{"ً":{"ٌ":96768,"ٍ":"السبحة تاريخها وحكمها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/السبحة تاريخها وحكمها - أبو زيد - ط العاصمة","files":["38762.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السبحة تاريخها وحكمها\nالمؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (ت ١٤٢٩هـ)\nالناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨م\nعدد الصفحات: ١١١\nأعده للشاملة: عبد الرحيم الهاشم\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":145,"ٕ":19,"ٖ":1770154044,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المبحث الأول في بيان المشروع وهو عد الذكر بالأنامل","level":1,"page":6},{"title":"المبحث الثاني في بيان غير المشروع وهو عد الذكر بغير الأنامل، مثل العد بالسبحة","level":1,"page":9},{"title":"المرحلة الأولى التسبيح بالحصى أو النوى","level":2,"page":11},{"title":"المرتبة الأولى: في زمن النبي -ﷺ-","level":3,"page":11},{"title":"المرتبة الثانية: في زمن الصحابة - ﵃ -","level":3,"page":19},{"title":"النوع الأول: الآثار في الإنكار","level":4,"page":20},{"title":"النوع الثاني: آثار في الإقرار","level":4,"page":26},{"title":"المرتبة الثالثة: العد بالحصى أو النوى عند التابعين إلى الآخر","level":3,"page":31},{"title":"المرحلة الثانية عد الذكر بالسبحة","level":2,"page":33},{"title":"١ - تعريفها","level":3,"page":33},{"title":"٢ - أسماؤها","level":3,"page":35},{"title":"٣ - مادتها","level":3,"page":36},{"title":"٤ - تاريخها عند غير العرب","level":3,"page":37},{"title":"٥ - وظيفتها عندهم","level":3,"page":47},{"title":"٦ - تاريخ السبحة عند العرب","level":3,"page":48},{"title":"٧ - تاريخ السبحة في العصور الإسلامية","level":3,"page":49},{"title":"أ- في عصر النبي - ﷺ -","level":4,"page":49},{"title":"ب- السبحة لدى الصحابة -﵃-","level":4,"page":52},{"title":"ج- السبحة لدى التابعين - رحمهم الله تعالى -","level":4,"page":55},{"title":"د- السبحة بعد عصر التابعين","level":4,"page":60},{"title":"٨ - عدد حباتها","level":3,"page":69},{"title":"٩ - وظيفتها عند من اتخذها من المسلمين","level":3,"page":70},{"title":"١٠ - أسماؤها عندهم","level":3,"page":71},{"title":"١١ - طرف مما رتب عليها من الكرامات والأحوال والهيآت.","level":3,"page":72},{"title":"• مبحث تعليقها بالعنق","level":4,"page":77},{"title":"• السبح في أعناق الملائكة","level":4,"page":81},{"title":"المرحلة الثالثة: عد الذكر بآلة حديدية مصنعة","level":2,"page":90},{"title":"خلاصة التحقيق","level":1,"page":91}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107},"ٜ":{"1":[1,111]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111"],"ٞ":{"6":[1],"9":[2],"11":[3,4],"19":[5],"20":[6],"26":[7],"31":[8],"33":[9,10],"35":[11],"36":[12],"37":[13],"47":[14],"48":[15],"49":[16,17],"52":[18],"55":[19],"60":[20],"69":[21],"70":[22],"71":[23],"72":[24],"77":[25],"81":[26],"90":[27],"91":[28]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"السُّبْحةُ\nتارِيخُها وَحُكْمُهَا\n\nتَأليف الشيخ\nبَكر بن عبد الله أبَوُ زيد\n\nدار العاصمة - الطبعة الأولى\n(١٤١٩هـ - ١٩٩٨م)","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى جميع صحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأَما بعدُ: فإن عَدَّ الأَذكار العَدَدِيَّة بالأنامل، سُنَّةٌ ماضية في الإِسلام، ومن العمل المتوارث بين المسلمين، ثم دَاخَلَ بَعْضَهُمْ في غير طبقة الصحابة - ﵃ - وفي غير صدر التابعين - رحمهم الله تعالى- بَادِرَةُ عَدِّ الأذكار بالنوى، أو الخرز منظومًا في خيط، مما اكتسب بَعْدُ اسْم: «السُّبْحَة» حتى أصبحت شعارًا للِطُّرقِيَّة، والروافض، وادَّعى المدَّعون مشروعية تعليقها بالأعناق، وأنها سيما الملائكة الكرام في التسبيح والتعليق لها في الأعناق - وحاشاهم - وأنها تدور بنفسها إذا تأخر المريد عنها، كأنما نُفِخَتِ الرُّوح فيها، وادَّعى الكَذَّابون، أن النبي - ﷺ - وَرَّث لأمته «سُبْحَة» في تركته، وأنه يشرع اتخاذ خرز لها كالأَرْحَاء، فَتُعَلَّقُ بالسقوف، وَيَتَعَاقَبُ","vol":"1","page":5},{"text":"على إدارتها المريدون، وأن صَوْتَ وقْعِها كصوت الوحي وَتُوْقَفُ عليها الوُقُوفُ، وَتُحَوَّلُ عليها الوصايا والهبات، ويرثها الابن عن أبيه عن جده، للتسبيح، والاستشفاء، ويُمَرُّ بها على جسد المريض فيكتب له الشفاء، واستقلت بأسماء، منها: حبل الوصل، وسوط الشيطان، ورابطة القلوب. حينئذٍ نَالَتْ حظًّا وَافِرًا، من بيان حكمها، وأحوالها لدى العلماء: فقهاء، ومحدِّثين، ولسانيين، ومؤرخين، في كتُب الفقه، والفتاوى، والشروح الحديثية، وكتب اللسان، والتاريخ، حتى أُفْرِدَت بالتأليف، وبلغت نحو اثني عشر كتابًا، لَعلَّ أولها للسيوطي المتوفى سنة ٩١١ - رحمه الله تعالى - باسم: «المنحة في السُّبْحة» التي استلها منه تلميذه ابن طولون المتوفى سنة ٩٥٣ - رحمه الله تعالى - باسم: «الملحة. . .» حتى إذا بلغت النَّوْبَةُ إلى الشيخ عبد الحي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى - ألَّف كتابه: «نزهة الفِكْر في سُبْحة الذَّكر» فاستوفى جُل ما في الباب رواية وفقهًا، لكن الجميع نزعوا من وجهة الانتصار * * *","vol":"1","page":6},{"text":"للمشروعية، وَلَمْ أَرَ واحدًا منهم التفت إلى تاريخ وجودها في تَعَبُّدَات الأمم الأخرى لدى البوذيين، والهندوس، والنصارى في أيدي الرهبان والراهبات، فيما ابتدعوه، ولا إلى تاريخ تسربها إلى بعض المسلمين عن طريق الروافض، ودراويش المتصوفة، ولا إلى كلام المانعين لاستعمالها في جانب التعبد لعد الأذكار، وفي جانب اللَّعِب والتَّلَهِّي، وتحرير حجج الفريقين، مما أدَّى إلى طول الجدل من جهة، وتوسع انتشارها من جهة أُخرَى.\nلهذا أحتسب عند الله تعالى تحرير القول فيها من جميع جوانبه، بجمع المرويات، وبيان درجتها، وجمع كلام العلماء في تاريخها، وتاريخ حدوثها في المسلمين، وأن العرب لم تعرف في لغتها شيئًا اسمه: «السُّبْحَة» في هذا المعنى، وفي «خلاصة التحقيق» بيان حكمها في التعبد لِعَدِّ الذِّكر، أو في العادة واللَّهْو، حتى يُعلم أنها وسيلة محدثة لِعَدِّ الذِّكر، ومجاراة لأهل الأهواء، فَتَشَبُّهٌ بأهل الملل الأخرى، وَمِنِ اسْتِبْدَالِ الأَدْنَى بالذي هو خير، وقاعدة الشرع المطهر:","vol":"1","page":7},{"text":"تحريم التشبه بالكفار في تعبداتهم وفيما هو من خصائصهم من عاداتهم، مُبيِّنًا ذلك في مبحثين:\nالمبحث الأول: في بيان المشروع وهو عَدُّ الذكر بالأنامل.\nالمبحث الثاني: في بيان غير المشروع وهو عَدُّ الذكر بغير الأنامل كالسُّبْحَة.\nوهذه الرسالة في جملتها ضمن كتاب: «تصحيح الدعاء» لكن رأيت من الخير إفرادها، لعله يكثر الانتفاع بها. والله ولي التوفيق.\nالمؤلف\nبكر بن عبد الله أبو زيد\n٢٥/ ٥/ ١٤١٩","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المبحث الأول\nفي بيان المشروع وهو عد الذكر بالأنامل</span>\nثبت من هدي النبي - ﷺ - قولًا، وفعلًا، وتقريرًا، عَدَّ الذكر بالأنامل. «أصابع اليد» (١) لا غير. ودرجَ على ذلك الصحابة - ﵃ - ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، فهو من السُّنن المستقرة، والعمل المتوارث لدى الأُمة، تأسيًا بنبيها - ﷺ -\nوقد دَلَّ هديُ النبي - ﷺ - على أَنَّ ذكر العبد لربه بالتهليل، والتسبيح، والتكبير، والحمد، والتعظيم، على نوعين:\nمُطْلَقٌ: كما قال الله تعالى:؟ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ؟ [الأحزاب/٣٥]. وقال سبحانه:؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) قَرَّرْتُ في كتاب: «لا جديد في أحكام الصلاة» أنها أصابع اليدين، وأن رواية: «بيمينه» شاذة.","vol":"1","page":9},{"text":"آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا؟ [الأحزاب/٤١].\nوَمُقَيَّدٌ بِحال، أو زمان، أو مكان، وأكثر ما ورد فيه من العدد مائة، مثل: مائة تهليلة، ومائة تسبيحة، وقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرة لكل واحدة منها، وتمام المائة: «التهليل».\nوما زال المسلمون - بحمد الله - يقومون بهذا الذكر العددي المبارك، ويعقدون تعداده بأنامل اليدين، أو أنامل اليد اليمنى، دون حاجة إلى وسيلة أخرى، من حصى، أو نوى، أو سُبْحة منظومة، أو آلة مصنوعة.\nوهذا هو الذي يوافق يسر الإِسلام، وسهولة التشريع، وأن أحكامه في قدرة المكلفين على اختلاف طبقاتهم. وهذا دأب هذه الشريعة المباركة في التيسير، كما رَدَّهم النبي - ﷺ - في إثبات الشهر دخولًا وخروجًا إلى الرؤية، أو الإِكمال، مع تعلقها بركنين من أركان الإِسلام: الصيام، والحج، ولم يكلفهم ما وراء ذلك من الحساب، ومراقبة النجوم، وتسيير الكواكب.","vol":"1","page":10},{"text":"ولهذا فإنه لما ظهر للنبي - ﷺ - من بعض أصحابه - ﵃ -: عَدُّ التسبيح بالحصى - على فرض ثبوته - دَلَّهم على هديه - ﷺ - من العد بالأنامل، وَأَنَّهَا وسيلة العَدِّ المشروعة لا غير، وأنها خير وأفضل على حَدِّ قول الله تعالى:؟ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا؟ [الفرقان/٢٤]. فإنه - والله أعلم - من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، لأنه لا خير في مقيل أهل النار، ومستقرهم، كقول الله تعالى:؟آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ؟ (١). فلا وسيلة شرعية لِعَدِّ الذكر سوى الأنامل.\n* * *\n_________\n(١) تفسير السعدي (١/ ٤٧٣).","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الثاني\nفي بيان غير المشروع وهو عد الذكر بغير الأنامل، مثل العَدُّ بالسُّبْحَة </span>(١)\nاستقرت السنة على عقد الذكر العَدَدِيِّ بالأنامل\n_________\n(١) في السبحة مؤلفات مفردة لعل أولها رسالة السيوطي المتوفى سنة ٩١١ - رحمه الله تعالى-: «المنحة في السبحة» ضمن كتابه: «الحاوي: ٢/ ١٣٩ - ١٤٤» ولتلميذه، ابن طولون: «الملحة فيما ورد في أصل السبحة» مخطوطة في مكتبة البلدية في الإِسكندرية. ولابن علان الشافعي المتوفى سنة ١٠٥٧ رحمه الله تعالى رسالة باسم: «إبقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح» كما ذكرها في: «شرح الأَذكار: ١/ ٢٥٢». وكتاب: «تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق» للبناني محمد بن عبد السلام بن حمدون الفاسي المتوفى سنة ١٣٥٣. مطبوع في ١٥٦ صفحة. وللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى- رسالة باسم: «نزهة الفِكْر في سبحة الذِّكر» مطبوعة في الهند. وغيرها، كما ذكرها صاحب «معجم الموضوعات المطروقة» الطبعة الثانية. وهي مذكورة في كتب اللغة في مادة: «سبح» كما في «تاج العروس ٢/ ١٥٧». وغيره. ومذكورة عرضًا في كتب عدة منها: نشوار المحاضرة للتنوخي ٥/ ٢٩، الفرج بعد الشدة: ١/ ١٨٥، المدخل لابن الحاج: ٣/ ٢١٤ - ٢١٥، البيان والتبيين: ٣/ ٢٢٨، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: ٢٢/ ٥٠٦. مدارج السالكين لابن القيم: ٣/ ١٢٠، مساهمة الهند لأحمد الحسيني. ص / ٩٤ - ١٠٧: التراتيب الإدارية: ٢/ ٢٨٣، ٢٨٧، الدين الخالص للسبكي ٢/ ٣٤٣، السير للذهبي: الجواب الجامع لكنون ص / ٢٤٧، السلسة الضعيفة رقم / ٨٣. الرد على التعقيب الحثيث للألباني. الفكر السامي للحجوي: ٣/ ٥٤. مجلة مجمع اللغة العربية لمصر: ٣٥/ ٢٩٣. منتخبات التواريخ لدمشق، للتقي الحصني الشافعي ٢/ ٧٧٩. فتاوى رشيد رضا: ٣/ ٤٣٥، الموسوعة العربية الميسرة ١/ ٩٥٨. دائرة المعارف الإسلامية ١١/ ٢٣٣. نيل الأوطار: ٢/ ١٦٦. وفي الدوريات: فتوى في حكم المسبحة من عظم الفيل، للجنة الفتوى بالأزهر، نشرت في: مجلة الأزهر، المجلد / ٢١ لعام ١٩٤٩م ص / ٦٢ - ٦٣. فتوى في مجلة الوعي الإسلامي، العدد / ٣٠٨. بلوغ الأمنية في النوازل العصرية للشيخ محمد علي بن حسين المالكي المكي. ص / ٢٣٣ - ٢٣٥. فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية برقم ٢٢٢٩ ورقم ٦٤٦٠ ورقم ٤٣٠٠. مجلة التوحيد بمصر، العدد / ٩ لعام ١٤٠٧ مقال باسم: (المسبحة سنة أم بدعة) لعلي إبراهيم حشيش، وهو مأخوذ من / السلسلة الضعيفة برقم / ٨٣. المسبحة وتاريخها، مقال في مجلة المنار عدد / ١٥ عام ١٣٣٠. السبحة في المشرق، مقال في / مجلة لغة العرب عدد / ١٨ لعام ١٣٣١. المسبحة والمسبحون لعلي الجندي في: «مجلة الوعي الإسلامي» عدد / ٣٧ عام ١٣٨٨ وهو مُسْتَلُّ من: «المنحة للسيوطي» مع إضافة بعض الأشعار. مقال لمصطفى الشهابي في مجلة الوعي الإسلامي العدد / ١٤١ لعام ١٣٩٦. كتاب من أحكام الديانة ص ٢٣٦ - ٢٣٩. لأبي عبد الرحمن بن عقيل.","vol":"1","page":12},{"text":"ثم حصل التحول إلى وسيلة أخرى لِعَدِّ الأذكار في مراحل ثلاث:\nالمرحلة الأولى: عَدُّ الذكر بالحصى أو النوى.\nالمرحلة الثانية: عَدُّ الذكر به منظومًا في خيط: «السُّبْحَة».\nالمرحلة الثالثة: عَدُّ الذكر بآلة حديثة مُصَنَّعة.\nفإِلى بيان التحول في مراحله الثلاث:\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المرحلة الأولى\nالتسبيح بالحصى أو النَّوى</span>\nوهي على ثلاث مراتب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المرتبة الأولى: في زمن النبي -ﷺ</span>-:\nمعلوم أن المساجد من زمن النبي - ﷺ - وإلى زمننا هذا في بقية من القرى في جزيرة العرب، كانت أرضها مفروشة بالحصباء، وكان الناس يستعملون الحصباء التي في المسجد، لحصب الصبية عن العبث بالمسجد، وفي العصور اللاحقة من بني أمية فما بعد، كان المصلون يحصبون به الولاة، والخطباء، إذا سمعوا منهم مالا يرضيهم (١).\nوقد عَلِمْتَ أن هدي النبي - ﷺ - هو عقد التسبيح بأنامل اليد، قولًا، وفعلًا، وتقريرًا.\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٥/ ٢٣٤، ٢٣٥، ٦/ ٢٠٣، ٢٠٤ بواسطة حاشية الشالنجي على: «نشوار المحاضرة: ٥/ ٢٩».","vol":"1","page":15},{"text":"فهل حصل تحول إلى عَدِّ الذكر بالحصى، أو النَّوى، في زمنه - ﷺ - فيكون من اختلاف التنوع في وسيلة عد الذكر، فيكون العد بالأنامل، أو بالحصى ونحوه، أم أن الآلة واحدة وهي: الأنامل ولا وسيلة سواها؟!\nأقول: لا يصح في مشروعية عَدِّ الذكر بالحصى أو النوى حديث، وغاية المروي في ذلك مرفوعًا: ثلاثة أحاديث، واحد منها موضوع وهو حديث أبي هريرة - ﵁ -، وحديثا صفية وسعد بن أبي وقاص - ﵄ - لا تثبت دلالتهما على المشروعية، وفي ثبوت سند كل منهما نظر.\nوإلى بيانها سندًا ومتنًا:\n\nالحديث الأول: حديث صفية بنت حيي زوج النبي - ﷺ -: عن صفية - ﵂ - قالت: «دخل عَليَّ رسول الله - ﷺ - وبين يدي أربعة آلاف نواة أُسَبِّح بهن، فقال: يا بنت","vol":"1","page":16},{"text":"حيي، ما هذا؟ قلت: أُسبح بهن. قال: قد سَبَّحْتُ مُنْذُ قُمْتُ على رأسك أكثر من هذا، قلت: علمني يا رسول الله، قال: قُولي: سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء» رواه الترمذي (برقم / ٣٥٥٤ - ٤/ ٢٧٤) وقال: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف، وفي الباب عن ابن عباس» انتهى. ورواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي: (١/ ٥٤٧). ورواه أبو يعلى في «مسنده: ٤/ ١٦٩٦»، وابن عدي في: «الكامل ٧/ ٢٥٧٤» وهذا الحديث في سنده هاشم بن سعيد الكوفي، قال الحافظ في: «التقريب»: «ضعيف». وفيه: شيخه: كنانة مولى صفية، قال الحافظ: «مقبول، ضعفه الأزدي بلا حجة» انتهى.\nوهذا الحديث رواه الطبراني من وجه آخر في: «الدعاء» و«الأوسط» عن روح بن الفرج، ثنا عمرو بن خالد، ثنا خديج ابن معاوية، ثنا كنانة مولى صفية، عن صفية بنت حيي - ﵂","vol":"1","page":17},{"text":"- وحُدَيْج قال الحافظ عنه: «صدوق يخطئ».\nورواه الطبراني أيضًا من وجه آخر في: «الدعاء» وفي «الأوسط» فقال: «حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبي، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: ثنا مسلم بن سعيد عن منصور بن زاذان، عن زيد - يعني ابن متعب - مولى صفية بنت حيي - ﵂ - به. لكن يزيد لم يوجد له ترجمة، لكنه من طبقة أوساط التابعين، من موالي صفية - ﵂ -. وقول الترمذي المتقدم، بعد حديث صفية - ﵂ -: «وفي الباب عن ابن عباس» يريد ما أخرجه مسلم وغيره عن ابن عباس - ﵄ - عن جويرية - ﵂ -: «أن النبي - ﷺ - خرج من عندها بكرةً حين صَلَّى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع حين أضحى وهي على حالتها، فقال: ما زالت على حالتك التي فارقتك عليها قالت: نعم، فقال النبي - ﷺ - لقد قلت بعدك أربع كلمات","vol":"1","page":18},{"text":"ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضى نفسه، وزِنة عرشه، ومداد كلماته». قال الحافظ ابن حجر في: «نتائج الأفكار: ١/ ٧٨»: «وهذه المرأة يمكن أن تكون جويرية وقد مضى حديثها، لكن سياقه بغير هذا اللفظ، ويمكن أن تكون صفية، فقد جاء من حديثها بهذا اللفظ، ولكن باختصار، وفيه ذكر عدد النوى التي كانت تُسبح به» انتهى.\nالحديث الثاني: حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أنه دخل مع رسول الله - ﷺ - على امرأة وبين يديها نواة، أو قال: حصاة تسبح بها، فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء. وسبحان الله عدد ما خلق في الأَرض. وسبحان الله عدد ما بين ذلك.","vol":"1","page":19},{"text":"وسبحان الله عدد ما هو خالق والله اكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» انتهى. رواه أبو داود «٤/ ٣٦٦» والترمذي «٣٥٦٨» وقال: «هذا حديث حسن غريب، والنسائي في: «عمل اليوم والليلة». وهو في: «مسند سعد برقم / ٨٨»، والطبراني في: «الدعاء ٣/ ١٥٨٤ برقم / ١٧٣٨» وينظر تعليق المحقق، والبزار في: «مسنده» والبيهقي في: «الشعب ١/ ٣٤٧» والبغوي في: «شرح السنة / ١٢٧٩». جميعهم بأسانيدهم إلى ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن خزيمة، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها - ﵁ - فذكره.\nورواه الحاكم في: «المستدرك ١/ ٥٤٧» وابن حبان في: «صحيحه / ٨٣٤» والبزار في: «مسنده ٤/ ٤٠» كلهم بإسقاط «خزيمة» وراوية سعيد بن أبي هلال له مباشرة عن عائشة بنت سعد به.","vol":"1","page":20},{"text":"فمدار أسانيده على: سعيد بن أبي هلال، قال الحافظ عنه: «صدوق» لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه أختلط» انتهى.\nوقال الحافظ أيضًا في: خزيمة: «خزيمة عن عائشة بنت سعد: لا يعرف، من السابعة د ت سي» انتهى.\nالحديث الثالث: عن أبي هريرة - ﵁ - (١):\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان - ﷺ - يسبح بالحصى» رواه أبو القاسم الجرجاني في: «تاريخ الجرجاني / ٦٨».\n\nوفي سنده: عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، صاحب مصائب، ومناكير، كما في ترجمته من: «لسان الميزان» وأصله: «الميزان».\nوالراوي عنه: صالح بن علي النوفلي، لم يعرف له ترجمة.\n_________\n(١) انظر السلسلة الضعيفة / ١٠٠٢.","vol":"1","page":21},{"text":"فهذا حديث ذكرته من باب ذكر ما في الباب، وإلا فلا يلتفت إليه بحال.\nوالخلاصة: عن هذه الأحاديث المرفوعة: أن حديث أبي هريرة وهو الثالث منها لا يعتد به، إذ له حكم الأحاديث الموضوعة، وأما حديث صفية، وحديث سعد بن أبي وقاص، فيشهد كل واحد منها للآخر، إذ ليس في إسناد أحدهما من قُدح فيه من جهة عدالته؟ ولكن ما معنى كل واحد منهما - على فرض ثبوته -؟\nإن حديث صفية - ﵂ - فيه قول النبي - ﷺ - لها لما رآها تعد التسبيح بالنوى: «ما هذا؟» وهذا استنكار لفعلها، كأنه على غير المعهود في التشريع، فهو إنكار له، ولذا دَلَّها - ﷺ - على التسبيح المشروع، كدلالته - ﷺ - للمستغفرين على سيد الاستغفار. فلا دلالة فيه لمستدل على جواز التسبيح بالحصى، أو النوى.\nوإن حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - فيه","vol":"1","page":22},{"text":"لما رأى - ﷺ - المرأة تسبح بنواة، أو حصاة، قال: «ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل. . .».\nوهذا أسلوب عربي معروف تأتي فيه صيغة أفعل على غير بابها، كما في قول الله تعالى عن نعيم أهل الجنة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان/٢٤].\n«فإنها من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، لأَنه لا خير في مقيل أهل النار، ومستقرهم، كقوله: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).\nوبهذا التقرير لمعنى هذين الحديثين - على فرض صحتهما - يظهر بجلاء عدم صحة استدلال من استدل بهما على جواز التسبيح بالحصى، أو النوى. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>المرتبة الثانية: في زمن الصحابة - ﵃ </span>-:\nوالآثار فيها على نوعين: نوع في الإنكار، ونوع في الفعل، أو الإِقرار، وهذا بيانها:\n_________\n(١) تفسير السعدي ٢/ ١٩٠.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>النوع الأول: الآثار في الإِنكار:</span>\nوهي عن ثلاثة من الصحابة - ﵃ -: عن عمر بن الخطاب - ﵁ - وعن عائشة - ﵂ - وعن ابن مسعود - ﵁ - وهذا بيانها:\n١ - الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -:\nعن سعيد بن جبير، قال: «رأى عمر بن الخطاب رجلًا يسبح بتسابيح معه، فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول: سبحان الله ملء السموات والأرض، وملء ما شاء من شيء بعد، ويقول: الحمد لله ملء السموات والأَرض وملء ما شاء من شيء بعد، ويقول: الله أكبر ملء السموات والأَرض وملء ما شاء من شيء بعد».\nرواه ابن أبي شيبة في: «المصنف ٧٦٦٩» باب: «من كره عقد التسبيح».\nورواية سعيد ابن جبير المتوفى سنة ٩٥ - رحمه الله تعالى - عن عمر - ﵁ - مرسلة ففي الأثر انقطاع.","vol":"1","page":24},{"text":"٢ - الأثر عن عائشة - ﵃ -:\nحدثنا يحي بن سعيد القطان، عن التميمي، عن أبي تميمة عن امرأة من بني كليب، قالت: «رأتني عائشة أُسَبِّح بتسابيح معي، فقالت: أين الشواهد؟» يعني الأصابع.\nرواه ابن أبي شيبة في: «المصنف برقم/ ٧٦٥٧». وفي سنده جهالة كما ترى.\n٣ - الآثار عن ابن مسعود - ﵁ -:\nفيه ثلاثة آثار وهي:\nالأول: عن إبراهيم، قال: «كان عبد الله يكره العَدَّ، ويقول: أّيُمَنُّ على الله حسناته؟». رواه ابن أبي شيبة في: «المصنف: برقم / ٧٦٦٧» بسند صحيح.\nالثاني: عن الصلت بن بهرام، قال: «مَرَّ ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تُسبح به فقطعه، وألقاه. ثم مَرَّ برجل يسبح بحصى، فضربه برجله، ثم قال: لقد سبقْتُمْ، ركبتم بدعة ظلما، ولقد غلبتم أصحاب محمد - ﷺ - عِلْمًا».","vol":"1","page":25},{"text":"رواه ابن وضاح القرطبي في: «البدع والنهي عنها: ص / ١٢» بسند صحيح لولا الانقطاع الذي فيه، فإن الصلت لم يسمع من ابن مسعود.\nالثالث: عن سيار أبي الحكم: أن عبد الله بن مسعود، حُدِّث: «أَن أُناسًا بالكوفة يُسبحون بالحصى في المسجد، فأتاهم وقد كَوَّمَ كُلُّ رجل منهم بين يديه كوْمَةَ حصى، فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، ويقول: لقد أحدثتم بدعة ظلما، أو قد فَضَلْتُم أصحاب محمد - ﷺ - عِلْمًا». رواه ابن وضاح في: «البدع والنهي عنها: ص / ١١» بسند صحيح، لولا الانقطاع الذي فيه، فإن سيارًا لم يسمع من ابن مسعود - ﵁ -.\nالرابع: عن ابن سمعان، قال: «بلغنا عن ابن مسعود، أنه رأى أُناسًا يُسَبِّحُوْنَ بالحصى، فقال: على الله تحصون؟ سبقتم أصحاب محمد - ﷺ - عِلْمًا، أو لقد أحدثتم بدعة ظلما». رواه ابن وضاح في: «البدع والنهي عنها ص / ١٢».","vol":"1","page":26},{"text":"وسنده تالف، لأن ابن سمعان وهو: عبد الله بن زياد المخزومي، رُمي بالكذب، فهذا لا يعتبر بمتابعته لما قبله.\nالخامس: الحكم بن المبارك عن عمرو (١) بن يحي بن عُمارة بن أبي حسن المازني، قال: سمعت أبي يحدِّث أبيه، قال: «روى الدارمي في سننه: قال: أخبرنا الحكم بن المبارك أن عمر - عمرو - بن يحي قال: سمعت أبي يحدِّث، عن أبيه قال: كنا جلوس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه على المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أَخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بَعْدُ؟ قلنا: لا. فجلس حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة،\n_________\n(١) جاء في الدارمي: عمر، وصوابه: عمرو.","vol":"1","page":27},{"text":"فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟\nثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصىً نعدّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم أمة محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله - ﷺ - حدثنا: إن قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق","vol":"1","page":28},{"text":"يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج» انتهى.\nورجاله كلهم من رجال: «التقريب» وهم ثقات، عمرو وأبوه يحيى من رجال الكتب الستة، وجده عُمارة من رجال النسائي في: «عمل اليوم والليلة» وهو ثقة.\nوأما الحكم بن المبارك فهو الباهلي، فقال في التقريب: «صدوق ربما وهم» ورمز بكونه من رجال البخاري في الأدب المفرد، ومن رواة الترمذي، وقد توبع في الرواية بعده:\nالسادس: قال بحشل: أسلم بن سهل، المتوفى سنة ٢٩٢ - رحمه الله تعالى - في: «تاريخ واسط: ص / ١٩٨ - ١٩٩».\nقال: «حدّثنا علي بن الحسن بن سليمان، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أبي [؟!] قال: كنا جلوسًا. . .» إلى آخره بنحو سياقه عند الدرامي.\nفهذه متابعة من علي بن الحسن بن سليمان الحضرمي الواسطي، ثقة من رجال مسلم وابن ماجه.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>النوع الثاني: آثار في الإِقرار:</span>\nوهي عن ستة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري، وأبو صفية - ﵃ -.\n١ - الأثر عن علي - ﵁ -:\nقال ابن أبي شيبة في: «المصنف برقم / ٧٦٦٢»: حدّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن بن موسى القاري عن طلحة بن عبد الله، عن زاذان، قال: «أخذت من أم يعفور تسابيح لها، فلما أتيت عليًا علمني فقال: يا أبا عمر، ارْدُدْ على أم يعفور تسابيح». انتهى.\n٢ - عن أبي هريرة - ﵁ -: وعنه أثران:\nأ- عن شيخ من طفاوة، قال: «تَثَوَّيت أبا هريرة بالمدينة -أي جئته ضيفًا- فَلَمْ أَرَ رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - أِشَدَّ تَشميرًا ولا أقوم علي ضيف منه، فبينما أنا عنده يومًا، وهو على سرير له، معه كيس كبير فيه حصى، أو نوى، وأسفل منه جارية سوداء، وهو يسبح بها، حتى أنفذ ما في الكيس","vol":"1","page":30},{"text":"ألقاه إليها، فَجَمَعَتْهُ، فأعادته في الكيس، فدفعته إليه. . .\nرواه أبو داود في: «سننه ٢/ ٣٣٩». وابن أبي شيبة في: «المصنف برقم / ٧٦٦١».\nوأصله دون ذكر قصة الكيس في: المسند للإمام أحمد، ولدى الترمذي، والنسائي. وأنت ترى أن الرواي له عن أبي هريرة: شيخ من طفاوة لم يُسَمَّ، ولذا قال الحافظ في: «التقريب»: «لا يعرف».\nب- الأثر الثاني عن أبي هريرة - ﵁ - (١):\n«كان يسبح بالنوى المجزع». أخرجه ابن سعد في: «الطبقات». ولم أقف عليه.\n٣ - أثر أبي الدرداء - ﵁ -:\nعن القاسم بن عبد الرحمن، قال: «كان لأَبي الدرداء، نوى من نوى العجوة، حسبت عشرًا، أو نحوها في كيس، وكان إذا صَلَّى الغداة أفضى على فراشه، فأخذ الكيس، فأخرجهن، واحدة، واحدة، يُسبح بهن، فإذا نَفَذْن، أعادهن،\n_________\n(١) المنحة: الحاوي: ٢/ ١٤٠.","vol":"1","page":31},{"text":"واحدة، واحدة، كل ذلك يُسبح بهن». رواه عبد الله بن الإِمام أحمد في: «زوائد الزهد». ولم أر من صرّح بسماع القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى جويرية بنت أبي سفيان، من أبي الدرداء الصحابي لأَنه إن لم يسمع منه فهو أثر منقطع.\n٤ - أثر سعد بن أبي وقاص - ﵁ -:\nعن حكيم بن الديلمي: «أن سعدًا كان يسبح بالحصى». رواه ابن سعد في: «الطبقات» وأحمد في: «الزهد» وفيه انقطاع فإن حكيم بن الديلمي لم يرو عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، ورواه ابن أبي شيبة في: «المصنف برقم / ٧٦٥٩» بسنده عن حكيم بن الديلمي، عن مولاة لسعد: «أن سعدًا يسبح بالحصى أو النوى». ومولاة سعد هذه مجهولة.\n٥ - الأثر عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -:\nقال السيوطي - رحمه الله تعالى - (١):\n_________\n(١) المنحة: الحاوي: ٢/ ١٤١.","vol":"1","page":32},{"text":"«وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري، أنه كان يسبح بالحصى» انتهى.\nوالذي في: «مصنف ابن أبي شيبة برقم / ٧٦٦٠»: «حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن ابن الأخنس، قال: حدثني مولى لأَبي سعيد، عن أبي سعيد، أنه كان يأخذ ثلاث حصيات فيضعهن على فخذه فيسبح، فيضع واحدة، ثم يسبح ويضع أخرى، ثم يسبح ويضع أخرى، ثم يُرْفَعْنَ، ويضع مثل ذلك، وقال: لا تسبحوا بالتسبيح صفيرًا» انتهى.\n٦ - الأثر عن أبي صفية - ﵁ - مولى النبي - ﷺ - (٢):\nعن يونس بن عبيد عن أمه، قالت: «رأيت أبا صفية، رجل من أصحاب النبي - ﷺ - وكان جارنا، قالت: فكان يسبح بالحصى».\nرواه الإِمام أحمد في: «الزهد» و«العلل / ٧١١» وفي: «المنحة» للسيوطي، قال: «وفي جزء هلال الحفار و«معجم الصحابة» للبغوي\n_________\n(٢) المنحة: الحاوي: ٢/ ١٤٠.","vol":"1","page":33},{"text":"وابن عساكر في: «تاريخ دمشق» من طريق معتمر بن سليمان، عن أبي بن كعب، عن جده بقية، عن أبي صفية مولى النبي - ﷺ -: «أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صَلَّى الأولى أُتي به فيسبح به حتى يمسي»\nوالخلاصة: أن في الإنكار على من سبح بالحصى آثار عن ثلاثة من الصحابة ﵃، وهي عن عمر - ﵁ - رواه ابن أبي شيبة وفي سنده جهالة، وعن ابن مسعود - ﵁ - وجل أسانيده كالشمس صحة، وصراحة في النهي والإِنكار، وفي وقائع متعددة.\nوأن في الإِقرار ستة آثار عن ستة من الصحابة - ﵃ -، وهي عن علي - ﵁ - رواه ابن أبي شيبة، وعن أبي هريرة - ﵁ - أثران:\nأحدهما: في أبي داود وغيره وفي سنده جهالة، والثاني لم أقف عليه، وعن أبي الدرداء من فعله - ﵁ - وفي سنده انقطاع رواه","vol":"1","page":34},{"text":"عبد الله في زوائد الزهد لأَبيه، وعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - من فعله، رواه ابن أبي شيبة، وفي سنده جهالة، وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - رواه ابن أبي شيبة. وعن أبي صفية مولى النبي - ﷺ - مِنْ فِعْلِهِ - ﵁ - رواه أحمد في الزهد، والعلل، وفي سنده جهالة، فصارت آثار التسبيح بالحصى المذكورة لا تخلو أسانيدها من مقال، وآثار النهي والإِنكار عن عمر، وعائشة - ﵄ - كذلك، أما عن ابن مسعود فهي صحيحة صريحة في النهي والإِنكار على من فعله، ولا معارض له في إنكاره على من فعله، وإعلانه له، وقولته العظيمة: «لقد أحدثتم بدعة ظلما، أو فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - عِلْمًا». والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المرتبة الثالثة: العَدُّ بالحصى أو النوى عند التابعين إلى الآخر:</span>\nالآثار السالفة في المرتبة الثانية عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، وعائشة - ﵂ -، وابن مسعود - ﵁ - جميعها في الإِنكار على جماعة من التابعين، عدلوا عن التسبيح بالأنامل إلى التسبيح بالحصى، لا سيما","vol":"1","page":35},{"text":"ما صح منها، وهو أثر ابن مسعود - ﵁ - فهي تفيد بادرة التحول إلى العد بالحصى، أو النوى، وإنكار الصحابة - ﵃ - عليهم، وفي هذه المرتبة قصص وحكايات، في الإِنكار مرة، وما أذكره علي سبيل الطرفة مرة أخرى مما هو مدرج في كتب المعارف العامة والتاريخ، لكن جُلها في النوى ونحوه منظومًا مما يأتي في مرحلة العد بالسبحة، ومنها هنا:\n• قصة عبد الملك بن هلال الهنائي:\nذكر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥، في: «البيان والتبيين: ٣/ ٢٢٨» وابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ في: «عيون الأخبار: ٢/ ٥٩»: «أن عبد الملك بن هلال الهنائي، عنده زنبيل ملآن حصى، فكان يسبح بواحدة، واحدة، فَإِذا مَلَّ شيئًا، طرح اثنين، اثنين، ثم ثلاثًا، ثلاثًا، فإذا ملَّ، قبض قبضة، وقال: سبحان الله بعدد هذا كله، وإذا بَكَّر لحاجة وكان مستعجلًا، لحظ الزنبيل لحظة، وقال: سبحان الله عدد ما فيه» انتهى (١).\n* * *\n_________\n(١) انظر: تعليق المحقق عبود الشالنجي على: نشوار المحاضرة: ٥/ ٢٩.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المرحلة الثانية\nعَدُّ الذكر بالسُّبْحَة</span>\nوفيها:<span data-type=\"title\" id=toc-10> ١ - تعريفها</span>. ٢ - أسماؤها. ٣ - مادتها. ٤ - تاريخها عند غير العرب. ٥ - وظيفتها- عندهم. ٦ - تاريخها عند العرب. ٧ - تاريخها في العصور الإِسلامية. ٨ - عدد حباتها. ٩ - وظيفتها عند من اتخذها من المسلمين. ١٠ - أسماؤها عند المسلمين.\n١ - تعريفها (١):\n«السُّبْحة»: بضم السين وإسكان الباء: مشتقة من: «التسبيح» وهو قول: «سبحان الله» أو هو تفعيل من السَّبْح، الذي هو التحرك والتقلب، والمجيء والذهاب، كما في قول الله تعالى:؟ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا؟ [المزمل/ ٧]،\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ١/ ٣٧٢، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٣/ ١٤٣ - ١٤٤. تاج العروس: ٢/ ١٥٧. والقاموس: ص / ٢٨٥. المصباح المنير للفيومي ص / ٢٦٣. حاشية ابن عابدين: باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها، مطلب الكلام على اتخاذ السبحة.","vol":"1","page":37},{"text":"وتجمع على سُبَح، مثل: غُرْفة، وغُرَف، آلة تسبيح، وهي خرزات منظومة في خيط للتسبيح يُعَدُّ بها.\nوهي كلمة مولدة، قاله الأزهري، وقال الفارابي، وتبعه الجوهري: السُّبْحَة: التي يسبح لها، وقال شيخنا (١): «إنها ليست من اللغة في شيء، ولا تعرفها العرب، وإنما حدثت في الصدر الأول، إعانة على الذكر، وتذكيرًا وتنشيطًا».\nأما: «السُّبْحة» شرعًا فهي بمعنى: الدعاء، وبمعنى صلاة التطوع، وكان ابن عباس - ﵄ - يسمي السَّبَّابة: «المسبحة» كما في: «الفرج بعد الشدة: ١/ ١٨٥». فآلت من المشترك اللفظي، الذي يحمل معنيين شرعيين، هما: الدعاء، وصلاة التطوع، لأَنه يُسَبِّح بها، ومنها: سُبْحة الضحى، ومعنى غير شرعي: وهو الخرزات المنظومة لِعَدِّ الأَذكار.\n_________\n(١) القائل الزبيدي في: تاج العروس، عن شيخه ابن الطيب الشرقي.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>٢ - أسماؤها:</span>\nيُقال: «سُبْحة» (١) وتجمع على: «سُبَح»: ويقال: «مِسْبَحَة» على وزن: «مِفْعَلة» مشتقة من الفعل: سَبح ومصدره: «السَّبْح» وتجمع على: «مسابح» و«مسابيح» (٢).\nويُطلق عليها: «النظام» كما روى ابن وضاح في كتابه: «البدع والنهي عنها ص / ١٢» بسنده عن أبان بن أبي عياش، قال: «سألت الحسن عن النظام - خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوها - من الخرز والنوى، ونحو ذلك يُسَبَّح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي - ﷺ - ولا المهاجرات».\n_________\n(١) القاموس ص / ١٨٥. وشرحه: ٢/ ١٥٧. نشوار المحاضرة: ٥/ ٢٩. ظفر الأماني: ص / ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(٢) دائرة المعارف الإِسلامية: ١١/ ٢٣٣.","vol":"1","page":39},{"text":"وفي سنده متروك هو: أبان بن أبي عياش البصري، فلا يحتج به، بل تزداد روايته وهنًا على وهن، إذا روى عن الحسن، وهو كذلك هنا، كما بينه الذهبي في: «الميزان: ١/ ١١». ويُطْلَقُ عليها: «الآلة» فإن السيوطي - رحمه الله تعالى - لما ذكر في: «المنحة» بعض الآثار عن كثرة تعبدهم، ومنها: مائة ألف تسبيحة، وهكذا قال: «ومن المعلوم المحقق، أن المائة ألف، بل الأربعين ألفًا، وأقل من ذلك، لا يحصون بالأنامل، فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يُعدان بآلة» انتهى. واستحدث لها المتصوفة من الألقاب: «المذكرة بالله» و«رابطة القلوب» و«حبل الوصل» و«سوط الشيطان».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٣ - مادتها </span>(١):\nيظهر أنها تصنع من مواد مختلفة، باختلاف الأحوال، والقدرة واليسار، أو قلة ذات اليد، وضعف الحال، وحسب الأزمنة والأمكنة، وأن لكل قُطر عناية بصناعتها من مواد معينة\n_________\n(١) الموسوعة العربية الميسرة: ١/ ٩٥٨. نشوار المحاضرة ٥/ ٢٩.","vol":"1","page":40},{"text":"كما في مصر، والهند، والصين، وأوروبا، وهذه المواد التي أمكن الوقوف على صناعة السَّبَح منها هي:\nالطين. الحصى. النوى. المعدن. العاج. الزجاج. الذهب. الفضة. الخزف. العنبر. وأنواع الطيب الأخرى. الأحجار الثمينة. الألماس. أو تطلى بالذهب، أو بالفضة، أو تتخذ من عظام بعض الحيوانات، مثل: «عظم سِنِّ الفيل» ومن أنواع الخشب، كالأرز في لبنان، ومن نوى بعض الفواكه، مثل: المشمش والخوخ. ثم هي مختلفة الألوان، فيكون خرزها: أسود، أو أحمر، أو أبيض، وهكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>٤ - تاريخها عند غير العرب </span>(١):\nتفيد المصادر المعرفية، أن «السُّبْحة» دخيلة على كل\n_________\n(١) دائرة المعارف الإِسلامية: ١١/ ٢٣٣ - ٢٣٤. الموسوعة العربية الميسرة: ١/ ٩٥٨. فتاوى رشيد رضا: ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦. الموسوعة العربية العالمية: ٢٣/ ١٥٧. مقال (بأقلام القراء) لمصطفى الشهابي في مجلة الوعي الإِسلامي. العدد / ١٤٠ لعام ١٣٩٦. ص / ١٠٤ - ١٠٦.","vol":"1","page":41},{"text":"دين من عند الله تعالى، وأنها في الأديان المختلقة معروفة منذ عُصور ما قبل التاريخ، وقيل: منذ عام ٨٠٠م، وأنها من وسائل التعبد، لدى البوذيين، ثم لدى البراهمة في الهند وغيرها، ومنهم تسربت إلى النصارى، لدى القسيسين، والرهبان، والراهبات، ومن الهند انتقلت إلى غرب آسيا.\nوجاء في «الموسوعة العربية العالمية» ما نصه:\n«وتتكون المسبحة التي يستعملها الكاثوليك من خمسين حبة صغيرة، مقسمة على أربع حبات كبيرة، إلى أقسام متساوية، ويتدلى من المسبحة قلادة مكونة من حبتين كبيرتين، وثلاث حبات صغيرة، وصليب، ويرتل المصلون صلوات الرب على الحبات الكبيرة، كما يستعملون الحبات الصغيرة في صلوات مريم العذراء، ويُسمون هذه الصلوات بالسلام المريمي. وفي آخر كل مقطع من السلام المريمي يتم ترتيل مقطع صغير في الثناء على الرب، وترتيل قانون الإِيمان النصراني على الصليب، وأثناء ترتيب المصلين للصلوات يُوقع أن تنكشف لهم أسرار الإِيمان.","vol":"1","page":42},{"text":"نشأت المسبحة من زمن بعيد، وربما كان البوذيون أول من يستعملها في محاولة لم لربط الصلوات اللفظية بالصلوات الفعلية. ويستعمل البوذيون والهندوس المسبحة في صلواتهم، وبدأت أول أشكال الصلاة بالمسبحة في النصرانية في العصور الوسطى، ولكنها انتشرت فقط في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين» انتهى. وفي كتاب: «مساهمة الهند» ص / ٩٤ - ١٠٥، عَرْض مُطَوَّلٌ مُوَثَّق عن تاريخها، فقال تحت عنوان: «السُّبْحَة»: «لما كان التدين من طبع الإِنسان، احتاج إلى معرفة طريق صحيح لعبادة ذلك الخالق وذِكْرِه، فقدمت إليه الأديان المختلفة لذلك طرقًا شتى، وساهمت الهند في قضاء بغيته تلك بتقديم طريق خاص لإِحصاء الذكر - إحصاء بواسطة عقد الحبات - السباحة، فإحصاء الذكر بالسبحة من اختراع الهند، اخترعه الدين البرهمي فيها، ومنا تسرب إلى بلاد وأديان أخرى.\nوالسبحة تسمى بالسنسكريتية «جَبَ مَالاَ» معناه: عقد الذكر.","vol":"1","page":43},{"text":"وتختلف الفرق في الدين البرهمي في عدد حباته وترتيبها، ففرقة شِيْوائية تعين في ٨٤ حبة ولا تزيد عليها طبقًا لحساب علم النجوم لديها، فإن العدد ٨٤ لديها حاصل ضرب ١٢ وهو عدد الأبراج، في ٧ وهو عدد النجوم الظاهرة لعين مجردة، مع شمول الشمس والقمر فيه، أما الفرقة الوِشْنَويّة فتعين عدده ١٠٨، وهو حاصل ضرب عدد الأبراج ١٢ في عدد النجوم ٩، وهو عدد زائد عما قررته الفرقة شِيْوائية، لأَنه روعيت فيه أحوال القمر الثلاثة: الاستهلال والاستواء، والاستسرار.\nأما ترتيب الحبات في المسبحة، فالفرقة الشيوائية، تميز فيها بين كل مجموعة من تسع حبات.\nعندما ظهر الدين البوذي بالهند اختار رهبانه سبحة الفرقة الوِشْنَويّة أي ذات مائة وثمان حبات. وافترق الدين البوذي في فرقتين عظيمتين: مَهايانا، وهِنايانا، فانتشرت عقيدة مهايانا في معظم آسيا الشمالية -نيبال، وتيبت، والصين، واليابان، ومنغوليا، وكوريا، وقطنت دعاتها في","vol":"1","page":44},{"text":"أرمينية، وقفقاسيا، والإسكندرية، والأنطاكية، وتدمر. وأما الفرقة هِنايانا فانتشرت عقيدتها في الغالب في جنوب آسيا، جنوب الهند، وسيلان، وبنغال، وبورما، وسيام، وانتشر استعمال السبحة بين رهبان هاتين العقيدتين في تلك البلاد المختلفة، فلما ظهرت النصرانية أخذ رهبانها استعمالها منهم. لم يعرف المسلمون استعمالها عند ظهور الإِسلام، فكانوا يحسبون ويعدون أذكارهم وأمورهم إمّا بواسطة الأنامل، أو الحصى، أو نواة البلح، أو الأشجار، أو الخيوط المعقودة. أما بواسطة الأنامل ففي الحديث عن النبي ﵊: «إِنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. فقد أشار فيه بالأيدي متعمدًا على عدد أصابعها. وفي حديث آخر عن حُميصة بنت ياسر عن جدتها يُسَيْرَةَ، وكانت من المهاجرات، قالت: قال لنا رسول الله - ﷺ -: «عليكن بالتسبيح، والتهليل، والتقديس، واعقدن بالأنامل، فإِنهن","vol":"1","page":45},{"text":"مسؤولات ومستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة».\nوفي حديث آخر عن عبد الله بن عمرو، قال: رأيت النبي - ﷺ - يعقد التسبيح.\nأما بواسطة الحصى فروى الدارمي عن عمر - عمرو - بن يحيى قال: سمعت أبي يحدِّث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال أَخرَج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيرًا. قال: فما هو؟ فقال: إن عِشت فستراه رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلسوا ينتظرون الصلاة، ففي كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى. فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة. ويقول سبحوا مائة، فيسبحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك - أو انتظار أمرك - قال: أفلا","vol":"1","page":46},{"text":"أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، قال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. . . الخ.\nوكان من أصحاب النبي - ﷺ - أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص، وأبو صفية، وأبو سعيد، يسبحون بالحصى.\nأما بواسطة نواة البلح، ففي الحديث عن كنانة مولى صفية، قال: سمعت صفية تقول: دخل عليّ رسول الله - ﷺ -، وبين يديّ أربعة آلاف نواة أسبّح بها، فقلت: لقد سبّحتُ بهذه، فقال: ألا أعلمكِ بأكثر مما سبّحتِ، فقلت: علمني، فقال: قولي، سبحان الله عدد خلقه.\nوكان من الأصحاب: أبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الدرداء، يسبحون بالنوى.\nأما بواسطة الأشجار فذكر المبرد في كتابه الكامل: أن علي بن عبد الله بن عباس كان شريفاُ، بليغًا، وكان له خمسمائة أصل زيتون، يصلي كل يوم إلى كل أصل ركعتين،","vol":"1","page":47},{"text":"فكان يدعى «ذا الثفنات». وهو يدل على أنه كان يعد تركعه بالأشجار.\nأما بواسطة الخيوط المعقودة فكان لأَبي هريرة خيط فيه أَلْفا عُقْدَة، فلا ينام حتى يسبّح، وكان لفاطمة بنت الحسين ابن علي خيط معقود تسبح به.\nجميع هذه النصوص التي سردناها لك تدل على أن المسلمين إلى القرن الأول الهجري، بل إلى أوائل القرن الثاني الهجري -فإن علي بن عبد الله ابن العباس توفي سنة ١١٠هجرية- لم يكونوا عرفوا استعمال السبحة، ويؤيد رأينا هذا ما نقله العلامة الزبيدي في التاج من قول شيخه، قال: وقال شيخنا: إنها (أي السبحة) ليست من اللغة في شيء، ولا تعرفها العرب، إنما حدثت في الصدر الأول إعانةً على الذكر وتذكيرًا وتنشيطًا. على أنه يظهر أن النصف الثاني من القرن الثاني الهجري كان استعمالها قد تسرب بين المسلمين، فإن الشاعر أبا نواس ذكرها وهو في السجن، في قصيدة خاطب بها الوزير ابن الربيع في عهد","vol":"1","page":48},{"text":"الخليفة الأمين (١٩٣ - ١٩٨) قال:\nأنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك ... وعودتنيه والخير عادة\nفارعوى باطلي واقصر حبلي ... وتبدلت عفة وزهادة\nالمسابيح في ذراعي والمصحف ... في لِبَّتي مكان القلادة\nوهو أقدم ذكر للسبحة، فيما نعرف، بالشعر العربي. ويلوح أن عند تسرب استعمالها بين المسلمين باشره في الغالب العامّة منهم من مدّعي الصلاح، فلم يحز استعمالها تقدير العلماء الصادقين، واستحسان الصوفياء [؟] المخلصين. ولذلك عندما رؤي في القرن الثالث الهجري في يد سيد الصوفية أبي القاسم الجُنَيْد بن محمد سبحة، اعترض عليه وقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ فقال: طريق به وصلت إلى ربي لا أفارقه.\nأما تخريج الدليمي في مسند الفردوس برقم / ٧٠٢٩ (وهو موضوع كما في السلسلة الضعيفة ١/ ١١٠ - ١١٧) بسند طويل عن علي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «نعم المذكر المسبحة» فقد انتقده علماء الحديث، قال المحدث محمد","vol":"1","page":49},{"text":"الأمير: لا تظهر صحته، وقال الملا علي القاري: سنده ضعيف.\nوأما ما رواه أصحاب المسلسلات عن عمر المكي عن الحسن البصري حيت قيل له: يا أستاذ، مع عظم شأنك وعبادتك إلى الآن أنت مع السبحة. فقال لي: «هذا شيء قد استعملناه في البدايات ما كنا لنتركه في النهايات، أنا أحب أن أذكر الله بقلبي ولساني ويدي» قد رواه القاضي عياض في مشيخته، والقاضي أبو بكر في مسلسلاته، وكذلك الكتاني، والسلفي، والروداني، وأبو الحسن الأنماطي، وغيرهم. فأشار الحافظ السخاوي إلى غالب طرقه وقال: مدار روايته على أبي الحسن الصوفي، وقد رُمي بالوضع، ورواية عمر المكي عن الحسن البصري معضلة.\nبقي استعمال السبحة بين المسلمين هكذا محبوبًا عند البعض وممقوتًا عند الآخرين، يجتاز طورًا إلى طور، ففي القرن الخامس الهجري مثلًا نجد أنه كان استعمالها أصبح من اختصاص النساء الصوفيات، إلى أن عم استعمالها","vol":"1","page":50},{"text":"بينهم واستحسن، بخاصة إذا قصد به ذكر الله الخالص وليس الرياء.\nأما عدد الحبات فيها فاختار المسلمون مائة حبة، على ما ورد في الأحاديث النبوية، أنه علية الصلاة والسلام علّم التسبيح خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة، والتكبير أربعًا وثلاثين مرة،\nوالتحميد ثلاثًا وثلاثين مرة، فيكون مجموعها مائة.\nوهكذا لقي استعمال السبحة التي اخترعتها الهند وقدمتها إلى العالم للذكر قبولًا ورضا من أديان العالم المختلفة» انتهى بنصه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>٥ - وظيفتها عندهم </span>(١):\nكما تفيد المصادر المعرفية - أيضًا - أنها شعار ديني، لدى أهل الملل من البراهمة، والنصارى، وغيرهم من الأعاجم، ولهم في اتخاذها أغراض دينية مختلفة على اختلاف مللهم، منها:","vol":"1","page":51},{"text":"أ- اتخاذها لِعَدِّ الصلوات.\nب- اتخاذها تعويذة، وتميمة.\nج- اتخاذها للوقاية من الأخطار والأمراض.\nد- اتخاذها لمعرفة البخت والحظ.\nوتقدم في مبحث تاريخها: عدد حباتها عند النصارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٦ - تاريخ السُّبْحة عند العرب </span>(١):\nاعلم أن «العرب» لا تعرف السُّبْحة في لغتها، ولا في تعبداتها في الجاهلية، ولا في عاداتها للعب، والتَّلهِّي، ولهذا فإنك لا تجد لها ذكرًا في كلامها، نثره، وشعره.\nوهذه عناية ربانية لهذه العصابة التي نبعت منها النبوة والرسالة الخاتمة.\nولذا قرر علماء اللسان العربي، أن هذه اللفظة: «السُّبْحة» مولدة، وأنها بهذا المعنى لم ترد في كلام أحد ممن يحتج بعربيته بعد الإِسلام.\n_________\n(١) المصادر السابقة.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>٧ - تاريخ السُّبْحة في العصور الإِسلامية:</span>\nوهو في مرات أربع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أ- في عصر النبي - ﷺ </span>-. ب- لدى الصحابة - ﵃ -.\nج- لدى التابعين -رحمهم الله تعالى-. د- بعد عصر التابعين.\nأ- في عصر النبي - ﷺ -:\nجزم غير واحد، أن «السُّبْحة» لم تكن معروفة في زمن النبي - ﷺ -، ولهذا فليست من سُنَّتِه لعَدِّ الذِّكْر. ولم أر لها ذاكرًا في نسبتها إلى عصر النبي - ﷺ - إلا في نصين، لا يثبتان:\nأحدهما: تعداد تركة النبي - ﷺ - التي خَلَّفها - ﷺ - ونظمها المغربي التهامي بقوله (١):\nقَد خَلَّف الرسول تِسْعًا تُعْرَف ... سجادة وسبحة ومصحف\n_________\n(١) التراتيب الإِدارية للكتاني: ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٦.","vol":"1","page":53},{"text":"وقفتان وسواك وحصير ... مشط ونعلان وإبريق منير\nوقال الكتاني عن عَدِّ السبحة في تركة النبي - ﷺ - (١):\n«وأما السبحة: فقال الشيخ الأمير في فهرسته: لم يصح ما اشتهر من عَدِّها -أي السبحة- من مخلفاته ﵇. اهـ. وسبقه إلى نحوه ملا علي قاري في شرح المشكاة قائلًا: إن السبحة المعروفة لم تكن في زمن النبي - ﷺ -» انتهى كلام الكتاني.\nونقل كلام الأمير، والقاري، وأقره أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في رسالة: نزهة العِطْر (٢) في سبحة الذِّكر. واقتصر على كلام الأمير في كتابه: ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني. ص / ١٥١ ونحوه لابن الطيب في حواشي القاموس ... اهـ.\nوثانيها: عن علي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) التراتيب الإِدارية للكتاني ٢/ ٢٨٦.\n(٢) طبعت باسم: «نزهة الفِكْر في سُبحَة الذكر».","vol":"1","page":54},{"text":"قال: «نِعْمَ المُذَكِّرُ السُّبْحَة، وإن أفضل ما تسجد عليه: الأَرض وما أنبتته الأَرض» رواه الديلمي في: «مسند الفردوس: ٥/ ١٥/ ح/ ٧٠٢٩».\nوفي سنده أربعة مجاهيل على نسق واحد، وفيه متهم بالوضع ذاهب الحديث في قول للخطيب البغدادي، وهو: محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي، ورماه بالوضع: ابن عساكر، وقال الدراقطني: لا شيء.\nفهذا الحديث لاَ يُشْتَغَلُ بِهِ، إذ لا يعتبر شاهدًا، ولا متابعًا، فضلًا عن أن يستأنس به في فضائل الأَعمال.\nهذا في رده سندًا، وأما متنًا، فإنه إذا تقرر لدينا أن: «السُّبْحة» لم تكن في زمن النبي - ﷺ - فنرد تفسير اللفظ إلى الحقائق الشرعية التي نطق بها الشرع، وهو أن المراد بالسُّبْحة في هذا المروي: «سُبْحَة الصلاة» لاستعمال هذه الحقيقة الشرعية في أحاديث أخر، وبضميمة ما جاء في آخر هذا المروي: «وإن أفضل ما تسجد عليه. . .».\nوإلى هذا جَنَحَ محمد بن محمد الأزهري المعروف","vol":"1","page":55},{"text":"بالأمير، المتوفى سنة ١٢٣٢ - رحمه الله تعالى - في فهرسته، وتبعه اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى - كما في: «ظفر الأماني: ص / ٢٩٣» إذا قال نقلًا عن الأمير: «ولا تظهر صحته، ويحتمل تفسير السبحة بصلاة النافلة كما هو أحد معانيها، فليحرر. انتهى كلام سيدي الأمير - رحمه الله تعالى - أقول: - القائل اللكنوي -: على تقدير صحة الحديث، تفسيره بسُّبْحَة الصلاة هو الصواب، فإنه قد استعملت السُّبْحَة كثيرًا في الأحاديث بهذا المعنى، وقد صح أن السبحة المعروفة لم تكن في زمن رسول الله - ﷺ -». انتهى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>ب- السُّبْحة لدى الصحابة -﵃</span>- (٢):\nوكما أن: «السُّبْحة» لم تكن معروفة في زمن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: بلوغ الأمنية بفتاوى النوازل العصرية لمحمد علي بن حسين المكي المالكي ص / ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(٢) انقرض عصر الصحابة - ﵃ - بوفاة آخرهم: أبو الطفيل، عامر بن واثلة المتوفى سنة١١٠\n- ﵁ -:\nآخر من مات من الأَصحاب له ... أبو الطفيل عامر بن واثلة","vol":"1","page":56},{"text":"فإنه لا ذكر لها في لسان الصحابة - ﵃ - بل لم تكن معروفة في زمنهم على لسانهم، وفي تعبدهم بِعَدِّ الأذكار.\nوأما الأثر عن أبي هريرة - ﵁ - (١) الذي أسنده عبد الله بن الإِمام أحمد في «زوائد الزهد» ومن طريق أبو نعيم في: «الحلية»، وكلاهما: من طريق نعيم بن محرر بن أبي هريرة، عن جده أبي هريرة: «أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يُسبح به».\nفنعيم مجهول، لذا فلا يصح.\nولهذا فلا تغتر بقول الكتاني بعد كلامه المتقدم مباشرة (٢): «والصواب: أن اتخاذ السُّبْحَة ونحوه، لِعَدِّ الذكر، ثبت عن الصحابة في حياته - ﵇ - وبعده، والذي حدث هو خرز، ونظم تلك الحبوب في الخيط ونحوه، كما\n_________\n(١) المنحة: الحاوي: ٢/ ١٤٠. الحلية لأَبي نعيم ١٠/ ٣٨٣، وتذكرة الحفاظ للذهبي: ١/ ٣٥.\n(٢) التراتيب الإِدارية: ٢/ ٢٦٨.","vol":"1","page":57},{"text":"قاله الشيخ عبد الغني الدهلوي المدني» انتهى.\nويريد ما رُوِيَ من عَدِّ بعض الصحابة - ﵃ - الذِّكر بالحصى، أو النوى، وأطلق عليه «السُّبْحَة» تجوزًا، كما يدل عليه آخر كلامه، فتأمل؟\nولا تغتر أيضًا بقول أبي العباس أحمد بن أبي بكر الرَّدَّاد، المتوفى سنة ٨٢١ (١) فيما نقله عنه اللكنوي بعد سياق: «مسلسل السُّبْحَة» قال (٢): «قال الشيخ أبو العباس الرَّدَّاد، تبين من قول الحسن - البصري - أن السبحة كانت موجودة في زمن الصحابة.\nقلت: فعلم أنها لا تصح في زمن رسول الله - ﷺ - ولا ما اشْتُهر من عده بها» انتهى.\nوهذا المسلسل من رواية وَضَّاع فكيف يُستدل به؟!\n_________\n(١) ترجمته في: الأعلام للزركلي: ١/ ١٠٤ وقال: قال السخاوي: «غلب عليه الميل إلى تصوف الفلاسفة، فأفسد عقائد أهل زبيد إلا ما شاء الله» انتهى.\n(٢) ظفر الأماني: ص / ٢٩٢.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>ج- السبحة لدى التابعين - رحمهم الله تعالى </span>-:\nالسياق هُنا، لما تم الوقوف عليه، من الآثار المقطوعة، والحكايات والقصص المذكورة، مما هو مصرح به باسم: «السُّبْحة» ومنها:\n\n• أبو مسلم الخولاني: عبد الله بن ثُوَب المتوفى سنة ٦٢، الملقب: ريحانة الشام - رحمه الله تعالى - (١): عن بكر بن خُنيس، عن رجل - سَمَّاه - قال: «كان في يد أبي مسلم الخولاني سُبْحَة يُسبح بها، قال: فنام، والسبحة في يده، فاستدارت السبحة، فالتَفَّت على ذراعه، وجعلت تُسبح، فالْتَفَتَ أبو مسلم، والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات، فقال: هَلُمَّ يا أُمَّ مسلم، وانظري إلى أعجب الأعاجيب، فجاءت أم مسلم، والسبحة تدور تُسَبِّح، فلما جلست سكنت» اهـ.\nذكرها أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللاَّلكائي المتوفى سنة ٤١٨ في كتابه «كرامات الأولياء»، وأبو القاسم ابن عساكر: علي بن هبة الله المتوفى سنة ٥٧١\n_________\n(١) المنحة: الحاوي للسيوطي ٢/ ١٤٢، ١٤٤.","vol":"1","page":59},{"text":"في: «تاريخ دمشق».\nوهذا إنما أذكره للفرجة، والتدليل على ترويج الطرقية لبضاعتهم البدعية: «السُّبْحَة» في مثل هذه القصة المختلقة الموضوعة.\n• الأثر عن إبراهيم النخعي المتوفى سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى -: قال ابن أبي شيبة في: «المصنف: برقم / ٧٦٧٠»: «من كره التسبيح» وساق الأثر بسنده فقال: «حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم، أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فَتْلِ خيوط التسابيح التي يُسبح بها».\nوفي سنده: إبراهيم بن المهاجر، قال فيه الحافظ ابن حجر في: «التقريب»: «صدوق لين الحفظ» اهـ.\nوفي هذا الأثر فائدتان:\nالأولى: ظهور نظم الخرز في الخيوط في أول عصر التابعين وآخر حياة الصحابة - ﵃ - إذ وفاة إبراهيم","vol":"1","page":60},{"text":"النخعي سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى -.\nالثانية: إنكار النخعي للسُّبْحة، وهذا ظاهر.\n\n• الأثر عن الحسن بن يسار البصري المتوفى سنة ١١٠ - رحمه الله تعالى -:\nروى ابن وضاح القرطبي - رحمه الله تعالى - بسنده في كتابه: «البدع والنهي عنها. ص / ٢٥» عن أبان بن أبي عياش، قال: «سألت الحسن عن النظام - خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما - من الخرز والنوى ونحو ذلك، يُسَبَّح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي - ﷺ - ولا المهاجرات».\nوفي سنده أبان بن أبي عياش البصري، قال فيه الإِمام أحمد: «متروك الحديث». روايته هنا عن الحسن وفيها مغمز شديد، كما في: «الميزان: ١/ ١١»، فأنى له القبول.\nوفي هذا الأثر - لو ثبت - فائدتان كسابقه، لكن أَنَّى له الثبوت؟ والله أعلم","vol":"1","page":61},{"text":"• المسلسل بالسُّبحة عن الحسن البصري - رحمه الله تعالى - (١):\nوهو عن أبي الحسن علي بن الحسن بن القاسم الصوفي، قال: سمعت أبا الحسن المالكي وقد رأيت في يده سُبْحَةً، فقلت: يا أُستاذي: أنت إلى الآن مع السبحة، فقال: كذلك رأيت أستاذي الجنيد وفي يده سبحة، فقلت: يا أستاذي. . . وهكذا استمر الإِسناد على هذه الصفة، الجنيد عن السري السقطي، عن معروف الكرخي، عن بشر الحافي، عن عمر المكي، عن الحسن البصري وفي يده سبحة، فقلت له: يا أستاذي، ما شأنك وحُسْن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة، فقال لي: «هذا شيء قد استعملناه في البدايات، فلا نتركه في النهايات، أنا أحب أن أذكر الله بقلبي ولساني ويدي» انتهى.\nثم قال اللكنوي (٢):\n«وقال مولانا عابد السندي: في: «حصر الشارد» أورد\n_________\n(١) ظفر الأماني: ص / ٢٩٢ - ٢٩٤، وانظر: المنحة للسيوطي في: الحاوي: ٢/ ١٤٢ - ١٤٣. الفكر السامي. حاشية: ٢/ ٥٤ - ٥٥.\n(٢) ظفر الأماني: ص / ٢٩٣ - ٢٩٤.","vol":"1","page":62},{"text":"هذا المسلسل، وأشار إلى غالب طرقه الحافظ السخاوي، وقال: «إن مدار روايته على أبي الحسن الصوفي، وقد رمي بالوضع، ثم سلسله من طريق آخر، وسكت عنه، اهـ» انتهى.\nومعلوم أن المسلسلات قل أن تسلم من ضعف أو وضع في تسلسلها العام. والله أعلم.\n• الأثر عن فاطمة بنت الحسين بن علي المتوفاة سنة ١١٠ - ﵃ - (١): أسند ابن سعد في: «الطبقات» عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تُسبح بخيط معقود فيها. وفي إسناده ضعف وامرأة مجهولة.\n• السُّبح الزرق للشيعة: في: «تاريخ جرجان. ص / ٣٢٤» في ترجمة: عمران بن أبي اليقظان، عن جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ - رحمه الله تعالى - أنه قال: «مثل السُّبح الزُّرْق في أيدي شيعتنا، مثل: الخيوط الزرق يذكر بها إله السماء». انتهى [؟]\n_________\n(١) انظر: المنحة للسيوطي: ٢/ ١٤٠ الحاوي.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>د- السُّبحة بعد عصر التابعين:</span>\nمن هذا العصر إلى الآخر، انفرط عَقْد الصدق عند من غلبت عليه الشقاوة، وَجَنَّدَ الوَضَّاعُوْن من الطرقية وغيرهم أَنْفُسَهم لاختلاق المرويات لِعَقْدِ نِظَام السُّبَح، في عصر التابعين، ومن بعدهم، واتسعت أغراض اتخاذها، ديانة، وتعاويذ، وشعارًا لأَهل الذكر، واتخذها الصف المقابل، للعب، والتلهي، وتنافسوا في نظمها ومادتها، ومن تتبع كتب السير، والتراجم، والكرامات، رأى من ذلك عجبًا، ومنها:\n١ - ذكر بعض الإِخباريين، منهم أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة ٣٥٦ في: «الأغاني ٨/ ٣٤٤»: أن والي المدينة عثمان بن حيان المري المتوفى سنة ١٥٠ المولَّى عليها من قِبَل الوليد الأُموي، أراد إخراج المغنية سلامة القُسِّ المتوفاة نحو ١٣٠ من المدينة؛ لما شهرت به من حذق الغناء، والأوتار، فشفع لها ابن عتيق عنده، فوكَّله على شأنها، وقال له: لا يدعك الناس، ولكن اسمع منها، فإن رأيت أن مثلها","vol":"1","page":64},{"text":"يترك في جوار رسول الله - ﷺ - ومسجده تركتها، قال: نعم، فجاءه بها، وقال لها: اجعلي معك سُّبْحَة، وتخشَّعي، ففعلت» انتهى.\n٢ - وفي عصر الأمين العباسي المتوفى سنة ١٩٨ جاء للسبحة ذكر في قصيدة لأَبي نواس وهو في السجن، يخاطب فيها الوزير ابن الربيع، بقوله (١):\nأنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك ... وعودتنيه والخير عادة\nفارعوى باطلي واقصر حبلي ... وتبدلت عفة وزهادة\nالمسابيح في ذراعي والمصحف ... في لِبَّتي مكان القلادة\n٣ - سبحة زبيدة بنت جعفر: ذكر أبو حيان التوحيدي في: «البصائر والذخائر: ١/ ١٤٥» أنه كان عند زبيدة بنت جعفر المتوفاة سنة ٢١٦ - رحمها الله تعالى - «سُّبْحَة اشترتها بخمسين ألف دينار».\n_________\n(١) مطالع البدور للغزولي: ٢/ ٦٦. الرسالة القشيرية. ص / ١٩.","vol":"1","page":65},{"text":"وفي كتاب «الجماهر في معرفة الجواهر» للبيروني: ص / ١٥٦ قال: «وكان لأم جعفر زبيدة سُبْحَةٌ لم يذكر في الكتب كيفيتها، ولكن قيل: إنه جرى بين الرشيد وبينها في ذكر نزاهة: عَمَّار بن حمرة بن ميمون، وعلو همته، فقالت: إن الأقدام الثابتة تزل عن مواطئها عند روائح المال، فادع به وهب له سبحتي هذه - وكان شراؤها بخمسين ألف دينار، فإن ردها عرفنا نزاهته،. . . فذكر القصة في رده لها. . .» انتهى.\n٤ - وذكر بعض الإِخباريين - أيضًا -: أن عبد الله بن أبي السَّمِط، أنشد أبياتًا بين يدي المأمون العباسي المتوفى سنة ٢١٨ يمتدحه فيها، فلما انتهى عند قوله:\nأضحى إمام الهُدى المأمون مشتغلًا ... بالدِّين والناس بالدنيا مشاغيل\nقال المأمون: «ما زدت على أن جعلتني عجوزًا في محراب، وفي يدها سُبْحَة، أَعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:","vol":"1","page":66},{"text":"فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عَرَضُ الدنيا عن الدين شاغله» انتهى (١)\n٥ - سُبْحَة الجُنيد المتوفى سنة ٢٩٧ - رحمه الله تعالى - والإِنكار عليه (٢): ذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في: «وفيات الأعيان»: «أنه رؤي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد المتوفى سنة ٢٩٧ - ﵀ - يومًا سُبْحَة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سُبْحَة، قال: طريق وصلتُ به إلى ربي لا أفارقه». انتهى.\n\n٦ - أثمن مسبحة عُرفَتْ في الإِسلام (٣): هي مسبحة «زيدان» قهرمانة، أم المقتدر العباسي، ويقال: بل هي:\n_________\n(١) انظر: حكم الانتماء: ص / ٥ - ٦.\n(٢) الرسالة القشيرية: ص / ١٩. المنحة: الحاوي: ٢/ ١٤٤. مدارج السالكين: ٣/ ١٢٠. الفكر السامي: ٢/ ٥٤.\n(٣) انظر: مجلة الوعي الإسلامي. عدد / ١٤٠ لعام ١٣٩٦ مقال مصطفى الشهابي.","vol":"1","page":67},{"text":"سُّبْحَة المقتدر العباس جعفر بن أحمد، المتوفى سنة ٣٢٠ - رحمه الله تعالى -: قال الأستاذ / عبود الشالنجي، محقق: «نشوار المحاضرة للتنوخي: ٥/ ٢٩»: «وكان للمقتدر العباسي، سبحة قومت بمائة ألف دينار، فقد ذكر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر، أن والدته عمرة، جارية المقتدر، أخبرته، بأن المقتدر استدعى بجواهر، فاختار منها مائة حبة، ونظمها سُبْحَة يُسبح بها، وأن هذه السبحة عرضت على الجوهريين، فقوموا كل حبة منها بألف دينار، وأكثر (نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي. مخطوط» انتهى.","vol":"1","page":68},{"text":"٧ - وفي كتاب: «الجماهر في معرفة الجواهر» للبيروني. ص / ١٥٦ - ١٥٨ ذكر اتخاذ الأكاسرة للسُّبْحَة، ثم قال: «ولما أشارت قبيحة [؟!] على ابنها المعتز بقتل أخيه المؤيد بعثت قبيحة إلى أمه في شهر رمضان بِسُّبْحَةِ دُرٍّ، قيمتها أربعة آلاف دينار، وقالت لها: سبحي بها يا أختي، فسحقتها في الهاون، وَلَفَّتْها في كاغَدٍ، ورَدَّتهَا إلى حاملتها، وقالت: أقرئي عني أختي السلام، وقولي لها: السُّبَح لا تذهب بحرارات الدماء» انتهى.\n٨ - سُبْحَة خباز البصرة: نصر بن أحمد الخُبْزَأُرْزي، المتوفى سنة ٣٢٧، قال التنوخي المتوفى سنة ٣٧٤ - رحمه الله تعالى - في كتابه: «نشوار المحاضرة: ٥/ ٩٥» وَنَقَلَهَا عنه الخلديان في: «التحف والهدايا ص / ٢٣»: «أَهدى إِلَيَّ نصر ابن أحمد الخُبْزَأُرْزي: سُبْحَةَ سَبَج، وكتب معها:\nبعثتُ يا بدر بني يعرب ... بسبحةٍ من سَبَج مُعْجِب\nيقول من أبصرها طرفه ... نِعْمَ عتاد الخائف المذنب\nلَمْ تُخْطِ إن فكرت في نظمها ... ولونها من حُمَّة العقرب» اهـ\nوالسَّبج: الخرز الأسود.","vol":"1","page":69},{"text":"٩ - وذكر البشاري في «رحلته ص / ١٨١» اتخاذ مصانع للسبح في القرن الرابع في بيت المقدس؛ لكثرة من كان يزور مكة - حرسها الله تعالى -.\n١٠ - وفي القرن الخامس الهجري، اشتهر اختصاص النسوة المتصوفات بالسُّبَح، كما في: «طبقات الشافعية للسبكي: ٣/ ٩١».\n١١ - سُبْحَة الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ - رحمه الله تعالى -: في: «الجواهر والدرر للسخاوي: ١/ ١١١» ساق أخبارًا تدل على عدم تضييع شيخه الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - لوقته، ثم قال: «وكان - رحمه الله تعالى - إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها للمذاكرة، تكون السُّبْحَة تحت كُمِّه بحيْث لا يرها أحد، ويستمر يديرها وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه، وربما سقطت من كمِّه فيتأثر لذلك، رغبة في إخفائه» انتهى.","vol":"1","page":70},{"text":"١٢ - أشهر مسبحة في تاريخ المتصوفة: هي سبحة ابن زروق يأتي خبرها بعد قليل.\n١٣ - وقال العماد المناوي في سُبْحَة (١):\nومنظومة الشمل يخلو بها ... اللبيب فتجمع من همته\nإذا ذُكر الله جَلَّ اسمه ... عليها تفرق من هيبته\n١٤ - ولابن عبد الظاهر (٢):\nوسُبْحَة أناملي ... قد شغفت بحبلها\nمثل مناقير غدت ... ملتقطات حبها\n١٥ - وقال شوقي (٣):\nما تلك أهدابي تُنْظَم ... بينها الدمع السكوب\nبل تلك سُبْحَة لؤْلؤٌ ... تحصى بها عليك الذنوب\nهكذا صارت أطوار السُّبْحَة في العصور الإِسلامية (٤):\n_________\n(١) المنحة: الحاوي: ٢/ ١٤٤.\n(٢) تحفة أهل الفتوحات والأذواق. ص / ٤.\n(٣) السبحة والمسبحون للجندي. مجلة الوعي الإسلامي. العدد / ٣٧. ص / ٦٧ لعام ١٣٨٨.\n(٤) منتخبات التواريخ للحصني الدمشقي. ٢/ ٧٨٥. فتاوى رشيد رضا: ٣/ ٤٣٥. دائرة المعارف الإسلامية: ١١/ ٢٣٣. الموسوعة العربية الميسرة: ١/ ٩٥٨.","vol":"1","page":71},{"text":"أي من بعد عصر الصحابة - ﵃ - وعصر التابعين، وبخاصة في العصر الأموي، والعصر العباسي.\nبدأت السُّبحة وأخذت في أطوار في مادتها، وفي أغراضها، وفي أعداد حَبَّاتها وفي محل اتخاذها، وأن السبحة عَبَرت إلى بلاد العرب، عن طريقين: الروافض والمتصوفة.\nقال الشهابي (١): «يرجع انتشار السبحة في بعض البلاد الإِسلامية إلى استخدام الصوفية لها؛ إذ يعتبرونها أصلًا من الأصول المرعية في طرائقهم، وعوائدهم؛ لاستخدامها في حلقات الذكر، ويحفظونها في صندوق خاص بها، ولها قوم يقومون على استخدامها في الأوراد والأذكار، ويعرفون بـ «شيوخ السَّبْحَة» وبعض طوائف الصوفية ترى ضرورة وضع المسبحة في العنق؛ لأَن هذا عندهم أحفظ وَأَثْوَبُ، وهذا التقليد واجب عند بعض طوائف الصوفية، وبعض الطوائف تنكر هذا التقليد». انتهى.\n_________\n(١) من مقالة: بأقلام القراء في: مجلة الوعي الإسلامي العدد / ١٤٠ لعام ١٣٩٦ ص / ١٠٥، ١٠٦.","vol":"1","page":72},{"text":"ثم قال: «من أشهر المسابح التاريخية: أشهر مسبحة في تاريخ الإِسلام: مسبحة ابن زروق العالم المغربي - أحمد ابن أحمد المالكي المتوفى سنة ٨٩٩ - الذي حضر منذ نحو ٥٠٠ [؟!] لتلقي العلم، ثم تخرج من الأزهر، وأقام مسبحته الشهيرة التي ضمت ألف حبة من الحجم الكبير المصنوع من خشب الصندل، وكان يجلس وحوله دائرة من تلاميذه في دائرة تملأ ساحة الأزهر يذكرون الله!!» انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٨ - عَدَدُ حباتها:</span>\nوكانت في بدايتها خيوط ينظم بها خرز من نوى مجزع (١) - الذي حُكَّ حتى صار فيه سواد وبياض - لعد الأَذكار، التي ورد الشرع بها، أو مطلقًا؛ لهذا كان عَدَدُ حَبَّات السُّبْحُ وفق الأطوار العددية الآتية:\n١ - سُبْحَة من «٣٣» خرزة، وتسمى: «السُّبْحَة الثُّلَثِيَّة».\n٢ - سُبْحَة من «٩٩) خرزة.\n٣ - سُبْحَة من «١٠٠٠» خرزة، وتسمى: «السُّبْحَة الألفية».\n_________\n(١) وانظر: القاموس. مادة جزع.","vol":"1","page":73},{"text":"وخرزها متفاوت الحجم، من حجم عين الجرادة، إلى حجم البيضة ثم صار لكل أصحاب طريقة نوع من السُّبَح، نوعًا، وعددًا، وكيفية استعمال. وصار يكتب على بعض خرز السُّبح أسماء الله الحسنى وهي: «٩٩» اسمًا، أو الاسم الذي يذكر الله به عند أهل الطريقة، مثل: «اللطيف» أو: «حي» أو: «الله» وهكذا.\nوكل هذه مشاهدة في عصرنا، وأنا أقيد هذا عام ١٤١٨. وفيه كذلك وجد المحتسبون مع بعض المقيمين من الأفارقة في مدينة الرياض سُّبْحَة بطول عشرين مترًا، والخرزة منها بحجم البيضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٩ - وظيفتها عند من اتخذها من المسلمين:</span>\nوتبعًا لذلك تدرجت في أغراضها الدينية على النحو الآتي:\n١ - اتخاذها شعارًا على: «أهل الله» [؟!] الطرقية المتصوفة؛ لِعَدِّ الأذكار والتربية الدينية.","vol":"1","page":74},{"text":"٢ - اتخاذها تعاويذ وتمائم.\n٣ - اتخاذها للوقاية من الحسد والأخطار.\n٤ - تطويق العنق بها للوقاية من الأمراض.\n٥ - اتخاذها لمعرفة البخت.\n٦ - غسلها بالماء وشربه للاستسقاء.\n٧ - الاستخارة بها، بما يسمون: «استخارة السبحة» ذلك أن المرء إذا مرض تستعمل له السبحة قبل استدعاء الطبيب: هل يستدعى؟ هل يُنجع الدواء؟ أي طبيب يُدعى؟؟ إلى غير ذلك من الأغراض.\n٨ - لتهدئة الأعصاب وسكون النفس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>١٠ - أسماؤها عندهم:</span>\nوجعلوا لها مجموعة ألقاب:\n١ - المذكرة بالله.\n٢ - رابطة القلوب.\n٣ - حبل الوصل.","vol":"1","page":75},{"text":"٤ - سوط الشيطان.\nبل اتخذت سُبْحة الرجل اسمًا خاصًا، ومنها ما ذكره السيوطي - رحمه الله تعالى - إذْ قَال (١): «وقال الشيخ الإِمام العارف عمر البزار، كانت سبحة الشيخ أبو الوفاء «كاكيش» وبالعربي: عبد الرحمن التي أعطاها للشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني - قَدَّس الله أرواحهم - إذا وضعها على الأرض تدور حبة حبة» انتهى.\nانظر كيف شَبَّه لهم الشيطان بالسُّبْحَة، حتى نُفِخَتْ فيها الرُّوْح؟!.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>١١ - طَرَفٌ مما رتب عليها من الكرامات والأحوال والهيآت</span>.\nورتبوا عليها من الكرامات والأحوال ما يطول الكتاب بذكره.\nمنها: ما تقدم عن أبي مسلم الخولاني. ومنها: سُبحة أبي الوفاء المذكورة آنفًا، ومنها: ما ذكره السيوطي أيضًا\n_________\n(١) المنحة في: الحاوي: ٢/ ١٤٤. ولعل: «كاكيش» اسم لأبي الوفاء صاحب السُّبْحَة.","vol":"1","page":76},{"text":"فقال: «وقد أخبرني من أثق به؟! أنه كان مع قافلة في درب بيت المقدس، فقام عليه سرية عرب، وجردوا القافلة جميعهم وجردوني معهم، فلما أخذوا عمامتي سقطت مسبحة من رأسي، فلما رأوها، قالوا: هذا صاحب سُبحة، فردوا عليَّ ما كان أخذ لي، وانصرفت سالمًا منهم.\nقال السيوطي: فانظر يا أخي إلى هذه الآلة المباركة الزاهرة، وما جمع فيها من خير الدنيا والآخرة» انتهى؟!!.\nوقد تطور الحال إلى مشروعية تعليقها بالأعناق، حتى أَلَّف البناني محمد بن عبد السلام - ابن حمدون الفاسي - المتوفى سنة ١١٦٣ رسالة باسم: «تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق» وهو مطبوع في «١٥٦» صفحة.\nوقد بلغ الحال إلى إمرار الإِبهام والسبابة على خرزات السبحة بسرعة فائقة، لا يساوي زمن إدارتها قول: «سبحان الله» مرتين أو ثلاثًا.\nوحصل فيها من فاسد الاعتقاد: إلى توارثها بعد","vol":"1","page":77},{"text":"الصالحين، والاعتقاد فيها، والاحتفاظ بها، وإلى وقفيتها، ولدى بعض النظار على الأوقاف شنطة صغيرة فيها مجموعة سبح، يأتي الفقراء والدراويش للتسبيح بها على روح صاحب الوقف، وهكذا. . وبعض محبي الخير يعلقونها في المساجد للتسبيح بها، وقد شاهدت ذلك في عدد من بلدان العالم الإِسلامي. وقد صار عند بعض من تلاعب بهم الشيطان مظهرًا للرياء، وإظهار التعبد، وأنه في زُمْرة الذاكرين، وهو من الذين يختلون الدنيا بالدين. وللشاعر محمد الأسمر كما ذكر الجندي في مقاله: «السبحة والمسبحون» قصيدة في «١٨» بيتًا، ذكر فيها بعض أحوال المسبحين بالسُّبْحَة فقال:\nفقد تُرى في حانة ... كما تُرى في المسجد\nوعدة للنصب من ... أدهى وشر العدد\nحَبَّالة الخاتل إن ... تَلْقَ حِمَارًا تَصْطَدِ\nيحملها في كفه ... وهي فساد المُفْسِدِ\nومن رآها ظنها ... هداية للمُهْتَدِي","vol":"1","page":78},{"text":"واعلم أن أصحاب الطرق، تَعَلَّقُوا بالسُّبْحَة، وشُغِفوا بها، حتى صارت سمة لهم وشعارًا، وكل أصحاب طريقة يذكرون لها من الكرامات، والخصائص، والأوصاف، ما لا يخطر على بال، فصارت من لوازم الطريق بداية ونهاية، ومن وظائف المريد، ولو أخذت أتتبع ما لديهم بشأنها من الأقوال والأفعال؛ لطال الكلام، وكله من بابة واحدة:\nالغلو، والإِسراف، من جهة، والاختلاق، والتصورات الشيطانية، من جهة أخرى، وهكذا من ضل عن الطريق النبوي وقع في مثل هذه النقائص.\nوأكتفي هنا بسياق مقتطفات بنصها من كتاب: «تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السُّبْحَة وجعلها في الأعناق وبعض الآداب. . .» تأليف فتح الله بن أبي بكر بن عبد السلام بن حمدون البناني الشاذلي الدرقوي المتوفى سنة ١٣٥٣، فإن هذا الكتاب يقع في: «١٥٦» صفحة، تكلم عن السُّبْحَة من ص / ٣ - حتى ص / ٢٠ وما بعد ذلك فهو في آداب الطريقة، وأسوق هذه المقتطفات جاعلًا لها عناوين؛","vol":"1","page":79},{"text":"لتلفت الأنظار إلى مضامينها المظلمة المنسوبة إلى الشرع المطهر ظلمًا، وهي:\n• سُبحة الشيخ السلوي:\n«وفي طبقاتنا» في ترجمة الشيخ المتقدم - نفعنا الله به - في الكلام على مجاهدته وخلوته التي كان يتعبد فيها بإزاء جامع الأندلس بفاس - حرسها الله - ما نصه: وقد زرت هذه الخلوة المباركة بعد وفاته - ﵀ - في بعض سياحاتي لما حللت فاسًا لزيارة مولانا إدريس ووالده والإِخوان والأولياء الكائنين بها الأَحياء والمنتقلين - نفعنا الله بهم - ورأيت فيها سبحته التي كان يذكر بها ﵁ وتبركت بها وهي عظيمة جدًا بحيث كان يعلقها في سقف الخلوة تعظيمًا لها وتحفظًا عليها؛ لكونها آلة يستعان بها في الجهاد الأكبر، والسقف المعلقة فيه عال في الجملة، وتصل إِلى الأرض، ويستعملها على تلك الحالة وقد جعل لها جرارة ليسهل دورانها فيها - وقد قال بعض الكبار -: لو أمكننا التسبيح بالجبال لفعلنا، أي أن يجعل حبة السبحة مقدار","vol":"1","page":80},{"text":"الجبل أو نفس الجبل؛ لما في ذلك من الأَسرار التي يعلمها من مارس المجاهدة على يد الفحول الكبار).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-25> مبحث تعليقها بالعنق:</span>\n«كما أنهم نصوا» على أن الفقير ينبغي له إذا فرغ من استعمال السبحة المتوسطة المناسبة في الذكر، أن يجعلها في عنقه تعظيمًا لها واحترامًا وتوقيرًا - وفي منن القطب الشعراني ﵀ -: ولقد وقعت رجلي مرة على السبحة فكدت أهلك من ذلك إكرامًا لها. اهـ.\nولأَن ذلك - أعني جعلها في العنق - أحفظ لها وأصون من الضياع والامتهان والتمزيق، مع ما في ذلك من هضم سطوة النفس، وقمعها عن الالتفات إلى التخلق بالأخلاق الظلمانية، حسبما يتحققه من كابد مجاهدتها على أيدي أهل الحضرة الربانية، الجامعين بين الشريعة والحقيقة، بين الفناء والبقاء، بين الصحو والسكر، بين الحضور والغيبة، بين المجاهدة والمشاهدة، وأَجْرِ القياس.","vol":"1","page":81},{"text":"في العنق من أصعب ما يكون وأشده على النفس، وخصوصًا إن كانت غليظة من عود منظم في خيط صوف أو كتان، ومن ذاق عرف، ومن لا فلا حرج عليه إذا سلم واعترف، والأشياء كامنة في التجريب، ومن لم يجرب فليس بمصيب.\nووالله ثم والله يا إخواني لقد كنت أقاسي المرارة الصعبة عند جعلها في عنقي في بدايتي، من حيث الالتفات إلى النفس والجنس وأود أن لو وضعت وزن قنطار مثلًا من حجر على رأسي، ولا أجعل سبحة تزن نصف رطل مثلًا في عنقي، وكنت مهما وضعتها في عنقي بأمر مشايخي الكرام خمدت أوصاف بشريتي، وهدأت نفسي عن التشوف إلى التخلق بأخلاق الأقران، الحاجبة عن حضرة الملك الدَّيَّان، واعتراني خشوع وخضوع قهري في ظاهري وباطني، إلى غير ذلك مما نحن مطالبون به من حيث القوانين الشرعية، من الأوصاف النورانية، المؤذنة بكمال العبودية لرب البرية، وهذا هو السر والسبب في ثقل ذلك على النفس؛ لكمال بعده عن وطن الحرية والأَنانية، وشدة قربه من حضرة","vol":"1","page":82},{"text":"التواضع والتنزل والتحقق بوصف الفقر والفاقة والانطراح بين يدي الله، وغير ذلك من أوصاف العبودية، التي لا يتخلف عنها ويتقهقر ويتأخر عن الأسباب الموصلة إليها إلا\nودليل هذا من حيث الذوق والحال: أن جعل السبحة\nهالك بصحبة الهالكين، وتالف بصحبة التالفين، وغافل بصحبة الغافلين، وراض عن نفسه بصحبة الراضين عن أنفسهم وأجر القياس.\nوالله يعصمك من الناس. اللهم اعصمنا من شر الفتن وعافنا من جميع المحن، وأصلح منا ما ظهر وما بطن، بمنِّك. آمين.\nولا يُقال: إن جعالها في العنق يورث الفقر حسبما ذكره بعضهم؛ لأَنا نقول: لا أصل يشهد لذلك، والتجربة والواقع يشهدان بخلاف ما هنالك، فإن عددًا من كبراء أهل النسبة - قواهم الله - ديدنهم أبدًا جعلها في عنقهم بعد الفراغ من الاستعمال، وقد بسط الحق تعالى عليهم من الأرزاق الحسية والمعنوية ما لا يحد بحد ولا يخطر ببال، ولم يزدهم ذلك إلا تواضعًا وتنزلًا لله ورسوله ولسائر العباد في الحال والمآل.","vol":"1","page":83},{"text":"نعم قد يكون جعلها في العنق يورث الفقر في حق من جعلها رياء وسمعة، وشبكة لنيل الدنيا وأخذ أموال الناس بالباطل، وذلك مسلم بنص الكتاب والسنة بلا شك ولا مرية، غير أن المعتقد في أهل النسبة أن الله تعالى طهرهم من هذه القاذورات بفضله، ومجالسة أهل حضرة قدسه، ونظرة مشايخهم التي هي الإِكسير المعنوي، الذي يقلب أعيان كل من إليهم بتوفيق الله يأوي، بحيث لا تجد لابسها المنتسب إليهم إلا متحققًا بأحوالهم السنية حالًا ومقالًا، أو متشبهًا بأخلاقهم النورانية المحمدية، طامعًا في التحقق بها حالًا أو مآلًا (وغير خفي) أن من تشبه بقوم فهو منهم، وأن التشبه بأهل الخير والصلاح، يورث المعية والسكون منهم بإجماع الملاح.\nفتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام رباح\nثم قال: (ويقاس جعل السبحة في العنق عند الفراغ من استعمالها على جعل السيف فيه كذلك، فإنه إذا أباح الشارع صلوات الله وسلامه عليه تعليق آلة الجهاد الأصغر كالسيف في العنق، وأباح تعليق الكتف بوزن حمل - أي الشكارة","vol":"1","page":84},{"text":"والقراب والجراب وغير ذلك مما يستعان به في العاديات - في العنق، فجعل آلة الجهاد الأكبر كالسبحة والمصحف ودلائل الخيرات ونحو ذلك فيه من باب أولى وأحرى، (وما ذكره ابن الحاج) في مدخله من كونه بدعة فهو فقه غير مسلم حسبما نص عليه غير واحد من أكابر علماء الظاهر والباطن، وستقف على بعض ذلك هنا بحول الله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وعمل جمهور الأكابر شرقًا وغربًا على خلافه ومن المقرر أنه إذا وقع خلاف في مسألة وكان في إحدى الجهتين فقيه وصوفي، وفي الأخرى فقيه فقط؛ ترجح الأولى لما خص الله تعالى به سادتنا الصوفية - ﵃ وجعلنا منهم - من مزيد الكشف والاطلاع بفضله وكرمه وبركة تحققهم بكمال الإتباع).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-26> السُّبَح في أعناق الملائكة:</span>\nقال: (وقد ذكروا أن شيخ شيوخنا القطب الكامل الغوث الواصل سيدنا ومولانا العربي الدرقوي - ﵁ - أطلعه الله تعالى على نوع من الملائكة الكرام، واقفين بين","vol":"1","page":85},{"text":"يدي الملك العلام، هائمين بذكره ومشاهدته على الدوام، وتسابيحهم في أعناقهم منتظمة أي انتظام، فأخذ ذلك بمجامع قلبه، ووقع فيه حال عظيم؛ لما شاهده من أسرار وأنواع حضرة ربه، فتمنى ذلك لأَصحابه وأمرهم بجعل السبحة في العنق، تشبهًا بهؤلاء الملائكة الكرام، واغتنامًا لما في ذلك من الفوائد العظام، وقد تقدم بعضها بفضل الملك السلام).\n• شعار الطائفة الشاذلية الدرقوية:\nقال: (ومما شاع وذاع: أن جعلها في العنق صار شعار هذه الطائفة الشاذلية الدرقوية المباركة وأن مشايخها يأمرون مريديهم بذلك بداية ووسطًا ونهاية. وقال أرباب المقام الثالث: شيء وصلنا به إلى الله لا نتركه ولا نفارقه أبدًا.\n(وكما) أمروا بجعلها ظاهرة يرها الخاص والعام، خرقًا للعادة وتشبهًا بالملائكة الكرام، وغير ذلك حسبما نص عليه الأكابر الأعلام).","vol":"1","page":86},{"text":"• فضل السبحة الغليظة على الرفيعة:\nقال: (وقال أيضًا - ﵁ - في الرسالة الأولى ما نصه: «اتخاذ السبحة وجعلها في العنق واليد» قد علمت يا أخي أن اتخاذ السبحة للذكر مما لا خلاف فيه بين العلماء من حيث إنها فعلت بين يديه - ﷺ - وأقرها كما في كريم علمكم، ويكفي في تصحيح هذا المعنى ما خرجه السيوطي في الحاوي على الفتاوي، وذكر أن تأليفًا سماه «المنحة في اتخاذ السبحة» وحيث كان الأصل جائزًا فالفرع يا أخي لا عليك فيه من حيث الكبر والغلظ، سيما وقد قال بعض العارفين: السبحة الغليظة تنشط الباطن، والسبحة الرقيقة تنشط الظاهر وتورث الوسوسة في الباطن).\n(وكل من له أدنى نصيب من سكون الذكر - أي طمأنينيته - يجد السبحة الغليظة أفضل من الرقيقة، لذلك قال بعضهم: السبحة الفاخرة تنشط الباطن، والسبحة الرقيقة تنشط الظاهر).\nثم قال ص / ١٦: (وأما جعلها في العنق ففي المعيار:","vol":"1","page":87},{"text":"أن الإِمام سحنونًا - ﵀ - دخل عليه بعضهم فرأى في عنقه سبحة، وقد يُقاس جعلها في العنق على جعل الخاتم في اليد؛ لأَنهم ذكروا من علل جعله في اليد حفظه لأَنه اتخذه أولًا - ﷺ - للطبع وكان يحفظه، ويدل له ما سمعت من شيخنا مولاي عبد الواحد ﵁ قال: العنق هو مسمار السبحة، ولا يقال: يكفي في حفظها أن تكون في الجيب مثلًا؛ لورود مثله في الخاتم أيضًا ولم يرد إلا جعله في اليد لحكمة أخرى وهي أن اليد مظهر الحكم ومحل الاقتدار؛ لتقع المناسبة بين الحامل والمحمول، فافهم.\nوكذلك السبحة جعلت حفظًا في العنق دون غيره؛ لأَن العنق هو محل التقليد، فيكون لابسها قد تقلدها حسًا كما تقلدها معنى مناسبة، ولأَن السبحة آلة الذكر فلها بذلك قدر عظيم، والعنق هو أعظم ما في الجسد وأعلى ما فيه مما يمكن حفظه فجعل العظيم للعظيم مناسبة، ولأَن حبل الوريد الذي ضرب الله به المثل في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ","vol":"1","page":88},{"text":"مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو في العنق وهو مجرى الطعام والشراب فجعلت السبحة التي هي آلة القرب من الله عليه مناسبة للآية؛ حتى يكون الاعتناء بالحق أشد من الاعتناء بحبل الوريد فيكون حبل الوريد وسيلة للقرب من الله، إذ هو آلة لحمل السبحة المقربة من الحق سبحانه، فيحصل القرب من الله الذي هو المطلوب بالسبحة حسًا ومعنى فاعلم ذلك فإنه دقيق.\nثم رأيت «في المنهاج الواضح في مناقب سيدي أبي محمد صالح» بعدما ذكر أن سيدي أبا محمد صالح كان يلبس المرقعة والسبحة في عنقه ويلبس ذلك لأَصحابه (ما نصه): وأما جواز التقليد بها - أي السبحة - فهو مأخوذ مما ورد في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.\nقال ابن عطية: والقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنًا لهم، وذكره تعالى منة وتأكيدًا ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد.","vol":"1","page":89},{"text":"قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء. قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية وهم لا يرجون جنة ولا يخافون نارًا ثم شدد ذلك بالإِسلام.\nقلت: يخرج لنا من تفسير هاتين الآيتين دليل واضح على جواز تمييز أهل الدين والعبادة في الطرقات والمخاوف بسيمة وعلامة يأمنون بها من أهل الشر، إذا جاز ذلك لمن قصد نجاة نفسه عادة، فكيف بمن هو له عبادة؟ (قال) والتقليد بالسبحة أرجح من جعلها في اليد، ولا سيما عند التوجه في الطرقات كما يفعله فقراء العرب، ولأَن العنق محل الطهارة دائمًا بخلاف اليد، اهـ. منه باختصار وتقديم وتأخير واقتصار. اهـ كلام صاحب المقالة المرضية).\n• سُبْحَة عبد الله بن مشيش:\nوقال: (وقد رأيت سبحات غليظة جدًا، ومثبت ذلك عن أكابر العارفين، ولو لم يكن إلا الشيخ الأكبر والمحجة","vol":"1","page":90},{"text":"الأشهر مولانا عبد السلام بن مشيش لكان كافيًا، فإِنه حدثني من أثق به أنه رأى سبحة عظيمة جدًا عند بعض الثقات من أولاد الشيخ المذكور، وذكر له أنها كانت عند الشيخ إلى أن مات، وإلى الآن لم تزل عندهم، وذكر لي أن ركبته كانت مريضه وكان بها وجع يمنعه من المشي إلا بمشقة، فأخذ تلك السبحة ووضعها عليها، فلما قام وجد ركبته كأنها لم يكن بها بأس ولا أوجعته أبدًا).\n• سُبْحَة بعض الأشياخ:\nقال: (وسمعت شيخنا الإِمام ﵁ يقول: كانت لبعض الأشياخ سبحة عظيمة ثقيلة غاية محمولة معلقة على جرارة، فكان إذا جذب الحبة الواحدة وسقطت على أخرى يسمع لها صوتًا عظيمًا، فقيل له في ذلك، فقال: تأتَّى لنا أن نذكر الله بالجبال لفعلنا. وذكر لي بعض الثقات أنه وقف على هذه الحكاية منصوصة في بعض التآليف).\n• سُبْحَة الكعكي:\nقال: (وذكر الشعراني في طبقاته الصغرى: أن سيدي","vol":"1","page":91},{"text":"أحمد الكعكي كانت له سبحة فيها ألف حبة كيلًا، فسرق إنسان منها سبع حبات، فرأى النبي - ﷺ - وقال له: أحمد، فلان سرق من سبحتك سبع حبات ولك كذا وكذا يومًا تصلى ناقصًا عن العدد، فذهب إلى ذلك الفقير فقال صدق النبي - ﷺ - وأخرجها له من ردائه فردها إلى السبحة، قال: وما رأيت سبحة أنور منها تكاد تضيء من النور من كثرة الأوراد عليها، وبلغنا أنها كانت تدور بنفسها إذا أبطأ الشيخ عن وقت الورد فيعلم دخول الوقت). انتهى بطوله من كتاب: «تحفة أهل الفتوحات. . .»!!!\nهذا في جانب التعبد، أما في جانب اتخاذها للزينة، واللعب والتلهي، فحدث عن أنواعها، وأحجامها، ومقدار أقيامها، ولا حرج، وقد رأيت مع بعض ذوي الثروة واليسار سُبْحة تفوق بقيمتها سُبْحَة المقتدر العباسي بأضعاف مضاعفة، رأيتها معه ونحن في: «بروناي / دار السلام» عام ١٤١٤، وذكر لي أن الخرزة الواحدة منها تساوي نحو ثلاثمائة ألف ريال.","vol":"1","page":92},{"text":"واستطرادًا، قال اللكنوي في: «نزهة الفِكر» في: «الفصل الثامن»:\n(قال اليافعي في الإِرشاد والتطريز: السُّبْحَة على ثلاثة أقسام: مسبحة بالسين المهملة وهي التي تسبح بها، ومشْبَحة بالشين المعجمة، وهي البطالة، ومذبحة، وهي التي يديرها صاحبها وهو يغتاب الناس ويؤذيهم) انتهى.\nوسمعت الشيخ صالحًا الطرابلسي - رحمه الله تعالى - في حدود عام ١٣٨٥ وهو في المسجد النبوي يلقي موعظة، وكان مما قال عن السُّبْحَة: والسُّبْحة على ثلاثة أنواع:\n- مسباح، وهي التي يُسبح بها، وهذه بدعة،\n- وَمِقْبَاح، وهي التي يسبح بها صاحبها وقد عقد يديه على مؤخرته، وهذه بدعة ينضاف إليها إهانة الذكر،\n- وملواح وهي التي يلوح بها حاملها للعب والتسلي، وهذه تشبه، ولا تليق بذوي الهيآت.\n* * *\nا","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المرحلة الثالثة:\nعَدَّ الذكر بآلة حديدية مصنعة</span>\nفي عصرنا اتُّخِذَتْ آلة حديدية بحجم البيضة، فيها ألف رقم، فما على الذاكر إلا أن يضعها في كفه، ويضغط بالإِبهام على الزر، بقدر ما يريد من العدد إلى ألف، ثم تعود من عدد واحد إلى ألف، وهكذا.\n* * *","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>خلاصة التحقيق</span>\nأن «السُّبْحَة» هي: خرز، أو غيره ينظم في خيط، جمعه: «سُبَح» وجمع الجمع: «تسابيح»، ويُقال: «مِسْبَحة» وجمعها: «مسابح» و«مسابيح»، ويقال: «النظام» كانت شائعة قبل الإِسلام، بل قبل الميلاد، وقيل: بل بعد عام ٨٠٠ من الميلاد في ديانة البوذيين، ثم لدى عامة الأعاجم، ولدى أصحاب الديانات كالبراهمة، والنصارى، وغيرهم، يتخذونها شعارًا دينيًا لهم في صلواتهم؛ ولأَغراض ومعتقدات دينية: تعويذة، وتميمة، ويُرقى بها، وهكذا.\nوأن: «السُّبْحَة» لم تكن معروفة لدى العرب في تعبداتها في الجاهلية، ولا في عاداتها، ولهذا لم يرد لها ذكر في كلامها، نثره، وشعره.\nوأنه لما أشرقت شمس الرسالة المحمدية الخاتمة","vol":"1","page":95},{"text":"الخالدة، كان من هدي النبي - ﷺ - الذي دَلَّ أمته عليه: عقد التسبيح بالأنامل، أنامل اليدين، أو اليد اليمنى؛ لأنهن مسؤولات ومستنطقات يوم القيامة، فهن شواهد على العبد، فعهد به الشرع إلى وسيلة لعد الذكر، يملكها في كل وقت وحال، بلا عناء، ولا اتخاذ شعار، ولا رسوم، ولا داعية للرياء، ولا غلو، ولا داعية إليه، وهي: «أنامله»، التي يُضْرَبُ بها المثل في الطواعية، فيقال: «طوع بنانه». ولهذا فإنه لما بدأت بَدَاة التسبيح بالحصى، أو النوى، دَلَّهم النبي - ﷺ - على الذكر الجامع للخيرية، والفضل، واليسر، كَمَا دَلَّ المستغفرين على: «سيد الاستغفار» وَكَمَا حَذَّرَ - ﷺ - الحجيج في رمي الجمار من الغلو في اختيار الحصى الكبار، فهذا نهي عن الغلو في الوصف والمقدار، وذاك نهي عن الغلو في العدول عن الأذكار الجامعة، وعن عَقْدِ الذكر بالأنامل التي أحالهم إليها - ﷺ - إلى عقده بالحصى ونحوه. وليس هناك حديث واحد يفيد الإِقرار على عد التسبيح بغير الأنامل، فإن غاية المرفوع أربعة أحاديث:","vol":"1","page":96},{"text":"١ - حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - كان يسبح بالحصى وهو موضوع، -٢ - وحديث «نعم المذكر السبحة» وهو في حكم الموضوع،\n٣ - وحديث صفية، وقد استنكر النبي - ﷺ - عملها فقال: «ما هذا؟»، ثم دلها على الذكر الجامع،\n٤ - وحديث سعد بن أبي وقاص، وهو دال على عدم المشروعية، وأن قوله - ﷺ -: «ألا أخبرك بما هو أيسر وأفضل؟» جاءت فيه «أفعل» على غير بابها، هذا مع ما في سند الحديثين من مقال.\nولهذا انقرض زمن النبي - ﷺ - ولا وجود للتسبيح بالحصى أو النوى، فضلًا عن وجود التسبيح بها منظومة في خيط.\nولهذا: إذا مَرَّ بك لفظ: «سُبْحَةِ» في حديث شريف فإنه لا ينصرف إلا إلى الحقيقة الشرعية: الدعاء، أو سُبْحة الصلاة، ولا يخطر على بالك تفسيره بهذه: «السُّبْحَة» المحدثة، فإن النبي - ﷺ - لا يخاطب أمته إلا بالحقائق الشرعية على سَنَنٍ اللسان العربي.\nوَمَا أَجمل إنصاف اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى - حين نفى في شرح الحديث الذي","vol":"1","page":97},{"text":"لا يصح: «نعم المذكر السُّبْحَة. . .» تفسيرها بهذا الخيط الذي نُظِمَ به الخرز، مُعَلِّلًا بِما ذُكر.\nوعلى هذا الهدي العام مضى عصر الصحابة - ﵃ - ولا يؤثر عن أَحَدٍ منهم حرف واحد يصح عنه بأنه خالف هدي النبي - ﷺ - فَعَدَّ التسبيح والذكر بالحصى، أو النوى، فضلًا عن اتخاذه في خيط معقود، والمرويات في هذا لا تخلو من مقال كما تقدم.\n\nوفي عصر التابعين، وأخريات عصر الصحابة - ﵃ - لَمَّا بَدَت في التابعين ظاهرة العد للأذكار بالحصى، أو النوى، منثورًا، أو منظومًا في خيط، ابتدرها الهداة من الصحابة والتابعين بالاستنكار، والإِنكار، فهذا ابن مسعود - ﵁ - يقول لإِخوانه من التابعين: «لقد أحدثتم بدعة ظلما، أَوْ قَدْ فَضَلْتُم أصحاب محمد - ﷺ - عِلْمًا»، وابن مسعود - ﵁ - يقطع خيط آخر، وابن مسعود - ﵁ - يضرب آخر برجله لما رآه يَعُدُّ التسبيح بالحصى، ويعلن في الناس كراهيته للعد بالحصى، أو","vol":"1","page":98},{"text":"النوى، ويقول: «أَيُمَنُّ على الله حسناته؟».\nوهكذا دفع - ﵁ - في وجه الغلو، ونَهْى الغلاة؛ ولهذا قال عمرو بن سلمة - رحمه الله تعالى -: «رأينا عامة أولئك الخلق - أي الذين نهاهم ابن مسعود عن التسبيح بالحصى - يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج».\nوهذا سيد التابعين في زمانه: إبراهيم بن يزيد النخعي المتوفى سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى - ينهى بناته عن فتْلِ الخيوط للتسابيح؛ لأَنها وسيلة إلى غير المشروع، وهذا نظير النهي عن بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، ونظائره كثيرة في تحريم الوسائل المفضية إلى محرم كالبدعة.\nثم أنه لما تسربت طرق التعبد المبتدعة إلى المسلمين من رهبان النصارى، إلى ضُلاَّلِ الروافض، إلى فآم من أهل السنة، فاشتغلت طرق التصوف في بما المسلمين بما اخترع لها من التزام آلاف الأذكار، والأوراد، واتخاذ شعارات، وسمات ما أنزل الله بها من سلطان كلبس الخرق، والعمائم الملونة، وافتراش الحصر، والحضرة. . . والسُّبْحَة، حتى صارت","vol":"1","page":99},{"text":"شعارًا، وجُلبت لها الأسماء والألقاب واعتقدت فيها أنواع الاعتقادات، بما تبين شرحه، وتفصيله.\nبناء على جميع ما تقدم:\nلا يستريب منصف أن اتخاذ السُّبْحَةِ لتعداد الأَذكار: تشبه بالكفار، وبدعة مضافة في التعبد بالأَذكار والأوراد، وعدول عن الوسيلة المشروعة: «العَدَّ بالأنامل» التي دَلَّ عليها النبي - ﷺ - بقوله وفعله، وتوارثه المهتدون بهديه المقتفون لأَثره إلى يومنا هذا، وإلى هديه - ﷺ - يُرد أمر الخلاف، وبه يتحرر الصحيح عند النزاع.\nوإضافة إلى ذلك فإن فقهاء المذاهب المتبوعة لا يتنازعون في أن العد بالأنامل أفضل من العد بغيرها من الحصى ونحوه منثورًا أو منظومًا (١)، وأنه إذا انضاف إلى السُّبْحة أمر زائد غير مشروع، مثل جعلها في الأعناق تعبدًا، والتغالي فيها من أنها حبل الوصل إلى الله، ودخول أي\n_________\n(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ٢٢/ ٥٠٦. الوابل الصيب لابن القيم: الفصل / ٦٨. نيل الأوطار للشوكاني: ٢/ ٣٥٣. الموسوعة الفقهية: ١١/ ٢٨٤.","vol":"1","page":100},{"text":"معتقد نفعًا وضرًا، وإظهار التنسك والزهادة، إلى غير ذلك مما يأباه الشرع المطهر، فإنه يحرم اتخاذها، بوجه أشد، وأضيف هنا أمرين مهمين:\nأولهما: أقول فيه: إن من وقف على تاريخ اتخاذ السبحة، وأنها من شعائر الكفار من البوذيين، والهندوس، والنصارى، وغيرهم وأنها تسربت إلى المسلمين من معابدهم؛ علم أنها من خصوصيات معابد الكفرة، وأن اتخاذ المسلم لها وسيلة للعبادة، بدعة ضلالة، وهذا ظاهر بحمد الله تعالى.\nوهذا أهم مَدْرَكٍ لِلْحُكْم على السُّبْحَة بالبدعة، لم أر من تعرض له من المتقدمين سوى الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله تعالى - فمن بعده من أصحاب دوائر المعارف فمن بعدهم، ولو تبين لهم هذا الوجه لما قرر أحد منهم الجواز، كما هو الجاري في تقريراتهم في الأحكام، التي تحقق مناط المنع فيها: التشبه.\n\nوثانيها: قال الغلاة في اتخاذ السُّبْحَة: «إن العقد","vol":"1","page":101},{"text":"بالأنامل إنما يتيسر في الأذكار القليلة من «المائة» فَدُوْن، أما أهل الأوراد الكثيرة، والأذكار المتصلة، فلو عدوا بأصابعهم لدخلهم الغلط، واستولى عليهم الشغل بالأصابع، وهذه حكمة اتخاذ السُبحة» (١).\nأقول: ليس في الشرع المطهر أكثر من «المائة» في عدد الذكر المقيد بحال، أو زمان، أو مكان، وما سوى المقيد فهو من الذكر المطلق، والله ﷾ يقول:؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا؟ [الأحزاب / ٤١]. إلى غيرها من الآيات، كما في: [آل عمران / ٤١، والأنفال / ٤٥، والأحزاب / ٣٥].\nفتوظيف الإِنسان على نفسه ذكرًا مقيدًا بعدد لم يأمر الله به ولا رسوله - ﷺ - هو: زيادة على المشروع، ونفس المؤمن لا تشبع من الخير، وكثرة الدعاء والذكر، وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده في حدود ما شرعه الله من الأدعية والأذكار المطلقة، بلا عدد معين، كل حسب طاقته ووُسعِه،\n_________\n(١) كتاب البناني: منحة أهل الفتوحات والأذواق ص / ٩.","vol":"1","page":102},{"text":"وفَرَاغه، وهذا من تيسير الله على عباده، ورحمته بهم.\nوانظر: لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعداد لا دليل على تحديدها؛ وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعًا من اتخاذ السُّبَح، وإلزام أنفسهم بها، واتخاذها شعارًا وتعليقها في الأعناق، واعتقادات متنوعة فيها رغبًا، ورهبًا، والغلو في اتخاذها، حتى ناءت بحملها الأبدان، فَعُلِّقَتْ بالسقوف، والجدران، وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها، وانْقَسَمَ المتعبدون في اتخاذها: نوعًا وكيفيةً، وزمانًا ومكانًا، وعددًا، ثم تطورت إلى آلة حديدية مصنعة، إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون.\nفعلى كل عبد ناصح لنفسه أن يتجرد من الإِحداث في الدين، وأن يقصر نفسه على التأسي بخاتم الأنبياء والمرسلين، وصحابته - ﵃ - فَدَع السُّبْحَة يا عبد الله، وتَأَسَّ بنبيك محمد - ﷺ - في عدد الذكر المقيد، ووسيلة العد بالأنامل، وداوم على ذكر الله كثيرًا كثيرًا دون التقيد بعدد لم يدل عليه الشرع، واحرص على جوامع الذكر،","vol":"1","page":103},{"text":"وجوامع الدعاء.\nوَلاَ تَغْتَرَّ باتخاذ بعض الأئمة الكبار لها، أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - فإن الإِلْفَ والعادة لهما شأن كبير؛ إذ العادة مَلاَّكَة، والعوائد والأعراف تبني أصولًا، وتهدم أصولًا، والمعول على الدليل، وسلامة التعليل، وقواعد التشريع، وانظر كيف غلط أئمة كبار في أبواب التوحيد - مع جلالة قدرهم وعلو شأنهم - وما هذا إلا بحكم النشأة والأجواء المحيطة بهم، شيوخًا وتلاميذ وعامة، مع ضعف التجديد لهذا الدين، نسأل الله أن يغفر لنا ولهم، وأن يجمعنا بهم في جنته، آمين.\nوعلى المسلم الناصح لنفسه، أن لا يستوحش من هذا الحكم؛ لاستيلاء الإِلْفِ والعادة، ومستحدث رسوم التصوف ووظائف الزهادة، وأن يكون ديدنه الاكتفاء بهدي خاتم الرسل والأنبياء - ﷺ - وأن لا يقدم بين يديه وليجة أخرى. وأختم هذا التحقيق بفصل عقده ابن الحاج - رحمه الله تعالى - في: «المدخل: ٣/ ٢١٤ - ٢١٥» فقال:","vol":"1","page":104},{"text":"«فصل: ومن هذا الباب أيضًا ما يفعله بعضهم من تعليق السبحة في عنقه.\nوقد تقدم قول عمر ﵁ لتميم الداريّ ﵁: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني. وما كان مراده إلا أن يذكّر الناس بالأحكام الشرعية المأمور بإظهارها وإشاعتها، وإظهار السبحة والتزين بها لا مدخل لهما في ذلك، بل للشهرة والبدعة لغير ضرورة شرعية.\nوقريب من هذا ما يفعله بعض من ينتسب إلى العلم فيتخذ السبحة في يده كاتخاذ المرأة السوار في يدها، ويلازمها، وهو في ذلك يتحدَّث مع الناس في مسائل العلم وغيرها، ويرفع يده ويحركها في ذراعه.\nوبعضهم يمسكها في يده ظاهرة للناس ينقلها واحدة واحدة كأنه يعدّ ما يذكر عليها، وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال وما جرى لفلان وما جرى على فلان، ومعلوم أنه ليس له إلا لسان واحد، فعدّه على السبحة على هذا باطل، إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر","vol":"1","page":105},{"text":"واللسان الآخر يتكلم به فيما يختار، فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من الشهرة والرياء والبدعة.\nثم العجب ممن يعدّ عَلَى السبحة حقيقة ويحصر ما يحصله من الحسنات، ولا يعد ما اجترحه من السيئات! وقد قال ﵊: «حَاسِبُوا أنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا» (١).\nفأرشد ﵊ إلى محاسبة المرء لنفسه فيما يتصرف فيه باعتقاده وجوارحه، ويعرض ذلك كله على السنة المطهرة، فما وافق من ذلك حمد الله ﷿ وأثنى عليه، وبقي خائفًا وجلًا خشية من دسائس وقعت له لم يشعر بها، وما لم يوافق احتسب المصيبة في ذلك، ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والإِقلاع، فلعل بركة التوبة تمحو الحوبة وينجبر بذلك ما وقع له من الخلل، وهذه الطائفة أصل عملها التحفظ من السيئات والهواجس والخواطر، ثم\n_________\n(١) هذا لا يثبت عن النبي - ﷺ - وإنما هو أثر مروي عن عمر ﵁، تفسير ابن كثير ٤/ ٤١٤. السلسلة الضعيفة رقم ١٢٠١.","vol":"1","page":106},{"text":"بعد ذلك يأخذ في كسب الحسنات. وقد قالوا: إن ترك السيئات أوجب من فعل الحسنات؛ لما في الحديث عنه ﵊: «اتَّقِ المَحَارِمَ تكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ» (١). وقد حُكِي عن بعضهم أنه بكى أربعين سنة، فسئل عن سبب بكائه، فقال: استضافني أخ لي فقدمت له سمكًا فأكل، ثم أخذت ترابًا من حائط جار لي فغسل به يديه، فأنا أبكي على ذلك التراب الذي أخذته منذ أربعين سنة. وحُكِي عن آخر مثله فسئل عن ذلك، فقال: طلع لي طلوع فرقيته فاسترحت منه، فأنا أبكي عليه لعدم رضائي بما فعله الله بي، أو كما قال، وأحوالهم في هذا المعنى قلّ أن تنحصر. فإذا كان هذا حالهم في مثل ما\n\nوصفناه عنهم فما بالك بمن يحمل الأثقال؟ وأي أثقال؟ ثم يحصر الحسنات ولا يفكر في ضدها فـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) ثم إن بعضهم\n_________\n(١) انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته، ١/ ٨٢ رقم ١٠٠.","vol":"1","page":107},{"text":"يحتج بأنها محركة ومذكرة، فوا سوأتاه إن لم يكن التحريك والتذكير من القلب فيما بين العبد وبين الرب ﷾، وقد تقدم ما ورد في الحديث: «إنَّ عَمَل السِّرِّ يَفْضلُ عَمَلَ الجَهْرِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا» (١) هذا، وهو عمل، فما بالك بإظهار شيء ليس بعمل، وإن كانت صورته صورة عمل؟ وما زال الناس يخفون أعمالهم مع وجود الإِخلاص العظيم منهم، وهو مع ذلك خائفون وجلون من دخول الدسائس عليهم، فأين الحال من الحال؟ فـ (إنا لله وإنا إليه راجعون).\nوبالجملة ففعل ذلك فيه من الشهرة ما فيه» انتهى.\nهذا في حكم اتخاذ السُّبْحَة لعِدِّ الأَذكار؛ ولذا فإنه تفريعًا على أنها وسيلة محدثة، وبدعة محرمة؛ ولما فيها من التشبه بالكفرة، والاختراع في التعبد؛ فإنه لا يجوز فيما كان سبيلها كذلك تصنيعها، ولا بيعها ولا وقفيتها، ولا إهداؤها وقبولها، ولا تأجير المحل لمن يبيعها؛ لما فيه من الإِعانة\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن جرير: ٥/ ٥٨٣ (شاكر).","vol":"1","page":108},{"text":"على الإِثم، والعدوان على المشروع، والله ﷾ يقول:؟ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ؟ [المائدة/٢].\n\nوأما استعمالها للتسلي واللعب بها، فخليق بالمسلم الابتعاد عن التشبه بالكفار، وعدم تكثير سواد المبتدعة.\nقال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في: «منهاج السنة النبوية: ٤/ ١٥٢ - ١٥٣» في معرض بيان مطول في النهي عن مشابهة الرافضة: «فالذي قاله الحنفية وغيرهم، أنه إذا كان عند قوم لا يصلون إِلاَّ عَلَى عَليِّ دون الصحابة، فإِذا صَلَّى عَلى عَلِيِّ ظُنَّ أنه منهم، فيكره لئلا يظن به أنه رافضي، فأما إذا علم أنه صَلَّى عَلَى عَلِيِّ، وعلى سائر الصحابة؛ لم يكره ذلك.\nوهذا القول يقوله سائر الأئمة، فإنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحبًا، ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات، إذا صارت شِعارًا لهم، فإنه لم يترك واجبًا بذلك، لكن قال: في إظهار ذلك مشابهة لهم، فلا يتميز السني من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم","vol":"1","page":109},{"text":"لأَجل هجرانهم ومخالفتهم، أعظم من مصلحة هذا المستحب.\nوهذا الذي ذهب إليه يُحتاج إليه في بعض المواضع، إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب، لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائمًا، بل هذا مثل لباس شعار الكفار، وإن كان مباحًا إذا لم يكن شعارًا لهم، كلبس العمامة الصفراء فإنه جائز إذا لم يكن شعارًا لليهود، فإذا صار شعارًا لهم نُهي عن ذلك» انتهى\nهذا ويكون التحريم للسُبحة أشدّ: إن كانت من ذهب، أو فضة، أو مطلية، أو مموهة بهما، أو بأحدهما، وإن كانت من مادة نجسة، كَعَظم ما لا يؤكل لحمه، فهذا وجه آخر للتحريم مع بطلان الصلاة بها، أي: إن كانت من مادة نجسة كعظم ما لا يؤكل لحمه كالبغال (١).\nهذا. . ومن ضعف الأدب، وقلة الإِحساس: أن تخاطب الشخص وهو يعبث بالسُبحة ويتسلَّى، وأنت مُجْهِدٌ نفسك\n_________\n(١) فتوى لجنة الأزهر في مجلة الأزهر لعام ١٩٤٩م العدد / ٢١ ص / ٦٢ - ٦٣.","vol":"1","page":110},{"text":"بإكرامه والحديث معه. وإذا كان: «السِّوَاك» يكره في مثل هذه الحال، وهو في أصله مطهرة للفم، مرضاة للرب سبحانه فيكف بالسُّبْحَة التي هي مَذَمَّةٌ في الإِسلام؟.\nهذه خلاصة ما ظهر لي تحقيقه بشأن السُّبْحَة، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":111}]}