناس في هذه المسألة فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: القيام منسوخ، وقال أحمد وإسحاق وابن حبيب، وابن الماجشون المالكيان: هو مخير، قال: واختلفوا في قيام من يشيعها عند القبر فقال جماعة من الصحابة والسلف لا يقعد حتى توضع، قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرت به، وبهذا قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، قال: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن، فكرهه قوم وعمل به آخرون، روي عن عثمان، وعلي، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ - هذا كلام القاضي. والمشهور في مذهبنا أن القيام ليس مستحبًا وقالوا: هو منسوخ بحديث علي، واختار المتولي من أصحابنا أنه مستحب، وهذا هو المختار، فيكون الأمر به للندب، والقعود بيانًا للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا، لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر، والله أعلم». [شرح النووي، ٧/ ٣١ - ٣٢].\n(٤) زاد المعاد، ١/ ٥٢١، قال: «وقيل: بل الأمران جائزان وفعله بيان للاستحباب وتركه بيان للجواز، وهذا أولى من ادعاء النسخ».\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث ١٨٨٢ - ١٨٨٨. وانظر: نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٦٠.","vol":"3","page":1283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2148>الأمر الثامن: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض</span>؛ لحديث أبي سعيد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع» (١). وقد فسّر الإمام البخاري ﵀ قوله: «حتى توضع» فقال: «باب من تبع جنازة حتى توضع عن مناكب الرجل فإن قعد أمر بالقيام» (٢)، وهذا يوضح أن معنى قوله - ﷺ -: «حتى توضع» أي على الأرض قبل اللحد. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «والصواب أن الجنازة إذا وضعت في الأرض جلسوا: أي قبل اللحد» (٣).\nوحديث علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قام ثم قعد يدل على أن القيام حتى توضع للاستحباب.\nقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب ...» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2149>الأمر التاسع: النساء لا يتبعن الجنائز؛ ويصلين عليها</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا» (٥).\nقال شيخنا الإمام عبد العيز ابن باز ﵀: «المقصود بالنهي: النهي عن اتباعها إلى المقبرة، أما الصلاة عليها فمشروعة للرجال والنساء، وكان النساء يصلين على الجنائز مع النبي - ﷺ -، ويفهم [من قول أم عطية ولم يعزم\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٠،ومسلم، برقم ٩٥٩،وتقدم تخريجه في القيام للجنازة إذا مرت.\n(٢) البخاري، كتاب الجنائز، باب من تتبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث ١٨٧٨ - ١٨٨٠.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(٥) متفق عليه: البخاري، باب اتباع النساء الجنازة، برقم ١٢٧٨، ومسلم، كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، برقم ٩٣٨.","vol":"3","page":1284},{"text":"علينا] أن النهي عندها غير مؤكد، والأصل في النهي التحريم؛ لقول النبي - ﷺ -: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» (١). وذلك يدل على تحريم اتباع النساء للجنائز إلى المقبرة، أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال، والله ولي التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2150>الأمر العاشر: الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٢)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» (٣).\nقال الإمام شيخنا ابن باز ﵀ في المقصود بالإسراع بالجنازة: «المقصود: المشي، ويدخل ضمنًا الصلاة عليها، وتغسيلها، والسرعة في تجهيزها، وظاهر الحديث يعم الجميع من حيث المعنى» (٤).\nوسمعته ﵀ يقول: «السنة الإسراع بالجنازة، ومعنى ذلك أن يكون مشيًا قويًا دون الرمل؛ ليقدمها إلى الخير إن كانت صالحة» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2151>الأمر الحادي عشر: الماشي يمشي مع الجنازة كيف شاء</span>، والراكب\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، برقم ٧٢٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم ١٣٣٧، ولفظه عند البخاري: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ولفظ مسلم: «فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه».\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣١٥، ومسلم، برقم ٩٤٤.\n(٣) البخاري، برقم ١٣١٤، وتقدم تخريجه في ذكر الحمل على الأكتاف.\n(٤) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٨٢.\n(٥) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، حديث: ١٨٦٦.","vol":"3","page":1285},{"text":"خلفها؛ لحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الراكب [يسير] خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، [خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريبًا منها]،والطفل يصلى عليه، [ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة]» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة، والراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي أمامها، وعن يمينها، وعن شمالها، [ومن خلفها]» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2152>الأمر الثاني عشر: المشي في تشييع الجنازة أفضل من الركوب</span>؛ لحديث ثوبان - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: «إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت» (٣).\nولا بأس بالركوب إذا انصرف من الجنازة؛ لحديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: أتي النبي - ﷺ - بفرس معروري (٤) فركبه حين انصرف من جنازة أبي الدحداح ونحن نمشي حوله، وفي لفظ: «صلى رسول الله - ﷺ - على أبي الدحداح ثم أُتي بفرس عُري، عقله (٥) رجل فركبه فجعل يتوقّصُ به (٦) ونحن نتبعه نمشي خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣١٨٠، والترمذي، برقم ١٠٣١، وأحمد، ٤/ ٢٤٠، ٢٤٩، والنسائي، ٤/ ٥٥، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٩٥، وتقدم تخريجه في تغسيل الميت، والزيادات جمعها الألباني من الروايات.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٦٦ - ١٨٧٢.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الركوب في الجنازة، برقم ٣١٧٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٩٣.\n(٤) معروري: عُرَى بضم الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: أعروريت الفرس إذا ركبته عريًا فهو معروري. شرح النووي، ٧/ ٣٦.\n(٥) عقله: أمسكه له وحبسه. شرح النووي، ٧/ ٣٦.\n(٦) يتوقص به: يتوثب، شرح النووي، ٧/ ٣٧.","vol":"3","page":1286},{"text":"قال: «كم من عِذقٍ مُعلَّقٍ - أو مُدلًّى - في الجنة لابن الدحداح أو قال شعبة: لأبي الدحداح» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة» (٢).\nفدل حديث ثوبان وحديث سمرة على أن الركوب بعد الانصراف عن الجنازة جائز (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2153>الأمر الثالث عشر: السنة حمل الجنازة على الأعناق إذا تيسر ذلك</span>، ويجوز حملها على السيارة لغرض صحيح كبعد المقبرة فتحصل بذلك مشقة؛ لأن حملها على السيارة أو غيرها من الوسائل يفوت الغاية المقصودة وهي حملها وتشييعها، وهي تذكر الآخرة كما قال النبي - ﷺ -: «واتَّبعوا الجنائز تذكركم الآخرة» (٤).\nقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: «الأفضل حملها على الأكتاف؛ لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة؛ ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها؛ ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على سيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2154>الأمر الرابع عشر: وضع المكبة التي توضع فوق المرأة على النعش </span>وتغطى بثوب لتستر جسم المرأة عن أعين الناس، والمكبة تعمل من\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف، برقم ٩٦٥.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على المنتقى، الحديث رقم ١٨٦٦ - ١٨٧٢.\n(٣) الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٣٠٨، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٣٩٩.\n(٤) البخاري في الأدب المفرد، برقم ٥١٨، وأحمد، ٣/ ٢٧، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص١٩٦، وحسنه في أحكام الجنائز، ص٨٧، وتقدم تخريجه في اتباع الجنائز.\n(٥) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٦٦.","vol":"3","page":1287},{"text":"خشب، أو جريد، أو قصب مثل القبة فوقها ثوب تكون فوق السرير. قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد مثل القبة يترك فوقه ثوب، ليكون أستر لها، وقد روي أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنها أول من صُنِعَ لها ذلك بأمرها (١) (٢).\nونقل العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ كلام أهل المذاهب الأربعة وأنهم كلهم أعلنوا أنه أستر للمرأة وأن ذلك يستحب (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2155>الثامن عشر: دفن الميت من نعم الله على عباده:</span>\nيراعى في دفن الميت الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2156>الأمر الأول: حكم دفن الميت فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين</span>، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم (٥)؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٦) والمعنى أن الله - ﷿ - أكرمه بدفنه، ولم يجعله ملقى للسباع والطيور، وهذه مكرمة لبني آدم دون سائر الحيوانات، وقال الله\n- ﷿ -: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا *حْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٧)، وقد أرشد الله تعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل: ﴿فَبَعَثَ الله غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ\n_________\n(١) أسد الغابة، ٧/ ٢٢٠، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب ما قالوا في الجنازة كيف يصنع بالسرير يرفع له شيء أم لا؟ وما يصنع فيه بالمرأة، ٣/ ٢٧٠.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٨٤، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٢/ ١١٠.\n(٣) وأحال ﵀ مراجع بحثه الجميل، فأحال للروض المربع للحنابلة [٢/ ١١٠، حاشية ابن قاسم]، وجوهر الإكليل شرح مختصر الخليل للمالكية، ١/ ١١١، ط الحلبي، والمجموع شرح المهذب للشافعية، ٥/ ٢٢١، ط دار العلوم للطباعة، وكتاب الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري، ١/ ٥٣١، عن الحنفية.\n(٤) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٦٨، و١٧/ ١٧٥ - ١٧٧.\n(٥) الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ٢٨.\n(٦) سورة عبس، الآية: ٢١.\n(٧) سورة المرسلات، الآيتان، ٢٥ - ٢٦.","vol":"3","page":1288},{"text":"فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (١) فكانت سنة في بني آدم؛ ولأن في ترك جثة ابن آدم أذىً وهتكًا لحرمته فوجب دفنه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2157>الأمر الثاني: فضل دفن الميت</span>؛ لحديث أبي رافع - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غسل مسلمًا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفَّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة» (٣)؛ ولحديث أبي هريرة - ﵁ - يرفعه: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يُصلَّى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ...» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2158>الأمر الثالث: لا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيَّقة إلا لضرورة</span>؛ لحديث عقبة بن عامر يرفعه: «ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2159>الأمر الرابع: لا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم</span>، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين والكافر يُوارى مع المشركين؛ لأحاديث منها: حديث أبي طلحة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مخبث» (٦). وحديث بشير مولى رسول الله - ﷺ -، قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله - ﷺ - مر بقبور المشركين فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرًا كثيرًا» ثلاثًا، ثم مر\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٣١.\n(٢) حاشية عبد الرحمن القاسم على الروض المربع، ٢/ ٢٨.\n(٣) البيهقي، ٣/ ٣٩٥،والحاكم،١/ ٣٥٤، والطبراني في الكبير، ١/ ٣١٥، برقم ٩٢٩، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، والألباني في أحكام الجنائز، وتقدم تخريجه في غسل الميت، وفي تكفينه.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٤٧،ومسلم، برقم ٩٤٥،وتقدم تخريجه في الصلاة على الميت.\n(٥) مسلم، برقم ٨٣١، وتقدم تخريجه في صلاة التطوع.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٣٩٧٦، ومسلم، برقم ٢٨٧٥، وتقدم تخريجه في تذكر عذاب القبر.","vol":"3","page":1289},{"text":"بقبور المسلمين، فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرًا كثيرًا» وحانت من رسول الله - ﷺ - نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: «يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك» فنظر الرجل فلما عرف رسول الله - ﷺ - خلعهما فرمى بهما» (١)؛ ولحديث علي - ﵁ - قال: قلت للنبي - ﷺ -: إن عمك الشيخ الضال مات فمن يواريه؟ قال: «اذهب فوارِ أباك ولا تُحدثنَّ حدثًا حتى تأتيني» فواريته ثم جئت فأمرني فاغتسلت، ودعا لي، وذكر دعاءً لم أحفظه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2160>الأمر الخامس: السنة الدفن في المقبرة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت بذلك الأخبار، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواترت أن النبي - ﷺ - دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته - ﷺ - (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2161>الأمر السادس: الشهداء يدفنون في أماكن استشهادهم في أرض المعركة </span>ولا ينقلون إلى المقابر؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر بن عبد الله لا عليك أن تكون في نِظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يديَّ، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالتي عادلتهما (٤) على ناضح فدخلت بهما المدينة؛ لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب المشي في النعل بين القبور، برقم ٣٢٣٠، والنسائي، كتاب الجنائز، باب كراهية المشي بين القبور في النعال السبتية، برقم ٢٠٤٧،وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في خلع النعلين بين المقابر، برقم ١٥٦٨،وأحمد،٥/ ٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي،٢/ ٧٠، وفي أحكام الجنائز، ص١٧٣.\n(٢) النسائي، كتاب الجنائز، باب مواراة المشرك، برقم ٢٠٠٥، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٩.\n(٣) انظر: أحكام الجنائز للعلامة الألباني، ص١٧٣ - ١٧٥، وقد أورد أدلة على ذلك في هذا الموضوع، والشرح الكبير، ٦/ ٢٣٨.\n(٤) عادلتهما: أي شددتهما على جنبي البعير كالعدلين: نهاية، ٣/ ١٩١.","vol":"3","page":1290},{"text":"ينادي: ألا إن النبي - ﷺ - يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قُتلا» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2162>الأمر السابع: الدفن ليلًا فيه تفصيل</span>، فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي - ﷺ - خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض فكفّن في كفنٍ غير طائل، وقُبِرَ ليلًا، فزجر النبي - ﷺ - أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي - ﷺ -: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (٢). وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مات إنسان كان رسول الله - ﷺ - يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلًا، فلما أصبح أخبروه فقال: «ما منعكم أن تعلموني؟» قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشقَّ عليك فأتى قبره فصلَّى عليه» (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء ...» (٤) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة، وقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق - ﵁ - وجماعة من السلف دفنوا ليلًا من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي\n_________\n(١) أحمد في المسند، ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨، قال العلامة الألباني: «بسند صحيح، وبعضه عند أبي داود وغيره مختصرًا ...» وتقدم تخريج المختصر في الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم، وأنه أخرجه: أبو داود، برقم ٣١٦٥، والترمذي، برقم ١٧١٧، والنسائي، برقم ٢٠٠٥، وابن ماجه، برقم ١٥١٦، وغيرهم. وانظر الشرح الكبير، ٦/ ٢٣٩، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٤٤٢.\n(٢) مسلم، برقم ٩٤٣، وتقدم في تكفين الميت في الأمر السادس.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب الإذن بالجنازة، برقم ١٢٤٧،وباب الصفوف على الجنازة، برقم ١٣١٩،وباب صفوف الصبيان مع الرجال، برقم ١٣٢١،وباب سنة الصلاة على الجنازة، برقم ١٣٢٢، وباب صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز، برقم ١٣٢٦،وباب الدفن بالليل، برقم ١٣٤٠، والطرف الأول رقم ٨٥٧،ومسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر، برقم ٩٥٦.\n(٤) أحمد، ٦/ ٢٧٤.","vol":"3","page":1291},{"text":"كان يقم المسجد فتوفي ليلًا فدفنوه ليلًا، وسألهم النبي - ﷺ - عنه فقالوا: توفي ليلًا فدفناه في الليل فقال: «ألا آذنتموني؟» قالوا: كانت ظلمة. ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث (١) أن النهي كان لترك الصلاة ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، وإنما نهى لترك الصلاة أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع كما سبق ...» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول على مجموع الأحاديث التي وردت: «هذه الأحاديث تدل على جواز الدفن ليلًا، وأما ما جاء في النهي عن ذلك فهذا إذا كان فيه تقصير في الصلاة عليه؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - نهى عن الدفن ليلًا حتى يُصلى عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2163>والخلاصة: </span>أنه إذا كان هناك تقصير في حق الميت: من غسل، أو كفن، أو صلاة على الميت فلا يدفن ليلًا، أما إذا كملت حقوقه فلا بأس بدفنه ليلًا» (٣).\nوسمعته في موضع آخر يقول: «أما رواية مسلم فزجر فيها النبي - ﷺ - عن قبر الرجل حتى يُصلَّى عليه، فتأخير الميت ليصلى عليه إذا كان تأخيرها أفضل لكثرة الجمع، والحاصل أن مجموع الأحاديث تفيد أن الأفضل تأخير الصلاة عليه إذا كان تأخيرها أكمل، أما إذا صُلّي عليه في العشاء أو المغرب فلا كراهة. ومما يدل على هذا ما جاء في مسلم: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب»، وهذا يدل على أنها إذا غابت زال النهي، وأن الصلاة عليه بعد الغروب والدفن بعده لا حرج فيه، وقد دفن\n_________\n(١) حديث جابر السابق عند مسلم.\n(٢) شرح النووي، ٧/ ١٤.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث رقم ١٩١٤ - ١٩١٦.","vol":"3","page":1292},{"text":"النبي - ﷺ - ليلًا، ودفن الصديق ليلًا، ودفن عمر ليلًا، ودفن عثمان ليلًا - ﵃ - (١).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «يجوز دفن الأموات ليلًا إذا قام الإنسان بالواجب: من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه؛ فإنه يجوز أن يدفن بالليل» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2164>الأمر الثامن: لا بأس بدفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة </span>والحاجة الشديدة؛ لحديث جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم ولم يغسلهم» (٤).\nوعن هشام بن عامر قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد»، قالوا: فمن نقدّم يا رسول الله؟ قال: «قدّموا أكثرهم قرآنًا» قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد» (٥).\nوهذا عند الضرورة، وإذا دعت الحاجة الشديدة لذلك، ككثرة الموتى\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦١٥، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز،\n١٣/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين،١٧/ ١٨٠،وانظر: المغني لابن قدامة،٣/ ٥٠٣ - ٥٠٤.\n(٣) وانظر: بحثًا مطولًا مفيدًا في أحكام الجنائز للألباني، ص١٧٦ - ١٨١، وانظر أيضًا: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١.\n(٤) البخاري، برقم ١٣٤٣، ١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، وتقدم تخريجه.\n(٥) النسائي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من إعماق القبر، برقم ٢٠٠٩، وباب ما يستحب من توسيع القبر، برقم ٢٠١٠، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في تعميق القبر، برقم ٣٢١٥، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في حفر القبر، برقم ١٥٦٠، والترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في دفن الشهيد، برقم ١٧١٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٤، وغيره، وفي إرواء الغليل، برقم ٧٤٣.","vol":"3","page":1293},{"text":"في القتل، أو الطاعون أو غير ذلك من أسباب الموت العام بكثرة، أما عند الاستطاعة والقدرة فيدفن كل إنسان في قبر لوحده (١).\nقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «المشروع أن يدفن كل إنسان في قبر وحده، كما جرت به سنة المسلمين قديمًا وحديثًا، ولكن إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى جمع اثنين فأكثر في قبر واحد فلا بأس به ... قال بعض الفقهاء: وينبغي أن يجعل بين كل اثنين حاجز من تراب» (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2165>الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة حسن</span>؛ لحديث المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي - ﷺ - رجلًا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله - ﷺ - وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله - ﷺ - قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله - ﷺ - حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: «أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي» (٤).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجمع الأقارب في الدفن حسن؛ لقول النبي - ﷺ - لما دفن عثمان بن مظعون: «أدفن إليه من مات من أهله» (٥)؛ ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم ...» (٦).\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢١٢.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢١٤.\n(٣) المغني، ٣/ ٥١٣.\n(٤) أبو داود، كتاب الجنائز، باب جمع الموتى في قبر، والقبر يعلَّم، برقم ٣٢٠٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠١. وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٧٣: «قال الحافظ وإسناده حسن».\n(٥) في أصل سنن أبي داود: «أهلي».\n(٦) المغني، ٣/ ٤٤٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٣٩.","vol":"3","page":1294},{"text":"الأمر العاشر: الموعظة عند القبر أمر لا بأس به؛ لحديث علي - ﵁ -، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي - ﷺ - فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة (١) [وفي رواية: عود] (٢) فنكس فجعل ينكت (٣) [في الأرض] بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من أحد [و] (٤) ما من نفس منفوسة إلا [وقد] (٥) كتب مكانها من الجنة [أ] (٦) ومن النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة». فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: «[لا] (٧) [اعملوا فكل مسير لما خلق له] (٨)، أما [من كان من] (٩) أهل السعادة فسييسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما [من كان من] أهل الشقاوة فسييسَّرون لعمل [أهل] الشقاوة» ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١٠).\nوقد قال الإمام البخاري ﵀ في ترجمة هذا الحديث: «باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله» قال الحافظ ابن حجر\n_________\n(١) مخصرة: عصا لطيفة وهي ما يتكأ عليه ويجعل تحت الخصر غالبًا، ونفس منفوسة: أي مخلوقة.\n(٢) لفظ: عود من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٣) فنكس فجعل ينكت: نكس: طأطأ وخفض رأسه إلى الأرض على هيئة المهموم، ينكت: أي يخط خطًّا يسيرًا مرة بعد مرة، وهذا فعل المفكر المهموم.\n(٤) من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٥) من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٦) من الطرف رقم ٤٩٤٦.\n(٧) من الطرف رقم ٤٩٤٧.\n(٨) من الطرف رقم ٤٩٤٩.\n(٩) من الطرف رقم ٤٩٤٩.\n(١٠) متفق عليه: البخاري، كتاب الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله، برقم ١٣٦٢، ومسلم، كتاب القدر، باب كيف خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، برقم ٢٦٤٧.","vol":"3","page":1295},{"text":"﵀: كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره» (١).\nومما يدل على الموعظة عند القبر حديث البراء بن عازب الطويل وأوله: «خرجنا مع النبي - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله - ﷺ - مستقبل القبلة وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثًا، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا»، ثم قال: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة تنزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت - ﵇ - حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيب [وفي لفظ] المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ...» الحديث (٢).\nقال الإمام شيخنا ابن باز ﵀: «لقد ثبت عن النبي - ﷺ - غير مرة أنه وعظ الناس عند القبر وهم ينتظرون الدفن، وبذلك يعلم أن الوعظ عند القبر أمر مشروع قد فعله النبي - ﷺ -؛ لما في ذلك من التذكير بالموت، والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الآخرة، والحث على الاستعداد للقاء الله» (٣).\nوقال العلامة الألباني ﵀: «ويجوز الجلوس عنده [أي القبر] أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده؛ لحديث البراء بن\n_________\n(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٢٢٥.\n(٢) أبو داود، برقم ٣٢١٢، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤،والحاكم، ١/ ٣٧ - ٤٠،وأحمد، ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، وبرقم ١٨٣٤، وتقدم تخريجه في أحوال المحتضرين.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢١٠.","vol":"3","page":1296},{"text":"عازب ...» (١).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «... وغاية ما ورد أنه - ﷺ - أتى إلى البقيع وفيه قوم ينتظرون اللحد؛ ليدفنوا ميتهم، فجلس وجلس الناس حوله وجعل يذكرهم وهو جالس لا على سبيل الخطبة، وكذلك كان - ﷺ - في المقبرة أيضًا فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ...» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2166>الأمر الحادي عشر: تعميق القبر وتوسيعه</span>؛ لحديث هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد، فقالوا: أصابنا قرح وجهد! فكيف تأمرنا؟ قال: «احفروا، وأوسعوا [وأعمقوا] واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر» قيل: فأيهم يُقدَّم؟ قال: «أكثرهم قرآنا» (٤)؛ ولحديث رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي، فجلس رسول الله - ﷺ - على حفيرة القبر يوصي الحافر، ويقول: «أوسع من قبل الرأس؛ وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة» (٥).\nوذكر الإمام ابن قدامة ﵀ عن الإمام أحمد أن القبر يعمّق إلى الصدر، الرجل والمرأة في ذلك سواء، قال: وكان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة؛ فإن ما على ظهر الأرض\n_________\n(١) أحكام الجنائز، ص١٩٨.\n(٢) تقدم تخريجه في أول الأمر العاشر آنفًا.\n(٣) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٣١.\n(٤) النسائي، برقم ٢٠٠٩، ٢٠١٠، وأبو داود، برقم ٣٢١٥،وابن ماجه، برقم ١٥٦٠، والترمذي، برقم ١٧١٣، وصححه الألباني في الإرواء، برقم ٧٤٣، وتقدم تخريجه في دفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد.\n(٥) أحمد واللفظ له، ٥/ ٤٠٨، وأبو داود بدون قوله: «لرب عذق له في الجنة»، كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات، برقم ٣٣٣٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٣٥، وفي أحكام الجنائز، ص١٨١.","vol":"3","page":1297},{"text":"أفضل مما سفل منها.\nوذكر أبو الخطاب أنه يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي، ثم قال ابن قدامة: «والمنصوص عن أحمد أن المستحب تعميقه إلى الصدر؛ لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2167>الأمر الثاني عشر: اللحد أفضل من الشق إذا كانت التربة صلبة لا ينهال ترابها</span>، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل؛ لحديث أنس - ﵁ - قال: لما توفي النبي - ﷺ - كان بالمدينة رجل يَلْحدُ وآخر يُضرّحُ (٢) فقالوا: نستخيرُ ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سُبق تركناه، فأُرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي - ﷺ -» (٣).\nوعن عائشة ﵂ قالت: لما مات رسول الله - ﷺ - اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلّموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تصخبوا (٤) عند رسول الله - ﷺ - حيًّا ولا ميتًا، أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشاقّ واللاحد جميعًا، فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله - ﷺ - ثم دفن - ﷺ - (٥).\nوعن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: «الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليّ اللبن نصبًا كما صنع برسول الله - ﷺ -» (٦).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللحد لنا والشق\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧، وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة، ٨/ ٤٢٢.\n(٢) يضرح: ضرح للميت: حفر له ضريحًا، والضريح القبر، أو الشق، والثاني هو المراد شرعًا بالمقابلة.\n(٣) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الشق، برقم ١٥٥٧، وأحمد، ١/ ٨.\n(٤) لا تصخبوا: أي لا تصيحوا.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الشق، برقم ١٥٥٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٣.\n(٦) مسلم، كتاب الجنائز، باب في اللحد ونصب اللبن على الميت، برقم ٩٦٦.","vol":"3","page":1298},{"text":"لغيرنا» (١).\nوعن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اللحد لنا<span data-type=\"title\" id=toc-2169> والشق </span>لغيرنا» (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-2168> واللحد: </span>هو أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر - جانبه مما يلي القبلة - مكانًا يسع الميت، ولا يعمق بحيث ينزل فيه جسد الميت كثيرًا، بل بقدر ما يكون الجسد ملاصقًا للبن، هذا إذا كانت الأرض صلبة، وإن كانت الأرض رخوة اتخذ لها من الأحجار ونحوها ما يسندها باللحد ولا يلحد منها؛ لئلا يخر القبر على الميت.\n* والشق أن يحفر في وسط القبر طولًا كالنهر ويُبْنَى جانباه باللبن وغيره أو يشق وسط القبر فيصير كالحوض ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت (٣).\nوهذه الأحاديث السابقة تدل على أن اللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لرسوله - ﷺ -،والشق جائز عند الحاجة إليه، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «واللحد معروف وهو الشق من الجانب القبلي من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعي والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشق إذا أمكن اللحد، وأجمعوا على جواز اللحد والشق ...» (٤).\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في استحباب اللحد، برقم ١٥٥٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في اللحد، برقم ٣٢٠٨، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قول النبي - ﷺ -: «اللحد لنا والشق لغيرنا» برقم ١٠٤٥، والنسائي، كتاب الجنائز، باب اللحد والشق، برقم ٢٠٠٨، وأحمد، ٤/ ٣٥٩، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٦٠، وفي غيره.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في استحباب اللحد، برقم ١٥٥٥، وأحمد،\n٤/ ٣٥٧، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢، وانظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٨٢ - ١٨٤.\n(٣) النهاية في غريب الحديث،٣/ ٨١ و٤/ ٢٣٦،الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم،\n٢/ ١١٧ - ١١٨.\n(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٨.","vol":"3","page":1299},{"text":"وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن حديث اللحد: «يدل على أن اللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لرسوله - ﷺ - ...» وسمعته أيضًا يقول: «... وعمل الصحابة وعمل المسلمين يدل على أن اللحد والشق جائزان، وذكر النووي إجماع العلماء على جواز الأمرين، وقد كان في المدينة لاحِدٌ وشاقٌّ؛ لكن اللحد أفضل، وإذا احتيج إلى الشق جاز كما في الأرض الرخوة» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2170>الأمر الثالث عشر: يتولى إنزال الميت القبر الرجال؛ لأنه المعهود في عهد النبي - ﷺ </span>-، وجرى عليه عمل المسلمين في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا؛ ولأن الرجال أقوى على ذلك؛ ولأن النساء لو تولته أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الرجال الأجانب وهذا محرم (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2171>الأمر الرابع عشر: يُغطَّى قبر المرأة عند إدخالها في القبر</span>؛ لئلا يظهر ولا يبرز من معالم جسمها شيء؛ لما روي وذكر في ذلك من الآثار عن عمر، وعلي، وأنس، وعبد الله بن يزيد، والحسن (٣).\nقال الإمام الخرقي ﵀: «والمرأة يخمّر قبرها بثوب». قال الإمام\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٠، وأثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٩١.\n(٢) انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص١٨٦، وانظر: المجموع للنووي، ٥/ ٢٨٩.\n(٣) مصنف ابن أبي شيبة، ٣/ ٣٢٦، كتاب الجنائز، ما قالوا في مد الثوب على القبر، قال: «حدثنا سفيان عن أبي إسحاق قال: شهدت جنازة الحارث فمدوا على قبره ثوبًا فكشفه عبد الله بن يزيد قال: «إنما هو رجل»، ورواه البيهقي في كتاب الجنائز، باب ما روي في ستر القبر بثوب، بسنده إلى أبي إسحاق السبيعي: أنه حضر جنازة الحارث الأعور فأبى عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبًا، وقال: إنه رجل، وكان عبد الله بن يزيد قد رأى النبي - ﷺ -، وهذا إسناد صحيح، وإن كان موقوفًا رواه جماعة عن أبي إسحاق»، انتهى كلام الإمام البيهقي، ٤/ ٥٤، وقال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٦٩: «ورواه البيهقي بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي ...»، ثم ساق البيهقي، ٤/ ٥٤ بإسناده إلى علي - ﵁ - فقال: عن رجل من أهل الكوفة عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه أتاهم قال: ونحن ندفن ميتًا وقد بسط الثوب على قبره فجذب الثوب وقال: «إنما يصنع هذا بالنساء»، ثم ساق أثرًا آخر عن علي ثم قال: «وهو في معنى المنقطع لجهالة الرجل من أهل الكوفة، ٤/ ٥٤، وأثر الحسن ذكره ابن أبي شيبة، ٣/ ٣٢٦.","vol":"3","page":1300},{"text":"ابن قدامة: «لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافًا ...» ثم قال بعد أن ذكر بعض الآثار: «... ولأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيء، فيراه الحاضرون» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «يوضع ثوب على المرأة عند إدخالها القبر: بشت أو نحوه حتى لا يظهر من جسمها شيء» (٢).وبين ﵀ عندما سئل عن تغطية القبر بالنسبة للمرأة ما حكمه؟ فقال: «هذا أفضل» (٣).\nوذكر العلامة ابن عثيمين ﵀: أن هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء ﵏؛ لأن هذا أستر لها؛ ولئلا تبرز معالم جسمها، ولكن هذا ليس بواجب، ويكون هذا التخمير أو التسجية إلى أن يصفّ اللبن عليها (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2172>الأمر الخامس عشر: أولياء الميت أحق بإنزاله</span>؛ لعموم قول الله تعالى:\n﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ (٥)؛ ولحديث علي - ﵁ - قال: «غسلت النبي - ﷺ -، فذهبت لأنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيّبًا - ﷺ - حيًّا وميتًا»، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله - ﷺ -، ولحد لرسول الله - ﷺ - لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا» (٦) (٧).\n_________\n(١) المغني، ٣/ ٤٣١، وذكر أثرًا عن عمر، وآخر عن علي، وثالثًا عن أنس.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٩٦.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٩١.\n(٤) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٧٣ - ١٧٤،وانظر أيضًا نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩.\n(٥) سور الأنفال، الآية: ٧٥.\n(٦) الحاكم، ١/ ٣٦٢، وعنه البيهقي، ٤/ ٥٣ و٣/ ٣٨٨، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٧: «بسند صحيح»، قال: وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه، وأحمد، برقم ٣٩، ورقم ٣٣٥٨، وابن سعد، ٢/ ٢/٧٢، والبيهقي، ٣/ ٤٠٧ [أحكام الجنائز للألباني، ص١٨٣] قلت وله شواهد أخرى ذكرها الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٣، وص١٨٧.\n(٧) وذكر الألباني شاهدًا عن الشعبي مرسلًا عن مرحب أو ابن أبي مرحب أنهم - يعني عليًّا، والفضل وأخاه - أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف فلما فرغ علي قال: «إنما يلي الرجل أهله» وله شاهد آخر عن الشعبي أيضًا، قال الألباني في أحكام الجنائز ص١٨٧: «وهو الذي قبله شاهد قوي لحديث علي - ﵁ -».","vol":"3","page":1301},{"text":"وعن عامر قال: غسل رسول الله - ﷺ -: علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، قال: حدثنا مرحب - أو أبو مرحب - أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهله» (١).\nوعن عبد الرحمن بن أبزى قال: «صليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة فكبر أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج النبي - ﷺ - من يأمرن أن يدخلها القبر؟ قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلن إليه: انظر من كان يراها في حال حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر، فقال عمر: «صدقن» (٢) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2173>الأمر السادس عشر: لا بأس بإدخال الزوج زوجته قبرها</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - في اليوم الذي بدئ فيه، فقلت: وارأساه، فقال: «وَددتُ أن ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك» قالت: فقلت غَيْرَى: كأني بك في ذلك اليوم عَرُوسًا ببعض نسائك، قال: «وأنا وارأساه! ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنَّى متمنٍّ: أنا أوْلىَ ويأبى الله - ﷿ - والمؤمنون إلا أبا بكر» (٤).\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب كم يدخل القبر، برقم ٣٢٠٩، و٣٢١٠، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٢.\n(٢) الطحاوي، ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥، وابن سعد، ٨/ ١١١ - ١١٢، والبيهقي، ٣/ ٥٣، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٧: «بسند صحيح».\n(٣) وتقدمت معظم هذه الأدلة فيمن يكون أولى بغسل الميت.\n(٤) أحمد، ٦/ ١٤٤، قال الألباني في أحكام الجنائز [ص١٨٨]: «بإسناد صحيح على شرط الشيخين» قال: «وهو في صحيح البخاري بنحوه [برقم ٥٦٦٦، ورقم ٧٢١٧، ومسلم، ٧/ ١١٠ مختصرًا] قال وله طرق أخرى عن عائشة تقدمت [في أحكام الجنائز] ص٦٧» قلت: وقد قدمت تخريج بعض هذه الطرق في: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة أو الأمة، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج.","vol":"3","page":1302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2174>الأمر السابع عشر: ينزل المرأة قبرها من لم يطأ في الليلة السابقة</span>؛ لحديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: شهدنا بنت رسول الله - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، فرأيتُ عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة، أنا، قال: «فانزل في قبرها» [فنزل في قبرها] فقبرها ...» (١).\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وفي هذا الحديث جواز البكاء كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها؛ لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت - ولو كان امرأة - على الأب والزوج، وقيل: إنما آثره بذلك؛ لأنها كانت صنعته، وفيه نظر؛ فإن ظاهر السياق أنه - ﷺ - اختاره لذلك؛ لكونه لم يقع منه تلك الليلة جماع، وعلَّل ذلك بعضهم بأنه حينئذٍ يأمن من أن يذكّره الشيطان بما كان منه في تلك الليلة، وحكى ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة فتلطّف - ﷺ - في منعه من النزول في قبر زوجته (٢) بغير تصريح، ووقع في رواية حماد المذكورة فلم يدخل عثمان القبر، وفيه جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2175>الأمر الثامن عشر: يدخل الميت من قِبَل رجلي القبر</span>؛ لحديث\nأبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يُصلّي عليه عبد الله بن زيد،\nفصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: «هذا من\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب من يَدخُلُ قبر المرأة، برقم ١٣٤٢، وباب زيارة القبور، برقم ١٢٨٥، وما بين المعقوفين من هذا الموضع.\n(٢) رجح الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ١٥٨: أنها أم كلثوم ﵂ بنت النبي - ﷺ - وزوجة عثمان - ﵁ -.\n(٣) فتح الباري لابن حجر ٣/ ١٥٩.","vol":"3","page":1303},{"text":"السنة» (١) (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «هذا أحسن ما ورد في ذلك، ورُوي في ذلك نوعان آخران: أحدهما سلَّه من جهة القبلة، والثاني سَلَّه من جهة رأس القبر، والأمر في هذا واسع، ولكن أحسن ما ورد ما رواه عبد الله بن زيد؛ لأن قوله من السنة في حكم المرفوع عند أهل العلم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2176>الأمر التاسع عشر: يقول عند إدخال الميت القبر: «بسم الله وعلى ملة رسول الله»</span>،أو يقول: «بسم الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ -»؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله وعلى سنة رسول الله - ﷺ -».وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: «أن النبي - ﷺ - كان إذا أدخل الميت القبر - وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده - قال:- مرة -: «بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله».ولفظ ابن ماجه: «كان النبي - ﷺ - إذا أدخل الميت القبر قال: «بسم الله وعلى ملة رسول الله».وفي لفظ: «إذا وضع الميت في لحده قال: بسم الله وعلى سنة رسول الله».وفي لفظ: «بسم\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب في الميت يدخل من رجليه، برقم ٣٢١١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٢.\n(٢) قال الترمذي ﵀، في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الدفن بالليل، برقم ١٠٥٧، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - دخل قبرًا ليلًا فأُسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة، وقال: «رحمك الله إن كنت لأوَّاهًا تلاَّءً للقرآن وكبر عليه أربعًا»، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة عن عطاء. قال الترمذي: «حديث ابن عباس حديث حسن، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وقال: يدخل الميت من قبل القبلة، وقال بعضهم: يسل سلًاّ ...» وقال عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ١١/ ١٤٢: «وهو حديث حسن»، ولكن ضعفه جماعة من أهل العلم منهم الألباني في أحكام الجنائز، ص١٩٠، قال المباركفوري: «... يدخل الميت القبر من قبل الرأس بأن يوضع رأس الجنازة على مؤخرة القبر ثم يدخل الميت القبر، وهو قول الشافعي وأحمد، والأكثرين وهو الأقوى والأرجح دليلًا» [تحفة الأحوذي، ٤/ ١٦٤].\nوذكر الألباني في الأحكام، ص١٩٠ - ١٩١ صورًا ثلاثًا هي:\nأ - يدخل الميت من قبل رجلي القبر، وصححها.\nب - يدخل الميت من قبل القبلة وضعفها.\nج - يدخل الميت من قبل رأسه وضعفها.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٥٩٦،وانظر سبل السلام للصنعاني، ٣/ ٣٧٢، والمغني، لابن قدامة، ٣/ ٤٢٥.","vol":"3","page":1304},{"text":"الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله - ﷺ -» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2177>الأمر العشرون: يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه قبالة القبلة</span>، ورأسه إلى يمين القبلة، ورجلاه إلى يسار القبلة، على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله - ﷺ - إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض (٢)،وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا» (٣).وينبغي أن يُدنى من حائط القبر القبلي الأمامي؛ لئلا ينكب على وجهه، وأن يسند من خلف ظهره بتراب؛ لئلا ينقلب على ظهره (٤) (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2178>الأمر الواحد والعشرون: تحل عن الميت العقد إذا وضع الميت داخل القبر </span>على جنبه الأيمن (٦)، قال الإمام الخرقي ﵀: «وتحل العقد»، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه فمستحب؛ لأن عقدها كان للخوف من انتشارها وقد أُمن ذلك بدفنه، وروي أن النبي - ﷺ - لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع\n_________\n(١) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت إذا وُضع في قبره، برقم ٣٢١٣، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقول إذا أُدخل الميت القبر، برقم ١٠٤٦، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في إدخال الميت القبر، برقم: ١٦٦٠، وأحمد، ٢/ ٤٠، وصححه الألباني في صحيح السنن المتقدمة، وفي أحكام الجنائز، ص١٩٢.\n(٢) انظر: المحلى لابن حزم، ٥/ ١٧٣، وأحكام الجنائز للألباني، ص١٩٢.\n(٣) أبو داود، برقم ٢٨٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٢٠٩، وتقدم تخريجه في توجيه المحتضر إلى القبلة.\n(٤) الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٢٢، وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٢٣.\n(٥) وقيل: يجعل تحت رأسه لبنة فإن لم توجد فحجر، فإن عدم فقليل من تراب كما يصنع بالحي، وإن تركه فلا بأس، وقيل: يتركه فلا بأس بدون ذلك. الشرح الكبير، ٦/ ٢٢٣، ٢٢٤، والمغني، ٣/ ٤٢٨،واختار ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٥/ ٤٥٥:أنه لا يوضع تحت رأس الميت شيء، لعدم الدليل.\n(٦) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ما قالوا في حل العقد عن الميت، ٣/ ٣٢٦ قال: «حدثنا خلف بن خليفة عن أبيه أظنه سمعه من معقل عن النبي - ﷺ - أنه أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر ونزع الأخلة يعني العقد» وجاء في هذا الموضع عن أبي هريرة، وعن أبي بكر بن عياش عن مغيرة عن إبراهيم قال: «إذا أدخل الميت القبر حل عنه العقد كلها. وعن جابر عن عامر قال: يحل عن الميت العقد، وأوصى الضحك أن يحل عنه العقد، وعن ابن سيرين قال: يحل عن الميت العقد، المصنف ٣/ ٣٢٦.","vol":"3","page":1305},{"text":"الأخلة بفيه (١). وعن ابن مسعود، وسمرة بن جندب نحو ذلك (٢) (٣).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀ في حل العقد عن الميت في القبر: «هذا هو الأفضل لفعل الصحابة - ﵃ -» (٤) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2179>الأمر الثاني والعشرون: ينصب على فتحة اللحد اللبن نصبًا فيصف على فتحة اللحد </span>من خلف الميت وينصب نصبًا مرصوصًا، ويسد ما بين اللبن من خلل بقطع اللبن، فإذا أُحكم جعل الطين فوق ذلك حتى يسد الخلل بإحكام وإتقان؛ لئلا يصل التراب إلى الميت، فإن لم يكن لبن وضع حجر أو نحوه، وأُلحم بالطين حتى يلتحم (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2180>الأمر الثالث والعشرون: يُحثى بعد الفراغ من سد اللحد ثلاث حثيات على القبر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثًا» (٧). قال الإمام الصنعاني ﵀: «وفيه دلالة على مشروعية الحثي على القبر ثلاثًا، وهو يكون باليدين معًا؛ لثبوته في حديث عامر بن ربيعة ففيه: «حثى بيديه» (٨) (٩).\nوسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: «والحثي\n_________\n(١) سنن البيهقي، كتاب الجنائز، باب عقد الأكفان عند خوف الانتشار وحلها إذا أدخلوه القبر، ٣/ ٤٠٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق، ٣/ ٤٠٧.\n(٣) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٣٤.\n(٤) مجموع الفتاوى، ١٣/ ١٩٥.\n(٥) وانظر: مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٨٣.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، لابن قدامة،\n٦/ ٢٢٤، والكافي، ٢/ ٦٦، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٢٢ - ١٢٣، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ٨/ ٤٢٦.\n(٧) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في حثو التراب في القبر، برقم ١٥٦٥، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٥، وفي أحكام الجنائز، ص١٩٣، وإرواء الغليل، برقم ٧٥١.\n(٨) الدارقطني في السنن، ٢/ ٧٦.\n(٩) سبل السلام، ٣/ ٣٨٣.","vol":"3","page":1306},{"text":"عليه في هذا الحديث من باب المشاركة إذا كان الناس كثيرًا، وجاء في لفظ: «بيديه» (١)، وسمعته أيضًا يقول: «هذا يدل على أنه يستحب لمن حضر الدفن أن يشارك مع الناس ولو بثلاث حثيات» (٢) (٣).\nويُهال على القبر التراب (٤)، ولا يزاد عليه من غير ترابه، وإنما يجعل التراب الذي أخرج من القبر من غير زيادة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2181>الأمر الرابع والعشرون: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر</span>؛ لأن تسويته بالأرض تعرضه للإهانة؛ ولأن رفعه عن الأرض بهذا القدر يجعله يتميز ولا يهان؛ لحديث جابر - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - أُلحد له لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره عن الأرض نحوًا من شبر» (٦).قال العلامة الألباني ﵀: «ويؤيد ما سيأتي من النهي عن الزيادة على التراب الذي أُخرج من اللحد الذي شغله جسم الميت وذلك يساوي القدر المذكور في الحديث» (٧).\nقال شيخنا ابن باز ﵀ ما ملخصه: «وإذا دفنوا القبر بتراب، جعلوا عليه حصباء، ورشوه بالماء حتى يثبت بها التراب فكل هذا لا بأس به؛ لأن فيه حفظًا لترابه، وبقاء له، والمشروع [في رفع القبر] شبر، أو ما حوله، أما رفعه كثيرًا فلا يجوز؛ لما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال لعلي - ﵁ -: «لا تدع صورة\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٣.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٨٩٩.\n(٣) وانظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٥٠.\n(٤) انظر: المغني، ٣/ ٤٢٩.\n(٥) انظر: الكافي لابن قدامة، ٢/ ٦٨.\n(٦) البيهقي، ٣/ ٤١٠، كتاب الجنائز، باب لا يزاد في القبر على أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع، وابن حبان في صحيحه [موارد]، برقم ٢١٦٠، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص١٩٥، وذكر ﵀ في هذا الموضع له شواهد أخرى.\n(٧) أحكام الجنائز، ص١٩٥.","vol":"3","page":1307},{"text":"إلا طمستها ولا قبرًا مشرِفًا إلا سويته» (١) (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر، أو يقعد عليه، وأن يبنى عليه» (٣).\nولفظ النسائي: «أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه» (٤).\nوفي سنن أبي داود: «نهى أن يُقعد على القبر، وأن يُقصص، ويُبنى عليه، أو يزاد عليه، أو أن يُكتب عليه» (٥). ولفظ الترمذي: «نهى رسول الله - ﷺ -: أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ» (٦). ولفظ ابن ماجه: «نهى رسول الله - ﷺ - عن تجصيص القبور» (٧). وفي لفظ له: «أن يكتب على القبر شيء» (٨).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «والزيادة عليه من غير ترابه تُفضي إلى رفعه، فلا يزاد عليه بل يكتفى بما أخذ من تراب لحده» (٩)، وسمعته في موضع آخر يقول: «لا يجوز البناء على القبور، والتجصيص، ولا يقعد عليها، ولا البناء عليها، ولا توطأ، ولا يزاد عليها\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور، برقم ٩٦٩.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٠٨، ٢٠٩.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، برقم ٩٧٠.\n(٤) النسائي، كتاب الجنائز، باب الزيادة على القبر، برقم ٢٠٢٦ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٦٤.\n(٥) سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب في البناء على القبور برقم ٣٢٢٥، ٣٢٢٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٥.\n(٦) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها برقم ١٠٥٢، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٥٣٧.\n(٧) العرب تسمي الجص قصة، وتقصيص القبر: بناؤه بالقصة: وهي الجص [جامع الأصول، لابن الأثير، ١١/ ١٤٦].\n(٨) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور، وتجصيصها، والكتابة عليها، برقم١٥٦٢، ١٥٦٣،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٣٤.\n(٩) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٢.","vol":"3","page":1308},{"text":"من غير ترابها» (١).وجاء في ذلك آثار كثيرة أنه لا يزاد على تراب اللحد الذي أخذ من القبر، بل يكفي ذلك للدفن (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2182>الأمر الخامس والعشرون: يسنم القبر كهيئة سنام الجمل</span>؛ لحديث سفيان التمار: «أنه رأى قبر النبي - ﷺ - مسنمًا» (٣). ولفظ ابن أبي شيبة: «دخلت البيت الذي فيه قبر النبي - ﷺ - فرأيت قبر النبي - ﷺ -، وقبر أبي بكر، وقبر عمر مسنمة» (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، والمزني وكثير من الشافعية ...» (٥).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري ...» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2183>السادس والعشرون: توضع على القبر الحصباء</span>؛ لحديث القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّهْ! اكشفي لي عن قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه ﵄ فكشفت لي عن ثلاثة قبور: لا مُشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرْصَةِ الحمراء» قال أبو علي [اللؤلؤي] يقال: إن رسول الله - ﷺ - مُقدّمٌ، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله - ﷺ -» (٧).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، برقم ١٩٠٥ - ١٩٠٧.\n(٢) انظر: سنن البيهقي، ٣/ ٤١٠،كتاب الجنائز، باب لا يزاد في القبر على أكثر من ترابه؛ لئلا يرتفع.\n(٣) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر ﵄، برقم ١٣٩٠.\n(٤) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، ما قالوا في القبر يسنم، ٣/ ٣٣٤، وذكر في هذا الموضع ثلاثة آثارٍ أخر في تسنيم قبور بعض الصحابة، وأخرجه بلفظ ابن أبي شيبة أبو نعيم في المستخرج كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٢٥٧.\n(٥) فتح الباري، ٣/ ٢٥٧.\n(٦) المغني، ٣/ ٤٣٧.\n(٧) أبو داود، كتاب الجنائز، باب تسوية القبر، برقم ٣٢٢٠، والبيهقي في كتاب الجنائز، باب تسوية القبور وتسطيحها، ٤/ ٣، والحاكم، ١/ ٣٦٩، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه عبد القادر الأرناؤوط في تحققه لجامع الأصول لابن الأثير، ١/ ٨٢.","vol":"3","page":1309},{"text":"والبطحاء في هذا الحديث: هو الحصى الصغار، ويقال: بطحاء الوادي وأبطحه: هو حصاه اللين في بطن المسيل (١)، وقوله: «ولا لاطئة» يقال: لطئ بالأرض ولطأ بها إذا لزق» (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «والمشرف ما رفع كثيرًا» (٣)، وقال ﵀: «ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر؛ ليعلم أنه قبر، فيتوقى، ويترحم على صاحبه» (٤)، وقد جاء آثار كثير تدل على وضع الحصباء على القبور، ومن ذلك ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي - ﷺ - رشَّ على قبر إبراهيم ابنه الماء ووضع عليه حصباء» (٥)، وغير ذلك من الآثار (٦).\nولا منافاة بين التسنيم للقبر وبين قوله: مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، فبطحاء العرصة هو الحصباء الصغير؛ ولهذا جمع الإمام ابن القيم ﵀ بين حديث سفيان التمار في قوله: «إنه رأى قبر النبي - ﷺ - مسنمًا»، وحديث القاسم: «لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء» فقد جمع بين الحديثين فقال: «وقبره - ﷺ - مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه» (٧).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في الجمع بين الحديثين: «السنة أن يكون القبر مسنمًا، وحديث عائشة ﵂ لا ينافي ذلك، فهو يكون مسنمًا حتى يرد عنه الماء وتوضع عليه حصباء ويرش» (٨).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ١/ ١٣٤.\n(٢) النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، ٤/ ٢٤٩.\n(٣) المغني، ٣/ ٤٣٦.\n(٤) المغني، ٣/ ٤٣٥.\n(٥) البيهقي،٣/ ٤١١،وقال الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٢٠٦: «وهذا سند صحيح مرسل».\n(٦) انظر: سنن البيهقي، ٣/ ٤١١، كتاب الجنائز، باب رش الماء على القبر ووضع الحصباء عليه، وإرواء الغليل للألباني، ٣/ ٢٠٥ - ٥٠٦.\n(٧) زاد المعاد، ١/ ٥٢٤.\n(٨) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٩٠٠، ١٩٠١.","vol":"3","page":1310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2184>السابع والعشرون: يُعلّم القبر بحجر أو لبن، أو خشبة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - علَّم قبر عثمان بن مظعون - ﵁ - بحجر وضعه عند رأسه وقال: «أتعلَّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي» (١).\nقال الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀: «لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف: كحجر، أو عظم، أو حديد، من غير كتابة ولا أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي عن النبي - ﷺ - عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر، أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2185>الثامن والعشرون: رشّ القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن</span>، قال الإمام ابن قدامة ﵀: «ويستحب أن يرش على القبر ماء؛ ليلتزق ترابه» (٣).\nوقد ورد في ذلك آثار كثيرة منها ما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله - ﷺ -» (٤)، وغير ذلك من الآثار (٥).\nقال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ في حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء: «هذا مستحب إذا تيسر ذلك؛ لأنه يثبّت التراب ويحفظه، ويروى أنه وضع على قبر النبي - ﷺ - بطحاء، ويستحب أن يرش\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٢٠٦، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠١، وتقدم تخريجه في الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة.\n(٢) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٠٠.\n(٣) المغني، ٣/ ٤٣٦، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٢٥ - ٢٢٨.\n(٤) البيهقي في الكبرى، ٣/ ٤١١، كتاب الجنائز، باب رش الماء على القبر ووضع الحصباء عليه، وقال الألباني في إرواء الغليل،٣/ ٢٠٦: «وهذا سند صحيح مرسل» وانظر في هذا الموضع آثارًا كثيرة، وفي نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣.\n(٥) منها جملة ذكرها ابن أبي شيبة في المصنف، ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠،كتاب الجنائز، في رش الماء على القبر.","vol":"3","page":1311},{"text":"بالماء حتى يثبت التراب ويبقى القبر واضحًا معلومًا حتى لا يمتهن» (١)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يمينًا ويسارًا» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2186>الأمر التاسع والعشرون: يقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالتثبيت </span>ويستغفرون له، ويؤمر جميع الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلُوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» (٣).\nقال الإمام الشوكاني رحه الله: «فيه مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له؛ لأنه يُسأل في تلك الحال، وفيه دليل على ثبوت حياة القبر، وقد ورد بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر» (٤).وقد تقدمت الأدلة على فتنة القبر في أول الكتاب.\nأسأل الله لي ولجميع المؤمنين العفو والعافية والثبات في الحياة الدنيا وبعد الممات (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2187>التاسع عشر: آداب الجلوس والمشي في المقابر كثيرة، منها:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2188>١ - استقبال القبلة في الجلوس لمن كان ينتظر دفن الجنازة</span>؛ لحديث\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ١٩٨.\n(٢) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ١٩٤.\n(٣) أبو داود، كتاب الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، برقم ٣٢٢١، والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٣٧٠، والبيهقي، ٤/ ٥٦، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٥، وأحكام الجنائز، ص١٩٨.\n(٤) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٨١.\n(٥) أما خبر تلقين الميت الذي يفعله الشاميون فذكر أهل العلم أنه لا يثبت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه - ﵃ -، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٥: «وهذا فعله جماعة من الشاميين والجمهور على خلافهم، والأظهر والله أعلم أن هذا الحديث موضوع كما ذكر صاحب المنار، ولم يفعله الصحابة - ﵃ -». وقال ﵀ في مجموع الفتاوى له، ١٣/ ٢٠٦، في حكم التلقين بعد الدفن: «بدعة وليس له أصل فلا يلقن بعد الموت، وقد ورد في ذلك أحاديث موضوعة ليس لها أصل وإنما التلقين يكون قبل الموت».","vol":"3","page":1312},{"text":"البراء بن عازب - ﵁ - قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس النبي - ﷺ - مستقبلًا القبلة وجلسنا معه» (١)، قال الإمام الشوكاني ﵀: «فيه دليل استحباب الاستقبال في الجلوس لمن كان منتظرًا دفن الجنازة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2189>٢ - تحريم الجلوس على القبر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2190>٣ - لا يُصلى إلى القبور</span>؛ لحديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2191>٤ - لا يُتكأ على القبر</span>؛ لحديث عمرو بن حزم الأنصاري - ﵁ - قال: رآني رسول الله - ﷺ - متكئًا على قبر فقال: «لا تؤذِ صاحب هذا القبر - أو لا تؤذه -» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2192>٥ - لا يمشى بالنعال بين القبور إلا لضرورة</span>؛ لحديث بشير مولى رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يمشي ين القبور عليه نعلان فقال: «يا صاحب السبتيتين: ويحك ألق سبتيتيك» فنظر الرجل فلما عرف رسول الله - ﷺ - خلعهما فرمى بهما» (٦).\nقال الإمام الشوكاني ﵀: «وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز\n_________\n(١) أبو داود، برقم ٣٢١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٠٣، وتقدم تخريجه في حديث الموعظة عند القبر، وهو عند أبي داود مطولًا، برقم ٤٧٥٣.\n(٢) نيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٧٦.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧١.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، برقم ٩٧٢.\n(٥) أحمد، ٣٩/ ٤٧٥ برقم ٢٤٠٠٩/ ٣٨، قال الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٧٧: «قال الحافظ في الفتح: إسناده صحيح»، وقال محققو مسند الإمام أحمد، ٣٩/ ٤٧٥: «حديث صحيح».\n(٦) أبو داود، برقم ٣٢٣٠، والنسائي، برقم ٢٠٤٧، وابن ماجه، برقم ١٥٦٨، وأحمد، ٥/ ٨٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٧٠، وأحكام الجنائز، ص١٧٣، وتقدم تخريجه في تحريم الدفن في قبور المشركين.","vol":"3","page":1313},{"text":"المشي بين القبور بالنعلين ... [و] سماع الميت لخفق النعال (١) لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة» (٢).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في حديث بشير: «وهذا يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وإسناده جيد، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك: كالحر وغيره زالت الكراهة، أما حديث: «يسمع قرع نعالهم» فلا يلزم بأنه على القبور، فيكون خارجًا، أو يقال: ذلك عند الحاجة» (٣).\nوأوضح العلامة ابن عثيمين ﵀: أن المشي بين القبور بالنعال مكروه وخلاف السنة إلا لحاجة، كشدة حر، أو يكون في المقبرة شوك، أو حصى يؤذي الرجل فلا بأس به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2193>٦ - تحريم الصلاة في المقبرة</span>؛ لأن النبي - ﷺ - بيّن أن القبور ليست من مواضع الصلاة، فقال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٥).\nوعن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا». وفي لفظ: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٦)،والمعنى: صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة (٧).\n_________\n(١) يشير إلى حديث «يسمع قرع نعالهم».\n(٢) نيل الأوطار، ٢/ ٧٧٧ - ٧٧٨، ببعض التصرف اليسير.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الحديث رقم ١٩١٣.\n(٤) مجموع رسائل ابن عثيمين،١٧/ ٢٠٠ - ٢٠٢،وانظر الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٣٦.\n(٥) أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٢، وأحمد، ٢/ ٣٦٧، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٧٠، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٦) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم ٧٧٧.\n(٧) شرح النووي على صحيح مسلم، ٥/ ٣١٤.","vol":"3","page":1314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2194>٧ - المقابر ليست من المواضع التي يرغب في قراءة القرآن فيها</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2195>٨ - لا تبنى عليها المساجد</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ حينما ذكرتا لرسول الله - ﷺ - كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2196>٩ - لا تتخذ مساجد</span>؛ لحديث جندب - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» (٣).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، برقم ١١٧٩.\n(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب هل ننبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، ١/ ٥٢٣، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٢٨.\n(٣) مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٣٠.\n(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب حدثنا أبو اليمان، ١/ ٥٣٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، برقم ٥٢٩.","vol":"3","page":1315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2197>١٠ - لا تُبنى عليها القباب ولا تُرفع أكثر من شبر</span>؛ لحديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: «ألاّ تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوّيته» (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2198>١١ - لا تتخذ عليها السرج</span>؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» (٢)، ولحديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -: «لعن زوَّارات القبور» (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2199>١٢ - لا تُجصص القبور</span>؛ لحديث جابر - ﵁ -: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يجصص القبر، أو يقعد عليه، أو يُبنى عليه» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2200>١٣ - لا يُقعد على القبر</span>؛ لحديث جابر السابق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2201>١٤ - لا يُزاد عليها من غير ترابها</span>، لحديث جابر في لفظ عند النسائي (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2202>١٥ - لا يُكتب عليها شيء</span>؛ لحديث جابر في لفظه عند أبي داود (٦)، والترمذي (٧).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب الأمر بتسوية القبور، برقم ٩٦٩، ٣/ ٢٦٦.\n(٢) النسائي، كتاب الجنائز، باب التغليظ في اتخاذ السرج على القبور، ٤/ ٩٤، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، ٣/ ٢١٨، والترمذي، كتاب الصلاة، باب كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا، ٢/ ١٣٦،وابن ماجه في الجنائز، باب النهي عن زيارة النساء القبور، ١/ ٥٠٢، وأحمد، ١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٢/ ٣٣٧، ٣/ ٤٤٢، والحاكم، ١/ ٣٧٤، وانظر ما نقل صاحب فتح المجيد في تصحيح الحديث عن ابن تيمية، ص٢٧٦.\n(٣) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، برقم ١٠٥٦، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم ١٥٧٦،وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي،١/ ٥٣٨،وصحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٣٨.\n(٤) مسلم، برقم ٩٧٠ وتقدم في الأمر الرابع والعشرين: يرفع القبر عن الأرض شبرًا.\n(٥) برقم ٢٠٢٦.\n(٦) برقم ٣٢٢٥، ٣٢٢٦.\n(٧) برقم ١٠٥٢.","vol":"3","page":1316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2203>١٦ - لا تُوطأ</span>؛ لحديث جابر في لفظه عند الترمذي (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2204>١٧ - لا يبنى عليها</span>؛ لحديث جابر في لفظه عند الترمذي (٢)، وعند ابن ماجه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2205>١٨ - لا تتخذ القبور عيدًا فيتردد إليها الناس في أوقات محددة </span>وفي أزمان مؤرخة لا يأتونها إلا فيها؛ لقوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2206>١٩ - لا تُشد الرحال إلى زيارتها</span>؛ لقوله - ﷺ -: «لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2207>٢٠ - لا يُذبح ولا يُنحر عن القبور</span>؛ لحديث أنس - ﵁ - يرفعه: «لا عقر في الإسلام» قال عبد الرزاق بن همام: كانوا يعقرون بقرة أو شاة (٦)، هذا إذا كان الذبح أو النحر عند القبور يتقرب به إلى الله تعالى فهو بدعة، أما إذا كان الذبح لصاحب القبر فهو شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة (٧).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2208>٢١ - لا تكسر عظام أهل القبور</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إن كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسره حيًّا» (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2209>٢٢ - لا يُسبُّ الأموات</span>؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي - ﷺ -: «لا تسبُّوا\n_________\n(١) برقم ١٠٥٢.\n(٢) برقم ١٠٥٢.\n(٣) برقم ١٥٦٢، ١٥٦٣،وسبق تخريج الحديث بألفاظه وقد صححها الألباني في جميع الألفاظ لما تقدم.\n(٤) أبو داود، برقم ٢٠٤٢، وأحمد، ٢/ ٣٦٧، وتقدم تخريجه في رقم ٦ من هذا المبحث.\n(٥) متفق عليه: البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ٣/ ٦٣، ومسلم بلفظه، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، برقم ١٣٩٧، ٢/ ٩٧٦.\n(٦) أبو داود، كتاب الجنائز، باب كراهية الذبح عند القبر، برقم ٣٢٢٢، ومصنف عبد الرزاق، برقم ٦٦٩٠، والبيهقي، ٤/ ٥٧، وأحمد، ٣/ ١٩٧، قال الألباني في أحكام الجنائز: «وإسناده صحيح».\n(٧) انظر: أحكام الجنائز للألباني، ص٢٥٩.\n(٨) أحمد، ٦/ ٥٨، وأبو داود برقم ٣٢٠٧، وابن ماجه، برقم ٦٦١٦، وتقدم تخريجه في معرفة حرمة المسلم ومنزلته.","vol":"3","page":1317},{"text":"الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «وهذا هو الأصل؛ إلا إذا كان في سبهم مصلحة للناس، كمن قال لهم النبي - ﷺ -: «وجبت» عندما مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرًا، [ومُرَّ بأخرى فأثني عليها شرًّا] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2210>العشرون: التعزية:</span>\nالعزاء يقال: تعزيتُ عنه: أي تصبرت، أصلها تعزَّزت، والاسم منه العزاء (٣) والتعزي: التأسي والتصبر عند المصيبة، وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون» (٤).\nوالتعزية: التصبير على ما أصاب من المكروه (٥)، والتعزية يُراعى فيها الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2211>الأمر الأول: فضل تعزية المصاب</span>، جاء في ذلك فضل عظيم؛ لحديث عمرو بن حزم أن النبي - ﷺ - قال: «ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة» (٦).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من عزّى أخاه المؤمن في مصيبة كساه الله حُلة خضراء يُحْبَرُ بها يوم القيامة» قيل: يا رسول الله، ما\n_________\n(١) البخاري، كتاب الجنائز، باب ما ينهى من سب الأموات، برقم ١٣٩٣، وروى الترمذي، برقم ١٩٨٢، عن المغيرة - ﵁ - نحوه، ولكن قال: «فتؤذوا الأحياء».\n(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٣٩٣.\n(٣) لسان العرب لابن منظور، ٥/ ٣٧٧.\n(٤) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٢٢٣.\n(٥) انظر: معجم لغة الفقهاء، لمحمد روَّاس، ص٢٨٠.\n(٦) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا، برقم ١٦٠٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٥. وأخرجه أيضًا أحمد، ١/ ٢٠١، وانظر: إرواء الغليل، ٣/ ٢١٧. وجاء من حديث ابن مسعود يرفعه: «من عزَّى مصابًا فله مثل أجره» [الترمذي، برقم ١٠٧٣، وابن ماجه، برقم ١٦٠٢] وضعفه الشوكاني في نيل الأوطار، ٢/ ٧٨٧،والألباني ذكر له طرقًا كثيرة ثم ضعفه، انظر: إرواء الغليل،٣/ ٢١٩ - ٢٢٠،وأحكام الجنائز للألباني، وفضل الله على عباده أوسع.","vol":"3","page":1318},{"text":"يُحبرُ؟ قال: «يغبط» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2212>الأمر الثاني: ألفاظ التعزية، وصفتها، يقوم المعزّي بتعزية المصاب بما يسلّيه</span>، ويصبّره، ويحمله على: الرضا، والصبر، واحتساب المصيبة عند الله تعالى، والثقة بالله سبحانه وأنه لا يخلف الميعاد، ويكون ذلك بما تيسر من الترغيب في الأجر والثواب، والاحتساب من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، أو بما تيسر من الكلام الذي يخفف المصيبة، ويبرّد حرارتها (٢) على حسب نوع المصيبة وحال المصاب، من ذلك ما يأتي:\n١ - ما قاله رسول الله - ﷺ - لابنته حينما كان ولدها في الغرغرة: «إن لله ما أخذ و[لله] ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب» (٣).\n٢ - يناسب أن يقال لمن فقد ولده ما ثبت في حديث قرة بن إياس، قال: كان نبي الله - ﷺ - إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلْقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي - ﷺ - فقال: «ما لي لا أرى فلانًا؟» قالوا: يا رسول الله بُنيَّه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي - ﷺ - فسأله عن بُنيّهُ؟ فأخبره أنه هلك فعزَّه عليه ثم قال: «يا فلان أيُّما كان أحبَّ إليك أن تمتَّع به عُمرك؟ أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتح لك؟» قال: يا نبي الله بل يسبقنى إلى باب الجنة فيفتحها\n_________\n(١) قال الألباني: «أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد، ٧/ ٣٩٧، قال: وله شاهد عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مقطوعًا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، ٤/ ١٦٤، وهو حديث حسن بمجموع الطريقين كما بينته في إرواء الغليل، رقم ٧٦٤» [أحكام الجنائز للألباني، ص٢٠٦].\n(٢) قد ذكرت جملة من الآيات والأحاديث التي تبرّد حرارة المصيبة في رسالة لطيفة بعنوان: «تبريد حرارة المصيبة عند فقد الأحباب» وقد أضفتها في هذه الرسالة بعنوان: «فضائل الصبر والاحتساب على المصائب».\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، برقم ٩٢٣.","vol":"3","page":1319},{"text":"لي؛ لهو أحبُّ إليَّ، قال: «فذاك لك» (١).\n٣ - مما يقال لمن فقد ولدين أو ثلاثة ما ثبت من حديث بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله - ﷺ - يتعهد الأنصار ويعودهم، ويسأل عنهم فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره وأنها جزعت عليه جزعًا شديدًا، فأتاها النبي - ﷺ - ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل يعزّيها، فدخل رسول الله - ﷺ - فقال: «أما إنه بلغني أنكِ جزعتِ على ابنك»، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله [ما لي لا أجزع] وإني امرأة رقوبٌ لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «الرقوب: الذي يبقى ولدها» ثم قال: «ما من امرئٍ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم] إلا أدخله الله بهم الجنة» فقال عمر [وهو عن يمين النبي - ﷺ -] بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: «واثنين» (٢)، وقد ثبت في هذا أحاديث كثيرة أن من مات له ثلاثة من الولد، أو اثنين، أو واحد، فصبر واحتسب إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (٣).\n٤ - قال النبي - ﷺ - حينما دخل على أم سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة: «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه» (٤).\nفمن السنة أن يقال في التعزية: «اللهم اغفر لفلان - ويذكر اسمه - وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله\n_________\n(١) النسائي، برقم ١٨٦٩ ورقم ٢٠٨٧،وصححه الألباني، وتقدم تخريجه في فضائل الصبر االاحتساب.\n(٢) البزار، برقم ٨٥٧،والحاكم، ١/ ٣٨٤، وصححه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٠٨، وقد ثبت في هذا المعنى أحاديث صحيحة ذكرتها في تبريد حرارة المصيبة، وهي في هذا الكتاب في فضائل الصبر والاحتساب على المصائب.\n(٣) انظر: صحيح البخاري، رقم ١٠١، ١٢٤٩، ١٣٨١،٧٣١٠، ومسلم، برقم ٢٦٠٨، ٢٦٣٢، ٢٦٣٣، ٢٦٣٦، وقد تقدم تخريجها في فضائل الصبر والاحتساب.\n(٤) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه في تغميض الميت.","vol":"3","page":1320},{"text":"يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه».\n٥ - وقال النبي - ﷺ - في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه: «اللهم اخلف جعفرًا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» قالها ثلاث مرات (١).\n٦ - ومما يبرّد حرارة المصيبة في التعزية في الأحباب على وجه العموم، سواء كان الميت من الأولاد، أو الآباء، أو الأمهات، أو الإخوة، أو الأخوات، أو الزوج، أو الزوجة، أو الحبيب المصافي والصديق المخلص، قول النبي - ﷺ -: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة» (٢).\n٧ - ولو قال: «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك» فلا بأس بذلك (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2213>الأمر الثالث: التعزية لا تحدد بثلاثة أيام لا تتجاوزها</span>، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها، فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه عزَّى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ﵄ (٤) فما دامت حرارة المصيبة قائمة فلا بأس بالتعزية، ولو بعد وقتٍ طويل، فالأمر فيه واسع وفيه مواساة لأهل الميت في مصابهم.\nقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «العزاء ليس له أيام محدودة، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، [وقبل الدفن وبعده]، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، وسواء كان ذلك في البيت، أو في\n_________\n(١) أحمد، برقم ١٧٥٠، والحاكم، ٣/ ٢٩٨، قال الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٠٩: «بإسناد صحيح على شرط مسلم».\n(٢) البخاري، برقم ٦٤٢٤، وتقدم تخريجه في فضائل الصبر.\n(٣) انظر: الأذكار للإمام النووي، ص١٢٦.\n(٤) أحمد، برقم ١٧٥٠، [تحقيق أحمد شاكر]، والحاكم، ٣/ ٢٩٨، وصحح الألباني إسناده وساقه مطولًا في أحكام الجنائز، ص٢٠٩.","vol":"3","page":1321},{"text":"الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن» (١).وقال رحمه الله تعالى: «والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت لعدم الدليل على التحديد» (٢).\nوقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «وقت التعزية من حين ما يموت الميت أو تحصل المصيبة إذا كانت التعزية بغير الموت إلى أن تُنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب؛ لأن المقصود بالتعزية ليست تهنئةً أو تحيةً، إنما المقصود بها تقويةُ المصاب على تحمّل هذه المصيبة واحتساب الأجر» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2214>الأمر الرابع: السنة في العزاء أن يصنع أقرباء أهل الميت أو جيرانهم طعامًا يشبعهم</span>؛ لحديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم» أو: «أمر يشغلهم» (٤).\nوعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: «لما أصيب جعفر رجع رسول الله - ﷺ - إلى أهله فقال: «إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعامًا» قال عبد الله: فما زالت سنة حتى كان حديثًا فتُرِكَ» (٥).\nقال الشافعي رحمه الله تعالى: «وأحبُّ لجيران الميت أو ذي القرابة\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٧٩، وما بين المعقوفين من ١٣/ ٣٨٠.\n(٢) المرجع السابق، ١٣/ ٣٨٠.\n(٣) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٣٤٠.\n(٤) ابن ماجه، بلفظه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت، برقم ١٦١٠، وأبو داود، كتاب الجنائز، باب صنعة الطعام لأهل الميت، برقم ٣١٣٢، والترمذي كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يصنع لأهل الميت، برقم ٩٩٨، وأحمد، برقم ١٧٥٤،١/ ١٧٥، والحاكم، ١/ ٣٧٢، والبيهقي،٤/ ٦١،وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح السنن، وفي أحكام الجنائز، ص٢١١.\n(٥) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الطعام يبعث لأهل الميت، برقم ١٦١١، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٧.","vol":"3","page":1322},{"text":"أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعامًا يشبعهم؛ فإن ذلك سنة، وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا» (١).\nوقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبرًا لقلوبهم، فإنهم ربما انشغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم من إصلاح طعامٍ لأنفسهم» (٢).\nثم بيّن ابن قدامة ﵀: أنها إذا دعت الحاجة لإصلاح أهل الميت للطعام جاز؛ فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم فلا يمكنهم أن لا يضيفوه (٣).\nوقال ﵀: «وتستحب تعزية جميع أهل المصيبة كبارهم وصغارهم، ويخصُّ خيارهم، والمنظور إليه من بينهم، ليستنَّ به غيرُهُ، وذا الضعيف منهم عن تحمل المصيبة؛ لحاجته إليها» (٤).\nوقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: «... السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين .. وإنما يشرع لكل مسلم بأن يعزي أخاه بعد خروج الروح في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها، وإذا قابله شُرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب ... وإذا كان الميت مسلمًا، دعا له بالمغفرة والرحمة، وهكذا النساء فيما بينهن يعزي بعضهن بعضًا، ويعزي الرجل المرأة، والمرأة الرجل، لكن من دون خلوة ولا مصافحة إذا كانت المرأة ليست محرمًا له» (٥).\n_________\n(١) الأم، ١/ ٢٤٧.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٤٩٦.\n(٣) المغني، ٣/ ٣٩٧.\n(٤) المرجع السابق، ٣/ ٤٨٥.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٨٢.","vol":"3","page":1323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2215>الأمر الخامس: البدع والمنكرات في العزاء كثيرة</span>، لكن من أكثرها ظهورًا في بعض المجتمعات ما يأتي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2216>١ - اجتماع أهل الميت خارج المنزل في أماكن واسعة</span>، سواء كانت من الخيام الكبيرة المضاءة بالأنوار والمفروشة بالفرش؛ لاستقبال الناس فيها أو من قصور الأفراح المجهزة بالإضاءة والفرش، أو فرش الساحات الخالية أمام المنزل وإنارتها استعدادًا لاستقبال المعزين، أو إنارة الشوارع وإحضار من يقرأ القرآن، وإعداد القهوة والشاي، وبعض العصيرات والأطياب؛ لتقديمها للمعزين، وغير ذلك من المنكرات البدعية التي يجب على كل مسلم الابتعاد عنها والتزام السنة (١). وإذا صنع الطعام للناس كان ذلك بدعة أخرى (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2217>٢ - الاجتماع في منزل الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن</span>، ودعوة الناس لحضور الطعام المقدم، وربما بعض المعزّين يأتي بالأغنام، أو الإبل، أو البقر، بحجة تقديمها لهؤلاء المعزين، ولأهل البيت، ويدعو كل من قابله ممن يأتون للتعزية لحضور هذا الطعام، وهذا من البدع المنكرة؛ لحديث جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: «كنَّا نَعُدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة». ولفظ ابن ماجه: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعَةَ الطعام من النياحة» (٣).\nقال شيخنا ابن باز ﵀: «والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة، والميت يُعذب في قبره بما يناح عليه، كما صحت به\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى الشيخ ابن باز، ١٣/ ٣٧١ - ٤٢٤.\n(٢) قال الإمام ابن القيم في زاد المعاد: «وكان من هديه - ﷺ - تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء ويقرأ له القرآن، لا عند قبره ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة»،زاد المعاد، ١/ ٥٢٧.\n(٣) أخرج اللفظ الأول الإمام أحمد في المسند، برقم ٦٩٠٥، واللفظ الثاني لابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام، برقم ١٦١٢،وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه،٢/ ٤٨،وفي أحكام الجنائز، ص٢١٠.","vol":"3","page":1324},{"text":"السنة عن النبي - ﷺ -، أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة» (١).\nوقوله: «كنا نعدّ» أو «كنا نرى» قال السندي ﵀: «هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة - ﵃ -، أو تقرير النبي - ﷺ -، وعلى الثاني فحكمه الرفع على التقديرين فهو حجة». ثم قال: «وبالجملة فهذا عكس الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت، فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول؛ لأن الضيافة حقها أن تكون للسرور لا للحزن» (٢).\nوقال شيخنا ابن باز ﵀: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة ... وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء والترحم على ميتهم، أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم (٣) بقراءة خاصة، أو أدعية خاصة، أو غير ذلك، ولو كان هذا خيرًا لسبقنا إليه سلفنا الصالح، فالرسول - ﷺ - ما فعله، فقد قتل جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة - ﵃ - في معركة مؤتة فجاءه الخبر ﵊ من الوحي بذلك فنعاهم للصحابة، وأخبرهم بموتهم، وترضَّى عنهم، ودعا لهم، ولم يتخذ لهم مأتمًا. وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئًا من ذلك، فقد مات الصديق - ﵁ - ولم يتخذوا له مأتمًا، وقتل عمر - ﵁ - وما جعلوا له مأتمًا، ولا جمعوا الناس ليقرأوا القرآن، وقُتل عثمان بعد ذلك\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٨٤،وتقدمت أحاديث النياحة في الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم، كما تقدمت الأحاديث في جواز البكاء بدمع العين في ما يجوز للحاضرين وغيرهم.\n(٢) حاشية السندي على سنن ابن ماجه، ٢/ ٢٧٥.\n(٣) مأتم: جمع مآتمه، مجتمع الناس في حزن أو فرح، والمقصود: اجتماع الناس للتعزية بميت. معجم لغة الفقهاء، مادة «مأتم».","vol":"3","page":1325},{"text":"وعلي ﵄ فما فعل الصحابة - ﵃ - لهما شيئًا من ذلك ...» (١) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2218>الأمر السادس: مشروعية التلبينة للمحزون</span>؛ لحديث عائشة ﵂ أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض، والمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «التلبينة تُجِمُّ فؤاد المريض، وتُذهبُ ببعض الحزن». وفي لفظ: «أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن - إلا أهلها وخاصتها - أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «التلبينة مَجمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن» (٣).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: «التَّلْبِيْنَة: طعام يُتخذ من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقًا نضيجًا لا غليظًا نيئًا ... وقوله: «مَجَمَّة: أي مكان الاستراحة» ورويت بضم الميم [مُجمَّةٌ] أي مريحة، والجِمام: الراحة، «والثريد: الخبز بمرق اللحم وقد يكون معه اللحم» (٤). وقال ابن الأثير ﵀: «التلبينة والتلبين: حساءٌ يُعمل من دقيق أو نُخالة وربما جُعل معه عسل سميت به تشبيهًا باللبن لبياضها ورقتها» (٥). وقال الحافظ ﵀: «التلبينة: حساء كالحريرة يتخذ من دقيق أو نخالة سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض» (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2219>الواحد والعشرون: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين</span>، ينبغي أن ينظر في ذلك إلى أمرين:\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(٢) وانظر كثيرًا من البدع في أحكام الجنائز للألباني، ص٢٢٠.\n(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأطعمة، باب التلبينة، برقم ٥٤١٧، وكتاب الطب، باب التلبينة للمريض، برقم ٥٦٨٩، و٥٦٩٠، ومسلم.\n(٤) فتح الباري، ٩/ ٥٥٠، ٥٥١.\n(٥) النهاية في غريب الحديث، ٤/ ٢٢٩، وفتح الباري، ١٠/ ١٤٦.\n(٦) هدي الساري مقدمة فتح البارين لابن حجر، ص١٨٢.","vol":"3","page":1326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2220>الأمر الأول: ما يلحق الميت من عمله</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له» (١). ويدخل في هذا الحديث حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورَّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحق من بعد موته» (٢)؛ ولحديث معاذ بن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «من علَّم علمًا فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل» (٣).\nوعن سهل بن سعد - ﵁ -:أن النبي - ﷺ - قال يوم خيبر لعلي بن أبي طالب - ﵁ -: «... فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعم» (٤).\nوهذا يبين أهمية تعليم الناس الخير، ونشر العلم بينهم، قال الإمام الخطابي ﵀ في معنى الحديث: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك أجرًا وثوابًا من أن يكون لك حمر النعم، فتتصدق بها» (٥)، وقد ذكر القرطبي والأُبّي والسنوسي ﵏: «إن في هذا الحديث الشريف حضًّا عظيمًا على تعلم العلم وبثه في الناس، وعلى الوعظ والتذكير، ويعني أن ثواب تعليم رجل واحد وإرشاده أفضل من ثواب\n_________\n(١) مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، برقم ١٦٣١.\n(٢) ابن ماجه، المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٤٢، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٩٨، وإرواء الغليل، ٦/ ٢٩.\n(٣) ابن ماجه، المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٤٠، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٩٧.\n(٤) متفق عليه، البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام، برقم ٢٩٤٢، وأطرافه برقم ٣٠٠٩، ورقم ٣٧٠١، ورقم ٤٢١٠، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، برقم ٢٤٠٦.\n(٥) أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، ٢/ ١٤٠٨.","vol":"3","page":1327},{"text":"الصدقة بهذه الإبل النفيسة؛ لأن ثواب الصدقة بها ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة» (١).\nوقال - ﷺ -: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» (٢). وقال - ﷺ -: «من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً فَعُمِل بها بعده كُتِبَ له مثلُ أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فَعُمِلَ بها بعده، كُتِبَ عليه مثل وِزْر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ» (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٤)، وعن أبي أمامة - ﵁ - يرفعه: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ثم قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، لَيُصلُّون على مُعَلّم الناس الخير» (٥).\nوعن أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنه ليستغفر للعالم مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر» (٦).\n_________\n(١) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ٦/ ٢٧٦، وإكمال إكمال المعلم، للأبي، ٨/ ٢٣١، ومكمل إكمال الإكمال، للسنوسي، ٨/ ٢٣١.\n(٢) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وبغيره، وخلافته في أهله بخير، ٣/ ١٥٠٦ برقم١٨٩٣،من حديث أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -.\n(٣) مسلم، كتاب العلم، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة؛ ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٥٩، برقم ١٠١٧، من حديث جرير بن عبد الله - ﵁ -.\n(٤) مسلم، في كتاب العلم، باب من سن في الإسلام سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، ٤/ ٢٠٦٠، برقم ٢٦٧٤.\n(٥) الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة،٥/ ٥٠، برقم ٢٦٨٥،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، ٢/ ٣٤٣،وانظر: مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني، ١/ ٧٤، برقم ٢١٣.\n(٦) ابن ماجه، المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، برقم ٢٣٩، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٩٧.","vol":"3","page":1328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2221>الأمر الثاني: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين ثابت في الكتاب والسنة</span>، لكن فيه تفصيل لأهل العلم.\nفمما يدل على وصول ثواب الأعمال المهداة إلى أموات المسلمين من الكتاب والسنة الأدلة الآتية:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).\n٢ - قوله - ﷿ -: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٢).\n٣ - وقوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿رَبّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا﴾ (٣).\n٤ - وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٤).\n٥ - وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» (٥).\n٦ - وحديث ابن عباس ﵄: «أن امرأة ركبت البحر فنذرت، إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله - ﷿ -، فلم تصم حتى\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٣) سورة نوح، الآية: ٢٨.\n(٤) سورة إبراهيم، الآيتان: ٤١ - ٤٢.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٢، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٧، وأبو داود، كتاب الصوم، باب فيمن مات وعليه صيام، برقم ٢٤٠٠، ومن طريقه البيهقي، (٦/ ٢٧٩)، والطحاوي في «مشكل الآثار»، ٣ (١٤٠ و١٤١)، وأحمد، (٦/ ٦٩).","vol":"3","page":1329},{"text":"ماتت، فجاءت قَرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دين كنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحقُّ أن يُقضى] [فـ] اقْضِ [عن أمك]» (١).\n٧ - وحديث ابن عباس: «أن سعد بن عبادة - ﵁ - استفتى رسول الله - ﷺ -: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: «اقضِهِ عنها» (٢).\n٨ - وحديث سعد بن الأطول - ﵁ -: «أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أُنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي - ﷺ -: «إن أخاك محبوسٌ بدينه [فاذهب] فاقضِ عنه» [فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت]، قال: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادَّعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال: «أعطِها فإنها مُحقة»، (وفي رواية: صادقة») (٣).\n٩ - وحديث سمرة بن جندب: «أن النبي - ﷺ - صلى على جنازة (وفي رواية: صلى الصبح)،فلما انصرف قال: «أهاهنا من آل فلان أحد؟»\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت، برقم ٣٣٠٨، والنسائي في كتاب النذر، باب من مات وعليه نذر برقم ٣٨٥٠،والطحاوي (٣/ ١٤٠)،والبيهقي (٤/ ٢٥٥، ٢٥٦، ١٠/ ٨٥)، والطيالسي (٢٦٣٠)،وأحمد (١٨٦١، ١٩٧٠، ٣١٣٧، ٣٢٢٤، ٣٤٢٠) والسياق مع الزيادة الثانية له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي.\nوأخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٣، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٨، والترمذي، كتاب الصوم، باب ما جاء في الصوم عن الميت، برقم ٧١٦، وابن ماجه، كتاب الصيام، باب من مات وعليه صيام من نذر، برقم ١٧٥٨، ١٧٥٩ بنحوه، وفيه عندهم جميعًا الزيادة الثانية، وعند مسلم الأخيرة.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف ... برقم ٦٦٩٨، ومسلم، كتاب النذر، باب الأمر بقضاء النذر برقم ٦٦٣٨، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب في قضاء النذر عن الميت، برقم ٣٣٠٧، والترمذي، كتاب النذور، باب قضاء النذر عن الميت، برقم ١٥٤٦، والنسائي، كتاب الأيمان، باب من مات وعليه نذر برقم ٣٨٤٨، وابن ماجه، كتاب الكفارات، باب من مات وعليه نذر، برقم ٢١٣٢،وصححه البيهقي، (٤/ ٢٥٦، ٦/ ٢٧٨، ١٠/ ٨٥)، والطيالسي (٢٧١٧)، وأحمد (١٨٩٣، ٣٠٤٩، ٦/ ٤٧).\n(٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصدقات، باب أداء الدين عن الميت، برقم ٢٤٣٣ وأحمد (٤/ ١٣٦،\n٥/ ٧)،والبيهقي (١٠/ ١٤٢) وأحد إسناديه صحيح، والآخر مثل إسناد ابن ماجه، وصححه البوصيري في «الزوائد»،وسياق الحديث والرواية الثانية للبيهقي وهي والزيادات لأحمد في رواية.","vol":"3","page":1330},{"text":"[فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] فقال ذلك مرارًا [ثلاثًا لا يُجيبه أحدٌ]، [فقال رجل: هّوذا]، قال: فقام رجل يجرُّ إزاره من مؤخر الناس [فقال له النبي - ﷺ -: «ما منعك في المرتين الأولين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أنوّه باسمك إلا لخير، إن فلانًا - لرجل منهم - مأسور بدينه [عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله]،فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، [حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء] (١) (٢).\n١٠ - وحديث جابر بن عبد الله قال: «مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله - ﷺ - حيث تُوضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنّا رسول الله - ﷺ - بالصلاة عليه، فجاء معنا، [فتخطى] خطى، ثم قال: «لعل على صاحبكم دينًا؟» قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، [قال: صلوا على صاحبكم]، فقال له رجل منا يُقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هُما عَلَيّ، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله - ﷺ - إذا لقي أبا قتادة يقول. (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال:) «ما صنعتِ\nالديناران؟» [قال: يا رسول الله إنما مات أمس] حتى كان آخر\nذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: «ما فعل\nالديناران؟» قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: «الآن حين بَرَدَتْ عليه\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في التشديد في الدين برقم ٣٣٤١، والنسائي، كتاب البيوع، باب التغليظ في الدين برقم ٤٦٨٩، والحاكم (٢/ ٢٥، ٢٦)، والبيهقي (٦/ ٤/٧٦)، والطيالسي في «مسنده» (رقم ٨٩١، ٨٩٢)، وكذا أحمد (٥/ ١١، ١٣، ٢٠)، قال الألباني: «بعضهم عن الشعبي عن سمرة، وبعضهم أدخل بينهما سمعان بن مشنج، وهو على الوجه الأول صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم ووافقه الذهبي، وعلى الوجه الثاني صحيح فقط. والرواية الأخرى للمُسْنَدَين، والزيادة الأولى والثانية للحاكم، وكذا الثالثة والخامسة، وللبيهقي الثانية، ولأحمد الثالثة والرابعة، وللطيالسي الخامسة، وله ولأحمد وأبي داود السادسة».\n(٢) وقال الألباني ﵀: وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه الطبراني في المعجم الكبير (ق١٥٦/ ٢) بسند ضعيف.","vol":"3","page":1331},{"text":"جلدُه» (١) (٢).\n١١ - وحديث جابر ﵄ أن أباه استشهد يوم أُحُد، وترك ست بنات، وترك عليه دينًا [ثلاثين وسْقًا]، [فاشتد الغرماء في حقوقهم]، فلما حضره جذاذ النخل، أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد، وترك عليه دينًا كثيرًا، وإني أُحب أن يراك الغرماء، قال: «اذهب فبيدر كل تمير على حدة»، ففعلت، ثم دعوت، [فغدا علينا حين أصبح]، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدرًا ثلاثًا [ودعا في ثمرها بالبركة]، ثم جلس عليه، ثم قال: «ادعُ أصحابك»، فما زال يكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي (٣)،وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلمت والله البيادر كلها حتى إني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله - ﷺ - كأنه لم ينقص تمرة واحدة، [فوافيت مع رسول الله - ﷺ - المغرب، فذكرت ذلك له فضحك، فقال: «ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما»،فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله - ﷺ - ما صنع أن سيكون ذلك» (٤).\n١٢ - وحديث جابر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يقوم فيخطب، فيحمد الله، ويُثني عليه بما هو أهل له، ويقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومَن\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٨)،والسياق له، والبيهقي (٦/ ٧٤ - ٧٥)، والطيالسي (١٦٧٣)، وأحمد (٣/ ٣٣٠)، قال الألباني: «بإسناد حسن كما قال الهيثمي (٣/ ٣٩»).\nأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي!\nوالرواية الأخرى مع الزيادات عندهم جميعًا إلا الحاكم، إلا الزيادة الثانية فهي للطيالسي وحده.\n(٢) أي: بسبب رفع العذاب عنه بعد وفاء دينه.\n(٣) أي وصيته إياهم بقضاء الدين عنه، انظر حديثه في ذلك في الفصل الأول من المسألة الرابعة.\n(٤) أخرجه البخاري والسياق مع الزيادات له، كتاب الصلح، باب الصلح بين الغرماء، برقم ٢٧٠٩، ورواه بنحوه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يموت وعليه دين وله وفاء، برقم ٢٨٨٤، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٣٦٦٦، وابن ماجه كتاب الصدقات، باب أداء الدين عن الميت، برقم ٢٤٣٤. والبيهقي (٦/ ٦٤)،وأحمد (٣/ ٣١٣، ٣٦٥، ٣٧٣، ٣٩١، ٣٩٧) مطولًا ومختصرًا. وقال الألباني ﵀: وفيه عند أحمد زيادات كثيرة لم أوردها خشية الإطالة.","vol":"3","page":1332},{"text":"يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، [وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار]، وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش [يقول:] صبحكم ومساكم، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك ضياعًا (١) أو دينًا فعليَّ، وإليَّ، وأنا [أ] ولى [بـ] المؤمنين (وفي رواية: بكل مؤمن من نفسه») (٢).\n١٣ - وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من حَمَل من أمتي دينًا، ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه» (٣).\n١٤ - ومما يلحقه ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله - ﷿ - يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (٤)،وقال رسول الله - ﷺ -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه» (٥).\n_________\n(١) قال الألباني ﵀: أي عيالًا، قال ابن الأثير: «وأصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا، فسمي العيال بالمصدر كما تقول: من مات وترك فقرًا، أي فقراء».\n(٢) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم ٨٦٧، والبيهقي في السنن\n(٣/ ٢١٣ - ٢١٤)، وفي الأسماء والصفات ص (٨٢)، وأحمد (٣/ ٢٩٦ - ٣١٠، ٣١١، ٣٣٨ - ٣٧١) والسياق له، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ١٨٩)،قال الألباني ﵀: والزيادة الأولى له، وللنسائي والبيهقي وإسنادهما صحيح على شرط مسلم، والزيادة الثانية له وللبيهقي، والثالثة والرابعة لأحمد، والرواية الثانية لمسلم.\n(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٧٤)، قال الألباني ﵀: وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وقال المنذري (٣/ ٣٣): «رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى والطبراني في الأوسط». ونحوه في المجمع (٤/ ١٣٢) إلا أنه قال: «ورجال أحمد رجال الصحيح». وفي فتح الباري (٥/ ٥٤) فوائد مهمة في هذه المسألة.\n(٤) سورة النجم، الآية: ٣٩.\n(٥) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يأكل من مال ولده برقم ٣٥٢٨، والترمذي، كتاب الأحكام، باب الوالد يأخذ من مال ولده، برقم ١٣٥٨، والنسائي، كتاب البيوع، باب الحث على الكسب برقم ٤٤٥٤، وابن ماجه، كتاب التجارات، باب الحث على الكسب، برقم ٢١٣٧، والحاكم (٢/ ٤٦)، والطيالسي (١٥٨٠)، وأحمد (٦/ ٤١، ١٢٦، ١٦٢، ١٧٣، ١٩٣، ٢٠١، ٢٠٢، ٢٢٠)، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي! وقال الألباني ﵀: وهو خطأ من وجوه لا يتسع المجال لبيانها، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو: رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد (٢/ ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤) بسند حسن.","vol":"3","page":1333},{"text":"١٥ - وحديث عائشة ﵂: «أن رجلًا قال: إن أمي افتلتت (١) نفسها [ولم تُوصِ]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقتُ عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدَّق عنها]» (٢).\n١٦ - وحديث ابن عباس ﵄: «أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف (٣) صدقةٌ عليها» (٤).\n١٧ - وحديث سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نعم» قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» فتلك سقاية سعد بالمدينة (٥).\n_________\n(١) قال الألباني ﵀: بضم المثناة وكسر اللام، أي سلبت، على ما لم يسم فاعله، أي ماتت فجأة.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات من غير وصية يُتصدق عنه، برقم ٢٨٨١، والنسائي، كتاب الوصايا، باب إذا مات الفجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه، برقم ٣٦٧٩، وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية، برقم ٢٧١٧)، والبيهقي (٤/ ٦٢، ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، وأحمد (٦/ ٥١).\nقال الألباني ﵀: والسياق للبخاري في إحدى روايتيه، والزيادة الأخيرة له في الرواية الأخرى، وابن ماجه، وله الزيادة الثانية، ولمسلم الأولى.\n(٣) أي المثمر، سمي بذلك لما يخرف منه أي يجنى من الثمرة.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله عن أمي ... برقم ٢٧٥٦، وأبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية يتصدق عنه برقم ٢٨٨٢، والنسائي كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت برقم ٣٦٨٥، والرمذي، كتاب الزكاة، باب الصدقة على الميت برقم ٦٦٩، والبيهقي (٦/ ٢٧٨)، وأحمد (٣٠٨٠ - ٣٥٠٥ - ٣٥٠٨) والسياق له.\n(٥) أخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب ذكر الاختلاف على سفيان، برقم ٣٦٦٣، ٣٦٦٤، وأبو داود، كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء، برقم ١٦٨١، وابن ماجه، كتاب الأدب، باب صدقة الماء برقم ٣٦٨٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٨٥).","vol":"3","page":1334},{"text":"١٨ - وحديث أبي هريرة - ﵁ -: «أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن أبي مات وترك مالًا ولم يُوصِ فهل يُكفّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم» (١).\n١٩ - وحديث عبد الله بن عمرو: «أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله - ﷺ -، فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك، (وفي رواية): فلو كان أقرّ بالتوحيد فصُمت وتصدقت عنه نفعه ذلك» (٢).\n٢٠ - وحديث الشّرّيد بن سويد الثقفي قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها؟ قال: «ائتني بها» فأتيته بها فقال لها النبي - ﷺ -: «مَن ربك؟» قالت: الله، قال: «مَن أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣).\n٢١ - وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة\nالوداع. وفي رواية لمسلم: «فحجي عنه» (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، برقم ١٦٣٠،والنسائي كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت، برقم ٣٦٥٠،والبيهقي (٦/ ٢٧٨)،وأحمد (٢/ ٣٧١).\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي، يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها، برقم ٢٨٨٣، والبيهقي (٦/ ٢٧٩)، قال الألباني: والسياق له، وأحمد (رقم ٦٧٠٤)، والرواية الأخرى له، وإسنادهم حسن.\n(٣) أخرجه النسائي، كتاب الوصايا، باب فضل الصدقة على الميت، برقم (٣٦٥١)، وحسنه الألباني في الصحيحة، برقم (٣١٦١).\n(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، برقم ١٨٥٤، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانه وهرم ونحوهما أو للموت، برقم ١٣٣٤.","vol":"3","page":1335},{"text":"٢٢ - حديث أبي رزين أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «فحج عن أبيك واعتمر» (١).\n٢٣ - وحديث ابن عباس ﵄ قال: أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله - ﷺ - أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟» قال: نعم، قال: «فلتحج عن أمها» (٢).\n٢٤ - وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم. قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» (٣).\nوفي رواية: «فاقضوا الله الذي له؛ فإن الله أحق بالوفاء» (٤).\nوفي رواية: أن رجلًا قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: «فاقض الله فهو أحق بالقضاء» (٥).\n٢٥ - وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١٠، والترمذي، كتاب الحج، باب الحج عن الشيخ الكبير، برقم ٩٣٠، والنسائي كتاب الحج، باب العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، برقم ٣٦٣٨، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع برقم، ٢٩٠٦. وانظر: صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٦، وصحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤١، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ١٥٢، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ٢٧٥.\n(٢) أخرجه أحمد، ١/ ٢١٧، ٢٤٤، ٢٧٩، والنسائي كتاب مناسك الحج، باب الحج عن الميت الذي لم يحج، برقم ٢٦٣١، وابن خزيمة، برقم ٣٠٣٤، ٣٠٣٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٥٥٩.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت، برقم ١٨٥٢.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام، باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بيّن الله حكمهما ليفهم السائل، برقم ٧٣١٥.\n(٥) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان بالنذور، باب من مات وعليه نذر، برقم ٦٦٩٩.","vol":"3","page":1336},{"text":"يقول: لبيك عن شبرمة. قال رسول الله - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريبٌ لي، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» (١).\n٢٦ - وحديث عائشة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد بالله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد - ﷺ -» (٢).\n٢٧ - وحديث أبي رافع - ﵁ - قال: «ضحى رسول الله - ﷺ - بكبشين، أملحين، موجبين (٣)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول الله - ﷺ - قد كفانا»، وفي رواية لأحمد: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: «اللهم إن هذا عن أمتي جميعًا ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ»، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: «هذا عن محمد وآل محمد»، فيطعمها جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله - ﷺ - والغُرْمَ» (٤).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأيُّ قربة فعلها، وجعل ثوابها\nللميت المسلم نفعه ذلك، إن شاء الله، أما الدعاء، والاستغفار، والصدقة،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم ١٨١١، وابن ماجه، كتاب الحج، باب الحج عن الميت، برقم ٢٩٠٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٤١، وإرواء الغليل، ٤/ ١٧١.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله - ﷺ -، برقم ٣١٢٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٣/ ٨١.\n(٣) موجبين: وفي مجمع الزوائد، ٤/ ٢٢: «موجوءين».\n(٤) أحمد في المسند، ٦/ ٨، ٦/ ٣٩١، وصححه الألباني في إرواء الغليل، برقم ١١٤٧.","vol":"3","page":1337},{"text":"وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافًا، إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٢)، ودعا النبي - ﷺ - لأبي سلمة حين مات (٣)، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك (٤)، ولكل ميت صلى عليه، ولذي النجادين حين دفنه (٥)، وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت، وسأل رجل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» رواه أبو داود (٦)، وروي ذلك عن سعد بن عبادة (٧)، وجاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق أن يُقضى» (٨) وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: «نعم» (٩)، وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم، والحج، والدعاء، والاستغفار عبادات بدنية، وقد\nأوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها ... وروي عن عمرو بن\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ١٠.\n(٢) سورة محمد، الآية: ١٩.\n(٣) مسلم، برقم ٩٢٠، وتقدم تخريجه في تغميض الميت.\n(٤) مسلم، برقم ٩٦٣، وتقدم تخريجه في الدعاء للميت في الصلاة عليه.\n(٥) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١.\n(٦) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة، برقم ١٣٨٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم ١٠٠٤.\n(٧) أخرجه البخاري، برقم ٢٧٥٦، وأبو داود، برقم ٢٨٨٢، وقد تقدم تخريجه.\n(٨) أخرجه البخاري برقم ١٨٥٤، ومسلم، برقم ١٣٣٤ وقد تقدم تخريجه.\n(٩) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم ١٩٥٣، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، برقم ١١٤٨.","vol":"3","page":1338},{"text":"شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال لعمرو بن العاص: «لو كان أبوك مسلمًا فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك» (١). وهذا عام في حج التطوع وغيره؛ ولأنه عمل برٍّ وطاعةٍ، فوصل نفعه وثوابه، كالصدقة، والصيام، والحج الواجب ...» (٢)، ثم رد ﵀ على من قال: لا يصل إلى الميت إلا الواجب، والصدقة، والدعاء، والاستغفار، وبين أن المسلمين يهدون الثواب إلى أمواتهم من غير نكير؛ ولأن الحديث صح عن النبي - ﷺ -: «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (٣)، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة؛ ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلموه ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ وما اختلفنا فيه في معناه فنقيسه عليه (٤)، وقال: ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة» فإنما يدل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله فلا دلالة فيه عليه ...» (٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الصحيح أنه ينتفع الميت بجميع العبادات البدنية: من الصلاة، والصوم، والقراءة، كما ينتفع بالعبادات المالية: من الصدقة، والعتق، ونحوها باتفاق الأئمة ...» (٦).\nوبين الإمام ابن القيم ﵀ أن أرواح الموتى تنتفع من سعي\nالأحياء بأمرين:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي يسلم وليه أيلزمه أن ينفذها، برقم ٢٨٨٣، وحسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة، برقم ٣١٦١.\n(٢) المغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، وانظر: الشرح الكبير، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢.\n(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٣٠٤، ومسلم، برقم ٩٢٤، وتقدم تخريجه في فضائل الصبر على احتساب المصيبة.\n(٤) المغني، ٣/ ٥٢٢ بتصرف.\n(٥) المغني،٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، وانظر الشرح الكبير، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢.\n(٦) الاختيارات العلمية من الاختيارات الفقهية، ص١٣٧.","vol":"3","page":1339},{"text":"الأمر الأول: ما تسبب إليه الميت في حياته.\nالأمر الثاني: دعاء المسلمين له، واستغفارهم، والصدقة، والحج ... واختلفوا في العبادات البدنية: كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فذهب الإمام أحمد وجمهور السلف إلى وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ثم قال: «والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه: القرآن، والسنة، والإجماع، وقواعد الشرع» (١) ثم ساق ﵀ الأدلة على وصول ثواب الدعاء للميت، ووصول ثواب الصدقة، والصوم، والحج، ورد على المخالفين في ذلك، ثم قال: «هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه وهذا محض القياس؛ فإن الثواب حق للعامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنع من ذلك، كما لم يُمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته» (٢).\nوقال في الروض: «وأيُّ قربة: من دعاء، واستغفار، وصلاة، وصوم، وحج، وقراءة وغير ذلك فعلها مسلم وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك» (٣) (٤)، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: «لكن بشرط أن يكون المحجوج عنه [أي الحي] عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله» (٥). وقال: «هناك أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع وهي:\nالأول: الدعاء، والاستغفار.\nالثاني: الواجب الذي تدخله النيابة.\n_________\n(١) الروح لابن القيم،٢/ ٤٣٥ - ٥٠٠،وانظر: كلامًا لابن القيم أيضًا في تهذيب السنن،٣/ ٢٧٩ - ٢٨٢.\n(٢) الروح لابن القيم، ٢/ ٤٥٠.\n(٣) الروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٣٨.\n(٤) ونقل ابن قاسم في حاشية الروض المربع قول ابن القيم في أن جميع ذلك يصل، [حاشية ابن قاسم، ٢/ ١٣٩].\n(٥) الشرح الممتع، ٥/ ٤٦٦.","vol":"3","page":1340},{"text":"الثالث: الصدقة.\nالرابع: العتق، وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من يقول: إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له غير هذه الأمور الأربعة، ولكن الصواب أن الميت ينتفع بكل عمل صالح جُعِلَ له إذا كان الميت مؤمنًا ...» (١)، ثم قال: أما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢) المراد والله أعلم: أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئًا، كما لا يحمل من وزر غيره شيئًا، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به» (٣)، ثم ساق رحمه الله تعالى الأدلة على وصول ثواب: الدعاء، والصدقة عن الميت، والصيام، والحج، والأضحية، ثم رد على من خصص ذلك بالولد، وبين أنه قد جاء ما يدل على جواز الحج عن الغير حتى من غير الولد، وذلك أنه سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي - ﷺ -: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب لي، قال: «أحججت عن نفسك؟» قال: لا. قال: «حج عن نفسك ثم عن شبرمة» (٤) (٥). وبين أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل لهذا الحديث؛ لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتًا، قالوا: وإذا جاز أن يحج عن الميت الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل؟ (٦).\nوذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن الميت تصل إليه الصدقة،\n_________\n(١) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٥٥.\n(٢) سورة النجم، الآية: ٣٩.\n(٣) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٤) أبو داود، برقم ١٨١١، وابن ماجه، برقم ٢٩٠٣، وتقدم تخريجه.\n(٥) مجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٥٦ - ٢٦٦.\n(٦) المرجع السابق،١٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥،وانظر: مباحث مفيدة في ذلك،١٧/ ٢٢٢ - ٢٨٠.","vol":"3","page":1341},{"text":"والدعاء، والاستغفار، والحج، والعمرة، وقضاء الدين (١).\nويرجح ﵀ أنه يقتصر على ما ورد به النص في وصول ثوابه إلى الميت؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع (٢).\nوبين أن الصدقة تنفع الحي والميت، والدعاء، والحج، والعمرة، لكن الحي يحج عنه ويعتمر إذا كان عاجزًا.\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «هذه الأحاديث تدل على انتفاع الميت بالقربات: من الصدقات، والحج، والصوم، والدعاء، وغير ذلك، فهذا كله ينتفع به المسلم، أما غير المسلم فلا يدعى له، ولا يتصدق عنه، والأقرب والله أعلم أن قراءة القرآن عن الميت، والصلاة عنه لا تفعل عنه؛ لأن العبادات توقيفية، وإنما يقتصر على ما شرع الله: كالدعاء، والحج، والعمرة، والصدقة، والصوم وغير ذلك» (٣).\nوما ذهب إليه شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هو أرجح وأن العبادات توقيفية، وقد جاءت الأدلة في إهداء ثواب:\n* الدعاء.\n* والحج: الفرض والنفل.\n* والعمرة: الفرض والنفل.\n* والصدقة مطلقًا.\n* والصوم: الفرض.\n* والعتق.\n* والواجبات على الميت: كالنذور، والكفارات، وغير ذلك من العبادات التي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى لابن باز، ١٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠، ٢٦٠.\n(٢) مجموع الفتاوى، ١٣/ ٢٥٨، وبين أن الأفضل أن لا يهدي الطواف، ١٣/ ٢٥٨، ولا ثواب قراءة القرآن، ١٣/ ٢٥٩، ٢٦٦، ولا الصلاة نفلها وفرضها، ١٣/ ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦١، إلا ركعتي الطواف لمن كان حاجًّا أو معتمرًا عن الغير، فإنها تبعًا للطواف، ١٣/ ٢٦٠.\n(٣) سمعته أثناء تقريره على منتقى الأخبار، الأحاديث ١٩٢١ - ١٩٢٥.","vol":"3","page":1342},{"text":"جاء بها النص، والله - ﷿ - أعلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2222>الثاني والعشرون: زيارة القبور، يراعى فيها الأمور الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2223>الأمر الأول: مشروعية زيارة القبور للرجال</span>؛ لحديث بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» زاد الترمذي: «فإنها تذكركم الآخرة»، وعند أبي داود: «فإن في زيارتها تذكرة». ولفظ النسائي: «نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجرًا» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة [ولا تقولوا ما يسخط الرب]» (٣).\nوعن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمعُ العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هُجرًا» (٤) (٥).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «وفي لفظ: تُذكّر\n_________\n(١) انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤ - ٣٠٦ - ٣٢٥، والروح لابن القيم، ٢/ ٤٣٥ - ٥٠٠، وتهذيب السنن لابن القيم، ٣/ ٧٩ - ٢٨٢، والمغني لابن قدامة، ٣/ ٥٢١ - ٥٢٢، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٦/ ٢٥٧ - ٢٦٥، والكافي، ٢/ ٨٢، ونيل الأوطار للشوكاني، ٢/ ٧٨٢ - ٧٨٦، والاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص١٣٧، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٢/ ١٣٨ - ١٤٠، وقد نقل كلامًا مفيدًا عن ابن تيمية، وابن القيم، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٤٩ - ٢٨٤، ومجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٣٩ - ٢٧٦، وفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٩/ ١٥ - ٦٩، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤٦٤ - ٤٧٠، وأحكام الجنائز للألباني، ص٢١٢ - ٢٢٦.\n(٢) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه في زيارة قبر أمه، برقم ٩٧٧، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، برقم ١٠٥٤، والنسائي، تاب الجنائز، باب زيارة القبور، برقم٢٠٣١،وأحمد،٥/ ٣٥٠،وأبو داود.\n(٣) أحمد، ٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦، والحاكم، ١/ ٣٧٤، والبيهقي، ٤/ ٧٧، وقال الألباني ﵀ في أحكام الجنائز، ص٢٨٨ عن تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له: «وهو كما قالا».\n(٤) هُجرًا: الهجر الفحش والكلام الباطل، النهاية في غريب الحديث، ٥/ ٢٤٥.\n(٥) الحاكم، ١/ ٣٧٦، ٣٧٥، وأحمد، ٣/ ٢٣٧، ٢٥٠، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٢٩.","vol":"3","page":1343},{"text":"الآخرة، وفي لفظ: تزهّد في الدنيا، والحديث جمع بين الناسخ والمنسوخ، والنهي كان أولًا؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر وشرك، وتعلق بالقبور، ثم شرع الله الزيارة بعد ذلك؛ لأنها تذكر الآخرة، ويدعى للأموات فيها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2224>الأمر الثاني: زيارة الرجال للقبور بدون سفر</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ -: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (٢).\nفدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة - ﵃ - من قول النبي - ﷺ -، ولهذا عندما ذهب أبو هريرة - ﵁ - إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ...» (٣).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره - ﷺ - أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك» (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2225>الأمر الثالث: الزيارة للقبور للرجال دون النساء</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - «لعن زوَّارات القبور» (٥).\n_________\n(١) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٧.\n(٢) متفق عليه: البخاري، برقم ١١٨٩،ومسلم، برقم ١٣٩٧،وتقدم في آداب الجلوس والمشي في القبور.\n(٣) النسائي، كتاب الجمعة، باب الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، ٣/ ١١٤، ومالك في الموطأ، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ١/ ١٠٩، وأحمد في المسند، ٦/ ٧، ٣٩٧، وانظر: فتح المجيد، ص٢٨٩، وصحيح سنن النسائي، ١/ ٣٠٩.\n(٤) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٤.\n(٥) الترمذي، برقم ١٠٥٦، وابن ماجه، برقم ١٥٧٦، وتقدم تخريجه في آداب الجلوس والمشي في المقابر، وأن الألباني حسنه.","vol":"3","page":1344},{"text":"وعن حسان بن ثابت - ﵁ - قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زوَّارات القبور» (١).\nوعن ابن عباس ﵄ قال: «لعن رسول الله - ﷺ - زوَّارات القبور» (٢).\nوسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: «وهذه الأحاديث الثلاثة (٣) تدل على عدم زيارة النساء للقبور، وأما حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله: ما أقول عند زيارة القبور، فقال: «قولي السلام عليكم ...» الحديث، فهذا والله أعلم كان قبل نهي النساء؛ لأنه - ﷺ - نهى عن زيارة القبور ثم أذن مطلقًا: أي للرجال والنساء، ثم جاء نهي النساء عن زيارة القبور» (٤).\nوذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ أن زيارة عائشة لقبر أخيها (٥) اجتهاد منها ﵂، وأن قول النبي - ﷺ - لا يعارض بقول أحد كائنًا من كان، وأن قول النبي - ﷺ - لعائشة: «قولي السلام عليكم دار قوم مؤمنين» (٦)، يدل على أن المرأة إذا مرت بدون قصد على المقبرة فلا حرج أن تسلم على أهل القبور وتدعو لهم؛ فإنه يفرق بين خروجها من أجل الزيارة، ومرورها من غير قصد للزيارة، وأما لفظ: «لعن رسول الله - ﷺ - زوَّارات القبور» بصيغة المبالغة، ولفظ: «لعن رسول الله - ﷺ - زائرات القبور»، فإن كان لفظ: «زوَّارات» للنسبة فلا إشكال، وإن كان للمبالغة،\n_________\n(١) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور، برقم ١٥٧٤، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٨.\n(٢) ابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، برقم ١٥٧٥، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٨.\n(٣) الأحاديث الثلاثة أي حديث رقم ٦٠٩، ٦١٠، ٦١١ من بلوغ المرام.\n(٤) سمعته أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٦٠٩، وقد رجح ﵀ في مجموع الفتاوى له ما سمته منه هنا، ١٣/ ٣٣١.\n(٥) أخرجه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ٦٠، برقم ١٠٥٥، وابن أبي شيبة، ٣/ ٣٤٣، والحاكم، ١/ ٣٧٦، والبيهقي، ٤/ ٧٨.\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم ٩٧٤.","vol":"3","page":1345},{"text":"فإن لفظ زائرات فيه زيادة علم فيؤخذ به؛ لأن «زائرات» يصدق بزيارة واحدة، و«زوَّارات» في الكثير للمبالغة، ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلقًا بزيارة واحدة ومعلقًا بزيارات متعددة، فإن مع المعلق بزيارة واحدة زيادة علم؛ لأنه يلحق الوعيد على من زار مرة واحدة على لفظ «زائرات» دون لفظ: «زوَّارات»، ولو أخذنا بلفظ «زوَّارات» ألغينا دلالة «زائرات»، وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ على هذه المسألة كلامًا جيدًا (١) (٢).\nقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: «الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز»، ثم قال: «فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط ...» (٣)، أما حديث النبي - ﷺ - الذي قال فيه للمرأة التي وجدها تبكي على صبي لها فقال لها: «اتقي الله واصبري» (٤) حينما وجدها عند القبر فرجح شيخنا ابن باز ﵀ أن هذا لعله كان في وقت الإذن العام منه - ﷺ - للرجال والنساء في الزيارة؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2226>الأمر الرابع: الزيارة لأهل القبور أنواع على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2227>النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2228>١ - السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم، فقد انقطعت أعمالهم</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2229>٢ - تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2230>٣ - إحياء سنة النبي - ﷺ -؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها</span>.\n_________\n(١) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤٧٧ - ٤٧٩ بتصرف.\n(٢) انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٣٤٤.\n(٣) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٢٤، و٣٢٦.\n(٤) البخاري، برقم ١٢٥٢، ومسلم، برقم ٩٢٦، وتقدم تخريجه في شروط الصبر.\n(٥) مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٣٢.","vol":"3","page":1346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2231>النوع الثاني: زيارة بدعية وشركية </span>(١)، وهذا النوع ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-2232>١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ويخرجون من الإسلام</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2233>٢ - من يسأل الله تعالى بالميت</span>، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرج عن الإسلام، كما يخرج الأول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2234>٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مُستجاب</span>، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ في مشروعية زيارة القبور: «وكان هديه - ﷺ - أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت: من الدعاء، والترحم، والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت، والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه - ﷺ -؛ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميت، أو يدعو به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله - ﷺ - وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2235>الأمر الخامس: جواز زيارة قبور المشركين للعبرة والعظة فقط</span>؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» وفي لفظ: «زار - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال - ﷺ -: «استأذنت ربي في أن أستغفر\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢٣٣، و٢٤/ ٣٢٦، والبداية والنهاية، ١٤/ ١٢٣.\n(٢) انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية،٦/ ١٦٥ - ١٧٤،وانظر مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٢٨٥.\n(٣) زاد المعاد، ١/ ٥٢٦ - ٥٢٧.","vol":"3","page":1347},{"text":"لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكركم الموت» (١). وقد نهى الله - ﷿ - عن الاستغفار للمشركين والدعاء لهم، وعن الصلاة عليهم (٢)،فلا يجوز للمسلم أن يدعو لهم، ولا يستغفر لهم، وإنما إذا زار قبورهم فللتذكر والاعتبار وتذكر الموت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2236>الأمر السادس: كيفية السلام على أهل القبور من المسلمين </span>على النحو الآتي:\n١ - عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - خرج من بيتها في ليلتها حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم رجع إليها وأخبرها أن الله أمره أن يأتي أهل البقيع فيستغفر لهم، قالت قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله! قال قولي: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بهم لاحقون»، وفي لفظ: قالت: كان رسول الله - ﷺ - كلما كان ليلتها من رسول الله - ﷺ - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» (٣).\n٢ - وفي حديث بريدة عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، [أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع] أسأل الله لنا ولكم العافية» وفي لفظ: «السلام على أهل الديار» (٤).\n_________\n(١) مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم ٩٧٦.\n(٢) تقدم في الصلاة على الجنازة أن الله تعالى قال: ﴿وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ وتقدمت قصة النبي - ﷺ - مع عمه أبي طالب وأن الله نهاه ونهى المسلمين عن الاستغفار للمشركين.\n(٣) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها، رقم ٩٧٤، في هذا الحديث رفع اليدين في الدعاء لأهل القبور، وقد ثبت أيضًا في حديث آخر عند أحمد، ٦/ ٩٢، وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٤٦.\n(٤) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٥، وما بين المعقوفين من سنن النسائي، برقم ٢٠٣٩.","vol":"3","page":1348},{"text":"٣ - وعن ابن عباس ﵄ قال: مر رسول الله - ﷺ - بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر» (١).\nوهل يستقبل الزائر وجه الميت أثناء السلام عليه كما في هذا الحديث؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ومذهب الأئمة: مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام أن الرجل إذا سلم على النبي - ﷺ - وأراد أن يدعو لنفسه، فإنه يستقبل القبلة، واختلفوا في وقت السلام عليه: فقال الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد: يستقبل الحجرة ويسلم عليه من تلقاء وجهه، وقال أبو حنيفة: لا يستقبل الحجرة وقت السلام كما لا يستقبلها وقت الدعاء، ثم في مذهبه قولان: قيل: يستدبر الحجرة، وقيل: يجعلها عن يساره» (٢) (٣).\n٤ - وهل يسمع أهل القبور سلام من يسلم عليهم أثناء زيارتهم؟ هذه مسألة اختلف أهل العلم فيها، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والإمام ابن كثير في تفسيره، والعلامة الشنقيطي في أضواء البيان أن الأموات يسمعون سلام الزائر لهم، ويرد الله عليهم\n_________\n(١) الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يقول الرجل إذا دخل المقابر، برقم ١٠٥٣، وحسنه، والطبراني في الكبير، برقم ١٢٦١٣، وحسنه عبد القادر الأرناؤوط في تحقيقه لجامع الأصول لابن الأثير، ١١/ ١٥٧، وضعفه الألباني في أحكام الجنائز، ص٢٥٠.\n(٢) قاعدة التوسل والوسيلة؛ لشيخ الإسلام ابن تيمية، ص٢٥.\n(٣) وقال شيخنا عبد العزيز ابن باز: «يدعى للميت سواء استقبل القبلة أو استقبل القبر؛ لأن النبي - ﷺ - وقف على القبر بعد الدفن، وقال: «استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل» [مسلم، برقم ٩٧٤] ولم يقل: استقبلوا القبلة، فكل جائز سواء استقبل القبلة [أي أثناء الدعاء] أو استقبل القبر، والصحابة - ﵃ - دعوا للميت وهم مجتمعون حول القبر» [مجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٣٨]. وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ في مكان وقوف زائر القبور: «يقف عند رأس الميت مستقبلًا إياه» [مجموع الرسائل له،٧/ ٢٨٨]. وقال في موضع آخر: «يسلم على الميت تجاه وجهه، ويدعو له وهو قائم هكذا بدون أن ينصرف إلى القبلة». [مجموع رسائله،١٧/ ٣٣٣].","vol":"3","page":1349},{"text":"أرواحهم حتى يردوا ﵇ (١).\nقال الإمام ابن كثير ﵀: «والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوهٍ كثيرة من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس مرفوعًا: «ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇» ثم ذكر آثارًا كثيرة جدًا عن الصحابة - ﵃ -، وعن التابعين ﵏، والله تعالى أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2237>الأمر السابع: زيارة قبر النبي - ﷺ - على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2238>١ - تستحب زيارة مسجد النبي - ﷺ - وهي مشروعة في أي وقت</span>، وفي أي زمان، وليس لها وقت محدد، وليست من أعمال الحج، ولا يجوز شدُّ الرحال والسفر من أجل زيارة القبر؛ فإن شدَّ الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة، كما قال - ﷺ -: «لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٣)، فالبعيد عن المدينة ليس له شد الرحال بقصد زيارة القبر، ولكن يشرع له شد الرحال بقصد زيارة المسجد النبوي الشريف، فإذا وصله زار قبره - ﷺ - وقبور أصحابه، فدخلت الزيارة لقبره تبعًا لزيارة مسجده - ﷺ -، لما في زيارة المسجد من الثواب العظيم. قال - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد\n_________\n(١) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٣، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٢٤/ ٢٩٥ - ٢٧٩، وكتاب الروح لابن القيم، ١/ ١٦٧ - ٢٠٤، وأضواء البيان للشنقيطي، ٦/ ٤١٦ - ٤٣٩، ومجموع رسائل ابن عثيمين، ١٧/ ٢٨٨، ٣٣٦، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦.\n(٢) وقد ذكرت خلاف العلماء في ذلك، والتفصيل في ذلك في أول كتاب الجنائز، في مسألة نعيم القبر وعذابه، وهل الموتى يسمعون، فراجعها.\n(٣) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٨٩،ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، برقم ١٣٩٧.","vol":"3","page":1350},{"text":"الحرام» (١)، وقال - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2239>٢ - إذا دخل المسجد النبوي الشريف استحب له أن يُقدّم رجله اليمنى عند دخوله </span>ويقول: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك» (٣)، كما يقول ذلك عند دخول سائر المساجد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2240>٣ - يصلي ركعتين تحية المسجد، أو يصلي ما شاء، ويدعو في صلاته بما شاء</span>، والأفضل أن يفعل ذلك في الروضة الشريفة، وهي ما بين منبر النبي - ﷺ - وحجرته؛ لقوله - ﷺ -: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» (٤).\nأما صلاة الفريضة فيبنغي للزائر وغيره أن يحافظ عليها في الصف الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2241>٤ - ثم بعد الصلاة إن أراد زيارة قبر النبي - ﷺ - وقف أمام قبره: بأدب، ووقار</span>، وخفض الصوت، ثم يسلم عليه - ﷺ - قائلًا: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صَلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، برقم ١١٩٠،ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، برقم ١٣٩٤.\n(٢) أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، برقم ١٤٠٦، وأحمد، ٣/ ٣٤٣، ٥٣، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٦ وإرواء الغليل، ٤/ ٣٤١.\n(٣) أخرجه مسلم، برقم ١١٣، وأبو داود، برقم ٤٦٥، وتقدم تخريجه في صلاة الجماعة آداب المشي إلى الصلاة في المساجد.\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، برقم ١١٩٥،ومسلم، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم ١٣٩٠.","vol":"3","page":1351},{"text":"إنك حميد مجيد». أو يقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته»؛ لقوله - ﷺ -: «ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇» (١)، وإن قال: أشهد أنك رسول الله حقًّا، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وجاهدت في الله حق جهاده، ونصحت الأمة، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته. فلا بأس؛ لأن هذا كله من أوصافه - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2242>٥ - ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا فيسلّم على أبي بكر الصديق - ﵁ </span>-، ويدعو له بما يناسبه، ثم يأخذ ذات اليمين قليلًا أيضًا فيسلّم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، ويدعو له، وكان ابن عمر ﵄ إذا سلَّم على الرسول - ﷺ - وصاحبيه لا يزيد غالبًا على قوله: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ثم ينصرف (٢). ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة، أو الطواف بها، ولا يسأل الرسول - ﷺ - قضاء حاجته، أو شفاء مريضه، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله لا يطلب إلا من الله وحده.\nوالمرأة لا تزور قبر النبي - ﷺ - ولا قبر غيره؛ لأنه - ﷺ - لعن زوَّارات القبور (٣). لكن تزور المسجد، وتتعبد لله فيه رغبة فيما فيه من مضاعفة الصلاة، وتسلم على النبي - ﷺ - وهي في مكانها فيبلغ ذلك النبي - ﷺ - وهي في أي مكان كانت؛ لقوله - ﷺ -: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» (٤). وقال - ﷺ -:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤١، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٣٨٣، وابن باز في مجموع الفتاوى للحج، ٥/ ٢٨٨.\n(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٩/ ٢٨٩.\n(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدًا برقم ٣٢٠، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز، ص١٨٥،وانظر الإرواء، ٣/ ٢١١،وجامع الأصول، ١١/ ١٥٠.\n(٤) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور، برقم ٢٠٤٢، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٣٨٣.","vol":"3","page":1352},{"text":"«إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2243>٦ - يستحب لزائر المدينة أثناء وجوده بها أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه</span>؛ «لأن النبي - ﷺ - كان يأتيه راكبًا وماشيًا ويصلي فيه ركعتين» (٢)،وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» (٣)،وقال أسيد بن ظهير الأنصاري - ﵁ - يرفعه: «صلاة في مسجد قباء كعمرة» (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2244>٧ - ويسن للرجال زيارة قبور البقيع - وهي مقبرة المدينة - وقبور الشهداء</span>، وقبر حمزة - ﵃ -؛ لأن النبي - ﷺ - كان يزورهم ويدعو لهم؛ ولقوله - ﷺ -: «زوروا القبور فإنها تذكركم بالموت» (٥).\nويقول إذا زارهم: «السلام عليكم أهل الديار، من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون [ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين] نسأل الله لنا ولكم العافية» (٦).\nولاشك أن المقصود بزيارة القبور هو تذكر الآخرة والإحسان إلى\n_________\n(١) أخرجه أحمد، ١/ ٤٤١، وابن حبان في صحيحه، برقم ٩١٤، والحاكم، ٢/ ٤٢١، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٢٧٤.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت، برقم ١١٩٣، ومسلم كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته، برقم ١٣٩٩.\n(٣) أخرجه أحمد، ٣/ ٤٨٧، وعبد بن حميد، برقم ٤٦٩، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١٢، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٧، وصحيح سنن النسائي، ١/ ١٥٠.\n(٤) أخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ٣٢٤، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، برقم ١٤١١، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ١/ ٢٣٧، وصحيح سنن الترمذي، ١/ ١٠٤.\n(٥) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه - ﷿ - في زيارة قبر أمه، برقم ٩٧٦/ ١٠٨.\n(٦) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، برقم ٩٧٤/ ١٠٣، و٩٧٥.","vol":"3","page":1353},{"text":"الموت بالدعاء لهم، واتباع سنة النبي - ﷺ -. وهذه هي الزيارة الشرعية. وأما زيارتهم لقصد الدعاء عند قبورهم، أو سؤالهم قضاء الحاجات، أو شفاء المرضى، أو سؤال الله بهم، أو بجاههم، ونحو ذلك فهذه زيارة بدعية منكرة لم يشرعها الله ولا رسوله، ولا فعلها السلف الصالح.\nوبعض هذه الأمور المذكورة بدعة وليس بشرك: كدعاء الله عند القبور، وسؤال الله بحق الميت، أو جاهه، ونحو ذلك.\nوبعضها بدعة من الشرك الأكبر: كدعاء الموتى، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، أو المدد.\nفتنبه واحذر واسأل ربك التوفيق والهداية للحق فهو سبحانه الموفق، والهادي، لا إله غيره، ولا رب سواه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2245>الثالث والعشرون: الإحداد</span>\nينبغي أن يراعى في الإحداد الأمور الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2246>الأمر الأول: مفهوم الإحداد:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2247>الإحداد لغة: </span>مأخوذ من حَدَّ: الحاء والدال أصلان:\nالأول: المنع، والثاني طرف الشيء، فالحد الحاجز بين الشيئين، وفلان محدود: إذا كان ممنوعًا، ويقال: حدَّت المرأة على زوجها وأحدّت، وذلك إذا منعت نفسها الزينة والخضاب (٢).\nوقيل: إحداد المرأة على زوجها: ترك الزينة، وقيل: هو إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة والخضاب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2248>والحادُّ والمحِدُّ: </span>تاركة الزينة للعدة (٤)، قال ابن الأثير ﵀:\n_________\n(١) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٩٨.\n(٢) معجم المقاييس في اللغة لابن فارس، ص٢٣٩.\n(٣) لسان العرب لابن منظور، ٣/ ١٤٣.\n(٤) القاموس المحيط، ص٣٥٢.","vol":"3","page":1354},{"text":"«أحدت المرأة على زوجها تحِدُّ، فهي محِدُّ، وحَدَّت تَحُدَّ وتحِدُّ فهي حادٌّ: إذا حزنت عليه ولبست ثياب الحزن وتركت الزينة» (١).\nفعُلِمَ أن الإحداد لغة: منع المرأة نفسها عن الزينة، والخضاب، وما نُهِيت عنه، إظهارًا للحزن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2249>الإحداد شرعًا: </span>قيل: الإحداد: اجتناب الزينة، والطيب، والتحسين.\nوقيل: اجتناب ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر فيها من الزينة والطيب، والتحسين، والحناء، والحلي والكحل.\nوقيل: ترك زينة، وطيب، ولبس حلي، وتحسين بحناء، وكحل بأسود.\nوقيل: اجتناب الزينة وما يدعو إلى المباشرة (٢).\nوقيل: تربّصٌ تجتنب فيه المرأة ما يدعو إلى جماعها، أو يرغب في النظر إليها من الزينة وما في معناها مدة مخصوصة في أحوال مخصوصة (٣).\nوالمختار: «تربُّصٌ تمتنع فيه المرأة عن كل ما يرغب في النظر إليها، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة، في مكان مخصوص».\nأو يقال: «تربُّصٌّ تمتنع فيه المرأة عن الزينة، والطيب، والحلي، مدة مخصوصة، في أحوال مخصوصة، في مكان مخصوص».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2250>الأمر الثاني حكم الإحداد الشرعي: الإحداد الشرعي نوعان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2251>النوع الأول: الإحداد في عدة الوفاة: </span>يجب على الزوجة مدة عدة الوفاة؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تُحِدُّ امرأة على ميت\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر، ١/ ٣٥٢.\n(٢) انظر: المغني، لابن قدامة، ١١/ ٢٨٥، والكافي، ٥/ ٤١، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٢٤/ ١٣٢، والروض المربع مع حاشية عبد الرحمن القاسم، ٧/ ٨١، والإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي، ٤/ ١٧، ومنتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، ٤/ ٤١٠.\n(٣) أحكام الإحداد، لخالد بن عبد الله المصلح، ص٢٤.","vol":"3","page":1355},{"text":"فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عَصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار» (١)، زاد أبو داود: «ولا تختضب» (٢).\nوعن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثٍ إلا على زوجها» (٣).\nقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: «ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا عن الحسن؛ فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذ به عن أهل العلم وخالف به السنة، فلا يعرج عليه» (٤).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «وأجمعت الأمة على وجوبه على المتوفَّى عنها زوجها إلا ما حُكي عن الحسن والحكم بن عتبة ...» (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2252>النوع الثاني: حكم إحداد المرأة على غير زوجها: </span>اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على جواز إحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام؛ لقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه، البخاري، كتاب الطلاق، باب القسط للحادة عند الطهر، برقم ٥٣٤١، ومسلم، واللفظ له، كتاب الطلاق، باب وجود الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، برقم ٩٣٨.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٤، والنسائي، كتاب الطلاق، باب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، برقم ٣٥٣٣.\n(٣) مسلم، كتاب الطلاق، باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، برقم ١٤٩١.\n(٤) المغني، ١١/ ٢٨٤.\n(٥) زاد المعاد، ٥/ ٦٩٦، وانظر: الإجماع لابن المنذر، ص١٢٤.\n(٦) مسلم، برقم ١٤٩١،وتقدم تخريجه، وقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، منها: حديث عائشة هذا، وحديث أم حبيبة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وزينب بنت أبي سلمة ﵅، متفق على صحته: البخاري، برقم ٥٣٣٤ - ٥٣٣٧،ومسلم، برقم ١٤٨٦،وحديث حفصة بنت عمر عند مسلم، برقم ١٤٩٠،وحديث أم عطية متفق عليه كما تقدم: البخاري، برقم ٥٣٤١،ومسلم، برقم ٩٣٨.","vol":"3","page":1356},{"text":"وهذا يبين أن الإحداد على الزوج واجب وعزيمة، وعلى غير الزوج جائز ورخصة؛ لكن لا يجوز للمرأة أن تزيد على ثلاثة أيام على غير الزوج، وظاهر الأحاديث جواز إحداد المرأة على كل ميت ثلاثة أيام فأقل - غير الزوج، قال الإمام ابن القيم ﵀: «فإن الإحداد على الزوج واجب وعلى غيره جائز»، وقال: «فالإحداد على الزوج عزيمة وعلى غيره رخصة» (١).\nوقال العيني ﵀: «قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن من مات أبوها أو ابنها، وكانت ذات زوج وطالبها زوجها في الثلاثة أيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضى له عليها بالجماع فيها» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2253>الأمر الثالث: مدة الإحداد </span>نوعان:\nالنوع الأول: مدة الإحداد على الزوج قسمان:\nالقسم الأول: عدة المرأة الحائل وهي غير الحامل، أربعة أشهر وعشرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣)؛ولقوله - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا» (٤).\nوالحائل إما أن تكون مدخولًا بها أو غير مدخول بها وكلا الصنفين عدته من الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لعموم الآية، فظاهر الآية والحديث يشملهما فلا فرق بينهما، قال الإمام ابن القيم ﵀: «وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقًا كما\n_________\n(١) زاد المعاد، ٥/ ٦٩٦.\n(٢) عمدة القاري، ٨/ ٦٤.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n(٤) متفق عليه: البخاري،٥٣٣٤،ومسلم، ١٤٨٦، وتقدم تخريجه عن عدة صحابيات.","vol":"3","page":1357},{"text":"دل عليه عموم القرآن والسنة» (١)؛ لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - في عدة غير المدخول بها عند وفاة الزوج، أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: «لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث»، فقام معقل بن سنان - ﵁ - فقال: «قضى رسول الله - ﷺ - في بروع بنت واشق امرأة منا: مثل الذي قضيت»، ففرح بها ابن مسعود - ﵁ -» (٢).\nقال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرًا، مدخولًا بها أو غير مدخول، صغيرة لم تبلغ أو كبيرة قد بلغت» (٣).\nالقسم الثاني: عدة المرأة الحامل: أجلها أن تضع حملها، ولو بعد الوفاة بوقت يسير، قال ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا أنها لو كانت حاملًا لا تعلم بوفاة زوجها أو طلاقه فوضعت حملها أن عدتها منقضية» (٤)، وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وأجمعوا أيضًا على أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا أجلها وضع حملها، إلا ابن عباس، وروي عن علي من وجه منقطع أنها تعتد بأقصى الأجلين، وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي - ﷺ - فردَّ عليه النبي - ﷺ - قوله، وقد روي أن ابن عباس رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة» (٥).\n_________\n(١) زاد المعاد، ٥/ ٦٦٤.\n(٢) أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات، برقم ٢١١٤ - ٢١١٦، والترمذي، كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، برقم ١١٤٥، والنسائي كتاب النكاح، باب إباحة التزوج بغير صداق، برقم ٣٣٥٢، وابن ماجه، كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك، برقم ١٨٩١، والحاكم،\n٢/ ١٨٠، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٦/ ٣٦٩.\n(٣) الإجماع، لابن منذر، ص١٢١.\n(٤) المرجع السابق، ص١٢٢.\n(٥) المغني، ١١/ ٢٢٧.","vol":"3","page":1358},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (١). فدلت الآية على أن كل حامل أجلها وضع الحمل؛ ولما روت سبيعة بنت الحارث الأسلمية ﵂ أنها كانت تحت سعد بن خولة وتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلَّت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعككٍ فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمرَّ عليك أربعة أشهر وعشر، قالت: سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليًّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك؟ فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي»، قال ابن شهاب: فلا أرى بأسًا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2254>الأمر الرابع: الحكمة من الإحداد: </span>يجب على كل مسلم أن ينقاد لشرع الله ورسوله - ﷺ -، فإن عرف الحكمة فزيادة علم وحكمة، وإن حُجبت عنه فلا يُسأل عنها، وإنما يلزمه العمل بما أمر والابتعاد عما نهي عنه.\nوقد ذكر بعض أهل العلم بعض الحكم من حكمة الإحداد، ومنها على سبيل الإيجاز:\n\nتعظيم أمر الله والعمل بما يرضيه تعالى.\nتعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.\nأهمية عقد النكاح ورفع قدره.\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٤.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب ١٠، برقم ٣٩٩١، ومسلم، كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، برقم ١٤٨٤.","vol":"3","page":1359},{"text":"تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2259>٥ - سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح في هذه المدة وتطلع الرجال إليها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2260>٦ - الإحداد من مكملات عدة الوفاة ومقتضياتها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2261>٧ - تألم على فوات نعمة النكاح الجامعة بين خيري الدنيا والآخرة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2262>٨ - موافقة الطباع البشرية</span>؛ فإن النفس تتفاعل مع المصائب فأباح الله لها حدًّا تستطيع من خلاله التعبير عن مشاعر الحزن والألم بالمصاب مع الرضا التام بما قضى الله - ﷿ - وقدر، والصبر على أقدار الله المؤلمة، والرغبة فيما عنده سبحانه من الأجر لمن صبر واحتسب، وانتظار ما وعد الله سبحانه من الخير لمن حمده واسترجع وسأل الله أن يجيره في مصيبته ويخلفه خيرًا منها (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2263>الأمر الخامس: يلزم الحادة على زوجها ستة أحكام على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2264>١ - تلزم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه</span>، ولا تخرج منه إلا لحاجة أو ضرورة، كمراجعة المستشفى عند المرض، وأخذ بعض حوائجها من السوق إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك، ومن الأدلة الواضحة في ذلك حديث زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري - أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله - ﷺ - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة؛ فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله - ﷺ - أن أرجع إلى أهلي؛ فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم» قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمرني\n_________\n(١) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم فقد جلَّى ذلك، ٢/ ١٤٦ - ١٤٨، وفتح الباري لابن حجر، ٩/ ٤٧، وأحكام الإحداد لخالد بن عبد الله المصلح، مراجعة بكر بن عبد الله أبو زيد، ص٣١ - ٣٢.","vol":"3","page":1360},{"text":"فدعيت له، فقال: «كيف قلت؟» فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به» (١).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: وهو حديث صحيح قضى به عثمان في جماعة الصحابة، فلم ينكروه، إذا ثبت هذا فإنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان مملوكًا لزوجها، أو بإجارة، أو عارية؛ لأن النبي - ﷺ - قال للفريعة: «امكثي في بيتك» ولم يكن في بيت يملكه زوجها، وفي بعض ألفاظه: «اعتدي في البيت الذي أتاك فيه نعي زوجك» وفي لفظ: «اعتدي حيث بلغك الخبر»، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه» (٢).\nوقال ﵀: «فإن خافت هدمًا، أو غرقًا، أو عدوًّا، أو نحو ذلك، أو حوَّلها صاحب المنزل؛ لكونه عارية رجع فيه، أو بإجارة انقضت مدتها، أو منعها السكن تعدّيًا، أو امتنع من إجارته، أو طلب به أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به أو لا تجد إلا من مالها، فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عُذرٍ، ولا يلزمها بذل أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى سقطت ولها أن تسكن حيث شاءت ...» (٣).\n_________\n(١) أبو داود، بلفظه، كتاب الطلاق، باب في المتوفَّى عنها تنتقل، برقم ٢٣٠٠، والنسائي، كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تنتقل، برقم ٣٥٥٨، بلفظ: «اجلسي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، وفي لفظ له برقم ٣٥٥٩: «اعتدي حيث بلغك الخبر»، وفي لفظ له برقم ٣٥٦٠: «امكثي في أهلك حتى يبلغ الكتاب أجله». والترمذي، ٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وابن ماجه، ١/ ٦٥٤ برقم ٢٠٣١، ولفظه: «امكثي في بيتك الذي جاءك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»، وأحمد، ٦/ ٣٧٠، ٤٢٠، ٤٢١.\n(٢) المغني، ١١/ ٢٩١.\n(٣) المغني لابن قدامة، ١١/ ٢٩١ - ٢٩٢.","vol":"3","page":1361},{"text":"وقال الإمام ابن قدامة ﵀: «وللمعتدّة الخروج في حوائجها نهارًا، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها» (١)،لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: طُلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي - ﷺ - فقال: «بلى جذي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفًا» (٢)،وذكر ابن قدامة ﵀ أن المرأة الحادَّة ليس لها المبيت في غير بيتها وليس لها الخروج ليلًا إلا لضرورة؛ لأن الليل مظنة الفساد بخلاف النهار؛ فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه (٣) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2265>٢ - تمتنع الحادة عن الملابس الجميلة وتلبس ما سواها</span>، وقد ذكر ابن المنذر الإجماع على منعها من لبس المعصفر (٥)، فتحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين: كالمعصفر، والمزعفر، وسائر اللون للتحسين (٦)؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصبٍ، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسطٍ أو أظفار» (٧) زاد أبو داود: «ولا تختضب» (٨).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2266>٣ - تمتنع عن جميع أنواع الطيب، ونحوها، إلا إذا طهرت من حيضها</span>، فلا بأس أن تتبخر بالبخور؛ لحديث أم عطية ﵂، وفيه:\n_________\n(١) المرجع السابق، ١١/ ٢٩٧.\n(٢) مسلم، كتاب الطلاق، باب جواز خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها، برقم ١٤٨٣.\n(٣) المغني، لابن قدامة، ١١/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٤) وذكر الإمام ابن قدامة آثارًا في ذلك وبعض الأحاديث، [المغني،١١/ ٢٩٧ - ٢٩٨]، وانظر: أحكام الإحداد لخالد بن عبد الله المصلح، ص١٩،والآثار في البيهقي،٧/ ٤٣٦.\n(٥) انظر: الإجماع لابن المنذر، ص١٢٤.\n(٦) المغني لابن قدامة، ١١/ ٢٨٨.\n(٧) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٤١،ومسلم برقم ٩٣٨ وتقدم تخريجه في حكم الإحداد الشرعي.\n(٨) أخرجه أبو داود، كتاب الطلاق، باب فيما تجتنب المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٤، والنسائي، كتاب الطلاق، باب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، برقم ٣٥٣٣.","vol":"3","page":1362},{"text":"«ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قسطٍ أو أظفار» (١).\nقال الإمام النووي ﵀ في شرح القسط والأظفار: «نوعان معروفان من البخور، وليس من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب، والله تعالى أعلم» (٢).\nوقوله - ﷺ -: «ولا تمس طيبًا» يشمل جميع أنواع الأطياب، والأدهان المطيبة، والمياه المعتصرة من الأدهان المطيبة، فهذه كلها من الطيب الممنوع (٣).\nولا يدخل فيه الزيت، ولا السمن، ولا تمتنع من الأدهان التي ليس فيها طيب (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2267>٤ - تمتنع الحادة من الحلي: الذهب، الفضة، والماس وغيرها</span>، سواء كان ذلك قلائد، أو أسورة، أو خرصان، أو خواتم، أو غير ذلك؛ لحديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحليَّ، ولا تختضب، ولا تكتحل» (٥).\nقال الإمام ابن المنذر ﵀: «وأجمعوا على منع المرأة المحدة من لبس الحلي» (٦)؛ ولأن الحلي يزيد في حسنها ويدعو إلى مباشرتها» (٧).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٤١، ومسلم، برقم ٩٣٨، وتقدم تخريجه.\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ١٠/ ١١٩.\n(٣) زاد المعاد، لابن القيم، ٥/ ٧٠١ - ٧٠٢.\n(٤) انظر: المرجع السابق، ٥/ ٧٠٢.\n(٥) أبو داود بلفظه، كتاب الطلاق، باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٤، أحمد، ٦/ ٣٠٢، والنسائي، ٦/ ٢٠٣، برقم ٣٥٣٥ بدون قوله: «ولا الحلي». وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ٢/ ٤٣.\n(٦) الإجماع لابن المنذر، ص١٢٥.\n(٧) المغني، لابن قدامة، ٣/ ٨٩، والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف، ٢٤/ ١٤٠.","vol":"3","page":1363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2268>٥ - تمتنع الحادة عن الخضاب بالحناء ونحوه</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تحدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار» زاد أبو داود: «ولا تختضب» (١)؛ولحديث أم سلمة زوج النبي - ﷺ - وفيه: «ولا تختضب» (٢).\nقال الإمام ابن القيم ﵀: «فيحرم عليها الخضاب، والنقش، والتطريف، والحمرة؛ فإن النبي - ﷺ - نصَّ على الخضاب منبهًا به على هذه الأنواع» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2269>٦ - تمتنع الحادَّة عن الكحل</span>؛ لحديث أم عطية ﵂ وفيه:\n«... ولا تكتحل» (٤).\nوحديث أم سلمة ﵂ وفيه: «ولا تكتحل» (٥).\nوفي حديث أم سلمة ﵂ تقول: «جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا» مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ...» (٦).\n_________\n(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحيض، باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، برقم ٣١٣، ومسلم، كتاب الجنائز، باب نهي النساء عن اتباع الجنائز، برقم ٩٣٨، وأبو داود، كتاب الطلاق، فيما تجتنب المعتدة في عدتها، برقم ٢٣٠٢.\n(٢) أبو داود، برقم ٤٣٠٤،وأحمد،٦/ ٣٠٢،والنسائي، برقم ٣٥٣٥،وتقدم تخريجه قبل ثلاث حواشٍ.\n(٣) زاد المعاد، ٥/ ٧٠٢.\n(٤) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٤١، ومسلم، برقم ٩٣٨، وتقدم تخريجه غير مرة.\n(٥) أبو داود، برقم ٢٣٠٤، وأحمد، ٦/ ٣٠٢، والنسائي، برقم ٣٥٣٥، وتقدم تخريجه.\n(٦) متفق عليه: البخاري، برقم ٥٣٣٤، ومسلم، برقم ١٤٨٦، وتقدم تخريجه.","vol":"3","page":1364},{"text":"قال الإمام ابن القيم ﵀: «قال طائفة من أهل العلم من السلف والخلف، منهم أبو محمد ابن حزم: «لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلًا ولا نهارًا»، وبين ﵀ أنه يساعدهم حديث أم سلمة السابق، ثم قال ﵀: «وأما جمهور أهل العلم: كمالك، وأحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، فقالوا: إن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداويًا لا زينة، فلها أن تكتحل به ليلًا وتمسحه نهارًا وحجتهم حديث أم سلمة\n﵂» (١). والحديث هو: عن أم حكيم بن أسيد عن أمها أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء، - قال أحمد (أحد الرواة) الصواب: بكحل الجلاء - فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء؟ فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لابد منه يشتدُّ عليك: فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرًا فقال: «ما هذا يا أم سلمة؟» فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله، ليس فيه طيب، قال: «إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء؛ فإنه خضاب»، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» (٢). وقد بين الإمام ابن عبد البر ﵀ وتبعه الإمام ابن القيم: أن هذا الحديث ثابت، والجمع بينه وبين الحديث الآخر لأم سلمة وفيه: «قوله: «لا» ثلاثًا لمن استأذنته في الكحل: أن الشكاة التي قال فيها النبي - ﷺ - «لا» لم تبلغ والله أعلم منها مبلغًا لابد لها فيه من الكحل فلذلك نهاها، ولو كانت محتاجة\n_________\n(١) زاد المعاد، ٥/ ٧٠٢ - ٧٠٣.\n(٢) أبو داود، كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها زوجها، برقم ٢٣٠٥، والنسائي، كتاب: الخضاب للحادة، برقم ٣٥٣٧، والحديث صححه ابن عبد البر في التمهيد، ١٧/ ٣١٨، وحسنه ابن القيم في زاد المعاد، ٥/ ٧٠٣، والحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وضعفه بعض أهل العلم ومنهم العلامة الألباني.","vol":"3","page":1365},{"text":"مضطرة تخاف ذهاب بصرها لأباح لها ذلك كما فعل بالتي قال لها: «اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار»، والنظر يشهد لهذا التأويل؛ لأن الضرورات تنقل المحظورات إلى حال المباح في الأصول؛ ولهذا جعل مالك فتوى أم سلمة ﵂ تفسيرًا للحديث المسند في الكحل؛ لأن أم سلمة ﵂ روته وما كانت لتخالفه إذا صح عندها، وهي أعلم بتأويله ومخرجه ...» (١).\nوسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: «الكحل ممنوع للحادة إلا من أجل العلاج؛ فإنه يجعل بالليل ويمسح بالنهار» (٢).\nقال الإمام ابن قدامة ﵀: «ولا تمتنع من التنظف، بتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر، والامتشاط به» (٣)،ولها أن تكلم من شاءت من محارمها وتجلس معهم، وتقدم الطعام والشراب، ونحو ذلك، ولها أن تعمل في بيتها وأسطح بيتها ليلًا ونهارًا، في جميع أعمالها البيتية: كالطبخ، والخياطة، وكنس البيت، وغسل الملابس (٤)، ولكن عليها أن تلتزم بالستة الأمور المذكورة آنفًا. والله الموفق للصواب - ﷾ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2270>الأمر السادس: أصناف المعتدات ستة أصناف على النحو الآتي:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-2271>الصنف الأول: الحامل وعدتها </span>من موت زوج أو طلاق هي: وضع كامل الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥).\n_________\n(١) التمهيد لابن عبد البر، ١٧/ ٣١٨ - ٣١٩، وزاد المعاد، ٥/ ٧٠٣ - ٧٠٤.\n(٢) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٥٣٩.\n(٣) المغني، ١١/ ٢٨٨.\n(٤) من كلام شيخنا ابن باز في مقالة له بين فيها ما يلزم الحادة على زوجها من أحكام. نقلها الشيخ خالد بن عبد الله المصلح في كتابه: أحكام الإحداد، ص١٥٥.\n(٥) سورة الطلاق، الآية: ٤.","vol":"3","page":1366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2272>الصنف الثاني: المتوفى عنها زوجها من غير حمل</span>، فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام من حين موته؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2273>الصنف الثالث: المرأة ذات الحيض، وعدتها </span>من طلاق وفسخ هي ثلاثة قروء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2274>الصنف الرابع: المرأة التي لا تحيض إما لصغر أو كبر </span>فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-2275>الصنف الخامس: المرأة التي ارتفع حيضها </span>ولم تدر ما رفعه فعدتها سنة؛ لقول الشافعي هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار لا ينكره منهم منكِر علمناه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-2276>الصنف السادس: امرأة المفقود</span>، وتعتد بعد مدة التربص أربعة أشهر وعشرًا عدة الوفاة.\nوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (٤).\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nحرر في يوم الأربعاء الموافق ٢/ ١/١٤٢٤هـ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣٤.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.\n(٣) سورة الطلاق، الآية: ٤.\n(٤) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، ٢٠/ ٤٠٢ - ٤٠٤، وانظر: الإقناع لطالب الانتفاع، للحجاوي، ٤/ ٦ - ١٢، والكافي، لابن قدامة، ٥/ ٦.","vol":"3","page":1367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2277>المصادر والمراجع</span>\n١ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، للإمام عبد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي، ت ٣٨٧هـ، الطبعة الثانية، ١٤١٨هـ، دار الراية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢ - إبهاج المؤمنين بشرح منهج السالكين، لعبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، اعتنى به أبو أنس علي بن حسين أبو لوز، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار الوطن.\n٣ - الأثر التربوي للمسجد، للدكتور صالح بن غانم السدلان.\n٤ - الإجماع، لمحمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق الدكتور أبي حماد صغير أحمد، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ، مكتبة الفرقان، عجمان، ومكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة.\n٥ - أحكام الإحداد لخالد بن عبد الله المصلح، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ.\n٦ - أحكام الأضحية والذكاة، لمحمد بن صالح العثيمين، طبع على نفقة سليمان بن\nعبد الرحمن الضويان ..\n٧ - أحكام الجنائز، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م.\n٨ - أحكام حضور المساجد، لعبد الله بن فوزان.\n٩ - الإحكام شرح أصول الأحكام، لعبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، توزيع ونشر ورثة المؤلف.\n١٠ - الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتصحيح وتعليق الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، دار العاصمة بالرياض المملكة العربية السعودية.\n١١ - آداب الزفاف في السنة المطهرة، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٢ - الأدب المفرد، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري تخريج محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثالثة دار البشائر، بيروت، لبنان.","vol":"3","page":1492},{"text":"١٣ - الأذكار، للإمام أبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ت ٦٧٦هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، طبعة ١٣٩١هـ، مطبعة الملاح، دمشق، سورية.\n١٤ - إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، لأبى العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني، ت ٩٢٣ هـ، الطبعة السادسة ١٣٠٤ هـ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٥ - إرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقة بأقرب الطرق وأيسر الأسباب، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦ هـ، طبعة ١٤٠٢هـ، مكتبة دار المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٧ - الأسئلة والأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، عبد العزيز بن محمد السلمان، الطبعة العاشرة، ١٤٠٠هـ، الرئاسة الامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٨ - الأسئلة والأجوبة الفقهية، لعبد العزيز بن محمد السلمان، الطبعة السابعة، ١٤٠٠هـ، نشر الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء.\n١٩ - الاستذكار، للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، ت ٤٦٣ هـ، تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤٠١هـ، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق، بيروت.\n٢٠ - الاستسقاء: سننه وآدابه، للشيخ عبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد.\n٢١ - الاستقامة - تحقيق د. محمد رشاد سالم - ط جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.\n٢٢ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير؛ عز الدين علي بن محمد (ت٦٣٠هـ)، بيروت، نشر المكتبة الإسلامية لصاحبها رياض الحاج.\n٢٣ - أصول السنة لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ت ٣٩٩هـ، تحقيق عبد الله بن محمد البخاري، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.\n٢٤ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"3","page":1493},{"text":"٢٥ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي،\nت ٣٨٨هـ، تحقيق د. محمد بن سعيد بن عبد الرحمن آل سعود، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة.\n٢٦ - إعلام الساجد بأحكام المساجد، لمحمد بن عبد الله الزركشي، القاهرة، ١٣٨٥هـ.\n٢٧ - إعلام الموقعين عن رب العالمين، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.\n٢٨ - الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لعمر بن علي بن أحمد المعروف بابن الملقن، تحقيق عبد العزيز بن أحمد المشيقح، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ دار العاصمة الرياض، الممكة العربية السعودية.\n٢٩ - إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، مكتبة حميدو، الإسكندرية، مصر.\n٣٠ - الإفصاح عن معاني الصحاح، للوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة المتوفى سنة (٥٦٠) هـ، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.\n٣١ - الإقناع لطالب الانتفاع، لموسى ابن أحمد الحجَّاوي، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٨هـ، دار هجر للطباعة والتوزيع.\n٣٢ - إكمال إكمال المعلم، لمحمد بن خليفة الأشناني الأبي ضبطه وصححه محمد سالم هاشم دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٣٣ - الأم، لمحمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤هـ). تحقيق: إحسان عبد المنان، ط١، د. م، الناشر: بيت الأفكار الدولية.\n٣٤ - الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، لعلي بن سليمان المرداوي، المطبوع مع المقنع والشرح الكبير، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبدالمحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n٣٥ - أهمية صلاة الجماعة، للأستاذ الدكتور فضل إلهي، الطبعة الأولى، توزيع مؤسسة الجريسي.","vol":"3","page":1494},{"text":"٣٦ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، تحقيق أبي حماد صغير أحمد حنيف، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ.\n٣٧ - الإيمان بالقضاء والقدر، للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد، دار الوطن، الطبعة الثانية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٣٨ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ١٩٨٢م.\n٣٩ - بدائع الفوائد للإمام ابن القيم الطبعة المصرية، نشر مكتبة القاهرة، الطبعة التي طبعتها مكتبة الرياض الحديثة.\n٤٠ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لمحمد بن أحمد بن حمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي، الشهير بالحفيد، المتوفى (٥٩٥هـ)، طبعة دار زمزم، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.\n٤١ - برد الأكباد عند فقد الأولاد، للحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن ناصر الدين الدمشقي، ت ٨٤٢هـ، توزيع مؤسسة الجريسي بالرياض.\n٤٢ - بلوغ المرام، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني مع حاشية سماحه الشيخ ابن باز ﵀، مراجعة عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، الطبعة الثانية، ١٤٢٥هـ، دار الامتياز للنشر.\n٤٣ - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت٣٧٦ ١ هـ، تخريج بدر البدر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ، مكتبة السندس، الكويت.\n٤٤ - تاريخ بغداد، للحافظ أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة (٤٦٣هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٤٥ - تاريخ دمشق وذكر فضلها، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، ت ٥٧١هـ، دراسة وتحقيق علي شيري، دار الفكر والطباعة والنشر والتوزيع.","vol":"3","page":1495},{"text":"٤٦ - تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، لأبي العُلا محمد عبد الرحمن عبد الرحيم المباركفوري، ت ١٣٥٣ هـ، الطبعة الثانية، ١٤٥٧ هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة. .\n٤٧ - تحفة الإخوان بأجوبة مهمة تتعلق بأركان الإسلام، لسماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، جمع محمد بن شايع الشائع دار الفائزين، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٤٨ - تحفة الأخيار، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز [في الأذكار].\n٤٩ - تحفة المودود بأحكام المولود، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الثانية، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، ومكتبة المؤيد، الطائف، المملكة العربية السعودية.\n٥٠ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، للإمام أبي الفرج زين الدين\nعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الثانية، ١٤٠٩هـ، مكتبة المؤيد، الطائف، المملكة العربية السعودية.\n٥١ - الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، للإمام زكي الدين عبد العظيم بن\nعبد القوي المنذري، ت ٦٥٦ هـ، تحقيق محيي الدين ديب مستو، سمير أحمد العطار، يوسف على بدوي، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ، دار ابن كثير، دمشق، بيروت.\n٥٢ - التعريفات، علي بن محمد بن علي الجرجاني، ت ٨١٦ هـ، تحقيق\nد. عبدالرحمن عميرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، عالم الكتب، بيروت، لبنان.\n٥٣ - تغليق التعليق على صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، تحقيق سعيد القزقي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٥٤ - تفسير القرآن العظيم، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن الخطيب عمر بن كثير القرشي الدمشقي، ت ٧٧٤ هـ، طبعة ١٤٠٧ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٥٥ - تفسير البغوي (معالم التنزيل)،للإمام الحافظ أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ت٥١٦ هـ، تحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار، الطبعة الأولى،١٤٠٦ هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٥٦ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، الطبعة الأولى ت ١٣٧٦هـ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة.","vol":"3","page":1496},{"text":"٥٧ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت ٣١٥ هـ، تحقيق محمود وأحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، دار المعارف بمصر.\n٥٨ - التفسير القيم للإمام ابن القيم، جمعه محمد أويس الندوي، تحقيق محمد حامد الفقي، بدون تاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٥٩ - التكميل لما فات تخريجه من إرواء الغليل، للشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ، دار العاصمة، الرياض المملكة العربية السعودية.\n٦٠ - التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، للحافظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، ٧٧٣هـ، توزيع رياسة إدارات البحوث العلمية.\n٦١ - تمام المنة في التعليق على فقه السنة، المكتبة الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ، عمان، الأردن، ودار الراية، المملكة العربية السعودية.\n٦٢ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله القرطبي ابن عبد البر، ت ٤٦٣هـ. تحقيق د. مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد بن عبد الكريم البكري، دون تاريخ، المكتبة التجارية، مكة المكرمة.\n٦٣ - التهجد وقيام الليل، أبو بكر ابن أبي الدنيا ت ٢٨١هـ، تحقيق: مصلح الحارثي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ - ١٩٩٨م.\n٦٤ - تهذيب سنن أبي داود (المطبوع مع معالم السنن)، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، وحامد الفقي، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٦٥ - توضيح الأحكام من بلوغ المرام، عبد الله عبد الرحمن البسام، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية.\n٦٦ - تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، للعلامة سليمان بن عبد الله بن محمد\nعبد الوهاب، ت ١٢٣٣ هـ، الطبعة، ١٤٠٦ هـ، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٧ - تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، عبد الله بن الرحمن البسام، الطبعة الأولى، ١٤١٤هـ، دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٨ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي، ت١٣٧٦هـ، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة ١٤٠٤ هـ، طبع ونشر","vol":"3","page":1497},{"text":"الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٦٩ - جامع الأصول من أحاديث الرسول، لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت٦٥٦ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤٥٣ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٧٠ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري\nت ٣١٠هـ، تحقيق محمود محمد شاكر، توزيع دار التربية والتراث، مكة المكرمة.\n٧١ - الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، تحقيق أحمدمحمد شاكر، وأتمه إبراهيم عطوة عوض، المكتبة الإسلامية.\n٧٢ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، ت ٧٩٥ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٧٣ - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبى، ت٦٧١ هـ، تحقيق محمد إبراهيم الحفناوي، ومحمود حامد عثمان، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الحديث، القاهرة.\n٧٤ - الجامع للمتون العلمية، للشيخ عبد الله بن محمد الشمراني، الطبعة الأولى، ١٤٢٣هـ، دار الوطن للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٧٥ - جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، صالح عبد السميع الأبي الأزهري، طبعة عيسى الحلبي، مصر. (بدون تاريخ).\n٧٦ - حاشية ابن قاسم على الروض المربع، الطبعة الثالثة، نشر ورثة المؤلف.\n٧٧ - حاشية الإمام السندي على سنن النسائي، للعلامة عبد الهادي السندي، ت ١١٣٨ هـ، المطبوع مع سنن النسائي بعناية عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n٧٨ - حاشية الإمام عبد العزيز ابن باز على فتح الباري لابن حجر، المطبوع من فتح الباري، المطبعة السلفية.\n٧٩ - حصن المسلم، للمؤلف (سعيد بن علي بن وهف القحطاني)، ط ٣٥، الرياض، ١٤٢٨هـ.\n٨٠ - الحكمة والتعليل في أفعال الله، للدكتور محمد ربيع المدخلي، الطبعة الأولى،","vol":"3","page":1498},{"text":"١٤٠٩هـ، مكتبة لينة.\n٨١ - الحيض والاستحاضة، لراوية أحمد عبد الكريم الظهار، دار المدني، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ، جدة، المملكة العربية السعودية.\n٨٢ - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ١٩٩٣م، دار الفكر، بيروت.\n٨٣ - الدرر البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية\n٨٤ - الدروس المهمة لعامة الأمة، للإمام ابن باز - ﵀ - الدرس الحادي عشر وحاشيتها للطويان، وحاشيتها للفائز\n٨٥ - الدعاء، لسليمان بن أحمد الطبراني أبي القاسم، ت ٣٦٠هـ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ.\n٨٦ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، للعلامة محمد الأمين بن محمد المختار، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ، طبع وتوزيع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٨٧ - دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأحمد بن الحسين البيهقي، دار الكتب العلمية، دار الريان للتراث، ط١، ١٤٠٨هـ.\n٨٨ - الدماء الطبيعية لابن عثيمين، ضمن مجموع رسائل وفتاوى ابن عثيمين،\n١١/ ٢٩٥، دار الثريا، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ.\n٨٩ - ديوان أبي العتاهية، دار الكتب العلمية، بيروت، منشورات: محمد علي بيضون، ١٤١٩هـ /١٩٩٨م، بدون طبعة.\n٩٠ - رسائل في العقيدة للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ضمن مجموع فتاوى ورسائل له ﵀.\n٩١ - الروح في الكلام على أروح الأموات والأحياء، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق د. بسام علي العموش، الطبعة الأولى،١٤٠٦ هـ، دار ابن تيمية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٩٢ - الروض المربع شرح زاد المستقنع، تحقيق عبد الله الطيار، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٩٣ - الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية، لزيد بن فياض، دار الوطن، الطبعة الثالثة، الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"3","page":1499},{"text":"٩٤ - زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٩٥ - الزهد والرقائق، للإمام عبد الله بن المبارك المروزي، ت ١٨١ هـ، تحقيق أحمد فريد، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار المعراج الدولية للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٩٦ - الزهد، لهناد بن السري الكوفي، تحقيق عبدالرحمن عبدالجبار الفريوائي، ط١،١٤٠٦هـ، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت.\n٩٧ - سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق محمد صبحي حسن حلاق، الطبعة الأولى عام ١٤١٨هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n٩٨ - السلسبيل في معرفة الدليل، للشيخ صالح البليهي، حاشية على زاد المستنقع، الطبعة الثالثة ١٤٠١هـ، الناشر بدون.\n٩٩ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٤٩٨هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٠٠ - سلسلة الأحاديث الضعيفة، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة ١٣٩٨هـ، المكتب الإسلامي بيروت.\n١٠١ - سنن ابن ماجه، لمحمد بن يزيد القزويني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد فؤاد\nعبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٠٢ - سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني، ت ٢٧٥ هـ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بدون تاريخ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n١٠٣ - سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، ت ٢٧٩ هـ، تحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، مصر.\n١٠٤ - سنن الدارقطني، للإمام علي بن عمر الدارقطني، ت ٣٨٥هـ، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.\n١٠٥ - سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ت ٢٥٥ هـ، طبعة١٤٠٤ هـ، تحقيق عبد الله بن هاشم اليماني، توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.","vol":"3","page":1500},{"text":"١٠٦ - السنن الكبرى، لأحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: د. عبدالغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١١هـ.\n١٠٧ - السنن الكبرى، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي،\nت ٤٥٨ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٠٨ - سنن النسائي، لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب، ت ٣٠٣ هـ، بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي، ت ٩١١ هـ، وحاشية السندي، ت ١١٣٨ هـ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، اعتنى به ورقمه عبد الفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية،١٤٠٦ هـ، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان.\n١٠٩ - سنن سعيد بن منصور، ت ٢٢٧ هـ، الطبعة الأولى،١٤١٤ هـ، تحقيق د سعيد بن عبد الله آل حميد، دار العاصمة، المملكة العربية السعودية.\n١١٠ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١١ - شرح السنة، للإمام أبي محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري،\nت ٣٢٩ هـ، تحقيق أبي ياسر خالد بن قاسم الردادي، الطبعة الأولى\n١٤١٤ هـ، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية.\n١١٢ - شرح السندي على سنن ابن ماجه، المطبوع مع سنن ابن ماجه، الطبعة الأولى، ١٤١٦هـ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١١٣ - شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، شرف الدين الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي، ت ٧٤٣ هـ، تحقيق عبد الحميد هنداوي، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١٤ - شرح العقيدة الطحاوية، علي بن علي الدمشقي، ت ٧٩٢هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وشعيب الأرنؤوط. الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١١هـ- ١٩٩٠م.\n١١٥ - شرح العقيدة الطحاوية، للحنفي ابن أبي العز علي بن علي (٧٩٢هـ). تحقيق: ناصر الدين الألباني، ط١، بيروت، المكتب الإسلامي.\n١١٦ - شرح العقيدة الطحاويه، للعلامة علي بن علي بن محمدبن أبي العز الدمشقي،\nت ٧٩٢ هـ، تخريج محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الرابعة، ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.","vol":"3","page":1501},{"text":"١١٧ - شرح العقيدة الواسطية لابن تيمية، ت ٧٢٨، بقلم محمد بن صالح العثيمين، جمع سعد فواز الجميل، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ، دار ابن الجوزي، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n١١٨ - شرح العمدة في الفقه لابن قدامة، (كتاب الطهارة)، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الدكتور سعود العطيشان، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، مكتبة العبيكان، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١١٩ - شرح العمدة في الفقه لابن قدامة، (كتاب الصلاة)، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق خالد بن علي بن محمد المشيقح، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ، دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٢٠ - الشرح الكبير، لأبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي ٦٨٢هـ، مطبوع معه الإنصاف والمقنع، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر.\n١٢١ - شرح المذهب، للقاضي أبي يعلى الفراء.\n١٢٢ - شرح المسند، لأحمد شاكر، الطبعة الثانية، دار المعارف بمصر.\n١٢٣ - الشرح الممتع، لابن عثيمين، الطبعة الثالثة، ١٤١٥هـ، مؤسسة آسام للنشر، المملكة العربية السعودية.\n١٢٤ - شرح النووي على صحيح مسلم، مراجعة خليل الميس، دار القلم، بيروت، لبنان.\n١٢٥ - شرح عمدة الأحكام للمقدسي لسماحة العلامة ابن باز مخطوط في مكتبتي الخاصة.\n١٢٦ - شرح مشكل الآثار، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، ت٣٢١ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٢٧ - شرح معاني الآثار، لأبي جعفر الطحاوي ت ٣٢١هـ، تحقيق إبراهيم شمس الدين، الطبعة الثانية ١٤٢٧هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٢٨ - شروط الدعاء وموانع الإجابة، لسعيد بن علي بن وهف القحطاني، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، توزيع مؤسسة الجريسي، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٢٩ - شعب الإيمان، للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ت ٤٥٨ هـ، تحقيق أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٣٠ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، للإمام ابن القيم، مكتبة","vol":"3","page":1502},{"text":"العبيكان، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣١ - الشمائل المحمدية، لمحمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبي عيسى، ت٢٧٩هـ، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.\n١٣٢ - الصبر الجميل لسليم الهلالي، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، دار ابن القيم، الدمام.\n١٣٣ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، للإمام أبي حاتم محمدبن أحمدبن حبان البستي، ت٣٥٤ هـ، رتبه الأمير علاء الدين علي بن سليمان بن بلبان الفارسي، ت ٧٣٩ هـ، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٣٤ - صحيح ابن خزيمة، للإمام أبي بكر محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري، ت ٣١١ هـ، تحقيق محمد مصطفى الأعظمى، طبعة ١٣٩٠ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٣٥ - صحيح ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٦ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، بقلم محمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية ١٤١٥هـ، دار الصديق، الجبيل، المملكة العربية السعودية.\n١٣٧ - صحيح البخاري، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان. وطبعة ١٣١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، والنسخة المطبوعة مع فتح الباري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٨ - صحيح البخاري، للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ت: ٢٥٦هـ، الطبعة الثانية ١٤١٩هـ، مكتبة دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٣٩ - صحيح الترغيب والترهيب، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤٠ - صحيح الجامع الصغير، للعلامة ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى،١٣٨٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤١ - صحيح سنن ابن ماجه باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.","vol":"3","page":1503},{"text":"١٤٢ - صحيح سنن أبي داود باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤٣ - صحيح سنن الترمذي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤٤ - صحيح سنن النسائي باختصار السند، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٤٥ - صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري االنيسابوري، ت٢٦١ هـ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٤٦ - صفة صلاة النبي (، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٤٧ - صلاة الجماعة، للأستاذ الدكتور صالح بن غانم السدلان.\n١٤٨ - صلاة العيدين للمحاملي (مخطوط).\n١٤٩ - الصلاة، لابن القيم، مؤسسة مكة للطباعة والإعلام، توزيع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n١٥٠ - ضعيف الجامع الصغير، للعلامة الألباني ناصر الدين، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ، المكتب الإسلامي.\n١٥١ - ضعيف سنن ابن ماجه، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط١، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.\n١٥٢ - ضعيف سنن أبي داود، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض- والمكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م.\n١٥٣ - ضعيف سنن الترمذي، للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، أشرف على طباعته زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١١هـ- ١٩٩١م، نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض.\n١٥٤ - ضعيف سنن النسائي، لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٥٥ - الطبقات الكبرى، لمحمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري، ت ٢٣٥ هـ، تحقيق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n١٥٦ - طريق الهجرتين وباب السعادتين، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي","vol":"3","page":1504},{"text":"بكر المعروف بابن قيم الجوزية، ت ٧٥١، تخريج عمر بن محمود وأبو عمر، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ، دار ابن القيم، الدمام، المملكة العربية السعودية.\n١٥٧ - عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تحقيق محمد عثمان الخشت، الطبعة الرابعة،\n١٤١٠ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٥٨ - عشرة النساء، لأحمد بن شعيب بن علي النسائي، ت ٣٠٣هـ، تحقيق عمرو علي عمر، مكتبة السنة، القاهرة، النشرة الثانية، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.\n١٥٩ - شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام بن تيمية، تأليف العلامة محمد خليل هراس، تخريج علوي السقاف، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، دار الهجرة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦٠ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد مهدي الدارقطني (ت ٣٨٥هـ)، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله السلفي، دار طيبة، الرياض، ط١، ١٤٠٥هـ.\n١٦١ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، ت ٨٥٥، بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n١٦٢ - عمل اليوم والليلة، أحمد بن شعيب النسائي، دراسة وتحقيق: د. فاروق حمادة، الرئاسة العامة للإفتاء، الرياض، ١٤٠٦هـ، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة بيروت.\n١٦٣ - عمل اليوم والليلة، للحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الدينوري المعروف بابن السني، ت ٢٦٥ هـ، تحقيق بشير محمد عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، مكتبة دار البيان، دمشق، سورية.\n١٦٤ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ، دار الفكر.\n١٦٥ - فتاوى إسلامية، جمع وترتيب، محمد بن عبد العزيز المسند، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦٦ - الفتاوى السعدية، للعلامة ابن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦هـ، الطبعة الأولى، ١٣٨٨هـ، مكتبة المعارف، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦٧ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، جمع أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ، نشر إدارة البحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.","vol":"3","page":1505},{"text":"١٦٨ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، جمع وترتيب الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ، نشر الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٦٩ - فتاوى المسح على الخفين لابن عثيمين، مطبوع ضمن فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين.\n١٧٠ - فتاوى محمد بن صالح العثيمين، جمع فهد بن ناصر السليمان، الطبعة الأولى، دار الوطن، المملكة العربية السعودية.\n١٧١ - فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، الطبعة الأولى، ١٣٩٩، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة (وقف لله تعالى).\n١٧٢ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني،\nت ٨٥٢ هـ، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وإشراف محب الدين الخطيب، بدون تاريخ، مكتبة الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٧٣ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ٨٥٢هـ، أشرف على مقابلة نسخه المطبوعة والمخطوطة عبد العزيز بن عبدالله بن باز، نشر مكتبة الرياض الحديثة.\n١٧٤ - الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لأحمد بن عبدالرحمن البنا، دار الشهاب، القاهرة.\n١٧٥ - فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، د. عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن\nعبد الوهاب، ت ١٢٨٥هـ، تحقيق د. الوليد بن عبد الرحمن آل فريان، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ، دار الصميعي، الرياض، المملكة العربية السعودية. وطبعة دار المنار، بعناية صادق بن سليم بن صادق، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٧٦ - الفروع، لمحمد بن مفلح المقدسي، ت٧٦٣هـ، تحقيق الدكتور عبد الله بن\nعبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٧٧ - فصول ومسائل تتعلق بالمساجد، الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، الطعبعة الأولى، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٧٨ - فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تأليف فضل الله الجيلاني، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧هـ، دار الطبعة السلفية، القاهرة.\n١٧٩ - الفوائد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، ت ٧٥١هـ، بتحقيق","vol":"3","page":1506},{"text":"بشير عيون، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\n١٨٠ - الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نشر الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n١٨١ - فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة عبد الرؤوف المناوي، ت ١٠٣١ هـ، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٨٢ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، دراسة وتحقيق ربيع بن هادي عمير المدخلي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة.\n١٨٣ - القاموس الفقهي: لغة واصطلاحًا، لسعدي أبو جيب، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، دار الفكر، دمشق، سورية.\n١٨٤ - القاموس المحيط، للعلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، ت٨١٧ هـ الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٨٥ - القضاء والقدر للدكتور عبدالرحمن بن صالح المحمود\n١٨٦ - القضاء والقدر، للشيخ الدكتور عمر الأشقر\n١٨٧ - القول المفيد على كتاب التوحيد، للعلامة محمد بن صالح العثيمين، دار العاصمة، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٨٨ - الكافي لابن قدامة: عبد الله بن أحمد بن محمد، ت ٦٢٠هـ تحقيق الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي، دار هجر.\n١٨٩ - الكامل في ضعفاء الرجال، لعبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد، أبو أحمد الجرجاني، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ - ١٩٨٨م.\n١٩٠ - كتاب الإيمان، للحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحق بن يحيى بن منده،\nت ٣٩٥ هـ، تحقيق د. على بن محمد فقيهي، الطبعة الثانية، ١٤٥٦ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٩١ - كتاب السنة، للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، ت ٢٨٧ هـ، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة لمحمد بن ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٩٢ - الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، للإمام الحافظ عبد الله محمد بن أبي شيبة، توزيع إدارات البحوث العلمية والإفتاء.","vol":"3","page":1507},{"text":"١٩٣ - كتاب تعظيم قدر الصلاة. لمحمد بن نصر المروزي (ت ٣٩٤هـ)، حققه وعلق عليه الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، ١٤٠٦هـ.\n١٩٤ - كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٢، ١٤٠٤هـ.\n١٩٥ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، للعلامة إسماعيل بن محمد العجلوني، ت ١١٣٢ هـ، بإشراف وتصحيح أحمد القلاش، الطبعة الثالثة،١٤٠٣ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٩٦ - الكلم الطيب من أذكار النبي (، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن\nعبد السلام بن تيمية الحراني، ت ٨٢٧ هـ، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣ هـ، دار البيان، دمشق، سورية.\n١٩٧ - الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، لعبد العزيز بن محمد السلمان، الطبعة السادسة، مكتبة الرياض الحديثة، ١٤٩٨هـ، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n١٩٨ - كيف نعيد للمسجد مكانته، للدكتور محمد أحمد نوح\n١٩٩ - كيفية صلاة النبي (، للإمام ابن باز، المطبوع ضمن فتاويه.\n٢٠٠ - لسان العرب، للإمام أبي الفضل جمال الدين بن مكرم بن علي بن منظور،\nت ٧١١ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\n٢٠١ - لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، لشمس الدين، أبي العون محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي\n(ت ١١٨٨هـ)،مؤسسة الخافقين ومكتبتها- دمشق، الطبعة الثانية- ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.\n٢٠٢ - مجالس عشر ذي الحجة، للشيخ عبد الله بن صالح الفوزان.\n٢٠٣ - مجمع البحرين في زوائد المعجمين، للحافظ نور الدين علي بن أبى بكر الهيثمي، تحقيق عبد القدوس بن محمد نذير، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ، مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٠٤ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين على بن أبي بكر الهيثمي،\nت ٨٠٧ هـ، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n٢٠٥ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن القاسم، أشرف على طباعته المكتب السعودي بالمغرب.","vol":"3","page":1508},{"text":"٢٠٦ - المجموع شرح المهذب، ليحيى بن شرف النووي، دار إحياء التراث العربي.\n٢٠٧ - مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة.\n٢٠٨ - مجموع فتاوى ابن باز، جمع عبد الله الطيار، وأحمد الباز، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الوطن، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٠٩ - مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ، جمع فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان، دار الثريا للنشر.\n٢١٠ - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، جمع وترتيب د. محمد بن سعد الشويعر، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث والعلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n٢١١ - مجموعة الحديث النجدية\n٢١٢ - المحلى بالآثار، لمحمد بن علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق أحمد شاكر، مكتبة دار التراث، القاهرة، بدون تاريخ.\n٢١٣ - مختار الصحاح، للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، طبعة ١٩٨٥م، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان.\n٢١٤ - المختارات الجلية من المسائل الفقهية، للسعدي ت ١٣٧٦هـ، المؤسسة السعيدية بالرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢١٥ - مختصر الشمائل المحمدية، للإمام أبي عيسى محمد بن سورة الترمذي،\nت ٢٧٩ هـ، اختصره محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن.\n٢١٦ - مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، أبو الفضل أحمد بن\nعلي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ)، تحقيق وتقديم صبري بن عبد الخالق أبو ذر، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط٣، ١٤١٤هـ/ ١٩٩٢م.\n٢١٧ - مختصر سنن أبي داود، الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (ت ٦٥٦هـ)، تحقيق أحمد شاكر ومحمد حامد الفقي، طبعة مكتبة السنة المحمدية.\n٢١٨ - مختصر قيام الليل وكتاب الوتر، لمحمد بن نصر المروزي، أحمد بن علي المقريزي، الطبعة الأولى، دار حديث أكاديمي، باكستان، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.\n٢١٩ - مختصر منهاج القاصدين، للإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسى،\nت ٦٨٩ هـ، تعليق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، طبعة ١٣٩٨","vol":"3","page":1509},{"text":"هـ، مكتبة دار البيان، دمشق.\n٢٢٠ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية تحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة بدون تاريخ، مكتبة السنة المحمدية، ومكتبة تيمية، القاهرة.\n٢٢١ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ت ١٠١٤ هـ، طبعة ١٤١٤ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٢٢٢ - المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، بدون تاريخ، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٢٢٣ - المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام، لمحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، طبع المؤلف، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.\n٢٢٤ - مسند الإمام أحمد، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ت ٢٤١ هـ، بدون تاريخ، المكتب الإسلامي، دار صادر، بيروت، لبنان.\n٢٢٥ - مسند أبي داود الطيالسي، لأبي داود سليمان بن داود الطيالسي (٢٠٤ هـ)، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، طبع دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٢٦ - مسند أبي يعلى الموصلي، للإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثني التميمي،\nت ٣٠٧ هـ، تحقيق حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ، دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت.\n٢٢٧ - مسند الإمام أحمد بشرح أحمد شاكر، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرحه وضع فهارسه أحمد محمد شاكر، بدون تاريخ، دار المعارف، مصر.\n٢٢٨ - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، النسخة المحققة، تحقيق مجموعة من أهل العلم أشرف على التحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، بيروت- لبنان.\n٢٢٩ - مسند الإمام الشافعي، للشافعي؛ محمد بن إدريس (ت ٢٠٤هـ). ترتيب: محمد عابد السندي، ط١، القاهرة، ١٣٦٩هـ.\n٢٣٠ - مسند الحميدي، عبدالله بن الزبير، أبو بكر الحميدي، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي - بيروت، القاهرة.\n٢٣١ - مسند الفردوس (الفردوس بمأثور الخطاب)، أبو شجاع شيروية بن شهردار بن شيرويه الديلمي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.","vol":"3","page":1510},{"text":"٢٣٢ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للإمام القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، بدون تاريخ، المكتبة العتيقة، تونس، دار التراث، القاهرة.\n٢٣٣ - المشروع والممنوع في المسجد، للشيخ محمد بن علي العرفج.\n٢٣٤ - مشكاة المصابيح، لمحمد عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٢٣٥ - مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، لشهاب الدين البوصيري (ت ٨٤٠هـ)،ط١، بيروت، دار الجنان، ١٤٠٦هـ.\n٢٣٦ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرئ الفيومي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n٢٣٧ - مصنف ابن أبي شيبة، توزيع إدارات البحوث العلمية والإفتاء.\n٢٣٨ - مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٣٩ - معالم السنن، لحمد بن محمد الخطابي (٣٨٨ هـ)، المطبوع مع مختصر سنن أبي داود للحافظ المنذري، تحقيق أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٢٤٠ - معالم في طريق طلب العلم، لعبد العزيز بن محمد بن عبد الله السدحان، تقديم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، دار العاصمة، الطبعة الثالثة، الرياض، المملكة العربية السعودية، ١٤٢٠هـ- ١٣٩٩م.\n٢٤١ - المعجم الأوسط، للطبراني، المجموع في مجمع البحرين في زوائد المعجمين، مكتبة الرشد، الرياض.\n٢٤٢ - معجم البلدان، لياقوت بن عبد الله الحموي، الطبعة الثانية ١٩٩٥م دار صادر صادر، بيروت.\n٢٤٣ - معجم الطبراني الكبير، للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، بدون تاريخ، وزارة الأوقاف والشئون الدينية بالجمهورية العراقية.\n٢٤٤ - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لمحمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٢٤٥ - معجم المقاييس في اللغة، لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا، ت ٣٩٥ هـ،","vol":"3","page":1511},{"text":"تحقيق شهاب الدين أبي عمرو، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٢٤٦ - المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا.\n٢٤٧ - معجم لغة الفقهاء، للأستاذ الدكتور، محمد رواس الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار النفائس، بيروت، لبنان.\n٢٤٨ - المغني، لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ود. عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الأولى، دار هجر للطباعة والنشر.\n٢٤٩ - مفتاح دار السعادة، للعلامة الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، تخريج علي بن حسن بن علي بن عبد المجيد، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، دار ابن عفان، الخبر، المملكة العربية السعودية.\n٢٥٠ - مفردات ألفاظ القرآن، العلامة الراغب الأصفهاني، ت ٥٠٢ هـ، تحقيق صفوان عدنان داوودي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، دار القلم، دمشق، دار الشامية، بيروت.\n٢٥١ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، ت ٦٥٦ هـ، تحقيق محيى الدين مستو وجماعة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، دار ابن كثير، دمشق، بيروت.\n٢٥٢ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للحافظ شمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي، ت ٩٠٢هـ، تصحيح وتعليق عبد الله محمد الصديق، الطبعة الأولى، ١٣٩٩هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٢٥٣ - المقنع والشرح الكبير مع الإنصاف، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، دار الهجر.\n٢٥٤ - مقومات الداعية الناجح، لسعيد بن علي بن ةهف القحطاني، توزيع مؤسسة الجريسي.\n٢٥٥ - مكمل إكمال الإكمال، لمحمد بن محمد السنوسي، ت ٨٩٥هـ، مطبوع مع شرح الأبي، ضبطه وصححه محمد سالم هاشم، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.","vol":"3","page":1512},{"text":"٢٥٦ - منار السبيل، تأليف إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان، تحقيق زهير الشاويش، الطبعة الخامسة ١٤٠٢هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٥٧ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف، للإمام محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، كتب هوامشه وحققه: أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٨هـ، ١٩٨٨م.\n٢٥٨ - المنتقى من أخبار المصطفى (، لمجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن تيمية، تصحيح محمد حامد الفقي، ١٤٠٢هـ، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٥٩ - منتهى الإرادات، لمحمد بن أحمد الفتوحي، تقي الدين ت ٩٧٢هـ، مع حاشية المنتهى لعثمان أحمد سعيد النجدي، تحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة.\n٢٦٠ - منهاج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ت ١٣٧٦هـ، دون تاريخ، دار غريب، القاهرة، مصر.\n٢٦١ - منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم (ت ٧٢٨هـ). تحقيق: محمد رشاد سالم، ط١، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤٠٦هـ.\n٢٦٢ - منهاج المسلم، لأبي بكر جابر الجزائري، دار السلام، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٦٣ - المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود، لمحمود محمد خطاب السبكي،\nت ١٣٥٢هـ، الطبعة الثانية، ١٤١١هـ، مكتبة طبريّة، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢٦٤ - موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، لعلي بن أبي بكر الهيثمي، تحقيق محمد عبدالرزاق حمزة، دار الكتب العلمية.\n٢٦٥ - الموسوعة الفقهية الكويتية، الطبعة الأولى ١٤١٤هـ، مطابع دار صفوة للنشر والتوزيع، توزيع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت.\n٢٦٦ - موطأ الإمام مالك، للإمام مالك بن أنس، ت ١٧٩ هـ، تحقيق محمد فؤاد\nعبد الباقي، بدون تاريخ، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي","vol":"3","page":1513},{"text":"وأولاده.\n٢٦٧ - النهاية في غريب الحديث، للإمام أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، ت ٦٠٦ هـ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، بدون تاريخ، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان.\n٢٦٨ - نيل الأوطار، للشوكاني، تحقيق أحمد محمد السيد ومحمود إبراهيم بزّال، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت.\n٢٦٩ - نيل المآرب بشرح دليل الطالب، لعبدالقادر بن عمر التغلبي، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ دار النفائس، عمان الأردن.\n٢٧٠ - هدي الساري مقدمة فتح الباري، لابن حجر، مكتبة الرياض الحديثة بدون تاريخ.","vol":"3","page":1514}]}