{"ً":{"ٌ":9759,"ٍ":"نيل المرام من تفسير آيات الأحكام","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام\nالمؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (ت ١٣٠٧هـ)\nتحقيق: محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي\nدار النشر: دار الكتب العلمية\nتاريخ النشر: ٣٠/٠١/٢٠٠٣\nعدد الصفحات: ٤٧١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":330,"ٕ":4,"ٖ":1770154535,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"ترجمة المصنف","level":1,"page":1},{"title":"وفاته:","level":2,"page":5},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":8},{"title":"تفسير سورة البقرة وهي مائتان وست وثمانون آية","level":1,"page":8},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٩]","level":2,"page":8},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٨٣]","level":2,"page":9},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٠٢]","level":2,"page":11},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١١٥]","level":2,"page":13},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٥]","level":2,"page":15},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٤٤]","level":2,"page":19},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٥٨]","level":2,"page":21},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٣]","level":2,"page":23},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ١٧٨]","level":2,"page":25},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ إلى ١٨٥]","level":2,"page":30},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٧ إلى ١٩٩]","level":2,"page":33},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٠٣]","level":2,"page":58},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٥ إلى ٢١٧]","level":2,"page":59},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ إلى ٢٣٨]","level":2,"page":63},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤١]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٤]","level":2,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٧٥]","level":2,"page":108},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٩ إلى ٢٨٠]","level":2,"page":109},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٢ إلى ٢٨٣]","level":2,"page":110},{"title":"سورة آل عمران [مائتا آية]","level":1,"page":119},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٢٨]","level":2,"page":119},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ٩٧]","level":2,"page":120},{"title":"[سورة آل عمران (٣): آية ١٦١]","level":2,"page":121},{"title":"سورة النساء [مائة وست وسبعون آية]","level":1,"page":122},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٣]","level":2,"page":122},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥ إلى ٦]","level":2,"page":125},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨]","level":2,"page":128},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١]","level":2,"page":129},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٩ إلى ٢٠]","level":2,"page":140},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]","level":2,"page":143},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٥]","level":2,"page":157},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٢٩]","level":2,"page":162},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٦]","level":2,"page":164},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٤٣]","level":2,"page":170},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٨ إلى ٥٩]","level":2,"page":179},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٣]","level":2,"page":188},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ٨٦]","level":2,"page":189},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٩ إلى ٩٢]","level":2,"page":190},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٤ إلى ٩٥]","level":2,"page":197},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ إلى ٩٨]","level":2,"page":201},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠١ إلى ١٠٣]","level":2,"page":202},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١١٥]","level":2,"page":208},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٧ إلى ١٢٩]","level":2,"page":209},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٠ إلى ١٤١]","level":2,"page":213},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٤٨]","level":2,"page":216},{"title":"[سورة النساء (٤): آية ١٧٦]","level":2,"page":217},{"title":"سورة المائدة [مائة وعشرون آية]","level":1,"page":220},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١ إلى ٦]","level":2,"page":220},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣١]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٣ إلى ٣٤]","level":2,"page":254},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٣٨]","level":2,"page":261},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٢]","level":2,"page":262},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":263},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٤٨]","level":2,"page":266},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٨٧]","level":2,"page":267},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٩ إلى ٩٠]","level":2,"page":268},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٥ إلى ٩٦]","level":2,"page":273},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٨]","level":2,"page":277},{"title":"سورة الأنعام [مائة وخمس وستون آية]","level":1,"page":287},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٠٨]","level":2,"page":287},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٨ إلى ١١٩]","level":2,"page":288},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٢١]","level":2,"page":289},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤١]","level":2,"page":292},{"title":"[سورة الأنعام (٦): آية ١٤٥]","level":2,"page":293},{"title":"سورة الأعراف [وآياتها مائتان وخمس أو ست آيات]","level":1,"page":295},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣١]","level":2,"page":295},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٢]","level":2,"page":296},{"title":"[سورة الأعراف (٧): آية ٣٣]","level":2,"page":298},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٠٤ إلى ٢٠٥]","level":2,"page":298},{"title":"سورة الأنفال [وجملة آياتها خمس أو ست أو سبع وسبعون آية]","level":1,"page":301},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ١]","level":2,"page":301},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ١٦]","level":2,"page":303},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]","level":2,"page":305},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤١]","level":2,"page":306},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٤٦]","level":2,"page":310},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٥٨]","level":2,"page":311},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٠ إلى ٦١]","level":2,"page":311},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٦ إلى ٦٧]","level":2,"page":313},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٢]","level":2,"page":315},{"title":"[سورة الأنفال (٨): آية ٧٥]","level":2,"page":316},{"title":"سورة براءة [آيها مائة وثلاثون أو سبع وعشرون آية]","level":1,"page":317},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١ إلى ٧]","level":2,"page":317},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١]","level":2,"page":322},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٧ إلى ١٨]","level":2,"page":323},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":2,"page":324},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٤]","level":2,"page":328},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٣٦]","level":2,"page":329},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٤١]","level":2,"page":331},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٤ إلى ٤٥]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٦٠]","level":2,"page":332},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ٧٣]","level":2,"page":338},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٨٣ إلى ٨٤]","level":2,"page":339},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":2,"page":341},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١٠٣]","level":2,"page":343},{"title":"[سورة التوبة (٩): آية ١١٣]","level":2,"page":344},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٣]","level":2,"page":345},{"title":"سورة هود وآياتها مائة وثلاث وعشرون آية","level":1,"page":347},{"title":"[سورة هود (١١): آية ١١٣]","level":2,"page":347},{"title":"سورة النحل [وآياتها مائة وثمان وعشرون]","level":1,"page":352},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٦٧]","level":2,"page":352},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٤]","level":2,"page":354},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ٩٨]","level":2,"page":355},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١٠٦]","level":2,"page":356},{"title":"[سورة النحل (١٦): آية ١١٦]","level":2,"page":357},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٢٥ إلى ١٢٦]","level":2,"page":359},{"title":"سورة الإسراء مائة وإحدى عشرة آية","level":1,"page":362},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٢٩]","level":2,"page":362},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٣٣]","level":2,"page":363},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]","level":2,"page":364},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): آية ٧٨]","level":2,"page":368},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١١٠ إلى ١١١]","level":2,"page":370},{"title":"سورة طه آياتها مائة وخمس وثلاثون آية","level":1,"page":373},{"title":"[سورة طه (٢٠): آية ١٣١]","level":2,"page":373},{"title":"سورة الحج وآياتها ثمان وسبعون آية","level":1,"page":375},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٥]","level":2,"page":375},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ١٩]","level":2,"page":377},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٢٥]","level":2,"page":378},{"title":"[سورة الحج (٢٢): آية ٣٦]","level":2,"page":379},{"title":"سورة النور آياتها أربع وستون آية","level":1,"page":382},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢]","level":2,"page":382},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٤]","level":2,"page":384},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٦ إلى ٩]","level":2,"page":387},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٢٧]","level":2,"page":388},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٠ إلى ٣٣]","level":2,"page":389},{"title":"[سورة النور (٢٤): آية ٥٨]","level":2,"page":402},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]","level":2,"page":405},{"title":"سورة الفرقان وهي سبع وسبعون آية","level":1,"page":411},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٤٨]","level":2,"page":411},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٤]","level":2,"page":412},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٦٧]","level":2,"page":413},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): آية ٧٤]","level":2,"page":414},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":415},{"title":"[سورة القصص (٢٨): آية ٢٧]","level":2,"page":415},{"title":"سورة محمد ﵌ آياتها تسع وثلاثون، وقيل: ثمان وثلاثون آية","level":1,"page":416},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٤]","level":2,"page":416},{"title":"[سورة محمد (٤٧): آية ٣٥]","level":2,"page":418},{"title":"سورة الفتح تسع وعشرون آية","level":1,"page":420},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): آية ٢٥]","level":2,"page":420},{"title":"سورة الحجرات ثمان عشرة آية","level":1,"page":422},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٦]","level":2,"page":422},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): آية ٩]","level":2,"page":423},{"title":"سورة النجم إحدى وستون وقيل: اثنتان وستون آية","level":1,"page":424},{"title":"[سورة النجم (٥٣): آية ٣٩]","level":2,"page":424},{"title":"سورة الواقعة سبع أو ست وتسعون آية","level":1,"page":425},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): آية ٧٩]","level":2,"page":425},{"title":"سورة الحديد تسع وعشرون آية","level":1,"page":427},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): آية ٢٧]","level":2,"page":427},{"title":"سورة المجادلة اثنتان وعشرون آية","level":1,"page":429},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٣ إلى ٤]","level":2,"page":429},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":432},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٥ إلى ٧]","level":2,"page":432},{"title":"سورة الممتحنة ثلاث عشرة آية","level":1,"page":437},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ٨ إلى ١٢]","level":2,"page":437},{"title":"سورة الجمعة إحدى عشرة آية","level":1,"page":443},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): آية ٩]","level":2,"page":443},{"title":"سورة المنافقين إحدى عشرة آية","level":1,"page":445},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): آية ١]","level":2,"page":445},{"title":"سورة الطلاق إحدى واثنتا عشرة آية","level":1,"page":446},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ إلى ٤]","level":2,"page":446},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٦ إلى ٧]","level":2,"page":451},{"title":"سورة التحريم اثنتا عشرة آية","level":1,"page":454},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٢]","level":2,"page":454},{"title":"سورة نوح تسع وعشرون أو ثمان وعشرون آية","level":1,"page":457},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١٠ إلى ١٢]","level":2,"page":457},{"title":"سورة المزمل تسع عشرة أو عشرون آية","level":1,"page":458},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٢ إلى ٤]","level":2,"page":458},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): آية ٢٠]","level":2,"page":460},{"title":"سورة المدثر ست وخمسون آية","level":1,"page":462},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣ إلى ٥]","level":2,"page":462},{"title":"سورة أرأيت سبع آيات","level":1,"page":464},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): آية ٧]","level":2,"page":464},{"title":"سورة الكوثر هي ثلاث آيات","level":1,"page":466},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): آية ٢]","level":2,"page":466}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,82":79,"1,83":80,"1,84":81,"1,85":82,"1,86":83,"1,87":84,"1,88":85,"1,89":86,"1,90":87,"1,91":88,"1,92":89,"1,93":90,"1,94":91,"1,95":92,"1,96":93,"1,97":94,"1,98":95,"1,99":96,"1,100":97,"1,101":98,"1,102":99,"1,103":100,"1,104":101,"1,105":102,"1,106":103,"1,107":104,"1,108":105,"1,109":106,"1,110":107,"1,111":108,"1,112":109,"1,113":110,"1,114":111,"1,115":112,"1,116":113,"1,117":114,"1,118":115,"1,119":116,"1,120":117,"1,121":118,"1,122":119,"1,123":120,"1,124":121,"1,125":122,"1,126":123,"1,127":124,"1,128":125,"1,129":126,"1,130":127,"1,131":128,"1,132":129,"1,133":130,"1,134":131,"1,135":132,"1,136":133,"1,137":134,"1,138":135,"1,139":136,"1,140":137,"1,141":138,"1,142":139,"1,143":140,"1,144":141,"1,145":142,"1,146":143,"1,147":144,"1,148":145,"1,149":146,"1,150":147,"1,151":148,"1,152":149,"1,153":150,"1,154":151,"1,155":152,"1,156":153,"1,157":154,"1,158":155,"1,159":156,"1,160":157,"1,161":158,"1,162":159,"1,163":160,"1,164":161,"1,165":162,"1,166":163,"1,167":164,"1,168":165,"1,169":166,"1,170":167,"1,171":168,"1,172":169,"1,173":170,"1,174":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,348":345,"1,349":346,"1,350":347,"1,351":348,"1,352":349,"1,353":350,"1,354":351,"1,355":352,"1,356":353,"1,357":354,"1,358":355,"1,359":356,"1,360":357,"1,361":358,"1,362":359,"1,363":360,"1,364":361,"1,365":362,"1,366":363,"1,367":364,"1,368":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468},"ٜ":{"1":[3,471]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"8":[3,4,5],"9":[6],"11":[7],"13":[8],"15":[9],"19":[10],"21":[11],"23":[12],"25":[13],"30":[14],"33":[15],"58":[16],"59":[17],"63":[18],"107":[19,20],"108":[21],"109":[22],"110":[23],"119":[24,25],"120":[26],"121":[27],"122":[28,29],"125":[30],"128":[31],"129":[32],"140":[33],"143":[34],"157":[35],"162":[36],"164":[37],"170":[38],"179":[39],"188":[40],"189":[41],"190":[42],"197":[43],"201":[44],"202":[45],"208":[46],"209":[47],"213":[48],"216":[49],"217":[50],"220":[51,52],"254":[53,54],"261":[55],"262":[56],"263":[57],"266":[58],"267":[59],"268":[60],"273":[61],"277":[62],"287":[63,64],"288":[65],"289":[66],"292":[67],"293":[68],"295":[69,70],"296":[71],"298":[72,73],"301":[74,75],"303":[76],"305":[77],"306":[78],"310":[79],"311":[80,81],"313":[82],"315":[83],"316":[84],"317":[85,86],"322":[87],"323":[88],"324":[89],"328":[90],"329":[91],"331":[92],"332":[93,94],"338":[95],"339":[96],"341":[97],"343":[98],"344":[99],"345":[100],"347":[101,102],"352":[103,104],"354":[105],"355":[106],"356":[107],"357":[108],"359":[109],"362":[110,111],"363":[112],"364":[113],"368":[114],"370":[115],"373":[116,117],"375":[118,119],"377":[120],"378":[121],"379":[122],"382":[123,124],"384":[125],"387":[126],"388":[127],"389":[128],"402":[129],"405":[130],"411":[131,132],"412":[133],"413":[134],"414":[135],"415":[136,137],"416":[138,139],"418":[140],"420":[141,142],"422":[143,144],"423":[145],"424":[146,147],"425":[148,149],"427":[150,151],"429":[152,153],"432":[154,155],"437":[156,157],"443":[158,159],"445":[160,161],"446":[162,163],"451":[164],"454":[165,166],"457":[167,168],"458":[169,170],"460":[171],"462":[172,173],"464":[174,175],"466":[176,177]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>ترجمة المصنف</span>\nبسم الله الرّحمن الرّحيم هو أبو الطيب صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري كان الله له في الدنيا والآخرة وحباه فيهما بنعمه الذاخرة الوافرة الفاخرة، تولد في سنة ١٢٤٨ ثمان وأربعين ومائتين وألف القدسية على صاحبها الصلاة والتحية، ونشأ بموطنه بلدة قنوج وما إليها من الأقطار الهندية، فهو مولده ومسكنه ومرباه ومحتده وداره ومثواه، يرجع نسبه إلى حضرة سيد السادة وقدوة القادة زين العابدين علي بن حسين السبط بن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. تلمذ العلوم الدرسية على الوجه المرسوم على شيوخ هذا العهد، منهم الشيخ الفاضل المفتي محمد صدر الدين خان الدهلوي. من تلامذة الشيخ الكامل عبد العزيز، وأخيه الشيخ العامل رفيع الدين ابني الشيخ الأجل مسند الوقت أحمد شاه ولي الله المحدث الدهلوي رحمهم الله تعالى. واستفاد العلوم الملية من التفاسير والأحاديث وما يليهما من مشيخة اليمن الميمون والهند منهم الشيخ القاضي حسن بن محسن السبعي الأنصاري تلميذ الشيخ الماهر محمد بن ناصر الحازمي تلميذ القاضي الإمام العلامة المجتهد المطلق الرباني محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني والشيخ المعمر الصالح عبد الحق بن فضل الله الهندي، والشيخ التقي محمد يعقوب المهاجر إلى مكة المكرمة أخو الشيخ محمد إسحق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمهم الله تعالى. وكلهم أجازوا له مشافهة وكتابة إجازة مأثورة عامة تامة، وممن استجاز منه العالم الكامل والمحدث الفاضل الشيخ يحيى بن محمد بن أحمد بن حسن الحازمي قاضي عدن حالا أجاز له حسب اقتراحه في ذي الحجة سنة ١٢٩٥ الهجرية، والشيخ العلامة زينة أهل الاستقامة السيد نعمان خير الدين الوسي زاده مفتي بغداد حالا أجاز له في هذا العام الحاضر وهو سنة ١٢٩٦ الهجرية، ثم طالع بفرط شوقه وصحيح ذوقه كتبا كثيرة ودواوين شتى في العلوم المتعددة والفنون المتنوعة. ومر عليها","vol":"1","page":3},{"text":"مرورا بالغا على اختلاف أنحائها وأتى عليها بصميم همته وعظيم نهمته بأكمل ما يكون حتى حصل منها على فوائد كثيرة وعوائد أثيرة أغنته عن الاستفادة عن أبناء الزمان وأقنعته عن مذاكرة فضلاء البلدان، وجمع بعونه تعالى وحسن توفيقه ولطف تيسيره من نفائس العلوم والكتب ومواد التفسير والحديث وأسبابها ما يعسر عده ويطول حده.\nوأوعى من ضروب الفضائل العلمية والتحقيقات النفسية ما قصرت عنه أيدي أبناء الزمان، ويعجز دون بيانه ترجمان اليراع عن إبراز هذا الشأن، ولله الحمد على ما يكون وعلى ما كان. ثم ألقى عصا التسيار والترحال بمحروسة بهوبال، من بلاد مالوة الدكن فنزل بها نزول المطر على الدمن وأقام بها وتوطن وأخذ الدار والسكن، وتمول وتولد واستوزر وناب وألف وصنف وعاد إلى العمران من بعد خراب. وكان فضل الله عليه عظيما جزيلا والحمد لله الذي فضله على كثير ممن خلق تفضيلا، ثم اختص بعونه تعالى وصونه بتدوين علوم الكتاب العزيز وأحكام السنّة المطهرة البيضاء وتلخيصها وتخليص أحكامها من شوب الآراء ومفاسد الأهواء. وهذا إن شاء الله تعالى خاص به في هذا العهد الأخير. والله يختص برحمته من يشاء كيف وعلماء الأقطار الهندية وإن بالغ بعضهم في الإرشاد إلى اتباع السنّة وقرره في مؤلفاته وحرره في مصنفاته على وجه ثبت به على رقاب أهل الحق والمنّة، وشمر بعضهم عن ساق الجد والاجتهاد في الدعوة إلى اعتقاد التوحيد ورد الشرك والتقليد باللسان والبيان، بل بالسيف والسنان. لكن لم يدون أحد منهم أحكام الكتاب العزيز وعلوم السنّة المطهرة من العبادة والمعاملة وغيرها خالصة عن آراء الرجال نقية عن أقوال العلماء على هذه الحالة المشاهدة في كتبه المختصرة والمطولة كالروضة الندية ومسك الختام شرح بلوغ المرام، وعون الباري، وفتح البيان، ورسالة القضاء والإفتاء والإمامة والغزو والفتن والنار وغير ذلك مما طبع واشتهر وشاع وسارت به الركبان إلى أقطار العالم من العرب والعجم كالحجاز واليمن، وما إليها ومصر والعراق والقدس وطرابلس وتونس والجزائر ومدن الهند والسند وبلغار ومليبار وبلاد الفرس. وهذا من فضل الله تعالى على عباده المؤمنين وكتب إليه علماء الآفاق ومحرروها ومحدثو الديار ومفسروها كتبا كثيرة أثنوا فيها على تلك التواليف ودعوا له بإخلاص الفؤاد لحسن الدنيا والأخرى تقبل الله فيه هذه الدعوات وختم بالحسنى وأحسن إليه بتيسير المنجيات، وهذه الخطوط والرقائم قد ألحقت في خواتيم مؤلفاته فانظر إليها في تضاعيف محرراته يتضح لك القول الحق والكلام الصدق إن شاء","vol":"1","page":4},{"text":"الله تعالى. ثم خوله سبحانه من المال الكثير والحكم الكبير والآل السعداء والأخلاف الصلحاء والنسب الحميد والحسب المزيد ما يقصر عن كشفه لسان اليراع ولو كشف عنه الغطاء ما ازداد الواقف عليه إلا يقينا وإن يأباه بعض الطباع، وهو الذي يقول لا خلافه مقتديا بأسلافه بفم الحال ولسان المقال: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)، وهو قد طعن الآن في عشر الخمسين من العمر المستعار مع ما هو مبتلي به من سياسة الرياسة وقلة الشغل بالعلم والدراسة، وفقد الأحبة والأنصار الأعداء الجاهلين بالقضايا والأقدار والمرجو من حضرة رب العالمين أن يجعله من قال فيهم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين والحمد لله الذي جعله محسودا ولم يجعله حاسدا وخلقه صابرا شكورا ولم يخلقه فظا غليظ القلب «لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله» . وهذه أسماء كتبه المؤلفة على ترتيب حروف المعجم المطبوعة في مطابع بهوبال المحمية ومصر والقسطنطينية والشام وغيرها من البلاد العظام، ويزيد الله في الخلق ما يشاء وهو المتفضل ذو الأنعام. الألف: أبجد العلوم، إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدثين، الاحتواء على مسئلة الاستواء، الإدراك لتخريج أحاديث رد الإشراك، الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، أربعون حديثا في فضائل الحج والعمرة، إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ، إكسير في أصول التفسير، إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة، الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح. الباء الموحدة: بدور الأهلة من ربط المسائل بالأدلة، بغية الرائد في شرح العقائد، البلغة إلى أصول اللغة، بلوغ السول من أقضية الرسول. التاء الفوقانية: تميمة الصبي في ترجمة الأربعين من أحاديث النبي ﵌. الثاء المثلثة: ثمار التنكيت في شرح أبيات التثبيت. الجيم: الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة. الحاء المهملة: حجج الكرامة في\nآثار القيامة، الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون، حصول المأمول من علم الأصول، الحطة بذكر الصحاح الستة، حل الأسئلة المشكلة. الخاء المعجمة: خبية الأكوان في افتراق الأمم على المذاهب والأديان. الدال المهملة: دليل الطالب إلى أرجح المطالب. الذال المعجمة: ذخر المحتي من آداب المفتي. الراء المهملة: رحلة الصديق إلى البيت العتيق، الروضة الندية شرح الدرر البهية، رياض الجنة في تراجم أهل السنة. السين المهملة: السحاب المركوم الممطر بأنواع الفنون وأصناف العلوم- وهو القسم الثاني من هذا الكتاب، سلسلة العسجد في ذكر مشائخ السند. الشين المعجمة: شمع انجمن در","vol":"1","page":5},{"text":"ذكر شعراء زمن. الصاد المهملة: الصافية في شرح الشافية في علم الصرف. الضاد المعجمة: ضالة الناشد الغريب من بشرى الكئيب في شرح المنظوم المسمى بتأنيس الغريب. الظاء المعجمة: ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي. العين المهملة: العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، العلم الخفاق من علم الاشتقاق، عون الباري بحل أدلة البخاري في أربع مجلدات قيد الطبع بتحقيقنا. الغين المعجمة:\nغصن البان المورق بمحسنات البيان، غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري. الفاء:\nفتح البيان في مقاصد القرآن- أربع مجلدات، فتح المغيث بفقه الحديث، الفرع النامي من الأصل السامي. القاف: قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل، قضاء الأرب من مسئلة النسب، قطف الثمر من عقائد أهل الأثر. الكاف: كشف الالتباس عما وسوس به الخناس في رد الشيعة بالهندية. اللام: لف القماط على تصحيح بعض ما استعملته العامة من الأغلاط، لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان. الميم: مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام، مراتع الغزلان من تذكار أدباء الزمان، مسك الختام من شرح بلوغ المرام- مجلدان ضخمان، منهج الوصول إلى اصطلاح أحاديث الرسول، الموعظة الحسنة بما يخطب به في شهور السنة. النون: نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان، نيل المرام من تفسير آيات الأحكام- وهو كتابنا هذا. الواو:\nالوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم المنثور منها والمنظوم وهو القسم الأول من هذا الكتاب، الهاء: هداية السائل إلى أدلة المسائل. الياء: يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار، وهذا آخر ذكر الكتب المؤلفة إلى هذا التاريخ ثم اتفق أنه أتحف إلى حضرة السلطان المعظم عبد الحميد خان ملك الدولة العثمانية تفسيره فتح البيان في مقاصد القرآن وكتب إليه كتابا في ذلك فجاء إليه من بابه العالي المثال الغالي جوابا عليه مع نيشان الدرجة الثانية المسمى بمجيدية ويقال له أرنجي بالتركية. وورد مكتوب من السيد خير الدين باشا الصدر الأعظم مع كتاب أقوم المسالك في أحوال الممالك هدية منه إليه وهذه نسختهما.\nافتخار الأعالي والأعاظم مستجمع جميع المعالي والمفاخم صديق حسن خان دام علوه زوج سيدة المخدرات إكليلة المحصنات شاهجان بيكم دامت عصمتها التي هي من نوابة هند رئيسة خطة بهوبال اتصفت ذاته العالية الصفات بالأوصاف التي تمدح وتقبل لنا في حق كرامته اعتبار وتوجه سلطاني وقد سلمنا جنابه للدلالة على ذلك من جانبنا السني","vol":"1","page":6},{"text":"الجوانب السلطاني قطعة نشان ذي الشان من الرتبة الثانية وأصدرنا إليه هذه البراءة العالية الشأن حرر في اليوم العشرين من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين وألف انتهى. وقد هنأه على ذلك جمع جم من أهل العلم وأرخ له المؤرخون من شعراء الرياسة منها قصيدة الشيخ الأديب والسفير اللبيب محمد حسن بن محمد إسمعيل الدهاوي المتخلص بالفقير أولها:\nتجلى لنا نور الهنا ووفى البشر ... ومن زهر أفنان الورى عبق النشر\nوعندل طير الأنس في روضة المنى ... على فنن الأفراح وانشرح الصدر\nوهذه القصيدة بتمامها مع الكتابة التي كانت على اسم حضرة السلطان محررة في تاريخ بلدة بهوبال المحمية صانها الله وإيانا عن كل رزية وبلية بجاه نبيه المصطفى خير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه كل بكرة وعشية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>وفاته:</span>\nتوفي سنة ألف وثلاثمائة وسبعة هجرية ١٣٠٧ هـ، وعاش تسعا وخمسين سنة قمرية، وسبعا وخمسين سنة شمسية «١» .\n_________\n(١) انظر ترجمته في: أبجد العلوم [٣/ ٢٧١- ٢٨٠]- الأعلام للزركلي [٦/ ١٦٧]- معجم المؤلفين [٣/ ٣٥٨] .","vol":"1","page":7},{"text":"مقدمة المؤلف\nقال العبد الضعيف الخامل المتواري صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري ختم الله له بالحسنى:\nالحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطاهرين وصحبه الراشدين.\nوبعد:\nفهذه الآيات التي يحتاج إلى معرفتها راغب في معرفة الأحكام الشرعية القرآنية، وقد قيل: إنها خمسمائة آية، وما صح ذلك، وإنما هي مائتا آية أو قريب من ذلك.\nوإن عدلنا عنه وجعلنا الآية كل جملة مفيدة يصح أن تسمى كلاما في عرف النحاة، كانت أكثر من خمسمائة آية. وهذا القرآن من شكّ فيه فليعد.\nولا أعلم أن أحدا من العلماء أوجب حفظها غيبا، بل شرط أن يعرف مواضعها حتى يتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها، فمن نقلها إلى كراسة وأفردها كفاه ذلك.\nولم أستقص فيه نوعين من آيات الأحكام:\nأحدهما: ما مدلوله بالضرورة كقوله ﷾: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [سورة البقرة: آية ٤٣] للأمان من جهله، إلا أن تشتمل الآية من ذلك على ما لا يعلم بالضرورة بل بالاستدلال، فأذكرها لأجل القسم الاستدلالي منهما كآية الوضوء والتيمم.\nوثانيهما: ما اختلف المجتهدون في صحة الاحتجاج فيه على أمر معين وليس بقاطع الدلالة ولا واضحها، فإنّه لا يجب على من لا يعتقد فيه دلالة أن يعرفه إذ لا ثمرة لإيجاب معرفة الاستدلال به، وذلك كالاستدلال على تحريم لحوم الخيل بقوله تعالى:\nلِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [سورة النحل: آية ٨] وهذا لا تجب معرفته إلا على من يحتج به","vol":"1","page":9},{"text":"من المجتهدين إذ لا سبيل إلى حصر كل ما يظنّ أو يجوز فيه استنباط الأحكام من خفيّ معانيه، ولا طريق إلى ذلك إلا عدم الوجدان وهي من أضعف الطرق عند علماء البرهان.\nوليس القصد إلا ذكر ما يدل على الأحكام دلالة واضحة، لتكون عناية طالب الأحكام به أكثر وإلا فليس يحسن من طالب العلم أن يهمل النظر في جميع كتاب الله تعالى مقدما للعناية فيه، شاملا للطائف معانيه، مستنبطا للأحكام والآداب من ظواهره وخوافيه، فإنه الأمان من الضلال، والعمود الأعظم في جميع الأحوال، والأنيس في الوحدة، والغوث في الشدّة، والنور في الظّلمة، والفرج للغمة، والشفاء للصدور، والفيصل عند اشتباه الأمور. فلا ينبغي أن يغفل عنه لحظة، ولا أن يزهد منه في لفظة.\nوقد أفرد السيد الإمام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير- رحمه الله تعالى- فضائل القرآن والتنبيه على الاعتماد عليه في مصنف مفرد.\nوها أنا أفسر تلك الآيات المشار إليها بتفسير وجيز جامع لما له وعليه، ولم آخذ فيها من الأقوال المختلفة إلا الأرجح، ومن الدلائل المتنوعة إلا الأصح الأصرح.\nولعمري لا يوجد قط تفسير موجز بهذا النمط.\nوكانت بدايته في أول شهر صفر ونهايته فيه من حدود سنة سبع وثمانين ومائتين وألف الهجرية على صاحبها الصلاة والتحية. وسميته «نيل المرام من تفسير آيات الأحكام» .\nوألفت بعد ذلك تفسيرا لمقاصد القرآن المسمى ب «فتح البيان» جامعا للرواية والدراية والاستنباط والأحكام. فإن كنت ممن يريد الصعود على معارج التحقيق، والقعود في محراب التدقيق، فعليك بذلك التفسير ولعلك لا تجد مثله في إخوانه إن شاء الله القدير.\nوالله سبحانه أسأل أن يجعل هذا المختصر خالصا لوجهه الكريم وينفع المسلمين بلطفه العميم.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تفسير سورة البقرة وهي مائتان وست وثمانون آية</span>\nقال القرطبي: «مدنية نزلت في مدد شتى، وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة.\nإلّا قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فإنها آخر آية نزلت من السماء ونزلت يوم النّحر في حجة الوداع بمنى، وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن»، انتهى «١» .\nوقد وردت في فضلها أحاديث «٢» .\n[الآية الأولى]\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) .\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ قال ابن كيسان: أي من أجلكم «٣» .\nوفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي تأكيد ما في الأرض بقوله: جَمِيعًا أقوى دلالة على هذا.\nوقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض.\n_________\n(١) تفسير القرطبي [١/ ١٥٢] .\n(٢) رواه البخاري في الصحيح ح [٥٠٠٩]، رواه أحمد [٤/ ٢٧٤] والترمذي ح [٢٨٨٢] وابن حبان ح [٧٨٣] وصححه الحاكم [١/ ٥٦٢، ٢/ ٢٦٠] .\n(٣) انظر التفسير للقرطبي [١/ ٢٥١] والشوكاني في «فتح القدير» [١/ ٦٠] .","vol":"1","page":11},{"text":"وقال الرازي في «تفسيره»: إن لقائل أن يقول: إن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جامعا للوصفين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه؟ انتهى.\nوقد ذكر صاحب «الكشاف» «١» ما هو أوضح من هذا فقال: إن قلت: هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء- كما تذكر السماء ويراد الجهات العلوية- جاز ذلك فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية. انتهى.\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «٢» . وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه «٣»، وهو أيضا ضار فليس مما ينتفع به أكلا ولكنه ينتفع به في منافع أخرى وليس المراد منفعة خاصة كمنفعة الأكل بل كلما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه.\nوقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى هذا سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ: جميعا كرامة من الله ونعمة لابن آدم وبلغة ومنفعة إلى أجل «٤» .\n[الآية الثانية]\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) .\nوَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا أي قولوا لهم قولا حسنا، فهو صفة مصدر محذوف وهو مصدر كبشرى.\n_________\n(١) انظر الكشاف [١/ ٦٠] وفتح القدير [١/ ٦٠] .\n(٢) انظر فتح القدير [١/ ٦٠] .\n(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١] وأخرجه ابن عدي في الكامل [٥/ ١٩٢- ١٩٣] انظر الكامل [٤/ ٢٥٠] ولسان الميزان [٣/ ٣٥٦] والفوائد المجموعة [ص ١٣٠] واللآلئ [٢/ ٢٤٧] .\n(٤) انظر فتح القدير [١/ ٦١] .","vol":"1","page":12},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي حسنا بفتح الحاء والسين وكذلك قرأ زيد بن ثابت وابن مسعود «١» .\nوقال الأخفش: هما بمعنى واحد مثل البخل والبخل والرّشد والرّشد.\nوالظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين بل كلما صدق عليه أنه حسن شرعا كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر.\nوقد قيل إن ذلك هو كلمة التوحيد وقيل: الصدق، وقيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقيل: هو اللين في القول والعشرة وحسن الخلق، وقيل غير ذلك «٢» .\nأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله هذا: قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «٣» .\nوروى البيهقي في «الشعب» عن عليّ ﵇ في قوله وَقُولُوا لِلنَّاسِ، قال:\nيعني الناس كلهم.\nومثله روى عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء «٤» .\n_________\n(١) أخرجه أبو عبيد وابن المنذر كما عند السيوطي في «الدر المنثور» [١/ ٢١٠] أخرجه سعيد بن منصور في السنن [٢/ ٥٦٧- ط آل حميد] ح [١٩٥] وانظر الشوكاني في فتح القدير [١/ ١٠٨] [ص ١٠٣] .\n(٢) انظر «تفسير الطبري» [١/ ٤٣٦- ٤٣٧] وفتح القدير [١/ ١٠٨] والدر المنثور للسيوطي [١/ ٢١٠] ومعالم التنزيل [١/ ٩٠] للبغوي.\n(٣) رواه الطبري [١/ ٤٣٦] ح [١٤٥٧] وروى ابن جرير الطبري [١/ ٤٣٦] ح [١٤٥٤] انظر التفسير لابن أبي حاتم [١/ ٢٥٧] ح [٨٤٦] والدر المنثور للسيوطي [١/ ٢١٠] .\n(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره [١/ ٤٣٧] ح [١٤٥٩ و١٤٦٠] وسعيد بن منصور في سننه [٢/ ٥٦٦- ط آل حميد] ح [١٩٤] .]","vol":"1","page":13},{"text":"[الآية الثالثة]\nوَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) .\nالسّحر: هو ما يفعله السّاحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السّراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير «١» .\nوقد اختلف: هل له حقيقة أم لا؟ فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له ولا حقيقة وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة «٢» .\nوقد صح أن النبي ﵌ سحر: سحره لبيد بن الأعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه!! ثم شفاه الله سبحانه «٣» والكلام في ذلك يطول.\nقال الزجاج في قوله وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ: تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه.\nقال: وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلمان على النهي فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا ومِنْ في قوله مِنْ أَحَدٍ زائدة للتوكيد.\nوقد قيل: إن قوله يُعَلِّمانِ من الإعلام لا من التعليم. وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم، كما حكاه ابن الأنباري وابن الأعرابي وهو كثير في أشعارهم كقول كعب بن مالك:\nتعلم رسول الله أنك مدركي ... وأن وعيدا منك كالأخذ باليد\nوقال القطامي:\nتعلم أن بعد الغيّ رشدا ... وأن لذلك الغي انقشاعا\n_________\n(١) انظر فتح القدير [١/ ١١٩] .\n(٢) انظر فتح الباري [١٠/ ٢٢٢] وشرح النووي [١٣/ ١٧٤- ١٧٥] . [.....]\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [١٠/ ٢٢١] ح [٥٧٦٣] ومسلم في الصحيح [٤/ ١٧١٩] ح [٢١٨٩] .","vol":"1","page":14},{"text":"وفي قوله: فَلا تَكْفُرْ أبلغ إنذارا وأعظم تحذيرا: أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافرا فلا تكفر. وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر وظاهره عدم الفرق بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من تعلّمه ليكون ساحرا ومن تعلّمه ليقدر على دفعه.\nوفي إسناد التفريق إلى السّحرة وجعل السّحر سببا لذلك، دليل على أن للسحر تأثيرا في التلوث بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد.\nوقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله من التفرقة لأن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للسّحر وبين ما هي الغاية في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره.\nوقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج مخرج الأغلب وأن السّاحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه أيضا.\nوقيل: ليس للسّحر تأثير في نفسه أصلا، لقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.\nوالحق أنه لا تنافي بين قوله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وبين قوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيرا في نفسه ولكنه لا يؤثر ضررا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه.\nوقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرا في نفسه وحقيقة ثابتة ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة «١» كما تقدم.\nوفي قوله: وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض وخسران بحت» «٢» .\nقال أبو السعود: فيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير: كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية. انتهى.\nوالمراد بالشراء هنا الاستبدال، أي من استبدل ما تتلو الشياطين على كتاب الله.\n_________\n(١) قال ابن هبيرة: وأجمعوا على أن السحر له حقيقة، إلا أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده.\nانظر، الإفصاح لابن هبيرة [٢/ ١٨٥] .\n(٢) انظر فتح القدير [١/ ١٢٠- ١٢١] .","vol":"1","page":15},{"text":"والخلاق: النصيب عند أهل اللغة.\n[الآية الرابعة]\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) .\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ المشرق: موضع الشروق، والمغرب:\nموضع الغروب. أي هما ملك لله وما بينهما من الجهات والمخلوقات، فيشتمل الأرض كلها.\nوقوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا أي أيّ جهة تستقبلونها فهناك وجه الله أي المكان الذي يرتضي لكم استقباله. وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.\nقال في «الكشاف»: والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا، فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان لا تختص أماكنها في مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان «١» . انتهى.\nقال الشوكاني في «فتح القدير»: وهذا التخصيص لا وجه له فإن اللفظ أوسع منه وإن كان المقصود به بيان السبب فلا بأس «٢» . انتهى.\nوأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا- والله أعلم- شأن القبلة. قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ الآية فاستقبل رسول الله ﵌ فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى البيت ونسخها فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٣» .\n_________\n(١) انظر الكشاف [١/ ٩٠] وفتح القدير [١/ ١٣١] .\n(٢) انظر فتح القدير [١/ ١٣١] .\n(٣) [صحيح] أخرجه الطبري في التفسير [١/ ٥٤٩] ح [١٨٣٥] وأبو عبيد القاسم بن سلام في «الناسخ والمنسوخ» ح [٢١] والبيهقي في السنن [٢/ ١٢] وابن أبي حاتم في التفسير وابن المنذر كما في الدر المنثور [١/ ٢٦٥] والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٦٧، ٢٦٨] /] .","vol":"1","page":16},{"text":"وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه.\nوأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر قال: كان النبي ﵌ يصلي على راحلته تطوعا أينما توجهت «١» . ثم قرأ ابن عمر هذه الآية فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ: وقال: في هذا أنزلت هذه الآية. وأخرج نحوه عنه ابن جرير «٢» والدارقطني «٣» والحاكم وصححه.\nوقد ثبت في «صحيح البخاري» من حديث جابر وغيره عن رسول الله ﵌ أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى «٤» . وروى نحوه من حديث أنس مرفوعا، أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود «٥» .\nوأخرج عبد بن حميد والترمذي- وضعفه- وابن ماجة وابن جرير وغيرهم عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله ﵌ في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا فيصلي فيه فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة! فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة؟ فأنزل الله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ الآية، فقال: مضت صلاتكم «٦» .\nوأخرج الدارقطني وابن مردويه والبيهقي عن جابر مرفوعا نحوه إلا أنه ذكر أنهم خطوا خطوطا، وأخرج نحوه ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعا، وأخرج\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصحيح ح [٧٠٠] والبخاري في الصحيح [٢/ ٥٧٤] ح [١٠٩٦] وابن أبي شيبة [٢/ ٢٣٦] ومالك في الموطأ [١/ ١٥١] وأحمد في المسند [٢/ ٦٦] والطبري في التفسير ح [١٨٤١] والنسائي في السنن [١/ ٢٤٤] و[٢/ ٦١] والبيهقي في السنن [٢/ ٤] /] .\n(٢) انظر تفسير الطبري ح [١٨٤١] و[١٨٤٢] /] .\n(٣) سنن الدارقطني [١/ ٣٩٦] /] .\n(٤) أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ٥٠٣] ح [٤٠٠]، [١٠٩٤]، [١٠٩٩]، [٤١٤٠] وعبد الرزاق في المصنف ح [٤٥١٠] و[٤٥١٦] والدارمي في السنن [١/ ٣٥٦] وابن حبان في الصحيح [٦/ ٢٦٥- مع الإحسان] ح [٢٥٢١] والبيهقي في السنن [٢/ ٦] وابن أبي شيبة في المصنف [١/ ٢٣٦] ح [٨٥١٢] /] .\n(٥) [حسن] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٢/ ٢٣٦] وأبو داود في السنن [٢/ ٩] ح [١٢٢٥] /] .\n(٦) [حسن] أخرجه الترمذي في السنن [٢/ ١٧٦] ح [٣٤٥] ورواه الدارقطني في السنن [١/ ٢٧٢] ورواه ابن جرير الطبري في التفسير [١/ ٥٥٠] ح [١٨٤٣] ورواه الطيالسي في مسنده ح [١١٤٥] وابن ماجه [١/ ١٦٥] والبيهقي في السنن [٢/ ١١] ورواه الحاكم في المستدرك [١/ ٢٠٦] والدارقطني [١/ ٢٧١] والبيهقي في السنن [٢/ ١٠، ١١- ١٢] .","vol":"1","page":17},{"text":"نحوه أيضا سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء يرفعه وهو مرسل.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا.\nوأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والترمذي- وصححه- وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» «١» وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مثله، وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر نحوه.\n[الآية الخامسة]\nوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) .\nلا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) . اختلف في المراد بالعهد فقيل: الإمامة وقيل:\nالنبوة، وقيل: عهد الله: أمره. وقيل: الأمان من عذاب الآخرة! ورجحه الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق.\nوقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد، لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالما.\nويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما تفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتبارا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل ما تعلق بالأمور الدينية.\nوقد اختار ابن جرير «٢» أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهدي بالإمامة ظالما، ففيه تعظيم من الله لإبراهيم الخليل: أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه. انتهى.\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٢/ ١٤١] ح [٧٤٤٠] والترمذي في السنن [٢/ ١٧٣] ح [٣٤٤] ومن طريق البغوي في «شرح السنة» [٢/ ٣٢٧] ح [٤٤٦] ورواه ابن ماجة في السنن [١/ ٣٢٣] ح [١٠١١] ورواه الحاكم في المستدرك [١/ ٢٠٥، ٢٠٦] انظر الميزان [٣/ ٦٢١] ح [٧٨٣٩] ورواه البيهقي في السنن [٢/ ٩] ورواه الدارقطني في السنن [١/ ٢٧٠- ٢٧١] انظر المصنف لابن أبي شيبة [٢/ ١٤٠- ١٤١] ومالك في الموطأ [١/ ١٩٦] /] .\n(٢) تفسير الطبري [١/ ٥٧٨] . [.....]","vol":"1","page":18},{"text":"قال الشوكاني في «فتح القدير» «١»: ولا يخفى عليك أنه لا جدوى لكلامه هذا فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولّوا أمور الشرع ظالما.\nوإنما قلنا إنه في معنى الأمر لأن إخباره تعالى لا يجوز أن يتخلف، وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثيرا من الظالمين. انتهى.\nوأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله تعالى: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا يقتدى بدينك وهديك وسنتك. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي إماما لغير ذريتي؟ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) . أن يقتدى بدينهم وهديهم وسنتهم.\nوأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عنه قال: قال الله لإبراهيم: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا فأبى أن يفعل ثم قال: قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ١٢٤.\nوأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالما. فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وغازوهم وناكحوهم فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه «٢» .\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال: لا أجعل إماما ظالما يقتدى به «٣» .\nوأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: يخبره أنه إن كان في ذريته ظالم فلا ينال عهده، ولا ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال: ليس لظالم عليك عهد في معصية الله «٤» .\nوقد أخرج وكيع وابن مردويه من حديث علي ﵇ عن النبي ﵌ في قوله:\nلا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤): قال: «لا طاعة إلا في المعروف» «٥» .\nوأخرج عبد بن حميد من حديث عمران بن حصين: سمعت النبي ﵌ يقول: «لا\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ١٣٨] .\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [١/ ٥٧٩] ح [١٩٥٩] .\n(٣) أخرجه ابن جرير في التفسير [١/ ٥٧٨- ٥٧٩] ح [١٩٥٤] .\n(٤) انظر تفسير الطبري [١/ ٥٧٩] .\n(٥) أصله عند البخاري في الصحيح [٨/ ٥٨] ح [٤٣٤٠] ومسلم [٣/ ١٤٦٨] ح [١٨٤٠] .","vol":"1","page":19},{"text":"طاعة لمخلوق في معصية الله» «١» .\nوأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: ليس للظالم عهد، وإن عاهدته فانقضه «٢» .\nقال ابن كثير: وروى عن مجاهد وعطاء ومقاتل بن حيان نحوه «٣» .\n[الآية السادسة] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) .\nوَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ماض، وقرأ الباقون على صيغة الأمر.\nوالمقام في اللغة: موضع القيام.\nواختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف.\nوقيل المقام: الحج كله. وروي ذلك عن عطاء ومجاهد.\nوقيل: عرفة والمزدلفة، وروي عن عطاء أيضا.\nوقال الشعبي: الحرم كله مقام إبراهيم. وروي عن مجاهد.\nوأخرج البخاري وغيره من حديث أنس عن عمر بن الخطاب: «وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث. قلنا: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟\nفنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وقلت: يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﵌\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٥/ ٦٦] والطيالسي في المسند ح [٨٥٦] والحاكم في المستدرك [٣/ ٤٤٣] .\nانظر شرح السنة للبغوي [١٠/ ٤٤] وصحيح ابن حبان [١٠/ ٤٣٠ و٤٣١] .\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [١/ ٥٧٩] ح [١٩٥٧] .\n(٣) تفسير ابن كثير [١/ ١٥٩] .","vol":"1","page":20},{"text":"نساؤه في الغيرة فقلت لهن: «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت كذلك» «١» وأخرجه مسلم وغيره مختصرا من حديث ابن عمر عنه.\nوأخرج مسلم وغيره من حديث جابر: أن النبي ﵌ رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم وصلى خلفه ركعتين ثم قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «٢» .\nواختلفوا في قوله مصلى: فمن فسّر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال: مصلى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسّر المقام بالحجر قال: معناه اتخذوا من مقام إبراهيم قبلة لصلاتكم، فأمروا بالصلاة عنده. وهذا هو الصحيح.\nثم العندية تصدق بجهاته الأربع والتخصيص بكون المصلي خلفه إنما استفيد من فعل النبي ﵌ والصحابة من بعده ﵃.\nوفي مقام إبراهيم أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها.\nوالأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، كما في البخاري من حديث ابن عباس «٣» . وهو الذي كان ملصقا بجدار الكعبة وأول من نقله عمر بن الخطاب، كما أخرجه عبد الرزاق «٤» والبيهقي بإسناد صحيح، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة.\nوأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي ﵌ قال: «لما طاف النبي ﵌ قال له عمر هذا مقام إبراهيم؟ قال نعم» وأخرج نحوه ابن مردويه.\nأَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) المراد بالتطهير قيل: من\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ١٦٨] ح [٤٤٨٣] وأحمد في المسند [١/ ٢٤، ٣٦- ٣٧] وفي فضائل الصحابة ح [٤٣٤] و[٤٣٧] .\nوأخرجه الدارمي في السنن [٢/ ٤٤] والبخاري في الصحيح ح [٤٧٩٠] والترمذي في الجامع [٥/ ١٩٠] ح [٢٩٥٩] و[٢٩٦٠] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح [٢/ ٩٢١] ح [١٢٦٣] ومالك في الموطأ [١/ ٣٦٤] والترمذي في الجامع [٣/ ٢١٢] ح [٨٥٧] والدارمي في السنن [٢/ ٤٢] والنسائي في السنن [٥/ ٢٣٠] .\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٦/ ٣٩٦- ٣٩٨] ح [٣٣٦٤] .\n(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف [٥/ ٤٨] ح [٨٩٥٥] .","vol":"1","page":21},{"text":"الأوثان، وقيل: من الآفات والريب، وقيل: من الكفر وقول الزور والرجس، وقيل: من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث.\nوالظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله تناولا شموليا.\nوالإضافة في قوله: بَيْتِيَ للتشريف والتكريم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأهل المدينة وهشام وحفص: بيتي بفتح الياء، وقرأ الآخرون بإسكانها.\nوالمراد بالبيت: الكعبة.\nوالطائف: الذي يطوف به ويدور حوله. وقيل: الغريب الطارئ على مكة.\nوالعاكف: المقيم. وأصل العكوف في اللغة: اللزوم والإقبال على الشيء، وقيل: هو المجاور دون المقيم من أهلها.\nوالمراد بقوله وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥): المصلون، وخص هاتين الركعتين بالذكر لأنهما أشرف أركان الصلاة.\nأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إذا كان قائما فهو من الطائفتين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود.\nوأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد؟ فقال: هم العاكفون.\n[الآية السابعة]\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) .\nفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ المراد بالشطر: الناحية والجهة، وهو منتصب على الظرفية. ومنه قول الشاعر:\nأقول لأمّ زنباع أقيمي ... صدور العيس شطر بني تميم","vol":"1","page":22},{"text":"وقد يراد بالشطر النصف، ومنه: «الوضوء شطر الإيمان» «١» ويرد بمعنى البعض مطلقا. ولا خلاف في أن المراد بشطر المسجد بناء الكعبة.\nوقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين، وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية. ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به «٢» .\nوأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال: شطر المسجد الحرام: تلقاؤه «٣» .\nوأخرج عبد بن حميد وأبي داود في «ناسخه» وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء في قوله تعالى هذا، قال: قبله «٤» .\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه- والبيهقي في سننه عن علي مثله «٥» .\nوأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: شطره:\nنحوه «٦» .\nوأخرج ابن جرير عنه قال: البيت كله قبلة، وقبلة البيت الباب «٧» .\nوأخرج البيهقي في «سننه» عنه مرفوعا قال: «البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي» «٨» .\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف كما في الجامع الصغير وقد ذكره شيخنا في «صحيح الجامع» تحت ح [٧١٥٢] .\n(٢) انظر تفسير القرطبي [٢/ ١٦٠] . [.....]\n(٣) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٣] ح [٢٢٤٢] .\n(٤) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٤] ح [٢٢٥٠] .\n(٥) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٥] ح [٢٢٥٦] والبيهقي في السنن الكبرى [٢/ ٣] .\n(٦) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٤] ح [٢٢٤٣] والبيهقي في السنن [٢/ ٣] .\n(٧) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٥] ح [٢٢٥٥] .\n(٨) [ضعيف] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٢/ ١٠] انظر الميزان [٣/ ١٩٠] .","vol":"1","page":23},{"text":"[الآية الثامنة]\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) .\nأصل الصفا: الحجر الأملس، وهو هنا علم لجبل من جبال مكة معروف.\nوكذلك المروة: علم لجبل بمكة معروف، وأصلها في اللغة واحدة المروي وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقيل: التي فيه صلابة، وقيل: تعم الجميع، وقيل: إنها الحجارة البيض البراقة، وقيل: إنها الحجارة السود.\nوالشعائر: جمع شعيرة وهي العلامة من أعلام مناسكه. والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها الله إعلاما للناس: من الموقف والمسعى والمنحر. ومنه إشعار الهدي أي إعلامه بغرز حديدة في سنامه.\nوحج البيت في اللغة: قصده، وفي الشرع، الإتيان بمناسك الحج التي شرعها الله سبحانه.\nوالعمرة في اللغة: الزيادة، وفي الشرع: الإتيان بالنسك المعروف على الصفة الثابتة.\nوالجناح: أصله من الجنوح: وهو الميل، ومنه الجوانح لاعوجاجها.\nورفع الجناح يدل على الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري، وحكى الزمخشري في «الكشاف» عن أبي حنيفة أنه يقول: إنه واجب وليس بركن، وعلى تاركه دم.\nوقد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين.\nومما يقوي دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله تعالى في آخر الآية: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا إلخ.\nوذهب الجمهور إلى أن السعي واجب ونسك من جملة المناسك وهو قول عبد الله بن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب الشافعي ومالك واختاره الشوكاني «١» وهو الراجح.\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ١٦٠] .","vol":"1","page":24},{"text":"واستدلوا بما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها: أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما\nفما أرى على أحد جناحا أن لا يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي! إنها لو كانت على ما أولتها لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ولكنها إنما أنزلت في الأنصار قبل أن يسلموا: كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله، إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما الآية. قالت عائشة: ثم قد بين رسول الله ﵌ الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما «١» .\nوأخرج مسلم وغيره عنها أنها قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته لأن الله تعالى قال: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «٢» .\nوأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﵌ فقال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» «٣» .\nوأخرج أحمد في «مسنده» والشافعي وابن سعد وابن المنذر وابن قانع والبيهقي عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله ﵌ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول:\n«اسعوا فإن الله ﷿ كتب عليكم السعي» «٤» .\nوهو في «مسند أحمد» من طريق شيخه عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي رباح\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٤٩٧] ح [١٦٤٣] ومسلم في الصحيح [٢/ ٩٢٨] ح [١٢٧٧] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٢٧٧] .\n(٣) [ضعيف] أخرجه الطبراني في الكبير [١١/ ١٨٤] ح [١١٤٣٧] وفي الأوسط كما في المجمع [٣/ ٢٣٩] انظر الميزان [٤/ ١٦٨] .\n(٤) [حسن] أخرجه الشافعي في الأم [٢/ ٢٣١] ومن طريق الدارقطني في السنن [٢/ ٢٥٦] والبغوي في شرح السنة [٧/ ١٤٠] ح [١٩٢١] والبيهقي في السنن الكبرى [٥/ ٩٨] وأبو نعيم في الحلية [٩/ ١٥٩] وأخرجه أحمد في المسند [٦/ ٤٢١] والطبراني في الكبير كما في المجمع [٣/ ٢٤٧] وابن سعد في الطبقات [٨/ ١٨٠] والحاكم [٤/ ٧٠] .\nانظر الفتح [٣/ ٤٩٨] والارواء ح [١١٧٢] .","vol":"1","page":25},{"text":"عن صفية بنت شيبة عنها.\nورواه من طريق أخرى عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن واصل مولى ابن عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها- فذكرته- ويؤيد ذلك حديث:\n«خذوا عني مناسككم» «١» .\n[الآية التاسعة؟]\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) .\nقرأ أبو جعفر حرم على البناء للمفعول وإِنَّما كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه وقد حصرت هنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها.\nوالميتة: ما فارقتها الروح من غير ذكاة. وقد خصص هذا العموم بمثل حديث:\n«أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد» «٢» . أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر.\nومثل حديث جابر في العنبر «٣» الثابت في الصحيحين مع قوله: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة: ٩٦] .\nفالمراد بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البحر.\nوقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر: حيها وميتها، وقال بعض [أهل العلم] «٤»: إنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في البر.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصحيح [٢/ ٩٤٣] ح [١٢٩٧] وأبو داود في السنن [٢/ ٢٠٧] ح [١٩٧٠] والنسائي في السنن ح [٢/ ٥٠] والترمذي في الجامع [١/ ١٦٨] .\n(٢) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٢/ ٩٧] والشافعي في الأم [٢/ ٢٥٦] ومن طريقة البغوي في شرح السنة [١١/ ٢٤٤] ح [٢٨٠٣] وابن ماجه في السنن [٣٣١٤] انظر الكامل لابن عدي [١/ ٣٩٧] ورواه البيهقي [١/ ٢٥٤] .\n(٣) أخرجه البخاري [٩/ ٦١٥] ح [٥٤٩٣، ٥٤٩٤] ومسلم في الصحيح [٣/ ١٥٣٥] ح [١٩٣٥] . [.....]\n(٤) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ١٦٩] .","vol":"1","page":26},{"text":"وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء.\nقال ابن القاسم وأنا أتقيه ولا أراه حراما.\nوقد اتفق العلماء على أن الدم حرام. وفي الآية الأخرى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: ١٤٥] فيحمل المطلق على المقيد، لأن ما خلط باللحم غير محرم. قال القرطبي بالإجماع. وقد روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة على البرمة من الدم فيأكل ذلك النبي ﵌ ولا ينكره «١» .\nوقوله: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، ظاهر هذه الآية والآية الأخرى أعني قوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: ١٤٥] أن المحرم إنما هو اللحم فقط، وقد اجتمعت الأمة على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في «تفسيره» «٢» . وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم وحكى القرطبي الإجماع أيضا على أن جملة الخنزير محرّمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به وقيل أراد بلحمه جميع أجزائه! وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل.\nوالإهلال: رفع الصوت، يقال أهلّ بكذا أي رفع صوته. ومنه إهلال الصبي واستهلاله وهو صياحه عند ولادته.\nوالمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير الله كاللات والعزى إذا كان الذابح وثنيا، والنار إذا كان الذابح مجوسيا ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله.\nقال الشوكاني في «فتح القدير»: ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم فإنه مما أهل به لغير الله ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن «٣» . انتهى.\nقلت: ومثله ما يقع من المعتقدين للأولياء من الذبح لهم فإنه مما أهلّ به لغير الله وإن لم يذكروا اسمهم عليه عند الذبح، ولا فرق بينه وبين الذبح للطواغيت. وقد أكثر أهل العلم من الكلام في هذه المسألة في تواليف مفردة لا نشتغل بذكرها خشية الإطالة.\n_________\n(١) أخرجه بنحوه الطبري في التفسير [٥/ ٣٨٠] ح [١٤٠٩٣] .\n(٢) تفسير القرطبي [٢/ ٢٢٢] وفتح القدير للشوكاني [١/ ١٦٩] وابن عطية في المحرر الوجيز [٢/ ٤٩] .\n(٣) انظر فتح القدير للشوكاني [١/ ١٧٠] .","vol":"1","page":27},{"text":"ومن أراد تفصيل ذلك فعليه بتفسيرنا «فتح البيان في مقاصد القرآن» فقد أوردنا فيه جملة صالحة فيه غنية لطالبي الحق وبالله التوفيق.\nوالمراد من المضطر: من صيره الجوع والعدم إلى الاضطرار إلى الميتة.\nوالمراد بالباغي: من يأكل فوق حاجته.\nوالعادي: من يأكل هذه المحرمات وهو يجد عنها مندوحة. وقيل: غير باغ على المسلمين وعاد عليهم فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارجون على السلطان وقاطعو الرحم ونحوهم، وقيل: المراد غير باغ على مضطر آخر، ولا عاد سدا لجوعه.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ يقول: من أكل شيئا من هذه وهو مضطر فلا حرج عليه ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى.\nوأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله غَيْرَ باغٍ قال: في الميتة، وَلا عادٍ قال: في الأكل.\nوأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال: غير باغ على المسلمين ولا معتد عليهم:\nمن خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل أو يفسد في الأرض أو مفارقا للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله فاضطر إلى الميتة لم تحل له.\nوأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سعيد بن جبير قال: العادي الذي يقطع الطريق.\nوقوله: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ يعني في أكله، إن الله غفور لمن أكل من الحرام رحيم به إذا حل له الحرام في الاضطرار.\n[الآية العاشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) .\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ معناه: فرض عليكم وأثبت ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:","vol":"1","page":28},{"text":"كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول\nوهذا إخبار من الله سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك. وقيل: إنّ كُتِبَ هذا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ.\nوالْقِصاصُ أصله: قصّ الأثر: أي اتباعه. ومن القاص لأنه يتبع الآثار، وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل يسلك طريقا من القتل يقص أثره فيها ومنه قوله تعالى فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) [الكهف: ٦٤] . وقيل: إن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع يقال: قصصت بينهما: أي قطعته.\nوقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحرّ لا يقتل بالعبد وهم الجمهور. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا كان غير سيده، وأما سيده فلا يقتل به إجماعا، إلا ما روي عن النخعي، فليس بمذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق، ذكره الشوكاني في «شرح المنتقى» .\nقال القرطبي: وروى ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتبة واستدلوا بقوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [سورة المائدة: ٤٥] وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله تعالى:\nالْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ مفسر لقوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وقالوا أيضا: إن قوله وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها، يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في التوراة.\nومن جملة ما استدل به الآخرون قوله ﵌: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» «١» .\nويجاب عنه بأنه مجمل والآية مبينة، ولكنه يقال إن قوله تعالى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إنما أفاد بمنطوقه أن الحرّ يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد، وليس فيه ما يدل على أن الحرّ لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا، والبحث في هذا محرر في علم الأصول.\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٢/ ١٩١- ١٩٢، ٢١١] وأبو داود في السنن [٣/ ٨١] ح [٢٧٥١، ٤٥٣١] وابن ماجه في السنن [٢/ ٨٩٥] ح [٢٦٨٣] والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٢٩] .","vol":"1","page":29},{"text":"وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر وهم الكوفيون والثوري، لأن الحرّ يتناول الكافر كما يتناول المسلم، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم. واستدلوا أيضا بقوله تعالى أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة.\nوذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر واستدلوا بما ورد من السنة عن النبي ﵌: «أنه لا يقتل مسلم بكافر» «١» وهو مبين لما يراد في الآيتين. والبحث في هذا يطول.\nواستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا أسلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية الرجل وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور.\nوذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا زيادة»\n، وهو الحق. قال الشوكاني وقد بسطنا البحث في «شرح المنتقى» فليرجع إليه «٣» . انتهى.\nقلت: وقد أوضحت المسألة في «مسك الختام شرح بلوغ المرام» فليعول عليه.\nقوله فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: من هنا عبارة عن القاتل أو الجاني، والمراد بالأخ: المقتول أو الولي.\nوالشيء: عبارة عن الدم. والمعنى: أن القاتل أو الجاني إذا عفي له من جهة المجني عليه أو الوليّ دم أصابه منه على أن يأخذ منه شيئا من الدية أو الأرش فليتبع المجني عليه الوليّ من عليه الدم فيما يأخذه منه من ذلك اتباعا للمعروف، وليؤد الجاني ما لزمه من الدية والأرش إلى المجني عليه أو إلى الوليّ أداء بإحسان.\nوقيل: إن من عبارة عن الوليّ و(الأخ) يراد به القاتل. والشيء، الدية.\nوالمعنى: أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص إلى مقابل الدية فإن القاتل مخير بين\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ٢٠٤] ح [١١١، ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠] والنسائي في السنن [٨/ ٢٣- ٢٤] والترمذي في السنن ح [١٤١٢] والدرامي في السنن [٢/ ١١٠- ١١١] وأحمد في المسند [١/ ٧٩] .\n(٢) انظر الإفصاح لابن هبيرة [٢/ ١٥٨] .\n(٣) انظر فتح القدير [١/ ١٧٥] .","vol":"1","page":30},{"text":"أن يعطيها ويسلم نفسه للقصاص، كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ذلك.\nوذهب من عداه إلى أنه لا يخير إلا إذا رضي الأولياء بالدية، فلا خيار للقاتل وليتبع بالمعروف. وقيل: إن المراد بذلك أن من فضل له من الطائفتين على الأخرى شىء من الديات، فيكون عفي بمعنى فضل. وعلى جميع التقادير فتنكير شَيْءٌ للتقليل فيتناول العفو عن الشيء اليسير من الدية والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة.\nأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: إن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم. فنزلت هذه الآية.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي نحوه.\nوأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فأنزل الله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «١» فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم.\nوأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي مالك قال: كان بين حيين من الأنصار قتال كان لأحدهما على الآخر الطول فكأنهم طلبوا الفضل فجاء النبي ﵌ ليصلح بينهم فنزلت هذه الآية الْحُرُّ بِالْحُرِّ «٢» قال ابن عباس: فنسختها النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم- وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ قال: هو العمد رضي أهله بالعفو فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ أمر به الطالب، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ من القاتل، قال: يؤدي المطلوب بإحسان «٣»،\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري [٢/ ١٠٨- ١٠٩] .\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ١٠٩] ح [٢٥٧٢] .\n(٣) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ١١٢] ح [٢٥٨١] والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٧٣] وصححه والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٥٢] .","vol":"1","page":31},{"text":"ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ مما كان على بني إسرائيل.\nوأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن الدية فيهم فقال الله لهذه الأمة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى إلى قوله فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فالعفو أن يقبل الدية في العمد فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ مما كتب على من كان قبلكم فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ بأن قتل بعد قبول الدية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) «١» .\nقلت: إن الله شرع لهذه الأمة العفو من غير عوض أو بعوض ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود فإنه أوجب عليهم القصاص ولا عفو، وكما ضيق على النصارى فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية.\nوقد اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية فقال جماعة منهم مالك والشافعي: إنه كمن قتل ابتداء إن شاء الوليّ قتله وإن شاء عفا عنه.\nقال قتادة وعكرمة والسّدي وغيرهم: يقتل البتة ولا يمكّن الحاكم الوليّ من العفو.\nوقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة.\nوقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى.\nوأخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو ليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو العفو أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة القتل والعفو والدية- إن شاؤوا- وأحلها لهم ولم يكن لأمة قبلهم.\nوأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ﵌ قال: «من أصيب بقتل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو وإما أن يأخذ الدية. فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها أبدا» «٢» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ١٧٦] ح [٤٤٩٨، ٦٨٨١] والنسائي في السنن [٨/ ٣٦] وعبد الرزاق في المصنف [١٠/ ٨٥] ح [١٨٤٥٠ و١٨٤٥١] والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٥١، ٥٢] والدارقطني في السنن [٣/ ١٩٩] .\n(٢) [حسن] أخرجه عبد الرزاق في المصنف [١٠/ ٨٦- ٨٧] ح [١٨٤٥٤] والدارمي في السنن","vol":"1","page":32},{"text":"واستدل بالآية أيضا على أن الكبيرة لا تخرج العبد المؤمن من إيمانه فإنه لا شك في كونه قتل العمد والعدوان من الكبائر إجماعا، ومع هذا خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه- حال ما وجب عليه من القصاص- مؤمنا، وكذا أثبت الأخوة بينه وبين وليّ الدم، وإنما أراد بذلك الأخوة الإيمانية، وكذا ندب إلى العفو عنه وذا لا يليق إلا عن العبد المؤمن. فليتذكر.\n[الآيتان الحادية والثانية عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) .\nلا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة افترضها الله سبحانه على هذه الأمة.\nوالصيام في اللغة: أصله الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال «١» .\nوهو في الشرع: الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس «٢» .\nقيل: للمريض حالتان إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا قال الجمهور.\nواختلف أهل العلم في السفر المبيح للإفطار فقيل مسافة قصر الصلاة والخلاف في قدرها معروف- وبه قال الجمهور «٣»، وقال غيرهم بمقادير لا دليل عليها.\n_________\n[٢/ ١٨٨] وأحمد في المسند [٤/ ٣١] وأبو داود في السنن [٤/ ١٦٧] ح [٤٤٩٦] وابن الجارود في المنتقى ح [٧٧٤] والبيهقي في السنن الكبرى [٨/ ٥٢] . [.....]\n(١) انظر لسان العرب [٤/ ٢٥٢٩] .\n(٢) انظر شرح المهذب [٦/ ٢٤٨] .\n(٣) قال ابن هبيرة: وأجمعوا على أن للمسافر أن يترخص بالفطر، وعليه القضاء. انظر، الإفصاح","vol":"1","page":33},{"text":"والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض فهو الذي يباح عنده الإفطار، وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة واختلفوا في الأسفار المباحة- والحق أن الرخصة ثابتة فيها- وكذا اختلفوا في سفر المعصية وليس في الآية أعني قوله: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ما يدل على وجوب التتابع في القضاء.\nوقد اختلف أهل العلم في هذه الآية يعني: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ هل هي محكمة أو منسوخة؟ وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام لأنه شق عليهم وكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم وهو يطيقه ثم نسخ ذلك. وهذا قول الجمهور، وروى عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ وأنها رخصة للشيوخ والعجائز خاصة- إذا كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة- وهذا يناسب قراءة التشديد أي يكلفونه.\nوالناسخ لهذه الآية عند الجمهور قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.\nوقد اختلفوا في مقدار الفدية فقيل كل يوم صاع من غير البر ونصف صاع منه، وقيل مدّ فقط.\nوقال ابن شهاب: معناه، أي معنى قوله فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا من أراد الإطعام مع الصوم.\nوقال مجاهد: معناه من زاد في الإطعام على المد، وقيل: من أطعم مع المسكين مسكينا آخر.\nوَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ معناه أن الصيام خير لهم من الإفطار مع الفدية، وكان هذا قبل النسخ، وقيل: معناه أن تصوموا في السفر والمرض غير الشاق.\n_________\n[١/ ٢١١] .","vol":"1","page":34},{"text":"[الآية الثالثة عشرة] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) .\nأي من حضر ولم يكن في سفر بل كان مقيما.\nقال جماعة من السلف والخلف: إن من أدركه شهر رمضان مقيما غير مسافر لزمه صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام، استدلالا بهذه الآية.\nوقال الجمهور: إنه إذا سافر أفطر، لأن معنى الآية أنه إذا حضر الشهر من أوله إلى آخره لا أنه إذا حضر بعضه وسافر فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره. وهذا هو الحق. وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة. وقد كان يخرج ﵌ في رمضان فيفطر «١» .\nقوله يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ: فيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. وقد ثبت عن رسول الله ﵌ أنه كان يرشد إلى التيسير ونهى عن التعسير كقوله ﵌: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» «٢» وهو في الصحيح.\nواليسر: السهل الذي لا عسر فيه.\nوالمراد بالتكبير هنا: هو قول القائل: الله أكبر الله أكبر. قال الجمهور ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان. وقد وقع الخلاف في وقته: فروى عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر، وقيل: إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة، وقيل: إلى خروج الإمام، وقيل: هو التكبير يوم الفطر.\nقال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، قال: هو هلاله بالدار «٣» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ١٨٠] ح [١٩٤٤] .\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح ح [٤٣٤١] و[٤٣٤٢] و[٤٣٤٤] ومسلم في الصحيح [٣/ ١٥٨٧] ح [١٧٣٣] .\n(٣) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ١٥٢] ح [٢٨٣١] .","vol":"1","page":35},{"text":"وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، قال اليسر: الإفطار في السفر، والعسر الصوم في السفر «١» .\nوقد صح عن رسول الله ﵌ أنه قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما» «٢» .\nوأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يكبر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.\n[الآية الرابعة عشرة]\nأُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) .\nفي قوله: أُحِلَّ لَكُمْ دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراما عليهم- وهكذا كان- كما يفيده السبب لنزول الآية.\nوالرفث: كناية عن الجماع. قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وعدى الرفث بإلى لتضمينه معنى الإفضاء، وجعل النساء لباسا للرجال والرجال لباسا لهن لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه.\nيقال: خان واختان بمعنى، وهما من الخيانة وإنما سماهم خائنين لأن ضرر ذلك عائد عليهم.\nوقوله فَتابَ عَلَيْكُمْ يحتمل معنيين: أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم،\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ١٦٢] ح [٢٩٠١] .\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح ح [١٩٠٩] ومسلم في الصحيح [٢/ ٧٦٢] ح [١٠٨١] .","vol":"1","page":36},{"text":"والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة.\nوهكذا قوله: وَعَفا عَنْكُمْ يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل.\nوقوله وَابْتَغُوا: قيل: هو الولد، أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح وهو حصول النسل، وقيل: ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه- قاله الزجاج وغيره- وقيل: الرخصة والتوسعة، وقيل: الإماء والزوجات، وقيل: غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني ولا دل عليه دليل.\nوالمراد بالخيط الأبيض: هو المعترض في الأفق، لا الذي هو كذب السرحان فإنه الفجر الكذاب الذي لا يحلّ شيئا ولا يحرمه.\nوالمراد بالخيط الأسود: سواد الليل. والتبيين إنما يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر.\nوقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر للوجوب، وهو يتناول كل الصيام، وخصه الشافعية بالفرض لورود الآية في بيانه، ويدل على إباحة الفطر من النفل حديث عائشة عند مسلم من أنه أهدي لنا حيس فقال أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل «١» .\nوأيضا فيه التصريح بأن للصوم غاية هي الليل: فعند إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من المغرب يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما.\nوالمراد بالمباشرة هنا: الجماع، وقيل يشمل التقبيل واللمس إذا كانا بشهوة لا إذا كانا بغير شهوة فهما جائزان كما قال عطاء والشافعي وابن المنذر وغيرهم، وعلى هذا يحمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل، فتكون هذه الحكاية للإجماع مفيدة بأن يكونا بشهوة.\nوالاعتكاف في اللغة: الملازمة «٢» . وفي الشرع: ملازمة مخصوصة على شرط مخصوص «٣» . وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب وعلى أنه لا يكون إلا في المسجد. وللاعتكاف أحكام مستوفاة في شروح الحديث ذكرنا طرفا منها في «شرح\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصحيح [٢/ ٨٠٩] ح [١١٥٤] .\n(٢) انظر لسان العرب [٩/ ٢٥٥]-[مادة/ عكف] .\n(٣) انظر الاختيار للموصلي [١/ ١٧٩] .","vol":"1","page":37},{"text":"بلوغ المرام»، ورويت في بيان سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة ذكرها الشوكاني في «فتح القدير» «١» فليرجع إليه.\n[الآية الخامسة عشرة] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) .\nهذا يعم جميع الأمة وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارها كقضاء الدين إذا امتنع منه من هو عليه، وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها ونفقة من أوجب الشرع نفقته.\nوالحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغيّ وحلوان الكاهن وثمن الخمر.\nوالباطل في اللغة: الذاهب الزائل «٢» . والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل «٣» وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة.\nوفي هذه الآية دليل على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستندا في حكمه إلى شهادة زور ويمين فجور- فلا يحل له أكله فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا ارتشى «٤» الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل.\nولا خلاف بين أهل العلم أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال.\nوقد روي عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﵌ كما في حديث أم سلمة قالت قال رسول الله ﵌: «إنكم تختصمون إليّ ولعل أن يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت\n_________\n(١) انظر فتح القدير [١/ ١٨٦] .\n(٢) جاء في المطبوع [الذائل] بالذال المعجمة والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٨٨] . [.....]\n(٣) جاء في المطبوع [الباطل] والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٨٨] .\n(٤) جاء في فتح القدير [١/ ١٨٨] [أرشى] .","vol":"1","page":38},{"text":"له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار» «١» وهو في الصحيحين وغيرهما.\nفَرِيقًا: أي قطعة أو جزءا أو طائفة.\nوقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى هذا، قال: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه بيّنة فيجحد «٢» بالمال فيخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه «٣» .\nوروى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: معناها: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم «٤» .\nوأخرج ابن المنذر عن قتادة نحوه.\n[الآية السادسة عشرة] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) .\nالأهلة: جمع هلال، وجمعها باعتبار هلال كل شهر أو كل ليلة تنزيلا لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات.\nوالهلال: اسم لما يبدو في أوّل الشهر وفي آخره، وفيه بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال ونقصانه وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم ومعاملاتهم به كالصوم والفطر والحج ومدّة الحمل والعدّة والإجارات والأيمان وغير ذلك، ومثله قوله تعالى: لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [يونس: ٥] .\n_________\n(١) متفق عليه أخرجه البخاري في الصحيح [٥/ ٢٨٨] ح [٢٦٨٠] ومسلم في الصحيح [٣/ ١٣٣٧] ح [١٧١٣] .\n(٢) جاء في المطبوع [فيجىء] وهذا خطأ والتصحيح من تفسير الطبري [١/ ١٩٠] .\n(٣) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ١٩٠] .\n(٤) أخرجه سعيد بن منصور في السنن [٢/ ٧٠٦- ط آل حميد] ح [٢٨٢] وعزاه السيوطي في الدر المنثور [١/ ٤٨٩] لعبد بن حميد أيضا.","vol":"1","page":39},{"text":"والمواقيت: جميع الميقات وهو الوقت، وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب- أعني قوله قُلْ هِيَ مَواقِيتُ- من الأسلوب الحكيم: وهو تلقي المخاطب بغير ما يرتقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد.\nووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت الزيادة والنقصان لأجلها، لكون ذلك أولى [بأن] «١» يقصد السائل، وأحق بأن يتطلع لعلمه، وأن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل، فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم.\nوقال أبو عبيدة [إن] «٢» هذا ضرب [من] ضرب المثل. والمعنى: ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن البرّ التقوى، وأن تسألوا العلماء، كما تقول: أتيت هذا الأمر من بابه. وقيل: هو مثل في جماع النساء وأنهم أمروا بإتيانهن في القبل لا في الدبر، وقيل:\nغير ذلك.\n[الآية السابعة عشرة] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) .\nلا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعا قبل الهجرة لقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة: ١٣]، وقوله: وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) [المزمل: ١٠]، وقوله:\nلَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) [الغاشية: ٢٢]، وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [المؤمنون: ٩٦]، ونحو ذلك مما أنزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أمره الله سبحانه بالقتال ونزلت هذه الآية، وقيل: إن أول ما نزل قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٣٩] فلما نزلت الآية كان ﵌ يقاتل من قاتله ويكفّ عمن كفّ عنه حتى نزل قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] . قيل: إنه نسخ بها سبعون آية.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ١٨٩] وجاء في المطبوع [ما] بدلا من [بأن] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ١٨٩] .","vol":"1","page":40},{"text":"وقال جماعة من السلف: إن المراد بقوله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ من عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة.\nوالمراد بالاعتداء- عند أهل القول الأول- هو: مقاتلة من لم يقاتل من الطوائف الكفرية، والمراد به- على القول الثاني- مجاوزة قتل من يستحق القتل إلى قتل من لا يستحقه.\n[الآيتان الثامنة والتاسعة عشرة] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) .\nقال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين، والضمير لكفار قريش. انتهى.\nوقد امتثل رسول الله ﵌ أمر ربه فأخرج من مكة من لم يسلم عند أن فتحها الله عليه. وفي معنى الفتنة والمراد بها أقوال: والظاهر أن المراد الفتنة في الدين بأي سبب كان وعلى أي صورة اتفق فإنها أشد من القتل.\nواختلف أهل العلم في قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فذهبت طائفة إلى أنها محكمة وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى متعد بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة، وهذا هو الحق.\nوقالت طائفة: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع هنا ممكن ببناء العام على الخاص: فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم. ومما يؤيد ذلك قوله ﵌: «إنها لم تحلّ لأحد قبلي «١» وإنها أحلت لي «٢» ساعة من نهار» «٣»، وهو في الصحيح.\nوقد احتج القائلون بالنسخ [بقتله] «٤» ﵌ لابن خطل وهو متعلق بأستار\n_________\n(١) جاء في المطبوع [قبله] والمثبت عن فتح القدير [١/ ١٩١] .\n(٢) جاء في المطبوع [له] والمثبت عن فتح القدير [١/ ١٩١] .\n(٣) [متفق عليه] أخرجه البخاري [٤/ ٤٦] ح [١٨٣٣]، [١٨٣٢] ومسلم في الصحيح ح [١٣٥٥] .\n(٤) وقع في المطبوع [بقوله] بدلا من [قتله] وهو خطأ والمثبت مستدرك من فتح القدير [١/ ١٩١] .","vol":"1","page":41},{"text":"الكعبة «١» ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله ﵌ فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم ودخلوا في الإسلام.\n[الآية الموفية العشرين] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) .\nفيه الأمر بمقاتلة المشركين ولو في الحرم وإن لم يبتدءوكم بالقتال فيه إلى غاية هي أن لا تكون فتنة وأن يكون الدين لله: وهو الدخول في الإسلام والخروج عن سائر الأديان المخالفة له. فمن دخل الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله.\nقيل المراد بالفتنة هنا: الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين- على عمومها- كما سلف.\nوالمراد لا تعتدوا إلا على من ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة ولم يدخل في الإسلام. وإنما سمى جزاء الظالمين عدوانا مشاكلة كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠]، وقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة: ١٩٤] .\n[الآية الحادية والعشرون] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .\nأي إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته فقاتلتموهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم.\nوالحرمات: جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة. وإنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام.\nوالحرمة: ما منع الشرع من انتهاكه.\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ٥٩] ح [١٨٤٦] و[٣٠٤٤] و[٤٢٨٦] ومسلم في الصحيح ح [١٣٥٧] .","vol":"1","page":42},{"text":"والقصاص: المساواة. والمعنى: أن كل حرمة يجري فيها القصاص، فمن هتك حرمتكم عليكم فلكم أن تهتكوا حرمته عليه قصاصا. قيل: وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال وقيل: إنه ثابت بين أمة محمد ﵌ لم ينسخ فيجوز لمن تعدّي عليه في مال أو بدن أن يتعدّى بمثل ما تعدّي عليه، وبهذا قال الشافعي وغيره.\nوقال الآخرون: إن أمور القصاص مقصورة على الحكام، وهكذا الأموال لقوله ﵌: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» «١» أخرجه الدارقطني وغيره وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني.\nوالقول الأوّل أرجح، وبه قال ابن المنذر واختاره ابن العربي والقرطبي وحكاه الداودي «٢» عن مالك، ويؤيده أنه ﵌ أباح لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها «٣»، وهو في الصحيح.\nولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ، وهذه الجملة في حكم تأكيد الجملة الأولى أعني قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ. وإنما سمى المكافأة اعتداء مشاكلة كما تقدم.\nوقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سار رسول الله ﵌ معتمرا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون من الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة- وهو شهر حرام- قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين وأقصّه الله منهم ذلك في هذه الآية «٤» .\nوأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية نحوه، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد «٥» نحوه أيضا، وأخرج أيضا عن قتادة نحوه «٦»، وأخرج ابن جرير عن\n_________\n(١) [حسن] أخرجه الدارمي في السنن [٢/ ٢٦٤] وأبو داود في السنن [٣/ ٢٨٨] ح [٣٥٣٥] والترمذي في السنن [٣/ ٥٦٤] ح [١٢٦٤] وأخرجه أحمد في المسند [٣/ ٤١٤] . [.....]\n(٢) جاء في المطبوع [الأوزاعي] وهذا خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٩٢] .\n(٣) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٩/ ٥٠٧] ح [٥٣٦٤] ومسلم في الصحيح ح [١٧١٤] .\n(٤) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٠٢- ٢٠٣] ح [٣١٣٦] وصحيح البخاري [٥/ ٣٢٩] ح [٢٧٣١] .\n(٥) انظر «تفسير الطبري» [٢/ ٢٠٣] ح [٣١٣٧] .\n(٦) انظر «تفسير الطبري» ح [٢/ ٢٠٣] ح [٣١٣٨] .","vol":"1","page":43},{"text":"ابن جريج «١» نحوه.\nوأخرج أبو داود في «ناسخه» وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس في قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ الآية، وقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ [الشورى: ٤٠]، وقوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ [الشورى: ٤١]، وقوله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ [النحل: ١٢٦]، قال: هذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى. فأمر الله المسلمين من يجازي «٢» منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبروا ويعفوا. فلما هاجر رسول الله ﵌ إلى المدينة وأعزّ الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية «٣» فقال: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا [الإسراء: ٣٣] . يقول ينصره السلطان حتى ينصفه ممن ظلمه «٤» . ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله.\nانتهى.\nوأقول: هذه الآية التي جعلها ابن عباس رضي الله عقنه ناسخة مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له، فإن الظاهر من قوله: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا أنه جعل السلطان له، أي جعل له تسلطا يتسلط به على القاتل، ولهذا قال: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ. ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصا للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخا لها فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده.\nوتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في تفسير كلام الله ﷾.\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» [٢/ ٢٠٤] ح [٣١٤٧] .\n(٢) جاء في فتح القدير [١/ ١٩٢] [بنجازى] .\n(٣) انظر تفسير الطبري [٢/ ٢٠٥] ح [٣١٤٨] .\n(٤) جاء في فتح القدير [١/ ١٩٣] [على من ظلمه] .","vol":"1","page":44},{"text":"[الآية الثانية والعشرون] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) .\nفي هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والباء في قوله بِأَيْدِيكُمْ زائدة «١» . ومثله أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) [العلق: ١٤] . وقال المبرد: بأيديكم أي بأنفسكم تعبيرا بالبعض عن الكل، كقوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، وقيل: هذا مثل مضروب يقال: فلان ألقى بيده في أمر كذا: إذا استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيده، فكذلك فعل كل عاجز في أيّ فعل كان.\nوقال قوم: التقدير ولا تلقوا أنفسكم «٢» بأيديكم.\nوالتهلكة: مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة: أي لا تأخذوا فيما يهلككم.\nوللسلف في معنى الآية أقوال سيأتي بيانها، وبيان سبب نزول الآية.\nوالحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكلما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذه، وبه قال ابن جرير الطبري «٣» .\nومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين. ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رأوا «٤» السبب فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها وهو ظنّ تدفعه لغة العرب.\nوقوله وَأَحْسِنُوا أي في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم.\n_________\n(١) جاء في فتح القدير [١/ ١٩٣] بعد [زائدة] [والتقدير: ولا تلقوا أيديكم] .\n(٢) جاء في المطبوع [نفسكم] والتصحيح من «فتح القدير» [١/ ١٩٣] .\n(٣) انظر تفسير الطبري [٢/ ٢١١] .\n(٤) جاء في المطبوع [ردوا] وهذا خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٩٣] .","vol":"1","page":45},{"text":"أخرج عبد بن حميد والبخاري والبيهقي في «سننه» عن حذيفة في قوله هذا قال:\nنزلت في النفقة «١» .\nوأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة «٢» .\nوأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس نحوه.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة نحوه أيضا «٣» .\nوأخرج ابن جرير عن الحسن نحوه «٤» .\nوأخرج ابن حميد والبيهقي في «الشعب» عنه قال: هو البخل.\nوأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﵌ بغير نفقة فإما يقطع بهم «٥» وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله وألا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش ومن المشي.\nوقال لمن بيده فضل: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) . وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير والبغوي في «معجمه» وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن نافع والطبراني عن الضحاك بن أبي جبير أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله ويتصدقون فأصابتهم سنة فساء ظنهم وأمسكوا عن ذلك فأنزل الله الآية.\nوأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وصححه- والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والطبراني وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن أسلم بن عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد فخرج صفّ عظيم من الروم فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ١٨٥] ح [٦/ ٤٥] . [.....]\n(٢) أخرجه سعيد بن منصور في السنن [٢/ ٧١٠- ط آل حميد] ح [٢٨٥] وابن جرير الطبري في التفسير [١/ ٢٠٦] ح [٣١٥١] وعزاه السيوطي في الدر المنثور [١/ ٤٩٩] .\n(٣) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ٢٠٧] ح [٣١٥٦] .\n(٤) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ٢٠٨] ح [٣١٦٥] .\n(٥) جاء في فتح القدير [١/ ١٩٣] [لهم] .","vol":"1","page":46},{"text":"على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة! فقام أبو أيوب صاحب رسول الله ﵌ فقال: أيها الناس إنكم تأولون هذا التأويل وإنما أنزلت فينا هذه الآية معشر الأنصار إنا لما أعزّ الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله ﵌: إن أموال الناس قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع هنا؟ فأنزل الله على نبيه ﵌ يرد علينا فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو «١» .\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم- وصححه- والبيهقي عن البراء بن عازب قال في تفسير الآية: الرجل يذنب الذنب فيلقي بيده فيقول لا يغفر الله لي أبدا «٢»، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في «الشعب» عن النعمان بن بشير نحوه.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير قال في تفسير الآية: إنه القنوط «٣»، وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التهلكة عذاب الله «٤» .\nوأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق فأسرع رجل إلى العدو وحده فعاب ذلك عليه المسلمون ورفع حديثه إلى عمرو بن العاص فأرسل إليه فردّه «٥» وقال: قال الله وَلا تُلْقُوا الآية.\nوأخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة في قوله وَأَحْسِنُوا قال: أدوا الفرائض «٦» . وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق مثله وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: أحسنوا الظنّ بالله «٧» .\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه الترمذي في السنن [٥/ ١٩٦] ح [٢٩٧٢] وأبو داود في السنن [٢/ ١٢] ح [٢٥١٢] والنسائي في التفسير [١/ ٢٣٦] ح [٤٨] والطبري في التفسير [٢/ ٢١٠] ح [٣١٨٥] و[٣١٨٦] والطيالسي في المسند ح [٥٩٩] والطبراني في المعجم الكبير ح [٤٠٦٠] مختصرا والحاكم في مستدركه [٢/ ٢٨٤، ٢٧٥] والبيهقي في سننه [٩/ ٤٥] .\n(٢) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢٠٩] ح [٣١٧٣] .\n(٣) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢١٠] ح [٣١٨٢] عن عبيدة.\n(٤) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢١١] ح [٣١٨٧] .\n(٥) جاء في المطبوع [قرره] وهذا خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٩٤] .\n(٦) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢١٢] ح [٣١٨٨] .\n(٧) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٢١٢] ح [٣١٨٩] .","vol":"1","page":47},{"text":"[الآية الثالثة والعشرون] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) .\nاختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة، فقيل: أداؤهما والإتيان بهما من دون أن يشوبهما شيء مما هو محظور ولا يخل بشرط ولا فرض لقوله «١» تعالى فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] وقوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] .\nوقال سفيان الثوري: إتمامهما أن يخرج لهما لا لغيرهما، وقيل: إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع ولا قران. وبه قال ابن حبيب وقال: إتمامهما أن لا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل: إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب.\nوقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في «الدلائل» وابن عبد البر في «التمهيد» عن يعلى بن أمية قال جاء رجل إلى النبي ﵌ وهو بالجعرانة وعليه أثر خلوق، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. وقال رسول الله ﵌ «أين السائل عن العمرة؟ فقال ها أنا ذا قال اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك» «٢» . وقد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه ولكن فيهما أنه نزل عليه ﵌ الوحي بعد السؤال ولم يذكرا ما هو الذي أنزل عليه.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [كقوله] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٥١] .\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٣٩٣] ح [١٥٣٦] و[١٧٨٩] و[١٨٤٧] و[٤٣٢٩] و[٤٩٨٥] ومسلم في الصحيح ح [١١٨٠] وأبو داود في السنن [٢/ ١٦٩- ١٧٠] ح [١٨١٩] والنسائي [٥/ ١٣٠- ١٣٢] والترمذي في السنن [٣/ ١٩٦] ح [٨٣٦] انظر فتح الباري [٣/ ٣٩٤] .","vol":"1","page":48},{"text":"وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: تمام الحجّ يوم النّحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حلّ، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصّفا وبالمروة فقد حلّ «١» .\nوقد ورد في فضائل الحج والعمرة أحاديث كثيرة ليس هذا موطن ذكرها.\nوقد اتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا.\nوقد استدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر بإتمامها أمر بها، وبذلك قال عليّ وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير ومسروق وعبد الله بن شدّاد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكية.\nوقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم: إنها سنة.\nوحكي عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب.\nومن القائلين بأنها سنة: ابن مسعود وجابر بن عبد الله ومن جملة ما استدل به الأولون ما ثبت عنه ﵌ في الصحيح أنه قال لأصحابه: «من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة» «٢»، وثبت عنه أيضا في الصحيح أنه قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» «٣» .\nوأخرج الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﵌: «إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرانك بأيهما بدأت» «٤» .\nواستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله ﵌ «الحج جهاد والعمرة تطوع» «٥» .\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ٢١٣] ح [٣١٩٤] . [.....]\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٤١٥] ح [١٥٥٦] و[١٥٦٢] ومسلم في الصحيح ح [١٢١١] .\n(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٢١٨] .\n(٤) [ضعيف] أخرجه الدارقطني في السنن [٢/ ٢٨٤]، [٢/ ٢٨٥] والحاكم في المستدرك [١/ ٤٧١] والبيهقي [٤/ ٣٥٠] انظر التهذيب [٩/ ١٩٠] .\n(٥) [ضعيف] أخرجه الشافعي في الأم [٢/ ١٤٤] والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٣٤٨] ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه [٣/ ٢٢٣] ح [١٣٦٤٧] . انظر سنن البيهقي [٤/ ٣٤٨] وسنن ابن ماجه [٢/ ٩٩٥]","vol":"1","page":49},{"text":"وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله مرفوعا مثله.\nوأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي- وصححه- عن جابر أن رجلا سأل رسول الله ﵌ عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا! وأن تعتمروا خير لكم» «١» .\nوأجابوا عن الآية والأحاديث المصرحة بأنها واجبة فريضة بحمل «٢» ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف، وهذا وإن كان فيه بعد لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة ولا سيما بعد تصريحه ﵌ في حديث جابر من عدم الوجوب وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها كما أخرجه الشافعي في «الأم» أن في الكتاب الذي كتبه النبي ﵌ لعمرو بن حزم «أن العمرة هي الحج الأصغر» «٣»، وكحديث ابن عمر عند البيهقي في «الشعب» قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: أوصني؟ فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتسمع وتطيع وعليك بالعلانية وإياك والسر» «٤» هكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال وأنهما كفارة لما بينهما وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك.\nأُحْصِرْتُمْ الحصر: الحبس قال أبو عبيدة والكسائي والخليل: إنه يقال: أحصر بالمرض وحصر بالعدو. وفي «المجمل» لابن الفارس العكس يقال أحصر بالعدو وحصر بالمرض، ورجح الأول ابن العربي وقال: هو رأي أكثر أهل اللغة، وقال الزجاج إنه\n_________\nح [٢٩٨٩] .\n(١) [ضعيف] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٢٢٣] ح [١٣٦٤٦] والترمذي في الجامع [٣/ ٢٧٠] ح [٩٣١] والدارقطني في السنن [٢/ ٢٨٦] والبيهقي في السنن [٤/ ٣٤٩] والطبراني في الصغير [٢/ ١٩٤- مع الروض] والبيهقي في السنن [٤/ ٣٤٩] ورواه الطبراني في الصغير ح [١٠١٥- مع الروض] والدارقطني في السنن [٢/ ٢٨٦] انظر الميزان للذهبي [٤/ ٢٦٣] .\n(٢) وقع في المطبوع [يحمل] والصحيح [بحمل] كما في فتح القدير [١/ ١٩٥] .\n(٣) [ضعيف] أخرجه الحاكم في المستدرك [١/ ٣٩٥- ٣٩٧] وابن حبان في الصحيح [١٤/ ٥٠١- ٥١٢] ح [٦٥٥٩] والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٨٩- ٩٠، ٣٥٢] ورواه النسائي [٨/ ٥٩] وأخرجه أبو داود مختصرا في المراسيل ح [٢٥٩] والدارقطني في السنن [١/ ٢٢]، [٢/ ٢٨٥] والدارمي في السنن [٢/ ١٨٨ و١٨٩- ١٩٠] وأخرجه مالك في الموطأ [٢/ ٨٤٩] ومن طريقه النسائي [٨/ ٦٠] والبغوي في شرح السنة ح [٢٧٥] و[٢٥٣٨] .\n(٤) أخرجه الدارقطني في السنن الكبرى [٢/ ٢٨٢] نحوه والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٣٥٠] .","vol":"1","page":50},{"text":"كذلك عن جميع أهل اللغة، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو ووافقه على ذلك أبو عمر الشيباني «١» فقال: حصرني الشيء وأحصرني أي حبسني.\nوبسبب هذا الاختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية فقالت الحنفية المحصر: من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غيره.\nوقالت الشافعية وأهل المدينة: المراد بالآية حصر العدو.\nوقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدوّ يحل حيث أحصر وينحر هديه- إذا كان ثم هدي- ويحلق رأسه كما فعل النبي ﵌ هو وأصحابه في الحديبية.\nوأخرج الشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر «٢» العدو فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء إنما قال الله: فَإِذا أَمِنْتُمْ فلا يكون الأمن إلا من الخوف.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا إحصار إلا من العدو «٣»، وأخرج أيضا عن الزهري نحوه.\nوأخرج أيضا عن عطاء قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس «٤» .\nوأخرج أيضا عن عروة قال: كل شيء حبس المحرم فهو إحصار «٥» .\nوأخرج البخاري عن المسور أن رسول الله ﵌ نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك «٦» .\nوأخرج ابن جرير «٧» وابن المنذر عن ابن عباس في قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقول: من أحرم بحجة أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما\n_________\n(١) جاء في المطبوع [أبو عمرو الشيباني] وهذا خطأ والصحيح ما أثبتناه من فتح القدير [١/ ١٩٥] .\n(٢) أخرجه الشافعي في الأم [٢/ ١٧٨] وابن جرير في التفسير [٢/ ٢٢١] ح [٣٢٤١] .\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٢١٣] ح [١٣٥٥٥] .\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٢١٣] ح [١٣٥٥٤] .\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٢١٣] ح [١٣٥٥٦] . [.....]\n(٦) أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ١٠] ح [١٨١١] .\n(٧) انظر تفسير ابن جرير [٢/ ٢٢٤] .","vol":"1","page":51},{"text":"استيسر من الهدي: شاة فما فوقها، وإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت بعد حج الفريضة فلا قضاء عليه.\nوأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يقول: الرجل إذا أهل بالحج فأحصر بعث بما استيسر من الهدي، فإن كان عجّل قبل أن يبلغ الهدي محله فحلق رأسه أو مس طيبا أو تداوى بدواء كان عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك: فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة.\nفَإِذا أَمِنْتُمْ يقول: فإذا برىء فمضى من وجهه ذلك إلى البيت أحل من حجته بعمرة وكان عليه الحج من قابل، فإن هو رجع ولم يتم من وجهه ذلك إلى البيت كان عليه حجة وعمرة، فإن هو رجع متمتعا في أشهر الحج كان عليه ما استيسر من الهدي:\nشاة، فإن هو لم يجد فصيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم.\nقال إبراهيم فذكرت هذا الحديث لسعيد بن جبير فقال: هكذا قال ابن عباس في هذا الحديث: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وهو ما يهدى إلى البيت من بدنة أو غيرها، وذهب الجمهور إلى أنه شاة، وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، وقال الحسن:\nأعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة.\nوَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين محصر وغير محصر. وإليه ذهب جمع من أهل العلم. وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين خاصة: أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم قد بلغ محله وهو الموضع الذي يحل فيه ذبحه.\nواختلفوا في تعيينه فقال مالك والشافعي: هو في موضع الحصر اقتداء برسول الله ﵌ حيث أحصر في عام الحديبية، وقال أبو حنيفة: هو الحرم، لقوله تعالى مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) [الحج: ٣٣] وأجيب عن ذلك بأن المخاطب هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت، وأجاب الحنفية عن نحره ﵌ في الحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم، ورد بأن المكان الذي وقع فيه النحر ليس هو من الحرم فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ المراد بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة، وبالأذى من الرأس ما فيه من قمل أو جرح فعليه","vol":"1","page":52},{"text":"فدية. وقد بينت «١» السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك، فثبت في الصحيح أن رسول الله ﵌ رأى كعب بن عجرة وهو محرم وقمله يتساقط على وجهه فقال:\nأيؤذيك هوام رأسك؟ فقال: نعم! فأمره أن يحلق ويطعم ستة مساكين، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام «٢» .\nوقد ذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين العلماء في أن النسك هنا هو شاة.\nوحكى عن الجمهور أن الصوم المذكور في الآية ثلاثة أيام، والإطعام الستة «٣» مساكين.\nوروى عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين، والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم ويبطل قولهم.\nوقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وداود إلى أن الإطعام في ذلك مدّان بمد النبي ﵌، أي لكل مسكين.\nوقال الثوري: نصف صاع من برّ أو صاع من غيره، وروي ذلك عن أبي حنيفة.\nقال ابن المنذر: هذا غلط! لأن في بعض أخبار كعب أن النبي ﵌ قال له:\n«تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين» «٤» .\nواختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل فروى عنه بمثل قول مالك والشافعي.\nوروي عنه: إن أطعم برّا فمدّ لكل مسكين وإن أطعم تمرا فنصف صاع.\nواختلفوا في مكان هذه الفدية فقال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من طعام أو صيام فحيث يشاء. وبه قال أصحاب الرأي.\nوقال طاووس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة والصوم حيث شاء.\nوقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [أثبتت] والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٩٦] .\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ١٢] ح [١٨٨٤] و[١٨١٥- ١٨١٨] ومسلم في الصحيح ح [١٢٠١] .\n(٣) جاء في المطبوع [سنة] والتصحيح من فتح القدير [١/ ١٩٦] .\n(٤) أخرجه مسلم في الصحيح [١/ ٨٦١] .","vol":"1","page":53},{"text":"قال في «فتح القدير» وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان «١» . انتهى.\nفَإِذا أَمِنْتُمْ أي برأتم من المرض، وقيل من خوفكم من العدوّ- على الخلاف السابق- ولكن الأمن من العدوّ أظهر من استعمال أمنتم في ذهاب المرض فيكون مقويا لقول من قال: إن قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ المراد به الإحصار من العدوّ. كما أن قوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا يقوي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر، وقد وقع الخلاف:\nهل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة؟ أم جميع الأمة على حسب ما سلف؟\nفَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ المراد بالتمتع أن يحرم الرجل بعمرة ثم يقيم حلالا بمكة إلى أن يحرم بالحج، فقد استباح بذلك ما لا يحلّ للمحرم استباحته، وهو معنى تمتع واستمتع.\nولا خلاف بين أهل العلم في جواز التمتع قال الشوكاني في «فتح القدير»: بل هو عندي أفضل أنواع الحج كما حررته في شرحي في «المنتقى» «٢» . انتهى.\nوفي «المختصر» المسمى ب «الدرر البهية» وشرحه المرسوم ب «الدراري المضيئة» أيضا وتقدم الخلاف في معنى قوله فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ أي فمن لم يجد الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان صام ثلاثة أيام في أيام الحج وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر.\nوقيل: يصوم قبل يوم التروية يوما ويوم التروية ويوم عرفة.\nوقيل: ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة.\nوقيل: يصومهنّ من أوّل عشر ذي الحجة.\nوقيل: ما دام بمكة.\nوقيل: إنه يجوز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم، وقد جوّز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يحل الهدي، ومنعه آخرون.\nوالمراد بالرجوع هنا الرجوع إلى الأوطان.\nقال أحمد وإسحق: يجزيه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ١٩٦] .\n(٢) فتح القدير [١/ ١٩٧] .","vol":"1","page":54},{"text":"وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم.\nوقال مالك: إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم والأول أرجح.\nوقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال ﵌: «فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله» «١» فبين ﵌ أن الرجوع المذكور في الآية هو الرجوع إلى الأهل.\nوثبت أيضا في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ «وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم» «٢» وإنما قال سبحانه: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة والسبعة عشرة، لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج والسبعة إذا رجع. قاله الزجاج.\nوقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أن قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة. وقيل: هو توكيد وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة فيما دون هذا العدد كقول الشاعر:\nثلاث واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى شمامي\nوقوله كامِلَةٌ: توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية بصيامها، وأن لا ينقص من عددها. ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الإشارة بقوله ذلِكَ قيل: هي راجعة إلى التمتع، فيدل على أن لا متعة لحاضري المسجد الحرام كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه.\nوقيل: إنها راجعة إلى الحكم وهو وجوب الهدي والصيام، فلا يجب ذلك على من كان أهله حاضري المسجد الحرام كما يقوله الشافعي ومن وافقه.\nوالمراد من لم يكن ساكنا في الحرم أو من لم يكن ساكنا في المواقيت فما دونها، على الخلاف في ذلك بين الأئمة.\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٥٣٩] ح [١٦٩١] ومسلم في الصحيح ح [١٢٢٧، ١٢٢٨] .\n(٢) أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٤٣٣] ح [١٥٧٢] .","vol":"1","page":55},{"text":"[الآية الرابعة والعشرون] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) .\nفيه حذف والتقدير: وقت الحج أشهر، أي وقت عمل الحج، وقيل: التقدير الحج في أشهر، وفيه أن يلزم النصب مع حذف حرف الجر لا الرفع.\nقال الفراء: الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر وقيل: التقدير الحج حج أشهر.\nوقد اختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة كله وبه قال مالك.\nوقال ابن عباس والسّدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقد روي أيضا عن مالك.\nوتظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر: فمن قال إن ذا الحجة كله من الوقت قال: لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس إلا العشر منه قال يلزم دم التأخير.\nوقد استدل بهذه الآية من قال: إنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج- وهو عطاء وطاووس ومجاهد والأوزاعي والشافعي وأبو ثور- قال فمن أحرم بالحج قبلها أحلّ بعمرة ولا يجزيه عن إحرام الحج كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه.\nوقال أحمد وأبو حنيفة إنه مكروه فقط. وروي نحوه عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة وروي مثله عن أبي حنيفة. وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في الآية.\nوقد قيل: إن النص عليه لزيادة فضلها، وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٩] فجعل الأهلة كلها","vol":"1","page":56},{"text":"مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن تلك خاصة وهذه الآية عامة والخاص مقدم على العام.\nومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة، فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة كذلك يجوز الحج، قال في «فتح القدير» «١»: ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنصّ القرآني فهو باطل، فالحق ما ذهب إليه الأوّلون إن كانت الأشهر المذكورة في قوله الْحَجُّ أَشْهُرٌ مختصة بالثلاثة المذكورة بنص أو إجماع، فإن لم يكن كذلك فالأشهر جمع شهر وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة، والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف عندها، ومعنى قوله: مَعْلُوماتٌ أن الحج في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ليس كالعمرة أو المراد معلومات لبيان النبي ﵌، أو معلومات عند المخاطبين ولا يجوز التقديم عليها ولا التأخير عنها.\nفَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أصل الفرض في اللغة: الحزّ والقطع، ومنه فرضة القوس والنهر والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحزّ للقوس.\nوقيل: معنى فرض: أبان، وهو أيضا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره.\nوالمعنى في الآية فمن ألزم نفسه فيهنّ الحج بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا وبالإحرام فعلا ظاهرا وبالتلبية نطقا مسموعا.\nوقال أبو حنيفة: إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه.\nوقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج.\nفَلا رَفَثَ قال ابن عباس وابن جبير والسّدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك: هو الجماع.\nوقال ابن عمر وطاووس وعطاء وغيرهم: الرفث: الإفحاش في الكلام قال أبو عبيدة: الرفث: اللغاء من الكلام.\nوَلا فُسُوقَ وهو الخروج عن حدود الشرع.\nوقيل: الذبح للأصنام.\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ٢٠٠] .","vol":"1","page":57},{"text":"وقيل: التنابذ بالألقاب.\nوقيل: السباب.\nوالظاهر أنه لا يختص بمعصية متعينة وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق كما قال سبحانه في الذبح للأصنام أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ [الأنعام: ١٤٥]، وفي التنابذ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ [الحجرات: ١١] وقال ﵌ في السباب: «سباب المسلم فسوق» «١» ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا يوجب اختصاصه به.\nوَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ مشتق من الجدل وهو القتل والمراد به هاهنا المماراة.\nوقيل: السباب.\nوقيل: الفخر بالآباء، والظاهر الأول.\nومعنى النفي لهذه الأمور النهي عنها وإيثار النفي للمبالغة وتخصيص نفي الثلاثة بالحج مع لزوم اجتنابها في كل الأزمان لكونها في الحج أفظع.\nوَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ حثّ على الخير بعد ذكر الشر، وعلى الطاعة بعد ذكر المعصية، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شيء.\nوَتَزَوَّدُوا فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب كانوا يقولون: كيف نحجّ بيت ربنا ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه ثم يقدمون فيسألون الناس ويكونون كلا عليهم. أخرجه عبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس.\nوقيل: المعنى تزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى والأول أرجح كما يدل على ذلك سبب النزول، وفيه إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خير الزاد التقوى.\nوقيل: المعنى: فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف.\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ١١٠] ح [٤٨] و[٦٠٤٤] و[٧٠٧٦] ومسلم في الصحيح [٦٤] و[١١٦] و[١١٧] .","vol":"1","page":58},{"text":"[الآيتان الخامسة والسادسة والعشرون] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) .\nفيه الترخيص لمن حجّ في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا فضلا من ربكم مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج: نزل ردا لكراهتهم ذلك. والحق أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى.\nفَإِذا أَفَضْتُمْ أي دفعتم يقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب من نواحيه، ورجل فيّاض أي مندفعة «١» يداه بالعطاء، ومعناه: أفضتم أنفسكم فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا.\nمِنْ عَرَفاتٍ اسم لتلك البقعة. أي موضع الوقوف.\nواستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده.\nفَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ: المراد بذكر الله دعاؤه، ومنه التلبية والتكبير والدعاء عنده من شعائر الحج.\nوقيل: المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعا.\nوقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها.\nوالمشعر: هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل: هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسّر.\n_________\n(١) جاء في فتح القدير [١/ ٢٠١] [متدفقة] .","vol":"1","page":59},{"text":"وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ الكاف نعت مصدر محذوف، وما مصدرية أو كافة: أي اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، وكرّر الأمر بالذكر تأكيدا، وقيل:\nالأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني: أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل:\nالمراد بالثاني تعديد النعمة عليهم.\nو«إن» في قوله وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ مخففة كما يفيده دخول اللام في الخبر، وقيل: هي بمعنى قد: أي قد كنتم، والضمير في قوله: مِنْ قَبْلِهِ عائد إلى الهدي، وقيل: إلى القرآن.\nلَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨): أي الجاهلين.\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) .\nقيل: الخطاب للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا بذلك. وعلى هذا تكون ثم لعطف جملة على جملة لا للترتيب، وقيل: الخطاب لجميع الأمة.\nوالمراد بالناس إبراهيم: أي ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم ﵇.\nفيحتمل أن يكون أمرا لهم بالإفاضة من عرفة ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة، وعلى هذا يكون ثم على بابها أي للترتيب في الذكر لا في الزمان الواقعة فيه الأعمال، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري «١» - وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن- وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة.\nوقيل: إن المعنى استغفروا للذي كان مخالفا لسنة إبراهيم. وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة.\nقيل: فيه دليل على أنه يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم.\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أي أعمال الحج، ومنه قوله ﵌: «خذوا عني مناسككم»: أي فإذا فرغتم من أعمال الحج فاذكروا الله.\nوقيل المراد بالمناسك الذبائح وإنما قال سبحانه كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ لأن\n_________\n(١) تفسير الطبري [٢/ ٣٠٦] . [.....]","vol":"1","page":60},{"text":"العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهم، ومناقب أسلافهم، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر، وبأن يجعلوه ذكرا مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد ذكرا: أي من ذكرهم لآبائهم، لأنه هو المنعم الحقيقي عليهم وعلى آبائهم.\n[الآية السابعة والعشرون]\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) .\nقال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق وهي أيام رمي الجمار «١» .\nوقال الثعلبي: قال إبراهيم: الأيام المعدودات: أيام العشر، والأيام المعلومات:\nأيام النحر، وكذا روي عن مكي.\nقال القرطبي: ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمرو بن عبد البر وغيره «٢» .\nوروى الضحاك عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر، قال: لقوله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ [الحج: ٢٨] وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة: يوم الأضحى، ويومان بعده.\nقال الطبري: فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف.\nوروي عن مالك أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام بعده. فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم وهو مرويّ عن ابن عمر.\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٣/ ١] .\n(٢) تفسير القرطبي [٣/ ١] .","vol":"1","page":61},{"text":"وقال ابن زيد: الأيام المعلومات، عشر: ذي الحجة وأيام التشريق والمخاطب بهذا الخطاب المذكور في الآية- أعني قوله وَاذْكُرُوا اللَّهَ- هو الحاجّ وغيره كما ذهب إليه الجمهور، وقيل: هو خاص بالحاج.\nوقد اختلف أهل العلم في وقته: فقيل: من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق وقيل: من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه قال أبو حنيفة وقيل: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك والشافعي.\nفَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ هما يوم ثاني النحر ويوم ثالثه.\nفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي: من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج عليه ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج عليه. فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا لأن من العرب من كان يذم التعجيل ومنهم من كان يذم التأخير فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك.\nوقال عليّ وابن مسعود: ومعنى الآية من تعجل فقد غفر له ومن تأخر فقد غفر له. والآية قد دلت على أن التعجل والتأخر مباحان.\nوقوله: لِمَنِ اتَّقى: معناه أن التخيير ورفع الإثم ثابت لمن اتقى لأن صاحب التقوى يتحرز عن كل ما يريبه فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم.\nقال الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى، وقيل: لمن اتقى بعد انصرافه عن الحج عن جميع المعاصي، وقيل: لمن اتقى قبل الصيد، وقيل: معناه السلامة لمن اتقى، وقيل: هو متعلق بالذكر: أي الذكر لمن اتقى في حجه لأنه الحاج في الحقيقة.\n[الآية الثامنة والعشرون]\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥) .\nالسائلون هنا: هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو؟ أي ما قدره وما","vol":"1","page":62},{"text":"جنسه؟ فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على أنه الأولى بالقصد، لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادق مصرفه وقيل: إنه قد تضمن قوله قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وقيل: إنهم سألوا عن وجوه البرّ التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر.\nفَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ لكون دفع المال إليهم صدقة وصلة إذا كانوا فقراء، وهكذا اليتامى الفقراء أولى بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى لعدم قدرتهم على الكسب.\nوالمسكين: الساكن إلى ما في أيدي الناس لكونه لا يجد شيئا.\nوابن السبيل: المسافر المنقطع وجعل ابنا للسبيل لملازمته له.\nأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدي قال: يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة «١» .\nوقال الحسن: إنها محكمة.\nوقال ابن زيد: هذا في التطوع وهو ظاهر الآية: فمن أحب التقرب إلى الله تعالى بالإنفاق فالأولى أن ينفق في الوجوه المذكورة.\nوأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله ﵌ أين يضعون أموالهم؟ فنزلت، فذلك النفقة في التطوّع والزكاة سوى ذلك كله «٢» .\nوأخرج ابن المنذر أن عمرو بن الجموح سأل رسول الله ﵌: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ فنزلت.\n[الآية التاسعة والعشرون] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) .\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ٣٥٦] ح [٤٠٧١] .\n(٢) أخرجه الطبري في التفسير [٢/ ٣٥٦] ح [٤٠٧٢] . وابن المنذر كما في الدر المنثور [١/ ٥٨٥] وهو مرسل.","vol":"1","page":63},{"text":"أي فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به والمراد [بالقتال] «١» قتال الكفار، ويستدل بالآية على افتراضه وهو الأولى.\nوقيل: الجهاد تطوع والمراد منها الصحابة فقط، وبه قال الثوري والأوزاعي.\nوالجمهور على أنه فرض على الكفاية.\nوقيل: فرض عين إن دخلوا بلادنا وفرض كفاية إن كانوا في بلادهم.\nوالكره بالضم: المشقة وبالفتح ما أكرهت عليه. ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين.\nوإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال، ومفارقة الأهل والوطن والتعرض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر- وهو كره- مبالغة، ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم: الدرهم ضرب الأمير.\nوأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن شهاب في الآية قال: الجهاد مكتوب على كل أحد غزا أو قعد فالقاعد إن استعين به أعان وإن استغيث به أغاث وإن استنفر نفر، وإن استغني عنه قعد.\nوقد ورد في وجوب الجهاد وفضله أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها.\n[الآية الثلاثون] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) .\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال، قاله سيبويه ووجهه أن السؤال عن الشهر لم يكن إلا باعتبار ما وقع فيه من القتال.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٢١٦] .","vol":"1","page":64},{"text":"قال الزجاج: المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام.\nقُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ: أي أمر مستنكر.\nوالشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما ولا تغير على عدوّ، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب: ثلاثة أشهر سرد وواحد فرد.\nوَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ أي أعظم إثما وأشد ذنبا من القتال في الشهر الحرام، كذا قال المبرد وغيره.\nومعنى الآية- على ما ذهب إليه الجمهور- أنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن الكفر بالله ومن الصدّ عن المسجد الحرام، ومن إخراج أهل الحرم منه أكبر جرما عند الله!! والسبب يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه «١» المراد فإن السؤال منهم المذكور في هذه الآية سؤال إنكار لما وقع من السرية التي بعثها النبي ﵌.\nوَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ المراد بالفتنة هنا الكفر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي ﵌.\nوقيل: المراد بالفتنة الإخراج لأهل الحرم منه، وقيل: المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا: أي فتنة المستضعفين من المؤمنين، أو نفس الفتنة التي الكفار عليها. وهذا أرجح من الوجهين الأوّلين لأن الكفر والإخراج سبق ذكرهما وإنهما- مع الصدّ- أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام.\nثم قيل: إن الآية محكمة ولا يجوز الغزو في الشهر الحرام إلا بطريق الدفع.\nوعن ابن عباس وسفيان الثوري أنها منسوخة بآية السيف وبه قال الجمهور رحمهم الله تعالى.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [أن] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢١٨] .","vol":"1","page":65},{"text":"[الآية الحادية والثلاثون]\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) .\nالسائلون هم المؤمنون.\nوالخمر: ماء العنب الذي غلى واشتد وقذف بالزبد، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه، كما ذهب إليه الجمهور.\nوقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيرة من غير خمر العنب فهو حلال: أي ما دون المسكر منه.\nوذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ثلثاه بالطبخ، والخلاف في ذلك مشهور.\nوقد أطلت الكلام على الخمر في شرحي ل «بلوغ المرام» وأطال الكلام فيه أيضا الشوكاني في «شرحه للمنتقى» «١» وكذا السيد العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير في «سبل السلام» «٢» .\nوالمراد بالميسر في الآية: قمار العرب بالأزلام.\nقال جماعة من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: كل شيء فيه قمار أو نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق.\nوقال مالك: الميسر ميسران: [ميسر] «٣» اللهو، وميسر القمار. فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه وكل ما قومر به فهو ميسر.\nقُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ: يعني في الخمر والميسر. فإثم الخمر: أي إثم تعاطيها\n_________\n(١) نيل الأوطار شرح منتقى الاخبار [٩/ ٥٢- ٧٩] .\n(٢) سبل السلام [٤/ ٦٥- ٧١] .\n(٣) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٢٢٠] .","vol":"1","page":66},{"text":"ينشأ من فساد عقل مستعملها فيصدر عنه ما يصدر عن فساد العقل من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش والزور وتعطيل الصلوات، وسائر ما يجب عليه، وأما إثم الميسر: أي إثم تعاطيه فما ينشأ عن ذلك من الفقر وذهاب المال في غير طائل والعداوة وإيحاش الصدور.\nوَمَنافِعُ لِلنَّاسِ: أما منافع الخمر فربح التجارة فيها، وقيل: ما يصدر عنها من الطرب والنشاط وقوة القلب وثبات الجنان وإصلاح المعدة وقوّة الباه وقد أشار شعراء العرب إلى شيء من ذلك وكذا شعراء الفرس بما لا يتسع المقام لبسطه.\nومنافع الميسر: مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب ولا كد وما يحصل من السرور والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح. وسهام الميسر أحد عشر ذكرها في «فتح القدير» «١» .\nوَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر إن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيها أكثر من هذا النفع لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر، وقد ذكر شطرا منها الحافظ ابن القيم في كتابه «حادي الأرواح» وذكرته في كتابي الملخص منه المسمى ب «مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام» .\nوكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيه من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر واستجلاب العداوة المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم.\nوقرأ حمزة والكسائي بالمثلثة والباقون بالباء الموحدة وأبيّ أقرب.\nوقد أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وصححه- والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- وأيضا في «المختارة» عن عمر أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب بالمال والعقل فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ يعني هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت التي في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: ٤٣] فكان ينادي رسول الله ﵌، إذا قام إلى الصلاة، أن لا يقربن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ٢٢١] .","vol":"1","page":67},{"text":"الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة «١»، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال عمر: انتهينا انتهينا! «٢» .\nوَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ العفو: ما سهل وتيسر ولم يشق على القلب.\nوالمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تجهدوا فيه أنفسكم وقيل: هو ما فضل عن نفقة العيال، وقال جمهور العلماء: هو نفقات التطوع، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة المفروضة، وقيل: هي محكمة. وفي المال حق سوى الزكاة أيضا.\n[الآية الثانية والثلاثون] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) .\nهذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ\n[الأنعام: ١٥٢] وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا [النساء: ١٠] وقد ضاق على الأولياء الأمر فنزلت هذه الآية: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: ٢٢٠] .\nالمراد بالإصلاح هنا مخالطتهم على وجه الإصلاح لأموالهم، فإن ذلك أصح من مجانبتهم.\nوفي ذلك دليل على جواز التصرف في أموال الأيتام من الأولياء والأوصياء بالبيع والمضاربة والإجارة ونحو ذلك.\nوَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ اختلف في تفسير المخالطة: فقال أبو عبيدة مخالطة اليتامى: أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بدا من خلطه بعياله، فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد تقع فيه الزيادة والنقصان فدلت الآية على الرخصة وهي ناسخة لما قبلها.\n_________\n(١) المائدة [٩١] .\n(٢) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [١/ ٥٣] وأبو داود في السنن [٣/ ٣٢٢] ح [٣٦٧٠] والترمذي في الجامع [٥/ ٢٣٦] ح [٣٠٤٩] والنسائي في السنن [٨/ ٢٨٦- ٢٨٧] والحاكم في المستدرك [٤/ ١٤٣] وابن أبي شيبة في المصنف [٥/ ٦٩] ح [٢٣٧٧٢] نحوه.","vol":"1","page":68},{"text":"وقيل: المراد بالمخالطة المعاشرة للأيتام، وقيل: المراد بها المصاهرة لهم.\nوالأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص بل يشمل كل مخالطة كما يستفاد من الجملة الشرطية.\nوقوله فَإِخْوانُكُمْ خبر لمبتدأ محذوف: أي فهم إخوانكم في الدين.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأموالهم بمخالطته مِنَ الْمُصْلِحِ لها: تحذير للأولياء، أي لا يخفى على الله من ذلك شيء فهو يجازي كل أحد بعمله من أصلح فلنفسه ومن أفسد فعلى نفسه ففيه وعد ووعيد إلا أن في تقديم المفسد مزيد تهديد وتوكيد للوعيد.\n[الآية الثالثة والثلاثون] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١) .\nفي هذه الآية النهي عن نكاح المشركات وتزوجهن: قيل: المراد بالمشركات الوثنيات.\nوقيل: إنها تعم الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون، وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية.\nفقالت طائفة: إن الله حرم نكاح المشركات فيها والكتابيات من الجملة، ثم جاءت آية المائدة فخصصت الكتابيات من هذا العموم، وهذا محكي عن ابن عباس ومالك وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.\nوذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة، وأنه يحرم نكاح الكتابيات والمشركات- وهذا أحد قولي الشافعي- وبه قال جماعة من أهل العلم.\nويجاب عن قولهم إن هذه الآية ناسخة لآية المائدة بأن سورة البقرة من أوّل ما نزل وسورة المائدة من آخر ما نزل والقول الأوّل هو الراجح.","vol":"1","page":69},{"text":"وقد قال به- مع من تقدم-: عثمان بن عفان وطلحة وجابر وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن وطاووس وعكرمة والشعبي والضحاك، كما حكاه النحاس والقرطبي، وقد حكاه ابن المنذر عن المذكورين، وزاد عمر بن الخطاب وقال:\nلم يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك، وقال بعض أهل العلم: إن لفظ المشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٠٥] . وقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: ١] .\nوعلى فرض أن لفظ المشركين يعمّ فهذا العموم مخصوص بآية المائدة كما قدمنا.\nوَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ أي ولرقيقة مؤمنة.\nوقيل المراد بالأمة: الحرة لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه. والأول أولى لما سيأتي ولأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرّة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرّة المؤمنة على الحرّة المشركة بالأولى.\nأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق السّدّي عن أبي مالك عن ابن عباس قال:\nنزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء. الحديث.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أنها كانت أمة لحذيفة سوداء فأعتقها وتزوجها حذيفة.\nوَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ أي المشركة: من كونها ذات جمال ومال وشرف. وهذه الجملة حالية.\nوَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ أي لا تزوجوهم بالمؤمنات حتى يؤمنوا.\nقال القرطبي:\nوأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام. وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا. وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ الكلام فيه كالكلام في قوله: ولأمة، والترجيح كالترجيح.","vol":"1","page":70},{"text":"[الآية الرابعة والثلاثون] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) .\nهو الحيض، وهو مصدر. وقيل: الاسم.\nوقيل: المحيض: عبارة عن الزمان والمكان وهو مجاز فيهما. وأصل هذه الكلمة من السيلان والانفجار يقال: حاض السيل وفاض ومنه الحوض لأن الماء يحوض إليه أي يسيل.\nقُلْ هُوَ أَذىً أي شيء يتأذى به أي برائحته. والأذى هو كناية عن القذر ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [البقرة: ٢٦٤] . ومنه قوله تعالى: وَدَعْ أَذاهُمْ [الأحزاب: ٤٨] .\nفَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ أي فاجتنبوهنّ في زمان الحيض، إن حمل الحيض على المصدر، أو في محل الحيض إن حمل على الاسم.\nوالمراد من هذا الاعتزال ترك المجامعة لا ترك المجالسة أو الملامسة فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج أو بما دون الإزار على خلاف في ذلك.\nوأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك شيئا.\nولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين.\nوَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ والطهر: انقطاع الحيض، والتطهر: الاغتسال.\nوبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء.\nوقال محمد بن كعب القرضي ويحيى بن بكير: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل.","vol":"1","page":71},{"text":"وقال مجاهد وعكرمة: إن انقطع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ.\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشر لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة. وقد رجح ابن جرير الطبري قراءة التشديد «١» .\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «٢» والأولى أن يقال إن الله سبحانه جعل للحلّ غايتين- كما تقتضيه القراءتان- إحداهما انقطاع الدم، والأخرى التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها.\nوقد دلّ على أن الغاية الأخرى هي المعتبرة قوله تعالى بعد ذلك فَإِذا تَطَهَّرْنَ فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر لا مجرد انقطاع الدم. وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة العمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين. انتهى.\nفَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي فجامعوهن. وكنى عنه بالإتيان والمراد أنهم يجامعون في المأتي الذي أباحه الله وهو القبل. قيل: مِنْ حَيْثُ بمعنى في حيث كما في قوله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الجمعة: ٩] . وقوله: ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ [فاطر: ٤٠] أي في الأرض وقيل: إن المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه: أي من غير صوم وإحرام واعتكاف. وقيل: إن المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقيل: من قبل الإحلال لا من قبل الزنا.\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) قيل: المراد التوابون عن الذنوب، والمتطهرون من الجنابة والأحداث، وقيل: التوابون من إتيانهن في الحيض والأول أظهر.\n[الآية الخامسة والثلاثون] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) .\n_________\n(١) تفسير ابن جرير الطبري [٢/ ٣٩٩] .\n(٢) فتح القدير [١/ ٢٢٦] . [.....]","vol":"1","page":72},{"text":"لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة إذ هو مزرع الذرية كما أن الحرث من زرع النبات، فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبت بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه. وهذه الجملة بيان للجملة الأولى أعني قوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وقوله أَنَّى شِئْتُمْ أي من أي جهة شئتم: من خلف وقدام وباركة ومستلقية ومضطجعة إذا كان في موضع الحرث وأنشد: -\nإنما الأرحام أرضو ... ن لنا محترثات\nفعلينا الزرع فيها ... وعلى الله النبات\nوإنما عبر سبحانه: أَنَّى لكونها أعم في اللغة من أين وكيف ومتى. وأما سيبويه ففسرها هنا بكيف، وقد ذهب السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة إلى ما ذكرنا من تفسير الآية إلى أن إتيان الزوجة في دبرها حرام.\nوروي عن سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون أنه يجوز ذلك، حكاه القرطبي في «تفسيره» «١»، قال: وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى «كتاب السر» وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب ومالك أجلّ من أن يكون له كتاب سرّ! ووقع هذا القول في «العتبية» .\nوذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز ذلك إلى زمرة كبيرة «٢» من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب «جماع النسوان وأحكام القرآن» «٣» وقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدا أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال يعني وطء المرأة في دبرها ثم قرأ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟\nوقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. وفي أسانيدها ضعف.\nوقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول:\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٣/ ٩٣] .\n(٢) جاء في المطبوع [كثيرة] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٢٧] .\n(٣) القرطبي [٣/ ٩٣] .","vol":"1","page":73},{"text":"ما صح عن النبي ﵌ في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال.\nوقد روى ذلك أبو بكر الخطيب. قال ابن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد كذب ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك!! فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة من كتبه. وقد بسطنا الكلام في هذه المسألة في شرحنا لبلوغ المرام فليرجع إليه. والحق هو التحريم.\nوقد أخرج الشافعي في «الأم» وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي في «سننه» من طريق خزيمة بن ثابت أن سائلا سأل رسول الله ﵌ عن إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: حلال ولا بأس فلما ولّى دعاه فقال: كيف قلت؟ أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها فلا إن الله لا يستحي من الحق. «لا تأتوا النساء في أدبارهن» «١» .\nوعن ابن عباس قال قال رسول الله ﵌: «لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأته في الدبر» «٢» أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان.\nوعن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: «الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى» «٣» أخرجه أحمد والبيهقي في «سننه» .\nوعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﵌: «ملعون من أتى امرأته في دبرها» «٤» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.\n_________\n(١) [حسن] أخرجه الشافعي في الأم [٥/ ١٨٦] من طريقه البيهقي في السنن الكبرى [٧/ ١٩٦] والنسائي في «عشرة النساء» ح [١٠٦] والطبراني في الكبير [٤/ ١٠٥] ح [٣٧٤٤] والطحاوي في شرح المعاني [٣/ ٤٣- ٤٤] والحميدي في المسند ح [٤٣٦] وأحمد في المسند [٥/ ٢١٣] .\n(٢) حسن: أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه [٣/ ٥٢٩]- ح [١٦٨٠٣]، وأبو يعلى في مسنده [٤/ ٢٦٦]- ح [٢٣٧٨]، وابن حبان في صحيحه [٥١٧١٩]- ح [٤٢٠٣- ٤٢٠٤]، والترمذي [٣/ ٤٦٩]- ح [١١٦٥] .\n(٣) إسناده ضعيف: أخرجه الإمام أحمد في مسنده [٢/ ١٨٢، ٢١٠]، والبيهقي في الكبرى [٧/ ١٩٨]، والطحاوي في شرح معاني الآثار [٣/ ٤٤]، وفيه زائدة بن أبي الرقاد الصيرفي قال عنه النسائي، مجهول.\n(٤) إسناده حسن، أخرجه أبو داود [٢/ ٢٥٥- ٢٥٦]- ح [٢١٦٢]، والنسائي في عشرة النساء [١٢٩]، والإمام أحمد في مسنده [٢/ ٤٤٤، ٤٧٩] وفيه: الحارث بن مخلد: ليس بمشهور، وقال عنه ابن القطان: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات [٤/ ١٣٣] .","vol":"1","page":74},{"text":"وقد ورد النهي عن ذلك من طرق كثيرة. وقد ثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين مرفوعا وموقوفا. وقد روي القول بحل ذلك عن جماعة كما سلف.\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «١»: وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة: ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم، فإنهم لم يأتوا بدليل يدلّ على الجواز فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ في فهمه وقد فسرها لنا رسول الله ﵌ وأكابر الصحابة بخلاف ما قاله هذا المخطئ في فهمه كائنا من كان. ومن زعم منهم أن سبب نزول هذه الآية أن رجلا أتى امرأته في دبرها فليس هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك ومن زعم ذلك فقد أخطأ بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام فيكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازلة في تحليله فإن الآيات النازلة على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا وتارة بتحريمه.\nوقد روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الآية فقال: معناها إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا «٢» .\nروى ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والضياء في «المختارة» وروي نحو ذلك عن ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة، وعن سعيد بن المسيب أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير. انتهى.\n[الآية السادسة والثلاثون] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) .\nالعرضة: النصبة. قاله الجوهري.\nوقيل: من الشدة والقوّة، ومنه قولهم للمرأة: عرضة للنكاح: إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة: أي قوة.\nويطلق على الهمة، ويقال: فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه.\nفعلى المعنى الأول يكون اسما لما تعرضه دون الشيء: أي لا تجعلوا الله حاجزا\n_________\n(١) [١/ ٢٢٩] .\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ٤٠٨] ح [٤٣٣٩] .","vol":"1","page":75},{"text":"ومانعا لما حلفتم عليه، وذلك لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة رحم أو إحسان إلى الغير أو إصلاح بين الناس بأن لا يفعل ذلك، ثم يمتنع من فعله معللا لذلك الامتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله. وهذا المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية فنهاهم الله أن يجعلوه عرضة لأيمانهم أي حاجزا لما حلفوا عليه ومانعا منه وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين.\nوعلى هذا يكون قوله: أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ عطف بيان لأيمانكم: أي لا تجعلوا الله مانعا منه للأيمان التي هي بركم وتقواكم فإصلاحكم بين الناس: ويتعلق قوله: لِأَيْمانِكُمْ بقوله وَلا تَجْعَلُوا، [أي: لا تجعلوا الله لأيمانكم مانعا وحاجزا] «١»، ويجوز أن يتعلق بعرضة أي «٢»: لا تجعلوه سببا متعرضا بينكم وبين البرّ وما بعده.\nوعلى المعنى الثاني، وهو أن العرضة: الشدة والقوة يكون معنى الآية: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدّة في الامتناع من الخير.\nولا يصلح «٣» تفسير الآية على المعنى الثالث وهو الهمة.\nوأما على المعنى الرابع وهو فلان لا يزال عرضة للناس فيكون معنى الآية لا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتبتذلونه بكثرة الحلف به. ومنه وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ [المائدة: ٨٩] وقد ذمّ الله المكثرين للحلف فقال: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) [القلم: ١٠] . وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان.\nوعلى هذا فيكون قوله: أَنْ تَبَرُّوا علة للنهي أي لا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا لأن من يكثر الحلف بالله يجترىء على الحنث ويفجر في يمينه.\nوقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلى هذه الوجوه التي ذكرناها وهي مذكورة في «فتح القدير» «٤» وغيره.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٢٣٠] .\n(٢) جاء في المطبوع [إلى] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٣٠] .\n(٣) جاء في فتح القدير [١/ ٢٣٠] [يصح] .\n(٤) فتح القدير [١/ ٢٣٠- ٢٣٢] .","vol":"1","page":76},{"text":"[الآية السابعة والثلاثون] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) .\nاللّغو: مصدر لغا يلغو لغوا، ولغى يلغو لغيا: إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام أو بما لا خير فيه، وهو الساقط الذي لا يعتدّ به. فاللغو من اليمين هو الساقط الذي لا يعتدّ به فمعنى الآية لا يعاقبكم الله بالساقط من أيمانكم ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم: أي اقترفته بالقصد إليه وهي اليمين المعقودة، مثله قوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [المائدة: ٨٩] . ومثله قول الشاعر:\nولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم\nوقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو: فذهب ابن عباس وعائشة وجمهور العلماء إلى أنها قول الرجل: لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدا لها.\nقال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء.\nوقال أبو هريرة وجماعة من السلف: هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه أتاه فإذا ليس هو ما ظنه. وإلى هذا ذهبت الحنفية وبه قال مالك في «الموطأ» .\nوروي عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وبه قال طاووس ومكحول، وروي عن مالك.\nوقيل: إن اللغو [هو] «١» يمين المعصية. قال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير وأخوه عروة: كالذي يقسم ليشر بن الخمر أو ليقطعن الرحم.\nوقيل: لغو اليمين هو دعاء الرجل على نفسه كأن يقول: أعمى الله بصره أذهب الله ماله هو يهودي، هو مشرك. قاله زيد بن أسلم.\nوقال مجاهد: لغو اليمين أن يتبايع الرجلان فيقول أحدهما والله لأبيعك بكذا ويقول الآخر والله لأشتريه بكذا.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٢٣١] . [.....]","vol":"1","page":77},{"text":"وقال الضحاك لغو اليمين هي المكفرة: أي إذا كفرت سقطت وصارت لغوا، والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي ولدلالته على الأدلة.\n[الآيتان الثامنة والتاسعة والثلاثون] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) .\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي يحلفون. وقد اختلف أهل العلم في الإيلاء فقال الجمهور: الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليا، وكانت عندهم يمينا [محضا] «١» . وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور.\nوقال الثوري والكوفيون: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو قول عطاء.\nوروي عن ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف أن لا يمسها أبدا.\nوقالت طائفة: إذا حلف أن لا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وبه قال ابن مسعود والنخعي «٢» وابن أبي ليلى والحاكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة وإسحاق. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم.\nوقوله مِنْ نِسائِهِمْ يشمل الحرائر والإماء إذا كنّ زوجات، وكذلك يدخل تحت قوله لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ العبد إذا حلف من زوجته. وبه قال أحمد والشافعي وأبو ثور.\nقالوا: وإيلاؤه كالحر.\nوقال مالك والزهري وعطاء وأبو حنيفة وإسحاق: إن أجله شهران، وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة.\nتَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. التربص: التأني والتأخر قال الشاعر:\n_________\n(١) جاء في المطبوع [خطأ] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٣٢] .\n(٢) جاء في المطبوع [النسائي] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٣٢] .","vol":"1","page":78},{"text":"تربص بها ريب المنون لعلّها ... تطلّق يوما أو يموت حليلها «١»\nوقت الله سبحانه بهذه المدة دفعا للضرار عن الزوجة، وقد كان أهل الجاهلية يؤلون السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ضرار النساء، وقد قيل: إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة عليها.\nفَإِنْ فاؤُ أي رجعوا، ومنه حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩] أي ترجع.\nومنه قيل للظل بعد الزوال: فيء لأنه رجع عن جانب المشرق إلى المغرب.\nقال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الفيء الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته، فإذا زال العذر فأبى الوطء فرّق بينهما إن كانت المدة قد انقضت. قاله مالك.\nوقالت طائفة: إذا شهد على فيئه بقلبه في حال العذر أجزأه. وبه قال الحسن وعكرمة والنخعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل.\nوقد أوجب الجمهور على المولي إذا فاء بجماع امرأته الكفارة، وقال الحسن والنخعي لا كفارة عليه.\nفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للزوج إذا تاب من إضراره امرأته. رَحِيمٌ (٢٢٦) بكل التائبين.\nوَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ العزم: العقد على الشيء فمعنى عزموا الطلاق عقدوا عليه قلوبهم.\nوالطلاق: حلّ عقد النكاح، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضيّ أربعة أشهر- كما قال مالك- ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) والسماع يقتضي مسموعا بعد المضيّ. وقال أبو حنيفة سميع لإيلائه عليم بعزمه الذي دل مضيّ أربعة أشهر.\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «٢» واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ، ولا دليل آخر ومعناها ظاهر واضح وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي: أي يحلف من امرأته أربعة أشهر ثم قال مخبرا\n_________\n(١) جاء في المطبوع (خليها) والمثبت من تفسير القرطبي [٣/ ١٠٨] وفتح القدير [١/ ٢٣٢] .\n(٢) فتح القدير [١/ ٢٣٣] .","vol":"1","page":79},{"text":"للعباد بحكم هذا المولي بعد هذه المدة فَإِنْ فاؤُ أي رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) أي لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ العزم منهم عليه والقصد له فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لذلك منهم عَلِيمٌ (٢٢٧) به. فهذا معنى الآية لا شك فيه ولا شبهة.\nفمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدّة أو قيد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر فإن مضت فهو بالخيار: إما رجع إلى نكاح امرأته وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها أو طلقها وكان له حكم المطلق امرأته ابتداء. وأما إذا وقت بدون أربعة أشهر فإن أراد أن يبرّ في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة كما فعل رسول الله ﵌ حين آلى من نسائه شهرا فإنه اعتزلهنّ حتى مضى الشهر، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدّة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة، وكان ممتثلا لما صح عنه ﵌ من قوله: «من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» «١» .\nوللسلف في الفيء أقوال مختلفة فينبغي الرجوع إلى الفيء لغة وقد بيناه.\nوللصحابة والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة والمتعين الرجوع إلى ما في الآية الكريمة وهو ما عرفناك فاشدد عليه يديك.\nوأخرج عبد الرزاق عن عمر قال: إيلاء العبد شهران.\nوأخرج مالك عن ابن شهاب قال: إيلاء العبد نحو إيلاء الحر.\n[الآية الأربعون] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) .\nوَالْمُطَلَّقاتُ يدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصّص بقوله\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٦٥٠] .","vol":"1","page":80},{"text":"فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩] فوجب بقاء العام على الخاص وخرجت من هذا العموم المطلّقة قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ [الطلاق: ٤] وكذلك خرجت الآيسة لقوله تعالى فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤] يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [البقرة: ٢٢٨] .\nالتربص: الانتظار وقيل: هو خبر في معنى الأمر: أي ليتربصن، قصد بإخراجه مخرج الخبر تأكيد وقوعه وزاده تأكيدا وقوعه خبرا للمبتدأ.\nقال ابن العربي: وهذا باطل وإنما هو خبر عن حكم الشرع فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس ذلك من الشرع ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله سبحانه على خلاف مخبره.\nثَلاثَةَ قُرُوءٍ جمع قرء، قاله الجمهور، وقال الأصمعي: الواحد قرء بضم القاف وتشديد الواو، وقال أبو زيد بالفتح: وكلاهما قال: أقرأت «١» المرأة: حاضت، وأقرأت: طهرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت بلا ألف.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمي الحيض قرءا ومنهم من يسمي الطهر قرءا ومنهم من يجمعها جميعا فيسمي الحيض مع الطهر قرءا.\nوينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل: الوقت يقال: هبت الرياح لقرئها: أي لوقتها. فيقال للحيض: قرء، وللطهر: قرء لأن كل واحد منهما له وقت معلوم، وقد أطلقته العرب تارة على الاطهار وتارة على الحيض.\nفالحاصل أن القرء في لغة العرب مشتركة بين الحيض والطهر ولأجل هذا الاشتراك اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في الآية، فقال أهل الكوفة: هو الحيض «٢» وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسّدي وأحمد بن حنبل «٣» . ورجحه السيد محمد الأمير في «سبل\n_________\n(١) جاء في المطبوع [أقارأت] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٣٤] وتفسير القرطبي [٣/ ١١٣] .\n(٢) انظر الهداية للمرغيناني [٢/ ٣٠٧] .\n(٣) في أظهر الروايتين. انظر المحرر [٢/ ١٠٤] .","vol":"1","page":81},{"text":"السلام» وذكرناه في «مسك الختام» .\nوقال أهل الحجاز: هي الأطهار «١» وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي «٢» .\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «٣»: واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القرء الوقت فصار معنى الآية عند الجميع والمطلقات يتربص بأنفسهنّ ثلاثة أوقات فهي على هذا مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها: فأهل القول الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله ﵌: «دعي الصلاة أيام أقرائك» «٤» وبقوله ﵌: «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان» «٥» وبأن المقصود من العدّة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر.\nواستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، وبقوله ﵌ لعمر: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ... فتلك العدة التي أمر الله بها النساء» «٦» وذلك لأن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء.\nقال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول: الأقراء هي الأطهار، فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة خرجت من العدة.\nانتهى.\nوعندي أنه لا حجة في بعض ما احتج به أهل القولين جميعا.\nأما قول الأولين إن النبي ﵌ قال: «دعي الصلاة أيام أقرائك» فغاية ما في هذا أن\n_________\n(١) انظر الكافي لابن عبد البر [٢/ ٦١٩] .\n(٢) انظر روضة الطالبين [٥/ ٣٦٦] .\n(٣) فتح القدير [١/ ٢٣٥] .\n(٤) [صحيح] رواه أبو داود في السنن [١/ ٧٨] ح [٢٩٧] والترمذي في السنن [١/ ٢٢٠] ح [١٢٦] وابن ماجه في السنن ح [٦٢٥] انظر نصب الراية [١/ ٢٠١- ٢٠٢] .\n(٥) [ضعيف] أخرجه أبو داود في السنن [٢/ ٢٦٤] ح [٢١٨٩] والترمذي في السنن [٣/ ٤٨٨] ح [١١٨٢] وابن ماجه في السنن ح [٢٠٨٠] والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٠٥] وابن عدي في الكامل [٦/ ٤٥٠] والدارقطني في السنن [٤/ ٣٨] والبيهقي [٧/ ٣٦٩] .\n(٦) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٩/ ٣٤٥] ح [٥٢٥١] ومسلم في الصحيح ح [١٤٧١] . [.....]","vol":"1","page":82},{"text":"النبي ﵌ أطلق الأقراء على الحيض ولا نزاع في جواز ذلك- كما هو شأن اللفظ المشترك بأنه يطلق تارة على هذا وتارة على هذا- وإنما النزاع في الأقراء المذكورة في هذه الآية، وأما قوله ﵌ في الأمة «وعدتها حيضتان» فهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم- وصححه- من حديث عائشة- مرفوعا- وأخرجه ابن ماجة والبيهقي من حديث ابن عمر- مرفوعا- أيضا ودلالته على ما قاله الأولون قوية، وأما قولهم إن المقصود من العدّة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، فيجاب عنه بأنه يتم لو لم يكن في هذه العدّة شيء من الحيض على فرض تفسير الإقراء بالإطهار وليس كذلك بل هي مشتملة على الحيض كما هي مشتملة على الأطهار، وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] فيجاب بأن التنازع في اللام في قوله لِعِدَّتِهِنَّ يصير ذلك محتملا، ولا تقوم الحجة بمحتمل. أما استدلالهم بقوله ﵌ لعمر «مره فليراجعها» الحديث فهو الصحيح ودلالته قوية على ما ذهبوا إليه. ويمكن أن يقال إنها تنقضي بالعدّة بثلاثة أطهار وبثلاث حيض ولا مانع من ذلك فقد جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة ويرتفع الخلاف ويندفع النزاع.\nوقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله قروء وهي جمع كثرة دون أقراء التي هي من جموع القلة وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية.\nوَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ قيل: المراد به الحيض، وقيل:\nالحمل، وقيل: كلاهما.\nووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض الأحوال من الإضرار بالزوج وإذهاب حقه فإذا قالت المرأة: حضت ولم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع وإذا قالت هي:\nلم تحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به. وكذلك الحمل ربما تكتمه لتقطع حقه من الارتجاع وربما تدعيه لتوجب عليه النفقة ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج.\nوقد اختلفت الأقوال في المدّة التي تصدّق فيها المرأة إذا ادعت انقضاء عدّتها.\nوفي الآية دليل على قبول قولهن في ذلك نفيا وإثباتا.","vol":"1","page":83},{"text":"وقوله إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فيه وعيد شديد للكتمان، وبيان أن من كتمت ذلك منهنّ لم تستحق اسم الإيمان.\nوَبُعُولَتُهُنَّ جمع بعل وهو الزوج سمي بعلا لعلوّه على الزوجة لأنهم يطلقونه على الرب. ومنه قوله تعالى أَتَدْعُونَ بَعْلًا [الصافات: ١٢٥] أي ربا، ويقال بعول وبعولة كما يقال في جمع الذكر: ذكور وذكورة، وهذه التاء لتأنيث الجمع وهو شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه السماع. والبعولة أيضا يكون مصدرا من بعل الرجل يبعل، مثل منع يمنع أي صار بعلا.\nوقوله أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ أي برجعتهنّ والإتيان بصيغة التفضيل لإفادة أن الرجل إذا أراد الرجعة والمرأة تأباها وجب إيثار قوله على قولها وليس معناه أن لها حقا في الرجعة.\nقاله أبو السعود، وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ لأنه يعم المثلثات وغيرهنّ في ذلك: يعني مدة التربص، فإذا انقضت مدّة التربص فهي أحق بنفسها، ولا تحلّ له إلا بنكاح مستأنف بوليّ وشهود ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك. والرجعة تكون باللفظ وتكون بالوطء ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف إن أرادوا إصلاحا أي بالمراجعة أي إصلاح حاله معها وحالها معه، فإن قصد الإضرار بها فهي محرّمة لقوله تعالى وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا قيل: إذا قصد بالرجعة الضرار فهي صحيحة، وإن ارتكب بذلك محرما وظلم نفسه، وعلى هذا فيكون الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح والزجر لهم عن قصد الضرار وليس المراد به جعل قصد الإصلاح شرطا لصحة الرجعة.\nوَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أي لهنّ من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهنّ، فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهنّ يفعلنه لأزواجهنّ من طاعة وتزين وتحبب ونحو ذلك.\nوَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ: أي منزلة ليست لهنّ وهي قيامه عليه في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد والعقل والقوّة وله من الميراث أكثر مما لها وكونه يجب عليها امتثال أمره والوقوف عند رضاه ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا كونهنّ خلقهن","vol":"1","page":84},{"text":"من الرجال لما ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم.\nوقد أخرج أهل السنن عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله ﵌ قال: «ألا إن لكم على نسائكم حقا وإن لنسائكم عليكم حقا: أما حقكم على نسائكم فإن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ وطعامهنّ» «١» وصححه الترمذي.\nوأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم- وصححه- والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري أنه سأل النبي ﵌: «ما حق المرأة على الزوج؟\nقال: أن تطعمها إذا أطعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تهجر إلا في البيت» «٢» .\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال: فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد وفضل ميراثه على ميراثها وكل ما فضل به عليها.\n[الآية الحادية والأربعون] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) .\nأي عدد الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة، فالمراد بالطلاق هنا هو الرجعي بدليل ما تقدم في الآية الأولى هو مَرَّتانِ أي الطلقة الأولى والثانية ولا رجعة بعد الثالثة. وإنما قال سبحانه مرتان ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة، لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال جماعة من المفسرين، ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه الترمذي في السنن [٣/ ٤٦٧] وابن ماجه في السنن ح [١٨٥١] والنسائي في عشرة النساء ح [٢٨٧] .\n(٢) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٤/ ٤٧٦، ٤٤٧] [٥/ ٣] وأبو داود في السنن [٢/ ٢٥١] ح [٢١٤٢] وابن ماجه في السنن ح [١٨٥٠] والبغوي في شرح السنة [٩/ ١٦٠] ح [٢٣٣٠] والحاكم في المستدرك [٢/ ١٨٧- ١٨٨] .","vol":"1","page":85},{"text":"أحد أمرين: إما إيقاع الثالثة التي بها «١» تبين الزوجة أو الإمساك لها استدامة نكاحها، وعدم إيقاع الثالثة عليها.\nقال سبحانه فَإِمْساكٌ بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين بِمَعْرُوفٍ أي بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة. أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أي بإيقاع طلقة ثالثة عليها من دون ضرار لها.\nوقيل: المراد إمساك بمعروف أي: برجعة بعد الطلقة الثانية أو تسريح بإحسان أي: بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها، والأول أظهر.\nوقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل يقع ثلاثا أو واحدة فقط؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق.\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «٢»: وقد قررته في مؤلفاتي تقريرا بالغا وأفردته برسالة مستقلة انتهى.\nقلت: وهو الذي اختاره شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني والشيخ الحافظ الإمام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية الدمشقي وغيرهما جمع من الأئمة الأعلام قديما وحديثا.\nوقد بسطت القول فيه في شرحي لبلوغ المرام بأبلغ تقرير وأفصح نظام.\nوَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا الخطاب للأزواج أي لا يحل لهم أن يأخذوا مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئا على وجه المضارة لهن.\nوتنكير «شيئا» للتحقير أي شيئا نزرا فضلا عن الكثير.\nوخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئا من أموالهنّ التي يملكنها من غير المهر لكون ذلك هو الذي تتعلق به نفس الزوج ويتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها لا يحلّ له، كان ما عداه ممنوعا منه بالأولى.\nوقيل: الخطاب للأئمة والحكام ليطابق قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فإن الخطاب فيه للأئمة\n_________\n(١) جاء في المطبوع (هن) والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٣٨] .\n(٢) فتح القدير [١/ ٢٣٨] .","vol":"1","page":86},{"text":"والحكام وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك.\nوالأول أولى لقوله: مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جدا لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم.\nوقيل: إن الثاني أولى لئلا يشوش النظم.\nإِلَّا أَنْ يَخافا: أي لا يجوز لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: أي عدم إقامة حدود الله التي حدها للزوجين، وأوجب عليهما الوفاء بها من حسن العشرة والطاعة.\nفَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: أي إذا خاف الأئمة والحكام أو المتوسطون بين الزوجين وإن لم يكونوا أئمة وحكاما، عدم إقامة حدود الله من الزوجين وهي ما أوجبه عليهما.\nفَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ: أي لا جناح على الرجل ولا على المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع.\nوقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج، وأنه يحلّ له الأخذ مع ذلك الخوف «١» . وهو الذي صرّح به القرآن. وحكى ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنه لا يحلّ له ما أخذ ولا يجبر على رده وهذا في غاية السقوط. وقرأ حمزة إِلَّا أَنْ يَخافا على البناء للمجهول والفاعل محذوف وهو الأئمة والحكام واختاره أبو عبيد. قال:\nلقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فجعل الخوف لغير الزوجين، وقد احتج بذلك من جعل الخلع إلى السلطان وهو سعيد بن جبير والحسن وابن سيرين.\nوقد ضعف النحاس اختيار أبي عبيد المذكور.\n_________\n(١) اعلم أنهم اختلفوا هل يكره الخلع بأكثر من المسمى؟ فقال الإمام مالك والشافعي لا يكره ذلك، وقال أبو حنيفة: إن كان النشوز من قبلها فيكره للزوج أن يأخذ أكثر من المسمى وإن كان من قبله فيكره له أخذ شيء ما عوضا عن الخلع، ويصح مع الكراهية في كلا الحالين.\nوقال الإمام أحمد: يكره الخلع على أكثر من المسمى سواء كان النشوز من قبلها أو من قبله، إلا أنه على الكراهية تصح عنده.\nانظر الكافي لابن عبد البر [٢/ ٥١٣]- روضة الطالبين [٧/ ٣٧٤] الهداية للمرغيناني [٣/ ٢٩٣] الكافي لموفق الدين المقدسي [٣/ ١٠١]- الإفصاح لابن هبيرة [٢/ ١١٨] .","vol":"1","page":87},{"text":"وقد حكي عن بكر بن عبد الله المزني أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) [النساء: ٢٠] . وهو قول خارج عن الإجماع ولا تنافي بين الآيتين.\nوقد اختلف أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما دفعه إليها من المهر وما يتبعه ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا؟\nوظاهر القرآن الجواز لعدم تقييده بمقدار معين، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين.\nوقال طاووس وعطاء والأوزاعي «١» وأحمد وإسحاق أنه لا يجوز.\nوقد ورد في ذمّ المختلعات أحاديث منها حديث ثوبان قال: قال رسول الله ﵌:\n«أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» «٢» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه، وابن ماجة والحاكم، وصححه.\nوقال: «المختلعات هن المنافقات» «٣» . رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه، وابن ماجة وابن جرير والحاكم، وصححه، والبيهقي أيضا.\nومنها عن ابن عباس- عند ابن ماجة- أن رسول الله ﵌ قال: «لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة وإن ريحها لتوجد مسيرة أربعين عاما» «٤» .\nوقد اختلف أهل العلم في عدة المختلعة: والراجح أنها تعتد بحيضة لما أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه، والنسائي والحاكم، وصححه، عن ابن عباس أن النبي ﵌\n_________\n(١) وفي المطبوع-[الأنصاري] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٣٩] .\n(٢) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٥/ ٢٧٧، ٢٨٣] والدارمي في السنن [٢/ ١٦٢] وأبو داود في السنن [٢/ ٢٧٥- ٢٧٦] ح [٢٢٢٦] والترمذي في السنن [٣/ ٤٩٣] ح [١١٨٧] وابن ماجه في السنن ح [٢٠٥٥] والطبري في التفسير [٢/ ٤٨١] ح [٤٨٤٧، ٤٨٤٨] .\n(٣) أخرجه الترمذي في السنن [٣/ ٤٩٢] ح [١١٨٦] والطبري في التفسير [٢/ ٤٨١] ح [٤٨٤٥] .\n[تنبيه] وقع في المطبوع بعد هذا الحديث عبارة [رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي أيضا] وهذا خطأ إذ أنه مكرر لتخريج الحديث الذي قبله. قارن ب فتح القدير [١/ ٢٤٠- ٢٤١] .\n(٤) [ضعيف] أخرجه ابن ماجه في السنن ح [٢٠٥٤] .","vol":"1","page":88},{"text":"أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة «١» . وفي الباب أحاديث. ولم يرو ما يعارض هذا من المرفوع بل ورد عن جماعة من الصحابة والتابعين أن عدة المختلعة كعدة الطلاق.\nوبه قال الجمهور. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن المختلعة من جملة المطلقات فهي داخلة تحت عموم القرآن.\nوالحق ما ذكرناه لأن ما ورد عن النبي ﵌ يخصص عموم القرآن. وتمام البحث في «مسك الختام شرح بلوغ المرام» فليرجع إليه، وفي الباب أحاديث في ذم التحليل وفاعله فليعلم.\n[الآية الثانية والأربعون] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) .\nفَإِنْ طَلَّقَها: أي الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ:\nأي فإن وقع منه ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ:\nأي حتى تتزوج بزوج آخر.\nوقد أخذ بظاهر الآية سعيد بن المسيّب ومن وافقه قالوا: يكفي مجرد العقد لأنه المراد بقوله حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.\nوذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا بد مع العقد من الوطء لما ثبت عن النبي ﵌ من اعتبار ذلك، وهو زيادة يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيّب ومن تابعه.\nوفي الآية دليل على أنه لا بد من أن يكون ذلك نكاحا شرعيا مقصودا لذاته لا حيلة إلى التحليل وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأول فإن ذلك حرام بالأدلة الواردة في ذمّه وذمّ فاعله وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع ولعن من اتخذه لذلك.\nوقد بسط الكلام على هذا الحافظ ابن القيم ﵀ في «إعلام\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه الترمذي في السنن [٣/ ٤٩١] ح [١١٨٥] وأبو داود في السنن [٢/ ٢٧٧] ح [٢٢٢٩] والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٠٦] .","vol":"1","page":89},{"text":"الموقعين» «١» و«إغاثة اللهفان» «٢» .\nفَإِنْ طَلَّقَها: أي الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما: أي الزوج الأول والمرأة أَنْ يَتَراجَعا: أي يرجع كل واحد منهما لصاحبه.\nقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحرّ إذا طلق زوجته ثلاثا ثم انقضت عدتها ونكحت زوجا ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحها الزوج الأول فإنها تكون عنده على ثلاث تطليقات «٣» . إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك: بأن يعلما أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله أو ترددا أو أحدهما ولم يحصل لهما الظن فلا يجوز الدخل في هذا النكاح لأنه مظنة المعصية لله والوقوع فيما حرمه على الزوجين.\n[الآية الثالثة والأربعون] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) .\nالبلوغ إلى الشيء: معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلا مجازا لعلاقة مع قرينة- كما هنا- فإنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأن المرأة إذا بلغت آخر جزء من مدة العدة وجاوزته إلى الجزء الذي هو الأجل للانقضاء فقد خرجت من العدة، ولم يبق للزوج عليها سبيل.\nقال القرطبي في «تفسيره» «٤» إن معنى بلغن هنا قاربن بإجماع العلماء. وقال:\nولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك.\nوالإمساك بمعروف: هو القيام بحقوق الزوجية واستدامتها. بل اختاروا\n_________\n(١) انظر أعلام الموقعين [٤/ ٤٥] .\n(٢) انظر إغاثة اللهفان [١/ ٢٦٩- ٢٧٣] .\n(٣) انظر الإجماع لابن المنذر [ص/ ٨١] .\n(٤) تفسير القرطبي [٣/ ١٥٥] . [.....]","vol":"1","page":90},{"text":"أحد أمرين:\nإما الإمساك بمعروف من غير قصد إضرار.\nأو التسريح «١» بإحسان: أي تركها حتى تنقضي عدتها من غير مراجعة ضرار.\nوَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا كما كانت تفعل الجاهلية من طلاق المرأة حتى [يقرب] «٢» انقضاء عدّتها، ثم مراجعتها لا عن حاجة ولا لمحبة، ولكن لقصد تطويل العدة وتوسيع مدة الانتظار ضرارا لقصد الاعتداء منكم عليهن والظلم لهنّ.\nوأخرج ابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن أبي موسى قال قال رسول الله ﵌: «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله!! يقول قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك، قد راجعتك!! ليس هذا طلاق المسلمين طلقوا المرأة في قبل عدّتها «٣» .\n[الآية الرابعة والأربعون] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) .\nالخطاب في هذه الآية بقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ وبقوله: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ إما أن يكون للأزواج، ويكون معنى العضل منهم أن يمنعوهنّ من أن يتزوجنّ من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدتهن لحمية الجاهلية، كما يقع كثيرا من الخلفاء والسلاطين غيرة على من كان تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، لأنهم لما نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النخوة والكبرياء يتخيلون أنهم [قد] «٤» خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمة الله منهم بالورع والتواضع وإما أن يكون الخطاب للأولياء، ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنه سبب له لكونهم المزوجين للنساء المطلقات من الأزواج المطلقين لهن.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [السرح] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٤٢] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٢٤٢] .\n(٣) [ضعيف] أخرجه ابن ماجه في السنن ح [٢٠١٧] وابن جرير في التفسير [٢/ ٤٩٦] ح [٤٩٢٨] والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ٣٢٢] انظر ضعيف الجامع ح [٥٠٣٧] .\n(٤) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٢٤٣] .","vol":"1","page":91},{"text":"وبلوغ الأجل المذكور هنا المراد به المعنى الحقيقي: أي نهايته لا كما سبق في الآية الأولى.\nوالعضل: الحبس وقيل التضييق، والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس، وكل مشكل عند العرب معضل. وداء عضال: أي شديد عسير البرء.\nوقوله أَزْواجَهُنَّ، إن أريد به المطلقون لهن فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن أريد به من يردن أن يتزوجنه فهو مجاز أيضا باعتبار ما سيكون، وقد أخرج البخاري وأهل السنن وغيرهم عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقا لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا لكع أكرمتك به وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدا! وكان رجلا لا بأس وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الآية «١» . قال: ففيّ نزلت هذه الآية فكفّرت عن يميني وأنكحتها إياه.\n[الآية الخامسة والأربعون] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) .\nلما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الرضاع فإن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد، ولهذا قيل: إن هذا خاص في المطلقات وقيل: هو عام.\nحَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ تأكيد للدلالة على كون هذا التقدير تحقيقا لا تقريبا.\nوفيه رد على أبي حنيفة في قوله: إن مدة الرضاع ثلاثون شهرا وكذا على زفر،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٩/ ٤٨٢] ح [٥٣٣١]\n.","vol":"1","page":92},{"text":"وفي قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما بل هو التمام ويجوز الاقتصار على ما دونه والآية تدل على وجوب الرضاعة على الأم لولدها.\nوقد حمل ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ أي على الأب الذي يولد له. وآثر هذا اللفظ دون [قوله] «١» وعلى الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهن كأنهن إنما ولدن لهم فقط. ذكر معناه في «الكشاف» . والمراد بالرزق هنا الطعام الكافي المتعارف به بين الناس، والمراد بالكسوة ما يتعارفون به أيضا.\nوفي ذلك دليل على وجوب ذلك على الآباء للأمهات المرضعات. وهذا في المطلقات طلاقا بائنا وأما غيرهن فنفقتهن وكسوتهن واجبة على الأزواج من غير إرضاعهن لأولادهن.\nلا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها هو تقييد لقوله: بِالْمَعْرُوفِ أي هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه.\nوقيل: المراد لا يكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد.\nلا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها على البناء للفاعل والمفعول: أي لا تضار الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة أو بأن تفرط في حفظ الولد والقيام بما يحتاج إليه. أو لا تضار من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه أو ينتزع ولدها منها بلا سبب.\nويجوز أن تكون الباء في قوله: بِوَلَدِها صلة لقوله: تُضَارَّ على أنه بمعنى تضر أي لا تضر والدة بولدها فتسيء تربيته أو تقصر في غذائه.\nوأضيف الولد تارة إلى الأب وتارة إلى الأم لأن كل واحد منهما يستحق أن ينسب إليه مع ما في ذلك من الاستعطاف. وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقرير لها:\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٢٤٥] .","vol":"1","page":93},{"text":"أي لا يكلّف كل واحد منهما ما لا يطيقه فلا تضاره بسبب ولده.\nوَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ معطوف على قوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ: وما بينهما تفسير للمعروف أو تعليل له معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.\nواختلف أهل العلم في معنى قوله هذا: فقيل: هو وارث الصبي: أي إذا مات المولود له كان على وارث هذا الصبي المولود وإرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك. قاله عمر بن الخطاب وقتادة والسّدي والحسن ومجاهد وعطاء وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وابن أبي ليلى على خلاف بينهم: هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيبا من الميراث؟\nأو على الذكور فقط؟ أو على كل ذي رحم له وإن لم يكن وارثا منه؟\nوقيل: المراد بالوارث وارث الأب يجب عليه نفقة المرضعة وكسوتها بالمعروف.\nقاله الضحاك.\nوقال مالك في تفسير هذه الآية بمثل ما قاله الضحاك ولكنه قال: إنها منسوخة وإنها لا تلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه، وشرطه الضحاك بأن لا يكون للصبي مال، وإن كان له مال أخذت أجرة رضاعه من ماله.\nوقيل: المراد بالوارث المذكور في الآية هو الصبي نفسه: أي عليه من ماله إرضاع نفسه إذا مات أبوه وورث من ماله، قاله قبيصة بن ذؤيب وبشير بن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز وروي عن الشافعي.\nوقيل: هو الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، فإذا مات الأب كان على الأم كفاية الطفل إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري.\nوقيل: إن معنى قوله: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ: أي وارث المرضعة يجب عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع والخدمة والتربية.\nوقيل: إن معنى على الوارث: أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم، قالوا: وهذا هو الأصل فمن ادّعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل.\nقال القرطبي: وهو الصحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو الرضاع والإنفاق وعدم الضرر لقال: وعلى الوارث مثل هؤلاء فدل على أنه معطوف على المنع من المضارّة","vol":"1","page":94},{"text":"وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب.\nقال ابن عطية وقال مالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك وجماعة من العلماء: المراد بقوله مثل ذلك أن لا تضارّ، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منه. وحكى ابن القاسم عن مالك مثل ما قدمنا عنه من دعوى النسخ. ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة فإن ما خصصوا به معنى قوله: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ من ذلك المعنى- أي عدم الإضرار بالمرضعة- قد أفاده قوله لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، يصدق ذلك على كل مضارّة ترد عليها من المولود له أو غيره.\nوأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء، فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الاشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه.\nوأما ما ذهب إليه أهل القول الأوّل من أن المراد بالوارث وارث الصبيّ، فيقال عليه إنه لم يكن وارثا حقيقة مع وجود الصبيّ حيا، بل هو وارث مجازا باعتبار ما يؤول إليه.\nوأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي لكن في إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبيّ ما فيه ولهذا قيده القائل به بأن يكون الصبي فقيرا. ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدّم من ذكر الوالدة والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم.\nفَإِنْ أَرادا فِصالًا الضمير للوالدين، والفصال: الفطام عن الرضاع أي التفريق بين الصبيّ والثدي، ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه.\nعَنْ تَراضٍ مِنْهُما أي صادرا عن تراض من الأبوين إذا كان الفصال قبل الحولين.\nوَتَشاوُرٍ أي استخراج رأي من أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد.\nفَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك الفصال لما بين الله سبحانه أن مدّة الرضاع حولين كاملين قيد ذلك بقوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبي قبل الحولين كان ذلك جائزا له. وهنا اعتبر سبحانه تراضي الأبوين وتشاورهما فلا بد من الجمع بين الأمرين بأن يقال: إن الإرادة المذكورة في قوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ","vol":"1","page":95},{"text":"الرَّضاعَةَ\nلا بد أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبيّ حيين بأن يكون الموجود أحدهما أو كانت المرضعة للصبيّ غير أمه.\nوَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة. وعن سيبويه أنه حذف اللام لأنه يتعدّى إلى مفعولين والمفعول الأول محذوف.\nوالمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم.\nفَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ قيل: والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتهم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهنّ بحساب ما قد أرضعن لكم إلى وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان الثوري ومجاهد.\nوقال قتادة والزهري: إن معنى الآية: إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع، أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي كان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير وإرادة معروف من الأمر. وعلى هذا فيكون قوله: سلمتم، عاما للرجال والنساء تغليبا.\nوعلى القول الأول الخطاب للرجال فقط. وقيل: المعنى إذا سلتم لمن أردتم استرضاعها أجرها فيكون المعنى إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه: أي إعطاءه إلى المرضعات بالمعروف بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن أو حط بعض ما هو لهنّ من ذلك فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر الصبيّ والتفريط بشأنه.\n[الآية السادسة والأربعون] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤) .\nلما ذكر سبحانه عدّة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع عقب ذلك بذكر عدة الوفاة لئلا يتوهم أن عدّة الوفاة مثل عدة الطلاق.\nقال الزجاج: ومعنى الآية والرجال الذين يتوفون منكم ولهم زوجات فالزوجات يتربصن.","vol":"1","page":96},{"text":"وقال أبو علي الفارسي تقديره: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم.\nوقيل: التقدير: وأزواج الذين إلخ. ذكره صاحب «الكشاف»، وفيه أن قوله وَيَذَرُونَ أَزْواجًا لا يلائم ذلك التقدير، لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة ووجه الحكمة في جعل العدّة للوفاة هذا المقدار أن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلا ولا يتأخر عن هذا الأجل. وظاهر هذه الآية العموم وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدّتها هذه العدّة ولكنه قد خصص هذا العموم قوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] وإلى هذا ذهب الجمهور وروي عن بعض الصحابة وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتد بآخر الأجلين جمعا بين العام والخاص وإعمالا لهما.\nوالحق ما قاله الجمهور والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة ولا قواعد الشرع. ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بيان أن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف [له] «١» . وقد صح عنه ﵌ أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع «٢» .\nوالتربص: التأني والتصبر عن النكاح وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة والحرة والأمة وذات الحيض والآيسة، وإن عدتهنّ جميعا للوفاة أربعة أشهر وعشرا.\nوقيل: إن عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام. قال ابن العربي:\nإجماعا إلا ما يحكى عن الأصم فإنه يسوي بين الحرة والأمة.\nوقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال عدتها عدة الحرة، وليس بالثابت عنه. ووجه ما ذهب إليه الأصم وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدة الوفاة على الحد فإنه ينصف للأمة لقوله تعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ. وقد تقدم حديث:\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٢٤٨] .\n(٢) أخرجه البخاري في الصحيح [٩/ ٤٦٩] ح [٥٣١٨]، [٥٣١٩]، [٥٣٢٠] ومسلم في الصحيح ح [١٤٨٤] .","vol":"1","page":97},{"text":"طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان وهو صالح للاحتجاج به، وليس المراد منه إلا جعل طلاقها على النصف من طلاق الحرة وعدّتها على النصف من عدّتها ولكنه لما لم يمكن «١» أن يقال طلاقها تطليقة ونصف، وعدتها حيضة ونصف لكون ذلك لا يعقل، كانت عدّتها وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبرا للكسر، ولكن هاهنا أمر يمنع من هذا القياس الذي عمل به الجمهور وهو أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا هو ما قدمناه من معرفة خلوها من الحمل ولا يعرف إلا بتلك المدة ولا فرق بين الحرة والأمة في مثل ذلك بخلاف كون عدتها في غير الوفاة حيضتين، فإن ذلك يعرف به خلو الرحم ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدة أم الولد.\nواختلف أهل العلم في أم الولد يموت سيدها: فقال سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه: إنها تعتد بأربعة أشهر وعشرا لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا محمد ﵌! عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشرا «٢» . وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم، وصححه، وضعفه أحمد وأبو عبيد. وقال الدارقطني: الصواب أنه موقوف. وقال طاووس وقتادة: عدّتها شهران وخمس ليال وقال أبو حنيفة «٣» وأصحابه والثوري وحسن بن صالح: تعتد ثلاث حيض وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي.\nوقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه «٤»: عدّتها حيضة وغير الحائض شهر وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور.\nوقد أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول، وإن\n_________\n(١) جاء في المطبوع [يكن] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٤٨] .\n(٢) أخرجه ابن الجارود في المنتقى [١/ ١٩٤]- ح [٧٦٩]- وابن حبان في صحيحه [١٠/ ١٣٦]- ح [٤٣٠٠]، والحاكم في المستدرك [٢/ ٢٢٨]- ح [٢٨٣٦]، والدارقطني في سننه [٣/ ٣٠٩]- ح [٢٤٣]، وأبو داود [٢٣٠٨]، وابن أبي شيبة في مصنفه [٤/ ١٤٤] والإمام أحمد في مسنده [٤/ ٢٠٣]، وأبو يعلى في مسنده [١٣/ ٣٢٣]- ح [٧٣٣٨] .\n(٣) انظر الفتاوى الهندية [١/ ٥٢٩] .\n(٤) انظر الكافي لابن عبد البر [٢/ ٦٢٢]- روضة الطالبين [٨/ ٣٦٨]، المغني لموفق الدين المقدسي [٩/ ١٤٧] .","vol":"1","page":98},{"text":"كانت متقدمة في التلاوة.\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: المراد بالبلوغ هنا انقضاء العدة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من التزين والتعرض للخطاب بِالْمَعْرُوفِ الذي لا يخالف شرعا ولا عادة مستحسنة.\nوقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة. وقد ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما- من غير وجه- أن النبي ﵌ قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» «١» . وكذلك ثبت عنه ﵌ في الصحيحين وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة «٢» .\nوالإحداد: ترك الزينة من الطيب ولبس الثياب الجيدة والحلي وغير ذلك.\nواختلفوا في عدّة البائنة على قولين واحتج أصحاب الإمام أبي حنيفة على جواز النكاح بغير وليّ بهذه الآية لأن إضافة الفعل إلى الفاعل محمولة على المباشرة وأجيب بأنه خطاب للأولياء ولو صح العقد بدونهم لما كانوا مخاطبين. ومحل كل ذلك كتب الفروع.\n[الآية السابعة والأربعون] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) .\nالجناح: الإثم، أي لا إثم عليكم.\nوالتعريض «٣» ضد التصريح وهو من عرض الشيء أي: جانبه كأنه يحوم حول\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٩/ ٤٩٣] ح [٥٣٤٥] و[١٢٨١] ومسلم في الصحيح ح [١٤٨٦] و[١٤٨٧] و[١٤٨٩] .\n(٢) أخرجه البخاري في الصحيح [٩/ ٤٩٢] ح [٥٣٤٢] ومسلم في الصحيح [٢/ ١١٢٧] . [.....]\n(٣) وقعت هذه الكلمة في المطبوع مصحفه والمثبت من فتح القدير [١/ ٢٥٠] .","vol":"1","page":99},{"text":"الشيء ولا يظهره. فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه.\nقال في «الكشاف»: الفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له.\nوالتعريض: أن تذكر شيئا يدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه: جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا: وحسبك بالتسليم مني تقاضيا.\nوكأنه إمالة «١» الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه «٢» يلوح منه إلى ما يريده. انتهى.\nوالخطبة: بالكسر ما يفعله الطالب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، وأما الخطبة بضم الخاء فهي: الكلام الذي يقوم به الرجل خاطبا.\nأَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ معناه سترتم وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة.\nوالإكنان: التستر والإخفاء ومنه بيض مكنون ودر مكنون.\nعَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ أي لا تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح.\nوَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا، معناه على سر. وقد اختلف أهل العلم في معنى السر: فقيل أي نكاحا، وإليه ذهب جمهور العلماء أي: لا يقل الرجل لهذه المعتدة:\nتزوجيني بل يعرض تعريضا.\nوقيل: السر الزنا، أي: لا يكون منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها. قاله جابر بن زيد وأبو مجلز والحسن وقتادة والضحاك والنخعي واختاره ابن جرير الطبري.\nوقيل: السر: الجماع، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية.\nقال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر\n_________\n(١) جاء في المطبوع [وكامالة] وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من فتح القدير [١/ ٢٥٠] .\n(٢) جاء في المطبوع [كأنه] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٥٠] .","vol":"1","page":100},{"text":"جماع أو تحريض عليه لا يجوز. وقال أيضا: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته.\nإِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا قيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن. والقول المعروف: هو ما أبيح من التعريض، ومنع صاحب «الكشاف» أن يكون منقطعا وقال:\nهو مستثنى من قوله: لا تُواعِدُوهُنَّ أي مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة فجعله على هذا الاستثناء مفرغا ووجه كونه منقطعا أنه يؤدي إلى جعل التعريض موعودا وليس كذلك لأن التعريض طريق المواعدة لا أنه الموعود في نفسه.\nوَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي على عقدة النكاح وحذف على. قال سيبويه في هذه الآية: لا يقاس عليه. وقال النحاس: أي لا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد. وقيل: إن العزم على الفعل يتقدمه فيكون في هذا النهي مبالغة لأنه إذ نهى عن التقدم على الشيء كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى. حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ:\nيريد حتى تنقضي العدّة، والكتاب هنا: هو الحد والقدر الذي رسم من المدة سماه كتابا لكونه محدودا ومفروضا كقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٣٠) [النساء: ١٠٣] . وهذا الحكم- أعني تحريم عقد النكاح في العدة- مجمع عليه.\n[الآية الثامنة والأربعون] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) .\nالمراد بالجناح هنا: التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك: أي لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ على الصفة المذكورة ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ما مصدرية ظرفية بتقدير المضاف: أي مدة عدم مسيسكم. وقيل: شرطية من باب اعتراض الشرط على الشرط ليكون الثاني قيدا للأول، والمعنى: إن طلقتموهنّ غير ماسين لهنّ. وقيل:\nموصولة: أي إن طلقتم النساء اللائي لم تمسوهن.\nوهكذا اختلفوا في قوله أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فقيل: «أو» بمعنى «إلا» أي: إلا أن تفرضوا.","vol":"1","page":101},{"text":"وقيل: «بمعنى إلا»: أي: إلا أن تفرضوا.\nوقيل: بمعنى حتى: أي حتى تفرضوا.\nوقيل: بمعنى الواو: أي وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجها. ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين أي مدّة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معا، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل. وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منهما جناح أي المسمى أو مهر المثل أو نصفه.\nواعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها- وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية- وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئا وأن عدّتهنّ ثلاثة قروء.\nومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها- وهي المذكورة هنا- فلا مهر لها بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدّة لها.\nومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً.\nومطلقة مدخول بها غير مفروض لها وهي المذكورة في قوله فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ. والمراد بقوله: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ: ما لم تجامعوهن. والمراد بالفريضة هنا: تسمية المهر.\nوَمَتِّعُوهُنَّ: أي: أعطوهنّ شيئا يكون متاعا لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب وبه قال علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك.\nومن أدلة الوجوب قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩) [الأحزاب: ٤٩] .\nوقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم: أن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) [البقرة: ٢٣٦] أي: أن الوفاء بذلك والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه.","vol":"1","page":102},{"text":"وقد وقع الخلاف أيضا: هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أو ليست بمشروعة إلا لها فقط؟\nفقيل: إنها مشروعة لكل مطلقة وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبو العالية والحسن البصري والشافعي- في أحد قوليه- وأحمد وإسحاق.\nولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم مندوبة فقط؟\nواستدلوا بقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) وبقوله تعالى:\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) [الأحزاب: ٢٨] . والآية الأولى عامة لكل مطلقة، والثانية في أزواج النبي ﵌ وقد كنّ مفروضا لهنّ مدخولا بهن.\nوقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضا لها لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ (٤٩) [الأحزاب: ٤٩] ... إلخ قال هذه الآية التي في الأحزاب نسخت بالتي في البقرة.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء والتسمية لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى أو مهر المثل. وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة: أي يسمى لها مهرا. وطلقها قبل الدخول المستحق نصف المسمى.\nومن القائلين بهذا ابن عمر ومجاهد ووقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول والفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة، وأما إذا كانت أمة فذهب الجمهور إلى أن لها المتعة. وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها لأنها تكون لسيدها، وهو لا يستحق مالا في مقابل تأذي مملوكته لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك.\nوقد اختلفوا في المتعة المشروعة: هل هي مقدورة بقدر أم لا؟\nفقال مالك والشافعي: لا حدّ لها معروف، بل ما يقع عليه اسم المتعة «١» .\n_________\n(١) اعلم أن أحد قولي الإمام الشافعي، وإحدى روايات الإمام أحمد أنه موكل إلى اجتهاد الحاكم.","vol":"1","page":103},{"text":"وقال أبو حنيفة: إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر «١» مثلها ولا ينقص عن خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم وللسلف في ذلك أقوال.\nعَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ وهذا يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال الزوج فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير «٢» ولا ينظر إلى قدر الزوجة وقيل:\nهذا ضعيف في مذهب الشافعي، بل ينظر الحاكم باجتهاد إلى حالهما جميعا على أظهر الوجوه مَتاعًا أي متعوهن متاعا بِالْمَعْرُوفِ: ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له. حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦): وصف لقوله متاعا أو مصدر لفعل محذوف: أي حق ذلك حقا.\n[الآية التاسعة والأربعون] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) .\nأي تجامعوهن، وفيه دليل على أن المتعة لا تجب لمثل هذه المطلقة لوقوعها في مقابل المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة. وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ: أي فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهنّ من المهر. وهذا مجمع عليه.\nوقد وقع الاتفاق أيضا على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها ومات وقد فرض لها مهرا تستحقه كاملا بالموت، ولها الميراث، وعليها العدة.\nواختلفوا في الخلوة: هل تقوم مقام الدخول وتستحق المرأة بها كمال المهر كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك والشافعي- في القديم- والكوفيون\n_________\nوعن الشافعي قول آخر: أنه بمقدار ما يقع الاسم عليه كالصداق، ويصح بما قول وجل.\nانظر: روضة الطالبين [٧/ ٣٢٢]- مغني المحتاج [٢/ ٢٤٢]- الكافي لموفق الدين المقدسي [٧٣١٣]- الإفصاح لابن هبيرة [١١٢١٢]-.\n(١) جاء في المطبوع [من] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٥٣] وانظر الهداية [١/ ٢٢٢] .\n(٢) جاء في المطبوع [الأخير] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٥٣] .","vol":"1","page":104},{"text":"والخلفاء الراشدون وجمهور أهل العلم وتجب عندهم أيضا العدة. وقال الشافعي- في الجديد- لا يجب إلا نصف المهر وهو ظاهر الآية لما تقدم من أن المسيس هو الجماع.\nولا تجب عنده العدة، وإليه ذهب جماعة من السلف.\nإِلَّا أَنْ يَعْفُونَ: أي المطلقات ومعناه يتركن ويصفحن، وهو استثناء مفرغ من أعمّ العام. وقيل: العام، وقيل: منقطع. ومعناه يتركن النصف الذي يجب لهنّ على الأزواج ولم يسقط النون لكونها ضميرا وليست بعلامة إعراب. وهذا ما عليه جمهور المفسرين. وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، الرجال وهو ضعيف لفظا ومعنى.\nأَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ: قيل: هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع وابن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبو مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان. وهو الجديد من قولي الشافعي وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي ورجحه ابن جرير.\nوفي هذا القول قوة وضعف: أما قوته فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج لأنه [هو] الذي إليه رفعه بالطلاق.\nوأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملا غير ظاهر لأن العفو لا يطلق على الزيادة.\nوقيل: المراد بقوله: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، هو الولي. وبه قال النخعي وعلقمة والحسن وطاووس وعطاء وأبو الزناد وزيد بن أسلم وربيعة والزهري والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في قوله القديم وفيه أيضا قوة وضعف: أما قوته فلكون معنى العفو فيه معقولا، وأما ضعفه فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده. ومما يزيد هذا القول ضعفا أنه ليس للوليّ أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الوليّ لا يملك شيئا من مالها، والمهر مالها. فالراجح ما قاله الأولون لوجهين: الأول: أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة، الثاني: أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن مالك مطلق التصرف بخلاف الولي. وتسميته الزيادة عفوا وإن كان خلاف الظاهر لكنف لما كان الغالب أنهم يسوقون","vol":"1","page":105},{"text":"المهر كاملا عند العقد كان العفو معقولا لأنه تركه لها ولم يسترجع النصف منه. ولا يحتاج في هذا أن يقال إنه من باب المشاكلة- كما في الكشاف- لأنه عفو حقيقي: أي ترك ما تستحق المطالبة به إلا أن يقال إنه مشاكلة أو تغليب في توفيته المهر قبل أن يسوقه الزوج.\n[الآية الخمسون] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) .\nالمحافظة على الشيء: هي المداومة والمواظبة عليه. والأمر للوجوب. والمراد بالصلوات هي الخمس المكتوبات. فالمعنى واظبوا عليها برعاية شرائطها وأركانها.\nوَالصَّلاةِ الْوُسْطى: الأوسط وأوسط الشيء ووسطه خياره ومنه قوله تعالى:\nوَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة: ١٤٣] . وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر بعد دخولها في عموم الصلوات تشريفا لها.\nوقد اختلف أهل العلم في تعيينها على ثمانية عشر قولا أوردها الشوكاني في شرحه للمنتقى وذكر ما تمسكت به كل طائفة. وأرجح الأقوال وأصحها ما ذهب إليه الجمهور من أنها العصر لما ثبت عند البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث عليّ ﵁ قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﵌ يقول يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم نارا» «١» .\nوأخرج مسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعا مثله «٢» .\nوأخرجه أيضا ابن جرير وابن المنذر والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا «٣» .\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٦/ ١٠٥] ح [٢٩٣١] و[٤١١١] و[٤٥٣٣] و[٦٣٩٦] ومسلم في الصحيح ح [٦٢٧] .\nانظر كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى [١٧- ٢٧] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [٦٢٨] وأحمد في المسند [١/ ٣٩٢] والترمذي في السنن ح [١٨١] .\n(٣) أخرجه الطبراني في الكبير [١١/ ٣٢٩] ح [١١٩٠٥] وفي الأوسط كما في المجمع [١/ ٣٠٩]","vol":"1","page":106},{"text":"وأخرجه البزار بإسناد صحيح من حديث جابر مرفوعا.\nوأخرجه أيضا البزار بإسناد صحيح من حديث حذيفة مرفوعا.\nوأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث أم سلمة مرفوعا، وورد من غير ذكر يوم الأحزاب أحاديث مرفوعة إلى النبي ﵌ بأسانيد صحيحة مصرحة بأنها القصر.\nوقد روي عن الصحابة تعيين أنها العصر آثار كثيرة «١» وفي الثابت عن النبي ﵌ ما لا يحتاج معه إلى غيره.\nوأما ما ورد عن عليّ وابن عباس أنهما قالا: إنها صلاة الصبح، كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس، وكذلك غيره عن ابن عمر وأبي أمامة ﵃. فكل ذلك من أقوالهم وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي ﵌، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما قد ثبت عنه ﵌ ثبوتا يمكن أن يدعى فيه التواتر. وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعدهم من التابعين وتابعيهم بالأولى.\nوهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس أنها صلاة المغرب.\nوهكذا لا اعتبار بما ورد من أقوال جماعة من الصحابة أنها الظهر أو غيرها من الصلوات.\nولكن المحتاج إلى إمعان نظر وفكر ما ورد مرفوعا إلى النبي ﵌ مما فيه دلالة على أنها الظهر كما أخرجه ابن جرير عن زيد بن ثابت مرفوعا أنها صلاة الظهر «٢» - ولا يصح رفعه- بل المروي ذلك عن زيد من قوله واستدل على ذلك بأن النبي ﵌ كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه فلذا خصصها بالذكر.\nوأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﵌؟\nوهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر وعائشة وأبي سعيد الخدري من قولهم: إنها\n_________\nوابن جرير في التفسير [٢/ ٥٧٤] ح [٥٤٣٦] .\n(١) انظرها في تفسير ابن جرير [٢/ ٥٦٩- ٥٧٦] .\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [٢/ ٥٧٧] ح [٥٤٦٣] .","vol":"1","page":107},{"text":"الظهر، وغيرهم. فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله ﵌.\nوأما ما روي عن حفصة وعائشة وأم سلمة: في القرآن الصلاة الوسطى وصلاة العصر- مرفوعا- فغاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى أنها غيرها.\nوهذا الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه ﵌ ثبوتا لا يدفع أنها العصر. وهذه القراءة التي نقلتها أمهات المؤمنين الثلاثة بإثبات قوله: وصلاة العصر، معارضة بما أخرجه ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف عائشة: وهي صلاة العصر، وفي رواية: صلاة العصر، بغير الواو، وهكذا أخرج ابن جرير والطحاوي والبيهقي عن عمر بن رافع قال: كان مكتوبا في مصحف حفصة: وهي صلاة العصر، فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة ونقل القراءة، ويبقى ما صح عن النبي ﵌ من التعيين صافيا عن شوب كدر المعارضة. على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي نقلتها حفصة وعائشة وأم سلمة. وإذا عرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر.\nوأما حجج بقية الأقوال فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به لأنه لم يثبت عن النبي ﵌ في ذلك شيء وبعض القائلين عول على أمر لا يعول عليه فقال: إنها صلاة كذا لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات وبعدها كذا من الصلوات. وهذا الرأس المحض والتخمين البحت لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن رسول الله ﵌ فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة والقوة والثبوت عن رسول الله ﵌؟! ويا لله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة وإعراضهم عن خير العلوم وأنفعها حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله والتجرؤ على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى فجاءوا بما يضحك منه تارة ويبكى منه أخرى!! ..\nوَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) القنوت قيل: هو الطاعة، قاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشافعي.\nوقيل: هو الخشوع، قاله ابن عمر ومجاهد.\nوقيل: هو الدعاء، وبه قال ابن عباس.","vol":"1","page":108},{"text":"وفي الحديث أن رسول الله ﵌ قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان «١» .\nوقال قوم القنوت: طول القيام، وقيل معنى قانتين: ساكتين، قاله السّدي. ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما قال: كان الرجل يكلم صاحبه على عهد رسول الله ﵌ في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فأمرنا بالسكوت «٢» .\nوقيل: أصل القنوت في اللغة: الدوام على الشيء، فكل معنى يناسب الدوام يصح إطلاق القنوت عليه. وقد ذكر أهل العلم أن للقنوت ثلاثة عشر معنى، ذكر ذلك الشوكاني في «نيل الأوطار» . والمتعين هنا حمل القنوت على السكوت للحديث المذكور.\nوقد اختلفت الأحاديث في القنوت المصطلح عليه: هل هو قبل الركوع أو بعده؟\nوهل هو في جميع الصلوات أو بعضها؟ وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ والراجح اختصاصه بالنوازل. أوضح الشوكاني ذلك في شرح المنتقى «٣» . وقد أوردت جملة صالحة من ذلك في «الروضة الندية» و«مسك الختام» .\nفَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا: الخوف: هو الفزع.. والرجال: جمع رجل أو راجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب، ومشى على قدميه فهو رجل وراجل. يقول أهل الحجاز: مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا حكاه ابن جرير الطبري وغيره. لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات ذكر حالة الخوف وأنهم يصنعون فيها ما يمكنهم ويدخل تحت طوقهم من المحافظة على الصلوات بفعلها حال الترجل والركوب كيف كانت.\nوأبان لهم أن هذه العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان.\nوقد اختلف أهل العلم في حد الخوف المبيح لذلك والبحث مستوفى في كتب الفروع.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٢/ ٤٨٩] ح [١٠٠٢] ومسلم في الصحيح ح [٢٩٧] و[٥٣٩] وأحمد في المسند [٤/ ٣٦٨] وأبو داود في السنن ح [٩٤٩] والترمذي في السنن ح [٤٠٥] . [.....]\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [٥٣٩] والبخاري في الصحيح [٨/ ١٩٨] ح [٤٥٣٤] .\n(٣) شرح المنتقى [٢/ ٣٩٣] .","vol":"1","page":109},{"text":"فَإِذا أَمِنْتُمْ: أي زال خوفكم فارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الصلاة مستقبلين القبلة قائمين بجميع شروطها وأركانها، وهو قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ: أي مثل ما علمكم من الشرائع ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) والكاف صفة لمصدر محذوف: أي ذكرا كائنا كتعليمه إياكم ومثل تعليمه إياكم، وفيه إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم، ولولا تعليمه إيانا لم نعلم شيئا، فله الحمد كما يليق.\n[الآية الحادية والخمسون]\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) .\nقد اختلف المفسرون في هذه الآية: فقيل: هي المتعة وإنها واجبة لكل مطلقة، وقيل: إن هذه الآية خاصة بالثيبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهنّ الأزواج وقد قدمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض أو عامة للمطلقات.\nوقيل: إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط. وقيل: المراد بالمتعة هنا النفقة.\n[الآية الثانية والخمسون]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) .\nأي من جيد ما كسبتم ومختاره، كذا قال الجمهور.\nوقال جماعة: إن معنى الطيبات هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين جميعا لأن جيد الكسب ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالا كان أو حراما، فالحقيقة الشرعية مقدّمة على اللغوية.\nقيل: وفيه دليل على إباحة الكسب.","vol":"1","page":110},{"text":"وأخرج البخاري عن المقدام مرفوعا: «ما أكل أحد طعاما [قطّ] خيرا من أن يأكل من عمل يده» «١» .\nوَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي من طيباتها، وحذف لدلالة ما قبله عليه وهي النباتات والمعادن والركاز. وظهر الآية وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض وخصه الشافعي بما يزرعه الآدميون ويقتات اختيارا وقد بلغ نصابا. وثمر النخل وثمر العنب.\nوتفصيل المذاهب في كتب الفروع.\nوَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ أي لا تقصدوا المال الرديء. وفي الآية أمر بإنفاق الطيب والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في الصدقة المفروضة، وذهب آخرون إلى أنها تعمّ صدقة الفرض والتطوع، وهو الظاهر. وتقدم الظرف «٢» في قوله: مِنْهُ تُنْفِقُونَ يفيد التخصيص: أي لا تخصصوا الخبيث بالإنفاق قاصرين له عليه.\nوَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ: أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات. هكذا بيّن معناه الجمهور وقيل: معناه لستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع.\nإِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ورضي ببعض حقه وتجاوز وغمض بصره عنه.\n[الآية الرابعة والخمسون]\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) .\nالربا في اللغة: الزيادة مطلقا، وفي الشرع يطلق على شيئين: على ربا الفضل وربا النسيئة حسب ما هو مفصل في كتب الفروع.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ٣٠٣] ح [٢٠٧٢] .\n(٢) جاء في المطبوع [الظروف] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٢٨٩] .","vol":"1","page":111},{"text":"وغالب ما كانت تفعله الجاهلية إذا حلّ أجل الدين قال من هو له، لمن هو عليه:\nأتقضي أم تربي؟ فإذا لم يقض زاد مقدارا في المال الذي عليه وأخر له الأجل إلى حين.\nوهذا حرام بالاتفاق. ومعنى الآية أن الله أحل البيع وحرّم نوعا من أنواعه وهو المشتمل على الربا.\nوالبيع مصدر باع يبيع: أي دفع عوضا وأخذ معوّضا، وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم ذنب الربا منها حديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم- وصححه- والبيهقي عن النبي ﵌ قال: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه! وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» «١» . وورد هذا المعنى- مع اختلاف العدد- عن جمع من الصحابة منهم عبد الله بن سلام وكعب وابن عباس. وتمام الكلام في هذا المرام في شرحنا لبلوغ المرام فليرجع إليه.\n[الآية الخامسة والخمسون]\nفَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) .\nوَإِنْ تُبْتُمْ أي من الربا فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ تأخذونها لا تَظْلِمُونَ غرماءكم بأخذ الزيادة وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) أنتم من قبلهم بالمطل والنقص. وفي هذا دليل على أن أموالهم- مع عدم التوبة- حلال لمن أخذها من الأئمة ونحوهم، وقد دلت الآية التي قبلها أعني قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر. ولا خلاف في ذلك.\n[الآية السادسة والخمسون] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) .\nلما حكم سبحانه لأهل الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذوي العسرة بالنظرة إلى اليسار.\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه الحاكم في المستدرك [٢/ ٣٦] انظر صحيح الجامع ح [٩٥٣٩] .","vol":"1","page":112},{"text":"والعسرة: ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة.\nوالنظرة: التأخير.\nوالميسرة: مصدر بمعنى اليسر، وارتفع «ذو» بكان التامة التي بمعنى وجد. وهذا قول سيبويه وأبي علي الفارسي وغيرهما، وفي مصحف أبيّ: إن كان ذا عسرة على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة، وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ ذو فهي عامة في جميع من عليه دين. وإليه ذهب الجمهور.\nوَأَنْ تَصَدَّقُوا على معسري غرمائكم بالإبراء خَيْرٌ لَكُمْ وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برؤوس أموالهم كلها أو بعض منها على من أعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره. قاله السّدي وابن زيد والضحاك.\nوقال آخرون: معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم، والصحيح الأول. وليس في الآية مدخل للغني.\nإِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)، جوابه محذوف: أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به. وقد وردت أحاديث صحيحه في «الصحيحين» وغيرهما في الترغيب لمن له دين على معسر أن ينظره.\n[الآية السابعة والخمسون]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ","vol":"1","page":113},{"text":"عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) .\nهذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا: أي إذا داين بعضكم بعضا وعامله بذلك سواء كان معطيا أو آخذا.\nوالدين: عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة.\nوإن العين: عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا.\nوقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز، وخصوصا أجل السلم.\nوقد ثبت في الصحيح عن النبي ﵌: «من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم» «١» . وقد قال بذلك الجمهور واشترطوا توقيته بالأيام أو الأشهر أو السنين.\nقالوا: ولا يجوز إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع القافلة أو نحو ذلك، وجوزه مالك.\nفَاكْتُبُوهُ: أي الدين بأجله بيعا كان أو سلما أو قرضا، لأنه أرفع للنزاع وأقطع للخلاف.\nوَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ هو بيان لكيفية الكتابة المأمور بها. وظاهر الأمر الوجوب وبه قال عطاء والشعبي وغيرهما، وأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك، ولم يوجد كاتب سواه، وقيل: الأمر للندب. وبه قال الجمهور.\nبِالْعَدْلِ صفة لكاتب أي كاتب كائن بالعدل: أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانين، وهو أمر للمداينين باختيار كاتب متصد بهذه الصفة لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادة لأحدهما على الآخر بل يتحرى الحق بينهم والمعدلة فيهم.\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ٤٢٨] ح [٢٢٣٩] و[٢٢٤٠] و[٢٢٤١] و[٢٢٥٣] ومسلم في الصحيح ح [١٦٠٤] .","vol":"1","page":114},{"text":"وَلا يَأْبَ كاتِبٌ النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم: أي لا يمتنع أحد من الكتاب أَنْ يَكْتُبَ كتاب التداين كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ: أي على الطريقة التي علمه الله من الكتابة أو كما علمه الله بقوله العدل.\nفَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ: الإملال والإملاء لغتان: الأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد، والثانية لغة بني تميم. فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى. وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان: ٥] .\nالَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: هو من عليه الدين أمره الله تعالى بالإملاء، لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته، وأمره الله بالتقوى فيما يمليه على الكاتب، وبالغ في ذلك بالجمع بين الاسم والوصف في قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، ونهاه عن البخس وهو النقص بقوله: يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا وقيل: إنه نهي للكاتب، والأول أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص ولو كان نهيا للكاتب لم يقتصر في نهيه عن النقص لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص.\nفَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ إظهار في مقام الإضمار لزيادة الكشف والبيان.\nسَفِيهًا هو الذي لا رأي له في حسن التصرف فلا يحسن الأخذ ولا الإعطاء شبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج. وبالجملة فالسفيه هنا هو المبذر إما بجهله بالتصرف أو لتلاعبه بالمال عبثا مع كونه لا يجهل الصواب. وقيل: هو الطفل الجاهل بالإملاء.\nأَوْ ضَعِيفًا وهو الشيخ الكبير أو الصبي. قال أهل اللغة: الضعف بضم الضاد في البدن، وبفتحها في الرأي أو الذي لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ أي لخرس أو لعيّ أو حبس أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكتب فالمراد الذي لا يقدر على التعبير كما ينبغي.\nوقيل: إن الضعيف هو المذهول «١» العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، والذي لا يستطيع أن يمل هو الصغير.\nفَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ: الضمير عائد إلى الذي عليه الحق: فيمل عن السفيه وليه\n_________\n(١) جاء في المطبوع [المدخول] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٠٠] .","vol":"1","page":115},{"text":"المنصوب عنه بعد حجره عن التصرف في ماله، ويمل عن الصبي وصيه أو وليه وكذلك يمل عن العاجز الذي لا يستطيع الإملال لضعفه وليّه لأنه في حكم الصبي أو المنصوب عنه من الإمام أو القاضي. ويمل عن الذي لا يستطيع وكيله إذا كان صحيح العقل وعرضت له آفة في لسانه، أو لم تعرض ولكنه جاهل لا يقدر على التعبير كما ينبغي.\nوقال الطبري «١» الضمير في قوله: وَلِيُّهُ يعود إلى الحق وهو ضعيف جدا.\nقال القرطبي في «تفسيره» «٢» وتصرف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد إجماعا مفسوخ «٣» أبدا لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا، فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ففيه الخلاف.\nوَاسْتَشْهِدُوا والاستشهاد: طلب الشهادة، وتسمية الكاتبين شَهِيدَيْنِ قبل الشهادة من المجاز: الأول أي باعتبار ما يؤول إليه أمرهما من الشهادة. ومِنْ رِجالِكُمْ متعلق بقوله: وَاسْتَشْهِدُوا أي من المسلمين، فيخرج الكفار. ولا وجه لخروج العبيد من هذه الآية فهم- إذا كانوا مسلمين- من رجال المسلمين. وبه قال شريح وعثمان البتي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور.\nوقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق.\nوقال الشعبي والنخعي: تصح في الشيء اليسير دون الكثير.\nواستدل الجمهور على عدم جوازها بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالمداينة والعبيد لا يملكون شيئا تجري فيه المعاملة. ويجاب عن هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأيضا العبد تصح منه المداينة وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك.\nوقد اختلف الناس: هل الإشهاد واجب أو مندوب؟ فقال أبو موسى الأشعري\n_________\n(١) تفسير الطبري [٣/ ١٢٢] .\n(٢) تفسير القرطبي [٣/ ٣٨٩] .\n(٣) جاء في المطبوع [منسوخ] بدلا من [مفسوخ] وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من تفسير القرطبي [٣/ ٣٨٩] .","vol":"1","page":116},{"text":"وابن عمر والضحاك وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي الظاهري وابنه: إنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري «١» .\nوذهب الشعبي والحسن ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه مندوب، وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع، واستدل الموجبون بقوله تعالى وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله: وَأَشْهِدُوا فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة فَإِنْ لَمْ يَكُونا: أي الشهيدان رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ: أي فليشهد رجل وَامْرَأَتانِ أو فرجل وامرأتان يكفون مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ: أي دينهم وعدالتهم.\nوفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهن، إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة.\nواختلفوا: هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدعي؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز ذلك لأن الله سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك.\nوهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدعي.\nوالحق أنه جائز لورود الدليل عليه وهو زيادة لم تخالف ما في الكتاب العزيز فيتعين قبولها. وقد أوضح ذلك الشوكاني ﵀ في شرحه للمنتقى وغيره من مؤلفاته.\nومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يردّ به قضاء رسول الله ﵌ بالشاهد واليمين ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على شفا جرف هار هي قولهم: إن الزيادة على النص نسخ! وهذه دعوى باطلة بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها. وأيضا كان يلزمهم ألا يحكموا بنكول المطلوب ولا بيمين الرد على الطالب وقد حكموا بها، والجواب الجواب.\nوقد أوضحنا حكم الزيادة على النص في رسالتنا المسماة ب «حصول المأمول من علم الأصول» وبسطنا الكلام على مسئلة القضاء بالشاهد واليمين في «مسك الختام»\n_________\n(١) تفسير الطبري [٣/ ١٣٤] .","vol":"1","page":117},{"text":"فليرجع إليهما.\nأَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما: قال أبو عبيد معنى تضل تنسى: أي لنقص العقل والضبط.\nوالضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء. وقرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ بكسر الهمزة وقوله: فَتُذَكِّرَ جوابه على هذه القراءة وعلى قراءة الجمهور هو منصوب بالعطف على تضل، ومن رفعه فعلى الاستئناف.\nوقراءة ابن كثير وأبو عمرو «١» (فتذكر) بتخفيف الذال والكاف ومعناه تزيدها ذكرا.\nوقراءة الجماعة بالتشديد: أي تنبيها إذا غفلت ونسيت.\nوهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء، أي فليشهد رجل ولتشهد امرأتان عوضا عن الرجل الآخر لأجل أن تذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت. وعلى هذا فيكون في الكلام حذف وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضا عن الرجل الواحد فقيل:\nوجهه أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى، العلة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته، [وأبهم] «٢» الفاعل في تضل وتذكر لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان. فالمعنى إن ضلت هذه ذكرتها هذه وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين.\nوإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال.\nوقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك- يعني الضلال والتذكير- يقع بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها.\nوقال سفيان بن عيينة معنى قوله: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى تصيرها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد. وروي نحوه عن أبي عمرو بن العلاء، ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع «٣» ولا لغة ولا عقل.\nوَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا: أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل وقيل: إذا ما دعوا لتحمل الشهادة. وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، وحملها الحسن على\n_________\n(١) جاء في المطبوع [عمر] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٠٢] .\n(٢) جاء في المطبوع [اسم] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٠٢] .\n(٣) جاء في المطبوع [شرح] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٠٢] . [.....]","vol":"1","page":118},{"text":"المعنيين. وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام.\nوَلا تَسْئَمُوا: أي لا تملوا أيها المؤمنون أو المتعاملون أو الشهود أَنْ تَكْتُبُوهُ: أي الذي تداينتم به. وقيل: الحق، وقيل: الشاهد، وقيل: الكتاب. نهاهم الله سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا ثم بالغ في ذلك فقال:\nصَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا: أي لا تملوا من الكتابة في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيرا أو قليلا. وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به ولدفع ما عساه أن يقال إن هذا مال صغير: أي قليل لا احتياج إلى كتبه. إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ: أي المكتوب المذكور في ضمير قوله: أَنْ تَكْتُبُوهُ.\nأَقْسَطُ: أي أعدل وأحفظ وأصح عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أعون على إقامة الشهادة وأثبت لها وهو مبني من أقام وكذلك أقسط مبني من فعله أقسط. وقد صرح سيبويه بأنه قياسي أي بني أفعل التفضيل وَأَدْنى: أي أقرب إلى أَلَّا تَرْتابُوا: أي لنفي الريب والشك في معاملتكم. وذلك أن الكتاب الذي تكتبونه يدفع ما يعرض لهم «١» من الريب كائنا ما كان إِلَّا أَنْ تَكُونَ: أن في موضع نصب على الاستثناء، قاله الأخفش. وكان تامة: أي إلا أن يقع أو يوجد تِجارَةً والاستثناء منقطع أي لكن وقت تبايعكم وكون تجارتكم حاضِرَةً بحضور المدلين تُدِيرُونَها الإدارة: التعاطي والتقابض فالمراد والتبايع الناجز يدا بيد فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها: أي فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة على أن الإشهاد فيها يكفي- كذا قيل، وقيل: معناه إذا تبايعتم أي تبايع كان- حاضرا أو كماليا- لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف وأقطع لمنشأ الشجار من غيره وقد تقدم قريبا ذكر الخلاف في كون هذا الإشهاد واجبا أو مندوبا.\nوَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل أو للمفعول، فعلى الأول معناه: لا يضار كاتب ولا شهيد من طلب ذلك منهما، إما بعدم الإجابة أو بالتحريف والتبديل والزيادة والنقصان في كتابته. ويدل على هذا قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس وابن أبي إسحاق. ولا يضارر بكسر الراء الأولى، وعلى الثاني المعنى لا يضار كاتب ولا شهيد بأن يدعيا إلى ذلك وهما مشغولان بمهمّ لهما ويضيق عليهما في\n_________\n(١) جاء في المطبوع [بالعرض لكم] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٠٢] .","vol":"1","page":119},{"text":"الإجابة ويؤذيا إن حصل منهما التراخي «١» أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد.\nويدل على ذلك قراءة ابن مسعود ولا يضارر بفتح الراء الأولى، وصيغة المفاعلة تدل على اعتبار الأمرين جميعا وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه من المضارة فَإِنَّهُ: أي فعلكم هذا فُسُوقٌ: أي خروج عن الطاعة إلى المعصية متلبس بِكُمْ.\n[الآية الثامنة والخمسون] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) .\nلما ذكر سبحانه مشروعية الكتاب والإشهاد لحفظ الأموال ودفع الريب عقب ذلك بذكر حالة العذر عن وجود الكاتب ونص على حالة السفر فإنها من جملة أصحاب العذر ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر وجعل البرهان المقبوضة قائمة مقام الكتابة: أي فإن كنتم مسافرين وَلَمْ تَجِدُوا كاتبا في سفركم فَرِهانٌ: قال أهل العلم: الرهن في السفر ثابت بنص التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله ﵌ كما ثبت في الصحيحين أنه رهن درعا له عند يهودي «٢» وذهب الجمهور إلى اعتبار القبض، كما أفاده قوله مَقْبُوضَةٌ. وذهب مالك إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون قبض.\nوَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ: نهي للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة إذا دعوا لإقامتها وهو في حكم التفسير لقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ أي لا يضار بكسر الراء الأولى على أحد التفسيرين المتقدمين وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ خص القلب بالذكر لأن الكتم من أفعاله، ولكونه رئيس الأعضاء وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد كله.\nوإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمله أبلغ، وهو صريح في مؤاخذة الشخص\n_________\n(١) جاء في المطبوع [التراض] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٠٣] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٦٠٣] والبخاري في الصحيح [٥/ ١٤٢] . ح [٢٥٠٩] .","vol":"1","page":120},{"text":"بأعمال قلبه وارتفاع القلب على أنه فاعل أو مبتدأ وآثم خبره- على ما تقرر في علم النحو- ويجوز أن يكون قلبه بدلا من آثم بدل البعض من الكل. ويجوز أيضا أن يكون بدلا من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من. وقرىء قلبه بالنصب كما في قوله إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.\nوأخرج البخاري في «تاريخه» وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن ماجة وأبو نعيم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ- حتى بلغ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا قال هذه نسخت ما قبله.\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «١» أقول: رضي الله عن هذا الصحابي الجليل ليس هذا من باب النسخ فهذا مقيد بالائتمان وما قبله مع عدمه. فعلى هذا هو ثابت محكم لم ينسخ. انتهى.\nأقول: الأحق هو التطبيق والتأويل مهما أمكن دون القول بالنسخ وإلغاء أحد الحكمين كما حققت ذلك في «إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ» . أخرج ابن جرير بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.\n(تمت آيات البقرة الشرعية غير المنسوخة بالضرورة) .\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ٣٠٥] .","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>سورة آل عمران [مائتا آية]</span>\n(وهي مدنية. قال القرطبي «١» بالإجماع، ووردت الأحاديث الدالة على فضلها مشتركة بينها وبين سورة البقرة) .\n[الآية الأولى]\nلا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) .\nفيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار بسبب من الأسباب ومثله قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: ١١٨]، وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١]، وقوله: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١] وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١] .\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ: أي الاتخاذ المدلول عليه بقوله لا يَتَّخِذِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي من ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل «٢» حال إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً على صيغة الخطاب بطريق الالتفات: إي إلا أن تخافوا منهم أمرا يجب اتقاؤه، وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال. وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهرا لا باطنا وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا: لا\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٤/ ١] .\n(٢) جاء في المطبوع [عن كل] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٣٣١] .","vol":"1","page":122},{"text":"تقية بعد أن أعز الله الإسلام.\n[الآية الثانية]\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) .\nاللام في قوله وَلِلَّهِ هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيدا حرف عَلَى فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب كما قال القائل:\nلفلان عليّ كذا فذكر الله سبحانه الحج بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته. وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد. مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا: وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي؟ فقيل:\nالزاد والراحلة، وبهما فسرها النبي ﵌ على ما رواه الحاكم وغيره «١» . وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم، وهو الحق.\nوقال مالك: إن الرجل إذا وثق بقوّته لزمه الحج، وإن لم يكن له زاد وراحلة إذا كان يقدر على التكسب، وبه قال عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة.\nوقال الضحاك: إن كان شابا قويا وليس له مال فعليه أن يؤجر نفسه حتى يقضي حجه.\nومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولا أوليا أن تكون الطريق إلى الحج آمنة بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي لا يجد زادا غيره.\nأما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة، لأن الله ﷾ يقول: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وهذا الخائف على نفسه أو ماله لم يستطع إليه سبيلا بلا شك ولا شبهة.\nوقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ بعض المال على وجه [لا] «٢» يجحف بزاد الحاج؟ فقال الشافعي: لا يعطي حبة، ويسقط عليه فرض\n_________\n(١) [ضعيف] أخرجه الحاكم في المستدرك [١/ ٤٤٢] وابن ماجه في السنن ح [٢٨٩٧] والبيهقي في السنن الكبرى [٤/ ٣٣٠] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمثبت من فتح القدير [١/ ٣٦٣] .","vol":"1","page":123},{"text":"الحج ووافقه جماعة وخالفه آخرون.\nوالظاهر أن من تمكن من الزاد والراحلة وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من مرورها- ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج ولا ينقص من زاده ولا يجحف به- فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه لأنه قد استطاع السبيل إليه بدفع شيء من المال ولكنه يكون هذا المال المدفوع في الطريق من جملة ما يتوقف عليه الاستطاعة: فلو وجد الرجل زادا وراحلة ولم يجد ما يدفعه لمن يأخذ المكس في الطريق لم يجب عليه الحج لأنه لم يستطع إليه سبيلا، وهذا لا بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، فإنه قد تعذر المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون.\nولعل وجه قول الشافعي إنه يسقط الحج أن أخذ هذا المكس منكر، فلا يجب على الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير مستطيع.\nومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه الركوب، فلو كان زمنا بحيث لا يقدر على المشي ولا على الركوب فهذا- وإن وجد الزاد والراحلة- لم يستطع السبيل. وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زادا أو راحلة ولم يحج ذكرها الشوكاني في «فتح القدير» «١» وتكلم عليها.\n[الآية الثالثة]\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) .\nأي يأتي به حاملا له على ظهره، كما صح ذلك عن النبي ﵌ فيفضحه بين الخلائق «٢» .\nوهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد ويطلع عليها أهل المحشر وهي مجيئه يوم القيامة بما غله حاملا له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب.\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ٣٦٥] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٨٣١] .","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>سورة النساء [مائة وست وسبعون آية]</span>\nوهي كلها مدنية. قال القرطبي «١»: إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.\n[الآية الأولى]\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) .\nوجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه وليا لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها: أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهنّ من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ سواهنّ. فهذا سبب نزول الآية. فهو نهي يخص هذه الصورة.\nوقال جماعة من السلف: إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أوّل الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في [اليتامى فكذك يخافون ألا يقسطوا في] «٢» النساء لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء. والخوف من الأضداد فإن المخوف [منه] قد يكون معلوما، وقد يكون مظنونا ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية: فقال أبو عبيد: خفتم بمعنى أيقنتم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٥/ ١] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ١٤٩] .","vol":"1","page":125},{"text":"وقال آخرون: خفتم بمعنى ظننتم.\nقال ابن عطية: والمعنى: من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح غيرها و«ما» في قوله ما طابَ موصولة. فالمعنى: فانكحوا النوع الطيب من النساء: أي الحلال وما حرمه الله فليس بطيب.\nوقيل: «ما» هنا ظرفية أي ما دمتم مستحسنين للنكاح وضعفه ابن عطية، وقال الفراء: مصدرية، قال النحاس: وهذا بعيد جدا.\nوقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة، ومِنَ في قوله: مِنَ النِّساءِ إما بيانية أو تبعيضية، لأن المراد غير اليتامى.\nمَثْنى أي اثنتين اثنتين.\nوَثُلاثَ أي ثلاثا ثلاثا.\nوَرُباعَ أي أربعا أربعا.\nوقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد، كما يقال لجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم، أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهذا مسلم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عين مكانه.\nأما لو كان مطلقا كما يقال: أقسموا الدراهم ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا. والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول. على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كثيرا اقتسموه مثنى مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي.\nومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم ثلاث ورباع. والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥]، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣]، ونحوها.\nفقوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ: لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء إثنتين اثنتين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا هذا ما تقتضيه لغة العرب فالآية","vol":"1","page":126},{"text":"تدل على خلاف ما استدلوا به عليه. ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً فإنه وإن كان خطابا للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنة لا بالقرآن.\nوأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة وكأنه قال: انكحوا مجموع هذا العدد المذكور فهذا جهل بالمعنى العربي! ولو قال: انكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا لكان هذا القول له وجه. وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون أو لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره وذلك ليس بمراد من النظم القرآني.\nفَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً: أي فانكحوا واحدة، كما يدل على ذلك قوله فَانْكِحُوا ما طابَ. وقيل التقدير: فالزموا أو فاختاروا واحدة، والأول أولى. والمعنى فإن خفتم ألا تعدلوا بين الزوجات في القسم ونحوه فانكحوا واحدة، وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك.\nأَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من السراري وإن كثر عددهنّ كما يفيده الموصول إذ ليس لهنّ من الحقوق ما للزوجات الحرائر.\nوالمراد نكاحهن بطرق الملك لا بطريق النكاح.\nوفيه دليل على أن لا حق للمملوكات في القسم كما يدل على ذلك جعله قسيما للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب ذلِكَ أي نكاح الأربع أو الواحدة أو التسري فقط أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣): أي أقرب إلى أن تجوروا: من عال الرجل يعول إذا مال وجار.\nوالمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور.\nوهو قول أكثر المفسرين. وقال الشافعي: أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) أي لا يكثر عيالكم.\nقال الثعلبي: وما قال هذا غيره!! وذكر ابن العربي أنه يقال أعال الرجل إذا كثر","vol":"1","page":127},{"text":"عياله وأما عال بمعنى كثر فلا يصلح. ويجاب عنه بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابي. وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ولعله لغة.\nقال الدوري: هي لغة حمير وأنشد:\nوإن الموت يأخذ كل حيّ ... بلا شك وإن أمشى وعالا\nأي وإن كثرت ماشيته وعياله.\n[الآية الثانية]\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) .\nاختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم؟ فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية.\nوقال مالك: هم الأولاد الصغار: أي لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء.\nوقال مجاهد: هم النساء.\nقال النحاس وغيره: وهذا القول لا يصح إنما تقول العرب: سفائه أو سفيهات.\nواختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل: أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها وقيل: لأنها من جنس أموالهم، بأن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل.\nوقيل: المراد أموال المخاطبين حقيقة. وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة. والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء والصبيان ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تصلح «١» المال ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [نصلح] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٢٥] .","vol":"1","page":128},{"text":"وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ أي: اجعلوا لهم فيها رزقا وافرضوا لهم. وهذا فيمن يلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم. وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى، فالمعنى: اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من الأرباح واجعلوا لهم من أموالهم رزقا ينفقونه على أنفسهم ويكسون به.\nوقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء، وبه قال الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا واستدل بها أيضا على وجوب نفقة القرابة. والخلاف في ذلك معروف في مواطنه.\n[الآية الثالثة] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦) .\nالابتلاء: الاختبار. واختلفوا في معنى الاختبار فقيل: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ليعلم بنجابته وحسن تصرفه فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح وأنس منه الرشد.\nوقيل: أن يدفع إليه شيئا من ماله ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله.\nوقيل: أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعلم كيف تدبيره. وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها. حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ المراد بلوغ الحلم لقوله تعالى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ [النور: ٥٩] . ومن علامات البلوغ الإنبات وبلوغ خمس عشرة سنة.\nوقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لا يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة.\nوهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض.\nفَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا أي أبصرتم ورأيتم. ومنه قوله: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا [القصص: ٢٩] . وقيل: هو هنا بمعنى علم ووجد.","vol":"1","page":129},{"text":"والرّشد: بضم الراء وسكون الشين، والرشد بفتح الراء والشين قيل: هما لغتان.\nواختلف أهل العلم في معنى الرشد هاهنا فقيل: الصلاح في العقل والدين، وقيل: في العقل خاصة.\nقال سعيد بن جبير والشعبي: إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده وإن كان شيخا قال الضحاك: وإن بلغ مائة سنة!!.\nوجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر.\nوقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ وإن كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا وبه قال النخعي وزفر.\nوظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح- مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد- فلا بد من مجموع الأمرين فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ، وإن كانوا معروفين بالرشد ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم.\nوالمراد بالرشد نوعه وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها ووضعها في مواضعها.\nفَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير إلى حد البلوغ.\nوَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا الإسراف في اللغة: الإفراط ومجاوزة الحد.\nوقال النضر بن شميل: السرف التبذير.\nوالبدار: المبادرة، أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة لكبرهم، أو لا تأكلوا لأجل السرف والمبادرة، أو مسرفين ومبادرين لكبرهم وتقولوا: ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينتزعوها من أيدينا.\nوَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بين سبحانه ما يحل لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه وعدم تناوله منه وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف.\nواختلف أهل العلم [في الأكل بالمعروف] ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا","vol":"1","page":130},{"text":"احتاج إليه ويقضي متى أيسر الله عليه وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة السلماني وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية والأوزاعي.\nوقال النخعي وعطاء والحسن وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف وبه قال جمهور الفقهاء، وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض.\nوالمراد بالمعروف: المتعارف به بين الناس فلا يترفه بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة.\nوالخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين بما يصلحهم كالأب والجدّ ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد بالآية اليتيم إن كان غنيا وسّع عليه، وإن كان فقيرا كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط.\nفَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا الدعاوى الصادرة منهم.\nوقيل: إن الإشهاد المشروع هو على ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، وقيل:\nهو على رد ما استقرضه إلى أموالهم.\nوظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم وهو يعمّ الإنفاق قبل الرشد والدفع للجميع إليهم بعد الرشد. وفي سورة الأنعام: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ\n، وفي الإسراء مثلها.\n[الآية الرابعة]\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) .\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة الميراث أُولُوا الْقُرْبى المراد بالقرابة هنا غير الوارثين وكذا وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منها رزق فيرضخ لهم المتقاسمون شيئا منها.\nوقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب، وذهب آخرون إلى أنها","vol":"1","page":131},{"text":"منسوخة بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] والأول أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال: إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أن يقال إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه، وقالت طائفة: إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس «١» الورثة وهو معنى الأمر الحقيقي فلا يصار إلى الندب إلا بقرينة.\nوالضمير في قوله: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة.\nوقيل: راجع إلى ما ترك. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) هو القول الجميل الذي ليس فيه منّ بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى.\n[الآية الخامسة]\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) .\nتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوهذه الآية ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض.\nوقد كان هذا العلم من أجل علوم الصحابة ﵃ وأكثر مناظراتهم فيه.\nوورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم والبيهقي في «سننه» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان\n_________\n(١) جاء في المطبوع [نفس] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٢٩] . [.....]","vol":"1","page":132},{"text":"من يقضي بها» «١» .\nوأخرجاه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «تعلموا الفرائض وعلموه فإنه نصف العلم فإنه ينسى وهو أوّل ما ينزع من أمتي» «٢» . وقد روي عن عمر وابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.\nوالمعنى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ: أي في شأن ميراثهم وقد اختلفوا: هل يدخل أولاد الأولاد أو لا؟\nفقالت الشافعية: إنهم يدخلون مجازا لا حقيقة. وقالت الحنفية: إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب.\nولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم وإنما الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم. ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافرا، ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمدا، ويخرج أيضا بالسنة والإجماع. ويدخل فيه الخنثى، قال القرطبي: وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول: فإن بال منهما فمن حيث سبق فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى، وقيل: يعطى أقلّ النصيبين، وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم وهو قول الشافعي.\nوهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة والمعاقدة.\nوقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، للحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ:\n«ألحقوا الفرائض بأهلها» «٣» فما أبقت الفرائض فالأولى رجل ذكر إلا إذا كان ساقطا\n_________\n(١) [ضعيف] أخرجه الحاكم في المستدرك [٤/ ٣٣٣] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٠٨] وأخرجه الترمذي في السنن [٤/ ٣٦٠] ح [٢٠٩١] انظر التلخيص الحبير [٣/ ٧٩] .\n(٢) [ضعيف] أخرجه ابن ماجه في السنن ح [٢٧١٩] والدارقطني في السنن [٤/ ٦٧] والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٣٢] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٠٩] انظر الميزان [١/ ٥٦٠] والتلخيص [٣/ ٧٩] وإرواء الغليل [٦/ ١٠٥] .\n(٣) [متفق عليه] أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٢٣٣] و[١٢٣٤] والبخاري في الصحيح [١٢/ ١١] ح [٦٧٣٢] و[٦٧٣٥] و[٦٧٢٧] و[٦٧٤٦] .","vol":"1","page":133},{"text":"معهم كالأخوة لأم.\nلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد فلا بد من تقدير ضمير يرجع إليهم: أي للذكر منهم. والمراد حال اجتماع الذكور والإناث، وأما حال الانفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف، وللأنثيين فصاعدا الثلثان. فَإِنْ كُنَّ: أي الأولاد، والتأنيث باعتبار الخبر أو البنات أو المولودات نِساءً ليس معهن ذكر فَوْقَ اثْنَتَيْنِ: أي زائدات على اثنتين- على أن فوق صفة لنساء أو يكون خبرا ثانيا لكان- فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ الميت المدلول عليه بقرينة المقام.\nوظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاثة من البنات فصاعدا ولم يسم للاثنتين فريضة. ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما: فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف، واحتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين كما ألحقوا الأخوات- إذا زدن على اثنتين- بالبنات في الاشتراك في الثلثين.\nوقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للابنتين- إذا انفردتا- الثلثان ولهذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد.\nقال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين. وأيضا للمخالف أن يقول: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف. فهذا دليل على أن هذا فرضهما. ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت بقوله تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة وأوجب القياس [على] «١» الأختين الاقتصار على الثلثين.\nوقيل: فوق زائدة والمعنى: وإن كنّ نساء اثنتين كقوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الأنفال: ١٢] أي الأعناق. وروى هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو خطأ! لأن الظروف وجميع الأسماء لا تجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٣٢] .","vol":"1","page":134},{"text":"قال ابن عطية: ولأن قوله: فَوْقَ الْأَعْناقِ هو الفصيح وليست «فوق» زائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ، وهكذا لو كان لفظ فوق زائدا- كما قالوا- لقال فلهما ثلثا ما ترك ولم يقل فلهن.\nوأوضح ما يحتج به الجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في «سننه» عن جابر قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﵌ فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا ينكحان إلا ولهما مال؟ فقال: يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ الآية فأرسل رسول الله ﵌ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» «١» . أخرجوه- من طرق- عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن جابر. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه.\nوَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على لفظ الأب للتغليب.\nوقد اختلف أهل العلم في الجد: هل هو بمنزلة الأب فيسقط بالأخوة أم لا؟ «٢» فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب ولم يخالف أحد من الصحابة أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال يقول أبي بكر بن عباس وعبد الله بن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة وعطاء وطاووس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق واحتجوا بمثل قوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨] وقوله: يا بَنِي آدَمَ [الأعراف: ٢٦] . وقوله ﵌: «ارموا يا بني إسماعيل» «٣» .\n_________\n(١) [حسن] أخرجه أبو داود في السنن [٣/ ١٢٠ و١٢١] ح [٢٨٩١] و[٢٨٩٢] والترمذي في السنن [٤/ ٣٦١] ح [٢٠٩٢] وابن ماجه في السنن ح [٩٠٨] والدارقطني في السنن [٤/ ٧٨- ٧٩] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٢٩] والحاكم في المستدرك [٤/ ٣٣٣- ٣٣٤] انظر الإرواء [٦/ ١٢٢] .\n(٢) انظر فتح القدير [١/ ٤٣٢] .\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٦/ ٩١] ح [٢٨٩٩] .","vol":"1","page":135},{"text":"وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الإخوة لأبوين أو لأب، ولا ينقص معهم عن الثلث ولا ينقص مع ذوي الفروض عن السدس.\nفي قول زيد ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي.\nوقيل: يشرك بين الجد والإخوة إلى السدس [ولا ينقصه من السدس] «١» شيئا مع ذوي الفروض وغيرهم وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة وذهب الجمهور إلى أن الجدّ يسقط بني الإخوة. وروى الشافعي عن علي ﵇ أنه أجرى بني الأخوة في المقاسمة مجرى الأخوة.\nوأجمع العلماء على أن الجد لا يرث مع الأب شيئا وعلى أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدّة أم الأمّ. واختلفوا في توريث الجدة وابنها حيّ فروي عن زيد بن ثابت وعثمان بن علي أنها لا ترث وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وروي عن عمر وابن مسعود وأبي موسى أنها ترث معه، [وروي] «٢» أيضا عن علي وعثمان وبه قال شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر.\nمِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ الولد يقع على الذكر والأنثى لكنه إذا كان الموجود الذكر من الأولاد- ووحده أو مع الأنثى منهم- فليس للجد إلا السدس، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبته فيما عدا السدس. وأولاد ابن الميت كأولاد الميت.\nفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ: أي ولا ولد ابن- لما تقدّم من الإجماع- وَوَرِثَهُ أَبَواهُ منفردين عن سائر الورثة كما ذهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجود من الزوجين. فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وروي عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو مستلزم تفضيل الأمّ على الأب في مسألة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ٤٣٢] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ٤٣٣] .","vol":"1","page":136},{"text":": إطلاق الاخوة لأبوين أو لأحدهما، وقد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الإخوة يقومان مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الأمّ إلى السدس إلا ما يروى عن ابن عباس من أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب.\nوأجمعوا أيضا على أن الأختين فصاعدا كالأخوين في حجب الأم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدما عليها بالإجماع، فقيل: المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، وقيل: لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدّمت اهتماما بها وقيل: قدّمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت. وقيل: قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء وأخّر الدّين لكونه حظ غريم يطلب بقوة وسلطان. وقيل: لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدّمت، بخلاف الدين فإنه ثابت مؤدى ذكر أم لم يذكر. وقيل:\nقدّمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض فربما يشق على الورثة إخراجها، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه وهذه الوصية مقيدة بقوله تعالى غَيْرَ مُضَارٍّ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nآباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قيل: خبر قوله آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مقدر: أي هم المقسوم عليهم، وقيل: أن الخبر قوله لا تَدْرُونَ وما بعده وأَقْرَبُ خبر قوله أَيُّهُمْ ونَفْعًا تمييز: أي لا تدرون أيهم قريب لكم نفعه في الدعاء لكم والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح: «أو ولد صالح يدعو له» «١» وقال ابن عباس والحسن: «قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه» وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع أباه، وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه. وقيل: المراد النفع في الدنيا والآخرة قاله ابن زيد، وقيل: المعنى أنكم لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، من أوصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا أو من ترك الوصية ووفر عليكم عرض الدنيا؟ وقوى هذا صاحب «الكشاف» قال لأن الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه «٢» ويناسبه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصحيح [١٦٣١] والنسائي في السنن [٦/ ٢٥١] والترمذي في السنن ح [١٣٧٦] .\n(٢) جاء في المطبوع [بنية] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٣٤] .","vol":"1","page":137},{"text":"قوله فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ نصب على المصدر المؤكد. وقال مكي وغيره هي حال مؤكدة، والعامل يوصيكم والأوّل أولى.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا بقسمة المواريث حَكِيمًا حكم بقسمتها وبينها لأهلها.\nوقال الزجاج: عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدره ويمضيه.\nوَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ الخطاب هنا للرجال. والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد لما قدمنا من الإجماع فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع.\nمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ الكلام فيه كما تقدم.\nوَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ [فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ] «١» فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ هذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر من واحدة لا خلاف في ذلك، والخلاف في الوصية والدين كما تقدّم.\nوَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً المراد بالرجل الميت ويُورَثُ على البناء للمفعول من ورث لا من أورث وهو خبر كان، وكَلالَةً حال من ضمير يُورَثُ، وقيل: غير ذلك.\nوالكلالة مصدر من تكلله النسيب: أي أحاط به وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس. وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد وهذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعليّ وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب «العين» وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري، وقد قيل: إنه إجماع.\nوقال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول القضاة السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى «٢» .\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع.\n(٢) تفسير ابن كثير [١/ ٤٣٦] .","vol":"1","page":138},{"text":"وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة أنه قال الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة.\nقال أبو عمر وابن عبد البر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره غيره، وما يروى عن أبي بكر وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة، فقد رجعا عنه.\nوقال ابن زيد: الكلالة: الحيّ والميت جميعا، وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، بخلاف الابن والأب فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلله النسب.\nوقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء.\nقال ابن الأعرابي: إن الكلالة بنو العم الأباعد.\nوبالجملة من قرأ (يورّث كلالة) بكسر الراء مشددة- وهو بعض الكوفيين: أو مخففة وهو الحسن وأيوب- جعل الكلالة القرابة، ومن قرأ يُورَثُ بفتح الراء- وهم الجمهور- احتمل أن يكون الكلالة الميت واحتمل أن يكون القرابة.\nوقد روي عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي أن الكلالة: ما كان سوى الولد والوالد من الورثة.\nقال الطبري «١»: الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولد ووالد، لصحة خبر جابر: «قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأقضي بمالي كله؟ قال: لا» «٢» انتهى.\nوروي عن عطاء أنه قال: الكلالة المال.\nقال ابن العربي: وهذا قول ضعيف لا وجه له.\nوقال صاحب «الكشاف»: إن الكلالة تنطبق على ثلاثة: على من لم يخلف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد\n_________\n(١) تفسير الطبري [٣/ ١/ ٦٢] . [.....]\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح بنحوه ح [١٦١٦] .","vol":"1","page":139},{"text":"والوالد. انتهى.\nأَوِ امْرَأَةٌ معطوف على رجل مقيد بما قيد به، أي وامرأة تورث كلالة.\nوَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ: قرأ سعد بن أبي وقاص من أمّ. وسيأتي ذكر من أخرج ذلك عنه.\nفَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ قال القرطبي: أجمع العلماء أن الأخوة هاهنا هم الأخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الأخوة للأب والأم أو للأب ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ رجالا ونساء ف لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ: هم الاخوة لأبوين أو لأب، وأفرد الضمير في قوله: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ، لأن المراد كالواحد منهما، كما جرت بذلك عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفردا كما في قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [البقرة: ٤٥] . وقوله:\nيَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٣٤] . وقد يذكرون مثنى كما في قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما.\nفَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ والإشارة بقوله: من ذلك إلى قوله وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ: أي أكثر من الأخ المنفرد والأخت المفردة بواحد: وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى.\nوقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الإخوة لأم، لأن الله شرّك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين أو لأب.\nقال القرطبي: وهذا إجماع. ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب وذلك في المسألة المسماة ب «الحمارية» وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأمّ وإخوة لأبوين [فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للإخوة لأبوين] «١»، ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم، وهو كون الميت كلالة. ويؤيد هذا الحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر» ... وهو في الصحيحين وغيرهما.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتتمة من فتح القدير [١/ ٤٣٥] .","vol":"1","page":140},{"text":"قال الشوكاني في «فتح القدير» «١» . وقد قررنا دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سميناها «المباحث الدرية في المسألة الحمارية» . وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف. انتهى.\nمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ الكلام فيه كما تقدم.\nغَيْرَ مُضَارٍّ: أي يوصي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الضرار، كأن يقرّ بشيء ليس عليه أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة، أو يوصي لوارث مطلقا أو لغيره بزيادة على الثلث ولم يجزه الورثة. وهذا القيد أعني قوله:\nغَيْرَ مُضَارٍّ، راجع إلى الوصية والدين المذكورين، فهو قيد لهما. فما صدر من الإقرارات بالديون، أو الوصايا المنهي عنها له. أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه.\nقال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز «٢» انتهى.\nوهذا القيد، أعني عدم الضرار، هو قيد لجميع ما تقدّم من الوصية والدّين.\nقال أبو السعود في «تفسيره»: وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم.\nوَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ: نصب على المصدر: أي يوصيكم بذلك وصية كقوله:\nفَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [النساء: ١١] . قال ابن عطية: ويصح أن يعمل فيها (مضار) والمعنى أن يقع الضرر بها، أو بسببها فأوقع عليها تجوزا فيكون وصية على هذا مفعولا بها لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال، أو لكونه منفيا معنى. وقرأ الحسن وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ بالجرّ على إضافة اسم الفاعل إليها كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصّى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض، وأن كل وصية من عباده تخالفها فهي مسبوقة بوصية الله، وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ٤٣٥] .\n(٢) تفسير القرطبي [٥/ ٨٠] .","vol":"1","page":141},{"text":"المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه.\nوقد ورد في تعظيم ذنب الإضرار بالوصية أحاديث قال ابن عباس: هو من الكبائر «١» . أخرجه النسائي والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عنه، ورجال إسناده رجال الصحيح.\nوأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وحسنه- وابن ماجة- واللفظ له- والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى جاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة» . ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:\nعَذابٌ مُهِينٌ (١٤) «٢» . وفي إسناده شهر بن حوشب وثقه أحمد وابن معين.\nوقال النسائي: ليس بالقوي.\nوقال أبو حاتم: ليس بدون.\nوقال ابن عون: تركوه.\n«فائدة» قال القاضي محمد بن علي الشوكاني في مختصره المسمى ب «الدرر البهية» في كتاب المواريث هي مفصلة في الكتاب العزيز ويجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة، والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع البنت، السدس تكملة للثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين.\nوللجدة والجدات السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقط.\nولا ميراث للإخوة والأخوات مع الابن أو ابن الابن، وفي ميراثهم مع الجد\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في التفسير [٣/ ٦٣٠] ح [٨٧٨٥، ٨٧٨٦، ٨٧٨٧، ٨٧٨٨] والنسائي في التفسير وابن أبي شيبة في المصنف [٦/ ٢٢٧، ٢٢٨] ح [٣٠٩٣٣] و[٣٠٩٣٦] والبيهقي في السنن [٦/ ٢٧١] وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في الدر المنثور [٢/ ٤٥٢] وأخرجه ابن جرير في التفسير [٣/ ٦٣١] ح [٨٧٨٩] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٧١] والدارقطني في السنن [٤/ ١٥١] انظر ميزان الاعتدال [٣/ ٢٢٤] .\n(٢) أخرجه أبو داود في السنن [٣/ ١١٢] ح [٢٨٦٧] والترمذي في السنن [٤/ ٢١١٧] ورواه ابن ماجه في السنن ح [٢٧٠٤] ورواه عبد الرزاق في مصنفه [٩/ ٨٨] ح [١٦٤٥٥] وأحمد في المسند [٢/ ٢٧٨] وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع [٧/ ٢١٢] .","vol":"1","page":142},{"text":"خلاف، ويرثون مع البنات إلا الإخوة لأم، ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين، وذوو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال، فإن تزاحمت الفرائض فالعول.\nولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس.\nولا يرث المولود إلا إذا استهل، وميراث العتيق لمعتقه، ويسقط بالعصبات، وله الباقي بعد ذوي السهام. ويحرم بيع الولاء وهبته ولا توارث بين أهل ملتين، ولا يرث القاتل من المقتول. انتهى.\nوقال في شرحه المسمى ب «الدراري المضيئة»: اعلم أن المواريث المفصلة في الكتاب العزيز معروفة لم نتعرض هاهنا لذكرها واقتصرنا على ما ثبت في السنة والإجماع ولم نذكر ما كان لا مستند له إلا محض الرأي- كما جرت به قاعدتنا في هذا الكتاب- فليس مجرد الرأي مستحقا للتدوين فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل، ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، فإذا عرفت هذا اجتمع لك مما في الكتاب العزيز وما ذكرناه هاهنا جميع علم الفرائض الثابت بالكتاب والسنة، فإن عرض لك ما لم يكن فيهما فاجتهد فيه رأيك عملا بحديث معاذ المشهور. انتهى.\n[الآية السادسة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) .\nمعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته: إن شاء بعضهم تزوجها.\nوإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت «١» .\nوفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية: [كان] «٢» الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو تردّ إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم عنه: فإن\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ٢٤٥] ح [٤٥٧٩] و[٦٩٤٨] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمستدرك من فتح القدير [١/ ٤٤١] .","vol":"1","page":143},{"text":"كانت جميلة تزوجها، وإن كانت ذمية حبسها حتى تموت فيرثها. وقد روي هذا السبب بألفاظ.\nلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا يحل لكم أن تَعْضُلُوهُنَّ عن أن يتزوجهن غيركم لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل وله زوجة ألقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت فيرثها، فنزلت الآية. وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهنّ مع سوء العشرة طمعا في إرثهنّ أو يفتدين ببعض مهورهنّ. اختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للوليّ حبسها حتى تذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن: إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارّها ويشقّ عليها حتى تفتدي منه.\nقال السّدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهنّ.\nوقال قوم: الفاحشة البذاءة باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا. وقال مالك وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك هذا كله على أن الخطاب في قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لمن خوطب بقوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا فيكون المعنى: ولا يحلّ لكم أن تمنعوهن من الزواج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ أي ما آتاهنّ من ترثونه إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فحينئذ جاز لكم حبسهن عن الأزواج.\nولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعفّ «١» عن الزنا، وكما أن جعل قوله: ولا تعضلوهن خطابا للأولياء، فيه هذا التعسف! كذلك جعل قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفة سبب نزول الآية الذي ذكرناه. والأولى أن يقال: إن الخطاب في قوله:\n_________\n(١) جاء في المطبوع [وتستغنى] والصواب ما أثبتناه وهو من فتح القدير [١/ ٤٤١] .","vol":"1","page":144},{"text":"لا يَحِلُّ لَكُمْ: للمسلمين: أي لا يحل لكم معاشر المسلمين [أن ترثوا النساء كرها كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحلّ لكم معاشر المسلمين «١»] أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهنّ عندكم، مع عدم رغبتكم فيهنّ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم، وفي عقدكم مع كراهتكم لهنّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ جاز لكم مخالعتهنّ ببعض ما آتيتموهنّ.\nوَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [أي بما هو معرف] «٢» في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لما هو أعم، وذلك مختلف باختلاف الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩): أي فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة وحصول الأولاد. فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته: أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا.\nقيل: في الآية ندب إلى إمساك الزوجة مع الكراهة، لأنه إذا كره صحبتها وتحمّل ذلك المكروه طلبا للثواب وأنفق عليها وأحسن هو معاشرتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى.\n[الآية السابعة] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) .\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ: أي زوجة مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا: المراد به هنا المال الكثير، وفيه دليل على جواز المغالاة في المهور فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا: قيل: هي محكمة، وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ والأولى\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمستدرك من فتح القدير [١/ ٤٤١] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمستدرك من فتح القدير [١/ ٤٤١] .","vol":"1","page":145},{"text":"أن الكل محكم. والمراد هنا غير المختلعة فلا يحل لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئا.\n[الآية الثامنة]\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) .\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم.\nإِلَّا ما قَدْ سَلَفَ هو استثناء منقطع: أي لكن ما قد سلف في الجاهلية فاجتنبوه ودعوه، وقيل: إلا بمعنى بعد: أي بعد ما سلف. وقيل: المعنى ولا ما سلف، وقيل:\nهو استثناء متصل من قوله: ما نَكَحَ آباؤُكُمْ يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق «١» بالمحال: بمعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحلّ لكم غيره! ... وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم- وصححه- والبيهقي في سننه عن البراء، قال: «لقيت خالي ومعه الراية. قلت: أين تريد؟ قال:\nبعثني رسول الله ﵌ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله» «٢» . ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشدّ المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه «نكاح المقت» وهو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها.\nويقال لهذا «الضّيزن» وأصل المقت: البغض.\n_________\n(١) جاء في فتح القدير [١/ ٤٤٢] [التعلق] .\n(٢) [صحيح] أخرجه ابن أبي شبه في المصنف [٥/ ٥٤٩] ح [٢٨٨٦٥] وأحمد في المسند [٤/ ٢٩٢] وسعيد بن منصور في السنن [١/ ٢٣٥] ح [٩٤٢] وابن ماجه في السنن ح [٢٦٠٧] والدارقطني في السنن [٣/ ١٩٦] والبغوي في شرح السنة [١٠/ ٣٠٥] ح [٢٥٩٢] والترمذي في الجامع [٣/ ٦٤٣] ح [١٣٦٢] .\nورواه البيهقي في السنن [٨/ ٢٣٧] و[٧/ ١٦٢] ورواه النسائي في المجتبى [٦/ ١١٠] وأبو داود في السنن [٤/ ١١٥] ح [٤٤٥٧] والدارمي في السنن [٢/ ١٥٣] .","vol":"1","page":146},{"text":"[الآية التاسعة] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) .\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أي نكاحهنّ، وقد بيّن الله سبحانه في هذه الآية ما يحلّ وما يحرم من النساء فحرّم سبعا من النسب، وستا من الرضاع والصهر، وألحقت المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع.\nفالسبع المحرمات من النسب الأمهات. وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ أي البنات والأخوات والعمات والخالات وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ هذا مطلق قيد بما ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في مسألة قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة. وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعا، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة عن جماعة من الصحابة. والبحث عن تقرير ذلك وتحقيقه يطول، وقد استوفاه الشوكاني في مصنفاته «١» وقرر ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع، وذكرنا طرفا منه في شرحنا لبلوغ المرام.\nوَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الأخوة والأخوات، والأخت من الأم: هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر.\nوَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ\n_________\n(١) انظر نيل الأوطار [٧/ ١١٣- ١٢٧] . [.....]","vol":"1","page":147},{"text":"فالمحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها.\nقال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم.\nوقال بعض السلف: الأم والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول بالأخرى.\nقالوا: ومعنى قوله: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ: أي اللاتي دخلتم بهن. وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس عن عليّ. وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد.\nقال القرطبي «١»: ورواية خلاس عن عليّ لا تقوم بها حجة ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة.\nوقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهويت نساء زيد الظريفات، على أن يكون الظريفات نعتا للجميع فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون [اللاتي دخلتم بهنّ] نعتا لهما جميعا لأن الخبرين مختلفان.\nقال ابن المنذر: والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله:\nوَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﵌ قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة» «٢» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٥/ ١٠٦] .\n(٢) [ضعيف] أخرجه عبد الرزاق في المصنف [٦/ ٢٧٦] ح [١٠٨٢١] والطبري في التفسير [٣/ ٦٦٤] .","vol":"1","page":148},{"text":"قال ابن كثير في تفسيره «١» مستدلا للجمهور: وقد روي في ذلك خبر غير أن في إسناده نظرا، فذكر هذا الحديث ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الأمة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره.\nقال في «الكشاف»: وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى اه.\nودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم.\nواعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهنّ وجداتهنّ وأم الأب وجدّاته- وإن علون- لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدنه، وإن سفل.\nويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، وإن سلفن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو أحدهما.\nوالعمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدّك في أصليه أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأم.\nوالخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو أحدهما. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطته ومباشرة وإن بعدت وكذلك بنت الأخت.\nوالمحرمات بالمصاهرة أربع: أمّ المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن.\nوالربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة.\nقال القرطبي «٢»: واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدّمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج [بأمها] «٣»، فلو كانت في بلد آخر وفارق\n_________\nح [٥٩٥٧] وعبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور [٢/ ٤٧٢] والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ١٦٠] .\n(١) تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٦] .\n(٢) تفسير القرطبي [٥/ ١١٢] .\n(٣) ما بين المعكوفين من تفسير القرطبي [٤/ ١١٢] .","vol":"1","page":149},{"text":"الأم فله أن يتزوج بها. وقد روي ذلك عن عليّ.\nقال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ لأنه رواه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي وإبراهيم هذا لا يعرف! وقال ابن كثير في تفسيره «١» بعد إخراج هذا عن علي: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب ﵁- على شرط مسلم «٢» .\nوالحجور: جمع حجر بفتح الحاء وكسرها، والمراد أنهنّ في حضانة أمهاتهنّ تحت حماية أزواجهن، كما هو الغالب وقيل المراد بالحجور البيوت أي في بيوتكم.\nحكاه الأثرم عن أبي عبيدة.\nفَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ: أي في نكاح الربائب، وهو تصريح بما دلّ عليه مفهوم ما قبله.\nوقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب: فروي عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاووس وعمرو بن دينار وغيرهما.\nوقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث: إن الزوج إذا لمس الأمّ بشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي.\nقال ابن جرير والطبري: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى.\nوهكذا حكى الإجماع القرطبي فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاح ابنتها واختلفوا في النظر: فقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها بشهوة كان بمنزلة اللمس بشهوة وكذا قال الثوري ولم يذكر الشهوة.\nوقال ابن أبي ليلى: لا يحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٦] .\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف [٦/ ٢٧٨] ح [١٠٨٣٤] وابن أبي حاتم في التفسير كما في تفسير ابن كثير [١/ ٤٤٦] انظر الدر المنثور [٢/ ٤٧٤] .","vol":"1","page":150},{"text":"والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى الدخول شرعا أو لغة: فإن كان خاصا بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك.\nوأما الربيبة في ملك اليمين فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك.\nوقال ابن عباس: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولو لم أكن لأفعله.\nوقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين لأن الله حرّم ذلك في النكاح، قال: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم انتهى.\nوَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة، سميت بذلك لأنها تحلّ مع الزوج حيث حلّ، فهي فعلية بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظ الحلال فهي حليلة بمعنى محللة وقيل: لأن كل واحد منهم يحل إزار صاحبه.\nوقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أو لم يكن. لقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ، وقوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ.\nواختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسدا هل يقتضي التحريم أم لا كما هو مبين في كتب الفروع؟\nوقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد لا تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده «١»، وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وابنه «٢»، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولو اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله ﵌ خلاف ما قلناه.\nالَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وصف للأبناء: أي دون من تبنيتم من أولاد غيركم،\n_________\n(١) انظر الإجماع لابن المنذر [ص/ ٧٦] .\n(٢) انظر الإجماع لابن المنذر [ص/ ٧٦] .","vol":"1","page":151},{"text":"كما كانوا يفعلونه في الجاهلية. ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا. ومنه قوله: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ. ومنه: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ. وأما زوجة الابن من الرضاع فذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل: إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح عن النبي ﵌ من قوله: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النسب» «١» . ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا، بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم.\nوقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا: هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوّج بأم من زنا بها وبابنتها «٢» .\nوقالت طائفة من أهل العلم: إن الزنا يقتضي التحريم، حكي ذلك عن عمران بن حصين والشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد «٣» وإسحاق وأصحاب «٤» .\nالرأي، وحكى ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور «٥» .\nاحتج الجمهور بقوله تعالى: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ، وبقوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ. والموطوءة بالزنا لا يصدق عليه أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم.\nوقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﵌ عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: «لا يحرم الحرام الحلال» «٦»، واحتج المحرّمون بما\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٥/ ٢٥٣] ح [٢٦٤٦، ٣١٠٥، ٥٠٩٩] ومسلم في الصحيح ح [١٤٤٤] .\n(٢) وهو قول الإمام الشافعي. انظر روضة الطالبين [٧/ ١١٣] .\n(٣) انظر المغني [٧/ ٤٨٢] .\n(٤) انظر الهداية [١/ ٣٣٤] . [.....]\n(٥) انظر كفاية الطالب الرباني [٢/ ٥٥] .\n(٦) [ضعيف] أخرجه ابن حبان في المجروحين [٢/ ٩٨- ٩٩] وابن عدي في الكامل [٥/ ١٦٠] والبيهقي في السنن الكبرى [٧/ ١٦٩] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦٨] والدارقطني في الأوسط كما في المجمع [٤/ ٢٦٨- ٢٦٩] وأخرجه ابن ماجه في السنن ح [٢٠١٥] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦٨] والخطيب البغدادي في التاريخ [٧/ ١٨٢] والبيهقي في السنن [٧/ ١٦٨] انظر الفتح [٩/ ١٥٦] .","vol":"1","page":152},{"text":"روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: «يا غلام من أبوك؟ فقال فلان الراعي» «١» فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا احتجاج ساقط.\nواحتجوا أيضا بقوله ﵌: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولم يفصل بين الحلال والحرام» «٢» . ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرّم الحلال.\nثم اختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري: إذا لاط بالصبيّ حرمت عليه أمه! وهو قول أحمد بن حنبل، قال: إذا تلوّط بابن امرأته أو [أبيها] «٣» أو أخيها حرمت عليه امرأته «٤» .\nوقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به «٥» .\nولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف والسقوط النازل عن قول القائلين بأن وطء الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه على ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم.\nوَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: أي وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين فهو في محل رفع عطفا على المحرمات السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح والوطء بملك اليمين.\nوقيل: إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين. وأما في الوطء بالملك اليمين فلا حق بالنكاح، وقد اجتمعت الأمة على منع جمعهما في عقد النكاح.\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٧٨] ح [١٢٠٦، ٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦] ومسلم في الصحيح ح [٢٥٥٠] .\n(٢) [لا أصل له مرفوعا] وإنما روي موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٤٨٠] ح [١٦٢٣٤] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦٨- ٢٦٩] ورواه ابن أبي شيبة في المصنف [٣/ ٤٨١] ح [١٦٢٣٥] .\n(٣) جاء في المطبوع [ابنها] وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من فتح القدير [١/ ٤٤٦] .\n(٤) انظر، الكافي لموفق الدين [٣/ ٢٩] .\n(٥) واعلم أنه لا تثبت به الحرمة عند الإمام أبي حنيفة، ومالك والشافعي.\nانظر، الفتاوى الهندية [١/ ٢٧٥]، المعونة للقاضي عبد الوهاب [٢/ ٨١٦]، روضة الطالبين [٧/ ١١٣] .","vol":"1","page":153},{"text":"واختلفوا في الأختين بملك اليمين: فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بالملك فقط، وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء [بالملك] «١» .\nواختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك.\nفقال الأوزاعي: إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوّج أختها.\nوقال الشافعي: مالك اليمين لا يمنع نكاح الأخت.\nوقد ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما يجوز الجمع بينهما في الملك.\nقال ابن عبد البر- بعد أن ذكر ما روي عن عثمان بن عفان من جواز الجمع بين الأختين في الوطء بالملك-: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس ولكنهم اختلف عليهم ولم يلتفت أحد [إلى ذلك] «٢» من فقهاء الأمصار بالحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءها من المشرق ولا بالشام ولا المغرب إلا من شذّ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من تعمد ذلك.\nوجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله:\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى آخر الآية أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهنّ سواء، فكذلك يجب أن يكون قياسا ونظر الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم وهي الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. والله المحمود انتهى.\nوأقول: هاهنا إشكال وهو أنه قد تقرّر أن النكاح يقال على العقد فقط، وعلى الوطء فقط، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازا، وكونهما حقيقتين معروف: فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية وهي قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى آخر الآية، على أن المراد تحريم العقد عليهنّ لم يكن في قوله تعالى:\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمثبت من فتح القدير [١/ ٤٤٧] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والمثبت من فتح القدير [١/ ٤٤٧] .","vol":"1","page":154},{"text":"وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء بالملك؟ وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ إلخ يستوي في الحرائر والإماء، والعقد، والملك لا يستلزم أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من النقوض، وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك للإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أوّل الآية إلى آخرها فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول الجمهور، فالحق لا يعرف الرجال، فإن جاء به خالصا عن شوب الكدر فيها ونعمت، وإلا كان الأصل الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعا أعني العقد والوطء لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممنوع، أو من باب الجمع بين معنى المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول فتدبر هذا.\nواختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك ثم أراد أن يطأ أختها أيضا بالملك؟ فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق:\nلا يجوز له وطء الثانية حتى يحرّم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق أو بأن يزوجها.\nقال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة: وهو أنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك [عنهما] «١» حتى تستبرئ المحرمة ثم يغشى الثانية.\nوفيه قول ثالث وهو أنه لا يقرب واحدة منهما، هكذا قاله الحكم وحماد. وروي معنى ذلك عن النخعي.\nوقال مالك: إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكفّ عن الأخرى موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأخرى يلزمه أن يحرّم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو كتابة أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى من دون أن يحرّم الأولى [وقف] «٢» عنهما ولم\n_________\n(١) جاء في المطبوع [عنها] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٨] .\n(٢) جاء في المطبوع [وقفأ] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٨] .","vol":"1","page":155},{"text":"يجز له قرب إحداهما حتى يحرّم الأخرى ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم.\nقال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها إنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدة المطلقة، واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدّة التي طلق. روي ذلك عن علي ﵇ وزيد بن ثابت ومجاهد وعطاء والنخعي والثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي.\nوقالت طائفة: له أن ينكح أختها وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع وطلق واحدة منهنّ طلاقا بائنا يروى ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضا إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وعطاء.\nوقوله إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ يحتمل أن يكون معناه [معنى] «١» ما تقدم من قوله:\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، ويحتمل معنى آخر، وهو جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام خيّر بين الأختين، والصواب الاحتمال الأول.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) بكم فيما سلف قبل النهي وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف على المحرّمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي: لتمنعكم، والحصان: المرأة العفيفة لمنعها نفسها، والمصدر الحصانة بفتح الحاء، والمراد بالمحصنات هنا ذوات الأزواج.\nوقد ورد الإحصان في القرآن بمعان، هذا أحدها، والثاني: يراد به الحرّة. ومنه قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ، وقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ والثالث: يراد به العفيفة، ومنه قوله تعالى: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ، وقوله: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. والرابع:\nالمسلمة، ومنه قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ أي أسلمن.\nوقد اختلف أهل العلم في تفسير [هذه الآية] «٢» هنا فقال ابن عباس وأبو سعيد\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٤٨] .\n(٢) جاء في المطبوع [في تفسير «هن»] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٨] .","vol":"1","page":156},{"text":"الخدري وأبو قلابة ومكحول والزهري: المراد بالمحصنات هنا: المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هنّ محرّمات عليكم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي: أي أن السبي يقطع العصمة وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور.\nواختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدوّن في كتب الفروع.\nوقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة السلماني وطاووس وسعيد بن جبير وعطاء، رواه عبيدة عن عمر. ومعنى الآية عندهم:\nكل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي تملكون عصمتهنّ بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال: كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل.\nانتهى.\nومعنى الآية- والله أعلم- واضح لا سترة به: أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء: أي المزوجات، أعمّ من أن يكنّ مسلمات أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ. أما بالسبي فإنها تحلّ ولو كانت ذات زوج، أو شراء فإنها تحلّ ولو كانت متزوجة. وينفسخ النكاح الذي كان عليها لخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على المصدرية: أي كتب الله ذلك كتابا.\nوقال الزجاج والكوفيون: [إنه منصوب] «١» على الإغراء، أي الزموا [كتاب الله] «٢» . وهو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ إلخ. وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ: وفيه دليل على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي ﵌ من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٤٩] والقرطبي في التفسير [٥/ ١٢٤] . [.....]\n(٢) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٤٩] .","vol":"1","page":157},{"text":"ومن ذلك نكاح المعتدة، وكذلك نكاح أمة على حرّة، وكذا القادر على الحرة، وكذلك تزوج خامسة، وكذا الملاعنة للملاعن وقيل: لا حاجة إلى التنبيه على هذا فإن الكلام في المحرمات المؤبدة، وما ذكر محرمات لعارض ممكن الزوال. نعم يظهر ذلك في الملاعنة فانظر.\nوقد أبعد من قال: إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرّم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه: وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة فإنه يخصص هذا العموم.\nأَنْ تَبْتَغُوا في محل نصب على العلة: أي حرّم عليكم ما حرّم وأحلّ لكم ما أحلّ لأجل أن تبتغوا بِأَمْوالِكُمْ النساء اللاتي أحلهنّ الله لكم ولا تبتغوا به الحرام فيذهب «١»، حال كونكم مُحْصِنِينَ: أي متعففين عن الزنا غَيْرَ مُسافِحِينَ أي غير زانين.\nوالسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء: أي صبه وسيلانه. فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح. وقيل: إن قوله: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بدل من «ما» في قوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ أي: وأحلّ لكم الابتغاء بأموالكم. والأوّل أولى. وأراد الله سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء.\nفَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ كلمة «٢» «ما» موصولة، والفاء في قوله: فَآتُوهُنَّ لتضمن الموصول معنى الشرط والعائد محذوف: أي فأتوهنّ أجورهنّ عليه.\nوقد اختلف أهل العلم في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فيما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء الشرعي فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهنّ.\nوقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ\n_________\n(١) جاء في المطبوع [فيذم] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٤٩] .\n(٢) جاء في المطبوع وفي فتح القدير [١/ ٤٤٩] بدونها.","vol":"1","page":158},{"text":"إلى أجل مسمّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ثم نهى عنها النبي ﵌ كما صح ذلك من حديث عليّ ﵇ قال: «نهى النبي ﵌ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» «١» . وهو في الصحيحين وغيرهما.\nوفي «صحيح مسلم» من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي ﵌ أنه قال يوم فتح مكة: «يا أيّها النّاس إنّي قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها ولا تأخذوا مما أتيتموهنّ شيئا» «٢» . وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ.\nوقال سعيد بن جبير: نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها، وقال القاسم بن محمد وعائشة: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا مما ملكت أيمانهم فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المتمتع بها كذلك.\nوقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ.\nوروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ.\nوقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة وتقوية ما قاله المجوّزون لها وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه.\nوقد طول الشوكاني ﵀ البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوّزون لها في شرحه للمنتقى «٣» فليرجع إليه. وأشرنا إليه في «مسك الختام شرح بلوغ المرام» الْفَرِيضَةِ: تنصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال أي مفروضة.\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٧/ ٤٨١] ح [٤٢١٦، ٥١١٥، ٥٥٢٣، ٦٩٦١] ومسلم في الصحيح ح [١٤٠٧] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٤٠٦] وأحمد في المسند [٣/ ٤٠٤، ٤٠٥] والدارمي في السنن [٢/ ١٤٠] وابن ماجه في السنن ح [١٩٦٢] .\n(٣) انظر المنتقى [٦/ ٢٦٨- ٢٧٤] .","vol":"1","page":159},{"text":"وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ: أي من زيادة أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي. هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي.\nوأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدّة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها في مقابل الاستمتاع بها أو نقصانه.\n[الآية العاشرة]\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) .\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الطول: الغنى والسّعة، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسّدي «١» وأبو زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل العلم، ومعنى الآية على هذا: فمن من لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله يقدر بها على أن ينكح المحصنات المؤمنات [فلينكح من فتياتكم المؤمنات] «٢»:\nيقال طال يطول طولا في الأفضل والقدرة، وفلان ذو طول: أي ذو قدرة.\nوالطول بالضم: ضد القصر. وقال قتادة والنخعي وعطاء والثوري: إن الطول الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح «٣» حرة.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [المهدى] وهو خطأ والصواب ما أثبتاه من تفسير القرطبي [٥/ ١٣٦] وفتح القدير [١/ ٤٥٠] .\n(٢) ما بين المعكوفين زيادة من فتح القدير [١/ ٤٥٠] .\n(٣) جاء في المطبوع [نكاح] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥٠] .","vol":"1","page":160},{"text":"وقال أبو حنيفة- وهو المروي عن مالك- أن الطول المرأة الحرّة، فمن كانت تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة، ولو كان غنيا. وبه قال أبو يوسف واختاره ابن جرير واحتج له.\nوالقول الأوّل وهو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. ودخلت الفاء في قوله: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لتضمن المبتدأ معنى الشرط.\nوقوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ في محل نصب في الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحرّ أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرّة. والشرط الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ. فلا يحلّ للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. وقد استدل بزيادة وصف الإيمان على عدم جواز نكاح الإماء الكتابيات، وبه قال الحجازيون، وجوزه أهل العراق. والمراد هنا الأمة المملوكة للغير.\nوأما أمة الإنسان نفسه فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. والفتيات جمع فتاة والعرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، وفي الحديث الصحيح: «لا يقولنّ أحدكم: عبدي وأمتي ولكن ليقل:\nفتاي وفتاتي» «١» .\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ: فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران: أي كلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر والجملة اعتراضية.\nبَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ مبتدأ وخبر، ومعناه: أنهم متصلون في الأنساب لأنهم جميعا بنو آدم، أو متصلون في الدين لأنهم جميعا أهل ملة واحدة ونبيهم واحد. والمراد بهذا توطئة نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء ويستصغرونهم ويغضون منهم ويسمون ابن الأمة الهجين فأخبر الله تعالى أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٥/ ١٧٧] ح [٢٥٥٢] ومسلم في الصحيح ح [٢٢٤٩] .","vol":"1","page":161},{"text":"شموخ وأنفة بل إذا احتجتم إلى نكاحهن.\nفَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ: أي بإذن المالكين لهنّ لأن منافعهنّ لهم، لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له. وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أي أدّوا إليهنّ مهورهنّ بما هو المعروف في الشرع. وقد استدل بهذا من قال إن الأمة أحقّ بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد وإنما أضافها إليهنّ لأنّ التأدية إليهن تأدية إلى سيدهنّ لكونهن «١» ماله.\nمُحْصَناتٍ أي عفائف، وقرأ الكسائي محصنات بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، وقرأ الباقون بالفتح في جميع القرآن.\nغَيْرَ مُسافِحاتٍ أي غير معلنات بالزنا.\nوَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ الأخلاء، والخدن والخدين المخادن: أي المصاحب، وقيل: ذات الخدن: وهي التي تزني سرا، فهو مقابل للمسافحة وهي التي تجاهر بالزنا، وقيل: المسافحة المبذولة، وذات الخدن، التي تزني بواحد.\nوكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك فقال الله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.\nفَإِذا أُحْصِنَّ قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بضمها.\nوالمراد بالإحصان هنا الإسلام روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر «٢» بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسّدي «٣»، وروي عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نص عليه الشافعي وبه قال الجمهور.\nوقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة وطاووس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم «٤»: إنه التزويج، وروي عن الشافعي.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [في كونهن] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥١] .\n(٢) جاء في المطبوع [رز] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥١] .\n(٣) جاء في المطبوع [المهدي] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥١] .\n(٤) انظر تفسير الطبري [٤/ ١٨- ١٩] . [.....]","vol":"1","page":162},{"text":"فعلى القول الأوّل لا حدّ على الأمة الكافرة.\nوعلى القول الثاني لا حدّ على الأمة التي لم تتزوج.\nوقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها.\nوقال ابن جرير «١»: إن معنى القراءتين مختلف: فمن قرأ أحصن بضم الهمزة فمعناه التزويج ومن قرأ بفتحها فمعناه الإسلام.\nوقال قوم: إن الإحصان المذكور في الآية هو التزويج، ولكن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج بالسنة. وبه قال الزهري.\nقال ابن عبد البر: ظاهر قول الله ﷿ يقتضي أنه لا حد على الأمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، وكان ذلك زيادة بيان.\nقال القرطبي «٢»: ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، لولا ما جاء في صحيح السّنة من الجلد.\nقال ابن كثير في تفسيره «٣» . والأظهر- والله أعلم- أن المراد بالإحصان هنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله: فَإِذا أُحْصِنَّ الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات. فيتعين أن المراد بقوله: فَإِذا أُحْصِنَّ تزوجن كما فسّره به ابن عباس ومن تبعه. قال: وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة ثيبا أو بكرا، ومفهوم الآية يقتضي أنه لا حدّ على غير المحصنة من الإماء! وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. ثم ذكر أن منهم من أجاب- وهم الجمهور- تقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية وقال: إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها إنما تضرب تأديبا قال: وهو المحكي عن ابن عباس وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وأبو عبيد وداود الظاهري في روايه عنه، فهؤلاء قدموا [مفهوم] «٤» الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة وزيد بن\n_________\n(١) تفسير ابن جرير الطبري [٤/ ٢٣] .\n(٢) تفسير القرطبي [٥/ ١٤٤] .\n(٣) تفسير ابن كثير [١/ ٤٥١] .\n(٤) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٥١] .","vol":"1","page":163},{"text":"خالد في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﵌ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بظفر» «١» . بأن المراد بالجلد هنا التأديب وهو تعسف! وأيضا قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يثرّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحدّ ...» «٢» الحديث.\nولمسلم من حديث علي قال: «يا أيها الناس أقيموا على أرقّائكم الحدّ. من أحصن ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﵌ زنت، فأمرني أن أجلدها ...» «٣»\nالحديث.\nوأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﵌: «ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب» «٤» . فقد قال ابن خزيمة والبيهقي: إن رفعه خطأ، والصواب وقفه.\nفَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ الفاحشة هنا الزنا.\nفَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ: أي الحرائر الأبكار، لأن الثيب عليها الرجم وهو لا يتبعض.\nوقيل: المراد بالمحصنات هنا: المزوّجات لأن عليهنّ الجلد والرجم، والرجم لا يتبعض، فصار عليهنّ نصف ما عليهنّ من الجلد.\nمِنَ الْعَذابِ: وهو هنا الجلد، وإنما نقص حدّ الإماء عن حد الحرائر لأنهنّ أضعف، وقيل: لأنهنّ لا يصلن إلى مرادهنّ كما تصل الحرائر، وقيل: لأن\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١٢/ ١٦٢] ح [٦٨٣٧] ومسلم في الصحيح ح [١٧٠٢] [٣٢] .\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١٢/ ١٦٥] ح [٦٨٣٩] ومسلم في الصحيح ح [١٧٠٣] [٣٠] .\n(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٧٠٥] [٣٤] .\n(٤) [رفعه خطأ والصحيح أنه موقوف] أخرجه سعيد بن منصور في السنن ح [٦١٦] وابن خزيمة كما في الدر المنثور [٢/ ٤٩١] والطبراني كما في المجمع [٦/ ٢٧٠] ونقل ابن كثير في التفسير [١/ ٤٥٢] وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٥/ ٤٩٣] ح [٢٨٢٩٧] وعبد الرزاق في المصنف [٧/ ٣٩٧] ح [١٣٦١٩] والبيهقي في السنن [٨/ ٢٤٣] .","vol":"1","page":164},{"text":"العقوبة [تجب] «١» على قدر النعمة كما في قوله تعالى: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ.\nولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس. وكما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا كذلك يكون عليهم نصف الحد في القذف والشرب.\nذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ: الاشارة بذلك إلى نكاح الإماء، والعنت:\nالوقوع في الإثم. وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة.\nوَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ من نكاحهن، أي صبركم خير لكم لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغضّ من النفس.\n[الآية الحادية عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ والباطل: ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة. ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً. والتجارة في اللغة: عبارة عن المعارضة، وهذا الاستثناء منقطع: أي [لكن] «٢» تجارة صادرة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ جائزة بينكم، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالا لكم. وإنما نص الله سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات لكونها أكثرها وأغلبها. وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز.\nومنه قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠): وقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) .\nواختلف العلماء في التراضي: فقالت طائفة: تمامه وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، كما في الحديث الصحيح: «البيّعان بالخيار ما لم يفترّقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر» «٣» . وإليه ذهب جماعة من\n_________\n(١) جاء في المطبوع [تحسب] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥٢] .\n(٢) جاء في المطبوع [لكم] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٥٧] .\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٤/ ٣٢٧- ٣٢٨] ح [٢١٠٩] وصحيح مسلم ح [١٥٣١] [٤٣] .","vol":"1","page":165},{"text":"الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم.\nوقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فيرتفع بذلك الخيار وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. وقد قرىء تجارة على الرفع على أن كان تامة، وتجارة بالنصب على أنها ناقصة.\nوأفاد الشوكاني في المختصر أن المعتبر في البيع مجرد التراضي ولو بإشارة من قادر على النطق. انتهى.\nوقال في شرحه: لكونه لم يرد ما يدل على ما يعتبره بعض أهل العلم من ألفاظ مخصوصة وأنه لا يجوز البيع بغيرها ولا يفيدهم ما ورد في الروايات من نحو: بعت منك، فإنا لا ننكر أن البيع يصح بذلك، وإنما النزاع في كونه لا يصح إلا بها ولم يرد في ذلك شيء. وقد قال تعالى: تِجارَةً عَنْ تَراضٍ، فدل على أن مجرد التراضي هو المناط ولا بد من الدلالة عليه بلفظ أو إشارة أو كناية بأي لفظ، وقع على أي صفة كان، وبأي إشارة مفيدة حصل. وقال ﵌: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» «١» .\nفإذا وجدت طيبة النفس مع التراضي فلا يعتبر غير ذلك. انتهى.\nوَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩): أي لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضا إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي الموجبة للقتل بأن يقتل فيقتل، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السّلاسل فقرر النبي ﵌\n_________\n[٤٤] [٤٥] [٤٦] .\n(١) [صحيح] أخرجه أحمد في المسند [٥/ ٤٢٣] وابنه عبد الله الزيادات [٥/ ١١٣] والطحاوي في شرح المعاني [٤/ ٢٤١] و[٤/ ٤٢] والدارقطني في السنن [٣/ ٢٥] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٩٧] أما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد في المسند [٥/ ٤٢٥] والبزار في المسند ح [١٣٧٣] والطحاوي في مشكل الآثار [٤/ ٤١- ٤٢] وشرح المعاني [٤/ ٢٤١] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ١٠٠] و[٦/ ٣٥٨] وابن حبان في الصحيح [١٣/ ٣١٦- ٣١٧] ح [٥٩٧٨] .\nأما حديث عم أبي حرة فأخرجه أحمد في المسند [٥/ ٧٢- ٧٣] والدارمي في السنن [٢/ ٢٤٦] مختصرا والدارقطني في السنن [٣/ ٢٦] وأبو يعلي في المسند [١/ ٣] ح [١٥٦٩ و١٥٧٠] والبيهقي في السنن الكبرى [٦/ ١٠٠] و[٨/ ١٨٢] .","vol":"1","page":166},{"text":"احتجاجه «١» - وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما.\n[الآية الثانية عشرة]\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) .\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ هذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان العلة التي استحق بها «٢» الرجال الزيادة، كأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما «٣» لم يشاركهم فيه النساء؟ فقال: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. والمراد أنهم يقومون بالذّب عنهنّ كما يقوم الحكام والأمراء بالذبّ عن الرعية، وهم أيضا يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن، وجاء بصيغة المبالغة في قوله: قَوَّامُونَ، ليدلّ على أصالتهم في هذا الأمر. والباء في قوله: بِما فَضَّلَ اللَّهُ للسببية، الضمير في قوله:\nبَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ للرجال والنساء: أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله إياهم عليهنّ بما فضلهم به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء والغزاة وغير ذلك من الأمور.\nوَبِما أَنْفَقُوا: أي بسبب ما أنفقوا مِنْ أَمْوالِهِمْ: وما مصدرية أو موصولة وكذلك هي في قوله: بما فضل الله، ومن تبعيضية. والمراد ما أنفقوه في الإنفاق على النساء وبما دفعوه في مهورهنّ من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما يلزمهم في العقل والدية.\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه أبو داود في السنن [١/ ٩٠] ح [٣٣٤] والدارقطني في السنن [١/ ١٧٨] والحاكم في المستدرك [١/ ١٧٧] والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٢٢٥] وفي دلائل النبوة [١/ ٤٠٢- ٤٠٣] .\nورواه عبد الرزاق في المصنف [١/ ٢٢٦- ٢٢٧] ح [٨٧٨] . وأخرجه أحمد في المسند [٤/ ٢٠٣] . [.....]\n(٢) جاء في المطبوع [لها] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٦٠] .\n(٣) جاء في المطبوع [بما] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٦٠] .","vol":"1","page":167},{"text":"وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها وبه قال مالك والشافعي وغيرهما.\nوَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ: هذا خطاب للأزواج، قيل: الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظنّ حدوثه، وقيل: المراد بالخوف هنا العلم.\nوالنشوز: العصيان، قال ابن فارس يقال: نشزت المرأة استعصت على زوجها، ونشز بعلها إذا ضربها وجفاها.\nفَعِظُوهُنَّ أي ذكروهنّ بما أوجبه الله عليهنّ من الطاعة وحسن العشرة ورغبوهنّ ورهبوهنّ.\nوَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ: يقال: هجره: أي تباعد منه، والمضاجع: جمع مضجع وهو محل الاضطجاع: أي تباعدوا عن مضاجعهنّ ولا تدخلوهنّ تحت ما تجعلونه عليكم حال الإضجاع مع الثياب. وقيل: هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع، وقيل: هو كناية عن ترك جماعها. وقيل: لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه.\nوَاضْرِبُوهُنَّ أي ضربا غير مبرح، ولا شائن.\nوظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل: إنه لا يهجر إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب.\nفَإِنْ أَطَعْنَكُمْ كما يجب وتركن النشوز فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا تتعرضوا لهن بشيء مما يكرهن لا بقول ولا فعل. وقيل: المعنى لا تكلفوهنّ الحبّ لكم فإنه لا يدخل تحت اختيارهنّ.\n[الآية الثالثة عشرة] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) .","vol":"1","page":168},{"text":"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها: أصل الشقاق أن كل واحد منهما يأخذ شقا غير شق صاحبه: أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وقولهم:\nيا سارق الليلة أهل الدار، والخطاب للأمراء والحكام، والضمير في قوله بَيْنِهِما للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو ذكر الرجال والنساء فابعثوا إلى الزوجين حكما يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلا ودينا وإنصافا.\nوإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقرب لمعرفة أحوالهما، وإذا لم يوجد من أهل الزوجين من يصلح للحكم بينهما كان الحكمان من غيرهم، وهذا إذا أشكل أمرهما ولم يتبين من هو المسيء منهما. فأما إذا عرف المسيء فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه وعلى الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه وإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ولا توكيل بالفرقة من الزوجين وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق، وهو مروي عن عثمان وعليّ وابن عباس والشعبي والنخعي والشافعي وحكاه ابن كثير «١» عن الجمهور قالوا: لأن الله قال: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها، وهذا نص من الله سبحانه على أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان.\nوقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحسن- وهو أحد قولي الشافعي- إن التفريق هو إلى الإمام أو الحاكم في البلد لا إليهما، ما لم يوكلهما الزوجان أو يأمرهما الإمام والحاكم، لأنهما رسولان لا شاهدان فليس إليهما التفريق. ويرشد إلى هذا قوله تعالى:\nإِنْ يُرِيدا أي الحكمان، إِصْلاحًا: بين الزوجين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما أي يوقع الموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن العشرة.\nومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين، وقيل: إن الضمير في قوله: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما- للحكمين، كما في قوله: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا. أي يوفق الله بين الحكمين في اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما، وقيل: كلا الضميرين للزوجين، أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله تعالى بينهما الألفة\n_________\n(١) تفسير ابن كثير [١/ ٤٦٧] .","vol":"1","page":169},{"text":"والوفاق، وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف.\n[الآية الرابعة عشرة] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦) .\nوَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا مصدر لفعل محذوف أي أحسنوا بالوالدين إحسانا. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع.\nوقد دل ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بعبادة الله والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ومثله: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ- فأمر سبحانه بأن يشكرا معه.\nوَبِذِي الْقُرْبى: أي صاحب القرابة وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه وإن كان بعيدا.\nوَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: قد تقدم تفسيرهما. والمعنى أحسنوا بذي القربى إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية.\nوَالْجارِ ذِي الْقُرْبى والمراد من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة.\nوفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم. سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى أن للجوار حرمة مرعية مأمورا بها. وفيه ردّ على من يظن أن الجار مخصوص»\nبالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد.\nوقيل: المراد بقوله: وَالْجارِ الْجُنُبِ: هنا هو الغريب، وقيل هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبين المجاور له. وقرأ الأعمش والمفضل وَالْجارِ الْجُنُبِ بفتح الجيم وسكون النون أي ذي الجنب وهو الناحية. وأنشد الأخفش:\nالناس جنب والأمير جنب.\nوقيل: المراد بالجار ذي القربى: المسلم، وبالجار الجنب: اليهودي والنصراني.\n_________\n(١) في فتح القدير [١/ ٤٦٤] [مختص] .","vol":"1","page":170},{"text":"وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي عليه يصدق مسمى الجار ويثبت لصاحبه الحق: فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حد أربعين دارا من كل ناحية، وروي عن الزهري نحوه.\nوقيل: من سمع إقامة الصلاة، وقيل: إذا جمعتهما محلة. وقيل: من سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع، فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه وأنه يكون جارا إلى حد كذا من الدور أو من مسافة الأرض كان العمل عليه متعينا، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة وعرفا.\nولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة: المجاور ويطلق على معان، قال في «القاموس»: الجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير، الشريك في التجارة، وزوج المرأة، وهي جارته، وفرج المرأة، وما قرب من المنازل، والاست كالجارة، والمقاسم، والحليف، والناصر. انتهى.\nوقال القرطبي في تفسيره «١»: وروي أن رجلا جاء إلى النبي ﵌ فقال: إني نزلت محلّة قوم وإن أقربهم إليّ جوارا أشدهم لي أذى! فبعث النبي ﵌ أبا بكر وعمر وعليّا ﵃ يصيحون على أبواب المساجد: «ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» «٢» . انتهى.\nقال الشوكاني: ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره، ولكنه رواه- كما ترى- من غير عزوه إلى أحد كتب الحديث المعروفة وهو وإن كان إماما في علم الرواية فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما وهو يذكر الواهيات كثيرا كما يفعل في «تذكرته» انتهى.\nأقول: هذا الحديث بلفظه أخرجه الطبراني كما ذكر في «الترغيب والترهيب» وروى السيوطي في جامعه الصغير: «الجوار أربعون دارا» . أخرجه البيهقي عن عائشة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٥/ ١٨٥] .\n(٢) [ضعيف جدا] أخرجه الطبراني في الكبير [١٩/ ٧٣] ح [١٤٣] وأبو يعلى في مسنده كما في نصب الراية [٤/ ٤١٤] رواه ابن حبان في الضعفاء [٢/ ١٥٠] .\nوأخرجه أبو داود في المراسيل ح [٣٥٠] .","vol":"1","page":171},{"text":"قال المناوي في شرحه: وروي عن عائشة: «أوصاني جبريل بالجار أربعين دارا» «١» .\nوكلاهما ضعيف. والمعروف المرسل الذي أخرجه أبو داود، هكذا نقل عن السيوطي ثم قال: ولفظ مرسل أبي داود: «حق الجوار أربعون دارا، هكذا وهكذا، وهكذا وأشار قداما ويمينا وخلفا «٢» . قال الزركشي: سنده صحيح، وقال ابن حجر: رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعا باللفظ المذكور لكن قال ابن حجر: في سنده عبد السلام منكر الحديث، فليحفظ.\nوقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة! قال الله تعالى:\nلَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ إلى قوله: ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) ! فجعل اجتماعهم في المدينة جوارا.\nوأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة.\nوَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ: قيل: هو الرفيق في السفر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك.\nوقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى: هو الزوجة.\nوقال ابن جريح: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب:\nأي بجنبك. كمن يقف بجنبك في تحصيل علم أو تعلم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك.\nوَابْنِ السَّبِيلِ: قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّا، والسبيل: الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. فالأولى تفسيره بمن هو على سفر فإن على المقيم أن يحسن إليه وقيل: هو المنقطع به، وقيل: هو الضيف.\nوأحسنوا إلى: وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إحسانا. وهم العبيد والإماء. وقد أمر النبي ﵌ أنهم يطعمون مما يطعم مالكهم ويلبسون مما يلبس، وقد ورد مرفوعا إلى\n_________\n(١) [ضعيف جدا] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [٦/ ٢٧٦] .\n(٢) عزاه الحافظ الهيثمي لأبي يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار، وهو ضعيف، انظر، مجمع الزوائد [٨/ ١٦٨] .","vol":"1","page":172},{"text":"رسول الله ﵌ في بر الوالدين وفي صلة القرابة وفي الإحسان إلى اليتامى وفي الإحسان إلى الجار وفي القيام بما يحتاج إليه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليه كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا.\n[الآية الخامسة عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا جعل الخطاب خاصا بالمؤمنين لأنهم الذين كانوا يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى.\nلا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ قال أهل اللغة: إذا قيل لا تقرب- بفتح الراء- كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدنوا منه. والمراد النهي عن التلبس بالصلاة وغشيانها، وبه قال جماعة من المفسرين وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال آخرون:\nالمراد مواضع الصلاة، وبه قال الشافعي. وعلى هذا فلا بدّ من تقدير مضاف ويقوّي هذا قوله: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ. وقالت طائفة: المراد الصلاة ومواضعها معا، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين فكانا متلازمين.\nوَأَنْتُمْ سُكارى: الجملة في محل نصب على الحال وسكارى جمع سكران، مثل كسالى جمع كسلان.\nوقرأ النخعي سكارى بفتح السين وهو تكسير سكران. وقرأ الأعمش سكرى كحبلى صفة مفردة. وقد ذهب كافة العلماء إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر، إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم، ولم يعن بها الخمر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: النعاس وقد أخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وحسنه- والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- في المختارة عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: «صنع لنا عبد الرحمن طعاما فدعانا وسقانا من","vol":"1","page":173},{"text":"الخمر فأخذت منا وحضرت الصلاة وقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون [لا] «١» أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون فأنزل الله هذه الآية «٢» .\nوأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه: أن الذي صلى بهم عبد الرحمن. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: نزلت في أبي بكر وعمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد صنع لهم علي ﵁ طعاما وشرابا، فأكلوا وشربوا ثم صلى بهم المغرب فقرأ: قل يا أيها الكافرون حتى ختمها فقال: ليس لي دين وليس لكم دين، فنزلت.\nوهذا سبب نزول الآية وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال.\nحَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ: هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر: أي حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلموا ما تقولونه، فإن السكران لا يعلم ما يقوله. وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع، لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد، وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاووس وعطا و«٣» القاسم وربيعة وهو قول الليث بن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني، واختاره الطحاوي، وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس.\nوأجازت طائفة وقوع طلاقه، وهو محكي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي.\nواختلف قول الشافعي في ذلك.\nوقال مالك: يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح والبيع.\nوَلا جُنُبًا: عطف على محل الجملة الحالية وهي قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى.\nوالجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب. قال الفراء:\nيقال: جنب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجنب في لغة على أجناب مثل عنق وأعناق وطنب وأطناب.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٢] .\n(٢) [صحيح] أخرجه عبد بن حميد في المنتخب ح [٨٢] والترمذي في الجامع [٥/ ٢٢٢] ح [٣٠٢٦] وأبو داود في السنن [٣/ ٣٢٤] ح [٣٦٧١] والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف [٧/ ٤٠٢] وابن جرير في التفسير [٤/ ٩٨] ح [٩٥٢٧] وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في فتح القدير [١/ ٤٧٢] والحاكم في المستدرك [٢/ ٣٠٧] .\n(٣) جاء في المطبوع [قال] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٦٨] .","vol":"1","page":174},{"text":"إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ استثناء مفرّغ، أي لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل، والمراد به هنا السفر. ويكون محل هذا الاستثناء المفرّغ النصب على الحال من ضمير لا تقربوا بعد تقييده بالحال الثانية وهي قوله: وَلا جُنُبًا، لا بالحال الأولى وهي قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى فيصير المعنى لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. وهذا قول عليّ وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم، قالوا: لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم لأن الماء قد يعدم في السفر، لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم.\nوقال ابن مسعود وعكرمة والنخعي وعمرو بن دينار ومالك والشافعي: عابر السبيل هو المجتاز في المسجد، وهو مرويّ عن ابن عباس. فيكون معنى الآية على هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة- وهي المساجد- في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب. وفي القول الأوّل قوة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر وأن معناه: أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء، كما يكون في المسافر.\nوفي القول الثاني قوّة من جهة عدم التكلف في معنى قوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ، وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها.\nوبالجملة فالحال الأولى أعني قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى تقوّي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف، وكذلك سبب نزول الآية يقوي ذلك.\nوقوله إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ يقوّي تقدير المضاف: أي لا تقربوا مواضع الصلاة.\nويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي أعني لا تَقْرَبُوا وهو قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى يدل على أن المراد مواضع الصلاة.\nولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدالّ عليه، ويكون ذلك نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما لا تقربوا الصلاة هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم في المسجد من جانب إلى جانب.","vol":"1","page":175},{"text":"وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل مشهور.\nوقال ابن جرير «١» بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فكان معلوما بذلك أن قوله: وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا، لو كان معنيّا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره- في قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ- معنى مفهوما، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل.\nقال وعابر السبيل: المجتازه «٢» مرا وقطعا. يقال منه: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه [قيل] «٣»: عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه.\nقال ابن كثير «٤»: وهذا الذي نصره- يعني ابن جرير- هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية. انتهى. حَتَّى تَغْتَسِلُوا: غاية للنهي عن قربان الصلاة أو مواضعها حال الجنابة، والمعنى: لا تقربوه حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل.\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى: المرضى عبارة عن خروج البدن عن حدّ الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضربين، كثير ويسير.\nوالمراد هنا أن يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء، أو كان ضعيفا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء.\nوروي عن الحسن أنه يتطهر وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. وقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ. أَوْ عَلى سَفَرٍ: فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر. والخلاف مبسوط في كتب الفقه.\n_________\n(١) تفسير ابن جرير [٤/ ١٠٢] .\n(٢) جاء في المطبوع [المجتاز] والتصحيح من تفسير الطبري [٤/ ١٠٢] .\n(٣) ما بين المعكوفين من تفسير الطبري [٤/ ١٠٢] . [.....]\n(٤) تفسير ابن كثير [١/ ٤٧٦] .","vol":"1","page":176},{"text":"وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم: لا بد من ذلك. وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر. واختلفوا في الحاضر، فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر والسفر.\nوقال الشافعي: ويجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف.\nأَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ: هو المكان المنخفض، والمجيء منه كناية عن الحدث، والجمع الغيطان والأغواط. وكانت العرب تقصد هذا الصنف من المواضع لقضاء الحاجة تسترا عن أعين الناس، ثم سمي الحدث الخارج من الإنسان غائطا توسعا. ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء.\nأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: وهو قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي: لمستم. قيل: المراد بما في القراءتين الجماع، وقيل:\nالمراد به مطلق المباشرة، وقيل: إنه يجمع الأمرين جميعا.\nوقال محمد بن زيد: الأولى في اللغة أن يقون لامستم بمعنى قبلتم ونحوه، ولمستم بمعنى غشيتم.\nواختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال: فقالت فرقة: الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع. قالوا: والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل أو يدع الصلاة حتى يجد الماء. وقد روي هذا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود.\nقال ابن عبد البر: لم يقل بقولهما في هذا أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار. انتهى.\nوأيضا الأحاديث الصحيحة تدفعه وتبطله كحديث عمار وعمران بن حصين وأبي ذرّ في تيمم الجنب. وقالت طائفة: هو الجماع، كما في قوله: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وقوله: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ، وهو مروي عن علي ﵇ وأبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وطاووس والحسن وبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل وابن حيان وأبي حنيفة.\nوقال مالك: الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا التذّ فإن لمسها بغير شهوة فلا وضوء وبه قال أحمد وإسحاق.","vol":"1","page":177},{"text":"وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا. حكاه القرطبي عن ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.\nوقال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقض لقوله تعالى: فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ. وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، [وليس الأمر كذلك، فقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية] «١» وعلى فرض أنها ظاهرة في الجماع، فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة والكسائي بلفظ أو لمستم وهي محتملة بلا شك ولا شبهة، مع الاحتمال فلا تقوم الحجة بالمحتمل.\nوهذا الحكم تعمّ به البلوى ويثبت به التكليف العام فلا يحل إثباته بمحتمل قد وقع النزاع في مفهومه.\nوإذا عرفت هذا فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من اجتنب ولم يجد الماء، فكان الجنب داخلا [بهذا] «٢» الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك.\nوأما وجوب الوضوء أو التيمم على من لمس المرأة بيده أو بشيء من بدنه فلا يصح القول به استدلالا بهذه الآية، لما عرفت من الاحتمال. وأما ما استدلوا به من أنه ﵌ أتاه رجل فقال: «يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها وليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ فأنزل الله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) «٣» أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من حديث معاذ قالوا: فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٧٠] .\n(٢) جاء في المطبوع [هذا] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٠] .\n(٣) [منقطع بهذا اللفظ] أخرجه الترمذي في الجامع [٤/ ٢٧١] ح [٣١١٣] وأحمد في المسند [٥/ ٢٤٤] وأخرجه النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الاشراف [٨/ ٤٠٩] ورواه البخاري في الصحيح [٢/ ٨] ح [٥٢٦] و[٤٦٨٧] ومسلم في الصحيح ح [٢٧٦٣] .","vol":"1","page":178},{"text":"ولا يخفاك أنه لا دلالة لهذا الحديث على محل النزاع، فإن النبي ﵌ إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية إذ لا صلاة إلا بوضوء وأيضا فالحديث منقطع لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يلقه وإذا عرفت هذا فالأصل البراءة عن هذا الحكم فلا يثبت إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة وأيضا قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت: «كان النبي ﵌ يتوضأ ثم يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ» «١» . وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة.\nرواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وما قيل من أنه من رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة- ولم يسمع من عروة- فقد رواه أحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ورواه ابن جرير من حديث ليث عن عطاء عن عائشة، ورواه أحمد أيضا وأبو داود والنسائي من حديث أبي روق الهمداني عن إبراهيم التيمي عن عائشة، ورواه أيضا ابن جرير من حديث أم سلمة «٢»، ورواه أيضا من حديث زينب السهمية.\nولفظ حديث أم سلمة: «أن رسول الله ﵌ كان يقبلها وهو صائم ولا يفطر ولا يحدث وضوءا» . ولفظ حديث زينب السهمية «أن النبي ﵌ كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ» . ورواه فأحمد عن زينب السهمية عن عائشة.\nفَلَمْ تَجِدُوا ماءً: هذا القيد إن كان راجعا إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور بعد الشرط وهو المرض والسفر والمجيء من الغائط وملامسة النساء، كان فيه دليل على أن المرض والسفر لمجردهما لا يسوّغان التيمم، بل لا بد مع وجود أحد السببين من عدم الماء فلا يجوز للمريض أن يتيمم إلا إذا لم يجد الماء، ولا يجوز للمسافر أن يتيمم إلا إذا لم يجد ماء.\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه عبد الرزاق في المصنف [١/ ١٣٥] ح [٥١١] وابن أبي سنيه في المصنف [١/ ٤٨] ح [٤٨٩] [٤٨٥] وأبو داود في السنن [١/ ٤٤] ح [١٧٨] [١/ ٤٥] ح [١٧٩] والنسائي في السنن [١/ ١٠٤] والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ١٢٥- ١٢٦- ١٢٧] والدارقطني في السنن [١/ ١٣٩] [١/ ١٤١- ١٤٢] والترمذي في السنن [١/ ١٣٣] ح [٨٦] وابن ماجه في السنن ح [٥٠٢] وأحمد في المسند [٦/ ٢١٠] وابن المنذر في الأوسط [١/ ١٢٨] ح [١٥] وابن جرير في التفسير [٤/ ١٠٨] ح [٩٦٣٥] .\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير [٤/ ١٠٨] ح [٩٦٣٨] ورواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع [١/ ٢٤٧] .","vol":"1","page":179},{"text":"ولكنه يستشكل على هذا أن الصحيح كالمريض إذا لم يجد الماء [تيمم، وكذلك المقيم كالمسافر إذا لم يجد الماء تيمم] «١» فلا بد من فائدة في التنصيص على المرض والسفر؟\nفقيل: وجه التنصيص عليهما أن المرض «٢» مظنة للعجز عن الوصول إلى الماء، وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب. وإن كان راجعا إلى الصورتين الأخيرتين أعني قوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ كما قال بعض المفسرين كان فيه إشكال وهو أن من صدق عليه اسم المريض أو المسافر جاز له التيمم وإن كان واجدا للماء قادرا على استعماله.\nوقد قيل: إنه رجع هذا القيد إلى الآخرين مع كونه معتبرا في الأوّلين لندرة وقوعه فيهما: وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط وتوجيه بارد.\nوقال مالك ومن تابعه: ذكر الله المرض والسفر في شرط التيمم اعتبارا بالأغلب فيمن لم يجد الماء، بخلاف الحاضر، فإن الغالب وجوده فلذلك لم ينص الله سبحانه عليه. انتهى.\nوالظاهر أن المرض- بمجرّده- مسوغ للتيمم وإن كان الماء موجودا إذا كان يتضرّر باستعماله في الحال أو في المال، ولا يعتبر خشية التلف فالله سبحانه يقول:\nيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، ويقول: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، والنبي صلّى الله عليه وآله يقول: «الدين يسر» «٣»، ويقول: «يسروا ولا تعسروا» «٤» . وقال:\n«قتلوه قتلهم الله» «٥» ويقول: «أمرت بالشريعة السمحة» «٦» . فإذا قلنا إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على المرض هو أنه يجوز له التيمم والماء\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٤٧١] .\n(٢) جاء في المطبوع [المريض] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧١] .\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ٩٣] ح [٩٣] والنسائي في السنن [٨/ ١٢١- ١٢٢] .\n(٤) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ١٦٣] ح [٦٩، ٦١٢٥] ومسلم في الصحيح ح [١٧٣٤] .\n(٥) [صحيح] أخرجه الحاكم في المستدرك [١/ ١٦٥] وابن خزيمة في صحيحه [١/ ١٣٨] ح [٢٧٣] وابن حبان في الصحيح [٤/ ١٤٠- ١٤١] ح [١٣١٤] وابن الجارود في المنتقى ح [١٢٨] والبيهقي في السنن الكبرى [١/ ٢٢٦] أخرجه الدارقطني في السنن [١/ ١٨٩- ١٩٠- ١٩١] .\n(٦) [حسن] أخرجه أحمد في المسند [٦/ ١١٦ و٢٣٣]، [٥/ ٢٦٦] وأخرجه الديلمي [٢/ ١١٠] .","vol":"1","page":180},{"text":"حاضر موجود إذا كان استعماله يضرّه، فيكون اعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضرّه، فإن في مجرّد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنته لعجزه عن الطلب، لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف.\nوأما وجه التنصيص على المسافر فلا شك أن الضرب في الأرض مظنته لإعواز الماء وبعض البقاع دون بعض.\nفَتَيَمَّمُوا: التيمم لغة: القصد «١»، ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب.\nوقال ابن الأنباري في قولهم: قد تيمم الرجل: معناه قد مسح التراب على وجهه.\nوهذا خلط للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي! فإن العرب لا تعرف التيمم بمعنى [مسح] «٢» الوجه واليدين، وإنما هو معنى شرعي فقط.\nوظاهر الأمر الوجوب وهو مجمع على ذلك والأحاديث في هذا الباب كثيرة وتفاصيل التيمم وصفاته مبينة في السنة المطهرة، ومقالات أهل العلم مدونة في كتب الفقه.\nصَعِيدًا هو وجه الأرض سواء كان عليه تراب أو لم يكن، قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج.\nقال الزجاج: لا أعلم فيه خلافا بين أهل اللغة. قال الله تعالى: وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أي أرضا غليظة لا تنبت شيئا، وقال الله تعالى: فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)، وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات «٣» .\nوقد اختلف أهل العلم فيما يجزىء «٤» التيمم به، فقال مالك وأبو حنيفة والثوري والطبري: إنه يجزىء بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة، وحملوا قوله طَيِّبًا قالوا: والطيب التراب الذي ينبت.\n_________\n(١) انظر القاموس المحيط [٤/ ١٩٣] .\n(٢) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٤٧٠] . [.....]\n(٣) جاء في المطبوع [صعدان] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٢] .\n(٤) جاء في المطبوع [يجرى] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٧٢] .","vol":"1","page":181},{"text":"وقد تنوزع في معنى الطيب فقيل: الطاهر كما تقدم، وقيل: المنبت كما هنا، وقيل: الحلال. والمحتمل لا يقوم به الحجة ولو لم يوجد في الشيء الذي يتيمم به إلا ما في الكتاب العزيز، لكان الحق ما قاله الأولون. لكن ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ﵌: «فضلنا الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» «١» . وفي لفظ: «وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» وفي لفظ: «وجعل ترابها لنا طهورا» .\nفهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية، أو مخصص لعمومه، أو مفيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد: أي أخذ من غباره. انتهى. والحجر الصلد ما لا غبار عليه.\nفَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ: هذا المسح مطلق بتناول المسح بضربة أو ضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو الرسغين، وقد بينته السنة بيانا شافيا. وقد جمع الشوكاني بين ما ورد في المسح بضربة أو بضربتين وما ورد في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحه للمنتقى «٢» وغيره من مؤلفاته بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.\nوالحاصل أن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال ولو صحت لكان الأخذ بها متعينا لما فيها من الزيادة. فالحق الوقوف والعمل على ما في الصحيحين من حديث عمار «٣» المقتصر على ضربة واحدة حتى تصح وتثبت الزيادة على ذلك المقدار الثابت.\n[الآية السادسة عشرة]\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) .\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصحيح ح [٥٢٢] .\n(٢) المنتقى [١/ ٣٣٢ و٣٣٥] .\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [١/ ٤٤٣] ح [٣٣٨] ومسلم في الصحيح ح [٣٦٨] .","vol":"1","page":182},{"text":"على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات. وقد روي عن علي وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين والأول أظهر، وورودها على سبب لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، بل قال الواحدي: أجمع المفسرون على ذلك.\nويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوليا فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات وتحرّي العدل في أحكامهم. ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب فيجب عليهم ردّ ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار.\nوممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب، واختاره جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر.\nوالأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول.\nوَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﵌، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم حكم الله سبحانه، وما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص.\nوأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فلا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله، وقد أفاد الإمام الرباني محمد بن علي الشوكاني في مختصره حيث قال في كتاب القضاء: إنما يصح قضاء من كان مجتهدا متورعا عن أموال الناس عادلا في القضية حاكما بالسوية. انتهى.\nوقال في شرحه: أما كونه إنما يصح قضاء من كان مجتهدا فلما في الكتاب العزيز من الأمر بالقضاء بالعدل والقسط وبما أراد الله. ولا يعرف ذلك إلا مجتهدا لأن المقلد إنما يعرف قول إمامه دون حجته، وهكذا لا يحكم بما أراه الله إلا من كان مجتهدا، لا من كان مقلدا فما أراه الله شيئا بل أراه إمامه ما يختاره لنفسه.\nومما يدل على اعتبار الاجتهاد حديث بريدة عن النبي ﵌ قال: «القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به،","vol":"1","page":183},{"text":"ورجل عرف الحق وجار في الحكم، فهو في النار ...» «١» . أخرجه ابن ماجة وأبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وصححه. وقد جمع ابن حجر طرقه في جزء مفرد.\nووجه الدلالة أنه لا يعرف الحق إلا من كان مجتهدا، وأما المقلد فهو يحكم بما قال إمامه ولا يدري أحق هو أم باطل، فهو القاضي الذي قضى للناس على جهل وهو أحد قاضيي النار.\nومن الأدلة على اشتراط الاجتهاد قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤)، والظَّالِمُونَ، والْفاسِقُونَ، ولا يحكم بما أنزل الله إلا من عرف التنزيل والتأويل.\nومما يدل على ذلك حديث معاذ لما بعثه ﵌ إلى اليمن فقال له: «بم تقضي»؟\nقال: بكتاب لله. قال: «فإن لم تجد»؟ قال: فبسنّة رسول الله. قال: «فإن لم تجد»؟ قال فبرأيي، وهو حديث مشهور «٢» . وقد بينت طرقه ومن خرجه في بحث مستقل.\nومعلوم أن المقلد لا يعرف كتابا ولا سنة ولا رأي له، بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي به أو ليس بموجود فيجتهد برأيه.\nفإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لا يعرف كتابا ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه بأنه حكم بالطاغوت.\nانتهى كلامه.\nويزيد ذلك قوة وشرحا ما قاله السيد العلامة بدر الله المنير محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير ﵁ في «سبل السلام شرح بلوغ المرام» «٣» في شرح حديث\n_________\n(١) [صحيح] أخرجه الترمذي في الجامع [٣/ ٦١٣] ح [١٣٢٢] وأبو داود في السنن [٣/ ٢٩٧] ح [٣٥٧٣] وابن ماجه في السنن ح [٢٣١٥] والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١٦] والحاكم في المستدرك [٤/ ٩٠] .\n(٢) [ضعيف جدا] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف [٤/ ٥٤٣] ح [٢٢٩٨٨] وعبد بن حميد في المنتخب ح [١٢٤] وأحمد في المسند [٥/ ٢٣٠ و٢٣٦، ٢٤٢] والترمذي في الجامع [٣/ ٦١٦] ح [١٢٢٧] وأبو داود في السنن [١٣/ ٣٠٢] ح [٣٥٩٢] والدارمي في السنن [١/ ٦٠] وأبو داود الطيالسي في مسنده ح [٥٥٩] والبيهقي في السنن الكبرى [١٠/ ١١٤] والخطيب في الفقه والمتفقه [١/ ١٨٨- ١٨٩] وابن عبد البر في جامع بيان العلم [٢/ ٨٤٤- ٨٤٥] ح [١٥٩٢، ١٥٩٣] وابن حزم في الأحكام [٦/ ٣٥] .\n(٣) سبل السلام [٤/ ٢٢٧- ٢٢٩] .","vol":"1","page":184},{"text":"عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، فإذا حكم ثم أخطأ فله أجر» «١» . متفق عليه «والحديث من أدلة القول بأن الحكم عند الله في كل قضية واحد، قد يصيبه من أعمل فكره وتتبع الأدلة ووفقه الله تعالى فيكون له أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة» .\nوالذي له أجر واحد من اجتهد فأخطأ فله أجر الاجتهاد..\nواستدلوا بالحديث على أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهدا. قال الشارح- يعني القاضي المغربي صاحب البدر التمام شرح بلوغ المرام- وغيره وهو المتمكن من أخذ الأحكام من الأدلة الشرعية- قال: ولكنه لغير وجوده بل كاد يعدم بالكلية ومع تعذره، فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه، ومن شرطه أن يحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا عليه من مذهب إمامه. انتهى. قلت:\nولا يخفى ما في هذا الكلام من البطلان وإن تطابق عليه الأعيان وقد بينا بطلان دعوى تعدد الاجتهاد في رسالتنا «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد» بما لا يمكن دفعه. وما أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الأنظار إلا من كفران نعمة الله عليهم فإنهم- أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها- مجتهدون يعرف حدهم من الأدلة «٢» ما يمكنه بها الاستنباط مما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد «٣» قاضي رسول الله ﵌ على مكة، ولا أبو موسى الأشعري قاضي رسول الله ﵌ في اليمن، ولا معاذ بن جبل قاضيه فيهما وعامله عليها، ولا شريح قاضي عمر وعلي ﵄ على الكوفة.\nويدل لذلك قول الشارح: فمن شرطه- أي المقلد- أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه وأن يحقق «٤» أصوله وأدلته فإن هذا هو الاجتهاد الذي حكم بكيدودة عدمه بالكلية وسماه متعذرا فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنة رسوله ﵌ عوضا عن إمامه؟\nوتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه؟ والعبارات كلها ألفاظ دالة على معان فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها؟ ونزل الأحكام\n_________\n(١) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [١٣/ ٣١٨] ح [٧٣٥٢] ومسلم في الصحيح ح [١٧١٦] .\n(٢) جاء في المطبوع [الآلة] وهو خطأ والتصحيح من سبل السلام [٤/ ٢٢٨] .\n(٣) جاء في المطبوع [رشيد] وهو خطأ والتصحيح من الاصابة لابن حجر [٢/ ٤٤٤] والاستيعاب [٣/ ١٥٣- ١٥٤ مع الاصابة] وسبل السلام [٤/ ٢٢٨] .\n(٤) جاء في سبل السلام [٤/ ٢٢٨] [يتحقق] بدلا من [يحقق] .","vol":"1","page":185},{"text":"عليها إذا لم يجد نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا؟\nتالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير من معرفة الكتاب والسنة إلى معرفة كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم، والتفتيش عن كلامهم.\nومن المعلوم يقينا أن كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌ أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة بلوغ «١» المرام، فإنه أبلغ الكلام بالإجماع، وأعذبه في الأفواه والأسماع وأقربه إلى الفهم والانتفاع، ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن لا حظ له في النفع والانتفاع، والأفهام التي فهم بها الصحابة والكلام الإلهي، والخطاب النبوي هي كأفهامنا، وأحلامهم كأحلامنا، إذ لو كانت الأفهام متفاوتة تفاوتا يسقط معه فهم العبارات الإلهية والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين لا اجتهادا ولا تقليدا.\nأما الأول: فلاستحالته، وأما الثاني: فلأنا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز لنا التقليد، ولا نعلم ذلك إلا بعد فهم الدليل من الكتاب والسنة على جوازه لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في جواز التقليد، فهذا الفهم الذي فهمنا به هذا الدليل نفهم به غيره من الأدلة من كثير وقليل.\nعلى أنه قد شهد المصطفى ﵌ بأنه يأتي من بعده من هو أفقه ممن في عصره وأوعى لكلامه حيث قال: «فرب مبلّغ أفقه من سامع» «٢» وفي لفظ: «أوعى له من سامع» .\nوالكلام قد وفيناه حقه في الرسالة المذكورة. انتهى كلام السبل. وقد بسطت القول في ذلك في رسالتي «الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة» .\n[الآية السابعة عشرة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ: طاعة الله ﷿ هي امتثال أوامره\n_________\n(١) كذا جاء في المطبوع أما في السبل [٤/ ٢٢٨] فلا يوجد [بلوغ] فيه.\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٣/ ٥٧٣- ٥٧٤] ح [١٧٤١، ٦٧، ١٠٥، ٣١٩٧، ٤٤٠٦] ومسلم في الصحيح ح [١٦٧٩] . [.....]","vol":"1","page":186},{"text":"ونواهيه، وطاعة رسوله ﵌ هي فيما أمر به ونهى عنه.\nقال الحافظ ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» «١»: أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنما أوتي الكتاب ومثله معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة. كما صح عنه ﵌: «إنما الطاعة في المعروف» «٢»، وقال في ولاة الأمور: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة» «٣» انتهى.\nوَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ: لما أمر الله سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل أو الحق أمر الناس بطاعتهم هاهنا، وأولو الأمر هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية.\nوالمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه، ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما قلت ذلك عن رسول الله ﵌. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح وابن عباس والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنهما: إن أولي الأمر هم أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك.\nوروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد ﵌.\nوقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي.\nوالراجح القول الأول- قاله الشوكاني.\nوقال الحافظ ابن القيم ﵀ في «أعلام الموقعين» «٤» تحت هذه الآية:\nوالتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء،\n_________\n(١) أعلام الموقعين [١/ ٤٨] .\n(٢) [متفق عليه] أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ٥٨- مع الفتح] ح [٤٣٤٠، ٧١٤٥، ٧٢٥٧] ومسلم في الصحيح ح [١٨٤٠] [٣٩] [٤٠] .\n(٣) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٨٣٩] والنسائي في المجتبى [١/ ١٦٠] ح [٤٢٠٧] وابن ماجه في السنن ح [٢٨٦٤] .\n(٤) أعلام الموقعين [١/ ١٠] .","vol":"1","page":187},{"text":"فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء. ولما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء وكان الناس كلهم لهم تبعا كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء «١» .\nرأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها «٢»\nوترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها\nوهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها\nانتهى كلامه.\nوقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس في قوله تعالى هذا قال:\n«نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ﵌ في سرية» «٣» وقصته معروفة.\nقال ابن القيم «٤»: وقد أخبر النبي ﵌ عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها «أنّهم لو دخلوا لما خرجوا منها» مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعة لأميرهم، وظنا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصّروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية «٥» الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يرده الآمر﵌- وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبّت وتبيّن هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا؟ فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله. انتهى.\nوأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال: طاعة الله والرسول، اتباع الكتاب والسنة. وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال: أولوا الفقه والعلم: وليعلم أنه لا يصح استدلال المقلدة بهذه الآية لأن المراد بها الأئمة كما ثبت عن غير واحد، ولو\n_________\n(١) جاء في المطبوع [الأمراء] وهو خطأ والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ١٠] .\n(٢) جاء في المطبوع [ايهانها] وهو خطأ والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ١٠] .\n(٣) أخرجه البخاري في الصحيح [٨/ ٢٥٢] ح [٤٥٨٤] ومسلم في الصحيح ح [١٨٣٤] .\n(٤) أعلام الموقعين [١/ ٤٨] .\n(٥) جاء في المطبوع [في معصية] والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٨] .","vol":"1","page":188},{"text":"سلم إرادة العلماء فطاعتهم أيضا- كالأئمة والأمراء- مشروطة بعدم مخالفة الطاعة الإلهية كما سلف، مع أن العلماء أرشدوا إلى ترك التقليد كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم.\nولو فرضنا أن في العلماء من يرشد إلى تقليده لكان يرشد إلى المعصية فلا طاعة لهم حينئذ بالنص، بل هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس والرأي مطلقا فلا يجوز ترك العمل بهما ولا تخصيصهما بالقياس- جليا كان أو خفيا-.\nومن وجوه الدلالة أن قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أمر بطاعة الكتاب والسنة، وهنا الأمر مطلق فثبت وجوب متابعتهما مطلقا سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يحصل، ومنها أن كلمة «إن» للاشتراط على قول الأكثرية فقوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ صريح في عدم جواز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول، كما يظهر ذلك من تأخير ذكره عنها في الآية، وكذا في قصة معاذ. ومنها أن سبب لعن إبليس ليس دفع نص السجدة بالكلية بل إنما خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس، ومنها أن القرآن مقطوع المتن لثبوته بالتواتر، والقياس مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون، ومنها أن قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) [المائدة: ٤٥] . نص صريح في أننا إذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم حكمنا بالقياس فإنه يلزم الدخول تحت هذا العموم، وكذا التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ﵌ من لوازم ذلك. وتمام القول في هذه المسألة في تفسيرنا «فتح البيان» فليرجع إليه.\nفَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ المنازعة: [المجاذبة] «١» والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة. وفيه دليل على أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان.\nقال في «أعلام الموقعين»: وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها «٢» تأويلا ولم يحرّفوها عن مواضعها تبديلا،\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٨١] .\n(٢) جاء في المطبوع [يشربوها] والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٩] .","vol":"1","page":189},{"text":"ولم يبدوا لشيء منها إبطالا ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عضين، وأقروا بعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه.\nوالمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان إذ ردّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله كما شرط الله عليهم بقوله: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه.\nوفي شَيْءٍ نكرة في سياق الشرط تعم كلّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدية دقّة وجلّة، جلية وخفية. ولم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولو لم يكن كافيا لما أمر بالردّ إليه، إذ من «١» الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند «٢» النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.\nقال الشوكاني «٣»: ظاهر قوله فِي شَيْءٍ يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والردّ إلى الله: هو الردّ إلى كتابه العزيز، والردّ إلى الرسول: هو الردّ إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالردّ إليه سؤاله. هذا معنى الردّ إليهما، وقيل: معنى الردّ أن يقولوا: الله أعلم وهو قول ساقط وتفسير بارد!! وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣] . انتهى.\nوقال ابن القيم «٤»: إن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، وأنه جعل هذا الرد\n_________\n(١) جاء في المطبوع [أو لكان] والتصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٩] .\n(٢) جاء في المطبوع [عن] التصحيح من أعلام الموقعين [١/ ٤٩] .\n(٣) فتح القدير [١/ ٤٨١] . [.....]\n(٤) أعلام الموقعين [١/ ٤٩] .","vol":"1","page":190},{"text":"من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة. انتهى.\nوقال في «فتح القدير» «١»: قوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، فيه دليل على أن هذا الردّ متحتم على المتنازعين، وأنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله ذلِكَ إلى الرد المأمور به خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩): أي مرجعا، من الأول آل يؤول إلى كذا: أي صار إليه. والمعنى أن ذلك [الردّ] «٢» خير لكم وأحسن مرجعا ترجعون إليه.\nويجوز أن يكون المعنى أن الردّ أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع. انتهى.\nوهذه الآية الكريمة نص في وجوب الاتباع وأصل من أصول رد التقليد ولذلك احتج بها جمع من السلف والخلف على ذلك، والكلام فيها يطول تركناه خشية الإطالة، ومن شاء الاطلاع عليها فليرجع إلى أمثال كتاب «أعلام الموقعين» وغيره يتضح له الحق من الباطل، وبالله التوفيق.\n[الآية الثامنة عشرة]\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) .\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ أذاع الشيء وأذاع به: إذ أفشاه وأظهره، وهؤلاء هم جماعة من ضعفاء المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم. أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم أهل العلم والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم. لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ: أي يستخرجونه بتدبرهم وصحة عقولهم.\n_________\n(١) فتح القدير [١/ ٤٨١] .\n(٢) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٨١] .","vol":"1","page":191},{"text":"والمعنى: أنهم لو تركوا الإذاعة للأخبار حتى يكون النبي ﵌ هو الذي يذيعها أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون «١» ذلك لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى وما ينبغي أن يكتم، لكان أحسن.\nوالاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا استخرجته. والنبط الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، وقيل: إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة. أخرج عبد بن حميد ومسلم وابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي ﵌ نساءه قمت على باب المسجد فوجدت الناس ينكتون بالحصا يقولون: طلق رسول الله ﵌ نساءه فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه ونزلت هذه الآية. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر «٢» .\n[الآية التاسعة عشرة]\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) .\nوَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ: التحية تفعلة من حييت وأصلها الدعاء بالحياة، والتحية السلام وهذا المعنى هو المراد هنا، ومثله قوله تعالى: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨]، وإلى هذا ذهب جماعة المفسرين.\nوروي عن مالك أن المراد بالتحية هنا تشميت العاطس.\nوقال أصحاب أبي حنيفة: التحية هنا الهدية لقوله تعالى: أَوْ رُدُّوها، ولا يمكن ردّ السلام بعينه، وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه.\nوالمراد بقوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدئ بالتحية، فإذا قال المبتدئ: السلام عليكم قال المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدئ لفظا زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدئ لفظا أو ألفاظا نحو:\n_________\n(١) جاء في المطبوع [يقولون] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٩١] .\n(٢) أخرجه مسلم في الصحيح ح [١٤٧٩] وعبد بن حميد وابن أبي حاتم كما في فتح القدير [١/ ٤٩١] .","vol":"1","page":192},{"text":"وبركاته ومرضاته وتحياته.\nقال القرطبي «١»: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنّة مرغّب فيها، وردّه فريضة لقوله: فَحَيُّوا، وظاهر الأمر الوجوب.\nوالمراد بقوله: أَوْ رُدُّوها الاقتصار على مثل لفظ المبتدئ بأن يقول المجيب:\nوعليكم السلام في مقابلة السلام عليكم. وظاهر الآية الكريمة أنه لو رد عليه بأقل مما سلم به أنه لا يكفي، وحملها الفقهاء على أنه الأكمل فقط. واختلفوا: إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أو لا؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويرد عليهم حديث عليّ عن النبي ﵌ قال «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلّم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم» «٢» وأخرجه أبو داود وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم! وقد حسن الحديث ابن عبد البر، وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتدىء بالسلام ومن يستحق التحية ومن لا يستحقها ما يغني عن البسط هاهنا وقد وفينا حقه في شرحنا لبلوغ المرام.\n[الآيات العشرون والحادية والثانية والعشرون]\nوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١) .\n_________\n(١) تفسير القرطبي [٥/ ٢٩٨] .\n(٢) [ضعيف] أخرجه أبو داود في السنن [٤/ ٣٥٥] ح [٥٢١٠] وأبو يعلى في مسنده [١/ ٣٤٥] ح [٤٤١] وابن السنن في عمل اليوم والليلة ح [٢٢٤] والبيهقي في السنن الكبرى [٩/ ٤٨- ٤٩] وابن عبد البر في التمهيد [٥/ ٢٩٠] وأخرجه الطبراني في الكبير [٣/ ٨٤] ح [٢٧٣٠] وأبو نعيم في الحلية [٨/ ٢٥١] ورواه مالك في الموطأ [٩٥٩] ورواه ابن عبد البر في التمهيد [٥/ ٢٩١] .","vol":"1","page":193},{"text":"وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ: هذا كلام مستأنف يتضمن بيان [حال] «١» هؤلاء المنافقون وإيضاح أنهم يودّون أن يكفر المؤمنون كما كفروا ويتمنوا ذلك عنادا وغلوا في الكفر وتماديا في الضلال.\nفالكاف في قوله: كَما، نعت مصدر محذوف: أي: كفروا مثل كفرهم، أو حال كما روي عن سيبويه.\nفَتَكُونُونَ سَواءً عطف على قوله: تَكْفُرُونَ داخل في حكمه.\nفَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ: جواب شرط محذوف: أي إذا كان حالهم ما ذكر فلا تتخذوا إلخ.\nوجمع الأولياء مراعاة لحال المخاطبين، وإلا فيحرم اتخاذ وليّ واحد منهم أيضا كما في آخر الآية.\nحَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ويحققوا إيمانهم بالهجرة فَإِنْ تَوَلَّوْا عن ذلك «٢» فَخُذُوهُمْ إذا قدرتم عليهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ: في الحلّ والحرم، فإن حكمهم حكم المشركين قتلا وإسرا، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا، توالونه، وَلا نَصِيرًا (٨٩): تستنصرون به، إِلَّا الَّذِينَ: هو مستثنى من قوله: فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ فقط.\nوأما الموالاة فحرام مطلقا لا تجوز بحال. فالمعنى إلا الذين يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ ويدخلون في قوم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ بالجوار والحلف فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ لما بينه وبينكم من عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم. هذا أصح ما قيل في معنى الآية. وقيل: الاتصال هنا هو اتصال النسب. والمعنى: إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة.\n_________\n(١) ما بين المعكوفين سقط من المطبوع وهو مستدرك من فتح القدير [١/ ٤٩٥] .\n(٢) جاءت هذه العبارة في المطبوع على النحو التالي [من ذلك الهجرة] والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٩٥] .","vol":"1","page":194},{"text":"وقد أنكر ذلك أهل العلم عليه لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين المسلمين والمشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال.\nوقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله ﵌ ميثاق؟ فقيل:\nهم قريش والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج «١»، وقيل: نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي ﵌ عهد، وقيل:\nخزاعة، وقيل: بنو بكر بن زيد.\nأَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ: عطف على قوله يَصِلُونَ داخل في حكم الاستثناء: أي إلا الذين يصلون والذين جاءوكم. ويجوز أن يكون عطفا على صفة قوم:\nأي إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق والذين يصلون إلى قوم جاءوكم حصرت: أي ضاقت صدورهم عن القتال فأمسكوا عنه. والحصر الضيق والانقباض.\nقال الفراء: وهو: أي حصرت صدورهم حال من المضمر المرفوع في جاءوكم كما تقول: جاء فلان ذهب عقله: أي وقد ذهب عقله.\nوقال الزجاج هو خبر بعد خبر: أي جاءوكم ثم أخبر فقال: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ.\nفعلى هذا يكون حصرت بدلا من جاءوكم وقيل: حصرت في موضع خفض على النعت لقوم، وقيل: التقدير أو جاءوكم رجال أو قوم حصرت صدورهم. وقرأ الحسن: (أو جاؤوكم حصرة صدورهم) نصبا على الحال، وقال محمد بن يزيد: حصرت صدورهم هو دعاء عليهم كما تقول: لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين. وقيل: أو بمعنى الواو أي وجاءوكم حاصرة صدورهم عن أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك.\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ابتلاء منه لكم واختبارا كما قال سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) [محمد: ٣١] أو تمحيصا لكم، أو عقوبة لذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب، واللام في قوله:\nفَلَقاتَلُوكُمْ: جواب لو على تكرير الجواب: أي لو شاء الله لسلطهم ولقاتلوكم. والفاء للتعقيب.\n_________\n(١) جاء في المطبوع [مدمج] وهو خطأ والتصحيح من فتح القدير [١/ ٤٩٦] وتفسير القرطبي [٥/ ٣٠٩] .","vol":"1","page":195},{"text":"فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ: أي لم يتعرضوا لقتالكم وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ: أي استسلموا لكم وانقادوا فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) [أي طريقا] «١» فلا يحلّ لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرّمه. قيل هذه منسوخة بآية القتال والظاهر كونها محكمة محمولة على المعاهدين.\nسَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ فيظهرون لكم الإسلام ولقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله ﵌ ليأمنوا عنده وعند قومهم، وقيل: هي في قوم من المنافقين، وقيل: في أسد وغطفان.\nكُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ: أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها، أي قلبوا فيها فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين. ومعنى الارتكاس الانتكاس.\nفَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ: يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ: أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم، وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عن قتالكم فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ: أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم. وَأُولئِكُمْ، الموصوفون بتلك الصفات، جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١): أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي.\n[الآية الثالثة والعشرون] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) .\n_________\n(١) ما بين المعكوفين من فتح القدير [١/ ٤٩٦] .","vol":"1","page":196},{"text":"وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ: هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم، كقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣]، ولو كان هذا النفي على معناه، لكان خبرا وهو يستلزم صدقه، فلا يوجد مؤمن قتل مؤمنا قط.\nأَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا. وقيل: المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل: ما كان له ذلك فيما سلف، كما ليس له الآن بوجه.\nثم استثنى منه استثناء منقطعا فقال: إِلَّا خَطَأً: أي ما كان له أنه يقتله البتة، لكن إن قتله خطأ فعليه كذا. هذا قول سيبويه والزجاج.\nوقيل: هو استثناء متصل، والمعنى: ما ثبت، ولا وجد، ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، إذ هو مغلوب حينئذ. وقيل: المعنى ولا خطأ «١» .\nقال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب، ولا يصح في المعنى لأن الخطأ لا [يحظر] «٢»، وقيل: المعنى: لا ينبغي أن يقتله لعلّة من العلل إلا بالخطأ وحده، فيكون قوله: خَطَأً منتصبا بأنه مفعول له، ويجوز أن ينتصب على الحال. والتقدير لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي إلا قتلا خطأ.\nووجوه الخطأ كثيرة ويضبطها عدم القصد، والخطأ اسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد «٣» .\nوَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً بأن قصد رمي صيد مثلا، فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا، كذا قيل.\nفَتَحْرِيرُ: أي: فعليه تحرير.\n_________\n(١) انظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٩٧) .\nوقد قال الزجاج: «ما كان لمؤمن البتة، و«إلا خطأ» استثناء ليس من الأول ...» وينظر:\nمعاني الزجاج (٢/ ٩٧)، والطبري (٥/ ١٢٨)، والنكت للماوردي (١/ ٤١٤)، وزاد المسير لابن الجوزي (٢/ ١٦٢)، والقرطبي (٥/ ٣١٢) .\n(٢) حرّف في «المطبوعة» إلى (يحصر) وهو خطأ، وصوبناه من فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٩٧) .\n(٣) انظر: الصحاح واللسان (خطأ) . [.....]","vol":"1","page":197},{"text":"رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعتقها، كفارة عن قتل الخطأ، وعبّر بالرقبة عن جميع الذات.\nواختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة، فقيل: هي التي صلّت وعقلت الإيمان، فلا تجزىء الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم «١» .\nوقال عطاء بن أبي رباح: إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين مسلمين.\nوقال جماعة منهم مالك والشافعي: يجزىء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزىء في قول جمهور العلماء أعمى، ولا مقعد، ولا أشلّ، ويجزىء عند الأكثر الأعرج والأعور.\nقال مالك: إلا أن يكون عرجا شديدا ولا يجزىء عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع «٢» .\nوَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ الدية: ما يعطى عوضا عن دم المقتول إلى ورثته.\nوالمسلّمة: المدفوعة المؤداة.\nوالأهل: المراد بهم الورثة. وأجناس الدية وتفاصيلها قد بيّنتها السّنّة المطهرة «٣» .\nإِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا: أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية، سمّي العفو عنها صدقة ترغيبا فيه.\nفَإِنْ كانَ: أي المقتول.\nمِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ: وهم الكفار الحربيون.\nوَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وهذه مسألة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم، ثم أسلم ولم يهاجر وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه، فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة.\nواختلفوا في وجه سقوط الدية، فقيل: إن أولياء القتيل كفار لا حقّ لهم في الدية،\n_________\n(١) انظر أقوالهم في: الطبري (١٠٩٤، ١٠٩٥، ١٠٩٧، ١٠٩٨، ١٠٩٩) .\n(٢) انظر: النكت (١/ ٤١٤)، زاد المسير (٢/ ١٦٣)، القرطبي (٥/ ٣٢٣)، وقليوبي وعميرة (٤/ ٩٥)، وفتح العزيز (١٠/ ٨٤) .\n(٣) انظر كتاب الدّيات من: صحيح البخاري (١٢/ ١٨٧، ٢٦٤)، ومسلم (١١/ ١٧٥، ١٨٠)، وزاد المسير (٢/ ١٦٣) .","vol":"1","page":198},{"text":"وقيل: وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة، لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنفال: ٧٢] .\nوقال بعض أهل العلم: إن ديته واجبة لبيت المال «١» .\nوَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ: أي مؤقت، أو مؤبد.\nوقرأ الحسن: وهو مؤمن فدية مسلمة: أي فعلى قاتله دية مؤداة «٢» .\nإِلى أَهْلِهِ: من أهل الإسلام، وهم ورثته.\nوَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كما تقدم.\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ: أي الرقبة، ولا اتسع ماله لشرائها.\nفَصِيامُ شَهْرَيْنِ أي فعليه صيام شهرين.\nمُتَتابِعَيْنِ: لم يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور «٣» .\nوأما الإفطار لعذر شرعي، كالحيض ونحوه، فلا يوجب الاستئناف «٤» .\nواختلف في الإفطار لعروض المرض، ولم يذكر الله تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الإمام الشافعي.\nتَوْبَةً: منصوب على أنه مفعول له، أي شرع ذلك لكم توبة، أي قبولا لتوبتكم، أو منصوب على المصدرية: أي تاب عليكم توبة، وقيل: على الحال، أي:\nحال كونه ذا توبة كائنة، مِنَ اللَّهِ «٥» .\n_________\n(١) انظر: شرح النووي على مسلم (٢/ ١٠٠، ١٠٦)، والمغني (٣/ ٦٨) (١٠/ ٣٩) .\n(٢) انظر في توجيه هذه القراءة: فتح القدير (١/ ٤٩٨)، والقرطبي (٥/ ٣٢٥) .\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٦٨، ٦٩)، (١٠/ ٣٩) .\n(٤) انظر: الروضة النّدية للمصنف (١/ ٢٢٨، ٢٢٩) .\n(٥) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٢/ ١٦٣)، والنكت للماوردي (١/ ٤١٤)، والقرطبي (٥/ ٣٢٤)، والبصائر (١/ ١٧٣) .","vol":"1","page":199},{"text":"[الآية الرابعة والعشرون]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: هذا متصل بذكر الجهاد والقتال.\nوالضرب: السير في الأرض.\nتقول العرب: ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول:\n[ضربت] «١» الأرض بدون (في) إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان، ومنه قوله ﵌: «لا يخرج الرجلان يضربان الغائط» «٢» .\nفَتَبَيَّنُوا: من التبين، وهو التأمل، وهي قراءة الجماعة إلا حمزة فإنه قرأ فتثبّتوا من التثبت «٣»، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، قالا: لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن التبين والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا وسفرا بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر «٤» .\nولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلم واختار أبو عبيد قراءة: السلام، وخالفه أهل النظر فقالوا: السّلم هاهنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم. والمراد هنا لا\n_________\n(١) ما بين [المعقوفين] حزب- وهو خطأ غير مناسب للسياق، وانظره في «فتح القدير» (١/ ٥٠١) .\n(٢) حديث إسناده ضعيف: رواه أبو داود (١٥)، وابن ماجة (٣٤٢)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٣٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٥٧، ١٥٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٧١)، وابن حبان (١٤٢٢) بنحوه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمّار.\nوانظر: تمام المنّة (ص ٥٩) .\n(٣) انظر: السبعة (٢٣٦)، والكشف (١/ ٣٩٤)، والفراء (٢/ ١٧١)، والبحر المحيط (٣/ ٣٢٨) .\n(٤) انظر في سبب نزولها: البخاري (٨/ ٢٥٨)، ومسلم (١٨/ ١٦١)، وتفسير القرطبي (٥/ ٣٣٦)، والبحر المحيط (٣/ ٣٢٨)، وزاد المسير (٢/ ١٦٩)، والفتح الرّباني (١٨/ ١١٦)، واللباب (٧٧) .","vol":"1","page":200},{"text":"تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم.\nفالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل: هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام، أي كلمته وهي الشهادة، لَسْتَ مُؤْمِنًا، من أمنته إذا أجرته فهو مؤمن.\nوقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافرا بعد أن قال: لا إله إلا الله قتل به، لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما سقط القتل عن من وقع منه ذلك في زمن النبي ﵌ لأنهم تأولوا وظنوا أن من قالها خوفا من السلاح لا يكون مسلما، ولا يصير دمه بها معصوما، وأنه لا بد من أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف.\nوالحكمة في التكلم بكلمة الإسلام إظهار الانقياد بأن يقول: أنا مسلم، وأنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو فعل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة، وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآخر داخلان تحت القول الأول «١» .\nتَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا: الجملة في محل نصب على الحال، أي لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعا إلى القيد والمقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الحياة عرضا لأنه عارض زائل غير ثابت.\nقال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الحياة الدنيا عرض بفتح الراء، وأما العرض بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرض بالسكون.\nوفي «كتاب العين» «٢»: العرض ما [نيل] «٣» من الدنيا، ومنه قوله تعالى:\nتُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وجمعه عروض.\nوفي «المجمل» «٤» لابن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه، وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قلّ أو كثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد.\n_________\n(١) انظر ذلك: في «فتح القدير» (١/ ٥٠١) .\n(٢) هو لفريد عصره الخليل بن أحمد الفراهيدي شيخ النحاة، وهو مطبوع بالعراق وبيروت. [.....]\n(٣) ما بين [معقوفين] حرّف إلى (نيل) والتصويب من فتح القدير (١/ ٥٠١) .\n(٤) هو مجمل مقاييس اللغة لأبي الحسين ابن فارس الرازي، وقد طبع في بيروت، وغيرها.","vol":"1","page":201},{"text":"فَعِنْدَ اللَّهِ: هو تعليل للنهي، أي عند الله ما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور.\nمَغانِمُ كَثِيرَةٌ: تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد واغتنام ماله.\nكَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ: أي كنتم كفارا فحقنت دماؤكم لمّا تكلمتم بكلمة الشهادة، أو كذلك كنتم من قبل تخفون إيمانكم عن قومكم، خوفا على أنفسكم، حتى منّ الله عليكم بإعزاز دينه فأظهرتم الإيمان وأعلنتم.\n[الآية الخامسة والعشرون] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) .\nلا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وإن كان معلوما ضرورة، لكن أراد الله سبحانه بهذا الأخبار، تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا.\nغَيْرُ: قرأ أهل الكوفة وأبو عمرو وابن كثير بالرفع على أنه وصف للقاعدين- كما قال الأخفش-، لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير، وقرأ أبو حيوة بكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين، وقرأ أهل الحرمين بفتح الراء على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين، أي إلا:\nأُولِي الضَّرَرِ فإنهم يستوون مع المجاهدين، ويجوز أن يكون منتصبا على الحال من القاعدين: أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة.\nقال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد. وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل: يعطى أجره من غير تضعيف، فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة «١» .\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٢/ ١٧٤)، وابن قتيبة (١٣٤)، والطبري (٥/ ١٤٤)، والقرطبي (٥/ ٣٤٦) .","vol":"1","page":202},{"text":"قال القرطبي: والأول أصح- إن شاء الله تعالى- للحديث الصحيح في ذلك: «إن بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سرتم مسيرا، إلا كانوا معكم، أولئك قوم حبسهم العذر» «١» .\nقال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر: «إذا مرض العبد، قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة، إلى أن يبرأ أو أقبضه إليّ» «٢» .\nوَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً: هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالا، والمراد هنا غير أولي الضرر حملا للمطلق على المقيد، وقال هنا درجة، وقال فيما بعد درجات، فقال قوم: التفضيل بالدرجة ثم الدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد.\nوقال آخرون: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما «٣» .\nوقيل: إن معنى درجة علوّ، أي أعلى ذكرهم، ورفعهم بالثناء والمدح.\nودرجة: منتصبة على التمييز أو المصدرية، لوقوعها موقع المرة من التفضيل: أي فضل الله تفضيلة، أو على نزع الخافض، أو على الحالية من المجاهدين، أي ذوي درجة.\nوَكُلًّا: مفعول أول لقوله: وَعَدَ، قدّم عليه لإفادة القصر، أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين.\nوَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي المثوبة، وهي الجنة، قاله قتادة «٤» .\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٤٦، ٤٧)، (٨/ ١٢٦)، ومسلم (١٣/ ٥٦، ٥٧)، عن أنس وجابر مرفوعا بنحوه.\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ١٣٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ١١٩)، عن أبي موسى وعطاء بن يسار مرفوعا.\nقلت: هذا حديث روي بألفاظ متقاربة عن عدة من أصحاب النبي ﵌ وانظر: الإرواء (٥٦٠) .\n(٣) انظر: الطبري (٥/ ١٤٤)، وابن قتيبة (ص ١٣٤) .\n(٤) روى هذا الخبر الطبري في «تفسيره» (٢٥٣- ١) بإسناد حسن.","vol":"1","page":203},{"text":"[الآية السادسة والعشرون]\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧) .\nأَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧) قيل: المراد بهذه الأرض المدينة، والأولى العموم، اعتبارا بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض المذكورة في الآية الأولى، كل أرض ينبغي الهجرة منها.\n[الآية السابعة والعشرون] إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) .\nإِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ: هو استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل: هو استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول، وضميره.\nمِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ: متعلق بمحذوف، أي كائنين منهم.\nوالمراد بالمستضعفين من الرجال: الزّمنى «١» ونحوهم، والولدان كعياش ابن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم، لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من كان مكلفا.\nوقيل أراد بالولدان: المراهقين والمماليك.\nلا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً: صفة للمستضعفين، أو الرجال والنساء والولدان، أو حال من الضمير في المستضعفين.\nقيل: الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي: لا يجدون حيلة ولا طريقا إلى ذلك.\n_________\n(١) هو صاحب الآفة والعاهة، عافانا الله من كل أذى وداء.","vol":"1","page":204},{"text":"وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) وقيل: السبيل سبيل المدينة.\nوقد استدل بهذه الآية، على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك، أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهارا، إذا كان قادرا على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين، لما في هذه الآية من العموم، وإن كان السبب خاصا كما تقدم، وظاهرها عدم الفرق بين مكان ومكان، وزمان وزمان.\nوقد ورد في الهجرة أحاديث ذكرناها في جواب سؤال عن الهجرة اليوم من أرض الهند فليراجع.\nوورد ما يدل على أنه لا هجرة بعد الفتح «١» .\nوقد أوضحنا ما هو الحق في شرحنا على «بلوغ المرام» فليرجع إليه.\n[الآية الثامنة والعشرون]\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) .\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ شروع في كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر، ولقاء العدو، والمطر، والمرض.\nوفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على الهجرة، وترغيب له فيها، لما فيه من تخفيف المئونة، أي إذا سافرتم أي مسافرة كانت كما يفيده الإطلاق.\nفَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ: أي وزر وحرج في أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ فيه دليل على أن القصر ليس بواجب، وإليه ذهب الجمهور.\nوذهب الأقلون إلى أنه واجب ومنهم عمر بن عبد العزيز، والكوفيون، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك، واستدلوا بحديث عائشة الثابت في «الصحيح»: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأقرت في السفر» «٢» .\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٣)، ومسلم (٩/ ١٢٣)، عن ابن عباس مرفوعا.\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ٤٦٤)، ومسلم (٥/ ١٩٤)، عن عائشة مرفوعا.","vol":"1","page":205},{"text":"ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله ﵌ «١» .\nومثله حديث يعلى بن أمية قال: «سألت عمر بن الخطاب، قلت: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد أمن الناس؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﵌ عن ذلك؟ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» .\nأخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن «٢» .\nوظاهر قوله: «فاقبلوا صدقته» أن القصر واجب.\nإِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا: ظاهر هذا الشرط أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي ﵌ قصر مع الأمن كما عرفت، فالقصر مع الخوف ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه ﵌ من القصر مع الأمن.\nوقد قيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر ما قال كما تقدم.\nوفي قراءة أبيّ: أن تقصروا من الصّلاة أن يفتنكم بسقوط إِنْ خِفْتُمْ، والمعنى على هذه القراءة: كراهة أن يفتنكم الذين كفروا.\nوذهب جماعة من أهل العلم، إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمنا فلا قصر له.\nوذهب آخرون إلى أن قوله: إِنْ خِفْتُمْ ليس متصلا بما قبله وأن الكلام تم عند قوله مِنَ الصَّلاةِ، ثم افتتح فقال: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف.\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٥٦٩)، ومسلم (٥/ ١٩٤، ١٩٥)، وروى البيهقي في «الكبرى» (٣/ ١٤٣) نحوه.\nوانظر: فتح الباري (٢/ ٥٧١) .\n(٢) صحيح: رواه مسلم (٥/ ١٩٥، ١٩٦)، وأبو داود (١١٩٩، ١٢٠٠)، والترمذي (٣٠٣٤)، والنسائي (٣/ ١١٦، ١١٧)، وابن ماجة (١٠٦٥)، وأحمد (١/ ٢٥)، والدارمي (١/ ٣٥٤) .","vol":"1","page":206},{"text":"وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة، وهي حديث عمر الذي قدمنا ذكره، وما ورد في معناه «١» .\n[الآية التاسعة والعشرون] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢) .\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ: هذا خطاب لرسول الله ﵌، ولمن بعده من أهل الأمر، حكمه كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣] ونحوه.\nوإلى هذا ذهب جمهور العلماء وشذّ أبو يوسف وإسماعيل بن عليّة فقالا: لا تصلّى صلاة الخوف بعد النبي ﵌! لأن هذا الخطاب خاص برسول الله ﵌. قالا: ولا يلحق غيره به، لما له ﵌ من المزية العليا! «٢» .\nوهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله والتأسي به، وقد قال ﵌: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٣»، والصحابة ﵃ أعرف بمعاني القرآن، وقد صلّوها بعد\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ١٨٧)، والإحكام له (١/ ٤٩١)، وفتح القدير (١/ ٥٠٧، ٥٠٨) .\n(٢) انظر: رحمة الأمة لابن عبد الرحمن العثماني (ص ٥٧) والرّوضة الندية للمصنف (١/ ١٤٧، ١٤٨)، والمجموع للنووي (٤/ ٤٠٦) . [.....]\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٢/ ١١٠)، (١٠/ ٤٣٧)، ومسلم (٥/ ١٧٤، ١٧٥)، عن مالك بن الحويرث مرفوعا.","vol":"1","page":207},{"text":"موته في غير مرة كما هو معروف «١» .\nومعنى فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ: أردت إقامتها، كقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]، وقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] .\nفَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ: يعني بعد أن تجعلهم طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة منهم تقوم معك في الصلاة.\nوَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أي الطائفة التي تصلي معه.\nوقال ابن عباس: الضمير راجع إلى الطائفة الأولى بإزاء العدو، لأن المصلية لا تحارب «٢» . والأول أظهر لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو، لا بد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك، من كان في الصلاة لأنه يظن أن ذلك ممنوع من حال الصلاة، فأمره الله بأن يكون آخذا لسلاحه، أي غير واضع له.\nوليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصة فيهم.\nوجوّز الزجاج والنحاس أن يكون ذلك أمرا للطائفتين جميعا، لأنه أرهب للعدو.\nوقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر حملا للأمر على الوجوب.\nوذهب أبو حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون السلاح، وأن ذلك يبطل الصلاة، وهو مدفوع بما في هذه الآية، وبما في الأحاديث الصحيحة كما أوضحنا ذلك، مع بيان كيفيات تلك الصلاة الثابتة في شرحي: «الدرر البهية» «٣» و«مسك الختام» .\nفَإِذا سَجَدُوا: أي القائمون في الصلاة، فَلْيَكُونُوا، أي الطائفة القائمة بإزاء العدو، مِنْ وَرائِكُمْ: من وراء المصلين.\nويحتمل أن يكون المعنى فإذا سجد المصلون معك أتمّوا الركعة تعبيرا بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة، فليكونوا من ورائكم، أي: فلينصرفوا بعد الفراغ\n_________\n(١) حديث صحيح: ما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٣٥١)، والطبري (١٠٣٦١، ١٣٠٦٢)، والبيهقي (٣/ ٣٥٢) بنحوه.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٥/ ٢٥٠، ٢٥١) .\n(٣) انظر الروضة الندية (١/ ١٤٧، ١٤٩) .","vol":"1","page":208},{"text":"إلى [مقابلة] «١» العدو للحراسة.\nوَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا: وهي القائمة في مقابلة العدو والتي لم تصل.\nفَلْيُصَلُّوا مَعَكَ: على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى.\nوَلْيَأْخُذُوا أي هذه الطائفة الأخرى حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ: زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح.\nقيل: وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي ﵌ في شغل شاغل، وأما في المرة الأولى فربما يظنونهم قائمين للحرب.\nوقيل: لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة، والسلاح ما يدفع به المرء عن نفسه في الحرب، ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين.\nوقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة، وكلها صحيحة مجزية، من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها، فقد أبعد عن الصواب.\nوأوضح هذا الشوكاني في «شرحه للمنتقى» وغيره «٢» .\nوَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً: هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله سبحانه بالحذر، وأخذ السلاح، أي ودوا غفلتكم عن أخذ السلاح، وعن الحذر ليصلوا إلى مقصودهم، وينالوا فرصتهم، فيشدون عليكم شدة واحدة.\nوالأمتعة: ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة «٣» .\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ: رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من المطر، وفي حال\n_________\n(١) وقع في المطبوعة إلى (مقاتلة) والمثبت من فتح القدير (١/ ٥٠٨) وهو الموافق للسياق.\n(٢) انظر: نيل الأوطار (٤/ ١٠٢٢)، وكذلك السّيل الجرار (١/ ٣١٢، ٣١٣) .\n(٣) انظر: تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٢)، فتح القدير (١/ ٥٠٩) .","vol":"1","page":209},{"text":"المرض، لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح.\nوَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢): أمر بأخذ الحذر لئلا يأتيهم العدو على غرة وهم غافلون.\n[الآية الثلاثون] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) .\nفَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ: أي فرغتم من صلاة الخوف، وهو أحد معاني القضاء، ومثله: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [البقرة: ٢٠٠] وقوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: ١٠] .\nفَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ: أي في جميع الأحوال، حتى في حال القتال.\nوقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو أثر صلاة الخوف، أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال، وقيل: معنى قوله: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ إلخ إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا وعلى جنوبكم حسبما تقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا [البقرة: ٢٣٩] .\nفَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ: أي إذا أمنتم وسكنت قلوبكم.\nوالطمأنينة: سكون النفس من الخوف.\nفَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان، ولا تغفلوا ما أمكن فإن ذلك إنما هو في حال الخوف.\nوقيل: المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسابقة، لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان، وهو مروي عن الشافعي، والأول أرجح.\nإِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣): أي محدودا معينا، يقال:","vol":"1","page":210},{"text":"وقته فهو موقوت ووقته فهو موقت «١» .\nوالمعنى أن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحددة، لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا بعذر شرعي من نوم وسهو أو نحوهما.\n[الآية الحادية والثلاثون]\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥) .\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى المشاققة: [المعاداة] «٢» والمخالفة.\nوتبيّن الهدى: ظهوره بأن يعلم صحة الرسالة، بالبراهين الدالة على ذلك، ثم يفعل المشاققة.\nوَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: أي غير طريقهم، وهو ما هم عليه من دين الإسلام، والتمسك بأحكام رسوله ﵌، كما قال تعالى: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا الآية [النور: ٥١]، وقال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ الآية [النساء: ٥٩] .\nوقال عز من قائل: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ [النساء: ٦٥] الآية، إلى غير ذلك.\nنُوَلِّهِ ما تَوَلَّى: أي نجعله واليا لما تولاه من الضلال، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥) .\nوقد استدل جماعة من أهل العلم، بهذه الآية على حجية الإجماع، لقوله:\nوَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا يصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية، اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام، فأدّاه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنما رام السلوك في سبيل\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٤) .\n(٢) ما بين [معقوفين] صحّف إلى (المعاورة) وهو خطأ، والصواب المثبت من «فتح القدير» (١/ ٥١٥) .","vol":"1","page":211},{"text":"المؤمنين، وهو الدين القويم، والملة الحنفية، ولم يتبع غير سبيلهم «١» .\nوأخرج الترمذي والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار» «٢» .\nوأخرجه الترمذي والبيهقي أيضا عن ابن عباس مرفوعا «٣» .\n[الآية الثانية والثلاثون]\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) .\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغيره، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ أي يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه «٤» .\nوهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.\nوَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ معطوف على قوله: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ.\nوالمعنى: والقرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في معنى\n_________\n(١) انظر: فتح القدير للشوكاني (١/ ٥١٥) والقرطبي (٥/ ٣٨٦) .\n(٢) إسناده ضعيف: رواه الترمذي (٢١٦٧)، والبيهقي في «الأسماء» (ص ٣٢٢)، والحاكم (١/ ١١٥) وقال أبو عيسى: غريب من هذا الوجه.\n(٣) حديث صحيح: رواه الترمذي (٢١٦٦)، والبيهقي في «الأسماء» (ص ٣٢٢)، وقال أبو عيسى:\nحسن صحيح.\nقلت: قد وثق جماعة: «إبراهيم بن ميمون منهم الحافظ ابن حجر» وللحديث شواهد صحيحة.\n(٤) انظر: في سبب نزول هذه الآية «البخاري» (٨/ ٢٣٩، ٢٩٥)، ومسلم (١٨/ ١٥٤، ١٥٥)، والطبري (٥/ ١٩٣) .","vol":"1","page":212},{"text":"اليتامى قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى [النساء: ٣] .\nويجوز أن يكون قوله: وَما يُتْلى معطوفا على الضمير في قوله يُفْتِيكُمْ الراجع إلى المبتدأ، لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالمفعول والجار والمجرور.\nويجوز أن يكون مبتدأ، وفي الكتاب خبره، على أن المراد به اللوح المحفوظ، وقد قيل في إعرابه غير ما ذكرنا ولم نذكره لضعفه.\nوقوله: فِي يَتامَى النِّساءِ على الوجه الأول والثاني صلة، لقوله: يُتْلى، وعلى الوجه الثالث، بدل من قوله فِيهِنَّ.\nاللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ وفرض لَهُنَّ من الميراث وغيره.\nوَتَرْغَبُونَ معطوف على قوله: لا تُؤْتُونَهُنَّ عطف جملة مثبتة على جملة منفية، وقيل: حال من فاعل تُؤْتُونَهُنَّ.\nوقوله: أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يحتمل أن يكون التقدير ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، ويحتمل أن يكون التقدير وترغبون في أن تنكحوهن لعدم جمالهن.\nوقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ معطوف على يَتامَى النِّساءِ، أي وما يتلى عليكم في المستضعفين مِنَ الْوِلْدانِ وهو قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] وقد كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء، ولا من كان مستضعفا من الولدان، وإنما يورّثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور «١» .\nوَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ معطوف على قوله: فِي يَتامَى النِّساءِ كالمستضعفين، أي وما يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين، وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط: أي العدل. ويجوز أن يكون في محل نصب، أي: ويأمركم أن تقوموا.\nوَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ في حقوق المذكورين أو من شرّ فيه ففيه اكتفاء.\n_________\n(١) انظر: معاني الفرّاء (١/ ٢٩٠)، والزّجاج (٢/ ١٢٥)، والطبري (٥/ ١٩٥)، وزاد المسير (٢/ ٢١٦)، والمشكل (١/ ٢٠٨)، والتبيان (١/ ١٩٦)، والنكت (١/ ٤٢٥)، والقرطبي (٥/ ٤٠٢) . [.....]","vol":"1","page":213},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) يجازيكم بحسب فعلكم.\n[الآية الثالثة والثلاثون] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) .\nوَإِنِ امْرَأَةٌ: مرفوعة بفعل مقدّر يفسره ما بعده، أي وإن خافت امرأة، بمعنى توقعت ما يخاف من زوجها.\nوقيل: معناه تيقنت، وهو خطأ.\nمِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أي دوام النشوز والترفع عليها بترك المضاجعة، والتقصير في النفقة، أَوْ إِعْراضًا عنها بوجهه.\nوقال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض: أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها «١» .\nوظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة نشوز أو إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والظاهر أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه، إما بإسقاط النوبة، أو بعضها، أو بعض النفقة، أو بعض المهر.\nفَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما هكذا قرأ الكوفيون: أَنْ يُصْلِحا، وقراءة الجمهور أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعدا قيل: تصالح الرجلان، أو القوم، لا أصلح، وصُلْحًا منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر محذوف الزوائد، أو منصوب بفعل محذوف، أي فيصلح حالهما صلحا، وقيل:\nهو منصوب على المفعولية «٢» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٥/ ١٩٦)، والنكت (١/ ٤٢٦)، وزاد المسير (٢/ ٢١٨) .\n(٢) قال الأزهري: «قرأ الكوفيون: «يصلحا» بالضم والتخفيف، وقرأ الباقون: «يصّالحا» أي يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، وشدّدت، ومن قرأ «يصلحا» فمعناه: إصلاحهما الأمر بينهما.\nيقال: أصلحت ما بين القوم، والمعنى فيهما: أن الزوجين يجتمعان على صلح يتفقان عليه، وذلك أن المرأة تكره الفراق، فتدع بعض حقها من الفراش للزوج فيؤثر به غيرها من نسائه،","vol":"1","page":214},{"text":"وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظ عام، يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف، خير على الإطلاق، أو خير من الفرقة، أو الخصومة، أو النشوز والإعراض، وهذه الجملة اعتراضية.\n[الآية الرابعة والثلاثون] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) .\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا: أخبر ﷾ بنفي استطاعتهم للعدل.\nبَيْنَ النِّساءِ على الوجه الذي لا ميل فيه البتة، لما جبلت عليه الطباع البشرية، من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة، بحيث لا يملكون قلوبهم، ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية.\nولهذا كان يقول الصادق المصدوق ﵌: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك» .\nرواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة، وإسناده صحيح «١» .\nوَلَوْ حَرَصْتُمْ على العدل بينهنّ في الحبّ.\nفَلا تَمِيلُوا إلى التي تحبونها في القسم والنفقة.\n_________\nكما فعلت سودة في تركها ليلتها لعائشة. (معاني القراءات ص ١٣٣) بتحقيقنا- ط دار الكتب العلمية- بيروت.\n(١) حديث ضعيف: رواه أبو داود (٢١٣٤)، والترمذي (١١٤٠)، والنسائي (٧/ ٦٤٢٦٣)، وابن ماجة (١٩٧١)، وأحمد (٦/ ١٤٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٤٤٦، ٤٤٧)، والحاكم (٢/ ١٨٧)، والبيهقي (٧/ ٢٦٣، ٦٤٢)، والدارمي (٢/ ١٤٤)، وابن أبي حاتم في علله» (١/ ٤٢٥)، وابن حبان (١٠/ ٥)، (٤٢٠٥) .\nقلت: فقد صححه كلا من الحاكم والذهبي وابن كثير والأمير الصنعاني.\nولكن أهل الجرح والتعديل من أئمة المحققين المتقدمين قد أعلّوه، وعليه أنه حديث مرسل. وتفصيل ذلك في «الإرواء» (٧/ ٨٢) (٢٠١٨) .","vol":"1","page":215},{"text":"ولمّا كانوا لا يستطيعون ذلك، ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه، نهاهم الله ﷿ أن يميلوا كُلَّ الْمَيْلِ لأن ترك ذلك، وتجنب الجور كل الجور في وسعهم، وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا إلى إحداهن عن الأخرى كل الميل، كما قال: فَتَذَرُوها: أي الأخرى، كَالْمُعَلَّقَةِ التي ليست ذات زوج، ولا مطلقة يشبهها بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء، لا في الأرض ولا في السماء «١» .\n[الآية الخامسة والثلاثون]\nوَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) .\nوَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ: الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما أنزل الله.\nوقيل: إنه خطاب للمنافقين فقط، كما يفيده التشديد والتوبيخ.\nأَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها: أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله تعالى.\nفَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ: أي مع المستهزئين ما داموا كذلك.\nحَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي غير حديث الكفر والاستهزاء بها، والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: ٦٨] .\nوقد كان جماعة بمكة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود، حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك «٢» .\nقال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث ومبتدع في الدين إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) انظر: الزجاج (٢/ ١٢٩)، والطبري (٥/ ٢٠١)، والنكت (١/ ٤٢٧)، وزاد المسير (٢/ ٢٢٠)، والقرطبي (٥/ ٤١٣)، وفتح القدير (١/ ٥٢١، ٥٢٣) .\n(٢) انظر: الطبري (٥/ ٣٢٩، ٣٣٠)، والقرطبي (٥/ ٤١٧، ٤١٨)، والدرر للسيوطي (٢/ ٧١٨) .","vol":"1","page":216},{"text":"وكذا قال الشوكاني في «فتح القدير» «١»: إن في هذه الآية- باعتبار عموم لفظها، الذي هو المعتبر، دون خصوص السبب- دليلا على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله، بما يفيد النقص والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيرا من أسراء التقليد، الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى: قال إمام مذهبنا كذا! وقال فلان من أتباعه بكذا! وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي، سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسا، ولا بالوا به أي مبالاة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع! بل بالغوا في ذلك، حتى جعلوا رأيه الفائل «٢» واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّما على الله تعالى، وعلى كتابه وعلى رسوله، فإنّا لله وإنا إليه راجعون، مما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم، بالنهي عن تقليدهم كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة ب «القول المفيد في حكم التقليد»، وفي مؤلفنا المسمى ب «أدب الطلب ومنتهى الأرب»، اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من [المتقيدين] «٣» بالكتاب والسنة، وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين. انتهى.\nإِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ تعليل للنهي، أي إنكم إذا فعلتم ذلك، ولم تنتهوا، فأنتم مثلهم في الكفر، واستتباع العذاب، وقيل: هذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل:\nوكل قرين بالمقارن يقتدي وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم، إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال: هي منسوخة بقوله تعالى: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وهو مردود «٤»، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويستهزؤون بها، وفي الأنعام نحوها «٥» .\n_________\n(١) انظر: فتح القدير (١/ ٥٢٦) .\n(٢) أي الضعيف. [الصحاح: فأل] .\n(٣) في المطبوعة (المقتدين) والمثبت من فتح القدير (١/ ٥٢٦) .\n(٤) قال ابن أبي حاتم في «الجرح» (٧/ ٢٧١): «تفسير الكلبي باطل» .\n(٥) آية رقم (٦٨) .","vol":"1","page":217},{"text":"قال أهل العلم: وهذا يدل على أن الرضى بالكفر كفر، وكذا من رضي بمنكر، أو خالط أهله، كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به، وإن لم يباشره ولو جلس خوفا وتقية، مع كمال سخطه لذلك، كان الأمر أهون من الأول «١» .\n[الآية السادسة والثلاثون] الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) .\nوَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) هذا في يوم القيامة، إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به الحجة.\nقال ابن عطية: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بذلك يوم القيامة.\nقال ابن العربي: وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وسببه توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، يعني قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وذلك يسقط فائدته، أو يكون تكرار هذا معنى كلامه.\nوقيل: المعنى أن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين، يمحو به دولتهم بالكلية، ويذهب آثرهم، ويستبيح بيضتهم، كما يفيده الحديث الثابت في الصحيح «٢» .\nوقيل: إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين، ما داموا عاملين بالحق، غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى:\n_________\n(١) انظر: القرطبي (٥/ ٤١٨)، وابن كثير (١/ ٥٨٠) .\n(٢) الحديث الصحيح الذي قصده المصنف هو ما رواه مسلم (١٨/ ١٣، ١٤) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما روي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة بعامّة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم ...» الحديث.","vol":"1","page":218},{"text":"وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠] قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا.\nوقيل: لا يجعل الله تعالى لهم عليهم سبيلا شرعا، فإن وجد فبخلاف الشرع، فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة. هذا خلاصة ما قاله أهل العلم في هذه الآية «١» .\nوهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل، كعدم إرث الكافر من المسلم، وعدم تملكه مال المسلم إذا استولى عليه، وعدم قتل المسلم بالذمي.\n[الآية السابعة والثلاثون]\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) .\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ: نفي الحب كناية عن البغض.\nقرأ الجمهور: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ على البناء للمجهول، وقرأ زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب على البناء للمعلوم. وهو على القراءة الأولى استثناء متصل بتقدير مضاف محذوف، أي إلا جهر من ظلم.\nوقيل: إنه على القراءة الأولى أيضا منقطع: أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان مثلا «٢» .\nواختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظلم، فقيل: هو أن يدعو على من ظلمه، وقيل: لا بأس أن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه، بأن يقول: فلان ظلمني، أو هو ظالم، أو نحو ذلك. وقيل معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح.\nوالآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب، قال: ويجوز أن يكون على البدل،\n_________\n(١) انظر هذه الأقوال في: فتح القدير (١/ ٥٢٧، ٥٢٨) . [.....]\n(٢) قراءة العشر بفتح الظاء بمعنى: ما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم، والمعنى على قراءة الجمهور:\nإلا أنه يدعو المظلوم على من ظلمه، أو أن ينتصر المظلوم من ظالمه، أو أن يخبر بظلم من ظلمه، واختلف في الاستثناء هنا: أهو منقطع! وهو الأرجح أم متصل أما على قراءة الفتح فالاستثناء منقطع. ينظر: الفراء (١/ ٢٩٣)، والزجاج (٢/ ١٣٧)، والمشكل (١/ ٢١٠)، والتبيان (١/ ٢٠٠) .","vol":"1","page":219},{"text":"كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم: أي لا يحب الظالم، بل يحب المظلوم.\nوالظاهر من الآية: أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في «الصحيح» بلفظ: «ليّ الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته» «١» .\nوأما على القراءة الثانية، فالاستثناء منقطع، أي إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول، في معنى النهي عن فعله، والتوبيخ له.\nوقال قوم: معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة فإنهم- مع ظلمهم- يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه، وينالون من عرضه.\nوقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى، إلا من ظلم فقال سوءا فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه «٢» .\n[الآية الثامنة والثلاثون]\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) .\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ: قد تقدم الكلام في الكلالة.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦، ٣١٧)، وابن ماجة وأحمد (٤/ ٢٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩)، والحاكم (٤/ ١٠٢)، والطبراني (٧٢٤٩)، (٧٢٥٠)، وابن حبان (١١/ ٤٨٦) (٥٠٨٩)، وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي. ورواه البخاري معلقا (٥/ ٦٢)، وقال الحافظ: وصله أحمد وإسحاق في «مسنديهما» وأبو داود والنسائي من حديث عمرو بن الشريد بن أوس الثقفي عن أبيه بلفظه، وإسناده حسن، وذكر الطبراني: «أنه لا يروى إلا بهذا الإسناد» .\n(٢) لحديث أبي بكر الصحيح الذي رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨، ٣٠٥٧)، وابن ماجة (٤٠٠٥)، وأحمد (١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣) عن أبي بكر مرفوعا. وسيأتي تخريجه عند تفسير آية (١٠٥) من المائدة.","vol":"1","page":220},{"text":"إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ: أي أن يهلك امرؤ هلك، كما تقدم في قوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ [النساء: ١٢٨] .\nلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ: إما صفة لامرىء أو حال، ولا وجه للمنع من كونه حالا، والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا، مع أن عدم الوالد أيضا معتبر في الكلالة، اتكالا على ظهور ذلك؟\nقيل: والمراد هنا بالولد الابن، وهو أحد معنيي المشترك لأن البنت لا تسقط الأخت.\nوَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ عطف على قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ، والمراد بالأخت هنا هي الأخت لأبوين أو لأب [لا] «١» لأم، فإن فرضها السدس، كما ذكر سابقا «٢» .\nوقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، إلى أن الأخوات لأبوين أو أب عصبة للبنات، وإن لم يكن معهن أخ.\nوذهب ابن عباس إلى أن الأخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري وطائفة، وقالوا: إنه لا ميراث للأخت لأبوين، أو لأب مع البنت، واحتجوا بظاهر هذه الآية فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى، قيدا في ميراث الأخت وهذا الاستدلال صحيح، لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ميراث الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في «الصحيح» أن معاذا قضى على عهد رسول الله ﵌ في بنت وأخت، فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف «٣» .\nوثبت في «الصحيح» أيضا أن النبي ﵌ قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، فجعل للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللأخت الباقي «٤» .\n_________\n(١) ما بين [معقوفين] وقع (إلا) في المطبوعة وهو مخالف للصواب، وانظر: فتح القدير (١/ ٥٤٣) .\n(٢) عند الآية (١٢) من سورة النساء.\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (١٢/ ١٥، ٢٤) .\nوانظر: مغني المحتاج (٣/ ١٠)، والروضة (٥/ ١١)، والإقناع (٣/ ٨٥)، والمغني (٦/ ١٧٦)، وبداية المجتهد (٢/ ٣٤٣)، والاختيار للموصلي (٤/ ١٦٣)، وحاشية البقري على المارديني (ص ١٩) .\nوشرح الرحبية للمارديني (ص ٦١) ط. قرطية، ودار الكتب العلمية- كلاهما بتحقيقنا.\n(٤) حديث صحيح: رواه البخاري (١٢/ ١٧، ٢٤)، وأبو داود (٢٨٩٠)، والترمذي (٢١٧٣)، وأحمد.","vol":"1","page":221},{"text":"فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت.\nوَهُوَ أي الأخ يَرِثُها أي الأخت إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ ذكر، وإن كان المراد بإرثه لها حيازته لجميع تركتها، وإن كان المراد ثبوت ميراثه لها في الجملة- أعم من أن يكون كلا أو بعضا- صح تفسير الولد بما يتناول الذكر والأنثى.\nواقتصر سبحانه على نفي الولد فقط مع كون الأب يسقط الأخ أيضا، لأن المراد بيان سقوط الأخ مع الولد فقط هنا، وأما سقوطه مع الابن فقد تبين بالسنة، كما ثبت في «الصحيح» من قوله ﵌: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فالأولى رجل ذكر» «١» والأب أولى من الأخ.\nفَإِنْ كانَتَا أي فإن كان من يرث بالأخوة اثْنَتَيْنِ والعطف على الشرطية السابقة، والتأنيث والتثنية، وكذلك الجمع في قوله: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً باعتبار الخبر، فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الأخ إن لم يكن له ولد كما سلف، وما فوق الاثنتين من الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى مع أن نزول الآية كان في جابر- وقد مات ﵁ عن أخوات سبع أو تسع «٢» .\nوَإِنْ كانُوا: أي من يرث بالأخوة إِخْوَةً أي وأخوات، فغلب الذكور، أو فيه اكتفاء بدليل قوله: رِجالًا وَنِساءً أي مختلطين ذكورا وإناثا فَلِلذَّكَرِ: منهم، حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ: تعصيبا.\nوقد وضحنا الكلام- خلافا واستدلال وترجيحا- في شأن الكلالة، في أول هذه السورة، فلا نعيد «٣» .\n_________\n(١/ ٣٨٩)، وابن ماجة (٢٧٢١)، عن ابن مسعود مرفوعا.\nوانظر: إجماع ابن المنذر (ص ٦٨)، والمغني (٦/ ١٧٤)، والمبسوط (٢٩/ ١٥٢)، ومراتب ابن حزم (ص ١٠٢)، والإقناع (٣/ ٨٨)، وشرح الرحبية (ص ٦٥) بتحقيقنا.\n(١) صحيح: رواه البخاري (١٢/ ١١، ١٦، ١٨)، ومسلم (١١/ ٥٢، ٥٣)، وأبو داود (٢٨٩٥)، والترمذي (٢٠٩٠)، وابن ماجة (٢٧٤٠)، وأحمد (١/ ٢١٣) عن ابن عباس مرفوعا.\nوانظر: شرح الرحبية لسبط المارديني (ص ٧٣، ٧٤)، بتحقيقنا- ط. قرطبة، ودار الكتب العلمية.\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (١٢/ ٢٥)، ومسلم (١١/ ٥٤، ٥٦)، عن جابر بن عبد الله مرفوعا.\n(٣) عند الآية (١٢) .","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>سورة المائدة [مائة وعشرون آية]</span>\nقال القرطبي: هي مدنية بالإجماع «١» .\nفائدة: قال [أبو] «٢» ميسرة: إن الله سبحانه، أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكما، لم ينزلها في غيرها من سور القرآن، وهي قوله تعالى: وَالْمُنْخَنِقَةُ إلى قوله:\nإِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ. انتهى.\n[الآية الأولى]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: هذه الآية التي افتتح الله بها هذه السورة، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) فيها من البلاغة ما تتقاصر عنده القوى البشرية، مع شمولها لأحكام عدة، منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل، ومنها تحريم الصيد على المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.\nوقد حكى النقاش: أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم، اعمل لنا مثل هذا القرآن. فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج فقال:\nوالله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف، فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته، وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا «٣» .\n_________\n(١) انظر في «تفسيره» (٦/ ٣٠) .\n(٢) ما بين [معقوفين] سقط من المطبوعة.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٣١، ٣٢)، فتح القدير للشوكاني (٢/ ٤)، تفسير ابن عطية (٤/ ٢١٩) [.....]","vol":"1","page":223},{"text":"أَوْفُوا بِالْعُقُودِ: يقال: أوفى ووفى، وقد جمع بينهما الشاعر فقال:\nأمّا ابن طوف فقد أوفى بذمّته ... كما وفى بقلاص النّجم حاديها\nوالعقود: العهود، وأصل العقود الربط، وأحدها عقد، يقال: عقدت الحبل والعهد، فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني- كما هنا- أفاد أنه شديد الإحكام، وقوي التوثيق.\nوقيل: المراد بالعقود هي التي عقدها الله على عباده، وألزمهم بها من الأحكام.\nوقيل: هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات، والأولى شمول الآية للأمرين جميعا، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض.\nقال الزجاج: أوفوا بعقد الله عليكم، أو بعقدكم بعضكم على بعض. انتهى.\nوالعقد الذي يجب الوفاء به، ما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﵌، فإن خالفهما فهو رد، لا يجب الوفاء به، ولا يحل «١» .\nأُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ البهيمة: اسم لكل ذي أربع، سمّيت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم، أي مغلق، وليل بهيم، وبهيمة للشجاع الذي لا يدري من أين يؤتى، وحلقة مبهمة لا يدرى أين طرفاها.\nوالأنعام: اسم للإبل والبقر والغنم، سمّيت بذلك لما في مشيها من اللين.\nوقيل: بهيمة الأنعام وحشيّها كالظباء، وبقر الوحش، والحمير الوحشية، وغير ذلك. حكاه ابن جرير الطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدي والربيع وقتادة والضحاك «٢» .\n_________\nفقد ذكروا هذه الحكاية.\n(١) قال الضحاك: العقود هنا: حلف الجاهلية، وقال أيضا: هي العهود، وقال: ما أحل الله وحرّم وما أخذ الله من الميثاق على من أقرّ بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام. وانظر الأقوال في هذه الآية في: زاد المسير (٢/ ٢٦٧)، وأحكام القرآن للمعافري (٢/ ٥٢٤)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٣)، وتفسير ابن عطية (٤/ ٣١٣، ٣١٥) .\n(٢) وقال الضحاك أيضا: هي الأنعام مطلقا وانظر أقوالهم في «الطبري» (٦/ ٣٤)، وأحكام ابن العربي (٢/ ٥٢٩)، وابن عطية (٤/ ٣١٦)، والقرطبي (٦/ ٣٧)، ابن كثير (٢/ ٥)، وزاد المسير (٢/ ٢٦٨)، والدر المنثور (٢/ ٢٥٣)، والمغني (١١/ ٥١) .","vol":"1","page":224},{"text":"قال ابن عطية: وهذا قول حسن! وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما يضاف إليها من سائر الحيوانات، يقال له: أنعام مجموعة معها، وكأن المفترس- كالأسد وكل ذي ناب- خارج عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي الراعي ذوات الأربع.\nوقيل: بهيمة الأنعام ما لم يكن صيدا لأن الصيد يسمى وحشيا لا بهيمة.\nوقيل: بهيمة الأنعام الأجنّة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام فهي تؤكل من دون [ذكاة] «١» .\nوعلى القول الأول- أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم- تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس، بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً ... الآية، [الأنعام: ١٤٥] .\nوقوله ﵌: «يحرم كل ذي ناب من السبع، ومخلب من الطير» «٢»، فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع، كما في كتب السنة المطهرة.\nإِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ: استثناء من قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال.\nوالمتلوّ: هو ما نص الله على تحريمه، نحو قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... الآية [المائدة: ٣]، وذلك عشرة أشياء، أولها الميتة، وآخرها المذبوح على النّصب، ويلحق به ما صرحت السّنة بتحريمه، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به، إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان، فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويحتمل الأمرين جميعا.\nغَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: ذهب البصريون إلى أن قوله هذا استثناء آخر من قوله:\nبَهِيمَةُ الْأَنْعامِ والتقدير: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، إلا الصيد وأنتم\n_________\n(١) ما بين [معقوفين] صحّف إلى (زكاة) بالزّاي وهو خطأ واضح، والصواب ما أثبتناه.\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٣/ ٨٣) . عن ابن عباس مرفوعا.\nورواه البخاري (٩/ ٦٥٧)، (١٠/ ٢٤٩)، ومسلم (١٣/ ٨١، ٨٣) عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا، نحوه.","vol":"1","page":225},{"text":"محرمون، وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام، والثاني من الاستثناء الأول.\nوردّ بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام لأنه مستثنى من المحظور، فيكون مباحا «١» .\nوَأَنْتُمْ حُرُمٌ: في محل نصب على الحال، ومعنى هذا التقييد ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية، التي يحل أكلها كأنه قال: أحل لكم صيد البر، إلا في حال الإحرام.\nوأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى: أحلت لكم بهيمة هي الأنعام- حل تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام- لكونكم محتاجين إلى ذلك. فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم عليهم في تلك الحال.\nوالمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما، ويسمى محرما لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرام حراما، والإحرام إحراما «٢» .\n[الآية الثانية] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: جمع شعيرة، على وزن فعلية.\nقال ابن الفارس: ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدي «٣» .\nوالمشاعر: المعالم، واحدها مشعر، وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات.\n_________\n(١) انظر: توجيه ابن عطية في «المحرر» (٤/ ٢١٧)، وتعقيب ابن حبان عليه في «البحر المحيط» ومناقشته له مناقشة طويلة.\n(٢) انظر: تفسير ابن عطيّة (٤/ ٣١٨) .\n(٣) انظر: معجم مقاييس اللغة (شعر) ط. بيروت.","vol":"1","page":226},{"text":"قيل: المراد بها هنا جميع مناسك الحج، وقيل: الصفا والمروة والهدي والبدن.\nوالمعنى على هذين القولين لا تحلوا هذه الأمور، بأن يقع الإخلال بشيء منها، أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها. ذكر سبحانه النهي عن أن يحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم.\nوقيل: المراد بالشعائر هنا فرائض الله، ومنه: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ [الحج: ٣٢]، وقيل: هي حرمات الله. ولا مانع من حمل ذلك على الجميع، اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق.\nوَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ المراد به الجنس، فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، أي تحلوها بالقتال فيها، وقيل المراد هنا شهر الحج فقط «١» .\nوَلَا الْهَدْيَ: هو ما يهدى إلى بيت الله، من ناقة، أو بقرة، أو شاة، الواحدة هدية، نهاهم الله سبحانه عن أن يحلوا حرمة الهدي، بأن يأخذوه على صاحبه، أو يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدي إليه، وعطف الهدي على الشعائر- مع دخوله تحتها- لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته، والتشديد في شأنه.\nوَلَا الْقَلائِدَ: جمع قلادة، وهي ما يقلّد به الهدي من نعل أو نحوه، وإحلالها أن تؤخذ غصبا، وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد للنهي عن إحلال الهدي، وقيل:\nالمراد بالقلائد، المقلدات به، فيكون عطفه على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، والأول أولى، وقيل: المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه، فهو على حذف مضاف، أي ولا أصحاب القلائد.\nوَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: أي قاصديه، من قولهم أممت كذا أي قصدته. وقرأ الأعمش: ولا آمّي البيت الحرام بالإضافة، والمعنى: لا تمنعوا من قصد البيت الحرام، بحج أو عمرة، أو ليسكن فيه. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية، أن المشركين كانوا يحتجون ويعتمرون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزل:\n_________\n(١) قال القاضي أبو محمد: «والأظهر عندي أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتهر أمره، لأنه كان مختصا بقريش، ثم فشا في مضر. اه. وهذا قول الطبري أيضا، وانظر: المحرر الوجيز (٤/ ٣٢١) .","vol":"1","page":227},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ إلى آخر الآية «١»، فيكون ذلك منسوخا بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وقوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨]، وقوله ﵌: «لا يحجن بعد العام مشرك» «٢» .\nوقال قوم الآية محكمة وهي في المسلمين «٣» .\nيَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا: جملة حالية من الضمير المستتر في آمِّينَ قال جمهور المفسرين: معناه يبغون الفضل والرزق والأرباح في التجارة، ويبتغون- مع ذلك- رضوان الله، وقيل: كان منهم من يطلب التجارة، ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان- بحسب اعتقادهم وفي ظنهم- عند من جعل الآية في المشركين، وقيل: المراد بالفضل هنا الثواب، لا الأرباح في التجارة «٤» .\nوَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا: هذا تصريح لما أفاده مفهوم: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، أباح لهم الصيد، بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرّم لأجله، وهو الإحرام «٥» .\nوَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ «٦»: قال ابن فارس: جرم وأجرم ولا جرم، بمعنى قولك: ولا بد ولا محالة، وأصلها من جرم أي كسب، وقيل: المعنى ولا يحملنكم.\nقاله الكسائي وثعلب. وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال: جرمني كذا على بغضك، أي حملني عليه.\nوقال أبو عبيدة والفراء: معنى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يكسبنكم بغض قوم أن\n_________\n(١) انظر تفسير الطبري.. (٦/ ٣٤)، والدر المنثور (٣/ ٧) .\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ٤٧٧، ٤٧٨)، (٣/ ٤٨٣)، ومسلم (٩/ ١١٥، ١١٦) عن أبي هريرة مرفوعا.\nقال ابن عطية: «فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو محكم، وكل ما كان منها في الكفّار فهو منسوخ وقرأ ابن مسعود وأصحابه: [ولا آمّي البيت] بالإضافة إلى البيت» وانظر: المحرر (٤/ ٣٢٥)، والقرطبي (٦/ ٤٣، ٤٤) .\n(٣) قال ابن عطية: «فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو محكم، وكل ما كان منها في الكفّار فهو منسوخ وقرأ ابن مسعود وأصحابه: [ولا آمّي البيت] بالإضافة إلى البيت» وانظر:\nالمحرر (٤/ ٣٢٥)، والقرطبي (٦/ ٤٣، ٤٤) .\n(٤) انظر: تفسير ابن عطية (٥/ ٣٢٥) .\n(٥) فصل المصنف هذا الموضع عن سابقه، وقد وصلناه لتمام السياق ووضوح اتصاله. [.....]\n(٦) انظر: الهداية للمرغيناني (٤/ ١٥٣٩)، وتفسير ابن عطية (٤/ ٣٢٦)، البحر المديد لابن عجيبة (٢/ ٥) .","vol":"1","page":228},{"text":"تعتدوا الحق إلى الباطل، [والعدل] «١» إلى الجور.\nوالجريمة والجارم: بمعنى الكاسب، والمعنى: لا يحملنكم يغض قوم على الاعتداء عليهم، أو لا يكسبنكم بغضهم اعتداءكم على الحق إلى الباطل. ويقال: جرم يجرم جرما إذا قطع، قال علي بن عيسى الرماني: وهو الأصل.\nفجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لانقطاعه، ولا جرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه.\nقال الخليل: معنى لا جرم أن لهم النار: لقد حق أن لهم النار.\nوقال الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي اكتسب.\nوقرأ ابن مسعود: ولا يجرمنكم بضم الياء، والمعنى لا يكسبنكم، ولا يعرف البصريون أجرم، وإنما يقولون: جرم لا غير «٢» .\nوالشنآن: البغض، وقريء بفتح النون وإسكانها، يقال شنيت الرجل أشنوه شنا ومشنا وشنآنا، كل ذلك إذا أبغضته. وشنآن هنا مضاف إلى المفعول، أي بغض قوم منكم لا بغض قوم لكم «٣» .\nأَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا بفتح الهمزة مفعول لأجله، أي لأن صدوكم. وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة على الشرطية، وهو اختيار أبو عبيد.\nوقرأ الأعمش أن يصدّوكم، والمعنى على قراءة الشرطية لا يحملنكم بغضهم أن وقع منهم الصد لكم عن المسجد الحرام على الاعتداء عليهم «٤» .\n_________\n(١) في المطبوع (فالعدل) وهو خطأ واضح، والصواب ما أثبت كما في «فتح القدير» (٢/ ٦) .\n(٢) انظره في: تفسير ابن عطية (٤/ ٣٣٢) وقال: وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير اه.\n(٣) قال الفسوي: (شنئان) بفتح النون مصدر لا محالة، والمصدر يكثر على فعلان نحو النزوان والنقران، وقال سيبويه: هذا الضرب من المصادر تأتي أفعاله لازمة إلا أن يشذّ شيء ... الموضح (١/ ٤٣٦)، الكتاب (٤/ ١٤)، النشر (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤) .\n(٤) قال الفسوي: إن صدوكم بكسر الألف، قرأها ابن كثير وأبو عمرو على أن إن للشرط، وجوابه قد أغنى عنه ما قبله من قوله وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ والتقدير: إن صدّوكم عن المسجد الحرام، فلا تكتسبوا الاعتداء.\nوقرأ الباقون أَنْ صَدُّوكُمْ بفتح الألف.\nوهو ظاهر، والمعنى: لا يكسبنّكم بغض قوم الاعتداء لأن صدّوكم عن المسجد الحرام، أي لصدّهم إياكم عن المسجد، فهو مفعول له، فقوله أَنْ تَعْتَدُوا مفعول ثان وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ","vol":"1","page":229},{"text":"قال النحاس: وأما: إن صدوكم بكسر (إن) فالعلماء الجلة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان- وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست- فالصد كان قبل الآية وإذا قرىء بالكسر لم يجز إلا أن يكون بعده كما تقول: لا تعط فلانا شيئا إن قاتلك، فهذا لا يكون إلا للمستقبل، وإن فتحت كان للماضي. وما أحسن هذا الكلام.\nوقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيد شنآن بسكون النون، لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة، وخالفهما غيرهما فقال: ليس هذا مصدر، ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان «١» .\nأقول: تأمل هذا النهي، فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة، كانوا أنفارا حربيين، فكيف ينهى عن التعرض لهم، وعن مقاتلتهم، فلا يظهر إلا أن هذا النهي منسوخ، أو يقال: إن النهي عن ذلك من حيث عقد الصلح الواقع في الحديبية، فبسببه صاروا مؤمنين مأمونين، ولم أر من نبه على هذين الوجهين. ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بقوله:\nوَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى أي ليعن بعضكم بعضا على ذلك، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى، كائنا ما كان.\nقيل إن البر والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكرر للتأكيد.\nوقال ابن عطية: إن البر يتناول الواجب [والمندوب] «٢»، والتقوى تختص بالواجب «٣» . وقال الماوردي: إن في البر رضى الناس، وفي التقوى رضى الله، فمن جمع بينهما، فقد تمت سعادته. ثم نهاهم سبحانه بقوله:\n_________\nأَنْ صَدُّوكُمْ مفعول به.\nوانظر: الموضح (١/ ٤٣٦)، ومعاني الفراء (١/ ٣٠١)، والسبعة لابن مجاهد (٢٤٢)، والنشر (٢/ ٢٥٤)، والحجة لأبي زرعة (٢١٩- ٢٢٠)، ولابن خالويه، ومعاني القراءات، والإقناع، والمفتاح أربعتهم بتحقيقنا- ط دار الكتب العلمية- بيروت.\n(١) قال أبو عليّ الفارسي: من زعم أن فعلان إذا سكنّت عينه لم يكن مصدرا فقد أخطأ، وتحتمل القراءة بسكون النون أن تكون وصفا.. (المحرر الوجيز ٤/ ٣٣) .\n(٢) في «المطبوعة» «المندب» وهو خطأ واضح والصواب ما أثبت كما في «المحرر الوجيز» (٤/ ٣٣٢) .\n(٣) وعبارة ابن عطية: والتقوى رعاية الواجب. (٤/ ٣٣٢) .","vol":"1","page":230},{"text":"وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ: فالإثم كل فعل وقول يوجب إثم فاعله أو قائله، والعدوان التعدي على الناس، بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم، ولا نوع من أنواع الظلم للناس، إلا وهو داخل تحت هذا النهي، لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما. ثم أمر عباده بالتقوى، وتوعد من خالف ما أمر به، فتركه، أو خالف ما نهى عنه بفعله، بقوله:\nوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في «تاريخه» عن وابصة أن النبي صلّى الله عليه وآله قال: «البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك!» «١» .\nوأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في «الأدب» ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي عن النواس بن سمعان قال: «سألت النبي ﵌ عن البر والإثم فقال: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطّلع عليه الناس» «٢» .\nوأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني والحاكم- وصححه- والبيهقي عن أبي أمامة: «أن رجلا سأل النبي ﵌ عن الإثم؟ فقال: «ما حاك في نفسك فدعه قال فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئة، وسرته حسنة، فهو مؤمن» «٣» .\n_________\n(١) حديث صحيح:\nرواه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٢٨)، والدارمي في «سننه» (٢/ ٢٤٥، ٢٤٦)، والبخاري في «الكبير» (١/ ١٤٤، ١٤٥)، والطبراني (٢٢/ ١٤٨، ١٤٩)، وأبو يعلى في «مسنده» (٣/ ١٦٠، ١٦١، ١٦٢) .\nومن طريق آخر رواه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٢٧)، والبخاري في «تاريخه» (١/ ١٤٤)، والطبراني (٢٢/ ١٤٨) عن وابصة مرفوعا.\nوحسّنه النووي ﵁ في «الأذكار» (٢/ ٩٩٢) .\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٦/ ١١٠، ١١١)، وأحمد في «المسند» (٤/ ١٨٢)، والترمذي (٢٣٨٩)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٢٩٥)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٤) .\n(٣) حديث صحيح: رواه أحمد في «مسنده» (٥/ ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٥، ٢٥٦)، وابن المبارك في «الزهد» (٨٢٥)، والطبراني (٨/ ١١٧)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٤)، وصححه ووافقه الذهبي.\nوله شاهد من حديث أبي موسى عند أحمد (٤/ ٣٩٨)، والبزار (٧٩)، والطبراني كما في «المجمع» (١/ ٨٦) .\nوقال الهيثمي: «ورجاله رجاله الصحيح ما خلا المطلب بن عبد الله فإنه ثقة، ولكنه يدلّس،","vol":"1","page":231},{"text":"[الآية الثالثة] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) .\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ: هذا شروع في تفصيل المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله:\nإِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ [المائدة: ١] .\nالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ تقدم الكلام على ذلك في البقرة «١»، وما هنا من تحريم مطلق الدم، مقيد بكونه مسفوحا- لما تقدم حملا للمطلق على المقيد «٢» .\nوقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله ﵌: «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان: الكبد والطحال» .\nأخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، وفي إسناده مقال «٣» .\n_________\nولم يسمع من أبي موسى، فهو منقطع.\n(١) وذلك عند تفسيره آية (١٧٣) . [.....]\n(٢) انظر الطبري (٦/ ٤٤)، وابن كثير (٢/ ٨)، وزاد المسير (٢/ ٢٧٩) .\n(٣) حديث صحيح: رواه الشافعي في «الأم» (٢/ ٢٥٦)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٩٧)، وابن ماجة (٤/ ٣٣)، والدارقطني في «سننه» (٤/ ٢٧١، ٢٧٢)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٢٥٤) وعبد بن حميد في «المنتخب» (٨٢٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٢٨٣) .\nورواه أيضا العقيلي في «الضعفاء» (٩٢٦)، وابن عديّ في «الكامل» (١١٠٥) عن ابن عمر مرفوعا.\nوقال ابن عدي: (٤/ ٢٧١): «وهذا يدور رفعه على الإخوة الثلاثة: عبد الله بن زيد وعبد الرحمن وأسامة، وأما ابن وهب فإنه يرويه عن سليمان بن بلال موقوفا» .\nوقال البيهقي (١/ ٢٥٤) بعد روايته له موقوفا: «هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، وقد رفعه أولاد زيد عن أبيهم» .","vol":"1","page":232},{"text":"ويقويه الحديث: «هو الطهور ماؤه، والحل ميتته»، وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم، وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان «١» .\nوقد أطال الشوكاني الكلام عليه في «شرحه للمنتقى» وغيره في غيره «٢» .\nوَالْمُنْخَنِقَةُ هي التي تموت بالخنق، وهو حبس النّفس، سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل، أو بين عودين، أو بفعل آدمي، أو غيره. وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها «٣» .\nوَالْمَوْقُوذَةُ هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت، من غير تذكية. يقال:\nوقذه يقذه وقذا فهو وقيذ.\nوالوقذ: شدة الضرب. وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها «٤» .\nقال ابن عبد البر: واختلف العلماء قديما وحديثا في الصيد بالبندق والحجر والمعراض.\nويعني بالبندق: قوس البندقة.\nوبالمعراض: السهم الذي لا ريش له، أو العصا التي رأسها محدد، قال: فمن ذهب إلى أنه وقيذ، لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته، على ما روي عن ابن عمر، وهو قول\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١/ ٥٠، ١٧٦)، وابن ماجة (٣٨٦، ٣٢٤٦)، ومالك في «موطأه» (١/ ٢٢)، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٢٣٧، ٣٦١)، والشافعي في «مسنده» (١/ ١٦)، والبخاري في «التاريخ» (٣/ ٤٧٨)، والدارمي (١/ ١٨٦)، وابن الجارود في «المنتقى» (٤٣)، وابن أبي شيبة في «المنصف» (١/ ١٥٥)، والدارقطني في «سننه» (١/ ٣٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٤٠)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١١١)، والبغوي في «شرح السنة» (٢/ ٥٥)، (٢٨١)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٤/ ٤٩)، (١٢٤٤) عن أبي هريرة مرفوعا.\nوقال أبو عيسى: حسن صحيح، ومثله البغوي. وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي.\n(٢) راجع نيل الأوطار (١/ ١٧، ١٩)، وكذلك تلخيص الحبير للحافظ (١/ ٩، ١٢) . ونصب الرّاية للزيلعي (١/ ٩٥، ٩٩) .\n(٣) انظر: الطبري (٦/ ٤٥)، ابن كثير (٢/ ٨) .\n(٤) انظر: الطبري (٦/ ٤٥)، ابن كثير (٢/ ٨)، وابن عطية (٤/ ٣٣٦)، وزاد المسير (٢/ ٢٧٩) .","vol":"1","page":233},{"text":"مالك وأبي حنيفة وأصحابه، والثوري والشافعي. وخالفهم الشاميون في ذلك، قال الأوزاعي في المعراض: كلّه خرق أو لم يخرق فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأسا.\nقال ابن عبد البر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر. والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع «١»، قال: والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة حديث عدي بن حاتم وفيه: «ما أصاب بعرضه فلا يأكل فإنه وقيذ» «٢» . انتهى.\nقلت: والحديث في «الصحيحين» وغيرهما عن عدي قال: «قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: إذا رميت المعراض فخرق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله» «٣» .\nفقد اعتبر ﵌ الخرق وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خرق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت، وإلا كان وقيذا.\nقال الشوكاني في «فتح القدير» «٤»: وأما البنادق المعروفة الآن، وهي بنادق\n_________\n(١) قال مالك في «موطأه» (١/ ٤٢٢) عن نافع أنه قال: «رميت طائرين بحجر وأنا بالجرف، فأصبتهما، فأما أحدهما فمات، فطرحه عبد الله بن عمر، وأما الآخر فذهب عبد الله بن عمر يذكيه بقدم» فمات قبل أن يذكّيه، فطرحه عبد الله أيضا.\n(٢) قال القرافي: «وفي الكتاب: المصيد بحجر أو بندق لا يؤكل ولو بلغ مقاتله، لأنه رضّ، وكذلك المعراض إذا أصاب بعرضه، وقال أبو حنيفة والشافعي، وكل ما جرح بحدّه أكل، كان عودا أو عصا أو رمحا، والمعراض: خشبة في رأسها زج، قال صاحب الإكمال: وقيل: سهم دون ريش، وقيل: عود رقيق الطرفين غليظ الوسط، والخذف لا يباح الرّمي به، لأن مصيدة وقيذ كالبندقية.\nوعند الجمهور: لا يؤكل ما أصاب المعراض بعرضه خلافا لأهل الشام، ولا مصيد البندقية خلافا للشافعية وجماعة، فظاهر كلامه: تحريم الرّمي بالبندق ابتداء وإن ذكى مرميه، وبه قال الشافعي خلافا لابن حنبل، ولا ينبغي خلاف في إباحة الرّمي به السباع الصوائل والعدو المحارب.. (الذخيرة ٤/ ١٧٤، ١٧٥) ط دار الغرب الإسلامي- بيروت.\nوانظر القرطبي (٦/ ٤٩، ٥٠)، والروضة (٣/ ٢٤٣) . والقوانين الفقهية (١٨٨)، والهداية (٤/ ١٥٥٠)، تكملة فتح القدير (٩/ ٤٩٥) والوسيط للغزالي (٧/ ١١٢، ١١٣) .\nوالبندقة هي: طينة مدوّرة يرمى بها ويقال لها: الجلامق.\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ٥٩٩) (١٣/ ٣٧٩)، ومسلم (١٣/ ٧٦، ٧٧)، والترمذي (١٤٦٥)، والنسائي (٧/ ١٨٠، ١٨١)، وابن ماجة (٥/ ٣٢)، وأحمد في «المسند» (٤/ ٢٥٨، ٣٧٧، ٣٨٠) عن عدي بن حاتم مرفوعا.\n(٤) انظره في (٢/ ٩) .","vol":"1","page":234},{"text":"الحديد، التي يجعل فيها [البارود] «١» والرصاص، ويرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية، إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات، ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا؟ والذي يظهر لي أنه حلال، لأنها تخرق وتدخل- في الغالب- من جانب منه، وتخرج من الجانب الآخر.\nوقد قال ﵌ في الحديث الصحيح السابق: «إذا رميت بالمعراض فخرق فكله» «٢»، فاعتبر الخرق في تحليل الصيد. انتهى.\nقلت: وقد سبقه إلى ذلك السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير حيث قال في «سبل السلام شرح بلوغ المرام» «٣»: قلت: وأما البنادق [المعروفة] «٤» الآن فإنها ترمي بالرصاص، فيخرج وقد صهرته نار البارود كالميل، فيقتل بحده لا بصدمه، فالظاهر حل ما قتله. انتهى.\nوتعقبه ولده العلامة السيد عبد الله محمد الأمير وقال: هذا وهم من والدي- قدس الله تعالى روحه- فإن الرصاص لا يذوب أصلا، إنما تدفعه نار البارود، فيصيب بصدمة، يعرف هذا كل من يعرف البنادق المذكورة، والله أعلم. انتهى.\nأقول: التحقيق أن النار تدفع الرصاص أولا، فيصيب الصيد، ثم يخرق الرصاص الصيد، فيموت الصيد بخرقه. فيكون حلالا كما احتج به الشوكاني. والله أعلم.\nوَالْمُتَرَدِّيَةُ: هي التي [تتردى] «٥» من علو إلى أسفل، فتموت من غير فرق، بين أن تتردى من جبل، أو بئر، أو مدفن، أو غيرها.\nوالتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها «٦» .\nوَالنَّطِيحَةُ هي فعلية بمعنى مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية. وقال قوم إنها فعلية بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان. وقال:\n_________\n(١) ما بين [] البارد وهو خطأ والصواب ما أثبت كما في «فتح القدير» (٢/ ٩) .\n(٢) تقدّم آنفا.\n(٣) انظره في (٤/ ٨٥) للصنعاني.\n(٤) في «المطبوعة (المعرفة) وهو خطأ والتصويب من سبل السّلام (٤/ ٨٥) . [.....]\n(٥) ما بين [] حرّف في «المطبوعة» إلى تردى وهو خطأ والتصويب من فتح القدير (٢/ ٩) .\n(٦) انظر: الطبري (٦/ ٤٥)، وابن كثير (٢/ ١٠)، وزاد المسير (٢/ ٢٨٠) .","vol":"1","page":235},{"text":"نطيحة ولم يقل نطيح، مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب، صفة لموصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلا الاسمية.\nوقرأ أبو ميسرة: والمنطوحة «١» .\nوَما أَكَلَ السَّبُعُ: أي وحرم ما افترسه ذو ناب، كالأسد والنمر والذئب والضبع ونحوها. والمراد هنا ما أكل منه السبع، لأن ما أكله السبع كله قد فني، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع الشاة، ثم خلصوها منه أكلوها، وإن ماتت ولم يذكوها.\nإِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ في محل نصب على الاستثناء المتصل عند الجمهور، وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقا وفيه حياة.\nوقال المدنيون: وهو المشهور من مذهب مالك، وهو أحد قولي الشافعي: إنه إذا بلغ السّبع منها إلى ما لا حياة معه، فإنها لا تؤكل. وحكاه في «الموطأ» «٢» عن زيد بن ثابت، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، فيكون الاستثناء على هذا القول منقطعا أي حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم. والأول أولى.\nوالذكاة في كلام العرب: الذبح. قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة:\nالتمام، أي تمام استكمال القوة.\nوالذكاء: حدة القلب، وسرعة الفطنة.\n_________\n(١) انظر: الطبري (٦/ ٤٦)، زاد المسير (٢/ ٢٨٠)، ابن كثير (٢/ ١٠)، ابن عطية (٤/ ٣٣٧) .\n(٢) انظر: الموطأ (١/ ٣٩٩) وما بعدها.\nوقال اللخمي: المنخنقة والموقوذة، بالذّال المعجمة، وهي التي تضرب حتى تموت، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، ما مات منها فحام، وما لو ترك لعاش يذكى، وغير المرجو، والذي حدث به في مواضع الذكاة لم تؤكل، وفي غيره يذكى ويؤكل عند مالك.\nقال ابن القاسم: ولو انتثرت الحشوة، لأن قوله تعالى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ بعد ذكر هذه الأقسام، استثناء متصل، لأنه الأصل، وقيل: لا يؤكل لأنه منقطع أي من غيرهن، لأنه لولا ذلك لكان قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ يغني عنه.\nوفي الجواهر: منع أبو الوليد جريان الخلاف الذي ذكره اللخمي إذا كان المقتل في غير محل الذكاة، وقال: المذهب كله على المنع، وإنما الخلاف إذا بلغت الناس بغير إصابة مقتل ...\nوانظر: الذخيرة للقرافي (٤/ ١٢٨، ١٢٩)، والوسيط في مذهب الشافعية للغزالي (٧/ ١٠٧، ١٠٨، ١١٣) .","vol":"1","page":236},{"text":"والذكاة: ما تذكى به النار، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما.\nوذكاء: اسم الشمس.\nوالمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام.\nوالتذكية في الشرع: عبارة عن انهمار الدم، وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونا بالقصد لله، وذكر اسمه عليه.\nوأما الآلة التي تقع بها الذكاة، فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم، وفرى الأوداج، فهو آلة للذكاة، ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة «١» .\nوَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ: قال ابن فارس: النصب: حجر كان ينصب فيعبد، وتصب عليه دماء الذبائح.\nوالنصائب: حجارة تنصب حوالي شفير البئر [فتجعل] «٢» عضائد «٣»، وقيل:\nالنصب جمع واحده نصاب، كحمار وحمر، قرأ طلحة [ابن مصرف]: بضم النون وسكون الصاد. وروي عن أبي عمرو: بفتح النون وسكون الصاد. وقرأ الجحدري:\nبفتح النون والصاد، جعله اسما موحدا كالجبل والجمل، والجمع أنصاب كالأجبال والأجمال.\nقال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة، يذبحون عليها «٤» .\nقال ابن جرير: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم، ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام، قال المسلمون للنبي ﵌: نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل الله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ «٥» .\nوالمعنى: والنية بذلك تعظيم النصب لأن الذبح عليها غير جائز. ولهذا قيل: إن\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ٦٢٣، ٦٢٤، ٦٣٣)، ومسلم (١٣/ ١٢٢، ١٢٥)، عن رافع بن خديج مرفوعا.\n(٢) حرف في «المطبوعة» إلى (فتجد) وهو خطأ والتصويب من مجمل اللغة لابن فارس [نصب]، وكذلك فتح القدير (٢/ ١٠) .\n(٣) جمع عضد وهو الحوض والطريق [اللسان] .\n(٤) انظر: الطبري (٦/ ٤٦) . وابن عطية (٤/ ٣٤٠) .\n(٥) وهذا قول ابن جرير كما في «جامعه» (٦/ ٤٦، ٤٧) .","vol":"1","page":237},{"text":"على بمعنى اللام، أي: لأجلها. قاله قطرب، وهو على هذا داخل في غير ما أهلّ به لغير الله، وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه، وقيل: معناه ما قصد بذبحه تعظيم النصب، وإن لم يذكر اسمها عنده، فليس مكررا مع ما سبق، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم مثلا. فتأمل.\nوَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا: معطوف على ما قبله، أي وحرم عليكم الاستقسام.\nبِالْأَزْلامِ وهي: قداح الميسر، واحدها زلم.\nوالأزلام للعرب ثلاثة أنواع:\nأحدها: مكتوب فيه أفعل.\nوالآخر: مكتوب لا تفعل.\nوالثالث: مهمل لا شيء عليه، فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده- وهي متشابهة- فأخرج واحدا منها، فإن خرج الأول فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه، وإن خرج الثالث، أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين.\nقال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا، وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله، كما يقال استسقى أي استدعى السقيا.\nفالاستقسام: طلب القسم والنصيب.\nوجملة قداح الميسر عشرة، وكانوا يضربون بها في المقامرة.\nوقيل: إن الأزلام: كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل: هي الشطرنج.\nوإنما حرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب، وضرب من الكهانة «١» .\nذلِكُمْ فِسْقٌ: إشارة إلى الاستقسام بالأزلام، أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا.\nوالفسق: الخروج عن الحد، وهذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر! لا ما\n_________\n(١) انظر أقوال أهل التفسير في «الطبري» (٦/ ٥٠)، وابن كثير (٢/ ١١)، والقرطبي (٦/ ٦٣)، وابن عطية (٤/ ٣٤٥)، وزاد المسير (٢/ ٢٩١) .","vol":"1","page":238},{"text":"وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة بين الإيمان والكفر «١» .\nقوله: فَمَنِ اضْطُرَّ: هذا متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض وقع بين الكلامين للتأكيد، فإن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل، أي من دعته الضرورة.\nفِي مَخْمَصَةٍ: أي مجاعة، إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات.\nوالخمص: ضمور البطن، ورجل خميص وخمصان، وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص القدم. ويستعمل كثيرا في الجوع.\nغَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ الجنف: الميل.\nوالإثم: الحرام، أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم، وهو بمعنى غير باغ ولا عاد. وكل مائل فهو متجانف وجنف.\nفَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له رَحِيمٌ (٣) به، لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع، مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغيا على غيره، أو متعديا لما دعت إليه الضرورة «٢» .\n[الآية الرابعة] يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) .\nقُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: هي ما يستلذ أكله، ويستطيبه أصحاب الطبائع السليمة، مما أحله الله لعباده، أو لم يرد نصّ بتحريمه. وقيل: هي الحلال، وقيل: الطيبات الذبائح لأنها طابت بالتذكية، وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك.\nوَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ: معطوف على الطيبات، بتقدير مضاف لتصحيح\n_________\n(١) أرباب هذا القول هم المعتزلة وانظر: «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع»، للملطي (ص ٥٠) وما بعدها.\n(٢) انظر: المحرر الوجيز (٤/ ٣٤٩)، والقرطبي (٦/ ٦٤، ٦٥)، فتح القدير (٢/ ١١) .","vol":"1","page":239},{"text":"المعنى، أي أحل لكم صيد ما علّمتم من أمر الجوارح والصيد بها.\nقال القرطبي «١»: قد ذكر بعض من صنف في أحكام [القرآن] «٢»: أن الآية تدل على أن الإباحة تناولت ما علّمنا من الجوارح، وهو [ينتظم] «٣» الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع، فدل على جواز بيع الكلب، والجوارح، والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع، إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل من الجوارح: أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير.\nقال «٤»: وأجمعت الأمة، على أن الكلب- إذا لم يكن أسود، وعلّمه مسلم، ولم يأكل من صيده الذي صاده، أو أثّر فيه بجرح، أو تنييب، وصاد به مسلم، وذكر الله عند إرساله- صيده صحيح، يؤكل بلا خلاف. فإن انخرم، شرط من هذه الشروط دخل الخلاف، فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه، وكالبازي والصقر ونحوهما في الطير، فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب.\nيقال: جرح فلان واجترح، إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنه يكتسب بها، ومنه قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [الأنعام: ٦٠]، وقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ\n[الجاثية: ٢١] .\nمُكَلِّبِينَ: حال، والمكلب: معلّم الكلاب كيفية الاصطياد. وخص معلم الكلاب، وإن كان معلم سائر الجوارح مثله، لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب. ولم يكتف بقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ- مع أن [التكليب] «٥» هو التعليم- لقصد التأكيد لما لا بد منه من التعليم. وقيل إن السبع يسمى كلبا، فيدخل كل سبع يصاد به، وقيل:\nإن هذه الآية خاصة بالكلاب.\nوقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال: ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير، فما أدركت ذكاته فهو حلال، وإلا فلا تطعمه «٦» .\n_________\n(١) انظر في «تفسيره» (٦/ ٦٦) .\n(٢) حرّف إلى بقرآن وهو خطأ واضح. [.....]\n(٣) حرّفت إلى «انخرم» والتصويب من القرطبي.\n(٤) أي القرطبي كما تقدّم.\n(٥) حرّفت إلى (التكليف) وهو خطأ، والتصويب من فتح القدير (٢/ ١٣) .\n(٦) رواه الطبري في «جامعه» (٦/ ٦٣) .","vol":"1","page":240},{"text":"قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحل صيده؟ قال: لا! إلا أن تدرك ذكاته.\nوقال الضحاك والسدي: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ: هي الكلاب خاصة «١» .\nفإن كان الكلب الأسود بهيما، كره صيده الحسن وقتادة والنخعي.\nوقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما، وبه قال ابن راهويه «٢» .\nفأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم «٣»، واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله ﵌: «الكلب الأسود شيطان» أخرجه مسلم وغيره «٤» .\nوالحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره، وبين الأسود من الكلاب وغيره، وبين الطير وغيره.\nويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي بن حاتم عن صيد البازي «٥» .\n_________\n(١) روى هذين القولين الطبري في «تفسيره» (٦/ ٦٣)، والبغوي في «معالم التنزيل (٢/ ١٢)، وذكره ابن كثير نحوه عن ابن عباس (٢/ ١٥) أيضا.\n(٢) قال في «المقنع»: إلا الكلب الأسود البهيم، فلا يباح صيده. وقال ابن قدامة في «الشرح الكبير» والبهيم الذي لا يخالط لونه لون أسود.\nقال أحمد: الذي ليس فيه بياض، وقال المرداوي في «الإنصاف»: لو كان بين عينيه نكتتان تخالفان لونه، لم يخرج بهما عن البهيم وأحكامه، وانظر: المقنع، الشرح الكبير، الإنصاف (٢٧/ ٣٨٦، ٣٨٧) ط. دار هجر.\n(٣) انظر: الذخيرة للقرافي (٤/ ١٧٢) ط. دار الغرب. والهداية للمرغيناني (٤/ ١٥٣٩)، الوسيط للغزالي (٧/ ١٠٨، ١٠٩) .\n(٤) حديث صحيح: رواه مسلم (١٠/ ٢٣٦)، وأبو داود (٢٨٤٦) . وأحمد في «المسند» (٣/ ٣٣٣) عن جابر مرفوعا.\nورواه مسلم (٤/ ٢٢٦، ٢٢٧)، وأبو داود (٧٠٢) والترمذي (٣٣٨) والنسائي (٢/ ٦٣، ٦٤)، وابن ماجة (٩٥٢)، وأحمد في «المسند» (٥/ ١٤٩، ١٦١) عن عبد الله بن الصامت مرفوعا نحوه.\nورواه البخاري (٦/ ٣٦٠)، ومسلم (١٠/ ٢٣٤، ٢٣٦) بنحوه عن ابن عمر مرفوعا.\n(٥) انظر: زاد المسير (٢/ ٢٩٢)، ابن عطية (٤/ ٣٥٤، ٣٥٥) .\nولفظ «البازي» لم يرد في هذا الحديث الذي في «الصحيحين» عن عدي بن حاتم.\nوإنما ورد عند أبي داود (٢٨٥١)، والترمذي (١٤٦٧) وأحمد في «المسند» (٤/ ٢٥٧)، والبيهقي (٩/ ٢٣٨) . وقال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشعبي.","vol":"1","page":241},{"text":"تُعَلِّمُونَهُنَّ: أي تؤدبونهن. والجملة في محل نصب على الحال.\nمِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ: أي مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل، الذي تهتدون به إلى تعليمها وتدريبها، حتى تصير قابلة لإمساك الصيد لكم عند إرسالكم له.\nفَكُلُوا: الفاء للتفريع، والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علّموه من الجوارح، و(من) في قوله: مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ للتبعيض، لأن بعض الصيد لا يؤكل، كالجلد والعظم، وما أكله الكلب ونحوه.\nوفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه، فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه، كما في الحديث الصحيح «١» .\nوقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال.\nوقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي- وهو مروي عن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعبد الله بن عمر، وروي عن علي وابن عباس والحسن البصري والزهري وربيعة ومالك والشافعي في القديم- إنه يؤكل صيده «٢» .\nويرد عليهم قوله تعالى: مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ، وقوله ﵌ لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك»، وهو في الصحيحين وغيرهما «٣» .\nوفي لفظ لهما: «فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه» «٤» .\nوأما ما أخرجه أبو داود بإسناد جيد من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول\n_________\nوقال البيهقي: ذكر البازي في هذه الرواية لم يأت به الحفّاظ الذين قدمنا ذكرهم عن الشعبي، وإنما أتى به مجالد. والله أعلم.\nومجالد قال عنه الحافظ: «ليس بالقوي، وقد تغيّر في آخر عمره» .\n(١) هو حديث عدي المتقدّم ذكره وتخريجه.\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٦٣)، وابن الجوزي (٢/ ٢٩٢)، والمغني (١٣/ ٢٦٣)، والمقنع والشرح الكبير، والإنصاف معا (٢٧/ ٣٨٩، ٣٩١)، والوسيط للغزالي (٧/ ١١٥)، والروضة (٣/ ٢٤٩)، والمنهاج (ص ١٤١) .\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ٦٠٣)، ومسلم (١٣/ ٧٦) عن عدي بن حاتم، وتقدّم. [.....]","vol":"1","page":242},{"text":"الله ﵌: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» «١» .\nوقد أخرجه أيضا بإسناد جيد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه أيضا النسائي.\nفقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث: بأنه إن أكل عقب ما أمسك، فإنه يحرم، لحديث عدي بن حاتم وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه، فطال عليه الانتظار، وجاع فأكل من الصيد لجوعه- لا لكونه أمسكه على نفسه- فإنه لا يؤثر ذلك ولا يحرم به الصيد. وهذا جمع حسن «٢» .\nوقال آخرون: إنه إذا أكل الكلب منه حرم، لحديث عدي، وإن أكل غيره لم يحرم للحديثين الآخرين.\nوقيل يحمل حديث [أبي] «٣» ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه ثم عاد فأكل منه. وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح، ولم يسلكوا طريق الجمع، لما فيها من البعد.\nقالوا: وحديث عدي بن حاتم أرجح لكونه في «الصحيحين» . وقد قرر الشوكاني هذا المسلك في «شرح المنتقى» «٤» بما يزيد الناظر فيه بصيرة.\nوَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضمير في عليه يعود إلى وَما عَلَّمْتُمْ، أي سموا عليه عند إرساله أو [لما] «٥» أمسكن عليكم: أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته.\nوقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح، واستدلوا بهذه الآية، ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في «الصحيحين» وغيرهما بلفظ: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله» «٦» .\nوقال بعض أهل العلم: إن المراد التسمية عند الأكل. قال\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه أبو داود (٢٨٥٢، ٢٨٥٧)، والبيهقي (٩/ ٢٣٧، ٢٣٨)، والدارقطني (٤/ ٢٩٣، ٢٩٤)، عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا بنحوه.\nوضعّفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٦١١) . فانظر كلامه فيه.\n(٢) يردّ ذلك نكار الأحاديث التي وردت في ذكر أكل من الصيد والله أعلم.\n(٣) صحف إلى (ابن) وهو خطأ ظاهر.\n(٤) انظر: نيل الأوطار (٩/ ٧٢٦) .\n(٥) حرفت إلى «لم» والصواب ما أثبت وكما في فتح القدير (٢/ ١٤) .\n(٦) تقدّم تخريجه.","vol":"1","page":243},{"text":"القرطبي «١»: وهو الأظهر.\nواستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية، وهذا خطأ فإن النبي ﵌ قد وقّت التسمية بإرسال الكلب، وإرسال السهم، ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر، ومسألة غير هذه المسألة، فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا، على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ملجىء إلى ذلك.\nوفي لفظ في «الصحيحين» من حديث عدي: «إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل» «٢» . وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي. وهذا أقوى الأقوال وأرجحها «٣» .\n[الآية الخامسة] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) .\nالْيَوْمَ: المراد بهذا اليوم والمذكورين قبله وقت واحد، وإنما كرّر للتأكيد، ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره، كذا قال أبو السعود. وقيل: أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد ﵌.\nكما تقول: هذه أيام فلان.\nالْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ: هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى وهي قوله: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وقد تقدم بيان الطيبات.\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (٦/ ٧٤) .\n(٢) البخاري (٩/ ٦١٢)، ومسلم (١٣/ ٧٦) .\n(٣) انظر: تفسير ابن عطية (٤/ ٣٥٦)، القرطبي (٦/ ٧٤)، الذخيرة للقرافي (٤/ ١٣٤)، والهداية للمرغيناني (٤/ ١٤٤٦، ١٤٤٧)، ونصب الراية للزيلعي (٤/ ١٨٢)، إعلام الموقعين (٢/ ١٥٤، ١٥٥) .","vol":"1","page":244},{"text":"وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ: الطعام اسم لكل ما يؤكل، ومنه الذبائح، وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح «١»، وفي هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتاب- من غير فرق بين اللحم وغيره- حلال للمسلمين، وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسم الله، فتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١] . وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال، وإن ذكر اليهودي على ذبيحته اسم عزيز، وذكر النصراني على ذبيحته اسم المسيح. وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة بن الصامت وابن عباس والزهري وربيعة والشعبي ومكحول «٢» .\nوقال عليّ وعائشة وابن عمر: إذا سمعت الكتابي يسمي على الذبيحة اسم غير الله فلا تأكل.\nوهو قول طاووس والحسن «٣»، وتمسكوا بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١] . وقوله تعالى: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ [المائدة: ٣] .\nوقال مالك: إنه يكره ولا يحرم «٤» .\nفهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، وأما مع عدم العلم، فقد حكى الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية «٥» .\nولما ورد في السنة من أكله ﵌ من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية.\nوكذلك جراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر وعلم بذلك النبي ﵌، وهما في «الصحيح» وغير ذلك.\nوالمراد بأهل الكتاب هنا: اليهودي والنصارى.\nوأما المجوس فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، لأنهم ليسوا بأهل الكتاب على المشهور عند أهل العلم «٦» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٦/ ٦٦)، وابن كثير (٢/ ١٩) .\n(٢) انظر: زاد المسير (٢/ ٢/ ٢٩٥)، الطبري (٦/ ٦٦)، ابن كثير (٢/ ١٩)، المحرر الوجيز لابن عطية (٤/ ٣٥٧، ٣٥٩) .\n(٣) انظر: الطبري (٦/ ٦٦، ٦٧)، ابن كثير (٢/ ٢١)، ابن عطية (٤/ ٣٥٩) ط. الدّوحة.\n(٤) انظر: الذخيرة للقرافي المالكي (٤/ ١٧٠) .\n(٥) انظر: المصادر السابقة. [.....]\n(٦) انظر: الوسيط للغزالي (٧/ ١٠١)، الروضة للنووي (٧/ ١٤٢)، والذخيرة للقرافي (٤/ ١٦٩،","vol":"1","page":245},{"text":"وخالف في ذلك أبو ثور، وأنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال أحمد بن حنبل: أبو ثور كاسمه! يعني في هذه المسألة «١» .\nوكأنه تمسك بما يروى عن النبي ﵌ مرسلا، أنه قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ولم يثبت بهذا اللفظ «٢» .\nوعلى فرض أن له أصلا ففيه زيادة تدفع ما قاله. وهي قوله: «غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم» «٣» ورواه بهذه الزيادة جماعة، ممن لا خبرة لهم بفن الحديث من المفسرين والفقهاء، ولا يثبت الأصل ولا الزيادة، بل الذي ثبت في «الصحيح» أن النبي ﵌ أخذ الجزية من مجوس هجر «٤» .\nوأما بنو تغلب «٥» فكان علي بن أبي طالب ﵁ ينهى عن ذبائحهم لأنهم عرب وكان يقول: إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر «٦» !.\n_________\n١٧٠)، والملل والنحل للشهرستاني في حديثه عن المجوس (١/ ٢٣٠، ٢٤٤) .\n(١) انظر ردّ الإمام أحمد عليه في «أحكام أهل الملل» لأبي بكر الخلّال (٤٥١، ٤٥٣) . وتلخيص الحبير (٣/ ٣٥٤) .\n(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٢٣٢)، والشافعي في «الأم» (٤/ ١٨٣)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٨٤)، وعبد الرزاق (١٠٠٢٥)، وأبو عبيد في «الأموال» (٧٧)، والبيهقي (٩/ ١٨٩، ١٩٠) عن عمر مرفوعا.\nوفي إسناده انقطاع محمد بن عليّ بن الحسين أبو جعفر الباقر ﵃، لم يلق عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب.\nولكن له شاهد عند الطبراني (٦٦٦٠) عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعا.\nقال الحافظ: هو منقطع إلا أن يكون الضمير في جده يعود على محمد، فجده حسين سمع منهما، لكن في سماع محمد من حسين نظر كبير، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب النكاح بسند حسن.. عن زيد بن وهب قال: كنت عند عمر فذكر من عنده المجوس، فوثب عبد الرحمن بن عوف فقال: أشهد بالله على رسول الله ﵌ لسمعه يقول: «إنما المجوس طائفة من أهل الكتاب، فاحملوهم على ما تحملون عليه أهل الكتاب» . (التلخيص ٣/ ٣٥٣) ط. قرطبة- القاهرة.\nوقال الزرقاني عن هذا الحديث: «هو عام أريد به الخصوص» (شرح المنتقى ٢/ ١٣٩) .\n(٣) إسناده ضعيف: ورواه ابن أبي شيبة (١٢/ ٢٤٢)، (٩١/ ١٢٦)، (١٢/ ٢٤٩)، (١٢٧٠٦) والبيهقي (٩/ ١٩٢، ٢٨٥) .\nوأورده الحافظ في «التلخيص» (٣/ ٣٥٤) وقال: وهو مرسل، وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف، قال البيهقي: وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده.\n(٤) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٢٥٧)، عن عبد الرحمن بن عوف.\n(٥) تسكن بلاد تغلب بالجزيرة الفراتية، وتعرف بديار ربيعة (معجم قبائل العرب) لكحالة (١/ ١٢٠) .\n(٦) حديث صحيح: رواه الشافعي في «الأم» (٢/ ٢٥٤)، (٤/ ٣٠٠)، وعبد الرزاق في «المصنف»","vol":"1","page":246},{"text":"وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ، وجذام، ولخم، وعاملة، ومن أشبههم «١» .\nقال ابن كثير «٢»: وهو قول غير واحد من السلف والخلف.\nوروي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري أنهما كانا لا يريان بأسا بذبيحة نصارى بني تغلب «٣» .\nوقال القرطبي «٤»: قال جمهور الأمة: إن ذبيحة كل نصراني حلال، سواء كان من بني تغلب أو من غيرهم، وكذلك اليهود.\nوقال «٥»: ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة، كالطعام يجوز أكله مطلقا.\nوَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ: أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب. وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة، وإخبار للمسلمين بأن ما يأخذونه من أعواض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية.\nوَالْمُحْصَناتُ: مبتدأ، واختلف في تفسيرهن هنا: فقيل: العفائف، وقيل الحرائر «٦» .\nوقرأ الشعبي بكسر الصاد، وبه قرأ الكسائي. وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في البقرة والنساء «٧» .\n_________\n(٨٥٧٠)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٨٤) .\nوصححه الحافظ في «فتح الباري» (٩/ ٦٣٧) .\n(١) انظر: أحكام أهل الذمة (١/ ١٣٦) .\n(٢) انظره في «تفسيره» (٢/ ٢١) .\n(٣) انظر: الطبري (٦/ ٦٦)، وزاد المسير (٢/ ٢٩٦) .\n(٤) انظره في «تفسيره» (٦/ ٧٦، ٧٨) .\n(٥) أي القرطبي (٦/ ٧٨) . [.....]\n(٦) انظر: الطبري (٦/ ٦٦)، النكت (١/ ٤٤٩) .\n(٧) انظر: معاني القراءات للأزهري (ص ١٢٣)، وقال: «وأجمع القراء على فتح الصّاد من قوله جل وعز: «والمحصنات من النساء لأن معناهن أنهن أحصنّ بالأزواج» .\nوقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة (١٧٣)، والنساء (٢٤) .","vol":"1","page":247},{"text":"وقوله: مِنَ الْمُؤْمِناتِ: وصف له، والخبر محذوف، أي حل لكم، وذكرهن هنا توطئة وتمهيدا لقوله:\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ: المراد بهن الحرائر دون الإماء، هكذا قال الجمهور.\nوحكى ابن جرير «١» عن طائفة من السلف: أن هذه الآية تعم كل كتابية حرة أو أمة.\nوقيل: المراد بأهل الكتاب الإسرائيليات وبه قال الشافعي وهذا تخصيص بغير مخصص.\nوقال عبد الله بن عمر: لا تحل النصرانية قال: ولا أعلم شركا أكبر من أن تقول:\nربها عيسى! وقد قال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ... الآية [البقرة: ٢٢١] .\nويجاب عنه بأن هذه الآية مخصصة للكتابيات من عموم المشركات، فيبنى العام على الخاص، وقد استدل من حرم نكاح الإماء الكتابيات بهذه الآية، لأنه حملها على الحرائر، ولقوله تعالى: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النساء: ٢٥] .\nوقد ذهب إلى هذه كثير من أهل العلم، وخالفهم من قال: إن الآية تعم أو تخص العفائف، كما تقدم.\nوالحاصل: أنه يدخل تحت هذه الآية الحرة العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال، إلا على قول ابن عمر في النصرانية، ويدخل تحتها الحرة التي ليست بعفيفة، والأمة العفيفة، على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشرك في كلا معنييه.\nوأما من لم يجوّز ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر، لم يقل بجواز نكاح الأمة عفيفة كانت أو غير عفيفة إلا بدليل آخر، ويقول بجواز نكاح الحرة عفيفة كانت أو غير عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف، قال بجواز نكاح الحرة العفيفة والأمة العفيفة دون غير العفيفة منها. ومذهب الإمام أبي حنيفة جواز نكاح الأمة الكتابية أخذا بعموم الآية «٢» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٦/ ١٠٥، ١٠٧) .\n(٢) قال الرازي: «وعلى هذا البحث وقع الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة. فعند الشافعي لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية: قال: لأنه اجتمع في حقها نوعان من النقصان: الكفر والرّق.","vol":"1","page":248},{"text":"إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ: أي مهورهن، وجواب إذا محذوف، أي: فهي حلال، أو هي ظرف لخبر المحصنات المقدر، أي: حل لكم.\nمُحْصِنِينَ: منصوب على الحال، أي حال كونكم أعفاء بالنكاح.\nوكذا قوله: غَيْرَ مُسافِحِينَ: منصوب على الحال من الضمير في محصنين، أو صفة لمحصنين، والمعنى غير مجاهرين بالزنا.\nوَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ: معطوف على غير مسافحين، أو على مسافحين، ولا مزيدة للتأكيد.\nوالخدن: الصديق في السر يقع على الذكر والأنثى، أي ولم تتخذوا معشوقات، فقد شرط الله في الرجال العفة، وعدم المجاهرة بالزنا، وعدم اتخاذ أخدان، كما شرط في النساء أن يكن محصنات.\n[الآية السادسة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ: إذا أردتم القيام تعبيرا بالمسبب عن السبب، كما في قوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] .\nوقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة، فقالت طائفة:\nهو علم في كل قيام إليها، سواء كان القائم متطهرا أو محدثا فإنه ينبغي له إذا قام إلى\n_________\nوعند أبي حنيفة يجوز، وتمسّك بهذه الآية بناء على أن المراد بالمحصنات العفائف (مفاتيح الغيب ٥/ ٥٧٧)","vol":"1","page":249},{"text":"الصلاة أن يتوضأ، وهو مروي عن علي وعكرمة «١» وقال بوجوبه داود الظاهري «٢» .\nوقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة «٣» .\nوقالت طائفة أخرى: إن هذا الأمر خاص بالنبي ﵌، وهو ضعيف! فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم «٤» .\nوقالت طائفة: الأمر للندب طلبا للفضل.\nوقال آخرون: الوضوء لكل صلاة كان فرضا عليهم بهذه الآية، ثم نسخ في فتح مكة «٥» .\nوقال جماعة: هذا الأمر خاص بمن كان محدثا.\nوقال آخرون: المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، فيعم الخطاب كل قائم من النوم «٦» .\nوقد أخرج مسلم وأحمد وأهل «السنن» «٧» عن بريدة. قال: «كان النبي ﵌ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح، توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله؟. قال: عمدا فعلته\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه الدارمي في «سننه» (١/ ١٦٨)، وابن جرير في «تفسيره» (١١٣٢٣)، من طريق مسعود بن عليّ الشيباني قال: سمعت عكرمة يقول: «كان عليّ ﵁ يتوضأ عند كل صلاة..» فذكر الحديث. وعلته: الانقطاع بين الشيباني وعكرمة.\n(٢) قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة، وقال أكثر الفقهاء: لا يجب. (مفاتيح الغيب ٥/ ٥٨٠) .\n(٣) إسناده ضعيف: رواه الطبري (٦/ ١١٣)، وعلته: أن محمد بن سيرين لم يرو عن أحد من الخلفاء الأربعة ولم يدركهم.\n(٤) انظر: الطبري (٦/ ١١٣)، والقرطبي (٤/ ٢٠٧٧، ٢٠٧٩) ط دار الشعب.\nومما يدل على أن النبي ﵌ أمر بالوضوء لكل صلاة، فلما شق الأمر أمر بالسواك عند كل صلاة. رواه أبو داود (٤٨)، وأحمد (٥/ ٢٢٥)، والدارمي (١/ ١٦٨، ١٦٩) والحاكم (١/ ١٥٥، ١٥٦)، عن ابن عمر مرفوعا. وصححه ووافقه الذهبي.\nقلت: في إسناده محمد ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث، فحديثه حينئذ حسن.\n(٥) انظر: مفاتيح الغيب (٥/ ٥٨٢)، القرطبي (٤/ ٢٠٧٨) ط دار الشعب، والطبري (٦/ ١١٢) .\n(٦) انظر: المصادر السابقة.\n(٧) حديث صحيح: رواه مسلم (٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي (١/ ١٦)، وابن ماجة (٥١٠)، وأحمد (٥/ ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٨)، والدارمي (١/ ١٦٩)، وابن حبان (١٧٠٦، ١٧٠٧، ١٧٠٨) .","vol":"1","page":250},{"text":"يا عمر» . وهو مروي من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى «١» .\nوأخرج البخاري وأحمد وأهل «السنن» «٢» عن عمرو بن عامر الأنصاري: سمعت أنس بن مالك يقول: «كان النبي ﵌ يتوضأ عند كل صلاة. قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث» .\nفتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، وبه قال جمهور أهل العلم، وهو الحق.\nفَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الوجه في اللغة: مأخوذة من المواجهة، وهو عضو مشتمل على أعضاء، وله طول وعرض، فحده في الطول: من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، وفي العرض: من الأذن إلى الأذن.\nوقد ورد الدليل بتخليل اللحية «٣» .\nواختلف العلماء في غسل ما استرسل، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه «٤» .\nوقد اختلف أهل العلم أيضا هل يعتبر في الغسل الدلك باليد، أم يكفي إمرار الماء؟ والخلاف في ذلك معروف والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان معتبرا، وإلا فلا.\nقال في «شمس العلوم»: غسل الشيء غسلا، إذا أجرى عليه الماء ودلكه.\nانتهى.\nوأما المضمضة والاستنشاق فإذا لم يكن لفظ الوجه يشتمل باطن الفم والأنف،\n_________\n(١) انظر بعضها عند ابن حبان (١٧٠٦، ١٧٠٧، ١٧٠٨) .\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ٣١٥)، وأبو داود (١٧١)، والترمذي (٦٠)، والنسائي (١/ ٨٥)، وابن ماجة (٥٠٩)، وأحمد في «المسند» (٣/ ١٣٢، ١٣٣، ١٥٤) . [.....]\n(٣) حديث صحيح: رواه أبو داود (١٤٥)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٥٤) عن أنس مرفوعا.\nوروي نحوه عن عمار بن ياسر في «مسند ابن أبي شيبة- بتحقيقنا- وأحمد في «العلل» (١٠٣٥) والترمذي (٢٩)، وابن ماجة (٤٢٩)، والطيالسي (٦٤٥)، والطبري (٦/ ١٢١)، والحاكم (١/ ١٤٩) .\nوانظر: المحلى لابن حزم (٢/ ٣٦) .\nوانظر: ما رواه أبو عبيد في «الطهور» في مسألة تخليل اللحية والمذاهب التي فيها (ص ٣٤٣، ٣٥٢) تحقيق الأستاذ المحقق مشهور حسن سلمان.\n(٤) راجع نيل الأوطار (١/ ١٨١) .","vol":"1","page":251},{"text":"فقد ثبت غسلهما بالسنة الصحيحة «١»، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف. وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في مؤلفاته ك «المختصر» و«شرحه» و«نيل الأوطار» «٢» .\nوَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ: إلى الغاية. وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف، وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا. وقيل: إنها هنا بمعنى مع. وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقا، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل.\nوقد ذهب الجمهور أن المرافق تغسل، واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جده عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﵌ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» . ولكن القاسم هذا متروك، وجده ضعيف «٣» .\nوَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ: قيل الباء زائدة، والمعنى امسحوا رؤوسكم وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس، وقيل: هي للتبعيض، وذلك يقتضي أنه يجزىء مسح بعضه.\nواستدل القائلون بالتبعيض بقوله تعالى في التيمم فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ [النساء: ٤٣] ولا يجزىء مسح بعض الوجه اتفاقا، وقيل: إنها للإلصاق، أي ألصقوا أيديكم برؤوسكم، وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس، كما أوضح الشوكاني ذلك في مؤلفاته «٤»، فكان هذا دليلا على المطلوب غير محتمل كاحتمال الآية، على فرض أنها محتملة، ولا شك أن من أمر غيره أن يمسح\n_________\n(١) منها: ما رواه أبو داود (١٤٤)، عن لقيط بن صبرة.\nوما رواه البخاري (١/ ٢٦٣) ومسلم، (٢٣٧) عن أبي هريرة مرفوعا.\nوانظر: فتح الباري للحافظ (١/ ٢٦٢) فإن فيه فوائد.\n(٢) انظره في (١/ ١٧١، ١٨١)، وكذلك السيل الجرّار (١/ ٨١، ٨٢) .\n(٣) رواه الدارقطني في «سننه» (١/ ٨٣)، والبيهقي في «الكبرى» (١/ ٥٦) .\n(٤) ذكر الشوكاني الاختلاف في المسألة ثم قال: وبعد هذا فلا شك في أولوية استيعاب المسح لجميع الرأس وصحة أحاديث ولكن دون الجزم بالوجوب مفاوز وعقبات اه. وانظر: نيل الأوطار (١/ ١٥٥، ١٥٧) .\nوقال المصنف في «الروضة الندية»: «والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات» . (١/ ٣٧، ٣٨) .","vol":"1","page":252},{"text":"رأسه كان ممتثلا بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو:\nاضرب زيدا أو أطعنه. فإنه يؤخذ المعنى العربي بوقوع الضرب أو الطعن على عضو من أعضائه ولا يقول قائل من أهل اللغة ومن هو عالم بها، إنه لا يكون ضاربا إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن وسائر الأفعال. فاعرف هذا المعنى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس.\nفإن قلت: يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين؟ قلت: تلزم لولا البيان من السنة في الوجه، والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين، بخلاف الرأس، فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض «١» .\nوَأَرْجُلَكُمْ: قرأ نافع بنصب الأرجل، وهي قراءة الحسن البصري والأعمش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر، فقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين، لأنها معطوفة على الوجوه والأيدي، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، والفصل بالممسوح بين المغسولات يفيد وجوب الترتيب في تطهير هذه الأعضاء، وعليه الشافعي.\nوقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الأرجل، لأنها معطوفة على الرؤوس، وإليه ذهب ابن جرير الطبري، وهو مروي عن ابن عباس «٢» .\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه مسلم (٢٧٤)، عن المغيرة مرفوعا قوله: «أن النبي ﵌ مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه» .\n(٢) قال الأزهري: «من قرأ (وأرجلكم) نصبا عطفه على قوله «اغسلوا وجوهكم وأيديكم» أخر ومعناه التقديم: وقد رويت هذه القراءة عن ابن عباس، وبها قرأ الشافعي، ورويت عن ابن مسعود، وهي أجود القراءتين: لموافقتها الأخبار الصحيحة عن النبي ﵌ في غسل الرجلين» .\nومن قرأ (وأرجلكم) عطفها على قوله «وامسحوا برؤوسكم» وبيّنت السنة أن المراد بمسح الأرجل غسلها، وذلك أن المسح في كلام العرب يكون غسلا، ويكون مسحا باليد، والأخبار جاءت بغسل الأرجل ومسح الرؤوس، ومن جعل مسح الأرجل كمسح الرؤوس خطوطا بالأصابع فقد خالف ما صحّ عن رسول الله ﵌ أنه قال: «ويل للعراقيب من النار» و«ويل للأعقاب من النار» . وأخبرني أبو بكر بن عثمان عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري أنه قال: المسح عند العرب يكون غسلا، فلا بدّ من غسل الرجلين إلى الكعبين. (معاني القراءات ص ١٣٩، ١٤٠) ومادة مسح من تهذيب اللغة للأزهري.\nوانظر: كفاية الأخبار للحصني ﵁ (ص ٢٥) -.","vol":"1","page":253},{"text":"قال داود الظاهري: يجب الجمع بين الأمرين على اقتضاء القراءتين.\nوقال ابن العربي: اتفقت الأمة على وجوب غسلهما، وما علمت من ردّ ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم! وتعلق الطبري بقراءة الجر! «١» .\nقال القرطبي «٢»: قد روي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان «٣» .\nقال: وكان عكرمة يمسح رجليه، وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح «٤» .\nوقال عامر الشعبيّ: نزل جبرئيل بالمسح «٥» .\nقال: وقال قتادة: افترض الله مسحتين وغسلتين «٦» .\nقال «٧»: وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين، وقوّاه النحاس، ولكنه قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة من فعله ﵌ وقوله غسل الرجلين فقط «٨» .\nوثبت عنه أنه قال: «ويل للأعقاب من النار» وهو في «الصحيحين» «٩» وغيرهما، فأفاد وجوب غسل الرجلين، وأنه لا يجزىء مسحهما لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب، ويخطىء ما أخطأ، فلو كان مجزيا لما قال: «ويل للأعقاب من النار» .\n_________\n(١) انظر الطبري (٦/ ١٣٠) .\n(٢) انظره في تفسيره (٦/ ٩٢) .\n(٣) إسناده ضعيف: رواه ابن جرير (١١٤٧٤)، عن ابن جريح عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس فذكره، وأورده القرطبي في «تفسيره» (٦/ ٩٢) .\n(٤) رواه الطبري (١١٤٧٨) . وأورده القرطبي (٦/ ٩٢) .\n(٥) إسناده حسن: رواه الطبري (١١٤٨٥) .\n(٦) أثر صحيح: رواه الطبري (١١٤٨٧) . [.....]\n(٧) أي القرطبي (٦/ ٩٢) .\n(٨) رواه البخاري (١/ ٢٨٩، ٢٩٤، ٢٩٧)، ومسلم (٣/ ١٢١، ١٢٣)، (٢٣٥) عن عبد الله بن زيد مرفوعا.\nوفي الباب عن الإمام عليّ وابن عباس.\n(٩) رواه البخاري (١/ ٢٦٥)، ومسلم (٣/ ١٢٨)، وأبو داود (٩٧)، والنسائي (١/ ٧٧)، وابن ماجة (٤٥٠)، وأحمد (٢/ ١٩٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا.","vol":"1","page":254},{"text":"وقد ثبت أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» «١» .\nوقد ثبت في «صحيح مسلم» «٢» وغيره أن رجلا توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر فقال له: «ارجع فأحسن وضوءك» .\nوأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة «٣» .\nوقوله: إِلَى الْكَعْبَيْنِ: معناه معهما، كما بينت السنة، والكلام فيه كالكلام في قوله: إِلَى الْمَرافِقِ، وقد قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب إنه لما كان في كل رجل كعبان ولم يكن في كل يد إلّا مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره- ذكر معنى هذا ابن عطية.\nوقال الكواشي «٤»: ثنى الكعبين وجمع المرافق، لنفي توهم أن في كل واحد من الرجلين كعبين، وإنما في كل واحدة كعب واحد، له طرفان من جانبي الرجل، بخلاف المرافق فهي أبعد عن الوهم. انتهى.\nفهذه الفروض الأربعة في الوضوء، وبقي من فرائضه النية والتسمية، ولم يذكرا في هذه الآية، بل وردت بهما السنة «٥» .\nوقيل: إن في هذه الآية ما يدل على النية لأنه لما قال: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ كان تقدير الكلام فاغسلوا وجوهكم لها، وذلك هو النية المعتبرة، لا ما تعارف اليوم بين الناس، من التلفظ بعبارات مبتدعة! فقد صرح غير واحد بإنكار ذلك، وعدم وروده عن النبي ﵌، بل ولا عن أحد من الصحابة وتابعيهم ومن بعدهم\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه ابن ماجة (٤١٩)، والدارقطني كما في «التلخيص» (١/ ٨٢، ٨٣) .\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (٣/ ١٣١، ١٣٢)، عن جابر مرفوعا.\n(٣) انظر: صحيح البخاري (١/ ٣٠٥)، ومسلم (٣/ ١٧٣) .\n(٤) في تفسيره وهو مخطوط بدار الكتب المصرية، ومعهد المخطوط العربية بالقاهرة، وهو تفسير جيد عظيم الفوائد البيانية، وكذا مختصره للمنصف أيضا.\n(٥) أولا النية: ما رواه البخاري (١/ ٩، ١٣٥)، ومسلم (١٩٠٧) عن عمر مرفوعا.\nثانيا التسمية: رواه أحمد (٢/ ٤١٨)، وأبو داود (١٠١)، وابن ماجة (٣٩٩) عن أبي هريرة مرفوعا قوله ﵌: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» .\nوانظر: فتح القدير (٢/ ١٧، ١٨) .","vol":"1","page":255},{"text":"من الأئمة المعتبرين رضوان الله عليهم أجمعين «١» .\nوَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا: المراد بالجنابة هي الحاصلة بدخول حشفة، أو نزول مني الاحتلام، ونحو ذلك.\nفَاطَّهَّرُوا: أي فاغتسلوا بالماء.\nوقد ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم البتة، بل يدع الصلاة حتى يجد الماء، استدلالا بهذه الآية.\nوذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع عدم الماء. وهذه الآية هي للواجد، على أن التطهر هم أعمل من الحاصل بالماء، أو بما هو عوض عنه مع عدمه وهو التراب.\n[وقد] «٢» صح عن عمر وابن مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور، للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم الجنب مع عدم الماء «٣» .\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ: قد قدم تفسير المرض والسفر والمجيء من الغائط في سورة النساء مستوفى، وكذلك تقدم الكلام على ملامسة النساء، وعلى التيمم وعلى الصعيد.\nومن قوله مِنْكُمْ لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض.\nقيل: وجه تكرير هذا هو استيفاء الكلام في أنواع الطهارة.\nما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ: أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء، أو بالتراب التضييق عليكم في الدّين، ومنه قوله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ\n_________\n(١) وانظر في بدعيّة الجهر بالنية: زاد المعاد (١/ ٢١، ٥٧)، والإنصاف للمرداوي (١/ ٤٢١) وفتح القدير (١/ ١٨٦)، والأمر بالاتباع للسيوطي (٢٩٥) .\n(٢) حرّف في «المطبوعة» إلى (وقال) وهو خطأ واضح والتصويب من فتح القدير (٢/ ١٨) .\n(٣) منها: ما رواه البخاري (١/ ٤٤٧، ٤٤٨)، ومسلم (٥/ ١٨٩، ١٩٢) عن عمران بن حصين مرفوعا.\nوانظر: القرطبي (٤/ ٢١٠٠، ٢١٠١)، ط. دار الشعب- ومفاتيح الغيب (٥/ ٥٩٨، ٥٩٩) ط. دار الغد العربي.\nوانظر ما تقدم من تفسير سورة النساء عند الآية (٤٣) .","vol":"1","page":256},{"text":"من الذنوب والخطايا لأن الوضوء من كفارتها كما في الحديث «١» .\nوقيل: من الأصغر والأكبر «٢» .\n[الآية السابعة]\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) .\nفَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قيل: إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه، لكونه أول ميت مات من بني آدم، فبعث الله غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم [حثا] «٣» عليه، فلما رآه قابيل قال:\nيا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فواراه «٤» .\n[الآيتان: الثامنة والتاسعة]\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) .\nإِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قد اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية،\n_________\n(١) حديث صحيح: وهو عن أبي سعيد الخدري عند أحمد في «المسند» (٣/ ٣)، وابن ماجة (٤٢٧)، والدارمي (١/ ١٧٨)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٩١، ١٩٢)، وصححه ووافقه الذهبي.\nوبنحوه عند مسلم (٣/ ١٤١) عن أبي هريرة مرفوعا.\n(٢) يقصد بذلك الذنوب منها الصغائر، ومنها الكبائر.\n(٣) وقع في «المطبوعة» حتى، وهو خطأ ظاهر، والصواب ما أثبت وكما في «فتح القدير» (٢/ ٣٢) . [.....]\n(٤) انظر: الطبري (٦/ ١٢٠)، والنكت للماوردي (١/ ٤٥٦)، وزاد المسير (٢/ ٢٣١)، وابن كثير (٢/ ٤١)، والقرطبي (٦/ ١٣٣)، والدر المنثور (٢/ ٢٧٣) .","vol":"1","page":257},{"text":"فذهب الجمهور: إلى أنها نزلت في [العرنيين] «١» .\nوقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق، ويسعى في الأرض بالفساد.\nقال ابن المنذر: قول مالك صحيح.\nقال أبو ثور محتجا لهذا القول: إن قوله في هذه الآية: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [المائدة: ٣٤] يدل على أنها نزلت في غير أهل الشرك، لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وفقوا في الدنيا، فأسلموا فإن دماءهم تحرم، فدلّ ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام. انتهى «٢» .\nوهكذا يدل على هذا قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ.\nوقوله ﵌: «الإسلام يهدم ما قبله» أخرجه مسلم «٣» وغيره.\nوحكى ابن جرير الطبري في «تفسيره» «٤» عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية- أعني آية المحاربة- نسخت فعل النبي ﵌ في [العرنيين] ووقف الأمر على هذه الحدود.\nوروي عن محمد بن سيرين أنه قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، يعني فعله ﵌ [العرنيين] «٥» .\nوبهذا قال جماعة من أهل العلم.\nوذهب جماعة آخرون إلى أن فعله ﵌ بالعرنيين منسوخ فنهى النبي ﵌ عن المثلة. والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ. والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره، ممن ارتكب ما تضمنته ولا اعتبار بخصوص السبب، بل الاعتبار بعموم اللفظ «٦» .\n_________\n(١) صحفت في «المطبوعة» إلى (العرينين)، والتصويب من البخاري (٢/ ٣٣٥)، (٨/ ٢٧٣)، ومسلم (١١/ ١٥٣، ١٥٥) .\n(٢) وانظر: الطبري (٦/ ١٣٢)، النكت (١/ ٤٦١)، وزاد المسير (٢/ ٣٤٥)، القرطبي (٦/ ١٥٠)، ابن كثير (٢/ ٤٨) .\n(٣) حديث صحيح: رواه مسلم (٢/ ١٣٦، ١٣٩) عن عمرو بن العاص مرفوعا.\n(٤) انظره في (٦/ ٢٠٩) .\n(٥) أثر ضعيف: رواه أبو داود (٤٣٧١)، وضعّفه الألباني كما في «ضعيف أبي داود» (٩٣٩) .\n(٦) انظر كلام القاضي ابن العربي في هذه المسألة (٢/ ١٨٩، ١٩١) .","vol":"1","page":258},{"text":"قال القرطبي في «تفسيره» «١»: ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود. انتهى.\nومعنى قوله مترتب أي ثابت.\nوقيل: المراد بمحاربة الله المذكورة في الآية: هي محاربة رسول الله ﵌، ومحاربة المسلمين في عصره، ومن بعد عصره بطريق العبارة، دون الدلالة ودون القياس، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول، فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى الدليل.\nوقيل: إنها جعلت محاربة الله ولرسوله، إكبارا لحربهم وتعظيما لأذيتهم لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب.\nوالأولى: أن تفسر محاربة الله سبحانه بمعاصيه، ومخالفة شرائعه ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي، وحكم أمته حكمه وهم السوية.\nوالسعي في الأرض فسادا: يطلق على أنواع من الشر كما قدمنا قريبا.\nقال ابن كثير في «تفسيره» «٢»: قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب: إن فرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) [البقرة: ٢٠٥] . انتهى.\nإذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية، ومن معنى المحاربة، والسعي في الأرض فسادا، فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك، سواء كان مسلما أو كافرا، في مصر أو غير مصر، في كل قليل وكثير وجليل وحقير، وإن حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب، بل من كان ذنبه هو التعدي على دماء العباد وأموالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم، من كتاب الله، أو سنة رسوله ﵌، كالسرقة وما يجب فيه القصاص، لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه ﵌ من يقع منه ذنوب ومعاصي غير ذلك، ولا يجري عليه ﵌ هذا الحكم المذكور في هذه الآية، وبهذا يعرف ضعف ما روي عن مجاهد، في تفسير المحاربة\n_________\n(١) انظره في (٦/ ١٥٠) .\n(٢) انظره في (٢/ ٥٠) .","vol":"1","page":259},{"text":"المذكورة، وفي هذه الآية: أنها الزنا والسرقة «١» .\nووجه ذلك، أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵌ لهما حكم غير هذا الحكم.\nوإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية- على مقتضى لغة العرب، التي أمرنا بأن نفسر كتاب الله وسنة رسوله ﵌ بها- فإياك أن تغترّ بشيء من التفاصيل المروية، والمذاهب المحكية، إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا العموم، أو تقييد هذا المعنى المفهوم من لغة العرب، فأنت وذاك، اعمل به وضعه في موضعه، وأما ما عداه:\nفدع عنك نهبا صيح في حجراته ... وهات حديثا ما حديث الرواحل\nعلى أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه «٢»:\nاعلم أنه قد اختلف العلماء في من يستحق اسم المحاربة، فقال ابن عباس وسعيد ابن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور: إن من شهر السلاح في قبة الإسلام وأخاف السبيل، ثم ظفر به، وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله.\nوبهذا قال مالك، وصرح: بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر، أو برية، أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم، دون نائرة «٣»، ولا [ذحل] «٤»، ولا عداوة.\nقال ابن المنذر: اختلف عن مالك في هذه المسألة، فأثبت المحاربة في المصر مرة، ونفى ذلك مرة.\nوروي عن ابن عباس غير ما تقدم، فقال في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا\n_________\n(١) رواه الطبري (١١٨٢٧)، (١١٨٢٨) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٢٠٦، ٢٠٧)، والقرطبي (٦/ ١٥١)، والشوكاني (٢/ ٣٥)، مفاتيح الغيب (٥/ ٦٦٥) .\n(٣) أي من غير هائجة.\n(٤) صحفت إلى (دخل) في المطبوعة، والتصويب من فتح القدير (٢/ ٣٠)، والذحل: الثأر.","vol":"1","page":260},{"text":"مالا، نفوا من الأرض «١» .\nوروي عن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء على اختلاف في الرواية عن بعضهم البعض، وحكاه ابن كثير عن الجمهور «٢» .\nوقال أيضا: وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة.\nقال أبو حنيفة: إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يديه ورجليه وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه.\nوقال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي.\nوقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلّي، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالجزاء به، وإذا قتل قتل، وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب. وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام.\nوقال أحمد: إن قتل قتل، وإن أخذ المال قطعت يده ورجله، كقول الشافعي «٣» .\nولا أعلم لهذه التفاصيل دليلا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله ﵌ إلا ما رواه ابن جرير في «تفسيره»، وتفرّد بروايته فقال:\nحدّثنا عليّ بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية؟ فكتب إليه يخبره: أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين- وهم من بجيلة-، قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. قال أنس:\nفسأل رسول الله ﵌ جبريل عن القضاء فيمن حارب؟ فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقة، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل\n_________\n(١) أورده السيوطي في «الدر» (٣/ ٦٨) وعزاه للشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي. [.....]\n(٢) انظر: القرطبي (٤/ ٢١٤٨، ٢١٤٩) ط. دار الشعب، والأحكام لابن العربي (٢/ ٥٩٠، ٦٠١) وابن كثير (٢/ ٥٣)، مفاتيح الغيب (٥/ ٦٦٧) .\n(٣) وانظر: كفاية الأخيار (ص ٤٨٨)، وجامع الأمهات (ص ٥٢٣) . وغاية المطلب (ص ٤٤٦) .","vol":"1","page":261},{"text":"الفرج الحرام فاصلبه «١» .\nوهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يدرى كيف صحته.\nقال ابن كثير في «تفسيره» «٢» بعد ذكره شيئا من هذه التفاصيل التي ذكرناها ما لفظه: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في «تفسيره»، إن صحّ سنده، ثم ذكره.\nوَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا: هو إما منتصب على المصدرية، أو على أنه مفعول له، أو على الحال بالتأويل: أي مفسدين.\nأَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا: ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا لأنه أحد الأنواع التي خيّر الله بينها.\nوقال قوم: الصلب إنما يكون بعد القتل ولا يجوز أن يصلب قبل القتل، فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب!! ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله في كتابه لعباده.\nأَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ: ظاهره قطع إحدى اليدين، وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هي اليمنى أو اليسرى، وكذلك الرجلان، ولا يعتبر إلا أن القطع من خلاف، إما يمنى اليدين، مع يسرى الرجلين، أو يسرى اليدين، مع يمنى الرجلين. وقيل: المراد بهذا قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط.\nأَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: اختلف المفسرون في معناه: فقال السدي: هو أن يطلب بالخيل والرجل، حتى يؤخذ ويقام عليه الحد، أو يخرج من دار الإسلام هربا «٣» .\nوهو محكيّ عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري، حكاه [الرماني] «٤» في كتابه عنهم.\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه الطبري (١١٨١٦)، (١١٨٥٤) (١١٥٨) بهذا الإسناد فذكره وبنحوه.\nوعلته: عبد الله ابن لهيعة، ضعّف لسوء حفظه. وكذلك يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من أنس، بل ولا من أحد من الصحابة.\n(٢) انظره في (٢/ ٥٣) .\n(٣) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ١٥٢) .\n(٤) صحّفت إلى (الربّاني) والصحيح ما أثبت، وهو أبو الحسن الرماني المفسّر اللغوي المعتزلي له حاشية على سيبويه، وتفسير الجامع الكبير، يوجد منه جزء بمعهد المخطوطات العربية.","vol":"1","page":262},{"text":"وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وبه قال الليث بن سعد «١» .\nوروي عن مالك أن ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره، ويحبس فيه كالزاني. ورجحه ابن جرير والقرطبي «٢» .\nوقال الكوفيون نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها.\nوالظاهر من الآية أنه يطرد من الأرض التي وقع فيها ما وقع، من غير سجن ولا غيره، والنفي قد يقع لمعنى الإهلاك، وليس هو مرادا هنا.\nذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا: الإشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام.\nوالخزي: الذّل والفضيحة.\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) استثنى الله سبحانه التائبين، قبل القدرة عليهم، من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة.\nوالظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، وعليه عمل الصحابة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة. والحق الأول.\nوأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية، كما يدل عليه ذكر قيد: قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا.\nقال القرطبي: وأجمع أهل العلم على أن السلطان وليّ من حارب فإن قتل محارب أخا [امرأ أو أباه في حال] «٣» المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شيء، ولا يجوز عفو وليّ الدم.\n_________\n(١) انظر: ترشيح المستعيدين (ص ٣٨٨) .\n(٢) انظر: جامع الأمهات (ص ٥٢٣)، والقرطبي (٦/ ١٥٢، ١٥٣)، والطبري (٦/ ٢١٧، ٢١٨) .\n(٣) وقع في «المطبوعة» [امرئ وآتاه في حال] وهو خطأ ظاهر، وصوّب من القرطبي (٦/ ١٥٦) .","vol":"1","page":263},{"text":"[الآية العاشرة]\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) .\nلما ذكر الله سبحانه من يأخذ المال جهارا وهو المحارب، عقبه بذكر من يأخذ المال خفية، وهو السارق، فقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان، لأن غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع الأحكام.\nوقد اختلف أئمة النحو في خبر السارق والسارقة: هل هو مقدر أم هو فاقطعوا؟\nفذهب إلى الأول سيبويه وقال: تقديره فيما فرض عليكم، أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما. وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني.\nودخول الفاء لتضمين المبتدأ معنى الشرط. إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت «١» .\nوقرىء وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ بالنصب على تقدير اقطعوا، ورجح هذه القراءة سيبويه. قال: الوجه في كلام العرب النصب كما تقول زيدا اضرب لكن العامة أبت إلا الرفع- يعني عامة القراء «٢» .\nوالسرقة بكسر الراء: اسم الشيء المسروق، والمصدر من سرق يسرق سرقا.\nقاله الجوهري «٣» . وهو: أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه استرق السمع وسارقه النظر.\nوالقطع: معناه الإبانة والإزالة. وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين اثنتين.\nوقد بينت السّنّة المطهرة أن موضع القطع الرسغ «٤» .\n_________\n(١) نقل ذلك القرطبي في «تفسيره» (٤/ ٢١٦٣) ط. دار الشعب، وردّ قول سيبويه بخمسة وجوه الرازي في «مفاتيح الغيب» (٦/ ١٠، ١١، ١٢) .\n(٢) قراءة النصب لعيسى بن عمر كما في «المصادر السابقة» .\n(٣) انظر: الصحاح ومختاره واللسان (سرق) .\n(٤) صحيح: ما ذكره الألباني في «إرواء الغليل» (٨/ ٨١) . وذكر البخاري تعليقا عن الإمام علي أنه-","vol":"1","page":264},{"text":"وقال قوم: يقطع من المرفق.\nوقال الخوارج: من المنكب.\nوالسرقة لا بد أن تكون ربع دينار فصاعدا «١»، ولا بد أن تكون من حرز كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة «٢» .\nوقد ذهب إلى اعتبار ربع الدينار الجمهور، وذهب قوم إلى التقدير بعشرة دراهم، وذهب الجمهور إلى اعتبار الحرز.\nوقال الحسن البصري: إذا جمع الثياب في البيت قطع.\nوقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه وشراح الحديث بما لا يأتي التطويل به هاهنا بكثير فائدة «٣» .\nوقوله: جَزاءً بِما كَسَبا مفعول له، أي فاقطعوا للجزاء، أو مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي مجازاة وهما جزاء، والباء سببية، وما مصدرية، أي: بسبب، أو موصولة، أي: جزاء الذي كسباه من السرقة.\n[الآية الحادية عشرة]\nسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) .\nفَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فيه تخيير لرسول الله ﵌، بين الحكم بينهم والإعراض عنهم.\n_________\nقطع من الكفّ (١٢/ ٩٦) وقال الحافظ: وصله الدارقطني. [.....]\n(١) رواه البخاري (١٢/ ٩٦)، ومسلم (١١/ ١٨) عن عائشة مرفوعا.\n(٢) ما رواه البيهقي في «الكبرى» (٨/ ٢٦٣) بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سئل رسول الله ﷺ في كم تقطع اليدين فقال: «لا تقطع اليد في ثمر معلّق، فإذا ضمّه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريشة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن» .\n(٣) انظر في ذلك: جامع الأمهات (ص ٥١٩، ٥٢٢)، غاية المطلب (ص ٤٤٢، ٤٤٦)، الروضة الندية (٢/ ٢٧٦، ٢٨٠)، ترشيح المستفيدين (ص ٣٨٤، ٣٨٦)، كفاية الأخيار (ص ٤٨٣، ٤٨٧) .","vol":"1","page":265},{"text":"وقد استدل به على أن حكّام المسلمين مخيرون بين الأمرين.\nوقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم.\nواختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم: فذهب قوم إلى التخيير، وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٩]، وبه قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي، وهو الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء «١» .\n[الآية الثانية عشرة]\nإِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) ... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) .\n... وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) .\nوَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لفظ (من) من صيغ العموم، وتفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة، بل لكل من ولي الحكم. وقيل: إنها مختصة بأهل الكتاب «٢» .\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٢٤٢، ٢٤٤)، والقرطبي (٦/ ١٨٤، ١٨٥)، مفاتيح الغيب (٦/ ٢٣، ٢٥)، معاني الزجاج (٢/ ١٩٢)، والنكت (١/ ٤٦٦)، وزاد المسير (٢/ ٣٥٨)، ولباب النقول (٩٢)، والمفردات للرّاغب (سحت ٣٣٠) .\nواختلف العلماء في هذه الآية أمنسوخة هي أم محكمة؟ ينظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (١٢٨)، والإيضاح لمكي (٢٣٤)، والنكت للماوردي (١/ ٤٦٨) . والمصفّى لابن الجوزي (٢٠٤)، وزاد المسير (٢/ ٣٦١)، والقرطبي (٦/ ١٨٥)، والدر المنثور (٢/ ٢٨٤)، والبصائر للفيروزآبادىّ (١/ ١٨٠)، وابن العربي (٢/ ٢٠١) .\n(٢) انظر: زاد المسير (٢/ ٣٦٦)، وابن كثير (٢/ ٥٩) .","vol":"1","page":266},{"text":"وقيل: بالكفار مطلقا، لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة.\nوقيل: هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافا أو استحلالا أو جحدا. والإشارة بقوله: فَأُولئِكَ إلى مِنْ والجمع باعتبار معناها، وكذلك ضمير الجماعة في قوله: هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) .\nوأخرج [الفريابي] وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس في قوله تعالى هذا قال: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه وإنه ليس كفرا ينقل من الملة بل كفر دون كفر» .\nوأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن [عطاء] بن أبي رباح في قوله تعالى هذا.\nوقوله: هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)، هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧)، قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق «٢» .\n[الآية الثالثة عشرة] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) .\nوَكَتَبْنا: معناه فرضنا.\nعَلَيْهِمْ فِيها: أي في التوراة.\nأَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ: بيّن الله سبحانه في هذه الآية فرضه على بني إسرائيل من القصاص، في النفس والعين والأنف والأذن والسن والجروح.\nوقد استدلّ أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا: إن المسلم يقتل\n_________\n(١) انظر: السلسلة الصحيحة للألباني (٢٥٥٢) وصحّف الفريابي إلى العرماني وهو خطأ واضح، والفريابي هو أبو جعفر صاحب كتاب الذكر والقدر وفضائل القرآن وجزء أحاديث الطعام.\n(٢) انظر أقوال أهل العلم في المسألة وترجيح قول ابن عباس، وهو الصواب والله أعلم.\nفي فتح القدير (٢/ ٤٥)، الدر المنثور (٣/ ٨٧)، والقرطبي (٤/ ٢١٨٧، ٢١٨٨) ط. الشعب، ومفاتيح الغيب للرازي (٦/ ٣٣، ٣٥) .","vol":"1","page":267},{"text":"بالذمي لأنه نفس، وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع لنا.\nوقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة: ١٧٨] ما فيه كفاية.\nوقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا: هل يلزمنا أم لا؟؟ فذهب الجمهور إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو الحق.\nوقد ذكر ابن الصباغ في «الشامل» إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلّت عليه.\nقال ابن كثير في «تفسيره»: وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة. انتهى.\nوقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في شرحه على «المنتقى» وغيره في غيره «١» .\nوفي هذه الآية توبيخ لليهود، وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة- كما حكاه هنا- ويفاضلون بين الأنفس، كما سبق بيانه، وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني قريظة، ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير.\nوَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ الظاهر من النظم القرآني، أن العين إذا فقئت، حتى لم يبق فيها مجال للإدراك، أنها تفقأ عين الجاني بها.\nوَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ: أي إذا جدعت جميعها فإنها يجدع أنف الجاني بها.\nوَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ: إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها. وكذلك وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ.\nفأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين، أو ببعض الأنف، أو ببعض الأذن، أو ببعض السن، فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص.\n_________\n(١) انظر في تحقيق المسألة: الطبري (٦/ ١٣٣)، النكت والعيون (١/ ٤٦١)، زاد المسير (٢/ ٣٤٥)، القرطبي (٦/ ١٥٠)، والتمهيد للأسنوي (ص ٤٤١)، وابن كثير (٢/ ٤٨)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (١/ ١٥٣) . ونيل الأوطار شرح منتقى الأخيار (٧/ ١٦٠)، وما بعدها، والروضة النّدية (٢/ ٣٠٠، ٣٠٢) .","vol":"1","page":268},{"text":"وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته وكلامهم مدون في كتب الفروع. والظاهر من قوله: وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات، وأنه يؤخذ بعضها ببعض، ولا فضل لبعضها على بعض، وإليه ذهب أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر.\nوخالف في ذلك عمر بن الخطاب ﵁ ومن تبعه. وكلامهم مدون في مواطنه ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجني عليه، فإن كانت ذاهبة فما يليها.\nوَالْجُرُوحَ قِصاصٌ أي ذوات قصاص.\nوقد ذكر أهل العلم، أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف، ولا فيما كان لا يعرف مقداره عمقا أو طولا أو عرضا.\nوقد قدّر أئمة الفقه أرش «١» كل جراحة بمقادير معلومة، وليس هذا موضع بيان كلامهم، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر.\nفَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ: أي من تصدق من المستحقين للقصاص بالقصاص، بأن عفا عن الجاني، فهو كفارة للمتصدق، يكفر الله عنه به ذنوبه.\nوقيل: إن المعنى هو كفارة للجارح، فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه، والأول أرجح لأن الضمير يعود- على هذا التفسير الآخر- إلى غير مذكور.\n[الآية الرابعة عشرة]\nوَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) .\n_________\n(١) الأرش هو: الدّية.","vol":"1","page":269},{"text":"فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ: أي بما أنزله إليك في القرآن، لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه.\nوَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ: أي أهواء أهل الملل السابقة.\nعَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ متعلق بلا تتبع، على تضمينه معنى لا تعدل أو لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم. وقيل: متعلق بمحذوف، أي لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق.\nوفي النهي له ﵌ عن أن يتبع أهواء أهل الكتاب، ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه، وأدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلا منسوخا أو محرفا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم «١» ونحوه مما حرفوه من كتب الله.\n[الآية الخامسة عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ: الطيبات: هي المستلذات مما أحله الله لعباده، نهى الله الذين آمنوا عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا منها، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله، وتقربا إليه، وأنه من الزهد في الدنيا، وقمع النفس عن شهواتها، أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله لهم، كما يقع من كثير من العوام من قولهم: حرام عليّ، وحرمته على نفسي، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني.\nقال ابن جرير الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح. ولذلك رد النبي ﵌ التبتل على عثمان بن مظعون «٢»، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله لعباده، وأن\n_________\n(١) حديث تحريف اليهود لآية رجم الزاني والزّانية رواه البخاري (٦/ ٦٣١)، (١٢/ ١٦٦)، ومسلم (١١/ ٢٠٨، ٢٠٩) عن عبد الله بن عمر مرفوعا.\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ١١٧)، ومسلم (٩/ ١٧٦، ١٧٧) .","vol":"1","page":270},{"text":"الفضل والبر، إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله ﵌، وسنّة لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد ﵌.\nفإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشّعر والصوف على لباس القطن والكتان، إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء.\nقال: فإن ظنّ ظانّ، أن الفضل في غير الذي قلنا، لأن في لباس الخشن وأكله، من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة طاعة فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه، وعونه لها على طاعة ربها، فلا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة، لأنها مفسدة لعقله، ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته.\n[الآية السادسة عشرة]\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) .\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ: قد تقدم تفسير اللغو والخلاف فيه، في سورة البقرة «١» .\nفِي أَيْمانِكُمْ صلة يُؤاخِذُكُمُ. قيل: و(في) بمعنى (من) .\nوالأيمان: جمع يمين.\nوفي الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها، ولا تجب فيها الكفارة. وقد ذهب الجمهور من الصحابة، ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل: لا والله! وبلى والله في كلامه، غير معتقد لليمين، وبه فسّر الصحابة الآية، وهم أعرف بمعاني القرآن.\n_________\n(١) انظر ما سبق من تفسير سورة البقرة آية (٢٢٥) .","vol":"1","page":271},{"text":"قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة.\nوَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ والعقد على ضربين: حسّي كعقد الحبل، وحكمي كعقد البيع واليمين، فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أو لا يفعلن في المستقبل، أي ولكن يؤاخذكم بأيمانكم المعقدة، الموثقة بالقصد والنية، إذا حنثتم فيها.\nوأما اليمين الغموس فهي يمين مكر وخديعة وكذب قد باء الحالف بإثمها وليست بمعقودة ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور.\nوقال الشافعي: هي يمين معقودة لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة غير مقرونة باسم الله، والراجح الأول، وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين موجهة إلى المعقودة، ولا يدل شيء منها على الغموس بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب، وأنها من الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران: ٧٧] الآية.\nفَكَفَّارَتُهُ: هي مأخوذة من التكفير، وهو التستر وكذلك الكفر: هو الستر، والكافر هو الساتر، لأنها تستر الذنب وتغطيه، والضمير في كفارته راجع إلى ما في قوله: بِما عَقَّدْتُمُ.\nإِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ: المراد بالوسط هنا: المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير، وليس المراد به الأعلى- كما في غير هذا الموضع- أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه، ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه، وظاهره أنه يجزىء إطعام عشرة حتى يشبعوا.\nوقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لا يجزىء إطعام العشرة غداء دون عشاء، حتى يغديهم ويعشيهم.\nقال ابن عمر: هو قول أئمة الفتوى بالأمصار.\nوقال الحسن البصري وابن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة، خبزا وسمنا، أو خبزا ولحما.","vol":"1","page":272},{"text":"وقال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبو قلابة ومقاتل: يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من برّ أو تمر.\nوروي ذلك عن عليّ ﵇.\nوقال أبو حنيفة: نصف صاع بر، وصاع مما عداه.\nوقد أخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس قال: كفّر رسول الله ﵌ بصاع من تمر، [وأمر] «١» الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر.\nوفي إسناده عمر بن عبد الله الثقفي وهو مجمع على ضعفه.\nوقال الدارقطني: متروك «٢» .\nأَوْ كِسْوَتُهُمْ: عطف على إطعام، قرىء بضم الكاف وكسرها، وهما لغتان مثل أسوة وإسوة.\nوالكسوة في الرجال: نصف على ما يكسو البدن ولو كان ثوبا واحدا، وهكذا في كسوة النساء، وقيل: الكسوة للنساء درع وخمار، وقيل: المراد بالكسوة ما تجزىء به الصلاة.\nأَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ: أي إعتاق مملوك.\nوالتحرير: الإخراج من الرّق. ويستعمل التحرير في فك الأسير، وإعفاء المجهود بعمل عن عمله، وترك إنزال الضرر به، ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي تجزىء في الكفارة، وظاهر هذه الآية أنها تجزىء كل رقبة على أي صفة كانت! وذهب جماعة منهم الشافعي، إلى اشتراط الإيمان فيها قياسا على كفارة القتل.\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ: أي من لم يجد شيئا من الأمور المذكورة، فكفارته صيام ثلاثة أيام، وقرىء متتابعات، حكي ذلك عن ابن مسعود وأبيّ، فتكون\n_________\n(١) ما بين [] حرّف إلى (وكفر) والتصويب من سنن ابن ماجة.\nوالأثر رواه ابن ماجة (٢١١٢)، وقال البوصيري: في إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى، ضعيف.\n(٢) انظره في «الضعفاء والمتروكين» (٣٧٦) له. [.....]","vol":"1","page":273},{"text":"هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم، وبه قال أبو حنيفة [والثوري] «١»، وهو أحد قولي الشافعي.\nوقال مالك والشافعي- في قوله الآخر: يجزىء التفريق.\nذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ: أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حنثتم.\nوَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ: أمرهم بحفظ الأيمان، وعدم المسارعة إليها والحنث بها «٢» .\n[الآية السابعة عشرة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: خطاب لجميع المؤمنين.\nإِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ: وقد تقدم الميسر في البقرة.\nوَالْأَنْصابُ: هي الأصنام المنصوبة للعبادة.\nوَالْأَزْلامُ: قد تقدم تفسيرها في هذه السورة.\nرِجْسٌ: يطلق على العذرة والاقذار، وهو خبر الخمر، وخبر المعطوف عليه محذوف.\nمِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ: صفة لرجس، أي كائن من عمل الشيطان، بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له. وقيل: هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه، فاقتدى به بنو آدم، والضمير في:\nفَاجْتَنِبُوهُ، راجع إلى الرجس أو إلى المذكور.\nلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) علة لما قبله.\nقال في «الكشاف» «٣»: أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد، منها تصدر\n_________\n(١) صحّفت إلى (الصوري) بالصاد وهو خطأ واضح.\n(٢) انظر في تحقيق مسألة الأيمان: تفسير الطبري (٦/ ١٧، ٢١)، القرطبي (٦/ ٢٧٧)، وفتح القدير (٢/ ٧٢)، والدر المنثور (٧/ ١٥١)، مفاتيح الغيب (٦/ ١٢٠، ١٢٧)، الرّوضة النّدية (٢/ ١٧٣، ١٧٤) .\n(٣) للزمخشري (١/ ٦٤١، ٦٤٢) .","vol":"1","page":274},{"text":"الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله ﵌: «شارب الخمر كعابد الوثن» «١»، ومنها أنه جعلهما رجسا كما قال: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠] ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحا كان الارتكاب خيبة ومحقة، ومنها أنه ذكر ما ينتج فيهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلوات. انتهى.\nوهذه الآية دليل على تحريم الخمر، لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب وتحريم الصد، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس، فضلا عن جعله شرابا يشرب.\nقال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة، لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم، فأول ما نزل في أمرها:\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة: ٢١٩]، فترك عند ذلك بعض المسلمين شربها، ولم يتركه آخرون، ثم نزل قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى [النساء: ٤٣]، فتركها البعض أيضا، وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة حتى نزلت هذه الآية إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...، فصارت حراما عليهم حتى كان يقول بعضهم: ما حرّم الله شيئا أشدّ من الخمر وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها، وأنها من كبائر الذنوب «٢» .\nوقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعا لا شك فيه ولا شبهة.\nوأجمعوا أيضا على تحريم بيعها، والانتفاع بها، ما دامت خمرا «٣» .\n_________\n(١) صحيح: رواه أبو عبيد القاسم بن سلّام في «الإيمان» (١١٦) .\n(٢) انظر بعض الأحاديث الصحيحة الدّالة على ذلك في «الترغيب والترهيب» للمنذري (٣/ ١٩٧، ٢١٢)، وصحيح الجامع للألباني (٦٣٠٩)، (٦٣١٣) .\n(٣) حديث صحيح: ما رواه الترمذي (١/ ٢٤٣)، وابن ماجة (٣٣٨١) عن أنس مرفوعا قوله ﵌:\n«لعن رسول الله في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري له» .","vol":"1","page":275},{"text":"وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر، دلّت أيضا على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام.\nوقد رويت في سبب النزول روايات كثيرة موافقة لما ذكرناه «١» .\nوقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها، والوعيد الشديد عليه، وأن كل مسكر حرام «٢»، وهي مدونة في كتب الحديث فلا نطول المقام بذكرها، وقد بسطنا الكلام عليها في شرحنا «مسك الختام لبلوغ المرام» فليرجع إليه «٣» .\n[الآية الثامنة عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ: هذا النهي شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم لأنه يقال: رجل حرام وامرأة حرام، والجمع حرم، وأحرم الرجل:\nدخل في الحرم.\nوَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا: المتعمد هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام.\nوالمخطئ: هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا.\nوالناسي: هو الذي يعتمد الصيد ولا يذكر إحرامه.\nوقد استدل ابن عباس وأحمد- في رواية عنه- وداود باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة على غيره، بل لا تجب إلا عليه وحده، وبه قال سعيد بن جبير وطاووس وأبو ثور.\n_________\n(١) رواه ابن جرير (٧/ ٣٤)، والحاكم (٤/ ١٤٢)، والبيهقي (٨/ ٢٨٦)، وقال الهيثمي (٧/ ١٨):\nرواه الطبراني ورجاله رجال صحيح.\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (٦/ ١٠٠، ١٠١)، وأبو داود (٣٦٧٩)، والنسائي (٢/ ٣٢٥)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٢٩) .\n(٣) وانظر: ابن قتيبة (١٤٦)، النكت (١/ ٤٨٥)، وزاد المسير (٢/ ٤٢٠)، والزجاج (٢/ ٢٢٧)، والقرطبي (٦/ ٣٠٠)، ابن كثير (٢/ ٩٧) .","vol":"1","page":276},{"text":"وقيل: إن الكفارة تلزم المخطئ والناسي كما تلزم المتعمد وجعلوا قيد التعمد خارجا مخرج الغالب، روي عن عمر والحسن والنخعي والزهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن ابن عباس.\nوقيل: إنه يجب التكفير على العامد والناسي لإحرامه، وبه قال مجاهد. قال: فإن كان ذاكرا لإحرامه فقد حل، ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة، أو أحدث فيها.\nفَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ: أي فعليه جزاء مماثل لما قتله- ومن النعم: بيان للجزاء المماثل.\nقيل: المراد بالمماثلة المماثلة في القيمة، وقيل: في الخلقة. وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة، وذهب إلى الثاني مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو الحق لأن البيان للمماثل بالنعم يفيد ذلك، وكذلك يفيده هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ.\nوروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة، ولو وجد المثل، وأن المحرم مخير، وقرىء: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ، وقرىء: فَجَزاءٌ مِثْلُ على إضافة جزاء إلى مثل «١» .\nيَحْكُمُ بِهِ: أي بالجزاء أو بمثل ما قتل.\nذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ: أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا حكما بشيء لزم، وإن اختلفا رجع إلى غيرهما.\nولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، وقيل: يجوز.\nوبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي- في أحد قوليه- وظاهر الآية يقتضي حكمين غير الجاني.\nهَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ: نصب هديا على الحال أو البدل من «مثل»، وبالغ الكعبة\n_________\n(١) قال أبو منصور: «قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «فجزاء مثل ما» مضافا، وقرأ الباقون «فجزاء مثل ما» منونا» .\nوقال: من قرأ (فجزاء مثل) فعلى الإضافة والمضاف إليه مكسور، وممن قرأ (فجزاء مثل ما) جعل (مثل) نعتا للجزاء والمعنى: فعليه جزاء مثل ما قتل من النّعم. (معاني القراءات ص ١٤٥) بتحقيقنا ط. دار الكتب العلمية- بيروت.","vol":"1","page":277},{"text":"صفة لهدي، لأن الإضافة غير حقيقة.\nوالمعنى أنهما إذا حكما بالجزاء، فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة، والنحر هنالك، والإشعار والتقليد. ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها.\nوإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا.\nأَوْ كَفَّارَةٌ: معطوف على محل من النعم، وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف.\nطَعامُ مِسْكِينٍ: عطف بيان لكفارة أو بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف.\nأَوْ عَدْلُ ذلِكَ: معطوف على طعام، وقيل: هو معطوف على جزاء، وفيه ضعف! والجاني غير مخير بين هذه الأنواع المذكورة، وعدل الشيء: ما عادله من غير جنسه.\nصِيامًا: منصوب على التمييز.\nوقد قدّر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام، وقد ذهب إلى أن الجاني مخيّر بين هذه الأنواع المذكورة جمهور العلماء.\nوروي عن ابن عباس أنه لا يجزىء المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدي.\nوالعدل بفتح العين وكسرها، لغتان وهما المثل، قاله الكسائي.\nوقال الفرّاء: عدل الشيء، بكسر العين: مثله من جنسه، وبفتح العين: مثله من غير جنسه. ومثل قول الكسائي قال البصريون «١» .\n[الآية التاسعة عشرة] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) .\n_________\n(١) في تفسير وتحقيق الأقوال لهذه الآية انظر: زاد المسير (٢/ ٤٢٢، ٤٢٥)، القرطبي (٦/ ٣٠٥، ٣١٥)، ابن كثير (٢/ ١٠٠) مفاتيح الغيب (٦/ ١٣٧، ١٥١)، وجامع الأمهات (ص ٢١٥، ٢١٦)، وغاية المطالب (ص ١٣١، ١٣٢)، كفاية الأخيار (ص ٢٢٣)، الروضة النّدية للمصنف (١/ ٢٥٥) . والناسخ والمنسوخ للقاضي ابن العربي (٢/ ٢٠٤) .","vol":"1","page":278},{"text":"أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ: الخطاب لكل مسلم، أو للمحرمين خاصة.\nوصيد البحر: ما يصاد فيه.\nوالمراد بالبحر هنا: كل ماء يوجد فيه صيد بحري، وإن كان بئرا أو غديرا.\nوَطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ: الطعام اسم لكل ما يطعم، وقد تقدم. وقد اختلف في المراد به هنا، فقيل: هو ما قذف به البحر وطفا عليه، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين. وقيل: طعامه ما ملح منه وبقي، وبه قال جماعة، وروي عن ابن عباس.\nوقيل: طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه سائر ما فيه من النبات وغيره، وبه قال قوم.\nوقيل: المراد به ما يطعم من الصيد، أي ما يحل أكله، وهو السمك فقط، وبه قالت الحنفية.\nوالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم المأكول منه وهو السمك فيكون كالتخصيص بعد التعميم، وهو تكلف لا وجه له. ونصب متاعا على أنه مصدر، أي متّعتم به متاعا، وقيل: مفعول به مختص بالطعام، أي أحل لكم طعام البحر متاعا، وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير بل إذا كان مفعولا له كان من الجميع، أي أحل لكم مصيد البحر وطعامه تمتيعا لكم، أي لمن كان مقيما منكم يأكله طريا. وللسيارة أي المسافرين منكم، يتزودونه، ويجعلونه قديدا. وقيل: السيارة:\nهم الذين يركبونه خاصة.\nوَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا أي حرم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم محرمين، وظاهره تحريم صيده على المحرم ولو كان المصيد حلالا، وإليه ذهب الجمهور، إن كان الحلال صاده للحرم، لا إذا كان لم يصده لأجله، وهو القول الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث، وقيل: إنه يحل مطلقا، وإليه ذهب جماعة، وقيل:\nيحرم عليه مطلقا، وإليه ذهب آخرون.\nوقد بسط الشوكاني هذا في «شرحه للمنتقى» «١» .\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار (٥/ ٨٦، ٩٣)، باب منع المحرم من أكل لحم الصيد إلا إذا لم يصد لأجله، ولا أعان عليه.","vol":"1","page":279},{"text":"[الآية العشرون]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: أي ألزموا أنفسكم واحفظوها. كما تقول:\nعليك زيدا أي الزمه.\nلا يَضُرُّكُمْ: قرىء بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدل عليه اسم الفعل.\nوقرأ نافع بالرفع على أنه مستأنف، أو على أن ضم الراء للاتباع. وقرىء بكسر الضاد. وقرىء: لا يضيركم «١» .\nمَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ: يعني لا يضركم ضلال من ضل من الناس إذا اهتديتم للحق أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن من تركه- مع كونه من أعظم الفروض الدينية- فليس بمهتد، وقد قال الله سبحانه: إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.\nوقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبا مضيقا متحتما فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررا يسوغ له معه الترك.\nإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.\nوقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي- وصححه- والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني، وأيضا في «المختارة» وغيرهم عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ\n_________\n(١) انظر الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢٠٤، ٢٠٧)، والأحكام له (٢/ ٧٠٢)، والطبري (٧/ ٧٥)، القرطبي (٤/ ٢٣٣٩) ط. دار الشعب، مفاتيح الغيب (٦/ ١٦٩، ١٧٢) .","vol":"1","page":280},{"text":"وإنكم تضعونها في غير مواضعها!! وإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» «١» .\nوأخرج الترمذي- وصححه- وابن ماجه وابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم- وصححه- وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن أبي أمية [الشعباني] قال: «أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﵌، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» «٢» .\nوفي رواية عن عامر الأشعري في هذه الآية، قال رسول الله ﵌: «أين ذهبتم؟! إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم»، رواه أحمد والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه «٣» .\nوأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه أحمد في «المسند» (١/ ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣)، وأبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، (٣٠٥٧)، وابن ماجة (٤٠٠٥)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٦٦٧، ٦٦٨)، والحميدي (٣) وابن جرير (١٢٨٧٦)، (١٢٨٧٨)، وابن حبان (٣٠٤)، (٣٠٥)، والطحاوي في «المشكل» (٢/ ٦٢، ٦٤)، عن أبي بكر الصديق مرفوعا. [.....]\n(٢) إسناده ضعيف: رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجة (٤٠١٤)، والبغوي في «شرح السنة» (١٤/ ٣٤٧، ٣٤٨)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٢٠)، (٥٨٧)، وابن جرير (١٢٨٦٢)، (١٢٨٦٣)، وأبو نعيم (٢/ ٣٠)، والطحاوي في «المشكل» (٢/ ٦٤، ٦٥)، والبيهقي في «السنن» (١٠/ ٩٢) وقال أبو عيسى: حسن غريب.\nوالشعباني: حرّفت إلى الشيباني في «المطبوعة» وهو خطأ.\n(٣) حديث صحيح: رواه أحمد (٤/ ١٢٩، ٢٠١، ٢٠٢)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣١٧)، (٧٩٩) عن أبي عامر الأشعري مرفوعا.\nوقد قال الهيثمي (٧/ ١٩): «رجالهما ثقات إلا أني لم أجد لعليّ بن مدرك سماعا من أحد من الصحابة» .\nقلت: بل سمع من أبي مسعود البدري وعامر ومن غيرهما كما في «ثقات ابن حبان» (٣/ ١٨٠) .","vol":"1","page":281},{"text":"والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ قال: يا أيها الناس إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان، تأمرون بالمعروف، فيصنع بكم كذا وكذا- أو قال: فلا يقبل منكم-، فحينئذ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... الآية «١» .\nوفي لفظ عنه قال: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف فإذا كان كذلك فعليكم أنفسكم» «٢» .\nوأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر أنه قال: في هذه الآية: إنها لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم «٣» .\nوأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله ﵌ فقال نبي الله: «لم يجىء تأويلها لا يجىء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم ﵇» «٤» .\nوالروايات في هذا الباب كثيرة. وفيما ذكرنا كفاية، ففيه ما يرشد إلى ما قدمناه من الجميع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه الطبري في «تفسيره» (١٢٨٤٨)، (١٢٨٤٩)، (١٢٨٥٠)، (١٢٨٥٥)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٢٢١)، (٩٠٧٢) .\nوقال الهيثمي (٧/ ١٩): «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الحسن البصري لم يسمع من ابن مسعود، والله أعلم» .\n(٢) إسناده ضعيف جدا: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٤/ ١٦٥٦)، عن ابن مسعود. وعلته:\nجويبر بن سعد قال ابن حيان فيه: يروي عن الضحاك أشياء مقلوبة، قد رواه عن الضحاك، وهو كثير الإرسال.\n(٣) إسناده ضعيف: رواه الطبري (١٢٨٥١) . وعلته: الربيع بن صبيح السعدي، ضعّفه النسائي وابن معين والحافظ ابن حجر.\n(٤) أورده السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٢١٧) وعزاه لابن مردويه فقط.","vol":"1","page":282},{"text":"[الآيات: الحادية والثانية والثالثة والعشرون] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: قال مكيّ: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابا، ومعنى، وحكما.\nقال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها وذلك بين من كتابه﵀- يعني من كتاب مكي.\nقال القرطبي «١»: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا.\nقال السعد في حاشيته على «الكشاف»: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا، ونظما، وحكما.\nشَهادَةُ بَيْنِكُمْ: إضافة الشهادة في البين توسعا لأنها جارية بينهم وقيل: أصله شهادة ما بينكم، فحذفت (ما) أو أضيفت إلى الظرف كقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [سبأ: ٣٣]، ومنه قوله تعالى: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] .\nقيل: والشهادة هنا بمعنى الوصية، وقيل: بمعنى الحضور للوصية.\nوقال ابن جرير الطبري «٢»: هي هنا بمعنى اليمين، فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان. واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكما يجب فيه على الشاهد يمين.\nواختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية، واختار أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود.\n_________\n(١) انظره في تفسيره (٦/ ٣٤٦) .\n(٢) انظره في «جامع البيان» له (٧/ ١٠٢) .","vol":"1","page":283},{"text":"وإِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ: ظرف للشهادة، والمراد إذا حضرت علاماته، لأن من مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للاهتمام، ولكمال تمكن الفاعل عند النفس.\nحِينَ الْوَصِيَّةِ: ظرف لحضر، أو للموت، أو بدل من الظرف الأول.\nاثْنانِ: خبر شهادة على تقدير محذوف، أي شهادة اثنين، أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف، أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان، على تقدير أن يشهد اثنان. ذكر الوجهين أبو علي الفارسي.\nذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ: صفة للاثنين، وكذا منكم، أي كائنان منكم، أي من أقاربكم.\nأَوْ آخَرانِ معطوف على اثنان.\nومِنْ غَيْرِكُمْ صفة له، أي كائنان من الأجانب. وقيل: إن الضمير في مِنْكُمْ للمسلمين وفي غَيْرِكُمْ للكفار، وهو الأنسب بسياق الآية وبه قال أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وغيرهما.\nفيكون في الآية، دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر، في خصوص الوصايا، كما يفيده النظم القرآني ويشهد له سبب النزول «١»، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين، فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته، حلفا بعد العصر أنهما ما كذبا ولا بدّلا، وأن ما شهدا به حق، فيحكم به حينئذ بشهادتهما.\nفإن [عثر] «٢» بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا، حلف رجلان من أولياء الموصي وغرّم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوهما، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيد السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل.\n_________\n(١) صحيح: رواه البخاري (٦/ ٣٣٩)، والترمذي (٤/ ١٠١)، وأبو داود (٣/ ٣٣٧)، وابن جرير (٧/ ١٥)، والبيهقي (١٠/ ١٦٥) .\n(٢) حرّف في «المطبوعة» إلى (عنته) وهو خطأ واضح، وصوّبنا من «فتح القدير» (٢/ ٨٦) .","vol":"1","page":284},{"text":"وذهب إلى الأول- أعني تفسير ضمير (منكم) بالقرابة أو العشيرة، وتفسير من (غيركم) بالأجانب- الزهري والحسن وعكرمة.\nوذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء، إلى أن الآية منسوخة! واحتجوا بقوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول.\nوخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ.\nوأما قوله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، وقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فهما عامّان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحال الضرب في الأرض، وبالوصية، وبحالة عدم الشهود المسلمين ولا تعارض بين عام وخاص.\nإِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ: فاعل فعل محذوف يفسره ضَرَبْتُمْ، أو مبتدأ وما بعده خبره. والأول مذهب الجمهور من النحاة، والثاني مذهب الأخفش والكوفيين.\nوالضرب في الأرض: هو السفر.\nفَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ: معطوف على ما قبله، وجوابه محذوف، أي إن ضربتم في الأرض، فنزل بكم الموت، وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهودا عليها مسلمين، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم، وبما تركتم، فارتابوا في أمرهم، أو ادّعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما.\nويجوز أن يكون استئنافا لجواب سؤال مقدر، كأنهم قالوا: فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة؟ فقال:\nتَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ: إن ارتبتم في شهادتهما. وخص بعد الصلاة، أي صلاة العصر- قاله الأكثر- لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجرا كما في الحديث الصحيح «١»، وقيل: لكونه وقت اجتماع الناس، وقعود الحكام للحكومة، وقيل: صلاة الظهر، وقيل: أي صلاة كانت.\nقال أبو علي الفارسي: يحبسونهما صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٥/ ٤٣)، (١٣/ ٤٢٣، ٤٢٤)، ومسلم (٢/ ١١٦، ١١٧) .","vol":"1","page":285},{"text":"بقوله: إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ.\nوالمراد بالحبس: توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما.\nفَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: معطوف على يحبسونهما، أي يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيات.\nوقد استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقا إذا حصلت الريبة في شهادتهما، وفيه نظر لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو بوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها.\nإِنِ ارْتَبْتُمْ: جواب هذا الشرط محذوف، دل عليه ما تقدم كما سبق.\nلا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا: جواب القسم، والضمير في به راجع إلى الله تعالى، والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر فنحلف به كاذبين، لأجل المال الذي ادعيتموه علينا، وقيل: يعود إلى القسم، أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من أعراض الدنيا. وقيل: يعود إلى الشهادة، وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول. أي لا نستبدل بشهادتنا ثمنا.\nقال الكوفيون: المعنى ذا ثمن، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا مبني على أن العروض لا تسمى ثمنا، وعند الأكثر أنها تسمى ثمنا كما تسمى مبيعا.\nوَلَوْ كانَ ذا قُرْبى: أي ولو كان المقسم له، أو المشهود له قريبا، فإنا نؤثر الحق والصدق، ولا نؤثر العرض الدنيوي ولا القرابة. وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبلها عليه، أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمنا.\nوَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ: معطوف على لا نَشْتَرِي داخل معه في حكم القسم، وأضاف الشهادة إلى الله سبحانه، لكونه الآمر بإقامتها، والناهي عن كتمها.\nإِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) .\nفَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا: عثر على كذا: اطلع عليه. يقال: عثرت منه على خيانة، أي اطلعت، وأعثرت غيري عليه. ومنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":286},{"text":"[الكهف: ٢١] . وأصل العثور: الوقوع والسقوط على الشيء.\nوالمعنى أنه إذا اطلع، بعد التحليف، على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا إثما:\nأي استوجبا إثما، إما لكذب في الشهادة، أو اليمين، أو لظهور خيانة.\nقال أبو عليّ الفارسي: الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه.\nيسمّى إثما كما سمّي ما يؤخذ بغير حق مظلمة.\nوقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر.\nفَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما: أي فشاهدان آخران، أو حالفان آخران، فيقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثما، فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق، وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها المستحقان للإثم.\nمِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ: استحق مبني للمفعول في قراءة الجمهور.\nوقرأ علي وأبيّ وابن عباس وحفص على البناء للفاعل. والأوليان- على القراءة الأولى- مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان. كأنه قيل: من هما؟ فقيل هما الأوليان. وقيل: هو بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران.\nوقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: الأوّلين جمع أول على أنه بدل من الّذين، أو من الهاء والميم في عليهم.\nوقرأ الحسن: الأولان، والمعنى على بناء الفعل للمفعول من الذين استحق عليهم الإثم: أي جنى عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم. فالأوليان تثنية أولى والمعنى- على قراءة البناء للفاعل- من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بما كذب الكاذبين، لكونهما الأقربين إلى الميت «١» .\nفالأوليان فاعل استحق، ومفعوله أن تجردوهما للقيام بالشهادة. وقيل: المفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها.\n_________\n(١) انظر توجيه ابن جني للقراءات في هذه الآية من كتابه «المحتسب» (١/ ٢٢٠، ٢٢٢) ط. المجلس الأعلى- القاهرة.","vol":"1","page":287},{"text":"فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: عطف على يقومان، أي فيحلفان بالله.\nلَشَهادَتُنا أي يميننا. فالمراد بالشهادة هنا اليمين، كما في قوله: فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ [النور: ٦] أي يحلفان: لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان.\nأَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما أي من يمينهما على أنهما صادقان أمينان.\nوَمَا اعْتَدَيْنا: أي تجاوزنا الحق في يميننا.\nإِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) إن كنا حلفنا على باطل.\nذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها: أي ذلك البيان الذي قدمه الله سبحانه، في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر، ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار.\nوأَدْنى: أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة على وجهها، فلا تحرفوا، ولا تبدلوا، ولا تخونوا، وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع من كتابه، فالضمير في يأتوا عائد إلى شهود الوصية من الكفار، وقيل: إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم.\nوالمراد تحذيرهم من الخيانة، وأمرهم بأن يشهدوا بالحق.\nأَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ: أي ترد على الورثة فيحلفون على خلاف ما يشهد به شهود الوصية، فيفتضح حينئذ شهود الوصية. وهو معطوف على قوله: أَنْ يَأْتُوا، فتكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم في أحد الأمرين:\nإما احتراز لشهود الوصية عن الكذب والخيانة، فيأتون بالشهادة على وجهها.\nأو يخافوا الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت، فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سببا لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة. وقيل: أن يخافوا معطوف على مقدر بعد الجملة الأولى، والتقدير: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة، أو يخافوا الافتضاح برد اليمين، فأيّ الخوفين وقع حصل المقصود.\nحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز: أن من حضرته علامات الموت","vol":"1","page":288},{"text":"أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهودا مسلمين- وكان في سفره- ووجد كفارا، جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ورثة الموصي حلفا بالله على أنهما شهدا بالحق، وما كتما من الشهادة شيئا، ولا أخفيا مما تركه الميت شيئا، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه، من خلل في الشهادة، أو ظهور شيء من تركه الميت، زعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه، حلف رجلان من الورثة، وعمل بذلك «١» . والله أعلم.\n_________\n(١) انظر في تفسير وتحقيق الأقوال في هذه الآية: التبيان للعكبري (١/ ٢٣١)، الطبري (٧/ ٦٧)، زاد المسير (٢/ ٤٤٣، ٤٥٣)، والزجاج (٢٣٦)، النكت (١/ ٤٩٥)، القرطبي (٦/ ٣٤٦)، وابن كثير (٢/ ١١١)، اللباب (٩٩)، الدر المنثور (٢/ ٣٤١)، مفاتيح الغيب (٦/ ١٧٢، ١٨٢)، الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢٠٧، ٢٠٩)، والأحكام له (٢/ ٧٠٥، ٧٢٥) .","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>سورة الأنعام [مائة وخمس وستون آية]</span>\nمكيّة إلا ست آيات نزلت بالمدينة وهي وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى آخر ثلاث آيات مع اختلاف في العدد «١» .\n[الآية الأولى]\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) .\nوَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار.\nوالمعنى: لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله فيتسبب عن ذلك سبهم الله، عدوانا وتجاوزا عن الحق، وجهلا منهم.\nوفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك، ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به، بل كان واجبا عليه.\n_________\n(١) قال ابن العربي: مكية كلها إلا آيات تسعا نزلت بالمدينة.\nقلت: وذلك على اختلاف الروايات، والآيات التسع المدنيات هي على المشهور [٢٠، ٢٣، ٩١، ٩٣، ١١٤، ١٤١، ١٥١- ١٥٣] وروي عن ابن عباس أنها مكية غير ست آيات منها، فإنها مدنيات (١٥١- ١٥٣) و(٩١) ... وذكر مقاتل نحو هذا وزاد آيتين (٢٠) وروي عن ابن عباس أيضا. وقتادة. وكذلك (١٤١)، وانظر في ذلك: الأحكام لابن العربي (٢/ ٧٢٦)، والناسخ والمنسوخ (٢/ ٢١٠) ومحاسن التأويل (٦/ ٢٢٣٠) . [.....]","vol":"1","page":290},{"text":"قال الشوكاني في «فتح القدير» «١»: وما أنفع هذه الآية، وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله، المتصدين لبيانها للناس، إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات، عنادا للحق، وبغضا لاتباع المحقين، وجرأة على الله، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها، والتجرؤ على أهلها ديدنه، وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة! فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم أشر من الزنادقة، لأنهم يحتجون بالباطل، وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين.\nوالزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام، وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم، ويتم باطلهم وكفرهم، نادرا على ضعيف من ضعفاء المسلمين، مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل. انتهى.\nوقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة، غير منسوخة، وهي أصل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه.\nوقوله: عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) منصوب على الحال، أو على المصدر، أو على أنه مفعول له.\n[الآيتان: الثانية والثالثة]\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) .\nفَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ: قيل إنها نزلت في سبب خاص، كما أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، والبزار وغيرهم، عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى\n_________\n(١) انظره في (٢/ ١٥٠) .","vol":"1","page":291},{"text":"النبي ﵌ فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية «١» .\nولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذبح عليه اسم الله حل، إن كان مما أباح الله أكله.\nوقال عطاء: في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح، وكل مطعوم «٢» .\n[......] «٣» إلى قوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: أي بين لكم بيانا مفصلا يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا [الأنعام: ١٤٥] إلى آخر الآية.\nثم استثنى فقال: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ: أي من جميع ما حرمه الله عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام. وقد تقدم تحقيقه في البقرة «٤» .\n[الآية الرابعة]\nوَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) .\nوَلا تَأْكُلُوا: نهى الله سبحانه عن الأكل:\nمِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، وفيه دليل تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه «٥» .\nوقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب ابن عمر ونافع مولاه، والشعبي وابن\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه أبو داود (٢٨١٩)، والطبري (١٣٨٢٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٤٠) عن ابن عباس فذكره.\nوأورده السيوطي في «الدر» (٨/ ٣٤٦، ٣٤٧) وزاد ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه.\nوعلته في الضعف: عطاء بن السائب، لا يحتج بحديثه إلا ما رواه الثقات عنه قبل اختلاطه.\nوفيه أيضا: عمران بن عيينة وزياد البكائي، ليسا من الثقات.\n(٢) صحيح: رواه ابن جرير في «تفسيره» (١٣٧٩٠) بسند صحيح رجاله ثقات.\n(٣) يبدو من السياق وجود سقط وهو شرح نهاية الآية (١١٨) مع أول الآية (١١٩) .\n(٤) انظر ما سبق من تفسير سورة البقرة آية رقم (١٧٣) .\n(٥) انظر التعليق السابق عند آية (٤) من سورة المائدة.","vol":"1","page":292},{"text":"سيرين، وهو رواية عن مالك وعن أحمد بن حنبل، وبه قال أبو ثور وأبو داود الظاهري، إلى أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية، ولقوله تعالى في آية الصيد: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ [المائدة: ٤] .\nويزيد هذا الاستدلال تأكيدا قوله سبحانه في هذه الآية: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ.\nوقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية، في الصيد وغيره.\nوذهب الشافعي وأصحابه- وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد- إلى أن التسمية مستحبة لا واجبة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح.\nوحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله وهو تخصيص بالآية بغير مخصص.\nوقد روى أبو داود في «المراسيل» «١» أن النبي ﵌ قال: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر»، وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي ﵌: إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سموا أنتم وكلوا» «٢» يفيد أن التسمية عند الأكل تجزىء مع التباس وقوعها عند الذبح.\nوذهب مالك وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهوية أن التسمية إن تركت نسيانا لم تضر، وإن تركت عمدا لم يحل أكل الذبيحة، وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن البصري وأبي مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة بن أبي عبد الرحمن.\nواستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: «المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله» «٣» .\n_________\n(١) إسناده ضعيف: رواه أبو داود في «المراسيل» (٣٧٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٤٠) . وأورده الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ١٨٣)، وقال عن ابن القطان: وفيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد. اه..\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ٦٣٤) .\n(٣) صحيح موقوفا: رواه البيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٣٩) عن ابن عباس مرفوعا.\nورواه عبد الرزاق (٨٥٤٨)، والبيهقي أيضا (٩/ ٢٣٩) .\nقلت: وعلة المرفوع- معقل بن عبيد الله الجزري- صدوق يخطىء.","vol":"1","page":293},{"text":"وهذا الحديث رفعه خطأ وإنّما هو من قول ابن عباس.\nوكذا أخرجه من قوله عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\nنعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: ٢٨٦]، وبقوله ﵌: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» «١» .\nوأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي: «أن رجلا جاء إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل ذبح ونسي أن يسمي؟ فقال النبي ﵌: «اسم الله على كل مسلم»، فهو حديث ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره «٢» .\nوالضمير في قوله: إنه وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ يرجع إلى (ما) بتقدير مضاف، أي وإن أكل ما لم يذكر لفسق، ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، أي فإن الأكل لفسق.\nوقد تقدم تحقيق الفسق «٣» .\nوقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله: وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ، ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقا، بل الفسق الذبح لغير الله.\nويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعا «٤» .\n_________\nأما الموقوف فرجاله ثقات.\n(١) حديث صحيح: رواه الطبراني في «الصغير» (١٠/ ٢٧٠)، والدارقطني في «سننه» (٤/ ١٧٠، ١٧١)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٩٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٥٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٧٢١٩)، والطحاوي في «شرح المعاني» (٣/ ٩٥) عن ابن عباس مرفوعا بنحوه.\n(٢) حديث ضعيف: رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٦/ ٣٨٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٤٠) عن أبي هريرة مرفوعا.\nقلت: وضعفه ابن عدي وكذا البيهقي.\n(٣) وذلك عند تفسير الآية (٣) من سورة المائدة.\n(٤) انظر في تفسير هذه الآية: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢١٤، ٢١٦)، والأحكام له (٢/ ٧٤٠)، الزجاج (٢/ ٣١٦)، ابن قتيبة (١٦١)، النكت (١/ ٥٥٨)، زاد المسير (٣/ ١١٥)، اللباب (١٠٤)، القرطبي (٧/ ٧٧) . [.....]","vol":"1","page":294},{"text":"[الآية الخامسة]\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) .\nوَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قد اختلف أهل العلم: هل هذه محكمة؟ أو منسوخة؟\nأو محمولة على الندب؟ فذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أن الآية محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة والضّغث «١» ونحوهما.\nوذهب ابن عباس ومحمد بن الحنفية والحسن والنخعي وطاووس وأبو الشعثاء، وقتادة والضحاك وابن جريج إلى أن هذه الآية منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير «٢» .\nويؤيده أن هذه الآية مكية وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف.\nوقالت طائفة من العلماء: إن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب.\nوَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١): ومثلها في الأعراف «٣»، أي لا تسرفوا في التصدق.\nوأصل الإسراف في اللغة: الخطأ.\nوفي الفقه: التبذير.\nوقال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله تعالى فهو إسراف، وإن كان قليلا.\nوقيل: هو خطاب للولاة يقال لهم: لا تأخذوا فوق حقكم، وقيل: المعنى: لا تأخذوا الشيء بغير حقه، ولا تضعوه في غير مستحقه.\n_________\n(١) الضغث: القبضة من الحشيش مختلطة الرطب باليابس [اللسان! ضغث] .\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٨/ ٥٩) .\n(٣) عند الآية (٣١) .","vol":"1","page":295},{"text":"[الآية السادسة]\nقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) .\nقُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ: أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحى إليه أي القرآن، وفيه إيذان بأن مناط الحل والحرمة هو الوحي لا مجرد العقل.\nمُحَرَّمًا: غير هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة، وزيد فيها على هذه المحرمات المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة «١» .\nوصحّ عن رسول الله ﵌ تحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير «٢» .\nوتحريم الحمر الأهلية «٣»، والكلاب «٤»، ونحو ذلك.\nوبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات، كما يدل عليه السياق، ويفيده الاستثناء، فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب والسنة، مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات، وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من حيوان وغيره، فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء.\nوقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية، وروي ذلك عن مالك وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه إهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن، وإهمال ما صح عن النبي ﵌ أنه قال بحرمة شيء مثلا، بعد نزول هذه الآية بلا سبب يقتضي ذلك، ولا موجب يوجبه، مع أن\n_________\n(١) تقدّم الكلام عليها في تفسير سورة المائدة آية (٣) .\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ٦٥٧)، (١٠/ ٢٤٩)، ومسلم (١٣/ ٨١، ٨٣)، عن أبي ثعلبة الخشني نحوه.\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٧/ ٤٨١)، ومسلم (١٣/ ٩٠، ٩١)، ابن عمر مرفوعا، وذلك النهي كان في يوم خيبر، وروي عن جمع من الصحابة أيضا.\n(٤) تدخل ضمن تحريم كل ذي ناب من السباع.","vol":"1","page":296},{"text":"التمسك بقول أحد، ولو كان صحابيا، في مقابلة قوله ﵌ من سوء الاختيار وعدم الإنصاف.\nوقوله مُحَرَّمًا: صفة لموصوف محذوف، أي طعاما محرما.\nعَلى أي طاعِمٍ يَطْعَمُهُ: من المطاعم، وفي يَطْعَمُهُ زيادة تأكيد وتقرير لما قبله.\nإِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً: أي ذلك الشيء، أو ذلك الطعام، أو العين، أو الجثة، أو النفس، قرىء بالتحتية والفوقية وقرىء: ميتة، بالرفع على أن يكون تامة.\nأَوْ دَمًا مَسْفُوحًا وهو الجاري، وغير المسفوح معفو عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم.\nوقد حكى القرطبي الإجماع على هذا «١» .\nأَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ: ظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في: فَإِنَّهُ رِجْسٌ، راجع إلى اللحم أو إلى الخنزير.\nوالرجس: النجس، وقد تقدم تحقيقه.\nأَوْ فِسْقًا عطف على لَحْمَ خِنزِيرٍ.\nوأُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: صفة فسق، أي ذبح على الأصنام وغيرها، وسمي فسقا لتوغله في باب الفسق، ويجوز أن يكون فسقا مفعولا له لأهلّ، أي أهلّ به لغير الله فسق على عطف أهلّ على يكون، وهو تكلف لا حاجة إليه.\nفَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ: قد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة فلا نعيده «٢» .\nفَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ: أي كثير المغفرة.\nرَحِيمٌ (١٤٥): أي كثير الرحمة، فلا يؤاخذ المضطر لما دعت إليه ضرورته.\n_________\n(١) انظر تفسيره (٧/ ١٢٤)، ومراتب الإجماع لابن حزم (ص ١٧٢، ١٧٣) .\n(٢) وذلك عند تفسير الآية (١٧٣) من سورة البقرة.\nوانظر في تفسير هذه الآية: المشكل لمكي بن أبي طالب (١/ ٢٩٧)، والزجاج (٢/ ٣٣٠)، والتبيان (١/ ٢٦٤)، والفراء (١/ ٢٦٠)، وزاد المسير (٣/ ١٣٨) .","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>سورة الأعراف [وآياتها مائتان وخمس أو ست آيات]</span>\nهي مكيّة إلا ثمان آيات، وهي قوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ إلى قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ. [قاله] «١» ابن عباس وابن الزبير، وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد «٢» .\nوقال قتادة: آية من الأعراف مدنية: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ وسائرها مكية.\nوقد ثبت أن النبي ﵌ كان يقرأ بها في المغرب، يفرقها في الركعتين «٣» .\n[الآية الأولى]\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) .\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان واردا على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب «٤» .\nوالزينة: ما يتزين به الناس من الملبوس، أمروا بالتزيين عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف «٥» .\n_________\n(١) ما بين [المعقوفين] قال بدون الهاء في «المطبوعة» وهو غير مناسب للسياق، والصواب ما أثبتناه.\n(٢) انظر: الطبري (٨/ ٨٥)، وزاد المسير (٣/ ١٦٤)، الدر المنثور (٣/ ٦٧) .\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٢/ ٢٤٦)، وأبو داود (٨١٢)، والنسائي (٢/ ١٦٩، ١٧٠)، وأحمد في «المسند» (٥/ ٤١٨)، والطبراني (٣٨٩٣)، (٤٨٢٣) عن زيد بن ثابت مرفوعا.\n(٤) فائدة: في سبب نزول هذه الآية انظر: مسلم (١/ ١٦٢)، والطبري (٨/ ١٦٠)، والحاكم (٢/ ٣١٩، ٣٢٠)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٢١٠) .\n(٥) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٣/ ١٨٧)، والطبري (٨/ ١٦٠)، وابن كثير (٢/ ٢١٠)، والدر المنثور (٣/ ٧٨) . [.....]","vol":"1","page":298},{"text":"وقد استدل بالآية على ستر العورة في الصلاة، وإليه ذهب جمهور أهل العلم، بل سترها واجب في كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خاليا، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة «١»، والكلام على العورة وما يجب ستره منها مفصل في كتب الفروع «٢» .\n[الآية الثانية]\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) .\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ الزينة: ما يتزين به الإنسان، من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرو نهي عن التزين بها، والجواهر ونحوها، وما قيل لها الملبوس خاصة فلا وجه له بل هو من جملة ما تشمله الآية، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة، الغالية القيمة، إذا لم يكن مما حرّمه الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة، ولا يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا بينا.\nوهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما مما يأكله الناس، فإنه لا زهد في ترك الطيّب منها، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرّم ذلك على نفسه، أو حرمه على غيره.\n_________\n(١) حديث حسن: رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجة (١٩٢٠)، وأحمد (٥/ ٤٠٣)، والحاكم (٤/ ١٧٩، ١٨٠)، عن بهز بن حكيم عن أبيه مرفوعا، وبهز وأبوه صدوقان. وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(٢) قال ابن حزم: «واتفقوا أن ستر العورة في الصلاة لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض. (مراتب الإجماع ص ٣٤) .\nقال ابن الحاجب: في ستر العورة في الرجل ثلاثة أقوال: السوأتان خاصة، ومن السرّة إلى الركبة، والسرة حتى الركبة، وقيل: ستر جميع البدن واجب. (جامع الأمهات ص ٨٩) .\nقال الحصني: السرة والركبة ليستا من العورة وهو ذلك على الصحيح الذي نصّ عليه الشافعي، انظر: كفاية الأخيار (ص ١١٩) . وكلام المصنف في «الروضة النّدية (ص ٨١، ٨٢)» .\nونيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٦١، ٧٠) .","vol":"1","page":299},{"text":"وما أحسن ما قاله ابن جرير الطبري: لقد أخطأ من آثر لباس الصوف والشعر على لباس القطن، والكتّان مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة «١» .\nوَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ: أي المستلذات من الطعام، وقيل: هو اسم عام كسيا ومطعما.\nقُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: أي أنها لهم بالأصالة والاستحقاق وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة.\nخالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ أي مختصة بهم يوم القيامة، لا يشاركهم فيها الكفار «٢» .\nقرأ نافع خالصة بالرفع، وهي قراءة ابن عباس على أنها خبر بعد خبر، وقرأ الباقون بالنصب على الحال «٣» .\nقال أبو علي الفارسي: ولا يجوز الوقف على الدنيا لأن ما بعدها متعلق بقوله لِلَّذِينَ آمَنُوا حال بتقدير قُلْ هِيَ ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة «٤» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٨/ ١١٣)، وزاد المسير (٣/ ١٨٩)، والنكت والعيون (٢/ ١٩)، ومعاني الفراء (١/ ٣٧٧)، والقرطبي (٧/ ٢٠٠)، والبحر المحيط (٤/ ٢٨٣) .\n(٢) قال ابن الأنباري: هي للذين آمنوا في الدنيا مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة (النكت ٢/ ٥٢، الزاد ٣/ ١٨٩) .\n(٣) قال الأزهري: «من رفع فقال: (خالصة) فهي على أنه خبر بعد خبر، كما تقول: زيد عاقل لبيب، المعنى: قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، أراد جلّ وعزّ أنها حلال للمؤمنين، يعني: الطيبات من الرّزق ويشركهم فيها الكافر، واعلم أنها تخلص للمؤمنين في الآخرة لا يشركهم فيها كافر.\nومن قرأ (خالصة) بالنصب نصبها على الحال، على أن العامل في قوله (في الحياة الدنيا) في تأويل الحال، كأنك قلت: هي ثابتة للمؤمنين مستقرة في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة (معاني القراءات ص ١٧٨) بتحقيقنا- المزيدي- وكذلك الحجة لابن خالويه (ص ٨٤) والإقناع لابن الباذش، والمفتاح للمغربي- بتحقيقنا- أيضا- دار الكتب- بيروت.\n(٤) قال النحاس: «قال الأخفش (قل هي للذين آمنوا لأن المعنى: هي خالصة يوم القيامة) هاهنا تمّ الكلام لأن المعنى: هي خالصة يوم القيامة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، قال أبو جعفر: وهذا شرح حسن، وفي المعنى قول آخر، قال الضحاك وغيره من أهل التأويل أن المعنى: قل هي للذين آمنوا يشاركهم فيها غيرهم في الحياة الدنيا وتخلص يوم القيامة للذين آمنوا، والتمام- كما قال الأخفش- على المعنيين جميعا (القطع والائتناف) بتحقيقنا- دار الكتب العلميّة- بيروت.","vol":"1","page":300},{"text":"[الآية الثالثة]\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) .\nقُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ جمع فاحشة، وهي كل معصية.\nما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ: أي ما أعلن منها وما أستر، وقيل هي خاصة بفواحش الزنا! ولا وجه لذلك.\nوَالْإِثْمَ: يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم، وقيل: هو الخمر خاصة، ومنه قول الشاعر:\nشربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول\nوقد أنكر التخصيص جماعة من أهل العلم، وحقيقته أنه جميع المعاصي.\nوقال الفراء: الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس «١» . انتهى.\nوليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به.\nوَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ: أي الظلم المجاوز للحد، وإفراده بالذكر بعد دخوله فيما قبله لكونه ذنبا عظيما كقوله: وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] .\nوَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا أي وأن تجعلوا لله شريكا، لم ينزل عليكم به حجة، والمراد التهكم بالمشركين لأن الله لا ينزل برهانا بأن يكون غيره شريكا.\nوَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣): بحقيقته، وأن الله قاله، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها.\n[الآية الرابعة]\nوَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)\n_________\n(١) انظر: معاني الفرّاء (١/ ٣٧٧، ٣٨)، وتفسير ابن عطية (٥/ ٤٨٤، ٤٨٥)، وزاد المسير (٣/ ١٩٠)، والطبري (٨/ ١٢٣)، والنكت والعيون (٢/ ٢٥) .","vol":"1","page":301},{"text":"وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن، والإنصات له عند قراءته، لينتفعوا به، ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح.\nقيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام وقيل: هذا خاص بقراءة رسول الله ﵌ للقرآن دون غيره! ولا وجه لذلك، مع أن اللفظ أوسع من هذا، والعام لا يقصر على سببه فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة، وعلى أي صفة، مما يجب على السامع، إلا ما استثنى الذي أنزل عليه القرآن ﵌، كقراءة المأموم الفاتحة خلف إمامه سرا وجهرا، فإنه قد صح في ذلك أخبار شهيرة واضحة، وآثار كثيرة فائحة، توجب تأكد قراءة فاتحة الكتاب، ولزومها للمقتدي، بل صرح غير واحد من أئمة الفقه والحديث المعتبرين بكون ذلك مذهب أكثر الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.\nولم يصح أثر، فضلا عن خبر، صريح في النهي عن الفاتحة خاصة، وإن استدل جماعة من أهل العلم بالعمومات الواردة فلينصف.\nولقد فصلت المرام بعون الله في «مسك الختام» و«الروضة الندية» «١» و«هداية السائل إلى أدلة المسائل» وفيه «إعلام الأعلام بقراءة الفاتحة خلف الإمام» لبعض الأحباب لنا، وهي مختصر نفيس «٢» .\nلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤): أي تنالون الرحمة، وتفوزون بها، بامتثال أمر الله ﷾.\n[الآية الخامسة] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) .\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ: أمره الله سبحانه أن يذكره في نفسه، فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأدعى للقبول.\n_________\n(١) انظر تفصيل كلامه ﵀ في «الروضة الندية»، (١/ ٨٧، ٨٩) ونقل قول ابن قيم في أعلام الموقعين: «وردت النصوص المحكمة الصريحة الصحيحة في تعيين قراءة الفاتحة ...» .\n(٢) انظر: الطبري (٩/ ١٦٤)، ابن كثير (٣/ ٥٤١)، الدر المنثور (٣/ ١٥٦)، وتفسير ابن عطية (٦/ ١٩٦) .","vol":"1","page":302},{"text":"وقيل: المراد بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر الله بها.\nوقال النحاس: لم يختلف في معنى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ أنه الدعاء «١» .\nوقيل: هو خاص بالقرآن، أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبر.\nوتَضَرُّعًا وَخِيفَةً: تنتصبان على الحال.\nوَدُونَ الْجَهْرِ: أي المجهور به معطوف على ما قبله، أي اذكره حال كونك متضرعا وخائفا ومتكلما بكلام هو دون الجهر.\nمِنَ الْقَوْلِ، وفوق السر يعني قصدا بينهما.\nبِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: متعلق ب (اذكر)، أي: أوقات الغدوات والأصائل.\nوالغدو: جمع غدوة.\nوالآصال: جمع أصيل، قاله الزجاج والأخفش، مثل يمين وأيمان، وقيل:\nالآصال جمع [أصل، والأصل] «٢» جميع أصيل، فهو على هذا جمع الجمع. قاله الفرّاء «٣» .\nقال الجوهري «٤»: الأصيل من بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال وأصائل كأنه جمع أصلية، وخص هذين الوقتين لشرفهما، والمراد دوام الذكر لله كما قال تعالى: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) أي عن ذكر الله ﷿.\n_________\n(١) انظر: معاني النحاس (٢/ ١٢٣) .\n(٢) ما بين [المعقوفين] سقط من المطبوعة واستدرك من فتح القدير (٢/ ٢٨١) .\n(٣) انظر: معاني الفراء (١/ ٤١٠)، والزجاج (٢/ ٤٤٨) .\n(٤) انظر: الصحاح (أصل) .","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>سورة الأنفال [وجملة آياتها خمس أو ست أو سبع وسبعون آية]</span>\nصرح كثير من المفسرين بأنها مدنية ولم يستثنوا منها شيئا، وبه قال الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء. وقد روي مثل هذا عن ابن عباس أخرجه النحاس في «ناسخه»، وأبو الشيخ وابن مردويه عنه.\nوفي لفظ تلك سورة بدر، أي نزلت في بدر.\nوكان النبي ﵌ يقرؤوها في صلاة المغرب، كما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن أبي أيوب «١» .\n[الآية الأولى]\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) .\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ: جمع نفل محركا، وهو الغنيمة.\nوأصل النفل: الزيادة وسميت الغنيمة نفلا لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهدين من أجر الجهاد.\nويطلق النفل على معان أخر منها: اليمين، والابتغاء، ونبت معروف.\nوالنافلة: التطوع لكونها زائدة على الواجب.\nوالنافلة: ولد الولد لأنها زيادة على الولد.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه الطبراني في «الكبير» (٢٧٠٢) وأورده الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١١٨) وقال: رجاله رجال الصحيح.\nوكذلك رواه الطبراني أيضا في «الكبير» (٢٨٢٤)، عن زيد بن ثابت مرفوعا.\nوقال الهيثمي (٢/ ١١٨): رجاله رجال الصحيح. [.....]","vol":"1","page":304},{"text":"وكان سبب نزول الآية اختلاف الصحابة ﵃ في يوم بدر، بأن قال الشبان: هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردءا لكم تحت الرايات، فنزع الله ما غنموه من أيديهم، وجعله الله والرسول، فقال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أي حكمها مختص بهما، يقتسمها بينكم رسول الله ﵌ عن أمر الله سبحانه، فقسمها رسول الله ﵌ بينهم على السواء.\nرواه الحاكم في «المستدرك» «١»، وليس لكم حكم في ذلك.\nوقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله ﵌ خاصة، ليس لأحد فيها شيء حتى نزول قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: ٤١] الآية، فهي على هذا منسوخة وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي.\nوقال ابن زيد: محكمة مجملة، قد بين الله مصارفها في آية الخمس ولا نسخ! «٢» .\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٣١، ١٣٢، ٢٢١، ٢٢٢، ٣٢٦، ٣٢٧) .\nوصححه، ووافقه الذهبي.\nوكذلك رواه أبو داود (٢٧٣٧)، (٢٧٣٨) (٢٧٣٩)، والنسائي في «تفسيره» (٢١٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/ ٤٦٩) .\nقلت: ورجال إسناده كلهم ثقات.\nقلت: وهناك سبب آخر في نزول قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ... روى الترمذي (٤/ ١١٠) بسنده عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدرك من المشركين أو نحو هذا، هب لي السيف؟ فقال: هذا ليس لي ولا لك، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي فجاءني الرسول فقال: إنك سألتني وليس لي، وإنه قد صار لي وهو لك، قال: فنزلت: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية. وقال: حديث حسن صحيح. وقد رواه سماك عن مصعب بن سعد أيضا.\nوالحديث رواه مسلم مطولا ومختصرا (١٢/ ٥٣، ٥٤ نووي) وأبو داود (٣/ ٣٠، ٣١)، والطيالسي (١/ ٢٣٩)، وابن أبي حاتم (٣/ ٢٢٢)، والحاكم (٢/ ١٣٢)، وصححه وأقرّه الذهبي، والبيهقي (٦/ ٢٢٩)، وابن جرير (٩/ ١٧٣)، وأبو نعيم (٨/ ٣١٢) .\n(٢) قال ابن العربي المعافري: «والصحيح أن هذه الآية ناسخة لما سبق من حكم الله في تحريم الغنائم على الخلق، فأحلها الله على هذه الأمة لما رأى من ضعفها وعجزها، وفي الصحيح [البخاري تيمم، صلاة ٥٦، خمس ٨/ مسلم مساجد ٣، ٥، أبو داود جهاد ١٢١، الدارمي صلاة ١٧١، أحمد (١/ ٣٠١)، (٣/ ٣٠٤)، (٥/ ٣٢٦) عن جابر بن عبد الله وغيره: أحلت لي الغنائم، وثبت عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ من طرق عديدة، واللفظ للبخاري (غرض الخمس ٨، نكاح ٥٨، مسلم جهاد ٣٢) .. وهذا صحيح لا طعن فيه، وبيّن لا غبار عليه وانظر كلامه في","vol":"1","page":305},{"text":"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١): أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله بالتسليم لأمرهما، وترك الاختلاف الذي وقع بينهما.\n[الآيتان: الثانية والثالثة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا: الزحف: الدنو قليلا قليلا، وأصله الاندفاع على الألية، ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا.\nوالتزاحف: التداني والتقارب. تقول زحف إلى العدو زحفا، وازدحف القوم: أي مشى بعضهم إلى بعض.\nوانتصاب زحفا، إما على أنه مصدر لفعل محذوف، أي: يزحفون زحفا، أو على أنه حال من المؤمنين، أي: حال كونكم زاحفين إلى الكفار، أو حال من الذين كفروا، أي حال كون الكفار زاحفين إليكم، أو حال من الفريقين، أي: متزاحفين.\nفَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥): نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم، وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال. وظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال إلا حالة: التحرف والتحيز.\nوقد روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي [نضرة] «١» .\nوعكرمة ونافع والحسن وقتادة و[يزيد] «٢» بن أبي حبيب والضحاك: أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر، وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا\n_________\n(الناسخ والمنسوخ ٢/ ٢٢٥، ٢٢٦) .\n(١) وقع في المخطوط (نصر) وهو خطأ، والتصويب من فتح القدير (٢/ ٢٩٣) .\nوأبو نضرة هو المنذر بن قطعة العبدي ثقة من رجال البخاري ومسلم.\n(٢) وقع في «المطبوعة» زيد وهو خطأ، والتصويب من جامع الطبري (١٥٨١١)، وهو أبو جابر المصري أخرج له الستة في كتبهم وهو من الثقات.","vol":"1","page":306},{"text":"ولو انحازوا لا نحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي ﵌ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. وبه قال أبو حنيفة.\nقالوا: ويؤيده قوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فإنه إشارة إلى يوم بدر.\nوقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية الضعف «١» .\nوذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة، وأن الفرار من الزحف محرم ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر.\nفأجيب عن قول الأولين: إن الإشارة في يومئذ إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف، كما يفيده السياق، ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، بل هذه الآية مقيدة بها، ويكون الفرار من الزحف محرما بشرط بينه الله في آية الضعف.\nولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها، فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير، لم يأمرهم النبي ﵌ بالخروج لأنه ﵊ ومن خرج معه لم يكونوا يرون- في الابتداء- أنه سيكون قتال.\nويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر كما في حديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» «٢» وفيه التولي يوم الزحف، ونحوه من الأحاديث.\nوهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه وهو مبين في مواطنه.\nقال ابن عطية: والأدبار: جمع دبر والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في\n_________\n(١) قال القاضي ابن العربي: «قال بعضهم: والنسخ في هذا لا يجوز لأنه وعيد، والوعيد لا ينسخ لأنه خبر.\nواختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين أحدهما: أنها في يوم بدر خاصّة، وهو اختيار الحسن، وروي عن ابن عباس ﵄، وقيل: هي عامة في الأزمنة مخصوصة في العدد، لقوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ والصحيح عمومها لوجهين:\nأحدهما: أنه ظاهر القرآن، لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ يعني يوم الزحف.\nوثبت عن النبي ﵌ أنه عدّ الكبائر فقال: والفرار من الزحف وهذا نص لا غبار عليه.\nوانظر: الناسخ والمنسوخ (٢/ ٢٢٨، ٢٢٩)، والأحكام (٢/ ٨٣٢) .\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٥/ ٣٩٣)، (١٢/ ١٨١)، ومسلم (٢/ ٨٢، ٨٣) .","vol":"1","page":307},{"text":"الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له.\nإِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ: التحرف: الزوال عن جهة الاستواء والمراد به هنا التحرف من جانب إلى جانب في المعركة، طلبا لمكايد الحرب، وخدعا للعدو، كمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدو فيكر عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك من مكايد الحرب فإن «الحرب خدعة» «١» كما في الحديث.\nأَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ: أي إلى جماعة من المسلمين، غير الجماعة المقابلة للعدو، وانتصاب متحرفا أو متحيزا على الاستثناء من المولين، أي: ومن يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا، ويجوز انتصابهما على الحال، ويكون حرف الاستثناء لغوا لا عمل له.\nفَقَدْ باءَ: جزاء الشرط.\nوالمعنى: من ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بِغَضَبٍ كائن، مِنَ اللَّهِ:\nإلا المتحرف والمتحيز.\n[الآية الرابعة]\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) .\nقُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا: أمر الله سبحانه رسوله ﵌ أن يقول للكفار هذا المعنى سواء قاله بهذه العبارة أو غيرها.\nقال ابن عطية: ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف عبد الله بن مسعود: قل للذين كفروا إن تنتهوا- يعني بالفوقية- لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها.\nقال في «الكشاف» «٢»: أي قل لأجلهم هذا القول، وهو: إن ينتهوا. ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر لكم وهي قراءة ابن مسعود ونحوه.\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف: ١١] خاطبوا به\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ١٥٨)، ومسلم (١٢/ ٤٤، ٤٥) عن أبي هريرة وجابر مرفوعا.\n(٢) انظر: تفسير الكشاف للزمخشري (٢/ ٢١٩) .","vol":"1","page":308},{"text":"غيرهم لأجلهم ليسمعوه.\nأي: إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله ﵌، وقتاله، بالدخول في الإسلام يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ لهم من العداوة. انتهى.\nوقيل: معناه: إن ينتهوا عن الكفر.\nقال ابن عطية: والحامل على ذلك، جواب الشرط فيغفر لهم ما قد سلف ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يحبّ ما قبله.\n[الآية الخامسة] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) .\nوَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ: أي كفر وشرك.\nوَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ: تحريض للمؤمنين على قتال الكفار. وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة مستوفى.\n[الآية السادسة]\nوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) .\nوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ: قال القرطبي «١»: اتفقوا على أن المراد بالغنيمة، في هذه الآية، مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر.\nقال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيّد اللفظ بهذا النوع.\nوقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ،\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (٨/ ١- ٣) .","vol":"1","page":309},{"text":"وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر- على ما تقدمت الإشارة إليه» .\nوقيل: إنها- أعني يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ- محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله ﵌، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة. حكاه [المازري] «٢» عن كثير من المالكية.\nقالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين. وكان أبو [عبيد] «٣» يقول: افتتح رسول الله ﵌ مكة عنوة، ومنّ على أهلها فردها عليهم، ولم يقسمها، ولم يجعلها فيئا.\nوقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم «٤»، على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين، وممن حكى ذلك: ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة من الغانمين وكيفيتها كثيرة جدا.\nقال القرطبي «٥»: ولم يقل أحد- فيما أعلم- إن قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية ناسخ لقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الآية بل قال الجمهور: إن قوله: أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله.\nوأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها.\nوأما قصة حنين، فقد عوض الأنصار لما قالوا: يعطي المغانم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه؟! فقال لهم: «أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﵌ إلى بيوتكم؟» كما في مسلم وغيره «٦» . وليس لغيره أن يقول.\nهذا القول بل ذلك خاص به.\n_________\n(١) وذلك عن تفسيره للآية (١) من هذه السورة الكريمة.\n(٢) وقع في المطبوعة (الماوردي) وهو خطأ، والتصويب من «تفسير القرطبي» (٨/ ٢) .\n(٣) في المطبوعة (أبو عبيدة) وهو خطأ، وصوبناه من تفسير القرطبي (٨/ ٢) .\n(٤) انظر: مراتب الإجماع للعلامة ابن حزم (ص ١٣٣) ط. دار الآفاق بيروت. [.....]\n(٥) انظره في «تفسيره» (٨/ ٤٢٣) .\n(٦) حديث صحيح: رواه البخاري (٨/ ٥٣)، ومسلم (٧/ ١٥١، ١٥٢) عن أنس مرفوعا.","vol":"1","page":310},{"text":"وقوله أَنَّما غَنِمْتُمْ يشمل كل شىء يصدق عليه اسم الغنيمة، إذ كان أصلها إصابة الغنم من العدو.\nومِنْ شَيْءٍ بيان لما الموصولة، وقد خصص الإجماع، ومن عموم الآية، الأسارى فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف. وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإمام.\nقيل: وكذلك الأرض المغنومة. وردّ بأنه لا إجماع على الأرض.\nفَأَنَّ: أي فحق أو واجب أن:\nلِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ: قد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة:\nالأول: قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة، فيجعل السدس: للكعبة وهو الذي لله والثاني: لرسول الله ﵌، والثالث: لذوي القربى، والرابع: لليتامى، والخامس: للمساكين، والسادس: لابن السبيل.\nالقول الثاني: قال أبو العالية والربيع: إنها تقسم أي الغنيمة على خمسة، فيعزل منها سهم واحد، ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم الذي عزله، فما قبضه من شىء جعله للكعبة ويقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة، للرسول ومن بعده في الآية.\nالقول الثالث: عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: إن الخمس لنا فقيل له: إن الله يقول: واليتامى والمساكين وابن السبيل؟ فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا.\nالقول الرابع: قول الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة وإن سهم الله وسهم رسوله واحد، يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأصناف الأربعة المذكورة في الآية.\nالقول الخامس: قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله ﵌ بموته، كما ارتفع حكم سهمه. قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة","vol":"1","page":311},{"text":"والجند. وروي نحو هذا عن الشافعي.\nالقول السادس: قول مالك: أنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطي منه الغزاة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.\nقال القرطبي «١»: وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله ﵌: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «٢» فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم، لأنهم من أهم من يدفع إليه.\nقال الزجاج محتجا لهذا القول: قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ [البقرة: ٢١٥] وجائز، بالإجماع، أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك «٣» .\nوَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ: قيل: إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم يدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي ﵌، والمعنى أن سهما من خمس الخمس لأقاربه ﵌. وقد اختلف العلماء فيهم على أقوال:\nالأول: أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف واستدل بما روي عن النبي ﵌ أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلا: «يا بني فلان! يا بني فلان!» «٤» .\n[الثاني]: وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب، لقوله ﵌: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء\n_________\n(١) انظره في تفسيره (٨/ ١١) .\n(٢) حديث حسن: في إسناده عمرو بن شعيب، وهو ووالده صدوقان وحديثهما حسن.\nرواه أبو داود (٢٦٩٤)، وأحمد في «المسند» (٢/ ١٨٤، ٢١٨، ٢١٩)، والنسائي (٦/ ٢٦٢، ٢٦٤)، (٧/ ١٣١، ١٣٢) والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧) .\nورواه عمرو بن عبسة، وعبادة بن الصامت وغيرهما مرفوعا.\n(٣) انظر: الإجماع لابن حزم (ص ١٣٣، ١٣٦)، كفاية الأخيار (ص ٥٠٧، ٥٠٨)، غاية المطلب (ص ٤٧٠)، وشرح البرنسي والغروي على أبي زيد (٢/ ٨) .\n(٤) حديث صحيح: رواه مسلم (٣/ ٨٢، ٨٣)، (٣/ ٧٩، ٨٢)، من حديث عبد الله بن عباس، وعائشة وأبي هريرة وقبيصة بن المخارق وزهير بن عمرو جميعهم مرفوعا.","vol":"1","page":312},{"text":"واحد وشبك بين أصابعه» وهو في «الصحيح» «١» .\n[الثالث]: وقيل: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم وهو مروي عن علي بن الحسين ومجاهد.\nوكذا اختلف أهل العلم هل ثبت وبقي سهمهم اليوم، أم سقط بوفاته ﵌، وصار الكل مصروفا إلى الثلاثة الباقية؟ فذهب الجمهور- ومنهم مالك والشافعي- إلى الثبوت واستواء الفقراء والأغنياء لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] .\nوقال أبو حنيفة وأهل الرأي بسقوط ذلك، والتفصيل يطلب من مواطنه «٢» .\n[الآية السابعة]\nوَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) .\nوَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا: فيه النهي عن التنازع، وهو الاختلاف في الرأي، فإن ذلك يتسبب عنه الفشل وهو الجبن في الحرب.\nوأما المنازعة بالحجة لإظهار الحق فجائزة كما قال: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]، بل هي مأمور بها بشروط مقررة، والفاء جواب النهي، والفعل منصوب بإضمار أن. ويجوز أن يكون الفعل معطوفا على تنازعوا مجزوما. بجازمه.\nوَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ قرىء بنصب الفعل وجزمه عطفا على تفشلوا على الوجهين.\nوالريح: القوة والنصر كما يقال: الريح لفلان، إذا كان غالبا في الأمر. وقيل:\nالريح الدولة، شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها. ومنه قول الشاعر:\nإذا هبت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كل خافقة سكون\nوقيل: المراد بالريح ريح الصبا لأن بها كان ينصر النبي ﵌.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٢٤٤، ٥٣٣)، (٧/ ٤٨٤)، وأبو داود (٢٩٨٠)، عن جبير بن مطعم مرفوعا.\n(٢) انظر: الروضة الندية للمصنف (٣٤١، ٣٤٣) .","vol":"1","page":313},{"text":"[الآية الثامنة]\nوَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) .\nوَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ: من المعاهدين وهم قريظة وبنو النضير.\nخِيانَةً أي غشا ونقضا للعهد.\nفَانْبِذْ: أي فاطرح.\nإِلَيْهِمْ: العهد الذي بينك وبينهم.\nعَلى سَواءٍ: أي على طريق مستوية، والمعنى أنه يخبرهم إخبارا ظاهرا مكشوفا بالنقض، ولا تناجزهم الحرب بغتة.\nوقيل: معنى عَلى سَواءٍ على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم، أو تستوي أنت لئلا يتهموك بالغدر وهم فيه.\nقال الكسائي: السواء: العدل وقد يكون بمعنى الوسط. ومنه قوله تعالى: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) [الصافات: ٥٥] وقيل: معناه على جهر، لا على سر.\nوالظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه.\nقال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، [الأنفال: ٥٧] ثم ابتدأ ﵎ في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة.\nإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨): تعليل لما قبلها، يحتمل أن يكون تحذيرا لرسول الله ﵌ من المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين يخاف منهم الخيانة.\n[الآية التاسعة]\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) .","vol":"1","page":314},{"text":"وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ: أمر الله سبحانه بإعداد القوة: كل ما يتقوى به في الحرب، ومن ذلك السلاح والقسي.\nوقد ثبت في «صحيح مسلم» «١» وغيره من حديث عقبة بن عامر قال: «سمعت رسول الله ﵌، وهو على المنبر، يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ إلا أن القوة: الرمي! قالها ثلاث مرات» .\nوقيل: هي الحصون والمعاقل. والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله ﵌ متعين.\nوَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ: قال أبو حاتم: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وهي الخيل التي تربط بإزاء العدو، ومنه قول الشاعر:\nأمر الإله بربطها لعدوه ... في الحرب إن الله خير موفق\nقال في «الكشاف» «٢»: والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال.\nانتهى.\nوقد فسّر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب، جعل عطف الخيل عليها من عطف الخاص على العام.\nتُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ: في محل نصب على الحال.\nوالترهيب: التخويف، والضمير في (به) عائد إلى (ما) في مَا اسْتَطَعْتُمْ أو إلى المصدر المفهوم من وَأَعِدُّوا، وهو الإعداد، والمراد بعدو الله وعدوهم: هم المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه مسلم (١٣/ ٦٤)، وأبو داود (٢٥١٤)، وأحمد في «المسند» (٤/ ١٥٦)، وابن ماجة (٢٨١٣) عن عقبة بن عامر مرفوعا.\n(٢) انظره في «تفسير الزمخشري» (٢/ ٢٣٢) .","vol":"1","page":315},{"text":"[الآية العاشرة] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) .\nوَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها: الجنوح: الميل.\nوالسلم: الصلح.\nوقد اختلف أهل العلم: هل هذه الآية منسوخة أم محكمة «١»؟ فقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] قاله ابن عباس.\nوقيل: ليست بمنسوخة لأن المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب. قاله مجاهد.\nوقيل: إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد: ٣٥]، وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة لا إذا لم يكونوا كذلك فهو جائز كما وقع منه ﵌ من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرر في مواطنه.\n[الآية الحادية عشرة]\nالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) .\nالْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ أوجب على الواحد أن يثبت لإثنين من الكفار.\nقيل: في التنصيص على غلب المائة للمائتين، والألف للألفين، إنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف.\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢٣٢) .","vol":"1","page":316},{"text":"وقد اختلف أهل العلم: هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذكر ذلك كثير فائدة «١» .\nأخرج البخاري والنحاس في «ناسخه» وابن مردويه والبيهقي في «سننه» «٢» عن ابن عباس قال: «نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥] شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الآية. قال: فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم» .\n[الآية الثانية عشرة] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) .\nما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد.\nومعنى ما كان لنبي: ما صح له وما استقام.\nوالأسرى جمع أسير. ويقال في جمع أسير أيضا: أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو القد «٣»، لأنهم كانوا يشدون به الأسير.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطا.\nوالإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه، يقال: أثخن فلان في هذا الأمر، أي بالغ فيه.\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢٢٩، ٢٣١) .\nوانظر في سبب نزول هذه الآية (البخاري ٩/ ٣٠٢)، والمطالب العالية (٣/ ٣٣٦)، وعزاه لابن راهويه، ورواه أيضا ابن الجارود في «المنتقى» (ص ٣٥٠) وابن إسحاق (٨٢/ ق) وسيرة ابن هشام (١/ ٦٧٦)، وأبو داود (٢/ ٣٤٩)، وابن جرير (١٠/ ٤٠) .\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٨/ ٣١٢)، والطبري في «تفسيره» (٩/ ٧٦) .\n(٣) القدّ: هو الشقّ الممتد الطويل. [صحاح: قد] . [.....]","vol":"1","page":317},{"text":"فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى، حتى يبالغ في قتل الكافرين، ويستكثر من ذلك.\nوقيل: معنى الإثخان التمكن.\nوقيل: هو القوة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفداهم، ثم لما كثر المسلمون رخّص الله في ذلك فقال: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] «١» .\n[الآية الثالثة عشرة]\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) .\nوَالَّذِينَ آمَنُوا: من المقيمين بمكة المكرمة.\nوَلَمْ يُهاجِرُوا: منها مبتدأ خبره.\nما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ: أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم.\nمِنْ شَيْءٍ لعدم وقوع الهجرة منهم.\nمِنْ شَيْءٍ لعدم وقوع الهجرة منهم.\nحَتَّى يُهاجِرُوا: فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى، الجامعين بين الإيمان والهجرة.\nوَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ: أي هؤلاء الذين آمنوا ولا يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين.\nفَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ: أي فواجب عليكم، إِلَّا أن يستنصروكم، عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ:\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ (٢/ ٢٣٤، ٢٣٥) ابن العربي، ومعاني الزجاج (٢/ ٤٧٠)، وزاد المسير (٣/ ٣٧١) وابن كثير (٢/ ٣٢٥)، واللباب (١١٤)، والطبري (١٠/ ٣٠)، والنكت (٢/ ١١٢) .","vol":"1","page":318},{"text":"فلا تنصروهم، ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته، وهي عشر سنين.\n[الآية الرابعة عشرة]\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥) .\nوَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ: من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث، والمراد بهم القرابات، فيتناول كل قرابة.\nوقيل: المراد بهم هنا العصبات، كقول العرب: صلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم، ولا يخفى عليك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات.\nوقد استدل بهذه الآية من أثبت الميراث لذوي الأرحام، وهم من ليس بعصبته ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه «١» .\nوقد قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسّر ما تقدم، من قوله: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: ٧٢] . وما بعده، بالتوارث.\nوأما من فسّرها بالنصرة والمعونة، فيجعل هذه الآية إخبارا منه ﷾ بأن القرابات بعضهم أولى ببعض.\nفِي كِتابِ اللَّهِ: أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، ويدخل في هذه الأولوية في الميراث دخولا أوليا، لوجود سببه أعني القرابة «٢» .\n_________\n(١) انظر في ذلك: الرّوض المربع (٢٥٩) . وغاية المطلب (٣٠٦)، الروضة الندية (٣٢٥)، والمحلى (٩/ ٢٥٢) .\n(٢) قال القاضي ابن العربي: «لا خلاف ولا إشكال في أن الميراث كان في صدر الإسلام بالولاية ثم صار في آخره بالقرابة، إلا أن هذه الآية محتملة أن يكون المراد بنفي الولاية نفي النصرة، ويحتمل أن يكون المراد بها نفي الميراث فتكون منسوخة والأول أظهر.. انظر: الناسخ والمنسوخ (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩) .","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>سورة براءة [آيها مائة وثلاثون أو سبع وعشرون آية]</span>\nولها أسماء منها: سورة التوبة لأن فيها التوبة على المؤمنين.\nوتسمى: الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها: ومنهم، ومنهم، حتى كادت أن لا تدع أحدا.\nوتسمى: البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين إلى غير ذلك. وهي مدنيّة.\nقال القرطبي «١»: باتفاق.\nأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: نزلت (براءة) بعد فتح مكة بالمدينة «٢» .\n[الآيات: الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة]\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) .\n_________\n(١) انظر في «تفسيره» (٨/ ٦١) .\n(٢) انظر: زاد المسير (٣/ ٣٩٣)، وابن كثير (٢/ ٣٣٢) .","vol":"1","page":320},{"text":"بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: أي هذه براءة، يقال: برئت من الشيء أبرأ براءة وأنا منه بريء، إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينك وبينه «١» .\nإِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) العهد: العقد الموثق باليمين، والخطاب للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله والرسول ﵌.\nوالمعنى الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة، بسبب ما وقع من الكفار من النقض، فصار النبذ إليهم بعهدهم واجبا على المعاهدين من المسلمين. ومعنى براءة الله سبحانه، وقوع الإذن منه- سبحانه- بالنبذ من المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم وفي ذلك من التفخيم بشأن البراءة والتهويل لها، والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى.\nفَسِيحُوا: أيها المشركون «٢» .\nفِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ: هذا أمر منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة.\nوالسياحة: السير، يقال: ساح فلان في الأرض، يسيح سياحة وسيوحا وسيحانا.\nومعنى الآية أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم، أباح للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون، والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر.\nوليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها، قال محمد بن إسحاق وغيره: إن المشركين صنفان:\nصنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، فأمهل تمام الأربعة الأشهر.\n_________\n(١) قال ابن الجوزي أي: قطع الموالاة والعصمة والأمان. (تذكرة الأريب ١/ ٢٠٩) .\n(٢) قال ابن الجوزي: أي انطلقوا آمنين من مكروه يقع بكم، وهذا الأمان لمن لم يكن له أمان ولا عهد.\nقال مجاهد: أول هذه الأشهر يوم النّحر، وآخرها العاشر من ربيع الآخر. (تذكرة الأريب ١/ ٢٠٩) .","vol":"1","page":321},{"text":"والآخر كانت أكثر من ذلك، فقصر على أربعة أشهر، ليرتاد لنفسه وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يقتل حيث يوجد. وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر.\nفأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم: وذلك خمسون يوما:\nعشرون من ذي الحجة وشهر محرم.\nوقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﵌ عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده، بقوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ.\nورجح هذا ابن جرير وغيره إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا أي لم يقع منهم أي نقص، وإن كان يسيرا، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه ﵌ بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته «١» .\nوَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ المظاهرة: المعاونة، أي لم يعاونوا أحدا من أعدائكم.\nفَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ: أي أدوا إليهم عهدهم تاما غير ناقص إلى مدتهم التي عاهدتموهم إليها، وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقا، وهي أربعة أشهر، أو خمسون يوما على الخلاف السابق «٢» . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) .\nفَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ: انسلاخ الشهر تكامله جزءا فجزءا إلى أن ينقضي، كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه.\nوقد اختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هنا؟ فقيل: هي الأشهر الحرم المعروفة، التي هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد «٣» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٠/ ٥٠)، زاد المسير (٣/ ٣٩٧)، القرطبي (٨/ ٧١) .\n(٢) انظر: معاني الأخفش (٢/ ٣٢٦)، الزجاج (٢/ ٤٧٦)، التبيان (٢/ ١١)، زاد المسير (٣/ ٣٩٨) .\n(٣) دلّ على ذلك ما رواه البخاري (٦/ ٢٩٣)، ومسلم (١١/ ١٦٧، ١٧٠)، عن أبي بكرة مرفوعا","vol":"1","page":322},{"text":"ومعنى الآية- على هذا- وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم، وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوما تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون من حل أو حرم، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك. وروي عن ابن عباس واختاره ابن جرير «١» .\nوقيل: المراد بها شهور العهد المشار إليه بقوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ، وسميت حرما لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم.\nوإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم: مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب.\nوقيل: هي الأشهر المذكورة في قوله: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة، ورجّحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم «٢» .\nومعنى وَخُذُوهُمْ: الأسر فإن الأخيذ هو الأسير.\nومعنى وَاحْصُرُوهُمْ منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم.\nوَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ: هو الموضع الذي يرقب فيه العدو.\nوهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من خصته السنة، كالمرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول المشركين لهم.\nوهذه الآية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم.\nوقال الضحاك وعطاء والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤]، وأن الأسير لا يقتل صبرا، بل يمن عليه أو يفادى.\n_________\nوله ﵌ في خطبة حجّة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر..» .\n(١) انظر: زاد المسير (٣/ ٣٩٨) .\n(٢) انظر: الطبري (١٠/ ٥٦)، وزاد المسير (٣/ ٣٩٩)، القرطبي (٨/ ٧٧)، والدر (٣/ ٢١٣) .","vol":"1","page":323},{"text":"وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة لقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً، وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل.\nوقال ابن زيد: الآيتان محكمتان.\nقال القرطبي: وهو الصحيح، لأن المنّ والقتل والفداء لم تزل من حكم رسول الله ﵌ فيهم من أول يوم حاربهم وهو يوم بدر «١» .\nفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ: أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل، وحققوا التوبة بفعل ما هو أعظم أركان الإسلام، وهو إقامة الصلاة، وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات، لكونه رأسها. واكتفى بالركن الآخر المالي وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال والعبادات، لأنها أعظمها.\nفَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ: أي اتركوهم وشأنهم، فلا تأسروهم، ولا تحصروهم، ولا تقتلوهم.\n[الآية السادسة] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) .\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ: يقال: استجرت فلانا، أي طلبت أن يكون جارا لي، أي محاميا ومحافظا لي من أن يظلمني ظالم، أو يتعرض لي معترض.\nوالمعنى: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم، فَأَجِرْهُ: أي كن جارا له مؤمنا محاميا.\nحَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ: منك ويتدبره حق تدبيره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه.\n_________\n(١) قال القاضي ابن العربي: «ومن الغريب ما روي عن الحسن أنه قال إن قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ منسوخ بقوله تعالى: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] وقال: لا يحل قتل أسير صبرا، ومن شروط النسخ معرفة التاريخ، ومن له بأن آية سورة محمد نزلت بعد براءة، وقد ثبت أن براءة من آخر ما نزل، ومع الاحتمال يسقط المقال، وأغرب منه ما روى بعضهم عن ابن حبيب أنها منسوخة بقوله فَإِنْ تابُوا وهذا فاسد وتعجبنا لخفاء هذا عليه مع علمه ﵀ (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٢٤٦) . [.....]","vol":"1","page":324},{"text":"ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ: أي إلى الدار التي يأمن فيها بعد أن يسمع كلام الله إن لم يسلم ثم بعد أن تبلغه مأمنه، قاتله فقد خرج من جوارك، ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه، ووجوب قتله حيث يوجد «١» .\n[الآية السابعة] كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) .\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ: والاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار.\nإِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: ولم ينقضوا، ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم.\nفَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ: على العهد الذي بينكم وبينهم.\nفَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ: قيل: هم بنو بكر. وقيل: بنو كنانة وبنو ضمرة.\n[الآية الثامنة]\nفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) .\nفَإِنْ تابُوا: عن الشرك والتزموا أحكام الإسلام.\nوَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ: أي دين الإسلام، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم.\nوعن ابن عباس قال: حرمت هذه الآية قتال أهل الصلاة ودماءهم «٢» .\n_________\n(١) انظر: معاني الزجاج (٢/ ٤٧٨)، الطبري (١٠/ ٥٩)، النكت (٢/ ١٢١)، زاد المسير (٣/ ٤٠١)، القرطبي (٨/ ٧٩)، ابن كثير (٢/ ٣٨) .\n(٢) انظر: الطبري (١٠/ ٥٠)، وزاد المسير (٣/ ٣٩٧)، القرطبي (٨/ ٧١) .","vol":"1","page":325},{"text":"[الآيتان: التاسعة والعاشرة]\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) .\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ: المراد بالعمارة: إما المعنى الحقيقي الظاهر، أو المعنى المجازي، وهو ملازمته والتعبد فيه؟ وكلاهما ليس للمشركين.\nأما الأول فلأنه يستلزم المنّة على المسلمين بعمارة مساجدهم.\nوأما الثاني: فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام.\nفالمعنى: ما كان للمشركين وما صح لهم وما استقام، أن يفعلوا ذلك حال كونهم شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ: أي بإظهار ما هو كفر، من نصب الأوثان، والعبادة لها، وجعلها آلهة، فإن هذا شهادة منهم على أنفسهم بالكفر، وإن أبوا ذلك بألسنتهم! فكيف يجمعون بين أمرين متنافيين: عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين، والشهادة على أنفسهم بالكفر، التي ليست من شأن من يتقرب إلى الله بعمارة مساجده؟\nوقيل: المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك «١» .\nوقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر، أن اليهودي يقول: هو يهودي، والنصراني يقول: هو نصراني، والصابىء يقول: صابىء، والمشرك يقول: هو مشرك.\nأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: التي يفتخرون بها ويظنون أنها من أعمال الخير، أي بطلت، ولم يبق لها أثر.\nوَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧): في هذه الجملة الاسمية، مع تقدم الظرف المتعلق بالخبر، تأكيدا لمضمونها.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٠/ ٦٦)، وزاد المسير (٣/ ٤٠٨)، والنكت والعيون (٢/ ١٢٤)، وتفسير القرطبي (٨/ ٨٩)، وابن كثير (٢/ ٣٤٠) .","vol":"1","page":326},{"text":"إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: وفعل ما هو من لوازم الإيمان.\nوَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فمن كان جامعا بين هذه الأوصاف، فهو الحقيق بعمارة المساجد، لا من كان خاليا منها أو من بعضها، واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيها بما هو من أعظم أمور الدين، على ما عداه مما افترض الله على عباده، لأن كل ذلك من لوازم الإيمان.\n[الآية الحادية عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) .\nإِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ: هو مصدر لا يثنى ولا يجمع «١» .\nوقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية. وروي عن الحسن البصري- وهو محكي عن ابن عباس.\nوذهب الجمهور من السّلف والخلف- ومنهم أهل المذاهب الأربعة- إلى أن الكافر ليس نجس الذات، لأن الله سبحانه أحل طعامهم.\nوثبت عن النبي ﵌ في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم فأكل في آنيتهم، وشرب فيها، وتوضأ منها، وأنزلهم في مسجده «٢» .\nفَلا يَقْرَبُوا: الفاء للتفريع، فعدم قربانهم الْمَسْجِدَ الْحَرامَ متفرع عن نجاستهم.\nوالمراد بالمسجد الحرام- على ما يروى عن عطاء- جميع الحرم.\n_________\n(١) قال ابن عزيز السجستاني: نَجَسٌ قذر ونجس: قذر، وإذا قيل رجس نجس: أسكن على الاتباع (ص ٣٣٨) ط. دار طلاس- دمشق.\n(٢) حديث صحيح: ما رواه البخاري (٩/ ٦٢٢)، ومسلم (١٣/ ٧٩، ٨٠) عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا ما يفيد جواز الأكل والشرب في آنيتهم.","vol":"1","page":327},{"text":"وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه، فلا يمنع المشركون من دخول سائر الحرم.\nوقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غيره من المساجد؟ فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد.\nوقال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين، خاصة في المسجد الحرام. فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد.\nقال ابن العربي: وهذا جمود منه على الظاهر، لأن قوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة! ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه ﵌ لثمامة بن أثال في مسجده «١»، وإنزال وفد ثقيف فيه «٢» .\nوروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة. وقال قتادة: إنه يجوز ذلك للذمي دون المشرك. وروي عن أبي حنيفة أيضا أنه يجوز لهم دخول الحرم. ثم هو نهي للمسلمين عن أن يمكنوهم من ذلك، فهو من باب قولهم: لا أرينّك هنا.\nبَعْدَ عامِهِمْ هذا فيه قولان:\nأحدهما: أنه سنة تسع، وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم.\nالثاني: أنه سنة عشر، قاله قتادة.\nقال ابن العربي: وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ. وإن من العجب أن يقال: إنه سنة تسع، وهو العام الذي وقع فيه الأذان. ولو دخل غلام رجل داره يوما\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ٥٥٥، ٥٦٠)، (٥/ ٧٥)، (٨/ ٨٧) عن أبي هريرة مرفوعا، وفيه جواز إنزالهم في المسجد.\n(٢) حديث إسناده ضعيف: علته عنعنة الحسن البصري وهو مدلس، وكذلك روي معضلا عن ابن إسحاق.\nورواه أبو داود (٣٠٢٦): وأحمد في «المسند» (٤/ ٢١٨)، عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص.\nورواه ابن هشام في «السيرة» (٢/ ٢٢٥، ٢٢٦)، عن ابن إسحاق معضلا.","vol":"1","page":328},{"text":"فقال له مولاه: لا تدخل هذا الدار بعد يومك، لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه.\nانتهى.\nويجاب عنه بأن الذي يعطيه اللفظ هو خلاف ما زعمه فإن الإشارة بقوله: بَعْدَ عامِهِمْ هذا إلى العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في المقال الذي ذكره، المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب، والأمر ظاهر لا يخفى. ولعله أراد تفسير (بعد) المضاف إلى عامهم. ولا شك أنه عام عشر.\nوأما تفسير العام المشار إليه بهذا، فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى هذا يحمل قول قتادة.\nوقد استدل من قال: بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد بهذا القيد أعني قوله: عامهم هذا، قائلا: إن النهي مختص بوقت الحج والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط، لا عن مطلق الدخول.\nويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام، يفيد المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده، وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى مخصص.\n[الآية الثانية عشرة] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) .\nقاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف.\nحَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي.\nوهي في الشرع: ما يعطيه المعاهد على عهده «١» .\n_________\n(١) قال الإمام تقي الدّين الحصني: «الجزية هي المال المأخوذ بالتراضي لإسكاننا إياهم في ديارنا أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم أو لكفنا عن قتالهم، واختار القاضي حسين الأخير وضعّف الأول بالمرأة فإنها تسكن دارنا ولا جزية عليها، وضعّف الثاني بأنها تتكرر أي الجزية بتكرر السنين وبدل","vol":"1","page":329},{"text":"وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور إلى أن الجزية لا تقبل إلا من أهل الكتاب.\nوقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان «١» .\nويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس.\nقال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم «٢» .\nواختلف أهل العلم في مقدار الجزية: فقال عطاء: لا مقدار لها وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه، به قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال: أقلها دينار وأكثرها لا حد له.\nوقال الشافعي: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال أبو ثور.\nقال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم.\nوقال مالك: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق الغني والفقير سواء، ولو كان مجوسيا، لا يزيد ولا ينقص.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه، ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: إثنا عشر، وأربعة وعشرون، وثمانية وأربعون. والكلام في ذلك مقرر في مواطنه «٣» .\n_________\nالحقن لا يتكرر، وقال إمام الحرمين: الوجه أن بجمع مقاصدهم، ويقول هي: أي مقاصدهم تقابل الجزية. (كفاية الأخيار ص ٥٠٨) .\n(١) قال ابن الحاجب: «ويجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب إجماعا، وفي غيرهم- مشهورها تؤخذ وثالثها: تؤخذ إلا من مجوس العرب، ورابعها: إلا من قريش. (جامع الأمهات ص ٢١٥) بتحقيقنا- بيروت. وانظر: الموطأ (٦١٧) .\n(٢) قال ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص ١٤٠): «واختلفوا هل تقبل جزية من غير اليهود والنصارى الذين ذكرنا قبل، ومن كتابييّ العرب، أو لا يقبل منهم غير الإسلام أو السيف، وكذلك النساء منهم اه.\n(٣) قال الحصني: والأولى أن تقسّم الجزية على الطبقات فيجعل على الفقير الكسوب دينار، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير اقتداء بعمر ﵁ لما بعث عثمان بن حنيف إلى","vol":"1","page":330},{"text":"قال الشوكاني: والحق من هذه الأقوال ما قررنا في «شرحنا للمنتقى» «١» وغيره من مؤلفاتنا. انتهى.\nوقد سبقه إلى ذلك السيد العلامة محمد الأمير برسالة مفردة في هذه المسألة وأحكامها سماها «إفادة الأمة بأحكام أهل الذمة» وأجاد فيها وأفاد، وتكلمنا على ذلك في «شرحنا على بلوغ المرام» فليرجع إليها.\n[الآية الثالثة عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) .\nوَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ: قيل: هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان، وأنهم كانوا يصنعون هذا الصنع.\nوقيل: هم من يفعل ذلك من المسلمين. والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك.\nوأصل الكنز في اللغة: الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة.\nقال ابن جرير «٢»: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض، في بطن الأرض كان أو على ظهرها. انتهى.\n_________\nالكوفة، أمره أن يجعل على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما وعلى الفقير اثنى عشر درهما والاعتبار في الغني والفقير بوقت الأخذ لا بوقت العقد، ومن ادّعى منهم أنه فقير أو متوسط قبل قبوله إلا أن تقوم بينه بخلاف؟ نعم أقل الجزية دينار لكل سنة، نصّ عليه الشافعي وهو الوجوه في كتب الأصحاب، وحجة ذلك: «أنه ﵌ لما وجّه معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، أو عدله من المغافر» وهي ثياب تكون باليمن والله أعلم (كفاية الأخيار ص ٥١٠) .\nوقال المصنف ما يشابه كلامه هنا بزيادة فائدة في «الروضة النّدية ص ٢٥٣) .\n(١) انظر: نيل الأوطار (٨/ ٢١٢، ٢٢٢)، والسّيل الجرار (٤/ ٥٦٩ فما بعدها) . [.....]\n(٢) انظر: الطبري (١٠/ ١٢١)، وزاد المسير (٣/ ٤٢٩)، وابن كثير (٢/ ٣٥٠)، القرطبي (٨/ ١٢٣)، الدر المنثور (٣/ ٢٣٢) .","vol":"1","page":331},{"text":"واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزا أم لا؟ فقال قوم:\nهو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز. ومن القائلين بالقول الثاني عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو الحق للأدلة «١» المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز، وإنما خصّ الذهب والفضة دون سائر الأموال بالذكر لأنها أثمان الأشياء وغالب ما يكنز، وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز.\nوَلا يُنْفِقُونَها: كناية عن عدم أداء الزكاة ونحوها.\nفِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) .\n[الآية الرابعة عشرة]\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) .\nإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا: أي في حكمه وقضائه وحكمته، وذلك أن الله سبحانه لما حكم في كل وقت بحكم خاص، غيّر الكفار تلك الأوقات بالنسيء والكبيسة «٢»، فأخبرنا بما هو حكمه.\nفِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ: في هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور، وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف، يوم خلق الله السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها، ويجعلون بعضها ثلاثين يوما، وبعضها أكثر، وبعضها أقل.\nمِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: هي ذو العقدة وذو الحجة ومحرم، ورجب، ثلاثة\n_________\n(١) الصحيح منها: ما رواه البخاري (٢/ ١١١)، ومسلم (٧/ ٦٤، ٦٦)، عن أبي هريرة وابن عمر مرفوعا.\n(٢) يقال السنة كبيسة: أي يسترق منها يوم، وهذا إنما يكون كل أربع سنوات [اللسان: كبس] .","vol":"1","page":332},{"text":"متواليات وواحد فرد، كما ورد بيان ذلك في السنة المطهرة «١» .\nذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ: أي كون هذه الشهور كذلك، ومنها أربعة حرم، هو الدين المستقيم، والحساب الصحيح، والعدد المستوفى.\nفَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي في هذه الأشهر الحرم، بإيقاع القتال فيها، وانتهاك حرمتها.\nوقيل: إن الضمير يرجع إلى الشهور كلها، الحرم وغيرها، وأن الله نهى عن الظلم فيها، والأول أولى.\nوقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ بهذه الآية ولقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ [المائدة: ٢] ولقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] .\nويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيدة بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية المذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الحرم، للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه.\nوأما ما استدلوا به من أنه ﵌ حاصر أهل الطائف في شهر حرام- وهو ذو القعدة كما ثبت في «الصحيحين» وغيرهما «٢» - فقد أجيب عنه أنه لم يبتد محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم، لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع.\nوَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً: أي جميعا وهو مصدر في موضع الحال.\nقال الزجاج: مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة، لا تثنّى ولا تجمع.\nكَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وفيه دليل على وجوب قتال المشركين، وأنه فرض على الأعيان، إن لم يقم به البعض.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٢٩٣)، ومسلم (١١/ ١٦٧، ١٧٠) عن أبي بكرة مرفوعا.\n(٢) انظر: البخاري (٨/ ٤٣)، ومسلم (١٢/ ١٢٢، ١٢٣)، وانظر: الناسخ والمنسوخ للقاضي أبي بكر (٢/ ٢٦٠، ٢٦١)، ومعاني الفرّاء (١/ ٤٣٦)، والطبري (١٠/ ٩٢)، وزاد المسير (٣/ ٤٣٥) وابن كثير (٢/ ٣٥٦)، والقرطبي (٨/ ١٣٦)، والدر المنثور (٣/ ٢٣٦)، والأحكام لابن العربي (٢/ ٩٢٤، ٩٢٨) .","vol":"1","page":333},{"text":"[الآية الخامسة عشرة]\nانْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) .\nانْفِرُوا حال كونكم خِفافًا وَثِقالًا.\nوقيل: المراد منفردين أو مجتمعين وقيل: نشاطا وغير نشاط، وقيل: فقراء وأغنياء، وقيل: مقلين من السلاح ومكثرين منه، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: شبابا وشيوخا، وقيل: رجالا وفرسانا، وقيل: من لا عيال له ومن له عيال، وقيل: من سبق إلى الحرب كالطلائع ومن يتأخر كالجيش، وقيل: غير ذلك. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني لأن معنى الآية: انفروا خفّت عليكم الحركة أو ثقلت.\nقيل: وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى [التوبة: ٩١]، وقيل: الناسخ لها قوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] الآية.\nوقيل: هي محكمة وليست بمنسوخة «١» .\nويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ [النور: ٦١]، وإخراج المريض والضعيف بقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى [التوبة: ٩١]، من باب التخصيص لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله: خِفافًا وَثِقالًا، والظاهر عدم دخولهم تحت العموم.\nوَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الأمر بالجهاد بالأموال والأنفس، وإيجابه على العباد: فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من آكد الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدو\n_________\n(١) قال القاضي ابن العربي: «قال بعضهم: قال ابن عباس ﵄: نسخها قوله تعالى وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً وهذا في قوله إِلَّا تَنْفِرُوا لا يحسن نسخه، لأنه خبر عن الوعيد، والمعنى: إذا احتيج إليهم نفروا كلهم، فهي محكمة. (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٢٤٨، ٢٤٩) .\nفائدة: في قوله خِفافًا وَثِقالًا ذكر له أهل التفسير أكثر من عشرة أقوال وانظر: الفراء (١/ ٤٣٩)، وابن قتيبة (١٨٧)، والطبري (١٠/ ٩٧)، والنكت (٢/ ١٣٩)، والزاد (٣/ ٤٤٢) .","vol":"1","page":334},{"text":"ويدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين- في قطر من الأرض أو أقطار-، وجب عليهم ذلك وجوب عين.\n[الآيتان: السادسة والسابعة عشرة]\nلا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) .\nلا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤): معناه- على ما يقتضي ظاهر اللفظ- أنه لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف، ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك، فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف.\nإِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ: في القعود عن الجهاد، والتخلف عنه:\nالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: وهم المنافقون، وذكر الإيمان بالله أولا، ثم باليوم الآخر ثانيا في الموضعين لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله.\n[الآية: الثامنة عشرة]\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) .\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ: إنما من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس، أي جنس هذه الصدقات مقصورة على الأصناف الآتية لا تتجاوزها، بل هي لهم لا لغيرهم.\nوقد اختلف أهل العلم: هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية، أو يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يرى الإمام أو صاحب الصدقة؟\nفذهب إلى الأول الشافعي وجماعة من أهل العلم «١» .\n_________\n(١) قال الحصني الشافعي: «اعلم أنه يجب استيعاب الأصناف الثمانية عند القدرة عليهم فإن فرق","vol":"1","page":335},{"text":"وذهب إلى الثاني مالك «١» وأبو حنيفة، وبه قال عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران «٢» .\nقال ابن جرير «٣»: وهو قول أكثر أهل العلم.\nاحتج الأولون بما في الآية من القصر وبحديث زياد بن الحارث الصدائي عند أبي داود والدارقطني قال: «أتيت النبي ﵌ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة؟\nفقال له إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك» «٤» .\nوأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف والمصرف لا لوجوب استيعاب الأصناف وبأن في إسناد الحديث عبد الرحمن بن زياد بن [أنعم] «٥» الأفريقي وهو ضعيف.\nومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١] .\n_________\nبنفسه أو فرّق الإمام وليس هناك عامل، فرّق على سبعة، وأقل ما يجزىء أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف لأن الله تعالى ذكرهم بلفظ الجمع إلا العامل فإنه يجوز أن يكون واحدا يعني إذا حصلت به الكفاية، فلو صرف إلى اثنين مع القدرة على الثالث غرم للثالث، ولو لم يجد إلا دون الثلاثة من كل صنف أعطى من وجد، وهل يصرف باقي السهم إليه إن كان مستحقا أم ينقله إلى بلد آخر! قال في زيادة الرّوضة: الأصح أنه يصرف إليه، وممن صححه الشيخ نصر المقدسي، ونقله هو وغيره عن الشافعي، ودليله ظاهر، والله أعلم (كفاية الأخيار ص ١٩٤) . ط- دار الخير- دمشق.\n(١) قال ابن الحاجب: «ومصرف الزّكاة الثمانية في قوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ولو أعطيت لصنف أجزأ.\nثم قال: وفي إعطاء آل الرّسول ﵌ الصدقة ثالثها: يعطون من التطوع دون الواجب ورابعها:\nعكسه، وبنو هاشم آل، وما فوق غالب غير آل، وفيما بينهما: قولان، وفي مواليهم: قولان، ولا تصرف في كفن ميت، ولا بناء مسجد ولا لعبد ولا لكافر. (الأمهات ص ١٦٥، ١٦٦) ط- اليمامة- دمشق.\n(٢) انظر: تحدث المفسرين عن هذه الآية وذكر هذه الأقوال في «الطبري» ١/ ١٠٩، زاد المسير (٣/ ٤٥٥)، والقرطبي (٨/ ١٦٧)، وابن كثير (٢/ ٣٦٤)، والنكت (٢/ ١٤٦) .\n(٣) انظر: الطبري (١٠/ ١١) .\n(٤) إسناده ضعيف: رواه أبو داود (١٦٣٠)، والطبراني في «الكبير» (٥/ ٢٦٢)، (٥٢٨٥)، والدارقطني في «سننه» (٢/ ١٣٧)، والطحاوي في «معاني الآثار» (٣٠١١)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٧٣، ١٧٤) .\nوعلته: عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، ضعّفوه.\n(٥) ما بين [] صحّف إلى (أكغم) وهو خطأ واضح والتصويب من مصادر التخريج.","vol":"1","page":336},{"text":"والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة.\nوصحّ عنه ﵌ أنه قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم» «١» .\nوقد ادّعى مالك الإجماع على القول الآخر.\nقال ابن عبد البر: بإجماع الصحابة، فإنه لا يعلم مخالفا منهم.\nلِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ: قدّمهم لأنهم أحوج من البقية على المشهور، لشدة فاقتهم وحاجتهم.\nوقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال:\nفقال يعقوب بن السّكيت والقتيبي ويونس بن حبيب: إن الفقير أحسن حالا من المسكين قالوا: لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له. وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة.\nوقال آخرون بالعكس فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير «٢» واحتجوا بقوله\n_________\n(١) صحيح: رواه البخاري (٣/ ٢٦١، ٣٢٢، ٣٥٧)، ومسلم (١/ ١٩٥، ١٩٧) عن ابن عباس أن معاذا قال: بعثني رسول الله ﵌ قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا ذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم ...» الحديث. [.....]\n(٢) قال المصنف في «الروضة الندية» (١/ ٢٠٤): «الفقير عند الشافعي هو من لا مال له ولا حرفة يقع منه موقعا، وعند أبي حنيفة من لا شيء له فيحتاج إلى المسألة لقوته، أو ما يواري بدنه، والعامل له مثل عمله سواء كان فقيرا أو غنيّا، وعليه أهل العلم.\nوقال ابن الحاجب المالكي: «المشهور: أن الفقراء والمساكين صنفان، وعليه فيما اختلفا به مشهورها شدّة الحاجة، فالمشهور في المسكين، وقيل: سؤال الفقير، وقيل العلم به.. (الجامع ١٦٤) .\nوقال الحصني: «الفقير الذي لا مال له ولا كسب أو له مال أو كسب ولكن لا يقع موقعا من حاجته كمن يحتاج إلى عشرة مثلا ولا يملك إلا درهمين، وهذا لا يسلبه اسم الفقر، وكذا ملك الدّار التي يسكنها، والثوب الذي يتجمل به لا يسلبه اسم الفقر، وكذا العبد الذي يخدمه. قال ابن كج: ولو كان له مال على المسافة، مسافة القصر يجوز له الأخذ إلى أن يصل إلى ماله، ولو كان له دين مؤجل فله أخذ كفايته إلى حلول الدّين، ولو قدر على الكسب فلا يعطى لقوله ﵌: «لا حظ فيها لغني ولا لذي مرّة سويّ وهي القوة» وفي رواية: «ولا لذي قوة مكتسب» ولو قدر على\n.","vol":"1","page":337},{"text":"تعالى: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [الكهف: ٧٩]، فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر، وربما ساوت جملة من المال، ويؤيده تعوذ النبي ﵌ من الفقر «١» مع قوله: «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا» «٢» .\nوإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعي، وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف.\nوقال قوم: الفقير: المحتاج للتعفف والمسكين: السائل. قاله الأزهري واختاره ابن شعبان، وهو مروي عن ابن عباس. وقد قيل غير هذه الأقوال مما لا يأتي الاستكثار منه بفائدة يعتد بها.\nوالأولى في بيان ماهيّة المسكين ما ثبت عن رسول الله ﵌ عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﵌ قال: «ليس المسكين بهذه الطّواف، الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا» «٣» .\n_________\nالكسب إلا أنه مشتغل بالعلوم الشرعية، ولو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل حلّت له الزكاة على الصحيح المعروف، وقيل: لا يعطى مطلقا ويكتسب، وقيل: إن كان نجيبا يرجى تفقهه ونفعه استحق وإلا فلا، وكثيرا ما يسكن المدارس من لا يتأتى منه التحصيل، بل هو معطل نفسه! فهذا لا يعطى بلا خلاف ولو كان مقبلا على العبادة، لكن الكسب يمنعه عنها، وعن أوراده التي استغرق بها الوقت، فهذا لا تحل له الزكاة لأن الاستغناء عن الناس أولى.\nواعلم أن الفقير المكفي بنفقته ممن تلزمه نفقته، وكذا الزوجة المكفية بنفقة زوجها لا يعطيان ... وانظر: (الكفاية للحصني ص ١٩٠، ١٩١) .\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١١/ ٧٦)، ومسلم (١٧/ ٢٨، ٢٩)، عن عائشة مرفوعا. وما رواه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي (٨/ ٢٦١)، وأحمد في «المسند» (٢/ ٣٠٥، ٣٢٥، ٣٥٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٧٨)، عن أبي هريرة مرفوعا.\nقلت: وكلا الحديثين فيهما تعوّذه ﵌ من الفقر. أعاذنا الله منه.\n(٢) حديث حسن: رواه ابن ماجة (٤١٢٦)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (١٠٠٢) عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.\nوفيه يزيد بن سنان، ضعفوه.\nوله شاهد من حديث أنس وعبادة كما رواهما البيهقي في «الكبرى» (٧/ ١٢) .\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٣/ ٣٤٠)، ومسلم (٧/ ١٢٩)، واللفظ له، وأبو داود (١٦٣١)،","vol":"1","page":338},{"text":"وَالْعامِلِينَ عَلَيْها: أي السّعاة الذين ينفقهم الإمام لتحصيل الزكاة فإنهم يستحقون منها قسطا.\nواختلف في القدر الذي يأخذونه منها؟\nفقيل: الثّمن، روي ذلك عن مجاهد والشافعي.\nوقيل: على قدر أعمالهم من الأجرة، روي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه.\nوقيل: يعطون من بيت المال قدر أجرتهم، روي ذلك عن مالك. ولا وجه لهذا، فإن الله تعالى قد أخبر بأن لهم نصيبا من الصدقة، فكيف يمنعون منها ويعطون من غيرها؟! واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشميا أم لا؟ فمنعه قوم وأجازه آخرون.\nقالوا: ويعطى من غير الصدقة.\nوَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: قوم كانوا في صدر الإسلام.\nفقيل: هم الكفار الذين كان النبي ﵌ يتألفهم ليسلموا، وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف بل بالعطاء.\nوقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يحسن إسلامهم، فكان رسول الله ﵌ يتألفهم بالعطاء.\nوقيل: هم من أسلم من اليهود والنصارى، وقيل: هم قوم من عظماء المشركين، ولهم أتباع، فأعطاهم النبي ﵌ ليتألفوا أتباعهم على الإسلام، وأعطى النبي ﵇ جماعة ممن أسلم ظاهرا، كأبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى: أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل يؤلفهم بذلك، وأعطى آخرين دونهم «١» .\n_________\nوأحمد في «المسند» (٢/ ٢٦٠، ٤٦٩)، والنسائي (٥/ ٨٤، ٨٥)، والدارمي (١/ ٣٧٩) .\n(١) حديث صحيح: «رواه مسلم (٧/ ١٥٥)، عن رافع بن خديج مرفوعا أنه ﵌ أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصين، والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك ...» الحديث.\n«رواه البخاري (٥/ ٢٥١)، (٨/ ٥٥) ومسلم (٧/ ١٥٧)، عن ابن مسعود مرفوعا أنه أعطى يوم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة ...» الحديث.","vol":"1","page":339},{"text":"وقد اختلف العلماء: هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا؟\nفقال عمر والحسن والشعبي: قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره. وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي. وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت على ذلك.\nوقال جماعة من العلماء: سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يتألف على الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، وبه أفتى الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية» «١»، قال يونس: سألت الزهري عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخ ذلك.\nوعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف.\nوَفِي الرِّقابِ: أي في فكها بأن يشتري رقابا ثم يعتقها، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك وابن حنبل وإسحاق وأبو عبيد.\nوقال الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد: إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال الكتابة، وهو قول الشافعي «٢» وأصحاب الرأي «٣» ورواية عن مالك «٤» . والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعا، لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة.\nوَالْغارِمِينَ: هم الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب. وقد أعان النبي ﵌ من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها «٥» .\nوَفِي سَبِيلِ اللَّهِ: هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم، وإن كانوا أغنياء. وهذا قول أكثر العلماء. قال ابن عمر: هم\n_________\n(١) انظره في: (ص ١٥٧)، ورحمة الأمة (ص ٨٥) .\n(٢) انظر: كفاية الأخيار (ص ١٩٢)، تهذيب الأحكام الشرعية في فقه الشافعية لشيخنا كمال العناني (٣٠٣) .\n(٣) انظر: الروضة الندية (١/ ٢٠٤)، ورحمة الأمة (ص ٨٥) .\n(٤) انظر: جامع ابن الحاجب (ص ١٦٥) .\n(٥) انظر: شرح العبادات للكلوذاني (ص ١٩٧)، وجامع ابن الحاجب (ص ١٦٥)، وكفاية الأخيار (ص ١٩٣)، الروضة الندية (١/ ٢٠٤) .","vol":"1","page":340},{"text":"الحجاج والعمار «١» .\nوروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله «٢» .\nوقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيرا منقطعا به.\nوَابْنِ السَّبِيلِ: هو المسافر «٣» .\nوالسبيل: الطريق ونسب إليها المسافر لملازمته إياها.\nوالمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره، فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده، وإن وجد من يسلفه.\nوقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى «٤» .\nقوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ: يعني كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضا لله على عباده نهاهم عن مجاوزته «٥» .\n[الآية التاسعة عشرة]\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) .\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ: الأمر بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده وجهاد الكفار يكون بمقاتلهم حتى يسلموا، وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله «٦» .\n_________\n(١) انظر: جامع ابن الحاجب (ص ١٦٥)، وشرح عبادات الكلوذاني لليعقوبي (ص ١٩٨)، وكفاية الأخيار (١٩٤) .\n(٢) قال الجراعي: وعنه الحجج ليس من السبيل والعكس المذهب (غاية المطلب ص ١٠٥) وقال اليعقوبي: هم الغزاة (شرح العبادات للكلوذاني (ص ١٩٨) . [.....]\n(٣) انظر: غاية المطلب (ص ١٠٥)، الروض المربع (ص ١٢٠) ط- السّفلية.\n(٤) مذهب المالكية إن وجد مسلفا وهو مليء ببلده، فقولان (ابن الحاجب في الجامع ص ١٦٦) .\n(٥) وقال اليعقوبي: «فالمستحب أن يجمع بين الأصناف المذكورة في العطية، فإن دفعها إلى صنف واحد أجزأه وكان تاركا للاستحباب» (ص ١٩٨) .\nوقد ذكرنا قول أهل العلم في هذه المسألة عند أول الكلام على آيات الصدقات.\n(٦) انظر: الرّوضة الندية للمصنف (ص ٣٣١) .","vol":"1","page":341},{"text":"وقال الحسن: إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم. واختاره قتادة «١» .\nقيل في توجيهه: إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود.\nوقال ابن العربي: إن هذه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق بما لا تتلبس به الجوارح ظاهرا، وأخبار المحدودين تشهد بسياقها أنهم لم يكونوا منافقين.\nوَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الغلظ: نقيض الرأفة، وهو شدة القلب، وخشونة الجانب.\nقيل: وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصبر والصفح، وفي «التحريم» «٢» مثلها.\n[الآية العشرون]\nفَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) .\nفَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ: الرجع: متعد كالرد، والرجوع: لازم، والفاء لتفريغ ما بعدها على ما قبلها وإنما قال: إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ: لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين، بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله ﵌، وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا «٣» .\nوقيل: إنما قال إلى طائفة لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف.\nفَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٠/ ١٢٦)، والنكت (٢/ ١٥٢)، وزاد المسير (٣/ ٤٦٩)، والقرطبي (٨/ ٢٠٤)، وابن كثير (٢/ ٣٧١)، الدر المنثور (٣/ ٢٥٨) .\n(٢) آية رقم (٩) .\n(٣) هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، وتخلفهم كان عن غزوة تبوك من غير عذر.\nوانظر: البخاري (٨/ ١١٣، ١١٦، ٣٤٣، ٣٤٤)، ومسلم (١٧/ ٨٧، ٩٩)، عن كعب بن مالك.","vol":"1","page":342},{"text":"فَقُلْ لهم: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا: أي قل لهم ذلك عقوبة لهم، ولما في استصحابهم من المفاسد.\nإِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ: للتعليل أي لن تخرجوا معي، ولن تقاتلوا لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أول مرة، وهي غزوة تبوك.\nفَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣): جمع خالف، والمراد بهم من تخلف عن الخروج.\nوقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم: (فلان خالف أهل بيته) إذا كان فاسدا فيهم.\n[الآية الحادية والعشرون] وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) .\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ: صفة لأحد.\nوأَبَدًا ظرف لتأييد النفي.\nقال الزجاج: معنى قوله: وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ: أن رسول الله ﵌ كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له «١»، فمنع هاهنا منه.\nوقيل: معناه لا تقم بمهمات إصلاح قبره.\nوجملة: إِنَّهُمْ كَفَرُوا إلخ. تعليل للنهي عن صلاة الجنازة، والقيام على قبور هؤلاء المنافقين «٢» .\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٣٢٢١)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٧٠) وصححه ووافقه الذّهبي.\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٣/ ١٣٨)، ومسلم (١٥/ ١٦٧)، عن ابن عمر ﵄.","vol":"1","page":343},{"text":"[الآيات: الثانية والثالثة والرابعة والعشرون]\nلَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) .\nلَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ: وهم أرباب الزمانة والهرم والعرج ونحو ذلك «١»، ثم ذكر العذر العارض فقال:\nوَلا عَلَى الْمَرْضى: والمراد بالمرض: كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعا.\nوقيل: إنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ونحوهما، ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن قائلا:\nوَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ: أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهيز للجهاد، فنفى سبحانه عنهم أن يكون عليهم حَرَجٌ: وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم، غير واجب عليهم مقيدا بقوله:\nإِذا نَصَحُوا: أصل النصح إخلاص العمل، ونصح له القول: أي أخلصه له.\nوالنصح لِلَّهِ الإيمان به، والعمل بشريعته، وترك ما يخالفها كائنا ما كان، ويدخل تحته دخولا أوليا نصح عباده، ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه.\nونصيحة رَسُولِهِ ﵌ التصديق بنبوّته وبما جاء به، وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهى عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبته، وتعظيم سنته، وإحياءها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة.\nوقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﵌ قال: «الدين النصيحة» ثلاثا، قالوا:\nلمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» «٢» .\n_________\n(١) انظر: النكت (٢/ ١٥٨)، زاد المسير (٣/ ٤٨٥) .\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (٥٥) .","vol":"1","page":344},{"text":"وجملة: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ: مقررة لمضمون سبق أي ليس على المعذورين الناصحين طريق عقاب ومؤاخذة.\nوَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور: ٦١]، وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه مع رغبتهم إليه لولا أن حبسهم العذر عنه.\nومنه حديث أنس عن أبي داود وأحمد- وأصله في «الصحيحين» - أن رسول الله ﵌ قال: «لقد تركتم بعدكم قوما ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم: قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال:\nحبسهم العذر» «١» .\nوأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر «٢» .\nثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله:\nوَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ: على ما يركبون عليه في الغزو.\nقُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ: أي حال كونهم باكين.\nحَزَنًا: منصوب على المصدرية أو على الحالية.\nأَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) لا عند أنفسهم ولا عندك.\nإِنَّمَا السَّبِيلُ: أي طريق العقوبة والمؤاخذة.\nعَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ: في التخلف عن الغزو، والحال أن وَهُمْ أَغْنِياءُ: أي يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٢٥٠٨)، وأحمد في «المسند» (٣/ ١٦٠، ٢١٤) عن أنس مرفوعا. والبخاري معلقا (٦/ ٤٧) عن أنس.\nوأصله في «الصحيحين» عند البخاري (٦/ ٤٦، ٤٧) (٨/ ١٢٦)، عن أنس، ومسلم (١٣/ ٥٦، ٥٧) عن جابر مرفوعا.\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٣/ ٥٦، ٥٧)، وابن ماجة (٢٧٦٥)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٣٣٠) (٣٤) عن جابر مرفوعا.","vol":"1","page":345},{"text":"رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ: أي أن سبب الاستئذان مع الغنى أمران:\nأحدهما: الرضا بالصفقة الخاسرة وهي أن يكونوا مع الخوالف.\nوالثاني: الطبع من الله على قلوبهم.\nفَهُمْ: بسبب هذا الطبع.\nلا يَعْلَمُونَ (٩٣): ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر.\n[الآية الخامسة والعشرون]\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) .\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً: قد اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها؟\nفقيل: هي صدقة الفرض.\nوقيل: هي مخصوصة لهذه الطائفة المعترفين بذنوبهم لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله ﵌ فنزلت هذه الآية. و(من) للتبعيض على التفسيرين.\nقال السيوطي: فأخذ ثلث أموالهم فتصدق بذلك للكفارة فإن كل من أتى ذنبا يسن له أن يتصدق، والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة، والصدقة مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه.\nتُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها: الضمير في الفعلين للنبي ﵌.\nوقيل: للصدقة: أي تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم، والأول أولى.\nومعنى التطهير: إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية: المبالغة في التطهير «١» .\nوَصَلِّ عَلَيْهِمْ: أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١١/ ١٣)، النكت (٢/ ١٦٣)، زاد المسير (٣/ ٤٩٥)، القرطبي (٨/ ٢٤٤)، وابن كثير (٢/ ٣٨٥) . [.....]","vol":"1","page":346},{"text":"قال النحاس: وحكى أهل اللغة جميعا- فيما علمنا- أن الصلاة في كلام العرب:\nالدعاء.\nإِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي ما تسكن إليه النفس، وتطمئن به.\n[الآية السادسة والعشرون]\nما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) .\nما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى: ذكر أهل التفسير أن (ما كان) في القرآن يأتي على وجهين:\nالأول: على النفي نحو: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥] .\nوالآخر: على معنى النهي نحو: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣]، وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية، فإن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها، وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار، وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافرا «١» .\nولا ينافي هذا ما ثبت عنه ﵌ في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» «٢»، لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار للمشركين.\nوعلى فرض أنه كان قد بلغه- كما يفيده سبب النزول «٣» - فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة، فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدم من الأنبياء، كما في «صحيح مسلم» عن عبد الله قال: «كأني أنظر إلى النبي ﵌ يحكي نبيا\n_________\n(١) انظر: الفتح الرّباني (١٨/ ١٦٤)، الطبري (١١/ ٣٠)، النكت (٢/ ١٧٠)، زاد المسير (٣/ ٥٠٧)، القرطبي (٣/ ٥٠٩)، ابن كثير (٢/ ٣٩٣)، اللباب (١٢٦)، الدر المنثور (٣/ ١٨٢) .\n(٢) انظر تخريجه فيما بعده.\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٨/ ٣٤١)، ومسلم (٢٤)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٠٢)، والأسماء والصفات (ص ٩٧، ٩٨)، والطبري (١١/ ٤١) عن سعيد بن المسيّب عن أبيه فذكر الحديث.","vol":"1","page":347},{"text":"من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» «١» .\nوفي البخاري: أن النبي ﵌ ذكر نبيا قبله شجه قومه، فجعل يخبر عنه بأنه قال:\n«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» «٢» .\nمِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣): هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار.\nوالمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا وعدم الاعتداد بالقرابة، لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده.\n[الآية السابعة والعشرون]\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) .\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً: اختلف المفسرون في معناها؟ فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد، لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله ﵌ سرية إلى الكفار، ينفرون جميعا ويتركون المدينة خالية، فأخبرهم سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك، أي ما صح لهم ولا استقام أن ينفروا جميعا.\nفَلَوْلا: بمعنى هلا، فهي تحضيضية على معنى الطلب.\nنَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ: ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة، ويكون الضمير في قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ: عائدا إلى الفرقة الباقية «٣» .\nوالمعنى أن طائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو، ومن بقي من الفرقة يقفون\n_________\n(١) صحيح: رواه مسلم (١٢/ ١٤٩، ١٥٠) .\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٦/ ٥١٤) .\n(٣) انظر: الطبري (١١/ ٥٥)، الزجاج (٢/ ٥٢٩) .","vol":"1","page":348},{"text":"لطلب العلم ويعلمون الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو، أو يذهبون في طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين «١» .\nوَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ: عطف علة، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة، لا الترفع على العباد والتبسط في البلاد.\nوذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، بل هي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه متصلا بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين:\nالأول: سفر الجهاد.\nوالثاني: السفر لطلب العلم.\nولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر.\nوالفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها، من لغة ونحو وصرف وبيان وأصول. وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدين الصالحين، والمطلبين الصحيحين، وهما:\nتعلّم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني «٢» .\n[الآية الثامنة والعشرون] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً: أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار في الدار والبلاد والنسب، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة.\nوالجهاد واجب لكل الكفار، وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم، ثم الأقرب فالأقرب.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٣/ ٥٢٠)، القرطبي (٨/ ٢٩٩) .\n(٢) انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب (ص ١١) ط- دار الوطن.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>سورة هود وآياتها مائة وثلاث وعشرون آية</span>\nمكيّة في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر وغيرهم «١» .\nقال ابن عباس وقتادة: إلا آية «٢»، وهي قوله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ.\nوقال ﵌: «اقرؤوا [هود] «٣» يوم الجمعة» .\nأخرجه الدارمي وأبو داود في «مراسيله» وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر والبيهقي في «الشعب» عن كعب «٤» .\n[الآية الأولى]\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) .\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا: فسّر الأئمة من رواة اللغة الركون: بمطلق الميل والسكون من غير تقييد بما قيد به صاحب «الكشاف» حيث قال: إن الركون هو الميل اليسير، وهكذا فسّره المفسرون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد، إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب «الكشاف» .\nومن المفسرين من ذكر في تفسيره للركون قيودا لم يذكرها أئمة اللغة.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١١/ ١٢٢)، وزاد المسير (٤/ ٧٤) .\n(٢) انظر: الطبري (١١/ ١٢٣)، زاد المسير (٤/ ٧٥) .\n(٣) ما بين [] حرّف لهود وهو خطأ واضح.\n(٤) إسناده ضعيف: رواه الدارمي (٣٤٠٤)، وأبو داود في «مراسيله» (٥٩) عن كعب بن ماتع مرفوعا.\nوعلته: إرسال كعب الأحبار فروايته للحديث مرسلا، وانظر: التهذيب (٨/ ١٩٣) .","vol":"1","page":350},{"text":"قال القرطبي في «تفسيره» «١»: الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، ومن أئمة التابعين من فسّر الركون بما هو بعض من معناه اللغوي:\nفروي عن قتادة وعكرمة في تفسير الآية: إن معناها لا تودوهم ولا تطيعوهم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير الآية: الركون هنا الإدهان، وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم.\nوقال أبو العالية: معناه لا ترضوا أعمالهم «٢» .\nوقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية: هل هي خاصة بالمشركين؟\nوأنهم المرادون بالذين ظلموا؟ وقد روي ذلك عن ابن عباس.\nوقيل: إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية. ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب.\nفإن قلت: قد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر، الثابتة عن رسول الله ﵌ ثبوتا لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة، بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في بعض ألفاظ الصحيح: «أطيعوا السلطان وإن كان عبدا حبشيا رأسه كالزبيبة» «٣» .\nوورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة «٤»، وما لم يظهر منهم الكفر البواح «٥»، وما لم يأمروا بمعصية الله «٦» .\n_________\n(١) انظره في (٩/ ١٠٨) .\n(٢) انظر: الطبري (١٢/ ١٢٨)، الدر المنثور (٣/ ٣٥١) . [.....]\n(٣) حديث صحيح: رواه البخاري (٢/ ١٨٤، ١٨٨)، (١٣/ ١٢١)، ومسلم (١٢/ ٢٢٥)، عن أنس مرفوعا.\n(٤) حديث صحيح: رواه مسلم (١٢/ ٢٤٤) عن عوف بن مالك مرفوعا، وفيه: «لا ما أقاموا الصلاة» .\n(٥) حديث صحيح: رواه البخاري (١٣/ ٥)، ومسلم (١٢/ ٢٢٨)، عن عبادة مرفوعا وفيه: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» .\n(٦) حديث صحيح: رواه البخاري (١٣/ ١٢١، ١٢٢)، ومسلم (١٢/ ٢٢٦)، عن عبد الله بن عمر مرفوعا قوله ﵌: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .","vol":"1","page":351},{"text":"وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مرتبة، وفعلوا أعظم أنواعه مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح، فإن طاعتهم واجبة، حيث لم يكن ما أمروا به من معصية الله.\nومن جملة ما يأمرون به تولي الأعمال لهم والدخول في المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها من معصية الله.\nومن جملة ما يأمرون به الجهاد وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا وإقامة الشريعة بين المتخاصمين منهم وإقامة الحدود على من وجبت عليه.\nوبالجملة فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم، فكل ما يأمرون به مما لم يكن من معصية الله، ولا بد في مثل هذا من المخالطة لهم والدخول عليهم ونحو ذلك مما لا بد منه، ولا محيص عن هذا الذي ذكرناه من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به بل وقد ورد به الكتاب العزيز: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩]، بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الإطاعة وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا، كما في بعض الأحاديث الصحيحة: «أعطوهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم» «١» .\nبل ورد الأمر بطاعة السلطان وبالغ في ذلك النبي ﵌ حتى قال: «وإن أخذ مالك وضرب ظهرك» «٢» .\nوإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون، فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما يستلزمه من المخالطة عن ميل وسكون، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهرا وباطنا، فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر بأمر يقتضي ذلك شرعا، كالطاعة أو للتقيّة مخافة الضرر منهم، أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة، أو لدفع مفسدة عامة أو خاصة، إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضا بأفعالهم.\nقلت: أما الطاعة على عمومها لجميع أقسامها- حيث لم تكن في معصية الله- فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها مخصّصة لعموم النهي عنه، ولا شك في هذا\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه الباري (٦/ ٦١٢)، (١٣/ ٥)، ومسلم (١٢/ ٢٣١، ٢٣٢) عن ابن مسعود مرفوعا نحوه.\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٢/ ٢٣٧، ٢٣٨)، عن حذيفة مرفوعا.","vol":"1","page":352},{"text":"ولا ريب، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها إليهم- مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها- إذا وثق من نفسه بالقيام إلى ما وكل إليه فذلك واجب عليه، فضلا عن أن يقال جائز له.\nوأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة، فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء، جمعا بين الأدلة أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة «١» .\nوأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليها، ومحبتها لهم، وكراهة الموصلة لهم- لولا جلب تلك المصلحة، أو دفع تلك المفسدة- فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفى على الله خافية.\nوبالجملة: فمن ابتلي بمخالطة من فيه ظلم، فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني، ومن قدر على الفرار منهم، قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى والأليق به.\nيا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، الذين لا يخافون فيك لومة لائم وقوّنا على ذلك، ويسره لنا، وأعنا عليه.\nقال القرطبي في «تفسيره» «٢»: وصحبة الظالم على التقيّة مستثناه من النهي بحال الاضطرار. انتهى.\nوقال النيسابوري في «تفسيره» «٣»: قال المحققون: الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة، أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك\n_________\n(١) حديث صحيح: ما رواه مسلم (١٢/ ٢١٠) عن أبي ذر مرفوعا قوله ﵌: «لا تأمرن اثنين، ولا تولين مال يتيم» .\n(٢) انظره في (٩/ ١٠٨) .\n(٣) المسمّى بالتيسير في عالم «التفسير» لعبد الملك بن هوازن- طبع بدار الغرب- بيروت ٣ مجلدات.","vol":"1","page":353},{"text":"الأبواب. فأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب مصلحة عاجلة فغير داخلة في الركون.\nقال: وأقول: هذا من طريق المعاش والرخصة، ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] انتهى.\nفَتَمَسَّكُمُ النَّارُ: بسبب الركون إليهم وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار أو كالنار، ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>سورة النحل [وآياتها مائة وثمان وعشرون]</span>\nهي مكيّة كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر.\nوروي عن ابن عباس وأبي الزبير: أنها نزلت بمكة سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهن نزلن بين مكة والمدينة في منصرف رسول الله ﵌ من أحد «١» .\nوتسمى هذه السورة بسورة النعم، بسبب ما عدد الله فيها.\n[الآية الأولى]\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) .\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا: هو ما يسكر من الخمر.\nوَرِزْقًا حَسَنًا: هو جميع ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب والخل، وكان نزول هذه الآية قبل تحريم الخمر.\nوقيل: إن السّكر: الخل بلغة الحبشة.\nوالرزق الحسن: الطعام من الشجرتين.\nوقيل: السّكر العصير الحلو الحلال. وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. والقول الأول أولى، وعليه الجمهور.\nوقد صرّح أهل اللغة بأن السّكر اسم للخمر ولم يخالف في ذلك إلا أبو عبيدة فإنه قال: السّكر الطعم. ومما يدل على ما قاله الجمهور قول الشاعر:\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٤/ ٥٢)، زاد المسير (٤/ ٤٢٤)، والقرطبي (١٠/ ٦٥) .","vol":"1","page":355},{"text":"بئس [الصّحاة] «١» وبئس الشّرب شربهم ... إذا جرى [فيهم المزّاء] «٢» والسّكر\nومما يدل على ما قاله أبو عبيدة ما أنشده:\nجعلت عيب الأكرمين سكرا\nأي جعلت ذمهم طعما.\nورجح هذا ابن جرير فقال «٣»: إن السّكر ما يطعم من الطعام، ويحب شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، واللفظ مختلف والمعنى واحد، مثل:\nَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ\n[يوسف: ٨٦] .\nقال الزجاج: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولا حجة له في البيت الذي أنشده، لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس.\nوقد حمل السّكر جماعة من الحنفية على ما يسكر من الأنبذة وعلى ما ذهب ثلثاه بالطبخ. قالوا: وإنما يمتن الله على عباده بما أحله لهم لا بما حرمه عليهم، وهذا مردود بالأحاديث الصحيحة المتواترة على فرض تأخره عن آية تحريم الخمر «٤» .\n_________\n(١) صحّفت في «المطبوعة» إلى (الصحاب) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه كما في «القرطبي» (١٠/ ١٢٨) .\n(٢) حرّفت إلى (منهم الهذر) وهو خطأ، والتصوير من القرطبي (١٠/ ١٢٨) .\n(٣) انظره في تفسيره (١٤/ ٨٧، ٨٩) .\n(٤) فبالجملة: هذه الآية نسختها آية المائدة فَاجْتَنِبُوهُ [آية: ٩] وهذا على الراجح.\nوعقّب القاضي ابن العربي بقوله: هذا بناء على أن السكر الخمر وقد اختلف العلماء في تأويله على خمسة أقوال:\nالأول: أن معناه تتخذون من ما حرّم الله قاله ابن عباس والحسن.\nالثاني: أنه الخلّ قاله الحسن أيضا.\nالثالث: أنه كل ما يتطعم منه.\nالرابع: أنه خمور الأعاجم.\nالخامس: أنه ما يسدّ الجوع.\nوأما الرزق الحسن ففيه ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه ما أحل الله.\nالثاني: الأول بعينه- قاله ابن عباس والحسن وغيرهما.\nالثالث: أنه النبيذ الحلو- قاله قتادة.\nفإذا لم يقل إن السكر الخمر لم يتصور في الآية نسخ، وإذا قلنا أن المراد به الخمر وتقدير:\nتتخذون منه ما حرم الله، فيكون معناه التوبيخ تقديره: أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب [.....]","vol":"1","page":356},{"text":"[الآية الثانية]\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) .\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ: وهي أيمان البيعة.\nقال الواحدي: قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﵌ عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله:\nفَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها: من المبالغة، وبما في قوله:\nوَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله ﵌ صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام، وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله ﵌، هي سبب نزول هذه الآية، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nوقال جماعة من المفسرين: إن هذا تكرير لما قبله لقصد التأكيد والتقرير، أعني قوله: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [النحل: ٩١] إلى قوله: تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ [النحل: ٩٢] الآية.\nوالمراد بالتوكيد التشديد والتغليظ والتوثيق، وليس المراد اختصاص النهي عن النقض بالإيمان المؤكدة، ولا يغيرها مما لا تأكيد فيه، فإن تحريم النقض يتناول الجميع، ولكن في نقض اليمين المؤكدة من الإثم فوق الإثم الذي في نقض ما لم يؤكد\n_________\nفاتخذتم منه الخمر التي حرّم الله، وإذا قلنا: أن المنة وقعت بالخمر، فحينئذ يكون النسخ، ولا أقول به ولا أصوبه لقائله فإنه لو أراد الخمر لصرّح باسمها، وكان أولى من أن يقول ذلك بلفظ السكر المذموم، والمنّة لا تقع بمكروه، وما يذهب العقل لا يقع فيه مدح ولم يكن السكر محللا في ملة وسكت الله عنه مدة في صدر الإسلام لفساد جميعه ودعاء قليله إلى كثيرة فسكت عنه إلى أن رأوا فساده واستدعوا تحريمه، فجاء كما أرادوا مع هذا كله، فقد تهافتوا عليه تهافت الفراش وسقطوا فيه سقوط الذّباب اه.\nوانظر فيما يتعلق بهذه الآية من أقوال أهل العلم والتفسير: «الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٢٨٠، ٢٨١)، والأحكام له (٣/ ١١٤١)، والنحاس (١٧٩)، وزاد المسير (١٠/ ٤٦٤)، والمصفّى (٢٠٨)، والقرطبي (١٠/ ١٢٨)، وابن البارزي (٢٩٦)، والبصائر (١/ ٢٨٠) .","vol":"1","page":357},{"text":"منها، وهذا العموم مخصوص بما ثبت في الأحاديث الصحيحة من قوله ﵌: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه» «١»، حتى بالغ في ذلك فقال: «والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني»، وهذه الألفاظ ثابتة في الصحيح وغيره.\nويخص أيضا من هذا العموم يمين اللغو لقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [البقرة: ٢٢٥] ويمكن أن يكون التقييد بالتوكيد هاهنا لإخراج أيمان اللغو، وقد تقدم بسط الكلام على الإيمان في البقرة.\nوقيل: توكيد اليمين هو حلف الإنسان على الشيء الواحد مرارا.\nوحكى القرطبي «٢» عن ابن عمر: أنّ التوكيد هو أن يحلف مرتين فإن حلف واحدة فلا كفارة عليه.\nقال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل.\nوقيل: الدخل ما أدخل في الشيء على فساده.\nوقال الزجاج: غشا.\n[الآية الثالثة]\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) .\nفَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ: الفاء لترتيب الاستعاذة على العمل الصالح.\nوقيل: هذه الآية متصلة بقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، والتقدير فإذا أخذت في قراءته فَاسْتَعِذْ.\nقال الزجاج وغيره من أئمة اللغة: معناه إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ وليس معناه استعذ بعد أن تقرأ القرآن. ومثله: إذا أكلت فقل: بسم الله.\nقال الواحدي: وهذا إجماع الفقهاء أن الاستعاذة قبل القراءة إلا ما روي عن أبي هريرة وابن سيرين وداود ومالك وحمزة من القراء فإنهم قالوا: الاستعاذة بعد القراءة،\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١١/ ٥١٦، ٥١٧)، ومسلم (١١/ ١١٤، ١١٦) عن أبي هريرة وعبد الرحمن بن سمرة مرفوعا بنحوه.\n(٢) انظره في «تفسيره» (١٠/ ١٧٠) .","vol":"1","page":358},{"text":"وقد ذهبوا إلى ظاهر الآية.\nومعنى فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ اسأله سبحانه أن يعيذك.\nمِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨): أي من وساوسه، وتخصيص قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها كسائر الأعمال الصالحة عند إرادتها لهم لأنه إذا وقع الأمر بها عند قراءة القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كانت عند إرادة غيرها أوفى، كذا قيل.\nوكذا توجيه الخطاب إلى رسول الله ﵌ للإشعار بأن غيره أولى منه بفعل الاستعاذة، لأنه إذا أمر بها لدفع وساوس الشيطان- مع عصمته- فكيف بسائر أمته.\nوقد ذهب الجمهور إلى أن الأمر في الآية للندب، وروي عن عطاء الوجوب أخذا بظاهر الأمر.\n[الآية الرابعة]\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) .\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ: قال القرطبي «١»: أجمع أهل العلم أن من أنكره على الكفر، حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه [إن] «٢» كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر.\nوحكي عن محمد بن الحسن أنه إذا أظهر الكفر كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلما. وهذا القول مردود على قائله مدفوع بالكتاب والسنة.\nوذهب الحسن البصري والأوزاعي والشافعي وسحنون إلى أن هذه الرخصة مثل\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٠/ ١٨٢) .\n(٢) ما بين [معقوفين] زيادة اقتضاها السياق.","vol":"1","page":359},{"text":"أن يكره على السجود لغير الله. ويدفعه ظاهر الآية فإنها عامة في من أكره، من غير فرق بين القول والفعل، ولا دليل للقاصرين للآية على القول، وخصوص السبب لا اعتبار به مع عموم اللفظ كما تقرر في علم الأصول.\nوَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا: أي اختاره وطابت به نفسه.\nفَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ: ليس بعد هذا الوعيد العظيم- وهو الجمع للمرتدين بين غضب الله وعظم عذابه بقوله: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) وعيد «١» .\n[الآية الخامسة]\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) .\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ: قال الكسائي والزجاج: (ما) هنا مصدرية، وانتصاب الكذب بلا تقولوا، أي لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم. ومعناه لا تحللوا ولا تحرموا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة.\nويجوز أن تكون (ما) موصولة والكذب منتصبا بتصف، أي لا تقولوا للذي تصف\n_________\n(١) تكلم ابن العربي على هذه الآية في «الأحكام» (٣/ ١١٦٥، ١١٧٠) ما ملخصه: أنها نزلت في المرتدين، واختلفوا في التهديد هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنه إكراه.\nواختلفوا في الزنا؟ والصحيح أنه يجوز له الإقدام عليه ولا حدّ عليه خلافا لابن الماجشون، وأما الكفر بالله فذلك جائز له بدون خلاف على شرط أن يلفظ بلسانه، وقلبه منشرح بالإيمان، بل قال المحققون من علمائنا: إنه إذا تلفّظ بالكفر أنه لا يجوز له أن يجري على لسانه إلا جريان المعاريض. مثاله: أن يقال له: اكفر بالله؟ فيقول: أنا كافر بالله- يريد باللاهي ويحذف الياء.\nوالكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد.\nوالمكره على القتل إذا قتل يقتل لأنه قتل من يكافئه ظلما استيفاء لنفسه فقتل كما لو قتله الجماعة.\nوفي سبب نزول هذه الآية المكيّة ثلاث روايات: الأولى أنها نزلت في عمار بن ياسر وأمه سميّة حباب بن الإرث وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة والمقداد بن الأسود وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت بعضهم على الإسلام وصبر بعضهم على البلاء ولم يصبر بعض فقتلت سمية وافتتن عمار في ظاهره دون باطنه وسأل النبي ﵌ فنزلت الآية ... اه.","vol":"1","page":360},{"text":"ألسنتكم الكذب فيه هذا حلال وهذا حرام، فحذف لفظة فيه لكونه معلوما، فيكون قوله: هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب.\nويجوز أن يكون في الكلام حذف بتقدير القول، أي ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم فتقول هذا حلال وهذا حرام وقائله هذا حرام وهذا حلال.\nويجوز أن ينتصب الكذب أيضا بتصف وتكون ما مصدرية، أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب.\nواللام في قوله: لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ هي لام العاقبة لا لام العرض، أي فيعقب ذلك افتراؤكم على الله الكذب بالتحليل والتحريم، وإسناد ذلك إليه من غير أن يكون منه «١» .\nأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا «٢» .\nقال [الشوكاني في] «٣» «فتح القدير» «٤»: قلت: صدق ﵀ فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فينا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو سنة رسوله ﵌، كما يقع كثيرا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة وإنهم لحقيقيون بأن يحال بينهم وبين فتواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير فضلوا وأضلوا فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل:\nكبهيمة عمياء قاد زمامها ... أعمى على عوج الطريق الجائر\nوقال الطبراني: عن ابن مسعود قال: عسى رجل يقول: إن الله أمر كذا ونهى عن كذا، فيقول الله له: كذبت! أو يقول: إن الله حرم كذا وأحل كذا، فيقول الله له:\nكذبت «٥» ! انتهى.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٤/ ٥٠٢)، القرطبي (١٠/ ١٩٦)، البيان (٢/ ٨٦) .\n(٢) أورده السيوطي في «الدر» (٥/ ١٧٥) وعزاه لابن أبي حاتم فقط.\n(٣) ما بين [] سقط من المطبوعة.\n(٤) انظره في «تفسيره» هذا (٣/ ٢٠١) .\n(٥) ضعيف: رواه الطبراني في «الكبير» (٨٩٩٥) عن عطاء بن السائب، عن غير واحد من أصحابه به\n.","vol":"1","page":361},{"text":"وقال الحافظ ابن القيم ﵀ في «إعلام الموقعين» «١»: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه، أو أوجبه أو كرهه إلا بما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته.\nوأما ما وجده في كتابه الذي تلقى عمن قلدوا فيه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله ويغير الناس بذلك ولا علم له بحكم الله ورسوله.\nقال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول أحل الله كذا، وحرم كذا فيقول له الله كذبت لم أحل كذا ولم أحرمه.\nوثبت في «صحيح مسلم» «٢» من حديث بريدة بن [الحصيب] «٣» أن رسول الله ﵌ قال: «إذا حاصرت حصنا فسألوك أن تنزلهم على حكم الله ورسوله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» .\nوسمعت شيخ الإسلام- يعني الشيخ ابن تيمية ﵁- قال: حضرت مجلسا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال: هذا حكم الله! فقلت له: صار قول زفر حكم الله الذي حكم به وألزم به الأمة! قل: هذا حكم زفر وقوله، ولا تقل حكم الله ونحو هذا من الكلام.\nانتهى.\n[الآية السادسة]\nادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) /.\n_________\nفذكره.\nوقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٨٢): وفيه من لم يسمّ» .\n(١) انظره في (١/ ٣٩) .\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٢/ ٣٧، ٤٠)، وأبو داود (٢٦١٢)، (٢٦١٣)، والترمذي (١٤٠٨)، (١٦١٧)، وابن ماجة (٢٨٥٨)، وأحمد في «المسند» (٥/ ٣٥٢، ٣٥٨)، والدارمي (٢/ ٢١٥) . [.....]\n(٣) ما بين [معقوفين] صحّفت إلى (الخصيب) وهو خطأ، والتصويب من مصادر التخريج.","vol":"1","page":362},{"text":"ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ: حذف المفعول للتعميم لكونه بعث إلى الناس كافة.\nوسبيل الله: هو الإسلام.\nبِالْحِكْمَةِ: أي بالمقالة المحكمة الصحيحة.\nقيل: وهي الحجج القطعية المفيدة لليقين.\nوَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ: وهي المقالة المشتملة على الموعظة الحسنة التي يستحسنها السامع، وتكون في نفسها حسنة باعتبار انتفاع السامع بها.\nقيل: وهي الحجج الظنية الإقناعية الموجبة للتصديق بمقدمات مقبولة. قيل:\nوليس للدعوة إلا هاتان الطريقتان. ولكن الداعي قد يحتاج مع الخصم الألد إلى استعمال المعارضة والمناقضة ونحو ذلك من الجدل، ولهذا قال سبحانه:\nوَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: أي بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة، وإنما أمر الله سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا وكان خصمه مبطلا وغرضه فاسدا «١» .\n[الآية السابعة] وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) .\nوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ: أي بمثل ما فعل بكم لا تجاوزوا ذلك.\nقال ابن جرير «٢»: نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة أن لا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته، لا يتعداها إلى غيرها، وهذا صواب لأن الآية وإن قيل: إن لها سببا خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ، وعمومه يؤدي هذا المعنى الذي ذكره. وسمى سبحانه الفعل الأول الذي هو فعل البادئ بالشر عقوبة، مع أن العقوبة ليست إلا فعل الثاني وهو المجازي، للمشاكلة وهي باب معروف وقع في كثير من آيات الكتاب\n_________\n(١) اختلف العلماء في هذه الآية: أمنسوخة أم محكمة؟ وقد ذكر القرطبي (١٠/ ٢٠٠) أنها محكمة من جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين.\nوانظر: النحاس (١٨٠)، والإيضاح (٢٩١)، وابن البازي (٢٩٥)، والبصائر (١/ ٢٨٠) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٤/ ١٩٧) .","vol":"1","page":363},{"text":"العزيز، ثم حث سبحانه على العفو فقال:\nوَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) أي لئن صبرتم عن المعاقبة بالمثل فالصبر خير لكم من الانتصار، ووضع الصابرين الظاهر موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون على الشدائد.\nوقد ذهب الجمهور إلى أن هذه الآية محكمة لأنها واردة في الصبر عن المعاقبة والثناء على الصابرين على العموم.\nوقيل: هي منسوخة بآيات القتال ولا وجه لذلك.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>سورة الإسراء مائة وإحدى عشرة آية</span>\nوهي مكيّة: [قاله] «١» ابن عباس، ومثله عن ابن الزبير إلا أنه استثنى: إلا ثلاث آيات، قوله ﷿: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ [الإسراء: ٧٦] نزلت حين جاء رسول الله ﵌ وفد ثقيف، حين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء، وقوله تعالى: رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [الإسراء: ٨٠]، وقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]، وزاد [مقاتل] «٢» قوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ «٣» [الإسراء: ١٠٧] .\n[الآية الأولى]\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) .\nوَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ: هذا النهي يتناول كل مكلف، وقد وجه الخطاب للنبي ﵌ تعريفا للأمة وتعليما لهم، وإن كان الخطاب لكل فمن يصلح له من المكلفين «٤» .\nوالمراد النهي للإنسان أن يمسك إمساكا يصير به مضيقا على نفسه وعلى أهله،\n_________\n(١) ما بين [المعقوفين] بغير الهاء في المطبوعة، والصواب ما أثبتناه.\n(٢) صحفت في المطبوع إلى (مقابل) وهو خطأ والصواب ما أثبت، وهو مقاتل بن سليمان المفسّر صاحب الأشباه والنظائر في القرآن والتفسير، طبع بمصر- الهيئة العامة للكتاب المصري.\n(٣) فليعلم أن سورة الإسراء- بني إسرائيل- مكيّة بإجماع المفسرين إلا ما ذكره المصنف من آيات، وقيل: إلا آيتين: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ وانظر: البحر المحيط (٦/ ٣) .\n(٤) قال قتادة: لا تمتنع من النفقة في الطاعة ولا تنفق في المعصية. (معاني النحاس ٣/ ١٤٥) .","vol":"1","page":365},{"text":"ولا يوسع في الإنفاق توسيعا لا حاجة إليه بحيث يكون به مسرفا، فهو نهي عن جانبي الإفراط والتفريط، ويحصل من ذلك مشروعية التوسط وهو العدل الذي ندب الله إليه.\nولا تك فيها مفرطا أو مفرّطا ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم\nوقد مثّل الله سبحانه في هذه الآية حال الشحيح بحال من كانت يده مغلولة إلى عنقه بحيث لا يستطيع التصرف بها ومثّل حال من يجاوز الحد في التصرف بحال من يبسط يده بسطا لا يتعلق بسببه فيها شيء مما تقبض الأيدي عليه، وفي هذا التصوير مبالغة بليغة.\nثم بين سبحانه غاية الطرفين المنهي عنهما فقال:\nفَتَقْعُدَ مَلُومًا: عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح «١» .\nمَحْسُورًا (٢٩): بسبب ما فعلته من الإسراف، أي منقطعا عن المقاصد بسبب الفقر «٢» .\nوالمحسور في الأصل: المنقطع عن السير.\nوقيل: معناه نادما على ما سلف.\n[الآية الثانية]\nوَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣) .\nوَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا: أي لا لسبب من الأسباب المسوغة لقتله شرعا.\nفَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا: أي لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين، والسلطان التسلّط على القاتل إن شاء قتل وإن\n_________\n(١) قال عكرمة وقتادة: أي تقعد نادما. (النحاس ٣/ ١٤٦) .\n(٢) قال الزجاج: المحسور: الذي قد بلغ الغاية في التّعب والإعياء، وقال ابن قتيبة: مَحْسُورًا منقطعا، تحسرك العطيّة وتقطعك، كما يحسر السّفر البعير فيبقى منقطعا به اه.\nوقال القاضي أبو يعلى: وهذا الخطاب أريد به غير الرسول ﵌، لأنه لم يكن يدّخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشدّ الحجر على بطنه، وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون، فلم ينههم الله، لصحة يقينهم، وإنما نهى من خيف عليه التحسّر على ما خرج من يده، فأما من وثق بوعد الله تعالى فهو غير مراد بالآية. اه. (زاد المسير ٥/ ٣٠) .","vol":"1","page":366},{"text":"شاء عفا، وإن شاء أخذ الدية «١» .\nفَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ: أي لا يجاوز ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد الاثنين أو الجماعة، أو يمثّل بالقاتل أو يعذبه.\nإِنَّهُ، أي الولي.\nكانَ مَنْصُورًا (٣٣) أي مؤيدا معانا، فإن الله سبحانه نصره بإثبات القصاص له بما أبرزه من الحجج وأوضحه من الأدلة، وأمر أهل الولايات فبمعونته والقيام بحقه حتى يستوفيه «٢» .\nوقيل: هذه الآية من أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكيّة.\n[الآية الثالثة]\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) .\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: أي تتبع ما لا تعلم، من قولك: قفوت فلانا إذا اتبعت أثره. ومنه قافية الشعر لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة لأنهم\n_________\n(١) قال أبو جعفر: اختلف المتقدمون من العلماء في «السلطان» الذي جعل للوليّ؟\nفروى خصيف عن مجاهد قال: حجّته التي جعلت له، أن يقتل قاتله.\nوذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا هو السلطان الذي جعل له، وأنه ليس له أن يأخذ الدّية، إلا أن يشاء القاتل.\nوقال الضحاك في السلطان الذي جعل له: إن شاء قتل، وإن شاء أخذ الدّية، وإن شاء عفا.\nوالقول عند أهل المدينة وأهل الكوفة، قول مجاهد: إن السلطان هاهنا القود خاصّة، لا ما سواه.\nوذهب الشافعي ﵀ إلى قول الضحاك، غير أنه قال: كان يستحق إذا عفا أخذ الدّية، اشترط ذلك أو لم يشترطه، والحجّة له.\nوانظر: معاني القرآن (٣/ ١٤٩)، وجامع الطبري (١٥/ ٨١)، وتفسير القرطبي (١٠/ ٢٥٥)، وزاد المسير (٥/ ٣٢)، وقد رجّح ابن جرير قول الضحاك وهو أيضا قول ابن عباس فقال: «وأولى التأويلين بالصواب ما قاله ابن عباس أن لوليّ القتيل، القتل إن شاء أخذ الدية، وإن شاء العفو، لصحة الخبر بذلك عن النبي ﵌.\n(٢) أورد الطبري آثارا في تفسير هذه الآية عن عبد الله بن كثير عن مجاهد وأبي بن كعب وغيرهم، وانظره: (١٥/ ٨٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٨١) .","vol":"1","page":367},{"text":"يتبعون آثار أقدام الناس.\nومعنى الآية: النهي عن أن يقول الإنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم له، وهذه قضية كلية.\nوقد جعلها جماعة من المفسرين خاصة بأمور، فقالوا: لا تذم أحدا بما ليس لك به علم.\nوقيل: هي في شهادة الزور.\nوقيل: هي في القافية.\nوقال القتيبي: معنى الآية لا تتبع الحدس والظنون، وهذا صواب، فإن ما عدا ذلك هو العلم.\nوقيل: المراد بالعلم هنا هو الاعتقاد الراجح المستفاد من مستند، قطعيا كان أو ظنيا.\nقال أبو السعود في «تفسيره» «١»: واستعماله بهذا المعنى لا ينكر شيوعه.\nوقال الشوكاني «٢»: أقول: هذه الآية قد دلّت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن كالعمل بالعام وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة، والاجتهاد في القبلة، وفي جزاء الصيد ونحو ذلك، فلا يخرج من عمومها ومن عموم أن الظن لا يغني من الحق شيئا، إلا ما قام دليل جواز العمل به، فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان بعدم وجود الدليل في الكتاب والسنة فقد رخص فيه النبي ﵌ كما في قوله ﵌ لمعاذ لما بعثه قاضيا: «بم تقضي؟ قال بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي» «٣» .\n_________\n(١) انظر: تفسيره (٥/ ١٧١) .\n(٢) في «فتح القدير» (٣/ ٢٢٧) .\n(٣) حديث ضعيف: رواه أبو داود (٣٥٩٢)، (٣٥٩٣)، والترمذي (١٣٢٧)، (١٣٢٨)، وأحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٢)، والطيالسي في «مسنده» (٥٥٩)، والدارمي (١/ ٦٠)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٣٦٢)، (١٧٠)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (١٢٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ١١٤)، وفي «المعرفة» له (١/ ١٧٣)، و«الخطيب في الفقيه والمتفقه» (١/ ١٨٨، ١٨٩)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٥٩٢، ١٥٩٣) وانظر: تلخيص الحبير (٤/ ١٨٢، ١٨٣)، ونصب [.....]\n.","vol":"1","page":368},{"text":"وهو حديث صالح للاحتجاج به، كما أوضحنا ذلك في بحث مفرد.\nوأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتب أو السنة، ولكنه قصّر صاحب الرأي عن البحث فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولا أولياء، لأنه رأي في شرع الله، وللناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وسنّة رسوله ﵌، ولم تدع إليه حاجة، على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل، إنما هو رخصة للمجتهد، يجوز له أن يعمل به ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزله منزلة مسائل الشرع.\nوبهذا يتضح لك أتم إيضاح ويظهر لك أكمل ظهور، أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار.\nفالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفى ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بما ليس له به علم ولا لمن قلده، ظلمات بعضها فوق بعض «١» . انتهى.\nوقد قيل: إن هذه الآية خاصة بالعقائد ولا دليل على ذلك أصلا، بل علل الله سبحانه النهي عن العمل بما ليس يعلم بقوله:\nإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ: أشار إلى الثلاثة الأعضاء، وأجريت مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على أصحابها.\nوقال الزجاج: إن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بأولئك.\nوأنشد ابن جرير «٢» مستدلا على عدم جواز هذا، قول الشاعر «٣»:\nذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأيام\nواعترض بأن الرواية بعد أولئك الأقوام، وتبعه غيره على ذلك الخطأ كصاحب «الكشاف» .\n_________\nالرّاية (٤/ ٦٣) .\n(١) انظر: أقوال المفسرين في «الطبري» (١٥/ ٨٦)، ابن كثير (٥/ ٧٢)، البحر المحيط (٦/ ٣٦)، والقرطبي (١٠/ ٢٦٢)، ومجاز أبي عبيدة (١/ ٣٧٩) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري (١٥/ ٨٧) .\n(٣) البيت في «ديوانه» (ص ٥٥١) .","vol":"1","page":369},{"text":"والضمير في (كان) من قوله: كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) يرجع إلى كل، وكذا الضمير في عنه.\nومعنى سؤال هذه الجوارح: أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه لأنها آلات، والمستعمل هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخير استحق الثواب وإن استعملها في الشر استحق العقاب.\nوقيل: إن الله سبحانه ينطق الأعضاء هذه عند سؤالها فتخبر عما فعله صاحبها.\n[الآية الرابعة] وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) .\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا: المرح قيل: هو شدة الفرح.\nوقيل: التكبر في المشي. وقيل: تجاوز الإنسان قدره. وقيل: الخيلاء في المشي. وقيل: البطر والأشر. وقيل: النشاط. والظاهر أن المراد به الخيلاء والفخر.\nقال الزجاج في تفسير الآية: لا تمش في الأرض مختالا فخورا.\nوذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها، تأكيدا وتقريرا.\nولقد أحسن من قال:\nولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع\nوإن كنت في عزّ وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع\nوالمرح مصدر وقع حالا، أي: ذا مرح. وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد. وقرأ الجمهور مرحا بفتح الراء. وحكى يعقوب عن جماعة كسرها، على أنه اسم فاعل «١» .\n_________\n(١) انظر: زاد المسير (٥/ ٣٤)، والقرطبي (١٠/ ٢٥٧)، والبحر المحيط (٦/ ٤٢) .","vol":"1","page":370},{"text":"[الآية الخامسة]\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨) .\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ: قد أجمع المفسرون على أن هذه الصلاة المراد بها الصلاة المفروضة.\nوقد اختلف العلماء في الدلوك المذكور في هذه الآية على قولين:\nأحدهما: أنه زوال الشمس عن كبد السماء، قاله عمر وابنه وأبو هريرة وأبو برزة وابن عباس والحسن والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو جعفر، واختاره ابن جرير.\nوالقول الثاني: أنه غروب الشمس، قاله عليّ وابن مسعود وأبي بن كعب وأبو عبيد، وروي عن ابن عباس «١» .\nوقال الفراء: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها «٢» .\nقال الأزهري: معنى الدلوك في كلام العرب الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دلكة لأنها في الحالتين زائلة.\nقال: والقول عندي أنه زوالها نصف النهار لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس «٣» .\n_________\n(١) وروي عن أبي هريرة أيضا كما في «الطبري» (١٥/ ١٣٨) .\n(٢) ونصه: رأيت العرب تذهب في الدّلوك إلى غيبوبة الشمس، وأنشدني بعضهم:\n«ذبّب حتى دلكت براح» يعني الساقي طرد الناس.\nقال ابن الجوزي: وهذا اختيار ابن قتيبة، لأن العرب تقول: دلك النجم: إذا غاب.\nقال ذو الرمّة:\nمصابيح ليست باللواتي تقودها ... نجوم ولا بالأفلات الدّوالك\nوتقول في الشمس: دلكت براح: يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفّه على حاجبه ينظر إليها.\n(٣) وبقية كلامه: «وإذا جعلت الدّلوك: الغروب، كان الأمر في هذا قاصرا على ثلاث صلوات.\nوانظر: الطبري (١٥/ ١٣٧)، والبحر المحيط (٦/ ٧٠) . وزاد المسير (٥/ ٧١) .","vol":"1","page":371},{"text":"والمعنى أقم الصلاة من وقت دلوك الشمس إلى غسق الليل، ويدخل فيه الظهر والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاءان، وقرآن الفجر: هي صلاة الصبح فهذه خمس صلوات.\nإِلى غَسَقِ اللَّيْلِ: هو اجتماع الظلمة.\nقال الفراء والزجاج: يقال: غسق الليل، وأغسق إذا أقبل بظلامه «١» .\nقال أبو عبيد: الغسق سواد الليل، وأصل الكلمة من السيلان، يقال: أغسقت إذا سالت.\nوقد استدل بهذه الغاية أعني قوله إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ من قال إن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب. روي ذلك عن الأوزاعي وأبي حنيفة، وجوزه مالك والشافعي في حال الضرورة.\nوقد وردت الأحاديث الصحيحة المتواترة عن رسول الله ﵌ في تعيين أوقات الصلاة، فيجب أن تحمل هذه الآية على ما بينته السنة فلا نطيل بذكر ذلك.\nوَقُرْآنَ الْفَجْرِ: قال المفسرون المراد به صلاة الصبح.\nقال الزجاج: وفي هذه فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حتى سميت الصلاة قرآنا» .\nوقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» .\nوفي بعض الأحاديث الخارجة من مخرج حسن «وقرآن معها» .\nوورد ما يدل على وجوب الفاتحة في كل ركعة، ولو خلف الإمام، وعليه عمل أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وهو الحق. وقد حرره الشوكاني في مؤلفاته\n_________\n(١) قال ابن عباس: أي اجتماع الليل وظلمته.\nوقال قتادة: أوّله. وانظر: الطبري (١٥/ ١٣٨)، والبحر المحيط (٦/ ٧٠) .\nوقال الجوهري في الصحاح (غسق): أول ظلمة الليل، غسق الليل يغسق: أظلم اه.\n(٢) هذا من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فسمّى الصلاة «قرآنا» لأنها لا تكون إلا بالقرآن.\nوقال الزمخشري: «يعني صلاة الفجر، سمّيت قرآنا لأنها ركن، كما سمّيت ركوعا، وسجود أو قنوتا، ويجوز أن يكون حثا على طول القراءة في صلاة الفجر، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب، ولهذا كانت الفجر أطول الصلوات قراءة» . اه. (الكشاف ٢/ ٣٧٢) .","vol":"1","page":372},{"text":"تحريرا مجودا، وغيره في غيره.\nقُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨): أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، كما ورد ذلك في الحديث الصحيح، وبذلك قال جمهور المفسرين.\n[الآية السادسة]\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) .\nوَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها: أي بقراءة صلاتك على حذف المضاف للعلم، لأن الجهر والمخافتة من نعوت الصموت لا من نعوت أفعال الصلاة، فهي من إطلاق الكل وإرادة الجزء. يقال: خفت صوته خفوفا إذا انقطع كلامه وضعف وسكن، وخفت الزرع إذا ذبل، وخافت الرجل بقراءته إذا لم يرفع بها صوته، وقيل: معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها، والأول أولى «١» .\nوَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ: أي الجهر والمخافتة المدلول عليهما في الفعلين.\nسَبِيلًا (١١٠) أي طريقا مستويا بين الأمرين، فلا تكن مجهورة ولا مخافتا بها.\nوعلى التفسير الثاني يكون معنى ذلك النهي عن الجهر بقراءة الصلوات كلها، والنهي عن المخافتة بقراءة الصلوات كلها، والأمر يجعل البعض منها مجهورا به وهو صلاة الليل، والمخافتة بصلاة النهار.\nوذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥] .\n_________\n(١) قال النحاس: فيها وجهان: أحدهما: رواه الأعمش عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﵌ يعلن إذا قرأ، فيسبّ المشركون القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فصار يخفي القراءة فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوالقول الآخر: رواه هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي أتدري فيم أنزل هذه الآية- قال: قلت: لا، قالت: أنزل في الدعاء. وقال النحاس: والإسنادان حسنان، والدعاء يسمّى صلاة، ولا يكاد يقع ذلك للقراءة. ويقال: إنما قيل: صلاة، لأنها لا تكون إلا بدعاء، والدعاء صلاة فسمّيت باسمه (معاني القرآن ٣/ ٢٠٧، ٢٠٨) .","vol":"1","page":373},{"text":"[الآية السابعة] وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) .\nولما أمر أن لا يذكر ولا ينادى إلا بأسمائه الحسنى، نبه على كيفية الحمد له فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا: كما يقوله اليهود والنصارى ومن قال من المشركين إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ: أي مشارك في ملكه وربوبيته كما يزعمه الثنوية ونحوهم من الفرق القائلين بتعدد الآلهة.\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ: أي لم يحتج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن عن الولي والنصير.\nوقال الزجاج: أي لم يحتج إلى أن ينتصر بغيره. وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة إيذان بأن المستحق للحمد من له هذه الصفات لأنه القادر على الإيجاد وإفاضة النعم، لكون «الولد مجبنة مبخلة» «١»، ولأنه أيضا يستلزم حدوث الأب لأنه متولد من جزء من أجزائه، والمحدث غير قادر على كمال الإنعام، والشركة في الملك إنما تتصور لمن لا يقدر على الاستقلال به، ومن لا يقدر على الاستقلال عاجز فضلا عن تمام ما هو له، فضلا [عن نظام] «٢» ما هو عليه.\nوأيضا الشركة موجبة للتنازع بين الشريكين، وقد يمنعه الشريك من إفاضته الخير إلى أوليائه ويؤديه إلى الفساد، لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) [الأنبياء: ٢٢]، والمحتاج إلى ولي يمنعه من الذل وينصره على من أراد إذلاله، ضعيف لا يقدر على ما يقدر عليه من هو مستغن بنفسه.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه أحمد (٤/ ١٧٢)، وابن ماجة (٣٦٦٦)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ١٦٤) .\nوالبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ٤٦١) .\nوقال البوصيري: إسناده صحيح، رجاله ثقات.\nوقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي.\n(٢) ما بين [] وقع في المطبوعة (أن يضاع) وهو خطأ، والتصويب من فتح القدير (٣/ ٢٦٦) .","vol":"1","page":374},{"text":"وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١): أي عظمه تعظيما، وصفه بأنه أعظم من كل شيء.\nأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﵌ كان يعلم أهله هذه الآية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ... إلخ، الصغير من أهله والكبير «١» .\nوأخرج عبد الرزاق في «المصنف» عن [عبد الكريم أبي أمية] قال: كان رسول الله ﵌ يعلم الغلام من بني هاشم، إذا أفصح، سبع مرات: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا إلى آخر السورة «٢» .\nوأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله ﵌: «آية العز:\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا الآية كلها «٣» .\n_________\n(١) أثر ضعيف: رواه الطبري (١٥/ ١٨٩)، وهو إسناد معضل لأن فيه قتادة بن دعامة، وهو ليس له رواية مرفوعة. [.....]\n(٢) إسناده ضعيف: رواه عبد الرزاق (٧٩٧٦)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٠٢)، وابن السني (٤٢٦) . وعبد الكريم بن أبي أمية: ضعّفوه.\n(٣) إسناده ضعيف: رواه أحمد (٣/ ٤٣٩، ٤٤٠)، والطبراني (٢٠/ ١٩٢)، (٤٣٠) .\nوقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٥٢): «رواه أحمد من طريقين في أحدهما رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه، وكذلك الطبراني» .","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>سورة طه آياتها مائة وخمس وثلاثون آية</span>\nوهي مكيّة، قال القرطبي «١»: في قول الجميع.\nوكان ذلك سبب إسلام عمر ﵁، والقصة مشهورة في كتب السير «٢» .\n[الآية الأولى]\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) .\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ: مدّ النظر تطويله، وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به.\nوفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك بأن يبادر الشيء بالنظر ثم يغض الطرف.\nإِلى ما مَتَّعْنا بِهِ: أي لا تطمح بنظرك إلى زخارف الدنيا طموح رغبة فيها وتمنّ لها، ولا تطل نظر عينيك إلى ذلك.\nوأَزْواجًا مِنْهُمْ: مفعول متعنا.\nوالأزواج: الأصناف. قاله ابن قتيبة.\nوقال الجوهري: الأزواج: القرناء «٣» .\n_________\n(١) في «تفسيره» (١١/ ١٦٣) .\nوانظر أيضا: الفراء (٢/ ١٧٤)، الأخفش (٤٠٦)، والمجاز (٢/ ١٥)، والطبري (١٦/ ١٠٢)، والنكت (٣/ ٧)، والزاد (٥/ ٢٦٩)، والمشكل لمكي (ص ١٥١) .\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٠، ٢٧٦) .\n(٣) انظر: الصحاح (زوج) .","vol":"1","page":376},{"text":"قال الواحدي: إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا داوم النظر نحوه، وإدامته النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه.\nوقال بعضهم: معنى الآية ولا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا، وردّ بأن الحسد منهي عنه مطلقا.\nزَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي زينتها وبهجتها، بالنبات وغيره.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>سورة الحج وآياتها ثمان وسبعون آية</span>\nهي مكيّة، أو مدنيّة. والجمهور على أنها مختلطة: منها مكيّة، ومنها مدنيّة.\nقال الجمهور: إن السورة مختلطة: منها مكي ومنها مدني.\nقال القرطبي «١»: وهذا هو الصحيح.\nقال العزرمي: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها.\nوقد وردت في فضلها الأحاديث «٢» .\n[الآية الأولى]\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) .\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ: أي الإعادة بعد الموت فانظروا في مبدإ خلقكم.\n_________\n(١) في «تفسيره» (١٢/ ١) .\n(٢) انظر هذه الأحاديث في: «ضعيف أبي داود (٣٠٣)، (١٤٠٢)، وكذلك الترمذي (٨٩/ ٥٨٣)، وضعيف الجامع الصغير» (٣٩٨٢)، (٣٩٨٣)، والمشكاة (١٠٣٠) للألباني.","vol":"1","page":378},{"text":"فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ: في ضمن خلق أبيكم آدم ﵇.\nمِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ: أي من مني، سمي نطفة لقلته. والنطفة: القليل من الماء قد يقع على الكثير منه، والنطفة: القطرة.\nثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ: هي الدّم الجامد «١» .\nوالعلق الدم العبيط، أي الطري المتجمد.\nوقيل: الشديد الحمرة. والمراد الدم المتكون من المني.\nثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ: هي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ، تتكون من العلقة.\nمُخَلَّقَةٍ بالجر صفة لمضغة، أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير.\nوَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ: أي لم يتبين خلقها ولا ظهر تصويرها.\nقال ابن الأعرابي: مخلقة يريد قد بدا خلقها وغير مخلقة لم تصور.\nقال الأكثر: ما أكمل خلقه بنفخ الروح فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة، أي غير حي بإكمال خلقته بالروح.\nقال الفراء: مخلقة تامة الخلق، وغير مخلقة السقط. ومنه قول الشاعر:\nأفي غير المخلقة البكاء ... فأين الحزم ويحك والحياء؟\nوالمعنى إنا خلقناكم على هذا النمط البديع «٢» .\nلِنُبَيِّنَ لَكُمْ كمال قدرتنا على ما أردنا كإحياء الأموات وبعثهم، فآمنوا بذلك وتيقنوا، والآية من شواهد البعث بعد الموت.\n_________\n(١) قال الخليل: العلق: الدّم قبل أن ييبس، الواحدة علقة، وهكذا تصير النطفة.\nوقال أبو عبيد: العلق من الدم ما اشتدت حمرته.\nوقال الأزهري: العلقة: الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل للدابة التي تكون في الماء: علقة، لأنها حمراء كالدّم، وكل دم غليظ علق. وانظر: تهذيب اللغة (١/ ٢٤٣)، ومعاني النحاس (٤/ ٣٧٧) .\n(٢) انظر: الطبري (١٧/ ١١٧)، والدر (٤/ ٣٤٥)، والزجاج (٣/ ٤١٢)، والفراء (٢/ ٢١٥)، وابن كثير (٥/ ٣٩١) .","vol":"1","page":379},{"text":"الآية الثانية\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) .\nهذانِ خَصْمانِ: أحدهما: أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا.\nوالخصم الآخر: المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء وغيره.\nوقيل: المراد بالخصمين الجنة والنار: قالت الجنة: خلقني لرحمة، وقالت النار:\nخلقني لعقوبة.\nوقيل: المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر: فمن المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ذر يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول «١» .\nوقد ثبت في «الصحيح» أيضا عن عليّ ﵇ أنه قال: فينا نزلت هذه الآية «٢» .\nوقال سبحانه: اخْتَصَمُوا ولم يقل اختصما؟\nقال الفراء: لأنهم جمع ولو قال اختصما لجاز.\nومعنى فِي رَبِّهِمْ: أي في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده أو في جميع ذلك.\n_________\n(١) انظر: معاني النحاس (٤/ ٣٧١)، والطبري (١٧/ ١٠٩)، والقرطبي (١٢/ ٢٦) .\nوحديث النزول رواه البخاري (١٣/ ٤٣٤) ومسلم (١٨/ ١٦٦، ١٦٧) عن قيس بن عباد عن أبي ذر فذكره.\n(٢) حديث صحيح: رواه البخاري (٧/ ٢٩٧) .","vol":"1","page":380},{"text":"[الآية الثالثة]\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) .\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ: المراد بالصد هنا الاستمرار، لا مجرد الاستقبال فصح بذلك عطفه على الماضي. ويجوز أن تكون الواو في: وَيَصُدُّونَ، واو الحال أي كفروا والحال أنهم يصدون.\nوالمراد بالصد المنع.\nعَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه.\nفالمعنى يمنعون من أراد الدخول في دين الله.\nوَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ: معطوف على سبيل الله.\nقيل: المراد به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني.\nوقيل: الحرم كله لأن المشركين صدوا رسول الله ﵌ وأصحابه عنه يوم الحديبية. وقيل: المراد به مكة، بدليل قوله:\nالَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً: أي جعلناه للناس على العموم يصلون فيه ويطوفون به، مستويا فيه «١» .\nالْعاكِفُ: هو المقيم فيه الملازم له.\nوَالْبادِ أي الواصل من البادية، والمراد به الطارئ عليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية، أو من غيرهم.\nقال القرطبي «٢»: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه، واختلفوا في مكة.\nفذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ.\nوذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد\n_________\n(١) حكى أبو حاتم أن بعضهم قرأ سَواءً بالنصب، و«العاكف فيه والبادي» بالخفض.. والمعنى:\nالذي جعلناه للناس، العاكف والبادي: معاني النحاس (٤/ ٣٩١)، والنشر (٢/ ٣٢٦)، ومعاني الفراء (٢/ ٢٢٢) .\n(٢) انظره في «تفسيره» (١٢/ ٣٢) .","vol":"1","page":381},{"text":"وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى.\nوذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها.\nوالحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين:\nالأول: ما في هذه الآية هل المراد بالمسجد نفسه؟ أو جميع الحرم؟ أو مكة على الخصوص.\nوالثاني: هل كان فتح مكة صلحا؟ أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة، فهل أقرها النبي ﵌ في أيدي أهلها على الخصوص؟ أو جعلها لمن نزل بها على العموم؟\nوقد أوضح الشوكاني ﵀ هذا في شرحه «نيل الأوطار على منتقى الأخبار» «١» بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة.\n[الآية الرابعة]\nوَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) .\nوَالْبُدْنَ: قرأ ابن أبي إسحاق بضم الباء والدال، وقرأ الباقون بإسكان الدال وهما لغتان.\nوهذا الاسم خاص بالإبل وسمّيت بدنة لأنها تبدن.\nوالبدانة: السمن «٢» .\nوقال أبو حنيفة ومالك: إنه يطلق على غير الإبل.\nوالأول للأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالإبل. وقال ابن كثير في «تفسيره» «٣»: واختلفوا في صحة إطلاق البدن على\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار (٨/ ١٦٤، ١٧٥) . [.....]\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٢/ ٦٠) .\n(٣) انظر في تفسيره: (٣/ ٢٣٢) .","vol":"1","page":382},{"text":"البقرة على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث «١» .\nجَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: أي أعلام دينه.\nلَكُمْ فِيها خَيْرٌ: أي منافع دينية ودنيوية.\nاسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ: أي على نحرها.\nومعنى صَوافَّ: أنها قائمة قد صفنت قوائمها لأنها تنحر قائمة معقولة.\nوأصل هذا الوصف في الخيل، يقال: صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة.\nوقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري: صوافي: أي خوالص لله لا يشركون به في التسمية على نحرها أحدا «٢» .\nوواحد صواف صافة وهي قراءة الجمهور، وواحد صوافي صافية.\nوقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جفر محمد بن علي، صوافن بالنون جمع صافنة: وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب ومنه قوله تعالى:\nالصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) .\nفَإِذا وَجَبَتْ: الوجوب السقوط، أي فإذا سقطت بعد نحرها.\nجُنُوبُها: وذلك عند خروج روحها.\nفَكُلُوا مِنْها: ذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر للندب. وكذا قوله: وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ. وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن شريح «٣» .\nوقال الشافعي وجماعة: هو للوجوب.\nواختلف في القانع من هو؟ فقيل: هو السائل. وقيل: هو المتعفف عن السؤال المستغني ببلغة. ذكر معناه الخليل، وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن، وروي عن ابن عباس. وبالثاني قال عكرمة وقتادة.\n_________\n(١) الذي رواه مسلم (٩/ ٦٧، ٦٨) .\n(٢) وهذه قراءة شاذة كما في «المحتسب» (٢/ ٨١)، والقرطبي (١٢/ ٦١)، والألوسي (١٧/ ١٥٦) .\nوقرأ ابن مسعود أيضا: صوافن وهي قراءة شاذة أيضا، جمع: صافنة، وهي التي غطت إحدى قوائمها ووقفت على ثلاث، وانظر: المحتسب (٢/ ٨١)، والألوسي (١٧/ ١٥٦) .\n(٣) انظر هذه الآثار في: الطبري (١٧/ ١٦٧)، والدر المنثور (٤/ ٣٦٣) .","vol":"1","page":383},{"text":"وأما المعتر فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن:\nإنه الذي يتعرض من غير سؤال وقيل: هو الذي يعتريك ويسألك.\nوقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع الفقير، والمعتر الزائر.\nوروي عن ابن عباس أن كلاهما الذي لا يسأل ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل والمعتر الذي يعترض لك ولا يسألك.\nكَذلِكَ: التسخير البديع.\nسَخَّرْناها لَكُمْ: فصارت تنقاد لكم إلى موضع نحرها فتنحرونها وتنتفعون بها، بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهورها والحلب لها ونحو ذلك.\nلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦): هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم.","vol":"1","page":384},{"text":"سورة النور «١» آياتها أربع وستون آية\nوأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا: أنزلت سورة النور بالمدينة.\n[الآية الأولى]\nالزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .\nالزَّانِيَةُ: الزّنا: هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح.\nوقيل: هو إيلاج في فرج مشتهي طبعا محرم شرعا.\nوالزانية: هي المرأة المطاوعة للزنا، الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المكرهة. وكذلك وَالزَّانِي.\nفَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما «٢»: الجلد: الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل\n_________\n(١) قال القرطبي: مدنية بالإجماع، والمقصود من هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر (١٢/ ١٥٨) .\n(٢) قال أكثر أهل التفسير: هذا عام يراد به خاص. والمعنى: الزانية والزاني من الأبكار، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة.\nوقال بعضهم: هو عام على كل من زنى، من بكر ومحصن، واحتجّ بحديث عبادة وبحديث عليّ﵇- أنه جلد شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله ﷿ ورجمتها بسنة رسول الله ﵌ اه.\nوعلى هذا رأي أهل الظّاهر، قال ابن كثير: وقد أمر رسول الله ﵌ برجم هذه المرأة- وهي","vol":"1","page":385},{"text":"بطعنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه.\nمِائَةَ جَلْدَةٍ: وهو حد الزاني الحر البالغ البكر وكذلك الزانية.\nوثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد وهو [تغريب] «١» عام «٢»، وبه قال الشافعي واختصه مالك بالرجل دون المرأة، وجعله أبو حنيفة إلى رأي الإمام.\nوأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسون جلدة ولقوله سبحانه:\nفَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [النساء: ٢٥]، وهذه نص في الإماء، وألحق بهن العبيد لعدم الفارق.\nوأما من كان محصنا من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة وبإجماع أهل العلم، وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة «٣» .\nوزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة «٤» .\nوقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في ذلك في «شرحه للمنتقى» «٥» .\nوهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء «٦» .\nووجه تقديم الزانية على الزاني أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى\n_________\nزوجة الرجل الذي استأجر الأجير فزنى بامرأته- ورجم النبي ﵌ ما عزا، والغامديّة، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله ﵌ أنه جلدهم قبل الرجم، وإنها وردت الأحاديث الصحاح بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد، وهذا مذهب جمهور العلماء اه. (ابن كثير ٦/ ٥)، ومعاني القرآن (٣/ ٤٩٥) .\n(١) حرّف في المطبوع إلى (تعذيب) وهو خطأ، وصوّبناه من فتح القدير (٤/ ٤) .\n(٢) حديث صحيح: رواه مسلم (١٦٩٠): عن عبادة مرفوعا، قوله ﵌: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» .\n(٣) رواه البخاري (١٢/ ١٣٧)، ومسلم (١١/ ١٩١، ١٩٢) عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب.\n(٤) قد بينّا هذا القول المأخوذ من حديث عبادة المتقدّم وهو رأي أهل الظّاهر، والصواب الراجح: قول الجمهور بأن هذا الحديث منسوخ لرجمه ﵌ ما عزا والغامدية ولم يثبت أنه جمع لهما بين الجلد والرّجم.\nقلت: وأما حديث علي فمحمول على أنه ظنّ أنها بكر فجلدها، ثم أخبر بأنها متزوجة فرجمها، فليس فيه حجة لأهل الظاهر.\n(٥) انظر: نيل الأوطار (٧/ ٢٤٩، ٢٥٧) .\n(٦) هما الآيتان (١٥- ١٦) من السورة. [.....]","vol":"1","page":386},{"text":"كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن وقيل: وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل وقيل: لأن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب، وقيل: لأن العار فيهن أكثر إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكرها تغليظا واهتماما.\nوالخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامتها.\nوَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ: هي الرقة والرحمة.\nوقيل: هي أرق الرحمة.\nومعنى فِي دِينِ اللَّهِ: في طاعته وحكمه «١»، كما في قوله تعالى: ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [يوسف: ٧٦] .\nثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم:\nإِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: كما يقول الرجل للرجل يحضه على أمر: إن كنت رجلا فافعل كذا أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود.\nوَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) أي ليحضره زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما.\nوالطائفة: الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطواف. وأقل الطائفة ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: أربعة، وقيل: عشرة.\n[الآية الثانية]\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) «٢» .\n_________\n(١) قال مجاهد وعطاء والضحاك: أي في تعطيل الحدود. وانظر: الطبري (١٨/ ٦٧)، وابن كثير (٦/ ٦)، والدر المنثور (٥/ ١٨) .\n(٢) قال أبو جعفر النحاس: «في هذه الآية ثلاثة أحكام على القاذف: منها جلده، وترك قبول شهادته،","vol":"1","page":387},{"text":"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ: استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة قذفا.\nوالمراد بالمحصنات النساء، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع والعار فيهن أعظم.\nويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة.\nوقد جمع شيخ شيخنا الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك.\nوقيل: إن الآية تعم الرجال والنساء، والتقدير الأنفس المحصنات، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٢٤]، فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى.\nوقيل: أراد بالمحصنات الفروج كما قال: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [الأنبياء: ٩١]، فتتناول الآية الرجال والنساء تغليبا.\nوفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب.\nوالمراد بالمحصنات هنا العفائف. وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني.\nوللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة في كتب الفقه منها ما هو مأخوذ من دليل، ومنها ما هو مجرد رأي بحت.\nوذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا حدّ على من قذف كافرا أو كافرة.\nوقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: إنه يجب عليه الحد وكذا ذهبوا إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة.\nوقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة: يجلد ثمانين جلدة.\nقال القرطبي «١»: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما.\n_________\nوتفسيقه. (معاني القرآن ٤/ ٥١٠) .\n(١) انظر: التفسير (١٢/ ١٩٧) .","vol":"1","page":388},{"text":"وقد ثبت في الصحيح عنه ﵌: «إن من قذف مملوكة بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال» .\nثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات، فقال:\nثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ: يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن.\nولفظ ثُمَّ يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف، وبه قال الجمهور وخالف في ذلك مالك.\nوظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين وخالف في ذلك الحسن ومالك، [وإذا] «١» لم يكمل الشهود أربعة وأبوا قذفه يحدون حد القذف.\nوقال الحسن والشعبي: لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر ﵁ من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة.\nفَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً: الجلد: الضرب كما تقدم، والمجالدة: المضاربة في الجلود أو بالجلود ثم استعير للضرب بالعصا والسيف وغيرهما.\nوَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا: أي فأجمعوا لهم بين الأمرين الجلد وترك قبول الشهادة، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم بقوله:\nوَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها «٢» .\n_________\n(١) حرف ما بين [] في المطبوع إلى (ما إذا) والصواب ما أثبت من فتح القدير (٤/ ٨) .\n(٢) اختلف في ردّ شهادة القاذف، فالجمهور على قبول شهادته إذا تاب، وقال الحنفية: لا تقبل شهادته ولو تاب وصار أصلح الصالحين، لقوله سبحانه: أَبَدًا فإنها تفيد الدّوام والاستمرار.\nوانظر: (القرطبي ١٢/ ١٧٩) .\nوالقول الثاني: أن يكون الاستثناء من قوله تعالى: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا أي إلا من تاب، فإنه تقبل شهادته.\nوهذا قول مسروق وعطاء ومجاهد، وطاووس.\nويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك، وهذا قول أهل المدينة.\nوالقول الثالث: يروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة.\nفإذا تاب وظهرت توبته لم يحدّ، وقبلت شهادته، وزال عنه التفسيق، لأنه قد صار ممّن يرض من الشهداء، وقد قال ﷿: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)","vol":"1","page":389},{"text":"والفسق: هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية.\n[الآيات: الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة]\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) .\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون بما رموهن به من الزنا «١» .\nإِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ: التي تزيل عنه حد القذف.\nأَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦): في ما رماها به من الزنا.\nوَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧): في ذلك.\nوَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ: الدنيوي، وهو الحد.\nأَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ: أي الزوج، لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) .\nوَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ: الزوج، مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) فيما رماها به من الزنا.\nوتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونه أصل الفجور ومادته، ولأن النساء يكثرن اللعنة في العادة، ومع استكثارهن منها لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب.\n_________\n[طه: ٨٢] .\nوبالجملة قال الفقهاء أن الحدّ لا يسقط عمّن قذف محصنا عفيفا باتفاق حتى ولو تاب، لأن التوبة لا تسقط عنه الحد، وإنما يسقط عنه الفسق وردّ الشهادة على خلاف بينهم في ذلك. وانظر:\nالبحر (٦/ ٤٣٢) وروح المعاني (١٨/ ١٠٢)، ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٥٠١، ٥٠٤)، وزاد المسير (٦/ ١٧)، واللباب (١٥٤)، والنكت للماوردي (٣/ ١١٣) .\n(١) ينظر خبر الإفك في: صحيح البخاري (٤٧٤٩) (٨/ ٣٠٦)، والفتح الرباني للساعاتي (١٨/ ٢١٨)، وجامع الأصول لابن الأثير (٢/ ٢٥٠)، والطبري (١٨/ ٦٨)، والنكت والعيون (٣/ ١١٣)، وزاد المسير (٦/ ١٧)، والقرطبي (١٢/ ١٩٧)، وابن كثير (٣/ ٢٦٨)، واللباب (١٥٤)، والدر المنثور (٥/ ٢٤)، والتفسير المأثور عن عمر بن الخطاب (ص ٥٦٦) .","vol":"1","page":390},{"text":"وفي الملاعنة أحاديث كثيرة «١» .\nوأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب «٢» وعلي «٣» وابن مسعود «٤» قالوا: لا يجتمع المتلاعنان أبدا.\nوقد بسطنا الكلام على ذلك في «شرحنا لبلوغ المرام» فليرجع إليه.\n[الآية السابعة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ زجر الله سبحانه عن دخول البيوت بغير استئذان، لما في ذلك من مخالطة الرجال للنساء فربما يؤدي إلى الزنا أو القذف، فإن الإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد لا يجب أن يراه عليها غيره فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية هي قوله:\nحَتَّى تَسْتَأْنِسُوا: الاستئناس: الاستعلام والاستخبار أي حتى تستعلموا من في البيت.\nوالمعنى: حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم، فإذا علمتم ذلك دخلتم.\nوقيل: الاستئناس الاستئذان «٥» .\n_________\n(١) صحيح: رواه البخاري (٤٧٤٨)، (٣/ ١٤٨٤)، ومسلم (١٠/ ١٢٧) من حديث عبد الله بن عمر.\nوانظر: الدر المنثور (٥/ ٢٤)، والتفسير المأثور عن عمر بن الخطاب (٥٦٤) .\n(٢) إسناده ضعيف: علته: انقطاع بين إبراهيم النخعي وعمر.\nورواه عن الرزاق في «المصنف» (١٢٤٣٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٤١٠) .\n(٣) إسناده ضعيف: علته قيس بن الرّبيع: صدوق تغيّر عند كبره، وأدخل عليه ما ليس من حديثه.\nوعاصم بن أبي النّجود القارئ: حسن الحديث.\nرواه عبد الرزاق (١٢٤٣٦)، والبيهقي (٧/ ٤١٠) .\n(٤) إسناده ضعيف: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٢٤٣٤)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٤١٠)، وعلته في الضعف كسابقه.\n(٥) قال مجاهد: هو التنحنح، والتّنخّم.\nوقال الطبري: قال آخرون معنى الآية: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه،","vol":"1","page":391},{"text":"وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها: قد بينه ﵌ بأن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ مرة أو ثلاثا «١» .\nواختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام أو العكس؟ فقيل: يقدم الاستئذان فيقول: أأدخل سلام عليكم، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام.\nوقال الأكثرون: إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول: السلام عليكم أأدخل؟\nوهو الحق، لأن البيان منه ﵌ للآية كان هكذا.\nوقيل: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام وإلا قدّم الاستئذان.\nذلِكُمْ: أي الاستئناس والتسليم، أي دخولكم معهما.\nخَيْرٌ لَكُمْ: من الدخول بغتة.\nلَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧): أن الاستئذان خير لكم، والمراد بالتذكر الاتعاظ والعمل بما أمروا به.\n[الآية الثامنة]\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) .\nقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ: خصّ للمؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر بهم أحق بها من غيرهم وأولى بذلك ممن سواهم.\nوقيل: إن في الآية دليلا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات. كما يقول بعض أهل العلم.\nيَغُضُّوا معنى غض البصر: إطباق الجفن على العين بحيث يمنع الرؤية.\n_________\nحتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم (الطبري ١٨/ ١١١) . [.....]\n(١) حديث صحيح: رواه أبو داود (٥١٧٦)، والترمذي (٢٧١٠)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٤١٤)، من حديث صفوان بن أمية مرفوعا.\nوقال أبو عيسى: حسن غريب.\nقلت: إن كان ابن جريج مدلسا، فقد صرّح بالسماع في روايته لهذا الحديث فزالت الشبهة في تدليسه.","vol":"1","page":392},{"text":"مِنْ أَبْصارِهِمْ: هي التبعيضية وإليه ذهب الأكثرون وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل.\nوقيل: وجه التبعيض أنه يعفى للناظر أول نظرة تقع من غير قصد، وقيل غير ذلك «١» .\nوفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه.\nو: معنى: وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ: أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم.\nوقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا يحل له رؤيتها. ولا مانع من إرادة المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج.\nوقيل: وجه المجيء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر، فإنه لا يحرم منه إلا ما استثنى، بخلاف حفظ الفرج فإنه مضيق فيه، فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى.\nوقيل: الوجه أن غض البصر كله كالمتعذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق. والإشارة بقوله:\nذلِكَ إلى ما ذكر من الغض والحفظ وهو مبتدأ وخبره.\nأَزْكى لَهُمْ: أي أطهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنية.\nإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠): لا يخفى عليه شيء من صنيعهم، وفي ذلك وعيد لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه.\n_________\n(١) قال جرير بن عبد الله: سألت رسول الله ﵌ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» رواه مسلم (٦/ ١٨١)، وأبو داود (٨/ ٦١)، والترمذي (٢٩١٦) وأحمد (٤/ ٣٦١) وانظر: الطبري (١٨/ ١١٧)، والسيوطي في الدر (٥/ ٤٠) وكذلك المشكل لمكي (٢/ ١٢٠)، والتبيان (٢/ ١٥٥)، وزاد المسير (٦/ ٣٠) .","vol":"1","page":393},{"text":"[الآية التاسعة] وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) .\nوَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ: خص الله سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد، لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبا، كما في سائر الخطابات القرآنية. وظهر التضعيف في (يغضضن) ولم يظهر في يَغُضُّوا لأن لام الفعل من الأول متحركة، ومن الثاني ساكنة، وهما في موضع جزم جوابا للأمر.\nوبدأ سبحانه بالغض في الموضعين قبل حفظ الفرج لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج، والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه.\nومعنى يغضضن كمعنى يغضوا فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهن، وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال لفروجهم.\nوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ: أي ما يتزيّن به من الحلية وغيرها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهي عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى، ثم استثنى سبحانه من هذا النهي فقال:\nإِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها: واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟\nفقال ابن مسعود وسعيد بن جبير: وهو الثياب، وزاد سعيد الوجه.\nوقال عطاء والأوزاعي: الوجه والكفان.\nوقال ابن عباس وقتادة والمسوّر بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الساق ونحو ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تبديه.\nوقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شيء من زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة، ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني","vol":"1","page":394},{"text":"النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها كالجلباب والخمار ونحوهما مما على الكف والقدمين من الحلية ونحوها، وإن كان المراد بالزينة مواضعها كان الاستثناء راجعا إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك.\nوهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها لفحوى الخطاب، فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين، وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء يكون من الجمع «١» .\n_________\n(١) فائدة: نذكر تحقيقا مختصرا في تفسير هذه الآيات من كلام بعض أهل التفسير فنقول:\n١- قال الحافظ ابن الجوزي في زاد المسير: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ أي لا يظهر منها لغير محرّم، وزينتهنّ على ضربين خفية كالسوارين والقرطين والقلائد ونحو ذلك.\nوظاهرة: وهي المشار إليها بقوله تعالى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وفيه سبعة أقوال:\nأحدها: أنها الثياب، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود ﵁، وفي لفظ آخر هو الرّداء.\nالثاني: أنها الكف والخاتم والوجه.\nالثالث: الكحل والخاتم، ورواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nوأخذ ابن الجوزي في سرد الأقوال الواردة والمروية في ذلك إلى أن قال: الوجه والكفان، قاله الضحاك.\nقال القاضي أبو يعلى: والقول الأول أشبه، يعني ما ورد عن ابن مسعود أنها الثياب، وفي لفظ الرداء.\nوقد نصّ عليه أحمد فقال: الزّينة الظاهرة الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظّفر، ويقيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها، فإنه ينظر في الحالتين إلى وجهها خاصّة، فأما النظر إليها لغير عذر فلا يجوز، لا لشهوة ولا لغيرها، وسواء في ذلك الوجه والكفّان وغيرهما من البدن.\nفإن قيل: فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها؟\nفالجواب: إن في تغطيته مشقة فعفى عنه.\nوانظر: زاد المسير (٦/ ٣٢، ٢٣٦) .\n٢- الحافظ ابن كثير صدّر كلامه بقول ابن مسعود بأن تفسير إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها هو الرداء والثياب، لأنهما لا يمكن إخفاؤهما حسب عادات العرب مما سلف، ونقل عن الحسن البصري وابن سيرين وأبي الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم أنهم قالوا بقول ابن مسعود، وذكر في رواية عن ابن مسعود أن الزّينة زينتان: زينة لا يراها إلا الزّوج وهي الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب.\nوقال ابن كثير: ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور.. وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٨٢، ٢٨٥) .\n٣- الحافظ شيخ الإسلام ابن جرير الطبري: ابن جرير هو شيخ المفسرين ومع ذلك فهو من أشهر القائلين بجواز كشف الوجه والكفين، فقد نقل عدة روايات عن ابن مسعود وعن الحسن","vol":"1","page":395},{"text":"قال القرطبي في «تفسيره» «١»: الزينة على قسمين: خلقية ومكتسبة، فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة، والمكتسبة ما تحاوله المرأة من تحسين خلقها كالثياب والحلي والكحل والخضاب. ومنه قوله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]، وقول الشاعر:\nيأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل\nوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ: الخمر: جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها.\nوالجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، مأخوذ من الجوب وهو القطع.\nقال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام واسعة، فكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على\n_________\nوابن عباس وغيرهم تفيد الجواز في كشف الوجه والكفين، واختار هذا القول.\nفقد قال رحمه الله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن وهما زينتان: إحداهما ما خفي، وذلك كالخلخال والسوارين، والأخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنى منه.\nثم أسرد قول القائلين بأن المراد بالزينة الثياب الظاهرة كما روى عن ابن مسعود من عدة روايات، وقول الحسن بأنها الثياب، وعبد الرحمن بن زيد عن ابن مسعود أنه قال: الرداء.\nثم قال ﵀ وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه الكحل والخاتم والسواران والوجه.\nوذكر قول سعيد بن جبير عن ابن عباس، وكذلك رواية عبد الله بن هرمز عن سعيد بن جبير أنه فسّر إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها بالوجه والكف.\nوبالجملة فترى الروايات التي ذكر ابن جرير تفسر ما ظَهَرَ مِنْها بالزينة الظاهرة من الكحل والخاتم والقرط والسوار، أو بالثياب والرداء كابن مسعود، وبالوجه والكفين كسعيد بن جبير وابن عباس.\nثم اختار ابن جرير قائلا:\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال، عني بذلك الوجه والكفّين، يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب.\nوعلل الطبري ذلك بقوله: لو كان الوجه عورة لما كشفته في الصلاة. وانظر: الطبري (١٨/ ٩٢، ٩٦) .\n(١) انظره في (١٢/ ٢٢٩) .","vol":"1","page":396},{"text":"الجيوب ليسترن بذلك ما كان يبدو، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق، وقد فسّر الجمهور الجيوب بما ذكرنا وهو المعنى الحقيقي.\nوقال مقاتل: إن معنى عَلى جُيُوبِهِنَّ: على صدورهن فيكون في الآية مضاف محذوف، أي على مواضع جيوبهن «١» .\nوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ: البعل: هو الزوج والسيد في كلام العرب، وقدم البعولة لأنهم المقصودون بالزينة ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) [المؤمنون: ٥- ٦] .\nأَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ فجوز للنساء أن يبدين الزينة لهؤلاء لكثرة المخالطة وعدم خشية الفتنة، لما في الطباع من النفرة عن القرائب.\nوقد روي عن الحسن والحسين ﵄: أنهما كانا لا ينظران إلى أمهات المؤمنين، ذهابا منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي ﵌، وهي قوله: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ [الأحزاب: ٥٥]، والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج، ويدخل في قوله: أَبْنائِهِنَّ أولاد الأولاد- وإن سفلوا- وأولاد بناتهن- وإن سفلوا- وكذلك آباء البعولة وآباء الآباء وآباء الأمهات- وإن علوا- وكذلك أبناء أبناء البعولة- وإن سفلوا- وكذلك الإخوة والأخوات.\nوذهب الجمهور إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم، وليس في الآية ذكر الرضاع وهو كالنسب، وقال الشعبي وعكرمة: ليس العم والخال من المحارم.\nأَوْ نِسائِهِنَّ: هي المختصات بهن الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة، ويدخل في ذلك الإماء، ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لهن أن يبدين زينتهن لهن لأنهن لا يتحرجن من وصفهن للرجال، وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٨/ ٩٢)، وزاد المسير (٦/ ٣٦)، والنكت (٣/ ١٢٢)، ومعاني النحاس (٤/ ٥٢٥، ٥٢٧) .","vol":"1","page":397},{"text":"أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ: ظاهر الآية يشمل العبيد والإماء من غير فرق بين أن يكونوا مسلمين أو كافرين، وبه قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة وأم سلمة وابن عباس ومالك.\nوقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ إنما عني بها الإماء ولم يعن بها العبيد.\nوكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته. وهو قول عطاء ومجاهد والحسن وابن سيرين، وروي عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة وابن جريج.\nأَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ: المراد بهم الذين يتبعون القوم فيصيبوا من طعامهم لا همة لهم إلا ذلك ولا حاجة لهم في النساء. قاله مجاهد وعكرمة والشعبي.\nوأصل الإربة والأرب والمأربة: الحاجة والجمع مآرب.\nقيل: المراد بغير أولي الإربة الحمقاء الذين لا حاجة لهم في النساء.\nوقيل: البله، وقيل: العنّين.\nوقيل: الخصي. وقيل: المخنث «١» .\nوقيل: الشيخ الكبير. ولا وجه لهذا التخصيص بل المراد بالآية ظاهرها وهم من يتبع أهل البيت ولا حاجة له في النساء ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال، فيدخل في هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه.\nأَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ: الطفل: يطلق على المفرد والمثنى والمجموع والمراد به هنا الجنس الموضوع موضع الجمع بدلالة وصفه بوصف الجمع.\nوفي مصحف أبيّ أَوِ الطِّفْلِ على الجمع، يقال للإنسان: طفل ما لم يراهق الحلم.\n_________\n(١) قال في «المصباح»: الإرب والإربة بالكسر: الحاجة، والإرب بالكسر يستعمل في الحاجة، وفي العضو، والجمع: آراب مثل حمل وأحمال، وفي الحديث: «كان أملككم لإربه» أي لنفسه عن الوقوع في الشهوة. اه.\nوانظر: نهاية ابن الأثير (١/ ٣٦) .","vol":"1","page":398},{"text":"ومعنى لم يظهروا: لم يطلعوا، من الظهور بمعنى الاطلاع. كذا قال ابن قتيبة.\nوقيل: معناه لم يبلغوا حد الشهوة. قاله الفراء والزجاج «١» .\nواختلف العلماء في وجوب ستر ما عدى الوجه والكفين من الأطفال؟\nفقيل: لا يلزم لأنه لا تكليف عليه وهو الصحيح.\nوقيل: يلزم لأنه قد يشتهي المرأة.\nوهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء الحرمة كما كانت، فلا يحل النظر إلى عورته ولا يحل له أن يكشفها.\nوقد اختلف العلماء في حد العورة؟\nقال القرطبي «٢»: أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجال والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها- على خلاف في ذلك.\nوقال الأكثر: إن عورة الرجل من سرته إلى ركبتيه.\nوَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ: أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال، فيعلمون أنها ذات خلخال.\nقال الزجاج: وسمع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها.\n[ثم] «٣» أرشد عباده إلى التوبة من المعاصي فقال سبحانه: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: فيه الأمر بالتوبة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها وأنها فرض من فرائض الدين.\nلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) أي تفوزون بسعادة الدنيا والآخرة.\nوقيل: إن المراد بالتوبة التناهي عما كانوا يعملونه في الجاهلية. والأول أولى لما تقرر في السنة من: «أن الإسلام يجب ما قبله» .\n_________\n(١) قال القرطبي (١٢/ ٢٣٦): لَمْ يَظْهَرُوا أي لم يكشفوا عن عوراتهن للجماع لصغرهن، وقيل: لم يبلغوا أن يطيقوا النساء، يقال: ظهرت على كذا أي علمته، وظهرت على كذا أي قهرته اه.\n(٢) في «تفسيره» (١٢/ ٢٣٧) .\n(٣) ما بين [المعقوفين] زيادة لتمام السياق.","vol":"1","page":399},{"text":"[الآية العاشرة] وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) .\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ: الأيّم: التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا، والجمع أيامى «١» .\nوالأيّم: بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.\nقال أبو عبيد: يقال رجل أيّم وامرأة أيّم، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال، والخطاب في الآية للأولياء.\nوقيل: للأزواج. والأول أرجح.\nوفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها، وقد خالف في ذلك أبو حنيفة «٢» .\nواختلف أهل العلم في النكاح: هل هو مباح؟ أو مستحب؟ أو واجب؟ فذهب\n_________\n(١) قال الضحاك: هنّ اللّواتي لا أزواج لهن، يقال: رجل أيّم، وامرأة أيّم.\n(٢) قال القنوجي المصنف في «الروضة الندية» (٢/ ٣، ٤) ! بعد أن سرد أدلة مشروعية النكاح أقول:\nالحاصل أن من كان محتاجا إلى النكاح أو كان فعله له أولى من تركه من دون احتياج فلا ريب أن أقل الأحوال أن يكون في حقه مندوبا للأدلة الواردة فيه.\nومن لم يكن محتاجا إليه ولا كان فعله أولى له كالحصور والعنين فقد يكون مكروها، إذا كان يخشى الاشتغال عن الطاعات من طلب العلم أو غيره مما يحتاج إليه أهله. أو كانت المرأة تتضرر بترك الجماع من دون أن تقدم على المعصية، وأما إذا كان في غنية بحيث لا يشتغل عن الطاعات، وكانت المرأة لا تتضرر بترك الجماع، ولا يحصل له بالنكاح نفع فيما يرجع إلى الباءة، فالظاهر أنه مباح، وإن لم يأت من الأدلة ما يقتضي هذه التفاصيل فثمّ أدلة أخرى تقتضيها وقواعد كلية، ولو قيل: أنه لا يكون في تلك الصورة مباحا، بل مكروها لما ورد في العزبة والعزلة آخر الزمان لم يكن بعيدا من الصواب اه.\nوقال تقي الدين الحصني ﵀: «وفي الحديث الأمر بالنكاح لمن له استطاعة وتاقت نفسه إليه وهو أمر ندب عند الشافعية وكافة العلماء، قاله النووي.\nوعند أحمد يلزمه الزواج أو التسري إذا خاف العنت وهو الزنا، وهو وجه لنا، وحجة من قال بعدم الوجوب قوله ﷿: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [النساء: ٣] أناط الحكم باحتبارنا واستطابتنا، والواجب ليس كذلك.. (كفاية الأخيار ص ٣٤٦) ط. دار الخير دمشق.\nوانظر: مغني المحتاج للشربيني (٣/ ١٢٥، ١٢٦) .","vol":"1","page":400},{"text":"إلى الأول الشافعي وغيره «١» .\nوإلى الثاني مالك وأبو حنيفة.\nوإلى الثالث بعض أهل العلم- على تفصيل لهم في ذلك. فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه وإلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية.\nوبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله ﵌ في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح: «ومن رغب عن سنتي فليس مني» «٢»، ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه.\nوالمراد بالأيامى هنا: الأحرار والحرائر، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله:\nوَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ: والصلاح: هو الإيمان. وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك.\nوفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه، وإنما يزوجه مالكه.\nوقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح.\nوقال مالك: لا يجوز. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: أي لا يمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل أو المرأة أو أحدهما فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك.\nقال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن هذا يكون حاصلا لكل فقير إذا تزوج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة. وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا.\nوقيل: المعنى أنه يغنيه بغنى النفس.\nوقيل: المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٩/ ١٠٤)، ومسلم (٩/ ١٧٥، ١٧٦) عن أنس مرفوعا.\n(٢) انظر: البحر المحيط (٦/ ٤٥١)، والطبري (١٨/ ١٢٧)، والقرطبي (١٢/ ٢٤٥)، وابن الجوزي (٦/ ٣٧) . [.....]","vol":"1","page":401},{"text":"ويدل عليه قوله سبحانه: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [التوبة: ٢٨]، فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك.\nوجملة: وَاللَّهُ واسِعٌ: مؤكدة لما قبلها مقررة لها، والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه من يغنيه من عباده.\nعَلِيمٌ (٣٢) بمصالح خلقه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء «١» .\n[الآية الحادية عشرة] وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) .\nوَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ: المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما، فإذا أداه فهو حر.\nوظاهر قوله: فَكاتِبُوهُمْ أن العبد إذا طلب المكاتبة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعد، وهو:\nإِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا: والخير: هو القدرة على أداء ما كوتب عليه وإن لم يكن له مال.\nوقيل: هو المال فقط، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاووس ومقاتل.\nوذهب إلى الأول ابن عمر وابن زيد، واختاره مالك والشافعي والفرّاء والزجاج.\nقال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال.\nوقال الزجاج: لما قال فيهم كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٢٩)، وابن كثير (٦/ ٥٦، ٥٧)، والقرطبي (١٢/ ٢٥١)، وزاد المسير (٦/ ٣٧) .","vol":"1","page":402},{"text":"وقال النخعي: إن الخير: الدين والأمانة، وروي مثل هذا عن الحسن.\nوقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة.\nقال الطحاوي: وقول من قال: إنه مال، لا يصح عندنا لأن العبد مال لمولاه فكيف يكون له مال! قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم خيرا أي الدين والصدق.\nقال أبو عمرو بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال: علمت فيه المال. هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم في الخير المذكور في الآية.\nوإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك وأهل الظاهر فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وعلم فيه خيرا.\nوقال الجمهور من أهل العلم: لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك ولم يجبر عليه فكذا الكتابة لأنها معاوضة.\nولا يخفى عليك أن هذه حجة واهية وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره ابن جرير «١» .\nثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال:\nوَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ: ففي هذا أمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة: إما بأن يعطوهم شيئا من المال، أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه.\nوظاهر الآية عدم تقرير ذلك بمقدار. وقيل: الثلث وقيل: الربع، وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام معهم فإنهم المأمورون بالكتابة.\nوقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: وَآتُوهُمْ لجميع الناس.\n_________\n(١) انظر الطبري (١٨/ ١٢٩)، وابن كثير (٦/ ٥٦، ٥٧)، والقرطبي (١٢/ ٢٥١)، وزاد المسير (٦/ ٣٧) .","vol":"1","page":403},{"text":"وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، كما في قوله سبحانه: وَفِي الرِّقابِ [البقرة: ١٧٧] .\nوللمكاتب أحكام معروفة إذا وفى ببعض مال الكتابة.\nثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال:\nوَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ: والمراد بالفتيات هنا الإماء، وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر.\nوالبغاء: الزنا مصدر بغت المرأة تبغا بغاء إذا زنت. وهذا مختص بزنا النساء فلا يقال للرجل إذا زنا: إنه بغى.\nوشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا: لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادتهن للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها: مكروهة على الزنا.\nوالمراد بالتحصن هنا: التعفف والتزوج.\nوقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى، وفي الكلام تقديم وتأخير.\nوقيل: هذا الشرط ملغى.\nوقيل: هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن التعفف. وليس تخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف.\nوقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن. وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن، إلا أن يقال: إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد! فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن التعفف والتزوج، وتابعه على ذلك غيره «١» .\n_________\n(١) انظر أقوال أهل التفسير في: القرطبي (١٢/ ٢٥٥) .","vol":"1","page":404},{"text":"ثم علل سبحانه هذه النهي بقوله: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا: وهو ما تكتسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب.\nوالمعنى أن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا فائدة له أصلا ولا يصدر مثله عن العقلاء.\nفلا يدل هذا التعليل على أنه لا يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيا بإكراهها عرض الحياة الدنيا.\nوقيل: إن هذا التعليل للإكراه من اعتبار أن عادتهم كانت كذلك لا أنه مدار النهي عن الإكراه لهن وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه.\nوَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) هذا مقرر لما قبله ومؤكد له «١» .\nوالمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير «٢»: فإن الله غفور رحيم (٣٣) لهن.\nقيل: وفي هذا التفسير بعد لأن المكرهة على الزنا غير آثمة؟\nوأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة، إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار.\nوقيل: إن المعنى فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقا أو بشرط التوبة.\n[الآية الثانية عشرة]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) .\n_________\n(١) انظر الطبري (١٨/ ١٣٥) .\n(٢) انظر: المحتسب لابن جني (٢/ ١٠٨)، وقد عدّ هذه القراءة لهنّ غفور رحيم من القراءات الشاذّة، وإنما هي كتفسير للآية.","vol":"1","page":405},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: الخطاب للمؤمنين ويدخل المؤمنات فيه تغليبا كما في غيره من الخطابات.\nقال العلماء: هذه الآية خاصة ببعض الأوقات.\nواختلفوا في المراد بقوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ: على أقوال:\nالأول: أنها منسوخة. قاله سعيد بن المسيب.\nوقال سعيد بن جبير: إن الأمر فيها للندب لا للوجوب.\nوقيل: كان ذلك واجبا حيث كانوا لا أبواب لهم ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ابن عباس «١» .\nوقيل: إن الأمر هاهنا للوجوب، وأن الآية محكمة غير منسوخة، وأن حكمها ثابت على الرجال والنساء.\nولما سئل الشعبي عنها: أمنسوخة هي؟ قال: لا والله! فقال السائل: إن الناس لا يعملون بها؟ قال: الله المستعان.\nوقال القرطبي «٢»: وهو قول أكثر العلماء، وقال أبو عبد الرحمن السلمي: إنها خاصة بالنساء.\nوقال ابن عمر: هي خاصة بالرجال دون النساء.\nوالمراد بقوله: الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ: العبيد والإماء.\nوَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ: أي من الأحرار.\nومعنى ثَلاثَ مَرَّاتٍ: ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبّر بالمرات عن الأوقات لأن أصل وجوب الاستئذان هو سبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات. وانتصاب ثلاث على الظرفية الزمانية، أي في ثلاث أوقات، أو\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٣١٨) .\n(٢) انظر تفسيره: (١٢/ ٣٠٣) .","vol":"1","page":406},{"text":"منصوب على المصدرية أي ثلاثة استئذانات.\nورجح هذا أبو حيان فقال: والظاهر من قوله ثلاث مرات ثلاث استئذانات لأنك إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات. ويرد بأن الظاهر هنا متروك لقرينة التفسير بالثلاثة الأوقات.\nفقال: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ، وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، وربما يبيت عريان أو على حالة لا يحب أن يراه غيره فيها.\nوَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ. و(من) في قوله: مِنَ الظَّهِيرَةِ: للبيان، أو بمعنى في، أو بمعنى اللام، والمعنى حين وضعكم ثيابكم التي تلبسونها في النهار من شدة حرّ الظهيرة، وذلك عند انتصاف النهار فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة.\nثم ذكر سبحانه الوقت الثالث فقال: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ: وذلك لأنه وقت التجرد من الثياب والخلوة بالأهل «١» .\nثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل فقال: ثَلاثُ عَوْراتٍ: كائنة، لَكُمْ، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان.\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ: يا أهل البيوت.\nوَلا عَلَيْهِمْ: أي المماليك والصبيان.\nجُناحٌ: أي إثم في الدخول بغير استئذان، لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر والاطلاع على العورات.\nومعنى بَعْدَهُنَّ بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها. وهذه الجملة مستأنفة مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.\nطَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ الجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان.\nقال الفراء: هذا كقولك في الكلام: هم خدمكم وطوافون عليكم، أي هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم.\n_________\n(١) انظر: ابن جرير (١٨/ ١٦٢)، وابن كثير (٦/ ٨٩، ٩٠)، والقرطبي (١٢/ ٣٠٣)، والدر المنثور (٥/ ٥٦) .","vol":"1","page":407},{"text":"بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أي بعضكم يطوف أو طائف على بعض «١» .\nوالمعنى أن كلا منكم يطوف على صاحبه: العبيد على الموالي، والموالي على العبيد، وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات الثلاثة بغير استئذان لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها. والإشارة بقوله:\nكَذلِكَ، إلى مصدر الفعل الذي بعده كما في سائر المواضع في الكتاب العزيز، أي مثل ذلك التبيين.\nيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ: الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ كثير العلم بالمعلومات.\nحَكِيمٌ (٥٨): كثير الحكمة في أفعاله.\n[الآية الثالثة عشرة]\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) .\nوَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا: أي العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، واحدتها قاعد بلا هاء، ليدل حذفها على أنه قعود الكبر.\nفَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ: التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب ونحوه، لا الثياب التي على العورة الخاصة. وإنما جاز لهن ذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم يبحه لغيرهن.\nثم استثنى حالة من حالاتهن فقال: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ: أي غير مظهرات للزينة التي أمرن بإخفائها في قوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النور: ٣١]، والمعنى من غير أن يردن بإظهار مواضع الجلابيب إظهار زينتهن ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال.\n_________\n(١) انظر: معاني الفراء (٢/ ٢٩٠)، والسبعة لابن مجاهد (ص ٤٥٩)، والكشاف (٢/ ٨٧)، والمجاز لأبي عبيدة (٢/ ٦٩)، والقرطبي (١٢/ ٣٠٩)، والدر المنثور للسيوطي (٥/ ٥٧) .","vol":"1","page":408},{"text":"والتبرج: التكشف والظهور للعيون.\nوَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ: أي وأن يتركن وضع الثياب مطلقا فهو:\nخَيْرٌ لَهُنَّ: من وضعها «١» .\nوَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) أي كثير السماع والعلم أو بليغهما «٢» .\n[الآية الرابعة عشرة] لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) .\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ: اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟ قال بالأول جماعة من العلماء، وبالثاني جماعة.\nوقيل: إن المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يحرجون من ذلك وقالوا: لا ندخلها وهم غيّب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم.\nفمعنى الآية نفي الحرج عن الزمنى وفي أكلهم من بيوت أقاربهم وبيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو.\nقال النحاس: وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين\n_________\n(١) قال في «التسهيل» (٣/ ١٥٥): «أباح الله لهذا الصنف من العجائز، ما لم يبح لغيرهن من وضع الثياب، قال ابن مسعود: إنما أبيح لهن وضع الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، وإنما أبيح لهن وضع الثياب بشرط ألا يقصدن إظهار الزينة، تلتزمه الشابّات من الستر اه.\n(٢) وانظر: الطبري (١٨/ ١٦٧)، والقرطبي (١٢/ ٣٠٩) .","vol":"1","page":409},{"text":"من التوقيف «١» .\nوقيل: إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون عن مواكلة الأصحاء حذرا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت.\nوقيل: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه.\nوقيل: المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو: أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو، وقيل: كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمناء إلى بيته، فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه، ذهب بهم إلى بيوت قرابته فيتحرج الزمناء من ذلك فنزلت الآية.\nوَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ: أي ولا حرج عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين.\nأَنْ تَأْكُلُوا: أنتم ومن معكم.\nوالحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مواكلة الأصحاء أو دخول بيوتهم فيكون وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ متصلا بما قبله، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر وعدم العرج وعدم المرض فقوله: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ ابتداء كلام غير متصل بما قبله.\nومعنى: مِنْ بُيُوتِكُمْ: البيوت التي فيها متاعهم وأهلهم، فتدخل بيوت الأولاد، كذا قال المفسرون. لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته، ولذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر غيرها فقال:\nأَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ: قال النحاس: وعارض بعضهم هذا فقال: هذا تحكم على كتاب الله سبحانه!! بل الأولى، في الظاهر، أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء «٢» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٦٩)، والفراء (٢/ ٢٩١)، ومعاني النحاس (٤/ ٥٥٨)، وابن كثير (٦/ ٩٣)، والقرطبي (١٢/ ٣١٢)، والبحر المحيط (٦/ ٤٧٤)، والألوسي (١٨/ ١٢٨)، والدر المنثور (٥/ ٥٨) .\n(٢) انظر: معاني النحاس (٤/ ٥٥٨، ٥٥٩) .","vol":"1","page":410},{"text":"ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد، بالنسبة إلى الآباء، لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث: «أنت ومالك لأبيك» «١»، وحديث: «ولد الرجل من كسبه» «٢» .\nثم قد ذكر الله سبحانه هنا بيوت الإخوة والأخوات، بل الأعمام والعمات، بل الأخوال والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ولا ينفيه عن بيوت الأولاد؟! وقيد بعضهم جواز الأكل من بيوتهم كلهم بالإذن منهم.\nوقال آخرون: ولا يشترط الإذن. قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولا وإن كان محرزا دونهم لهم أكله.\nثم قال سبحانه: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ: أي البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أربابها وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان فإنهم يملكون التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته وأعطاهم مفتاحه. وقيل: المراد بها بيوت المماليك.\nوالمفاتح: جميع مفتح «٣» .\nأَوْ صَدِيقِكُمْ: وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك وتطيب به نفسه، والصديق يطلق على الواحد والجمع.\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا: جمع شتّ بمعنى التفرق يقال: شت القوم أي تفرقوا. وهذه الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله، أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا مجتمعين أو مفترقين.\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه ابن ماجة (٢٢٩١)، والطحاوي في «الشرح» (٤/ ١٥٨)، (٦١٥٠)، وفي «المشكل» (٢/ ٢٣٠) وانظر: تخريجنا له في «بر الوالدين» للطرطوشي- ط- دار الكتب العلمية- بيروت. [.....]\n(٢) حديث صحيح: رواه أحمد (٦/ ٣١، ٤١، ١٢٧، ١٩٣، ٢٠١) وأبو داود (٣٥٢٨)، والترمذي (١٣٥٨)، وابن ماجة (٢٢٩٠)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٤٠٦، ٤٠٧) والدارمي (٢/ ٢٤٧)، والحاكم (٢/ ٤٦)، وقال أبو عيسى: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي.\n(٣) انظر: ابن كثير (٦/ ٦٣)، والبحر المحيط (٦/ ٤٧٤)، وروح المعاني (١٨/ ٢١٩)، والقرطبي (١٢/ ٣١٣)، والتسهيل (٣/ ١٥٥) .","vol":"1","page":411},{"text":"وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا يؤاكله فيأكل معه، وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع الضيف فنزل: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا أي غير البيوت التي تقدم ذكرها، وهذا بيان أدب آخر أدّب به عباده.\nفَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ: أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم.\nوقيل: المراد البيوت المذكورة سابقا.\nوعلى القول الأول فقال الحسن والنخعي: هي المساجد، والمراد سلموا على من فيها من صنفكم، فإذا لم يكن في المساجد أحد فقيل: يقول: السلام على رسول الله، وقيل: يقول: السلام عليكم مريدا للملائكة وقيل: يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nوقال بالقول الثاني- أعني أنها البيوت المذكورة سابقا- جماعة من الصحابة والتابعين. وقيل: المراد بالبيوت هنا هي جميع البيوت المسكونة وغيرها، فيسلم على أهل المسكونة. وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه.\nقال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح «١» .\nتَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً: أي تطيب بها نفس المستمع.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١): تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها.\n[الآية الخامسة عشرة] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) .\nفَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ: أي المؤمنين يا رسول الله ﵌.\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٧٤)، والبحر (٦/ ٤٧٤)، والقرطبي (١٢/ ٣١٨)، وزاد المسير (٦/ ٦٧) .","vol":"1","page":412},{"text":"لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ: أي الأمور التي تهمهم.\nفَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وامنع من تشاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي تراها.\nثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم بقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ: فيه إشارة إلى أن الاستئذان، وإن كان بقدر مسوغ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة.\nإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢): أي كثير الرحمة والمغفرة بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية.\nقال المفسرون: كان رسول الله ﵌ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي ﵌ حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم.\nقال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده.\nقال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه ﵌ فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك أن يكونوا مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه وللإمام أن يأذن وله أن لا يأذن على ما يرى، لقوله: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ.\nقال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن «١» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (١٨/ ١٧٧)، وابن الجوزي (٦/ ٦٨)، وابن كثير (٦/ ٩٦)، والفراء (٢/ ٢٦٢)، وابن عطية (١٠/ ٥٥٦) .","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سورة الفرقان وهي سبع وسبعون آية</span>\nهي مكية، في قول الجمهور «١» .\nقال القرطبي «٢»: قال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الآيات.\n[الآية الأولى]\nوَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) .\nوَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨): أي يتطهر به، كما يقول: وضوء للماء الذي يتوضى به.\nقال الأزهري: الطهور في اللغة: الطاهر المطهر.\nقال ابن الأنباري: الطهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوصف، وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة.\nوقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة.\nوروي عن أبي حنيفة أنه قال: الطهور هو الطاهر، واستدل لذلك بقوله تعالى:\nوَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) [الإنسان: ٢١] يعني طاهرا، ومنه قول الشاعر:\n_________\n(١) قال في «البحر» (٦/ ٤٨٠): «هذه السورة مكية في قول الجمهور، وقال ابن عباس: إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إلى قوله وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) .\n(٢) انظره في تفسيره (١٣/ ١) .","vol":"1","page":414},{"text":"خليلي هل في نظرة بعد توبة ... [أداوي] «١» بها قلبي عليّ فجور\nإلى رجّح الأكفال غيد من الظّبا ... عذاب الثنايا ريقهنّ طهور\nفوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر. ورجح القول الأول ثعلب وهو راجح لما تقدم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة «٢» .\nوأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور فإنه على طريق المبالغة.\nوعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء في [نفسه] «٣» طاهر ومطهر لغيره «٤» .\nقال الله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال: ١١] .\nقال النبي ﵌: «خلق الماء طهورا» «٥» .\n[الآية الثانية]\nوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤) .\nوَالَّذِينَ يَبِيتُونَ: البيتوتة: هي أن يدركك الليل نمت أم لم تنم.\nقال الزجاج: من أدركه الليل فقد بات نام أو لم ينم كما يقال: بات فلان قلقا.\nوالمعنى يبيتون.\nلِرَبِّهِمْ سُجَّدًا: على وجوههم.\nوَقِيامًا (٦٤): على أقدامهم، ومنه قول امرئ القيس «٦»:\nفبتنا قياما عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله\n_________\n(١) حرّف في المطبوع إلى (أوادي) وهو خطأ والتصويب من فتح القدير (٤/ ٨٠) .\n(٢) وانظر: تهذيب اللغة (طهر)، نيل الأوطار (١/ ١٤) .\n(٣) ما بين [] بياض في «المطبوعة» واستدرك من فتح القدير (٤/ ٨٠) .\n(٤) انظر: الروضة الندية للمصنف (١/ ٤)، ونيل الأوطار للشوكاني (١/ ٧، ١٦)، القرطبي (١٣/ ٥٥) .\n(٥) الذي وقفنا عليه هو حديث «إن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا..» رواه أبو داود (٦٦)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (١/ ١٧٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٦، ١٦٧)، وأحمد في «المسند» (٣/ ٣١) عن أبي سعيد مرفوعا. وحسّنه الترمذي وصححه البغوي وانظر: التلخيص (١/ ١٣) .\n(٦) نسبه القرطبي لزهير بن أبي سلمى (١٣/ ٧١)، وهو في «ديوانه» (ص ١٣٢) .","vol":"1","page":415},{"text":"والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل كله أو أكثره.\n[الآية الثالثة]\nوَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧) .\nوَالَّذِينَ [إِذا] «١» أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا: من قتر يقتر، أو أقتر يقتر. ومعنى الجميع التضييق في الإنفاق.\nقال النحاس: أحسن ما قيل في معنى الآية: أن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام «٢» .\nوقال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجوع ولا يعرى ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف.\nوقال يزيد بن حبيب: أولئك أصحاب محمد ﵌ كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا فريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويقيهم الحر والبرد «٣» .\nوقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا، كقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٢٩] .\nوَكانَ: أي إنفاقهم.\nبَيْنَ ذلِكَ: الإفراط أو التفريط.\nقَوامًا (٦٧) بكسر القاف: ما يدوم عليه الشيء ويستقر وبالفتح العدل والاستقامة، قاله ثعلب.\nوقيل: بالفتح العدل بين الشيئين، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا\n_________\n(١) ما بين [المعقوفين] سقط من المطبوعة.\n(٢) انظر كلام النحاس في «معاني القرآن» له (٥/ ٤٨، ٤٩) . [.....]\n(٣) انظر: الطبري (١٩/ ٢٦)، وزاد المسير (٦/ ١٠٥)، وابن قتيبة (٣١٥)، والنكت (٣/ ١٦٥)، والبحر المحيط (٦/ ٥١٥)، ومجاز أبي عبيدة (٢/ ٨١)، والقرطبي (١٣/ ٧٦)، الدر المنثور (٥/ ٧٧) .","vol":"1","page":416},{"text":"ينقص. وقيل: بالكسر السداد والمبلغ «١» .\n[الآية الرابعة]\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) .\nوَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) أي قدوة يقتدى بنا في الخير.\nوإنما قال إماما ولم يقل أئمة لأنه أريد به الجنس كقوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: ٥]، وقيل: إنه من الكلام المقلوب، وأن المعنى: واجعل المتقين لنا إماما، وبه قال مجاهد. وقيل: إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وإن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء: واجعلني للمتقين إماما، ولكنها حكيت عبارات الكل بصيغة المتكلم مع الغير لقصد الإيجاز.\nوقال الأخفش: الإمام جمع آمّ من أمّ يؤم جمع على فعال كصاحب وصحاب وقائم وقيام وقيل: إنه مصدر كالقيام والصيام. وقيل غير ذلك.\nقال النيسابوري: قيل: في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن يطلب ويرغب فيها، والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي به يشار إليه ويقتدى بهم «٢» .\n_________\n(١) القوام في اللغة: الوسط والعدل، قال القرطبي: وهذا أدب الشرع ألا يفرط الإنسان حتى يضيّع حقا أو عيالا، وألا يضيّق ويقتر حتى يجيع العيال، ويفرط في الشح. اه- (١٣/ ٧٣)، وانظر:\nالطبري (١٩/ ٣٧)، ابن كثير (٦/ ١٣٤)، ومعاني الفراء (٢/ ٢٧٣)، الدر المنثور (٥/ ٧٧) .\n(٢) انظر: الطبري (١٩/ ٥٣)، الدر المنثور (٥/ ٨١) .","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>سورة القصص</span>\nوهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء.\n[الآية الأولى]\nقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) .\nقالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ: فيه مشروعية عرض ولي المرأة لها على الرجل، وهذا سنة ثابتة في الإسلام كما ثبت من عرض عمر لابنته على أبي بكر وعثمان- والقصة معروفة «١» - وغير ذلك، كما وقع في أيام الصحابة وأيام النبوة.\nوكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله ﵌ «٢» .\nعَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ: أي على أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ترعى غنمي.\nفَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ: أي تفضلا منك لا إلزاما مني لك، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام العشرة أعوام موكولا إلى المروءة.\nوَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ: بإلزامك إتمام العشرة الأعوام واشتقاق المشقة من الشق أي شق بطنه نصفين، فتارة يقول: أطيق، وتارة يقول: لا أطيق.\nثم رغبه في قبول الإجارة فقال:\nسَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧): في حسن الصحبة والوفاء. وقيل:\nأراد الصلاح على العموم، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أولياء، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته.\n_________\n(١) صحيح: رواه البخاري (٩/ ١٧٥، ١٧٦، ٢٠١)، عن عبد الله بن عمر مرفوعا.\n(٢) صحيح: رواه البخاري (٩/ ١٧٤) عن أنس مرفوعا.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>سورة محمد ﵌ آياتها تسع وثلاثون، وقيل: ثمان وثلاثون آية</span>\nوتسمى سورة القتال، وسورة الذين كفروا.\nوهي مدنيّة. قال الماوردي: في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما قالا: إلا آية نزلت منها بعد حجة الوداع حيث خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزنا فنزل قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ [محمد: ١٣] .\nوقال الثعلبي: إنها مكية. وهو غلط من القول، فالسورة مدنيّة كما لا يخفى «١» .\n[الآية الأولى]\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) .\nفَشُدُّوا الْوَثاقَ: بالفتح، وتجيء بالكسر، اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط.\nوالمعنى إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم واحفظوهم بالوثاق.\nفَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا أو تفدوا فداء.\nوالمن: الإطلاق بغير عوض.\nوالفداء: ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر. ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم، وإنما قدم المن على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق، ولهذا كانت العرب تفتخر به:\n_________\n(١) قول الثعلبي في تفسيره «الكشف والبيان» مخطوط بأماكن متفرقة بمصر والظاهرية وتركيا والسعودية والهند وغيرها، وهو قيد التحقيق.","vol":"1","page":419},{"text":"ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم\nثم ذكر سبحانه الغاية لذلك فقال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها.\nأوزار الحرب: آلاتها التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع، أسند الوضع إليها وهو لأهلها على طريق المجاز.\nوالمعنى أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور إلى غاية، هي أن لا يكون حرب مع الكفار.\nوقال مجاهد: المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام، وبه قال الحسن والكلبي.\nوقال الكسائي: حتى يسلم الخلق.\nقال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقيل: المعنى حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة.\nوروي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق «١» .\nوقد اختلف العلماء في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟\nفقيل: إنها منسوخة في أهل الأوثان، وأنه لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم، والناسخ لها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] وقوله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ [الأنفال: ٥٧]، وقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦]، وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وكثير من الكوفيين «٢» .\nقالوا: والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على\n_________\n(١) انظر: الطبري (٢٦/ ٤٠)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦)، والقرطبي في «تفسيره» (١٦/ ٢٢٦، ٢٢٨) . ومعاني الفراء (٣/ ٥٧)، وزاد المسير لابن الجوزي (٧/ ٣٩٧)، والنكت والعيون للماوردي (٤/ ٤٤) .\n(٢) وممن قال بدعوى النسخ أيضا: شعبة عن الحكم ومغيرة بن شعبة والحسن البصري ومجاهد وهو مذهب أبي حنيفة وانظر: القرطبي (١٦/ ٢٢٧)، الدر المنثور (٦/ ٤٦، ٤٧)، والناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٣٧٢) .","vol":"1","page":420},{"text":"تركه كالنساء والصبيان «١»، ومن يؤخذ منه الجزية «٢» . وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة.\nوقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]، روي ذلك عن عطاء وغيره.\nوقال كثير من العلماء: إن الآية محكمة وإن الإمام مخير بين القتل والأسر، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء. وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وغيرهم وهذا هو الراجح، لأن النبي ﵌ والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك «٣» .\nوقال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧]، فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره «٤» .\n[الآية الثانية]\nفَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) .\nفَلا تَهِنُوا: أي لا تضعفوا عن القتال.\n_________\n(١) دلّ على ذلك ما أخرجه البخاري (٦/ ١٤٨)، ومسلم (١٢/ ٤٨) عن ابن عمر قوله مرفوعا:\n«وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ﵌، فنهى رسول الله عن قتل النساء والصبيان» .\n(٢) دلّ على ذلك قوله ﷿: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) [التوبة: ٢٩] .\n(٣) قال القاضي محمد بن العربي ﵀: «والآية محكمة ليس للنسخ فيها طريق، لا من آيات القتال ولا من غيرها، لأن النسخ كما بينا إنما يكون بشروط منها المعارضة ومنها معرفة التاريخ، ولا تاريخ هاهنا يعلم، ولا معارضة بين الآيتين، لأن آيات القتال هي معنى قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ فأمر بالقتال ثم قال: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ ثم منوا بعد ذلك عليهم أو فادوهم، وقد منّ النبي ﵌ على ثمامة بن أثال وأطلقه، وقال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيّا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» والإمام مخير في الأسرى بين خمسة أشياء: إما القتل أو المنّ أو الفداء أو الرّق أو إقرارهم على الجزية، وبه قال جماعة.\nروى أبو حنيفة الإمام لا يمن إلا من جهة الآية، ولكن زعم أن في المنّ إتلاف حق الغانمين، وهذا يبطل بالقتل، فإن له أن يقتل جميعهم وفي ذلك إتلاف حقهم، ويبطل أيضا بما قدمناه من الأدلة والله أعلم. (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٨٧٢، ٨٧٣) . والأحكام (٤/ ١٦٨٨) .\n(٤) ذكر قول سعيد بن جبير القرطبي في «تفسيره» (١٦/ ٢٢٨)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٦/ ٤٦) .\nبنحوه.","vol":"1","page":421},{"text":"والوهن: الضعف.\nوَلا تَدْعُوا: أي الكفار.\nإِلَى السَّلْمِ: أي الصلح، ابتداء منكم فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف.\nقال الزجاج: منع الله المسلمين المؤمنين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا «١» .\nواختلف أهل العلم في هذه الآية: هل هي محكمة؟ أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة وناسخة لقوله: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١] . وقيل: منسوخة بهذه الآية. ولا يخفى عليك أن لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية أن يدعوا إلى السّلم ابتداء ولم ينه عن قبول السّلم إذا جنح إليها المشركون، فالآيتان محكمتان ولم تتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص «٢» .\nوجملة: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: مقررة لما قبلها من النهي، أي وأنتم الغالبون بالسيف والحجة.\nقال الكلبي: أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات.\nوكذا قوله: وَاللَّهُ مَعَكُمْ: أي بالنصر والمعونة عليهم.\n_________\n(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (٦/ ٤٨٦)، والمجاز لأبي عبيدة (٢/ ٢١٦)، وغريب ابن قتيبة (٤١١)، وزاد المسير (٧/ ٤١٤)، وتفسير القرطبي (١٦/ ٢٥٦) .\n(٢) انظر في ذلك: زاد المسير (٧/ ٤١٤)، القرطبي (١٦/ ٢٥٦) . [.....]","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>سورة الفتح تسع وعشرون آية</span>\nكلها مدنيّة بالإجماع، قاله القرطبي «١» .\nوقال مروان ومسوّر بن مخرمة: نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية وهذا لا ينافي الإجماع، لأن المراد بالسّور المدنية السّور النازلة بعد الهجرة من مكة.\n[الآية الأولى]\nهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥) .\nوَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ: يعني المستضعفين ممن آمن بمكة.\nومعنى: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ: لم تعرفوهم. وقيل لم تعلموا أنهم مؤمنون.\nأَنْ تَطَؤُهُمْ: بالقتل والإيقاع بهم، يقال: وطئت القوم أي أوقعت بهم. وذلك أنهم لو أخذوا مكة عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة.\nوهو معنى قوله: فَتُصِيبَكُمْ، أي من جهتهم.\nمَعَرَّةٌ: أي مشقة بما يلزمكم في قتلهم من كفارة وعيب.\n_________\n(١) ينظر: صحيح مسلم (١٧٨٦)، (٣/ ١٤١٣)، والطبري (٢٦/ ٤٣)، والنكت (٤/ ٥٦)، وزاد المسير (٧/ ٤١٨)، والقرطبي (١٦/ ٢٦٠)، ابن كثير (٤/ ١٨٢)، الدر المنثور (٦/ ٦٧)، اللباب (١٩٣) .","vol":"1","page":423},{"text":"وأصل المعرة: العيب، مأخوذة من العر وهو الحرب. وذلك أن المشركين سيقولون إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم.\nقال الزجاج: معرة أي إثم، وكذا قال الجوهري- وبه قال ابن زيد-.\nوقال الكلبي ومقاتل وغيرهما: المعرة كفارة قتل الخطأ.\nوقال ابن إسحق: المعرة غرم الدية.\nوقال قطرب: المعرة الشدة، وقيل: الغم.\nبِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بأن تطئوهم أي غير عالمين. وجواب لولا محذوف أي لإذن الله ﷿ لكم، أو لما كف أيديكم عنهم «١» .\n_________\n(١) انظر في تفسير هذه الآية: تذكرة الأريب (٢/ ١٦٦)، البحر المحيط (٨/ ٩٧)، والفرّاء (٣/ ٦٧) .","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>سورة الحجرات ثمان عشرة آية</span>\nوهي مدنية، قال القرطبي: بالإجماع «١» .\n[الآية الأولى]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا: من التبيين.\nوقرأ حمزة والكسائي من التثبيت فتثبتوا. والمراد من التبيين التعرف والتفحص، ومن التثبيت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر «٢» .\nقال المفسرون: إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط «٣» .\nكراهة أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ: أو لئلا تصيبوا، لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب وهو جهالة، لأنه لم يصدر عن علم.\nوالمعنى متلبسين بجهالة بحالهم.\nفَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ: بهم من إصابتهم بالخطأ.\nنادِمِينَ (٦): على ذلك مغتمين له مهتمين به.\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٦/ ٣٠٠) .\n(٢) انظر القرطبي (١٦/ ٣٠٧) .\n(٣) انظر: مسند أحمد (٤/ ٢٧٩)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ٢٧٤، ٢٧٥)، (٣٣٩٥)، والدر للسيوطي (٧/ ٥٥٥، ٥٥٦)، الفتح الرّباني (١٨/ ٢٨٢)، الطبري (٢٦/ ٧٨)، زاد المسير (٧/ ٤٦٠)، اللباب (١٩٦)، القرطبي (١٦/ ٣١١) .","vol":"1","page":425},{"text":"[الآية الثانية]\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) .\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا: باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين.\nفَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما: أي إذا تقاتل فريقان من المسلمين فعلى المسلمين أن يسعوا في الصلح بينهم ويدعوهم إلى حكم الله.\nفَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ: أي فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم ويتحروا في الصواب المطابق لحكم الله ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة، حتى تخرج من الظلم وتؤدي ما يجب عليها للأخرى.\nثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المقتتلتين فقال:\nوَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) أي واعدلوا إن الله يحب العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء.\nوقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا المرام في شرحه «نيل الأوطار للمنتقى» «١»، وبسطنا الكلام على أحكام البغي والبغاة في شرحنا «مسك الختام لبلوغ المرام» فليرجع إليهما.\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار (٧/ ٣٣٨ فيما بعدها) .","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>سورة النجم إحدى وستون وقيل: اثنتان وستون آية</span>\nمكية جميعها، في قول الجمهور «١» .\nوروي عن ابن عباس: إلا آية منها، وهي قوله: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢] الآية.\n[الآية الأولى]\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) .\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ٣٩: أي ليس له إلا أجر سعيه وجزاء عمله، ولا ينفع أحدا عمل أحد.\nوهذا العموم مخصوص مثل قوله سبحانه: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١]، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد «٢»، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات وتصدقهم عنهم ونحو ذلك «٣» .\nولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور فإن الخاص لا ينسخ العام بل يخصصه، فكلما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به- وهو من غير سعيه- كان مخصصا لما في هذه الآية من العموم «٤» .\n_________\n(١) انظر: الفراء (٣/ ٩٤)، الطبري (٢٧/ ٢٤)، النكت (٤/ ١١٨)، زاد المسير (٨/ ٦٢)، القرطبي (١٧/ ٨٢)، ابن كثير (٤/ ٢٤٦)، الدر المنثور (٦/ ١٢١) .\n(٢) صحيح: ما رواه مسلم (٣/ ٢٥، ٣٤)، (١٨٣) عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.\n(٣) انظر في ذلك: نيل الأوطار (٤/ ١٤٢) .\n(٤) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٨٧٨، ٨٧٩)، والأحكام له (٤/ ١٧١٩) .","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>سورة الواقعة سبع أو ست وتسعون آية</span>\nوهي كلها مكية، في قول جماعة من العلماء كالحسن وعكرمة وجابر وعطاء.\nقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) [الواقعة: ٨٢] «١» .\n[الآية الأولى]\nلا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) .\nلا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩): قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون.\nوالمطهرون: هم الملائكة. وقيل: هم الملائكة والرسل من بني آدم.\nومعنى لا يمسه: المسّ الحقيقي. وقيل: المعنى لا ينزل به إلا المطهرون. وقيل:\nالمعنى لا يقرؤه. وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، كذا قال قتادة وغيره «٢» .\nوقال الكلبي: المطهرون من الشرك.\nوقال الربيع بن أنس: المطهرون من الذنوب والخطايا.\nوقال محمد بن الفضل وغيره: معنى الآية لا يقرؤه إلا الموحدون.\nوقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق «٣» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٢٧/ ٩٦)، وزاد المسير (٨/ ١٣١) .\n(٢) انظر: الفراء (٣/ ١٢٩)، الطبري (٢٧/ ١١٨) والنكت والعيون (٤/ ١٧٨)، وزاد المسير (٨/ ١٥١)، القرطبي (١٧/ ٣٢٥)، وابن كثير (٤/ ٢٩٨) .\n(٣) انظر: زاد المسير (٨/ ١٥١، ١٥٢)، القرطبي (٧/ ٢٢٥) .","vol":"1","page":428},{"text":"وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف، وبه قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وابن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي.\nوروي عن ابن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة: ويجوز للمحدث مسه «١» .\nوقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في «شرحه للمنتقى» فليرجع إليه «٢» .\n_________\n(١) انظر: سبل السلام (١/ ٧٠)، جامع الأمهات (ص ٥٩) كفاية الأخيار (ص ٧٨)، شرح العبادات لليعقوبي (ص ١٢٦) . [.....]\n(٢) انظر: نيل الأوطار (١/ ٢٦٠، ٢٦٢، ٢٨٣، ٢٨٥) .","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>سورة الحديد تسع وعشرون آية</span>\nكلها مدنية. قال القرطبي: في قول الجميع «١» .\n[الآية الأولى]\nثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) .\nوَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً: الذين اتبعوه هم. الحواريون، جعل الله في قلوبهم مودة لبعضهم البعض.\nوَرَحْمَةً: يتراحمون بها بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك.\nأصل الرأفة: اللين.\nوالرحمة: الشفقة.\nوقيل: الرأفة: أشد الرحمة.\nوَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها: أي ابتدعوا رهبانية. ورجحه أبو علي الفارسي على العطف على ما قبلها.\nوالرهبانية: بفتح الراء وضمها، وهي بالفتح الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى الرهبان وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٧/ ٢٣٥) .","vol":"1","page":430},{"text":"المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع، لأن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا. ذكر معناه قتادة والضحاك وغيرهما.\nما كَتَبْناها: أي ما فرضناها.\nعَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ: استثناء منقطع، أي ما كتبناها عليهم رأسا ولكن ابتدعوها ابتغاء.\nرِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها أي هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم.\nحَقَّ رِعايَتِها، بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا وتركوا الترهب ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم وهم المرادون بقوله:\nفَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد ﵌ لما بعثه الله.\nوَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧): خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به «١» .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٢٧/ ١٣٨)، زاد المسير (٨/ ١٧٦)، القرطبي (٧/ ٢٦٣)، والبحر المحيط (٨/ ٢٢٨) .","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>سورة المجادلة اثنتان وعشرون آية</span>\nوهي مدنية، قاله القرطبي «١»: في قول الجميع، إلا رواية عن عطاء: أن العشر الأول منها مدنية.\n[الآيتان: الأولى والثانية]\nوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) .\nوَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ: بأن يقول الزوج لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي كذا قال ابن عباس.\nفالمعنى والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور.\nثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا: بالتدارك والتلافي، كما في قوله: أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ [النور: ١٧]، أي إلى مثله.\nقال الأخفش: لما قالوا وإلى ما قالوا يتعاقبان. قال: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف: ٤٣]، وقال: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) [الصافات: ٢٣]، وقال:\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) [الزلزلة: ٥]، وقال: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ [هود: ٣٦] .\nوقال الفراء: اللام بمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء.\nوقال الزجاج: المعنى يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا.\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٧/ ٢٦٩) .","vol":"1","page":432},{"text":"قال الأخفش أيضا: الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع.\nفَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، لما قالوا. أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا.\nواختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال:\nالأول: أنه العزم على الوطء، وبه قال العراقيون: أبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك.\nوقيل: هو الوطء نفسه، وبه قال الحسن. وروي أيضا عن مالك، وهو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وبه قال الشافعي.\nوقيل: هو الكفارة، والمعنى أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة، وبه قال الليث بن سعد وروي عن أبي حنيفة.\nوقيل: هو تكرير الظهار بلفظه، وبه قال أهل الظاهر.\nوالظاهر أنها تجزىء أي رقبة كانت.\nوقيل: يشترط أن تكون مؤمنة، كالرقبة في كفارة القتل. وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه، وبالثاني قال مالك والشافعي واشترطا سلامتها من كل عيب.\nمِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا المراد بالتماس: هنا الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفّر.\nوقيل: المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر إلى الفرج بشهوة، وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي.\nوالإشارة بقوله: ذلِكُمْ إلى الحكم المذكور، وهو مبتدأ وخبره:\nتُوعَظُونَ: أي تؤمرون بِهِ أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار. وفيه بيان لما هو المقصود من شرع الكفارة.\nقال الزجاج: المعنى ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به، أي أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣): لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فهو مجازيكم عليها.","vol":"1","page":433},{"text":"ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة، فقال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي فمن لم يجد الرقبة في ملكه ولم يتمكن من قيمتها، فعليه صيام شهرين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر يستأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من سفر أو مرض، فقال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمر بن دينار والشعبي والشافعي ومالك: يبني ولا يستأنف.\nوقال أبو حنيفة: إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي. فلو وطئ ليلا أو نهارا عمدا أو خطأ استأنف، وبه قال أبو حنيفة ومالك.\nوقال الشافعي: لا يستأنف إذا وطئ ليلا لأنه ليس محلا للصوم. والأول أولى.\nفَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لكل مسكين مدّان، وهما نصف صاع. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.\nوقال الشافعي وغيره: لكل مسكين مد واحد. والظاهر من الآية أنه يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم وبعضهم في يوم آخر.\nوالإشارة بقوله: ذلِكَ إلى ما تقدم من الأحكام، وهو مبتدأ وخبره مقدر، أي ذلك واقع.\nلِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: أي لتصدقوا أن الله أمر به وشرعه، أو لتطيعوا الله ورسوله في الأوامر والنواهي وتقفوا عند حدود الشرع، ولا تعتدوها ولا تعودا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور.\nوالإشارة بقوله: وَتِلْكَ إلى الأحكام المذكورة، وهو مبتدأ وخبره:\nحُدُودُ اللَّهِ: فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة.\nوَلِلْكافِرِينَ: الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعملون بما حده الله لعباده وسماه كفرا تغليظا وتشديدا.\nعَذابٌ أَلِيمٌ (٤): هو عذاب جهنم «١» .\n_________\n(١) انظر في تفسير هذه الآية وأقوال أهل العلم فيها: الأحكام لابن العربي (٤/ ١٧٣٤ إلى ١٧٤٦)، والناسخ والمنسوخ (٢/ ٨٨١)، مراتب الإجماع لابن حزم (ص ٩٣) الروضة الندية للمصنف","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>سورة الحشر</span>\nوهي مدنيّة.\nقال القرطبي «١»: في قول الجميع.\n[الآية الأولى]\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) .\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) قال مجاهد: إن بعض المهاجرين وقعوا في قطع النخل، فنهاهم بعضهم وقالوا: إنما هي مغانم للمسلمين. وقال الذين قطعوا: بل هو غيظ للعدو، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطع النخيل وتحليل من قطعه من الإثم.\nواختلف المفسرون في تفسير اللينة؟\nفقال الزهري ومالك وسعيد بن جبير وعكرمة والخليل: إنها النخل كله إلا العجوة.\nوقال الثوري: هي كرام النخل.\nوقال أبو عبيدة: إنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبرني.\nوقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصة. وقيل: هي ضرب من النخل.\n_________\n(٢/ ٦٥، ٦٧)، كفاية الأخيار للحصني (٤١٣، ٤١٨)، جامع الأمهات لابن الحاجب (٣٠٨، ٣١٣)، مغني المحتاج للشربيني (٣/ ٣٥٢، ٣٥٨)، شرح الزركشي لمختصر الخرقي (٥/ ٤٧٨، ٤٨٥)، الروض المربع للبهوتي (٢/ ٣١٠، ٣١٢) .\n(١) تفسير القرطبي (١٧/ ٢٦٩)، ابن كثير (٤/ ٣١٨)، الطبري (٢٨/ ٢)، النكت (٤/ ١٩٨)، زاد المسير (٨/ ١٨٠)، اللباب (٢٠٦)، الدر المنثور (٦/ ١٧٩) .","vol":"1","page":435},{"text":"وقال الأصمعي: هي الدقل، وأصل اللينة لونة فقلبت الواو الساكنة ياء لانكسار ما قبلها، وجمع اللينة لين، وقيل: ليان.\nوقد استدل بالآية على أن حصون الكفار وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وترمى بالمجانيق، وكذلك قطع أشجارهم ونحوها.\nوكذا استدل بها على جواز الاجتهاد، وعلى تصويب المجتهدين، والبحث مستوفى في كتب الأصول.\n[الآية الثانية] وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) .\nوَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ: أي ما رده عليه من أموال الكفار، والضمير عائد إلى بني النضير.\nفَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ يقال: وجف البعير يجف وجفا: وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع.\nوالركاب: ما يركب من الإبل خاصة.\nوالمعنى لم تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا ولا تجشمتم لها مشقة ولا لقيتم به حربا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، فجعلها الله سبحانه لرسوله ﵌ وبارك وسلم خاصة، فإنه افتتحها صلحا وأخذ أموالها، وقد كان يسأله المسلمون أن يقسم لهم فنزلت الآية.\nوَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ: من أعدائه، وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله ﵌ دون أصحابه، لكونهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، بل مشوا إليها مشيا ولم يقاسوا فيها شيئا من شدائد الحروب.\nوَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)، يسلط من يشاء على من أراد، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) [الأنبياء: ٢٣] .","vol":"1","page":436},{"text":"[الآية الثالثة] ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧):\nما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ: هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول الله ﵌ خاصة، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد.\nووضع مِنْ أَهْلِ الْقُرى، موضع قوله: مِنْهُمْ للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير وحدهم، بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول الله ﵌ صلحا، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب.\nوالمراد بالقرى بنو النضير وقريظة وفدك وخيبر.\nوقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها: هل معناهما متفق أو مختلف؟\nفقيل: معناهما متفق كما ذكرنا، وقيل: مختلف. وفي ذلك كلام لأهل العلم طويل.\nقال ابن العربي: لا إشكال في أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات:\nأما الآية الأولى وهي قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فهي خاصة لرسول الله ﵌، خالصة له وهي أموال بني النضير وما كان مثلها.\nوأما الآية الثانية وهي: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فهذا كلام مبتدأ غير الأول المستحق غير الأول، وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال، [وعريت] «١» الآية الثانية وهي: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال، فنشأ الخلاف من هاهنا:\nفطائفة قالت: هي ملحقة بالأولى وهي مال الصلح.\n_________\n(١) وقع في «المطبوعة» (وأعربت) وهو خطأ واضح، والتصويب من فتح القدير (٥/ ٩٨) .","vol":"1","page":437},{"text":"وطائفة قالت: هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال، والذين قالوا إنها ملحقة باية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة؟ أو محكمة؟ هذا أصل كلامه.\nوقال مالك: إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله ﵌، والآية الثانية هي في بني قريظة، يعني أن معناها يعود إلى آية الأنفال.\nومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي ﵌ وهي بعده لمصالح المسلمين.\nفَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ: المراد بقوله: فَلِلَّهِ أنه يحكم فيه بما يشاء، وللرسول ويكون ملكا له، ولذي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لأنهم قد منعوا من الصدقة فجعل لهم حقا في الفيء، قيل: تكون القسمة في هذا المال على أن تكون أربعة أخماسه لرسول الله ﵌ وخمسه يقسم أخماسا للرسول خمس ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس. وقيل: يقسم أسداسا، السادس سهم الله سبحانه، ويصرف إلى وجوه القرب، كعمارة المساجد ونحو ذلك.\nكَيْ لا يَكُونَ: أي الفيء.\nدُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ دون الفقراء.\nوالدولة: اسم للشيء يتداوله القوم بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة.\nقال مقاتل: المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم ثم لما بين لهم سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله ﵌ فقال:\nوَما آتاكُمُ الرَّسُولُ: أي ما أعطاكم من مال الغنيمة.\nفَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ: أي عن أخذه.\nفَانْتَهُوا عنه ولا تأخذوه.\nقال الحسن والسدي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه.\nوقال ابن جريج: ما أتاكم من طاعتي فافعلوا وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه.","vol":"1","page":438},{"text":"والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله ﵌ من أمر أو نهي أو قول أو فعل، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها «١» .\nثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم بأخذه الرسول وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه وخوفهم شدة عقوبته فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ فهو معاقب لمن لم يأخذ ما آتاه الرسول ولم يترك ما نهاه عنه.\n_________\n(١) انظر: الأحكام لابن العربي (٤/ ١٧٦٠)، والناسخ والمنسوخ (٢/ ٨٨٤)، زاد المسير (٨/ ٢٠٩)، المجاز لأبي عبيدة (٢/ ٢٥٦)، الطبري (٢٨/ ٢٤)، النكت (٤/ ٢١٠)، القرطبي (١٨/ ١٠)، الفراء (٣/ ١٤٤)، والروضة الندية للمصنف (٢/ ٣٤٢)، فتح القدير (٥/ ٩٨) .","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>سورة الممتحنة ثلاث عشرة آية</span>\nوهي مدنيّة، قال القرطبي: في قول الجميع «١» .\n[الآيتان: الأولى والثانية]\nلا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) .\nلا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ: بدل من الموصول بدل اشتمال.\nوَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ: يقال أقسط إلى الرجل إذا عاملته بالعدل.\nقال الزجاج: المعنى وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد.\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨): أي العادلين. ومعنى الآية أن الله سبحانه لا ينهى عن بر أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم.\nقال ابن زيد: كان هذا في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ.\nقال قتادة: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] .\nوقيل: هذا الحكم كان ثابتا في الصلح بين النبي ﵌ وبين قريش فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقيل: هي خاصة في خلفاء النبي ﵌ ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن.\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٨/ ٤٩) .","vol":"1","page":440},{"text":"قال الكلبي: هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناة.\nوقال مجاهد: هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: هي خاصة بالنساء والصبيان.\nوحكى القرطبي «١» عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة.\nثم بيّن سبحانه من لا يحل بره ولا العدل في معاملته، فقال: إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ: وهم صناديد الكفر من قريش.\nوَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ: أي عاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم.\nأَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩): أي الكاملون في الظلم لأنهم تولوا من يستحق العداوة لكونه عدوا لله ولرسوله ولكتابه وجعلوهم أولياءهم.\n[الآيتان: الثالثة والرابعة] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ: من بين الكفار، وذلك أن النبي ﵌ لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين، وأمر بامتحانهن فقال:\nفَامْتَحِنُوهُنَّ: أي فاختبروهن.\nوقد اختلف فيما كان يمتحن به؟ فقيل: كنّ يستحلفن بالله ما خرجن من بغض\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٨/ ٥٩) . وانظر كذلك الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٨٨٥) .","vol":"1","page":441},{"text":"زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لالتماس دنيا، بل حبا لله ولرسوله ﵌، ورغبة في دينه فإذا حلفت كذلك أعطى النبي ﵌ زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردها إليه. وقيل: الامتحان هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وقيل: ما كان الامتحان إلا بأن يتلو عليهن رسول الله ﵌ الآية، وهي يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ إلى آخرها.\nواختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا؟ على قولين: فعلى القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد، وبه قال الأكثر. وعلى القول بعدمه لا نسخ ولا تخصيص.\nاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ: هذه الجملة معترضة لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها إلا الله سبحانه. ولم يتعبدكم بذلك وإنما تعبدكم بامتحانهن حتى يظهر لكم ما يدل على صدق دعواهن في الرغوب في الإسلام.\nفَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ: أي علمتم ذلك، بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمرتم به.\nفَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ: أي إلى أزواجهن الكافرين.\nلا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ: تعليل للنهي عن إرجاعهن.\nوفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها، والتكرير لتأكيد الحرمة أو الأول لبيان زوال النكاح القديم، والثاني لامتناع النكاح الجديد.\nوَآتُوهُمْ: أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن مثل:\nما أَنْفَقُوا: عليهن من المهور. قال الشافعي: إذا طلبها غير الزوج من قراباتها منع منها بلا عوض.\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لأنهنّ قد صرن من أهل دينكم.\nإِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ: أي مهورهن، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل عليه أدلة وجوب العدة.\nوَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ: قد قرأ الجمهور بالتخفيف من الإمساك. واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٣١] .","vol":"1","page":442},{"text":"وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو بالتشديد من التمسك «١» .\nوالعصم: جمع عصمة وهي ما يعتصم به. والمراد هنا عصمة عقد النكاح.\nوالمعنى أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين.\nقال النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وكان الكفار يزوجون المسلمين والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك لهذه الآية. وهذا خاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب، وقيل: عامة في جميع الكوافر، مخصصة بإخراج الكتابيات منها.\nوقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثنيّ أو كتابيّ لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء العدة.\nوقال بعض أهل العلم: يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج، وهذا إنما هو إن كانت المرأة مدخولا بها، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل العلم في انقطاع العصمة بينهما بالإسلام، إذ لا عدة عليها.\nوَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا: أي اطلبوا مهور نسائكم اللاحقات بالكفار.\nقال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدة إلى الكفار من أهل العهد، يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت امرأة من الكفار إلى المسلمين وأسلمت: ردوا مهرها على زوجها الكافر.\nذلِكُمْ: أي المذكور من إرجاع المهور من الجهتين.\nحُكْمُ اللَّهِ، ورسوله.\nيَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) . قال القرطبي «٢»: وكان هذا مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة، بإجماع المسلمين.\n_________\n(١) قال الأزهري: «والمعنى: أن المرأة إذا ارتدّت عن الإسلام فزالت عصمة النكاح بينها وبين زوجها المؤمن فلا يتبعها الزّوج بعد انبتاتها عنه (معاني القراءات ص ٤٨٧، ٤٨٨) بتحقيقنا- ط- دار الكتب العلمية.\n(٢) انظره في «تفسيره» (١٨/ ٦٨) .","vol":"1","page":443},{"text":"ولما نزلت الآية المتقدمة قال المسلمون: رضينا بحكم الله، وكتبوا إلى المشركين فامتنعوا، فنزل قوله:\nوَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ: أي مما دفعتم.\nمِنْ أَزْواجِكُمْ أي من مهور نسائكم المسلمات. وقيل: المعنى وإن انفلت منكم أحد من نسائكم.\nإِلَى الْكُفَّارِ: فارتدت المسلمة.\nفَعاقَبْتُمْ: قال الواحدي، قال المفسرون: أي فغنمتم.\nوقال الزجاج: تأويله وكانت العقبى لكم، أي كانت الغنيمة لكم حتى غنمتم.\nفَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا: من مهر المهاجرة التي تزوجوها ودفعوه إلى الكفار ولا تؤتوه زوجها الكافر.\nقال قتادة ومجاهد: إنما أمروا أن يعطوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا من الفيء والغنيمة، وهذه الآية منسوخة قد انقطع حكمها بعد الفتح.\nوقال قوم: بل محكمة «١» .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١): أي احذروا أن تتعرضوا لشيء مما يوجب العقوبة عليكم، فإن الإيمان الذي أنتم متصفون به يوجب على صاحبه ذلك.\n[الآية الخامسة] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) .\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ: أي قاصدات مبايعتك على الإسلام.\n_________\n(١) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٨٨٧)، والأحكام له (٤/ ٢٧٧٦)، الطبري (٢٨/ ٤٤، ٤٥)، النكت (٤/ ٢٢٥)، زاد المسير (٨/ ٢٤١)، القرطبي (١٨/ ٦٤)، الناسخ والمنسوخ للنحاس (٢٣٧)، الإيضاح (٣٧٦) فما بعدهم. [.....]","vol":"1","page":444},{"text":"وعَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا: من الأشياء كائنا ما كان، هذا كان يوم فتح مكة، فإن نساء أهل مكة أتين رسول الله ﵌ يبايعنه فأمره الله أن يأخذ عليهن أن لا يشركن.\nوَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ: وهو ما كانت تفعله الجاهلية من وأد البنات.\nوَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ: أي لا يلحقن بأزواجهن ولدا ليس منهم.\nقال الفرّاء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن، وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المراد هنا أنها نسيت ولدها من الزنا إلى زوجها، لأن ذلك قد دخل تحت النهي عن الزنا.\nوَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ: أي في كل أمر هو طاعة لله.\nقال عطاء: في كل بر وتقوى.\nوقال المقاتل: عني بالمعروف النهي عن النوح، وتمزيق الثياب، وجز الشعر، وشق الجيب، وخمش الوجوه، والدعاء بالويل.\nوكذا قال قتادة وسعيد بن المسيب ومحمد بن السائب وزيد بن أسلم، ومعنى القرآن أوسع مما قالوه! قيل: ووجه التقييد بالمعروف مع كونه ﵌ لا يأمر إلا به، للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق.\nفَبايِعْهُنَّ: هذا جواب إذا، والمعنى إذا بايعنك على هذه الأمور فبايعهن، ولم يذكر في بيعتهن الصلاة والزكاة والصيام والحج لوضوح كون هذه الأمور ونحوها من أركان الدين وشعائر الإسلام، إنما خص الأمور المذكورة لكثرة وقوعها من النساء.\nوَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ: أي اطلب من الله المغفرة لهن بعد هذه المبايعة لهن منك.\nإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢): أي بليغ المغفرة والرحمة لعباده «١» .\n_________\n(١) انظر في تفسير هذه الآية: الطبري (٢٨/ ٥١)، النكت (٤/ ٢٢٨)، زاد المسير (٨/ ٢٤٤)، القرطبي (١٧/ ٧١)، الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٨٨٨) .","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>سورة الجمعة إحدى عشرة آية</span>\nوهي مدنيّة، قال القرطبي «١»: في قول الجميع.\n[الآية الأولى]\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ: أي وقع النداء: لها، والمراد به الأذان إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﵌ نداء سواه.\nمِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ: بيان لإذا وتفسير لها.\nوقال أبو البقاء: (من) بمعنى في.\nفَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ: قال عطاء: يعني الذهاب والمشي إلى الصلاة.\nوقال الفراء: المضي، والسعي، والذهاب، في معنى واحد. ويدل على ذلك قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود: (فامضوا إلى ذكر الله) .\nوقيل: المراد القصد.\nقال الحسن: والله ما هو سعي على الأقدام ولكنه قصد بالقلوب والنيات. وقيل:\nهو العمل كقوله: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء: ١٩]، وقوله:\nإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) [الليل: ٤]، وقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) [النجم: ٣٩] .\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٨/ ٩١) .","vol":"1","page":446},{"text":"قال القرطبي «١»: وهذا قول الجمهور.\nوَذَرُوا الْبَيْعَ: أي اتركوا المعاملة به، ويلحق به سائر المعاملات.\nقال الحسن: إذا أذّن المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء والبيع.\nوالإشارة بقوله: ذلِكُمْ إلى السعي إلى ذكر الله وترك البيع، وهو مبتدأ وخبره:\nخَيْرٌ لَكُمْ لما في الامتثال من الأجر والجزاء، وفي عدمه من عدم ذلك إذا لم يكن موجبا للعقوبة.\nإِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩): أي إن كنتم من أهل العلم، فإنه لا يخفى عليكم أن ذلكم خير لكم، أو فاختاروا ذلك «٢» .\n_________\n(١) انظره في «تفسيره»: (١٨/ ١٠١) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري (٢٨/ ٦٨)، وزاد المسير (٨/ ٢٦٧) .","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>سورة المنافقين إحدى عشرة آية</span>\nوهي مدنيّة، قال القرطبي «١»: في قول الجميع.\n[الآية الأولى]\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) .\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ: أي إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك.\nقالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ: أكدوا شهادتهم بأن، واللام للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم، والمراد بالمنافقين: عبد الله بن أبيّ وأصحابه.\nومعنى نشهد: نحلف، فهو يجري مجرى القسم، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ: معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو ما أظهروه من الشهادة وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك.\nوَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١): أي في الشهادة التي زعموا أنها من صميم القلب وخلوص الاعتقاد، لا إلى منطوق كلامهم وهو الشهادة بالرسالة فإنه حق.\nوالمعنى والله يشهد إنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب وموافقة باطن لظاهر «٢» .\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٨/ ١٢٠) .\n(٢) انظر: الطبري (٢٨/ ٧١)، زاد المسير (٨/ ٢٧٥)، والقرطبي (١٨/ ١٢٥)، اللباب (٢١٤)، النكت (٤/ ٢٤٢) .","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>سورة الطلاق إحدى واثنتا عشرة آية</span>\nوهي مدنيّة، قال القرطبي «١»: في قول الجميع.\n[الآية الأولى]\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١) .\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ: نادى النبي ﵌ أولا تشريفا له ثم خاطبه مع أمته، أو الخطاب له خاصة والجمع للتعظيم، وأمته أسوته في ذلك. والمعنى إذا أردتم تطليقهن وعزمتم عليه.\nفَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ: أي مستقبلات لعدتهن، أو في قبل عدتهن، أو لقبل عدتهن، أو لزمان عدتهن وهو الطهر.\nوالمراد أن تطلقوهن في طهر لم يقع فيه جماع ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن فإذا طلقتموهن هكذا فقد طلقتموهن لعدتهن.\nوَأَحْصُوا الْعِدَّةَ: أي احفظوها واحفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق حتى تتم العدة وهي ثلاثة قروء، والخطاب للأزواج، وقيل: للزوجات، وقيل: للمسلمين على العموم. والأول أولى لأن الضمائر كلها لهم «٢» .\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٨/ ١٤٧) .\n(٢) انظر: زاد المسير (٨/ ٢٨٨)، جامع الأمهات لابن الحاجب (ص ٣١٩)، مغني المحتاج","vol":"1","page":449},{"text":"وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ: فلا تعصوه فيما أمركم ولا تضاروهن.\nلا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ: أي التي كن فيها عند الطلاق ما دمن في العدة، وأضاف البيوت إليهن مع كونها لأزواجهن لتأكيد النهي وبيان كمال استحقاقهن للسكنى في مدة العدة، ومثله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٤]، وقوله:\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣] .\nثم لما نهى الأزواج عن إخراجهن من البيوت التي وقع الطلاق وهن فيها، نهى الزوجات عن الخروج أيضا فقال: وَلا يَخْرُجْنَ: أي من تلك البيوت ما دمن في العدة إلا لأمر ضروري وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلا إذا أذن الأزواج لهن، فلا بأس، والأول أولى.\nإِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ: فهذا الاستثناء هو من الجملة الأولى، أي لا تخرجوهن من بيوتهن، لا من الجملة الثانية.\nقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا، وذلك أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها.\nوقال الشافعي وغيره: هي البذاء في اللسان والاستطالة به على من هو ساكن معها في ذلك البيت.\nويؤيد هذا ما قال عكرمة: إن في مصحف أبيّ: إلّا أن يفحشن عليكم وقيل:\nالمعنى إلا أن يخرجن تعديا، فإن خروجهن على هذا الوجه فاحشة، وهو بعيد.\nوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: يعني أن هذه الأحكام التي بينها لعباده هي حدوده التي حددها لهم ليس لأحد أن يتجاوزها إلى غيرها.\nوَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ: أي يتجاوزها إلى غيرها أو يحل شيئا منها.\nفَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ: بإيرادها موارد الهلاك وأوقعها في مواقع الضرر، بعقوبة الله له\n_________\n(٣/ ٣٨٤)، شرح الزركشي على الخرقي (٥/ ٥٣٤، ٥٣٥)، مشكل القرآن للقيسي (٢/ ٣٨٤)، الكشاف للزمخشري (٤/ ٥٥٧)، وحاشية الجمل على الجلالين (٤/ ٣٥٩)، الكافي لابن قدامة (٢/ ٩٢٥)، المحرر لأبي البركات (٢/ ١٠٣) . والروضة الندية (٢/ ٦٩)، مراتب الإجماع لابن حزم (ص ٨٧) .","vol":"1","page":450},{"text":"على مجاوزته لحدوده وتعديه لرسمه.\nلا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١) قال القرطبي «١»: قال جميع المفسرين أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة، والمعنى التحريض على الطلاق الواحدة، والنهي عن الثلاث. فإنه إذا طلق ثلاثا أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع، فلا يجد إلى المراجعة سبيلا.\nوقال مقاتل: بعد ذلك، أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا بالمراجعة.\nقال الواحدي: الأمر الذي يحدث أن يوقع في قلب الرجل المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين.\nقال الزجاج: وإذا طلقها ثلاثا في وقت واحد؟! فلا معنى لقوله: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.\n[الآيتان: الثانية والثالثة] فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) .\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: أي قاربن انقضاء أجل العدة.\nفَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: أي راجعوهن بحسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن.\nأَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ: أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدتهنّ، فيملكن نفوسهن مع بقائهن بما هو لهن عليكم من الحقوق وترك المضارة لهن.\nوَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ: على الرجعة، وقيل: على الطلاق، وقيل: عليهما قطعا للتنازع وحسما لمادة الخصومة. والأمر للندب كما في قوله: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢]\n_________\n(١) انظر تفسيره (١٨/ ١٥٦، ١٥٧) .","vol":"1","page":451},{"text":"وقيل: إنه للوجوب. وإليه ذهب الشافعي.\nقال: الإشهاد واجب للرجعة مندوب إليه في الفرقة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وفي قول للشافعي: إن الرجعة لا تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق. وروي نحو هذا عن أبي حنيفة وأحمد.\nوَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ: هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به تقربا إلى الله.\nوقيل: الأمر للأزواج بأن يقيموا الشهادة عند الرجعة فيكون قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أمرا بنفس الإشهاد، ويكون قوله: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ، أمرا بأن تكون خالصة لله «١» .\nذلِكُمْ: أي ما تقدم من الأمر بالإشهاد وإقامة الشهادة.\nيُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ: وخص المؤمن.\nبِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المنتفع بذلك دون غيره.\nوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) مما وقع فيه من الشدائد والمحن.\nوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ أي من وجه لا يخطر بباله ولا يكون في حسابه.\nقال الشعبي والضحاك: هذا في الطلاق خاصة، أي من طلق كما أمر الله يكن له مخرج في الرجعة في العدة وأنه يكون كأحد الخطاب بعد العدة.\nقال الكلبي: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار إلى الجنة.\nوقال الحسن: مخرجا مما نهى الله عنه.\nوقال أبو العالية: مخرجا من كل شيء ضاق على الناس.\nوقال الحسين بن الفضل: ومن يتق الله في أداء الفرائض يجعل له مخرجا من العقوبة، ويرزقه الثواب من حيث لا يحتسب، أي يبارك له فيما آتاه.\nوقال سهل بن عبد الله: ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة\n_________\n(١) انظر: الأحكام لابن العربي (١٨١٣)، والناسخ والمنسوخ (٢/ ٣٩١)، الفرّاء (٣/ ١٦٢)، المجاز (٢/ ٢٥٩)، ابن قتيبة (٤٧١)، الطبري (٢٨/ ٩٣) .","vol":"1","page":452},{"text":"أهل البدع، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب، وقيل غير ذلك.\nوظاهر الآية العموم، ولا وجه للتخصيص بنوع خاص، ويدخل ما فيه السياق دخولا أوليا.\nوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: أي ومن يثق بالله فيما نابه كفاه ما أهمه.\nإِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ: أي بالغ ما يريده من الأمر، لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب، أو نافذ أمره لا يرده شيء.\nقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣): أي تقديرا وتوقيتا أو مقدارا، فقد جعل الله سبحانه للشدة أجلا تنتهي إليه وللرخاء أجلا ينتهي إليه.\nوقال السدي: هو قد الحيض والعدة «١» .\n[الآية الرابعة] وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) .\nوَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ: من الكبار اللاتي قد انقطع حيضهن وأيسن منه.\nإِنِ ارْتَبْتُمْ: أي شككتم وجهلتم كيف عدتهن.\nفَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ: لصغرهن وعدم بلوغهن سن المحيض، أي فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا، وحذف هذا لدلالة ما قبله عليه.\nوَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ: أي انتهاء عدتهن وضع الحمل، وظاهر الآية أن عدة الحوامل هي بالوضع سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة البقرة «٢» مستوفى، وحققنا البحث في هذه الآية وفي الآية الأخرى:\nوَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.\n_________\n(١) انظر: الفراء (٣/ ١٦٣)، زاد المسير (٨/ ٢٩٦) .\n(٢) سورة البقرة: آية (٢٣٣) .","vol":"1","page":453},{"text":"وقيل: معنى إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن تيقنتم.\nورجح ابن جرير «١» أنه بمعنى الشك، وهو الظاهر.\nقال الزجاج: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض وكانت ممن تحيض مثلها.\nوقال مجاهد: إِنِ ارْتَبْتُمْ أي لم تعلموا عدة الآيسة والتي لم تحض، فالعدة هذه.\nوقيل: المعنى إن ارتبتم في الدم الذي يظهر منها هل هو حيض أم لا بل استحاضة، فالعدة ثلاثة أشهر «٢» .\nوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤): أي من يتقيه في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، يسهل عليه أمره في الدنيا والآخرة.\nوقال الضحاك: من يتق الله فيطلق للسّنّة، يجعل له من أمره يسرا في الرجعة.\nوقال مقاتل: من يتق الله في اجتناب معاصيه، يجعل له من أمره يسرا في توفيقه للطاعة.\n[الآيتان: الخامسة والسادسة]\nأَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) .\n_________\n(١) انظر: الطبري (٢٨/ ٩٦) . [.....]\n(٢) انظر: كفاية الأخيار (ص ٤٢٤)، جامع الأمهات (ص ٣١٨، ٣١٩)، شرح الزركشي على الخرقي (٥/ ٥٥٥)، والإشراف (٤/ ٢٨٢)، والإجماع لابن المنذر (٤٤٧٠)، والإفصاح للوزير (٢/ ١٧٤)، مراتب الإجماع لابن حزم (ص ٨٧)، مغني المحتاج (٥/ ٣٨٨)، الروضة للمصنف (٢/ ٦٩) .","vol":"1","page":454},{"text":"أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ: هذا بيان ما يجب للنساء من السكنى، و(من) للتبعيض، أي بعض مكان سكناكم، وقيل: زائدة.\nمِنْ وُجْدِكُمْ: أي من سعتكم وطاقتكم.\nوالوجد: القدرة.\nقال الفراء: يقول على من يجد، فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك.\nقال قتادة: إن لم تجد إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه.\nوقد اختلف أهل العلم في المطلّقة ثلاثا هل لها سكنى ونفقة أم لا؟\nفذهب مالك والشافعي إلى أن لها السكنى ولا نفقة لها.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن لها النفقة والسكنى.\nوذهب أحمد وإسحق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا هو الحق.\nوقد قرره الشوكاني في «شرحه للمنتقى» «١» بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره.\nوَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ: في المسكن والنفقة.\nوقال مجاهد: في المسكن.\nوقال مقاتل: في النفقة.\nوقال أبو الضحى: هو أن يطلقها فإذا بقي يومان من عدتها راجعها ثم طلقها.\nوَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ: أي إلى غاية هي وضعهن للحمل. ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة والسكنى للحامل المطلقة.\nفأما الحامل المتوفى عنها زوجها، فقال علي وابن عمر وابن مسعود وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى وسفيان وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع.\nوقال ابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة\n_________\n(١) حقا ما قاله المصنف وانظر: نيل الأوطار (٧/ ١٠٥، ١٠٨) .","vol":"1","page":455},{"text":"وأصحابه: لا ينفق عليها إلا من نصيبها، وهذا هو الحق للأدلة الواردة في ذلك من السنة.\nفَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ: أولادكم بعد ذلك.\nفَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي أجور إرضاعهن. والمعنى أن المطلقات إذا أرضعن أولاد الأزواج المطلّقين لهن منهن، فلهن أجورهن على ذلك.\nوَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ: هو خطاب للأزواج والزوجات، أي تشاوروا بينكم بمعروف غير منكر، وليقبل بعضكم من بعض المعروف والجميل.\nوأصل معناه: ليأمر بعضكم بعضا بما هو متعارف بين الناس غير منكر عندهم.\nقال مقاتل: المعنى ليتراض الأب والأم على أجر مسمى. قيل: فالمعروف الجميل من الزوج أن يوفر لها الأجر، والمعروف الجميل منها أن لا تطلب ما يتعاسره الزوج من [الأجر] «١» .\nوَإِنْ تَعاسَرْتُمْ: أي في أجر الرضاع، فأبى الزوج أن يعطي الأم الأجر وأبت الأم أن ترضعه إلا بما تريد من الأجر.\nفَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦): أي يستأجر مرضعة أخرى ترضع ولده، ولا يجب عليه أن يسلم بما تطلبه الزوجة، ولا يجوز له أن يكرهها على الإرضاع بما يريد من الأجر.\nقال الضحاك: إن أبت الأم أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم تقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر.\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ: فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم.\nوَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ: أي كان رزقه بمقدار القوت أو مضيقا ليس بموسع.\nفَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ: أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك.\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا ما آتاها: أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق.\nسَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧): أي بعد ضيق وشدة سعة وغنى «٢» .\n_________\n(١) وقع في «المطبوعة» (الأب) وهو خطأ صوبناه من فتح القدير (٥/ ٢٤٥) .\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (١٨/ ١٦٩) .","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>سورة التحريم اثنتا عشرة آية</span>\nوهي مدنيّة، قال القرطبي «١»: في قول الجميع.\nوتسمى سورة النبي ﵌.\n[الآيتان: الأولى والثانية]\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) .\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ: اختلف في سبب نزول الآية على أقوال:\nالأول: قول أكثر المفسرين، قال الواحدي: قال المفسرون: كان النبي ﵌ في بيت حفصة فزارت أباها، فلما رجعت أبصرت مارية في بيتها مع النبي ﵌، فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت. فلما رأى النبي ﵌ في وجه حفصة الغيرة والكآبة قال لها: «لا تخبري عائشة ولك عليّ أن لا أقربها أبدا» فأخبرت حفصة عائشة- وكانتا متصافيتين- فغضبت عائشة، ولم تزل بالنبي ﵌ حتى حلف أن لا يقرب ماريّة، فأنزل الله هذه السورة «٢» .\n_________\n(١) انظر: تفسيره (١٨/ ١٧٧) .\n(٢) ضعيف: رواه ابن جرير (٢٨/ ١٠٧)، والطبراني في «الأوسط» (٧/ ١٢٦، ١٢٧ مجمع)، والدارقطني (٢/ ٤١، ٤٢)، عن ابن عباس، وعمر وأبي هريرة. وأورده السيوطي في «الدر» (٨/ ٢١٤، ٢١٥، ٢١٦) . وقال الحافظ (٨/ ٦٥٧): «وهذه طرق يقوي بعضها بعضا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معا» ...","vol":"1","page":457},{"text":"قال القرطبي «١»: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة وذكر القصة.\nوقيل: السبب أنه كان النبي ﵌ يشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة أن يقولا له إذا دخل عليهما: إنا نجد منك ريح مغافير «٢» .\nوقيل: السبب المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﵌، وسنده ضعيف «٣» .\nوالجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعا.\nتَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ: ومرضاة اسم مصدر وهو الرضا.\nوَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١): لما فرط منك من تحريم ما أحل الله لك.\nقيل: وكان ذلك ذنبا من الصغائر، فلذا عاتبه الله عليه، وقيل: إنها معاتبة على ترك الأولى.\nقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ: أي شرع لكم تحليلها وبين لكم ذلك، فكان اليمين عقد والكفارة حل، لأنها تحل للحالف ما حرمه على نفسه.\nقال مقاتل: المعنى قد بين الله كفارة أيمانكم في سورة المائدة، أمر الله نبيه أن يكفر يمينه ويراجع وليدته فأعتق رقبة.\nقال الزجاج: وليس لأحد أن يحرم ما أحل الله.\nقلت: وهذا هو الحق، إن تحريم ما أحل الله لا ينعقد ولا يلزم صاحبه، فالتحليل والتحريم هو إلى الله سبحانه لا إلى غيره، ومعاتبته نبيه ﵌ في هذه السورة أبلغ دليل على ذلك، والبحث طويل والمذاهب فيه كثيرة والمقالات فيه طويلة، وقد حققه الشوكاني رحمه الله تعالى في مؤلفاته بما يشفي.\nواختلف العلماء هل مجرد التحريم يمين يوجب الكفارة أم لا؟ وفي ذلك خلاف وليس في الآية ما يدل على أنه يمين لأن الله سبحانه عاتبه على تحريم ما أحله الله له،\n_________\n(١) انظره في «تفسيره» (١٨/ ١٧٧، ١٧٩) .\n(٢) المغافير: بقلة متغيرة الرائحة.\n(٣) أورده السيوطي في «الدر» (٨/ ٢١٧)، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا.\nوضعّفه القرطبي في «تفسيره» (١٨/ ١٧٩) .","vol":"1","page":458},{"text":"ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ، وقد ورد في القصة التي ذهب أكثر المفسرين إلى أنها هي سبب نزول الآية «١» أنه حرم أولا، ثم حلف ثانيا كما قدمنا.\nوَاللَّهُ مَوْلاكُمْ: أي وليكم وناصركم والمتولي لأموركم.\nوَهُوَ الْعَلِيمُ: بما فيه صلاحكم وفلاحكم.\nالْحَكِيمُ (٢): في أقواله وأفعاله «٢» .\n_________\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١١/ ٢٩٣)، (١٤/ ٣٨٥)، ومسلم (١٠/ ٧٥)، وأبو داود (٣/ ٣٨٦)، والنسائي (٦/ ١٢٣)، (٧/ ١٣)، وابن سعد في «طبقاته» (٨/ ٧٦ ق ١)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٧٦)، عن عائشة مرفوعا مختصرا وتاما.\nورواه النسائي كما في «تفسير ابن كثير (٤/ ٣٨٦)، والحاكم في «المستدرك» (٢/ ٤٩٣) وصححه وأقرّه الذهبي عن أنس مرفوعا.\nوصححه الحافظ في «الفتح» (١١/ ٣٩٢) .\n(٢) انظر في تفسير هذه الآية: الفرّاء (٣/ ١٦٥)، النكت (٤/ ٢٦٠)، زاد المسير (٨/ ٣٠٢)، القرطبي (١٨/ ١٧٧، ١٨٤)، ابن كثير (٤/ ٣٨٦)، اللباب (٢١٧)، ابن قتيبة (٤٧٢) .","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>سورة نوح تسع وعشرون أو ثمان وعشرون آية</span>\nمكيّة، قاله عبد الله بن [عباس] «١» وأخرجه عنه ابن [الضريس] «٢» والنحاس وابن مردويه.\n[الآيات: الأولى والثانية والثالثة]\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢) .\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠): أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة بإخلاص النية، إنه كثير المغفرة للمذنبين، وقيل: معنى استغفروا: توبوا عن الكفر إنه كان غفارا للتائبين عنه «٣» .\nيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١): المراد بالسماء: المطر.\nوالمدرار الدّرور: وهو التحلب بالمطر، أي إرسالا مدرارا.\nوفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق، ولهذا قال:\nوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢): جارية.\n_________\n(١) حرّفت في «المطبوعة» إلى (عبد الله بن الزبير) وهو خطأ، وما أثبتت هو الصواب كما في «الدر المنثور» (٨/ ٢٨٨)، وفتح القدير (٥/ ٢٩٦) .\n(٢) صحّفت إلى (الفريس) وهو خطأ واضح والتصويب أيضا من فتح القدير (٥/ ٢٩٦) .\n(٣) انظر: الطبري (٢٩/ ٥٧)، والنكت (٤/ ٣٠٩)، زاد المسير (٨/ ٣٦٨)، القرطبي (١٨/ ٢٩٩) . [.....]","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>سورة المزمل تسع عشرة أو عشرون آية</span>\nوهي مكيّة، قال الماوردي: كلها، في قول الحسن وعكرمة وجابر.\nقال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا آيتين منها وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ والتي تليها [المزمل: ١٠- ١١] .\n[الآيات: الأولى والثانية والثالثة]\nقُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) .\nقُمِ اللَّيْلَ: أي قم للصلاة في الليل. واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضا عليه أو نفلا؟.\nوقوله: إِلَّا قَلِيلًا (٢): استثناء من الليل، أي صل الليلة كلها إلا يسيرا منها.\nوالقيام من الشيء: هو ما دون النصف، وقيل: ما دون السدس، وقيل: ما دون العشر.\nوقال مقاتل والكلبي: المراد بالقليل هنا الثلث. وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله:\nنِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ، أي من النصف.\nقَلِيلًا (٣): إلى الثلث.\nأَوْ زِدْ عَلَيْهِ، قليلا إلى الثلثين. فكأنه قال: قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه.\nوقيل: إن نصفه بدل من قوله: قَلِيلًا (٢): فيكون المعنى قم الليل إلا نصفه أو أقل","vol":"1","page":461},{"text":"من نصفه أو أكثر من نصفه.\nقال الأخفش: نصفه أي أو نصفه كما يقال أعطه درهما درهمين ثلاثة يريد أو درهمين أو ثلاثة.\nقال الواحدي: قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثين. جعل له سعة في مدة قيامه في الليل وخيره في هذه الساعات للقيام، فكان النبي ﵌ وطائفه معه يقومون على هذه المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى أو كم بقي من الليل وكانوا يقومون الليل كله حتى خفف الله عنهم.\nوقيل: الضمير في (منه) و(عليه) راجعان إلى الأقل من النصف كأنه قال: قم أقل من نصفه، أو قم انقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا! وهو بعيد جدا.\nوالظاهر أن نصفه قليلا والضميران راجعان إلى النصف المبدل من (قليلا) «١» .\nواختلف في الناسخ لهذا الأمر فقيل: هو قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [المزمل: ٢٠] إلى آخر السورة، وقيل: هو قوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل: ٢٠]، وقيل: هو قوله: أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل: ٢٠]، وقيل: هو منسوخ بالصلوات الخمس. وبهذا قال مقاتل والشافعي وابن كيسان، وقيل: هو فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ [المزمل: ٢٠] وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة «٢» .\nوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤): أي اقرأه على مهل مع تدبر.\nقال الضحاك: اقرأه حرفا حرفا.\nقال الزجاج: هو أن تبين جميع الحروف وتوفي حقوقها من الإشباع.\nوأصل الترتيل: [التنضيد] «٣» والتنسيق وحسن النظام، وتأكيد الفعل بالمصدر،\n_________\n(١) انظر: المشكل لمكي بن أبي طالب (٢/ ٤١٨)، الكشاف (٤/ ١٧٥)، زاد المسير (٨/ ٣٨٨)، القرطبي (١٩/ ٣٥)، البحر المحيط (٨/ ٣٦١) .\n(٢) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن العربي (٢/ ٤٠١، ٤٠٣)، والأحكام (٤/ ١٨٥٩) . والناسخ والمنسوخ للنحاس (٢٥٣)، والإيضاح (٣٨٤)، والمصفّى (٢١٤)، وابن البارزي (٣١٢)، والبصائر (١/ ٤٨٧) .\n(٣) ما بين [المعقوفين] حرّف في «المطبوعة» إلى (التقيد) وهو خطأ والتصويب من تفسير فتح القدير","vol":"1","page":462},{"text":"يدل على المبالغة على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من النطق بالحرف من مخرجه المعلوم مع استيفاء حركته المعتبرة.\n[الآية الرابعة]\nإِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) .\nإِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ: معنى أدنى: أقل، استعير له الأدنى لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما.\nوَنِصْفَهُ: معطوف على أدنى.\nوَثُلُثَهُ: معطوف على نصفه. والمعنى أن الله يعلم أن رسوله ﵌ يقوم أقل من ثلثي الليل ويقوم نصفه ويقوم ثلثه.\nوبالنصب قراءة ابن كثير والكوفيين.\nوقرأ الجمهور: ونصفه وثلثه بالجر عطفا على ثلثي الليل. والمعنى أن الله يعلم أن رسوله يقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه.\nواختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه.\nوقال الفرّاء: القراءة الأولى أشبه بالصواب لأنه قال: أقل من ثلثي الليل، ثم فسر نفس القلة «١» .\n_________\n(٣) (٥/ ٣١٦) .\nوالتنضيد: جعل الشيء بعضه فوق بعض [نضد] .\n(١) قال أبو منصور: «من قرأ (ونصفه وثلثه) فهو بيّن حسن، وهو تفسير مقدار قيامه، لأنه لما قال (أدنى من ثلثي الليل) كان قوله (ونصفه) مبينا لذلك الأدنى، كأنه يقول: تقوم أدنى من الثلثين","vol":"1","page":463},{"text":"العموم في حقه ﵌ وفي حق أمته، وليس في قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ ما يدل على بقاء شيء من الوجوب، لأنه إن كان المراد به القراءة من القرآن فقد وجدت في صلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من النوافل المؤكدة، وإن كان المراد به الصلاة من الليل فقد وجدت صلاة الليل بصلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوع.\nوأيضا الأحاديث الصحيحة المصرحة بقول السائل لرسول الله ﵌: «هل عليّ غيرها؟ يعني الصلوات الخمس فقال: لا! إلا أن تطوع» «١»، تدل على عدم وجوب غيرها، فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته عن الأمة، كما ارتفع وجوب ذلك على النبي ﵌ بقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩] .\n_________\nفتقوم النصف والثلث، ومن قرأ (ونصفه وثلثه) فالمعنى: وتقوم أدنى من نصفه وثلثه، والوجهان بيّنان. (معاني القراءات ٥١١، ٥١٢) بتحقيقنا- ط- دار الكتب العلمية- بيروت.\n(١) حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ١٠٦)، ومسلم (١/ ١٦٦، ١٦٧) عن طلحة بن عبيد الله مرفوعا.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>سورة المدثر ست وخمسون آية</span>\nوهي مكية بلا خلاف.\n[الآيات: الأولى والثانية والثالثة]\nوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) .\nوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣): أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة، وأنه أكبر من أن يكون له شريك- كما يعتقده الكفار-، وأعظم من أن تكون له صاحبة أو ولد.\nقال ابن العربي «١»: المراد به تكبير التقديس والتنزيه لخلع الأضداد والأنداد والأصنام، ولا يتّخذ وليا غيره ولا يعبد سواه ولا يرى لغيره فعلا إلّا له ولا نعمة إلا منه.\nوَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤): المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات وإزالة ما وقع فيها منها. وقيل: المراد بالثياب القلب.\nوقال قتادة: النفس، وقيل: الجسم، وقيل: الأهل، وقيل: الدين.\nقال الحسن [والقرظي] «٢»: الأخلاق، لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتماله ثيابه على نفسه.\nوقال مجاهد وابن زيد: أي عملك فأصلح.\n_________\n(١) انظر: الأحكام له (٤/ ٣٣٩) ط. بيروت.\n(٢) حرّفت في «المطبوعة» إلى (القرطبي) وهو خطأ، وما أثبت هو الصواب كما في «تفسير القرطبي» (١٩/ ٦٤) .","vol":"1","page":465},{"text":"وقال الزجاج: المعنى وثيابك فقصر لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا انجر على الأرض. وبه قال طاووس. والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي، وليس في استعمال الثياب مجازا عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على أنه المراد عند الإطلاق، وليس في مثل هذا الأصل أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف.\nوفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة.\nوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥): الرجز: معناه في اللغة العذاب، وفيه لغتان كسر الراء وضمها، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنهما سبب الرجز.\nوقال مجاهد وعكرمة: الرجز الأوثان، كما في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠]، وبه قال ابن زيد.\nوقال إبراهيم النخعي: المأثم.\nوالهجر: الترك.\nوقال قتادة: الرجز: إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت.\nوقال أبو العالية والربيع والكسائي: الرجز بالضم الوثن، وبالكسر العذاب.\nوقال السدي: الرجز بالضم الوعيد. والأول أولى «١» .\n_________\n(١) انظر في تفسير الآيات: الفرّاء (٣/ ٢٠٠) والطبري (٢٩/ ٩٢)، زاد المسير (٨/ ٤٠٠)، القرطبي (١٩/ ٦٢، ٦٤)، والطبري (٢٩/ ٩٠) .","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>سورة أرأيت سبع آيات</span>\nويقال: سورة الماعون، وسورة اليتيم، وسورة الدّين «١» .\nوهي مكيّة في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس. ومدنية في قول قتادة وآخرين.\n[الآية الأولى]\nوَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) .\nوَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) قال أكثر المفسرين: هو اسم لما يتعاوزه الناس بينهم من الدلو، والفأس، والقدر، ولا يمنع عادة كالماء والملح.\nوقيل: هو الزكاة، أي يمنعون زكاة أموالهم.\nقال الزجاج وأبو عبيد والمبرد: الماعون في الجاهلية ما فيه منفعة من قليل أو كثير، وأنشدوا قول الأعشى:\nبأجود منه بما عونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم\nوقالوا أيضا: هو في الإسلام الطاعة والزكاة، وأنشدوا قول الراعي:\nأخليفة الرحمن إنا معشر ... حنفاء نسجد بكرة وأصيلا\nعرب نرى لله في أموالنا ... حقّ الزكاة منزّلا تنزيلا\nقوم على الإسلام لمّا يمنعوا ... ماعونهم ويضيّعوا التهليلا\nوقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الماعون الماء.\n_________\n(١) انظر: زاد المسير لابن الجوزي (٩/ ٢٤٣) .","vol":"1","page":467},{"text":"وقيل: هو الحق على العبد على العموم.\nوقيل: هو المستغل من منافع الأموال، مأخوذ من المعن وهو القليل.\nقال قطرب: أصل الماعون من قلة، والمعن الشيء القليل، فسمى الله الصدقة والزكاة ونحو ذلك من المعروف ماعونا لأنه قليل من كثير «١» .\n_________\n(١) انظر في تفسير هذه الآية: الطبري (٣٠/ ٢٠٣)، النكت (٤/ ٥٢٩)، الزّاد (٩/ ٢٤٥)، القرطبي (٢٠/ ٢١٣)، الدر المنثور (٦/ ٤٠١) .","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>سورة الكوثر هي ثلاث آيات</span>\nوهي مكيّة، في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة «١» .\n[الآية: الأولى]\nفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) .\nفَصَلِّ لِرَبِّكَ المراد الأمر له ﵌ بالدوام على إقامة الصلاة المفروضة.\nوَانْحَرْ (٢): البدن التي هي خيار أموال العرب.\nقال محمد بن كعب: إن ناسا كانوا يصلون لغير الله، فأمر الله سبحانه نبيه ﵌ أن تكون صلاته ونحره له.\nوقال قتادة وعطاء وعكرمة: المراد صلاة العيد ونحر الأضحية.\nوقال سعيد بن جبير: صلّ لربك صلاة الصبح المفروضة بجمع «٢»، وانحر البدن في منى.\nوقيل: وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة حذاء النحر، قاله محمد بن كعب.\nوقيل: هو أن يرفع يديه في الصلاة عند التكبيرة إلى نحره، وقيل: هو أن يستقبل القبلة بنحره، قاله الفراء والكلبي وابن الأحوص.\nقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: نتناحر، أي نتقابل: نحر هذا إلى نحر هذا: أي قبالته.\n_________\n(١) انظر: الطبري (٣٠/ ٢٠٧)، زاد المسير (٩/ ٢٤٧، ٢٤٩)، القرطبي (٢٠/ ٢١٦، ٢١٨) .\n(٢) يقصد: جمع المزدلفة. [.....]","vol":"1","page":469},{"text":"وقال ابن الأعرابي: هو انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب من قولهم:\nمنازلهم تتناحر أي تتقابل.\nوروي عن عطاء أنه قال: أمره أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدو نحره.\nوقال سليمان التيمي: المعنى وارفع يديك بالدعاء إلى نحرك. وظاهر الآية الأمر له ﵌ بمطلق الصلاة ومطلق النحر وأن يجعلهما لله ﷿ لا لغيره، وما ورد في السنة من بيان هذا المطلق بنوع خاص فهو في حكم التقييد له.\nوقد أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» والحاكم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﵌ قال رسول الله ﵌ لجبريل: «ما هذه [النحيرة] التي أمرني بها ربي؟ فقال: إنها ليست بنحيرة ولكن يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة»، قال النبي ﵌: «رفع اليدين من الاستكانة التي قال الله: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) [المؤمنون: ٧٦]» . وهو من طريق مقاتل بن حيان عن الأصبغ عن بنانة عن علي «١» .\nوأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: «إن الله أوحى إلى رسول الله ﵌ أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبرت للصلاة فذاك النحر» «٢» .\nوأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في «تاريخه» وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في «الأفراد»، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في «سننه» عن علي بن أبي طالب في قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) قال: «وضع يديه اليمنى على وسط ساعد اليسرى ثم وضعهما على صدره في الصلاة» «٣» .\n_________\n(١) موضوع: رواه الحاكم في «المستدرك» (٢/ ٥٣٧، ٥٣٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٧٥، ٧٦) وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: إسرائيل صاحب عجائب، لا يعتمد عليه، وأصبغ شيعي متروك عند النسائي.\n(٢) أورده السيوطي في «الدر» (٨/ ٦٥٠) وعزاه لابن مردويه.\n(٣) إسناده ضعيف: رواه ابن جرير (٣٠/ ٣٢٥) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٤٢٧)، والبخاري في «الكبير» (٦/ ٤٣٧)، وابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٩١)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/ ٣١٣)، والحاكم (٢/ ٥٣٧)، والبيهقي (٢/ ٢٩، ٣٠)، وضعف ابن كثير إسناد هذا","vol":"1","page":470},{"text":"وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في «سننه» عن أنس عن النبي ﵌ مثله «١» .\nوأخرج ابن أبي حاتم وابن شاهين في «سننه» وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس:\nفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) قال: [وضع اليمنى على الشمال عند التحريم في الصلاة] «٢» .\n[وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) قال] «٣»: «إذا صليت فرفعت رأسك قائما من الركوع فاستو قائما» «٤» .\nوأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: «الصلاة المكتوبة، والذبح يوم الأضحى» «٥» .\nوأخرج البيهقي في «سننه» عنه وَانْحَرْ (٢) قال: يقول: واذبح يوم النحر «٦» .\nإلى غير ذلك مما نقله المفسرون.\nواللفظ وإن كان واسعا يحتمل الكل إلا أن المتعين هو ما ثبت بالأخبار والآثار كما هو المقرر عند الكبار والأخيار «٧» .\nوبالله التوفيق ومنه الوصول إلى التحقيق «٨»\n_________\nالأثر في «تفسيره» (٤/ ٥٩٧) .\n(١) إسناده ضعيف: رواه البيهقي (٢/ ٣٠، ٣١)، عن أنس. وعلقه: جهالة حال شيخ عاصم الأحول.\n(٢) ما بين [المعقوفين] سقط من المطبوعة، واستدرك من الدر (٨/ ٦٥٠، ٦٥١) .\nوالأثر إسناده ضعيف جدا: رواه البيهقي في «الكبرى» (٢/ ٣١)، وعلته: روح بن المسيب الكلبي. يروي الموضوعات عن الثقات، لا تحل الرواية عنه.\nوفيه عمر بن مالك النكري: صدوق له أوهام. وكذا زيد بن حباب: صدوق يخطىء في حديث الثوري.\n(٣) ما بين [المعقوفين] سقط من المطبوعة واستدرك من «الدر» (٨/ ٦٥١) .\n(٤) أورده السيوطي في «الدر» (٨/ ٦٥١) .\n(٥) أثر ضعيف: رواه ابن جرير (٣٠/ ٣٢٦) . وسنده مسلسل بالرواة الضعفاء.\n(٦) أثر ضعيف: رواه البيهقي (٩/ ٢٥٩)، وفيه انقطاع بين عليّ بن أبي طلحة وابن عباس. ومعاوية الحضرمي: صدوق له أوهام.\nوعبد الله بن صالح: صدوق كثير الغلط، وفيه غفلة.\n(٧) انظر: الفراء (٣/ ٢٩٦)، النكت (٤/ ٥٣٢) زاد المسير (٩/ ٢٥٠)، القرطبي (٢٠/ ٢٢)، اللباب (٢٣٥)، ابن كثير (٤/ ٥٩٧، ٥٩٨) .\n(٨) انتهيت أحمد المزيدي من تحقيقه من عند الآية ٩٢ من سورة النساء إلى سورة الكوثر. والله الموفق لما يحبه ويرضاه.","vol":"1","page":471}]}