{"ً":{"ٌ":97933,"ٍ":"سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام ﵊","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: سُبُل السَّلام مِن صَحيح سيرة خَير الأنَامِ ﵊\nالمؤلف: صالح بن طه عبد الواحد\nراجعهُ وقدَّم لهُ: فضيلة الشيخ سليم بن عيد الهلالي، فضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان\nالناشر: مكتبة الغرباء، الدار الأثرية\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٨ هـ\nعدد الصفحات: ٥٧٧\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2581,"ٕ":24,"ٖ":1770155986,"ٗ":1,"ِ":{"files":["81731ps.pdf|المقدمة","81731s.pdf|1"],"root":"السيرة والشمائل/سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام - عبد الواحد"}},"٘":{"ٙ":["مقدمة","1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":9},{"title":"الخطبة الأولى: ثمار دراسة السيرة النبوية","level":1,"page":14},{"title":"محمد رسول الله والذين معه","level":2,"page":15},{"title":"الخطبة الثانية: صفات النبي - ﷺ - ونسبه","level":1,"page":28},{"title":"العنصر الأول: رسولنا - ﷺ - أحب إلينا من حل شيء","level":2,"page":28},{"title":"العنصر الثاني: رسولنا - ﷺ - أشرف الناس نسبا","level":2,"page":30},{"title":"العنصر الثالث: رسولنا - ﷺ - أحسن الناس خلقا وخلقا","level":2,"page":31},{"title":"العنصر الرابع: أسمائه - ﷺ -","level":2,"page":34},{"title":"الخطبة الثالثة: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي - ﷺ -","level":1,"page":36},{"title":"العنصر الأول: أحوال مكة قبل مولد النبي - ﷺ - وقبل بعثته.","level":2,"page":36},{"title":"العنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي - ﷺ -","level":2,"page":37},{"title":"العنصر الثالث: دروس وعظات وعبر.","level":2,"page":42},{"title":"الخطبة الرابعة: الآيات الجسام التي ظهرت ليلة مولده - ﷺ -","level":1,"page":44},{"title":"الخطبة الخامسة: ميلاده - ﷺ - ونشأته","level":1,"page":51},{"title":"العنصر الأول: ميلاد المصطفى - ﷺ - ونشأته.","level":2,"page":51},{"title":"العنصر الثاني: رسولنا - ﷺ - في مهمة تجارية إلى بلاد الشام.","level":2,"page":53},{"title":"العنصر الثالث: الله -﷿- يحفظ رسوله - ﷺ - في شبابه من أقذار الجاهلية.","level":2,"page":55},{"title":"العنصر الرابع: دروس وعظات وعبر.","level":2,"page":57},{"title":"الخطبة السادسة: الأحداث الجسام قبل بعثة النبي - ﷺ -","level":1,"page":60},{"title":"الحدث الأول: شهوده - ﷺ - حلف الفضول.","level":2,"page":60},{"title":"الحدث الثاني: زواجه - ﷺ - من خديجة -﵂ -.","level":2,"page":61},{"title":"أولا: منزلة خديجة من نساء العالمين.","level":3,"page":62},{"title":"ثانيا: منزلة خديجة عند رسول الله - ﷺ -.","level":3,"page":63},{"title":"ثالثا: منزلة خديجة في الجنة","level":3,"page":64},{"title":"رابعا: جبريل ﵇ يقرئ خديجة السلام من ربها ويبشرها بقصر في الجنة","level":3,"page":64},{"title":"خامسا","level":3,"page":64},{"title":"الحدث الثالث: بناء الكعبة وقضية التحكيم.","level":2,"page":65},{"title":"الخطبة السابعة: البشارات بنبوة النبيﷺ - قبل بعثته","level":1,"page":68},{"title":"أولا: بشارات الأنبياء بنبوة محمد - ﷺ -.","level":2,"page":69},{"title":"ثانيا: بشارات الكتب السماوية بنبوة محمد - ﷺ -.","level":2,"page":70},{"title":"ثالثا: بشارات علماء أهل الكتاب بنبوة محمد - ﷺ -","level":2,"page":73},{"title":"الخطبة الثامنة: إشراق شمس النبوة","level":1,"page":78},{"title":"الخطبة التاسعة: مرحلة الدعوة إلى الله","level":1,"page":88},{"title":"المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرا","level":2,"page":88},{"title":"الخطبة العاشرة: مرحلة الدعوة إلى الله","level":1,"page":96},{"title":"المرحلة الثانية: الدعوة إلى الله جهرا","level":2,"page":96},{"title":"الخطبة الحادية عشرة: أسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله، ألا وهو أذية قريش لرسول - ﷺ -","level":1,"page":106},{"title":"الخطبة الثانية عشرة: أذية قريش لأصحاب رسول الله - ﷺ -","level":1,"page":116},{"title":"الخطبة الثالثة عشرة: المفاوضات وطلب المعجزات","level":1,"page":126},{"title":"المفاوضات وطلب المعجزات.","level":2,"page":126},{"title":"الخطبة الرابعة عشرة: مجادلة قريش للنبي - ﷺ -","level":1,"page":136},{"title":"أولا: البعث بعد الموت","level":2,"page":137},{"title":"ثانيا: الآلهة التي تعبد من دون الله","level":2,"page":138},{"title":"ثالثا: الروح","level":2,"page":141},{"title":"رابعا: القدر","level":2,"page":142},{"title":"خامسا: القرآن الكريم","level":2,"page":143},{"title":"سادسا: نزول القرآن منجما على رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":144},{"title":"سابعا: مجالسة المستضعفين والفقراء من المؤمنين.","level":2,"page":145},{"title":"الخطبة الخامسة عشرة قريش تعود إلى أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب","level":1,"page":147},{"title":"الخطبة السادسة عشرة الهجرة إلى الحبشة وأعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة","level":1,"page":155},{"title":"أولا: تحريم الظلم.","level":2,"page":159},{"title":"ثانيا: أن نصر المظلوم واجب على القادر عليه.","level":2,"page":161},{"title":"ثالثا: إثبات البعث، والحشر، والحساب، والجزاء","level":2,"page":162},{"title":"الخطبة السابعة عشرة إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄","level":1,"page":166},{"title":"أولا: سماعه للقرآن الكريم","level":2,"page":170},{"title":"ثانيا: دعاء النبي - ﷺ - له","level":2,"page":171},{"title":"الخطبة الثامنة عشرة المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي","level":1,"page":176},{"title":"الخطبة التاسعة عشرة: الإسراء والمعراج","level":1,"page":187},{"title":"المعجزة الأولى","level":2,"page":195},{"title":"المعجزة الثانية","level":2,"page":195},{"title":"المعجزة الثالثة","level":2,"page":195},{"title":"الخطبة العشرون: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج","level":1,"page":198},{"title":"أولا: أهمية المسجد الأقصى في الإسلام.","level":2,"page":198},{"title":"ثانيا: أهمية الصلاة في الإسلام.","level":2,"page":202},{"title":"ثالثا: التحذير من الغيبة والخوض في أعراض المسلمين، وأكل لحوم الأبرياء","level":2,"page":205},{"title":"الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة","level":1,"page":211},{"title":"الخطبة الثانية والعشرون: هجرة الصحابة ﵃ إلى المدينة","level":1,"page":220},{"title":"الخطبة الثالثة والعشرون: هجرة النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة","level":1,"page":230},{"title":"الخطبة الرابعة والعشرون الباحثون عن الحق عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - ﵄ -","level":1,"page":239},{"title":"الخطبة الخامسة والعشرون الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - ﵄ -","level":1,"page":250},{"title":"الخطبة السادسة والعشرون: المسجد في الإسلام","level":1,"page":259},{"title":"العنصر الأول: اهتمام الإسلام بالمساجد.","level":2,"page":260},{"title":"العنصر الثاني: أهمية المسجد في الإسلام.","level":2,"page":264},{"title":"العنصر الثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد.","level":2,"page":267},{"title":"أولا: بناء المساجد على القبور.","level":3,"page":268},{"title":"ثانيا: زخرفة المساجد","level":3,"page":269},{"title":"الخطبة السابعة والعشرون: الإخاء بيم المهاجرين والأنصار","level":1,"page":271},{"title":"العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة.","level":2,"page":271},{"title":"العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار.","level":2,"page":274},{"title":"العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله","level":2,"page":276},{"title":"أولا: التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر","level":3,"page":276},{"title":"ثانيا: النصرة والدفاع والإعانة على قضاء الحاجات","level":3,"page":277},{"title":"ثالثا: من حقوق الأخوة في الله: الدعاء لأخيك بظهر الغيب","level":3,"page":278},{"title":"رابعا: ومن حقوق الأخوة في الله: الاستغفار للأخ حيا وميتا","level":3,"page":278},{"title":"خامسا: ومن حقوق الإخوة في الله: الإصلاح بينهم إذا وقع بينهم خلاف ونزاع","level":3,"page":279},{"title":"سادسا: ومن حقوق الإخوة في الله: أن يحب الأخ لأخيه ما يحب لنفسه.","level":3,"page":280},{"title":"سابعا: ومن حقوق الأخوة في الله: التعاون على البر والتقوى.","level":3,"page":280},{"title":"ثامنا: من حقوق الأخوة في الله: التزاور في الله","level":3,"page":280},{"title":"تاسعا: ومن أعظم حقوق الأخوة في الله: ألا يكون الأخ أحق بدرهمه وديناره من أخيه","level":3,"page":281},{"title":"العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك، وتفسد الأخوة في الله.","level":2,"page":281},{"title":"أولا: الحسد والتباغض والتدابر","level":3,"page":281},{"title":"ثانيا: سوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة.","level":3,"page":282},{"title":"ثالثا: الهجران","level":3,"page":282},{"title":"رابعا: السخرية","level":3,"page":282},{"title":"خامسا: عدم التثبت من الأخبار التي ينقلها بعض الفساق.","level":3,"page":283},{"title":"سادسا: الغش في البيع والشراء","level":3,"page":283},{"title":"الخطبة الثامنة والعشرون: وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود","level":1,"page":284},{"title":"العنصر الأول: الإسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر","level":2,"page":285},{"title":"العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة.","level":2,"page":287},{"title":"العنصر الثالث: معاملة النبيﷺ - لليهود في المدينة.","level":2,"page":289},{"title":"العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة.","level":2,"page":294},{"title":"الخطبة التاسعة والعشرون: مشروعية القتال","level":1,"page":296},{"title":"العنصر الأول: رسول اللهﷺ - والمسلمون قبل مشروعية القتال","level":2,"page":296},{"title":"العنصر الثاني: مشروعية القتال.","level":2,"page":298},{"title":"المرحلة الأولى: الإذن بالقتال دفاعا عن النفس.","level":3,"page":303},{"title":"المرحلة الثانية: أمر الله المسلمين بالقتال دفاعا عن النفس والعقيدة.","level":3,"page":303},{"title":"المرحلة الثالثة","level":3,"page":303},{"title":"العنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال.","level":2,"page":304},{"title":"الخطبة الثلاثون الأهداف السامية والحكم العالية التي من أجملها شرع القتال في سبيل الله","level":1,"page":308},{"title":"الخطبة الحادية والثلاثون: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله","level":1,"page":317},{"title":"الخطبة الثانية والثلاثون: غزوة بدرالكبرى","level":1,"page":325},{"title":"العنصر الأول: بين يدي الغزوة.","level":2,"page":325},{"title":"عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.","level":2,"page":330},{"title":"عباد الله! العنصر الثالث نتائج الغزوة.","level":2,"page":335},{"title":"أولا: نصر عظيم من الله للمؤمنين.","level":3,"page":335},{"title":"ثانيا: هلاك أئمة الكفر","level":3,"page":336},{"title":"هلاك أبي جهل لعنه الله","level":4,"page":336},{"title":"هلاك عقبة بن أبي معيط أشقى القوم لعنه الله","level":4,"page":337},{"title":"هلاك أمية بن خلف عدوالله","level":4,"page":337},{"title":"ثالثا: ومن نتائج غزوة بدر الكبرى: الأسرى.","level":3,"page":338},{"title":"رابعا: الغنائم","level":3,"page":338},{"title":"خامسا: الشهداء","level":3,"page":339},{"title":"الخطبة الثالثة والثلاثون: غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير","level":1,"page":340},{"title":"العنصر الأول: بعد غزوة بدر الكبرى، كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون.","level":2,"page":342},{"title":"العنصر الثاني: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.","level":2,"page":345},{"title":"العنصر الثالث: اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار.","level":2,"page":349},{"title":"العنصر الرابع: الدروس والعظات والعبر","level":2,"page":352},{"title":"الخطبة الرابعة والثلاثون: غزوة أحد","level":1,"page":356},{"title":"العنصر الأول: أحد جبل يحبنا ونحبه","level":2,"page":357},{"title":"العنصر الثاني: يوم التقى الجمعان","level":2,"page":363},{"title":"العنصر الثالث: ما فعله الرسولﷺبعد انتهاء الغزوة.","level":2,"page":370},{"title":"الخطبة الخامسة والثلاثون: الدروس والعظات والعبر والفوائد التي تؤخذ من غزوة أحد","level":1,"page":373},{"title":"١ - سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب","level":2,"page":380},{"title":"٢ - أنس بن النضر - ﵁ -","level":2,"page":381},{"title":"٣ - عبد الله بن حرام، والد جابر بن عبد الله -﵄-","level":2,"page":382},{"title":"٤ - عمرو بن الجموح - ﵁ -","level":2,"page":383},{"title":"٥ - عبد الله بن جحش - ﵁ -","level":2,"page":384},{"title":"الخطبة السادسة والثلاثون: غدر الكفار: مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة","level":1,"page":389},{"title":"أولا: مأساة يوم الرجيع.","level":2,"page":390},{"title":"ثانيا: مأساة بئر معونة","level":2,"page":393},{"title":"أولا: الغدر والخيانة من أخلاق الكفار واليهود","level":3,"page":396},{"title":"ثانيا: إثبات كرامة الأولياء.","level":3,"page":396},{"title":"الخطبة السابعة والثلاثون: غزوة بني المصطلق (المريسيع)","level":1,"page":400},{"title":"العنصر الأول: أحداث الغزوة","level":2,"page":400},{"title":"العنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في غزوة بني المصطلق","level":2,"page":403},{"title":"العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد مما حدث في غزوة بني المصطلق","level":2,"page":406},{"title":"الخطبة الثامنة والثلاثون: حديث الإفك","level":1,"page":408},{"title":"الخطبة التاسعة والثلاثون: الدروس والعظات والعبر والآداب التي تؤخذ من حديث الإفك","level":1,"page":417},{"title":"أولا: الصبر على الإشاعات الكاذبة التي يشنها أعداء الإسلام على الإسلام والمسلمين.","level":2,"page":419},{"title":"ثانيا: إحسان الظن بالمؤمنين","level":2,"page":420},{"title":"ثالثا: التثبت من الأخبار وإمساك اللسان عن الخوض في أعراض المسلمين.","level":2,"page":421},{"title":"رابعا: لا تتبعوا خطوات الشيطان","level":2,"page":422},{"title":"خامسا: أن تحسن إلى من أساء إليك","level":2,"page":423},{"title":"الخطبة الأربعون: غزوه الأحزاب (الخندق)","level":1,"page":426},{"title":"العنصر الأول: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (٣٠)﴾","level":2,"page":427},{"title":"عباد الله! العنصر الثاني: الرسولﷺ - والصحابة -﵃ في المدينة يستعدون لملاقات العدو","level":2,"page":428},{"title":"العنصر الثالث: مواقف المؤمنين ومواقف المنافقين.","level":2,"page":433},{"title":"العنصر الرابع: شدة وكرب وبلاء، يعقبها نصر وفرج.","level":2,"page":437},{"title":"العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب.","level":2,"page":440},{"title":"أولا: الكفر ملة واحدة هدفهم واحد وهو: دمروا الإسلام أبيدوا أهله.","level":3,"page":440},{"title":"ثانيا: من الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب (إن تنصروا الله ينصركم).","level":3,"page":442},{"title":"الخطبة الحادية والأربعون: غزوة بني قريظة","level":1,"page":444},{"title":"العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة","level":2,"page":444},{"title":"العنصر الثاني: الجزاء من جنس العمل","level":2,"page":446},{"title":"العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة بني قريظة.","level":2,"page":452},{"title":"أولا: الله -﷿- للظالمين بالمرصاد","level":3,"page":452},{"title":"ثانيا: المستقبل للإسلام","level":3,"page":453},{"title":"ثالثا: فضائل سعد بن معاذ - ﵁ -","level":3,"page":454},{"title":"الخطبة الثانية والأربعون: عمرة الحديبية (صلح الحديبية)","level":1,"page":456},{"title":"العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين.","level":2,"page":456},{"title":"العنصر الثاني: الرسول - ﷺ - والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة.","level":2,"page":458},{"title":"العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح.","level":2,"page":459},{"title":"العنصر الرابع: صلح الحديبية","level":2,"page":463},{"title":"العنصر الخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح","level":2,"page":466},{"title":"العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية","level":2,"page":468},{"title":"الخطبة الثالثة والأربعون: غزوة خيبر","level":1,"page":471},{"title":"العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين","level":2,"page":471},{"title":"العنصر الثاني: الجيش الإسلامي في طريقه إلى خيبر.","level":2,"page":473},{"title":"العنصر الثالث: أحداث الغزوة.","level":2,"page":476},{"title":"العنصر الرابع: معجزات النبي - ﷺ - في غزوة خيير","level":2,"page":480},{"title":"الخطبة الرابعة والأربعون: كتب رسول الله - ﷺ - إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام","level":1,"page":482},{"title":"الخطبة الخامسة والأربعون: غزوة مؤتة","level":1,"page":493},{"title":"العنصر الأول: سبب هذه الغزوة.","level":2,"page":493},{"title":"العنصر الثاني: رسول اللهﷺ - والجيش الإسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام.","level":2,"page":494},{"title":"العنصر الثالث: الجيش الإسلامي في طريقه إلى أرض الشام","level":2,"page":495},{"title":"العنصر الرابع: أحداث الغزوة","level":2,"page":496},{"title":"العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة","level":2,"page":501},{"title":"الخطبة السادسة والأربعون: الفتح الأكبر (فتح مكة)","level":1,"page":504},{"title":"العنصر الأول: سبب هذا الفتح","level":2,"page":505},{"title":"العنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - يستعد للخروج إلى مكة في سرية تامة.","level":2,"page":505},{"title":"العنصر الثالث: رسول الله - ﷺ - والجيش الإسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق.","level":2,"page":508},{"title":"العنصر الرابع: أحداث الفتح","level":2,"page":511},{"title":"العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة.","level":2,"page":515},{"title":"الخطبة السابعة والأربعون: غزوة حنين","level":1,"page":519},{"title":"العنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين","level":2,"page":519},{"title":"العنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله - ﷺ - يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية. وأحداث الطريق.","level":2,"page":521},{"title":"العنصر الثالث: أحداث الغزوة","level":2,"page":524},{"title":"العنصر الرابع: حكمة رسول الله - ﷺ - في تقسيم الغنائم","level":2,"page":526},{"title":"العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة حنين","level":2,"page":530},{"title":"أولا: التوكل على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب","level":3,"page":530},{"title":"ثانيا: الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله","level":3,"page":530},{"title":"ثالثا: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل","level":3,"page":531},{"title":"رابعا: حلمه - ﷺ - على جفاء وغلظة الإعراب","level":3,"page":532},{"title":"الخطبة الثامنة والأربعون: غزوة تبوك","level":1,"page":533},{"title":"العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها","level":2,"page":534},{"title":"العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.","level":2,"page":535},{"title":"العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك","level":2,"page":538},{"title":"العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة","level":2,"page":544},{"title":"الخطبة التاسعة والأربعون: قصة كعب بن مالك وصاحبيه","level":1,"page":547},{"title":"الخطبة الخمسون: حجة الوداع","level":1,"page":557},{"title":"الإحرام","level":2,"page":558},{"title":"دخول مكة والطواف","level":2,"page":559},{"title":"الوقوف على الصفا والمروة","level":2,"page":560},{"title":"الأمر بفسخ الحج إلى العمرة","level":2,"page":560},{"title":"النزول في البطحاء","level":2,"page":561},{"title":"خطبته - ﷺ - بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له","level":2,"page":562},{"title":"قدوم علي من اليمن مهلا بإهلال النبي - ﷺ -","level":2,"page":562},{"title":"التوجه إلى منى محرمين يوم الثامن وهو يوم التروية","level":2,"page":563},{"title":"التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة","level":2,"page":563},{"title":"خطبة عرفات","level":2,"page":564},{"title":"الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة","level":2,"page":564},{"title":"الإفاضة من عرفات","level":2,"page":565},{"title":"الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها","level":2,"page":565},{"title":"الوقوف على المشعر الحرام","level":2,"page":565},{"title":"الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة","level":2,"page":565},{"title":"رمي الجمرة الكبرى","level":2,"page":566},{"title":"النحر والحلق","level":2,"page":566},{"title":"خطبة النحر","level":2,"page":567},{"title":"الإفاضة لطواف الصدر","level":2,"page":568},{"title":"أولا: تحديد مصدر التلقي","level":3,"page":568},{"title":"ثانيا: قطع الصلة بالجاهلية، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي","level":3,"page":569},{"title":"ثالثا: الوصية بالنساء","level":3,"page":569},{"title":"رابعا: من مات في الحج محرما يبعث يوم القيامة ملبيا","level":3,"page":570},{"title":"الخطبة الحادية والخمسون: وفاة الرسول - ﷺ -","level":1,"page":571},{"title":"أولا: الغسل","level":2,"page":583},{"title":"ثانيا: الكفن","level":2,"page":584},{"title":"ثالثا: الصلاة عليه","level":2,"page":584},{"title":"رابعا: الدفن","level":2,"page":584}],"ٛ":{"مقدمة,2":2,"مقدمة,3":3,"مقدمة,4":4,"مقدمة,5":5,"مقدمة,6":6,"مقدمة,7":7,"مقدمة,8":8,"مقدمة,9":9,"مقدمة,10":10,"مقدمة,11":11,"مقدمة,12":12,"مقدمة,13":13,"1,5":14,"1,6":15,"1,7":16,"1,8":17,"1,9":18,"1,10":19,"1,11":20,"1,12":21,"1,13":22,"1,14":23,"1,15":24,"1,16":25,"1,17":26,"1,18":27,"1,19":28,"1,20":29,"1,21":30,"1,22":31,"1,23":32,"1,24":33,"1,25":34,"1,26":35,"1,27":36,"1,28":37,"1,29":38,"1,30":39,"1,31":40,"1,32":41,"1,33":42,"1,34":43,"1,35":44,"1,36":45,"1,37":46,"1,38":47,"1,39":48,"1,40":49,"1,41":50,"1,42":51,"1,43":52,"1,44":53,"1,45":54,"1,46":55,"1,47":56,"1,48":57,"1,49":58,"1,50":59,"1,51":60,"1,52":61,"1,53":62,"1,54":63,"1,55":64,"1,56":65,"1,57":66,"1,58":67,"1,59":68,"1,60":69,"1,61":70,"1,62":71,"1,63":72,"1,64":73,"1,65":74,"1,66":75,"1,67":76,"1,68":77,"1,69":78,"1,70":79,"1,71":80,"1,72":81,"1,73":82,"1,74":83,"1,75":84,"1,76":85,"1,77":86,"1,78":87,"1,79":88,"1,80":89,"1,81":90,"1,82":91,"1,83":92,"1,84":93,"1,85":94,"1,86":95,"1,87":96,"1,88":97,"1,89":98,"1,90":99,"1,91":100,"1,92":101,"1,93":102,"1,94":103,"1,95":104,"1,96":105,"1,97":106,"1,98":107,"1,99":108,"1,100":109,"1,101":110,"1,102":111,"1,103":112,"1,104":113,"1,105":114,"1,106":115,"1,107":116,"1,108":117,"1,109":118,"1,110":119,"1,111":120,"1,112":121,"1,113":122,"1,114":123,"1,115":124,"1,116":125,"1,117":126,"1,118":127,"1,119":128,"1,120":129,"1,121":130,"1,122":131,"1,123":132,"1,124":133,"1,125":134,"1,126":135,"1,127":136,"1,128":137,"1,129":138,"1,130":139,"1,131":140,"1,132":141,"1,133":142,"1,134":143,"1,135":144,"1,136":145,"1,137":146,"1,138":147,"1,139":148,"1,140":149,"1,141":150,"1,142":151,"1,143":152,"1,144":153,"1,145":154,"1,146":155,"1,147":156,"1,148":157,"1,149":158,"1,150":159,"1,151":160,"1,152":161,"1,153":162,"1,154":163,"1,155":164,"1,156":165,"1,157":166,"1,158":167,"1,159":168,"1,160":169,"1,161":170,"1,162":171,"1,163":172,"1,164":173,"1,165":174,"1,166":175,"1,167":176,"1,168":177,"1,169":178,"1,170":179,"1,171":180,"1,172":181,"1,173":182,"1,174":183,"1,175":184,"1,176":185,"1,177":186,"1,178":187,"1,179":188,"1,180":189,"1,181":190,"1,182":191,"1,183":192,"1,184":193,"1,185":194,"1,186":195,"1,187":196,"1,188":197,"1,189":198,"1,190":199,"1,191":200,"1,192":201,"1,193":202,"1,194":203,"1,195":204,"1,196":205,"1,197":206,"1,198":207,"1,199":208,"1,200":209,"1,201":210,"1,202":211,"1,203":212,"1,204":213,"1,205":214,"1,206":215,"1,207":216,"1,208":217,"1,209":218,"1,210":219,"1,211":220,"1,212":221,"1,213":222,"1,214":223,"1,215":224,"1,216":225,"1,217":226,"1,218":227,"1,219":228,"1,220":229,"1,221":230,"1,222":231,"1,223":232,"1,224":233,"1,225":234,"1,226":235,"1,227":236,"1,228":237,"1,229":238,"1,230":239,"1,231":240,"1,232":241,"1,233":242,"1,234":243,"1,235":244,"1,236":245,"1,237":246,"1,238":247,"1,239":248,"1,240":249,"1,241":250,"1,242":251,"1,243":252,"1,244":253,"1,245":254,"1,246":255,"1,247":256,"1,248":257,"1,249":258,"1,250":259,"1,251":260,"1,252":261,"1,253":262,"1,254":263,"1,255":264,"1,256":265,"1,257":266,"1,258":267,"1,259":268,"1,260":269,"1,261":270,"1,262":271,"1,263":272,"1,264":273,"1,265":274,"1,266":275,"1,267":276,"1,268":277,"1,269":278,"1,270":279,"1,271":280,"1,272":281,"1,273":282,"1,274":283,"1,275":284,"1,276":285,"1,277":286,"1,278":287,"1,279":288,"1,280":289,"1,281":290,"1,282":291,"1,283":292,"1,284":293,"1,285":294,"1,286":295,"1,287":296,"1,288":297,"1,289":298,"1,290":299,"1,291":300,"1,292":301,"1,293":302,"1,294":303,"1,295":304,"1,296":305,"1,297":306,"1,298":307,"1,299":308,"1,300":309,"1,301":310,"1,302":311,"1,303":312,"1,304":313,"1,305":314,"1,306":315,"1,307":316,"1,308":317,"1,309":318,"1,310":319,"1,311":320,"1,312":321,"1,313":322,"1,314":323,"1,315":324,"1,316":325,"1,317":326,"1,318":327,"1,319":328,"1,320":329,"1,321":330,"1,322":331,"1,323":332,"1,324":333,"1,325":334,"1,326":335,"1,327":336,"1,328":337,"1,329":338,"1,330":339,"1,331":340,"1,332":341,"1,333":342,"1,334":343,"1,335":344,"1,336":345,"1,337":346,"1,338":347,"1,339":348,"1,340":349,"1,341":350,"1,342":351,"1,343":352,"1,344":353,"1,345":354,"1,346":355,"1,347":356,"1,348":357,"1,349":358,"1,350":359,"1,351":360,"1,352":361,"1,353":362,"1,354":363,"1,355":364,"1,356":365,"1,357":366,"1,358":367,"1,359":368,"1,360":369,"1,361":370,"1,362":371,"1,363":372,"1,364":373,"1,365":374,"1,366":375,"1,367":376,"1,368":377,"1,369":378,"1,370":379,"1,371":380,"1,372":381,"1,373":382,"1,374":383,"1,375":384,"1,376":385,"1,377":386,"1,378":387,"1,379":388,"1,380":389,"1,381":390,"1,382":391,"1,383":392,"1,384":393,"1,385":394,"1,386":395,"1,387":396,"1,388":397,"1,389":398,"1,390":399,"1,391":400,"1,392":401,"1,393":402,"1,394":403,"1,395":404,"1,396":405,"1,397":406,"1,398":407,"1,399":408,"1,400":409,"1,401":410,"1,402":411,"1,403":412,"1,404":413,"1,405":414,"1,406":415,"1,407":416,"1,408":417,"1,409":418,"1,410":419,"1,411":420,"1,412":421,"1,413":422,"1,414":423,"1,415":424,"1,416":425,"1,417":426,"1,418":427,"1,419":428,"1,420":429,"1,421":430,"1,422":431,"1,423":432,"1,424":433,"1,425":434,"1,426":435,"1,427":436,"1,428":437,"1,429":438,"1,430":439,"1,431":440,"1,432":441,"1,433":442,"1,434":443,"1,435":444,"1,436":445,"1,437":446,"1,438":447,"1,439":448,"1,440":449,"1,441":450,"1,442":451,"1,443":452,"1,444":453,"1,445":454,"1,446":455,"1,447":456,"1,448":457,"1,449":458,"1,450":459,"1,451":460,"1,452":461,"1,453":462,"1,454":463,"1,455":464,"1,456":465,"1,457":466,"1,458":467,"1,459":468,"1,460":469,"1,461":470,"1,462":471,"1,463":472,"1,464":473,"1,465":474,"1,466":475,"1,467":476,"1,468":477,"1,469":478,"1,470":479,"1,471":480,"1,472":481,"1,473":482,"1,474":483,"1,475":484,"1,476":485,"1,477":486,"1,478":487,"1,479":488,"1,480":489,"1,481":490,"1,482":491,"1,483":492,"1,484":493,"1,485":494,"1,486":495,"1,487":496,"1,488":497,"1,489":498,"1,490":499,"1,491":500,"1,492":501,"1,493":502,"1,494":503,"1,495":504,"1,496":505,"1,497":506,"1,498":507,"1,499":508,"1,500":509,"1,501":510,"1,502":511,"1,503":512,"1,504":513,"1,505":514,"1,506":515,"1,507":516,"1,508":517,"1,509":518,"1,510":519,"1,511":520,"1,512":521,"1,513":522,"1,514":523,"1,515":524,"1,516":525,"1,517":526,"1,518":527,"1,519":528,"1,520":529,"1,521":530,"1,522":531,"1,523":532,"1,524":533,"1,525":534,"1,526":535,"1,527":536,"1,528":537,"1,529":538,"1,530":539,"1,531":540,"1,532":541,"1,533":542,"1,534":543,"1,535":544,"1,536":545,"1,537":546,"1,538":547,"1,539":548,"1,540":549,"1,541":550,"1,542":551,"1,543":552,"1,544":553,"1,545":554,"1,546":555,"1,547":556,"1,548":557,"1,549":558,"1,550":559,"1,551":560,"1,552":561,"1,553":562,"1,554":563,"1,555":564,"1,556":565,"1,557":566,"1,558":567,"1,559":568,"1,560":569,"1,561":570,"1,562":571,"1,563":572,"1,564":573,"1,565":574,"1,566":575,"1,567":576,"1,568":577,"1,569":578,"1,570":579,"1,571":580,"1,572":581,"1,573":582,"1,574":583,"1,575":584,"1,576":585,"1,577":586},"ٜ":{"مقدمة":[2,13],"1":[5,577]},"ٝ":[null,"مقدمة,2","مقدمة,3","مقدمة,4","مقدمة,5","مقدمة,6","مقدمة,7","مقدمة,8","مقدمة,9","مقدمة,10","مقدمة,11","مقدمة,12","مقدمة,13","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577"],"ٞ":{"9":[1],"14":[2],"15":[3],"28":[4,5],"30":[6],"31":[7],"34":[8],"36":[9,10],"37":[11],"42":[12],"44":[13],"51":[14,15],"53":[16],"55":[17],"57":[18],"60":[19,20],"61":[21],"62":[22],"63":[23],"64":[24,25,26],"65":[27],"68":[28],"69":[29],"70":[30],"73":[31],"78":[32],"88":[33,34],"96":[35,36],"106":[37],"116":[38],"126":[39,40],"136":[41],"137":[42],"138":[43],"141":[44],"142":[45],"143":[46],"144":[47],"145":[48],"147":[49],"155":[50],"159":[51],"161":[52],"162":[53],"166":[54],"170":[55],"171":[56],"176":[57],"187":[58],"195":[59,60,61],"198":[62,63],"202":[64],"205":[65],"211":[66],"220":[67],"230":[68],"239":[69],"250":[70],"259":[71],"260":[72],"264":[73],"267":[74],"268":[75],"269":[76],"271":[77,78],"274":[79],"276":[80,81],"277":[82],"278":[83,84],"279":[85],"280":[86,87,88],"281":[89,90,91],"282":[92,93,94],"283":[95,96],"284":[97],"285":[98],"287":[99],"289":[100],"294":[101],"296":[102,103],"298":[104],"303":[105,106,107],"304":[108],"308":[109],"317":[110],"325":[111,112],"330":[113],"335":[114,115],"336":[116,117],"337":[118,119],"338":[120,121],"339":[122],"340":[123],"342":[124],"345":[125],"349":[126],"352":[127],"356":[128],"357":[129],"363":[130],"370":[131],"373":[132],"380":[133],"381":[134],"382":[135],"383":[136],"384":[137],"389":[138],"390":[139],"393":[140],"396":[141,142],"400":[143,144],"403":[145],"406":[146],"408":[147],"417":[148],"419":[149],"420":[150],"421":[151],"422":[152],"423":[153],"426":[154],"427":[155],"428":[156],"433":[157],"437":[158],"440":[159,160],"442":[161],"444":[162,163],"446":[164],"452":[165,166],"453":[167],"454":[168],"456":[169,170],"458":[171],"459":[172],"463":[173],"466":[174],"468":[175],"471":[176,177],"473":[178],"476":[179],"480":[180],"482":[181],"493":[182,183],"494":[184],"495":[185],"496":[186],"501":[187],"504":[188],"505":[189,190],"508":[191],"511":[192],"515":[193],"519":[194,195],"521":[196],"524":[197],"526":[198],"530":[199,200,201],"531":[202],"532":[203],"533":[204],"534":[205],"535":[206],"538":[207],"544":[208],"547":[209],"557":[210],"558":[211],"559":[212],"560":[213,214],"561":[215],"562":[216,217],"563":[218,219],"564":[220,221],"565":[222,223,224,225],"566":[226,227],"567":[228],"568":[229,230],"569":[231,232],"570":[233],"571":[234],"583":[235],"584":[236,237,238]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سُبُل السَّلام مِن صَحيح سيرة خَير الأنَامِ ﵊\n\nأعَدّهُ\nأبوُ إسلام\nصَالح بن طه عَبد الوَاحِد\nأعزه الله بالإسلام\nإمام وخطيب مسجد إبراهيم الحاج حسن\nالأردن - عمان\n\nراجعهُ وقدَّم لهُ\nفضيلة الشيخ: سليم بن عيد الهلالي، حفظه الله\nفضيلة الشيخ: مشهور بن حسن آل سلمان، حفظه الله\n\nمكتبة الغرباء - الدار الأثرية","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾","vol":"مقدمة","page":2},{"text":"سُبُل السَّلام مِن صَحيح سيرة خَير الأنَامِ ﵊","vol":"مقدمة","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\nالطّبعة الثانِيَة\nربيع الأول ١٤٢٨ هـ\n\nمكتبة الغرباء\nالأردن - عمان - هاتف: ٤٧٨٩٣٩٩\n\nالدار الأثرية\nعمان - الأردن - تلفاكس ٦٥٦٥٨٠٤٥/ ٠٠٩٦٢\nخلوي: ٧٩٥٩٤٣٤٥٦/ ٠٠٩٦٢ - ٩٢٥٥٩٥ - الرمز البريدي: ١١١٩٠\nالرمز الإلكتروني:  alatharya١٤٢٣@yahoo.com","vol":"مقدمة","page":4},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه وجنده.\nأما بعد: فإن السيرة النبوية تسجيل صادق لحياة سيد البشر، ورسول رب العباد: محمد - ﷺ -، حيث اختاره الله للرسالة الإلهية الخاتمة الخالدة، ليضع بين يدي البشرية مفاتح سعادتها، ويضع أقدامها على مراقي العز، فمن أخذ ذلك بقوة، كان ممن قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وممن وصفهم المولى -﷾- بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].\n\nولذلك؛ فإن الله -ﷻ- جعل مناط القدوة ومحل الأُسوة محمدًا رسول الله - ﷺ -، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\n\nوجعل معيار التقوى اتباع رسول الله - ﷺ -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\n\nولن تبلغ الأمة كمالها ولن يتم للعبد تمام التأسي وحقيقة الاتباع، إلا بمعرفة سيرة خير البرية وسيد البشرية، ودراستها، بتمحيص وتوثيق، ليصفو للمتبع الثابت الصحيح المقبول من سيرة الرسول - ﷺ -.\n\nوممن ساهم في هذا الجانب وقام مقامًا محمودًا أخبرنا في الله الشيخ","vol":"مقدمة","page":5},{"text":"أبو إسلام صالح طه -وفقه الله- حيث ألقى سيرة رسول الله - ﷺ - في خطب ماتعة في مسجد إبراهيم الحاج حسن، فجاءت مترابطة متراصة آخذ بعضها برقاب بعض؛ لتكون في نهاية المطاف هذا الكتاب الحافل في سيرة خير الأنام محمَّد - ﷺ -.\n\nوقد مررت بها ووقفت عليها؛ فوجدتها جديرة بالنشر، ليعم بها النفع. سائلًا المولى -﷿- أن يجعل جميع أعمالنا خالصة لوجهه الكريم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.\n\nوكتبه\nحامدًا ومصليًا ومسلمًا\nأبو أسامة سليم بن عيد الهلالي\nأصيل يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة\nبقيت من جمادى الآخرة في عمان البلقاء\nعاصمة جند الأردن من بلاد الشام المحروسة","vol":"مقدمة","page":6},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾\nإن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:\n\nفهذه مجموعة من الخطب المنبربة ألقاها أخبرنا الشيخ أبو إسلام صالح بن طه عبد الواحد -حفظه الله ونفع به- وهي في \"السيرة النبوية\".\nوتمتاز هذه الخطب بالاعتماد على الأحداث الصحيحة منها، وتحقيق ذلك في السيرة خاصة يحتاج إلى جهد جهيد، وتعب في البحث والتنقيب، و\"أي خير في حديث اختلط صحيحه بواهيه، وأنتَ لا تفليه، ولا تبحث عن ناقليه\".\nومن ميزات الكتاب: التحليل الجيّد للحَدَث الذي يتكلم عنه، وذكر العظات والعبر والفوائد منه، والتركيز منها على ما يخص حال الأمة الآن.\nويزين ذلك كله: جودة حفظ أخينا الشيخ أبي إسلام للأحداث، والتمكن منها، وسرد الأحاديث الطويلة جدًا من ذاكرته، مع حُسن إلقاء على وجهٍ مؤثّرٍ.\nفازدان الموضوع والأُسلوب، والاختيار والتحليل ولا شك أن السيرة النبوية هي التطبيقات العملية لما يحب الله ويرضى، وتجسيد للمعاني والأحكام والأخلاق في الواقع العملي، ليتحقق مقام العبوديّة، وما أحوج","vol":"مقدمة","page":7},{"text":"الناس هذه الأيام لأمثال هذه الخطب، ولئن فات كثير من القراء استماع هذه الخطب فإنها جُمعت -ولله الحمد- بين دفَّتي هذا الكتاب، ليعمّ به النَّفع، وما ذلك على الله بعزيز.\n\nوكتب\nأبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان","vol":"مقدمة","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة المؤلف</span>\nإن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ ﴿آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\n\nأما بعد:\nفإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار (١).\n\nعباد الله!\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n_________\n(١) هذه خطبة الحاجة التي كان النبيّ - ﷺ - يفتتح بها خطبه.","vol":"مقدمة","page":9},{"text":"وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت منه قصور الشام\" (١).\nودعوة إبراهيم ﵇ هي قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩].\nوبشرى عيسى: كما أشار إليه قوله ﷿ حاكيًا عن المسيح ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].\nوقوله: \"ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام\" قال ابن رجب: خروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٢٦٢)، والحاكم (٢/ ٠ ٦٠)، \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٢٢)، وإسناد أحمد حسن وله شواهد تقويه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.","vol":"مقدمة","page":10},{"text":"تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].\nوقال ابن كثير: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها ولهذا جاء في الصحيحين: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\"، وفي صحيح البخاري: \"وهم في الشام\" (١).\n\nعباد الله! وهذه الفرقة الناجية المنصورة هي التي عرفت ربّها فعبدته ولم تُشرك به شيئًا استجابةً لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وعرفت رسولها فاتبعته وتأست به ولم تبتدع في دين الله استجابة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوعرفت أصحاب رسول الله - ﷺ - فسلكت منهجهم وسبيلهم استجابة لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nولقوله - ﷺ -: \"وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلهم في النار إلا\n_________\n(١) انظر: \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٨٤)، رواه البخاري، كتاب \"الاعتصام بالكتاب والسنة\" (٨/ ١٨٩) رقم ٧٣١١.","vol":"مقدمة","page":11},{"text":"واحدة\" قيل: وما هي يا رسول الله؟! قال: \"هي التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي\".\nفالنجاة يا عباد الله في توحيد الله في العبادة وتوحيد رسوله - ﷺ - في الاتباع\nوتوحيد الصحابة ﵃ في المنهج والفهم.\n\nعباد الله! وانطلاقًا من قوله تعالى على لسان هود - ﷺ -: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾ [الأعراف:٦٨].\nوقوله - ﷺ -: \"الدين النصيحة\"، قلنا لمن؟ قال: \"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم\" (١).\nوقوله - ﷺ -: \"الدال على الخير كفاعله\" (٢).\nمنذ عشرين عامًا أو يزيد وأنا في مسجد إبراهيم الحاج حسن (عمان/الأردن) أركّز في خطب الجمعة على العقيدة الصحيحة وسيرة رسول الله - ﷺ - وسيرة الصحابة الكرام ﵃.\n\nففي العقيدة ألقيتُ مجموعة من خطب الجمعة بعنوان \"العقيدة أولًا لو كانوا يعلمون\" وقد خرجت بفضل الله وكرمه إلى الوجود كتابًا في أربعة مجلدات.\nثم بعدها ألقيت مجموعة من الخطب بعنوان \"ثمرات الإيمان\" وخرجت إلى الوجود في مجلدٍ واحدٍ بعنوان \"أحسن البيان من مواقف أهل الإيمان\".\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٣٣٩٣).","vol":"مقدمة","page":12},{"text":"ثم ألقيت بعدها مجموعة من الخطب بعنوان \"الدعاء النافع\" وهي تحت الطبع يسر الله خروجها في مجلدٍ واحدٍ أيضًا.\nثم انتقلت من العقيدة إلى سيرة الرسول - ﷺ -: فألقيت مجموعة من الخطب في سيرة النبي - ﷺ - وستخرج قريبًا بإذن الله تعالى إلى الوجود مجلدًا واحدًا بعنوان \"سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام ﵊\"\nوهي كتابنا هذا الذي بين أيديكم.\nثم انتقلت من سيرة رسول الله - ﷺ - إلى سيرة أصحابه الكرام ﵃ الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ولنصر دينه ونحن ما زلنا بصدد الحديث عنها.\n\nوالله أسال أن يتقبل عملي خالصًا لوجهه وأن ينفعني به يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.\n\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nوكتب\nأبو إسلام صالح بن طه عبد الواحد\nإمام وخطيب مسجد إبراهيم الحاج حسن\nعمان- الأردن\n٢٣ من شهر شعبان لعام ١٤٢٤ من الهجرة\nالموافق ١٩ تشرين أول لعام ٢٠٠٣ ميلادي","vol":"مقدمة","page":13},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>الخطبة الأولى: ثمار دراسة السيرة النبوية</span>\nإن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\n\nأما بعد:\nفإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع سلسلة جديدة من المواعظ بعنوان:","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>محمد رسول الله والذين معه</span>\nوقفات تربوية مع سيرة رسول الله - ﷺ -، وأصحابه الكرام - ﵃ - فيها دروس وعظات وعبر.\n\nعباد الله! وهذا العنوان أخذناه من كتاب ربنا من قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].\n\nعباد الله! وهذه الآية الكريمة هي الآية الأخيرة من (سورة الفتح) التي قال الله فيها لرسوله - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحنَا لَكَ فَتحًا مُّبِينًا (١)﴾ وهذا اليوم الذي نبدأ فيه هذه السلسلة من المواعظ: هو اليوم الأول من السنة الهجرية لعام ألفٍ وأربع مئة وثلاثة وعشرين (١٤٢٣هـ)، وهذا يوم يذكرنا بهجرة النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة ليقيم دولة الإِسلام في المدينة، والتي فتح من خلالها قلوب العباد والبلاد؛ فبهذه المناسبة -نسأل الله -﵎- فهو الجدير بالإجابة- أن يجعل هذه السلسلة من المواعظ سببًا لهجرة المسلمين إلى ربهم ليعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا، وإلى سنة رسولهم ليتبعوه وحده ويبتعدوا عن البدع والخرافات، وأن يعودوا إلى منهج الصحابة - ﵃ - وأن يتركوا السبل القصيرة التي على كل سبيل منها شيطان يدعُ الناس إليه، وأن يكون ذلك سببًا للفتح المبين ولنصر المسلمين على أعداء الدين إنه ولي ذلك والقادر عليه.","vol":"1","page":6},{"text":"عباد الله! في هذه الآية الكريمة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اَللهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ﴾ يثني ربنا جل وعلا على رسوله - ﷺ - وعلى الصحابة الكرام، ففي قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اَللهِ﴾: يخبرنا ربنا جل وعلا عن محمَّد - ﷺ - أنه رسوله حقًا بلا شك ولا ريب، وهو خاتم الرسل والأنبياء فلا نبي بعده ولا رسول بعده.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ثناء من الله تعالى على صحابة رسول الله - ﷺ - في تعاملهم مع الكفار بالشدة، ومع المؤمنين بالرحمة والعطف، فالكافر الذي هو عدو لله ولرسوله - ﷺ - يُعَامَلُ بشدةٍ وغلظةٍ، والمؤمن الذي رضي بالله ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا يُعَامَلُ بالعطف والرحمة والمحبة والحنان.\nكيف لا، والله -﷿- يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.\n\nعباد الله! الإخوة رابطة قوية، تربط المؤمنين بعضهم ببعض.\nويبين - ﷺ - شدة هذه الرابطة.\nفيقول - ﷺ -: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" وشبك بين أصابعه (١).\nويقول - ﷺ -: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\" (٢).\nفإذا نظرنا يا عباد الله! إلى أحوال المسلمين الآن، فإنه ينطبق علينا العكس تمامًا إلا من رحم ربي، رحماء مع الكفار أشداء فيما بيننا و\"إنا لله وإنا إليه راجعون\".\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٤٨١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٥).\n(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٦٠١١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٦).","vol":"1","page":7},{"text":"عباد الله! وفي قوله تعالى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.\nبعد أن بين الله -﵎- كيف يتعامل الصحابة مع الخلق، يخبرنا عنهم كيف يتعاملون مع الخالق؛ فهم يتقربون إلى الله -﷿- بالأعمال الصالحة تراهم ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ وفي موضع آخر ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.\nماذا يريدون بهذه العبادة؟ ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ يريدون بعبادتهم وجه الله، يريدون بعبادتهم رضا الله والجنة، إيمان صادق، أعمال صالحة، إخلاص لله -﷿-. فظهر ذلك على وجوههم قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ انظر إلى رجل في صلاة الفجر بات لله ساجدًا وقائمًا ترى النور يعلو وجهه، وانظر إلى رجل ترك الصلاة وأكل الربا وبات على معصية الله ترى على وجهه السواد والغبرة، ثم يخبر ربنا جل وعلا أن مثل الصحابة هذا موجود في التوراة قبل تحريفها ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ انظر إلى النبات كيف يبدأ صغيرًا ثم يكبر، ثم يخرج شطأه -أي فراخه- ثم يثمر ويعجب الزراع حينذاك.\nفالصحابة بدأوا قلة ثم كثروا ثم قامت لهم قائمة، ثم كانت لهم دولة فغاظوا بذلك الكفار وفتحوا الدنيا من مشرقها إلى مغربها. ولذلك وعدهم الله تعالى بالمغفرة والأجر العظيم.\nفقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.","vol":"1","page":8},{"text":"عباد الله! وهذا سؤال:\nما هي الفائدة من دراسة سيرة النبي - ﷺ -، وسيرة أصحابه الكرام -﵃-؟\n\nعباد الله! الفوائد من دراسة السيرة النبوية وسيرة الصحابة -﵃- كثيرة وكثيرة جدًا، ومنها:\nالفائدة الأولى: معرفة أسباب نزول كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا مما يعين على فهمهما والاستنباط منهما أو معايشة أحداثهما. فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ قالوا: نزلت في صهيب الرومي - ﵁ - عندما أراد أن يهاجر من مكة إلى المدينة، فأتبعه نفر من قريش فقالوا له: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا، فبلغت ما بلغت، ثم تنطلق بنفسك ومالك؟! والله لا يكون ذلك، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجالًا، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي من يدي منه شيء فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي قالوا: نعم، ففعل.\nفلما قدم على النبي - ﷺ - قال \"ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع\"، ونزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (١).\n_________\n(١) حديث صحيح أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٢٢٨) والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٣٩٨) وقال عقبه: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وانظر \"أسباب النزول\" للواحدي (ص ٣٩)، و\"فقه السيرة\" (ص ١٦٦) وتعليق شيخنا الألباني - ﵀- عليه.","vol":"1","page":9},{"text":"وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]\n\nالفائدة الثانية: معرفة الطريق الذي يوصل إلى رضا الله والجنة ويتمثل فيما يلي:\nأولًا: في عبادة الله وحده والابتعاد عن الشرك.\nثانيًا: في اتباع النبي وحده والابتعاد عن البدع والخرافات.\nثالثًا: في سلوك منهج الصحابة الكرام والابتعاد عن سبل الشيطان.\n\nعباد اللهَ! والصحابة - ﵃ - ضربوا لنا مثلًا أعلى في عبادتهم لله، وفي اتباعهم للنبي - ﷺ -، وقد جاءت أدلة في الكتاب والسنة تأمر المسلمين أن يسلكوا منهج الصحابة؛ لأنهم قوم رضي الله عنهم ورضوا عنه، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].\nويقول - ﷺ -:\"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار، إلا ملة واحدة\" قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (١).\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٢٥١٩).","vol":"1","page":10},{"text":"ويقول - ﷺ -: \" .. وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي -أي طريقتي- وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ\" (١).\n\nعباد الله! فعندما ندرس سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه يتبين لنا الطريق الذي يوصل إلى رضا الله والجنة.\n\nالفائدة الثالثة: يعرف المسلمون من أين ينطلقون وكيف يبدؤون.\nفالرسول - ﷺ - بُعث في الناس وهم في ضلال مبين يعبدون الأصنام ويأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، والقوي يأكل الضعيف، ويشربون الخمر. من أين بدأ النبي - ﷺ - دعوته لهذا المجتمع الذي يتقلب في الضلال المبين؟ هل بدأ بالمواجهة المسلحة فأعلنها حربًا وتدميرًا وإرهابًا للكفار في مكة؟\nالجواب: لا.\nهل بدأ بدخول البرلمانات النيابية والوصول إلى المناصب العليا في البلاد لتوصيل الإِسلام لهم؟\nالجواب: لا.\nهل بدأ - ﷺ - برفع راية الجهاد أولًا لتحرير الأرض من يد الفرس والروم؟\nالجواب: لا.\nهل بدأ بثورة إصلاحية لتصحيح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟\nالجواب: لا.\nولكنه - ﷺ - بدأ بدعوة الناس أولًا إلى عقيدة التوحيد؛ إلى \"لا إله إلا الله\"؛ وهذه هي دعوة الأنبياء كلهم قبله.\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (رقم ٢١٥٧) \"صحيح ابن ماجه\" (٤٢)، \"رياض الصالحين\" (رقم ١٦١، ١٧٥، ٧٠٧) تحقيق الألباني.","vol":"1","page":11},{"text":"كلُّ نبيٍّ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].\n\nأمة الإِسلام! انظروا معي إلى الساحة الإِسلامية في هذه الأيام:\n\nفريق من المسلمين ظنوا أن المواجهة المسلحة مع الباطل هي الطريق الصحيح؛ فبدأوا بالقتل والاغتيالات والتفجيرات للمسلم وغير المسلم، ومنهم من كَفَّرَ أباه وأمه، واستحل دمه، ومع ذلك فقد وصلوا إلى طريق مسدود وضاعت الثمار والجهود.\n\nوفريق آخر ظنَّ أن الطريق الوحيد لقيام الدولة الإِسلامية هو الدخول في البرلمانات ومجالس الأمة، والوصول إلى المناصب العالية في الدولة ومن خلالها يخدمون الإِسلام، ومنهم مَنْ وصل إلى هذه المناصب وما وجدنا أنهم قدموا خدمة للإسلام والمسلمين، إلا أنهم قدموا خدمة لحزبهم؛ من جمع الأموال والوصول إلى المناصب.\n\nفما هو الطريق؟\nالطريق هو طريق النبي - ﷺ -؛ دعوةُ الناس إلى العقيدة الصحيحة فكم من المسلمين يشرك بالله؟ وكم من المسلمين يطوف بالقبور؟ وكم من المسلمين يدعو غير الله؟ وكم من المسلمين يذبح لغير الله؟ فلا بد أن نبدأ بدعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة أولًا.\nفإن عادت الأمة إلى ربها وإلى سنة نبيها وإلى منهج الصحابة - ﵃ - فهم بذلك قد غيروا من أنفسهم، ومن سنن الله -﵎-","vol":"1","page":12},{"text":"التي لا تتبدل ولا تتغير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.\n\nعباد الله! لا بد أن يبدأ التغير منا، كما أخبر النبي - ﷺ - فقال: \"إذا تبايعتم بالعينة\"، -وهو نوع من أنواع الربا- \"وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\" (١).\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].\n\nالفائدة الرابعة: معرفة أسباب النصر وأسباب الهزيمة\nإذا درسنا السيرة النبوية، وسيرة أصحاب النبي - ﷺ - عرفنا أسباب النصر، وأسباب الهزيمة.\n\nفمن أسباب النصر:\n- الثقة بالله ﷿.\n- التوكل عليه وحده.\n- التضرع إليه.\n- الأخذ بالأسباب الموصلة إلى النصر مع عدم الثقة بالأسباب.\n- الإيمان بأن النصر من عند الله.\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (رقم ١١)، \"صحيح الجامع\" (٤١٦).","vol":"1","page":13},{"text":"وبالمثال يتضح المقال: في غزوة بدر يقول الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠].\nقلوب طاهرة من الشرك يطلبون المدد من الله -﷿- وحده.\n\nعباد الله! كم من المسلمين الآن إذا اشتدت بهم الأمور يطلب المدد من أصحاب القبور؟ وهذه العقيدة فاسدةٌ عند أهل الضلاَّل يقولون: إذا اشتدت الأمور فعليكم بأصحاب القبور -أي: استغيثوا بأصحاب القبور-، أما الصحابة - ﵃ - فإنهم طلبوا المدد من الله يوم بدر. ولذلك امتن الله -﵎- على المؤمنين بهذا النصر في يوم بدر، فقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].\n\nعباد الله! وفي يوم الأحزاب\nيقول الله -﷿- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١٢].\n\nعباد الله! انظروا إلى الصحابة ماذا قالوا:","vol":"1","page":14},{"text":"يقول الله -﷿-: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ إلى أن قال رب العزة: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٣ - ٢٥].\n\nعباد الله! ومن أسباب الهزيمة:\n- حب الدنيا.\n- مخالفة الأوامر الشرعية.\nويظهر ذلك يوم أحد، فقد بدأت المعركة بنصر كبير للمسلمين، وخالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل فتحول النصر إلى هزيمة فلما تعجب الصحابة لما أصابهم أنزل الله -﵎-: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].\nأنتم السبب، الله أكبر، مخالفة واحدة كان ما كان من تحويل النصر إلى هزيمة؟! نعم، فكيف بنا يا أمة الإِسلام؟ وقد فسدت العقيدة، وترك الكثيرون الصلاة، وأكلنا الربا، وتبرجت النساء، وتركنا صلاة الجماعة، إلا من رحم ربي.\n\nعباد الله! وفي يوم حنين، التفتوا إلى الكثرة، وأعجبتهم كثرتهم؛ فكانت الهزيمة في بداية المعركة ولكن الله سلَّم.","vol":"1","page":15},{"text":"ولذلك قال الله -﷿-: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٧].\n\nالفائدة الخامسة: دراسة سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام؛ زادٌ نافع لكل مسلم.\nفالدعاة إلى الله -﷿- يتعلمون كيف يدعون الناس إلى عبادة الله؟\nوالقائد يتعلم من سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه كيف تكون القيادة؟\nوالجندي يتعلم من سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه كيف تكون الجندية؟\nوالمربي يتعلم من سيرة النبي - ﷺ - وأصحابه كيف تكون التربية؟\nفالرسول - ﷺ - وأصحابه الكرام ضربوا لنا مثلًا أعلى في ذلك، ولذلك أمرنا الله -﷿- أن نتأسى برسول الله - ﷺ - في كل شيء، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].\nوأمرنا الله -﷿- أن نطيعه في كل أمر، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].","vol":"1","page":16},{"text":"وأخبرنا ربنا -جل وعلا- أن في طاعة النبي - ﷺ - الهداية إلى كل خير فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].\nوحذر ربنا -جل وعلا- المؤمنين من مخالفة أمره فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].\nوأثنى الله -﷿- على صحابة رسوله - ﷺ - وعلى من تبعهم بإحسان قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\n\nالفائدة السادسة: أن نتعلم من السيرة أخلاق النبي - ﷺ - فالله -﷿- وصفه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].\n\nفماذا كان خلقه - ﷺ -؟\nسئلت عائشة -﵂ - عن خلق رسول الله - ﷺ - فقالت: \"كان خلقه القرآن\" (١).\n\nالفائدة السابعة: نتعلم من السيرة المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمدًا - ﷺ -.\nفمثلًا عندما طلب الكفار آية على صدقة أنه رسول أشار بيده إلى القمر فانشق نصفين، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، ومع ذلك ما زاد الكفار إلا طغيانًا كبيرًا.\nوقد وضع النبي - ﷺ - يده في الإناء ففاض الماء من بين أصابعه إلى غير ذلك من المعجزات التي نتكلم عنها في وقتها سائلين المولى في علاه أن ينفعنا بدراسة هذه السيرة للنبي - ﷺ - وأصحابه الكرام وهذه المواعظ تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: دراسة سيرة النبي - ﷺ - وهذا الذي نبدأ به من الجمعة\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٧٤٦)، وذكره النووي في \"رياض الصالحين\" (رقم ١٨٥٦ - تحقيق الألباني).","vol":"1","page":17},{"text":"القادمة -إن شاء الله تعالى-.\nوالقسم الثاني (١): دراسة سيرة الصحابة ونبدأ بها -إن شاء الله تعالى- إذا انتهينا من الكلام عن سيرة رسول الله - ﷺ -.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.\n_________\n(١) وهذا سيكون في كتاب مستقل غير هذا سميته: \"رجالٌ صدقوا\".","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الخطبة الثانية: صفات النبي - ﷺ - ونسبه</span>\nأيها الإخوة عباد الله! يقول الله -﷿-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].\n\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية:\n\nالعنصر الأول: رسولنا - ﷺ - أحب إلينا من كل شيء.\n\nالعنصر الثاني: رسولنا - ﷺ - أشرف الناس نسبًا.\n\nالعنصر الثالث: رسولنا - ﷺ - أحسن الناس خُلُقًا وخَلْقًا.\n\nالعنصر الرابع: أسمائه - ﷺ - كما جاءت في الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>العنصر الأول: رسولنا - ﷺ - أحب إلينا من حل شيء</span>.\nلأنه قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ١٥)، ومسلم (رقم ٤٤).","vol":"1","page":19},{"text":"فمحبة النبي - ﷺ - من ديننا ومن عقيدتنا.\nقال عمر - ﵁ -: يا رسول الله: لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر للنبي - ﷺ -: فإنك الآن والله لأنت أحب إليَّ من نفسي، فقال النبي - ﷺ -: \"الآن يا عمر\" (١).\n\nفيا عباد الله! محبتنا للنبيﷺ - عقيدة وإيمان؛ لأن الله -﵎- أخرجنا به من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد.\nونبينا - ﷺ - أحرص علينا من أنفسنا، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\nولذلك فإن الله -﷿- في كتابه يتوعد وُيفسق الذين يحبون الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن أكثر من حبهم لله ولرسوله - ﷺ -، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٦٦٣٢).","vol":"1","page":20},{"text":"وهذه المحبة يا عباد الله! تتمثل في اتباعه - ﷺ - وفي التمسك بسنته وفي نشرها بين الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>العنصر الثاني: رسولنا - ﷺ - أشرف الناس نسبًا</span>\nفالأنبياء والرسل هم أشرف الناس نسبًا، وأفضلهم خلُقًا وخلْقًا، وذلك لأن الله -﵎- اصطفاهم وأرسلهم برسالته إلى الناس، فإن الله -﵎- يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nولما سأل هِرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب عن نسب النبي - ﷺ - فقال: \"كيف نسبه فيكم؟ \" فقال أبوسفيان: هو فينا ذو نسب.\nثم قال هرقل: \"سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها\" (١).\nيعني في أكرمها أحسابًا، وأكثرها قبيلة - صلوات الله عليهم أجمعين -.\n\nعباد الله! ورسولنا محمَّد - ﷺ - هو أولى الأنبياء بكل فضيلة، فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة، تعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخبرنا عن نسبه الشريف: يقول - ﷺ -: \"إنَّ الله -﷿- اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\" (٢).\nيقول العباس - ﵁ - بلغ النبي - ﷺ - بعض ما يقول الناس فصعد المنبر، فقال: \"مَنْ أنا؟ \" قالوا: أنت رسول الله، فقال - ﷺ -: \"أنا محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله -تعالى- خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٧)، ومسلم (رقم ١٧٧٣).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٢٧٦).","vol":"1","page":21},{"text":"فجعلني من خيرهم فرقة ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وأنا خيركم نسبًا\" (١).\nويقول - ﷺ -: \"بُعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه\" (٢).\nويقول - ﷺ -: \"خرجت من نكاح، ولم أخرج عن سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يُصبني من سفاح الجاهلية شيء\" (٣).\nويقول - ﷺ -: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر\" (٤).\n\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - هو أشرف الناس نسبًا فهو: أبو القاسم محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ابن مُدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان\" (٥).\nوعدنان بلا شك من ولد إسماعيل الذبيح ﵇ وإسماعيل بن إبراهيم ﵉.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>العنصر الثالث: رسولنا - ﷺ - أحسن الناس خُلُقًا وخَلْقًا:</span>\nويكفيه شهادة في خُلُقِه أن الله -﵎- قال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (١٤٨٥)، \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ١١).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٥٥٧).\n(٣) \"صحيح الجامع\" (٣٢٢٠).\n(٤) \"صحيح السيرة النبوية\" للألباني (ص ١٢).\n(٥) \"صحيح البخاري\".","vol":"1","page":22},{"text":"خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم:٤]، فمهما تكلمنا عن أخلاق النبي - ﷺ - فلا نعطيه حقه، ولما سئلت عائشة - ﵂ - عن خُلق رسول الله - ﷺ - قالت: \"كان خلقه القرآن\" (١).\n\nعباد الله! \"ومن دراسة سيرته وقراءة الأحاديث النبوية في صفاته الخُلُقية تُطالعنا صور التواضع المقترن بالمهابة، والحياء المقترن بالشجاعة، والكرم الصادق البعيد عن حب الظهور، والأمانة المشهورة بين الناس، والصدق في القول والعمل، والزهد في الدنيا عند إقبالها، وعدم التطلع إليها عند إدبارها، والإخلاص لله في كل ما يصدر عنه، مع فصاحة اللسان وثبات الجنان، وقوة العقل، وحسن الفهم، والرحمة للكبير والصغير، ولين الجانب ورقة المشاعر وحب الصفح والعفو عن المسيء، والبعد عن الغلظة والجفاء والقسوة، والصبر في مواطن الشدة والجرأة في قول الحق\" (٢).\nيقول أنس - ﵁ -: \"كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقًا\" (٣). ويقول أيضًا - ﵁ -: \"ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله - ﷺ -، ولا شممت رائحة قطُّ أطيب من رائحة رسول الله - ﷺ -، ولقد خدمتُ رسول الله - ﷺ - عشر سنين، فما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟ (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٧٤٦) وقد مضى.\n(٢) \"السيرة النبوية الصحيحة\"، أكرم ضياء العمري (ص ٨٩).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٣٠١) ومتفق عليه من حديث البراء بنحوه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٤٩)، ومسلم (رقم ٢٣٣٧).\n(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٦١) ومسلم (رقم ٢٣٣٠).","vol":"1","page":23},{"text":"وتقول عائشة -﵂ -: \"ما خُيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا، كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله - ﷺ - لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى\" (١).\nوتقول - ﵂ -: \"ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى\" (٢).\nأما صفاته - ﷺ - الخَلْقية فقل في ذلك ما شئت ويكفيه أن أعداءَهُ لم يجدوا في خلقته عيبًا واحدًا يعيبونه به، فكان - ﷺ - من أحسن الناس خُلُقًا وخَلْقًا.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى أصحابه ﵃ وهم يصفون لنا رسول الله - ﷺ -:\nيقول أنس - ﵁ - في وصف رسول الله - ﷺ -: \"كان رَبْعةً من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا آدم، ليسى بجعد قطط ولا سبطَ رجلٍ، أُنزل عليه وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، وقُبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء\" (٣).\nويقول البراء - ﵁ -: \"كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس وجهًا وأحسنهُ خَلْقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير\" (٤).\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم٣٥٦٠)، ومسلم (رقم ٢٣٢٧).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٣٢٨).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٣٥٤٧)، ومسلم (رقم ٢٣٤٧) واللفظ للبخاري.\n(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٤٨)، ومسلم (رقم ٢٣٣٧).","vol":"1","page":24},{"text":"وسئل البراء: \"أكان وجه النبي - ﷺ - مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر\" (١).\nويقول كعب بن مالك - ﵁ - وهو يُحدث عن تخلُفه عن غزوة تبوك: \"فلما سلمتُ على رسول الله - ﷺ - وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعةُ قمر وكنا نعرف ذلك منه\" (٢).\nويقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: \"كان النبي - ﷺ - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها\" (٣).\nويقول علي - ﵁ -: \"لم يكن النبي - ﷺ - بالطويل ولا بالقصير، شثن الكفين والقدمين، ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسرُبة، إذا مشى تكفأ تكفؤًا، كأنما ينحط من صبب، لم أر قبله ولا بعده مثله - ﷺ -\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>العنصر الرابع: أسمائه - ﷺ </span>-:\nيخبرنا - ﷺ - فيقول: \"لي خمسة أسماء: أنا محمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر الناس على قدميَّ -أي على أثري- وأنا العاقب والعاقب: الذي ليس بعده نبي\" (٥).\nويقول أبو موسى الأشعري - ﵁ -: \"كان رسول الله - ﷺ - يسمي لنا نفسه\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٥٥٢).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٥٥٦).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٣٥٦٢)، ومسلم (رقم ٢٣٢٠).\n(٤) \"مختصر الشمائل\" (رقم: ٤) للألباني.\n(٥) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٣٥٣٢)، ومسلم (رقم ٢٣٥٤) وتفسير العاقب عنده وحده.","vol":"1","page":25},{"text":"أسماءً فقال: أنا محمَّد، وأحمد، والمقفيِّ والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة\" (١).\nوقال البيهقي: وزاد بعض العلماء فقال: سماه الله في القرآن رسولًا، نبيًا، أميًا، شاهدًا، مبشرًا، نذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، ورؤوفًا، رحيمًا، ومذكرًا، وجعله رحمة، ونعمة وهاديًا\" (٢).\nومن أسمائه - ﷺ -: \"المذكر، والرحمة، والنعمة، والهادي، والشهيد، والأمين، والمزمل، والمدثر\"\nومن أسمائه أيضًا: \"المختار، والمصطفى، والشفيع، والمشفع، والصادق المصدوق\" (٣).\n\nعباد الله! ما هي أحوال الناس في مكة قبل مولده - ﷺ -؟ وما هي الأحداث العظام التي حدثت قبل مولده - ﷺ -؟\nهذا ما نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٣٥٥).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ٩) للألباني.\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٦٤٣ - ٦٤٤ تحت رقم ٣٥٣٣).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الخطبة الثالثة: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي - ﷺ </span>-\nعباد الله! يقول الله -﷿-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]؟\n\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة الحبيب محمَّد - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية:\n\nالعنصر الأول: أحوال مكة قبل بعثة النبي - ﷺ -.\n\nالعنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي - ﷺ -\n\nالعنصر الثالث: دروس وعظاتٌ وعبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>العنصر الأول: أحوال مكة قبل مولد النبي - ﷺ - وقبل بعثته</span>.\nالناس في مكة قبل بعثة النبي - ﷺ - كانوا في ضلال مبين؛ يتقلبون في\nظلمات الشرك والجهل.\nوالله -﵎- أخبرنا بأحوال الناس قبل بعثة النبي - ﷺ - فقال:","vol":"1","page":27},{"text":"﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].\nورسولنا - ﷺ - يخبرنا بأحوال الناس قبل بعثته فيقول - ﷺ -: \"ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ماجهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب .. الحديث\" (١).\nوها هو الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب - ﵁ - يصور لنا أحوال الناس في مكة قبل بعثة النبي - ﷺ -، فيقول للنجاشي: \"أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار .. \" (٢).\n\nعباد الله! فالناس في حاجة إلى أن يرسل الله -﵎- إليهم رسولًا يخرجهم من هذه الظلمات التي يتقلبون فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>العنصر الثاني: الأحداث العظام التي سبقت ميلاد النبي - ﷺ </span>-\nأولى هذه الأحداث: قصة حفر عبد المطلب لزمزم، والذي يخبرنا بهذه\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٨٦٥).\n(٢) \"فقه السيرة\" (ص ٣٤) للغزالي، تحقيق شيخنا الألباني - ﵀-.","vol":"1","page":28},{"text":"القصة هو الصحابي الجليل علي بن أبي طالب - ﵁ - فيقول: (قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة، قال: قلت: وما طيبة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برَّة. قال: فقلت: وما برَّة؟ قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغدُ رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة، قال: فقلت: وما المضنونة؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه؟ فجاءني فقال: احفر زمزم قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدًا -أي لا ينقطع ماؤها- ولا تُذم، تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل، فلما بُين له شأنها، ودل على موضعها، وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطيُّ كبَّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئرُ أبينا إسماعيل وإن لنا فيها حقًا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم؛ فقالوا له: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا: كاهنة بني سعد. قال: نعم، قال: وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة نفر من قريش.\nقال: والأرض إذ ذاك مفاوز، قال: فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فابوا عليهم، فقالوا: إنا بمفازة، ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أَصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما","vol":"1","page":29},{"text":"رأيُنا إلا تبعٌ لرأيك، فمُرنا بما شئت.\nقال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه، حتى يكون آخركم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركبٍ جميعًا، قالوا: نِعم ما أَمرتْ به، فقام كلُّ واحدٍ منهم فحفر حفرته، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت، لا نضرب في الأرض، ولا نبتغي لأنفسنا لعجز، فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا. حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به، انفجرت من تحت خفها عينٌ من ماء عذب، فكبَّر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلمّ إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا: قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبينها (١).\n\nعباد الله! حدث عظيم وما منكم إلا وقد شرب من هذا البئر، لا ينقطع أبدًا مهما أخذ منه، فهو يتدفق بأمر الله ﷾ يسقي الحجيج.\n\nعباد الله! ومن الأحداث التي حدثت قبل مولد النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) انظر \"مغازي ابن إسحاق\" (ص ٣)، \"سيرة ابن هشام\" (١/ ١٧٩ - ١٨١)، \"دلائل النبوة\" (١/ ٩٣) للبيهقي، \"وقفات تربوية\" \"السيرة النبوية الصحيحة\".","vol":"1","page":30},{"text":"قصة نذر عبد المطلب بأن ينحر أحد أبنائه.\n\nعن ابن عباس -﵄- أنه قال: \" .. كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط -أي أعطاه الله عشرة أولاد- أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرةٌ، أقرع بينهم أيهم ينحرُ، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله - ﷺ - وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل\" (١).\n\nعباد الله! والحادث يوحي بما خطهُ القدر الإلهي من ميلاد النبي - ﷺ - من أبيه عبد الله بن عبد الطلب، فقد حفظ اللهُ حياة عبد الله بما صرف عبد المطلب عن نحره.\nوتزوج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وحملت آمنة برسول الله - ﷺ -.\n\nعباد الله! ومن الأحداث العظام التي سبقت مولد النبي - ﷺ -، قصة أصحاب الفيل، وهذه القصة مشهورة تعرفونها وقد ثبتت في الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [سورة الفيل].\nقال ابن كثير -﵀-: هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل الذين كانوا قد عزموا على هدم\n_________\n(١) \"السيرة النبوية الصحيحة\" لأكرم ضياء العمري (ص ٩٣).","vol":"1","page":31},{"text":"الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله وأرغم آنافهم وخيب سعيهم وأضل عملهم، وردهم بشرِّ خيبة، وكانوا قومًا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأصنام، ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله - ﷺ -، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال. ولكن الله لم ينصر قريشًا على الحبشة لخيرتهم عليهم بل صيانة للبيت العتيق الذي شرفه الله وعظمه ووقره ببعثة خاتم الأنبياء محمد - ﷺ - (١).\n\nعباد الله! وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - تشير إلى قصة الفيل فمنها.\nقال - ﷺ -: \"فضل الله قريشًا بسبع خصال:\n١ - فضلهم بأن عبدوا الله سنين لا يعبده إلا قرشيٌ.\n٢ - وفضلهم بأن نصرهم يوم الفيل وهم مشركون.\n٣ - وفضلهم بأن نزلت فيهم سورة من القرآن لم يُدخل فيهم غيرهم (لإيلاف قريش)\n٤ - وفضلهم بأن فيهم النبوة.\n٥ - والخلافة.\n٦ - والحجابة.\n٧ - والسقاية\" (٢).\n_________\n(١) \"تفسير ابن كثير\".\n(٢) \"السلسلة الصحيحة\" (رقم ١٩٤٤).","vol":"1","page":32},{"text":"الشاهد: أنه نصرهم ﷾ على أصحاب الفيل وهم مشركون.\nولما خرج النبي - ﷺ - زمن الحديبية حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَل حَل- كلمة تقال للناقة إذا تركت السير -فألحت- أي تمادت على عدم القيام وهو من الإلحاح فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء -أي حرنت- فقال النبي - ﷺ -: \"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل\" (١).\nولما فتح الله -﷿- على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: \"إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين\" (٢)، وفي ذلك إشارة إلى قصة أصحاب الفيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>العنصر الثالث: دروس وعظات وعبر</span>.\nعباد الله! نقول على سبيل الاختصار:\n\nأولًا: الكعبة هي بيت الله وهي أول بيت وضع للناس، من حاول أن يعتدي عليها أهلكه الله ﷿.\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾ [الفيل: ١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].\nولذلك نقول لأعداء الإِسلام ولكل من يحاول أو تسول له نفسه أن\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١١٢)، ومسلم (رقم ١٣٥٥).","vol":"1","page":33},{"text":"يفكر أن يعتدي على مقدسات المسلمين أو على بيت الله، فإن الله -﵎- له بالمرصاد.\n\nثانيًا: الكعبة هي قبلة المسلمين والنبي - ﷺ - هو إمام المتقين.\nفانظروا عباد الله! كيف حفظ الله -﵎- الكعبة من أصحاب الفيل لأنها ستكون بعد بعثة النبي - ﷺ - هي القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم فحفظها ﵎.\nالنبي الكريم هو الذي يقود البشرية إلى سعادة الدنيا والآخرة ولذلك إذا أراد الله شيئًا هيأ له الأسباب، فمن الذي حفظ عبد المطلب وهو في الصحراء أن يموت عطشًا إنه هو الله لأنه سيخرج من هذا الرجل عبد الله وهو والد النبي - ﷺ -.\nومن الذي حفظ عبد الله من النحر والذبح إنه هو الله لأنه سيخرج من هذا الرجل رسول الله - ﷺ - الذي سعادة البشرية تتوقف بإرساله، والذي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتشرفوا بأنكم تنتموا إلى هذا الدين العظيم، وأنكم من أتباع سيد ولد آدم وهو محمَّد - ﷺ -.\n\nعباد الله! ها هو رسولنا - ﷺ - في بطن أمه في حفظ الله ورعايته، في أي عام ولد؟ وكيف ولد؟ وأين ولد؟ وكيف تربى؟ وأين تربى؟ وما هي الآيات الساطعات التي ظهرت عندما وضعته أمه، هذا الذي نعرفه في الجمع القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.\n\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الخطبة الرابعة: الآيات الجسام التي ظهرت ليلة مولده - ﷺ </span>-\nأيها الإخوة عباد الله! يقول الله -﷿-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].\n\nوموعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة الحبيب محمَّد - ﷺ -.\nوفي هذا اللقاء رسولنا - ﷺ - يخبرنا عن نفسه:\nجاء نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ قال: \"نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ﵉، ورأتْ أمي حين حملت بي؛ أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام\" (١).\nفمع هذا الحديث، نعيش وإياكم هذا اليوم.\n\nعباد الله! في قوله - ﷺ -: \"أنا دعوة أبي إبراهيم\".\nتعالوا بنا لنستمع إلى إبراهيم ﵇هناك عند الكعبة- وهو\nيدعو بهذه الدعوة.\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (١٥٤٥).","vol":"1","page":35},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].\n\nدعا إبراهيم ﵇، ومرت الأيام والأعوام وقد استجاب الله -تعالى- دعوته، وبعث في الأميين -أي: في العرب- رسولًا منهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].\n\nعباد الله! وفي قوله - ﷺ -: \"وبشرى عيسى\"، أي: وأنا بشرى عيسى ﵇، فها هو عيسى ﵇ يبشر أمته برسولنا - ﷺ -، والله ﵎ يخبرنا بذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].\n\nوأهل الكتاب من اليهود والنصارى يعلمون ذلك، وكانوا ينتظرون أن يخرج النبي منهم فلما خرج من العرب حسدوهم على ذلك وكفروا به، فإنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم رسولنا - ﷺ - بالبينات، قالوا هذا سحر مبين.\n\nعباد الله! ويقول - ﷺ -: \"ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نورٌ أضاء له قصور الشام\".\n\nعباد الله! لما نجا عبد الله بن عبد المطلب من الذبح وفداه عبد المطلب بمائة","vol":"1","page":36},{"text":"من الإبل زوجه من أشرف نساء مكة نسبًا، وهي آمنة بنت وهب، ولما حملت آمنة برسول الله - ﷺ -، سافر عبد الله بن عبد المطلب للتجارة، فأدركته منيته وهو راجع من سفره بالمدينة فدفن بها عند أخواله \"بني عدي بن النجار\" ولم ير الرسول - ﷺ - أباه.\n\nعباد الله! ولد - ﷺ - يتيمًا يوم الاثنين من شهر ربيع الأول\nقال أعرابي: يا رسول الله، ما تقول في صوم يوم الاثنين؟ فقال - ﷺ -: \"ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل عليَّ فيه\" (١).\nوكان مولده ﵊ عام الفيل وهو المجمع عليه.\nعن قيس بن مخرمة قال: \"ولدت أنا ورسول الله - ﷺ - عام الفيل\" (٢).\n\nعباد الله! أما الآيات التي ظهرت ليلة مولده ﵊:\nعن حسان بن ثابت - ﵁ - قال: والله، إني لغلام يفعةٌ -أي: إذا شبَّ ولم يبلغ-، ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كلَّ ما سمعت، إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمةً بـ (يثرب): يا معشر يهود! حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك مالك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به\" (٣).\nترقب بدقة من اليهود من قبل أن يولد رسول الله ﷺ، وبعد أن ولد رسول الله - ﷺ -، وبعد أن بعث - ﷺ - واليهود يحسدون العرب على ما منّ الله ﵎ عليهم ببعثة هذا الرسول الكريم.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١١٦٢).\n- فائدة: وفي هذا بيان للاحتفال الشرعي بمولده وهو صوم يوم الاثنين، وليس كما يفعل المبتدعة من الاحتفال السنوي بمولده وما يكون فيه من مخالفات شرعية.\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٣).\n(٣) قال الشيخ الألباني في \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ١٤): \"إسناده حسن\".","vol":"1","page":37},{"text":"وعن أسامة بن زيد -﵁ - قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل، قال لي حبر من أحبار الشام: \"قد خرج في بلدك نبي، أو هو خارج، قد خرج نجمه، فأرجع فصدقه واتبعه\" (١).\n\nعباد الله! ومن الآيات التي ظهرت عند ولادته - ﷺ -، أن أمه رأت نورًا خرج منها أضاء لها قصور الشام، كما قال - ﷺ -: \"ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام\" (٢).\nقال ابن رجب - ﵀-: \"وخروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض وأزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف:١٥٧] (٣).\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].\nوقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف:٨ - ٩].\n_________\n(١) إسناده حسن قاله الشيخ الألباني - ﵀- في \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ١٤).\n(٢) مضى تخريجه (ص٣٦).\n(٣) \"لطائف المعارف\" (٨٩).","vol":"1","page":38},{"text":"عباد الله! وفي قوله - ﷺ -: \"أضاء له قصور الشام\". قال ابن كثير - ﵀-: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله وبها ينزل عيسى ابن مريم ليكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويحكم في الناس بشريعة الإِسلام، ولهذا جاء في \"الصحيحين\" عن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (١).\nوالشام هي أرض فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وجزء من العراق، وهذه أرض مباركة قد بارك الله فيها في كتابه الكريم في ثلاثة مواضع:\n\nالموضع الأول: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].\n\nالموضع الثاني: قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١].\n\nالموضع الثالث: قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١].\nقال ابن جرير الطبري: الأرض التي باركنا فيها، يعني الشام.\n_________\n(١) وفي \"صحيح البخاري\" رقم (٣٦٤١): (وهم بالشام) من قول معاذ - ﵁ -، وانظر\n\"صحيح مسلم\" (١٩٢٠)، \"تفسير ابن كثير\" (١/ ١٨٤).","vol":"1","page":39},{"text":"عباد الله! وجاءت الأحاديث النبوية الكثيرة تخبر عن فضائل الشام.\nيقول - ﷺ -: \"طوبى لأهل الشام، طوبى لأهل الشام، طوبى لأهل الشام قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قالﷺ -: \"تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام\" (١).\nوقال - ﷺ -: ستُجندون أجنادًا، جند بالشام، وجند بالعراق وجند باليمن\"\nفقام رجل فقال: خر لي يا رسول الله! فقال: \"عليكم بالشام .. فإن الله -﷿- قد تكفل لي بالشام وأهله\".\nقال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث. يقول: \"ومن تكفل الله به فلا ضيعه عليه\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"إني رأيت عمود الكتاب، انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عُمدَ به إلى الشام، ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة\" (٤).\nنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من الطائفة المنصورة.\n\nعباد الله! قد سمعتم عن الآيات التي أخبرنا الله فيها أنه قد بارك في بلاد الشام وقد سمعتم عن الأحاديث التي قد جاءت تتكلم عن فضل الشام، وهاهم اليهود يدنسون بلاد الشام فما من تبرج ولا شرك ولا فساد إلا\n_________\n(١) \"فضائل الشام\" للربعي تحقيق شيخنا الألباني (ص ١٢).\n(٢) \"فضائل الشام\" للربعي تحقيق شيخنا الألباني (ص ١٣).\n(٣) \"فضائل الشام\" للربعي تحقيق شيخنا الألباني (ص ١٤).\n(٤) \"فضائل الشام\" للربعي تحقيق شيخنا الألباني (ص ١٩).","vol":"1","page":40},{"text":"ووراءه اليهود.\n\nعباد الله! إن الله لا ينصر قوم حتى ينصروه في أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].\n\nأما آن الأوان يا أمة الإِسلام عامة، ويا أهل الشام خاصة، أن نعود إلى الله؟ أظن أنه قد آن الأوان.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].\n\nاللهم أعز الإِسلام والمسلمين.","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الخطبة الخامسة: ميلاده - ﷺ - ونشأته</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -.\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>العنصر الأول: ميلاد المصطفى - ﷺ - ونشأته</span>.\nالعنصر الثاني: رسولنا - ﷺ - في مهمة تجارية إلى بلاد الشام.\n\nالعنصر الثالث: الله -﷿- يحفظ رسوله - ﷺ - في شبابه من أقذار الجاهلية.\n\nالعنصر الرابع: دروس وعظات وعبر.\n\nالعنصر الأول: ميلاد المصطفى - ﷺ - ونشأته.\nولد - ﷺ - يتيمًا في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول وذلك عام الفيل، وأول من أرضعته ثويبة أمَة عمه أبي لهب (١).\nثم استُرضع - ﷺ - في بني سعد بن بكر، وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون أنجب للولد.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم ٥١٠١)، ومسلم (رقم ١٤٤٩)، وانظر \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ١٥) لشيخنا الألباني - ﵀-.","vol":"1","page":42},{"text":"فجاءت نسوةٌ من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالًا يرضعنهم فكان - ﷺ - من نصيب حليمة السعدية.\nوهناك في بادية بني سعد بن بكر حصلت له - ﷺ - حادثة شق الصدر.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخبرنا عن ذلك.\nجاء نفر من الصحابة - ﵃ - إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك. قال: \"نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأتْ أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينما أنا مع أخٍ لي خلف بيوتنا نرعى بَهمًا لنا، إذ أتاني رجلان -عليهما ثياب بيض- بطست من ذهب، مملوء ثلجًا، ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقاه، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زِنه بعشرة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال: زمنه بألف من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، فقال: دعه عنك فوالله لو وزنته بأمته لوزنها\" (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة [سوداء] فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طَسْت من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمَه، ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمِّه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون.\n_________\n(١) صحيح، \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (١٦).","vol":"1","page":43},{"text":"قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره (١).\nبعد هذه الحادثة أشفقت مرضعته عليه فأعادته إلى أمه، وعاش - ﷺ - عند أمه ومرت الأيام والسنين وأخذته أمه وذهبت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه؛ بني عدي بن النجار وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق، فماتت بالأبواء- قرية بين مكة والمدينة- ودفنت هناك.\n\nعباد الله! وعاد الرسول - ﷺ - وقد نزل من بطن أمه يتيمًا لم ير أباه، وها هو قد فقد أمه، ثم عاد إلى جده عبد المطلب وكفله جده، ورق له رقةً لم تعهد له في ولده، ومرت الأعوام ثم توفي عبد المطلب وكان عمر النبي - ﷺ - ثماني سنوات فكفله شقيق أبيه أبو طالب وكان به رحيمًا وكان أبو طالب مُقلًا في الرزق، فعمل النبي - ﷺ - برعي الغنم؛ مساعدةً منه لعمه.\nفقال - ﷺ -: \"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم\"، فقال أصحابه: وأنت، فقال: \"نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة\" (٢).\nوسئل - ﷺ -: أكنت ترعى الغنم؟ قال: \"نعم وهل من نبي إلا رعاها\" (٣).\nثم بعد ذلك اشتغل رسول الله - ﷺ - بالتجارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>العنصر الثاني: رسولنا - ﷺ - في مهمة تجارية إلى بلاد الشام</span>.\nعن أبي موسى الأشعري قال: \"خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٨).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٢٦٢).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٣٤٠٦)، ومسلم (٢٠٥٠).","vol":"1","page":44},{"text":"الله - ﷺ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب -يعني: بحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي - ﷺ - فقال: هذا سيد العالمين، وهذا رسول رب العالمين. يبعثه الله رحمةً للعالمين.\nفقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه، ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به -وكان هو في رعية الإبل- فقال: أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.\nقال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم، إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه.\nقال: فهل خلفكم أحدٌ هو خير منكم؟ قالوا: لا، إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه؟ هل يستطيع أحدٌ من الناس رده؟ فقالوا: لا. قال: فبايعوا وأقاموا معه عنده قال: فقال الراهب:","vol":"1","page":45},{"text":"أنشدكم الله أيكم وليه؟\nقالوا: أبو طالب. فلم يزله يناشده حتى ردّه.\n... وزوّده الراهب من الكعك والزيت\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>العنصر الثالث: الله -﷿- يحفظ رسوله - ﷺ - في شبابه من\nأقذار الجاهلية</span>.\nحادثة شق الصدر هي تطهير لرسولنا - ﷺ - من حظ الشيطان ولذلك لم يتلوث رسول الله - ﷺ - في شبابه بأقذار الجاهلية.\nومن الأمثلة على ذلك:\n\nأولًا: صانه الله -﷿- عن شرك الجاهلية، وعبادة الأصنام.\nعن زيد بن حارثة قال: كان صنم من نحاس- يقال له: (إساف) و(نائلة). يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله - ﷺ - طفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تمسه\" قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون فمسحته، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ألم تنه؟! \" قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنمًا قط حتى أكرمه الله- تعالى- بالذي أكرمه وأنزل عليه\" (٢).\nوقالﷺ - لخديجة: أي خديجة، والله لا أعبدُ اللات والعزى\" (٣).\n_________\n(١) صحيح، انظر \"صحيح الترمذي\" (٣٨٦٢)، \"فقه السيرة\" تحقيق الألباني، \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ٢٩ - ٣١) الألباني.\n(٢) قال الألباني: إسناده حسن. انظر \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ٣٢).\n(٣) رواه أحمد في \"مسنده\" وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٢٥): \"رجاله رجال الصحيح\".","vol":"1","page":46},{"text":"ثاثيًا: حفظ الله -تعالى- رسوله - ﷺ - من أن يأكل الذي ذُبِحَ على النصب -أي: التي يذبحونها لغير الله-.\nفكان - ﷺ - لا يأكل ما ذبح على النصب، ووافقه في ذلك زيد بن عمرو ابن نفيل.\nعن عبد الله بن عمر -﵄- أن النبيﷺ - لقى زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل (بلدح) -واد قبل مكة أو جبل بطريق جده- قبل أن ينزل على النبي - ﷺ - الوحي، فَقُدِّمتْ إلى النبيﷺ - سُفرةٌ، فأبى أن يأكل منها. ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له\" (١).\n\nثالثًا: حفظ الله -تعالى- رسوله - ﷺ - من أن تبدو عورته أو يظهر عريانًا.\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: لما بُنيت الكعبة ذهب النبي - ﷺ - وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس لرسول الله - ﷺ -: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق. فقال: إزاري إزاري فشُدَّ عليه إزاره وفي لفظ قال: \"فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيًا عليه فما رؤي بعد ذلك عريانًا - ﷺ - (٢).\n\nرابعًا: وفق الله رسوله - ﷺ - للوقوف بعرفة قبل البعثة، مخالفة لما ابتدع\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٨٢٦).\n(٢) متفق عليه أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٣٦٤)، ومسلم (رقم ٣٤٠).","vol":"1","page":47},{"text":"قومه من رأي الحُمس -والأحمسُ الشديد على دينه- وكانت قريش تسمى الحُمُسْ وكان الشيطان قد استهواهم فقال لهم: إنكم إذا عظمتم غير حَرَمِكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يقفون بعرفة يوم عرفة، وكان سائر الناس تقف بعرفة، وكانت شريعة محمَّد - ﷺ - بعد ذلك الوقوف بعرفة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩].\nوعن محمَّد بن جبير عن أبيه جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرًا لي، فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي - ﷺ - واقفًا بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا\" (١).\nفكان رسول الله - ﷺ - يقف بـ (عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله تعالى له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>العنصر الرابع: دروسٌ وعظات وعبر</span>.\nأولًا: في قوله - ﷺ -: \"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم\".\nوفي ذلك إشارة على أن الرجال لا يقعدون عالة على الناس بل يعملون ليأكلوا من عمل أيديهم، فالأنبياء يعملون في رعي الغنم ليكتسبوا مالًا يعيشون منه ولم يجلسوا متواكلين عالة على القوم.\nوفيه إشارة إلى الإحسان إلى الحيوان.\nوفيه إشارة أن الذين يرعون الغنم ويحافظون عليها، ويصبرون عليها ويرحمونها؛ يستطيعون بعد ذلك أن يرعوا الأمم والشعوب، ولذلك ما من\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ١٦٦٤)، ومسلم (رقم ١٢٢٠).","vol":"1","page":48},{"text":"نبي إلا وقد رعى الغنم في بداية حياته؛ لأن من وفق في رعي الغنم وفق في رعاية الأمم والشعوب.\nوعليه فإنه عندما بعث رسولنا - ﷺ - رعى الأمة وحافظ عليها، وأخذ بأيد الأمة ناصحًا أمينًا يقودها إلى جنة عرضها السموات والأرض.\n\nثاتيأ: وفي قول الراهب بحيرى لأبي طالب: إني أخاف على هذا النبي من اليهود والروم؛ دليل على عداوة اليهود والنصارى للنبيﷺ - قبل بعثته وبعد بعثته، وقد أخبرنا الله بعداوتهم في كتابه فقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧].\nفأهل الكتاب عامة واليهود خاصة يبغضون رسول الله - ﷺ - والمسلمين ويعملون بالليل والنهار للقضاء على الإِسلام والمسلمين، وكما سيمر معنا في الحديث عن السيرة المحاولات الكثيرة التي حاولتها اليهود ليتخلصوا من رسول الله - ﷺ - وعلى سبيل المثال:\nيقول أبوهريرة - ﵁ -: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - ﷺ - شاة فيها سم. فقال رسول الله - ﷺ -: \"اجمعوا إليَّ من كان ها هنا من اليهود\"، فجُمعوا له. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيَّ عنه؟ \" فقالوا: نعم يا أبا القاسم: فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"من أبوكم\" قالوا: أبونا فلان.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"كذبتم، بل أبوكم فلان\" فقالوا: صدقت وبررت،","vol":"1","page":49},{"text":"فقال: \"هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ \". فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"من أهل النار؟ \". فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها. فقال - ﷺ -: \"اخسئوا فيها، والله لا نخلفكنم فيها أبدًا. ثم قال لهم: \"هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ \" قالوا: نعم. فقال: \"هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ \" فقالوا: نعم فقال: \"ما حملكم على ذلك؟ \" فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك\" (١)\nقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [لمائد ة: ٨٢].\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٩، ٥٧٧٧).","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الخطبة السادسة: الأحداث الجسام قبل بعثة النبي - ﷺ </span>-\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول الأحداث الجسام التي كانت قبل بعثة المصطفى - ﷺ -.\nعباد الله! وسنقتصر في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- على ثلاثة أحداث فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>الحدث الأول: شهوده - ﷺ - حلف الفضول</span>.\nالحدث الثاني: زواجه - ﷺ - من خديجة -﵂ -.\n\nالحدث الثالث: بناء الكعبة وقضية التحكيم.\n\nالحدث الأول: شهوده - ﷺ - حلف الفضول.\nعباد الله! أما شهوده - ﷺ - حلف الفضول فقد قال - ﷺ -: \"شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحبه أن أنكثه، وأن لي حمر النعم\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته\" (٢).\n\nعباد الله! والمراد بحلف المطيبين في الأحاديث هو حلف الفضول، وهذا الحلف كان في دار عبد الله بن جدعان، فاجتمعوا وتعاهدوا ألا يجدوا بمكة\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (١٩٠٠)، \"صحيح السيرة النبوية\" للألباني (ص ٣٥).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" للألباني (ص ٣٥).","vol":"1","page":51},{"text":"مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها إلا قاموا معه، وكانوا على الظالم حتى يردوا عليه مظلمته.\nفهو تحالف على التناصر قبل الإِسلام والأخذ للمظلوم من الظالم.\nالله أكبر: في الجاهلية قبل الإِسلام الناس لا يحبون الظلم ويقفون في وجه الظالم، فما بالنا في هذا القرن قرن الحضارة والتقدم -زعموا- لا أرى أحدًا يقف في وجه الظالم، ويقول له اتق الله، ولا أحد يقف مع المظلوم، ولكن نقول لا غرابة في ذلك فالكفار ملة واحدة اجتمعوا على إبادة الإِسلام والمسلمين، ولكن لن يصلوا أبدًا إلى ما أرادوا، فالأمة الإِسلامية إن رجعت إلى دينها استطاعت أن تسير بهذا العالم إلى سعادة الدنيا والآخرة، أما يوم أن انصرفت الأمة عن دينها -إلا من رحم ربي- فكان ما كان.\nفيا أمة الإِسلام عودوا إلى دينكم، فرسولنا - ﷺ - يقول: \"إذا تبايعتم بالعينة (١) وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\" (٢).\nفالنصر لا يأتِ إلا من عند الله قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الحدث الثاني: زواجه - ﷺ - من خديجة -﵂ </span>-.\nعباد الله! أما زواجه - ﷺ - من خديجة - ﵂ - فقد كان - ﷺ - في بداية حياته يرعى الغنم. قال - ﷺ -: \"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم\" فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: \"وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط\" (٣)، ثم اشتغل - ﷺ - بعد ذلك بالتجارة.\n_________\n(١) العينة: أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل من ذلك القدر، يدفعه نقدًا، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: \"فهذا مع التواطؤ يبطل البيعين؛ لأنها حيلة\".\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٤١٦)، \"السلسلة الصحيحة\" (رقم ١١)\n(٣) رواه البخاري (رقم ٢٢٦٢).","vol":"1","page":52},{"text":"عباد الله! \"كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستاجر الرجال من مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا فلما بلغها عن رسول الله - ﷺ - ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجر أو تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبله رسول الله - ﷺ -، وخرج في مالها ذلك وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام\" (١).\n\nعباد الله! ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من البركة ما لم تر قبل هذا، وأُخبرت بشمائله الكريمة وجدت ضالتها المنشودة فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها، وهذه ذهبت إليه تفاتحه أن يتزوج خديجة فرضي بذلك، وكلم أعمامه فذهبوا إلى عم خديجة وخطبوها إليه وعلى إثر ذلك تم الزواج، وكان سنها إذ ذاك أربعين سنة.\nوكانت يومئذ أفضل نساء قومها نسبًا وثروة وعقلًا، وهي أول امرأة تزوجها رسول الله - ﷺ -، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت - ﵂ - وكل أولاده منها سوى إبراهيم\" (٢).\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنتعرف على أم المؤمنين خديجة -﵂ - من خلال الأحاديث والآثار الصحيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أولًا: منزلة خديجة من نساء العالمين</span>.\nقال - ﷺ -: \"حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت\n_________\n(١) \"سيرهَ ابن هشام مع الروض الأنف\" (١/ ٢١٢).\n(٢) \"وقفات تربوية\" (ص ٥٥).","vol":"1","page":53},{"text":"خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية امرأة فرعون\" (١)، وقال - ﷺ -: \"خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد\" (٢).\nومعنى خير نسائها: أي: أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>ثانيًا: منزلة خديجة عند رسول الله - ﷺ </span>-.\nقالت عائشة -﵂ -: \"ما غرت على نساء النبي - ﷺ - إلا على خديجة وإني لم أدركها\"، قالت: وكان رسول الله - ﷺ - إذا ذبح الشاة فيقول: \"أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة\" قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني قد رزقت حبها\" (٣).\nوقالت عائشة -﵂-:- \"ما غرت للنبيﷺ - على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط\" (٤)، وقالت عائشة -﵂ -: \"لم يتزوج النبي - ﷺ - على خديجة حتى ماتت\" (٥).\nوقالت عائشة -﵂-: \"استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله - ﷺ - فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك، فقال: اللهم! هالة بنت خويلد، فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرًا منها\" (٦)\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (٣٠٥٣).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٤٣٢) ومسلم (رقم ٢٤٣٠).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٤٣٥).\n(٤) رواه مسلم (رقم ٢٤٣٥).\n(٥) رواه مسلم (رقم ٢٤٣٥ بعد ٧٦).\n(٦) رواه البخاري (رقم ٣٨٢١) ومسلم (رقم ٢٤٣٦).","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>ثالثًا: منزلة خديجة في الجنة:</span>\nعن ابن عباس -﵄- قال: خط رسول الله - ﷺ - في الأرض أربعة خطوط، قال: \"تدرون ما هذا؟ \" فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>رابعًا: جبريل ﵇ يقرئ خديجة السلام من ربها ويبشرها بقصر في الجنة:</span>\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>خامسًا: </span>خديجة -﵂- هي التي قالت لرسول الله - ﷺ - عندما نزل عليه الوحي في غار حراء: \"كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؟ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق\" (٣).\nوهي -﵂- التي آمنت به وصدقته، ووقفت معه تواسيه بنفسها وبمالها.\n_________\n(١) صحيح رواه أحمد (٢٦٦٨).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٨٢٠)، ومسلم (رقم ٢٤٣٢).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٣)، ومسلم (رقم ١٦٠).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الحدث الثالث: بناء الكعبة وقضية التحكيم</span>.\nعباد الله! أما بناء الكعبة وقضية التحكيم. فكانت قبل بعثة النبي - ﷺ - بخمس سنوات على الراجح. فالله -﷿- يقول في كتابه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧].\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن أول مسجد وضع في الأرض. قال: \"المسجد الحرام\" قلت: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\" قلت: وكم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" (١).\nفيا أمة الإِسلام! كما أنكم لا تقصّرون أبدًا في بيت الله الحرام، فاحذروا أن تقصِّروا في المسجد الأقصى، فالله سائلكم يوم القيامة عن تقصيركم في هذا المسجد الذي دنسته اليهود على مسمع من الجميع.\n\nعباد الله! وأما قصة بناء البيت الحرام فهي:\nقال ابن عباس -﵄-: \"ولما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان جاء إبراهيم بها -أي بأم إسماعيل- وبابنها إسماعيل- وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحدٌ، وليس بها ماء، فوضعها هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتف إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٣٣٦٦)، ومسلم (رقم ٥٢٠).","vol":"1","page":56},{"text":"رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، وأخذت أم إسماعيل تنتقل من الصفا إلى المروة فعلت ذلك سبع مرات إلى أن ظهر الماء بإذن الذي يقول للشيء كن فيكون، فشربت أم إسماعيل وأرضعت ولدها فقال لها الملك -وهو جبريل ﵇- لا تخافوا الضيعة فإن ها هنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله\"\nومرت الأيام وكبر إسماعيل ﵇ - وتزوج وكان إبراهيم ﵇ يذهب لزيارتهم أحيانًا، ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.\nقال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ (١).\n_________\n(١) انظر كتاب \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٤٠ - ٤٢).","vol":"1","page":57},{"text":"عباد الله! ومرت الأيام وانهدم البيت بسبب الأمطار أو بحريق أصابه، فبنته قريش وشارك النبي - ﷺ - في بناء الكعبة.\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: \"لما بُنيت الكعبة ذهب النبي - ﷺ - والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي - ﷺ -: اجعل إزارك على رقبتك تقك من الحجارة فخرّ إلى الأرض وطمحت عينه إلى السماء ثم أفاق فقال: إزاري إزاري، فشد عليه إزاره\".\n\nعباد الله! قريش تبني في البيت ولما وصلوا إلى المكان الذي يوضع فيه الحجر الأسود تشاجروا من يضعه؟ فاتفقوا أن يحكم بينهم أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله - ﷺ - من باب بني شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله - ﷺ - فوضعه\" (١).\nوسألت عائشة -﵂- رسول الله - ﷺ - عن الحِجْر أمن البيت هو؟ قال: \"نعم\" قالت: فلم لم يدخلوه في البيت؟ قال: \"إن قومك قصرت بهم النفقة\" قالت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: \"فعل ذلك قومك لِيُدخلوا من شاؤوا، ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجَدْرَ -أي الحجر- في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض\" (٢).\n\nاللهم زد الكعبة شرفًا وتكريمًا.\n_________\n(١) انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٤٤).\n(٢) \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٤٣).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الخطبة السابعة: البشارات بنبوة النبيﷺ - قبل بعثته</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -.\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون حول البشارات التي جاءت تخبر بنبوة محمَّد - ﷺ - قبل بعثته.\nأمة الإسلام! رسولنا محمَّد - ﷺ - في الملأ الأعلى، خاتم النبيين من قبل خلق آدم ﵇.\nسئل - ﷺ -: متى كتبت نبيًا؟ قال: \"كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد\" (١).\nوسئل - ﷺ -: متى وجبت لك النبوة؟ قال: \"بين خلق آدم ونفخ الروح فيه\" (٢).\nثم جاءت البشارات من جميع الأنبياء، وفي الكتب السماوية، ومن علماء أهل الكتاب تخبر بنبوة محمَّد - ﷺ - قبل بعثته، فتعالوا بنا يا عباد الله! لنستمع إلى هذه البشارات.\n\nأولًا: ليزداد الذين آمنوا إيمانًا.\n\nثانيًا: ليكون ذلك حافزًا لإيمان أهل الكتاب عندما يقرأون أو يسمعون\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (١٨٥٦).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٥٤).","vol":"1","page":59},{"text":"التبشير ببعثته - ﷺ - في كتبهم وعلى لسان جميع الرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>أولًا: بشارات الأنبياء بنبوة محمَّد - ﷺ </span>-.\nبشرى في دعوة إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩] [البقرة:١٢٩].\nوبشرى عيسى ﵇، قالت تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ [الصف: ٦].\nوقال الصحابة - ﵃ -: يا رسول الله! أخبرنا عن نفسك قال - ﷺ -: \"نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ﵇ ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور الشام\" (١).\n\nعباد الله! فذكره - ﷺ - دعوة إبراهيم - ﵇ - الذي تنسب إليه العرب، ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل يدل هذا على أن من بينهما من الأنبياء بشروا به أيضًا، وقد أخبرنا الله بذلك في كتابه فقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (١٥٤٥)، \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٦)، وقد مضى (ص ٣٦).","vol":"1","page":60},{"text":"الشَّاهِدِينَ (٨١)﴾ [آل عمران: ٨١].\nقال ابن عباس -﵄-: \"ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق: \"لئن بعث محمَّد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بعث محمَّد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه\" (١). وفي هذا دليل يا عباد الله! أن جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بشروا برسولنا - ﷺ - وأمروا باتباعه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>ثانيًا: بشارات الكتب السماوية بنبوة محمَّد - ﷺ </span>-.\nأخبرنا الله -﷿- في كتابه أن محمدًا - ﷺ - بشر به في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nوقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٥٢).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٥٢).","vol":"1","page":61},{"text":"فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].\nومن الأمثلة على ذلك: أن محمدًا - ﷺ - بشر به في التوراة والإنجيل:\n\n١. عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، قال: أجل؛ والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء؟ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا\" (١).\nولكن لماذا لم يؤمنوا به؟ حسدًا من عند أنفسهم.\n\n٢. دخل النبي - ﷺ - على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها، يعزي بها على نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أنشدك بالذي أنزل التوراة؛ هل تجدني في كتابك ذا، صفتي ومخرجي؟ \" فقال برأسه هكذا؛ أي: لا. فقال ابنه: أي والذي أنزل التوراة؛ إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال - ﷺ -: \"أقيموا اليهودي عن أخيكم\" ثم ولي كفنه\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (رقم٢١٢٥)، \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٧٧).","vol":"1","page":62},{"text":"والصلاة عليه (١).\nالشاهد: أن هذا الفتى في اللحظات الأخيرة قال: إي والله إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ولكن كتموا ذلك حسدًا وبغيًا.\n\n٣. وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبي - ﷺ - يومًا وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم فقال - ﷺ - لهم: \"يا معشر اليهود! أروني اثني عشر رجلًا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليهم\"، قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحدٌ! ثم رد عليهم، فلم يجبه منهم أحد فقال - ﷺ -: \"أبيتم! فوالله، إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم\" ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمَّد! فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله؟ ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. فقالوا: كذبت! ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شرًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفًا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأما إذ آمن فكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم\"، قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله - ﷺ -، وأنا،\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٧٣).","vol":"1","page":63},{"text":"وعبد الله بن سلام وأنزل الله تعالى فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠] (١).\n\nالشاهد يا عباد الله! أن عبد الله بن سلام علم من التوراة أن هذه الصفات التي جاء بها محمَّد - ﷺ - موجودة عندهم في التوراة، فلما وجدها في رسول الله - ﷺ - آمن وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وخرج مع رسول الله - ﷺ - فالحمد لله على نعمة الإِسلام والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>ثالثًا: بشارات علماء أهل الكتاب بنبوة محمَّد - ﷺ </span>-\nالله ﷿ يخبرنا بذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٣]\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] وقال تعالى عن القسيسين والرهبان: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٤].\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (٨٥ - ٨١).","vol":"1","page":64},{"text":"ومن الأمثلة على ذلك:\n\n١. سلمان الفارسي - ﵁ - أخبر في قصة إسلامه الطويلة:\n\"أنّ راهب النصارى عندما حضرته الوفاة طلب منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: أي بني والله ما أعلمه بقي أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبيٍّ يُبعث من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه\".\n\"ثم قص سلمان خبر قدومه إلى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله حين الهجرة، وإعطاءه له طعامًا على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول، ثم إعطاءه له طعامًا على أنه هدية وأكله منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه وإسلامه على أثر ذلك\" (١).\n\n٢. وقال هرقل ملك الروم: \"فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم إني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه\" (٢).\n\n٣. وقال رجال من الأنصار: \"إن مما دعانا إلى الإِسلام -مع رحمة الله تعالى\n_________\n(١) \"السيرة النبوية الصحيحة\" العمري (ص ١٢٢)، و\"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٧٠).\n(٢) رواه البخاري (٧).","vol":"1","page":65},{"text":"وهداه لنا- لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن؛ نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسول الله - ﷺ - أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩] \" (١).\n\n٤. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي: هل تدري عمّ كان إسلام ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعيد، وأسد بن عبيد؟ - نفر من بني هدل إخوة بني قريظة؛ كانوا معهم في جاهليتهم، ثم كانوا سادتهم في الإِسلام- قال: قلت: لا والله. قال: فإن رجلًا من اليهود من أرض الشام يقال له: ابن الهيِّبان قدم علينا قبل الإِسلام بسنين، فحلّ بين أظهرنا، لا والله؛ ما رأينا رجلًا قط لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان! فاستسق لنا. فيقول: لا والله؟ حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة.\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٥٧).","vol":"1","page":66},{"text":"فنقول: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير. قال: فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا، فوالله، ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقى. قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث.\nقال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر يهود! ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف (١) خروج نبي قد أظلكم زمانه، هذه البلدة مهاجرة، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.\nفلما بعث رسول الله - ﷺ -، وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية- وكانوا شبابًا أحداثًا-: يا بني قريظة! والله، إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان. قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله؛ إنه لهو بصفته. فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم (٢).\n\nعباد الله! أخبار وأدلة كثيرة تبشر برسولنا - ﷺ -، أردنا أن نذكر بها قبل أن نتكلم عن مرحلة بدء الوحي والبعثة التي يُبعث فيها النبي - ﷺ -، لتزدادوا إيمانًا مع إيمانكم، ولتعلموا أن دينكم هو الحق، وأن رسولكم هو الحق، فتتمسكوا بدينكم وبسنة نبيكم، ولتثبتوا عند الفتن.\n_________\n(١) أي: أتوقع وأنتظر.\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (٦٠ - ٦١).","vol":"1","page":67},{"text":"فيا عباد الله! احمدوا الله أن جعلكم من المسلمين، فعزتكم في دينكم، وإن طلبتم العزة بغير الإِسلام أذلكم الله.\nفقد قال عمر - ﵁ -: كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.","vol":"1","page":68},{"text":"٥<span data-type=\"title\" id=toc-32>الخطبة الثامنة: إشراق شمس النبوة</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -.\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن إشراق شمس النبوة؛ عن مرحلة بدء الوحي.\n\nأمة الإِسلام! رسولنا - ﷺ - يقترب سنه من الأربعين سنة، وكان - ﷺ - قبل البعثة يسلم عليه الحجر والشجر والجبال.\nعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسَلِّم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن\" (١).\nوعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله! \".\nوفي رواية: \"لقد رأيتني أدخل معه الوادي، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليكم يا رسول الله! وأنا أسمعه\" (٢).\n\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - قبل البعثة كان يحب الخلاء والعزلة والانفراد عن قومه، لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام وقويت محبته للخلوة عند اقتراب نزول الوحي، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح كل ذلك مقدمات النبوة.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٢٧٧).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص٩٥).","vol":"1","page":69},{"text":"عباد الله! بعث رسول الله - ﷺ - وعمره أربعون سنة.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين\" (١).\nونزل الوحي على رسولنا - ﷺ - أول ما نزل يوم الاثنين، فقد سئل - ﷺ - عن صوم يوم الاثنين فقال: \"ذاك يوم ولدت فيه، ويوم أنزل عليّ فيه\" (٢).\nوالمشهور أنه - ﷺ - بعث في شهر رمضان، واستدل ابن إسحاق على ذلك بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٥].\nوقال - ﷺ -: \"أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\" (٣).\n\nفيا عباد الله! رسولنا - ﷺ - نزل الوحي عليه عندما بلغ أربعين سنة، وكان ذلك في يوم الاثنين من شهر رمضان، والوحي الذي ينزل على رسولنا - ﷺ - هو الوحي الذي كان ينزل على جميع الأنبياء السابقين.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساءة ١٦٣].\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٠٢)، ومسلم (رقم ٢٣٥١).\n(٢) رواه مسلم (رقم ١١٦٢).\n(٣) \"السلسلة الصحيحة (١٥٧٥).","vol":"1","page":70},{"text":"أمة الإِسلام! رسولنا - ﷺ - هناك في غار حراء يعبد ربه ويخلو وحده.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى قصة بدء الوحي.\nعن أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: \"أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار (حراء)، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارئ\". قال: \"فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]. فرجع بها رسول الله - ﷺ - يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد -﵂- فقال: \"زملوني زملوني\". فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- \"لقد خشيت على نفسي\" فقالت خديجة: كلا، أبشر؛ فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت على ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى -ابن عم خديجة- وكان امرءًا قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل","vol":"1","page":71},{"text":"بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي.\nفقالت له خديجة: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى! فأخبره رسول الله - ﷺ - خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس -وهو جبريل ﵇- الذي كان ينزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا -أي شابًا- ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أو مخرجي هم؟ \" فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي\" (١).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذا الحديث فهي كثيرة؛ نقول على سبيل المثال:\n\nأولًا: في الحديث فضل اعتزال أهل الشرك والسوء والمعاصي.\nقال- تعالى- حاكيًا عن إبراهيم ﵇ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٨ - ٤٩]، وقال تعالى حاكيًا عن موسى ﵇: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ [الدخان: ٢١]. وقال ربنا -جل وعلا- لرسوله - ﷺ -: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣، ٤٩٥٣)، انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص٨٥ - ٨٦).","vol":"1","page":72},{"text":"فعلى المسلم أن يعتزل أهل الشرك والفسوق والعصيان لأنه إن جلس معهم سيتأثر بهم، ولذلك كان لقمان الحكيم يقول لابنه: يا بني! اختر المجالس على عينك، فإن وجدت قومًا يذكرون الله فاجلس معهم، فإن كنت عالمًا نفعك علمك، وإن كنت جاهلًا علموك، ولعل الله أن يطلع عليهم برحمة فتصيبك معهم، وإن وجدت قومًا لا يذكرون الله فلا تجلس معهم فإن كنت عالمًا لم ينفعك علمك، وإن كنت جاهلًا زادوك غيًا ولعل الله أن يطلع عليهم بنقمة فتصيبك معهم.\nوقال - ﷺ -: \"يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن\" (١).\nوسئل - ﷺ - أيُّ الناس أفضل؟\nقال: \"مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله\" قيل ثم من؟ قال: \"رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه\"، وفي رواية: \"يتقي الله، ويدع الناس من شره\" (٢).\nوعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله! ما النجاة؟ قال - ﷺ -: \"أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك\" (٣).\n\nعباد الله! ومن فوائد العزلة.\nأولًا: الفراغ للعبادة والفكر، والاستئناس بمناجاة الله -تعالى- عن مناجاة الخلق.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ١٩).\n(٢) متفق عليه رواه البخاري (رقم ٢٧٨٦، ٦٤٩٤)، ومسلم (رقم ١٨٨٨).\n(٣) \"رياض الصالحين\" للنووي رقم (١٥٢٨) تخريج الألباني.","vol":"1","page":73},{"text":"ثانيًا: التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبًا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة وهي أربعة:\nأحدها: الغيبة.\nثانيها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nثالثها: الرياء.\nورابعها: مسارقة الطبع لما يشاهد من أخلاق الناس وأعمالهم.\n\nثالثًا: الخلاص من الفتن والخصومات، وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها.\n\nرابعًا: الخلاص من شر الناس من الغيبة وسوء الظن بك والتهمة عليك.\n\nخامسًا: أن ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عنهم.\n\nسادسًا: الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقاء ومقاساة أخلاقهم (١).\n\nثانيًا: في الحديث فضل أم المؤمنين خديجة -﵂- فهي التي ضربت لنا مثلًا أعلى في الزوجة الصالحة. وكيف أنها مثال للزوجة الصالحة التي تعين زوجها على العبادة، حيث كانت تجهز له الزاد فيأخذه - ﷺ - ويذهب إلى غار حراء فإن انتهى عاد إليها وتزود مرة أخرى.\nوهي التي رفعت عنه الهم والخوف عندما رجع إليها بعد أن نزل عليه الوحي وقال: يا خديجة إني خشيت على نفسي، فقالت له: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا.\n_________\n(١) انظر: مقدمة \"العزلة\" لابن أبي الدنيا، تحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.","vol":"1","page":74},{"text":"وهي التي أخذت بزوجها وذهبت إلى ورقة بن نوفل حتى تفرج عن رسول الله - ﷺ - كربه وتطمئن قلبه أن ما نزل به هو الخير، وهكذا تكون الزوجة الصالحة تعين زوجها على طاعة الله، فإن رجع من عمله مهمومًا حزينًا تخفف عنه الهم والحزن.\n\nثالثًا: في الحديث فضل العلم، وأن الإِسلام يدعو إلى العلم من أول لحظة، ففي أول آية نزلت من القرآن على رسول الله - ﷺ - تحث على العلم وطلب العلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، فيجب على المسلم أن يتعلم دينه من الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة؛ لأنه بالعلم الشرعي يميز بين الإيمان والكفر، وبين الشرك والتوحيد، وبين السنة والبدعة، وبين الحلال والحرام.\n\nرابعًا: في الحديث فضل ورقة بن نوفل.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنةً أو جنتين\" (١).\nوسئل رسول الله - ﷺ - عن ورقة بن نوفل فقال: \"قد رأيته؟ فرأيت عليه ثياب بياض، أبصرته في بطنان (٢) الجنة وعليه السندس\" (٣).\n\nخامسًا: في الحديث بيان سنة من سنن الأمم مع من يدعوهم إلى الله -عز\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٩٤).\n(٢) أي في وسط الجنة.\n(٣) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٩٤).","vol":"1","page":75},{"text":"وجل-، وهي التكذيب والإخراج والقتل، وهذا يؤخذ من قول ورقة: ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك.\nفقال رسول الله - ﷺ - \"أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي\".\nفهذا نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعو قومه إلى التوحيد فقال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [الأعراف:٥٩]، فماذا قال له قومه؟ قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ [الأعراف: ٦٠] فاتهموه بالضلال. وقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ [المؤمنون: ٢٥] فاتهموه بالجنون وقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾ [الشعراء: ١١٦]، فهددوه بالرجم.\n\nوهذا إبراهيم ﵇ قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ [العنكبوت: ١٦]، فماذا قالوا له؟ قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ [العنكبوت: ٢٤].\n\nوهذا لوط ﵇، نهى قومه عن الفاحشة فماذا قالوا له: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ [النمل: ٥٦].","vol":"1","page":76},{"text":"وقالوا لرسولهم: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ [الشعراء: ١٦٧].\n\nوهذا شعيب ﵇ يقول لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، فماذا قالوا له: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف:٨٨].\n\nعباد الله! فهذه سنة من سنن الأمم الكافرة مع رسلهم ومع الدعاة في كل زمان ومكان.\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾ [إبراهيم: ١٣] وقال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ: ٣٤ - ٣٥].\nإنها السنن فها هم الكفار في كل زمان ومكان؛ إن وجدوا قومًا يدعون الناس إلى الإِسلام الحق وقفوا في وجوههم وكذبوهم، وقاتلوهم وأخرجوهم من بلادهم، فلا تتعجبوا من ذلك يا عباد الله! فهي معركة بين الحق والباطل، ولكن أخبرنا الله -﷿- بأن العاقبة للمتقين، وأن النصر للصالحين، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ","vol":"1","page":77},{"text":"رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١].\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الخطبة التاسعة: مرحلة الدعوة إلى الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المرحلة الأولى: الدعوة إلى الله سرًا</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفىﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى ألا وهي المرحلة السرية في مكة.\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن الوحي نزل على رسولنا - ﷺ - بغار حراء وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].\nولما ذهب رسولنا - ﷺ - إلى ورقة بن نوفل وقص عليه الخبر قال له ورقة: هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى، ثم قال له ورقة: ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، قال - ﷺ -: \"أو مخرجي هم؟! \" قال ورقة: نعم، لم يأت أحدٌ بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي\" (١).\n\"وفتر الوحي\": أي تأخر مدةً من الزمان، ولا يعلم على وجه التحديد كم دامت مدة انقطاع الوحي ولكن يبدو أنها لم تدم طويلًا، فقد روى ابن سعد عن ابن عباس -﵄- ما يفيد أنها كانت أيامًا (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧)، (١٢/ ٣٦٠).","vol":"1","page":79},{"text":"عباد الله! وتأخر الوحي عن رسول الله - ﷺ - ليذهب عنه ما كان وجده من الروع وليحصل له التشوق إلى العود (١)، فلما حصل له ذلك، وأخذ يترقب مجيء الوحي، جاءه جبريل للمرة الثانية، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يحدث عن فترة الوحي قال: \"بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بـ (حراء) جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]، فحمى الوحي وتتابع\" (٢)، أي حمى الوحي وتتابع في النزول على رسول الله - ﷺ -.\n\nعباد الله! بالوحي الأول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) ..﴾ ثبتت النبوة لرسولنا - ﷺ -.\nوبالوحي الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) ..﴾ ثبتت الرسالة لرسولنا - ﷺ -.\nأي: بالوحي الأول كان نبيًا وبالثاني كان رسولًا.\n\nعباد الله! وقبل أن نتكلم عن المرحلة الأولى من مراحل الدعوة إلى الله تعالى ألا وهي المرحلة السرية، تعالوا بنا لنتعرف على أقسام الوحي، ومراتب الوحي الذي هو مصدر الرسالة ومدد الدعوة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٦).\n(٢) أخرجه البخاري (رقم ٤).","vol":"1","page":80},{"text":"فالله -﷿- قال لرسوله - ﷺ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، والذي نزل إلى رسولنا - ﷺليبلغه إلى الناس- هو الوحي الذي جاءه من الله -﵎- بواسطة جبريل ﵇.\n\nقال ابن القيّم - ﵀وهو يذكر مراتب الوحي:\nأحدها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه - ﷺ -، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.\n\nالثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال النبي - ﷺ -: \"إن روح القدس (١) نفث في روعي (٢) أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته\" (٣).\n\nالثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلًا، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث جبريل ﵇، عندما سأل النبي - ﷺ - عن الإِسلام، والإيمان، والإحسان، وكان في صورة رجل، فلما ولى قال - ﷺ -: \"يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\".\n_________\n(١) أي جبريل ﵇.\n(٢) أي في نفسي.\n(٣) صحيح بشواهده، انظر \"صحيح الجامع\" (٢٠٨١).","vol":"1","page":81},{"text":"الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس. وكان أشده عليه، فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض -إذا كان راكبها- ولقد جاءه الوحي مرة كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضُّها (١).\n\nالخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.\n\nالسادسة: ما أوحاه الله -وهو فوق السماوات- ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.\n\nالسابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن عمران ﵇.\n\nعباد الله! نزل الوحي على رسولنا - ﷺ - في المرة الثانية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]، وفي هذه الآيات يأمر ربنا -جل وعلا- رسوله - ﷺ - أن يقوم بدعوة الناس إلى الله -﷿-.\n\nعباد الله! أسئلة تدور في الذهن الآن.\nمن أين يبدأ رسول الله - ﷺ - دعوته؟\nوكيف ييدأ رسول الله - ﷺ - دعوته؟\n_________\n(١) انظر الأدلة في \"زاد المعاد\" (ص ٧٩، ٨٠).","vol":"1","page":82},{"text":"وإلام يدعو رسول الله - ﷺ - الناس؟\nهل يبدأ رسول الله - ﷺ - دعوته بقلب نظام الحكم في مكة، ثم بعد ذلك يدعو الناس إلى الله تعالى؟\nأم يبدأ بالبحث عن الوصول إلى المناصب العليا في مكة ثم يقوم من خلالها بدعوة الناس إلى الله تعالى؟ أم أنه يحاول أن يسيطر على اقتصاد مكة ليستطيع من خلاله أن يدعو الناس إلى الله تعالى؟\nهل يبدأ رسول الله - ﷺ - بدعوة الناس لتحرير الأرض من الفرس والروم؟ أم يبدأ بدعوة الناس لتحسين الأوضاع الاقتصادية؟ أم يبدأ بتحريض الناس على ولاة الأمر؟\n\nعباد الله! الجواب:\nبدأ رسول الله - ﷺ - دعوته بالتوحيد، والتحذير من الشرك، كما بدأ الأنبياء قبله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وما من نبي أرسل إلى قومه إلا قال لهم: [يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره]، فبدأ رسولنا - ﷺ - بدعوة الناس إلى التوحيد، ويحذرهم من الشرك، ويذكرهم بيوم القيامة، ويبين لهم أن في هذا اليوم يبعث الله الخلائق ليحاسبهم على أعمالهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾. وأخذ رسول الله - ﷺ - يُزكي أصحابه بدعوتهم إلى كل خير قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].\n\nعباد الله! بدأ رسول الله - ﷺ - يدعو الناس سرًا إلى عبادة الله وحده، وترك","vol":"1","page":83},{"text":"عبادة الأوثان، فدعا إلى عبادة الله؛ القريب والبعيد، والأحرار والعبيد، فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد، واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد، فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، ومن الغلمان علي بن أبي طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته ﵇، ومن الموالي مولاه زيد بن حارثه ﵃ أجمعين.\n\nعباد الله! أخذ رسول الله - ﷺ - يدعو الناس في مكة إلى الله سرًا، لا يصطدم بكفار مكة ولا يتدخل في آلهتهم.\n\nوهذه أمثلة على ذلك:\nفهذا عمرو بن عبسة السلمي يخبرنا عن إسلامه فيقول: \"كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله - ﷺ - مستخفيًا جُرءاء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حرٌ وعبدٌ. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس!! ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت","vol":"1","page":84},{"text":"المدينة، فدخلت عليه ... \" (١).\nالشاهد يا عباد الله! أن الرسول - ﷺ - كان في المرحلة الأولى يدعو الناس سرًا.\n\nعباد الله! وهذا عبد الله بن مسعود - ﵁ - يخبرنا عن إسلامه فيقول:\n\"كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى علي رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، وقد فرا من المشركين فقال- أو فقالا-: عندك يا غلام لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما.\nفقال: هل عندك من جذعةٍ لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله - ﷺ - الضرع ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلص فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله - ﷺ -. قلت: علمني من هذا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنك غلام معلم\"، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد\" (٢).\n\nعباد الله! المرحلة الأولى في مكة في الدعوة إلى الله كانت سرية والسبب في ذلك، أن كفار مكة كانوا لا يسمحون لأحد أن يعتدي على آلهتهم، وأن يأتي بدين غير الذي هم عليه، ولذلك بدأ النبي - ﷺ - بالدعوة سرًا.\n\nولكن في الجمعة القادمة -إن شاء الله- سيتبين لكم أن الله -تبارك\nوتعالى- يأمر رسوله أن يصدع بالدعوة فيدخل في المرحلة الجهرية.\nفكثير من الجماعات التي سلكت طريقًا غير طريق المصطفى - ﷺ - يبدأون\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٨٣٢).\n(٢) قال الألباني: إسناده حسن \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ١٢٤).","vol":"1","page":85},{"text":"دعوتهم المنحرفة سرًا ويظنون أنهم بذلك يتأسون برسول الله - ﷺ -.\nنقول لهم: لا، أنتم تعيشون في مجتمع مسلم تستطيعون أن تقولوا \"لا إله إلا الله\" وتحافظون على الصلاة، وتعلموا الناس دينهم، وتدعون الناس إلى التوحيد لا يمنعكم أحد من ذلك.\n\nعباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا:\n١ - في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ أنه على الدعاة المخلصين أن يقوموا لهذا الدين فالله ﷾ يقول لرسولنا - ﷺ -: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾.\nفعلى الدعاة أن يدعو الناس إلى عبادة الله وإلى عقيدة التوحيد كما بدأ رسول الله - ﷺ - فكثير من الناس يصلي وهو يشرك بالله، وكثير من الناس يصلي وهو يذهب إلى السحرة والمشعوذين، وكثير من الناس يصلي وهو يخاف ويعتقد أن السحرة والمشعوذين يضرون وينفعون وهذا شرك.\n\n٢ - على الدعاة إلى الله أن يكونوا قدوة أمام الناس، فيعملوا بهذا العلم، ويتأسوا برسول الله - ﷺ -، فحرام على الداعي إلى الله أن يضع آلات اللهو في بيته، وحرام على الداعي إلى الله أن يضع أمواله في البنوك ليرابي بها، وحرام على الداعي إلى الله أن يقول ما لا يفعل.\n\n٣ - على الدعاة المخلصين أن يقوموا لهذا الدين ولا يطلبون أجرًا من الناس، فأجرهم على الله وأجرهم عند الله، وأن يبدأوا بالعقيدة والتوحيد كما بدأ النبي - ﷺ -.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الخطبة العاشرة: مرحلة الدعوة إلى الله</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المرحلة الثانية: الدعوة إلى الله جهرًا</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء، سيكون عن المرحلة الثانية من مراحل الدعوة إلى الله تعالى؛ ألا وهي المرحلة الجهرية.\n\nعباد الله! رسول الله - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا، وبقي على ذلك حتى\nأمره الله أن يجهر بدعوته.\nعن ابن عباس -﵄- قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي - ﷺ - على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا، لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبي - ﷺ -: \"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟؟ \" قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا فقال - ﷺ -: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\"، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ (١).\nوالتب هو: الهلاك والخسران.\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٤٧٧٠)، ومسلم (رقم ٢٠٨).","vol":"1","page":87},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁قال: لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا فاجتمعوا، فعم وخص. فقال: \"يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها\" (١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قام رسول الله - ﷺعلى الصفا فقال: \"يا فاطمة بنت محمَّد! يا صفية بنت عبد المطلب! يا بني عبد الطلب! لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم\" (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت رسول الله! سليني بما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئًا\" (٣).\nفهذه دعوة جهرية من رسول الله - ﷺ - للجميع أن يؤمنوا بالله ﵎ وحده.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٠٤).\n(٢) رواه مسلم (٢٠٥).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦).","vol":"1","page":88},{"text":"ومضى رسول الله - ﷺ - يبلغ رسالة ربه جهرًا، وأخذ - ﷺ - يدعو الناس إلى عبادة الله في كل مكان، وبدأ يجهر بصلاته وقراءة القرآن أمام الكفار، وأخذ الضعفاء والمساكين يؤمنون بالله -﷿-، ويتبعون رسول الله - ﷺ - على هذا الدين الذي بعثه الله به، وأخذوا يزدادون يومًا بعد يوم.\n\nعباد الله! وممن أسلم في مرحلة الدعوة الجهرية في مكة أبو ذر الغفاري - ﵁ -.\nويؤخذ من الروايات الصحيحة أن أبا ذر - ﵁ - كان منكرًا لحال الجاهلية، يأبى عبادة الأصنام، وينكر على من يشرك بالله وكان يصلي لله قبل إسلامه بثلاث سنوات دون أن يخص قبلة بعينها بالتوجه، ويبدو أنه كان متأثرًا بالأحناف، ولما سمع بالنبي - ﷺ - قدم إلى مكة، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل، فاضطجع فرآه علي - ﵁ - فعرف أنه غريب، فاستضافه ولم يسأله عن شيء، ثم غادره صباحًا إلى المسجد الحرام فمكث حتى أمسى، فرآه علي فاستضافه لليلة ثانية وحدث مثل ذلك في الليلة الثالثة، ثم سأله عن سبب قدومه فلما استوثق منه أبوذر، أخبره بأنه يريد مقابلة رسول الله - ﷺ - فقال له علي: \"فإنه حق وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، فتبعه، وقابل الرسول - ﷺ - واستمع إلى قوله فأسلم، فقال له النبي - ﷺ - \"ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري\" فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه\"، فأتى العباس بن عبد المطلب فحذرهم من انتقام غفار، والتعرض لتجارتهم التي تمر بديارهم إلى الشام فأنقذه منهم\" (١).\n_________\n(١) متفق عليه رواه البخاري (رقم ٣٥٢٢)، ومسلم (رقم ٢٤٧٤).","vol":"1","page":89},{"text":"عباد الله! اجتمع كفار مكة من أجل التشاور في كيفية صرف الناس عن هذا الدين الجديد، وفي كيفية صرف محمَّد - ﷺ - نفسه عن هذه الدعوة الجديدة، فزينت لهم شياطين الإنس والجن أساليب كثيرة منها:\n\nالسخرية والاستهزاء والتحقير والتضحيك بالنبي - ﷺ - وأصحابه، القصد بذلك تخذيل المسلمين وتوهين قواهم المعنوية وصد الناس عن الدين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٣]، فالله -﷿- يعاقب الكفار بجنس ما فعلوا يوم القيامة فقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ","vol":"1","page":90},{"text":"تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ [المؤمنون: ١٠٣ - ١١١].\nومنها: إثارة الشكوك والشبهات حول النبيﷺ - نفسه ليصدوا الناس عن هذا الدين، فتارة يتهمون رسول الله - ﷺ - بالجنون، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]. فرد الله عليهم هذه الفرية. فقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ [التكوير: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ [القلم: ١ - ٢].\nوتارة يتهمونه بالسحر والكذب والشعر والكهانة، قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ [ص: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان: ٧ - ٨]، فرد الله عليهم هذه الافتراءات بقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٥١].","vol":"1","page":91},{"text":"عباد الله أخذ كفار مكة يتهمون رسول الله - ﷺ - بالاتهامات الكاذبة ليصدوا الناس عن الإيمان به، وجاء رجل إلى مكة فسمعهم يقولون عن محمَّد - ﷺ - إنه مجنون، فذهب إلى رسول الله - ﷺ - ليرقيه، فلما جلس عند النبي - ﷺ - وسمع كلامه آمن به واتبعه.\nعن ابن عباس -﵄- قال: \"قدم ضماد مكة -وكان من أزد شنوءة- وكان يرقي (١) من هذه الريح (٢)، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي قال: فلقيه؛ فقال: يا محمَّد! إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء. فهل لك (٣)؟\nفقال رسول الله - ﷺ -:\"إن الحمد لله نحمده ونستعينه. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله أما بعد:\"\nفقال: أعد علي كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء. ولقد بلغهن ناعوس البحر (٤).\nفقال: هات يدك أبايعك على الإِسلام، فبايعه.\n_________\n(١) من الرقية وهي العوذة التي يرقي بها صاحب الآفة.\n(٢) المراد بالريح، هنا، الجنون ومس الجن.\n(٣) أي فهل لك رغبة في رقيتي، وهل تميل إليها.\n(٤) أي وسطه ولجته.","vol":"1","page":92},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: \"وعلى قومك\" قال: وعلى قومي، فبعث رسول الله - ﷺ - سرية فمروا بقومه. فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟\nفقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة.\nفقال: ردوها. فإن هؤلاء قوم ضماد\" (١).\n\nانظروا عباد الله! أرادوا أن يصدوا الناس عن رسول الله باتهامه أنه مجنون، فكان ذلك سبب أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا.\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي كثيرة منها:\nأولًاَ: لا مجال للسرية والكتمان والخفاء في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك بعد أن أنزل الله -﷿- على رسوله - ﷺ -: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر: ٩٤]، فالله -﷿- أظهر دينه وأعلى كلمته وعرف الإِسلام، وأرسيت قواعده ومبادئه، وعرفها القاصي والداني، وسمع بها القريب والبعيد، فلا مجال للسرية، ولا مجال للكتمان، ولا مجال للخفاء.\nوكان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- ينكرون السرية ويعيبونها وأهلها الذين يسرون بدعوتهم ويدعون الناس بين الجدران في ظلام الليل، فديننا ليس فيه شيء للخواص وشيء للعوام، إنما الإِسلام يدعو الناس\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٨٦٨).","vol":"1","page":93},{"text":"جميعًا أن يكونوا عبادًا لله، فمن دعاك إلى العقيدة الصحيحة فأجبه، ومن دعاك إلى درس علم في بيت الله فأجبه، ومن دعاك إلى اجتماع في ظلمة الليل، وأخبرك أن هذا خاص لا يجوز أن تنقله إلى العوام؛ فلا تجبه، فإنه حزبي مبتدع.\nعن عمر بن عبد العزيز - ﵁ - قال: \"إذا رأيت قومًا يتناجون بأمر دون العامة فهم على تأسيس الضلالة\".\nولما مدح أبو الفرج ابن الجوزي السنة وأهلها وذم البدعة وأهلها قال: \"فبان بما ذكرنا أن المبتدعة هم الذين يقولون شيئًا لا يعرف من قبل ولا مستند له ولهذا أسروه وكتموه، وأما أهل السنة فقولهم مشهور وطريقتهم ظاهرة ولهم العاقبة بإذن الله تعالى\" (١).\nكيف لا والله -﷿- يقول في كتابه لرسوله - ﷺ - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].\nوالنبي - ﷺ - يقول: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (٢).\n\nثانيًا: أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فالرسول - ﷺ - يقول لأقرب الناس\nله: \"يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت\nمحمَّد سليني من مالي ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئًا\" (٣)، فالنسب\n_________\n(١) \"تلبيس إبليس\" (ص ١٧ - ١٨).\n(٢) رواه مسلم (رقم ١٩٢٠).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٧٥٣)، ومسلم (رقم ٢٠٦).","vol":"1","page":94},{"text":"والقرابة لا ينفعان صاحبها يوم القيامة؟ والله -﷿- يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١].\nوقال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ [الممتحنة: ٣]. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٦ - ٤١].\nوبين لنا ربنا جل وعلا أن الصلات والإنساب والأرحام لا تنفع أصحابها يوم القيامة.\nقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١٠ - ١١].\nلكن يستثنى من ذلك قرابة ونسب المسلمين، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] ولقوله - ﷺ -: \"كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي\" (١).\n_________\n(١) السلسلة الصحيحة\" (٢٠٣٦)، \"صحيح الجامع\" (رقم ٤٥٦٤).","vol":"1","page":95},{"text":"ثالثًا: المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، فالكفار في مكة مكروا برسول الله - ﷺ -، واتهموه بالجنون ليصدوا الناس عن سبيل الله، فلما قدم ضماد - ﵁ - إلى مكة قالوا له: إن محمدًا مجنون؛ فذهب إليه ليرقيه؛ فلما سمع من النبي - ﷺ - آمن به واتبعه.\nوفي هذا الزمان قد مكر الكفار بالإِسلام والمسلمين، يريدون أن يشوهوا صورة الإِسلام بوسائل الإعلام، ولكن كان عكس ما أرادوا فلله الحمد والمنة، الناس في هذا الزمان قد أقبلوا على الصلاة أكثر من ذي قبل، وقد أقبل طلاب العلم على دروس العلم، وقد دخل الناس في دين الله أكثر من قبل، ذلك حتى تعلم أيها المسلم أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله، فهم يمكرون ويكيدون وأنت يا ربنا ماذا تفعل ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٦ - ١٧]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].\n\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الخطبة الحادية عشرة:\nأسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله، ألا وهو أذية قريش لرسول - ﷺ </span>-\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب كفار مكة في الصد عن دين الله ألا وهو أذية قريش لرسول الله - ﷺ -،\n\nعباد الله! رسولنا في مكة يدعو الناس إلى دين الله، ويقول لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، والناس يدخلون دين الله، واجتمع كفار مكة للتشاور في كيفية صرف الناس عن هذا الدين الجديد، وفي كيفية صرف محمَّد - ﷺ - عن دعوته الجديدة، فزينت لهم شياطين الإنس والجن أساليب منها:\n\n- الاستهزاء والسخرية والتحقير والتضحيك بالرسول - ﷺ - وأصحابه ولكنهم فشلوا في ذلك.\n- ومنها إلقاء الشبهات والشكوك والتهم على رسول الله - ﷺ -؛ ليصدوا الناس عن الإيمان به، ولكنهم فشلوا في ذلك أيضًا.\nفانتقل كفار مكة إلى أسلوب جديد للصد عن دين الله، ألا وهو الاعتداء على رسول الله - ﷺ - بالقول والفعل والسب والقتل والتخويف، ولذلك قال - ﷺ -: \"لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثةٌ وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد، إلا ما وارى","vol":"1","page":97},{"text":"إبط بلال\" (١).\n\nعباد الله! ومن أذية قريش لرسول الله - ﷺ - بالقول: ما رواه ربيعة بن عباد من بني الديل- وكان جاهليًا فأسلم- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في الجاهلية في سوق (ذي المجاز) وهو يقول: \"يا أيها الناس! قولوا: (لا إله إلا الله) تفلحوا\"، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه، أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمه أبو لهب (٢).\nوفي رواية أخرى قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بـ (ذي المجاز) يتبع الناس في منازلهم، يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول، تقد وجنتاه، وهو يقول: يا أيها الناس! لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم، قلت: من هذا؟ قيل: هذا أبو لهب (٣).\n\nمثال آخر!\nعن أسماء بنت أبي بكر -﵂- قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولةٌ، وفي يدها فهر -أي حجر- وهي تقول: مذممًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، والنبي - ﷺ - جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنها لن تراني\" وقرأ قرآنًا، فاعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ\n_________\n(١) \"صحيح ابن ماجه\" (١٢٣).\n(٢) إسناده جيد. انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٤٢ - ١٤٣).\n(٣) إسناده حسن. انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٤٣).","vol":"1","page":98},{"text":"الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥]، فوقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا أبا بكر! إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها (١)، وقال - ﷺ -: \"ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟! \" قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: \"يشتمون مذممًا، وأنا محمَّد، ويلعنون مذممًا، وأنا محمَّد\" (٢).\n\nعباد الله! كفار مكة يؤذون رسول الله - ﷺ - بألسنتهم فهذا يقول: إنه ساحر، وهذا يقول: إنه كاهن، وهذا يقول: إنه كذّاب، وهذا يقول إنه شاعر، والنبي - ﷺ - يضيق صدره بما يقولون، ويحزن على ما يسمع منهم، وعلى كفرهم وإعراضهم، ولكن الله -﷿- ربط على قلبه، فكان الوحي ينزل عليه يواسيه ويعزيه ويسدده ويثبته، ويؤكد له أن العاقبة له:\nقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٣٧).\n(٢) أخرجه البخاري (رقم ٣٥٣٣).","vol":"1","page":99},{"text":"مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾ [الطور: ٢٩ - ٣١]، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٥]، فأخبر الله -﷿- رسوله - ﷺ - أن هذا الذي تسمعه من كفار مكة؟ هو الذي تقوله الأمم المكذبة لرسلها من قبل، ولذلك يقول الله -﷿- لرسوله - ﷺ - مواسيًا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨].\nوعن جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله - ﷺ - فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا فجاءته امرأة فقالت: يا محمَّد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣] (١).\n\nعباد الله! كفار مكة يؤذون رسول الله - ﷺ - بألسنتهم، ورسول الله - ﷺ - يبلغ دين الله، ويدعو الناس إلى عبادة الله، ويقول للناس \"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا\"، والناس يقبلون على هذا الدين، ويتبعون رسول الله - ﷺ - فاجتمعت قريش مرة أخرى للتشاور في كيفية صرف محمَّد - ﷺ - عن دعوته، فقرروا أن ينتقلوا من أسلوب الشتم والسب إلى أسلوب أشد، وهو البطش والتعذيب والفتك بالنبي - ﷺ -، ولذلك قال - ﷺ - \"لقد أخفت في الله وما يخاف\n_________\n(١) متفق عليه أخرجه البخاري (رقم ٤٩٥٠)، ومسلم (رقم ١٧٩٧).","vol":"1","page":100},{"text":"أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد\" (١).\n\nعباد الله! ومن صور هذا الاعتداء:\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا (٢) جزور بني فلان فيأخذه فيأتي فيضعه في كتفي محمَّد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم، فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - ساجدٌ ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت -وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، ثم قال: \"اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش\" فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: \"اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد\".\n\nقال ابن مسعود: فلقد رأيتهم صرعى (أي قتلى يوم بدر) ثم سحبوا إلى القليب؛ قليب بدر\" (٣).\n_________\n(١) \"صحيح ابن ماجه\" (رقم ١٢٣).\n(٢) هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة.\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٤٠)، ومسلم (رقم ١٧٩٤)، واللفظ لمسلم عدا ذكر عمارة بن الوليد.","vol":"1","page":101},{"text":"ثم قال - ﷺ -: \"واتبع أصحاب القليب لعنة\" (١)، وقام عليهم يناديهم: \"يا فلان! يا فلان! لقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا\". قال أصحابه: يا رسول الله أتخاطب أقوامًا قد جُيِّفوا. فقال - ﷺ -: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، إلا أنهم لا يملكون جوابًا\".\nأسمعهم الله -﷿- توبيخ رسول الله - ﷺ - (٢).\n\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال أبو جهل: هل يُعفر محمَّد وجهه بين أظهركم؟ -أي يسجد ويلصق وجهه بالتراب- فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب.\nفأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي. زعم ليطأ على رقبته فما فجئهم -أي بغتهم- فيه إلا وهو ينكص على عقبيه -أي: رجع يمشي إلى ورائه- ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟\nفقال: إن بيني وبينه خندقًا من نار وهولًا وأجنحة.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا\".\nفأنزل الله -﷿-: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٢٤٠).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٨٧٣).","vol":"1","page":102},{"text":"وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ٦ - ١٩] (١).\nوعن ابن عباس -﵄- قال: مر أبو جهل بالنبي - ﷺ - وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمَّد! فانتهره النبي - ﷺ -، فقال له أبو جهل: لم تنهرني يا محمَّد! فوالله لقد علمت ما بها أحدٌ أكثر ناديًا مني. فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ [العلق: ١٧ - ١٨]. فقال ابن عباس: والله؛ لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب (٢).\n\nعباد الله! إيذاء واعتداء من كفار مكة على رسول الله - ﷺ -، ويا ليت الأمر توقف عند ذلك ولكنهم قرروا أن يقتلوا رسول الله - ﷺ -.\nعن عروة بن الزبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - ﷺ - قال: بينا رسول الله - ﷺ - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله - ﷺ -، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا. فأقبل أبو بكر - ﵁ - فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله - ﷺ - وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] (٣).\n\nعباد الله! وحزن النبيﷺ - حزنًا شديدًا؛ لما يفعله كفار مكة من الاعتداءات عليه وعلى أصحابه، فما كان الله ليتركه حزينًا بل أراه من الآيات وخوارق العادات ما ربط على قلبه وثبته.\nعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي - ﷺ - ذات يوم وهو جالس حزينًا، قد خضب بالدماء؛ ضربه بعض أهل مكة، فقال له:\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٧٩٧).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٤٤).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٤٨١٥).","vol":"1","page":103},{"text":"مالك؟ فقال له: \"فعل بي هؤلاء وفعلوا\". فقال جبريل ﵇ \"أتحب أن أريك آية؟ قال: \"نعم\" قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي، فقال: ادع بتلك الشجرة فدعاها، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه. فقال: مرها فلترجع. فأمرها فرجعت إلى مكانها. فقال رسول الله - ﷺ -: \"حسبي\" (١).\nومضى رسول الله - ﷺ - يبلغ رسالة ربه، ويدعو الناس إلى دين الله صابرًا محتسبًا، واقفًا عند أمر ربه ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩].\n\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - على خلق عظيم كما شهد له ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، فقد كان كفار مكة يعتدون عليه بالسب والشتم والضرب، ومع ذلك كان لا ينتقم لنفسه أبدًا، بل جاءه ملك الجبال وقال له: يا محمَّد لقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (أي الجبلين) فقال رسول الله - ﷺ -: \"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا\" (٢).\n\nرسول كريم، إنها أخلاق النبوة، ويجب على الدعاة أن يتأسوا برسول الله - ﷺ - في الصبر على أذى الكفار، وأن يمضوا في الدعوة إلى هذا الدين العظيم.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لننظر إلى هذا الخلق العظيم من رسول الله - ﷺ - وكفار مكة يجمعون عليه الإيذاء بالقول والفعل، ومع ذلك فهو يعفو ويصفح.\nعن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاصي: ما أكثر ما رأيت\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٣٨).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٣١)، ومسلم (رقم ١٧٩٥).","vol":"1","page":104},{"text":"قريشًا أصابت من رسول الله - ﷺ - فيما كانت تظهره من عداوته؟\nفقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط؛ سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم.\nقال: فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - ﷺ -، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله - ﷺ -، فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه، فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال: أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح\"، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى إن أشدهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم! راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا. فانصرف رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان في الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - ﷺ -، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول: كذا وكذا؟ لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله - ﷺ -: \"نعم، أنا الذي أقول ذلك\".\nولقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكي دونه ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]؟! ثم انصرفوا عنه (١). وعن عائشة -﵂- قالت: قلت: يا رسول الله! هل أتى\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٤٨).","vol":"1","page":105},{"text":"عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟\nفقال - ﷺ -: \"لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا سحابة قد أظلتني، فنظرت فيها فإذا جبربل ﵇ فناداني فقال: يا محمَّد إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمَّد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؛ إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (أي الجبلين)!\n\nفقال - ﷺ -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا\" (١).\nالله أكبر، إنها أخلاق النبوة، إنه العفو والصفح، فهكذا يا دعاة الإِسلام تعلموا الصبر، وأقبلوا على الله -﷿-، وادعوا الناس إلى هذا الدين بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦٠].\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) متفق عليه تقدم قريبًا.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الخطبة الثانية عشرة: أذية قريش لأصحاب رسول الله - ﷺ </span>-\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -.\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله ألا وهو أذية قريش لأصحاب رسول الله - ﷺ -.\n\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس جهرًا إلى (لا إله إلا الله) وإلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، وكفار مكة يعملون بالليل والنهار؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين الجديد، فهم ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ لمنع الناس من الدخول في هذا الدين الجديد.\n\nعباد الله! بيّنا في الجمعة الماضية كيف اعتدوا على رسول الله - ﷺ - ليصدوه عن دعوته الجديدة ولكنهم فشلوا في ذلك.\nوها هم ينتقلون إلى أسلوب جديد ألا وهو الاعتداء على أصحاب رسول الله - ﷺ - ليصدوهم عن هذا الدين الجديد.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى صور من الاعتداءات على أصحاب رسول الله - ﷺ - في مكة.\n\nأولًا: عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \"كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد فأما رسول الله - ﷺ - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدرع الحديد،","vol":"1","page":107},{"text":"وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا؛ إلا بلالًا؛ فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب (مكة) وهو يقول: أحد أحد\" (١).\n\nثانيًا: عن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مر بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال: \"أبشروا آل عمار وآل ياسر فإن موعدكم الجنة\" (٢).\nعباد الله! وفي عمار بن ياسر - ﵁ - ومن مثله أنزل الله -﷿-: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ (٣).\n\nثالثًا: وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمرّ به رجل، فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله - ﷺ -، والله، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب، فجعلت أعجب! ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرًا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه!؟ والله؟ لقد حضر رسول الله - ﷺ - أقوامٌ أكبهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدِّقين لما جاء به نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم؟! والله؟ لقد بعث الله\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٥٤).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٥٤).\n(٣) صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٥٥).","vol":"1","page":108},{"text":"النبي - ﷺ - على أشد حال بُعث عليها فيه نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية؛ ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده وولده أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان- يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها للَّتي قال الله -﷿- ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] (١).\nالشاهد من كلام المقداد، أنه طلب من الرجل أن يحمد الله -﷿-، فإنه كان في أول الإِسلام من الناس من رأى رسول الله - ﷺ - وشهده، ومع ذلك لم يتبع رسول الله - ﷺ -، ولم يجبه وأكبهم الله على مناخرهم في النار، ومن الناس من تعرض للبلاء بسبب إيمانه فيقول لهم (احمدوا الله) بأنكم لم تتعرضوا للبلاء الذي تعرضنا له في أول الإِسلام.\n\nرابعًا: وعن قيس بن أبي حازم - ﵀- قال: \"سمعت سعيد بن زيد في مسجد الكوفة يقول: \"والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإِسلام قبل أن يسلم عمر\" (٢).\nوقوله (وإن عمر لموثقي على الإِسلام): أي: إن عمر - ﵁ - ربطه بسبب إسلامه، إهانة له، وإلزامًا بالرجوع عن الإِسلام، وكان ذلك قبل إسلام عمر.\n\nشدة .. عذاب .. ابتلاء لا يعلمه إلا الله.\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص١٤٠).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٨٦٢).","vol":"1","page":109},{"text":"خامسًا: وعن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: \"كنت قينًا (١) بـ (مكة)، فعملت للعاصي بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه فقال: لا والله؛ لا أقضيك حتى تكفر بمحمد! فقلت: لا والله؛ لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال: فإني إذا مت ثم بعثت؛ جئني ولي ثم مال وولد فاعطيك، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠] (٢).\n\nسادسًا: وعن أبي ليلى الكندي قال: جاء خباب إلى عمر فقال: \"ادن، فما أحد أحق بهذا الجلس منك إلا عمار. فجعل خباب يريه آثارًا بظهره مما عذبه المشركون\" (٣).\n\nسابعًا: وعن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردةً في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: \"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليُتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون\" (٤).\n\nعباد الله! في هذا الحديث دروس وعظات وعبر منها:\n_________\n(١) القين: هو الحداد والصائغ (نهاية).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٩٠١)، ومسلم (رقم ٢٧٩٥).\n(٣) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٥٧).\n(٤) رواه البخاري (رقم ٦٩٤٣).","vol":"1","page":110},{"text":"أولًا: الابتلاء سنة من سنن الله في هذا الكون ليميز الله الخبيث من الطيب، وليمحص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١]، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦].\n\nعباد الله! ومن فوائد الابتلاء تمحيص المؤمنين ومحق الكافرين ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢].\nولذلك قال تعالى للمؤمنين الصادقين: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ","vol":"1","page":111},{"text":"الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢].\n\nعباد الله! من أجل ذلك ربى النبي - ﷺ - أصحابه وأمته على الصبر على البلاء، فقال لخباب بن الأرت - ﵁ -: \"قد كان من كان قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشي بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه\".\n\nتربية على الصبر على النبلاء.\nوكان - ﷺ - يمر على أصحابه وهم يعذبون فيقول لهم: \"صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة\" (١).\n\nالصبر وعدم الاستعجال هو طريق النصر.\nولذلك بعد أن ربى النبي - ﷺ - أصحابه على الصبر على البلاء؛ بأن ضرب لهم مثلًا بالمسلمين الأولين من الأمم السابقة، وما نالهم من التعذيب؛ ليكونوا أسوة لهم، وبعد أن بشرهم بأن النصر والتمكين والعاقبة لهم، حذر النبي - ﷺ - أصحابه من الاستعجال \"لأن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه\".\nولذلك قال النبي - ﷺ - لخباب بن الأرت: \"ولكنكم تستعجلون\".\nوقال - ﷺ - لابن عباس -﵄-: \"واعلم أن النصر مع الصبر\" (٢).\n_________\n(١) صحيح، انظر تعليق الشيخ الألباني على \"فقه السيرة\" (ص ١٠٧).\n(٢) هو قطعة من حديث: \"احفظ الله يحفظك\" انظر \"رياض الصالحين\" (رقم ٦٣) بتحقيق الشيخ الألباني - ﵀ -.","vol":"1","page":112},{"text":"عباد الله! وبالصبر وعدم الاستعجال أمر الله رسوله - ﷺ - كما أمر الأنبياء من قبله.\nقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ [مريم: ٨٣ - ٨٤]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ [غافر: ٧٧].\n\nعباد الله! الصبر وعدم الاستعجال هو الطريق إلى النصر والتمكين في الأرض، أما الطرق العوجاء التي ابتدعها دعاة الاستعجال، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع وهي لا تزيد المسلمين إلا ضعفًا.\n\nس: هل يجوز للمسلم أن يطلب البلاء ويحرص عليه ويسعى إليه؟\nكثير من الشباب يظنون أنهم إذا صعدوا المنابر، وإذا وقفوا في الأسواق أمام الناس، وسبوا على الحكام وعلى أولياء الأمور، وأخذوا ووضعوا في السجون، يظنون أنهم بذلك قد خدموا الدين، ودل ذلك على كمال إيمانهم.\nالجواب: لا، لا يجوز للإنسان أبدًا أن يسعى إلى البلاء، وأن يتعرض للبلاء؛ لأنه لا يدري إذا نزل به البلاء أيثبت على دينه أم لا؛ لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك.\nلقي النبي - ﷺ - العدو في بعض أيامه فانتظر حتى إذا مالت الشمس قام فخطب في أصحابه فقال: \"أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا\" (١).\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم ٢٩٦٦)، ومسلم (رقم ١٧٤٢).","vol":"1","page":113},{"text":"وعن أبي بكر - ﵁ - أنه قام يومًا على المنبر ثم بكى ثم قال: قام رسول الله - ﷺ - عام أول على هذا المنبر ثم قال: \"سلوا الله العفو والعافية، فما أُعطي أحدٌ عطاءً بعد اليقين خيرًا من العافية\" (١).\nوعن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يصبح ولا يمسي إلا ويدعو بهذه الكلمات: اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، اللهم إني أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي\" (٢).\n\nفيا معشر الشباب! هوِّنوا على أنفسكم، ليس الاضطهاد والتعذيب شرطًا لصحة الإيمان، ولا شرطًا لكماله حتى تنشدوه وتسعوا إليه، ويقوم قائمكم بين ظهراني الناس فيسبُّ الحاكم أو يشتمه، أو يحرض الناس عليه، ويدعو الناس للخروج عليه حتى يؤخذ ويودع في السجون، ويعذب يظن أنه قد عمل شيئًا أرضى الله، لا والله، قد نُهيت عن ذلك، وما يدريك إذا تعرضت للبلاء أتصبر أم لا؟ ما يدريك إذا تعرضت للبلاء فوقع عليك أن تفتن عن دينك وترجع عن الإِسلام بعد أن هُديت إليه. أما علمت أن الله تعالى قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت: ١٠ - ١١].\nوالرسول - ﷺ - قال: \"لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه\"، قالوا: وكيف يذل\n_________\n(١) \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٥٥٨).\n(٢) \"صحيح سنن أبي داود\" (٤٢٣٩).","vol":"1","page":114},{"text":"نفسه يا رسول الله؟ قال: \"يتعرض لما لا يطيق من البلاء\" (١).\n\nثانيًا: ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذا الحديث العظيم - النصر للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، والمستقبل لهذا الدين.\nرسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس إلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، والصحابة الكرام - ﵃ - يعانون أشد ألوان الأذى، والرسول - ﷺ - يمر على أصحابه، وهم يعذبون بأيدي الكفار فيأمرهم بالصبر ويبشرهم بالجنة ويخبرهم أن النصر لهم وأن العاقبة لهم وأن المستقبل لهذا الدين.\n\n١. قال النبي - ﷺ - لخباب - ﵁ -: \"والله ليتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه\".\nويبشرهم - ﷺ - وهم في هذه اللحظة يعذبون فيقول لهم: \"إنكم ستفتحون مصر والشام والعراق واليمن\" بل بشرهم أنكم ستفتحون الدنيا من مشرقها إلى مغربها، وقد صحت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ - وتحقق ما وعد به وما زال يتحقق حتى تقوم الساعة.\n\n٢. وقال - ﷺ -: \"إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها\" (٢).\n\n٣. وقال - ﷺ -: \"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإِسلام، وذلًا يذل به الكفر\" (٣).\n_________\n(١) \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٢٥٤).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٨٨٩).\n(٣) صحيح، انظر \"تحذير الساجد\" الألباني (ص ١١٩).","vol":"1","page":115},{"text":"وقال - ﷺ -: \"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت\" (١).\nوالله -﷿- بشر المؤمنين الصادقين، أن العاقبة لهم، وأن النصر لهم، وأن المستقبل للإسلام.\nقال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].\nوقال - ﷺ -: \"بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض\" (٢).\n\nفيا عباد الله! الصبر الصبر؛ وإياكم والاستعجال، فإنه يدمر، وإياكم ودعاة الاستعجال.\n\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (٥).\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٢٨٢٢).","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الخطبة الثالثة عشرة:<span data-type=\"title\" id=toc-40> المفاوضات وطلب المعجزات</span></span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله؛ ألا وهو:\n\nالمفاوضات وطلب المعجزات.\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، ليلًا ونهارًا إلى (لا إله إلا الله) وإلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك بالله ومن عبادة الأوثان، وكفار مكة يتنقلون من أسلوب إلى أسلوب ليصدوا الناس عن هذا الدين الجديد، ويصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة، ومع ذلك الناس يدخلون في دين الله ويتبعون رسول الله - ﷺ -.\nعباد الله! وبعد أن فشل كفار مكة في صد الناس عن دين الله بأساليب الاضطهاد والتعذيب، انتقلوا إلى أسلوب جديد ألا وهو أسلوب الترغيب والترهيب والمفاوضات وطلب المعجزات.\n\nأولًا: أرسلوا رسلهم إلى رسول الله - ﷺ - ليتفاهموا معه، لعلهم أن يصلوا معه ولو إلى ما يسمى في لغة العصر بأنصاف الحلول. فهذا في ظنهم خيرٌ لهم من استمراره - ﷺ - في الدعوة إلى الدين الجديد.\nعباد الله! أرسل كفار مكة عتبة بن ربيعة ليعرض على رسول الله - ﷺ - ما قد رآه حلًا للمشكلة، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها:","vol":"1","page":117},{"text":"إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا - مساكين أهل الدنيا، ظنوا أن الدعوة تباع بالمال والمنصب، والذي يترك دعوته من أجل منصب ومال داعية فاشل راسب-، وإن كنت تريد شرفًا سوّدناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك -أي مسًا من الجن- طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فرغت\"؟ قال: نعم.\nقال: \"فاسمع مني\" ثم استفتح رسول الله - ﷺ - سورة فصلت: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ [فصلت: ١ - ٧].\nحتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣]، أمسك عتبة على فيه، وناشده الرحم أن يكف عنه، ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم.\nفقال أبو جهل: والله يا معشر قريش! ما نرى عتبة إلا صبا إلى محمَّد، وأعجبه كلامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه، فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة! ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمَّد وأعجبك أمره، فإن كان بك حاجة؛ جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمَّد فغضب،","vol":"1","page":118},{"text":"وأقسم بالله لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: لقد علمتم أني أكثر من قريش مالًا، ولكني أتيته -وقص عليهم القصة- فأجابني بشيء والله! ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة- قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾، فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب\" (١).\n\nعباد الله! ظن كفار مكة أن الأنبياء طلاب دنيا، يريدون بدعوتهم الدنيا الفانية، ولذلك تقدموا إلى رسول الله - ﷺ - بهذه المحاولة، وهي إغراؤه بالمال، والملك والرئاسة، والسيادة، ولكنهم فشلوا في ذلك لأن النبي - ﷺ - لم يجبهم إلى طلبهم.\n\nثانيًا: انتقل كفار مكة إلى محاولة ثانية ألا وهي ما يسمى بلغة العصر \"تقارب الأديان\"\nقال ابن عباس -﵄-: \"إن قريشًا وعدوا رسول الله - ﷺ - أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه (أي: يسوده) فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمَّد! وكف عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح، قال: \"وما هي؟ \" قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة! فقال - ﷺ -: \"حتى أنظر ما يأتي من عند ربي\"، فجاء الوحي\n_________\n(١) انظر \"فقه السيرة\" للغزالي (ص ١٠٧)، \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٥٩ - ١٦٢).","vol":"1","page":119},{"text":"من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ١ - ٦].\nوأنزل الله -﷿-: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦] (١).\nففشلت المحاولة الثانية.\n\nعباد الله! فكرة التقارب بين الأديان ليست بدعة عصرية، وإنما هي قديمة أول من دعى إليها كفار مكة؛ عندما قالوا لرسول الله - ﷺ -: نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح قال: \"وما هي؟ \" قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، الله أكبر، ما هذا الضلال؟ كيف يلتقي من يقول (لا إله إلا الله) مع من يعبد كل يوم إلهًا؟! كيف يلتقي التوحيد والشرك؟ كيف يلتقي الإيمان والكفر؟ كيف يلتقي الهدى والضلال؟!\n- فنحن نقول لأصحاب هذه الفكرة.\nقال تعالى لرسوله - ﷺ -: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ فالذي يقول بتقارب الأديان؛ جاهل لا يعرف رأسه من رجليه؛ ولا يعرف السماء من الأرض، ولا يعرف الليل من النهار.\n\nثالثًا: فشل كفار مكة في المحاولة الثانية فانتقلوا إلى المحاولة الثالثة، وهي\n_________\n(١) صحيح، انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (٢٠٥ - ٢٠٦).","vol":"1","page":120},{"text":"أقرب ما يكون بالنفاق والحيلة والخديعة والمكر، فأخذوا يطلبون من النبي - ﷺ - أن يأتيهم بآية -أي معجزة- تشهد بصدقه، وأظهروا له أنهم على أتم استعداد أن يتبعوه ويؤمنوا به؛ إذا اقتنعوا أنه رسول الله حقًا، وهم أرادوا من وراء ذلك تعجيز الرسول - ﷺ -، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الأنبياء: ٥ - ٦].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾.\nفأمر الله رسوله أن يقول لهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾. [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].\nوبين لنا ربنا -جل وعلا- أنهم يطلبون الآيات ولو نزلت عليهم لا يؤمنون فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ","vol":"1","page":121},{"text":"اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١].\nوأكبر دليل على ذلك أنهم طلبوا من رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية على نبوته، لم يفعلوا ذلك لكي يؤمنوا؛ وإنما فعلوا ذلك خديعة وحيلة ومكرًا واستكبارًا.\nقال أنس - ﵁ -: سأل أهل مكة رسول الله - ﷺ - آيةً فأراهم انشقاق القمر فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ١ - ٢] (١).\nوعن جبير بن مطعم - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل فقالوا: سحرنا محمَّد\" (٢).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فقال لنا النبي - ﷺ -: \"اشهدوا\" (٣).\nومع ذلك يطلبون من رسول الله - ﷺ - الآيات إعجازًا منهم لرسول الله - ﷺ -.\nعن ابن عباس -﵄- قال: قالت قريش للنبي - ﷺ -: ادع لنا ربك يصبح لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك، قال: \"وتفعلوا؟ \" قالوا: نعم، قال:\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٤٨٦٧) ومسلم (رقم ٢٨٠٢).\n(٢) \"صحيح الترمذي\" (٢٦٢٢).\n(٣) \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٦٢١).","vol":"1","page":122},{"text":"فدعا، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة قال: \"بل باب التوبة والرحمة\" (١).\nقال ابن عباس -﵄-: \"فأنزل الله -﷿- هذه الآية: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٢).\n\nعباد الله! وكيف يُرجى الخير ممن قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].\nولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه\" (٣).\n\nرابعًا: فشل كفار مكة في المحاولة الثالثة فانتقلوا إلى محاولة رابعةٍ ليصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة، ألا وهي ذهابهم إلى عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويؤيده ويمنعه، يُلحِّون عليه أن يتخلى عن ابن أخيه، فأتوه فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا.\nفقال: يا عقيل! انطلق فأتني بمحمد.\nفانطلق عقيل بن أبي طالب فأتى بالنبي - ﷺ - في الظهيرة في شدة الحر فلما\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٥٣).\n(٢) \"مسند الإِمام أحمد\" (٢٣٣٣).\n(٣) \"نور اليقين\" (ص ٧١).","vol":"1","page":123},{"text":"أتاهم، قال له عمه: يا ابن أخي! إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فَحَلّقَ رسولُ الله - ﷺ - ببصره إلى السماء، فقال: \"ترون هذه الشمس؟ \" قالوا: نعم، قال: \"فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة\".\n- والمعنى ما أقدر أن أترك دين الله الذي أمرني بتبليغه كما أنكم لا تقدرون أن تأتوا من الشمس بشعلة تشتعلون بها-\n\"فقال أبو طالب: والله! ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا\" (١).\n\nعباد الله! وهكذا أيد الله سبحانه نبيه بعمه على مخالفته لدينه، ولذا قال - ﷺ -: \"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر\" (٢). فأيد الله -﵎- رسوله - ﷺ - بأبي طالب مع أنه مات على الكفر.\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي:\n\nأولًا: الداعي إلى الله لا يترك دعوته أبدًا في مقابل عرض من أعراض الدنيا، فما من نبي جاء لقومه إلا قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾.\nورسولنا - ﷺ - عندما عرض عليه كفار مكة المال والجاه والسلطان لم يناقشهم فيها، فهي أسقط وأذل من أن تناقش، ولكنه عرض عليهم أن يؤمنوا بالله وحده فتلى عليهم القرآن.\nوهذا سليمان ﵇ بعث بكتابه إلى بلقيس ملكة سبأ يدعوها\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٤٤).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٦٢)، ومسلم (رقم ١١١).","vol":"1","page":124},{"text":"وقومها إلى الإسلام، ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٣].\nفما كان من بلقيس إلا أن تختبر ذلك الملك بهدية تبعثها إليه من جميع أصناف المال، فإن كان هذا الملك يريد الدنيا فسيقبل الهدية ويكف عنهم، وإن لم يقبلها فمعناه أنه صادق في دعوته، ولهم المبادرة إلى إجابته والدخول في ملته.\n﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ [النمل: ٣٤ - ٣٧].\nفكانت النتيجة أن أسلمت بلقيس وقومها مع سليمان لله رب العالمين: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤].\nفاحذروا معشر الدعاة أن تفتنوا بالمناصب والمال؛ فتتركوا الدعوة إلى الله، أو تنافقوا فتخطبون خطبة تريدون بها رضا الناس، فمن أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس.","vol":"1","page":125},{"text":"ثانيًا: المساومات والمفاوضات وأنصاف الحلول لا تقبل أبدًا في أخطر\nقضية، ألا وهي قضية التوحيد، ولذلك عندما طلب الكفار من رسول الله - ﷺ - أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة، أنزل الله -﷿-: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ وقال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ فلا يجوز لإنسان أبدًا أن يداهن في قضية التوحيد.\n\nثالثًا: أن يعلم الجميع أن أعداء الإِسلام يخططون بالليل والنهار بكل الأساليب، بأساليب التعذيب والترهيب، وبأساليب الإغراء والمفاوضات، وبأنصاف الحلول كل ذلك ليصدوا الناس عن دين الله.\nولكن كما قال رب العزة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٨ - ٩].\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الخطبة الرابعة عشرة: مجادلة قريش للنبي - ﷺ </span>-\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله، ألا وهو مجادلة قريش للنبي - ﷺ -.\n\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، وليلًا ونهارًا إلى عبادة الله، ويحذرهم من الشرك، ومن عبادة الأصنام.\nوكفار مكة ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ ليصدوا الناس عن هذا الدين العظيم، ويصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته، وفي الجمعة الماضية تبين لنا أن كفار مكة استخدموا أسلوب المفاوضات، وأنصاف الحلول، وطلب المعجزات، ولكنهم فشلوا في هذا الأسلوب، فالناس يدخلون في الدين، ويتبعون رسول الله - ﷺ -، فانتقل كفار مكة إلى أسلوب جديد، ألا وهو أسلوب الجدال والمراء لدحض الحق، وصد الناس عن دين الله، والله -﷿- يخبرنا عن ذلك في كتابه، أن الذين يجادلون في آيات الله ويجادلون بالباطل هم الكفار.\nفقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر: ٤].\nوبين لنا ربنا -جل وعلا- أن جدالهم هذا بالباطل ليدحضوا به الحق.\nفقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ [غافر: ٥] وقال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ","vol":"1","page":127},{"text":"وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ [الكهف: ٥٦] وأخبرنا ربنا -جل وعلا- أن الذين يدفعونهم إلى هذا الجدال بالباطل هم شياطين الإنس والجن.\nقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج: ٣].\nوقد وصف ربنا -جل وعلا- لنا هؤلاء أنهم يجادلون بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، وأن الدافع لذلك هو الكبر في قلوبهم، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦].\n\nعباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أولًا: البعث بعد الموت</span>\nعندما دعا رسول الله - ﷺ - الناس في مكة إلى الإيمان بالبعث بعد الموت، أنكر المشركون ذلك، وجادلوا في عقيدة البعث فأكثروا فيها الجدل، قال تعالى عنهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣]. وقال تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ [المؤمنون: ٨٢].\nولم يتوقف كفار مكة على استبعاد البعث بعد الموت بل أقسموا باللهِ لا يبعث الله من يموت، فقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فأقسم الله لهم بنفسه على أن البعث بعد الموت حق وكائن، فقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨].","vol":"1","page":128},{"text":"بل وأمر ربنا -جل وعلا- رسوله - ﷺ - في ثلاث مواضع من القرآن أن يقسم لهم بالله على أن البعث بعد الموت كائن، فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ [يونس: ٥٣].\n\nعباد الله! ومع ذلك جاء أبيّ بن خلف إلى رسول الله - ﷺ - بعظم بالٍ قد أرمَّ فقال: يا محمَّد! أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم؟! ثم فته بيده، ثم نفخه في الريح نحو رسول الله - ﷺ -، فقال - ﷺ -: \"نعم؛ أنا أقول ذلك؛ يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا، ثم يدخلك النار\".\nوأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيا: الآلهة التي تعبد من دون الله:</span>\nقال ابن إسحاق: \"وجلس رسول الله (ﷺ) -فيما بلغنا- يومًا مع الوليد\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص٢٠١).","vol":"1","page":129},{"text":"بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحدٍ من رجال قريش، فتكلم رسول الله - ﷺ -، فعرض له النضر، فكلمه رسول الله - ﷺ - حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]، ثم قام رسول الله - ﷺ -، وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله، ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا وما قعد، وقد زعم محمَّد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم! فقال عبد الله بن الزبعري -أما- والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: أكل من يعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - .. فأنزل تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢]؛ أي: عيسى ابن مريم، وعزيرًا، ومن عبد من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].","vol":"1","page":130},{"text":"ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨] (١).\n\nعباد الله! وهذا الجدل الذي سلكوه باطل، وهم يعلمون ذلك؛ لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن (ما) لما لا يعقل، فقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾: إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانت صور أصنام، ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور، ولا المسيح، ولا عزيرًا، ولا أحدًا من الصالحين؛ لأن الآية لا تتناولهم لا لفظًا ولا معنى، فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل، كما قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: بنبوتنا ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾؛ أي: دليلًا على تمام قدرتنا على ما نشاء، حيثما خلقناه من أنثى بلا ذكر، وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى، وخلقنا آدم لا من هذا، ولا من هذا، وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]؛ أي: أمارة ودليلًا على قدرتنا الباهرة ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ نرحم بها من نشاء (٢).\n\nعباد الله! وقال ابن عباس - ﵁ -، قال رسول الله - ﷺ - لقريش: \"يا معشر\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (١٩٧ - ١٩٨).\n(٢) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"1","page":131},{"text":"قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم، وما يقول محمَّد فقالوا: يا محمَّد ألست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد الله! صالحًا فلئن كنت صادقًا فإن آلهتهم لكما تقولوا، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾ [الزخرف: ٥٧] (١).\n\nعباد الله! \"وهذا القياس الفاسد من قريش، من تشبيه الأنبياء المكرمين بالأصنام المعبودة غير العاقلة اقتضى الرد عليه، فقال الله تعالى مبينًا عبودية عيسى لله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، وإنه لم يدع إلى عبادة نفسه، بل دعا إلى عبادة الله وحده: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، وسمى القرآن احتجاج قريش بالجدل: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ وهو المراء الباطل حيث كانوا عربًا فصحاء لا يخفى عليهم أن الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ هي خطاب لقريش، وهم يعبدون أصنامًا لا تعقل، وليست خطابًا للنصارى، فلا يرد اعتراضهم على الآية أصلًا -هي لما لا يعقل- بدعوى استحلالها للمسيح ﵇\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثالثا: الروح:</span>\nعباد الله! ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله - ﷺ - سؤالهم عن الروح.\n_________\n(١) إسناده حسن، انظر \"مسند الإِمام أحمد\" رقم (٢٩٧ - ط المؤسسة)، وانظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (١/ ١٣١).\n(٢) انظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":132},{"text":"عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود، أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه. فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا!! قال: فأنزل الله -﷿-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>رابعا: القدر</span>\nعباد الله! ومن المجادلات التي أثارها المشركون مع رسول الله - ﷺ - القدر، وهو إثبات ما قدرة الله وقضاه، وسبق به علمه، وكتبه على عباده فكل ما يقع لهم إنما هو مقدر في الأزل معلوم لله مرادٌ له، فنزلت الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٨ - ٤٩] (٢).\n\nعباد الله! والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان\" كما قال - ﷺ -: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالقدر خيره وشره\".\nوقد جاءت الأدلة في الكتاب والسنة تخبر أن الله -﷿- قدّر كلَّ شيء في كتاب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال تعالى:\n_________\n(١) إسناده صحيح، \"مسند أحمد\" رقم (١٢٣٠٩ - ط المؤسسة)، وانظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٤).\n(٢) صحيح مسلم (رقم ٢٦٥٦).","vol":"1","page":133},{"text":"﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].\nوقال - ﷺ -: \"كتب الله تعالى مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>خامسا: القرآن الكريم</span>\nعباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -، القرآن الكريم، فقالوا عن القرآن: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾.\nقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥]، وقالوا: إنما يعلمه بشر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٤ - ٥]، وطلبوا من رسول الله - ﷺ - أن يغير هذا القرآن أو يبدله.\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٤٣٥٠).","vol":"1","page":134},{"text":"قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾ [يونس: ١٥ - ١٧].\n\nعباد الله! وقد أخبر الله -﷿- ونبه عن خطورة هذا العمل، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]، فلما فشلوا في مجادلتهم قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>سادسا: نزول القرآن منجمًا على رسول الله - ﷺ </span>-\nعباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -؛ نزول القرآن منجمًا على رسول الله - ﷺ -، عن ابن عباس -﵄- قال: قال المشركون: لو كان محمَّد كما يزعم نبيًا فَلِمَ يعذبه ربه؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة، ينزل عليه الآية والآيتين والسورة والسورتين، فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾","vol":"1","page":135},{"text":"[الفرقان: ٣٢] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>سابعا: مجالسة المستضعفين والفقراء من المؤمنين</span>.\nعباد الله! ومن الأمور التي جادل فيها المشركون رسول الله - ﷺ -؟ جلوسهم مع الفقراء من المسلمين، في مجلس واحد، عن خباب - ﵁ - قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله - ﷺ - مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناسٍ من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي - ﷺ - حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد! فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: \"نعم\".\nقالوا: فاكتب لنا عليك كتابًا.\nقال: فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتب -ونحن قعود في ناحية- فنزل جبرائيل ﵇ فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].\nثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣]. ثم قال: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا\n_________\n(١) انظر \"فتح القدير\" الشوكاني (٤/ ٧٥)، و\"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":136},{"text":"فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فألقى رسول الله - ﷺ - الصحيفة من يده ثم دعانا، قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، وهو يقول: \"سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة\"، وكان رسول الله - ﷺ - يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾: ولا تجالس الأشراف ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني: عيينة والأقرع ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال: هلاكًا؛ قال: أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا.\nقال خباب: فكنا نقعد مع النبي - ﷺ -، فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها؛ قمنا وتركناه حتى يقوم\" (١).\n\nعباد الله! مجادلة بالباطل من كفار مكة، ومع ذلك فشلوا في هذه الأساليب جميعها لصد رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٢٢٢ - ٢٢٤).","vol":"1","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الخطبة الخامسة عشرة\nقريش تعود إلى أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب </span>مما جعل كثيرًا من المسلمين يهاجرون إلى الحبشة فرارًا بدينهم من الفتنة\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم إن -شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن أسلوب جديد من أساليب الصد عن دين الله، ألا وهو أسلوب الخنق والتضييق والتعذيب والمطاردة، مما جعل كثيرًا من المسلمين في مكة يهاجروا إلى الحبشة فرارًا بدينهم من الفتنة.\n\nعباد الله! رسولنا - ﷺ - في مكة يدعو الناس سرًا وجهرًا، ليلًا ونهارًا إلى عبادة الله -﷿-، وإلى عقيدة التوحيد، ويحذرهم من الشرك ومن عبادة الأوثان.\nوكفار مكة ينتقلون من أسلوب إلى أسلوب؛ ليصدوا الناس عن دين الله، ويصدوا رسول الله - ﷺ - عن دعوته الجديدة، ومع ذلك الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله - ﷺ -.\n\nعباد الله! بعد ما فشلت قريش في جميع الأساليب، لجأت مرةً أخرى إلى أسلوب الخنق والتضييق والاضطهاد والتعذيب للمسلمين، مما جعلهم يهاجرون إلى الحبشة فرارًا بدينهم من الفتن.\nتقول أم سلمة -﵂-: \"لما ضاقت (مكة)، وأوذي أصحاب رسول الله - ﷺ - وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله - ﷺ - لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله - ﷺ - في منعة من قومه ومن عمه، لا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه؛ فقال لهم","vol":"1","page":138},{"text":"رسول الله - ﷺ -: \"إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه\" (١).\n\nعباد الله! بدأ الرحيل إلى الحبشة تسللًا في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع، فتسلل بضعة عشر رجلًا وامرأة كان على رأسهم عثمان بن عفان - ﵁ - وزوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ -، فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى انتهى إلى مسامعهم أن الاضطهاد والتعذيب والتضييق على المسلمين في مكة قد خفت وطأته، وترك الكفار المسلمين أحرارًا، فعاد المسلمون من الحبشة إلى ديارهم وأرضهم وأهليهم، فبينما هم على مشارف مكة إذ تأكدوا أن الأخبار التي وصلتهم غير صحيحة، وكانت قريش قد أغاظها خروج هؤلاء النفر من بينهم دون علمهم، فلما سمعوا بعودتهم أخذوهم وساموهم سوء العذاب، إلا نفرًا قليلًا منهم قد دخلوا في جوار بعض سادات قريش.\n\nعباد الله! لما اشتد الاضطهاد والتعذيب والإيذاء بالمسلمين في مكة بعد عودة المهاجرين أشار النبي - ﷺ - على أصحابه بالهجرة مرة ثانية إلى الحبشة.\nعن أم سلمة زوج النبي - ﷺ - قالت: \"لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جارٍ، النجاشي، أمنَّا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه.\nفلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما\n_________\n(١) انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٧٠).","vol":"1","page":139},{"text":"يأتيه منها إليه الأدَم (أي الجلود)، فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة -قبل أن يسلما- وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.\nقالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جارٍ فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم.\nوقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لتردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهم: نعم.\nثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.\nقالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم.\nفقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليردَّاهم إلى بلادهم وقومهم.","vol":"1","page":140},{"text":"قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لا هيم الله (أي لا والله) إذًا لا أسلمهم إليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.\nقالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟\nقالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا - ﷺ - كائن في ذلك ما هو كائن.\n\nفلما جاؤوه، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم. فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟\nقالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:\nأيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نحن نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام -قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام- فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا،","vol":"1","page":141},{"text":"فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.\nقالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟\nفقال له جعفر: نعم.\nفقال له النجاشي: فاقرأ عليّ.\nفقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾.\nقالت: فبكى، والله، النجاشي حتى أخضل (أي بلَّ) لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم أبدًا ولا أكاد.\nقالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنه غدًا عيبهم عنده، ثم أستاصل به خضراءهم\nقالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا.\nقال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.\nقالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.\nقالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟","vol":"1","page":142},{"text":"قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟\nفقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.\nقالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا ثم قال: ما عدا (١) عيسى ابن مريم ما قلت؛ هذا العود. فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم -الآمنون- من سبكم غُرِّم، ثم من سبكم غُرِّم ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لي دبرًا ذهبًا -أي جبلًا ذهبًا- وإني آذيت رجلًا منكم، ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.\nقالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار\" (٢).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ مما سمعنا فهي:\n\nأولًا: يجب على العبد المسلم أن يهاجر من البلد التي لم يتمكن فيها من عبادة ربه، إلى بلد آخر يتمكن فيها من عبادة ربه، فقد هاجر أصحاب رسول الله - ﷺ - من مكة عندما ضُيق عليهم إلى الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، وقد هاجر رسول الله (ﷺ) - وهو أفضل خلق الله- من مكة -وهي أفضل بلاد الله- ليتمكن هو وأصحابه من عبادة الله -﷿-.\n_________\n(١) ما تجاوز.\n(٢) إسناده حسن، انظر \"مسند الإِمام أحمد\" رقم (١٧٤٠ - ط المؤسسة) و\"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٧٠).","vol":"1","page":143},{"text":"ثانيًا: أن المؤمنين إذا اتقوا ربهم جعل لهم مخرجًا ودافع عنهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nعباد الله! فقد جعل الله للمهاجرين إلى الحبشة مخرجًا، ودافع عنهم، ونصرهم على أعدائهم.\n\nثالثًا: أن الكفار في كل زمان ومكان ينفقوا أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فالله -﷿- يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].\nوقد تبين لكم يا عباد الله! من حديث أم سلمة -﵂-، كيف أنفق كفار مكة أموالهم في إرسال الهدايا إلى النجاشي، وإلى بطارقته ثم كانت النتيجة حسرة عليهم.\n\nرابعًا: أن من صدق نجا، فعندما صدق جعفر بن أبي طالب - ﵁ - ومن معه مع النجاشي ولم يكتموا شيئًا من عقيدتهم، فكانت العاقبة أحسن العواقب وأحمدها، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩].\nوقال - ﷺ -: \"عليكم بالصدق فإن الصدق، يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة .. \".\n\nخامسًا: فضل النجاشي الملك العادل الذي لم يظلم المسلمين في أرضه ودافع عنهم وحافظ عليهم، فقد قال فيه الرسول - ﷺ - حين مات: \"مات","vol":"1","page":144},{"text":"اليوم رجل صالح، فقدموا فصلوا على أخيكم (أصحمة) \" (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: \"أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات\" (٢).\nقالت عائشة -﵂-: \"لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور\" (٣).\n\nعباد الله! ما هو أعجب ما رأى المهاجرون إلى الحبشة في أرض الحبشة؟\nهذا الذي نعرفه -إن شاء الله -تعالى في الجمعة القادمة.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٨٧٧).\n(٢) \"أحكام الجنائز\" (ص ٤٥) الألباني.\n(٣) قال الألباني: إسناده حسن انظر \"صحيح السيرة النبوية\" (ص ١٨١).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الخطبة السادسة عشرة\nالهجرة إلى الحبشة وأعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون أيضًا عن هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة، وعن أعجب ما رأى المسلمون في أرض الحبشة.\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن المسلمين هاجروا من مكة إلى الحبشة فرارًا بدينهم، ولأن النبي - ﷺ - قال لهم: \"إن بالحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه\".\nتقول أم سلمة -﵂-: \"فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا، ولم نخش فيها ظلمًا\".\nتقول: \"فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارًا وأمنًا، غاروا منا، فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا، ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم\".\nفبعد أن ذكرت -﵂- المحاولة الفاشلة التي قام بها كفار مكة قالت: \"ثم قال النجاشي: فوالله؛ ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، ولا أطاع الناس فيّ؛ فأطيع الناس فيه؟! ردوا عليهما هداياهم، فلا حاجة لي بها، واخرجا من بلادي\".\nتقول -﵂-: \"فخرجا مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به\".","vol":"1","page":146},{"text":"تقول - ﵂-: \"فأقمنا مع خير جار في خير دار\" (١).\n\nعباد الله! لما فشلت قريش في محاولتها الغادرة وهي إرجاع المهاجرين من أرض الحبشة إلى مكة، أخذوا يصبوا العذاب صبًا على المسلمين في مكة ويضيقون عليهم.\n\"فهذا أبو بكر الصديق - ﵁ - حين ضاقت عليه (مكة) وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله - ﷺ - وأصحابه ما رأى؛ استأذن رسول الله - ﷺ - في الهجرة، فأذن له\" (٢).\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى عائشة -﵂- وهي تخبرنا الخبر، تقول -﵂-: \"لم أعقل أبويّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم، إلا يأتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ بَرْك الغماد -وهو موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن- لقيه ابن الدُّغنة -وهو سيد القارة (٣) - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟\nفقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدَّغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدَّغنة فطاف ابن الدَّغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا\n_________\n(١) انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص. ١٧ - ١٧٧).\n(٢) انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٢١٢).\n(٣) القارة: قبيلة مشهورة، يضرب بهم المثل في قوة الرمي.","vol":"1","page":147},{"text":"يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟\nفلم تكذب قريش بجوار ابن الدَّغنة، وقالوا له: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء؛ ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.\nفقال ذلك ابن الدَّغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر كذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر؛ فابتني مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه.\nوكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من الشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتني مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه؛ فإن أحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك -أي ننقض عهدك- ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.\nقالت عائشة: فأتى ابن الدَّغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدتك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرتُ في رجل عقدتُ له.\nفقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله -﷿-\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣٩٠٥).","vol":"1","page":148},{"text":"عباد الله! وهذا أبو موسى الأشعري - ﵁ - يخبرنا عن هجرته هو وأصحابه إلى الحبشة.\nعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: \"بلغنا مخرج النبيﷺ - ونحن باليمن، فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا، فوافقنا النبي - ﷺ - حين افتتح خيبر، فقال النبي - ﷺ -: \"لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان\" (١).\n\nعباد الله! قال النبي - ﷺ - ذلك عندما قال عمر بن الخطاب - ﵁ - لأصحاب السفينة: \"سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله - ﷺ - منكم\"، فلما بلغ الخبر إلى النبي - ﷺ - قال: \"لا ما هو بأحق بي منكم وله (أي: لعمر وأصحابه) هجرةٌ واحدة ولكم يا أهل السفينة هجرتان\" (٢).\nولما عاد مهاجروا الحبشة إلى رسول الله - ﷺ - جعل يسألهم ويخبرونه بما رأوا في أرض الحبشة من أعاجيب:\nفعن جابر - ﵁ - قال: لما رجع مهاجروا البحر إلى رسول الله - ﷺ - قال لهم رسول الله - ﷺ -: \"ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟! \" قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينما نحن جلوس، إذ مرت عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قُلَّةً من ماء، فقام إليها فتىً من فتيانهم فوضع إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها. فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم، يا غُدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون،\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٣٠، ٤٢٣١).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٣٠، ٤٢٣١)، ومسلم (رقم ٢٥٠٢، ٢٥٠٣).","vol":"1","page":149},{"text":"فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"صدقت. صدقت. كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟ \" (١).\n\nعباد الله! وفي هذا الحديث فوائدٌ عظيمة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>أولًا: تحريم الظلم</span>.\nقال الله -تعالى- في الحديث القدسي: \"يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا\" (٢)، وقال - ﷺ -: \"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣].\n\nعباد الله! الظلم عاقبته وخيمة، والله -﵎- يأخذ من الظالم للمظلوم يوم القيامة، فلا يدخل أحدٌ الجنة ولواحد من أهل النار عنده مظلمة، ولا يدخل أحد النار ولواحد من أهل الجنة عنده مظلمة.\nقال - ﷺ -: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء\" (٤).\n_________\n(١) \"صحيح سنن ابن ماجه\" (رقم ٣٢٣٩).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٥٧٧).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٥٧٨).\n(٤) رواه مسلم (رقم ٢٥٨٢).","vol":"1","page":150},{"text":"وقال - ﷺ -: \"من اقتطع\" -أي أخذ- \"حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة\"، فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ فقال - ﷺ -: \"وإن قضيبًا من أراك\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه\" (٢).\nولذلك قال - ﷺ - لأصحابه: \"أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال - ﷺ -: \"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار\" (٣).\n\nعباد الله! فالظالم خسران في الدنيا والآخرة.\nوالظالم لا يحبه الله، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.\nوالظالم ملعون، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].\n\nعباد الله! الظلم سبب لهلاك الأمم.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٣٧).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٦٥٣٤).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٥٨١).","vol":"1","page":151},{"text":"قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، وعن أبي موسى الأشعري قال: قال - ﷺ -: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١).\nوقال - ﷺ - في هذا الحديث الذي معنا \"كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم\".\nابن آدم!\nلا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم يرجع عقباه إلى الندم\nتنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>ثانيًا: أن نصر المظلوم واجب على القادر عليه</span>.\nقال - ﷺ -: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال - ﷺ -: \"تمنعه من ظلمه فذلك نصره\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه\" (٣).\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع، .. وذكر منها نصر المظلوم\" (٤).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٦٨٦)، ومسلم (رقم ٢٥٨٣).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٦٩٥٢).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٥٨٠).\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٦٣٥)، ومسلم (رقم ٢٠٦٦).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>ثالثًا: إثبات البعث، والحشر، والحساب، والجزاء:</span>\nوهذا يظهر من قول العجوز للفتى الذي ظلمها واعتدى عليها: سوف تعلم، يا غُدر! إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والأخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا\".\nقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ [لقمان: ٣٣].\nوقال - ﷺ -: \"ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار، ولو بشق تمرة، ولو بكلمة طيبة\" (١).\nابن آدم:\nمثل وقوفك يوم العرض عريانا ... مستوحشًا قلق الأحشاء حيرانا\nوالنار تلهب من غيظ ومن حنق ... على العصاة ورب العرش غضبانا\nإقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... فهل ترى فيه حرفًا غير ما كان\nلما قرأت ولم تنكر قراءته ... إقرار من عرف الأشياء عرفانا\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٥٦٧٤).","vol":"1","page":153},{"text":"نادى الجليل خذوه يا ملائكتي ... وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا\nالمجرمون غدًا في النار يلتهبوا ... والمؤمنون في دار الخلد سكانا\n\nعباد الله! ومن أعاجيب ما رأى المهاجرون في أرض الحبشة ما رواه البخاري ومسلم في \"صحيحيهما\" عن عائشة -﵂- قالت: \"لما كان مرض النبي - ﷺ -، تذاكر بعض نسائه كنيسةً بأرض الحبشة يقال لها (مارية) وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها. فقال النبي - ﷺ -: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، فصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (١).\n\nعباد الله! وفي هذا الحديث فائدة عظيمة جدًا، ألا وهي حرمة بناء المساجد على القبور.\nعن عائشة وابن عباس -﵄- قالا: \"لما نزل برسول الله - ﷺ -، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يُحذر مثل ما صنعوا\" (٢).\nوقالت عائشة -﵂-، قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\"، قالت:\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٧)، ومسلم (رقم ٥٢٨).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (رقم ٥٣١)، انظر \"أحكام الجنائز\" الألباني (ص ٢٧٥).","vol":"1","page":154},{"text":"فلولا ذاك أبرزَ قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"إن من شرار الناس من تدركه الساعة، وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد\" (٤).\n\nعباد الله! من هذه الأحاديث يتبين لنا:\n١ - أن بناء المساجد على القبور حرام، وكبيرة من الكبائر، ومن فعل ذلك فهو من شرار الخلق عند الله يوم القيامة.\n٢ - أن الصلاة إلى القبور مستقبلًا لها حرام.\n٣ - أن السجود على القبور حرام.\nفليتق الله الذين يبنون المساجد على القبور، والذين يدفنون أنفسهم وأقاربهم في المساجد التي بنوها، فإن هذا حرام وكبيرة من الكبائر، والذي\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم ١٣٣٠)، ومسلم (رقم ٥٢٩)، انظر \"أحكام الجنائز\" الألباني (ص ٢٧٦).\n(٢) صحيح، انظر \"أحكام الجنائز\" الألباني (ص ٢٧٦).\n(٣) أخرجه مسلم (رقم ٥٣٢).\n(٤) صحيح، انظر \"أحكام الجنائز\" الألباني (ص ٢٧٨).","vol":"1","page":155},{"text":"يفعل ذلك هو من شرار الخلق عند الله، وقد حبط عمله وغضب الله عليه ولعنه.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الخطبة السابعة عشرة\nإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن إسلام حمزة ابن عبد المطلب وعمر بن الخطاب -﵄ -.\n\nعباد الله! تبين لنا من الجُمع السابقة أن كفار مكة استخدموا جميع الأساليب لمنع الناس من الدخول في دين الله ولكنهم فشلوا في ذلك، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ [يوسف: ٢١]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].\n\nعباد الله! كفار مكة بالليل والنهار يحاولون أن يمنعوا الناس من الدخول في دين الله، ومع ذلك الناس في كل يوم يدخلون في دين الله ويتبعون رسول الله - ﷺ -، فهذا حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - ... أتعرفونه؟ عمَّ رسول الله - ﷺ -، وأخوه من الرضاعة، قال فيه رسول الله - ﷺ -: \"سيد الشهداء عند الله يوم القيامة؟ حمزة بن عبد المطلب\" (١).\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٣٥٧٠).","vol":"1","page":157},{"text":"يروى في سبب إسلامه - ﵁ - أن جارية عيَّرته بإيذاء أبي جهل لابن أخيه محمَّد - ﷺ - فتوجه إليه وغاضبه وسبه وقال له: كيف تسب محمدًا وأنا على دينه، فشجه شجة منكرة، فكان إسلامه في بداية الأمر أنفة، ثم شرح الله صدره بنور اليقين، حتى صار من أفاضل المؤمنين\" (١).\nوعن محمَّد بن كعب القرظي قال: كان إسلام حمزة - ﵁ - حمية، وكان يخرج من الحرم فيصطاد، فإذا رجع مرَّ بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة، فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم فلقيته امرأة فقالت: ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل، شتمه وتناوله وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحدٌ؟ قالت: إي والله لقد رآه الناس، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم، فاتكأ على قوسه، وقال: رميت كذا وكذا وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدق سنتها، ثم قال: خذها بالقوس، وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله - ﷺ -، وأنه جاء بالحق من عند الله قالوا: يا أبا عمارة إنه سب آلهتنا، وإن كنت أنت- وأنت أفضل منه- ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشًا\" (٢).\n\nعباد الله! ثم شرح الله صدر حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - للإسلام وثبت عليه، فعلمت قريش أن رسول الله - ﷺ - قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه\n_________\n(١) رواه ابن إسحاق (١/ ٣٠٤).\n(٢) قال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلًا ورجاله رجال الصحيح \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٦١).","vol":"1","page":158},{"text":"فكفوا عن بعض ما كانوا ينالوا منه\" (١).\n\nعباد الله! وهذا عمر بن الخطاب - ﵁ - .. أتعرفونه؟ الفاروق الذي قال فيه - ﷺ -: \"لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب\" (٢) وقال عنه - ﷺ -: \"لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون\" -أي ملهمون- \"فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر\" (٣). وقال عنه - ﷺ -: \"إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر\" (٤).\nالفاروق عمر بن الخطاب - ﵁ - الذي قال عن نفسه: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله! يدخل على نسائك البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي - ﷺ - في الغَيْرة فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت كذلك\" (٥).\n\nأمة الإسلام! كان عمر بن الخطاب - ﵁ - قبل إسلامه من أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - وأكثرهم إيذاء وتعذيبًا للمسلمين، قال سعيد بن زيد - ﵁ - وهو ابن ابن عم عمر، وزوج أخته فاطمة بنت الخطاب-: \"والله لقد رأيتني وإن\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٣/ ٣٣).\n(٢) \"السلسلة الصحيحة\" (٣٢٧).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة، ومسلم (رقم ٢٣٩٨) من حديث عائشة.\n(٤) \"صحيح الجامع\" (٢٤٩٢).\n(٥) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٢)، ومسلم (رقم ٢٣٩٩).","vol":"1","page":159},{"text":"عمر لموثقي على الإِسلام قبل أن يسلم\" (١).\n\nعباد الله! كان عمر بن الخطاب رجلًا قويًا مهيبًا، وكان يؤذي المسلمين ويشتد عليهم، حتى يئس بعضهم من إسلامه لما رأى من غلظته وقسوته على المسلمين، ولكن شدة عمر الظاهرة تكمن خلفها رحمة ورقة، وكان بعض المسلمين مما يرى من قسوة عمر على المسلمين كان يقول: بأنه لا يمكن أبدًا أن يسلم عمر.\nعن أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت: \"والله، إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر بن ربيعة (تعني زوجها) في بعض حاجاتنا؛ إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه، قالت: وكنا نلقي منه من البلاء؛ أذى لنا وشدة علينا، قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله؟\nقلت: نعم، والله لنخرجن في أرض من أرض الله- إذ آذيتمونا وقهرتمونا- حتى يجعل الله لنا مخرجًا.\nقالت: فقال: صَحِبَكُم الله. ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه- فيما أرى- خروجنا.\nقالت: فجاء عامر (وهو زوجها) بحاجته تلك.\nفقلت له: يا أبا عبد الله! لو رأيت عمر آنفًا ورقته وحزنه علينا!\nقال: أطمعت في إسلامه؟\nقالت: نعم.\nقال: لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب!\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٨٦٢).","vol":"1","page":160},{"text":"قالت: يأسًا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإِسلام\" (١).\n\nعباد الله! ولكن الله -﵎- القادر على كل شيء -كما أنه يحيي الأرض بعد موتها- كذلك يحيى القلوب القاسية بعد موتها.\nولذلك لما ذكر الله في كتابه قسوة قلوب أهل الكتاب محذرًا منها، عقَّب على ذلك بذكر قدرته على إحياء الأرض الميتة حتى لا ييأس أصحاب القلوب القاسية من إحيائها.\nفقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].\nوقد علم الله -﷿- أن قسوة قلب عمر قسوة عارضة لا مستحكمة، ولا دائمة، ولذلك هيأ له الأسباب للإسلام، وإذا أراد الله شيئًا هيأ له أسبابه ليكون.\n\nعباد الله! ومن أسباب إسلام عمر بن الخطاب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>أولًا: سماعه للقرآن الكريم: </span>فالقرآن هو كلام الله، له تأثير في القلوب.\nفيروى عن عمر أنه قال: \"خرجت أتعرض رسول الله - ﷺ - قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال:\nفقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، قلت: كاهن، قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾\n_________\n(١) انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٨٩).","vol":"1","page":161},{"text":"[الحاقة: ٤٢]، حتى بلغ آخر السورة. قال: فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع\" (١).\n\nعباد الله! وهذه القصة فيها ضعف، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات وإسلامه فلم يثبت شيء من هذه القصص من طريق صحيحه.\nولكن الحافظ ابن حجر ذكر بان الباعث له على دخوله في الإسلام ما سمع في بيت أخته فاطمة من القرآن .. وعدم ثبوت الروايات حديثيًا لا يعني حتمية عدم وقوعها تاريخيًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>ثانيًا: دعاء النبي - ﷺ - له:</span>\nعن ابن عمر - ﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اللهم! أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب\" قال: فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب\" (٣).\n\nعباد الله! استجاب الله -﵎- دعاء رسول الله - ﷺ -، فأسلم عمر بن الخطاب - ﵁ -، فاعتز به الإِسلام وفرح المسلمون بإسلامه فرحًا عظيمًا، وازدادوا بإسلامه قوة ومنعة وعزة ورفعة.\nقال ابن مسعود - ﵁ -: \"ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر\" (٤).\n_________\n(١) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٦٢): \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات إلا شريح بن عبيد لم يدرك عمر، فالحديث ضعيف لانقطاعه\".\n(٢) انظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (١/ ١٨٠).\n(٣) انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٩٣).\n(٤) رواه البخاري (رقم ٣٦٨٤).","vol":"1","page":162},{"text":"وقال أيضًا: \"لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي\" (١).\nوقال أيضًا: \"إن إسلامه كان نصرًا\" أي للإسلام والمسلمين (٢).\nوقال ابن عباس -﵄- لعمر بن الخطاب حين طعن: \"فلما أسلمت كان إسلامك عزًا، وأظهر الله بك الإِسلام ورسول الله وأصحابه\" (٣).\nلما أسلم عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يرض أن يستخفي كما يستخفي المسلمون، بل أصر على إعلان إسلامه، وإظهار دينه، والجهر بصلاته.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عمر -﵄- وهو يخبرنا الخبر: عن ابن عمر قال: \"لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه.\nقال عبد الله: وغدوت أتبع أثره، وانظر ما يفعل- وأنا غلام أعقل كل ما رأيت- حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسملت ودخلت في دين محمَّد - ﷺ -؟\nقال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن ابن الخطاب قد صبأ!\n_________\n(١) \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٢٧٠) بإسناد صحيح.\n(٢) \"المعجم الكبير للطبراني\" (٩/ ١٨١) بإسناد حسن.\n(٣) \"المعجم الأوسط للطبراني\" (١/ ٣٣٤) بإسناد حسن.","vol":"1","page":163},{"text":"قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم.\nقال: وطلح (أي أعيا) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فاحلف بالله أن لو كنا ثلاث مئة رجلٍ لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا قال: فبينما هم على ذلك؛ إذ أقبل شيخ من قريش -عليه حلة حبرة وقميص موشى- حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟\nفقالوا: صبأ عمر! قال: فمه؛ رجل اختار لنفسه أمرًا؛ فماذا تريدون؟! أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟! خلوا عن الرجل، قال: فوالله؛ لكأنما ثوبًا كُشط عنه.\nقال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى (المدينة): يا أبت! من الرجل الذي زجر القوم عنك بـ (مكة) يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟\nقال: ذاك أي بني! العاص بن وائل السهمي (١).\nقال ابن عباس -﵄-: \"أول من جهر بالإِسلام عمر بن الخطاب\" (٢)، أسلم عمر وانتشر الخبر وازداد الكفار همًا وغمًا، وازداد المسلمون فرحًا وعزة ومنعة بإسلام عمر.\n\nعباد الله! ولم يكتف عمر - ﵁ - بذلك بل طلب من النبي - ﷺ - أن يُعلن إسلامه في كل مجلس كان يجلسه في الكفر.\n_________\n(١) إسناده جيد قوي، انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ١٩١).\n(٢) رواه الطبراني، وإسناده حسن، كما في \"المجمع\" (٩/ ٦٣).","vol":"1","page":164},{"text":"عن عمر - ﵁ - أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إني لا أدع مجلسًا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإِسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة، فجعل يُعلن الإِسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.\nفثار المشركون، فجعلوا يضربونه ويضربهم، فلما تكاثروا خلصه رجل\" (١).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عمر - ﵁ -:\nاْولأ: أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل: فقد انتفع عمر بن الخطاب بدعاء النبي - ﷺ -.\nفاحذر يا أيها المسلم أن تبخل على نفسك وعلى إخوانك بالدعاء، فالدعاء مستجاب، وليس شيء أكرم على الله -﵎- من الدعاء، فادع الله -﵎- واسأله من فضله.\n\nثانيًا: يجوز للمسلم أن يدعو للكافر بالهداية، فقد دعا النبي - ﷺ - لعمر بن الخطاب بالهداية، فقال - ﷺ -: \"اللهم أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب\" فكان أحبهما إليه عمر بن الخطاب.\nوقد دعا النبي - ﷺ - لأم أبي هريرة بالهداية، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كنت أدعو أمي إلى الإِسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله - ﷺ - ما أكره، فأتيت رسول الله - ﷺ - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإِسلام فتأبى علي، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما\n_________\n(١) رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات كما قال الهيثمي.","vol":"1","page":165},{"text":"أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال - ﷺ -: \"اللهم اهد أم أبي هريرة\" فخرجت مستبشرًا بدعوة النبي - ﷺ - فلما جئت فصرت إلى الباب وقرُبت منه، فإذا هو مجاف، فسمعتْ أمي خَشَفَ قدمي، فقال: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فأتيته وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله! أبشر، فقد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وقال: \"خيرًا\".\n\nعباد الله! إذا كان الدعاء للكافر بالهداية جائز ومشروع، فالدعاء للمسلم العاصي بالتوبة والرجوع إلى الله من باب أولى، فإذا رأيت مسلمًا عاصيًا فادع الله أن يرده إلى الإِسلام، وأن يعود إلى ربه، فدعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند الرب -﵎-.\n\nثالثًا: المسلم عزيز بإسلامه والكافر ذليل بكفره، فهذا عمر بن الخطاب اعتز بإسلامه فاعلن به بكل عزة وفخر أمام الكفار، كيف لا، وهو الذي قال: \"كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله\".\n\nأمة القرآن: أما آن الأوان أن نعود إلى إسلامنا لنعتز به فقط، ولا نعتز بغيره، فيا عباد الله! الرجوع الرجوع إلى الإِسلام فإن فيه والله العزة، وبه تنتصرون على أعدائكم.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الخطبة الثامنة عشرة\nالمقاطعة العامة والحصار الاقتصادي</span>، وفاة أبي طالب وخديجة ﵂، رحلة رسول الله - ﷺ - إلى الطائف\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الأحداث التالية:\n\nأولًا: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي\nثاتيأ: وفاة أبي طالب وخديجة -﵂-.\nثالثًا: رحلة رسول الله - ﷺ - إلى الطائف.\n\nعباد الله! لما فشلت قريش في استعادة المسلمين من الحبشة، ورأت أن الناس يدخلون في دين الله، ويتبعون رسول الله - ﷺ - وعلى رأس هؤلاء حمزة ابن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب -﵄-، الذي ازداد المسلمون بإسلامهما فرحًا وعزة ومنعة، عزمت قريش على قتل رسول الله - ﷺ -.\nعباد الله! وحدد النبي - ﷺ - المكان الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر -يعني تحالفها على مقاطعة بني هاشم حتى يسلموا لهم رسول الله - ﷺ - ليقتلوه- فذكر أنه خيف بني كنانة.\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبيﷺ - من الغد يوم النحر وهو بمنى: \"نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر\".\nيعني بذلك المُحَصَّبَ، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب؛ أن لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم حتى يسلموا إليهم","vol":"1","page":167},{"text":"النبي - ﷺ -\" (١).\n\nعباد الله! لما رأى أبو طالب إصرار قريش على قتل النبي - ﷺ -، جمع بني عبد المطلب ودعاهم إلى الدخول بالنبي - ﷺ - في شعب أبي طالب، ودعاهم أيضًا إلى أن يمنعوا النبي - ﷺ - من كل من أراد قتله، فاجتمع على ذلك مؤمنهم وكافرهم، منهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعل ذلك إيمانًا ويقينًا.\nفلما رأت قريش أن بني هاشم وبني عبد المطلب دخلوا بالنبي - ﷺ - الشِّعب ليمنعوه ممن أراد قتله، اتفقوا فيما بينهم على مقاطعة عامة لبني هاشم وبني عبد المطلب، وأجمعوا أمرهم أن لا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم، ولا ينكحوهم ولا ينكحوا منهم، حتى يسلموا إليهم النبي - ﷺ - ليقتلوه، وكتبوا ذلك في صحيفة، وعلقوها في جوف الكعبة، ومضى على ذلك ثلاث سنين، فجُهد النبي - ﷺ - ومن معه جهدًا شاقًا، وأنهكهم الجوع، وهم في ذلك صابرون محتسبون، واثقون من أن الله -تعالى- جاعل لهم من هذا الضيق فرجًا ومخرجًا.\n\nعباد الله! فلم تمض الثلاث سنين على هذا الحصار وهذه المقاطعة حتى فرق الله كلمة المشركين، وفرق جمعهم، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن سر هذه المقاطعة، وسبب هذا الحصار الذي فرضوه على بني هاشم وبني عبد المطلب، ونفعه وضرره، وماذا جنوا منه وماذا استفادوا، فاجتمع رجال من قريش على نقض هذه الصحيفة الظالمة.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٥٩٠)، ومسلم (رقم ١٣١٤).","vol":"1","page":168},{"text":"عباد الله! خرج النبي - ﷺ - ومن معه من الشعب، وقد أنهكهم الجوع، وأصابهم الضيق والشدة والبلاء، كل ذلك ببغي قريش وظلمها والله -﷿- يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nفرأى النبي - ﷺ - أن يدعو الله على قريش أن يصيبهم بمثل ما أصابهم فقال - ﷺ -: \"اللهم سبعٌ كسبع يوسف\".\nأي سبع سنين جدبًا، وفي رواية \"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" (١).\nفأخذتهم سنة، محت كل شيء، حتى أكلوا أوراق الشجر والميتة والجيفة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى الدخان من شدة الجوع، فلم يجدوا بدًا من أن يأتوا رسول - ﷺ - ويسألونه أن يدعو الله ليفرج كربهم، فدعا لهم رسول الله - ﷺ - فسقوا الغيث ورفع الله ما نزل بهم.\n\nعباد الله! إنها أخلاق النبوة\nعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: لما رأى رسول الله - ﷺ - الناس إدبارًا قال: \"اللهم! سبع كسبع يوسف\" فأخذتهم سنة، حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاء أبوسفيان، وناس من أهل (مكة)، فقالوا: يا محمَّد! إنك تزعم أنك بُعثت رحمة، وإن قومك قد هلكوا؛ فادع الله لهم، فدعا رسول الله - ﷺ - فسقوا الغيث\" (٢).\n\nعباد الله! وما أن خرج النبي - ﷺ - من الشعب حتى فاجأ المرض أبا طالب\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠٠٧)، ومسلم (رقم ٢٧٩٨).\n(٢) صحيح، انظر \"صحيح السيرة النبوية\" الألباني (ص ٢٢٧).","vol":"1","page":169},{"text":"عم رسول الله - ﷺ -.\nوكان أبو طالب \"يحوط النبي ويغضب له\" (١)، \"وينصره\" (٢)، وكانت\nقريش تحترمه.\nعباد الله! أبو طالب أشرف على الموت، فأتاه النبي - ﷺ - يدعوه للإسلام لعله يموت عليه، ولكن الهدى هدى الله.\nعن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبيُّ - ﷺ -، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي - ﷺ -: \"يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله\". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أي أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\" فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤].\nوأنزل الله -﷿- قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (٣).\n\nعباد الله! وهكذا مات أبو طالب على الكفر، وخرج من الدنيا على غير لا إله إلا الله، إلا أن الله تفضل عليه بما قدم لرسول الله - ﷺ -، فشفَّع فيه رسول الله - ﷺ - فأخرجه من أسفل النار إلى أعلاها.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٦٢٥٨).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٠٩).\n(٣) أخرجه البخاري (رقم ١٣٦٠)، ومسلم (رقم ٢٤).","vol":"1","page":170},{"text":"عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت يا رسول الله! إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال - ﷺ -: \"نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح من النار\" (١).\nوعن ابن عباس -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أهون أهل النار عذابًا أبو طالب وهو ينتعل نعلين يغلي منهما دماغه\" (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: \"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه\" (٣).\nولكن لم يشفع له النبي - ﷺ - أن يخرج من النار؛ لأنه لا يخرج من النار من مات كافرًا أبدًا، وحرم الله الجنة على من مات كافرًا أو مشركًا.\n\nعباد الله! مات أبو طالب، ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ماتت الزوجة الوفية الأمينة خديجة بنت خويلد -﵂- فحزن عليها رسول الله - ﷺ - حزنًا شديدًا، وظل يذكرها بعد موتها بكل خير، ويثني عليها أحسن الثناء، حتى أن عائشة -﵂- غارت منها بعد موتها ولم ترها، من كثرة ذكر الرسول - ﷺ - لها.\nعن عائشة -﵂- قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي - ﷺ - ما غرت خديجة، وما رأيتها قط ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يُقطعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن\n_________\n(١) أخرجه مسلم (رقم ٢٠٩).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢١٢).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨٨٥)، ومسلم (رقم ٢١٠).","vol":"1","page":171},{"text":"في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: \"إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد\" (١).\nوقال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران\" (٢).\nجبريل ﵇ يقرئ خديجة السلام من ربها، ويبشرها بقصر في الجنة قال أبو هريرة - ﵁ -: \"أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب\" (٣).\n\nعباد الله! مات أبو طالب على الكفر، وماتت خديجة على الإيمان، لتعلموا يا عباد الله! أن الموت حق على الجميع على المؤمن والكافر وعلى الكبير والصغير وعلى الغني والفقير وعلى القوي والضعيف فما من أحدٍ منَّا إلا وسيأتيه الموت ويخرج من هذه الدنيا، لكن هنيئًا لمن خرج على الإيمان والعمل الصالح، وخاب وخسر من جاءته المنية وهو على الكفر ومعصية الله.\nقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ [الرحمن: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨١٨)، ومسلم (رقم ٢٤٣٣).\n(٢) صحيح رواه أحمد (٢٦٦٨).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨٢٠)، ومسلم (رقم ٢٤٣٢).","vol":"1","page":172},{"text":"وقال جبريل ﵇ لرسولنا - ﷺ -: \"يا محمَّد عش ما شئت فإنك ميت .. \".\nابن آدم!\nلا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد\nلم تغن عن هرمز يومًا خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا\nولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها تردوا\nأين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفدُ\nحوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من وروده يومًا كما وردوا\nعباد الله!\nنسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل\nولم أر مثل الموت حقًا كأنه ... إذا ما تخطته الأماني باطل\nوما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شاعل\nترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل\n\nعباد الله! لما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله - ﷺ - من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فرأى رسول الله - ﷺ - أن يغير البيئة، وأن يخرج بالدعوة من مكة إلى غيرها، لعله يجدُ من القبائل والعشائر من يقبل الدعوة، ويحميه حتى يبلغ رسالة ربه، فخرج إلى الطائف ماشيًا يلتمس النصرة من ثقيف، رجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله -﷿-، ولكنها لم تستجب له، وأغرت به صبيانها فرشقوه بالحجارة حتى أدموه، فقابل ذلك بالصبر والرضا وخرج عائدًا إلى مكة، مهمومًا حزينًا فبعث الله له ملك الجبال لينتقم منهم، فقابل الإساءة بالإحسان والعفو","vol":"1","page":173},{"text":"والصبر، ولم يوافق ملك الجبال على هلاكهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\nعن عائشة -﵂- قالت: قلت يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟\nقال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (يعني عقبة الطائف)، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتامره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمَّد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ - جبلان بمكة-، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا\" (١).\nإنها أخلاق النبوة، إنها الرحمة، ورجع النبي - ﷺ - إلى مكة، وكان بيده أن يتخلص من الكفار، وأن يستريح من شرهم، وأن يمسك هو الحكم ليقوم بما يريد، ولكن ليس بهذه الطريقة جاء الأنبياء إلى هذه الأرض، إنهم جاءوا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٣١)، ومسلم (رقم ١٧٩٥).","vol":"1","page":174},{"text":"عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذه الأحداث فهي:\n\nأولًا: المقاطعة العامة والحصار الاقتصادي، ومطاردة الناس في أرزاقهم؛ من أخلاق الكفرة من قديم الزمان وإلى يومنا هذا، ففي مكة فعلت قريش ذلك برسول الله - ﷺ - وأصحابه، وحاصروهم في شعب أبي طالب، وإلى يومنا هذا الكفار يضربون الحصار الاقتصادي، والحظر على بلاد المسلمين، نقول للكفار في كل مكان: أرزاق العباد بيد الله وليست بايديكم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ: ٢٤] ونقول للكفار: إن الله -﷿- بفضله وكرمه ورحمته، لم يكل رزق العباد إلى غيره، قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].\n\nعباد الله! أيرزق الله الدواب والطيور وينسى الذين يقولون: لا إله إلا الله، أيرزق الله الكفرة الفجرة الذين يحاربون الله ويحاربون دينه وعباده، ويحرم الذين يعبدونه وينصرون دينه!!\nقال - ﷺ -: \"إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"لو أن ابن آدم هرب من الرزق كما يهرب من الموت،\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (١٦٢٦).","vol":"1","page":175},{"text":"لأدركه رزقه كما يدركه الموت\" (١).\nولذلك قال - ﷺ -: \"إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله، لا ينال إلا بطاعته\" (٢).\n\nثانيًا: الرحمة والعفو والصفح من أخلاق رسولنا - ﷺ -، فقد فعل الكفار ما فعلوا برسول الله - ﷺ - وأصحابه، ولما دعا عليهم الرسول - ﷺ - بسبع كسبع يوسف واستجاب الله له فيهم، وجاءوا إلى رسول الله - ﷺ - يطلبون منه أن يدعو الله أن يرفع عنهم ذلك العذاب، فدعا رسول الله - ﷺ - ربه أن يغيثهم. وعندما اعتدى أهل الطائف على رسول الله - ﷺ - ورشقوه بالحجارة حتى أدموه، وجاء ملك الجبال يطلب من رسول الله - ﷺ - أن يأمره أن يطبق على الكفار الجبلين، رفض رسول الله - ﷺ - ذلك وقال: \"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا\"\nإنها أخلاق النبوة .. كيف لا والله -﷿- يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n\nثالثًا: على الدعاة أن يصبروا على دعوتهم وعلى إيذاء الناس لهم، فلا بأس ولا قنوط من إسلام الكفرة والفجرة، ولا من توبة العصاة الفسقة،\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٥١١٦).\n(٢) صحيح بشواهده، انظر \"صحيح الجامع\" (٢٠٨١).","vol":"1","page":176},{"text":"فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وكم من رجل خرج ليلًا ليقتل النبي - ﷺ - فما أصبح إلا وهو من أتباعه، فلا يجوز للداعي أن ييأس من الناس، ولا يجوز أن يقنط من الناس، فالله -﷿- هو الهادي، والداعي ما عليه إلا البيان، وأجره على الله.\n\nرابعًا: جليس السوء يضر صاحبه في الحياة الدنيا، وعند الموت، ويوم القيامة، فقد تبين لكم أن جليس السوء -وهو أبو جهل- قد أضر بصاحبه عندما قال له رسول الله - ﷺ -: \"يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله\" فقال له أبو جهل: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فخرج الرجل من الدنيا على ملة عبد المطلب -على الكفر- وهكذا الجليس السوء.\nولكن إذا جلس الجليس الصالح عند صاحبه عند الموت قال له: (قل لا إله إلا الله) فيقولها.\nوالرسول - ﷺ - يقول: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (١).\n\nاللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.\n_________\n(١) حسن، انظر \"أحكام الجنائز\" (ص ٤٨).","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الخطبة التاسعة عشرة: الإسراء والمعراج</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإسراء والمعراج.\n\nعباد الله! الإسراء والمعراج كان مكافأة ربانية، ومواساة للرسول - ﷺ - بعد الحصار الظالم الذي استمر ثلاث سنوات في شعب أبي طالب، وبعد وفاة الناصر الحميم أبي طالب، والزوجة الوفية الأمينة خدبجة -﵂-، وبعد رحلة الطائف الأليمة.\nفكانت هذه الرحلة الربانية، التي أكرم الله -﵎- فيها رسوله - ﷺ -؛ ليُذهب عن صدره الآلام والأحزان.\n\nعباد الله! الإسراء: هو ذهاب الله -﵎- بنبيه محمَّد - ﷺ -، راكبًا على البراق، من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى في القدس، في جزء من الليل ثم رجوعه من ليلته.\nوالمعراج: هو صعود الرسول - ﷺ -، من المسجد الأقصى في تلك الليلة، بعد إسرائه إلى السموات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم رجوعه إلى بيت المقدس في تلك الليلة.\n\nعباد الله! حادث الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة. ففي كتاب ربنا، ذكر الله تعالى الإسراء وحكمته بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].","vol":"1","page":178},{"text":"- ويستفاد من هذه الآية ما يلي-:\nأولًا: بدأ الله الآية بـ (سبحان) لأن من قدر على هذا فهو مستحق للتنزيه والتقديس.\n\nثانيًا: في ذكر العبد في هذا المقام تشريفٌ، ولذلك وصف الله رسوله بالعبودية في أشرت المقامات:\nففي مقام التنزيل قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].\nوفي مقام الدعوة قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩].\nوفي مقام التحدي قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].\nوفي مقام الإسراء قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١].\nوفي ذكر العبد في هذا المقام أيضًا تحذير أن يتخذ الإسراء ولسيلة لرفع الرسول - ﷺ - من مقام العبودية إلى مقام الألوهية، وكان النبي - ﷺ - ينهى عن الإطراء والغلو حتى لا يقع الناس في الشرك، فعن ابن عباس -﵄- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله\" (١).\n\nثالثًا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بمكة،\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٤٤٥).","vol":"1","page":179},{"text":"وسمى حرامًا لحرمته وهو أول بيت وضع في الأرض، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ بفلسطين: وسمى بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، وهو ثاني بيت بني لله في الأرض، سئل - ﷺ -: \"أي بيت وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قيل: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قيل: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة\" (١).\n\nرابعًا: وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالمسجد الأقصى مبارك، والأرض التي حوله مباركة، وهي بركات دينية ودنيوية.\n\nخامسًا: وفي قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ تلك هي حكمة الإسراء، لقد رأى النبي - ﷺ - في رحلته؛ ما أذهب عن صدره الآلام والأحزان والروع والخوف، وليربط على قلبه وليثبت فؤاده، وليكون من المؤمنين أن الله معه ولن يتخلى عنه، وأن الله ناصره.\n\nعباد الله! وفي كتاب ربنا ذكر الله قصة المعراج وثمرته في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ يعني جبريل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٣ - ١٨].\nفالإسراء والمعراج ثابت في كتاب ربنا.\nوكان بالروح والجسد وفي اليقظة لقوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعبد لا يكون إلا بالروح والجسد، ولقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ والبصر\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٦٦)، ومسلم (رقم ٥٢٠).","vol":"1","page":180},{"text":"يكون في الجسد.\nوفي قوله - ﷺ -: \"لما كذبتني قريش قمت في الحجر فَجَلَّى الله ليَ بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته\" (١).\nفلو أنه - ﷺ - أخبرهم بأنها رؤيا رآها لما اختبروه بالسؤال عن آياته وعلاماته.\n\nعباد الله! والإسراء والمعراج ثابت في سنة نبينا - ﷺ -، فتعالوا بنا لنستمع إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخبرنا خبر الإسراء والمعراج.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري ثم غسله بماء زمم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه\" (٢).\n\nعباد الله! بعد أن فرغ جبريل ﵇ من عملية شق الصدر وغسله ولأمه لرسول الله - ﷺ - بدأ الإسراء من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى على البراق.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه- فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصليت فيه تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة\" (٣).\n\nعباد الله! ومن هناك من المسجد الأقصى بدأت رحلة المعراج فعُرج\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٧١٠).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٣٤٢).\n(٣) رواه مسلم (رقم ١٦٢).","vol":"1","page":181},{"text":"بالنبي - ﷺ -، من المسجد الأقصى، إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله.\nقال - ﷺ -: \"ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبربل فقيل: من أنت؟ قال: جبربل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.\nثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا -صلوات الله عليهما- فرحبا بي ودَعَوا لي بخير.\nثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل ﵇: من أنت؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇ وقد أعطى شطر الحسن، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇ فقيل من هذا؟ قال: جبربل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير.\nقال الله ﷿: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧].\nثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل قيل: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون - ﷺ - فرحب بي ودعا لي بخير.\nثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل:","vol":"1","page":182},{"text":"من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير.\nثم عرج إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل ﵇، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. قال: ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم - ﷺ -، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.\nثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى، تغيرت فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها.\nفأوحى الله إلى ما أوحى، ففرض علي، خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى - ﷺ -، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة في كل يوم وليلة.\nقال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.\nقال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسًا.\nقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي -﵎- وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمَّد! إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت","vol":"1","page":183},{"text":"له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - ﷺ -: فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه\" (١).\n\nعباد الله! وهكذا كان الإسراء والمعراج- تلك الرحلة العجيبة- تم في جزءٍ من الليل، وعاد النبي - ﷺ - من رحلته والناس نيام لم يشعر أحدٌ بذلك.\n\nعباد الله! كفار مكة وخبر الإسراء والمعراج.\nالذين كذبوا أن يقع وحيٌ على الأرض أتراهم يصدِّقون به في السماء؟ تعالوا بنا يا عباد الله! لنستمع إلى رسول الله - ﷺ - وهو يخبرنا عن حال قريش عندما وصلهم الخبر، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لما كان ليلة أسري بي، وأصبحت بمكة، فظعْتُ بأمري وعرفتُ أن الناس مكذِّبيَّ\"، قال: فقعد معتزلًا حزينًا، فمرَّ به عدوُّ الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمُستهزئ: هل كان من شيء؟\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم\".\nقال: ما هو؟ قال: \"إنه أُسري بي الليلة\".\nقال: إلى أين؟ قال: \"إلى بيت المقدس\".\nقال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: \"نعم\".\nقال: فلم يُره أنه يُكذِّبه، مخافه أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٦٢).","vol":"1","page":184},{"text":"قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني؟\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم\".\nفقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي. فانتفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما.\nقال (أي أبو جهل): حدث قومك بما حدَّثتني.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"إني أسري بي الليلة\".\nقالوا: إلى أين؟\nقال: \"إلى بيت المقدس\".\nقالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟!\nقال: \"نعم\".\nقال: فمن بين مُصَفِّق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب زعم!\nقالوا: وهل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد، ورأى المسجد.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"فذهبت أنعتُ، فما زلت أنعتُ حتى التبس عليَّ بعض النعت\".\nقال: \"فجيء بالمسجد وأنا انظر حتى وضع دون دار عِقالٍ -أو عقيل- فنعتُّه، وأنا أنظر إليه\".\nفقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب\" (١).\n_________\n(١) إسناده حسن، \"مسند الإِمام أحمد\" رقم (٢٨١٩ - ط المؤسسة)، و\"فتح الباري\" (٧/ ٢٣٩).","vol":"1","page":185},{"text":"ومع ذلك ما زادهم ذلك إلا نفورًا.\n\nعباد الله! وفي هذا الحديث معجزات للنبي - ﷺ -:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المعجزة الأولى: </span>رفع الله المسجد الأقصى من بيت المقدس في فلسطين، وجاء به ووضعه في مكة أمام النبي - ﷺ -، ينظر إليه قريبًا من دار عِقال أو عقيل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المعجزة الثانية: </span>أن النبي وحده هو الذي يرى المسجد الأقصى دون كل من حوله من الناس.\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>المعجزة الثالثة: </span>بعد أن انتهت المهمة رد الله المسجد الأقصى مكانه حيث كان أولًا ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ٢٠].\nفهذا سليمان ﵇، لما طلب عرش بلقيس أن يأتيه من اليمن إلى بيت المقدس ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٤٠].\nفالله على كل شيء قدير، وإذا أراد أمرًا أن يقول له كن فيكون، فالله يكرم أوليائه وأنبيائه بما شاء من الكرامات والمعجزات.\n\nعباد الله! وكفار مكة بعد ما سمعوا من رسول الله - ﷺ - النعت وقالوا: \"أما النعت فوالله لقد أصاب\".\nما زادهم ذلك إلا نفورًا وأبى الظالمون إلا كفورًا فانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا","vol":"1","page":186},{"text":"أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾ [القمر: ٢ - ٥].\nفإذا كان هذا حالهم يقول الله﷿- لرسول الله - ﷺ -: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ واتركهم ليوم عظيم: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ [القمر: ٦ - ٨].\n\nعباد الله! أبو بكر الصديق وخبر الإسراء والمعراج.\nأما أبو بكر الصديق عندما وصله الخبر ماذا قال:\nعن عائشة -﵂- قالت: لما أُسري بالنبي - ﷺ - إلى المسجد الأقصى؛ أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه؟ وسعوا بذلك إلى أبي بكر - ﵁ - فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟\nقالوا: نعم.\nقال: لئن كان قال ذلك، لقد صدق.\nقالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟!\nقال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحه، فلذلك سُمي أبو بكر: الصديق\" (١).\n\nأمة الإِسلام! الإسراء والمعراج فيها دروس وعظات وعبر عظيمة فما هي\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٣٠٦).","vol":"1","page":187},{"text":"العظات والعبر التي تؤخذ من حادث الإسراء والمعراج؟\nهذا ما سنعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الخطبة العشرون: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر؛ التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج.\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أنه أسري برسولنا - ﷺ - إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى إلى حيث شاء الله -﵎- وقد فرض الله -﵎- على رسولنا - ﷺ - الصلاة، وقد رأى رسولنا - ﷺ - من آيات ربه الكبرى، ثم عاد إلى المسجد الأقصى، ثم إلى المسجد الحرام في نفس الليلة، وكان ذلك بالروح والجسد، وفي اليقظة لا في المنام، وقد تبين لنا أن الإسراء والمعراج ثابت بالكتاب والسنة.\n\nأمة الإسلام! قصة الإسراء والمعراج فيها دروس وعظات وعبر كثيرة جدًا منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>أولًا: أهمية المسجد الأقصى في الإِسلام</span>.\nعباد الله! إذا كنتم قد نسيتم المسجد الأقصى فها نحن نذكركم به؛ المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وضع في الأرض؛ لعبادة الله وتوحيده.\nسئل - ﷺ -: أي بيت وضع في الأرض أول؟\nفقال - ﷺ -: \"المسجد الحرام\" قيل: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\"، قيل: كم كان بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" (١).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٦٦)، مسلم (رقم ٥٢٠).","vol":"1","page":189},{"text":"المسجد الأقصى رفع بناءه وجدده سليمان بن داود ﵉: عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - ﷺ - أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس -أي المسجد الأقصى- (وفي رواية: لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس)، سأل الله -﷿- خلالًا ثلاثة .. \" الحديث (١).\nالشاهد منه يا عباد الله! أن الذي رفع بناء المسجد الأقصى وجدده؛ هو سليمان بن داود ﵉.\nالمسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى.\nعن البراء - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - صلَّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي - ﷺ - قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت .. \" الحديث (٢).\nفكان - ﷺ - يقلب وجهه في السماء، يرغب، ويسأل ربه أن يحول قبلته إلى المسجد الحرام، فاستجاب الله له، قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].\n\nأمة الإسلام! المسجد الأقصى مسجد مبارك، بارك الله فيه وحوله من بركات الدنيا والدين، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ\n_________\n(١) \"صحيح سنن النسائي\"، (رقم ٦٦٩)، \"صحيح ابن ماجه\" (رقم ١٤٠٨).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠)، ومسلم (رقم ٥٢٥).","vol":"1","page":190},{"text":"الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١] وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: ٨١] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾ [سبأ: ١٨].\nالمراد بها المسجد الأقصى.\nفهذه البلاد المباركة المقصود منها، هي، بيت المقدس، نسأل الله -﵎- أن يردها للمسلمين من أيدي إخوة القردة والخنازير.\n\nأمة الإسلام! الصلاة في المسجد الأقصى فضلها عظيم.\nعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - ﷺ -، أن سليمان بن داود ﵉ لما بني بيت المقدس سأل الله -﷿- خلالًا ثلاثة: سأل الله -﷿- حُكمًا يُصادفُ حكمه فأُوتيه، وسأل الله -﷿- ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأُوتيه، وسأل الله -﷿- حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحدٌ لا ينهزهُ -أي يدفعه- إلا الصلاةُ فيه، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمة (وفي رواية: فقال النبي - ﷺ -: \"أمَّا اثنتان فقد أعطيهما وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة\" (١).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: تذاكرنا ونحن عند رسول الله - ﷺ - أيهما أفضل، مسجد رسول الله - ﷺ - أم بيت المقدس؟.\n_________\n(١) مضى قريبًا.","vol":"1","page":191},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو .. \" الحديث (١).\nفتكون الصلاة في المسجد الأقصى بمئتين وخمسين صلاة.\n\nأمة الإسلام! أنسيتم المسجد الأقصى! هو مسرى رسول الله - ﷺ -، ومنه عرج به إلى السماء.\nقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾.\nوقال - ﷺ -: \" ... ثم ربط البراق في الحلقة التي تربط فيها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت تحية المسجد ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن فاخترت اللبن، فقال جبربل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء .. \" الحديث\nأي عرج من المسجد الأقصى إلى السماء، وفي هذه إشارة أنه كما أن النبوة انتقلت من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل إلى رسولنا - ﷺ -، فهذه بشرى للنبي - ﷺ - وأصحابه والمسلمين إلى يوم القيامة بأن قيادة البشرية ستنتقل من أيدي بني إسرائيل؛ لأنهم عصوا الله وملأوا الأرض غدرًا وخيانة، ستنتقل إلى الأمة الإِسلامية، بقيادة رسولها - ﷺ - وقد فتحت الأمة الإِسلامية الدنيا من مشرقها إلى مغربها، لما كانوا متمسكين بدينهم، وبسنة رسولهم لكن لما انشغلوا بالدنيا وحطامها فقد ضيعوا الدنيا والبلاد من مشرقها إلى مغربها، ولذلك، نقول إذا أردتم يا أمة الإِسلام أن يعود الأقصى إليكم وتحرروا أرضكم من الكفار\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (٢٩٠٢).","vol":"1","page":192},{"text":"فعليكم أن تعودوا إلى دينكم وأن تتمسكوا بدينكم وسنة نبيكم، إن فعلتم ذلك نصرتم الله في أنفسكم وإن نصرتم الله في أنفسكم نصركم الله على عدوكم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾.\n\nأمة الإِسلام! المسجد الأقصى من المساجد التي تشد لها الرحال.\nقال - ﷺ -: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي\" (١).\nوشد الرحال تكون للصلاة في هذه المساجد أو الاعتكاف فيها، أما شد الرحال إلى الأضرحة والقبور والأولياء، فهذا حرام ولا يجوز في شريعة الإِسلام.\n\nعباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من الإسراء والمعراج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>ثانيًا: أهمية الصلاة في الإِسلام</span>.\nأمة الإِسلام! الصلاة، الصلاة، فلأهميتها فرضها الله على رسوله - ﷺ - هناك فوق السموات، بعد سدرة المنتهى مباشرة وبدون واسطة.\nعباد الله! الصلاة هي عمود الدين الذي لا يقوم إلا به.\nقال - ﷺ - لمعاذ - ﵁ -: \"ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده وذِرْوة سنامه\"\nقلت: بلى يا رسول الله قال: \"رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد\" (٢)\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١١٩٧)، ومسلم (رقم ٨٢٧).\n(٢) \"رياض الصالحين\" رقم (١٥٣٠) تحقيق الألباني.","vol":"1","page":193},{"text":"الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر، قال - ﷺ -: \"إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر\" (١).\nالصلاة هي آخر وصية وصى بها رسول الله - ﷺ - أمته، فقال - ﷺ - في أنفاسه الأخيرة: \"الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم\".\nالصلاة هي آخر ما تبقى لنا من ديننا، يقول - ﷺ -: \"أول ما يرفع من الناس الأمانة، وآخر ما يبقى من دينهم الصلاة، ورب مصل لا خلاق له عند الله تعالى\" (٢).\nالصلاة تجارة رابحة، يقول رب العزة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾ [فاطر: ٢٩].\nالصلاة تمحو الذنوب والخطايا، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\nوقال - ﷺ -: \"أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟\nقالوا: بلى يا رسول الله؟\n_________\n(١) \"رياض الصالحين\" رقم (١٠٨٨) الألباني.\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٢٥٧٢).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٢٨)، ومسلم (رقم ٦٦٧).","vol":"1","page":194},{"text":"قال: \"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\" (١).\nالصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\nالصلاة سبب للتمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١].\nالصلاة سبب لنزول الرحمة على العباد، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].\nالصلاة سبب لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١ - ١١].\nأولى هذه الصفات الذين هم في صلاتهم خاشعون، وآخر هذه الصفات، والذين هم على صلواتهم يحافظون.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٥١).","vol":"1","page":195},{"text":"أمة الإِسلام! ومع ذلك فقد ضيع الكثير من الناس الصلاة.\nأنسي هؤلاء الذين ضيعوا الصلاة أن من أول أسباب دخول النار ترك الصلاة، قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٣].\nأنسي الذين تركوا الصلاة أن بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، قال - ﷺ -: \"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة\" (١)، وقال - ﷺ -: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" (٢).\n\nأمة الإِسلام! اتقوا الله في الصلاة، فإنكم ستسألون عنها يوم القيامة.\n\nعباد الله! من الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>ثالثًا: التحذير من الغيبة والخوض في أعراض المسلمين، وأكل لحوم الأبرياء:</span>\nقال - ﷺ -: \"لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم.\nفقلت: من هؤلاء يا جبربل؟\nقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم\" (٣).\n\nعباد الله! الذين يغتابون المسلمين، ويأكلون لحوم الأبرياء في مجالسهم،\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٨٢).\n(٢) \"رياض الصالحين\" رقم (١٠٨٦)، تحقيق الألباني.\n(٣) \"رياض الصالحين\" رقم (١٥٣٤) تحقيق الألباني.","vol":"1","page":196},{"text":"هذا عذابهم في حياة البرزخ جزاءً وفاقًا، ولا يظلم ربك أحدًا، فليتق الله كل منا في لسانه؛ لأن اللسان إذا أُطلق في أعراض المسلمين أدخل صاحبه النار قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].\nأي: كنا في الدنيا نخوض بألسنتنا بالباطل وأكل لحوم الأبرياء\nوعن أبي هريرة - ﵁ -: \"أن رجلًا قال: يا رسول الله إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها\" -أي النافلة- \"ولكنها تؤذى جيرانها بلسانها، فقال - ﷺ -: \"هي في النار\".\nقال رسول الله - ﷺ -! إن فلانة تُذكر من قلة صلاتها وصيامها وصدقتها، ولكنها لا تؤذى جيرانها بلسانها، قال - ﷺ -: \"هي في الجنة\".\nوعن معاذ - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟\nقال - ﷺ -: \"لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه\" فبعد أن أخبره ودله على أبواب الخير.\nقال - ﷺ - له: \"ألا أخبرك بملاك ذلك كله\".\nقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: \"كف عليك هذا\".\nقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟\nفقال: \"ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا","vol":"1","page":197},{"text":"حصائد ألسنتهم؟ \" (١).\nوقال - ﷺ - للرجل عندما سأله: ما النجاة؟ قال: \"أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك؟ \" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\" (٣).\nوقال رجل يا رسول الله! أي المسلمين أفضل، فقال - ﷺ -: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (٤).\nوقد حذر النبي - ﷺ - الذين يأكلون لحوم الناس بألسنتهم، فقال - ﷺ -: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته\" (٥).\nفاتقوا الله يا معشر المسلمين في ألسنتكم وأمسكوها عن أعراض المسلمين، وعن الغيبة، فإنكم راجعون إلى الله وموقوفون بين يديه، وسائلكم عن ألسنتكم.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦].\n\nعباد الله! ومن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة الإسراء والمعراج\n_________\n(١) \"رياض الصالحين\" رقم (١٥٣٠) تحقيق الألباني.\n(٢) \"رياض الصالحين\" رقم (١٥٢٨) الألباني.\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠١٨)، ومسلم (رقم ٤٧).\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١١) ومسلم (رقم ٤٢).\n(٥) \"صحيح الجامع\" (٧٨٦١).","vol":"1","page":198},{"text":"رابعًا: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، والذين يدعون الناس إلى كل شر الذين يدعون الناس إلى الشرك والبدع والخرافات، الذين يدعون الناس إلى الحزبية البغيضة التي فرقت الأمة، الذين يحرضون المسلمين على ولاة أمرهم ليفسدوا في الأرض.\nقال رسول الله - ﷺ -: \"رأيت ليلة أسري بي- رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟\nقال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب؛ أفلا يعقلون؟! (١).\nفهذا الخطيب الذي يقول للناس هذا حرام ثم يفعله، ويقول لهم هذا حلال ولا يفعله، خطيب السوء الذي يأمر بالبر وينسى نفسه، يأمر الناس بالحجاب وينسى امرأته وابنته، يأمر الناس أن يبتعدوا عن البنوك ويضع ماله في البنوك، يأمر الناس بالمحافظة على الصلاة وهو يضيع الصلاة، يحذر الناس من الكذب وهو يكذب، يحذر الناس من الغيبة والنميمة وهو واقع فيها هذا خطيب لا عقل له، قال رب العزة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].\nونقول لهذا الخطيب:\nيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم\nتصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم\n_________\n(١) قال الشيخ الألباني ﵀ حديث حسن انظر كتاب \"الإسراء والمعراج\" ص (٥٢).","vol":"1","page":199},{"text":"ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوالله ﷾ يمقت ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].\nوقد أخبر النبي - ﷺ - عن عذاب الذي يقول للناس ويخالف بفعله ما يقول، فقال - ﷺ -: \"يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه\" (١).\n\nأمة الإِسلام! خطباء السوء \"دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، وهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا\" (٢).\nفاحذروهم يا عباد الله!.\nفهذا حذيفة - ﵁ - قال: يا رسول الله: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: \"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم\" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال - ﷺ -: \"فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك\" (٣).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٢٦٧)، ومسلم (رقم ٢٩٨٩).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٦٠٦)، ومسلم (رقم ١٨٤٧).\n(٣) متفق عليه، قطعة من الحديث الذي قبله.","vol":"1","page":200},{"text":"فيا أمة الإِسلام! فوالله إني لكم لناصح أمين، فإن وجدتم المنابر قد صعد إليها الخطباء الذين يدعون إلى الحزبية البغيضة، ولا هم لهم إلا أن يحرضوا الناس على ولاة الأمر، ويجعلون بلاد المسلمين بركة من الدماء، فاحذروهم، وارجعوا إلى عقيدة التوحيد وإلى منهج رسول الله - ﷺ - وإلى ما كان عليه الصحابة، كما قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكما قال النبي - ﷺ -: \"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة\" قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: \"التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"إياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم\nفعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليه بالنواجذ\" (٢).\n\nأسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من المتبعين لرسوله - ﷺ -.\n_________\n(١) حسن بشواهده.\n(٢) صحيح، أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦).","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الخطبة الحادية والعشرون: بيعة العقبة</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن بيعة العقبة الأولى والثانية.\n\nأمة الإِسلام! تكلمنا في الجمعة قبل الماضية أنه أُسري برسول الله - ﷺ - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج برسولنا - ﷺ - إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى حيث شاء الله، وهناك فرض الله -﵎- على رسولنا - ﷺ - وعلى أمته خمس صلوات في اليوم والليلة، وقد رأى النبي (ﷺ) -في رحلة المعراج- من آيات ربه الكبرى، ورأى - ﷺ - في رحلته قومًا لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم، ورأى النبي - ﷺ - في رحلته قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، فلا يعقلون؟! \"\nوقد تكلمنا في الجمعة الماضية عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من رحلة الإسراء والعراج:\nأولًا: منزلة الأقصى في الإِسلام.\nثانيًا: منزلة الصلاة في الإِسلام.\nثالثًا: التحذير من إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، ومن أكل لحوم الأبرياء.","vol":"1","page":202},{"text":"رابعًا: التحذير من خطباء السوء الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون بخلاف ما يقولون، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون.\n\nعباد الله! رجع رسول الله - ﷺ - من رحلة الإسراء والمعراج قرير العين، منشرح الصدر، مطمئن القلب، عازمًا على مواصلة الدعوة إلى الله، واثقًا من أن الله ناصره، ومظهر دينه. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].\n\nعباد الله! لم يدع رسول الله - ﷺ - فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة-، وكان مما خاطب به رسول الله - ﷺ - الناس في الموقف: \"هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي -﷿-؟! \" (١).\n\nعباد الله! \"لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله - ﷺ - في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، قال لهم رسول الله - ﷺ -: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج قال: من موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى.\nفجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن .. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٣٩٦٠).","vol":"1","page":203},{"text":"وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنُقدم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!! ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا\" (١).\n\nعباد الله! لما رجع هؤلاء إلى المدينة ذكروا لقومهم رسول الله - ﷺ - ودعوهم إلى الإِسلام، وفشا فيهم ذكر رسول الله - ﷺ - فلم تبق دارٌ إلا دخلها الإِسلام، حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلًا من الذين أسلموا- فيهم الستة الذين كلمهم النبي - ﷺ - في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله - ﷺ - فلقيهم رسول الله - ﷺ - بالعقبة- بمنى- وعقد معهم بيعة (وهي بيعة العقبة الأولى).\nعن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال فبايعناه على ذلك\" (٢).\n\nعباد الله! لما عزم القوم على العودة إلى المدينة، بعث معهم رسول الله - ﷺ - مصعب بن عمير - ﵁ - وأمره أن يُقرئهم القرآن ويعلمهم الإِسلام، ويفقههم في الدين.\n_________\n(١) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن انظر \"فقه السيرة\" (ص ١٤٥).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٨)، ومسلم (رقم ١٧٠٩).","vol":"1","page":204},{"text":"فقام مصعب - ﵁ - بمهمته خير قيام، يدعو الناس إلى عبادة الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متذرعًا بالحلم والصبر الذي تعلمه من رسول الله - ﷺ -، فانتشر الإِسلام في المدينة وغيرها على يديه - ﵁ -.\nوقبل حلول موسم الحج التالي عاد مصعب بن عمير - ﵁ - إلى مكة، ليبشر رسول الله - ﷺ - بانتشار الإِسلام ويخبره بحصيلة دعوته في ذلك العام.\nوكأنه يقول له: يا رسول الله إن المدينة تتهيأ لاستقبالك أنت ومن معك من المسلمين.\n\nإخوة الإِسلام! ولما انتشر الإِسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله - ﷺ - في مكة يُلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية. وممن حضر هذه البيعة جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو يخبرنا الخبر: عن جابر - ﵁ - قال: \"مكث رسول الله - ﷺ - بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى؛ يقول: \"من يؤويني، من ينصرني، حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ \" حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر -كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتنك. ويمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع؛ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعًا، فقلنا: حتى متى نترك رسول الله - ﷺ - يُطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلًا، حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا،","vol":"1","page":205},{"text":"فقلنا: يا رسول الله! نبايعك؟ قال: (فذكر الحديث). قال: فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ بيده ابن زرارة -وهو من أصغرهم- فقال: رويدًاَ يا أهل يثرب! فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله - ﷺ -، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جُيَيْنة، فبينوا ذلك؛ فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا سعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نسلبها أبدًا. قال: فقمنا إليه، فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة\" (١).\nوتمت البيعة، وبايع الأنصار رسول الله - ﷺ - على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت - ﵁ -: بيعة الحرب، وممن حضر هذه البيعة كعب بن مالك الأنصاري - ﵁ - وهو أحد المبايعين في بيعة العقبة الثانية يخبرنا عما حدث في هذه الييعة.\nعن كعب بن مالك - ﵁ - قال: \"خرجنا في حجاج قومنا من المشركين ..، وواعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق .. وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا .. فقمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا ومعنا امرأتان من نسائنا .. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - ﷺ -، حتى\n_________\n(١) صحيح، أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) وقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٧/ ٢٦٣)، إسناده جيد، وقال الألباني في \"الصحيحة\" (٦٣)، إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":206},{"text":"جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب -وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له- فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج! إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعه في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه ..\nقال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.\nقال: فتكلم رسول الله - ﷺ - فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإِسلام ثم قال: \"أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم\".\nقال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر\".\nفقاطعه أبوالهيثم بن التيهان متسائلًا: \"يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟\nفتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: \"بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم\"\nثم قال: أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم\nفأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس .. وقد طلب الرسول - ﷺ - منهم الانصراف إلى رحالهم فقال رجلٌ منهم: والذي بَعَثَك بالحق لئن شئتَ لنميلن عن أهل منى غدًا بأسيافنا؟","vol":"1","page":207},{"text":"فقال رسول الله - ﷺ -: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم\" فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي - ﷺ -، ودعوتهم له للهجرة فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم\" (١).\nوهكذا مرت البيعة بسلام، وعاد الأنصار إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي - ﷺ - إليهم بتلهف كبير.\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من بيعة العقبة الأولى والثانية:\n\nأولًا: النصر مع الصبر، كما أخبر النبي - ﷺ - فقال: \"واعلم أن النصر مع الصبر\"، فإن صبرنا نصرنا الله، فرسولنا - ﷺ - والمسلمون معه في مكة صبروا على إيذاء قريش، وصبروا على ما لاقوا من أعداء الدين ابتغاء مرضات الله فجعل الله لهم مخرجًا، ونصرهم الله بالأنصار، فبعد أن أغلق أهل مكة قلوبهم عن الدين فتح الله قلوب أهل المدينة لهذا الدين، وبعد أن أبى أهل مكة أن يبقوا رسول الله - ﷺ - ليدع لهذا الدين فقد فتح الله -﵎- المدينة على مصراعيها لرسول الله - ﷺ -، الذي يحمل هذا الدين.\nفمهما ضيق الكفار على المسلمين، فوالله الذي لا إله إلا هو فإن الله ﵎ سيجعل للمؤمنين مخرجًا، إن هم عادوا إلى الله وصدقوا مع\n_________\n(١) رواه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٦٠ - ٤٦٣). وقال الألباني في تحقيقه \"فقه السيرة\": \"وهذا سند صحيح\".","vol":"1","page":208},{"text":"الله، وعادوا إلى دينهم، وطلبوا العزة بالإِسلام فإن طلبنا العزة بالإسلام أعزنا الله، وإن طلبنا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله.\nكما قال الفاروق عمر - ﵁ - \"كنا أذلاء فأعزنا الله بالإِسلام، فلو ابتغينا العزة بغير الإِسلام أذلنا الله\"\nفاصبروا على البلاء، وعودوا إلى الله، واعلموا أن الله ﵎ ينصر مع الصبر، وإياكم ودعاة الاستعجال الذين يورطون الأمة في بركة من الدماء، فإن الله نهى عن الاستعجال فقال: لرسول الله - ﷺ - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾، والنبي - ﷺ - يقول لخباب: \"ولكنكم تستعجلون\".\n\nثانيًا: أن المستقبل لهذا الدين: فقد أخبر الله -﵎- في كتابه، وأخبر النبي - ﷺ - في سنته، أن المستقبل لهذا الدين، وأنه ما من مكان في هذه الدنيا تطلع عليه الشمس إلا وسيدخله الإِسلام، وما من بيت شجر ولا مدر إلا وسيدخله الإِسلام ولو كره الكافرون، ولو تزمجر المنافقون فالمستقبل للإسلام.\n\nثالثًا: أن السر في النجاح في الدعوة إلى الله هو الإخلاص.\nالإخلاص هو سر النجاح، فإن أرادت الأمة أن تنجح في دعوتها لهذا الدين فعليها بالإخلاص لله ﵎، فها هو مصعب بن عمير - ﵁ - كان مخلصًا ضرب لنا مثلًا أعلى في ذلك، فاستجاب لأمر رسول الله - ﷺ - وذهب إلى المدينة يدعو لهذا الدين بالليل والنهار، فما من بيت في المدينة إلا ودخله الإِسلام بفضل الله -﵎-، ثم بالجهود العالية العظيمة التي بذلها","vol":"1","page":209},{"text":"مصعب، فكان يجلس في المكان يدعو لهذا الدين يأتيه الرجل من المدينة يحمل حربته يريد أن يقتله فما أن يجلس ويسمع الكلام منه ودعوته بالحلم واللين إلا وهو يقوم وقد شهد \"أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله\"، إنها الحكمة والحلم في الدعوة والصبر على الناس، وكيف لا وقد تعلم مصعب من رسول الله - ﷺ -.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الخطبة الثانية والعشرون: هجرة الصحابة ﵃ إلى المدينة</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاءٍ جديدٍ من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن هجرة الصحابة - ﵃ - إلى المدينة.\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن بيعة العقبة الأولى والثانية، وفي بيعة العقبة الثانية بايع الأنصار رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة والنصرة والحرب، فعندما قال لهم رسول الله - ﷺ -: \"تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله، لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة\" (١) قالوا له: \"نعم والذي بعثك بالحق، لنمعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر\" (٢).\nوعندما قالوا له: يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"بل الدم بالدم، والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم\".\n_________\n(١) مضى تخريجه.\n(٢) مضى تخريجه.","vol":"1","page":211},{"text":"عباد الله! لما تمت بيعة العقبة الثانية، وعاد القوم إلى المدينة ينتظرون هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إليهم بتلهف كبير؛ أمر رسول الله - ﷺ - المسلمين بالهجرة إلى المدينة واللحوق بالأنصار، فخرجوا أرسالًا -أي جماعات-\n\nعباد الله! وكانت الهجرة إلى المدينة بوحي من الله تعالى، قال رسول الله - ﷺ -:\"رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي -أي ظني- إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب\" (١).\nوقالت عائشة - ﵂-: قال النبي - ﷺ - للمسلمين: \"وإني أريت دار هجرتكم، سبخة، ذات نخل بين لابتين- وهما الحرَّتان-\".\nفهاجر من هاجر قِبلَ المدينة، ورجع عامة من كان بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجوا أن يؤذن لي\"، فقال أبو بكر: أترجوا ذلك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟\nقال: \"نعم\" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - ﷺ -، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السَّمر أربعة أشهر\" (٢). وذلك استعدادًا لهجرة النبي من مكة إلى المدينة.\n\nعباد الله! عندما أذن النبي - ﷺ - للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، طاروا إليها زرافات ووحدانا، يحثهم الشوق إلى أرض أمن وأمان، يعبدون فيها ربهم، ويجهرون بصلاتهم، ويأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، فلما رأت قريش\n_________\n(١) متفق عليه رواه البخاري (رقم ٧٠٣٥)، ومسلم (رقم ٢٢٧٢).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٢٩٧).","vol":"1","page":212},{"text":"الديار في مكة خلت، والمسلمين هاجروا إلى المدينة، سعت بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة إلى المدينة، وإثارة المشاكل أمام المهاجرين، مرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم، ولكنه يهاجر فالدين عنده أغلى من كل شيء، ومرةً بحجز أموالهم ومنعهم من حملها، ومرةً بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة، لكن شيئًا من ذلك كله لم يعق موكب الهجرة، فالمهاجرون كانوا على أتم الاستعداد للانخلاع عن أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لداعي العقيدة.\n\nعباد الله! وهذه أمثلة أضعها بين أيديكم لتعلموا الصعوبات التي كانت أمام المسلمين عندما هاجروا من مكة، ومع ذلك هاجروا فرارًا بدينهم وطاعة لربهم، فالدين عندهم أغلى شيء،\nفهذا أبو سلمة - ﵁ - أخذوا منه زوجته وابنه ليمنعوه من الهجرة فلم يمنعه ذلك من الهجرة إلى المدينة فرارًا بدينه الذي هو أغلى من كل شيء.\nفتعالوا بنا عباد الله! لنستمع إلى أم سلمة - ﵂- وهي تخبرنا الخبر، تقول أم سلمة -﵂-: \"لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رَحَلَ لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة (وهم أصهاره) قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ورهط أبي سلمة. قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: فَفُرِقَ بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس","vol":"1","page":213},{"text":"بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أُمسي، سنة أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجل من بني عمي -أحد بني المغيرة- فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة؛ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟\nقالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت قالت: وردّ بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابني قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. وما معي أحد من خلق الله قالت: فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان ابن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار.\nفقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة.\nقال: أو ما معك أحد؟\nقالت فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلًا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه.\nكان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة ثم تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها.\nفإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.\nفلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلًا- فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعًا إلى مكة.","vol":"1","page":214},{"text":"فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإِسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة\" (١).\nالشاهد يا عباد الله! أن ننظر إلى الصعوبات التي تغلب عليها المسلمون، وهاجروا من مكة إلى الدينة فرارًا بدينهم.\n\nعباد الله! وهذا صهيب الرومي - ﵁ - لما أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك.\nفقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟\nقالوا: نعم.\nقال: فإني قد جعلت لكم ما لي. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -\nفقال: ربح صهيب، ربح صهيب\" (٢).\nفانظروا عباد الله!، ضحى صهيب بماله كله ليفر بدينه الذي هو أغلى من كل شيء قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧].\n\nعباد الله! وهذا مثال ثالث يبين الأساليب التي اتخذتها قريش لمنع المسلمين من الهجرة إلى المدينة.\nقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: \"اتعدت (أي تواعدت) - لما أردنا الهجرة إلى المدينة- أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من إضاءة\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٤٦٩ - ٤٧٠)، وانظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (١/ ٢٠٢ - ٢٠٤).\n(٢) قال الألباني: حديث صحيح \"فقه السيرة\" (ص ١٥٧).","vol":"1","page":215},{"text":"بني غفار فوق سرف (وهو مكان معروف بالقرب من مكة) وقلنا أينا لا يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه.\nقال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتن.\nفلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء.\nوخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة- وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما- حتى قدما علينا المدينة- ورسول الله - ﷺ - بمكة- فكلماه وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرقَّ لها.\nفقلت له: يا عياش! إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ..\nفقال: أبرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه.\nفقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، ذلك نصف مالي ولا تذهب معهما.\nفأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما.\nفلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول. فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما.\nحتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟\nقال: بلى","vol":"1","page":216},{"text":"قال: فأناح وأناخ ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عَدَوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن.\nقال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبة؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.\nقال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة؛ أنزل الله- تعالى- فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥].\nقال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال: فقال هشام: فلما أتتني خرجت بها إلى ذي طوى (واد بمكة) أُصَعِّدُ فيها النظر وأُصَوِّبه لأفهمهما، حتى قلت: اللهم فهمنيها؟ قال: فألقى الله -تعالى- في قلبي، أنها إنما أُنزلت فينا، وفيما كنا نقول لأنفسنا، ويقال فينا.\nقال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله - ﷺ - (١).\n\nعباد الله! حيل، عراقيل، صعوبات، وضعتها قريش أمام المهاجرين المسلمين من مكة إلى الدينة، ومع ذلك هاجروا فرارًا بدينهم، فالدين عندهم أغلى شيء.\n\nعباد الله! هذه ثلاثة نماذج لما كان المشركون في مكة يفعلونه بمن يريد\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٤٧٤) بإسناد حسن لذاته انظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" (ص ٢٠٤ - ٢٠٦).","vol":"1","page":217},{"text":"الهجرة من المسلمين، ومع ذلك خرج المسلمون من مكة أرسالًا يتبع بعضهم بعضًا، ولم يبق بمكة أحد من المسلمين إلا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعلي أقاما مع رسول الله - ﷺ - بأمره وحبس قوم كرهًا؛ حبسهم قومهم، فكُتب لهم أجر المهاجرين بما كانوا عليه من حرصهم على الهجرة.\n\nعباد الله! المسلمون من المهاجرين والأنصار في المدينة ينتظرون هجرة رسول الله - ﷺ - إليهم بتلهف كبير. والرسول - ﷺ - في مكة ينتظر متى يؤذن له بالهجرة فيهاجر إلى المدينة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجمعنا بكم مع نبينا في جنات النعيم.\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هجرة الصحابة﵃- من مكة إلى المدينة فهي كثيرة جدًا منها:\nأولًا: على المسلم إذا ضُيقَ عليه في بلد ما ولم يتمكن من عبادة ربه، أن يهاجر إلى بلد آخر ليتمكن من عبادة ربه، فالدين أغلى من كل شيء، فقد هاجر الصحابة - ﵃ - من مكة إلى المدينة فرارًا بدينهم.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ [النحل: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].","vol":"1","page":218},{"text":"ثانيًا: الصحابة - ﵃ - جيل فريد اختارهم الله لنصرة نبيه ولنصرة دينه؛ الأنصار في المدينة قدموا الأرواح والأموال رخيصة في سبيل هذا الدين العظيم؛ والمهاجرون تركوا الأموال والديار والأهل من أجل هذا الدين العظيم، ولذلك قال الله تعالى في وصفهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].\nوقال - ﷺ -: \"لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" (١).\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: \"إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمَّد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمَّد - ﷺ -، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون عن دينه\" (٢).\nوقال الإِمام الطحاوي في \"عقيدته\": \"ونحب أصحاب رسول الله - ﷺ - ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم. وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٤٠).\n(٢) قال الشيخ الألباني في التعليق على \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص٤٧٠): \"حسن موقوفًا\".\n(٣) \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٤٦٧).","vol":"1","page":219},{"text":"ثالثًا: النجاة والسلامة في اتباع الصحابة - ﵃- وسلوك منهجهم\nقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] وقال - ﷺ -: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة\" قيل وما هي يا رسول الله؟\nقال: \"هي التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي\".\nوقال ابن مسعود - ﵁ -: \"من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمَّد - ﷺ -، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم\" (٢).\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (رقم ٢١٥٧).\n(٢) \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص ٣٨٣).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الخطبة الثالثة والعشرون: هجرة النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاءٍ جديدٍ من سيرة الحبيب محمَّد - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن هجرة الرسول - ﷺ - من مكة إلى المدينة.\n\nعباد الله! الهجرة من مكة إلى المدينة كانت بوحي من الله إلى رسوله - ﷺ -. قال - ﷺ -: \"رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي -أي ظني- إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب\" (١).\n\nعباد الله! بعدما تحدد المكان الذي يُهاجر إليه؟ أذن رسولُ الله - ﷺ - لأصحابه بالهجرة إلى المدينة فخرجوا أفرادًا وجماعات، وتغلبوا على جميع الصعوبات التي واجهتهم.\n\nعباد الله! وأقام رسول الله - ﷺ - بمكة بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين؛ إلا من حبس أو فتن؛ إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر -﵄-.\nوكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله - ﷺ - في الهجرة، فيقول له رسول الله - ﷺ -: \"على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجو أن يؤذن لي\" فقال أبو بكر: أترجو ذلك يا رسول الله بأبي أنت؟ قال: \"نعم\"، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله - ﷺ -، وعلف راحلتين كانتا عنده من ورق السمر أربعة أشهر (٢)\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٦٢٢)، ومسلم (رقم ٢٢٧٢).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٢٩٧).","vol":"1","page":221},{"text":"إستعدادًا للهجرة من مكة إلى المدينة.\n\nعباد الله! رأت قريش أن الديار قد خلت من أهلها، وأن المسلمين قد تركوا مكة مهاجرين إلى المدينة، تاركين ديارهم وأموالهم، وشعرت قريش أيضًا بأن الإِسلام أضحت له دارٌ يأرز إليها، وحِصنٌ يحتمي به، وتوجست خيفةً من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد - ﷺ -، وعلمت قريش أيضًا أن محمدًا لا بد أن يدرك أصحابه اليوم أو غدًا، فاجتمعوا في دار الندوة ليتخذوا قرارًا حاسمًا في هذا الأمر.\nفرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمَّد - ﷺ - ويشد وثاقه ويرمى به في السجن لا يصله منهم إلا الطعام، ويترك على ذلك حتى يموت، ورأى آخر أن ينفي من مكة فلا يدخلها وتنفض قريش يديها من أمره، وقد استُبعِدَ هذان الاقتراحان لعدم جدواهما واستقر الرأي على الاقتراح الذي أبداه أبو جهل.\nقال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابًا نسيبًا وسطًا فتيًا، ثم نعطي كل فتى سيفًا صارمًا، ثم يضربونه جميعًا ضربة رجل واحدٍ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلِّها، ولا أظن أن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها.\nورضي كفار مكة بهذا الحل للمشكلة التي حيرتهم، وانصرفوا ليقوموا على تنفيذ هكذا القرار الجائر الغادر.\nوقد أخبرنا الله في كتابه عن هذا الاجتماع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ","vol":"1","page":222},{"text":"الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠] (١).\n\nعباد الله! لما أجمع كفار مكة على قتله - ﷺ -، أوحى الله -﵎- إليه بالإذن في الهجرة، فخرج رسول الله - ﷺ - من بيته إلى بيت أبي بكر - ﵁ - ليخبره بذلك.\nتعالوا بنا لنستمع إلى عائشة -﵂- وهي تخبرنا الخبر، قالت عائشة -﵂-: \"بينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - متقنعًا- في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله - ﷺ - فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: أخْرِجْ مَنْ عِندَك.\nفقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله.\nقال - ﷺ -: فإني قد أذن لي في الخروج.\nفقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟\nقال رسول الله - ﷺ -: \"نعم\". قال أبو بكر: فخذ- بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتي هاتين قال رسول الله - ﷺ -: \"بالثمن\"، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق\" (٢).\n\nإخوة الإِسلام! وتواعدا أن يخرجا ليلًا إلى غار ثور، فيمكثا ثلاث ليال\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" مع \"الروض الأنف\" (٢/ ٢٢١ - ٢٢٣).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٩٠٥).","vol":"1","page":223},{"text":"وذلك من تمام إحكام الخطة، ورجاء النجاة والسلامة، ذلك أن قريشًا تعلم أن النبي - ﷺ - مهاجر إلى المدينة فإذا فقدته ستطلبه جهة المدينة- في الشمال- فخرج - ﷺ - أول ما خرج جهة الجنوب، جهة اليمن مخالفًا تمامًا الطريق الذي قصده، حتى إذا خرجت قريش من جهة المدينة فلم تدركه علمت أنه قد نجى، فترجع فيخرج بعد آمنًا سالمًا مطمئنًا.\nواستأجرا أجيرًا يهديهما الطريق، وكان كافرًا إلا أنهما أمناه على هذا السر، وأسلما له الراحلتين، وواعداه أن يأتيهما بعد ثلاث في غار ثور.\nوفي الليل خرج - ﷺ - وأبو بكر، وأمر النبي - ﷺ - عليًا أن ينام في فراشه تلك الليلة، وأتيا غار ثور فدخلاه، وكان عبد الله بن أبي بكر -﵄- يبيت عندهما إلى الثلث الأخير من الليل، فإذا دخل السحر تدلى إلى مكة فأصبح بينهم كأنه بائت فيهم، فيستمع إليهم بالنهار، وما يكيدونه للنبي - ﷺ - فإذا جاء الليل ذهب إليهما، فأخبرهما بما سمع من مكائد قريش، وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم قريبًا من الغار، فإذا كانت العشاء راح عليهما بالغنم في الظلام، فيحلبان ويطعمان ثم ينعق عامر على الغنم فتنزل إليه، صنع ذلك حتى انتهت الثلاث.\n\nعباد الله! وجاء الشباب الذين أجمعوا أمرهم على قتل النبي - ﷺ -، وباتوا ليلتهم أمام الدار، فلم يرعهم إلا خروج علي بدلًا من محمَّد - ﷺ -، فجن جنونهم وطاروا هنا وهناك في الطرقات، يبحثون عن النبي - ﷺ - وصاحبه حتى انتهى بهم أثر الأقدام إلى غار ثور الذي دخله النبي - ﷺ -، فأعمى الله أبصارهم، وصرف قلوبهم عن دخول الغار، وهم أمام بابه وأبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا.\nفيقول - ﷺ -: \"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن","vol":"1","page":224},{"text":"الله معنا\" قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠].\n\nعباد الله! وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره، فصرف قلوبهم عن دخول الغار، فرجعوا يجرون أذيال الخيبة، وبعد ثلاث جاء الأجير الكافر في موعده، وكان هاديًا خريتًا -أي ماهرًا بالطريق- بالراحلتين فارتحل النبي - ﷺ - إحداهما وأبو بكر الأخرى، وخرج معهم عامر ابن فهيرة، وانطلق بهم الدليل نحو الجنوب، ثم انحاز بهم نحو الساحل ثم أخذ طريق الساحل إلى المدينة.\n\nعباد الله! ولكن قريشًا لم تسكت ولم تهدأ، ساءها خروج النبي - ﷺ - من بينهم، وفشلهم في إدراكه.\nفذاعوا في الناس: من جاء بمحمد وصاحبه أحياءً وأمواتًا فله ديتهما، والدية مائة من الإبل، والإبل أنفس أموال العرب وأحبها إلى قلوبهم، فسال لعاب الناس، من الذي يأتي بمحمد وصاحبه فيأخذ مائتين من الإبل.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى سراقة بن مالك وهو يخبرنا الخبر قال سراقة: \"فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي إذ أقبل رجل فيهم حتى قام علينا ونحن جلوس.\nفقال: يا سراقة! إني رأيت آنفًا أسودة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه.\nقال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا.","vol":"1","page":225},{"text":"ثم لبثت في الجلس ساعة ثم قمت فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي- وعصيت الأزلام- تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - ﷺ - وهو لا يلتفت- وأبو بكر يكثر الالتفات- ساخت يد فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة، إذا لأثرِ يديها عُثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره فناديتهم بالأمان، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم؛ أن سيظهر أمر رسول الله - ﷺ - فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزءاني، ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا.\nفسألته أن يكتب لي كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أُدم، ثم مضى رسول الله - ﷺ - (١).\n\nإخوة الإِسلام! النبي - ﷺ - في طريقه إلى المدينة، وقد وصلت الأخبار إلى المدينة أن رسول الله - ﷺ - خرج من مكة إلى المدينة فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه، حتى إذا اشتد الحر عليهم عادوا إلى بيوتهم.\nحتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه انتظروه حتى لم يبق ظل يستظلون به\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٩٠٦).","vol":"1","page":226},{"text":"فعادوا، وقدم الرسول - ﷺ - وقد دخلوا بيوتهم، فبصر به يهودي فناداهم بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون، فخرجوا فاستقبلوه وكان فرحتهم به غامرة فقد حملوا أسلحتهم وتقدموا نحو ظاهر الحرّة فاستقبلوه.\nونزل رسول الله - ﷺ - في قباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء، ولما عزم رسول الله - ﷺ - أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار، فجاءوا متقلدين سيوفهم وعدد الذين استقبلوه من الأنصار خمس مئة. فأحاطوا بالرسول وبأبي بكر وهما راكبان، ومضى الموكب داخل المدينة.\n\"وقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله - ﷺ -\" وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان في الطرق ينادون: يا محمَّد يا رسول الله، يا محمَّد يا رسول الله.\nقال الصحابي البراء بن عازب - ﵁ - وهو شاهد عيان \"ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - ﷺ -\" (١).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هجرة النبي - ﷺ - فهي كثيرة جدًا منها:\nأولًا: الدين أغلى عند المسلم من كل شيء، فالرسول - ﷺ - وأصحابه تركوا ديارهم وأموالهم فداء ونصرة لهذا الدين العظيم، وهذا يظهر من قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا\n_________\n(١) \"السيرة النبوية الصحيحة\" أكرم ضياء العمري (ص ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"1","page":227},{"text":"مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].\nومن قوله - ﷺ -: \"والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى، والله! لولا أني أخرجت منك، ما خرجت\" (١).\n\nعباد الله! كفار مكة أخرجوا رسول الله - ﷺ - وأصحابه لأنهم قالوا: ربنا الله، ولأنهم دخلوا في دين الله، وهذا يظهر من قول ورقة بن نوفل لرسولنا - ﷺ -: يا ليتني فيها جذعًا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي\" (٢).\nولذلك على المسلم إذا ضيق عليه في دينه، ولم يتمكن من عبادة ربه، أن يهاجر إلى أي بلد مسلم آخر ليتمكن من عبادة ربه، فليس هناك على وجه الأرض شخص أفضل من رسول الله - ﷺ -، وليس هناك بلد أفضل من مكة ومع ذلك فقد هاجر النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة.\n\nثانيًا: الله -﷿- ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة مهما كاد الكفار للمسلمين وخططوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١].\nوهذا يظهر من نصر الله لرسوله - ﷺ - في هجرته من مكة إلى المدينة.\n_________\n(١) \"صحيح ابن ماجه\" (٢٥٢٣).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣)، ومسلم (رقم ١٦٠).","vol":"1","page":228},{"text":"فالصحابة الكرام - ﵃ - هناك في المدينة لا يملكون لرسول الله - ﷺ - شيئًا، وكفار مكة يطاردون رسول الله - ﷺ - في كل مكان ليقتلوه، ومع ذلك نصر الله رسوله - ﷺ - وأيده بجنوده التي لا يعلمها إلا الله.\nقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ [التوبة: ٤٠].\n\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الخطبة الرابعة والعشرون\nالباحثون عن الحق عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - ﵄ </span>-\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الباحِثَيْنِ عن الحق وهما: عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي -﵄-.\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن هجرة النبي - ﷺ - من مكة إلى المدينة، وتبين لنا أن المسلمين في المدينة فرحوا بهجرة النبي - ﷺ - فرحًا شديدًا.\nيقول البراء بن عازب - ﵁ -: \"ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - ﷺ - \" (١).\nويقول أنس - ﵁ -: \"لما كان اليوم الذي دخل النبي - ﷺ - فيه المدينة أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا\" (٢).\nالشاهد يا عباد الله! أن المدينة ومن فيها فرحوا بهجرة النبي - ﷺ - فرحًا شديدًا.\n\nعباد الله! دخل رسول الله - ﷺ - المدينة راكبًا على ناقته، والأنصار يتطلعون إلى استضافته، فكلما مر على أحدهم دعاه للنزول عنده فكان - ﷺ -\n_________\n(١) \"السيرة النبوية الصحيحة\"، (ص ٢١٨ - ٢١٩) أكرم العمري.\n(٢) \"صحيح سنن الترمذي\" (٢٨٦١).","vol":"1","page":230},{"text":"يقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري - ﵁ -، في مكان المسجد النبوي الذي هو فيه الآن (١).\n\nعباد الله! فتساءل - ﷺ -: أي بيوت أهلنا أقرب؟ - يقصد بذلك بيوت بني النجار أخواله-.\nفقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي فنزل - ﷺ - في داره (٢). وكانت الدار طابقين، فاختار النبي - ﷺ - أن يسكن في الطابق الأرضي، فقال أبو أيوب - ﵁ -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إني لأكره أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل.\nفقال النبي - ﷺ -: \"يا أبا أيوب: إنه أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت\".\nقال أبو أيوب: فكان النبي - ﷺ - في السفل وكنا فوقه في المسكن، فانكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأمُّ أيوب بقطيفة لنا -ليس لنا لحاف غيرها- ننشف بها الماء مخافة أن يقطر منه شيء على رسول الله - ﷺ - فيؤذيه\" (٣).\n\nعباد الله! أخذت الوفود تتوافد على رسول الله - ﷺ - في دار أبي أيوب، وسمع عبد الله بن سلام -وكان رجلًا يهوديًا- بنزول النبي - ﷺ - في دار أبي أيوب، وقد تنادى الناس فيما بينهم: قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله، فجاء عبد الله بن سلام مع الناس ليرى رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) \"السيرة النبوية الصحيحة\" العمري (٢١٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (رقم ٣٩١١).\n(٣) \"سيرة ابن هشام\" بإسناد صحيح، انظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" العمري (ص ٢٢٠).","vol":"1","page":231},{"text":"قال عبد الله بن سلام: فلما رأيت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: \"يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام\" (١).\nفالإِسلام هو دين السلام، جاء بالسلام والرحمة إلى الناس.\n\nعباد الله! ذهب عبد الله بن سلام إلى أهله ثم عاد ليبحث عن الحق.\nقال عبد الله بن سلام: يا محمَّد إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهم إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟\nفقال النبي - ﷺ -: \"أخبرني بهن جبريل آنفًا\"\nقال ابن سلام: جبريل؟\nقال - ﷺ -: \"نعم\"\nقال ابن سلام: \"ذاك عدو اليهود من الملائكة\".\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما نزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة؛ نزع الولد (أي: جذبه إليه فكان أشبه بأبيه)، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل؛ نزع إليها.\nفقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ثم قال:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (رقم ٢٤٨٥)، وابن ماجه (رقم ١٣٣٤، ٣٢٥١)، والحاكم (٣/ ١٣، ٤/ ١٦٠) وانظر \"صحيح الجامع\" (٧٧٤٢).","vol":"1","page":232},{"text":"يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت (أي أهل إفك وكذب) يقولون في الرجل ما ليس فيه، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فابعث إليهم يا رسول الله، واسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا أني أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيَّ.\nفأرسل إليهم رسول الله - ﷺ - فجاءوه، واختبأ عبد الله بن سلام، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقًا، وأني قد جئتكم بالحق من عنده\".\nفقالوا: ما نعلمه؟\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ \"\nقالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.\nفقال - ﷺ -: \"أرأيتم إن أسلم؟ \"\nقالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.\nقال - ﷺ -: \"أرأيتم إن أسلم؟ \".\nقالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.\nقال - ﷺ -: \"أرأيتم إن أسلم؟ \"\nقالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"يا ابن سلام اخرج عليهم\".\nفخرج ابن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم قال لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.","vol":"1","page":233},{"text":"فقالوا له: كذبت ثم قالوا: شرنا، وابن شرنا وتنقصوه.\nفقال ابن سلام: يا رسول الله! ذاك الذي كنت أخاف على نفسي منهم فأخرجهم رسول الله - ﷺ - \" (١).\nوصدق الله العظيم حيث قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ [الأحقاف: ١٠].\nفهذه شهادة مِن رجلٍ مَنَّ الله عليه بالإِسلام من اليهود في رسول الله - ﷺ - وفي اليهود، فأخبر في شهادته أن رسول الله - ﷺ - حق، وأن اليهود قوم بهت.\n\nعباد الله! إذا كانت اليهود تعلم أن رسول الله - ﷺ - حق بشهادة أعلمهم وهو عبد الله بن سلام، فتعالوا بنا لنرى شهادة النصارى أيضًا في رسول الله - ﷺ -، وكيف أن أحبارهم ورهبانهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦].\nويظهر لنا ذلك من قصة إسلام سلمان الفارسي - ﵁ -.\nعن ابن عباس -﵄- قال: حدثني سلمان عن نفسه فقال: كنت رجلًا فارسيًا من أهل (أصبهان)، من أهل قرية منها يقال لها: (جيّ)، وكان أبي دهقان قريته (أي رئيسها)، وكنتُ أحبُّ خلقِ اللهِ إليه، فلم يزل به حُبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية، وأجهدت في\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٣٢٩).","vol":"1","page":234},{"text":"المجوسية حتى كنت قاطن النار؛ الذي يوقدها؛ لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة، قال: فَشُغِلَ في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني! إني قد شُغِلتُ في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فأطلعها. وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسممعت أصواتهم؛ دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها، فقلت لهم: أين أَصلُ هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلتُه عن عمله كلِّه، قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت! مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس.\nقال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قال: قلت: كلا والله؛ إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم، فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟\nقالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا","vol":"1","page":235},{"text":"الدين، وأحببت أن أكون معك؛ أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها؛ فإذا جمعوا إليه منها أشياء؛ اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وَوَرِق، قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء؛ يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها؛ فإذا جئتموه بها؛ اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا.\nقال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا. فصلبوه، ثم رجموه بالحجارة.\nثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه؛ أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببته حبًا لم أحبه مَن قبله، وأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان! إني كنت معك، وأحببتك حبًا لم أحبه أحدًا من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمرني؟\nقال: أي بني! والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلًا بـ (الموصل) وهو فلان، فهو على ما كنت عليه فالحق به.\nقال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (الموصل)، فقلت له: يا فلان إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، قال: فقال لي: أقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث","vol":"1","page":236},{"text":"أن مات، فما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان! إن فلانًا أوصي بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله -﷿- ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا رجلًا بـ (نصيبين)، وهو فلان فالحق به.\nقال: فلما مات وغُيب؛ لحقت بصاحب (نصيبين) فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي قال: فأقم عندي. فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبثت أن نزل به الموت، فلما حضر؟ قلت له: يا فلان! إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! والله ما نعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بـ (عمورية)؛ فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته، فإنه على أمرنا.\nقال: فلما مات وغيب؛ لحقت بصاحب (عمورية)، وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي. فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له: يا فلان! إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان بي إليك؛ فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني! ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مهاجرًا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة؛ فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.\nقال: ثم مات وغُيب، فمكثت بـ (عَمورية) ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي","vol":"1","page":237},{"text":"نفر من كلب تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم. فأعطيتهموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل من اليهود عبدًا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لىِ صاحبي، ولم يحق لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاجي، فأقمت بها.\nوبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: فلان! قاتل الله بني قيلة؛ والله إنهم الآن لمجتمعون بـ (قباء) على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي. قال: فلما سمعتها أخذتني العُرُواء (أي: الرِّعدة) حتى ظننت أني سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله - ﷺ - وهو بـ (قباء)، فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله - ﷺ - لأصحابه: \"كلوا\". وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه، فجمعت شيئًا وتحول رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، ثم جئت به فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":238},{"text":"منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله - ﷺ - وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه، عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره؛ هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسول الله - ﷺ - استدبرته؛ عرف أني استثبت في شيء وصف لي، قال: فألقي رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"تحول\". فتحولت، فقصصت عليه حديثي -كما حدثتك- يا ابن عباس! قال: فأعجب رسول الله - ﷺ - أن يسمع ذلك أصحابه. ثم شَغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله - ﷺ - بدر واحد، قال: ثم قال لي رسول الله - ﷺ -: \"كاتب يا سلمان\". فكاتبت صاحبي على ثلاث مئة نخلة أحييها له بالفقير وبأربعين أوقية، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أعينوا أخاكم\".\nفأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين ودية (صغار النخل)، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر -يعني الرجل بقدر ما عنده- حتى اجتمعت لي ثلاث مئة ودية، فقال لي رسول الله - ﷺ -: \"اذهب يا سلمان! ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي\". ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته، فخرج رسول الله - ﷺ - معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله - ﷺ - بيده، فوالذي نفس سلمان بيده؛ ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي علي المال، فأتي رسول الله - ﷺ - بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: \"ما فعل الفارسي المكاتب؟ \". قال: فدعيت له. فقال: \"خذ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان! \". فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي؟ قال: \"خذها؛ فإن الله -﷿- سيؤدي بها عنك\".","vol":"1","page":239},{"text":"قال: فأخذتها، فوزنت لهم منها -والذي نفس سلمان بيده- أربعين أوقية، فأوفيتهم حقهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله - ﷺ - الخندق، ثم لم يفتني معه مشهد\" (١).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄- فهي كثيرة جدًا نعيش معها في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى- إن كان في العمر بقية.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) إسناده صحيح، \"السلسلة الصحيحة\" (٨٩٤). \"مسند الإِمام أحمد\" (٢٣٧٣٧ - ط المؤسسة).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الخطبة الخامسة والعشرون\nالدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي - ﵄ </span>-\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄-.\nعباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة نزل في دار أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - وكانت الدار من طابقين فنزل - ﷺ - في الطابق الأرضي، فلما طَلبَ منه أبو أيوب أن يصعد إلى الطابق العلوي قال له رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا أيوب إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت\"، وبدأت الوفود تتوافد على رسول الله - ﷺ - في دار أبي أيوب، وكان ممن جاء إلى رسول الله - ﷺ - يبحث عن الحق، عبد الله بن سلام وكان رجلًا يهوديًا فسأل رسول الله - ﷺ - عن أشياء فلما أجابه الرسول - ﷺ - قال \"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله\" ثم قال ابن سلام: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت .. الخ.\n\nعباد الله! وتكلمنا في الجمعة الماضية أيضًا عن سلمان الفارسي - ﵁ - وكيف انتقل من بلد إلى بلد، ومن رجل إلى رجل يبحث عن الحق فعندما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة وعلم به سلمان الفارسي ذهب إليه، فلما وجد منه الصفات التي أخبروه عنها؛ وهي أن النبي - ﷺ - لا يأكل الصدقة، ويأكل","vol":"1","page":241},{"text":"الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، أسلم ودخل في دين الله، وكان سلمان الفارسي - ﵁ - عبدًا عند يهودي فأعانه النبي - ﷺ - والصحابة حتى تحرر من الرق وحضر مع رسول الله - ﷺ - غزوة الخندق وما بعدها من الغزوات.\n\nأمة الإِسلام! وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄- دروس وعظات وعبر منها:\n\nأولًا: تواضعه - ﷺ - ورأفته ورحمته بأصحابه وبضيوفه، وهذا يظهر من نزوله في الطابق السفلي من دار أبي أيوب الأنصاري، ومن قوله - ﷺ -: \"يا أبا أيوب! إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت\".\n\nعباد الله! من اللحظة الأولى وضع رسول الله - ﷺ - نفسه في مكان يسهل على جميع الناس أن يصلوا إليه، ولم يجعل على بيته بوابين يمنعون الناس من الدخول عليه - ﷺ -، فهذا عبد الله بن سلام من اليهود، ومع ذلك دخل على رسول الله - ﷺ - وسأله وتكلم معه ثم أسلم، والشاهد على أن النبي - ﷺ - ليس على بابه بوابين:\nمرّ النبي - ﷺ - على امرأة تبكي عند قبر فقال لها: \"اتقي الله واصبري\" فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - ﷺ - فأتت باب النبي - ﷺ -، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك.\nفقال - ﷺ -: \"إنما الصبر عند الصدمة الأولى\" (١).\n\nالشاهد يا عباد الله! أنها لم تجد على بابه بوابين يمنعونها من الدخول على رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٨٣)، ومسلم (رقم ٩٢٦).","vol":"1","page":242},{"text":"ومن تواضعه - ﷺ -.\nيقول أنس - ﵁ -: إن كانت الأمة -أي العبدة المملوكة- من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي - ﷺ - فتنطلق به حيث شاءت\" (١) وذلك ليقضي لها حاجتها، إنها أخلاق النبوة.\n- وسئلت عائشة - ﵂ - ما كان النبي - ﷺ - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله- يعني: خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة (٢). وكان - ﷺ - إذا مرَّ على الصبيان سلم عليهم (٣).\nومن تواضعه - ﷺ - أنه قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله\" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"إن الله أوحى إلى؛ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد\" (٥).\nوالله -﷿- يثني عليه في كتابه فيقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n\nعباد الله! وبهذا التواضع، وبهذه الرحمة، وبهذا الرفق من رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) \"رياض الصالحين\" (رقم ٦١٠) تحقيق الألباني.\n(٢) رواه البخاري (رقم ٦٧٦).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٢٤٧)، ومسلم (رقم ٢١٦٨).\n(٤) رواه البخاري (رقم ٣٤٤٥).\n(٥) رواه مسلم (رقم ٢٨٦٥ بعد ٦٤).","vol":"1","page":243},{"text":"بأصحابه، وبالناس أقبل الناس عليه، والتفوا حوله، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].\n\nثانيًا: اليهود قوم بهت -أي أهل إفك وكذب يقولون في الإنسان ما ليس فيه-\nوهذا يؤخذ من قول أحد علمائهم وهو عبد الله بن سلام بعد أن شرح الله صدره للإسلام فقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت.\nوالبهتان يا عباد الله! هو: أن ترمي الرجل بما ليس فيه\nقال رسول الله - ﷺ -: \"أتدرون ما الغيبة\"\nقالوا: الله ورسوله أعلم\nقال - ﷺ -: \"ذكرك أخاك بما يكره\"\nقيل: يا رسول الله أفرأيت إن كان في أخي ما أقول\nقال: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\" (١).\nفهذا تاريخ اليهود الأسود يشهد لهم بذلك؛ يقلبون الحقائق فنراهم في واقعنا المعاصر يقتلون المسلمين في أرض فلسطين ثم بعد ذلك باستخدامهم لوسائل الإعلام يقلبون الحقائق ويظهرون للناس أنهم هم الذين يُقْتَلونَ.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٨٩).","vol":"1","page":244},{"text":"فاليهود قوم بهت:\n\n١ - ومن بهتانهم: أنهم كذبوا على الله فوصفوه بما لا يليق وقد فضحهم الله في كتابه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].\n٢ - ومن بهتانهم: أنهم اتهموا مريم بالزنا، قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ [النساء: ١٥٦].\n٣ - ومن بهتانهم: أنهم زعموا أن جبريل ﵇ عدوٌّ لهم وهذا يظهر من قول ابن سلام قبل أن يسلم عندما قال النبي - ﷺ - \"أخبرني بهن جبريل آنفا\" فقال ابن سلام: جبريل، قال - ﷺ -: \"نعم\"، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فالله -﷿- كذبهم ورد عليهم فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٨].\n\nعباد الله! اليهود أهل حقد وحسد على المسلمين، وقد فضحهم الله في","vol":"1","page":245},{"text":"كتابه؛ فقال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].\nاليهود لا يحبون الخير للمسلمين أبدًا، وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢].\n\nعباد الله! اليهود يعملون بالليل والنهار، وينفقون أموالهم ليصرفوا المسلمين عن دينهم، وذلك لأن اليهود تقوى على حساب تفرق المسلمين وضعفهم وبعدهم عن دينهم. قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].\n\nعباد الله! اليهود هم أكلة الربا في العالم كله قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].\nاليهود ينقضون العهود والمواثيق وهم قتلة الأنبياء قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ","vol":"1","page":246},{"text":"قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]\nاليهود هم أفسد الناس في الأرض على الإطلاق، وهم الذين يشعلون الحروب بين الناس لأنهم لا يعيشون إلا على حساب خراب بيوت الآخرين قاتلهم الله. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].\nاليهود يسارعون إلى الإثم والعدوان وأكل الحرام ليلًا ونهارًا قال تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦٢].\nاليهود من أشر الناس ومن أضل الناس، ولذلك غضب الله عليهم ولعنهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].\nاليهود من أجبن الناس على الإطلاق؛ قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ [الحشر: ١٣ - ١٤].\n\nثالثًا: على الإنسان أن يبحث عن الحق ليلًا ونهارًا، فإن وجده اتبعه بلا تردد، وهذا يؤخذ من فعل عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي -﵄-.","vol":"1","page":247},{"text":"فهذا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى وجه النبي - ﷺ - ووجده ليس بوجه كذاب، وعندما سأله عن المسائل الثلاث وأجابه النبي - ﷺ -، عرف ابن سلام أن النبي - ﷺ - حق، وأنه جاء بالحق من عند الله تعالى، فعندها بلا تردد قال: أشهد أن لا إله الله وأشهد أنك رسول الله، وقال ابن سلام لليهود: يا معشر اليهود! اتقوا الله؟ فوالله الذي لا إله غيره إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق.\nوهذا سلمان الفارسي - ﵁ -، ترك أهله، وترك الغنى عند أبيه، وانتقل من بلد إلى بلد، ومن شخص إلى شخص، وباعوه عبدًا لرجل من اليهود، ومع ذلك يبحث عن الحق فعندما التقى برسول الله - ﷺ - وقدم له الصدقة فلم يأكل النبي - ﷺ - منها، وقدم له الهدية فأكل - ﷺ - منها، ورأى سلمان خاتم النبوة بين كتفي النبي - ﷺ - انكب على رسول الله - ﷺ - يقبله ويبكي، ودخل في دين الله، فعلى الإنسان أن يبحث دائمًا عن الحق في كل شيء، فإذا وجده اتبعه بلا تردد؛ لأنه ليس بعد الحق إلا الضلال، ولأن الحق أحق أن يتبع، فكم من إنسان منعه الكبر من اتباع الحق؟! وكم من إنسان منعه الجهل من اتباع الحق، وكم من إنسان منعته الدنيا وحب الدينار عن اتباع الحق، وكم من إنسان منعته الحزبية البغيضة عن اتباع الحق؟!\nقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢].\n\nرابعًا: ضرورة التعاون على البر والتقوى، وضرورة مساعدة المحتاج، وضرورة التعاون على قضاء الدين عن المدين.\nوهذا يؤخذ من فعل النبي - ﷺ - والصحابة - ﵃ - مع سلمان الفارسي - ﵁ - عندما ساعدوه ليتحرر من الرق فالله -﷿- يقول:","vol":"1","page":248},{"text":"﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.\nوقال - ﷺ -: \"أعينوا أخاكم\" أي: سلمان (١).\nوقال - ﷺ -: \"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .. \" (٢).\nفإذا ابتلي رجل من المؤمنين الصالحين بِدَين، من غير إسراف ولا تبذير، ولا محاربة لله ورسوله بالمعاصي، فإنه يجب على المسلمين أن يتعاونوا مع هذا الرجل على قضاء هذا الدين عنه، كما فعل النبي - ﷺ - والصحابة مع سلمان الفارسي - ﵁ -.\nقال - ﷺ -: \"ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون\" (٣) أي: أعانه الله.\nوقال - ﷺ -: \"ما من أحد يدان دينًا يعلم الله منه أنه يريد قضاءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا\" (٤)\n\nاللهم أعز الإِسلام والمسلمين.\n_________\n(١) مضى تخريجه.\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٤٤٢)، ومسلم (رقم ٢٥٨٠) واللفظ له.\n(٣) \"صحيح الجامع\" (٥٦١٠).\n(٤) \"صحيح الجامع\" (٥٥٥٣).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الخطبة السادسة والعشرون: المسجد في الإسلام</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن المسجد في الإِسلام.\n\nعباد الله! أولُ عملٍ قام به النبي - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة هو بناء المسجد.\nيقول أنس بن مالك - ﵁ -: \"لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة نزل علوِّ المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين بسيوفهم.\nقال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال أنس: وكان رسول الله - ﷺ - يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى بني النجار فجاءوا، فقال - ﷺ -: \"يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا\"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.\nقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه نخل، وقبور المشركين وخربٌ، فأمر رسول الله - ﷺ - بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت، وصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه حجارة.\nوجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله - ﷺ - معهم: اللهم لا","vol":"1","page":250},{"text":"خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة\" (١).\nهكذا عباد الله! بدأ النبي - ﷺ - ببناء المسجد في المدينة، وهو مسجد النبي - ﷺ - الذي لا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، بنى النبي - ﷺ - لله بيتًا قبل أن يبني لنفسه بيتًا وسكنًا، وبهذه البساطة قام مسجد النبي - ﷺ - من النخيل ومن الحجارة والسقف من الجريد، ولكنه خرَّج رجالًا هم صحابة النبي - ﷺ -، الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.\n\nعباد الله! وحديثنا عن المسجد سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>العنصر الأول: اهتمام الإسلام بالمساجد</span>.\nالعنصرالثاني: أهمية المسجد في الإِسلام.\nالعنصرالثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد.\n\nالعنصر الأول: اهتمام الإِسلام بالمساجد.\nاهتم الإِسلام بالمساجد اهتمامًا كبيرًا وربط المسلمين بالمساجد، ففي كتاب ربنا: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩].\nوقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].\nوقال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٨].\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٨)، ومسلم (رقم ٥٢٤).","vol":"1","page":251},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ [البقرة: ١١٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧ - ١٨].\nوقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].\n\nعباد الله! أما في سنة رسول الله - ﷺ - فقد اهتم النبي - ﷺ - بالمساجد اهتمامًا كبيرًا، فحث النبي - ﷺ - على بناء المساجد، فقال - ﷺ -: \"من بني لله مسجدًا يبتغي به وجه الله؛ بني الله له بيتًا في الجنة\" (١)، وقال - ﷺ -: \"إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علَّمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه مِنْ بعد موته\" (٢).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٥٠)، ومسلم (رقم ٥٣٣) واللفظ له.\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٢٢٢٧).","vol":"1","page":252},{"text":"- وحث النبي - ﷺ - على نظافة المساجد فقال - ﷺ -: \"البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها\" (١).\nوعن عائشة -﵂- قالت: \"أمر رسول الله - ﷺ - ببناء المساجد في الدُّور (أي: في الأحياء) وأن تنظف وتطيب\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردَّها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا\" (٣).\nفلا يجوز إنشاد الضالة عبر السماعات في المسجد.\nوقال - ﷺ -: \"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك\" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"لا تقام الحدود في المساجد، ولا يستقاد فيها\" (٥).\n- وأمر النبي - ﷺ - الرجال بحضور الجماعة في المساجد وحذر من التخلف عن ذلك بدون عذر شرعي، فقال - ﷺ -: \"من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر\" (٦).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١٥)، ومسلم (رقم ٥٥٢).\n(٢) \"صحيح أبي داود\" (١/ ٤٣٦).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٥٦٨).\n(٤) \"صحيح الترمذي\" (١/ ٢٦٥).\n(٥) \"صحيح أبي داود\" (٣/ ٣٧٦٩).\n(٦) رواه ابن ماجه (٧٩٣).","vol":"1","page":253},{"text":"فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم .. \" (١).\nفليتق الله الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة بلا عذر شرعي.\n- وحث النبي - ﷺ - على شهود الجماعة، وحضور الصلاة، وملازمة المساجد في أوقات الصلاة.\nفقال - ﷺ -: \"من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ \"\nقالوا: بلى يا رسول الله.\nقال: \"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"بشر المشائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة\" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطت عنه بها خطيئة\" (٥).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٤٤)، ومسلم (رقم ٦٥١).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٦٢)، ومسلم (رقم ٦٦٩).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٥١).\n(٤) \"صحيح أبي داود\" (رقم ٥٢٥).\n(٥) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٤٧)، ومسلم (رقم ٦٤٩) واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":254},{"text":"- وقد رغَّب النبي - ﷺ - في حب المساجد والتعلق بها وحضور مجالس العلم فيها والجلوس فيها لذكر الله بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس.\nفقال - ﷺ -: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد .. \" (١).\nوقال - ﷺ -: \"وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده\" (٢).\nوقالﷺ -: \"المسجد بيت كل تقي\" (٣).\nوقالﷺ -: \"من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة، تامة، تامة\" (٤).\n\nعباد الله! اهتم الإِسلام بالمساجد اهتمامًا بالغًا أتدرون لم يا عباد الله؟!\nهذا الذي نعرفه من،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>العنصر الثاني: أهمية المسجد في الإِسلام</span>.\nعباد الله! المسجد هو أحب البقاع إلى الله تعالى، قال - ﷺ -: \"أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها\" (٥).\nالمسجد هو قلعة الإيمان، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٦٠)، ومسلم (رقم ١٠٣١).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٦٩٩).\n(٣) \"السلسلة الصحيحة\" (٧١٦).\n(٤) \"صحيح الجامع\" (٦٢٢٢).\n(٥) رواه مسلم (رقم ٦٧١).","vol":"1","page":255},{"text":"وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].\nالمسجد هو المدرسة التي يتخرج منها الرجال، الذين يفتحون قلوب العباد والبلاد بدعوة الإِسلام، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧].\nالمسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها دينهم الصحيح، من خلال الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، فقد علم النبي - ﷺ - أصحابه وزكاهم في مسجده، فتخرج من مسجد رسول الله - ﷺ - الصحابة - ﵃ - الذين فتحوا قلوب العباد والبلاد.\nفمن أين تخرج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسلمان وصهيب وغيرهم ﵃ أجمعين؟\nالمسجد هو المدرسة التي يتعلم المسلمون فيها النظام في كل شيء في أعمالهم، في بيوتهم، في شؤونهم، في أسواقهم، ففي المسجد رجل يؤذن للصلاة فإذا أمره الإِمام بإقامة الصلاة أقامها، ثم يتقدم الإِمام ليؤم الناس، فلا يتقدم أحد للإمامة إلا بعد إذنه وهذا هو النظام في أسمى صورة وأبهى حلته، ويقوم المسلمون أجمعون خلف هذا الإِمام صفوفًا معتدلة متساوية.\nوكان النبي - ﷺ - يهتم بنفسه بتسوية هذه الصفوف وتعديلها ويأمر بها:\nعن أبي مسعود - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة،","vol":"1","page":256},{"text":"ويقول: \"استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم\" (١).\nفانظروا عباد الله!، يوم أن كانت الصفوف على عهد رسول الله - ﷺ - مستوية اتحدت القلوب، ويوم أن أصبحت الصفوف في أيامنا معوجة كانت القلوب مختلفة فتفرقت الأمة وضعفت، وقوي الأعداء علينا.\nوعن النعمان بن بشير - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يسوّي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أن قد عقلنا عنه. ثم خرج يومًا فكاد أن يكبر فرأى رجلًا باديًا صدره من الصف فقال: \"عباد الله! لتُسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم\" (٢).\nوعن ابن عمر -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أقيموا الصفوف، حاذوا بين المناكب، سدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين\" (٤).\nفانظروا عباد الله! إلى هذا النظام، الصفوف مستوية خلف إمام واحد وهم ملتزمون بهديه، مقتدون بفعله، لا يكبرون حتى يكبر، ولا يركعون\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٤٣٢).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٤٣٦).\n(٣) \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦٢٠).\n(٤) \"صحيح الجامع\" (٢٣٥٣).","vol":"1","page":257},{"text":"حتى يركع، ولا يرفعون حتى يرفع، ولا يسجدون حتى يسجد، ولا ينصرفون من الصلاة حتى ينصرف.\nوالذي يخالف هذا الإِمام وهذا النظام متوعد بالمسخ على لسان رسول الله - ﷺ -، قالﷺ -: \"أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار\" (١).\n\nعباد الله! في المسجد ترى العدل والمساواة في أبهى صورها، فالغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والعامي بجوار الأمير، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.\nكما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].\nفي المسجد ترى الرحمة من الإِمام على المأمومين، وترى السمع والطاعة من المأمومين للإمام، وهذا يعلم المسلمين السمع والطاعة للأمير العام، ويعلم الأمير الرحمة على الرعية التي استرعاه الله عليها.\nفالرعية التي تربت في المسجد تسمع وتطيع لأميرها، وإن ضربها وأخذ أموالها ما لم يأمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله.\nفي المسجد تربى المسلمون على مراقبة الله في أعمالهم، فالذي يقف خمس مرات بين يدي ربه يمنعه ذلك من الإقدام على المعاصي والذنوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>العنصر الثالث: البدع والمخالفات الشرعية التي وقعت في بناء المساجد</span>.\nعباد الله! تبين لنا ما للمسجد من أهمية كبيرة في حياة المسلمين وعلى\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٩١)، ومسلم (رقم ٤٢٧).","vol":"1","page":258},{"text":"الرغم من عظم هذه الأهمية، فقد فرط المسلمون من ناحية في بناء هذه المساجد، وأفرطوا من ناحية ثانية.\nأما تفريطهم؛ فإنك تجد آلاف القرى والأحياء في العالم الإِسلامي ليس فيها مسجد واحد، بينما تتناثر في كل مكان دور اللهو والفجور وأما إفراطهم؛ فإنك تجد المسجد الواحد وقد كلف بناؤه مئات الألوف من الدنانير، أنفقت على الزخارف والتحف التي أودعوها في هذا المسجد؛ حتى صار بالمتحف أشبه منه بالمسجد.\n\nعباد الله! ومن المخالفات الشرعية التي وقع فيها الكثير من المسلمين في بناء المساجد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>أولًا: بناء المساجد على القبور</span>.\nوهذا حرام، ولا يجوز في شريعة الإِسلام، والنبيﷺ - عندما اشترى الأرض التي يريد أن يبني فيها مسجده ووجد فيها قبور المشركين، أمر بقبور المشركين فنبشت؛ لأنه لا يجوز بناء المساجد فوق القبور لقول النبي - ﷺ - قال: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\" (١).\nولقد كانﷺ - يُحذر من اتخاذ المساجد على القبور ويعد المتخذين شرار الخلق.\nعن عائشة -﵂- أن أم سلمة وأم حبيبة -﵄- ذكرتا لرسولﷺ - كنيسة رأتاها في أرض الحبشة فيها تصاوير فقال - ﷺ -: \"أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا\n_________\n(١) \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٦٠٦).","vol":"1","page":259},{"text":"فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\" (١).\nولما حضرته - ﷺ - الوفاة لم ينشغل بسكرات الموت مع شدتها عن تحذير أمته من اتخاذ القبور مساجد\n- عن عائشة وابن عباس - ﵃ - قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ -؛ طفِق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها؛ كشفها، فقال وهو كذلك: \"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" (٢) يحذر ما صنعوا.\nوعن جندب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك\" (٣).\nفلا يجوز أبدًا أن يُبنى مسجد على قبر، أو يجاء برجل فيدفن في المسجد؛ لأن الإِسلام جاء لمحاربة الشرك وسد الذرائع التي تفضي إلى الشرك، واتخاذ المساجد على القبور ودفن الصالحين في المساجد بعد موتهم من وسائل الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>ثانيًا: زخرفة المساجد</span>\nقال - ﷺ -: \"ما أمرت بتشييد المساجد\" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\" (٥).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٧)، ومسلم (رقم ٥٢٨).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٣٥، ٤٣٦)، ومسلم (رقم ٥٣١).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٥٣٢).\n(٤) \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٤٣١).\n(٥) \"صحيح سنن أبي داود\" (١/ ٤٣٢).","vol":"1","page":260},{"text":"وقال - ﷺ -: \"إذا حليتم مصاحفكم، وزوقتم مساجدكم، فالدمار عليكم\" (١).\nوصدق رسول الله - ﷺ - حين نبأ بمصير المسلمين في قوله: \"لتتبعن سنن من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم\"،\nقيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟! \" (٢).\nالمسلمون اليوم انشغلوا بزخرفة المساجد عن تزكية النفوس، وعمارة المساجد بالصلاة فيها فكان هذا حالهم.\nأما أسلافنا الكبار -الصحابة ﵃- فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام، وفتحوا قلوب العباد والبلاد.\nورضي الله عن عمر الفاروق الذي قال لرجل عندما هم ببناء المسجد:\n\"أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر؛ فتفتن الناس\"\n\nفيا أمة الإِسلام! عودوا إلى الله وإلى القرآن، وعودوا إلى المساجد، وكونوا في المساجد، كما أراد الله وكما أراد رسول الله - ﷺ -.\n\nاللهم فقهنا في ديننا.\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (١٣٥).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٤٥٦)، ومسلم (رقم ٢٦٦٩).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الخطبة السابعة والعشرون: الإخاء بيم المهاجرين والأنصار</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الإخاء بين المهاجرين والأنصار\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تبين لنا أن رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة بدأ أولًا ببناء المسجد؛ لأن في المسجد يقف المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة بين يدي ربهم، وفي المسجد يتعلم المسلمون دينهم، وفي المسجد يتعود المسلمون على النظام في كل حياتهم، وفي المسجد يتدرب المسلمون على السمع والطاعة لأولي أمرهم.\n\nعباد الله! ولما وصل النبي - ﷺ - المسلمين بربهم من خلال عبادتهم في المسجد، وصل بين المسلمين بعضهم ببعض فآخى بين المهاجرين والأنصار.\n\nعباد الله! وحديثنا عن الإخاء بين المهاجرين والأنصار سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>العنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة</span>.\nالعنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار.\nالعنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله.\nالعنصر الرابع: الأمراض التي تفتك وتفسد الأخوة في الله.\n\nالعنصر الأول: المهاجرون والأنصار في الكتاب والسنة.\nالمهاجرون هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، طاعة ومحبة لله ولرسوله - ﷺ - ونصرة لدين الله كما وصفهم ربهم في كتابه.","vol":"1","page":262},{"text":"فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].\nنعم والله صادقون في إيمانهم، صادقون في هجرتهم، صادقون في محبتهم لله ولرسوله - ﷺ -.\nأما الأنصار هم أهل المدينة الذين استقبلوا إخوانهم المهاجرين وضربوا مثلًا أعلى في الإيثار، كما وصفهم ربهم -﵎- في كتابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩].\nومن الأمثلة على الإيثار عند الأنصار\nيقول أبوهريرة - ﵁ -: أتى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أصابني الجهْد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول اللهﷺ -: ألا رجل يضيفه هذه الليلة يرحمه الله!؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله - ﷺ - لا تدخري به شيئًا.\nقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية!\nقال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت.\nثم غدا الرجل على رسول الله - ﷺ - فقال: لقد عجب الله -﷿- أو ضحك من فلان وفلانة، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ","vol":"1","page":263},{"text":"وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).\nولذلك أثنى رسول الله - ﷺ - على الأنصار وتمنى أن يكون منهم فقال - ﷺ -: \"لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار\".\nفقال أبو هريرة: ما ظلم بأبي وأمي! آووه ونصروه (٢).\nوجعل النبي - ﷺ - حبهم علامة الإيمان، وبغضهم أمارة النفاق، فقال - ﷺ -: \"الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله\" (٣).\nفالويل الويل للروافض الشيعة الذين يبغضون صحابة رسول الله - ﷺ -، والنبي - ﷺ - يقول: \"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار\" (٤).\nوقال - ﷺ -: \"استوصوا بالأنصار خيرًا\" (٥).\n\nعباد الله! ها هم أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار، من سلك سبيلهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن ترك سبيلهم شقي في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٨٨٩)، ومسلم (رقم ٢٠٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري (رقم ٣٧٧٩).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧٨٣)، ومسلم (رقم ٧٥).\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧٨٤)، ومسلم (رقم ٧٤).\n(٥) \"ترتيب صحيح الجامع\" (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":264},{"text":"الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].\nوقال - ﷺ -: \"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة\". قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: \"التي تكون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي\" (١).\n\nعباد الله! وها هم صحابة رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>العنصر الثاني: الإخاء بين المهاجرين والأنصار</span>.\nعباد الله! عندما وصل النبي - ﷺ - المدينة وبنى المسجد؛ آَخى بين المهاجرين والأنصار أخوةً تجعل المهاجري أولى بمال أخيه الأنصاري في الميراث من أهله وأقاربه والعكس، فضرب الأنصار المثل الأعلى في الوفاء بحق الأخوة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة.\nعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟\n_________\n(١) مضى تخريجه.","vol":"1","page":265},{"text":"قال: سوق قينقاع.\nفغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو، فما لبث أن جاء وعليه أثر صفرة، فقال له النبيﷺ -: \"تزوجت\"؟\nقال: نعم. قال: \"مَنْ؟ \" قال: امرأةً من الأنصار قال: \"وكم سقت؟ \" قال: زنة نواةٍ من ذهب فقال له النبيﷺ -: \"أولم ولو بشاة\" (١).\n\nعباد الله! عقد الأنصار عقد الإخاء بكل تسامح وإيثار، وهم أصحاب الأموال وأهل الديار، وعقد المهاجرون عقد الإخاء بكل عفة وزهد واستغناء، شاكرين لإخوانهم الأنصار حسن استقبالهم، وكرم ضيافتهم، وإن تعجب فاعجب من سعد بن الربيع وهو يعرض على أخيه عبد الرحمن بن عوف نصف ماله، ويزداد عجبك حين تسمع سعد بن الربيع وهو يقول لأخيه عبد الرحمن بن عوف: عندي زوجتان انظر إليهما فأيتهما أعجبتك فسمِّها لي؛ فأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجتها الله أكبر! الله أكبر ما هذا الذي نسمعه؟\nلا تعجب فإن الإيمان إذا تمكن من القلوب فعل أكثر من ذلك.\nوإن تعجب من حسن العرض، فاعجب أكثر وأكثر من حسن الرفض اعجب من قول عبد الرحمن بن عوف لأخيه سعد بن الربيع: بارك الله لك في أهلك ومالك، لا حاجة لي في شيء من ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ ثم ذهب إلى السوق وتاجر.\nالله أكبر من أي مدرسة تخرج هؤلاء؟ إنها مدرسة محمَّد - ﷺ -.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٢٠٤٨).","vol":"1","page":266},{"text":"عباد الله! استمر عقد الإخاء بين المهاجرين والأنصار، إذا مات أحدهما ورثه أخوه دون ابن أمه وأبيه إلى أن أنزل الله -﷿- قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].\nفنسخت روابط الإخاء وبقيت أخوة النسب دون أخوة الإخاء الذي أمضاه النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>العنصر الثالث: حقوق الأخوة في الله:</span>\nأنزل الله -﵎- قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فربط الله -﷿- بين المسلمين برابطة الإيمان التي هي أقوى من رابطة النسب والوطن واللغة، فالمؤمنون إخوة وإن تباعدت أقطارهم، المؤمنون إخوة وإن تباعدت أجسادهم، يقول - ﷺ -: \"المسلم أخو المسلم\" (١).\nويقول - ﷺ -: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\" (٢) وشبك بين أصابعه.\nعباد الله! وهذه الأخوة في الله لها حقوق كثيرة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>أولًا: التناصح والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر</span>، فالمسلم ناصح لأخيه المسلم أما المنافق يفضح قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٤٤٢)، ومسلم (رقم ٢٥٨٠).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٨١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٥).","vol":"1","page":267},{"text":"حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١]. قال تعالى: إخبارًا عن نوح ﵇: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وعن هود ﵇: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾. فالنصيحة من صفات الرسل والمؤمنين.\nوقال - ﷺ -: \"الدين النصيحة\" ثلاث مرات. قيل لمن يا رسول الله؟ قال: \"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم\" (١).\nوعن جرير بن عبد الله - ﵁ - قال: بايعت رسول اللهﷺ - على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكم مسلم (٢).\n\nعباد الله! ومن الأمثلة على التناصح:\nآخى النبي - ﷺ - بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة أي لابسة ثياب المهنة، تاركة ثياب الزينة فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبوالدرداء ليس له حاجة في الدنيا -أي: في النساء- وفي رواية: \"يصوم النهار ويصلي الليل\" فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا -أي لسلمان- فقال له: كل فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فلما كان الليل ذهب أبوالدرداء يقوم، فقال له -أي سلمان- نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال له: نم فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا جميعًا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتي النبيﷺ - فذكر ذلك له فقال له النبي - ﷺ -: \"صدق سلمان\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>ثانيًا: النصرة والدفاع والإعانة على قضاء الحاجات</span>، قال - ﷺ -: \"انصر\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٥٥).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٧)، ومسلم (رقم ٥٦).\n(٣) رواه البخاري (رقم ١٩٦٨).","vol":"1","page":268},{"text":"أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله تنصره مظلومًا فكيف تنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من ظلمه فذلك نصرك إياه\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"لأن أمشي في حاجة أخي أحب إلى من أن أعتكف في هذا المسجد (يعني مسجد المدينة) شهرًا، ومن مشى مع أخيه في حاجة له حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام\" (٤).\nالشفاعة الحسنة لأخيك أن تمشي لقضاء حاجته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>ثالثًا: من حقوق الأخوة في الله: الدعاء لأخيك بظهر الغيب</span>\nقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].\nوقال - ﷺ -: \"دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه\nملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>رابعًا: ومن حقوق الأخوة في الله: الاستغفار للأخ حيًا وميتًا</span>، فإن\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٢٤٤٣).\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٦٤٥٠).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٦٩٩).\n(٤) \"السلسلة الصحيحة\" (٩٠٦).\n(٥) رواه مسلم (رقم ٢٧٣٣).","vol":"1","page":269},{"text":"الاستغفار هو دأب الملائكة المقربين والنبيين المرسلين.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].\nوقال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١].\nوقال تعالى عن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨].\nوأمر الله رسول - ﷺ - بذلك فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].\nوقالﷺ -: \"من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة\" (١).\nوكان - ﷺ - إذا وضع الميت في قبره وأهال عليه التراب يقول: \"استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت فإنه الآن يسأل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>خامسًا: ومن حقوق الإخوة في الله: الإصلاح بينهم إذا وقع بينهم خلاف ونزاع</span>.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٥٩٠٢).\n(٢) قال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد \"أحكام الجنائز\" (ص ١٩٨).","vol":"1","page":270},{"text":"فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>سادسًا: ومن حقوق الإخوة في الله: أن يحب الأخ لأخيه ما يحب لنفسه</span>.\nقال - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>سابعًا: ومن حقوق الأخوة في الله: التعاون على البر والتقوى</span>.\nقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].\nوقال - ﷺ -: \"مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>ثامنًا: من حقوق الأخوة في الله: التزاور في الله</span>\nقال الله تعالى: \"وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين في والمتزاورين في\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"إن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تُربُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣)، ومسلم (رقم ٤٥).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠١١)، ومسلم (رقم ٢٥٨٦).\n(٣) \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٠١٨).","vol":"1","page":271},{"text":"قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>تاسعًا: ومن أعظم حقوق الأخوة في الله: ألا يكون الأخ أحق بدرهمه\nوديناره من أخيه</span>.\nلأن النبي - ﷺ - قال: \"ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه\" (٢).\nولقد أتى أبا هريرة رجل فقال: يا أبا هريرة إني أريد أن أؤاخيك في الله\nفقال أبو هريرة: وهل تدري ما حق الأخوة؟\nقال: لا، عرفني.\nقال: إن من حق الأخوة ألا تكون أحق بدرهمك ولا دينارك مني.\nفقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة.\nقال أبو هريرة: فإليك عني (٣).\nوقال أبو جعفر لأصحابه يومًا: أيدخل أحدكم يده في جيب أخيه فيأخذ من ماله ما يريد؟\nقالوا: لا. قال: فلستم بإخوان كما تزعمون (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>العنصر الرابع: الأمراض التي تفتك، وتفسد الأخوة في الله</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>أولًا: الحسد والتباغض والتدابر</span>\nقال - ﷺ -: \" .. لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٦٧).\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٥٢٥٨).\n(٣) \"منهاج المسلم\" (ص ١٣١).\n(٤) \"مختصر منهاج القاصدين\" (ص١٠٠).","vol":"1","page":272},{"text":"بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره (ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>ثانيًا: سوء الظن والتجسس والغيبة والنميمة</span>.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].\nوقالﷺ -: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا .. \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>ثالثًا: الهجران </span>ولذلك كان النبيﷺ - يحذر أمته من الهجر\nقالﷺ -: \"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"تعرض أعمال الناس في كل خميس واثنين، فيغفر الله -﷿- في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا؛ إلا امرءًا كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول اتركوهما حتى يصطلحا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>رابعًا: السخرية </span>ولذلك حذر الإِسلام من أن يسخر المسلم من أخيه المسلم.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٥٦٤).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٦٦)، ومسلم (رقم ٢٥٦٣).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٧٧)، ومسلم (رقم ٢٥٦٠).\n(٤) رواه مسلم (رقم ٢٥٦٥ بعد ٣٦).","vol":"1","page":273},{"text":"قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>خامسًا: عدم التثبت من الأخبار التي ينقلها بعض الفساق</span>.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>سادسًا: الغش في البيع والشراء</span>.\nقالﷺ -: \"من غشنا فليس منا\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في\nبيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما\" (٢).\n\nفاتقوا الله عباد الله!، وكونوا على حذر من هذه الأمراض التي فرقت بين المسلمين، وكونوا عباد الله! إخوانًا كما أمركم الله ﵎.\n\nاللهم ألف بين قلوب المسلمين.\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٦٢٨٣).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٧٩)، ومسلم (رقم ١٥٣٢).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الخطبة الثامنة والعشرون: وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من\nسيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود.\n\nعباد الله! عندما وصل النبي - ﷺ - إلى المدينة مهاجرًا من مكة انشغل بما يلي:\nأولًا: صلة الأمة بالله، فبادر - ﷺ - إلى بناء المسجد كما ذكرنا، لتظهر فيه شعائر الإِسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء بربه، وتنقى القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا.\n\nثانيًا: صلة الأمة بعضها ببعض، فآخى النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار أخوة تمحى من خلالها كلمة (أنا)، ويتحرك الفرد فيها بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانًا دونها ..\nومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.\n\nثالثًا: صلة الأمة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها، أخص بالذكر \"اليهود\" الذين استوطنوا المدينة في ذلك الوقت.\nعباد الله! وحديثنا عن وفاء المسلمين وغدر وخيانة اليهود سيكون حول العناصر التالية:\nالعنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر.","vol":"1","page":275},{"text":"العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة.\nالعنصرالثالث: معاملة النبي - ﷺ - لليهود في المدينة.\nالعنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>العنصر الأول: الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، يأمر بالوفاء وينهى عن الخيانة والغدر:</span>\nعباد الله! الإِسلام دين السلام والأمن والأمان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ [الأنفال: ٦١].\nوقال عبد الله بن سلام -وكان رجلًا يهوديًا شرح الله صدره للإسلام-: فلما رأيت وجهه (أي النبي - ﷺ -) علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: \"يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام\" (١).\nوسأل رجل النبي - ﷺ -: أي الإِسلام خير؟\nقال: \"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (٤).\nعباد الله! الإِسلام دين يأمر بالوفاء بالعهود ويحذر من الخيانة والغدر،\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٧٧٤٢).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢)، ومسلم (رقم ٣٩).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٤٦).\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠)، ومسلم (رقم ٤٠).","vol":"1","page":276},{"text":"قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء:٣٤]، أي يا معشر المسلمين إذا عاهدتم فأوفوا بعهدكم، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢].\nوقال تعالى محذرًا من نقض العهود: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥].\n\nعباد الله! والنبي - ﷺ - يربي أمته على الوفاء بالعهود ويحذرهم من خلف الوعود، قال - ﷺ -: \"لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة\": منها \"وأوفوا إذا وعدتم\" (٢).\nوالنبي - ﷺ - يقول: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\".\nوفي رواية لمسلم زاد: \"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم\" (٣).\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٧٠٥٦).\n(٢) \"صحيح الجامع\" (١٠٢٩).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣)، ومسلم (رقم ٥٩).","vol":"1","page":277},{"text":"عباد الله! ولذلك ضرب لنا الرسولﷺ - والمسلمون من بعده مثلًا أعلى في الوفاء بالعهود، استجابة لأمر الله ولأمر رسوله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>العنصر الثاني: موقف اليهود من رسول الله - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة</span>.\nعباد الله! اليهود شعب مجرم لا يحب إلا نفسه، ولا يعرف إلا مصالحه؛ يعيش على حساب خراب بيوت الآخرين، دائمًا يُشعلون نار الحرب بين القبائل قديمًا وبين الدول حديثًا.\nواليهود في المدينة هم الذين كانوا يشعلون نار الحرب بين الأوس والخزرج، فلما جاء النبي - ﷺ - إلى المدينة بالإِسلام، عرفوا وأيقنوا أن هذا الدين الجديد يقضي على مصالحهم الخبيثة، فنظروا إلى الرسولﷺ - والإِسلام نظرة حقد وحسد وبغض ولكنهم لم يستطيعوا أن يظهروا ذلك في أول الأمر.\nويظهر لنا ذلك من قصة إسلام عبد الله بن سلام عندما أرسل النبي - ﷺ - إلى اليهود فجاءوا فقال لهم رسول اللهﷺ -: \"يا معشر اليهود؛ ويلكم اتقوا الله وأسلموا، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد علمتم أني رسول الله حقًا، وأني قد جئتكم بالحق من عنده\"\nفقالوا: ما نعلمه -وهذا يدل على ما في قلوبهم- علمًا أنهم يعرفون رسول اللهﷺ - حقًا كما يعرفون أبناءهم.\nوعندما قال لهم: \"أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟\nقالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.\nوعندما قال لهم عبد الله بن سلام: يا معشر اليهود! اتقو الله فوالله الذي","vol":"1","page":278},{"text":"لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق، فقالوا له: كذبت (وهذا يعبر عما في قلوب اليهود).\nويظهر لنا ذلك أيضًا مما رواه ابن إسحاق عن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب -﵂- أنها قالت: كنت أحَبُّ ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر؛ لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه.\nقالت: فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي؛ حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين -أي وقت صلاة الفجر-\nقالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.\nقالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى\nقالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع. فوالله! ما التفت إلى واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ.\nقالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي، حيي بن أخطب: أهو هو؟ - وهذا هو الشاهد -أي: أهو الرسول الذي نعرفه في التوراة.\nقال: نعم والله!\nقال: أتعرفه وتثبته؟\nقال: نعم\nقال: فما في نفسك منه؟\nقال: عداوته والله! ما بقيت -وهذا هو الشاهد- (١).\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٥١٨ - ٥١٩).","vol":"1","page":279},{"text":"هذا هو موقف اليهود من الرسول - ﷺ - عندما وصل إلى المدينة، حقد بغضاء حسد عداوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>العنصر الثالث: معاملة النبيﷺ - لليهود في المدينة</span>.\nعباد الله! لما استقرت الأوضاع في المدينة، تطلع رسول الله - ﷺ - إلى حماية المدينة من الداخل- وهذا ما يقال في لغة العصر تأمين الجبهة الداخلية- فسعى إلى أن يكون بينه وبن اليهود -وهم على دينهم- حسن جوار فلا يؤذيهم ولا يؤذونه، ولا يعتدي عليهم ولا يعتدون عليه، فدعى النبيﷺ - إلى معاهدة سلم تكفل لهم الحرية الكاملة التامة في دينهم وأموالهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبيﷺ - في سلم وسلام، وأمن وأمان.\nوكان من مقتضى هذه المعاهدة أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء.\nوكان في المدينة من اليهود ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي - ﷺ - جميعًا على المسالمة، وعلى النصرة والمؤازرة ضد كل من يقصد المدينة بسوء.\n\nعباد الله! وأخذ النبيﷺ - يحث المسلمين على الوفاء، وأداء الأمانة، وينهاهم عن الغدر والخيانة، ويأمرهم باحترام هذه المعاهدة واحترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفس أو مال، فجعل - ﷺ - يقول: \"ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة\" (١).\n_________\n(١) \"صحيح أبي داود\" (٢٦٢٦).","vol":"1","page":280},{"text":"وجعل - ﷺ - يقول: \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (١).\n\nعباد الله! وتأليفًا من النبي - ﷺ - لقلوب اليهود، وطمعًا في إسلامهم: توجه - ﷺ - في صلاته إلى بيت المقدس بأمر الله له.\nورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فسألهم عن سبب صيامهم فقالوا: ذاك يوم نجَّى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل، وأهلك فرعون وملأه؛ فنحن نصومه شكرًا لله -﷿- فقال - ﷺ -: \"نحن أحق بموسى منكم\" فصامه وأمر بصيامه\" (٢).\nوظل - ﷺ - يوافقهم على ما هم عليه؛ فيما لم يأته فيه وحي من الله -﷿- تأليفًا لقلوبهم، فعن ابن عباس - ﵄- قال: كان رسول الله - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه.\n\"وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي - ﷺ - ناصيته ثم فرق بعد\" (٣).\nسدل رسول الله - ﷺ - ناصيته تأليفًا منه لليهود، وموافقة لهم حتى يكون قريبًا منهم، ومع ذلك لم يستجيبوا له، ثم فرق بعد أن دخل الوثنيون في الإِسلام وأبى اليهود إلا الكفر.\nعباد الله! وكان القرآن الكريم ينزل على النبي - ﷺ - مفرقًا في العلاقة بين\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٦).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٠٥)، ومسلم (رقم ١١٣١).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٥٥٨)، ومسلم (رقم ٢٣٣٦) واللفظ له.","vol":"1","page":281},{"text":"المسلمين واليهود، وبين المسلمين والوثنيين.\nفنهى الله تعالى رسوله والمسلمين عن أكل طعام الوثنيين وعن الزواج منهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].\nنهيٌ عن أكل ذبائح المشركين، ونهى عن الزواج منهم.\nأما اليهود والنصارى فقد أحل الله تعالى طعامهم والزواج منهم.\nفقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].\n\nعباد الله! ونزل القرآن الكريم يدعو اليهود والنصارى إلى الإيمان، ويرغبهم فيه، وينهاهم عن الكفر.\nقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ","vol":"1","page":282},{"text":"الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧٠ - ٧١].\n\nعباد الله! ومع ذلك كله، فقد أصر اليهود على الكفر، واستكبروا استكبار، ومكروا للإسلام والمسلمين مكرًا كبارًا، فمن مكرهم وخديعتهم، أن يدخل في الإِسلام نفر منهم أول النهار، ويجلسون عند رسول الله - ﷺ - وبين المسلمين، ويراهم المسلمون جميعًا، حتى إذا كادت الشمس تغرب رجع هؤلاء اليهود عن إسلامهم آخر النهار وذلك حتى يقال: إن اليهود أهل نبوة وأهل كتاب، وعندهم علم من السماء فقد دخلوا في الإِسلام يظنونه دين الحق، فلما دخلوا فيه تبين لهم أنه ليس دين الحق، ولذلك رجعوا عنه فتكون هذه فتنة لضعاف الإيمان، والذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، والله -﷿- الذي خلقهم يعلم طبائعهم وخبثهم، فأخبرنا في كتابه عن صنيعهم، قال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣].\nوحذر ربنا -جل وعلا- اليهود من هذا الفعل، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾ [آل عمران: ٩٩].","vol":"1","page":283},{"text":"عباد الله! وقد أخبرنا الله -﷿- في كتابه عما تحمله اليهود في قلوبهم نحو المسلمين والإِسلام، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠].\n\nعباد الله! من أجل ذلك حذر الله -﷿- رسوله - ﷺ - والمسلمين من أهل الكتاب- اليهود والنصارى-\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>العنصر الرابع: اليهود أهل غدر وخيانة</span>.\nعباد الله! ومع ذلك كله ظل النبي - ﷺ - وفيًا لهم بعهده، ملتزمًا بالميثاق الذي أخذه على نفسه لهم، حتى كانوا هم أول من نقض العهد، فأجلاهم وأخرجهم من المدينة، وقتل فيهم من قتل، وكان أول من نقض العهد من طوائف اليهود بنو قينقاع، ثم نقض بنو النضير عهدهم في نفس السنة، ولما جاءت الأحزاب في السنة الخامسة نقض بنو قريظة عهدهم، فلما رجعت الأحزاب أتاهم النبي - ﷺ - فقتل مقاتليهم وسبق ذراريهم ونسائهم، وقد أخبرنا الله في كتابه أن اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود.\nقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٣ - ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا","vol":"1","page":285},{"text":"مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٢ - ١٣].\nعن عبد الله بن عمر -﵄- أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله - ﷺ -، فأجلى رسول اللهﷺ - بني النضير وأقر قريظة، ومنَّ عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا أن بعضهم لحقوا بالنبي - ﷺ - فاَمنهم وأسلموا، وأجلى رسول الله - ﷺ - يهود المدينة كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام) ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان في المدينة\" (١).\nفقد ثبت بالكتاب والسنة والتاريخ أن المسلمين أهل وفاء وأمانة، وأن اليهود أهل غدر وخيانة.\nفنسأل الله سبحانه كما أخرج اليهود من المدينة؛ أن يخرجهم من أرض فلسطين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (رقم ١٧٦٦).","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الخطبة التاسعة والعشرون: مشروعية القتال</span>\nعباد الله! وموعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ - وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن مشروعية القتال.\nوكلامنا عن مشروعية القتال سيكون حول العناصر التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>العنصر الأول: رسول الله - ﷺ - والمسلمون قبل مشروعية القتال</span>\nالعنصر الثاني: مشروعية القتال.\nالعنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال.\n\nالعنصر الأول: رسول اللهﷺ - والمسلمون قبل مشروعية القتال:\nعباد الله! أرسل الله رسوله إلى الناس جميعًا، وأمره أن يدعو إلى الهدى ودين الحق، فلبث في مكة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، عباد الله! فقابل كفار مكة هذه الدعوة بالصد والاعتداء على رسول اللهﷺ - وعلى أصحابه، والله -﷿- يأمر رسوله - ﷺ - أن يقابل هذا الاعتداء؛ بالصبر، والعفو، والصفح الجميل.\nقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [الزخرف: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤].","vol":"1","page":287},{"text":"رسول الله - ﷺ - في مكة يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وكفار قريش يقابلون ذلك بالاعتداءات على رسول الله - ﷺ - وأصحابه. ولم يأذن الله لرسوله - ﷺ - بأن يقابل السيئة بالسيئة، أو يواجه الأذى بالأذى، أو يحارب الذين حاربوا الدعوة، أو يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات، ولكن قال له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ [المؤمنون: ٩٦].\nوذلك يا عباد الله! حتى لا يصطدم المسلمون مع الكفار في بداية الدعوة، فيؤثر ذلك على دعوة الإِسلام.\nعباد الله! النبي - ﷺ - في مكة يربي أصحابه على العفو والصبر والصفح، وينهاهم عن قتال الكفار قبل مشروعية القتال.\nومن الأمثلة على ذلك:\n١. كان النبيﷺ - يمر على أصحابه وهم يعذبون فيقول لهم: \"صبرًا آل ياسر،\nفإن موعدكم الجنة\" (١).\n٢. وعن ابن عباس -﵄-: \"أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي - ﷺ - بمكة فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة- يريدون بذلك أن يأذن لهم النبي - ﷺ - أن يقاتلوا الكفار- فقال: \"إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا .. \" (٢).\n٣. وعن خباب بن الأرت - ﵁ - قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد\n_________\n(١) قال الشيخ الألباني في التعليق على \"فقه السيرة\" (ص ١٠٧) \"حديث حسن صحيح\".\n(٢) \"صحيح سنن النسائي\" (٢٨٩١).","vol":"1","page":288},{"text":"بردة له في ظل الكعبة- ولقد لقينا من المشركين شدة-، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقالﷺ -: \"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشي بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون\" (١).\nتربية في بادئ الأمر على الصفح والعفو والصبر الجميل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>العنصر الثاني: مشروعية القتال</span>.\nعباد الله! كفار مكة يتفننون في أساليب الاعتداء على رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ ليصدوهم عن دينهم، والنبي - ﷺ - وأصحابه يقابلون ذلك بالعفو والصفح الجميل، ولما وصل الاعتداء قمته بتدبير مؤامرة لاغتيال النبي - ﷺ -، اضطر الرسول - ﷺ - وأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى المدينة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].\n\nعباد الله! عندما وصل النبيﷺ - إلى المدينة مهاجرًا من مكة بدأ أولًا ببناء المسجد، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدة مع اليهود -الذين يسكنون معه في المدينة- تقتضي أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضد كل من قصد المدينة بسوء- وهذا ما يسمى في لغة العصر تأمين\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٦١٢).","vol":"1","page":289},{"text":"الجبهة الداخلية- ليتفرغوا للتصدي لأي عدوان يأتي من الخارج على المدينة.\n\nعباد الله! لما استقر رسول الله - ﷺ - بالمدينة، وألف الله بين قلوب المسلمين، وقامت للمسلمين دولة في المدينة، ساء ذلك قريشًا وأحزنهم، فأخذوا يهددون رسول الله - ﷺ - وأصحابه. ومن الأمثلة على ذلك:\n١ - انطلق سعد بن معاذ إلى مكة معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت فخرج به قريبًا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان! من هذا معك؟\nفقال: هذا سعد\nفقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا وقد آويتم الصباة (أي أصحاب النبي - ﷺ -)، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله! لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله! لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة\" (١).\nوهذا هو الشاهد، التهديد من كفار مكة لمن جاء إلى المدينة.\nأمر ثان يشهد بالتهديد من كفار مكة للنبي - ﷺ - وأصحابه.\n٢ - عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - \"أن\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٦٣٢).","vol":"1","page":290},{"text":"كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبي، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، والنبي - ﷺ - يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه، أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم.\nفلما بلغ ذلك ابن أبي ومن كان معه من عبده الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله - ﷺ - فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي - ﷺ - تفرقوا\" (١).\n\nعباد الله! لما أرسل كفار مكة كتاب التهديد إلى ابن سلول وافق ذلك هوىً في نفسه، إذ كان أهل المدينة قبل هجرة النبي - ﷺ - يرصعون التاج لابن أبي ليتوجوه ملكًا عليهم، فلما وصل رسول الله - ﷺ - المدينة انصرف الناس كلهم إليه، وأعرضوا عن ابن سلول، فكان ابن سلول يعتقد أن النبي - ﷺ - سلبه الملك، فما هو أن أتاه هذا الكتاب من كفار قريش حتى بادر إلى تجميع الناس، وتحريضهم على قتال النبي - ﷺ -، فاجتمع هو ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج لقتال النبي - ﷺ -، فلما وصل الخبر إلى النبي - ﷺ - خرج إليهم، وذكرهم ونصحهم، فلما سمعوا كلام النبي - ﷺ -، كفوا أيديهم، وألقوا سلاحهم، ورجعوا عما عزموا عليه.\n٣ - واستمر كفار مكة في تهديد المسلمين، فأرسلوا كتابًا آخر إلى المسلمين في المدينة يهددونهم بالهجوم عليهم في أي لحظة من ليل أو نهار للقضاء عليهم.\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (رقم ٢٥٩٥).","vol":"1","page":291},{"text":"وعلم النبي - ﷺ - أن هذا التهديد ليس مجرد تهديد، وأن قريشًا قد تهاجمهم بالفعل في المدينة في آية ساعة من ليل أو نهار، مما جعل النبي - ﷺ - يسهر بالليل ولا ينام.\nعن عائشة -﵂- قالت: \"سهر رسول الله - ﷺ - مقدمه المدينة ليلة؟ فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة.\nقالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح -أي: صوت سلاح-\nفقال رسول الله - ﷺ -: مَنْ؟\nقال: سعد بن أبي وقاص.\nقال: وما جاء بك؟\nقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله - ﷺ - فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله - ﷺ -، ثم نام حتى أصبحنا\" (١).\nواستمر هذا السهر من النبي - ﷺ -، واستمرت الصحابة في حراسته ليلًا، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله -﷿-\" (٢).\n\nعباد الله! ولم يكن هذا السهر خاصًا به - ﷺ - وحده، بل كان أصحابه جميعًا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، حتى شق عليهم ذلك، وكانوا لا يظنون أن يأتي عليهم يوم يضعون فيه السلاح، ويأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٨٥)، ومسلم (رقم ٢٤١٠).\n(٢) \"صحيح سنن الترمذي\" (٣٠٤٦).","vol":"1","page":292},{"text":"عن أبي بن كعب - ﵁ - قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، ورمتهم العرب عن قوس واحدة -أي اتفقوا الكفار جميعًا على النبي - ﷺ - وعلى أصحابه- كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقال بعضهم لبعض وهم كذلك: تظنون أن يأتي علينا يوم نأمن على أنفسنا، ونضع السلاح ولا نخاف إلا الله -﷿- من شدة البلاء-\nفأنزل الله -﷿- قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] (١).\n\nعباد الله! في هذه الظروف الخطيرة التي كانت تهدد كيان المسلمين بالمدينة، والتي كانت تنبئ عن أنَّ قريشًا لا يفيقون عن غيهم، ولا يمتنعون عن تمردهم بحال؛ أذن الله للمسلمين بالقتال.\nقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤١].\n\nعباد الله! شرع الله القتال للمسلمين على مراحل:\n_________\n(١) صحيح، رواه الحاكم (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المرحلة الأولى: الإذن بالقتال دفاعًا عن النفس</span>.\nقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المرحلة الثانية: أمر الله المسلمين بالقتال دفاعًا عن النفس والعقيدة</span>.\nقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المرحلة الثالثة: </span>أمر الله المسلمين بقتال المشركين، وابتدائهم به، وذلك للتمكن للعقيدة الإِسلامية من الانتشار دون أية عقبات تضعها قوى الشرك، ولتصبح كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وبذلك لا يقوى أحد على فتنة المؤمنين، وصرفهم عن دينهم حيثما كانوا، ويظهر ذلك من:\nقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\n\nعباد الله! وهذا القتال الذي شرعه الله -﷿- للمسلمين، وأمرهم به، هو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وهو يختلف عن الحروب الأخرى التي تقوم بها الشعوب والدول.","vol":"1","page":294},{"text":"قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٧٦].\nوكان - ﷺ - إذا أرسل جيشًا قال لهم: \"اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>العنصر الثالث: السرايا والغزوات التي تحركت من المدينة بعد الإذن بالقتال</span>.\nعباد الله! لما أذن الله تعالى لرسوله - ﷺ - في الدفاع عن نفسه، وعن أصحابه، أخذ - ﷺ - يبعث سراياه إلى الجهات المختلفة لمقاصد عالية وحكم غالية منها:\nأولًا: إشعار قريش بأن المسلمين لم يهاجروا فرارًا، ولم يخرجوا هربًا، وإنما هاجروا ليعدوا أنفسهم لمقاومة الطغيان، ورد الظلم والعدوان، ولتعلم قريش أن المسلمين أصبحوا أقوياء.\nثانيًا: السيطرة على بعض أموال قريش ليكون في ذلك إضعاف لقريش عن حرب المسلمين، وتقوية للمسلمين أنفسهم حتى ينفقوا هذه الأموال في سبيل الدعوة إلى الله، بدلًا من إنفاق قريش تلك الأموال في الصد عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].\nثالثًا: إعلام الكفار من يهود المدينة ومن حولها؛ أن المسلمين قادرون على دحر أي عدوان ورد أي طغيان على المدينة، سواء كان من العدو\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٣١).","vol":"1","page":295},{"text":"الداخلي -يعني اليهود- أو من العدو الخارجي -يعني كفار قريش-.\nرابعًا: استطلاع الأحوال واستكشاف الآراء، والإحاطة بالمواقع ومعرفة ميول الناس حول المدينة هل هي مع المسلمين أو عليهم.\nخامسًا: الدعوة إلى الله -﷿-، ونشر دين الله -﵎- ولذلك لم يحصل قتال في أي سرية بعثها النبي - ﷺ - إلا بعد عناد الكفار، وإصرارهم على القتال، فكان المسلمون يضطرون إلى منازلة الكافرين لإصرارهم على المنازلة.\n\nعباد الله! ففي رمضان من السنة الأولى التقى \"حمزة بن عبد المطلب\" في ثلاثين من المسلمين، بأبي جهل يقود قافلة لقريش، ومعه ثلاث مئة راكب وقد حجز بينهما مجدي بن عمرو الجهني فلم يقع قتال.\n٢ - وفي شوال من السنة نفسها، سار عبيدة بن الحارث في ستين راكبًا إلى وادي رابغ، فالتقى بمائتي مشرك على رأسهم أبو سفيان، وقد ترامى الفريقان بالنبل ولم يقع قتال.\n٣ - وفي ذي القعدة خرج \"سعد بن أبي وقاص\" في نحو عشرين رجلًا يعترض عيرًا لقريش ففاتته.\n٤ - وفي صفر من السنة الثانية خرج الرسول - ﷺ - بنفسه بعد أن استخلف سعد بن عبادة على المدينة، وسار حتى بلغ ودّان يريد قريشًا وبني ضمرة، فلم يلق قريشًا وعقد حلفًا مع بني ضمرة.\n٥ - وفي ربيع الأول من السنة نفسها خرج الرسول - ﷺ - على رأس مائتين من المهاجرين والأنصار إلى \"بواط\" معترضًا عيرًا لقريش يقودها أمية بن خلف ومعه مائة من المشركين ففاتته.","vol":"1","page":296},{"text":"٦ - ثم أغار كرز بن جابر الفهري على المدينة واستاق سرحها، فخرج النبي - ﷺ - في طلبه حتى بلغ وادي سنوان قريبًا من \"بدر\" فلم يدركه وتسمى هذه \"غزوة بدر الأولى\".\n\nعباد الله! بعث النبي - ﷺ - سرية، وأمّر عليها عبد الله بن جحش الأسدي، وكان ذلك في شهر رجب، وكتب النبيﷺ - لعبد الله بن جحش كتابًا وأمره أن لا تنظر فيه حتى يسير يومين، فخرج عبد الله بن جحش في اثني عشر رجلًا من المهاجرين فلما سار يومين فتح الكتاب ونظر فيه، وإذا رسول الله - ﷺ - يأمره أن يسير حتى ينزل في نخلة، مكان بين مكة والطائف، فيرصد فيها قريشًا ويتعرف على أحوالها، وأمره النبيﷺ - أن لا يستكره أحدًا من أصحابه على السير معه، فلما قرأ عبد الله كتاب النبي - ﷺ - قال: سمعًا وطاعةً لرسول الله - ﷺ -، وأخبر أصحابه أنه قد أمر أن لا يستكره أحدًا منهم فمن أحب الشهادة فليسر، ومن كره الموت فليرجع.\nفمضوا كلهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش في عشرة من المهاجرين حتى نزلوا بنخلة فمرت لهم عير قريش قادمة من الشام على رأسها عمرو بن الحضرمي ومعه ثلاثة نفر من كفار قريش فلما رأوا العير تشاوروا ماذا يفعلون؟\nإننا في آخر يوم من رجب، فإن قاتلناهم قاتلناهم في الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا المسجد الحرام، فرأوا أن يقاتلوهم حتى لا يفلتوا منهم، فرمي أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله، ثم أسروا رجلين وأفلت الرابع، فرجعوا إلى النبي - ﷺ - بالعير والأسير، فأنكر عليهم النبي - ﷺ - تصرفهم ولم يقرهم عليه، وانتهزت قريش الفرصة للتشنيع على المسلمين والتشهير بهم، وذمهم وعيبهم على قتالهم في الشهر الحرام، وقالوا: انظروا إلى محمَّد","vol":"1","page":297},{"text":"- ﷺ - وأصحابه، يزعمون أنهم يعظمون الأشهر الحرم وقد قاتلوا في الشهر الحرام، واشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فعفى الله عنهم، ورفع الحرج عنهم وأنزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].\nفأقر الله ﵎ الكفار على عيبهم على المسلمين قتالهم في الشهر الحرام، وقال إن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن أكبر منه وأعظم جرمًا ما أنتم عليه معشر المشركين من الكفر بالله، والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام، وما أنتم عليه من الشرك، وإخراج المسلمين أولياء الله من بيت الله الحرام، هذا الذي أنتم عليه أكبر عند الله من انتهاك المسلمين للشهر الحرام، فأنتم تستحقون القدح والذم والعيب والمقت والعقوبة.\nأما المهاجرون؛ فإنهم وإن انتهكوا حرمة الشهر الحرام؛ فإنما انتهكوها بنوع تأويل أو تقصير حصل، والله يعفو عنهم لأنهم أهل الإيمان وأهل توحيده وعبادته، هم الذين هاجروا مع رسوله، ونصروا دينه وتركوا ديارهم وأموالهم، ابتغاء مرضاته، فلا حرج عليهم فيما كان منهم من القتال في الشهر الحرام (١).\n\nاللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٣/ ١٧٠).","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>الخطبة الثلاثون\nالأهداف السامية والحكم العالية التي من أجملها شُرِعَ القتالُ في سبيل الله</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الأهداف السامية، والحكم العالية التي من أجلها شُرعَ القتالُ في سبيل الله.\n\nعباد الله! تكلمنا في الجمعة الماضية عن مشروعية القتال، وتبين لنا أنه لما استقر النبي - ﷺ - بالمدينة؛ وأيده الله بنصره، ورمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمر لهم عن ساق العداوة والمحاربة، والله -﷿- يأمرهم بالصبر والعفو، حتى قويت شوكتهم فأذن لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم.\nقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾\nثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].\nوبعد ذلك فرض عليهم قتال المشركين كافة. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾.","vol":"1","page":299},{"text":"عباد الله! كثير من الناس بسبب الجهل بالدين الإِسلامي، يفهمون القتال في سبيل الله فهمًا خاطئًا:\nفمنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن الخطب الرنانة الحماسية التي تثير الناس على ولاة أمورهم، وهذا خطأ وجهل كبير.\nومنهم أن يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عرضٌ للعضلات على رجال الأمن في البلد التي يعيشون فيها، وهذا خطأ كبير.\nومنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن التخريب والاعتداء على المنشآت في البلد الذي يعيشون فيه.\nومنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن اغتيال الشخصيات البارزة في المجتمع الذي يعيشون فيه.\nومنهم من يظن أن القتال في سبيل الله؛ هو عبارة عن الحصول على شرف البطولة، ليكتبوا عنه بعد موته في الجرائد والكتب \"الشهيد البطل\"، وهذا مفهوم خاطئ للقتال في سبيل الله.\n\nعباد الله! وجاءت الأدلة من الكتاب والسنة تبين لنا الأهداف السامية، والحكم العالية التي من أجلها شرع القتال في سبيل الله.\nالهدف الأول: لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ليعبد الله وحده في الأرض.\nقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النساء: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ","vol":"1","page":300},{"text":"كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤٠ - ٤١].\nأي من أجل هذا الهدف؛ انفروا خفافًا وثقالًا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله.\nوقال - ﷺ -: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (١).\nوكان - ﷺ - إذا أرسل جيشًا قال لهم: \"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله .. \" (٢).\nعباد الله! فالهدف الأول للقتال في سبيل الله هو أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، أما من قاتل حمية، أو وطنية، أو شجاعة، أو رياء، أو سمعة، أو غير ذلك؛ فله ما نوى، ولا أجر له عند الله، وقال - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\" (٣).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨١٠)، ومسلم (رقم ١٩٠٤).\n(٢) رواه مسلم مضى قريبًا.\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١)، ومسلم (رقم ١٩٠٧).","vol":"1","page":301},{"text":"وقال - ﷺ -: \"من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالًا؛ فله ما نوى\" (١).\nوجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا غزى يلتمس الأجر والذكر\nما له؟\nفقال - ﷺ -: \"لا شيء له\".\nفأعادها ثلاث مرات، والرسول - ﷺ - يقول له: \"لا شيء له\".\nثم قال - ﷺ -: \"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتغي به وجهه\" (٢).\nوأخبر - ﷺ -: \"إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمه، فعرفها قال: فما عملت فيها؟\nقال: قاتلت فيك حتى استشهدت.\nقال: كذبت، ولكن قاتلت لأن يقال: هو جريء، فقد قيل -أي في الدنيا-، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار\" (٣).\nالهدف الثاني: رد اعتداء المعتدين الذين يعتدون على بلاد المسلمين، وأموال المسلمين وأعراض المسلمين، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠].\nوقال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ\n_________\n(١) \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٣٤).\n(٢) \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٣١).\n(٣) رواه مسلم (رقم ١٩٠٥).","vol":"1","page":302},{"text":"وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [التوبة: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].\nالهدف الثالث؛ هو: إرهاب الكافرين وإذلالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\nالهدف الرابع: عذاب الكافرين وشفاء صدور المؤمنين ونصرهم، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾ [التوبة: ١٤].\nالهدف الخامس: الامتحان والابتلاء والتمحيص لأهل الإيمان؛ لكي يتحصلوا على الشهادة في سبيل الله، فالله ﷾ قادر أن ينتصر من الكفار، وقادر أن يهلكهم ويدمرهم، ولكن شرع القتال في سبيل الله لتمحيص المؤمنين، وليتحصلوا على الشهادة في سبيل الله.\nقال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ","vol":"1","page":303},{"text":"مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢].\n\nعباد الله! وللقتال في سبيل الله آداب قبل القتال، وأثناء القتال، وبعد انتهاء القتال.\nعباد الله! ومن آداب القتال في الإِسلام قبل القتال: الدعوة: وهي دعوة الكافرين إلى إحدى خصال ثلاث:\nأولاها: الإِسلام، فإذا دخلوا في الإِسلام فقد عصموا دماءهم وأموالهم، وصاروا للمسلمين إخوانًا، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، وتلك هي الغاية العظمى من القتال والجهاد في الإِسلام، وليس ذلك عن إكراه، بل عن اقتناع كامل لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.\nثانيها: الجزية: لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فإن أعطوها قبلت منهم، وحقنت بها دماؤهم، وعصمت أموالهم، وإن رفضوا الإِسلام والجزية فقد أصروا على القتال فتعين على المسلمين قتالهم. ولذلك قالﷺ -: \"فإن هم أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم\" (١).\n\nعباد الله! ومن آداب القتال في الإِسلام أثناء القتال:\nأولًا: إحسان القتل لقوله - ﷺ -: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٣١).","vol":"1","page":304},{"text":"قتلتم فاحسنوا القتلة .. \" (١).\nثانيًا: اتقاء الوجه لقولهﷺ -: \"إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه\" (٢).\nثالثًا: أن لا يقتلوا النساء والصبيان، فعن ابن عمر ﵄ قال: \"وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي - ﷺ -، فنهىﷺعن قتل النساء والصبيان\" (٣). أما إذا ركبت المرأة الطائرة، وحاربت المسلمين، أو الدبابة وقتلت المسلمين، فتقتل لأنها شاركت في المعركة.\nرابعًا: أن لا يحرقوا بالنار، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث فقال: \"إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار\"، ثم قال - ﷺ - حين أردنا الخروج: \"إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموها فاقتلوهما\" (٤).\n\nعباد الله! ومن آداب القتال في الإِسلام بعد انتهاء القتال:\nأولًا: النهي عن المثلة لقولهﷺ -: \"ولا تمثلوا\" (٥).\nفلا يجوز أن يمثل المسلمون بقتلى المشركين، بقطع أنف، أو أذن، أو يد، أو رجل، وغير ذلك.\nثانيًا: الأمر بدفن قتلى المشركين، فقد كانﷺ - بعد الانتهاء من المعركة يأمر بدفن قتلى الكفار.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٩٥٥).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٥٥٩)، ومسلم (رقم ٢٦١٢).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠١٤)، ومسلم (رقم ١٧٤٤).\n(٤) رواه البخاري (رقم ٢٩٥٤).\n(٥) رواه مسلم، ومضى قريبًا.","vol":"1","page":305},{"text":"ثالثًا: الأمر بالإحسان إلى الأسرى، ففي غزوة بدر أمكن الله رسوله من المشركين، فقتل منهم سبعين وأسر سبعين، فلما رجع - ﷺ - إلى المدينة فرق الأسرى بين الصحابة، ووصاهم بهم خيرًا، فكانوا يطعمونهم ويسقونهم فضربوا بذلك مثلًا أعلى في حسن معاملة الأسرى حتى مدحهم الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨ - ٩].\nرابعًا: النهي عن الغلول، وهو الأخذ من الغنائم قبل قسمتها فقد أقبل نفر من أصحاب النبيﷺ - يوم خيبر فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال - ﷺ -: \"كلا: إني رأيته في النار في عباءة غلها\" (١).\nخامسًا: النهي عن الغدر، فإذا انتهت الحرب بصلح عام، أو معاهدة، أو أجار أحدٌ من المسلمين محاربًا، أو أعطاه أمانًا وجب الوفاء بالعهد والأمان، وحرم الغدر والخيانة.\nقال - ﷺ -: \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (٢).\n\nفانظروا عباد الله!، وانظروا يا أعداء الإِسلام في كل مكان إلى الإِسلام؛ دين له هدف في القتال في سبيل الله، دين يؤدب المسلمين في القتال، وأثناء القتال، وبعد القتال، فوالله الذي لا إله غيره ولا رب سواه لا خير للبشرية\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١١٤).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣١٦٦).","vol":"1","page":306},{"text":"إلا أن يدينوالله بهذا الدين.\n﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الخطبة الحادية والثلاثون: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الحادي والثلاثين من سيرة المصطفى - ﷺ -.\nوحديثنا في اللقاء سيكون عن: الترغيب في القتال والجهاد في سبيل الله.\nعباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن الأهداف السامية التي من أجلها شُرع القتال في سبيل الله.\nوتبين لنا أن الإِسلام فرض القتال على المسلمين؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى دائمًا.\nوتبين لنا أيضًا؛ أن الإِسلام أدب المجاهدين في سبيل الله بآدابٍ قبل المعركة وأثناء المعركة، وبعد الانتهاء من المعركة.\n\nعباد الله! ولما كان القتال فيه مشقة على النفوس البشرية، جاءت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة تُرغِبُ وتَحُثُّ وتُحَرِضُ على القتال والجهاد في سبيل الله\nففي كتاب ربنا:\nقال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ [آل عمران: ١٥٧].","vol":"1","page":308},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً","vol":"1","page":309},{"text":"وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦].\n\nعباد الله! وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله - ﷺ -، تُرغبُ في القتال والجهاد في سبيل الله.\nسُئلﷺ -: أيُّ العمل أفضل؟\nقال - ﷺ -: \"إيمان بالله ورسوله\"\nقيل: ثم ماذا؟\nقال: \"الجهاد في سبيل الله\".\nقيل: ثم ماذا؟\nقال: \"حجٌ مبرور\".\nوسئل - ﷺ -: أيُّ الناس أفضلُ؟\nقال - ﷺ -: \"مؤمن يجاهد بنفسه وبماله في سبيل الله\" (١).\nوسئل - ﷺ -: أيُّ المؤمنين أكملُ إيمانًا؟\nقال - ﷺ -: \"الذي يجاهد بنفسه وماله، ورجل يعبدُ الله في شعبٍ من الشعاب وقد كفى الناس من شره\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٦)، ومسلم (رقم ٨٣).\n(٢) \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٢٩٧).","vol":"1","page":310},{"text":"اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة\" -أي قدر ما تحلب الناقة- \"وجبت له الجنة\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"إنَّ في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"ما أحد يدخلُ الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيدُ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل عشر مراتٍ، لما يرى من الكرامة\".\nوفي رواية: \"لِمَا يرى مِن فضل الشهادة\" (٣).\nوقال - ﷺ -: \"للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أوله دفعة من دمه، ويرى مقعدهُ من الجنة، ويُجارُ من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، وُيحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، وُيشفّع في سبعين إنسانٍ من أقاربه\" (٤).\nوجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال:- يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يعدلُ الجهادَ؟\nقال - ﷺ - \"لا أجدهُ\".\nثم قال - ﷺ -: \"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم\nولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ \".\nفقال الرجل: ومن يستطيع ذلك؟! (٥)\n_________\n(١) \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١٣٠١).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٧٩٠).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨١٧)، ومسلم (رقم ١٨٧٧).\n(٤) \"صحيح ابن ماجه\" (٢٢٥٧).\n(٥) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٧٨٥)، ومسلم (رقم ١٨٧٨)","vol":"1","page":311},{"text":"وقالﷺ -: \"عينان لا تمسُّهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرسُ في سبيل الله\" (١).\n\nعباد الله! الإِسلام هو دين الله في الأرض إلى أن يرث اللهُ الأرض ومن عليها، ويوم القيامة لا يقبل الله دينًا غيره.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]\nوالإِسلام عندما أذن للمسلمين بالقتال وفرضه عليهم، بيَّن لهم الأهداف السامية التي يحاربون من أجلها.\nوأدَّب الإِسلام المجاهدين في سبيل الله بآداب إسلامية قبل المعركة، وأثناء المعركة، وبعد الانتهاء من المعركة، ثم رغب الإِسلام في الجهاد في سبيل الله.\nومع ذلك لا يحرص الإِسلام والمسلمون على الحرب، وإشعال الحرب، ولكن إذا فَرَضَتْ الحربُ نفسها على المسلمين، صبروا، وحاربوا من أجل إعلاء كلمة لا إله إلا الله.\nيقولﷺ - لأصحابه: \"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف\" (٢).\nفالإِسلام هو دين السلام ولذلك سمى اللهُ الإِسلام سلمًا.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].\n_________\n(١) \"رياض الصالحين\" تحقيق الألباني (١٣١٣).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٧٢٣٧)، ومسلم (رقم ١٧٤٢).","vol":"1","page":312},{"text":"والجنة دار السلام جعل الله من أسباب دخولها إفشاء السلام.\nقال - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم\" (١).\nوأول شيءٍ صدع به النبي - ﷺ - عندما قدم إلى المدينة قال:\n\"يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنةَ بسلام\" (٢).\n\nعباد الله! والكفار إذا كفوا أيديهم عن المسلمين، ولم يصدوا عن سبيل الله، وتركوا المسلمين يتحركون في الأرض بدين الله، يدعون عباد الله إلى الله، فالإِسلام لا يأمر بقتالهم أبدًا.\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]\nوكان - ﷺ - إذا بعث جيشًا في سبيل الله أعلمهم، وأدبهم، وأمرهم أن يدعوا الناس أولًا إلى الإسلام، فإذا أجابوهم إلى الإِسلام فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، ولا قتال ولا إكراه في الدين، فإن رفضوا الإِسلام يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فإن رفضوا الإِسلام والجزية يأتي الإِسلام هنا -بعد أن فرض الكفار على أنفسهم القتال- فيقاتلهم الإِسلام لأنهم لولا أنهم هم يريدون القتال لدخلوا في الإِسلام أو\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٥٤).\n(٢) \"صحيح ابن ماجه\" (٦٢٣٠).","vol":"1","page":313},{"text":"لدفعوا الجزية، حتى يفهم الجميع يا عباد الله، أن الإِسلام، هو دين السلام وهو دين الرحمة ولا يُشْعِلُ نارًا للحرب أبدًا في أي مكان.\nولقد أخبرنا ربنا -جل وعلا- في كتابه؛ أن اليهود يشعلون نار الحرب هنا وهناك، وها هو التاريخ يشهد بذلك، ما من حرب قامت على وجه الأرض إلا وراءها اليهود؛ لأنهم يعيشون ويترعرعون على الحروب.\nفإذا فُرضِتْ الحربُ على المسلمين يأتي الإِسلامُ، ويقول للمسلمين كما قال - ﷺ -: \"لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف\" (١).\nففي الوقت الذي أمر الإِسلام ورغبَّ في الجهاد في سبيل الله، بيَّن أن الإِسلام هو دين الرحمة والسلم والسلام والأمان.\nقال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠].\nوقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].\n\nعباد الله! ولكن إذا اعتدى الكفار على المسلمين وعلى بلاد المسلمين، وصدوا عن سبيل الله، عندها أمر الإِسلام المسلمين أن يقاتلوا الكفار، ويصبروا على ذلك، وبيَّن الإسلام للمسلمين أنهم في قتالهم للكفار؛ فإنها إما النصر وإما الشهادة.\nقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ\n_________\n(١) متفق عليه، مضى قريبًا.","vol":"1","page":314},{"text":"أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾ [التوبة: ٥٢].\nولذلك أمر الإِسلام المسلمين بالصبر والثبات عند لقاء العدو.\nفقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦].\nوقال - ﷺ -: \"فإذا لقيتموهم فاصبروا\".\nثم جاء الإِسلام يحث المسلمين ويرغبهم في قتال الكفار الذين حاربوا المسلمين، وصدوا عن سبيل الله .. اللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.","vol":"1","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الخطبة الثانية والثلاثون: غزوة بدرالكبرى</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الثاني والثلاثين من سيرة النبي - ﷺ -.\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بدرٍ الكبرى وهي الغزوة العظيمة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل.\nوأعزَّ الإِسلام وأهله وأذلَّ الكفر وأهله.\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة بدرٍ سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>العنصر الأول: بين يدي الغزوة</span>.\nالعنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.\nالعنصر الثالث: نتائج الغزوة.\n\nالعنصر الأول: بين يدي الغزوة.\nوصلت الأنباء إلى المدينة أن قافلة ضخمةً لقريش عائدةٌ من الشام إلى مكة تحمل لأهلها الثروة الطائلة، يقودُها أبو سفيان بنُ حربٍ مع رجالٍ لا يزيدون عن الثلاثين أو الأربعين.\nولذلك قال النبي - ﷺ - لأصحابه: \"هذه عيرُ قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها\" (١)\nوأراد الرسول - ﷺ - بذلك أن يضرب قريشًا ضربة اقتصادية تقصم\n_________\n(١) قال الشيخ الألباني: حديث حسن، انظر \"فقه السيرة\" (ص ٢١٨).","vol":"1","page":316},{"text":"ظهورهم؛ لأنهم بهذه الأموال يستعينون بها على محاربة الإِسلام والمسلمين.\nوأراد النبي - ﷺ - بذلك أن يعوض أصحابه ما تركوا من أموال وديار في مكة أرغموهم عليها كفار قريش.\nولم يعزم الرسولﷺ - على أحدٍ بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، ثم سار بمن أمكنه الخروج.\nوخرج المسلمون إلى بدر وهم ثلاث مائةٍ وتسعة عشر رجلًا، منهم مئة من المهاجرين وبقيتهم من الأنصار، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرسٌ للمقداد بن الأسود، وفرسٌ للزبير بن العوام - ﵄ -.\nوكان معهم سبعون بعيرًا يتعقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، حتى رسول الله - ﷺ - كان له زميلان يتعاقبان بعيرًا.\nعن ابن مسعود - ﵁ - قال: كنا يوم بدرٍ كل ثلاثةٍ على بعير، وكان أبو لبابة وعليٌ بن أبي طالبٍ زميلي رسول اللهﷺ -.\nقال: وكانت عقبةُ النبي - ﷺ - (جاء دورة ليمشي).\nفقال أبو لبابة وعليُّ بن أبي طالب: يا رسول الله نحن نمشي عنك - ليظل راكبًا-.\nفقال - ﷺ -: \"ما أنتما بأقوى على المشي مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما\" (١).\nعباد الله! قد بلغ أبا سفيان خروج المسلمين لأخذ القافلة، فسلك بها في\n_________\n(١) قال الشيخ الألباني: إسناده حسن، انظر \"فقه السيرة\" (ص ٢١٩).","vol":"1","page":317},{"text":"طريق الساحل، وأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستصرخ أهلها حتى يسارعوا إلى استنقاذ أموالهم.\nواستطاع (ضمضم) هذا إزعاج البلدةِ قاطبةً، فقد وقف على بعيره بعد أن جدع أنفهُ، وحول رحلهُ، وشق قميصه، يصيحُ: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة! أموالكم مع أبي سفيان عرض لها محمدٌ وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث، الغوث!\n\nعباد الله! فقام أشراف مكة، يحثون أهل مكة على أن ينفروا سراعًا؛ ليُخلِّصوا تجارتهم، من محمَّد وأصحابه، فخرجوا في نحو الألف، معهم مائة فارسٍ ومعهم- المغنيات يضربن بالدف، ويغنين بهجاء المسلمين.\nوخرجوا من ديارهم كما أخبرنا الله تعالي: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧] وأقبلوا في تحملٍ وحنقٍ عظيم على رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ لما يريدون من أخذ عيرهم.\nعباد الله! ولما رأى أبو سفيان أنه قد نجا وأحرز العير، كتب إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عيركمُ وقد سلَّمها الله، فوصلهم الخبرُ وهم بالجحفةَ. فهمُّوا بالرجوع؛ إلا أن أبا جهل أصرَّ على الخروج والوصول إلى بدر، قائلًا: والله لا نرجع حتى نأتي بدرًا فنقيم عليها ثلاثًا، ننحرُ الجُزر، ونطعم الطعام، ونُسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، حتى تسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعد ذلك اليوم أبدًا، ومضت قريش في مسيرها مستجيبة لرأي أبي جهل حتى نزلت بالعدوة القصوى من وادي بدرٍ، وكان المسلمون قد انتهوا من رحيلهم المضني إلى العدوة الدنيا.","vol":"1","page":318},{"text":"وهكذا اقترب كلا الفريقين من الآخر، وهو لا يدري ما وراء هذا اللقاء الرهيب.\n\nعباد الله! ولما وصل الخبرُ رسولَ الله - ﷺ - أن كفار قريش قد خرجوا لملاقاتهم، وأن العيرَ قد نجت، وهي على مشارف مكة استشار أصحابه في لقاء العدو،\nفقال بعضهم: ما خرجنا إلا للعير، وما أردنا النفير، ولم نستعد له، وقد أخبرنا الله -﷿- في كتابه عن هؤلاء، فقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾ [الأنفال: ٥ - ٧].\n\nعباد الله! وكان الأنصار قد بايعوا الرسول - ﷺ - في بيعة العقبة الثانية على أن يحموه في بلدهم (المدينة)، ولم يبايعوه على القتال معه خارج المدينة، لذلك اقتصرت السرايا التي سبقت بدرٍ على المهاجرين، ونظرًا لوجود الأنصار مع المهاجرين ببدرٍ، وتفوقهم العددي الكبير فقد أراد الرسول - ﷺ - معرفة رأيهم من الموقف الجديد.\nفاستشار - ﷺ - أصحابه عامةً وقصد الأنصار خاصة.\nوقد روى ابن إسحاق خبر المشورة بسند صحيح قال:\n\"فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امضي لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما","vol":"1","page":319},{"text":"قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغماد (١) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.\nفقال له رسول اللهﷺ - خيرًا ودعا له.\nثم قال رسول الله - ﷺ - أشيروا عليَّ أيها الناس؟ وإنما يريد الأنصار .. فلما قال ذلك رسول الله - ﷺ - قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل.\nقال سعد: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٌ واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرُ به عينك، فسر على بركة الله. فسُر رسول اللهﷺ - بقول سعد ونشّطه ثم قال - ﷺ -: \"سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم\" (٢).\n\nعباد الله! فلما رأى النبي - ﷺ - طاعة الصحابة وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وحبهم للتضحية، بدأ بتنظيم جندهُ ثم أرسل عيونه - الجواسيس- يأتونه بأخبار القوم، فعرف النبي - ﷺ - أين القوم، وعددهم، ومن فيهم من أشراف قريش.\n_________\n(١) وهو مكان يضرب فيه المثل في البعد.\n(٢) انظر \"السيرة النبوية الصحيحة\"، أكرم ضياء العمري (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩).","vol":"1","page":320},{"text":"وقال النبي - ﷺ - لأصحابه: \"هذه قريش قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها\"؟ ونزل جيش الإِسلام بالعدوة الدنيا، ونزل جيش الكفر بالعدوة القصوى، ولا يعرف كل منهم ما وراء هذا اللقاء الرهيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>عباد الله! العنصر الثاني: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان</span>.\nهذا اليوم الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، وأعز الله فيه الإِسلام وأهله، وأذل فيه الكفر وأهله، يقول الله -﷿-: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال: ٤١ - ٤٤].\n\nعباد الله! وبات الجيش المسلم ليلة الجمعة، ليلة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة ببدرٍ يرتقب هجوم العدو الكافر في أي ساعةٍ، فطار النوم من عيون المسلمين، وخافت قلوبهم، فأرسل الله عليهم النعاس، فناموا تلك الليلة حتى احتلم بعضهم، فلما أصبحوا ولا ماء أنزل الله عليهم من السماء ماءً فكان على المشركين وبالًا شديدًاَ منعهم من المتقدم، وكان على المسلمين طلًا طهرهم به وأذهب عنهم رجز الشيطان، ووطأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على","vol":"1","page":321},{"text":"قلوبهم قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال: ١١].\n\nعباد الله! ووصف عليٌّ - ﵁ - كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدرٍ وأمامهم معسكر المشركين؟\nقال: \"لقد رأيتُنا يوم بدرٍ وما منا إلا نائم، إلا رسول الله - ﷺ -، فإنه كان يصلى إلى شجرة ويدعو حتى أصبح .. \" (١).\n\nعباد الله! وفي الصباح صف النبي - ﷺ - جنوده للقتال كما يحب الله ﷿.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤].\nوقال - ﷺ - لأصحابه: \"لا يقدمنَّ أحدٌ منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه\" وكان رسول الله - ﷺ - يباشر القتال بنفسه.\nقال عليٌّ - ﵁ -: لقد رأيتُني يوم بدرٍ ونحن نلوذُ برسول الله - ﷺ -، وهو- أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا\" (٢).\nفئة مؤمنة تقاتل من أجل لا إله إلا الله، وفئة كافرة جاءت لتقضي على الذين يقولون لا إله إلا الله.\n_________\n(١) رواه أحمد في \"المسند\".\n(٢) رواه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":322},{"text":"عباد الله! بدأ القتال بمبارزاتٍ فردية، فقد تقدم عتبة بن ربيعة وتبعه ابنهُ الوليد وأخوه شيبة طالبين المبارزة، فانتُدب لهم شباب من الأنصار فرفضوا مبارزتهم، طالبين مبارزة بني قومهم، فأمر الرسول - ﷺ - حمزة وعليًا وعبيدة بن الحارث بمبارزتهم.\nوقد تمكن حمزة من قتل عتبة، ثم قتل عليٌ شيبة، وأما عبيدة فقد تصدى للوليد وجرح كل منهما صاحبه فعاونه عليٌ وحمزة فقتلوا الوليد واحتملا عبيدة إلى معسكر المسلمين\" (١).\n\nعباد الله! وقد أثرت نتيجة المبارزة في معسكر قريش وبدأوا بالهجوم، فأمر النبي - ﷺ - أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، حرصًا على الإفادة من النبال بأقصى ما يُستطاع.\nفقال - ﷺ - \"إذا أكثبوكم -يعني دنوا منكم- فارموهم واستبقوا نبلكمُ\" (٢).\nورمى النبي - ﷺ - الحصى في وجوه المشركين وقال: \"شاهت الوجوه\".\nقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].\nعن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أُمر رسول اللهﷺ -، فأخذ كفًا من الحصى فاستقبلنا به فرمى بها وقال: \"شاهت الوجوه\".\nفأنزل الله -﷿-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٣).\n\nعباد الله! وقال النبي - ﷺ - لأصحابه: \"قوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات\n_________\n(١) صحيح أبي داود (٢٣٢١).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٩٠٠).\n(٣) قال الشيخ الألباني: حديث حسن، \"فقه السيرة\" (ص ٢٢٨).","vol":"1","page":323},{"text":"والأرض\"، فقال عُمير بن الحُمام: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟\nقال: \"نعم\". فقال: بخ بخ.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"ما حملك على قولك بخ بخ\"؟\nقال: رجاءَ أن أكون من أهلها، فقال: \"فأنت من أهلها\".\nفأخرج عميرٌ تمرات ليأكلها فجعل يأكلها، ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم رمى بالتمرات، وأقبل على القوم فدخل في صفوفهم فقاتلهم - ﵁ - حتى قُتل\" (١).\n\nعباد الله! حميَ الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله - ﷺ - في الدعاء والابتهال، ومناشدة ربه -﷿- حتى سقط رداؤه عن منكبيه.\nوها هو عمر - ﵁ - يخبرنا الخبر فيقول: \"لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائةٍ وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه -أي يصيحُ ويستغيث بالله بالدعاء- \"اللهم أنجز لي ما وعدتني: اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابةُ -أي الجماعة من أهل الإِسلام- لا تُعبد في الأرض\" فما زال يهتف بربه، مادّا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءهُ فألقاه على منكبيه، ثم التزمهُ ورائه وقال: يا نبي الله! كذلك -أي كفاك- مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٩٠١).","vol":"1","page":324},{"text":"فأنزل الله -﷿-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩ - ٩] فأمده الله بالملائكة (١).\nوقد خرج - ﷺ - من العريش الذي بُني له وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥] (٢).\n\nعباد الله! وتقدم المسلمون يقتلون المشركين، والملائكة تقاتل معهم حتى قال ابن عباس: بينما رجلٌ من المسلمين يشتدُّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط، وصوت فارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خرَّ مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فجاء ذلك المسلم وأخبر النبي - ﷺ - فقال: \"ذلك من مدد السماء الثالثة\" (٣).\nقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]\nوخرج رسول الله - ﷺ - من عريشه وهو يقول: \"يا أبا بكر، أبشر أتاك نصر\nالله، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه عليه آلة الحرب\" (٤).\n_________\n(١) \"شرح النووى على صحيح مسلم\" (١٢/ ٨٤ - ٨٥).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٨٧٥).\n(٣) رواه مسلم (١٧٦٣/ ١٣٨٣/ ٣).\n(٤) أخرجه ابن إسحاق كما في \"الفتح\" (٧/ ٣١٣).","vol":"1","page":325},{"text":"ولما جيء بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا جاء به رجل من الأنصار\nقصير يقول:\nيا رسول الله أسرتُ هذا، فقال العباس: يا رسول الله! والله ما أسرني هذا ولكن أسرني رجل أبلج، على فرس أبلق وجهه كأحسن وجوه الناس، لا أراه في القوم فقال الأنصاريُ: أنا يا رسول الله أسرتُه.\nفقال - ﷺ -: \"اسكت لقد أعانك الله عليه بملك كريم\" (١).\n\nعباد الله! ورجع كفار مكة يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، قُتِلَ منهم سبعون وأُسِرَ منهم سبعون.\nقال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ [الأنفال: ٧ - ٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>عباد الله! العنصر الثالث نتائج الغزوة</span>.\nانتهت غزوة بدرٍ بنصر الإِسلام والمسلمين، وهزيمة الشرك والمشركين، وكان من نتائج الغزوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>أولًا: نصر عظيم من الله للمؤمنين</span>.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٧) وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.","vol":"1","page":326},{"text":"بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>ثانيًا: هلاك أئمة الكفر:</span>\nفقد قتل المسلمون سبعين رجلًا من بينهم أئمة الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>هلاك أبي جهل لعنه الله:</span>\nعن عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - قال: لقد رأيتني يوم بدر في الصف بين غلامين حديثة أسنانهما، فتمنيتُ أن أكون بين أكبر منهما، قال: فغمزني الذي عن يميني وقال: يا عماه أين أبو جهل؟ فقلت: يا ابن أخي ومالك ولأبي جهل قال: يا عماه لقد أخبرت أنه كان يسب رسول الله! لئن لقيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.\nقال: ثم غمزني الذي عن يساري وأسرّ إليّ بمثلها، فلم أنشبْ أن رأيت أبا جهل يجول في الناس.\nفقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه وكان الغلامان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء\" (١).\nوالظاهر أنهما تركاه مثخنًا في جراحه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة\nولذلك روى أبو داود في \"سننه\": أن عبد الله بن مسعود - ﵁ - مرَّ بأبي جهل صريعًا فوقف على رأسه وقال: أخزاك الله يا عدو الله، ثم جعل يجهز عليه بسيفه، قال: فلم تغن عني شيئًا فما زلت أضربه حتى سقط سيفه من يديه فضربته به حتى برد (٢).\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣١٤١)، ومسلم (رقم ١٧٥٢).\n(٢) \"صحيح أبي داود\" (٣٣٥٧).","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>هلاك عقبة بن أبي مُعيط أشقى القوم لعنه الله:</span>\nأما عقبةُ بن أبي معيط، فقد أمر النبي - ﷺ - بضرب عنقه وكان من الأسرى، وفيه جواز قتل الأسير الكافر؛ لأنه كان من أشقى القوم، وممن يطلق عليهم بمصطلح العصر (مجرم حرب) وسيق الأشقياء الثلاثة إلى النار وبئس القرار، وكم لاقى المسلمون بمكة من إيذائهم واستهزائهم، وليبشر أئمة الكفر في كل زمان بهذه النهاية المشؤومة، إن لم يتوبوا إلى ربهم ويثوبوا إلى رشدهم، فإن الله -﷿- يمهل ولا يُهمل \"إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلتهُ\" (١).\n﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>هلاك أمية بن خلف عدوالله:</span>\nالذي كان يعذب المسلمين في مكة، ومنهم بلال - ﵁ -، فقد أسره عبد الرحمن بن عوف بعد المعركة، وأسر معه عليًا ابنه فلمحه بلال، وكان هو الذي يعذبه بمكة، فقال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، واستصرخ عليه الأنصار، فأعانوه على قتله هو وابنه علي (٢).\n\nعباد الله! وأمر رسول الله - ﷺ - بسحب قتلى المشركين إلى آبار ببدر فألقوا فيها، فلما كان ببدر اليوم الثالث وقف على أربعة وعشرين رجلًا منهم من صناديد قريش في إحدى الآبار فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم:\nيا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢٦٦٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٤٨٠).","vol":"1","page":328},{"text":"فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟\nفقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\"\nقال قتادة: \"أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>ثالثًا: ومن نتائج غزوة بدرٍ الكبرى: الأسرى</span>.\nفقد أسر المسلمون سبعين رجلًا من صناديد قريش.\nوقد استشار الرسول الله - ﷺ - أبا بكر وعمر فيما يصنع بالأسرى؟\nفأشار أبو بكر بأخذ الفدية منهم، وعلل ذلك بقوله \"فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام\".\nوأشار عمر بن الخطاب بقتلهم وعلل ذلك بقوله \"فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها\"، ولم يكن قد نزل من أمرهم وحيٌ.\nومال النبي - ﷺ - إلى رأي أبي بكر بقبول الفدية، فنزلت الآية الكريمة في موافقة رأي عمر - ﵁ -: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>رابعًا: الغنائم</span>\nوقد غنم المسلمون في بدر من الكفار غنائم كثيرة جدًا، ووقع خلاف\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٠٠).\n(٢) انظر \"شرح النووى على مسلم\" (١٢/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":329},{"text":"حول الغنائم إذ لم يكن حكمها قد شرع بعد، فنزل القرآن بتقسيمها كما نزل بمشروعيتها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١].\nوقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>خامسًا: الشهداء</span>\nواستُشهد من المسلمين في بدرٍ أربعة عشر رجلًا اتخذهم الله شهداء فضلًا منه ونعمة، سبحانه وهو القائل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nوجاءت أم حارثة وقد قتل ولدها ضمن الأربعة عشر شهيدًا، فقالت: يا رسول الله، أنبئني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك بكيت عليه بكاءً لم يُبكَ على غيره.\nفقال - ﷺ -: \"أهبلت يا فلانة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك قد حاز الفردوس الأعلى منها\" (١).\n\nاللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٥٨٠٩).","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>الخطبة الثالثة والثلاثون: غزوة بني قينُقاع وغزوة بني النضير</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير.\n\nعباد الله! عندما وصل رسول الله - ﷺ - إلى المدينة مهاجرًا من مكة بدأ ببناء المسجد، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد معاهدة مع اليهود في المدينة تَكْفُلُ لهم الحرية الكاملة في دينهم وعقائدهم، وتضمن لهم أن يعيشوا في جوار النبي - ﷺ -، في سلم وسلام، وأمنٍ وأمان.\nوكان من مقتضى هذه المعاهدة، أن يكون المسلمون واليهود يدًا واحدة ضدَّ كل عدو يقصد المدينة بسوء، وأن يحافظ الجميع على الأمن الداخلي في المدينة.\nوكان اليهود في المدينة ثلاث طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فعاهدهم النبي - ﷺ - جميعًا.\nوأخذ النبيﷺ - يحث المسلمين على الوفاء، ويحذرهم من الغدر والخيانة، ويحثهم على احترام هذه المعاهدة وعلى احترام أهلها، ويحذرهم من الاعتداء على أهل هذه المعاهدة في نفسٍ أو مالٍ.\nفقالﷺ -: \"ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقضه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة\" (١).\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٦٢٦).","vol":"1","page":331},{"text":"وقالﷺ -: \"من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\" (١).\n\nعباد الله! وحافظ النبي - ﷺ - والمسلمون على هذه المعاهدة، ولم يأت من المسلمين ما يخالف حرفًا واحدًا من نصوصها، ولكن اليهود الذين ملأوا تاريخهم بالغدر والخيانة ونكث العهود؛ لم يلبثوا أن تمشوا مع طبائعهم القديمة، فغدروا وخانوا، ونقضوا العهود والمواثيق بعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ.\nوكان أول مَنْ غَدَرَ يهودُ بني قينقاع، وكان ذلك بعد غزوة بدرٍ الكبرى بشهرٍ واحد، ثم غدرت بنو النضير بعد غزوة بدرٍ بستة أشهر، كما ذكر الإِمام البخاري في \"صحيحه\"، ثم غدرت بنو قريظةَ في غزوة الأحزاب، فعاقبهم النبي - ﷺ - بالعقاب الذي يليق بهم وبغدرهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\nعن عبد الله بن عمر -﵄- أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول اللهﷺ -، فأجلى رسول الله - ﷺ - بني النضير، وَأَقَرَّ قريظة ومنَّ عليهم؛ حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم، لحقوا بالنبيﷺ - فأمَنَهُم وأسلموا، وأجلى رسول الله - ﷺ - يهود المدينةُ كلهم بني قينقاع (وهم قوم عبد الله بن سلام)، ويهود بني حارثة، وكل يهوديٍّ كان في المدينة (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٦).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٢٨)، ومسلم (رقم ١٧٦٦).","vol":"1","page":332},{"text":"عباد الله! وحديثنا عن غزوة بني قينقاع وغزوة بني النضير سيكون حول العناصر التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>العنصر الأول: بعد غزوة بدرٍ الكبرى كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون</span>.\nالعنصرالثاثي: ولا يحيق المكر السيئُ إلا بأهله.\nالعنصر الثالث: اليهود في المدينة يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار.\nالعنصر الرابع: دروس وعظات وعبر\n\nالعنصر الأول: بعد غزوة بدر الكبرى، كفار مكة في مكة يهددون، واليهود في المدينة يغدرون.\nعباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن غزوة بدرٍ الكبرى وتبين لنا أن الله قد منَّ على المسلمين بنصر عظيم على الكافرين؛ بأن قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وعندما وصلت أخبارُ النصر إلى مكة لم يصدقوا، حتى أنهم اتهموا الذي يخبرهم بالجنون حتى وصل جيش الكفر يجر أذيال الهزيمة والخيبة والعار، فلما تبين لهم صدق الخبر صُعِقَ نفرٌ منهم فهلك لتوِّه، وماج بعضهم في بعض من هول المصاب لا يدري ما يفعل.\nولم تزدهم الهزيمة إلا كُرها للإسلام، ونقمة على محمَّد وصحبه واضطهادًا لمن يدخل في دينه.\nولما وصلت أخبار النصر إلى المدينة؛ لم يُصدق الخبر المنافقون والمشركون واليهود حتى أنهم اتهموا المسلمين الذين يُذيعون الخبر بالكذب، حتى جاء جيش الإِسلام من بدرٍ وأعلام النصر ترفرف عليه، والأسرى مقرنين في","vol":"1","page":333},{"text":"الأصفاد، والغنائم بين يديه، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهرًا، وقلوبهم تغلي حقدًاَ وحسدًا وكفرًا، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وفريق آخر سلك أسلوب الدسِّ والنفاق والغدر والتمرد.\n\nعباد الله! كفار مكة بعد هزيمتهم في بدر، يفكرون في الانتقام من محمَّد - ﷺ - وأصحابه، ولكنهم يريدون أن يكون ذلك عن طريق اليهود في المدينة، فأرسلوا إليهم تهديدًا، إذا لم تقتلوا محمدًا فعلنا بكم كذا وكذا.\nفلما وصل ذلك لليهود في المدينة بدأ الغدر، ونقض العهود والمواثيق والخيانة، وأول من نقض العهد يهود بني قينقاع.\nعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النبيﷺ -: \"أن كفار قريش كتبوا بعد وقعة بدرٍ إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتُقاتلُنَّ صاحبنا -أي رسول الله - ﷺ - أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحولُ بيننا وبين خدم نسائكم شيء- وهي الخلاخيل .. \" (١).\n\nعباد الله! لما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة أجمعوا على الغدر برسول الله - ﷺ - وأصحابه، وأولُ من نقض العهد وغدر؛ هم يهود بني قينقاع، وكانوا يسكنون داخل المدينة -في حي باسمهم- وكانوا صاغة وحدادين، وكانت عندهم خبرةٌ بالقتال وصنع السلاح، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة مقاتل.\n\nعباد الله! وبعد أن نصر الله المسلمين في بدرٍ أخذ يهود بني قينقاع يثيرون الشغب، ويتعرضون بالسخرية، ويواجهون بالأذى كل مَنْ ورد سوقهم من\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٥٩٥).","vol":"1","page":334},{"text":"المسلمين، حتى أخذوا يتعرضون لنسائهم فجاءت امرأة إلى السوق عندهم لتبيع شيئًا، فلما جلست عند الصائغ اليهودي راودها على أن تكشف وجهها فأبت فاجتمع اليهود وراودوها أن تكشف عن وجهها فأبت، فقام الصائغ بربط طرف ثوبها في ظهرها خفية دون أن تعلم، فلما قامت المرأة انكشفت سوءاتها، فضحك اليهود فقام مسلم يوجد في السوق فقتل اليهودي فاجتمع اليهود على هذا المسلم فقتلوه، فجاء أهل المسلم واستنصروا بالمسلمين فوقع الشر بين المسلمين وبين يهود بني قينقاع.\nوهذه رواية يذكرها أصحاب السير وإن كان في إسنادها ضعف، ولكن هذا لا يستغرب من أفعال اليهود.\nولم يكتفوا بذلك بل قالوا لرسول الله - ﷺ -: يا محمَّد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحنُ الناس، وأنك لم تلق مثلنا.\nفأنزل الله تعالى قرآنًا ينذر هؤلاء بسوء المنقلب: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾ [آل عمران: ١٢ - ١٣].\n\nعباد الله! وفي قولهم هذا لرسول الله - ﷺ - إعلان منهم سافرٌ عن الحرب، ونقضٌ منهم للعهود والمواثيق، ولم يكتفوا بذلك بل أخلُّوا بالأمن في داخل المدينة وأخذوا يتعرضون لنساء المسلمين فلما فعلوا ذلك سار إليهم رسول الله - ﷺ - بالكتائب، المسلمة، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فأراد قتلهم","vol":"1","page":335},{"text":"فاستوهبهم منه عبد الله بن أُبي، رأسُ النفاق وزعيم المنافقين وكانوا حلفاءه فوهبهم له.\nوأمرهم النبي - ﷺ - أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات بالشام، ولم يبقوا هنالك طويلًا حتى هلك أكثرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>العنصر الثاني: ولا يحيق المكُر السيئ إلا بأهله</span>.\nعباد الله! لم يعتبر باقي اليهود بما أصاب كفار قريش في بدرٍ من القتل والأسر، ولا بما أصاب بني قينقاع من الجلاء عن المدينة.\nفأخذ اليهود في المدينة يمكرون بالإِسلام والمسلمين مكرًا سيئًا.\nقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال:٣٠].\nوقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].\nومن هؤلاء اليهود الذين مكروا بالإِسلام والمسلمين مكرًا سيئًا كعب بن الأشرف، وكان هذا اليهودي من أشد اليهود حنقًا على الإِسلام والمسلمين، وإيذاءً لرسول الله - ﷺ - وتظاهُرًا بالدعوة إلى حربه.\nوهذا اليهودي كان من يهود بني النضير، وكان غنيًا مترفًا، معروفًا بجماله في العرب، وكان شاعرًا من شعرائها.\nولما بلغه أول خبرٍ عن انتصار المسلمين، وقتل صناديد قريش في بدرٍ قال: أحقٌ هذا؟ هؤلاء أشرافُ العرب، وملوكُ الناسِ والله! إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خيرٌ من ظهرها.\n\nعباد الله! ولما تأكد لديه الخبر، انبعث عدو الله يهجو رسول الله - ﷺ - والمسلمين، ويمدح عدوَّهم، ويحرضهم عليهم بل أخذ يتغزل بنساء الصحابة","vol":"1","page":336},{"text":"في شعره، ولم يرض بهذا القدر حتى ركب إلى قريشٍ، فنزل على أحد أشرافهم وجعل ينشد الأشعار، يبكي فيها على أصحاب القليب من قتلى المشركين، يُثيرُ بذلك حفائِظهم، ويزكي حقدهم على النبيﷺ -، ويدعوهم إلى حربه، وعندما كان بمكة سأله أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمَّد وأصحابه؟ وأي الفريقين أهدى سبيلًا؟ فقال عدو الله: أنتم أهدى منهم سبيلًا وأفضل، وفي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢].\nثم رجع كعب بن الأشرف اليهودي إلى المدينة على تلك الحال، وأخذ يشبب -أي يتغزل- في أشعاره بنساء الصحابة، ويؤذيهم بصلاقة لسانه أشد الإيذاء.\n\nعباد الله! عندها قال رسول اللهﷺ -: مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله، قال محمَّد بن مسلمة - ﵁ -، أنا يا رسول الله.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى قصة قتل هذا المجرم- كعب بن الأشرف اليهودي- الذي آذى الله ورسوله، ومكر بالمسلمين مكرًا سيئًا، لتعلموا أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.\nعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول اللهﷺ -: \"من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ \".\nفقام محمَّد بن مسلمة - ﵁ - فقال: أنا يا رسول الله! أتحب أن أقتلهُ؟ قال - ﷺ -: \"نعم\".","vol":"1","page":337},{"text":"قال: تأذن لي أن أقول شيئًا (أي: ائذن لي أن أتكلم في حقك من أجل المصلحة).\nقال - ﷺ -: \"قل\".\nفأتاه محمَّد بن مسلمة، فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنَّانا (أي أوقعنا في العنت والحرج وكلَّفنا ما لا نجد).\nفقال كعبٌ- وقد بدى البِشْرُ على وجهه مما سمع من محمَّد بن مسلمة في حقِّ النبي - ﷺ -: والله! لتمَلُّنَّهُ.\nفقال محمَّد بن مسلمة: إنا قد اتبعناهُ، وما نريد أن نرجعَ عنه حتى نرى إلى ماذا ينتهي أمرهُ وشأنه، فَسَلِّفني وسْقًا أو وَسقين.\nفقال كعب: نعم أرهنوني.\nقال محمد بن مسلمة: ماذا تريد أن نُرهنك؟\nفقال كعب: أَرهنوني نساءكمُ\nقال ابن مسلمة: كيف نُرهنك نساءنا وأنت أجملُ العربِ؟\nقال كعب: فارهنوني أبناءكم.\nقال ابن مسلمة: كيف نُرهِنُك أبناءَنا، فيسبُ أحدُهم، فيقال: رُهِنَ بوسقٍ أو وسقين -أي هذا عارٌ علينا-.\nقال كعب: فماذا ترهنوني؟\nقال ابن مسلمة: نرهنك اللأمة - (يعني: السسلاح) - وأراد ابن مسلمة بذلك، أنه إذا جاءه بعد ذلك والسلاح في يده لا ينكرهُ؛ لأنه في اعتقاده أنه جاء بالسلاح ليضعه عنده رهنًا-.","vol":"1","page":338},{"text":"قال كعب: نعم\nثم وعده محمد بن مسلمة أن يأتيه في الليلة القادمة ببعض رجالٍ على مثل ما هو عليه في محمد - ﷺ -.\nفجاءَوه في الليلة التالية وهم متسلحون، فدعوه ليلًا لينزل إليهم فقالت امرأتهُ: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم!\nفقال كعب لها: إنه أخي محمَّد بن مسلمة ورضيعي -أي أخي في الرضاعة- أبو نائلة، ولو دُعي الفتى لطعنةٍ ليلًا لأجاب، فنزل.\nفقال محمَّد بن مسلمة لأصحابه قبل أن ينزل إليهم: إني سأمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم فاقتلوه.\nفلما نزل إليهم كعب نزل متوشحًا، تفوح منه رائحة الطيب.\nفقالوا: نجد منك ريح الطيب؟\nفقال كعب: نعم عندي أعطرُ نساء العرب.\nفقال محمَّد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم؟ فوضع يده في رأسه فمسح رأسه بيده ليأخذ من طيب رأسه ثم شمّها، ثم ساروا قليلًا ثم عاد محمَّد بن مسلمة فقال: أتأذن لي أن أعود فاشمَّ؟\nقال كعب: نعم شمَّ، فوضع يده في رأسه، فلما استمكن من رأسه قال لأصحابه: دونكم فاقتلوه، فقتلوه\" (١).\n\nعباد الله! نزلت السيوف على جسد هذا المجرم فوقع عدو الله قتيلا، وقد\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٥١٠)، ومسلم (رقم ١٨٠١).","vol":"1","page":339},{"text":"صاح صيحة شديدة، أفزعت من حوله من اليهود فلم يبق حصنٌ إلا أوقد النار -أي استيقظ من نومه- وفي الصباح علمت بمصرع طاغيتها كعب بن الأشرف فدب الرعب في قلوبهم العنيدة ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\nوهكذا يفعل الله بكل من مكر بالإِسلام والمسلمين، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].\n\nعباد الله! هذا عذابهم في الدنيا، قتلٌ، خزيٌ، فضيحة، أما في الآخرة فالعذاب الأليم قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾\nليعلم الجميع أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>العنصر الثالث: اليهود يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار</span>.\nعباد الله! بعد غزوة بدرٍ الكبرى أرسل كفار مكة كتابًا إلى اليهود في\nالمدينة يهددونهم بكذا وكذا إذا لم يقتلوا محمدًا - ﷺ -، فلما وصل الكتاب إلى اليهود في المدينة، أجمعت بنو النضير على الغدر ونسوا ما بينهم وبين النبي - ﷺ - من العهد والميثاق.\nفأرسلوا إلى النبي - ﷺ -: اخرج لنا في ثلاثين من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حبرًا؛ حتى نلتقي بمكان المنصف؛ فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك؛ آمنا بك- وهم بذلك يريدوا أن يغتالوا رسول الله - ﷺ - ومن معه من أصحابه- ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران: ٥٤].","vol":"1","page":340},{"text":"فأخبر اللهُ -﷿- رسوله - ﷺ - عن طريق جبريل ﵇ بما مكر به يهود بني النضير.\nفخرج إليهم رسول الله - ﷺ - بكتائب الجيش المسلم، فلما رأوا الجيوش قد زحفت إليهم فروا هاربين إلى حصونهم، وكانت حصونهم منيعة، فأغلقوا أبوابهم، وتحصنوا بها، وحاصرهم النبيﷺ - ليالي وهموا بالتسليم لرسول الله - ﷺ -، ولكن زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول أرسل إليهم أن امتنعوا وتحصنوا ولا تنزلوا من حصونكم، فإنَّا مِن ورائكم، نمنعكم مما يضركم، لئن قوتلتم لننصرنكم، ولئن أُخرجتم لنخرجن معكم، فصدّقوهم، وأرسل يهود بني النضير إلى رسول الله - ﷺ - يقولوا: إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك.\nفأمر النبي - ﷺ - بقطع النخيل وتحريقها، فدبَّ الخوف في نفوسهم وملأ الرعبُ قلوبهم، وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فسألوا رسول الله - ﷺ - أن ينزلوا على أن لهم ما حملت الإبلُ إلا السلاح، فوافق الرسول - ﷺ - على عرضهم هذا.\nفجعل الرجل يهدم بيته بيده! ويحملُ الأبواب والشبابيك معه، وخرجوا من المدينة، فمنهم من نزل خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.\nقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢].\n\nعباد الله! ونزلت سورة الحشر في بني النضير، فعن سعيد بن جبير - ﵁ - \"قال: قلت لابن عباس سورة الحشر؟ فقال: لا تقل سورة الحشر، قل:","vol":"1","page":341},{"text":"سورة بني النضير\" (١).\nعباد الله! وفي سورة الحشر\nأولًا: بدأها الله بالتسبيح وختمها بالتسبيح، قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.\nثانيًا: بين الله في هذه السورة كيف ينتقم من أعدائه، وكيف أنه سبحانه جاء لبني النضير من باب لا يخطر لهم على بال.\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]\nدب الرعب في قلوبهم، والرعبُ سلاح رباني ينصر الله به عباده.\nثالثًا: أثنى الله في هذه السورة على المهاجرين والأنصار ومن سلك سبيلهم قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨ - ٩].\nرابعًا: فضح الله المنافقين الذين أظهروا الإِسلام وأبطنوا الكفر قال تعالى:\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٠٢٩).","vol":"1","page":342},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾ [الحشر: ١١ - ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>العنصر الرابع: الدروس والعظات والعبر:</span>\nأولًا: من وقف في وجه الإِسلام أباده الله، عاجلًا أو آجلًا، فانظروا ماذا فعل الله بكفار مكة عندما جاءوا للاعتداء على الإِسلام والمسلمين في غزوة بدر.\nوماذا فعل بيهود بني قينقاع عندما مكروا بالإِسلام والمسلمين.\nوانظروا ماذا فعل الله تعالى بيهود بني النضير عندما نقضوا العهود والمواثيق، واعتدوا على الإِسلام والمسلمين، والعاقل من اتعظ بغيره، وليعتبر كل من تسول له نفسه أن يقف في وجه الإِسلام، وأن يمكر بالإِسلام والمسلمين.\nثانيًا: النصر على الأعداء لا يكون إلا من عند الله.\nقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].\nمن الذي نصر المؤمنين يوم بدر؟ إنه هو الله.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].\nمن الذي نصر المؤمنين يوم الأحزاب؟ إنه هو الله.","vol":"1","page":343},{"text":"قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]\n- من الذي نصر المؤمنين يوم حنين وفي مواطن كثيرة؟ إنه هو الله\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].\n- من الذي قذف الرعب في قلوب يهود بني النضير، فأخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؟ إنه هو الله.\nقال تعالى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢]\nفالنصر يا عباد الله لا يكون إلا من عند الله.\nقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ١٠]\nومن سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير أنه لا ينصر عباده إلا إذا نصروه.\nقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].\nثالثًا: بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح واتباع منهج الصحابة ننتصر على أعدائنا عامة وعلى اليهود خاصة.\nوهذا يظهر جليا من سورة الحشر التي نزلت من شأن يهود بني النضير.","vol":"1","page":344},{"text":"ففي السورة توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وفيها الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار.\nوفي السورة الحث على الأعمال الصالحة، فالسورة بدأت بالتسبيح لله ﷿ وانتهت بالتسبيح.\nوقال تعالى في وسط السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾ [الحشر: ١٨ - ١٩].\nوفي سياق السورة؛ أثنى الله على المهاجرين والأنصار، ومن سلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، ثم الآية التي جاءت بعدها في الأنصار، ثم الآية التي بعدها جاءت في من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nرابعًا: على المسلمين أن يفهموا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة -الصحابة ﵃- ومن سلك سبيلهم بإحسان إلى يوم الدين.\nالشباب المتحمس والمتعجل الذي يفهم الكتاب والسنة بعواطفه، ويستدل بقتل كعب بن الأشرف اليهودي على عمليات الاغتيال للحكام ورجال الأمن وهذا خطأ كبير لا يقره الشرع والدين؛ لأن قتل كعب بن الأشرف كان بأمر النبي - ﷺ -، وكان يهوديًا مناقضًا للعهد والميثاق الذي وثقه مع رسول الله - ﷺ -، وكان يؤذي الله ورسوله، والذي أمر بقتله هو رسول الله - ﷺ -، ورسولنا الكريم لا يأمر من عند نفسه ولكن كان ذلك بوحي من الله -﷿-، ونقول عندما أمر الرسول بقتل كعب بن الأشرف لم تكن هناك مفسدة واحدة، ولم يستطع يهودي واحد أن يتكلم أو يتحرك بعد ما","vol":"1","page":345},{"text":"رأوا قتل كعب بن الأشرف، بل دخلوا في حصونهم ودب الرعب في قلوبهمِ، أما ما يفعله بعض الشباب المسلم فيقتلون فلانًا وفلانًا بعد أن يُكَفِّرُونهم، ويحملون فكر التكفير في عقولهم، هذا يخالف ديننا ويبرأ منه الإِسلام، والمفاسد كثيرة بعد أن يقتلوا رجلًا واحدًاَ، وإذا قلنا لهم ذلك ونصحناهم اتهمونا بالعمالة والجبن، والله المستعان.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًاَ جميلًا.","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>الخطبة الرابعة والثلاثون: غزوة أُحُد</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة أُحد.\nغزوة أُحد التي ظهر فيها النفاق بأظهر علاماته وأجلى صفاته.\nوالتي ظهر فيها الإيمان الكامل وما يفعله في النفس البشرية من الاستعلاء على الشهوات والإخلاص لرب الأرض والسماوات.\nوالتي تعلَّم فيها المسلمون أسباب النصر وأسباب الهزيمة.\nوالتي دفع فيها المسلمون الثمن غاليًا من القتلى والجرحى.\nوالتي ظهر فيها التوكل على الله والثقة به.\nوالتي ميز الله فيها الخبيث من الطيب.\nوالتي أفرد للحديث عنها من سورة آل عمران ستون آية لأهميتها.\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة أُحد سيكون حول العناصر التالية:\nالعنصر الأول: أحد جبل يحبنا ونحبه (١).\nالعنصر الثاني: يوم التقى الجمعان.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٤٨٢)، ومسلم (رقم ١٣٩٢).","vol":"1","page":347},{"text":"العنصر الثالث: ما فعله الرسول - ﷺ - بعد انتهاء الغزوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>العنصر الأول: أحد جبل يحبنا ونحبه:</span>\nعباد الله! جبل أحد هو الجبل الذي وقعت عنده غزوة أُحد، وهو جبل يقع بالقرب من المدينة.\nوهو الجبل الذي دَفَنَ عنده النّبي - ﷺ - من خيرة أصحابه، كعمه حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر وغيرهما -﵃ جميعًا-.\nوهو الجبل الذي ذهب إليه النبيﷺ - وصلى على شهداء أحد قبل موته كالمودع للأحياء والأموات.\nوهو الجبل الذي قال فيه النبي - ﷺ -: \"أحدٌ جبل يحبنا ونحبه\".\nوهو الجبل الذي التقى عنده جيش الكفر وجيش الإيمان ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران:١٣].\n\nعباد الله! بعد أن أُصيبتْ قريش في عظمائها وأئمة الكفر فيها يوم بدر، وقلوبهم تغلي حقدًا وحنقًا وغيظًا على المسلمين والإِسلام، عبأت قريش قُوَّتها، واستعانت بحلفائها، وخرجت في ثلاثة آلاف مقاتل يقودها أبو سفيان بن حرب لتحقيق الأهداف التالية:\nأولًا: استعادة مكانتها عند العرب بعد أن فقدتها بهزيمتها في غزوة بدر.\nثانيًا: الثأر لقتلاها ببدرٍ.\nثالثًا: تأمين طريق التجارة من مكة إلى الشام.\n\nعباد الله! وصلت الأخبار إلى النبي - ﷺ - بقدوم هذا الجيش لغزو المدينة،","vol":"1","page":348},{"text":"ورأى النبي - ﷺ - رؤيا -ورؤيا الأنبياء حق وهي من الوحي- حكاها لأصحابه فقال: \"رأيتُ في رؤياي أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أُصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد كأحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا -والله خيرٌ - فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد .. \" (١).\n\nعباد الله! فلما شاور النبي - ﷺ - أصحابه أشار عليه الشباب ومن حُرِمَ من شهود بدرٍ وغلبهُ الشوق إلى الجهاد وملاقاة العدو بالخروج إليهم -وهم الذين يتشوقون إلى الاستشهاد-، وكان من رأيهﷺ - ورأي الشيوخ وكذلك عبد الله بن أُبي ابن سلول المكوث في المدينة، ومقاتلتهم إذا دخلوها من الأزقة ومن أسطح البيوت.\nقال - ﷺ -: \"رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرًا منحرةً، فأوَّلت أن الدرع الحصينة المدينة، وأن البقر هو والله خير\".\nثم قال لأصحابه: \"لو أنا أقمنا بالمدينة، فإذا دخلوا علينا فيها قاتلناهم فقالوا: يا رسول الله، والله ما دُخِلَ علينا فيها في الجاهلية، فكيف يُدْخَلُ علينا فيها في الإِسلام؟ \".\nفقال: \"شأنكم\".\nثم دخل - ﷺ - فلبس لأمتهُ -أي لباس القتال- فقالت الأنصار: رددنا\nعلى رسول الله - ﷺ - رأيه، فجاءوا فقالوا: يا نبي الله شأنُكَ إذًا -أي الرأيُ\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٦٢٢)، ومسلم (رقم ٢٢٧٢).","vol":"1","page":349},{"text":"رأيك فاصنع ما أراك الله-\nفقالﷺ - لهم: \"إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل\" (١).\n\nعباد الله! خرج النبي - ﷺ - بعد صلاة العصر من يوم الجمعة؛ في ألف مقاتل من المدينة إلى جبل أحد، وفي الطريق وبالقرب من جبل أحد انسحب من الجيش عبد الله بن أُبي ابن سلول رأس النفاق بثلث الجيش -ثلاثمائة مقاتل- وأراد بذلك أن يحطم معنويات الجيش- مدعيًا أنهُ لن يقع قتال مع المشركين!! معترضًا على قرار الرسول - ﷺ - بالخروج لقوله: (أطاعهم وعصاني) فكذب الله ابنَ سلول وأنزل الله على رسوله ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧]\n\nعباد الله! وكانت هذه أول فائدة من فوائد غزوة أحد، وهي تمييز المنافقين، والفصل بينهم وبين المؤمنين الصادقين.\nقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]\n\nعباد الله! وقد ظهر في أوساط الصحابة رأيان في المنافقين الذين انسحبوا من الجيش الرأي الأول: قتل المنافقين الذين خذلوا المسلمين بعودتهم\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ٣٥١)، وصححه الألباني.","vol":"1","page":350},{"text":"وانشقاقهم عن الجيش.\nالرأي الثاني: لا يرى قتلهم، وقد بينَّ الله -﷿- في كتابه موقف الفريقين في قوله تعالى:\n﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨].\nعن زيد بن ثابت - ﵁ - قال: لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة أُحد رجع ناسٌ ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي - ﷺ - فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (١).\n\nعباد الله! وقد أثر موقف المنافقين في نفوس طائفتين من المسلمين، ففكروا بالعودة إلى المدينة، ولكنهم غالبوا الضعف الذي ألم بهم، وانتصروا على أنفسهم بعد أن تولاهم الله تعالى، فدفع عنهم الوهن، فثبتوا مع المؤمنين وهما: بنو سلمة (من الخزرج) وبنو حارثة (من الأوس).\nوقد أخبرنا ربنا -جل وعلا- في كتابه عن موقف الطائفتين.\nفقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]\nعن جابر - ﵁ - قال: \"فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل لقوله تعالى:\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٨٨٤)، ومسلم (رقم ٢٧٧٦).","vol":"1","page":351},{"text":"﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (١).\n\nعباد الله! ولما انسحب ابن سلول زعيم المنافقين، هو ومن على شاكلته بثلث الجيش تبعهم عبد الله بن حرام- والد جابر بن عبد الله- ينصحهم بالثبات ويؤنبهم على العودة، وبذكرهم بواجب الدفاع عن المدينة ضد المغيرين إذا لم يكن لهم إيمان بالله واليوم الآخر وثقة بالإِسلام ورسوله، فأبى ابن أُبي الاستماع إليه وفيه ومن انسحب معه نزلت الآية ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ..﴾ [آل عمران: ١٦٧]\n\nعباد الله! وقبل أن يصل النبي - ﷺ - إلى أُحد استعرض الجيش، فرد مَنْ ردَّ من الشباب لصغره عن سن البلوغ، وأجاز مَنْ أجاز وكان ممن ردهم عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄-.\nيقول ابن عمر - ﵄-: \"عرضني رسول الله - ﷺ - يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة سنة لم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابنُ خمس عشرة فأجازني\" (٢).\nأين تربى هؤلاء؟! على عقيدة التوحيد وعلى سنة رسول الله - ﷺ -.\n\nعباد الله! ومضى رسول اللهﷺ - بجيش المسلمين وعددهم سبعمائة مجاهد فقط -أي ما يعادلُ ربع جيش الكفار تقريبًا-\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٥١)، ومسلم (رقم ٢٥٠٥).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٦٦٤)، ومسلم (رقم ١٨٦٨).","vol":"1","page":352},{"text":"ونزل - ﷺ - بالجيش بالشعبِ بجبل أُحد، وجعل ظهر الجيش للجبل وعيَّن أميرًا على الميمنة، وأميرًا على الميسرة، وانتقى من مهرة الرماة خمسين رجلًا فعينهم للحراسة على الجبل، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير - ﵁ - وأصدر - ﷺ - أوامرهُ المشددة للرماة فقال: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا، وأن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشرُكونا\" (١).\nوفي رواية قال لهم: \"لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا\" (٢).\n\nعباد الله! وأخذ النبي - ﷺ - ينظم الصفوف ويحرضُ أصحابهُ على القتال، وينفث روح الحماسة والبسالة في أصحابه، فأخذ سيفًا وقال: \"من يأخذ هذا السيف؟ \".\nفبسطوا أيديهم كلٌّ يقول: أنا، أنا.\nفقال - ﷺ -: \"من يأخذهُ بحقه؟ \" فأحجم القوم.\nفقال أبو دجانة: \"أنا آخذهُ بحقه يا رسول الله، فأخذهُ ففلق به هام المشركين\" (٣).\nقال ابن إسحاق: كان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، وكانت له عصابة حمراء إذا اعتصب بها عُلِمَ أنه سيقاتل حتى الموت.\nوقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت فأين أنا؟\n_________\n(١) صحيح رواه الحاكم (٢/ ٢٩٦).\n(٢) قطعة من حديث رواه البخاري (رقم ٤٠٤٣).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٤٧٠).","vol":"1","page":353},{"text":"قال - ﷺ -: \"في الجنة\" فألقى الرجل تمرات كانت في يده ثم قاتل حتى\nقُتِلَ - ﵁ - (١).\n\nعباد الله! وعند جبل أحد تعبَأت قريش للقتال، وهم في ثلاثة آلاف وفيهم مائتا فارس، فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>العنصر الثاني: يوم التقى الجمعان</span>\nعباد الله! وهذا هو يوم السبت، حيث التقى فيه جيش الإِسلام الذي خرج من أجل- لا إله إلا الله-، مع جيش الكفر الذي خرج ليقتل مَنْ يقول لا إله إلا الله، قال تعالى في كتابه عن هذا اليوم:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]\n\nعباد الله! وتقارب الجمعان، وتدانت الفئتان، واندلعت نيران المعركة، واشتد القتال بين الفريقين في كل نقطة من نقاط الميدان، وكان ثقل المعركة يدور حول لواء المشركين، فتقدم أَسدُ اللهِ حمزةُ إلى حامل لواء المشركين فقتله، فلما سقط اللواء خلفه أخوه في رفعه، فقتله حمزة فتتابع تسعة رهطٍ على رفع راية المشركين فقتلهم المسلمون، وسقط لواء المشركين فلم يرفع. وتقدم أبو دجانة نحو المشركين بسيفه الذي أخذه من النبي - ﷺ - بحقه،\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٤٦)، ومسلم (رقم ١٨٩٩).","vol":"1","page":354},{"text":"فأعمل فيهم سيفه -أي حصد رؤوس الكفار بهذا السيف-، وتقدم حنظلة - ﵁ - حتى انتهى إلى قائد المشركين أبي سفيان فرفع سيفه عليه، فبينما هو فوق رأسه رأى رجلٌ من المشركين المشهد فقتل حنظلة من وراءه- لحكمة يريدها الله، فقد أسلم أبو سفيان بعد ذلك- ورأى النبي - ﷺ - الملائكة تُغَسِّلُ حنظلة فسأل عنه لماذا تغسله الملائكة؟ والشهداء لا يغسلون؟ فأُخبر أنه خرج إلى الجهاد جنبًا -أي كان عريسًا ينام مع زوجته- فرأى إن اغتسل تأخر عن الخروج فبادر بالخروج جنبًا، وقتل شهيدًا فغسلته الملائكة بين السماء والأرض (١).\n\nعباد الله! حمزة - ﵁ - يحصد بسيفه رؤوس الكفر هنا وهناك في أرض المعركة، لا يقف أمامه أحدٌ من المشركين.\nقال قاتلُهُ وحشيٌ: رأيت حمزة بن عبد المطلب كالجمل الأورق، حاملٌ سيفهُ يقتل به المشركين ما يقوم له شيء.\nقال وحشيٌ: وخرج إليه رجلٌ من المشركين فرفع حمزة سيفهُ عليه فما أخطأ رأسه.\nوقال وحشىٌ: وانتهزت منه غفلة فرفعتُ حربتي حتى إذا رضيتُها دفعتُها إليه فوقعت في ثُنته -أي أحشائه- حتى خرجت من بين رجليه (٢).\nيقول ولما مات حمزة أخذت حربتي وذهبت بعيدًا عنه، وليس لي بغيره حاجة، ومع ذلك مات حمزة أسد الله، والمسلمون يحصدون روؤس الكفر، ويقتلون الكفار حتى أنهم ولوا مدبرين.\n_________\n(١) إسناده جيد: انظر كتاب \"الجنائز\" (ص ٧٤) للألباني.\n(٢) \"سيرة ابن هشام\" (٣/ ٧٦).","vol":"1","page":355},{"text":"عباد الله! وحاول المشركون وقف هذا الزحف الهائل، والسيل العارم، ولكن دون جدوى فتفرقوا وولوا مدبرين، ولم يجترئ أحدٌ من المشركين أن يدنوا من لوائِهم الذي سقط على الأرض، وأخذ جيش الكفر في الانسحاب من أرض المعركة.\n\nعباد الله! قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين وَصَدَقَهُم وَعْدَهُ فحسُوهم -أي قتلوهم- بالسيوف حتى إذا كشفوهم عن المعسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها.\nروى عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خدم -أي سوق- هند بنت عتبة وصواحبها مشمراتٍ هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير (١) ..\nويقول البراء بن عازب - ﵁ -: \"فلما لقيناهم هربوا، حتى رأيتُ النساء يشتددنَّ في الجبل يرفعن سوقهُن قد بدت خلاخيلهنَّ\" (٢).\nويقول ابن عباس -﵄- ما نُصِرَ النبيُّ - ﷺ - في موطنٍ كما نصر يوم أحد.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.\nيقول ابن عباس: والحسُ القتل (٣).\n\nعباد الله! وبينما كان الجيش الإِسلامي بعدده القليل يُسجل مرةً أخرى\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٧٧).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٠٤٣).\n(٣) صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٢٩٦).","vol":"1","page":356},{"text":"نصرًا ساحقًا على جيش الكفر، لم يكن أقل روعة من النصر الذي اكتسبه يوم بدر، وقعت من أغلبية الرُماة غلطةٌ فظيعةٌ قلبت الوضع تمامًا، وأدت إلى إلحاق الخسائر الفادحة بالمسلمين وكادت تكون سببًا في مقتل النبي - ﷺ -.\n\nعباد الله! لما رأى الرُّماة أن المسلمين بدأوا يجمعون الغنائم التي خلَّفها المشركون، قال بعضهم لبعض: الغنيمة، الغنيمة، ظهر أصحابكم فماذا تنتظرون؟ أما قائدهم عبد الله بن جبير فقال لهم أنسيتم عهد رسول الله إليكم؛ ألا تبرحوا مكانكم حتى يأذن لكم؟ قالوا: إنما أراد رسول الله - ﷺ - أن نحمي ظهر الجيش حتى ينصرهم الله، وقد نصرهم الله، والله لنأتين القوم فنصيب معهم من الغنائم، فنزل أربعون من الرماة وبقى الأمير في عشرة فقط.\n\nعباد الله! نظر خالدُ بن الوليد وقد ولَّي هاربًا، فإذا الجبل قد انكشف ولم يبق عليه غيرُ عشرةٍ، فاستدار خالدٌ في نفر من فرسان المشركين وعلو الجبل -أي جبل الرماة- فقتلوا أمير الرماة ومن معه، ثم دخلوا في المسلمين من ورائهم فأصابوا منهم ما أصابوا، وصرخ عدو الله إبليس في المسلمين: أي عباد الله أُخراكم، أي جاءكم العدو من ورائكم، فرجعت أولاهم على أُخراهم فاجتلدت أولاهم مع أُخراهم -المسلمون أنفسهم- هؤلاء راجعون وهؤلاء متقدمون، فأُعميت الأبصار فلم يلتفتوا إلى شيء وجعلوا يضربون بعضهم بعضًا، ونظر حذيفة بن اليمان فرأى أباه المسلم والسيوف تعمل فيه فقال: أبي أبي، فما انحجزوا عنه حتى قتلوه.\n\nونظر رسول الله - ﷺ - فرأى أصحابه قد ولوا عنه مدبرين فجعل ينادي: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، فسمع المشركون صوته فعرفوه، فأقبلوا عليه يريدون قتله ولكن الله عصمه، فأنزل ملائكتهُ تقاتلُ دونه.","vol":"1","page":357},{"text":"عباد الله! ومع ذلك خلُص بعض المشركين إلى رسول اللهﷺ - نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش.\nفقال: \"من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ \" فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة\" (١).\nوأنزل الله -﵎- جبريل وميكائيل يدافعان عن رسول الله - ﷺ -.\nعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: \"رأيت يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان دون رسول الله - ﷺ - ما رأيتهما قبلُ ولا بعد -يعني جبريل وميكائيل\" (٢).\nوقام سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول اللهﷺ - يَرُدُّ المشركين عنه، ونثل رسول الله - ﷺ - له كنانتهُ، وجمع له أبويه ولم يجمعهما لغيره وقال - ﷺ -:\n\"ارم سعد، فداك أبي وأمي\" (٣)،\nوترَّس أبو طلحة - ﵁ - على رسول الله - ﷺ -، وجعل يحمي السهام عن رسول الله - ﷺ - فيتلقفها في صدره ونحره وظهره وجعل رسول الله - ﷺ - يقول: \"ارم أبا طلحة! ارم أبا طلحة\".\nوكلما مر رجل من المسلمين معه سهامٌ قال: \"انثرها لأبي طلحة\"، فيرمي أبو طلحة فينظر رسول الله - ﷺ - أين وقع السهم، ويقول أبو طلحة له: دونك يا رسول الله، لا يصيبك سهم من سهامهم نحري دون نحرك\" (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٩).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٥٤)، ومسلم (رقم ٢٣٠٦).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٥٥)، ومسلم (رقم ٢٤١٢).\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٦٤)، ومسلم (رقم ١٨١١).","vol":"1","page":358},{"text":"عباد الله! ورغم استبسال الصحابة - ﵃ - في الدفاع عن رسول اللهﷺ - فقد أُصيب إصابات كثيرة منها: كُسرت رُباعيته، وسال الدم من وجهه، ووقع - ﷺ - في حفرةٍ ودخلت حلقة المغِفر في وجنتيه، وجعلﷺ - يقول: \"كيف يُفلح قومٌ شجوا نبيهم وكسروا رباعيتهُ، وهو يدعوهم إلى الله\".\nفأنزل الله -﷿-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١).\n\nعباد الله! وقد أُشيع بين الصحابة - ﵃- أن رسول الله - ﷺ - قد قُتل، فاغتم المسلمون غمًا على غمهم، وحزنًا على حزنهم، وتولى بعضهم إلى المدينة وانطلقت طائفة فوق الجبل، واختلطت على الصحابة أحوالهم فما يدرون كيف يفعلون. كما قال تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥].\n\nعباد الله! أخذ رسول اللهﷺ - في الانسحاب بالبقية الباقية حوله حتى انتهى بهم إلى الشِّعب، وأرادت قريش أن تمنع هذا الانسحاب ولكن\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٩١).","vol":"1","page":359},{"text":"دون جدوى، فانتهى رسول الله - ﷺ - بأصحابه إلى الشعب الذي قد نزل فيه في أول القتال.\nعباد الله! وقد يئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن جلادة المسلمين فكفوا عن القتال.\nفانتهزها أبو سفيان فرصة ليولي الأدبار هو الآخر، وخاف أن تكون الجولة الثالثة للمسلمين كما كانت لهم الجولة الأولى، إلا أنه وقف يشمت بالمسلمين، ويفخر بآلهتهم وجعل ينادي: أفي القوم محمَّد؟ فقال - ﷺ - \"لا تجيبوه\" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟\nفقال - ﷺ - \"لا تجيبوه\" قال: أفي القوم ابن الخطاب؟\nفقال أبو سفيان لقد قتل هؤلاء- لتعلموا أنهم قد جاءوا للقضاء على محمَّد - ﷺ - وعلى كبار الصحابة- فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت عدو الله لقد أبقى الله لك ما يخزيك.\nفقال أبو سفيان: أُعلُ هبل.\nفقال النبي - ﷺ -:\"أجيبوه\" قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟\nقال: قولوا: الله أعلى وأجل.\nقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عُزى لكم.\nفقال النبي - ﷺ -: \"أجيبوه\" فقالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟\nقال: قولوا: \"الله مولانا ولا مولى لكم\".\nقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وتجدون مُثلةً لم آمر بها ولم تسؤني\" - أي لم آمر الجيش أن يمثل بقتلاكم، ولكن لم يسؤني. وفي رواية","vol":"1","page":360},{"text":"أخرى قال عمر: \"لا سواءٌ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار\" (١).\nعباد الله! مَثّلَ المشركون يوم أحد بقتلى المسلمين، جدعوا أُنوفهم وآذانهم، وبقروا بطونهم حتى إن هندًا بنت عتبة بقرت بطن حمزة - ﵁ - واستخرجت كبدهُ فلاكتها ثم لفظتها، وَمَثَّلوا بأنس بن النضر حتى أنه ما عرفهُ أحد إلا أخته عرفته ببنانه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>العنصر الثالث: ما فعله الرسولﷺبعد انتهاء الغزوة</span>.\nعباد الله! ولما ولَّى المشركون مدبرين ولم يحرزوا نصرًا، ولم يقتلوا ما أرادوا من المسلمين، ولكنهم أصابوا من المسلمين ما أصابوا لحكمة يريدها الله، قام - ﷺ - وصف المسلمين خلفه ثم رفع يديه يثني على ربه:\n\"اللهم لك الحمد كلُّه، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطى لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ولا مُقرِّب لما بعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من فضلك ورحمتك وبركتك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم القيلة -أي الفاقة-، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا.\nاللهم حبب إلينا الإيمان وزينهُ في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الفجرة، الذين\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٠٣٩، ٤٠٤٣).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٠٥)، ومسلم (رقم ١٩٠٣).","vol":"1","page":361},{"text":"يكذبون رسُلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق\" (١).\n\nعباد الله! ثم قام - ﷺ - يتفقد أصحابه ويجمع الشهداء، وحمل نفرٌ من المسلمين شهداءهم ليدفنوهم بالمدينة في مقابر أهلهم فنادى منادي رسول الله - ﷺ -: \"ادفنوا الشهداء في مضاجعهم\" (٢).\nومن هنا كانت السنة عدم نقل الموتى من بلدٍ إلى بلدٍ.\nوقام - ﷺ - بنفسه يشرف على دفن الشهداء، وأمر أن يُدفنوا في ثيابهم ودمائهم ولم يُغسِّلهم ولم يصل عليهم، وكان ربما جمع الشهيدين والثلاثة في قبر واحد، لكنه كان يقول: \"أيهم أكثر أخذًا للقرآن فإذا أُشير إلى أحدٍ منهم قدمه في اللحد على أصحابه\" (٣) إكرامًا لأهل القرآن.\nفلما فرغ من دفنهم قام ينظر إليهم، ويشهد لهم شهادة لا تُرد أبدًا إن شاء الله تعالى، قام يقول: \"أنا شهيدٌ على هؤلاء، ما من جريح جُرحَ جرحًا في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة ينزف جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك\".\n\nعباد الله! ثم عاد النبي - ﷺ - آخر النهار من يوم السبت، السادس من شوال، من السنة الثالثة للهجرة، فلما بات ليلة الأحد خاف - ﷺ - أن يرجع العدو إلى المدينة مرة أخرى، فانتدب سبعين من أصحابه يخرجون في إثر العدو.\nعن عائشة -﵂- أنها قرأت قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢].\n_________\n(١) صحيح انظر: \"فقه السيرة\" (ص ٢٨٤ - ٢٨٥) تحقيق الألباني.\n(٢) \"صحيح سنن النسائي\" (١٨٩٣).\n(٣) رواه البخاري (رقم ١٣٤٣).","vol":"1","page":362},{"text":"فقالت لعروة ابن أختها: يا ابن أختي كان أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب الرسول - ﷺ - ما أصاب يوم أحد فانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فانتدب منهم سبعين رجلًا كان فيهم الزبير وأبو بكر (١) \".\n\nعباد الله! ولما انتهى أبو سفيان إلى مكان بعيد عن المدينة لقيه رجلٌ. فقال: هل أنت مُبلِّغ عني محمدًا ولك كذا وكذا؟ قال: نعم فقال: أخبر محمدًا أنا راجعون إليهم لنستأصل بقيتهم ونسبي نساءهم وذراريهم، فلما بلغ الخبر رسول الله - ﷺ - وأصحابه، قالوا: \"حسبنا الله ونعم الوكيل\".\nيقول ابن عباس - ﵄- \"حسبنا الله ونعم الوكيل\"، قالها إبراهيم - ﵇ - حين ألقي في النار، وقالها محمَّد - ﷺ - قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ (٢).\nحسبنا الله لديننا، حسبنا الله لكتابنا، حسبنا الله لسنة نبينا، حسبنا الله ونعم الوكيل.\n\nاللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين واخذل الشرك والمشركين، اللهم عليك بالكفرة الفجرة الذين كذبوا رسولك وصدوا عن سبيلك.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٠٧٧)، ومسلم (رقم ٢٤١٨).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٥٦٣).","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الخطبة الخامسة والثلاثون: الدروس والعظات والعبر والفوائد التي تؤخذ من غزوة أحد</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الخامس والثلاثين من سيرة المصطفى - ﷺ -.\nوحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس والعظات والعبر والفوائد التي تؤخذ من غزوة أحد.\nعباد الله! الفتح والنصر في المعارك من خصائص المسلمين فقط، وأما ما يناله الكفار من المسلمين في بعض المعارك، فإنما هو نصيب فقط، قدَّره الله -﷿- لحكمة يعلمها وهو الحكيم العلم.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤٠ - ١٤١].\nففي هذه الآية سمى الله -تعالى- ما يكون للمؤمنين فتحًا ونصرًا، وسمى ما يكون للكافرين نصيبًا.\n\nعباد الله! والذي حدث في غزوة أحد كان نصرًا عظيمًا للمؤمنين، ويظهر ذلك من الجولة الأولى في المعركة؛ فقد حصد المسلمون رؤوس الكفار، وسقط لواء المشركين وولوا مدبرين، وتَبعَهُم المسلمون يقتلونهم ويجمعون الغنائم.","vol":"1","page":364},{"text":"ولذلك قال ابن عباس -﵄-: \"ما نُصِرَ النبي - ﷺ - من موطن كما نُصِرَ يوم أحد\": فلما أُنكِرَ عليه ذلك قال: \"بيني وبين من أنكر؛ كتاب الله -﷿- إن الله يقول في يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.\nيقول ابن عباس: \"والحسُّ القتل\" (١).\nوإنما دالت الدولة لَمَا عصوا الرسول - ﷺ - وفشلوا وتنازعوا في الأمر، وكان ما كان لحكمة يعلمها الله.\nولذلك قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢]\nعباد الله! والسؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن:\nكيف يكون الذي أصاب المسلمين من غزوة أحد نصرًا عظيمًا؟\nالجواب: إن النصر كان للمسلمين في أول المعركة لا يقل عن النصر ببدر، ولما أصاب المسلمين ما أصابهم بسبب المخالفة التي وقدت من بعض الرماة، علَّم الله -﵎- المسلمين، وجعلهم يأخذون من غزوة أحد الدروس والعظات والعبر والفوائد التالية:\nأولًا: تبين للمسلمين خطر النفاق والمنافقين على الإِسلام والمسلمين،\n_________\n(١) صحيح: رواه الحاكم (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":365},{"text":"وظهر ذلك عندما رجع عبد الله بن أُبي ابن سلول زعيم المنافقين بثلث الجيش، قبل الوصول إلى جبل أحد.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧].\n\nعباد الله! وهذه هي أول فائدة من فوائد غزوة أحد، وهي تمييز المنافقين والفصلُ بينهم وبين المؤمنين الصادقين.\nقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].\n\nعباد الله! بعد النصر العظيم الذي مَنَّ الله به على المؤمنين في غزوة بدرٍ الكبرى دخل في الإِسلام بعضُ الناس، ظاهرهم الإِسلام وباطنهم الكفر، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فاقتضت حكمة العليم الحكيم أن يمتحن المسلمين بما أصابهم يوم أحدٍ، حتى يميز الخبيث من الطيب، ويتبين الكاذب من الصادق.\nقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣]\nعباد الله! فبعد غزوة أحد انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام:\nكافرين ظاهرهم الكفر وباطنهم الكفر، ومؤمنين ظاهرهم الإيمان وباطنهم الإيمان، ومنافقين ظاهرهم الإِسلام وباطنهم الكفر.","vol":"1","page":366},{"text":"عباد الله! ولما كان المنافق أشد خطرًا على الإِسلام والمسلمين من غيره، لأنه لا يَظهَرُ ولا يُعْرَفُ، فقد فضحهم الله في كتابه وحذر المؤمنين منهم.\nفقال تعالى عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]\n\nعباد الله! ولئن أفادت غزوة بدر في خذل الكافرين، فإن غزوة أحد أفادت مثلها في فضح المنافقين، وربَّ ضارة نافعة، وربما صحت الأجساد بالعلل.\n\nعباد الله! تبين للمسلمين بعد غزوة أحد أن النصر يكون مع الصبر والاعتصام والطاعة لله ولرسوله - ﷺ -، وأن الخذلان يكون مع الاستعجال والتفرق والتنازع والمعصية لله ولرسوله - ﷺ -.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].\n\nعباد الله! بالصبر ننتصر على أعدائنا كما قال - ﷺ -: \"واعلم أن النصر مع الصبر\" ولذلك أمر الله رسوله - ﷺ - والمسلمين بالصبر وعدم الاستعجال.\nقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].\nوقالﷺ -: \" .. والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون\".","vol":"1","page":367},{"text":"فليتق الله دعاة الاستعجال، فقد جاء الإِسلام يأمر بالاتحاد والاعتصام! وينهي عن التفرق والتنازع والاختلاف.\nقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]\n\nعباد الله! بالطاعة لله ولرسولهﷺ - ننتصر على أعدائنا، وبالمعاصي ننهزم، ولذلك جاء الإِسلام يأمر بالطاعة لله ولرسولهﷺ -، ويحذر من المعاصي لأن المعاصي سبب الخذلان.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]\nولذلك لما تعجب المسلمون مِنَ الذي أصابهم في غزوة أحد، أخبرهم الله -﷿- أن المخالفة التي وقعت من الرماة هي السبب، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].\n\nعباد الله! بمخالفة واحدة وقعت من بعض الرماة في غزوة أحد؛ نزل ما نزل بالمسلمين، فما بالنا بالمخالفات الكثيرة التي تقع من الأمة في هذا الزمان.","vol":"1","page":368},{"text":"فيا عباد الله! كونوا من الاستعجال على حذر، وكونوا من التنازع والفرقة على حذر، وكونوا من المعاصي والذنوب على حذر فإن ذلك من أسباب الخذلان.\nثالثًا: تبين للمسلمين بعد غزوة أحد، أن من سنة الله وحكمته في رسله وأوليائه وأحبابه، أن يُدالوا مرة، ويُدالُ عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة.\nقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠].\nولذلك كان الذي أصاب المسلمين في غزوة أحد؛ علم من أعلام النبوة، ودليل على صدق النبي - ﷺ - في قوله للناس إني رسول الله إليكم جميعًا، ولذلك لما بَعَثَ النبي - ﷺ - كتابه إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإِسلام يقول له: \"أسلم تسلم\".\nقال هرقل لحاشيته: ائتوني بمن بأرضي من العرب، فجيء بأبي سفيان ومعه نفر من المشركين\nفسأله هرقل عن أحوال النبي - ﷺ -، وكان من ضمن الأسئلة:\nهل قاتلتموه؟ قال أبو سفيان: نعم.\nقال هرقل: كيف كانت الحرب بينكم وبينه؟\nقال أبو سفيان: سجال، يُدال علينا مرة، ونُدال عليه الآخرة.\nفقال هرقل: تلك سنة الله مع أنبيائه ثم تكون العاقبة لهم\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٧).","vol":"1","page":369},{"text":"ولذلك قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧].\nرابعًا: تبين للمسلمين أنه إذا مات الرسول بقيت الرسالة، وإذا مات الداعية بقيت الدعوة، وأنه يجب على المسلم أن يموت على الإِسلام والتوحيد، سواء مات رسول الله - ﷺ - أو بقي.\nولذلك قال ابن القيم - ﵀- في \"زاد المعاد\" (ص ٢٢٤).\nومنها -أي من الحكم والغايات المحمودة التي كانت في غزوة أحد-:\nأن وقعة أحد كانت مقدمةً وإرهاصًا بين يدي موت رسول اللهﷺ -، فثبتهم، ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله - ﷺ - أو قتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه، أو يقتلوا فإنهم إنما يعبدون ربَّ محمَّد - ﷺ - وهو حيٌ لا يموت.\nفلو مات محمَّد - ﷺ - أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بُعث محمَّد - ﷺ - ليخلد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإِسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه سواء مات رسول الله - ﷺ - أو بقي، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه لما صرخ الشيطان: إن محمدًا قد قتل.\nفقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].\nخامسًا: تحصَّل كثير من المسلمين في غزوة أحد على الشهادة في سبيل الله والشهادة في سبيل الله درجة عالية يتطلع إليها كل مسلم ومسلمةٍ،","vol":"1","page":370},{"text":"والصحابة - ﵃ - هم أحرص الناس على طلب الشهادة في سبيل الله.\nعباد الله! تعالوا بنا لنتعرف على بعض الصحابة الذين فازوا بالشهادة في غزوة أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>١ - سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب:</span>\nعم رسول الله - ﷺ - وأخوه من الرضاعة، ذهب جماعةٌ إلى وحشى فقالوا له: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟\nقال وحشي: نعم. إن حمزة قَتَلَ طُعَيْمَةَ بن عدي بن الخيار ببدرٍ، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر - قال: فلما أن خرج الناس عام عينين -وعينين جبل بحيال أحد بينه وبينه وادٍ- خرجت مع الناس إلى القتال، فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباعٌ، فقال: هل من مبارز؟ قال: فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فقال: يا سباع، يا ابن أم أنمار مقطعة البظور، أتحاد الله ورسولهﷺ -؟\nقال: ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه.\nقال: فكان ذاك العهد به، فلما رجع الناس رجعت معهم، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإِسلام ثم خرجت إلى الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - رسولًا فقيل لي إنه لا يهيج الرسل - أي لا ينالهم منه مكروه.\nقال: فخرجت معهم حتى قدمت على رسول الله - ﷺ -، فلما رآني قال: \"أنت وحشيٌ\"؟ قلت: نعم. قال: \"أنت قتلت حمزة\" قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك. قال: \"فهل تستطيع أن تُغيِّبَ وجهك عني\"؟","vol":"1","page":371},{"text":"قال: فخرجت فلما قبض رسول اللهﷺ - خرج مسيلمة الكذاب قلت: لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافئ به حمزة قال: فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان فإذا رجل قائم في ثلمة جدار، كأنه جمل أورق ثائر الرأس قال: فرميته بحربتي فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه. قال: \"ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>٢ - أنس بن النضر - ﵁ </span>-:\nعن أنس - ﵁ - قال: غاب عمي أنس بن النضر - ﵁ - عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.\nفلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب الكعبة إني أجد ريحها من دون أحد.\nقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع!\nقال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ ومَثَّلَ به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.\nقال أنس: كنا نرى- أو نظن- أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٠٧٢).","vol":"1","page":372},{"text":"يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>٣ - عبد الله بن حرام، والد جابر بن عبد الله -﵄</span>-:\nعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: لما حضرت أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني -أي أظنني- إلا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي - ﷺ -، وإني لا أترك بعدي أعز عليَّ منك غير نفس رسول الله - ﷺ -، وإن علي دينًا فاقضه واستوص بأخواتك خيرًا، فأصبحنا فكان أول قتيل، ودفنت معه آخر في قبره ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حده\" (٢).\nوعن جابر - ﵁ - قال: \"لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه، أبكي وينهوني، والنبي - ﷺ - لا ينهاني فجعلت عمتي فاطمة تبكي فقال النبي - ﷺ -: \"تبكين أو لا تبكين ما زالت الملائكة تظله باجنحتها حتى رفعتموه\" (٣).\nوعن جابر - ﵁ - قال: \"رآني النبي - ﷺ - وأنا مهتم فقال: \"ما لي أراك منكسرًا ياجابر؟ \".\nقلت: استشهد أبي يوم أحد، وترك عيالًا ودينًا.\nفقال - ﷺ -: ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى.\nقال - ﷺ -: \"ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلمه\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٠٥)، ومسلم (رقم ١٩٠٣).\n(٢) رواه البخاري (رقم ١٣٥١).\n(٣) رواه البخاري (رقم ١٢٤٤).","vol":"1","page":373},{"text":"كفاحًا -أي: مواجهة ليس بينه وبين الله حجاب\".\nفقال الله تعالى: أي عبدي تمنَّ عليَّ أعطك.\nقال: يا رب تحيني فاقتل ثانية. قال الله سبحانه: لقد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون. قال: يا رب فابلغ من ورائي.\nفنزلت الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>٤ - عمرو بن الجموح - ﵁ </span>-:\nوكان أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله - ﷺ -، فلما توجه إلى أحد أراد أن يخرج معه، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد.\nفأتى عمرو رسول الله - ﷺ - فقال: إن بني هؤلاء يمنعوني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة!!\nفقال له رسول الله - ﷺ -: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد.\nوقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله -﷿- أن يرزقه الشهادة؟\nفخرج مع رسول الله - ﷺ -، فقتل يوم أحد شهيدًا\" (٢).\n_________\n(١) \"صحيح ابن ماجه\": (١٥٧).\n(٢) صحح الشيخ الألباني إسناده في تحقيق \"فقه السيرة\" (ص ٢٦٢).","vol":"1","page":374},{"text":"وهناك زيادة في \"مسند الإِمام أحمد\" (١): أن رسول اللهﷺ - مرّ عليه بعد ما قتل فقال - ﷺ - \"كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>٥ - عبد الله بن جحش - ﵁ </span>-:\nعن سعيد بن المسيب قال: \"قال عبد الله بن جحش: اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدًا فيقتلوني ويجدعوا أنفي وأذني ثم تسألني بم ذاك؟ فأقول: فيك.\nقال سعيد: إني لأرجو أن يبر الله آخر قسمه كما بر أوله\" (٣).\nوهذا الشاهد من زيادة في آخره قال سعد: فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنه معلقتان في خيط\" (٤).\nسادسًا: عزى الله نبيه وأولياءه في شهدائهم الذين قتلوا يوم أحد، أحسن عزاء وألطفه وأبره، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].\nعن مسروق قال: سألنا ابن مسعود - ﵁ - عن هذه الآية فقال:\nأما إنا قد سألنا عنها رسول الله - ﷺ - فقال: \"أرواحهم في جوف طير\n_________\n(١) (رقم ٢٢٥٥٣ - المؤسسة).\n(٢) قاله الشيخ الألباني في تحقيق \"فقه السيرة\" (ص ٢٦٢): \"وسنده صحيح\".\n(٣) رواه الحاكم (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين لولا إرسال فيه. ووافقه الذهبي، وقال الشيخ الألباني: لكن له مشاهد موصول أخرجه البغوي كما في الإصابة.\n(٤) انظر \"فقه السيرة\": تحقيق الألباني (ص ٢٩٢).","vol":"1","page":375},{"text":"خضرٍ، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لم يتركوا مِن أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس بهم حاجة تركوا\" (١).\n\nعباد الله! وأنزل الله -﷿- قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، يمسح به جراحات المسلمين ويزيل به عنهم ما أصابهم في غزوة أحد، فقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٣٧ - ١٤٢].\nسابعًا: فائدة:\nإن الذي يقرأ الآيات الستين التي نزلت في سورة آل عمران تتحدث عن غزوة أحد، يرى أن الله ﵎ تخللها بنداء على المؤمنين يحذرهم فيه من أكل الربا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٨٨٧).","vol":"1","page":376},{"text":"مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢].\nفهذا سؤال يفرض نفسه علينا الآن.\nما السر، وما الحكمة في النهي عن الربا في هذا الموضع؟\nالجواب: أن الجهاد في سبيل الله محتاجٌ للمال كما هو محتاج للنفس، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ [الأنفال: ٦٠] والجهاد بالمال قرين الجهاد بالنفس، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠ - ١١].\nوالنبيﷺ - يقول: \"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم\" (١).\n\nعباد الله! وكما يجب أن تخلص النوايا من كل الشوائب، يجب أن تخلص الأموال التي تنفق في الجهاد من كل الشوائب، وأوسخ شائبة تشوب المال هي شائبة الربا، وإنفاق المال الربويّ في الجهاد في سبيل الله من أكبر أسباب الهزيمة والخذلان.\n_________\n(١) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢١٨٦).","vol":"1","page":377},{"text":"وذلك لأن أكل الربا من أكبر الكبائر، والمعاصي -كما تبين لنا- من أسباب الهزيمة والخذلان.\nقال - ﷺ -: \"إذا ظهر الزنا والربا في قريةٍ، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله\" (١).\n\nعباد الله! وأعلن الله ﵎ الحرب على آكل الربا، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]\n\nعباد الله! والنبي - ﷺ - حذر من الربا تحذيرًا شديدًا.\nفقال - ﷺ -: \"درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستةِ وثلاثين زينة\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه\" (٣).\n\nعباد الله! ولما كان الله تعالى يعلم المؤمنين ويربيهم على الابتعاد عن كل عوامل الهزيمة والخذلان، عرفهم بجريمة الربا أثناء الحديث عن غزوة أحد ليبتعدوا عنها ويتقوها.\nفقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" (٦٩٢).\n(٢) \"صحيح الجامع\" (٣٣٧٥).\n(٣) \"صحيح الجامع\" (٣٥٣٩).","vol":"1","page":378},{"text":"وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾.\n\nعباد الله! ولقد استفاد المسلمون الأولون مما نزل عليهم من عند ربهم في شأن غزوة أحد استفادة عظيمة، فما هزموا بعدها لأنهم أخذوا منها العبر والعظات وتجنبوا أسباب الهزيمة والخذلان، فكان النصر حليفهم بفضل الله.\n﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦].","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>الخطبة السادسة والثلاثون: غدر الكفار: مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السادس والثلاثين من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غدر الكفار.\nويتمثل هذا الغدر في مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة.\nعباد الله! تكلمنا عن غزوة أحد وتبين لنا أن الذي أصاب المسلمين فيها كان بسبب المخالفة التي وقع فيها بعض الرماة؛ عندما أمرهم النبي - ﷺ - أن يقفوا على الجبل ولا يتركوه؛ فنزلوا ليجمعوا الغنائم فكان ما كان.\nوالله يخبرنا بذلك فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)﴾ [آل عمران: ١٥٢].\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)﴾ [آل عمران: ١٦٥].\n\nعباد الله! وكان من نتائج غزوة أحد أن تجرأ الكفار على المسلمين وأخذوا يفكرون في استئصال المسلمين وإبادتهم، ففي مكة أخذ أبو سفيان ابن حرب يهدد ويتوعد، واليهود في المدينة تخون وتغدر ويفرحون بما حدث للمسلمين في أحد، والقبائل العربية من الأعراب حول المدينة تعتدي وتخون وتغدر وهم أشد كفرًا ونفاقًا.","vol":"1","page":380},{"text":"عباد الله! وبالفعل بدأ الكفار -والكفر ملة واحدة- في التحرش بالمسلمين ولكن لا عن طريق التصريح والمواجهة، بل عن طريق الحيلة والمكر والخديعة والغدر ويظهر ذلك جليًا من ماساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ما حدث في يوم الرجيع، وما حدث عند بئر معونة، ليتبين للجميع أن الغدر والمكر والخيانة من شيم وأخلاق الكفار من قديم الزمان وحتى يومنا هذا، وليست من شيم المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>أولًا: مأساة يوم الرجيع</span>.\nوالرجيع هو: اسم للمكان الذي وقعت عنده المأساة، وتتلخص هذه المأساة فيما يلي:\nأرسلت قبيلتان من القبائل العربية المجاورة للمدينة -عضل والقارة- وافدهم إلى النبي - ﷺ - يخبره أن بهم إسلامًا، وأنهم يريدون أن يبعث النبي - ﷺ - إليهم من يفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن وأحكام الإِسلام، ولما كان النبي - ﷺ - حريصًا على تبليغ دين الله -﷿- ونشر الإِسلام وإظهاره استجابة لأمر ربه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، فقد استجاب لهم - ﷺ - وبعث لهم عشرة من أصحابه وأمَّرَ عليهم عاصم بن ثابت - ﵁ -.\nفلما وصل الوفد إلى مكان يسمى الرجيع بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي مقاتل، فأحاطوا بهم وقد لجأ الوفد من الصحابة إلى مكان مرتفع.\nقال المشركون للوفد: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا فقال عاصم -وهو أميرهم-: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم","vol":"1","page":381},{"text":"أَخبر عنَّا نبيك، فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسوله خبره، فأخبر أصحابه بذلك يوم أصيبوا\".\nوفي رواية: \"فقال عاصم: اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحمي لي لحمي\" (١).\nفقاتلوهم حتى قَتَلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خُبيب بن عدي وزرر بن الدثنة، وعبد الله بن طارق.\n\nعباد الله! ولما قَتَلَ المشركون عاصمًا أرادوا أن يأخذوا رأسه لإمرأة من المشركين نذرت؛ إن قدرت على رأس عاصم لتشربن فيها الخمر؛ لأن عاصمًا - ﵁ - كان قد قتل ابنيها يوم أحد، فأرسل الله تعالى النحل والدبابير فأظلته فحمته منهم فلم يقدروا منه على شيء.\nوكان عاصم - ﵁ - قد أعطى الله تعالى عهدًا أن لا يمسه مشرك، ولا يمس مشركًا أبدًا، فوفَّى الله ﵎ له.\nفكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول لما بلغه خبره: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه في حياته؟\n\nعباد الله! وبقي من الوفد خبيب وزيد وعبد الله، فدعاهم المشركون إلى النزول وأعطوهم العهد والمثياق ألا يقتلوهم فنزلوا.\nفلما استمكن المشركون من الصحابة الثلاثة- ربطوهم بالحبال- فقال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر وأبى أن يسير معهم فجروه وعالجوه على أن يسير معهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلق المشركون بخبيب وزيد فباعوهما بمكة.\n_________\n(١) انظر \"فتح الباري\".","vol":"1","page":382},{"text":"فأما خبيب فاشتراه بنو الحارث بن عامر ليقتلوه بالحارث بن عامر الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر.\nفمكث خبيب أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدَّ به فأعارته- الله أكبر! ما هذا يا خبيب غدًا ستقتل وتستعير هذا الموسى ليحلق عانته تطبيقًا لسنة رسول اللهﷺ -، أين تربى هؤلاء؟! حرص على السنة في آخر لحظة من حياته.\nقالت: فغفلت عن صبيٍّ لي فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعةً عرف ذلك مني وفي يده الموسى فقال -أي خبيب- أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك -إن شاء الله تعالى- قالت: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزق رزقه الله- إنها الكرامة يكرم بها ربنا؟ من يشاء من عباده-\nقالت: فلما أرادوا أن يقتلوه خرجوا به من الحرم إلى الحل.\nفلما عزموا على قتله قال لهم: دعوني أُصلي ركعتين، فتركوه فصلى ركعتين، فلما انصرف قال لهم: أما والله لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت في الصلاة، فكان أول من سنّ الصلاة عند القتل، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا ثم أنشأ يقول:\nولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي\nوذاك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصالِ شلو ممزع (١)\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٧٤٠٢).","vol":"1","page":383},{"text":"ثم تقدم فقتل - ﵁ -.\n\nعباد الله! وأما زيد فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف وكان أمية بن خلف قد قتل يوم بدر.\nفلما أرسله أيضًا إلى الحل ليقتل خارج الحرم، اجتمع عليه رهط من قريش فيهم سفيان بن حرب ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ فقال أبو سفيان: يا زيد! أنشدك الله! أتحب أن محمدًا مكانك الآن تضرب عنقه وأنت جالس في أهلك؟\nفقال زيد - ﵁ -: والله ما أحب أن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ تؤذيه وأنا في أهلي.\nفقال أبو سفيان: ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا، كَحب أصحاب محمد محمدًا (١).\nوفي هذا يقول القائل:\nأسرت قريش مسلمًا ... فمضى بلا وجلٍ إلى السياف\nسألوه هل يرضيك أنك ... سالمٌ ولك النبي فدىً من الإتلاف\nفأجاب: كلا لا سلمت من ... الردى ويصاب أنف محمَّد برعاف\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>ثانيًا: مأساة بئر معونة</span>\nعباد الله! جاء وفد من قبائل رعل وذكران وعصية وبني لحيان إلى النبي\n_________\n(١) \"سيرة ابن هشام\" (٣/ ١٦٠).","vol":"1","page":384},{"text":"- ﷺ - وأظهروا الإِسلام، واستمدوه على قومهم (أي طلبوا من النبي - ﷺ - أن يمدهم برجال من أصحابه إلى أقوامهم يعلمونهم الإِسلام والقرآن وأحكام الدين).\nومع أن العهد بالغدر الأول قريب، ولم ينس النبي - ﷺ - هو وأصحابه العشرة الذين قتلوا يوم الرجيع، إلا أن حرص النبي - ﷺ - الشديد وطمعه الكبير في إسلام الناس وانتشار الإِسلام جعله يستجيب لهذا الوفد، ويرسل معهم سبعين صحابيًا من خيرة أصحابه.\nيقول أنس - ﵁ - \"كنا نسميهم القراء، كانوا يقرءون القرآن بالليل ويتدارسونه فيما بينهم ويتعلمون، فإذا أصبحوا جاءوا بالماء فوضعوه بالمسجد واحتطبوا فباعوه واشتروا طعامًا لأهل الصفة والفقراء\". فبعثهم النبي - ﷺ - معهم.\n\nعباد الله! وعندما انتهى القراء إلى \"بئر معونة\" بعثوا أحدهم -وهو حرام ابن ملحان- إلى عامر بن الطفيل رأس الكفر في تلك البقاع، فأعطاه كتاب النبي - ﷺ - الذي يدعوه فيه إلى الإِسلام، فلم ينظر \"عامر\" في الكتاب وأمر الكافر رجلًا من أتباعه أن يغدر بحامل الرسالة، فما شعر حرام إلا وطعنةً تخترق ظهره وتنفذ من صدره.\nفقال حرام - ﵁ -: \"الله أكبر، فزت ورب الكعبة\".\nوكأن هذه هي الشهادة التي يتمناها من قديم.\n\nعباد الله! ومضى \"عامر\" الكافر في جرمه، فاستصرخ أعوانه ليواصلوا العدوان على سائر القوم، فانضمت إليه قبائل \"رعل\" و\"ذكوان\" و\"عصية\" و\"بني لحيان\" فهجم بهم عامر على القراء.","vol":"1","page":385},{"text":"ورأى هؤلاء الموت مقبلًا عليهم من كل صوب، فهرعوا إلى سيوفهم يدفعون عن أنفسهم دون جدوى، إذ استطاع الكفرة أن يقتلوهم جميعًا غير رجل رقى فكان في رأس جبل، وأتى النبي - ﷺ - فأخبره الخبر.\nفنعاهم لأصحابه فقال: إن إخوانكم قد أصيبوا -أي قتلوا جميعًا-\nوإنهم قد سألوا الله ﷿ فقالوا: ربنا بلغ عنا إخواننا بما رضيت عنا ورضينا عنك، فأخبرهم عنهم.\nقال أنس: \"فقرأنا فيهم قرآنًا ثم نسخ: بلغوا عنا قومنا، أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا\" (١)\n\nعباد الله! فحزن النبيﷺ - على هؤلاء السبعين القراء حزنًا شديدًا.\nيقول أنس - ﵁ -: \"ما رأيتُ رسول اللهﷺ - وَجَد -أي حزن- على سرية ما وجد على السبعين الذين أصيبوا يوم بئر معونة وكانوا يُدعَوْنَ القراء، فمكث شهرًا يقنت على قتلتهم\" (٢).\n\nعباد الله! ومكث النبيﷺ - شهرًاَ يقنت على الكفرة الذين قتلوهم، كلما صلى ورفع رأسه من الركوع رفع يديه، وقال: \"اللهم العن رعلًا وذكوان وعصيّة وبني لحيان عصوا الله ورسوله\" (٣).\n\nعباد الله! وهكذا فقد المسلمون في شهر واحدٍ ثمانين من خيرة الدعاة، وقبل ذلك بقليل فقد المسلمون سبعين من خيرة الصحابة في غزوة أحد\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٠١)، ومسلم (رقم ٦٧٧).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣٠٠)، ومسلم (رقم ٦٧٧).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠٠٣)، ومسلم (رقم ١٠٠١).","vol":"1","page":386},{"text":"ولكن كل ذلك في سبيل الله ودعوة الناس إلى هذا الدين، ليتبين لك يا تارك الصلاة كيف وصلك هذا الدين، ليتبين لك يا من تتخلى عن دينك كيف وصلك هذا الدين، وصلك على جماجم الصحابة، قدموا الأرواح والأموال ليوصِّلوا لك هذا الدين وأجرهم عند الله، ليعلم الجميع أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى رجال يقدمون الروح والمال رخيصة في سبيل هذا الدين العظيم.\nقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من مأساة يوم الرجيع ومأساة بئر معونة فهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>أولًا: الغدر والخيانة من أخلاق الكفار واليهود</span>، وليست من أخلاق المسلمين ويظهر ذلك مما فعله المشركون بالصحابة من حادثة يوم الرجيع، وفي حادثة بئر معونة؛ فهذا أكبر دليل على أن المشركين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، أما المسلمون فلا يغدرون ولا يخونون ويظهر ذلك من فعل خبيب بن عدي - ﵁ - عندما كان سجينًا عند بني الحارث، وتدحرج الغلام الصغير حتى وصل إلى خُبيب فأخذه خبيب ووضعه على فخذه، فلما خافت أم الغلام قال لها خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>ثانيًا: إثبات كرامة الأولياء</span>.\n- ويظهر ذلك مما حدث لخبيب - ﵁ -، عندما كان مسجونًا عند بني الحارث","vol":"1","page":387},{"text":"تقول إحدى بنات الحارث: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقهُ الله\".\n- ويظهر ذلك أيضًا مما حدث مع عاصم بن ثابت - ﵁ - عندما دعا فقال: \"اللهم أخبر عنا نبيك\" فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسول الله - ﷺ - خبره، وعندما دعا فقال: \"اللهم إني أحمي لك اليوم دينك فاحمي لي لحمي\"، فاستجاب الله لعاصم، فحمى لحمه من الكفار عندما أرادوا أن يقطعوا رأسه، فأرسل الله مثل الظلة من الدبابير فحمت لحمه من الكفار فلم يقدروا منه على شيء.\nفالله يكرم أوليائه بكرامات ولكن الولي لا يخبر بهذه الكرامات ولا يصور نفسه بأفلام الفيديو لتنشر في العالم، فالله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].\nوالله ﷾ له أولياء، وللشيطان أولياء فلا بد للمسلم أن يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فقد وصف الله تعالى أولياءه فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣].\nفإذا ظهرت خارقة على يد رجل ما، نظرنا في حاله فإذا كان من المؤمنين الصادقين المتبعين لسنة رسول الله - ﷺ - فهو من أولياء الرحمن، وإن كان من المشعوذين الدجالين المخالفين لكتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - فهو من أولياء الشيطان.\nثالثًا: جواز الدعاء على الكفرة والمشركين بالعموم، ويؤخذ ذلك من","vol":"1","page":388},{"text":"دعوة خبيب - ﵁ - على المشركين عندما عزموا على قتله فقال: \"اللهم أحصهم عددًا\". ويؤخذ أيضًا من فعل النبي - ﷺ - عندما دعا شهرًا كاملًا على الذين قتلوا السبعين من القراء.\nرابعًا: الرسول - ﷺ - لا يعلم الغيب\nويظهر ذلك مما حدث للصحابة من مأساة يوم الرجيع، ومأساة بئر معونة، فلو كان النبي - ﷺ - يعلم الغيب ويعرف أن ذلك سيحدث لأصحابه ما أرسلهم.\nوقد دلت الأدلة من كتاب ربنا على أن الرسل لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم الله به.\nقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\nوقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧].\nخامسًا: التمسك بالسنة إلى الموت\nوبظهر ذلك من تعظيم الصحابي لسنة النبي - ﷺ -، وكيف أن خبيبًا مع أنه في أسر المشركين، ويعلم أنه سيقتل بين عشية أو ضحاها، ومع ذلك كان حريصًا على سنة الاستحداد واستعار الموسى لذلك، وفي هذا واعظ لمن يستهين بكثير من السنن، بل وكثير من الواجبات بحجة أنه لا ينبغي أن ينشغل المسلمون بذلك للظروف التي تمر بها الأمة، وفي الواقع لا منافاة بين تعظيم السنة والدخول في شرائع الإِسلام كافة، والسعي لإقامة شرع الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾.","vol":"1","page":389},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.\nأسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم من المتمسكين بسنة رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>الخطبة السابعة والثلاثون: غزوة بني المصطلِق (المريسيع)</span>\nعباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السابع والثلاثين من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون: عن غزوة بني المصطلق.\n\nعباد الله! وبنو المصطلق بطن من قبيلة خزاعة، وكانوا يسكنون قديدًا وعُسفان على الطريق من المدينة إلى مكة، وأول موقف عدائي لبني المصطلق من الإِسلام كان في إسهامهم واشتراكهم في جيش قريش من غزوة أحد.\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة بني المصطلق سيكون حول العناصر التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>العنصر الأول: أحداثُ الغزوة</span>.\nالعنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في هذه الغزوة.\nالعنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من هذه الغزوة.\n\nالعنصر الأول: أحداث الغزوة\nعباد الله! تجرأت قبيلة بني المصطلق على المسلمين نتيجة لغزوة أُحُدٍ كما تجرأت القبائل الأخرى المحيطة بالمدينة، فأخذت هذه القبيلة برئاسة الحارث بن أبي ضرار تتهيأ وتستعد، بجمع الرجال والسلاح لغزو المدينة لتستأصل المسلمين.\n\nعباد الله! ووصل الخبر إلى النبي ﷺ أن بني المصطلق جمعوا المجموع لغزو المدينة فبعث - ﷺ - عيونه يتأكدوا له من صحة هذا الخبر، فأكدوه، فكان لا بدَّ للنبي - ﷺ - والمسلمين من التحرك السريع نحو هذه","vol":"1","page":391},{"text":"المجموع لتفريقها، وتلقينها درسًا قاسيًا لا تنساه، ويكون رادعًا لغيرها من القبائل التي تفكر أن تحذو حذوها في حرب الرسول - ﷺ - وغزو المدينة\n\nعباد الله! خرج النبي - ﷺ - بجيش المسلمين إلى بني المصطلق فباغتوهم في ساعة لم يتوقعوها عند بئر يقال له المريسيع، فتفرقوا يمينًا وشمالًا وولوا الأدبار، فقتل من قتل منهم، وأُسر من أُسر منهم، وسبى رسول اللهﷺ - النساء والذراري، وغنم الأموال دون آية مقاومة تُذكر.\n\nعباد الله! وبهذا لقَّن النبي - ﷺ - بني المصطلق، وغيرهم من القبائل المجاورة درسًا لا ينسونه، أراهم من نفسه أن به وبالمسلمين قوة قادرة على حماية المدينة، وردّ كل من يريدها بسوء.\n\nعباد الله! ولما عاد الجيش من غزوة بني المصطلق، وفي الطريق إلى المدينة أدركت الجيش القائلة في وادٍ كثير العضاة فنزل رسول الله - ﷺ - وتفرّق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله - ﷺ - تحت سَمُرة فعلق بها سيفه ونام الجيش نومة، فجاء أعرابيٌ مشرك فأخذ سيف رسول الله - ﷺ - فاخترطه -أي سله وهو في يده- فقال الأعرابي لرسول الله - ﷺ -: تخافنُي؟ قالﷺ -: \"لا\".\nفقال الأعرابي: فمن يمنعك مني؟ قال - ﷺ -: \"الله- ثلاثًا\"، فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله - ﷺ - فقال: \"من يمنعك مني؟ \" فقال الأعرابي: كن خير آخذٍ.\nفقال له - ﷺ -: \"تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ \".\nقال الأعرابي: لا، ولكني أُعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى سبيله، فأتى الأعرابي أصحابه فقال: \"جئتكم من عند خير الناس\" (١).\n_________\n(١) صحيح: \"رياض الصالحين\" (رقم ٧٩) تحقيق الألباني.","vol":"1","page":392},{"text":"إنها والله أخلاق النبوة.\n\nعباد الله! لما رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة وقسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار رئيس بني المصطلق في سهم واحدٍ من الصحابة فكاتبتهُ ثم جاءت النبي - ﷺ - تستعينه على كتابتها، فرأى النبي - ﷺ - بحسن رأيه. ودقة نظره، أن يُكرمها ويرفع من شأنها وينزلها منزلتها اللائقة بها كبنت ملك أو رئيس قوم، فعرض عليها أن يدفع عنها كتابتها ويتزوجها فوافقت -﵂-.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع على عائشة -﵂- وهي تخبرنا الخبر.\nتقول عائشة -﵂-: \"لما قسَّم رسول الله - ﷺ - سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن عم له، وكانت امرأةً مُلاّحة تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله - ﷺ - في كتابتها، فلما قامت على الباب فرأيتها كرهت مقامها، وعرفت أن رسول اللهﷺ - سيرى منها مثل الذي رأيتُ.\nفقالت: يا رسول الله! إني جويرية بنت الحارث، وقد كان من أمري ما لا يخفى عليك، وإني وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس فكاتبته على نفسي، وجئتك يا رسول الله أستعينك على كتابتي.\nفقال - ﷺ -: \"أو خيرٌ من ذلك\"؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟\nقال: \"أدفع عنك كتابتك وأتزوجُك\" قالت: قد فعلتُ، فما هو أن تزوجها حتى قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: أصهار رسول الله - ﷺ - تحت أيدينا، فبادروا فأطلقوا سراح السبايا كلهن.","vol":"1","page":393},{"text":"قالت عائشة: فما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أُعتق بسببها أكثر من مائة أهل بيت من بني المصطلق\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>العنصر الثاني: دور المنافقين الخبيث في غزوة بني المصطلق</span>.\nعباد الله! لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة بني المصطلق، خرج معه نفرٌ من المنافقين فكان خروجهم كما وصفهم الله في كتابه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾.\nوعندما انتصر المسلمون على بني المصطلق، وعند ماء المريسيع كشف المنافقون عن الحقد الذي يضمرونه للإسلام والمسلمين، فكلما كسب الإِسلام نصرًا جديدًا ازدادوا غيظا على غيظهم كما وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾، فعند ماء المريسيع عكّرَ المنافقون هذا النصر بأن أثاروا العصبية الجاهلية بين المهاجرين والأنصار، وأثاروا الفتنة وغرسوا بذور الفرقة في النفوس.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - وهو شاهد عيان يخبرنا الخبر.\nيقول - ﵁ -: \"كنا في غزاة -وهي غزوة بني المصطلق- فكسح رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار -أي ضربه برجله- فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين.\nفسمع ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"مَا بالُ دعوى الجاهلية\"؟\n_________\n(١) \"صحيح أبي داود\" (٣٣٢٧).","vol":"1","page":394},{"text":"قالوا: يا رسول الله! كسح رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار.\nفقال - ﷺ -: \"دعوها فإنها منتنة\".\nفسمع بذلك عبد الله بن أُبي -زعيم المنافقين- فقال: أو قد فعلوها؟\n-يقصد بذلك المهاجرين- أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل- يعني: لعنة الله بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله - ﷺ - فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبيﷺ -: دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة ثم إن المهاجرين كثروا بعد\" (١).\n\nعباد الله! والذي بلَّغ رسول الله - ﷺ - مقالة ابن أبي هو زيد بن الأرقم - ﵁ - فتعالوا بنا لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر يقول زيدٌ - ﵁ -: \"خرجتُ مع رسول الله - ﷺ - في غزاة - وهي غزوة بني المصطلق- فقال عبد الله بن أُبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.\nقال زيد: فذكرتُها لعمِّي أو لعمر فذكرها للنبي - ﷺ -.\nفأرسل النبي - ﷺ - إلى ابن أُبي وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا فصدقهم وكذَّبني قال زيد: فأصابني همٌ ما أصابني مثلهُ قط، فجلستُ في بيتي فجاء عمِّى فقال:\nما أردت إلى أن كذَّبك رسول الله ومقتك؟ فأنزل الله على رسوله - ﷺ -\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٤/ ١٤٦، ٦/ ١٢٨)، و\"صحيح مسلم\" (٨/ ١٩).","vol":"1","page":395},{"text":"﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ١ - ٨].\nفدعاني رسول الله - ﷺ - فقرأها علي ثم قال: \"إن الله قد صدَّقك يا زيدُ\" (١).\n\nعباد الله! وقد فضح الله هذا المنافق، وضعف مركزه في قومه، فكانوا يعنفونه ويلومونه كلما أخطأ.\nفهذا ابنه - الصحابي الجليل- عبد الله بنُ عبد الله بن أُبي استأذن رسول الله - ﷺ - في قتل أبيه، فنهاه النبي - ﷺ - فقال له: \"لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته\" (٢).\nفداك أبي وأمي يا رسول الله، إنها أخلاق النبوة.\n\nعباد الله! ومنع هذا الابن المؤمن أباه المنافق من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله - ﷺ - بدخولها، وقال له: لتعلم أنك الذليل وأن رسول الله - ﷺ - هو العزيز.\n\nعباد الله! ولما فشل المنافقون بزعامة ابن سلول في إثارة العصبية الجاهلية\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٩٠٠)، ومسلم (رقم ٢٧٧٢).\n(٢) \"السيرة النبوية الصحيحة\" العمري (٢/ ٤١٠).","vol":"1","page":396},{"text":"بين المهاجرين والأنصار، سعوا إلى إيذاء الرسول - ﷺ - في نفسه وأهل بيته، فشنوا حربًا نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها.\nعباد الله! ما هو الإفك؟ ومن الذي تولى نشره بين الناس؟\nومن التي اتهموها بهذا الإفك؟ هذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة - إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد مما حدث في غزوة بني المصطلق:</span>\nأولًا: على الدعاة إلى الله أن يتخلقوا بأخلاق النبي - ﷺ - في دعوتهم؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾.\nفرسول الله - ﷺ - كان يعفو عن الجاهلين، ولا ينتصر لنفسه أبدًا ولا يغضب لها ويظهر ذلك:\n١ - من معاملته - ﷺ - مع الأعرابي عندما أراد أن يقتل رسول الله - ﷺ -، فقال له من يمنعك مني؟ فقال له رسول الله: \"الله- ثلاثًا .. \"، فوقع السيف، وأخذه رسول الله فقال له: \"من يمنعك مني .. \" فعندما خلى سبيله رجع الأعرابي إلى قومه يقول: جئتكم من عند خير الناس.\n٢ - ومن معاملته - ﷺ - مع ابن سلول زعيم المنافقين بعد ما قال ما قال، وأراد ابنه المؤمن أن يقتل أباه فقال له - ﷺ -: \"لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته\".\nثانيًا: الأسماء الشريفة المشروعة إذا قُصد بها تفريق المسلمين وتفتيت جماعتهم، تصير من دعوى الجاهلية، وهي مُنتنةٌ كما أخبر النبي - ﷺ -، فمع أن اسم المهاجرين واسم الأنصار من الأسماء الشريفة التي تدل على شرف","vol":"1","page":397},{"text":"أصحابها، وقد سماهم الله -﷿- بهذه الأسماء على سبيل المدح لهم فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nإلا أن هذه الأسماء لما استعملت الاستعمال الخاطئ لتفريق المسلمين وإحياء العصبيات الجاهلية أنكر ذلك رسول الله - ﷺ - وقال: \"دعوها فإنها منتنة\".\nومن هنا أقول: من المشروع ولا بأس في ذلك ولا حرج أن يقول الإنسان أنا عراقي أو مصري أو فلسطين أو أردني، ولكن إذا استعملت هذه الأسماء في العصبية والحمية التي تفرق المسلمين فهي من دعوى الجاهلية وهي منتنة.\nثالثًا: العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والذل والهوان للكفرة والمشركين والمنافقين.\nقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون:٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\nفعندما أراد ابن سلول- زعيم المنافقين- أن يُعز نفسه بمعصية الله؛ أذلة الله وفضحه، كما حدث في غزوة بني المصطلق. فالعزة بالإِسلام.\nرابعًا: المفسدة الكبرى تُدفع بالمفسدة الصغرى\nويؤخذ ذلك مما حدث في غزوة بني المصطلق عندما قال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له - ﷺ -: \"دعه يا عمر، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\".\n\nاللهم فقهنا في ديننا.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>الخطبة الثامنة والثلاثون: حديث الإفك</span>\nعباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن غزوة بني المصطلق، وتبين لنا دور المنافقين الخبيث في تلك الغزوة، فقد حاولوا إثارة العصبية الجاهلية بين المهاجرين والأنصار ولكنَّ الله سلَّم.\nوقال زعيمهم عبد الله بن أُبي بن سلول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله.\nوقال أيضًا: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقد فضحه الله -﷿-، وأنزل في فضيحته قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.\n\nعباد الله! ولم يتوقف هذا المنافق ومَنْ معه من المنافقين إلى هذا الحد من الاعتداء والمكر، ولكنهم سَعوا إلى إيذاء الرسول - ﷺ - في نفسه وأهل بيته، فشنوا حربًا نفسية مريرة من خلال حادثة الإفك التي اختلقوها وليس لها أساس من الصحة.\n\nعباد الله! ما هو الإفك؟ ومَنْ الذي اختلقه وتولى نشره بين الناس في غزوة بني المصطلق، وبعد الرجوع إلى المدينة؟\nومن هي البريئة التي رميت بهذا الإفك عدوًا وظلمًا؟\nوكيف عاش الرسولﷺ - والمسلمون في المدينة شهرًا كاملًا على أعصابهم بسبب هذا الإفك؟\nوكيف برأ الله تعالى أم المؤمنين مِنْ فوق سبع سماوات، فأنزل فيها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة؟","vol":"1","page":399},{"text":"عباد الله! تعالوا بنا إلى أم المؤمنين عائشة -﵂- لنستمع لها وهي تخبرنا الخبر؛ عائشة -﵂- أتعرفونها؟ هي الصديقة بنت الصديق، التي تربت في بيت أبي بكر الصديق، ثم انتقلت وهي طفلة إلى بيت رسول الله - ﷺ - ولم تعرف الشرّ.\nعائشة - ﵂- التي قالﷺ - فيها: \"أحب الناس إليَّ عائشة ومن الرجال أبوها\".\nعائشة -﵂- التي قال - ﷺ - فيها: \"إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nعائشة -﵂- التي قال - ﷺ - فيها: \"عائشة زوجتي في الجنة\".\nعائشة -﵂- التي قال لها رسول الله - ﷺ -: \"يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام\".\nثم بعد ذلك، تأتي الرافضة والشيعة الشنيعة، يتهمون أم المؤمنين عائشة بالفاحشة، قاتلهم الله أنى يؤفكون.\n\nعباد الله! روى الإمامُ البخاري في \"صحيحه\" والإمام مسلمٌ في \"صحيحه\" أن عائشة -﵂- قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائهِ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - ﷺ - معه\".\nقالت -﵂-: \"فأقرع بيننا في غزوة غزاها\" -وهي غزوة بني المصطلق- فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله - ﷺ -، وذلك بعد ما أُنزل الحجاب فأنا أُحملُ في هودجي، وأنزل فيه مسيرنا\".\nقالت﵂-: \"حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوه وقفل\"","vol":"1","page":400},{"text":"-أي: رجع- \"ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرَّحيل، فقمت حين آذنوا بالرَّحيل، فمشيتُ حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرَّحلِ فلمستُ صدري فإذا عِقدي -من جزع أظفار- قد انقطع، فرجعت فالتمستُ عِقدي فحبسني ابتغاؤه\" -أي: تأخرت وأنا أبحث عن عقدي-.\nقالت: ﵂-: \"وأقبل الرهطُ الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركبُ وهم يحسبون أني فيه، وكانت النساء إذا ذاك خِفافًا لم يغشهنَّ اللحم، فلم يستنكر القوم ثِقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنِّ فبعثوا الجمل وساروا\".\nقالت -﵂-: \"ووجدت عِقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داعٍ ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إليَّ\".\nقالت -﵂-: \"فبينما أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السُّلمي، قد عرّسَ مِن وراء الجيش\" -أي: تأخر- \"فأدّلج\" -أي: جاء في آخر الليل- \"فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يُضرب الحجابُ عليَّ\".\nقالت - ﵂-: \"فاستيقظتُ باسترجاعه حين عرفني\" - أي: انتبهت من نومي على قوله \"إنا لله وإنا إليه راجعون\" - \"فخمرتُ وجهي بجلبابي، ووالله ما يُكلمني كلمة، ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعهِ، حتى أناخ راحلتهُ .. فركبتُها، فانطلق يقود بي الرَّاحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا مُوغرين في نحر الظهيرة\" -أي: نزلوا في شدة الحر- \"فهلك من هلك","vol":"1","page":401},{"text":"في شأني وكان الذي تولى كِبَرهُ عبد الله بن أُبي ابن سلول\".\n\nعباد الله! عاد الجيش من غزوة بني المصطلق إلى المدينة، وفي المدينة أخذ المنافقون يتكلمون بهذا الإفك هنا وهناك- وهذه هي البيئة التي يترعرع فيها النفاق- تقول -﵂-: \"فقدمنا المدينة فاشتكيتُ\" -أي: مرضت- \"حين قدمنا المدينة شهرًا، والناسُ يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو -أي والذي- يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول اللهﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللهﷺ - فيُسلِّم ثم يقول: \"كيف تيكم\" فذاك يريبني، ولا أشعر بالشرِّ.\nتقول -﵂-: \"حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قِبلَ المناصع، وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا .. فأقبلتُ أنا وأم مسطح قِبلَ بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مِرطها فقالت: تعس مِسطح. فقلتُ لها: بئس ما قلت أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا، قالت: أي هنتاهُ - أي يا مسكينة - أو لم تسمعي ما قال؟ قلتُ: وماذا قال؟\nقالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددتُ مرضًا إلى مرضي\"\nتقول -﵂-: \"فلما رجعت إلى بيتي، فدخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فسلّم ثم قال: \"كيف تيكم\" قلتُ: أتأذِنُ لي أن آتي أبويَّ؟\nقالت: وأنا حينئذ أُريد أن أتيقن الخبر من قِبلَهما، فأذن لي رسول الله - ﷺ - تقول -﵂-: فجئت أبويَّ فقلت لأمي: يا أُمَّتاهُ! ما يتحدث الناس؟\nفقالت: يا بنيةُ هوِّني عليك. فوالله! لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثَّرن عليها -أي الكلام- قالت: قلتُ: سبحان","vol":"1","page":402},{"text":"الله! وقد تحدث الناس بهذا؟\nقالت: \"فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع\" - أي لا ينقطع- \"ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي\".\n\nعباد الله! أبطأ الوحي في النزول؛ والرسول - ﷺ - يتألم مما يسمعُ من كلام الناس، فدعا بعض أصحابه يستشيرهما في فِراق أهله.\nتقول - ﵂-: \"ودعا رسول الله - ﷺ - عليَّ بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي -أي أبطأ ولم ينزل- يستشيرُهما في فراق أهله\".\nقالت: فأمَّا أسامة بن زيد فأشار على رسول الله - ﷺ - بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلمُ في نفسه لهم من الوُدِّ.\nفقال: يا رسول الله! همُ أهلك ولا نعلمُ إلا خيرًا.\nوأمَّا عليُ بن أبي طالب فقال: لم يُضيق اللهُ عليك، والنساء سواهما كثيرٌ، وإن تسأل الجارية تصدُقك.\nفدعا رسول الله - ﷺ - الجارية فقال لها: هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟\nفقالت الجارية: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قطُّ أغمصه عليها -أي أعيبها به- أكثر من أنها جارية حديثة السنِّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدَّاجن فتأكله\".\nتقول -﵂-: \"فقام رسول اللهﷺ - على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغ أذاهُ في أهل بيتي- يقصد عبد الله بن أبي ابن سلول- فوالله، ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما","vol":"1","page":403},{"text":"علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي\".\nفقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله! إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.\nتقول: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا ولكن اجتهلتهُ الحمية - فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمرُ الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، فقام أُسيد بنُ حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمرُ الله! لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيَّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله - ﷺ - يخفضهم حتى سكتوا وسكت\".\n\nعباد الله! عائشة -﵂- ازدادت حزنًا على حزنها وألمًا على ألمها.\nتقول -﵂-: \"وبكيتُ يومي ذلك. لا يرقأ لي دمعٌ -أي لا ينقطع- ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كبدي، فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنتُ لها، فجلست تبكي.\nتقول -﵂-: \"فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله - ﷺ - فسلم ثم جلس. ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء\".\nتقول -﵂-: \"فتشهد رسول الله - ﷺ - حين جلس ثم قال: \"أما بعدُ: يا عائشة فإنهُ قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك اللهُ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف","vol":"1","page":404},{"text":"بذنبه ثم تاب تاب الله عليه\".\nقالت: فلما قضى رسول اللهﷺ - مقالته، قلص دمعي -أي: ارتفع- أي: جف -حتى ما أحِسُ منه قطره- وهذه الحالة من الحزن والألم شبيه بالموت -، فقلتُ لأبي: أجب عني رسول اللهﷺ - فيما قال.\nفقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -.\nفقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - ﷺ -.\nفقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -.\nتقول -﵂-: \"وأنا جارية حديثة السِّنِّ لا أقرأ كثيرًا من القرآن\"\nفقلت: إني والله لقد عرفتُ أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة- والله يعلم أني بريئة- لا تُصدِّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، -والله يعلم أني بريئة- لتصُدِّقوني، وإني والله ما أجدُ لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.\nاستعانت -﵂- بالله على أمرها بعد أن انقطعت النصرة من أهل الأرض.\n\nعباد الله! وجاء الفرج بعد الكرب.\nتقول -﵂-: \"ثم تحولتُ فاضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مُبرِّئي ببراءتي، ولكن والله ما كنتُ أظن أن ينزل في شأني وحيٌ يُتلى، ولشأني كان أحقرُ في نفسي من أن يتكلم الله -﷿- فيَّ بأمر يُتلى. ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في","vol":"1","page":405},{"text":"النوم رُؤيا يُبِّرئني الله بها\".\nتقول -﵂-: \"فوالله ما رام -أي فارق- رسول اللهﷺ - مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحدٌ حتى أنزل الله -﷿- على نبيه - ﷺ -، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء -أي الشدة- عند الوحي حتى إنه ليتحدَّرُ منه مِثلُ الجُمان -أي مثل حبات اللؤلؤ- من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه\".\nتقول -﵂-: \"فلما سُرِّي -أي كُشِفَ- عن رسول الله - ﷺ - وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: \"أبشري يا عائشة! أما اللهُ فقد برَّأك\".\nتقول -﵂-: \"فقالت ليَ أمي: قومي إلى رسول اللهﷺ -\".\nفقلتُ: والله لا أقوم إليه، ولا أحمدُ إلا الله، هو الذي أنزل براءتي، تقول -﵂-: فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ..﴾.\nتقول - ﵂-: \"فلما نزلت براءتي قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره -: والله! لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا وقد قال في عائشة ما قال، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحبُّ أن يغفر الله لي، فرجَّع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه وقال: والله لا أقطع عنه النفقة بعد ذلك (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٢٦٦١)، ومسلم (رقم ٢٧٧٠).","vol":"1","page":406},{"text":"عباد الله! بسبب كلمة واحدة تلفظ بها منافق حاقد بين الناس ولاكتها الألسن، عاش رسول اللهﷺ - وأهل بيته، وأبو بكر وأهل بيته والمسلمون كلهم شهرًا كاملًا في غم وهم وحزن .. ولذلك أنزل الله -﷿- الآيات يؤدب فيها المسلمين ويعلمهم كيف يتعاملوا مع الشائعات، وهذا هو الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الخطبة التاسعة والثلاثون: الدروس والعظات والعبر والآداب التي تؤخذ من حديث الإفك</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفىﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الدروس، والعظات، والعبر، والآداب التي تؤخذ من حديث الإفك.\n\nعباد الله! في الجمعة الماضية تكلمنا عن حديث الإفك، وتبين لنا أن الذي اختلقه ونشره بين الناس في غزوة بني المصطلق؛ هو زعيم المنافقين عبد الله بن أُبي ابن سلول، وانتشر هذا الإفك بين الناس في المدينة، وعاش الرسولﷺ - والمسلمون في المدينة شهرًا كاملًا في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ، وتأخر الوحيُ عن رسول اللهﷺ - شهرًا كاملًا.\nوالتي اتهمت بهذا الإفك هي أم المؤمنين عائشة -﵂- وأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى الآيات التي نزلت في سورة النور فيها براءةُ أم المؤمنين عائشة - ﵂- لنأخذ منها الدروس والعظات والعبر.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ","vol":"1","page":408},{"text":"فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ [النور: ١١ - ٢٦].\nهذه الآيات التي نزلت على الرسول - ﷺ - بعد أن عاش - ﷺ - وعائشة وأبو بكر والمسلمون شهرًا كاملًا على أعصابهم في هم وغم وحزن.","vol":"1","page":409},{"text":"عباد الله! أما الدروس والعظات والعبر والآداب التي تؤخذ من هذه الآيات فهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>أولًا: الصبر على الإشاعات الكاذبة التي يشُنُّها أعداء الإِسلام على الإِسلام والمسلمين</span>.\nعباد الله! أعداءُ الإِسلام في كل زمان ومكان يشنون حربًا إعلامية على الإِسلام والمسلمين ليشوهوا صورة الإِسلام والمسلمين في العالم، قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦].\nفعلى المسلمين أن يقابلوا ذلك بالصبر والإيمان، والاستعانة بالله -﷿- كما فعلت عائشة -﵂- عندما افترى عليها زعيم المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول فقالت -﵂-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ فيا أمة الإِسلام: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ [الأعراف: ١٢٨].\nيا أمة الإسلام! اصبروا واتقوا الله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٩].\n\nعباد الله! صَبَرَ الرسول - ﷺ - وعائشة -﵂- وأبو بكر - ﵁ - والمسلمون في المدينة على إفك المنافقين فكان خيرًا لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>ثانيًا: إحسان الظن بالمؤمنين</span>\nعباد الله! إذا سمع المؤمن حربًا إعلامية على أحد من المؤمنين، فيجب عليه أن يُحسن الظن بأخيه المؤمن، كما أنه يُحسن الظن بنفسه، استجابة لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾، واستجابة لقوله - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (١).\n\nعباد الله! وهذا ما فعلته أم مسطح -﵂- عندما كذَّبت الخبر وردّته، بل ودعت على ولدها عندما قالت: تعس مسطح -أي هلك- وهي بذلك أحسنت الظنَّ بعائشة -﵂- وأعلنت لربها أنها لا توالي من عادى أولياءه، ولو كان ذا قربى إلا أن يتوب إلى الله كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].\nوهذا الذي فعلته زينب بنت جحش -﵂- عندما سألها رسول الله - ﷺ - عن عائشة -﵂- فقالت: يا رسول الله أحمى سمعي وبصري، ما رأيت إلا خيرًا، وما سمعت إلا خيرًا، والله ما علمت إلا خيرًا\" (٢).\nوهذا الذي فعله أسامة بن زيد - ﵁ - عندما استشاره النبي - ﷺ - في فِراق أهله فقال أسامة - ﵁ -: يا رسول الله! هم أهلك ولا نعلم! إلا خيرًا وشهد لرسول الله - ﷺ - ببراءة أهله.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣)، ومسلم (رقم ٤٥).\n(٢) متفق عليه، وهو قطعة من حديث الإفك، تقدم تخريجه.","vol":"1","page":411},{"text":"وهذا الذي فعله أبو أيوب الأنصاري - ﵁ - عندما قالت له زوجته أم أيوب: يا أبا أيوب أتسمع هذا الذي يقوله الناس في عائشة؟ قال أبو أيوب: نعم، وإنه والله الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، فقال لها أبو أيوب: وعائشة والله خيرٌ منكِ (١).\nفالواجب على المسلمين في كل مكان، إذا سمعوا أحدًا من الناس ينقل إشاعة عن أحد من المسلمين، أن يُحسنوا الظن بأخيهم المسلم، وأن يُدَافعوا عنه في غيابه يقول - ﷺ -: \"من ذبَّ عن عِرض أخيه بالغيبة، كان حقًا على الله أن يعتقه من النار\" (٢).\nويقول - ﷺ -: \"من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة\" (٣).\nولذلك أدب الله المسلمين الذين نقلوا الإفك وتكلموا به.\nفقال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ثالثًا: التثبت من الأخبار وإمساك اللسان عن الخوض في أعراض المسلمين</span>.\nعباد الله! يجب على المسلم إذا سمع خبرًا أن يتثبت من صحته، ويفكر فيه قبل أن يتكلم به ويقوم بنقله بين الناس. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(١) ابن كثير (٣/ ٢٧٣).\n(٢) صحيح الجامع (٦١١٦).\n(٣) صحيح الجامع (٦١٣٨).","vol":"1","page":412},{"text":"إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي قراءة (فتثبتوا) لماذا نتبين ونتثبت؟ قال تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.\nولذلك قال تعالى في الذين نقلوا الإفك هنا وهناك، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾.\nلو أن الذي سمع هذا الإفك من ابن سلول أول ما سمع فقال له: لا بد أن تأتي على ما تقول بأربعة شهداء على هذا الافتراء، فما استطاع ابن سلول أن يأتي بأربعة شهداء لأنه يعلم أنه كذَّاب فإذا لم يأت ابن سلول بأربعة شهداء لبقي هذا الإفك في صدره، ولم ينتشر أبدًا بين الناس ولكن عندما سمعوا وتكلموا قبل أن يتبينوا فانتشر الإفك بين المنافقين، حتى أنه تكلم به بعضُ المؤمنين الصادقين ولذلك يقول الله -﷿- للمؤمنين الصادقين الذين تكلموا بهذا الإفك: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾.\nفمن أراد النجاة فعليه بوصية رسول الله - ﷺ -، قال - ﷺ - للرجل: \"أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>رابعًا: لا تتبعوا خطوات الشيطان</span>\nعباد الله! الذين يروجون الإشاعات الكاذبة على المسلمين هم شياطين الإنس والجن، فحذر ربنا -جل وعلا- عبادة المؤمنين من خطوات\n_________\n(١) رياض الصالحين (رقم ١٥٢٨) بتحقيق الألباني.","vol":"1","page":413},{"text":"الشيطان؛ لأن الشيطان يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، ولأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ولأن الشيطان يأمر بالكفر والضلال.\nولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>خامسًا: أن تُحسِنَ إلى من أساء إليك</span>، وبذلك تنتصر عليه، وهذا ما فعله أبو بكر - ﵁ - مع مسطح، تقول عائشة -﵂-: \"فلما نزلت براءتي قال أبو بكر- وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره-: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا؛ وقد قال في عائشة ما قال، فأنزل الله -﷿-: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فأرجعَ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه وقال: والله لا أقطع عنه النفقة بعد ذلك\" (١).\nعباد الله! يحذر ربنا -جل وعلا- الذين يخوضون بألسنتهم في أعراض المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾.\nالذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا إمَّا بالإعلام، وإمَّا بالدعوة إلى التبرج والسفور والزنا والإشاعات الكاذبة، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة.\n_________\n(١) هو قطعة من حديث الإفك، وقد تقدم تخريجه.","vol":"1","page":414},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾.\nعن أنس - ﵁ - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - فضحك فقال: \"هل تدرون مم أضحك؟ \" قلنا اللهُ ورسوله أعلم.\nقال: \"من مخاطبة العبد ربه فيقول ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى.\nفيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدًا إلا مني، فيقول الله تعالى: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي فتنطق باعماله ثم يُخلي بينه وبين الكلام فيقول -أي لأركانه- بُعدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكن كنت أناضل\" (١)، أي: فكيف شهدتم علي.\nقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ [فصلت: ١٩ - ٢٤].\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٩٦٩).","vol":"1","page":415},{"text":"فاتقوا الله عباد الله في ألسنتكم، وإذا أردتم النجاة فعليكم بهذه الوصية من رسول الله - ﷺ -.\nما النجاة؟ قال: \"أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك\" (١).\nفيا مروِّجًا للإشاعات، ويا مختلقًا للإفك، ويا طاعنًا في أعراض المسلمين!\nأمسك عليك لسانك وإلا فالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) مضى قريبًا","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>الخطبة الأربعون: غزوه الأحزاب (الخندق)</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الأربعين من سيرة سيد الأولين والآخرين محمَّد - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة الأحزاب (الخندق).\nعباد الله! غزوة الأحزاب لم تكن معركة خسائر بل كانت معركة أعصاب، فقتلى الفريقين من المؤمنين والكافرين يعدون على الأصابع ومع ذلك فهي من أحسم المعارك في تاريخ الإِسلام. فالأحزابُ الذين اجتمعوا على حرب الإِسلام والمسلمين في تلك الغزوة هم:\n- المشركون من أهل مكة.\n- المشركون من قبائل العرب جميعًا.\n- اليهود من خارج المدينة (يهود خيبر).\n- اليهود من داخل المدينة (يهود بني قريظة).\n- المنافقون.\nاجتمعوا وتحزبوا لاستئصال المسلمين من المدينة.\n\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة الأحزاب سيكون حول العناصر التالية:\nالعنصر الأول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾.\nالعنصر الثاني: الرسولﷺ - والصحابة - ﵃ - في المدينة يستعدون لملاقاة الأعداء.","vol":"1","page":417},{"text":"العنصر الثالث: مواقف المؤمنين ومواقف المنافقين\nالعنصرالرابع: شدةٌ وكربٌ وبلاءٌ يعقبها نصرٌ وفرجٌ.\nالعنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>العنصر الأول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾:</span>\nأعداء الإِسلام قديمًا وحديثًا يمكرون بالإِسلام والمسلمين بالليل والنهار، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾،\nوقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢]\nأمة الإِسلام! أين عادٌ الذين مكروا بنبيهم؟ أين ثمود الذين مكروا بنبيهم؟ أين قوم نوح الذين مكروا بنبيهم؟! أين فرعون الذي مكر بموسى؟ أين هم؟ ذهبوا فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.\n\nعباد الله! وأساتذة المكر والغدر والخيانة ونقض العهود وإشعال الحروب هم اليهود- عليهم لعنة الله-","vol":"1","page":418},{"text":"قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ [الأنفال: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].\n\nعباد الله! فها هم اليهود قديمًا، خرج وفدٌ منهم من خيبر إلى كفار مكة يحرِّضونهم ويؤلبونهم على غزو رسول اللهﷺ -، ووعدوهم من أنفسهم بالنصر لهم، بل وشهدوا لهم بأن الشرك الذي هم عليه خيرٌ من الإِسلام الذي جاء به محمَّد - ﷺ -، وشهدوا لهم أيضًا بأنهم أهدى من محمَّد - ﷺ - وأصحابه وفيهم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١].\nفأجابهم أبو سفيان لذلك، ثم انطلقوا إلى القبائل المجاورة ودعوهم إلى ما دعوا قريشًا إليه، فأجابتهم القبائل العربية أيضًا، وتواعدوا على المسير إلى المدينة، واجتمع بهذا التحريض -من اليهود- جيش قوامُهُ نحو عشرة آلاف مقاتل وذلك لاستئصال المسلمين في المدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>عباد الله! العنصر الثاني: الرسولﷺ - والصحابة -﵃ في المدينة يستعدون لملاقات العدو:</span>\nلما وصل الخبر إلى رسول الله - ﷺ - بخروج هذا الجيش الكبير إلى المدينة، عقد مجلسًا استشاريًا مع أصحابه الكرام - ﵃- ليشاورهم في خطة الدفاع عن المدينة فأشار عليه بعض الصحابة وهو سلمان الفارسي - ﵁ -","vol":"1","page":419},{"text":"بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة؛ لأن هذه الجهة هي الجهة الوحيدة التي يستطيع العدو أن يدخل إلى المدينة منها، فإن المدينة تقع بين حرتين من جهة الشرق والغرب يعجز العدو أن يدخل من جهتهما، وأما جهة الجنوب ففيها مساكن يهود بني قريظة وبينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهدًا وميثاقًا على أن لا يدخل عدو من ناحيتهم.\n\nعباد الله! وحفر الخندق مكيدة حربية- لم تكن العرب تعرفها من قبل- والحرب خدعة ولذلك أمر رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق واستجاب الصحابة - ﵃ - لأمر رسول الله - ﷺ - وقاموا جميعًا بتنفيذ الأمر على الفور وبسرعة قبل وصول العدو.\n\nعباد الله! وخرج رسول الله - ﷺ - إلى أصحابه ليحفر معهم في هذا الخندق، فوصل إليهم وهم يحفرون في غداةٍ باردة، وكان الوقت وقت شتاء وكان البردُ شديدًا جدًا، وكان الزمان زمان قحطٍ، فلما رأى - ﷺ - ما بهم من التعب والجوع دعا لهم فقال:\n\"اللهم إن العيشَ عيشُ الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة\"\nفقالوا مجيبين له:\n\"نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا\" (١)\n\nعباد الله! وأخذ - ﷺ - يعمل مع أصحابه في حفر الخندق؛ يحفر بيده وينقل التراب بنفسه، حتى أغبر بطنه من شدة التراب.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٣٤)، ومسلم (رقم ١٨٠٥).","vol":"1","page":420},{"text":"يقول البراء بن عازب - ﵁ -: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله - ﷺ - رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل التراب يقول:\nاللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nفأنزلنّ سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الأُولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا\nثم يقول: \"أبينا أبينا\" ويمد بها صوته (١).\n\nعباد الله! الرسول - ﷺ - يحفر بنفسه في الخندق مع أصحابه، والصحابة﵃- يحفرون في الخندق هنا وهناك، وإذا بصخرة عظيمة تقابلهم فعجزوا عنها، فلجأوا إلى رسول الله - ﷺ - فقال لهم: \"إني نازل\" فخلع ثيابه ثم هبط إليها.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى البراء بن عازب - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر يقول - ﵁ -: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول قال: فشكوها إلى رسول الله - ﷺ - فجاء رسول الله - ﷺ - فوضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة، فأخذ المعول فقال: \"باسم الله\". فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: \"الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها من مكاني هذا\".\nثم قال: \"بسم الله\" وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر.\nفقال: \"الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأُبصِرُ\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٠٣٤).","vol":"1","page":421},{"text":"قصرها الأبيض من مكاني هذا\" ثم قال: \"بسم الله\" وضرب ضربة أُخرى، فقلع بقية الحجر فقال: \"الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأُبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا\" (١).\n\nعباد الله! وهكذا يبشر رسول اللهﷺ - أصحابه بفتح هذه البلدان، وهم يُعانون من شدة الجوع والبرد، فرفع ذلك من روحهم المعنوية، فانطلقوا يعملون بجد ونشاط في حفر الخندق وهم يربطون الحجارة على بطونهم من شدة الجوع وهذا من أعلام نبوته - ﷺ -.\n\nعباد الله! ومن معجزاته - ﷺ - في حفر الخندق أيضًا زيادة الطعام بين يديه - ﷺ -، تعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر. يقول - ﵁ -: \"إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كُدَية شديدة -أي صخرة- فجاءوا النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقالﷺ -: \"أنا نازل\". ثم قام وبطنه معصوب بحجر -ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا- فأخذ النبي - ﷺ - المعول فضرب -أي الصخرة- فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم -أي صارت الصخرة رملًا سائلًا-\nفقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت.\nفقلت لامرأتي: رأيت من النبي - ﷺ - شيئًا، ما كان لي في ذلك صبر فعندك شيءٌ؟\nقالت: عندي شعيرٌ وعَنَاقٌ - والعناقُ أنثى المعز-\nيقول: فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البُرمة\n_________\n(١) قال الألباني: \"إسناده حسن\" انظر \"فقه السيرة\" (ص ٢٩٧).","vol":"1","page":422},{"text":"-وهي القدر من الحجر- ثم جئتُ النبيَّﷺ - والعجينُ قد انكسر والبرمةُ بين الأثافيِّ قد كادت أن تنضج. فقلت: طُعَيِّمٌ لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان.\nقالﷺ -: \"كم هو؟ \" فذكرتُ له قالﷺ -: \"كثيرٌ طيبٌ\".\nقال - ﷺ -: \"قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي\".\nفقال - ﷺ -: \"قوموا\"، فقام المهاجرون والأنصار وهم ألفٌ.\nفلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي - ﷺ - بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم.\nقالت: الله ورسوله أعلم.\nفقال - ﷺ -: \"ادخلوا ولا تضاغطوا -أي لا تزدحموا-\".\nفجعل - ﷺ -: يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم- ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه- ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية فقالﷺ -: \"كُلي هذا وأهدى فإن الناس أصابتهم مجاعة\" (١).\nعباد الله! ومن الأحداث التي حدثت في حفر الخندق أيضًا.\nيقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى الخندق، وفينا فتىً حديثُ عهد بعرس، فجعل يستأذن رسول الله - ﷺ - أثناء النهار ليرجع لأهله، فاستأذنه يومًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"خذ عليك سلاحك، فإني\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١٠١، ٤١٠٢)، ومسلم (رقم ٢٠٣٩).","vol":"1","page":423},{"text":"أخاف عليك قريظة\" فأخذ سلاحه ورجع فإذا امرأتهُ قائمة بين البابين فأصابته الغيرة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها فقال: اكفف عليك رمحك، وادخل الدار فانظر ما الذي أخرجني، فدخل الدار فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح -أي ضربها- ثم خرج فركز رمحه في الدار، فعدت عليه الحية فلم ندر أيهما أسرع موتًا الحية أم الفتى؟! فجئنا رسول الله - ﷺ - فأخبرناه .. فقال: \"استغفروا لصاحبكم\" ثم قال - ﷺ -: \"إن بالمدينة جنًا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>العنصر الثالث: مواقف المؤمنين ومواقف المنافقين</span>.\nعباد الله! انتهى الرسول - ﷺ - والمسلمون من حفر الخندق قبل وصول الأعداء، وأخذ رسول الله - ﷺ - يستعد لملاقاة الأعداء فوضع النبيﷺ - النساء والأطفال في حصنٍ هو من أقوى حصون المسلمين حفاظًا عليهم، ورتب النبي - ﷺ - الجيش، فأسند ظهرهم إلى سَلعٍ، وجعل وجوههم إلى الخندق الذي يفصل بينهم وبين العدو.\n\nعباد الله! وها هو جيش العدو في طريقه إلى المدينة يريد أن يقضى على محمَّد - ﷺ - وأصحابه لتستريح اليهود ولتستريح قريش وهيهات هيهات.\n\nعباد الله! وصل جيش الكفر إلى المدينة في عشرة آلاف مقاتل، فلما وصل الجيش إلى الخندق فوجئ برؤية الخندق، وأخذ الجيش بقيادة أبي سفيان يتحرك هنا وهناك يفكر في كيفية اقتحام الخندق، وكلما هموا بذلك\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٢٢٣٦).","vol":"1","page":424},{"text":"أمطرهم المسلمون بالسهام.\n\nعباد الله! النبي - ﷺ - مع جيش الإِسلام في ثلاثة آلاف مقاتل، الخندق أمامهم والجبل خلف ظهورهم، وفي الجانب الآخر للخندق جيش الكفر بقيادة أبي سفيان في عشرة آلاف مقاتل، واليهود يغدرون.\nيقول بعض العلماء: لو تركت الكلابِ نبَاحها وتركت الحميرُ نهيقها؛ لتركت اليهود غدرها.\n\nعباد الله! هجمات الكفار لم تنقطع؛ وجيش الإِسلام لهم بالمرصاد حتى إن الرسول - ﷺ - والمسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة العصر في أحدِ الأيام في وقتها بل صلوها بعد ما غربت الشمس ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد، يقول عمر - ﵁ -: يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغرب. فقالﷺ -: \"فوالله إن صليتها\" (١).\nثم دعا رسول الله - ﷺ - على الأحزاب الذين شغلوهم عن صلاة العصر. فقال: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا\" (٢).\n\nعباد الله! تعالوا بنا لننظر إلى الظروف الصعبة التي تحيط بأرض المعركة.\nأولًاَ: أعداد الكفار كبيرة جدًا بلغت عشرة آلاف مقاتل تحيط بالمدينة.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٦٣١).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٦٢٧).","vol":"1","page":425},{"text":"ثانيًا: جوع شديد وبردٌ قارص.\nثالثًا: وصلت الأخبار أن يهود بني قريظة غدروا بالمسلمين؛ فنقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله - ﷺ - ليضربوا المسلمين من الخلف تعاونًا مع جيش الكفر.\nرابعًا: ترك المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ أرض المعركة بحجج واهيةٍ زاعمين أن بيوتهم مكشوفة للأعداء، وإنما هم يريدون الفرار من المعركة.\nخامسًا: أخذ بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض؛ يدعون غيرهم لترك أرض المعركة والرجوع إلى بيوتهم وأهليهم، بحجة أنه لا قِبَلَ لكم بعدد الكفار.\nسادسًا: طال الحصار واشتد من الكفار للمدينة شهرًا كاملًا.\n\nعباد الله! والله -﷿- يخبرنا بهذه الظروف الصعبة على المسلمين، ويصورها لنا فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١].\n\nعباد الله! وكما أن الشدائد تُظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تُظهر إيمان المؤمنين، فالمؤمنون وهم يعيشون هذه الظروف الصعبة في أرض المعركة، وهم على أعصابهم، تذكروا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى","vol":"1","page":426},{"text":"يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - عندها- أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].\nولذلك ازداد المؤمنون إيمانًا وتسليمًا وتصديقًا لوعد الله فماذا قال المؤمنون؟\nقال الله -﷿- في وصفهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب: ٢٢].\n\nعباد الله! أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، عندما نظروا إلى جيش الكفر وإلى عدده الكبير ظنوا بالله ظن السوء، وأخذوا يشككون بل ويسخرون من البشارات التي بشَّر بها النبي - ﷺ - أصحابه عندما ضرب الصخرة وقال: \"الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن\".\nويقول بعضهم لبعض: انظروا إلى محمدٍ يعدكم بفتح اليمن والشام وفارس؛ وأحدكم لا يستطيع أن يذهب لقضاء حاجته من الخوف، ولذلك ازداد المنافقون مرضًا على مرضهم.\nقال تعالى عن المنافقين ومرضى القلوب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ [الأحزاب: ١٢]، ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ [الأحزاب: ١٣]\nوقال تعالى في وصفهم: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ","vol":"1","page":427},{"text":"فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾ [الأحزاب: ١٨ - ١٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>العنصر الرابع: شدة وكرب وبلاء، يعقبها نصر وفرج</span>.\nعباد الله! البلاء بالمسلمين يزداد يومًا بعد يوم، والخوف يزداد ساعة بعد ساعة، حتى بلغت القلوب الحناجر؛ بردٌ قارصٌ، وجوعٌ شديدٌ، وحصارٌ طالَ شهرًا، فأتوا الصحابة رسول الله - ﷺ - وقالوا: يا رسول الله هل من شيءٍ نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر؟ - فماذا قال لهم؟ ربط قلوبهم بالله- فقال - ﷺلهم: \"نعم، قولوا اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا.\nفقال الصحابةُ: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا\" (١).\n\nعباد الله! وتوجه رسول الله - ﷺ - إلى ربه أيضًا بالدعاء ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾.\nفقال - ﷺ -: \"اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وزلزلهم\" (٢).\nوفي رواية: \"اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم\".\n\nعباد الله! توجه رسول الله - ﷺ - والصحابة إلى ربهم بالدعاء أن يجعل لهم مخرجًا، وأن ينصرهم على عدوهم.\nوالدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، والله -﷿- يستجيب الدعاء من\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (٢٠١٨).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٩٣٣)، ومسلم (رقم ١٧٤٢).","vol":"1","page":428},{"text":"عباده الصالحين.\nقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾، وجاء النصر والفرج من عند الله، فأرسل الله ريحًا وجنودًا من عنده على الأحزاب أطفئت نارهم، وقلعت خيامهم.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى حذيفة - ﵁ - وهو يخبرنا عن الظروف الصعبة التي يعيش فيها المسلمون، ويخبرنا أيضًا عن الرعب والدمار والذعر الذي حل بالأعداء في الجانب الآخر من الخندق.\nيقول - ﵁ -: \"لقد رأيتُنا مع رسول اللهﷺ - يوم الخندق -أي يوم الأحزاب- فقام - ﷺ - فصلى هويًا من الليل ثم قال: \"من يأتنا بخبر القوم- أي العدو- أشترط له الرجعة، وأضمن له الجنة\".\nقال حذيفة: فما قام أحدٌ من شدة الجوع والبرد والريح.\nقال حذيفة: فصلى رسول الله - ﷺ - هويًا من الليل ثم التفت إلينا وقال: \"من يأتنا بخبر القوم؟ أشترط له الرجعة وأسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة\". قال حذيفة: فلم يقمْ أحد من شدة الخوف والجوع والبرد.\nيقول حذيفة: فلما لم يقمْ أحدٌ قال رسول الله - ﷺ -: \"قم يا حذيفة\".\nيقول حذيفة: فلما دعاني لم يكن لي بدٌّ من القيام فقمتُ.\nفقالﷺ -: \"اذهب فأتنا بخبر القوم ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا\".\nقال حذيفة: فخرجت وأنا شديد البرد، فلما مشيت في حاجة رسول الله - ﷺ - كأني أمشي في حمَّام -أي: لم أجد البرد الذي يجده الناس- لأنه خرج طاعة لله ولرسوله - ﷺ - فأتيت القوم ودخلت فيهم، وإذا بأبي سفيان يقوم ويقول: يا معشر قريش: لينظر امرىٌ -أي كلُّ واحد- من جارهُ!","vol":"1","page":429},{"text":"قال حذيفة: فبادرت بيدي الذي جنبي، فقلت من أنت؟\nقال: أنا فلان بن فلان.\nوقال أبو سفيان: يا معشر قريش، والله ما بقي لنا هنا مقام، لقد أكفأت الريح قدورنا، وأطفأت نارنا، وهدمت خيامنا، وقد بلغنا عن بني قريظة ما نكرهُ، أنهم لن يفوا بعهدهم بالحرب معنا فارتحلوا، فإني مرتحلٌ.\nقال حذيفة: ثم قام إلى جمله فركب عليه، فوثب الجمل على ثلاث فلم يحل عقاله حتى وثب.\nقال حذيفة: ولولا عهد رسول الله - ﷺ - لا تحدثنَّ شيئًا حتى تأتينا، فلو شئت أن أقتله لقتلته بسهمي.\nقال حذيفة: فلما ارتحل وبلغ الخبر سائر القبائل رجعوا من حيثُ جاءوا\" (١).\nقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥]\n\nعباد الله! ورجعت الأحزاب تجرّ أذيال الخيبة والحزن لم ينالوا شيئًا مما جاءوا له.\nوقال - ﷺ -: \"الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم\" (٢).\nوامتن الله -﷿- على المؤمنين بنصرهم هذا في غزوة الأحزاب.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٨).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤١٠٩، ٤١١٠).","vol":"1","page":430},{"text":"فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾ [الأحزاب: ٩].\nولذلك كان رسول الله - ﷺ - ينسب الفضل كله في هزيمة الأحزاب لله -﷿-.\nيقول أبو هريرة - ﵁ -: كان رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>أولًا: الكفر ملةٌ واحدة هدفهم واحد وهو: دمروا الإِسلام أبيدوا أهله</span>.\nعباد الله! الكفر ملةٌ واحدة في كل بلاد الدنيا هدفهم: دمروا الإِسلام أبيدوا أهله، ويفعل الكفر ذلك تحت ستار (مكافحة الإرهاب).\nوهدف الكفار من القضاء على الإِسلام والمسلمين هو السيطرة على خيرات المسلمين، وهذا يا عباد الله يظهر لنا من غزوة الأحزاب فقد جاءوا من كل مكان للقضاء على الإِسلام والمسلمين والسيطرة على خيرات المسلمين في المدينة، ولتأمين طرق التجارة بين مكة والشام.\n\nعباد الله! والتاريخ يُعيد نفسه فما من عام يمر علينا إلا ونسمع ونرى ملة الكفر يجتمعون لحرب المسلمين تحت شعارات كاذبة، لينهبوا خيرات بلاد المسلمين وليأمنوا مصالحهم في تلك البلاد ورسولنا - ﷺ - يخبرنا بذلك فيقول:\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١١٤)، ومسلم (رقم ٢٧٢٤).","vol":"1","page":431},{"text":"\"يوشك أن تداعى عليكم الأمم\" -أي: يدعو بعضها بعضًا، فتجيب- \"كما تداعى الأكلة إلى قصعتها\" فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ؟\nقال - ﷺ -: \"بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السَّيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهنَ.\nقالوا: يا رسول الله! وما الوهنُ؟\nقال - ﷺ -: \"حب الدنيا وكراهية الموت\" (١).\n\nعباد الله! وهذا الحديث يُشَخّص لنا حال الأمة الإِسلامية إذا ضعفت وتفرقت مع أعدائها، ففي هذا الحديث:\nأولًا: أن أعداء الإِسلام يرصدون حالة أمة الإِسلام؛ فإن رأوا أن الوهن دبّ إليها، والمرض نخر جسمها، وثبوا عليها ليقضوا على ما تبقى منها.\nثانيًا: أن أمم الكفر تدعو بعضها بعضًا لتجتمع للتآمر على الإِسلام وأهله.\nثالثًا: أن ديار المسلمين منبع خيرات وبركات، تحاول أمم الكفر الاستيلاء عليها ولذلك شبهها الرسول - ﷺ - بالقصعة المملوءة بالطيب من الطعام، التي أغرت الأكلة فتواثبوا عليها، كل يريد نصيب الأسد.\nرابعًا: أن أمم الكفر لم تعد تهابُ المسلمين لأنهم فقدوا مهابتهم بين الأمم، بعد أن بعدوا عن دينهم.\nخامسًا: عناصر قوة الأمة الإِسلامية ليس في عددِها وعُدتِها، بل في عقيدتها ومنهجها.\n_________\n(١) صحيح: انظر \"صحيح الجامع\" \"صحيح أبي داود\".","vol":"1","page":432},{"text":"ولذلك يقول - ﷺ - للسائل: \"بل أنتم يومئذ كثير\". وتأمل درس حنين قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.\nوانظروا إلى يوم بدر كيف نصر الله المسلمين وهم قلة\nوانظروا إلى غزوة الأحزاب كيف نصر الله عباده بجند من عنده\nسادسًا: أن الأمة الإِسلامية إذا تركت دينها أصبحت لا وزن ولا قيمة لها بين الأمم، قال - ﷺ -: \"ولكنكم غثاء كغثاء السيل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>ثانياَّ: من الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة الأحزاب (إن تنصروا الله ينصركم)</span>.\nعباد الله! الرسول - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - في غزوة الأحزاب أخذوا بكل أسباب النصر، مع توكلهم على الله واعتقادهم أن النصر من عند الله، ولذلك توجهوا جميعًا إلى الله -﷿- بالدعاء فاستجاب الله لهم، ونصرهم بنصر من عنده على عدوهم.\nعباد الله! وكان من نتائج غزوة الأحزاب.\n\nأولًا: فرق الله شمل الأحزاب واليهود بعد أن اجتمعوا لحرب المسلمين.\nثانيًا: أرسل الله على المشركين ريحًا شديدة باردة تقلع خيامهم وتطفئ نارهم.\nثالثا: أرسل الله على المشركين جندًا من الملائكة، يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾.","vol":"1","page":433},{"text":"رابعًا: رجع الكفار عن المدينة يحملون غيظهم في صدورهم، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾.\nخامسًا: فشل الكفار في تحقيق أهدافهم ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.\nسادسًا: كفى الله المؤمنين القتال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.\n\nعباد الله! ماذا فعل النبي - ﷺ - في يهود بني قريظة الذين نقضوا العهد مع رسول الله - ﷺ -؟\nهذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-\n\nاللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الخطبة الحادية والأربعون: غزوة بني قريظة</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة بني قريظة.\n\nعباد الله! وغزوة بني قريظة كانت نتيجة من نتائج غزوة الأحزاب، وأثرًا من آثارها ولم تكن هذه الغزوة بتدبير من الرسولﷺ -، ولا بمشورة أحدٍ من الصحابة - ﵃ -، بل كانت بأمرٍ من الله تعالى؛ إذ لم يكد الرسول - ﷺ - ينفض يديه من آثار غزوة الأحزاب حتى نزل الوحي بأمر الله له أن يتوجه إلى بني قريظة التي نقضت عهدها مع رسول اللهﷺ -، وتحالفت مع الأحزاب سرًا لضرب المسلمين في المدينة من الخلف.\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة بني قريظة سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة</span>\nالعنصرالثاني: الجزاء من جنس العمل\nالعنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة بني قريظة.\n\nالعنصر الأول: أسباب هذه الغزوة\nالسبب الرئيسي لغزوة بني قريظة هو: أنهم نقضوا عهدهم مع رسول الله - ﷺ -، وتعاونوا مع الأحزاب للقضاء على المسلمين في المدينة.","vol":"1","page":435},{"text":"عباد الله! خرج وفدٌ من اليهود وعلى رأسهم حُييُّ بن أخطبٍ وأبو رافع بن أبي الحقيق إلى كفار مكة وإلى القبائل المجاورة، وحرضوهم على غزو المسلمين في المدينة للقضاء عليهم، وخرج بسبب هذا التحريض جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل.\n\nعباد الله! ولما وصل هذا الجيش إلى المدينة ووجد الخندق الذي حال بينه وبين دخول المدينة، وطال الحصارُ من هذا الجيش للمدينة، ولم يتمكن من دخولها ذهب رأس العصابة حُييُّ بنُ أخطب اليهودي إلى يهود بني قريظة الذين يسكنون في الجهة الجنوبية من المدينة، وبينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد وميثاق، لينقضوا عهدهم مع رسول الله - ﷺ - حتى يتمكن جيش الأحزاب من الدخول إلى المدينة من الجهة الجنوبية ليضربوا المسلمين من الخلف، فأتي حييُّ بن أخطب اليهودي كعبًا القرظي وهو كبير بني قريظة، ثم ناداه يا كعب افتح لي! فأغلق كعب دونه الأبواب.\nيا كعبُ افتح لي! قال له كعبٌ: ويحك يا حُييُّ، إنك رجلٌ مشئومٌ وقد أعطيت محمدًا عهدًا وميثاقًا، ولم أر منه إلا وفاءًا وصدقًا فما أنا بناقض عهده.\n\nعباد الله! فما زال حُييُّ بن أخطب بكعب القرظي يُغريه حتى فتح له، فأخذ يحدُّثه عن كثرة جيش الأحزاب الذي جاء به، وعن شدة قوة هذا الجيش وعن الأسلحة التي معهم حتى طمأنه أن النصر سيكون بجانب الأحزاب لا لمحمدٍ وأصحابه- لتعلموا ماذا تفعل اليهود في ظلمات الليل، وهذا هو هدفهم في كل زمان ومكان؛ القضاء على الإِسلام والمسلمين- فلما أمِنَ كعبٌ القرظي عاقبة الغدر، وعلم أن الدولة للأحزاب لا لمحمدٍ وأصحابه؛ وافق حُييُّ بن الأخطب على ما دعاه إليه من الغدر، وهذا يدلُنا يا عباد الله على أن اليهود أهل غدر وخيانة، يوفون بالعهد إذا كان لمصلحتهم ويغدرون إذا كان الغدر لمصلحتهم.","vol":"1","page":436},{"text":"عباد الله! ولما بلغ الخبر رسولَ الله - ﷺ - قال: \"من يأتينا بخبر القوم؟ \" -أي بخبر بني قريظة- قال الزبير بن العوام - ﵁ -: أنا يا رسول الله قال - ﷺ -: \"من يأتيني بخبر القوم؟ \" قال الزبير: أنا يا رسول الله.\nقالﷺ -: \"من يأتيني بخبر القوم؟ \" قال الزبير: أنا يا رسول الله ثلاث مراتٍ فقال النبي - ﷺ -: \"إن لكل نبيٍ حواريًا، وحواريَّ الزبير بن العوام\" (١).\nيقول الزبير - ﵁ - فأتيتهم فأتيته بخبرهم -أي أنهم فِعْلًا غدروا وخانوا، فازداد المؤمنون شدة على شدتهم وخوفًا على خوفهم؛ لأن الأحزاب إذا دخلوا من الخلف ضربوهم ضربهَ قاضية ولكن الله سلّم. فما إن وقعت الفرقة بين الأحزاب وبني قريظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>العنصر الثاني: الجزاء من جنس العمل</span>\nعباد الله! عندما أراد اليهود- قاتلهم الله- بتحريضهم الكفار على المسلمين وبغدرهم أن يستاصلوا المسلمين من على وجه الأرض؛ وقع ذلك بهم فقتلهم رسول الله - ﷺ - وسبى نسائهم وذراريهم وأخذوا أرضهم وأموالهم ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنتعرف على ما نزل بيهود بني قريظة ومَنْ تعاون معهم بعد غدرهم برسول اللهﷺ - في غزوة الأحزاب.\n\nعباد الله! رجعت الأحزاب إلى ديارهم يجرون أذيال الخيبة والخسران، لم ينالوا خيرًا بعد أن أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا من عنده، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٨٤٦)، ومسلم (رقم ٢٤٥١).","vol":"1","page":437},{"text":"اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾، ورجع كذلك الوفد اليهودي- الذي خرج من خيبر لتحريض الأحزاب لغزو المدينة- إلى أرضهم.\n\nعباد الله! فلما رأت بنو قريظة أنهم وحدهم في المدينة مع رسول الله - ﷺ -، ورأوا أنهم قد هلكوا بسبب غدرهم ونقضهم عهد النبيﷺ -، دخلوا حصونهم وأغلقوا أبوابهم، وجلسوا ينتظرون ما يُفعل بهم.\nودخل معهم حييُّ بن أخطب اليهودي وفاءًا بعهده لسيدهم كعب القرظي، حيث كان حين دعاه إلى نقض العهد والغدر أعطاه عهدًا وميثاقًا إن لم يكن ما أراد من استئصال المسلمين أن يرجع فيدخل معه في حصنه، ليصيبه ما أصابه.\n\nعباد الله! ورجع النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة بعد هذا النصر المبين على الأحزاب ووضع - ﷺ - سلاحه وأخذ يغتسل ليزيل هذا التراب الذي غبَّر جسده الشريف، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله! أوقد وضعت السلاح؟ قال - ﷺ -: \"نعم\".\nقال جبريل: والله ما وضعناه- لتعلموا أن الملائكة كانوا يجاهدون مع المسلمين في غزوة الأحزاب-.\nفقال - ﷺ -: \"إلى أين\"؟ فقال جبريل ﵇: ها هنا وأشار بيده إلى بني قريظة (١) - إلى الخونة الذين لا يتركون الغدر-.\n\nعباد الله! فأصدر النبيﷺ - أوامره للجيش المسلم بالخروج إلى بني قريظة\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١١٧)، ومسلم (رقم ١٧٦٩).","vol":"1","page":438},{"text":"فورًا وبأسرع ما يمكن وقال لهم: \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\" (١)، وكان ذلك بعد الظهر، ولبس النبي - ﷺ - سلاحه وخرج مع الجيش\n\nعباد الله! ها هو جيش الإِسلام بقيادة رسول اللهﷺ - في طريقه إلى بني قريظة، وقد سبقهم جبريل ﵇.\nويقول أنس - ﵁ -: \"كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار ورسول اللهﷺ - إلى بني قريظة\" (٢).\nوتقول عائشة -﵂- خرج رسول اللهﷺ - فمر على بني غنم، وهم جيران المسجد، فقال لهم: مَنْ مرَّ بكم؟\nفقالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي تشبه لحيته ووجهه جبريل ﵇ فعلم رسول الله - ﷺ - أن جبريل قد سبقه إلى بني قريظة - تقول -﵂- فأتاهم رسول الله - ﷺ - فحاصرهم خمسة وعشرين ليلةً، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح.\nفقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، وبعث رسول الله - ﷺ - إلى سعد بن معاذ، فأُتي به على حمار قد حمل عليه وحفَّ به قومُهُ -أي من الأوس- وقالوا له: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية، ومَنْ قد علمت.\nفلم يرجع شيئًا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٩٤٦)، ومسلم (رقم ١٧٧٠).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤١١٨).","vol":"1","page":439},{"text":"فقال: قد آن لي أن لا يأخذني في الله لومة لائم.\n\nعباد الله! وسعد بن معاذ - ﵁ - قد أصابه سهم من رجل من المشركين في غزوة الأحزاب فأصاب أكحله فقطعه فدعا سعد ربه فقال: \"اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة\".\n\nعباد الله! فلما وصل سعد - ﵁ - إلى رسول الله - ﷺ - قال - ﷺ - لأصحابه: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فأنزلوه.\nفقال له رسول الله - ﷺ -: احكم فيهم -أي في بني قريظة-.\nقال سعد - ﵁ -: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم -أي نساءهم وأطفالهم- وتقسم أموالهم.\nفقال النبي - ﷺ -: \"قد حكمت فيهم بحكم الله -﷿-، وحكم رسوله\" (١).\nوفي رواية قال - ﷺ -: \"لقد حكمت فيهم بحكم الملك\" (٢).\n\nعباد الله! ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله - ﷺ - في دار بالمدينة، ثم خرج - ﷺ - إلى سوق المدينة فخندق فيها خنادق، ثم طفق يبعث إليهم فيؤتي بهم أرسالًا -أي جماعات- فتضرب أعناقهم- العزة لله ولرسوله وللمؤمنين- وفيهم عدو الله حييُّ بنُ أخطب النضري اليهودي الذي قال- لعنه الله- عندما رأى النبي - ﷺ -: والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ثم جلس فضُرِبَتْ عنقُهُ لعنه الله.\n_________\n(١) إسناده جيد انظر \"مجمع الزوائد\" (٦/ ١٣٧، ١٣٨)، و\"مسند الإِمام أحمد\".\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٤٣)، ومسلم (رقم ١٧٦٨).","vol":"1","page":440},{"text":"عباد الله! ولما قتل رجال بني قريظة وسبيت النساء والصبيان، وقرت عين سعد بن معاذ لذلك استجابة من الله لدعوته: توجه - ﵁ - إلى الله تعالى بدعوة ثانية فقال: \"اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على نبيك - ﷺ - شيئًا فابقني لها، وإن كنت أنهيت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، فسأل جرحه فلم يتوقف حتى مات - ﵁ - (١).\n\nعباد الله! وقد أخبرنا الله في كتابه بغزوة الأحزاب وغزوة بني قريظة فقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾ [الأحزاب: ٢٥ - ٢٧].\nهكذا (الجزاء من جنس العمل) ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.\nأرادت بنو قريظة القضاء على رسول الله - ﷺ - وأصحابه فنزل ذلك بهم، وأراد عدو الله حيي بن أخطب اليهودي استئصال المسلمين فنزل ذلك به وضرب المسلمون عنقه مع أعناق بني قريظة.\nعباد الله! وهذا أبو رافع بن أبي الحقيق اليهودي، الذي ذهب مع حيي بن الأخطب اليهودي إلى كفار مكة؛ ليحرضوهم على استئصال المسلمين في المدينة، لا بد أن يأخذ جزاءه فأمر النبيﷺ - أصحابه أن يقتلوه.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ١٤٢).","vol":"1","page":441},{"text":"عباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى البراء بن عازب - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر قال البراء بن عازب - ﵁ -: \"بعث رسول الله - ﷺ - إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك\".\nوكان أبو رافع يؤذي رسول الله - ﷺ - ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم -أي رجعوا بمواشيهم- قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب، لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فأدخل، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق -أي المفاتيح- على وتد.\nقال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب.\nوكان أبو رافع يُسَمَّرُ عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابًا أغلقت علي من داخل.\nقلت إن القوم نذروا بي -أي علموا بي- لم يخلصوا إلى حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت؟\nفقلت: أبا رافع، فقال: مَنْ هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئًا؟ وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟\nفقال: لأُمِكَ الويلُ إن رجلًا في البيت ضربني قبل بالسيف.\nقال: فأضربه ضربةً أثخنته، ولم أقتله، ثم وضعت ضبة السيف في بطنه حتى أَخذ من ظهره فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى","vol":"1","page":442},{"text":"انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟\nفلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلتُ النجاء -أي أسرعوا- فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي - ﷺ - فحدثته فقال لي: \"ابسط رجلك\" فبسطتُ رجلي فمسحها فكأنها لم أشتِكها قط\" (١).\n\nعباد الله! وهكذا تخلص رسول الله - ﷺ - والمسلمون من رؤوس الأفاعي من اليهود- لعنهم الله-، الذين تربوا على الغدر والخيانة ونقض العهود والمواثيق ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ فكل من كان على المسلمين وسعى في استئصالهم؛ هذا هو مصيره في الدنيا القتل والفضيحة، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>العنصر الثالث: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة بني قريظة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>أولًا: الله -﷿- للظالمين بالمرصاد</span>، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾.\nوقال - ﷺ -: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ \".\n_________\n(١) رواه البخاري رقم (٤٠٣٩)","vol":"1","page":443},{"text":"عباد الله! ماذا فعل الله بالأحزاب عندما أرادوا ظلم المسلمين في المدينة؟\nأرسلَ الله -﷿- عليهم ريحًا وجنودًا من عنده ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.\nماذا فعل الله -﷿- بيهود بني قريظة عندما أرادوا أن يضربوا المسلمين من الخلف فخانوا وغدروا؟\nأبادهم الله من فوق الأرض وأعطى أموالهم وأرضهم وديارهم للمسلمين، فاحذروا من الظلم يا عباد الله، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.\nواعلموا أن الله -﷿- يستجيب دعوة المظلوم إذا دعا على الظالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>ثانيًا: المستقبل للإسلام</span>.\nقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].\nالإِسلام دين الله في الأرض: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩].\nوالإِسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\nقال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].\n\nعباد الله! والله -﷿- يحفظ هذا الدين ويحفظ أهله؛ إن هم نصروا الله في أنفسهم.\nقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم:٤٧]، وقال","vol":"1","page":444},{"text":"﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\nوقال - ﷺ -: \"ليبلغن هذا الأمر -أي هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر؛ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإِسلام، وذلًا يُذل به الكفر\" (١).\nوقال - ﷺ - \"إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها\" (٢).\n\nعباد الله! ما من أمة حاولت أن تعتدي على هذا الدين وعلى أهله إلا أبادهم الله -﷿- ودمرهم، فانظروا عباد الله، ماذا فعل الله -﷿- بالأحزاب عندما جاءوا من كل مكان للقضاء على الإِسلام وأهله؟\nوانظروا عباد الله، ماذا فعل الله -﷿- بيهود بني قريظة؛ عندما أرادوا بغدرهم القضاء على الإِسلام وأهله؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>ثالثًا: فضائل سعد بن معاذ - ﵁ </span>-\nعباد الله! سعد بن معاذ - ﵁ - الذي دعا فاستجاب الله له، قال: \"اللهم لا تمتني حتى تقر عيني مِنْ بني قريظة\".\nسعد بن معاذ - ﵁ - الذي حكم في بني قريظة بحكم الملك، من فوق سبع سموات، سعد بن معاذ - ﵁ - الذي اهتز عرش الرحمن لموته.\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (٣).\n(٢) \"السلسلة الصحيحة\" (٢).","vol":"1","page":445},{"text":"قال - ﷺ - \"اهتز العرش لموت سعد بن معاذ\" (١).\nسعد بن معاذ - ﵁ - الذي حملت الملائكة جنازته.\nعن أنس - ﵁ - قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته.\nفقال النبي - ﷺ -: \"إن الملائكة كانت تحمله\" (٢)\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٨٠٣)، ومسلم (رقم ٢٤٦٦).\n(٢) \"صحيح الترمذي\" (٣٠٢٤).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>الخطبة الثانية والأربعون: عمرة الحديبية (صلح الحديبية)</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -. وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن عمرة الحديبية (صلح الحديبية).\nعباد الله! والحديبية قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم (١).\nعباد الله! وحديثنا عن عمرة الحديبية أو عن صلح الحديبية سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>العنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين</span>.\nالعنصر الثاني: الرسول - ﷺ - والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة.\nالعنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح.\nالعنصر الرابع: صلح الحديبية.\nالعنصرالخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح.\nالعنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية.\n\nالعنصر الأول: سبب هذه العمرة وموقف المنافقين.\nرأى النبي - ﷺوهو بالمدينة- رؤيا بالمنام: أنه داخل مكة وطائف بالبيت العتيق، ورؤيا الأنبياء وحيٌ، فأولها رسول الله - ﷺ - على أنها إذنٌ من الله-\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٣٤).","vol":"1","page":447},{"text":"﷿- بدخول مكة.\nفأذن مؤذنه في الناس بأن النبي - ﷺ - معتمر، فأجابه إلى العمرة ألف وأربعمائة من المؤمنين الصادقين.\n\nعباد الله! وأما المنافقون فقد ظنوا بالله ظن السوء، ظنوا أن محمدًا وأصحابه إن دنوا من مكة، فإن قريش والعرب سيستأصلونهم ويبيدونهم، فلا يرجع منهم واحد البتة.\nثم زَوَّروا في أنفسهم عذرًا يعتذرون به للنبي - ﷺ - إن هو رجع، والله -﷿- يعلم ما يسرون وما يعلنون، فأنزل على رسوله قرآنًا يفضح فيه المنافقين.\nقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾ [الفتح: ١١ - ١٣].\n\nعباد الله! موقف المنافقين في كل الأحوال واحد لا يتغير إلا بأسلوبه وشكله الظاهري، وجزاؤهم على ذلك- عند الله تعالى -أيضًا واحد لا يتبدل.\nفقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦].","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-171>العنصر الثاني: الرسول - ﷺ - والصحابة الكرام يتحركون إلى مكة</span>.\nعباد الله! خرج رسول الله - ﷺ - وأصحابه الكرام من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، ونظرًا لتوقع الشر من قريش فإن المسلمين أخذوا سلاحهم فكانوا مستعدين للقتال، فلما وصلوا إلى ذي الحليفة -وهي ميقات أهل المدينة- أحرموا بالعمرة، وساقوا الهدى سبعين بدنة، وبعث النبي - ﷺ - عينًا إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش.\nولما وصل رسول الله - ﷺ - وأصحابه إلى \"عسفان\" جاء الخبر إلى رسول الله - ﷺ - أن قريشًا قد جمعوا المجموع، وخرجوا يريدون أن يقاتلوه، ويصدوه عن البيت الحرام.\nفاستشار النبي - ﷺ - أصحابه في أن يَغِيرَ على ديار الذين ناصروا قريشًا، واجتمعوا معها ليدعوا قريشًا ويعودوا للدفاع عن ديارهم.\nفقال - ﷺ -: \"أشيروا أيها الناس عليّ، أترون أن أميل إلى عيالهم، وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله -﷿- قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين؟ -والمحروب هو من سلب ماله- فقال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه.\nقال - ﷺ -: \"امضوا على اسم الله\" (١).\n\nعباد الله! أخذ رسول اللهﷺ - والصحابة يسيرون إلى مكة؛ حتى إذا كانوا\nببعض الطريق قال النبي - ﷺ -: \"إن خالد بن الوليد بالغميم -مكان قريب من\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤١٧٨، ٤١٧٩).","vol":"1","page":449},{"text":"مكة- في خيل لقريش طليعة -أي في مقدمة الجيش- فخذوا ذات اليمين، فانحازوا ذات اليمين، فلم يشعر بهم خالد حتى رأى الغبار صاعدًا فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي - ﷺ - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلْ حلْ- وهي كلمة تقال للناقة إذا تركت السير- فألحت -أي تمادت على عدم القيام- فقالوا: خلأت القصواء -أي حرنت القصواء- فقال النبي - ﷺ -: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله -أي من ترك القتال في الحرم- إلا أعطيتهم إياها -أي أجبتهم إليها- ثم زجرها فوثبت -أي قامت الناقة-.\nفَعَدَلَ النبيﷺ - عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فما لبثوا أن نزحوه فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - العطش، فانتزع سهمًا من كنانته؛ ثم أمرهم أن يجعلوه في البئر فما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه - وهذه من معجزاته (ﷺ) -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>العنصر الثالث: الأحداث التي وقعت عند الحديبية قبل الصلح</span>.\nعباد الله! أراد رسول الله - ﷺ - أن يبعث إلى قريش رجلًا من أصحابه يخبرهم أنهم جاءوا عمارًا، ولم يجيئوا لقتالٍ - ليعلم الجميع أن الإِسلام لا يطلب حربًا إلا إذا فرضت عليه، وإن الذين يشعلون الحرب هم أهل الكفر والشرك- فدعا عمر - ﵁ - فقال عمر: يا رسول الله ليس لي بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فأرسله، فانطلق عثمان فمر على نفر من قريش فقالوا له: أين تريد؟\nفقال: بعثني رسول اللهﷺ - أدعوكم إلى الله وإلى الإِسلام وأخبركم؛ أنا لم نأت لقتالٍ وإنما جئنا عمارًا.","vol":"1","page":450},{"text":"فقالوا: قد سمعنا ما تقول فأنفذ لحاجتك.\nوقام إليه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، فحمله بين يديه وأجاره حتى بلّغَ رسالة رسول الله - ﷺ -، وتأخر عثمان - ﵁ - في مكة حتى أشيع أنه قد قتل.\nفدعا رسول الله - ﷺ - أصحابه إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة بيعة الرضوان على أن لا يفروا، فأخذ رسول الله - ﷺ - بيد نفسه وقال: هذه يد عثمان، ثم جاء عثمان - ﵁ - بعد أن تمت البيعة.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.\n\nعباد الله! بينما رسول الله - ﷺ - والمسلمون على حالهم بالحديبية، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة -وهم موضع سر رسول الله - ﷺ - وأهل النصح له- فأخبر رسول الله - ﷺ - أن قريشًا خرجت بكل ما تملك من قوة، ونزلت بالحديبية عند الماء الكثير، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله - ﷺ -: إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب -أي أضعفت قوتهم وأموالهم- وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم مدة -أي جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- وُيخلّو بيني وبين الناس -أي من الكفار العرب وغيرهم- فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد رحموا -أي فإن ظهر غيرُهم عليَّ كفاهم المؤنة، وإن أظهر أنا على غيرهم فإن شاءوا أطاعوني وإلا فلا تنقض مدة الصلح إلا وقد استراحوا وقووا-\nثم قال - ﷺ -: وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي -أي: حتى أموت- ولينفذن الله أمره -أي: وليمضين الله أمره في نصر دينه-.","vol":"1","page":451},{"text":"فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول، ثم انطلق حتى أتى قريشًا فقال: يا معشر قريش، إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.\nفقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء.\nوقال ذووا الرأي منهم: هات ما سمعته.\nقال سمعته يقول كذا وكذا- وعرض عليهم الخطة التي عرضها عليه النبيﷺ - فقال لهم عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا الرجل قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي - ﷺ -، فقال له النبي - ﷺ - نحوًا من قوله لبُديل، فقال له عروة عند ذلك: يا محمَّد جئت لقتال قومك، فإن قتلتهم فهل رأيت أحدًا قبلك اجتاح قومه- أي أهلكهم -وإن كانت الأخرى- يعني إن هزمت أنت -فإني والله أرى حواليك أوباشًا خليقًا- أي: حقيقًا- أن يفروا عنك ويدعوك -أي يتركوك-.\nفقال أبو بكر - ﵁ - لعروة: امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟\nفقال عروة: مَنْ هذا؟ قالوا له: هذا أبو بكر.\nفقال عروة: والله لولا يَدٌ لك عندي -أي نعمة- لم أجزك بها -أي: لم أكافئك بها- لأجبتك.\n\nعباد الله! وأخذ عروة يكلم النبي - ﷺ -، ويأخذ بلحيته، وكان المغيرة بن شعبة - ﵁ - قائمًا عند رأس رسول الله - ﷺ - بالسيف وعلى رأسه المغفر، كلما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله - ﷺ - ضربها المغيرة بنعل السيف وقال له: نح يدك عن لحية رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":452},{"text":"فقال عروة: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.\nقال عروة: أي غدر! أولست أسعى في غدرتك؟ - وكان المغيرة - ﵁ - في الجاهلية صحب رجالًا من قريش فقتلهم ثم أخذ أموالهم، ثم أتى النبي - ﷺ - فأسلم فقال النبي - ﷺ -: أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء - لكونه أخذ غدرًا-.\n\nعباد الله! واستمر عروة يحدث رسول الله - ﷺ - وينظر في أصحابه كيف يحترمونه، ويعزرونه ويوقرونه، فما تنخم - ﷺ - نخامة إلا وقعت في يد أحد منهم، فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ وضوءًا إلا كادوا يقتتلون على وضوئه، كلهم يريد أن يمس منه، ولا تكلم بكلمة إلا بادروا بالعمل بها ولا يحدون إليه النظر تعظيمًا له.\nفرجع عروة إلى قريش، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمَّد محمدًا- وحدثهم بما رأى- ثم قال لهم: وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.\n\nعباد الله! فقام رجل من بني كنانة فقال دعوني آته. فقالوا ائته- فأتاه فلما أشرت على رسول الله - ﷺ -، قال رسول اللهﷺ - لأصحابه: هذا رجل من بني كنانة قد أتاكم، وهو من قوم يعظمون البُدن فابعثوها له فبعثوها، واستقبله القوم يلبون- لبيك اللهم لبيك- فلما رأى البُدن وسمع التلبية قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم ما رأى قال لقريش: استقبلوني ملبين يسوقون الهدي، جاءوا معتمرين ولم يجيئوا لقتال، وما أرى أن يُصدوا عن البيت.\nفقالوا له: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك.\n\nعباد الله! ثم أرسلت قريش مكرز بن حفص وأعقبته بسهيل بن عمرو","vol":"1","page":453},{"text":"فلما رآه النبيﷺ - قال: قد سهل لكم من أمركم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>العنصر الرابع: صلح الحديبية:</span>\nعباد الله! عندما أرسلت قريش سهيل بن عمرو إلى رسول الله - ﷺ - أرادت بذلك الصلح مع رسول الله - ﷺ -، ولكن بشرط أن يرجع المسلمون دون عمرة في هذا العام.\n\nعباد الله! عندما جاء سهيل بن عمرو إلى رسول الله - ﷺ - قال: هات أكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي - ﷺ - الكاتب:\nفقال النبي - ﷺ - للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.\nفقال سهيل: أما (الرحمن) فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: \"باسمك اللهم\" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا \"بسم الله الرحمن الرحيم\".\nفقال النبي - ﷺ -: اكتب \"باسمك اللهم\".\nثم قال - ﷺ -: \"هذا ما قاضى عليه محمَّد رسول الله\".\nفقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب \"محمَّد بن عبد الله\".\nفقال النبي - ﷺ -: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني\"، اكتب \"محمَّد بن عبد الله\".\nوالرسول - ﷺ - يفعل ذلك لأنه قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها\".\nثم قال - ﷺ - للكاتب: اكتب: على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به.\nفقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطه، ولكن ذلك من","vol":"1","page":454},{"text":"العام المقبل، فكتب.\nفقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.\nقال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟\nفبينما هم كذلك! إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وكان قد أسلم فحبسوه وأوثقوه في الحديد، فهرب منهم وهو مقيد، حتى رمى بنفسه بين ظهرأني المسلمين، فلما رآه أبوه قال: يا محمَّد هذا أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه إليّ.\nفقال - ﷺ -؟ إنا لم نقض الكتاب بعد.\nفقال سهيل: ردَّه عليَّ، وإلا والله لا أصالحك على شيء أبدًا.\nفقالﷺ - له: فأجزه لي- قال سهيل: ما أنا بمجيزه لك.\nقالﷺ -: بلى فافعل، قال سهيل: ما أنا بفاعل.\nفقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين بعد ما أسلمت وعذبت.\n\nعباد الله! وغضب المسلمون لرد المسلمين الفارين من قريش إليها فقالوا: \"يا رسول الله تكتب هذا؟ قال لهم: نعم. إنه مَنْ ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له مخرجًا وفرجًا\" (١).\n\nعباد الله! وظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب - ﵁ - فراجع رسول الله - ﷺ - في ذلك فقال: \"فأتيت نبي اللهﷺ -\"، فقلت: ألست نبي الله\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٤).","vol":"1","page":455},{"text":"حقًا؟ قال: بلى.\nقلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى\nقلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟\nقال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري.\nقلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟\nقال: بلى، فأخبرتك أنا ناتيه العام؟ قلت: لا\nقال: فإنك آتيه ومطوف به.\nقال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟\nقال: بلى.\nقلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.\nقلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟\nفقال له: أبو بكر بمثل ما قال له رسول الله - ﷺ -.\nوزاد: \"يا عمر إلزم غرزه -أي: تمسك بأمره وترك مخالفته- حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله قال عمر: وأنا أشهد\" (١).\nوقال عمر: \"ما زلت أصوم وأتصدق وأعتق مِنَ الذي صنعتُ مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيرًا\" (٢).\n\nعباد الله! وكان عمر - ﵁ - يُراجع الرسول - ﷺ - ليقف على الحكمة من موافقته على شروط الصلح، وكان يرغب في إذلال المشركين فجميع ما\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٢٥) بإسناد حسن.\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٢٥).","vol":"1","page":456},{"text":"صدر منه كان معذورًا فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>العنصر الخامس: الأحداث التي وقعت بعد الصلح:</span>\nعباد الله! لما فرغ رسول اللهﷺ - من الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل واحد، قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة -﵂- فذكر لها ما لقي من الناس.\nقالت أم سلمة: يا نبي الله! أتحب ذلك، اخرج ولا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.\nفخرج - ﷺ - فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنة وحلق، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا.\n\nعباد الله! وقبل أن يرجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة جاءه نسوة مهاجرات فماذا يفعل فيهن؟\nفأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].\n\nعباد الله! وبعد أن رجع النبيﷺ - إلى المدينة جاءه رجل من قريش يقال له أبو بصير وهو مسلم، فبعثت قريش في طلبه رجلين، فأتيا النبي - ﷺ -\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧).","vol":"1","page":457},{"text":"وسألاه أن يرده عليهم فرده عليهم.\nفانطلقا به فنزلا بذي الحليفة، ومعهم أبو بصير، وأخرجا تمرًا كان معهما يأكلان منه، فبينما هم يأكلون أخرج أحدهما سيفه وأخذ يلوح به.\nفقال له أبو بصير: أرى سيفك هذا سيفًا جيدًا!\nفقال الرجل: نعم إنه كذلك، وإني قد جربته وجربته.\nفقال أبو بصير: أرنيه أنظر فيه قال الرجل: نعم خذه.\nفأخذه أبو بصير وضرب به الرجل حتى قتله، فلما رآه صاحبه يُضرب، فر مذعورًا هاربًا إلى المدينة، فدخل المسجد يعدو فلما رآه النبي - ﷺ - قال: إن هذا قد رأى ذعرًا.\nفلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول.\nفبينما هو عند رسول اللهﷺ - إذ جاء أبو بصير، فقال يا نبي الله! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، فقال النبيﷺ -: \"ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه أحد\" فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر -أي: ساحله- فعلم أبو جندل بن سهيل بن عمرو أن أبا بصير يقيم على سيف البحر، فاحتال حتى تَفَلَّتَ من قريش وأتى أبا بصير، فأقام معه على سيف البحر، وسمع رجال من المستضعفين من المسلمين من مكة أن أبا بصير وأبا جندل على سيف البحر، فخرجوا إليهم حتى كانوا عصبة، لا يسمعون بعِيْرٍ لقريش جاءت من الشام إلا خرجوا عليها، وقتلوا من فيها فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ - تناشده الله والرحم، لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي - ﷺ - إليهم فأنزل الله -﷿-: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ","vol":"1","page":458},{"text":"مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤:٢٦].\nوكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>العنصر السادس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من صلح الحديبية</span>.\nأولًا: كان صلح الحديبية فتحًا مبينًا على رسول الله - ﷺ - وعلى المسلمين، ففي عودة النبي - ﷺ - والصحابة من الحديبية نزل على رسول الله - ﷺ - الوحي بسورة الفتح.\nيقول - ﷺ - لعمر بن الخطاب: \"لقد أنزلت علي الليلة سورة لهيَ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ (١).\nيقول البراء - ﵁ - \"تعدون أنتم الفتح؛ فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية\" (٢).\n\nعباد الله! وقد اشتملت هذه السورة العظيمة على المبشرات الكثيرة\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤١٧٧).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤١٥٠).","vol":"1","page":459},{"text":"الطيبة لرسول الله - ﷺ - وللصحابة الكرام - ﵃ - ومن هذه\nالمبشرات:\n١. المغفرة من الله -﷿- لرسول اللهﷺ - ما تقدم وما تأخر من ذنبه.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ [الفتح: ١ - ٣].\n٢. تبشير المؤمنين بالجنة.\nقال تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾ [الفتح: ٥]\n٣. بشرهم بفتح خيبر.\nقال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ ..﴾ [الفتح: ٢٠].\nقيل هذه غنائم خيبر.\n٤. بشرهم الله -﷿- برضاه عنهم.\nقال تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].\n٥. بشرهم بالنصر والتمكين في الأرض وظهور هذا الدين.\nفقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى","vol":"1","page":460},{"text":"الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨].\nثانيًا: في صلح الحديبية تطبيق النبي - ﷺ - لمبدأ الشورى في الإِسلام.\nحيث استشار المسلمين في الإغارة على ذراري المشركين عندما قال لهم:\n\"أشيروا أيها الناس عليَّ\" وأخذ برأي الصديق - ﵁ - واستشار أم سلمة -﵂- في أمر الناس؛ لما لم يبادروا بالنحر والحلق حين أمرهم بعد الصلح، وأخذ - ﷺ - برأيها.\nثالثًا: وقد ظهرت معجزات النبي - ﷺ - في صلح الحديبية عندما ازداد الماء بين يديه يقول جابر - ﵁ -: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله - ﷺ - بين يديه ركوة، فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول اللهﷺ -: \"ما لكم؟ \" قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي - ﷺ - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون.\nقال جابر: فشربنا وتوضأنا.\nقال رجل لجابر: كم كنتم يومئذ؟\nقال جابر: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا كنا خمس عشرة مائةً (١).\n\nاللهم اجعل للمسلمين فرجًا ومخرجًا.\n_________\n(١) رواه البخاري (١٥٢).","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>الخطبة الثالثة والأربعون: غزوة خيبر</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة خيبر.\nعباد الله! خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، تقع على بعد ستين أو ثمانين ميلًا من المدينة من جهة الشمال، وسكانها من اليهود.\nعباد الله! ومدينة خيبر كانت حين غزاها الرسول - ﷺ - وأصحابه آخر معقل من معاقل اليهود في أرض الجزيرة.\nعباد الله! وفتح خيبر وعدًا وعده الله تعالى لرسوله - ﷺ - وللمؤمنين عند عَوْدَتِهم مِنْ صلح الحديبية، قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠].\nيعني صلح الحديبية، وبالمغانم الكثيرة خيبر.\n\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة خيبر سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>العنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين</span>.\nالعنصر الثاني: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى خيبر.\nالعنصر الثالث: أحداث الغزوة.\nالعنصرالرابع: معجزات النبي - ﷺ - في غزوة خيبر.\n\nالعنصر الأول: أسباب هذه الغزوة وموقف المنافقين:\nومن أسباب هذه الغزوة: أن اليهود في خيبر نقضوا المعاهدة التي بينهم","vol":"1","page":462},{"text":"وبين رسول الله - ﷺ -، وعقدوا حلفًا مع قريش ضد الرسول - ﷺ -، يهدف إلى تطويقه من الشمال إلى الجنوب (١).\nواليهود في خيبر هم الذين حزَّبوا الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الأحزاب، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ويهود خيبر هم الذين وضعوا خطة لاغتيال النبيﷺ -.\nفكان لا بد من التخلص من يهود خيبر، الذين هم سبب لكل شر وبلاء في أرض الجزيرة.\n\nعباد الله! وموقف المنافقين واحد لا يتغير إلا في أسلوبه وشكله فقط، وعندما خرج رسول اللهﷺ - والمسلمون إلى خيبر، أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول إلى يهود خيبر: \"أن محمدًا قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمَّد شرذمة قليلون، عُزَّلٌ لا سلاح معهم إلا قليل\".\nفلما علم ذلك يهود خيبر، أرسلوا إلى غطفان يستمدونهم -لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين- وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا المسلمين (٢).\nوصدق الله العظيم حيث قال في وصف المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩]، وقال\n_________\n(١) \"مختصر السيرة لابن هشام\".\n(٢) \"الرحيق المختوم\".","vol":"1","page":463},{"text":"﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٦٨]\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>العنصر الثاني: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى خيبر</span>.\nعباد الله! رجع النبيﷺ - من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة للهجرة، وبعد شهر واحد خرج بجيش المسلمين إلى خيبر، وهو على يقين من النصر والفتح، لما وعده الله تعالى أثناء عودته من صلح الحديبية.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ [الفتح: ١٨ - ١٩].\n\nعباد الله! وبينما يسير الجيش المسلم إلى خيبر ذات ليلة إذ قال رجل من الصحابة لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنيهاتك -وكان عامر بن الأكوع رجلًا شاعرًا- فنزل يحدو بهم وهو يقول:\nاللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nفاغفر فداءً لك ما اتقينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nوأنزلن سكينةً علينا ... إنا إذا صيح بنا أتينا\nوبالصياح عولوا علينا ... وإن أردوا فتنةً أبينا\nفقال - ﷺ -: \"من هذا السائق\" فقالوا: عامر بن الأكوع.\nفقال - ﷺ -: \"يرحمه الله\" فقال رجل من القوم: يا رسول الله وجبت -أي:","vol":"1","page":464},{"text":"أنه يرزق الشهادة بدعائك له ووجبت له الجنة- لولا أمتعتنا به\" (١).\nوكان الصحابة - ﵁ - يعرفون أن رسول الله - ﷺ - إذا استغفر لرجل منهم يخصه؛ استشهد، فعلموا أن عامر بن الأكوع سيستشهد في غزوة خيبر.\n\nعباد الله! وكان الصحابة - ﵃ - إذا صعدوا كبروا، وإذا نزلوا سبحوا (٢). فأشرفوا على واد فرفعوا صوتهم بالتكبير: الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله.\nفقال رسول اللهﷺ -: \"أربعوا على أنفسكم، أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم\" (٣).\n\nعباد الله! ولما أشرف الجيش المسلم على خيبر، قال لهم - ﷺ - \"قفوا\"، ثم تضرع - ﷺ - إلى ريه بهذا الدعاء \"اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإنا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها. ونعوذ بك من شر هذه القرية، وشر أهلها، وشر ما فيها\" (٤).\nلتعلموا يا أمة الإِسلام أن جيش الإِسلام ذاكرًا لله دائمًا في سفره وحضره.\n\nعباد الله! وصل جيش الإِسلام إلى أسوار خيبر، وباتﷺ - والمسلمون خارج خيبر، واليهود لا يشعرون، فلما أصبح النبي - ﷺ - والمسلمون صلوا\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤١٩٦)، ومسلم (رقم ٢٤٧٧).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٩٩٣).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٢٠٥)، ومسلم (رقم ٢٧٠٤).\n(٤) حسنه الألباني في \"فقه السيرة\" (ص ٣٤٠)","vol":"1","page":465},{"text":"الفجر في أول وقته، ثم دخلوا خيبر واليهود خارجون إلى مزارعهم بآلات الزراعة.\nفلما رأوا الرسول - ﷺ - والجيش قالوا: محمَّد والله، محمَّد والخميس: -أي الجيش- ثم فروا هاربين، ودخلوا حصونهم كما وصفهم الله في كتابه، فقال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٣ - ١٤].\n\nعباد الله! فلما رأى الرسول - ﷺ - ما بهم من الرعب قال: \"الله أكبر خربت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين\" (١).\nالرعب يدب في قلوب الكفار إذا كنا على ديننا، أمَّا إذا تركنا ديننا فقد أخبر النبيﷺ - \"ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن\".\nقالوا: يا رسول الله! وما الوهن؟\nقال - ﷺ -: \"حب الدنيا، وكراهية الموت\" (٢).\n\nعباد الله! وتحصنت يهود خيبر في ثمانية حصون أشدها تحصنًا هو (حصن ناعم) وكان هذا الحصن هو خط الدفاع الأول لليهود لمكانه (الاستراتيجي).\nوكان هذا الحصين هو حصن مرحب اليهودي: ملك اليهود- الذي كان يعد بالألف -أي: كان عندهم بألف رجل-\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٧١)، ومسلم (رقم ١٣٦٥).\n(٢) صحيح: مضى تخريجه.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>العنصر الثالث: أحداث الغزوة</span>.\nعباد الله! في ليلة الهجوم على خيبر، قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه مبشرًا لهم بالفتح: \"لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه\".\nفبات الناس يدكُّون -أي: يتهامسون -أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول اللهﷺ - كلهم يرجو أن يعطاها.\nفقال - ﷺ -: \"أين علي بن أبي طالب؟ \".\nفقالوا: يا رسول الله! هو يشتكي عينيه -أي: به رمد-\nفقال - ﷺ -: \"أرسلوا إليه\" فأتي به.\nفبصق رسول الله - ﷺ - في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.\nفقال علي - ﵁ -: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟\nفقال رسول الله - ﷺ - \"انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإِسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حمر النعم\" (١).\nيوجه النبي - ﷺ - الصحابة إلى أن يحرصوا على دعوة الناس إلى الإِسلام، ولا يتطلعوا إلى الغنائم التي بعد الفتح.\n\nعباد الله! أخذ علي - ﵁ - الراية، وتحرك بجيش المسلمين إلى أول حصن من حصون اليهود، ألا وهو حصن ناعم وهو من أشد حصون اليهود تحصنًا،\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٩٤٢)، ومسلم (رقم ٢٤٠٦).","vol":"1","page":467},{"text":"ويوجد فيه مرحب ملك اليهود الذي يعد بالألف.\nفدعاهم علي - ﵁ - للإسلام فرفضوا هذه الدعوة.\nوخرج ملكهم مرحب إلى ميدان القتال ودعا إلى المبارزة وهو يقول:\nأنا الذي سمتني أمي \"مرحب\" ... شاكِي السلاح (١) بطل مجرب\nإذا الحروب أقبلت تلهب\nفبرز إليه علي - ﵁ - وهو يقول:\nأنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره\nأوفيهم بالصاع كيل السندره\n-أي: اقتل الأعداء قتلًا واسعًا- فتقدم علي - ﵁ - إلى مرحب فعلاه بالسيف فقطع رقبته، ثم تقدم نحو حصون اليهود ففتحها حصنًا حصنًا، وكان الفتح على يد عليّ - ﵁ -.\n\nعباد الله! ولما اطمأن رسول الله - ﷺ - بخيبر بعد فتحها، أهديت إليه شاه فيها سم من امرأة يهودية، لتعلموا أن اليهود أهل غدر وخيانة ومكر، تعالوا بنا لنستمع إلى أبي هريرة - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر:\nيقول أبو هريرة - ﵁ - \"لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله - ﷺ - شاة فيها سم فعرف النبي - ﷺ - وقال لأصحابه: أمسكوا إنها مسمومة بعد أن مضغ النبي - ﷺ - منها مضغة.\n_________\n(١) أي تام السلاح.","vol":"1","page":468},{"text":"ثم قال - ﷺ -: \"اجمعوا من كان ها هنا من اليهود\".\nفجمعوا له: فقال لهم رسول الله - ﷺ -: إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقوني عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم.\nفقال لهم رسول اللهﷺ -: من أبوكم؟\nقالوا: أبونا فلان.\nفقال رسول اللهﷺ -: كذبتم بل أبوكم فلان- لتعلموا أن اليهود أهل الكذب-\nفقالوا: صدقت وبررت.\nفقال لهم رسول اللهﷺ -: من أهل النار؟\nفقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوننا فيها.\nفقال رسول اللهﷺ -: كذبتم، اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا.\nثم قال لهم: هل أنتم صادقوني عن شيء إن سألتكم عنه؟\nقالوا: نعم.\nفقال - ﷺ -: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟\nقالوا: نعم.\nفقال - ﷺ -: \"ما حملكم على ذلك؟ \"\nقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك\" (١)\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٩).","vol":"1","page":469},{"text":"عباد الله! ثم جيء بالمرأة التي وضعت السم في الشاة فسألها رسول الله - ﷺ -: \"لم وضعت السم في الشاة\"؟\nقالت اليهودية: أردت أن أقتلك؟\nفقال - ﷺ -: \"ما كان الله ليسلطك علي\".\nقال الصحابة - ﵃ - يا رسول الله؟ أفلا نقتلها؟ قال - ﷺ -: \"لا\" (١).\nالله أكبر، إنها والله أخلاق النبوة، العفو عند المقدرة.\n\nعباد الله! ثم عاد رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وقد فتح الله له فتحًا مبينًا، ونصره نصرًا عزيزًا، وحقق للمسلمين ما ودعهم به: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾.\n\nعباد الله! وقسّم رسولُ الله - ﷺ - هذه المغانم الكثيرة التي غنمها من يهود خيبر كما أمره الله تعالى، وأثناء القسمة أدركه مهاجره الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فضرب لهم بسهم، ولم يسهم لمن غاب عن خيبر إلا لمهاجرة الحبشة، وكان في السبي صفية بنت حيي بن أخطب فاصطفاها رسول الله - ﷺ - لنفسه، ثم دعاها إلى الإِسلام فأسلمت فأعتقها رسول الله - ﷺ - وجعل عتقها صداقها، وبنى بها، وأولم عليها بالتمر والسمن، ولم يكن في وليمتها لحم قط.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٦١٧)، ومسلم (رقم ٢١٩٠).","vol":"1","page":470},{"text":"عباد الله! ولما دخل رسول الله - ﷺ - على صفية وجد في وجهها خضرةً فقال لها - ﷺ -: \"ما هذا\"؟\nقالت: رأيت كأن القمر زال من مكانه فوقع في حجري، فذكرت ذلك لزوجي ابن أبي الحقيق اليهودي، فلطمني على وجهي؛ وقال: تمنين هذا الملك الذي بالمدينة- يقصد رسول الله - ﷺ - وأنا والله يا رسول الله لا أذكر من أمرك شيئًا (١).\nولكن هذه الرؤيا التي رأتها هي زواجها من النبي - ﷺ -.\nعباد الله! وهكذا فتح رسول الله - ﷺ - خيبر، واستراح المسلمون من غدر وخيانة اليهود، وليعلم الجميع أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>العنصر الرابع: معجزات النبي - ﷺ - في غزوة خيير:</span>\nأولًا: إخبارهﷺ - باستشهاد عامر بن الأكوع وهم في طريقهم إلى خيبر، وقد حدث ذلك.\nثانيًا: إخبارهﷺ - بأن من يأخذ الراية غدًا سيفتح الله على يديه، ففتح الله خيبر على يديه.\nثالثًا: بصق - ﷺ - في عين علي بن أبي طالب - ﵁ -، ودعا له فشفي من ألم عينيه كأنما لم يكن بها وجع.\nرابعًا: إخباره - ﷺ - بأن الشاة التي قدمت له مسمومة، عندما قالﷺ -\n_________\n(١) \"البدايهّ والنهاية\" (١٩٦، ١٩٧)، و\"زاد المعاد\" (٣/ ٣٢٧).","vol":"1","page":471},{"text":"لأصحابه \"أمسكوا فإنها مسمومة\".\nخامسًا: إخباره - ﷺ - بأن رجلًا ممن معه من الذين خرجوا إلى خيبر من أهل النار.\nيقول أبو هريرة - ﵁ -: خرجنا إلى خيبر، فقال رسول الله - ﷺ - لرجل ممن معه ممن يدعي الإِسلام: هذا من أهل النار.\nفلما كان القتال، قاتل الرجل أشد ما يكون القتال، وكثرت به الجراحات حتى كاد بعض الناس أن يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهمًا فنحر بها نفسه، فاشتد رجال إلى رسول الله - ﷺ -، فقالوا: صدق الله حديثك، انتحر فلان فقتل نفسه.\nفقال رسول اللهﷺ -: \"قم يا فلان فأذن في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن\".\nثم قال الرسولﷺ -: \"إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر\" (١).\n\nاللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٦٢)، ومسلم (رقم ١١١).","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>الخطبة الرابعة والأربعون: كُتُبُ رسول الله - ﷺ - إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم- إن شاء الله- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن كتب رسول الله - ﷺ - إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام.\n\nعباد الله! عندما قال الله -﷿- لرسوله - ﷺ - ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وقال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾\nقام رسول الله - ﷺ - بدعوة الناس إلى هذا الدين العظيم، بالليل والنهار، سرًا وعلانية، في السلم والحرب.\nففي صلح الحديبية قال رسول الله - ﷺ - عندما وصله الخبر أن قريشًا اجتمعت لمنعه من دخول مكة: \"إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا -أي قريش- ماددتهم مدة - أي: جعلت بيني وبينهم مدة يترك الحرب بيننا وبينهم فيها- ويخلّوا بيني وبين الناس\" - أي: يتركوني أدعو الناس إلى الإسلام، وهذا هو الشاهد على أن رسول الله - ﷺ - كان حريصًا على دعوة الناس إلى الإِسلام في السلم.\nوفي غزوة خيبر: قال رسول الله - ﷺ - لعلي - ﵁ -؛ عندما أعطاه الراية","vol":"1","page":473},{"text":"وأرسله إلى خيبر: \"انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم أدعوهم إلى الإِسلام\" وهذا هو الشاهد على أن رسول الله - ﷺ - كان حريصا على دعوة الناس إلى الإِسلام حتى في أيام الحرب.\n\nعباد الله! وبصلح الحديبية أمن رسول الله - ﷺ - شر أقوى أعدائه، شر قريش، وبفتح خيبر قضى رسول الله - ﷺ - على شر اليهود في الجزيرة العربية - من الشمال-، وبذلك استقرت الأوضاع في المدينة، وأمن رسول الله - ﷺ - والمسلمون على المدينة عاصمة الدولة الإِسلامية.\n\nعباد الله! عند ذلك كتب رسول الله - ﷺ - إلى ملوك ورؤساء الدول الكبرى، كفارس، والروم يدعوهم إلى الإسلام.\nعن أنس - ﵁ - \"أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله - ﷺ -\" (١).\n\nعباد الله! وكسرى هو لقب لكل مَن ملك الفرس، وقيصر هو لقب لكل مَنْ ملك الروم، والنجاشي هو لقب لكل مَنْ ملك الحبشة.\n\nعباد الله! وعندما عزم الرسول - ﷺ - على إرسال الكتب إلى الملوك والرؤساء قيل له: \"إن العجم لا يقبلون إلا كتابًا مختومًا، فاتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا ونقشه محمَّد رسول الله\" (٢).\n\"فكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمَّد سطر، ورسول سطر،\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٧٤).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٥)، ومسلم (رقم ٢٠٩٢).","vol":"1","page":474},{"text":"والله سطر\" (١).\n\"وكان رسول اللهﷺ -: يجعل هذا الخاتم في الخنصر من يده اليسرى\" (٢).\n\nعباد الله! وأول من كتب إليه من الملوك هو هرقل عظيم الروم. وهذا هو نص الكتاب: \"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام -أي بدعوة الإِسلام وهي كلمة التوحيد- أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين -الفلاحين- ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [آل عمران: ٦٤] (٣).\n\nعباد الله! وختم رسول الله - ﷺ - هذا الكتاب، وبعث به دحية الكلبي، فدفعه دحية إلى عظيم بصرى، فسلمه هرقل.\nماذا فعل هرقل عندما وصله الكتاب؟ وماذا كان رده؟\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس -﵄وهو يخبرنا الخبر من فيِّ أبي سفيان بن حرب.\nيقول ابن عباس -﵄- حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيَّ، قال -أي أبو سفيان- انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٥٨٧٨).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٠٩٥).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٧)، ومسلم (رقم ١٧٧٣).","vol":"1","page":475},{"text":"(ﷺ) -يعني صلح الحديبية- فبينما أنا بالشام إذا جئ بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى هرقل -يعني عظيم الروم- جاء به دحية الكلبي، فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل.\nفقال هرقل: هل ها هنا أحدٌ من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟\nقالوا: نعم.\nقال: -أي: أبو سفيان - فدُعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه.\nفقال: -أي هرقل- أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟\nقال: أبو سفيان: أنا -يقول أبو سفيان- فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي ثم دعا ترجمانه؟\nفقال قل لهم: إني سائل هذا الرجل -يقصد أبا سفيان- عن هذا الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني، فكذبوه ..\nقال أبو سفيان: والله لولا مخافة أن يؤثر عني الكذب، لكذبته -أي: لولا خفت أن رفقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي، ويتحدثون به في بلادي، لكذبت عليه، لبغضي إياه-\nثم قال لترجمانه: سلة كيف حسبه فيكم؟\nقال أبو سفيان: هو فينا ذو حسب.\nقال هرقل: فهل كان مِن آبائه ملك؟\nقال أبو سفيان: لا.\nقال هرقل: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟","vol":"1","page":476},{"text":"قال أبو سفيان: لا\nقال هرقل: ومن يتبعه؟ أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟\nقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.\nقال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟\nقال أبو سفيان: بل يزيدون.\nقال هرقل: هل يرتد أحد منهم عن دينه، بعد أن يدخل فيه سخطه له؟\nقال أبو سفيان: لا\nقال هرقل: فهل قاتلتموه؟\nقال أبو سفيان: نعم\nقال هرقل: كيف كان قتالكم إياه؟\nقال أبو سفيان: تكون الحرب بيننا وبينه سجالًا -يصيب منا ونصيب منه-.\nقال هرقل: فهل يغدر؟\nقال أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، -يقصد بها صلح الحدييية- قال أبو سفيان: ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه-.\nقال هرقل: فهل قال هذا القول أحد قبله؟\nقال أبو سفيان: لا.\nثم قال هرقل لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، فكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها، وسألتك: هل كان في آبائه ملك، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان في آبائه ملك، قلت: رجل","vol":"1","page":477},{"text":"يطلب ملك آبائه، وسألتك عن أتباعه: أضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم: وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، وقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطةً له، فزعمت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.\nوسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهيم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم.\nوسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أن الحرب بينكم وبينه سجال، تنالون منه وينال منكم، وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا يغدر وكذلك الرسل لا تغدر.\nوسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا.\nفقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل يأتم بقول قيل قبله.\nثم قال هرقل: بم يأمركم؟\nقال أبو سفيان: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف.\nقال هرقل: إن يكن ما تقول فيه حقًا؛ فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظنه منكم، ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - فقرأه، فإذا فيه \"بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله - ﷺ - إلى هرقل عظيم الروم\".\nسلام على ما تبع الهدى .. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم","vol":"1","page":478},{"text":"تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾. فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط -وهي الأصوات المختلطة- وأمر بنا فأخرجنا.\nفقال أبو سفيان: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة -أي: عظم أمر رسول الله - ﷺ -. إنه ليخافه ملك بني الأصفر- يعني الروم.\nقال أبو سفيان: فما زلت موقنًا بأمر رسول الله - ﷺ - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإِسلام\" (١).\n\nعباد الله! وكتب رسول الله - ﷺ - إلى كسرى ملك الفرس يدعوه إلى الإِسلام، وهذا هو نص الكتاب:\n\"بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من أَتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ًويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس\" (٢).\n\nعباد الله! عندما وصل الكتاب إلى كسرى مزقه.\n_________\n(١) تقدم قريبًا.\n(٢) قال الشيخ الألباني: حديث حسن انظر \"فقه السيرة\" (ص ٣٦٨).","vol":"1","page":479},{"text":"فلما وصل الخبر إلى رسول الله - ﷺ - قال: \"مزق الله ملكه\" (١).\nفاستجاب الله لدعاء رسوله - ﷺ - ومزق ملك كسرى، وذلك عندما قام ابنه بقتل إخوته ثم قتل والده ليرث الملك وحده ثم بعد ذلك بقليل مات هذا الابن فتمزق ملك كسرى جزاءً وفاقًا ولا يظلم ربك أحدًا.\n\nعباد الله! أما الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من كتب رسول الله - ﷺ - إلى الملوك والرؤساء فهي كثيرة جدًا منها:\nأولًا: محمَّد رسول الله - ﷺ - بُعث بالإِسلام إلى الناس كافة، والدليل على ذلك في كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].\nوالدليل على ذلك من السنة:\nقوله - ﷺ - \"فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\" (٢).\nالشاهد أرسلت للناس كافة.\nويؤخذ أيضًا من رسائله - ﷺ - إلى الملوك والرؤساء والقادة، في داخل الجزيرة وخارجها يدعوهم فيها إلى الإِسلام، ويقول: \"فإني أنا رسول الله إلى\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٦٤).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٥٢٣).","vol":"1","page":480},{"text":"الناس كافة؛ لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين\".\nثانيًا: الكذب خلقٌ قبيح في الجاهلية، وقبيح وحرام في الإِسلام. ويؤخذ هذا من قول أبي سفيان عندما سأله هرقل فقال: \"فوالله لولا الحياء مِنْ أن يأثروا على كذبًا لكذبت عليه\".\nفيا أمة الإِسلام! الكذب قبيح في الجاهلية وقبيح عند الكفار، أما يستحي المسلم الذي يصلي ويصوم أن يكذب على الله، وعلى رسول الله، وعلى الناس.\nوقد جاء الإِسلام يأمر بالصدق ويحذر من الكذب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.\nوقال - ﷺ -: \" عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر .. \" (١).\nثالثًا: المؤمن الصادق إذا تمكن الإيمان من قلبه لا يرتد عن دينه أبدًا، وإن نشر بالمناشير ومشط بأمشاط الحديد، وهذا يؤخذ من قول هرقل: \"سألتك هل يرتد أحدٌ منهم سخطة عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، والذين دخلوا في الإِسلام طمعًا في الدنيا الفانية، فهم الذين يرتدون عن دينهم، وفيهم قال تعالى لرسوله - ﷺ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٩٤)، ومسلم (رقم ٢٦٠٧).","vol":"1","page":481},{"text":"يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].\nوقال - ﷺ -: \"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا\" (١).\nأما المؤمنون الصادقون؛ فقد قال الله تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].\nوقال - ﷺ - لخباب بن الأرت - ﵁ -: \"قد كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها ثم يؤتي بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون\" (٢).\nرابعًا: الإِسلام دين الله، ومن وقف في وجه دعوة الإِسلام دمره الله،\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١١٨).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٣٦١٢).","vol":"1","page":482},{"text":"وهذا يؤخذ من رسالته - ﷺ - إلى كسرى عظيم فارس عندما مزقها فدعا عليه النبي - ﷺ - فمزق الله ملكه.\nوهذا الذي فعله الله في جميع الأمم السابقة عندما وقفت في وجه دعوة الإسلام.\nقوم نوح عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به نوح ﵇ أبادهم الله.\nعاد عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به هود ﵇ أبادهم الله.\nثمود عندما وقفوا في وجه الإِسلام الذي جاء به صالح ﵇ أبادهم الله.\nفرعون عندما وقف في وجه الإِسلام دمره الله.\nقريش عندما وقفت في وجه الإِسلام ودعوة رسول الله - ﷺ - دمرهم الله.\nفليحذر الذين يكيدون للإسلام فإن الله -﷿- يقول في كتابه، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧].\n\nاللهم دمر كلَّ من وقف في وجه الإِسلام.","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>الخطبة الخامسة والأربعون: غزوة مؤتة</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -. وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة مؤتة.\n\nعباد الله! غزوة مؤتة وقعت في السنة الثامنة للهجرة وكانت نصرًا وفتحًا للمسلمين؛ لأن الرسول - ﷺ - قال: \"فأخذ الراية خالد ففتح الله عليه\".\nغزوة مؤتة رفعت من شأن المسلمين، وقذفت الرعب في قلوب الكافرين.\n\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة مؤتة سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>العنصر الأول: سبب هذه الغزوة</span>.\nالعنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام.\nالعنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام.\nالعنصر الرابع: أحداث الغزوة.\nالعنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة.\n\nالعنصر الأول: سبب هذه الغزوة.\nسبب هذه الغزوة أن رسول الله - ﷺ - بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني -أحد أمراء قيصر إلى","vol":"1","page":484},{"text":"أرض الشام- فأوثقه رباطًا، ثم قدمه فضرب عنقه. ولم يُقتل لرسول الله - ﷺ - رسول غيره، فاشتد ذلك على رسول الله - ﷺ - حين نُقلت إليه الأخبار لأن الرسل لا يُقتلون، فجهز لغزو الروم جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>العنصر الثاني: رسول اللهﷺ - والجيش الإِسلامي في المدينة قبل التحرك إلى الشام</span>.\nعباد الله! أَمَّرَ رسول الله - ﷺ - على هذا الجيش الكبير زيد بن حارثة - ﵁ - وقال - ﷺ - للجيش: \"إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة\" (٢).\nووصى رسول الله - ﷺ - الأمير في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، وكان - ﷺ - يفعل ذلك دائمًا إذا أرسل جيشًا في سبيل الله.\nعن بريدة - ﵁ - قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا أَمَّرَ أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا .. \" الحديث (٣).\n\nعباد الله! وودع المسلمون الجيش، وسلموا على الأمراء فبكى عبد الله بن رواحة﵁ - فقالوا له: ما يبكيك يا ابن رواحة؟\nفقال: والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله\n_________\n(١) \"الرحيق المختوم\" (ص ٣٦٩)، \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٨١).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٦١).\n(٣) رواه مسلم (رقم ١٧٣١).","vol":"1","page":485},{"text":"- ﷺ - يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟\nفقال المسلمون للجيش: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين -أي: سالمين-.\nفقال عبد الله بن رواحة يرد على هذا الوداع:\nولكنني أسألُ الرحمن مغفرةً ... وضربةً ذات فرغ (١) تقذف الزَّبدا\nأو طعنةً بيدي حَرَّان مجهزة ... بحربةٍ تنفذ (٢) الأحشاء والكبدا\nحتى يُقال إذا مرَّوا على جَدثي (٣) ... يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا (٤)\n\nعباد الله! وودع النبي - ﷺ - جيش المسلمين.\nوكان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يستودع الجيش: قال \"أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>العنصر الثالث: الجيش الإِسلامي في طريقه إلى أرض الشام:</span>\nعباد الله! تحرك الجيش الإِسلامي بقيادة زيد بن حارثة - ﵁ - قاصدين أرض الشام، فلما وصلوا إلى \"معان\" - وهي مدينة معروفة على الحدود\n_________\n(١) أي ذات سعة.\n(٢) أي تخترق.\n(٣) أي قبري.\n(٤) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٨٢).\n(٥) \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٦٦).","vol":"1","page":486},{"text":"الأردنية-، وصلتهم الأخبار أن الروم قد تجهزوا لهم بمئتي ألف مقاتل لقتالهم؛ مائة ألف من الروم، ومائة ألف أخرى من نصارى العرب.\n\nعباد الله! وجيش المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل فقط، وكأن النسبة واحد إلى سبعين. وبات الجيش الإِسلامي بمعان ليلتين يتشاورون في الأمر، أيتقدمون للهجوم على عدوهم على بركة الله، معتصمين بالله، واثقين به؟ أم يبعثون إلى رسول الله - ﷺ - من يخبره الخبر فيرى رأيه، فإما أن يمدهم بمدد من عنده، وإما أن يأمرهم بأمره فيمضوا له.\nفقام عبد الله بن رواحة - ﵁ - خطيبًا في الجيش فقال: يا قوم: والله إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وإنا ما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظفر -أي نصر- وإما شهادة.\nفقال الناس: صدق والله ابن رواحه، ثم تشجعوا وتحركوا نحو العدو (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>العنصر الرابع: أحداث الغزوة:</span>\nعباد الله! وصل جيش الإسلام إلى \"مؤتة\" وعسكروا هناك، وتعبأوا للقتال في ثلاثة آلاف مقاتل، ووصل جيش الروم بقوته في مئتي ألف مقاتل يقول أبو هريرة - ﵁وهو ممن أسلموا بعد صلح الحديبية، وكانت مؤتة أول غزوة يحضرها-: \"شهدت مؤتة فلما دنا المشركون -أي الروم- رأيت ما لا قبل لأحد به، رأيت عددًا وعدة وسلاحًا وخيلًا، وديباجًا وحريرًا وذهبًا، فبرق بصري.\nفقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جُموعًا كثيرة؟\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٨٢)، \"مختصر سيرة ابن هشام\" (ص ٢١٥).","vol":"1","page":487},{"text":"قال: إي والله.\nفقال له ثابت: إنك لم تشهد معنا بدرًا، إنا لا نُنصر بالكثرة\" (١).\nوصدق ثابت - ﵁ - لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].\nوقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنفال: ٢٦].\n\nعباد الله! وهناك في \"مؤتة\" التقى الجمعان، وبدأ القتال المرير، ودخل ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين في مئتي ألف مقاتل من المشركين، معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب.\n\nعباد الله! أخذ الراية زيد بن حارثة - ﵁ - حب رسول الله - ﷺ - وجعل يقاتل بضراوة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإِسلام، فلم يزل يقاتل حتى شاط في رماح القوم -أي: سال دمه- فقتل - ﵁ -.\nثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب - ﵁ - ابن عم النبي - ﷺ -، فقاتل على فرسه الشقراء حتى أرهقه القتال، فنزل عن فرسه فعقرها -أي: ضرب قوائمها بالسيف وهي قائمة- ورفع الراية بيده، والسيف في يده الأخرى وأخذ يقاتل القوم وهو يقول:\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٤/ ٢٤٤) وعزاه للبيهقي.","vol":"1","page":488},{"text":"يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردًا شرابها\nوالروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها\nعليَّ إن لاقيتها ضِرابها\n\nعباد الله، فما زال - ﵁ - يقاتل القوم حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله فقطعت شماله، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل - ﵁ -، فعوضه الله عن يديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.\n\"ولذلك كان ابن عمر -﵄- إذا سلم على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين\" (١).\nولذلك لقب جعفر بن أبي طالب بجعفر الطيار.\n\nعباد الله، يقول ابن عمر -﵄- \"وقفت على جعفر يومئذ، وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره- يعني في ظهره\" (٢).\nوفي رواية أخرى: يقول - ﵁ - \"كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورميةٍ\" (٣).\n\nعباد الله، لما قتل جعفر بن أبي طالب أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأمير الثالث المعين بأمر رسول الله - ﷺ - فرفعها، فوجد في نفسه ترددًا عن\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣٧٠٩).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٦٠).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٤٢٦١).","vol":"1","page":489},{"text":"الاقتحام فأكرهها على النزول وقال:\nأقسمتُ يا نفسُ لتنزلنّه ... إن أجلب الناسُ وشدُّوا الرنَّه\nلتنزلنه أو لتكرهنّه ... مالي أراك تكرهين الجنة\nوقال أيضًا:\nيا نفسُ إلا تُقتلي تموتي! ... هذا حمام الموت قد صليت!\nوما تمنيت فقد أُعطيت! ... إن تفعلي فعلهما هُديت!\nثم نزل، فأتاه ابن عم له بِعَرْقٍ من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبك فقد لقيت ما لقيت، فنهس منه نهسه، ثم سمع جلبًا -أي صوتًا- فقال: وأنت في الدنيا -يعني القتال دائر بين المسلمين والمشركين وأنت يا ابن رواحة في الدنيا- ثم رمى بقطعة اللحم، وأخذ سيفه، ودخل في صفوف المشركين فقاتل حتى قتل - ﵁ -.\n\nعباد الله! تقدم ثابت بن أرقم - ﵁ - فرفع الراية وقال: يا قوم اصطلحوا على أميرٍ منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، لست لها، فاصطلح الناسُ على خالد بن الوليد - ﵁ - وكانت هذه الغزوة أول غزوة يشهدها خالد في صفوف المسلمين؛ لأنه أسلم بعد صلح الحديبية.\n\nعباد الله! أخذ خالد - ﵁ - الراية وقاتل قتالًا مريرًا.\nيقول خالدٌ - ﵁ -: \"لقد انقطعت في يدي يوم مؤته تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية\" (١)، ولذلك سماهُ رسول الله - ﷺ - يومها سيف الله،\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٦٦).","vol":"1","page":490},{"text":"قال - ﷺ -: \"فأخذها سيف من سيوف الله ففتح الله له\" (١).\n\nعباد الله! ولما كان الليل أعاد خالد بن الوليد - ﵁ - تنظيم الجيش وغير فيه وبدل، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدَّمة ساقة، والساقة مقدمة، ووضع خطة للانسحاب بالجيش في صباح اليوم التالي في عزة وكرامة دون أن يُشعر العدو أنه منسحب، فلما طلع النهار وتراءى الجمعان رأى العدو أن الجيش قد تغير وتبدّل، فقذف الله الخوف في قلوب الكفار، فظنوا أن خالدًا قد أُمِدَّ بمددٍ من المدينة لأنَّ صورة الجيش قد تغيرت، وأخذ خالد يقاتل وهو يرجع إلى الوراء بالجيش قليلًا قليلًا قليلًا، فألقى الله الرعب أيضًا في قلوب الكفار، وظنوا أن خالدًا يريدُ استدراجهم ليبيدهم، فانسحبوا قبل المسلمين، وقتل المسلمون من المشركين كثيرًا، وأوقع جيش الإِسلام بالعدو خسائر كبيرة، وولَّي العدو مهزومًا واكتفى خالد بهذه النتيجة، وآثر الانصراف بمن معه.\nوكانت النتيجة في غزوة مؤته لصالح المسلمين، وكانت نصرًا وفتحًا.\n\nعباد الله! ومن أرض المعركة بمؤته إلى المدينة حيث قام رسول الله - ﷺ - يخبر المسلمين في المدينة بنتائج المعركة.\nيقول أنس - ﵁ -: خطب النبيﷺ - فقال: أخذ الراية زيدٌ فأصيب -أي: قتل-، ثم أخذها جعفر فأصيب -أي: قتل- ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -أي: قتل- ثم أخذها خالد بن الوليد مِن غير إمرة ففتح الله له وعيناه تذرفان (٢).\n\nعباد الله! فلما جاءه من يخبره قال النبي - ﷺ -: تُخبرني أم أُخبرك؟\n_________\n(١) رواه البخاري (٤٢٦٢).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٦٢).","vol":"1","page":491},{"text":"قال: أخبرني أنت يا رسول الله؟ فأخبره بما كان، فقال الصحابيُّ: والله يا رسول الله ما نقصت مما دار حرفًا. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>العنصر الخامس: الفوائد والدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة مؤتة:</span>\nأولًا: المسلمون ينتصرون على أعدائهم في المعارك بالإِسلام العظيم الذي أكرمهم الله به، وهذا يؤخذ من قول عبد الله بن رواحة - ﵁ - عندما قال لأصحابه في غزوة مؤته: والله ما نقاتل القوم -أي العدو- بعدَّة ولا عدد ولا كثرة، والله ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فامضوا يا قوم على بركة الله، فهي والله إحدى الحسنيين: إما الظفر وإما الشهادة\".\nويؤخذ أيضًا من قول ثابت - ﵁ - لأبي هريرة عندما قال له: \"يا أبا هريرة كأنك ترى جموعًا كثيرة. قال أبو هريرة: أي والله، قال ثابت: إنك لم تشهد معنا بدرًا، إنا لا ننصر بالكثرة\".\nففي بدرٍ نصر الله المسلمين وهم قلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].\nويوم حنين أُعجب المسلمون بكثرتهم فلم تُغنِ عنهم شيئًا.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ\n_________\n(١) \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٨٤).","vol":"1","page":492},{"text":"مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].\nفالنصر من عند الله تعالى؛ ولو كان المسلمون قلة إذا رجعوا إلى دينهم ونصروا الله في أنفسهم، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ [البقرة: ٢٤٩].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].\nوقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ [محمد: ٧ - ٨].\nوقالﷺ -: \"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\" (١).\nثانيًا: رحمة النبيﷺ - بالمسلمين، ويؤخذ ذلك من حزنه وبكائه عندما نعى الأمراء الذين استشهدوا في غزوة مؤته، وعيناه تذرفان -أي تدمعان-.\n\nعباد الله! وقد تكرر ذلك منهﷺ -، يوم أرسلت إليه إحدى بناته تقول له: إن ابني قد احتُضر فاشهدنا، فردّ مع رسولِها يقول: \"إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب\".\nفأرسلت إليه تُقسمُ عليه ليأتينها، فأتاها في نفرٍ من أصحابه، فرُفع إليه\n_________\n(١) \"السلسلة الصحيحة\" (رقم ١١)، \"صحيح الجامع\" (٤١٦).","vol":"1","page":493},{"text":"الصبيّ ونفسه تقعقع، فذرفت عيناه - ﷺ - فقيل له: ما هذا يا رسول الله؟\nفقال: \"هذه رحمة، جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء\" (١).\nولما دخل - ﷺ - على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه بكى أيضًا وقال: \"إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون ولا نقول إلا ما يرضى ربنا\" (٢)، كيف لا والله -﷿- يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].\n\nعباد الله! وفي هذا دلالة على جواز البكاء والحزن على الميت من غير نياحة، ولا رفع للصوت لأن ذلك حرامٌ.\nثالثا: معجزات النبي - ﷺ - في غزوة مؤته.\nالمعجزة الأولى: أنه حين عيّن الأمراء أشار من طرفٍ خفىٍّ إلى استشهادهم حيث أمّر زيد بن حارثة ثم قال، فإن أصيب فجعفر، ثم قال: فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة.\nالمعجزة الثانية: أن الله أطلعه على كل ما دار في أرض المعركة بمؤته، وأراهُ ما كان فيها، فنعى الشهداء إلى أهليهم قبل أن يأتيه الخبر من أرض المعركة.\n\nاللهم انصر الإِسلام وأعز المسلمين.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٨٤)، ومسلم (رقم ٩٢٣).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣٠٣)، ومسلم (رقم ٢٣١٥).","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الخطبة السادسة والأربعون: الفتح الأكبر (فتح مكة)</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن الفتح الأكبر (فتح مكة).\n\nعباد الله! فتح مكة: هو الفتح الأعظم الذي أعزّ الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين، فتح مكة هو الفتح الأكبر الذي اسستنقذ الله به بلده الحرام وبيته، الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين.\nفتح مكة: هو الفتح الذي دخل النَّاس به في دين الله أفواجًا\nقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر]\nفتح مكة هو الفتح الذي تحطمت فيه الأصنام، وزهق فيه الباطل، وانكسرت رؤوس الكفر، وعلت فيه كلمة التوحيد في مكة خاصة وفي كل الدنيا عامة، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]\n\nعباد الله! وحديثنا عن فتح مكة سيكون حول العناصر التالية:\nالعنصر الأول: سبب هذا الفتح.\nالعنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - يستعد للخروج إلى مكة في سريةٍ تامةٍ.\nالعنصر الثالث: رسول الله - ﷺ - والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق.","vol":"1","page":495},{"text":"العنصر الرابع: أحداث الفتح.\nالعنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>العنصر الأول: سبب هذا الفتح</span>\nصَالَحَ النبي - ﷺ - قريشًا صلح الحديبية، وأعطاهم فيه كل ما سألوه مما يعظم حرمات الله، وكان من بنود هذا الصلح:\nأولًا: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين.\nثانيًا: من أحب أن يدخل في عقد محمَّد - ﷺ - وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزءًا من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق، وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله - ﷺ - ودخلت بنو بكر في عهد قريش.\n\nعباد الله! وظل رسول الله - ﷺ - وفيًا لقريش بعدها، ملتزمًا بكل شروط الصلح، حتى إذا كانت السنة الثامنة للهجرة عَدَتْ بنو بكر حليفة قريش على خزاعة حليفة رسول الله - ﷺ -، وقتلت منهم رجالًا، وعاونتهم قريش على هذا الاعتداء فنقضت بذلك عهدها مع رسول اللهﷺ -، وتعرف قريش أن هذا نقض صريح لصلح الحديبية، وعدوان سافرٌ على حلفاء المسلمين؛ ولذلك رأى النبي - ﷺ - أن الوقت قد حان للقضاء على قريش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>العنصر الثاني: رسول الله - ﷺ - يستعد للخروج إلى مكة في سرية تامة</span>.\nعباد الله! أصدر رسول الله - ﷺ - أمره للجيش المسلم بالتجهيز والاستعداد للخروج للغزو، ولم يُعلمهم بوجهته، وحرص - ﷺ - على السرية التامة لئلا تستعد قريش للقتال، وقد استنفر رسول الله - ﷺ - القبائل التي حول المدينة:","vol":"1","page":496},{"text":"أسلمُ وغفار وَمُزينة وجهينة وأشجع وسليم وخرج المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد.\n\nعباد الله! وقد بلغ عدد الجيش الإِسلامي عشرة آلاف مقاتل، وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة.\n\nعباد الله! ولما أجمع رسول الله - ﷺ - المسير إلى مكة، كتب أحد الصحابة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله - ﷺ - من الأمر في المسير إليهم لغزوهم، وحملت الكتاب امرأةٌ، إلا أن الوحي من السماء كان إلى رسول الله - ﷺ - أسبق من الكتاب إلى قريش، فبعث رسول الله - ﷺ - من أصحابه من أتاه بهذا الكتاب الذي بعث إلى قريش.\n\nعباد الله! تعالوا بنا إلى عليِّ بن أبي طالب - ﵁ - لنستمع إليه وهو يخبرنا الخبر: يقول عليٌّ - ﵁ -: بعثني رسول الله - ﷺ - أنا والزبير والمقداد فقال - ﷺ -: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ -مكان بين مكة والمدينة وهو من المدينة أقرب- فإن بها ظعينة -امرأة في هودج- معها كتاب من حاطب فأتوني به\".\nقال عليٌّ: فانطلقنا تتعادى (أي تجري) بنا خيلُنا حتى أتينا روضة خاخ فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي من كتابٍ، فقلنا: لتخرجنَّ الكتاب أو لنُلْقِين الثياب، فأخرجته من عِقاصِها -ضفائرها- فأتينا به رسول الله - ﷺ -، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من قريش، يخبرهم فيه ببعض أمر رسول اللهﷺ -.\nفقال رسول اللهﷺ -: \"ما هذا يا حاطب؟ \"\nفقال: يا رسول الله لا تعجل عليّ! ما فعلته كفرًا بعد الإسلام، ولا ردَّة عن الدين بعد إذ هداني اللهُ إليه، ولكني كنت امرءًا مُلصقًا في قريش ولم","vol":"1","page":497},{"text":"أكن مِن أنفسهم، وما من أحدٍ من أصحابك إلا له أهلٌ في قريش يحمون ماله وأهله، فأردت إن فاتني ذلك من النسب أن أتخذ بهذا الكتاب عندهم يدًا يحمون بها أهلي ومالي.\nفقال رسول الله - ﷺ -:\"إنه قد صَدَقكم\".\nفقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عُنق هذا المنافق.\nفقال - ﷺ -: يا عمر أو ليس قد شهد بدرًا؟\nوما يدريك لعلَّ الله قد اطلع على أهل بدرٍ فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم، فأنزل الله -﵎- في حاطب بن أبي بلتعة وكتابه الذي بعث به إلى قريش سورة الممتحنة.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١] (١).\n\nعباد الله! وهكذا أخفى الله -﵎- عن قريش خبر خروج رسوله - ﷺ - إليهم، وكذلك ما يستطيع أحد أبدًا أن يتكلم في حق حاطب الصحابي الجليل - ﵁ - لأنه شهد بدرًا وشفعت له حسنته الكبيرة بشهوده في بدر ما فعل.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٠٠٧)، ومسلم (رقم ٢٤٩٤).","vol":"1","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>العنصر الثالث: رسول الله - ﷺ - والجيش الإِسلامي في طريقهم إلى مكة وأحداث الطريق</span>.\nعباد الله! خرج رسول الله - ﷺ - بالجيش الإِسلامي من المدينة، في رمضان من السنة الثامنة للهجرة في عشرة آلاف مقاتل.\nوخرجﷺ - صائمًا، وصام الجيش معه، حتى إذا كان بالكديد- مكان بين مكة والمدينة -أفطرﷺوأظهر فِطرهُ أمام الجيش ليروه ليقتدوا به فيفطروا، فلما رأوه قد أفطر أفطروا، ومازال رسول اللهﷺ - يفطر في رمضان عام الفتح، ويقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة.\n\nعباد الله! الجيش الإِسلامي بقيادة رسول اللهﷺ - في طريقه إلى مكة.\nوفي الطريق: يلتقي العباس بن عبد المطلب عمُّ رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين، وذلك عندما خرج العباس بعياله مُهاجرًا من مكة إلى المدينة، وهو لا يدري أن رسول الله - ﷺ - قادمٌ من المدينة فلقي رسول الله - ﷺ - في الطريق فلزمه، وكان العباس مسلمًا ولكنه كان مقيمًا في مكة.\n\nعباد الله! وفي الطريق: نزل رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين في مكان بالقرب من مكة يُسمى \"مرَّ الظهران\" بالليل. فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأُوقدت النيران في معسكر يضم عشرة آلاف مقاتل، حتى أضاء منها الوادي، وفي هذه الليلة خرج أبو سفيان عظيم قريش وحكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء يلتمسون الأخبار، فلما رأوا تلك النار قال أبو سفيان: كأنها نيران عرفة، فقال حكيم بن حزام: كأنهم بنو عمرو فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من هذا.\nوبينما هم يتحدثون إذ مرَّ عليهم عيون رسول اللهﷺ - فأخذتهم إلى رسول الله - ﷺ -، فوقع ثلاثة من كبراء مكة أسرى للجيش الإِسلامي.","vol":"1","page":499},{"text":"هذا أبو سفيان الذي قال في غزوة أُحد: اعل هُبل، أبو سفيان الذي قال في غزوة أحد لنا العُزى ولا عزى لكم، فها هو بين يدي رسول الله - ﷺ - أسيرًا.\nفما تظنون أن يفعل به رسول اللهﷺ -؟ دعاه - ﷺ - طوال الليل إلى الإِسلام فأسلم أبو سفيان.\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى ابن عباس -﵄- وهو يخبرنا الخبر: يقول ابن عباس -﵄-: لما نزل رسول الله - ﷺ - \"مرَّ الظهران\"، قال العباس: والله لئن دخل رسول اللهﷺ - مكة عنوة قبل أن تستأمنه قريش لقد هلكت قريش.\nفركب العباس بغلة رسول اللهﷺ - وانطلق يبحث عن ذي حاجةٍ يأتي مكة، فيأمرهم أن يخرجوا إلى رسول الله - ﷺ - فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم مكة.\nقال العباس: فبينما أنا أسيرُ إذ سمعت صوت أبي سفيان وبُديل بن ورقاء يتحدثان.\nفقلت: أبا سفيان، فعرف صوتي فقال: العباس، فقلت: نعم.\nقال أبو سفيان: مالك فداك أبي وأمي؟ قال العباس: رسول الله والناسُ.\nقال أبو سفيان: ويحك فما الحيلة؟\nقال العباس لأبي سفيان: اركب ورائي، فركب وراءه فأتى به النبيﷺ - فأسلم.\nفقال العباس للنبي - ﷺ -: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له منه شيئًا.","vol":"1","page":500},{"text":"فقال النبي - ﷺ -: \"نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن\" (١).\nفأراد أبو سفيان أن ينصرف فيأتي أهل مكة فيخبرهم؛ فقال النبيﷺ -\nللعباس: \"يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها\".\nقال العباس: فانطلقت بأبي سفيان فحبسته حيث أمرني رسول اللهﷺ - أن أحبسه، فجعلت القبائل تمرُّ علينا قبيلةً بعد قبيلةٍ، كلما مرت قبيلة سألني أبو سفيان: من هؤلاء؟ أقول بني سُليم، يقول: ماليَ ولبني سُليم ثم تمر القبيلة فيقول من هؤلاء؟ أقول مُزينة، يقول: مالي ولمزينة، فجعلت القبائل تمرُّ قبيلة قبيلة، كلما رأى قبيلة قال: يا عباسُ من هؤلاء؟ أقول بني فلان، يقول ماليَ ولبني فلان، حتى مرَّ رسول الله - ﷺ - في كتيبته الخضراء معه الأنصار والمهاجرون لا تُرى منهم إلا الأعين فلما رآهم أبو سفيان قال: يا عباس من هؤلاء؟\nقلت: هذا رسول الله - ﷺ - معه المهاجرون والأنصار.\nقال أبو سفيان: يا عباس! ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة.\nثم قال أبو سفيان: يا عباس! لقد أصبح ملك ابن أخيك الآن عظيمًا.\nفأراد العباس أن يصحح هذه الفاهيم لأبي سفيان فقال له: يا أبا سفيان ليس الملك ولكنها النبوة؛ ليعلم الجميع أن محمدًا - ﷺ - ما جاء يومًا يبحث عن الملك ولا عن الدنيا إنما جاء بالنبوه ليدعو الناس إلى هذا الدين العظيم.\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٧٨٠) وانظر \"صحيح أبي داود\" (٢٦١١).","vol":"1","page":501},{"text":"قال العباس له: ويحك! النجاة النجاة! أدرك قومك.\nفانطلق أبو سفيان ليأتي أهل مكة ليخبرهم بخبر رسول الله - ﷺ -، فلما دخل مكة صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! إن محمدًا قد جاءكم بما لا قبل لكم به اليوم ولا طاقة.\nفأقبلت إليه هندُ بنت عتبة زوجته تأخذ بشاربه؛ وتقول: اقتلوا الأحمق، قبَّحك الله من طليعة قوم.\nفقال أبو سيفيان: يا معشر قريش لا تغرنكُم هذه ولا مقالُها، بادروا، من دخل دار أبي سفيان فهو آمنٌ.\nقالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟\nقال لهم أبو سفيان: ومن أغلق عليه داره فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد\nفهو آمن، فتفرق الناس إلى المسجد وأغلق بعضهم عليه داره\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>العنصر الرابع: أحداث الفتح</span>\nعباد الله! قسم النبي - ﷺ - جيش المسلمين إلى ميمنة وميسرة وقلب، وعين - ﷺقادة الجيش كلٌّ في مكانه.\nودخل النبي - ﷺ - مكة فاتحًا منتصرًا، مؤيدًا من الله﵎- وكانﷺ - خاشعًا لله، شاكرًا لأنعمه، يقرأ سورة الفتح، ويرجِّع في قراءتها وهو على راحلته.\n\nعباد الله! وكانت قريش قد وبَّشت أوباشًا -أي: جمعت جموعًا متفرقة من\n_________\n(١) \"البداية والنهاية\" (٤/ ٢٩٠و٢٩١).","vol":"1","page":502},{"text":"قبائل متفرقة لا أنساب بينهم- وقالت قريش: نقدِّم هؤلاء الأوباش -أي:\nنجعلهم في المقدمة- فإن أصابوا -أي انتصروا- كنا معهم، وإن أُصيبوا -أي قُتلوا- أعطينا الذي سئلنا -أي: صالحنا المسلمين-\n\nعباد الله! تعالوا بنا لنستمع إلى أبي هريرة - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر، يقول أبو هريرة: دخل رسول الله - ﷺ - مكة فنظر فرآني فقال: \"يا أبا هريرة نادِ في الأنصار لا يأتيني إلا أنصاري\".\nقال أبو هريرة: فاجتمعوا حوله، فأقاموا به.\nفقالﷺ -: \"أرأيتم إلى أوباش قريش، احصدوهم حصدًا ولا تبقوا منهم أحدًا، ووضع يمينه على شماله\".\nقال أبو هريرة: فانطلقنا فما شاء أحدٌ منا أن يقتل أحدًا منهم إلا قتله، وما فعلوا بنا شيئًا.\nفجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أُبيدت خضراء قُريش، لا قريش بعد اليوم.\nثم قال أبو سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل السجد فهو آمن، فردَّد رسول اللهﷺ - مقولة أبي سفيان -تأكيدًا وإقرارًا لها- فقالﷺ -: \"من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن\".\nفلما سمع الأنصار مقولة رسول الله - ﷺ - قالوا فيما بينهم:\nأمُّا الرجل -يعنون رسول الله (ﷺ) - فأدركته رغبة في قريته -أي: مكة- وأسرُّوها في أنفسهم، والله سميعٌ عليمٌ فأوحى الله بها إلى رسوله - ﷺ -.\nفقال - ﷺ -: \"يا معشر الأنصار! قلتم أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ \".","vol":"1","page":503},{"text":"قالوا: إي والله يا رسول الله، لقد قلنا هذا .. يعزُّ علينا أن تتركنا يا رسول الله وتقيم في أهلِك، فقال - ﷺ -: \"إن الله ورسوله يُصِّدقانكم ويعذرانكم\"، ثم قال - ﷺ - لهم: \"كلا، ما أفعل الذي ظننتم، إني رسول الله هاجرتُ إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم\".\n\nعباد الله! وأمر رسول الله - ﷺ - جيش المسلمين بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك - ﷺ - في ذلك بيده، فكان يهوي بقوسه إليها فتتساقط على الأرض تحت الأقدام وهو يقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ وكانت الأصنام ستين وثلاث مئة.\n\nعباد الله! ولطخ النبي - ﷺ - صور إبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام- وكانت هذه الصور داخل الكعبة- وقال - ﷺ -: قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام.\nولم يدخل الرسول - ﷺ - الكعبة إلا بعد أن محيت هذه الصور منها، ثم دخلﷺ - الكعبة فصلى فيها ركعتين، ثمَّ استلم الرسول - ﷺ - الحجر الأسود، وطاف بالبيت سبعًا مهللًا مكبرًا ذاكرًا شاكرًا، فلما فرغ - ﷺ - من الطواف بالبيت سبعًا، رقي الصفا فاستقبل الكعبة وهلَّل وحمد الله، وأثنى عليه، ومجَّدهُ بما هو أهله ودعا بما شاء الله أن يدعو به، ولم يطف بين الصفا والمروة لأنه لم يكن محرمًا بعمرة (١).\n\nعبادة الله! وأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن يصعد فوق ظهر الكعبة، فيؤذن\n_________\n(١) انظر \"صحيح مسلم\" (رقم ١٣٣٠)، و\"صحيح البخاري\" (رقم ٣٣٥٢).","vol":"1","page":504},{"text":"للصلاة، فصعد بلال وأذن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على آذانهم كأنهم في حُلمٍ، إن هذه الكلمات تقصف في الجو فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويِّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين، الله أكبرُ الله أكبرُ، اللهُ أكبر اللهُ أكبر.\nذلك الصوت الذي كان يهمس يومًا تحت أسواط العذاب وهو يقول: أَحدٌ أَحدٌ، ها هو اليوم يُجلجل فوق كعبة الله قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، والكل خاشعٌ منصت خاضع.\nها هي الآن كلمة التوحيد هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، فها هي الأصنام تحت الأقدام، إنها لحظة والله يبكى فيها القلب فرحًا على هذا النصر العظيم.\n\nعباد الله! ثم أخذ رسول الله - ﷺ - يبايع الناس على الإِسلام، فبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا؛ بايعهم رجالًا ونساءً صغارًا وكبارًا. وما مست يدُ رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط (١).\nوقال - ﷺللنساء: \"إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأةٍ كقولي لمئة امرأة\" (٢).\nعباد الله! فلما بايع النبيﷺالرجال والنساء على الإِسلام والسمع والطاعة لله ولرسوله - ﷺ - واستقر الأمن .. خرج - ﷺ - فدخل بيت أمِّ هانئ بنت أبي طالب بنت عمه، فاغتسل - ﷺ - ثم صلى ثماني ركعات شكرًا لله تعالى على هذا الفتح.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٢٨٨)، ومسلم (رقم ١٨٦٦).\n(٢) \"صحيح النسائي\" (٤١٩٢).","vol":"1","page":505},{"text":"وأجارت أم هانئ حموين لها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أجرنا من أجرتِ يا أمِّ هانئ\" (١).\n\nعباد الله! فلما مكن الله رسولهﷺ - من أهل مكة، واستقر الفتح أمَّنَ رسول اللهﷺ - الناس جميعًا، وعفا عنهم كلهم ولم يأخذهم بجريرتهم السابقة، إلا أربعة رجالٍ وامرأتين كانوا قد آذوه إيذاءً شَديدًا.\nفقالﷺ -: \"اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة\" فمنهم من قتل ومنهم من أسلم.\n\nعباد الله! فلما كان الغد من يوم الفتح قام النبي - ﷺ - في الناس خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه، ومجَّدهُ بما هو أهله، ثم قال: \"يا أيها الناس إن مكة حرَّمها الله، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لأحد أن يسفك فيها دمًا، ولا أن يعضد فيها شجرة، فإن أحدٌ ترخص بقتال رسَّوَل الله - ﷺ - يوم الفتح -أي بفعل رسول الله - ﷺ - فقولوا: إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أحلها الله لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب\" (٢).\n\nعباد الله! وفي فتح مكة نزلت سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من فتح مكة</span>.\nأولًا: كان فتح مكة بداية فتحٍ عظيم للمسلمين، فقد كان الناس تبعًا\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٥٧)، ومسلم (رقم ٣٣٦).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٠٤)، ومسلم (رقم ١٣٥٤).","vol":"1","page":506},{"text":"لقريش في جاهليتهم كما أنهم تبعٌ لقريش في إسلامهم، وكانت القبائل تنتظر ما يفعل رسول الله - ﷺ - مع قومه وعشيرته، فإن نصره الله عليهم دخلوا في دينه، وإن انتصرت قريش عليه يكونون بذلك قد كفوهم أمره.\nفلما نصر الله رسوله والمسلمين، وفتحوا مكة عرف الناس جميعًا أنه رسول الله صدقًا، فدخل الناس في دين الله أفواجًا. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) ..﴾.\nثانيًا: سورة النصر علامة على أجل رسول الله - ﷺ -.\nقالت عائشة - ﵂-: كان رسول الله - ﷺ - يُكثر من قوله: \"سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه\".\nفقال - ﷺ -: \"أخبرني ربي أنى سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتُها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه\"، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (١).\n\nعباد الله! وهذه السورة تسمى سورة التوديع، حيث جاءت مخبرة بقرب أجل المصطفى - ﷺ - فعن ابن عباس: قال: كان عمر يُدخلني مع أشياخ بدرٍ فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله. فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاني ذات يومٍ فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٨١٧)، ومسلم (رقم ٤٨٣ بعد ٢١٧) واللفظ له.","vol":"1","page":507},{"text":"قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾.\nفقال بعضهم: أمرنا أن نحمده ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا.\nفقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟\nقلت: هو أجلُ رسول الله - ﷺ - أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، - وذلك علامة أجلك- ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.\nفقال عمر: \"ما أعلم منها إلا ما تقولُ\" (١).\nثالثًا: التحذير من الشفاعة في حدٍ من حدود الله\nقال عروة بن الزبير: إن امرأةً سرقت في عهد رسول الله - ﷺ - في غزوة الفتح، ففزع قومُها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه.\nقال عروة: فلما كلمة أسامة فيها تلون وجه رسول الله - ﷺ -، فلما كان العشيّ قام رسول الله - ﷺ - خطيبًا فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: \"أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي محمَّد بيده، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها\" ثم أمر رسول الله - ﷺ - بتلك المرأة فقطعت يدها، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت.\nقالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله - ﷺ - (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٩٧٠).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٦٤٨).","vol":"1","page":508},{"text":"رابعًا: الكبيرة دون الشرك لا تخرج صاحبها من الإيمان وقد تكفر بالحسنة الكبيرة، وهذا يؤخذ من فعل حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - عندما أرسل كتابًا إلى قريش يخبرهم فيه بخبر رسول اللهﷺ -، وشفع له شهوده بدرًا فقالﷺ - لعمر بن الخطاب: يا عمر أو ليس قد شهد بدرًا؟ وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: \"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\".\nعقيدتنا في أصحاب الكبائر أنهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، ولا نكفرهم، ولا نخرجهم من الملة كما تفعل الخوارج.\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>الخطبة السابعة والأربعون: غزوة حُنين</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء السابع والأربعين من سيرة محمَّد - ﷺ - سيدُ الأنبياء وإمام المتقين، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة حنين.\n\nعباد الله! غزوة حنين وقعت بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وتعتبر من أكبر المعارك التي خاضها المسلمون في عصر السيرة ومن أكثرها خطورة.\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة حنين سيكون حول العناصر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>العنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين</span>.\nالعنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله - ﷺ - يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية، وأحداث الطريق.\nالعنصر الثالث: أحداث الغزوة.\nالعنصر الرابع: حكمة رسول اللهﷺ - في تقسيم الغنائم.\nالعنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من غزوة حنين.\n\nالعنصر الأول: جيش المشركين بقيادة مالك بن عوف سيد هوزان يستعد لمحاربة المسلمين:\nكان فتح مكة بمثابة الضربة القاضية للشرك والمشركين في مكة ومن حولها من قبائل العرب، ولما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وأعلى كلمته،","vol":"1","page":510},{"text":"ونصر دينه، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وخضعت قريش لرسول الله - ﷺ -؛ خافت هوازن وثقيف -وهي من أشرس وأقوى القبائل العربية- وقالوا: قد فرغ محمَّد لقتالنا، فلنغزُه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولَّوا عليهم مالك بن عوف سيد هوازن.\n\nعباد الله! وكان مالك بن عوفٍ شجاعًا مقدامًا، إلا أنه سقيمُ الرأي سيءُ المشورةِ، فلما اجتمعت قبائل العرب إليه، وجعلوا أمرهم بين يديه؛ أمرَ الناس أن يُخرجوا نساءهم وأبناءَهم وأموالهم معهم؛ ظنًّا منه أن هذه الأموال وتلك الأولاد؛ تحمل الرجال على الثبات عند اللقاء دفاعًا عنها.\n\nعباد الله! ورفض هذا الرأي أعرابيٌ كبيرٌ مُحنّك، هو دُرَيدُ بنُ الصِّمة وقال له: إنك إن نُصرت لن ينفعك إلا رجلٌ بسفيه ورمحه، وإن كانت الأخرى فُضحت في نسائِك وأَموالك، فسفَّه مالك رأيه وأصرَّ على خُطتِه.\n\nعباد الله! ووضع مالك بن عوفٍ قائد المشركين خطته لخوض المعركة ضد المسلمين على النحو التالي:\nأولًا: حشر نساء المقاتلين وأطفالهم وأموالهم خلفهم، وقصد من وراء هذا التصرف؛ دفع المقاتلين إلى الاستبسال والثبات أمام أعدائهم لأن المقاتل -من وجهة نظره- إذا شعر أن أعزّ ما يملك وراءه في المعركة، صعُبَ عليه أن يلوذ بالفرار مخلفًا ما وراءه في ميدان المعركة.\nثانيًا: رتب قومه بشكل صفوفٍ؛ قدَّم الخيل ثم المقاتِلة ثم النساء ثم الغنم ثم الإبل.\nثالثًا: رفع الروح العنوية لدى جنوده؛ بأن وقف فيهم خطيبًا يحثهم على الثبات والاستبسال وأمرهم أن يُجردوا سيوفهم، وقال لهم: \"إذا أنتم رأيتم القوم فاكِسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحدٍ عليهم\".","vol":"1","page":511},{"text":"رابعًا: وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم، وقد كادت هذه الخطة أن تقضي على قوات المسلمين لولا لطف الله -﷾- وعنايته.\nخامسًا: أمر جيشه بالمبادرة بالهجوم على المسلمين؛ لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالبًا ما يكون في مركز الضعف.\nولهذا أتت هذه الخطةُ ثمارها بعض الوقت -أي: في بداية المعركة- ثم اختلت موازين القوى- بفضل الله تعالى- ثم بثبات رسول اللهﷺ - حيث كسب المسلمون الجولة، وانتصروا على أعدائهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>العنصر الثاني: جيش المسلمين بقيادة رسول الله - ﷺ - يستعد في مكة للقضاء على بقايا الشرك والوثنية. وأحداث الطريق</span>.\nعباد الله! ولما وصلت الأخبار إلى رسول الله - ﷺ -، أن مالك بن عوفٍ -قائد المشركين- خرج بجيشٍ قوامُهُ عشرين ألفًا لقتال المسلمين بعد فتح مكة، قام رسول الله - ﷺ - بما يلي:\nأولًا: أرسل أبا حدرد الأسلمي فقال له: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا مِن علمهم، فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر (١).\nثانيًا: جهز - ﷺ - جيشًا إسلاميًا قوامه اثني عشر ألفًا، يقول أنسٌ - ﵁ -: \"لما كان يوم حنين أقبلت هوازان وغطفانُ بذراريهم ونعمهم، ومع النبي - ﷺ - يومئذٍ عشرةُ آلافٍ، ومعه الطلقاء- الذين أطلقهم النبي - ﷺ - بعد فتح\n_________\n(١) \"المستدرك\" للحاكم (٣/ ٤٨، ١٤٩).","vol":"1","page":512},{"text":"مكة وخلى سبيلهم- وهم ألفان\" (١)،\nثالثًا: وزيادة في الاحتياط وأخذًا بالأسباب، أرسل رسول الله - ﷺ - إلى صفوان بن أمية -وهو لا يزال على شركه- يستعير منه أسلحة ودروعًا، فقال له: \"أعطنا سلاحك هذا، نلقي به عدوَّنا غدًا -إن شاء الله-\".\nفقال صفوان: أغصبٌ يا محمَّد؟\nقال - ﷺ -: \"لا بل عارية مؤداةٌ\" فأعاره ثلاثين درعًا وثلاثين بعيرًا (٢).\n\nعباد الله! خرج رسول اللهﷺ - بجيش المسلمين من مكة، وفي الطريق عيون رسول الله - ﷺ - تتقدم الجيش لتأتي بأخبار العدو، وجاء رجلٌ إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنِّي انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم ونسائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: \"تِلك غنيمة المسلمين غدًا -إن شاء الله تعالى-\" (٣) وهذه بُشرى.\nوفي الطريق وجيش المسلمين يسير بهذا العدد الكبير؛ نظر المسلمون بعضهم إلى بعض والأرض قد امتلأت بهم، فقال بعضهم: لن نُغلبَ اليوم من قلةٍ، ولذلك عاتبهم الله في كتابه فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٣٣٧)، ومسلم (رقم ١٥٠٩ بعد ١٣٥).\n(٢) \"صحيح أبي داود\" (٣٠٤٥).\n(٣) \"صحيح أبي داود\" (٢١٨٣).","vol":"1","page":513},{"text":"مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].\nعباد الله! وفي الطريق وقعت مخالفة من الطلقاء -أي الذين دخلوا في الإِسلام حديثًا- تعالوا بنا لنستمع إلى أحدهم وهو يخبرنا الخبر.\nيقول الحارث بن مالك: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين ونحن حديثو عهدٍ بالجاهلية، قال: فسرنا معه إلى حنين وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرةٌ عظيمة خضراء يقال لها: ذات أنواط؛ يأتونها كل سنةٍ فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يومًا.\nقال: فرأينا ونحن نسيرُ مع رسول اللهﷺ - سدرة خضراء عظيمةُ.\nقال: فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواطٍ.\nقال رسول اللهﷺ -: \"الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ إنها السُنن لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم (١).\n\nعباد الله! معلوم أن هذا القول لم يصدر من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وإنما كان من مُسلمة الفتح، الذين أسلموا قريبًا وصدق الله إذ يقول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nفلا يستوي إيمانُ مسلمة الفتح وإيمان من سبقوهم من المهاجرين والأنصار؛ لأن مُسلمة الفتح لم ينهلوا بعدُ من المورد العذب، لم ينهلوا بعد\n_________\n(١) \"صحيح سنن الترمذي\" (١٧٧١).","vol":"1","page":514},{"text":"من الوحي، ولذلك لم يوبخهم رسول الله - ﷺ -؛ لأنَّ هذا جهلٌ لا يُكفِّرْ، ولذا لم يُكفرهم النبي - ﷺ - بقولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>العنصر الثالث: أحداث الغزوة</span>\nعباد الله! وصل الجيش الإِسلامي إلى وادي حنين، وكان مالك بن عوف -قائد جيش الشرك والوثنية حينئذ- قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وصنع كمينًا للمسلمين في الطرق والمداخل والشعاب والمضايق، وأصدر أمره للجيش بأن يرشقوا المسلمين إذا طلعوا عليهم ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحدٍ.\n\nعباد الله! وبالسَّحرِ عبأ رسول اللهﷺ - جيشه، وعقد الألوية والرايات وفرقها على الناس، وفي عماية الصبح -أي ظلامه-، استقبل المسلمون وادي حنين وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي.\nفبينما هم ينحطون إذا هم تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدَّتْ عليهم شدَّة رجلٍ واحد، فانشمر المسلمون راجعين -أي انفضوا وانهزموا- لا يلوى أحدٌ على أحدٍ، وكانت هزيمة منكرة، وشمت الأعداءُ بهزيمة المسلمين، فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر -يريد أن المسلمين هُزموا هزيمة لا قائمة لهم بعدها أبدًا-، وقال آخرُ: ألا بطل السحرُ اليوم، وقال ثالث: اليوم أدركُ ثأري من محمدٍ، اليوم أقتلُ محمدًا.\n\nعباد الله! وانحاز النبي - ﷺ - ذات اليمين وأخذ ينادي: أين أيها الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله فلا يردُ عليه أحدٌ، وركبت الإبل بعضها بعضًا وهي موليةٌ بأصحابها.\nولم يبق حول النبي - ﷺ - إلا عددٌ قليل من المهاجرين والأنصار، وأهل","vol":"1","page":515},{"text":"بيته، ورسول الله - ﷺ - تركض بغلته قبل الكفار، ويقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nيقول العباس: وأنا آخذٌ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ -، أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأمر النبيﷺ - العباس -وكان جهير الصوت- أن ينادي: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، يا أصحاب بيعة الرضوان، فأجابوا لبيك لبيك، حتى إذا اجتمع إلى رسول الله - ﷺ - نفرٌ منهم، استقبلوا العدو واقتتلوا وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى، وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر النبيﷺ - إلى ساحة القتال، وقد احتدم القتالُ فقال: \"الآن حَمِيَ الوطيسُ\" وتوجه النبيﷺ - إلى ربه بالدعاء فقال - ﷺ -:\n\"اللهم نزل نصرك\"، ثم أخذ رسول اللهﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: \"انهزموا ورب محمَّد\" وقال: \"شاهت الوجوه\" فما خلق الله إنسانًا من الكفار إلا ملأ عينيه ترابًا من تلك القبضة- وولوا من أرض المعركة مدبرين، والمسلمون يحصدونهم حصدًا-\nيقول العباس: فوالله ما هو إلا أن رماهم حتى رأيت حدَّهم كليلًا، وأمرَهم مدبرًا، وفي غزوة حنين نزل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].\n\nعباد الله! ولَّى المشركون الأدبار، واعتصموا بناحيةٍ يقالُ لها: (أوطاس) فأرسل النبي - ﷺ - في أعقابهم أبا عامر الأشعري فقاتلهم حتى قُتِلَ فأخذ","vol":"1","page":516},{"text":"الراية منه ابنُ أخيه أبو موسى الأشعري فما زال يقاتل العدو حتى بدَّد شملهم وهُزموا شر هزيمةٍ.\nومالك بن عوف- قائد المشركين يومئذ- ومن معه من رجالات قومه قرروا أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى \"الطائف\"، فيتحصنوا بحصنها تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة، فخلف العدو في أرض المعركة أربعة وعشرين ألفًا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفًا من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة آلاف من السبي (١).\n\nعباد الله! وكره رسول الله - ﷺ - أن يُقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنى يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيأخذوا ما فقدوا، ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد، فجمع النبي - ﷺ - هذه الغنائم في (الجعرانة) وعين عليها حارسًا، ثم خرج - ﷺ - بنفسه حتى أتى حصن الطائف الذي تحصن به مالك بن عوف ومن معه، وحاصرهم النبي - ﷺ - وطال الحصار، فلما طال الحصار ولم ينزلوا، رجع رسول الله - ﷺ - ومن معه من المسلمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>العنصر الرابع: حكمة رسول الله - ﷺ - في تقسيم الغنائم:</span>\nعباد الله! عاد رسول الله - ﷺ - من الطائف بجيش المسلمين إلى (الجعرانة) وفي (الجعرانة) كانت غنائم حنين الجليلة، وبدأ رسول الله - ﷺ - في تقسيم الغنائم بسياسة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب تاليفًا لقلوبهم لقرب عهدهم بالإِسلام، وعدم تمكن معاني الإيمان من قلوبهم.\n_________\n(١) انظر \"فقه السيرة\" (ص ٤٢٥) الغزالي.","vol":"1","page":517},{"text":"فأعطى مائة من الإبل لكل من عيينة بن حصن -من زعماء غطفان-، والأقرع بن حابس -من زعماء تميم-، والعباس بن مرداس، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية -من زعماء قريش (١).\n\nعباد الله! وشاع في الناس أن محمدًا - ﷺ - يُعطى عطاء من لا يخشى الفقر، فجاء الأعراب من كل مكان يسألونه، حتى اضطروه إلى مضيق وحبسوه عن المسير فتعلق رداؤه بشجرة فقالﷺ -: \"أيها الناس أعطوني ردائي فوالله لو كان لي مثل هذه العضاة -أي: الوادي- نَعَما لقسمته فيكم، لا أحبس عنكم شيئًا، ثم لا تجدونني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا\" (٢).\n\nعباد الله! وقد أثر عطاء رسول الله - ﷺ - في قلوب هؤلاء الزعماء وأتباعهم، فأظهروا الرضا بها وزادتهم رغبة في الإِسلام، ثم حَسُنَ إسلامهم جميعًا، فأبلوا في الإِسلام بلاءً حسنًا، وخدموه بأنفسهم وأموالهم إلا يسيرًا منهم.\nقال أنس - ﵁ -: \"إن كان الرجل ليُسلِمُ ما يريد إلا الدنيا، فما يُسلم حتى يكون الإِسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها\" (٣).\nوقد عبر بعض المؤلفة قلوبهم عن أثر ذلك فقال صفوان بن أمية: \"لقد أعطاني رسول الله - ﷺ - ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ\" (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ١٠٦٠).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٢٨٢١).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٣١٢).\n(٤) رواه مسلم (رقم ٢٣١٣).","vol":"1","page":518},{"text":"عباد الله! وقد تأثر بعض المسلمين -في بداية الأمر- بهذا التقسيم لأنه لم يشملهم، فكان لابدَّ من بيان الحكمة لهم من ذلك.\nفقال - ﷺ -: \"والله إني لأعطي الرجل وأدعُ الرجل، والذي أدعُ أحبُ إليَّ من الذي أُعطي، ولكن أُعطي أقوامًا لِما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"إني لأعطي رجالًا حُدثاء عهد بكفر أتألفهم\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"إني لأعطي الرجل وغيره أحبُ إلي منه مخافة أن يكبه الله\nفي النار\" (٣).\n\nعباد الله! وقد بلغ رسول الله - ﷺ - أن الأنصار وجدوا في أنفسهم؛ لعدم أخذهم شيئًا من غنائم حنين، وأن بعض أحداثهم قالوا: \"إذا كانت الشدة فنحن نُدعى، وتُعطى الغنائم غيرنا\".\nوقالوا: \"يُعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم\".\nفأمر النبي - ﷺ - سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار، فجمعهم له في قبةٍ من أُدمٍ -أي: في خيمة من جلد- فخرج رسول الله - ﷺ -، فقام فيهم خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم بي\".\nقالوا: بلى!\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٩٢٣).\n(٢) رواه البخاري.\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٧، ١٤٧٨)، ومسلم (رقم ١٥٠).","vol":"1","page":519},{"text":"قال - ﷺ -: ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟\nقالوا: وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك؟ المنُّ لله ورسوله.\nقال - ﷺ -: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصُدقتم: جئتنا طريدًا فآويناك وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمناك ومخذولًا فنصرناك ..\nفقالوا: المنُّ لله ورسوله.\nفقال - ﷺ -: أوجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده، لو أن الناس سلكوا شعبًا، وسلكت الأنصار شِعبًا لسلكت شِعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربًا، ورسوله قسمًا، ثم انصرف .. وتفرقوا .. (١).\n\nعباد الله! ولما فرغ النبي - ﷺ - من توزيع الغنائم وهو بالجعرانة، أراد أن يعتمر قبل أن يرجع؛ فأحرم بالعمرة من الجعرانة ليلًا، ووصل مكة فطاف وسعى ثم تحلل، وخرج منها ليلًا فبات بالجعرانة.\nثم عادﷺإلى المدينة وقد كان خرج منها في رمضان ودخلها في أواخر ذي القعدة.\nعباد الله! وشتان بين هذا الدخول والدخول يوم الهجرة، لقد دخلها يوم الهجرة خائفًا يترقب، وقريش قد بعثت من يأتي به حيًا أو ميتًا.\n_________\n(١) قال الشيخ الألباني: حديث صحيح \"فقه السيرة\" (ص ٣٩٦).","vol":"1","page":520},{"text":"أما اليوم فقد دخلها منصورًا نصرًا مؤزرًا، وصدقه الله وعده حيث قال له: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. قال ابن عباس -﵄-: لرادُّك ربك إلى مكة (١).\nفصدق الله رسوله وعده وردَّه إلى مكة، وفتح له غيرها، ثم عاد - ﷺ - إلى المدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>العنصر الخامس: الدروس والعظات والعبر التي تؤخد من غزوة حنين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>أولًا: التوكل على الله تعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب:</span>\nويؤخذ هذا من فعل النبي - ﷺ - في غزواته، فكان يستعد للقاء العدو بالعددِ والعُدة.\nوفي غزوة حنين استعار النبي - ﷺ - أسلحة من صفوان بن أمية، وخرج بجيش كبير.\nفلا يجوز لرجلٍ أن يُقدم على عدو دون أن يُعِدَّ العدة ويقول: أنا متوكل على الله، فرسول الله - ﷺ - سيد المتوكلين، ولكنه أخذ بالأسباب. لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nفهؤلاء الذين يتسرعون لملاقاة الأعداء -قبل أن يستعدوا إيمانيًا وماديًا- يضيعون الوقت والجهود فلابد أن يعتبروا بفعل رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>ثانيًا: الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله:</span>\nوهذا ما حدث في غزوة حنين فقال بعض المسلمين: \"لن نُهزم اليوم من قلة\"، فحجب هذا الإعجاب النصر في بداية المعركة.\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٧٧٣).","vol":"1","page":521},{"text":"قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾ [التوبة: ٢٥].\n\nعباد الله! بعد الأخذ بأسباب النصر، لابدَّ أن يعلم المسلمون أن النصر من عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣].\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].\nوقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠].\nفالمسلمون لا ينتصرون على أعدائهم بالعدد والعُدة، إنما ينتصرون بهذا الدين العظيم؛ بالإِسلام. وهذا ما قاله عبد الله بن رواحة في غزوة مؤتة، قال: \"يا معشر الناس! إن الذي تخافون منه هو الذي خرجتم له؛ الشهادة! والله ما نقاتِلهم بقوة ولا بكثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>ثالثًا: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل</span>.\nوهذا يؤخذ من دعائه - ﷺ - في غزوة حنين، عندما توجه إلى ربه وقال: \"اللهم نزل نصرك\"، فاستجاب الله له ونصره على أعدائه، ولذلك قال - ﷺ -: \"الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء\" (١).\nوقال - ﷺ -: \"ما من مسلم يدعو الله بدعوة، ليس فيها إثم ولا قطيعة\n_________\n(١) صحيح الجامع (٣٤٠٢).","vol":"1","page":522},{"text":"رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوتهُ. وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها\" (١).\nوالله -﷿- يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>رابعًا: حلمهُ - ﷺ - على جفاء وغلظة الإعراب:</span>\nيقول ابن مسعود - ﵁ -: .. فلما كان يوم حنين آثر رسول الله - ﷺ - ناسًا في القسمة .. فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عُدِل فيها، وما أُريد فيها وجه الله.\nقال: فقلت والله! لأخبرنَّ رسول الله - ﷺ -.\nقال: فأتيته فأخبرته بما قال، قال ابن مسعود: فتغير وجهه - ﷺحتى كان كالصرف.\nثم قال: \"فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله\".\nثم قال: \"يرحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر\" (٢).\nويقول أنس - ﵁ -: كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ - وعليه بُردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيٌّ فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - ﷺ -، قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال: مُر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليهﷺ -، فضحك \"ثم أمر له بعطاء\" (٣).\nوالله إنها لأخلاق النبوة.\n\nاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (٣/ ١٤٠).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٤٠٥)، ومسلم (رقم ١٠٦٢).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣١٤٩)، ومسلم (رقم ١٠٥٧).","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الخطبة الثامنة والأربعون: غزوة تبوك</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن غزوة تبوك.\n\nعباد الله! غزوة تبوك هي آخر غزوةٍ غزاها رسول الله - ﷺ - مع أصحابه، وهي أول غزوة خارج الجزيرة.\nغزوة تبوك هي: غزوة العُسرة، وذلك لأن الصحابة خرجوا إليها في قلةٍ من الظهر، وفي حرٍ شديد، حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].\nغزوة تبوك هي الفاضحة؛ لأنها كشفت عن حقيقة المنافقين، وهتكت أستارهم، وفضحت أساليبهم العدائية الماكرة، وأحقادهم الدفينة ونفوسهم الخبيثة، وجرائمهم البشعة بحق رسول الله - ﷺ - والمسلمين.\nعباد الله! وحديثنا عن غزوة تبوك سيكون حول العناصر التالية:\nالعنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها.\nالعنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك.\nالعنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك.\nالعنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>العنصر الأول: سبب هذه الغزوة وتاريخها</span>\nعباد الله! سبب غزوة تبوك هو الاستجابة لأمر الله تعالى بالجهاد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]\nوقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\nولذلك عزم رسول الله - ﷺ - على قتال الروم لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإِسلام وأهله.\nفأمر رسول الله - ﷺ - المسلمين في المدينة وغيرها بالجهاد، وأعلمهم بغزوه الروم، وكان ذلك في رجب من السنة التاسعة للهجرة\nيقول كعب بن مالك -﵁ -: \"كان رسول الله - ﷺ - قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرَّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عددًاَ كثيرًا فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أُهبة عدوِّهم، وأخبرهُم بوجهه الذي يريد\" (١).\n\nعباد الله! وقال المؤرخون: إن أسباب غزوة تبوك هو: أن الأخبار قد وصلت من الشام بأن الروم قد عزموا على غزو المدينة، فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ -، رأى أنه لا بُدَّ من أن يستنفر المسلمين للخروج لهذا العدو قبل أن ياتيهم في أرضهم.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٩٤٨)، ومسلم (رقم ٢٧٦٩).","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>العنصر الثاني: موقف المؤمنين وموقف المنافقين من غزوة تبوك</span>.\nعباد الله! كما أنَّ الشدائد تظهر نفاق المنافقين، فهي كذلك تظهر إيمان المؤمنين، وغزوة تبوك كانت في ظروف صعبة جدًا؛ حر شديدٌ، وعُسَرةٌ في الماء وقلة في المال، وطول في الطريق، فظهر فيها نفاق المنافقين، وكذلك ظهر فيها إيمان المؤمنين الصادقين.\nفعندما حثَّ النبي - ﷺ - المسلمين على الإنفاق في سبيل الله لتجهيز جيش المسلمين، جاء بعض المؤمنين الصادقين بكل ماله، ومنهم من جاء بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان - ﵁ - بألف دينار، فنثرها في حجر رسول الله - ﷺ -، فسُرَّ بذلك رسول الله - ﷺ -، وجعل يقبلها في حجره وهو يقول:\n\"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم\" (١).\n\nعباد الله! وجعل فقراء المسلمين يتصدقون بما يجدونه وإن كان يسيرًا، والمنافقون يسخرون من هؤلاء وهؤلاء، فيتهمون أهل الغنى والبذل العظيم بالرياء والسمعة! والفقراء بأن الله عن يسير صدقتهم لغني، وفضحهم الله ﷿ في كتابه.\nفقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩].\n\nعباد الله! وحاول بعض المنافقين أن يتستر خلف نفقته، ففضحهم الله -﷿-، فَرَدَّ عليهم نفقاتهم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (٣٧٠١).","vol":"1","page":526},{"text":"إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣ - ٥٤].\n\nعباد الله! وعندما أعلن رسول الله - ﷺ - النفير العام في المدينة، وكان ذلك وقت جني التمر وطيب الثمار واشتهاء الظلال، شقَّ ذلك على بعضهم، فعاتب الله الذين تباطئوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].\nوقد طالبهم الله في كتابه بأن ينفروا شبابًا وشيوخًا، وأغنياء وفقراء. بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١].\n\nعباد الله! ولقد استطاع رسول اللهﷺ - أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى.\nوحزن الفقراء من المؤمنين الصادقين لأنهم لا يملكون نفقة الخروُج إلى الجهاد.\nجاء سبعة رهطٍ من الفقراء إلى النبيﷺ - يسألونه أن يحملهم فقال: \"لا أجد ما أحملكم عليه\"، فرجعوا يبكون حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون فهذا عليَّةُ ابن زيد - ﵁ - أحد البكاءين، قام بالليل فصلى لله وبكى ثم ناجى الله -﵎- قائلا: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ولم تجعل في يدي ما أتقوى به، ولم تجعل عند رسولك ما يحملني عليه، اللهم إنِّي تصدَّقت الليلة على كل مسلم بأي مظلمة أصابني بها، في عرضي أو مالي أو جسدي، ثم أصبح بين الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أين المتصدِّق الليلة؟ \" فليقم، فقام","vol":"1","page":527},{"text":"عُلية بن زيد فأخبر رسول الله - ﷺ - الخبر فقال - ﷺ -: \"أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة\" (١).\nوفي رواية أن النبيﷺ - أخبره أنه قد غُفِرَ له (٢).\n\nعباد الله! وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة - ممن أقعدهم المرض، أو النفقة عن الخروج- إلى حد البكاء شوقًا للجهاد، وتحرجًا من القعود حتى نزل فيهم قرآن:\n﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] وقد خصَّ النبي - ﷺ - هؤلاء المتخلفين المعذورين ممن حسنت نياتهُم، واستقامت طويتهم بقوله: \"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا؛ إلا كانوا معكم: قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟!\nقال - ﷺ -: \"وهم بالمدينة، حبسهم العذر\" (٣).\nوقد حكى كعب بن مالك في حديثه الطويل إنه لم يبق بالمدينة إلا المنافقون وأهل الأعذار من الضعفاء (٤).\n_________\n(١) صحيح: انظر \"فقه السيرة\" (ص ٤٠٥)، \"البداية والنهاية\" (٥/ ٥).\n(٢) انظر \"السيرة النبوية الصحيحة\" العمري (٢/ ٥٣٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (٨/ ١٢٦).","vol":"1","page":528},{"text":"عباد الله! أما المنافقون فسلكوا مسالك شتى، فمنهم من اعتذر قبل الخروج وتعلل بالعلل الباطلة، قال تعالى عنهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾ التوبة: ٤٩]. فأذن لهم النبيﷺ - فقال الله تعالى لنبيهﷺ -: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].\nثم قال الله ﷿ لرسوله - ﷺ -: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥].\nومنهم من أخذ يثبط هِمَمَ الناس، قائلين لهم: لا تنفروا في الحرِّ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨١ - ٨٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>العنصر الثالث: أحداث في الطريق، والوصول إلى تبوك</span>\nعباد الله! في يوم الخميس من شهر رجبٍ من السنة التاسعة للهجرة، خرج رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين من المدينة، قاصدًا غزو الروم؛ واستخلف على المدينة محمَّد بن مسلمة - ﵁ - وخلَّف عليًا - ﵁ - على أهله فناله المنافقون بألسنتهم، وقالوا: ما خلَّفه إلا استثقالًا له، وتخففًا منه فسمعها عليٌّ فأخذ سلاحه وانطلق يعدو خلف رسول الله - ﷺ - حتى أتاه فقال: يا رسول الله! قال المنافقون: إنك خلَّفتني استثقالًا لي وتخفُّفًا مني فقال - ﷺ -:","vol":"1","page":529},{"text":"كذبوا، كذبوا، ارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون مِن موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي\" (١).\n\nعباد الله! وانطلق رسول الله - ﷺ - في ثلاثين ألف مقاتل عبر الصحراء إلى تبوك، وفي الطريق أصاب جيش المسلمين جوع شديد؛ لأنَّ الزمان كان زمان عُسرةٍ، فلما تجهَّزوا لم يتجهزوا بما يكفيهم، إنما تجهزوا بما وجدوا.\nيقول أبو سعيد الخدري - ﵁ -: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا- جمع ناضحٍ وهي الإبل التي يسقى عليها- فنأكل وندَّهن، فقال رسول الله - ﷺ -: \"افعلوا\"، فجاء عمر بن الخطاب - ﵁ - فقال: يا رسول الله! لا تفعل، إنهم إن فعلوا نفذ الظهر -وهو ما يُحمل عليه من الإبل- ولا يجدون ما يركبون، ولكن يا رسول الله ادعهُم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم بالبركة، فعسى الله أن يفعل.\nفدعا رسول الله (ﷺ) -أي: بساطٍ من الجلد- فبسطهُ، وأمرهم أن يأتوا بأزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكفٍ من ذرة، وآخر يجيء بكف من تمر، وثالث يجيء بكسرة خبز حتى اجتمع على النَّطع شيءٌ قليل من الزاد، فدعا النبي - ﷺ - ربَّه بالبركة في الطعام، فبارك الله لهم في الطعام فقال - ﷺ -: \"خذوا واملأوا أوعيتكم\" فملأوا أوعيتهم حتى لم يبق في الجيش وعاء إلا مُلئ.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"أشهدُ أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاكٍ فيحجبُ عن الجنة\" (٢).\n_________\n(١) أصل الحديث: متفق عليه، انظر \"البداية والنهاية\" (٧/ ٥).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٧).","vol":"1","page":530},{"text":"الله أكبر .. الله أكبر مَن الذي أطعم هذا الجيش في هذه الصحراء؟\nإنه الله -﷿- ثم ببركة دعاء النبي - ﷺ -.\n\nعباد الله! وفي الطريق أصاب الجيش عطشٌ شديد، يقول ابن عباس -﵄-: قيل لعمر بن الخطاب - ﵁ -: حدثنا عن غزوة العُسرة - وهي غزوة تبوك-، فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد -أي في حرٍّ شديد- فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطشٌ شديدٌ، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويضعُه على بطنه.\nفقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله عودك في الدعاء خيرًا فادع.\nفقال النبي - ﷺ -: \"أتحب ذلك يا أبا بكر؟ \" قال: نعم.\nفرفع رسول الله - ﷺ - يديه -أي: إلى السماء- فلم يرجعهما حتى قَالَت السماء -أي: تهيأت واستعدت للمطر- ثم سكبت الماء عليهم، فاستقوا وملأوا أوعيتهم قال عمر: ثم ذهبنا ننظر حدود المطر فرأينا أن المطر لم يتجاوز مكان الجيش (١).\nالله أكبر .. الله أكبر مَن الذي سقى هذا الجيش في هذه الصحراء؟ إنه هو الله -﷿- ثم ببركة دعاء النبي - ﷺ -.\nويقول معاذ بن جبل - ﵁ -: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام غزوة تبوك،\n_________\n(١) رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\"، وقال الهيثمي: ورجال البزار ثقات \"مجمع الزوائد\" (٦/ ١٩٤)، وقال الشيخ الألباني: حسن انظر \"فقه السيرة\" (ص ٤٠٧).","vol":"1","page":531},{"text":"فكنا نجمع الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا.\nفلما كان ذات ليلةٍ قال رسول الله - ﷺ -: \"إنكم ستأتون غدًا عين تبوك- إن شاء الله تعالى- وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتى آتي\"، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين تبضُّ بشيءٍ من ماء، فسألهما رسول اللهﷺ -: \"هل مسستما من مائها شيئًا؟ \".\nقالا: نعم. فسبَّهُما، وقال لهما ما شاء اللهُ أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع شيءٌ، وغسل رسول الله - ﷺ - فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماءٍ كثير، فاستقى الناسُ.\nفقال رسول اللهﷺ -: \"يا معاذ! يوشك إن طالت بك حياةٌ، أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا\" (١).\n\nعباد الله! وفي الطريق إلى تبوك ضلَّت ناقة رسول الله - ﷺ -. فقال رجل من المنافقين: أليس يزعم أنَّه نبي، ويخبركم عن السماء وهو لا يدري أين ناقته؟\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ رجلًا يقول: هذا محمَّد يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟\nوإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها\" فذهبوا فجاؤوا بها (٢).\n\nعباد الله! وفي الطريق مرَّ رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين على الحِجر\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٧٠٦ بعد ١٠).\n(٢) \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٣٣).","vol":"1","page":532},{"text":"- وهي ديار ثمود- فأمر النبي - ﷺ - المسلمين أن لا يدخلوا مساكنهم، وأن يُسرعوا الخطى، وأن يكونوا باكين، ونهاهم عن التزود من مياههم إلا بئر الناقة.\nعن عبد الله بن عمر -﵄- قال: لما مرَّ النبي - ﷺ - بالحِجر قال: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه - ﷺ -، وأسرع السير حتى أجاز الوادي\" (١).\nوقال - ﵁ -: \"إن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺعلى الحجر- أرض ثمود- فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردُها الناقة\" (٢).\n\nعباد الله! وهذا منهج نبويٌ كريم، في توجيه رسول الله - ﷺ - صحابته والمسلمين إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضبُ الله على الذين كذَّبوا رسوله، وأن لا يغفلوا عن مواطن العظة، ونهاهم عن الانتفاع بشيءٍ مما في ربوعها؛ حتى الماء، لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقًا للتأثر بعذاب الله.\n\nعباد الله! وصل رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين إلى تبوك، وأخبر الجيش بأن ريحًا شديدة ستهُب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم، فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تُؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول اللهﷺ -، فهبت الريح الشديدة، وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد. روى مسلم في \"صحيحه\" بإسناده إلى أبي حُميد قال: وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول اللهﷺ -: \"ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدة فلا يقم منكم أحدٌ،\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٣٣)، ومسلم (رقم ٢٩٨٠).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٣٣٧٩)، ومسلم (رقم ٢٩٨١).","vol":"1","page":533},{"text":"فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقاله\".\nفهبت ريحٌ شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء\" (١).\n\nعباد الله! وهناك في تبوك لم يلق النبي - ﷺ - وجيش المسلمين أي جُنديٍّ من جنود العدو، وألقى الله الرعب في قلوب الرومان على كثرتهم وقوة عدّتهم، فآثروا السلامة على الفناء، فجلسوا في أرضهم بالشام ولم يتحركوا أدنى مسافة للقاء رسول الله - ﷺ -.\nفقام رسول اللهﷺ - بتبوك بضعة عشر ليلة، لم يجد أدنى مقاومة وجاءت القبائل العربية المتنصرِّة حلفاء الرومان، فصالحت رسول الله - ﷺ - على الجزية، وكتب لها كتاب صُلحٍ، ثم عاد رسول الله - ﷺ - من تبوك إلى المدينة سالمًا غانمًا.\n\nعباد الله! وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب.\nفغزوة الأحزاب لم يكن فيها قتال، وغزوة تبوك لم يكن فيها قتال. غزوة الأحزاب أولها شدة وبلاء، كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].\nوغزوة تبوك أولها أيضًا شدة وبلاءٌ وعُسرة، في الظَهر والمال والماء، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ [التوبة: ١١٧].\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٧٠٦ بعد ١٠).","vol":"1","page":534},{"text":"ونهاية الأحزاب نصرٌ على الأعداء بدون قتال، وكذلك في غزوة تبوك نصرٌ على الأعداء بدون قتال، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>العنصر الرابع: العودة من تبوك إلى المدينة:</span>\nعباد الله، عاد رسول الله - ﷺ - بجيش المسلمين من تبوك إلى المدينة سالمًا غانمًا منتصرًا.\nوفي طريق العودة حاول مجموعة من المنافقين أن يغتالوا رسول الله - ﷺ -، وآذوا رسول الله والمؤمنين بألسنتهم.\nوفي هؤلاء المنافقين نزل قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ [التوبة: ٧٤]. قال ابن كثير: أن الضحاك قال: إن نفرًا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي - ﷺ - وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا نزلت فيهم هذه الآية (١).\n\nعباد الله، وفي طريق العودة، جاء رسول الله - ﷺ - خبر مسجد الضرار الذي بناهُ المنافقون بالمدينة وكانوا قد طلبوا من النبي - ﷺ - أن يُصلي فيه.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":535},{"text":"قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨].\nفأمر النبي - ﷺ - أصحابه بهدم هذا المسجد.\n\nعباد الله! لما دنا رسول الله - ﷺ - والمسلمون من المدينة قال - ﷺ -: \"هذه طابة وهذا أحدٌ جبلُ يحبنا ونحبه\" (١).\nوخرجت النساء والصبيان والولائد يستقبلن أكبر جيش خرج لقتال المشركين في عصر السيرة؛ يقلن.\nطلع البدرُعلينا ... من ثنيات الوداع\nوجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (٢)\n\nعباد الله! ودخل رسول الله - ﷺ - المدينة، فبدأ بالمسجد؛ فصلى فيه ركعتين ثم جلس للناس، فجاءه المتخلفون من المنافقين يعتذرون إليه بشتى الأعذار، ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله -﷿-.\n\nعباد الله! أما كعب بنُ مالك أحدُ ثلاثةٍ من المؤمنين الصادقين تخلَّفوا من\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٤٨١)، ومسلم (رقم ١٣٩٢).\n(٢) انظر \"زاد المعاد\" (٣/ ٥٤٩).","vol":"1","page":536},{"text":"غير عذر، فقد جاء هو وصاحباه إلى رسول الله - ﷺ - فاعترف بذنبه، فماذا قال كعب لرسول الله - ﷺ -؟ وماذا قال له رسول الله - ﷺ -. وماذا أمر بهم رسول الله - ﷺ -؟ وما هي نتيجة الصدق؟\nهذا الذي نعرفه في الجمعة القادمة -إن شاء الله تعالى-\n\nاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلًا.","vol":"1","page":537},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>الخطبة التاسعة والأربعون: قصة كعب بن مالك وصاحبيه</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع لقاء جديد من سيرة المصطفى - ﷺ -، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن قصة كعب بن مالك وصاحبيه؛ عندما تخلفوا عن غزوة تبوك.\n\nعباد الله! تكلمنا في الجمعة الماضية عن غزوة تبوك، وقد تخلف عنها ثلاثة من الصحابة وهم: كعبُ بن مالك، وهلالُ بن أُمية الواقفي، ومرارة بن الربيع العمري، والثلاثة من الأنصار المعروفين بحسن إيمانهم.\nفكعب بن مالك - ﵁ - شهد جميع الغزوات مع رسول الله - ﷺ - قبل غزوة تبوك سوى بدرٍ، وشهد أيضًا بيعة العقبة الثانية، وهلال بن أمية، ومرارةُ بن الربيع شهدا بدرًا.\n\nعباد الله! الثلاثة من المؤمنين الصادقين تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذرٍ، فلما رجع رسول الله - ﷺ - من الغزوة، جاء كل منهم إلى رسول الله - ﷺ - واعترف بذنبه، فماذا قال لهم رسول الله - ﷺ -؟ وماذا قالوا له؟ وماذا فعل بهم؟ هذا الذي نعرفه في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى-.\nتعالوا بنا عباد الله لنستمع إلى كعب بن مالك - ﵁ - وهو يخبرنا الخبر:\nيقول كعب - ﵁ -:\"لم أتخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدرٍ ولم يُعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله - ﷺ - والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة","vol":"1","page":538},{"text":"- وهي الليلة التي بايع رسول الله - ﷺ - الأنصار فيها على الإِسلام، وأن يؤوه وينصروه- حين تواثقنا على الإِسلام -أي تبايعنا عليه وتعاهدنا- يقول - ﵁ -: \"وما أُحِبُّ أن لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها -أي: أشهر عند الناس بالفضيلة-\nيقول - ﵁ -: \"وكان من خبري، حين تخلّفت عن رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قطُّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة\".\nيقول - ﵁ -: \"فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرٍّ شديدٍ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عددًا كثيرًا، فَجَلَّى للمسلمين أمرهم\" -أي كشفه وبينه وأوضحه- \"ليتأهبوا أهبة غزوهم\" -أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك- \"فأخبرهم بوجههم الذي يريد\" -أي: عرفهم جميعًا أنه يريد أن يغزو الروم- يقول - ﵁ -: \"والمسلمون مع رسول الله - ﷺ - كثيرٌ، ولا يجمعهم كتابُ حافظ- يريد بذلك الديوان- فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا يظنُّ أن ذلك سيخفى به، ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله ﷿\".\nيقول - ﵁ -: \"وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أَصَعُر -أي: أميل- فتجهز رسول اللهﷺ - والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم؛ فأرجعُ ولم أقضِ شيئًا، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمرَّ بالناس الجدُّ، فأصبح رسول الله - ﷺ - غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض منِ جهازي شيئًا، ثم غدوت فرجعتُ ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو -أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا- فهممت أن أرتحل فأدركهم، فياليتني فعلتُ، ثم لم يُقَدَّر ذلك لي.","vol":"1","page":539},{"text":"يقول - ﵁ -: \"فطفقت إذا خرجتُ في الناس، بعد خروج رسول اللهﷺ - يحزنني أني لا أرى لي أسوةً، إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق\" -أي: متهمًا - أو رجلًا ممن عذر اللهُ من الضعفاء.\nيقول - ﵁ -: \"ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: \"ما فعل كعبُ بن مالك؟ \" قال رجل منِ بني سلمة: يا رسول الله: حبسهُ بردَاهُ والنظر في عِطفيه\" -أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه- \"فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله! يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول الله - ﷺ - \".\nيقول - ﵁ -: \"فبينا هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا\" -أي: لابسا البياض- \"يَزُولُ به السَّراب فقال رسول الله - ﷺ -: \"كن أبا خيثمة\" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون\".\nقال كعب - ﵁ -: \"فلما بلغني أنَّ رسول الله - ﷺ - قد توجه قافلًا\" -أي: راجعًا- \"من تبوك، حضرني بثِّي\" -أي: حزني الشديد- \"فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول اللهﷺ - قد أظل قادمًا، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنجُ مِنه بشيءٍ أبدًا، فأجمعت صِدقهُ\" -أي: عزمت على أن أصدقه-.\nيقول - ﵁ -: \"وأصبح رسول اللهﷺقادمًا، وكان إذا قَدِمَ مِن سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءهُ المخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعًا وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله - ﷺ - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى\"، يقول - ﵁ -: \"حتى جئت، فلما سلمت تبسَّم تبسُّمَ المُغضب ثم قال:","vol":"1","page":540},{"text":"\"تعال\" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: \"ما خلّفَك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ \" -أي: اشتريت راحلتك؟ - قال - ﵁ -: \"قلتُ: يا رسول الله! إني والله! لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيتُ جدلًا\" -أي: فصاحة وقوة في الكلام- \"ولكني والله! لقد علمت لئن حدَّثتك حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يُسخطك عليَّ، وإن حدَّثتُك حديث صدق تجد عليَّ فيه\" -أي: تغضب- إني لأرجو فيه عُقبى اللهِ -أي: العاقبة الحسنة بتوبة الله عليَّ- والله! ما كان لي عذر، والله! ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسر منيِّ حين تخلفت عنك، قال رسول اللهﷺ -: \"أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللهُ فيك\"، فقمتُ\".\nيقول كعب - ﵁ -: \"وسار رجال مِن بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبًا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللهﷺ - بما اعتذر به المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك\".\nيقول - ﵁ - \"فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله - ﷺ - فأكذِّب نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لَقِيَ هذا معي من أحد قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمريُّ، وهلال بن أمية الواقِفي\".\nيقول - ﵁ -: \"فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرًا فيهما أسوة\".\nيقول - ﵁ -: \"فمضيت حين ذكروهما لي\".\nيقول - ﵁ -: \"ونهى رسول اللهﷺ - المسلمين عن كلامِنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس- أو قال تغيروا لنا- حتى تنكرت لي في","vol":"1","page":541},{"text":"نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان\"، \"وأما أنا فكنت أشبَّ القوم\" -أي: أصغرهم سنًا- \"وأجلدهم فكنت أَخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسول الله - ﷺ - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حركَ شفتيه برد السلام أم لا؛ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر\" -أي: أنظر إليه خفية- \"فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني\".\nيقول - ﵁ -: \"حتى إذا طال ذلك عليَّ من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة\" -أي: علوت سور بستانه- \"وهو ابن عمِّي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلمت عليه فوالله ما ردَّ عليّ السلام\" فقلت له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله -أي: أسألك بالله- \"هل تعلمني أحِبُّ الله ورسوله - ﷺ - فسكت، فعدتُ فناشدته فسكت، فعدت فناشدتهُ فقال: الله ورسوله أعلم.\nففاضت عيناي وتوليت حتى تسوَّرت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيٌ من نبط أهل (الشام) -أي: فلاح- ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا. فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتُها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحيُ\" -أي: أبطأ- \"إذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل فقال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها، وأرسل إلى صاحِبيَّ بمثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن","vol":"1","page":542},{"text":"أمية رسول الله - ﷺ - فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم فهل تكرهُ أن أخدمه؟ قال: لا ولكن لا يقربنك، فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول اللهﷺ - في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله - ﷺ -، وما يدريني ماذا يقول رسول الله - ﷺ - إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب\".\nيقول - ﵁ -: \"فلبثت بذلك عشر ليالٍ، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منَّا، قد ضاقت على نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سَلْع\" -وهو جبل بالمدينة- \"يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء الفرج\".\nيقول - ﵁ -: \"فآذن رسول الله - ﷺ - الناس بتوبة الله - ﷿ - علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا\".\nيقول - ﵁ -: \"فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرُني نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشراه، والله! ما أملك غيرهما يومئذ\".\nيقول - ﵁ -: \"واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمَّم رسول اللهﷺ - يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي:\nلتهنِكَ توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس حوله الناس، فقام طلحةَ بن عبيد الله - ﵁ - يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، فكان كعب لا ينساها لطلحة يقول - ﵁ -: \"فلما سلمتُ على رسول اللهﷺ - قال وهو يبرق وجهه من السرور:","vol":"1","page":543},{"text":"أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك\" فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: \"لا بل من عند الله ﷿\" يقول - ﵁ -: \"وكان رسول الله - ﷺ - إذا سُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه\".\nيقول - ﵁ -: \"فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنْخَلِعَ من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله\" -أي: أخرجه في سبيل الله- \"فقال رسول الله - ﷺ -: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\"، قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله! إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحدِّث إلا صِدقًا ما بقيتُ\".\nيقول - ﵁ -: \"فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى\" -أي: أنعم عليه- \"في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لِرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله تعالى به، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله - ﷺ - إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي\".\nثم قال - ﵁ -: \"فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة:١١٧:١١٩].\nيقول كعب - ﵁ -: \"والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطُّ بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - ﷺ -؛ أن لا أكون كذبته فأهْلِكَ كما هلك الذين كذبوا.","vol":"1","page":544},{"text":"إن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] (١).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من قصة كعب بن مالك وصاحبيه فمنها:\nأولًا: الصدق سفينة النجاة.\nعباد الله! عليكم بالصدق فإنه ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة.\nففي الدنيا: نجا كعب بن مالك بالصدق هو وصاحباه.\nوفي الآخرة: قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩].\n\nعباد الله! عليكم بالصدق، فهو طريق إلى الجنة، قال - ﷺ -: \"عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة\" (٢).\nثانيًا: بعد الكرب والشدة يأتي الفرج، فهذا كعب بن مالك بعد أن ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، جاء الفرج فسمع صارخًا يصرخ: يا كعب بن مالك! أبشر فخر ساجدًا لله وقال: قد جاء الفرج.\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤١٨)، ومسلم (رقم ٢٧٦٩).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٠٩٤)، ومسلم (رقم ٢٦٠٧).","vol":"1","page":545},{"text":"والرسول - ﷺ - يقول لابن عباس: \"واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا\" (١).\nثالثًا: أعداء الإِسلام يتربصون بنا الدوائر، ويرصدون ما وقع بين المسلمين، فانظروا في اللحظة المناسبة أرسل ملك غسان إلى كعب بن مالك يطلبه: \"الحق بنا نواسك\".\nرابعًا: التأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف أنه كان فعله، لقول كعب بن مالك: \"فياليتني فعلت\".\nخامسًا: ردّ الغيبة عن المسلم، لقول معاذ بن جبل: \"بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا\".\nسادسًا: الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.\nسابعًا: يُشرع لمن بُشر بنعمة ما يلي:\n- سجود الشكر كما فعل كعب بن مالك - ﵁ - عندما بشروه بتوبة الله عليه.\n- مكافأة الذي يحملُ البشرى: فقد نزع كعب ثوبيه اللذين كان يلبسها، فكساهما الذي سمع صوته بالبشرى، وما كان يملك وقتئذ غيرهما.\n- التصدق بالمال:\nكما فعل كعب بن مالك - ﵁ - فقد تصدق ببعض ماله.\nثامنًا: خير أيام العبد على الإطلاق وأفضلها؛ يوم توبته إلى الله، وقبول\n_________\n(١) صحيح: \"رياض الصالحين\" تحقيق الألباني.","vol":"1","page":546},{"text":"الله توبته، لقول النبيﷺ -: \"أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك\".\nتاسعًا: استحباب بكاء الإنسان على نفسه إذا وقعت منه معصية، وهذا ما وقع من كعب بن مالك وصاحباه.\nعاشرًا: في الحديث عظم أمر المعصية يقول الحسن البصري -﵀- \"يا سبحان الله ما أكل هؤلاء الثلاثة مالًا حرامًا، ولا سفكوا دمًا حرامًا، ولا أفسدوا في الأرض، أصابهم ما سمعتم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟ \".\n\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>الخطبة الخمسون: حجة الوداع</span>\nأيها الإخوة عباد الله! موعدنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الخمسين من سيرة حبيب رب العالمين محمَّد - ﷺ -، النبي الأمين، وحديثنا في هذا اللقاء سيكون عن حجة الوداع.\n\nعباد الله! حجة الوداع كانت في السنة العاشرة للهجرة، واتفق العلماء على أن النبي - ﷺ - لم يحج بعد هجرته إلى المدينة، سوى حجةٍ واحدةٍ وهي حجة الوداع.\n\nعباد الله! وفي حجة الوداع؛ ودّع النبي - ﷺ - أمته وأصحابه فقال لهم: \"خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه\".\n\nعباد الله! كيف حج النبي - ﷺ -.\nتعالوا بنا لنستمع إلى جابر بن عبد الله - ﵁ -، وهو يصف لنا حجة النبي - ﷺ -، يقول جابر - ﵁ -:\nإن رسول الله - ﷺ - مكث بالمدينة تسع سنين لم يحُجَّ، ثم أذّنَ في الناس في العاشرة: أن رسول الله - ﷺ - حاجٌّ هذا العام.\nفقدم المدينة بشر كثير (وفي رواية: فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلًا إلا قدم) فتدارك الناس ليخرجوا معه، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - ﷺ - ويعمل مثل عمله.\nوقال جابر - ﵁ -: سمعت- قال الراوي: أحسبه رفع إلى النبي - ﷺ - (وفي رواية قال: خطبنا رسول الله - ﷺ -) فقال: \"مُهَلّ أهل المدينة من ذي الحليفة","vol":"1","page":548},{"text":"ومهل أهل الطريق الآخر الجُحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق -أي: مكان بالبادية، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة- ومهل أهل اليمن من يلَملَم\".\nقال جابر - ﵁ -: فخرج رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع وساق هديًا: فخرجنا معه معنا النساء والولدان: حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عمش محمَّد بن أبي بكر.\nفأرسلت إلى رسول الله - ﷺ -: كيف أصنع؟\nفقال: اغتسلي واستثفري -وهو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشى قطنًا وتوثق طرفِها في شيء تشده على وسطها فتمنع بذلك سيل الدم- بثوب وأحرمي.\nفصلى رسول الله - ﷺ - في المسجد وهو صامت -يعني أنه لم يُلب بعدُ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>الإحرام:</span>\nثم ركب القصواء- وهي ناقته - ﷺ - حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالحج -أي رفع صوته بالتلبية- (وفي رواية: أفرد الحج) هو وأصحابه. قال جابر: فنظرت إلى مدِّ بصري -أي: منتهى بصري- من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللهﷺ - بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وماعمل به من شيء عملنا به.\nفأهل بالتوحيد: \"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك\".","vol":"1","page":549},{"text":"وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، (وفي رواية: ولبى الناس والناس يزيدون لبيك ذا المعارج لبيك ذا الفواضل، فلم يرد رسول الله - ﷺ - عليهم شيئًا منه.\nولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته.\nقال جابر: ونحن نقول لبيك اللهم لبيك بالحج: نصرخ صراخًا لسنا ننوي إلا الحج مفردًا: لا تحلطه بعمرة: (وفي رواية: لسنا نعرف العمرة) وفي أخرى: أهللنا أصحاب النبيﷺ - بالحج خالصًا ليس معه غيره، خالصًا وحده).\nقال: وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بـ \"سرِف\" -أي: موضع قرب التنعيم- عرُكت أي: حاضت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>دخول مكة والطواف:</span>\nقال جابر - ﵁ - حتى إذا أتينا البيت معه صبح رابعة مضت من ذي الحجة، (وفي رواية: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى).\nفأتى النبي - ﷺ - باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد.\nاستلم الركن (وفي رواية: الحجر الأسود).\nثم مضى عن يمينه.\nفرمل حتى عاد إليه ثلاثًا -والرملُ هو إسراعُ المشي مع تقارب الخطا- ومشى أربعًا على هينته.\nثم نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، ورفع صوته يُسمعُ الناس.","vol":"1","page":550},{"text":"فجعل المقام بينه وبين البيت [فصلى ركعتين].\nقال: فكان يقرأ في الركعتين: (قل هو الله أحد) و(قل يا أيها الكافرون) (وفي رواية \"قل يا أيها الكافرون\" و\"قل هو الله أحد\").\nثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصب على رأسه ثم رجع إلى الركن فاستلمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>الوقوف على الصفا والمروة</span>\nثم خرج من الباب (وفي رواية: باب الصفا) إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدًا (وفي رواية: نبدأ) بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت.\nفاستقبل القبلة فوحد الله وكبره ثلاثًا وحمده وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت] وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك، وقال مثل هذا ثلاث مرات.\nثم نزل ماشيًا إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه -أي انحدرت- في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا -يعني قدماه- الشق الآخر مشى حتى أتى المروة فرقى عليها حتى نظر إلى البيت.\nففعل على المروة كما فعل على الصفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>الأمر بفسخ الحج إلى العمرة</span>\nحتى إذا كان آخر طوافه (وفي رواية: كان السابع) على المروة. فقال: يا أيها الناس: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة.","vol":"1","page":551},{"text":"فمن كان منكم معه هدي فليحل وليجعلها عمرة، (وفي رواية: فقال: أحلوا من إحرامكم، فطوفوا بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا، وأقيموا حلالًا. حتى إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة).\nفقام سراقة بن مالك بن جعُشمُ (وهو في أسفل المروة:) فقال: يا رسول الله أرأيت عمرتنا (وفي لفظ: متعتنا:) هذه: ألعامنا هذا أم لأبد الأبد: قال: فشبك رسول الله - ﷺ - أصابعه واحدة في أخرى وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد، ثلاث مرات قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أو فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل إذن؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.\n(قال جابر: فأمرنا إذا حللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية كل سبعة منا في بدنة فمن لم يكن معه هدي، فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله.\nقال: فقلنا: حل ماذا؟ قال: الحل كله قال: فَكَبُرَ ذلك علينا، وضاقت به صدورنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>النزول في البطحاء</span>\nقال: فخرجنا إلى البطحاء، قال: فجعل الرجل يقول: عهدي بأهلي اليوم.\nقال: فتذاكرنا بيننا فقلنا: خرجنا حجاجًا لا نريد إلا الحج، ولا ننوي غيره، حتى إذا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا أربع (وفي رواية: خمس ليال أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المنى من النساء، قال: يقول","vol":"1","page":552},{"text":"جابر بيده، (قال الراوي): كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فما ندري أشيء بلغه من السماء. أم شيء بلغه من قِبل الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>خطبته - ﷺ - بتأكيد الفسخ وإطاعة الصحابة له</span>.\nفقام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: أبالله تعلموني أيها الناس قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، افعلوا ما آمركم به فإني لولا هديي لحللت كما تحلون ولكن لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فحلوا.\nقال: فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وسمعنا وأطعنا. فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي.\nقال: وليس مع أحد منهم هدي غير النبيﷺ - وطلحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>قدوم علي من اليمن مهلًا بإهلال النبي - ﷺ </span>-\nوقدم علي من سعايته من اليمن ببدُن النبي - ﷺ -.\nفوجد فاطمة -﵂- ممن حل: ترجلت ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟!، فقالت: إن أبي أمرني بهذا قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللهﷺ - محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيًا لرسول الله - ﷺ - فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا فقال: صدقت، صدقت، صدقت أنا أمرتها به.\nقال جابر: وقال لعلي: ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":553},{"text":"قال: فإن معي الهدي فلا تحل، وامكث حرامًا كما أنت.\nقال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي - ﷺمن المدينة مائة بدنة.\nقال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - ﷺ - ومن كان معه هدي-\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>التوجه إلى مِنى محرمين يوم الثامن وهو يوم التروية:</span>\nفلما كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر توجهوا إلى مني فأهلوا بالحج من البطحاء.\nقال: ثم دخل رسول الله - ﷺ - على عائشة -﵂- فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حل الناس ولم أحلِلْ، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي ففعلت (وفي رواية: فنسكت المناسك كلها غير أنها لم تطف بالبيت.\nوركب رسول الله - ﷺ - وصلى بها (يعني مني، وفي رواية: بنا) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.\nثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس.\nوأمر بقبة له من شعر تضرب له بنمرة -وهو موضع بجانب عرفات وليس من عرفات-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>التوجه إلى عرفات والنزول بنمرة:</span>\nفسار رسول الله - ﷺ - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة ويكون منزله ثم كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز -أي","vol":"1","page":554},{"text":"جاوز المزدلفة ولم يقف بها- رسول الله - ﷺ - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد\nضربت له بنمرة فنزل بها.\nحتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فركب حتى أتى بطن الوادي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>خطبة عرفات</span>\nفخطب الناس وقال:\n\"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعد إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك وأديت ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم أشهد، اللهم أشهد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>الجمع بين الصلاتين والوقوف على عرفة:</span>\nثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا.","vol":"1","page":555},{"text":"ثم ركب رسول الله - ﷺ - القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصَّفرة قليلًا حتى غاب القُرصُ، وأردف أسامة خلفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الإفاضة من عرفات</span>\nودفع رسول الله - ﷺ - (وفي رواية: أفاض وعليه السكينة) وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورِك رحله -وهو قطعة أدمٍ يتورك عليها الراكب تجعل في مقدم الرحل، شبه المخدة الصغيرة- ويقول بيده اليمنى \"أيها الناس! السكينة السكينة .. \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>الجمع بين الصلاتين في المزدلفة والبيات بها:</span>\nحتى أتي المزدلفة فصلى بها، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع رسول الله - ﷺ - حتى طلع الفجر.\nوصلى الفجر حين تبين له الفجر، بأذان وإقامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>الوقوف على المشعر الحرام</span>\nثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام.\nفاستقبل القبلة، فدعا (وفي لفظ: فحمد الله) وكبره وهلله ووحده. فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا. وقال: وقفت ها هنا، والمزدلفة كلها موقف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>الدفع من المزدلفة لرمي الجمرة</span>\nفدفع من جمع قبل أن تطلع الشمس وعليه السكينة.\nوأردف الفضل بن عباس- وكان رجلًا حسن الشعر أبيض وسيمًا-.\nفلما دفع رسول الله - ﷺ - مرت به ظعن تجرين- الظعينة البعير الذي عليه","vol":"1","page":556},{"text":"امرأة، ثم سمى به المرأة مجازًا لملابستها البعير- فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله - ﷺ - يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر، فحول رسول الله - ﷺ - يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهة من الشق الآخر.\nحتى أتى بطن محسر، فحرك قليلًا وقال: عليكم السكينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>رمي الجمرة الكبرى</span>\nثم سلك الطريق الوسطى التي تخرجك على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها ضحى بسبع حصيات.\nيكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف.\nرمى من بطن الوادي وهو على راحلته وهو يقول: لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه.\nقال جابر - ﵁ - ورمى بعد يوم النحر في سائر أيام التشريق إذا زالت الشمس.\nولقيه سراقة وهو يرمي جمرة العقبة، فقال: يا رسول الله، ألنا هذه خاصة؟ قال: لا، بل لأبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>النحر والحلق</span>\nثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنه بيده.\nثم أعطى عليًا فنحر ما غبر يقول: ما بقي، وأشركه في هديه.\nثم أمر من كل بدنه ببضعة -وهي القطعة من اللحم- فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها.","vol":"1","page":557},{"text":"(وفي رواية قال: نحر رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة).\n(وفي أخرى قال: فنحرنا البعير، عن سبعة، والبقرة عن سبعة).\n(وفي رواية خامسة عنه قال: فاشتركنا في الجزور سبعة، فقال له رجل: أرأيت البقرة أيشترك؟ فقال: ما هي إلا من البدن).\n(وفي رواية: قال جابر: كنا لا نأكل من البدن إلا ثلاث مني، فأرخص لنا رسول الله - ﷺ -، قال: \"كلوا وتزودوا\". قال: فأكلنا وتزودنا حتى بلغنا بها المدينة.\nرفع الحرج عمن قدم شيئًا من المناسك أو أخر يوم النحر.\n(وفي رواية: نحر رسول الله - ﷺ - فحلق.\nوجلس بمنى يوم النحر للناس، فما سئل يومئذ عن شيء قدم قبل شيء إلا قال: \"لا حرج، لا حرج\".\nحتى جاءه رجل فقال: حلقت قبل أن أنحر؟ قال: \"لا حرج\".\nثم جاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي؟ قال: \"لا حرج\".\nثم جاءه آخر فقال: طفت قبل أن أرمي؟ قال: \"لا حرج\".\nقال آخر: طفت قبل أن أذبح، قال: \"اذبح ولا حرج\".\nثم جاءه آخر فقال: إني نحرت قبل أن أرمي؟ قال: \"ارم\".\nثم قال نبي الله - ﷺ -: قد نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة\nطريق ومنحر فانحروا في رحالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>خطبة النحر</span>\nوقال جابر - ﵁ -: خطبنا - ﷺ - يوم النحر فقال: أي يوم أعظم حرمة؟ فقالوا: يومنا هذا، قال: فأي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: شهرنا هذا، أي بلد أعظم","vol":"1","page":558},{"text":"حرمة؟ قالوا بلدنا هذا، قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الإفاضة لطواف الصدر:</span>\nثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت فطافوا ولم يطوفوا بين الصفا والمروة فصلى بمكة الظهر، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: \"انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم\" فناولوه دلوًا فشرب منه (١).\n\nعباد الله! أما الدروس والعظات والعبر التي تؤخذ من حجة الوداع فهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>أولًا: تحديد مصدر التلقي</span>، ففي حجة الوداع، حدد النبيﷺ - مصدر التلقي الذي يجب على الأمة أن ترجع إليه، وذلك عندما قال لهم: \"خذوا عني مناسككم\"، وقال لهم: \"تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمت به؟ كتاب الله\".\nعباد الله! وكما قال - ﷺ - في الحج قال في الوضوء: \"من توضأ نحو وضوئي هذا\" وقال أيضًا في الصلاة: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\".\nفعلى الأمة أن تأخذ دينها من الكتاب والسنة، حتى لا تضل عن الصراط المستقيم لقوله - ﷺ -: \"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي\".\nوعلى المسلمين أن يفهموا الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة؛ أصحاب محمَّد - ﷺ - ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ\n_________\n(١) \"حجة النبيﷺ - كما رواها جابر - ﵁ -\" للشيخ الألباني.","vol":"1","page":559},{"text":"الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nوقال - ﷺ -: \"وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي\".\nوقال - ﷺ -: \"إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>ثانيًا: قطع الصلة بالجاهلية، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي:</span>\nوهذا يؤخذ من قوله - ﷺ -: \"ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع؛ دماء الجاهلية موضوعة .. وربا الجاهلية موضوع\". فيجب على الأمة الإِسلامية أن تبتعد عن أمور الجاهلية؛ لتعيش في ظل الإِسلام كاملًا، والتبرج يا عباد الله من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والحكم بغير ما أنزل الله من أمور الجاهلية، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ..﴾ والفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة من أعمال الجاهلية قال - ﷺ -: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن؛ الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>ثالثًا: الوصية بالنساء</span>\n_________\n(١) \"صحيح \"الجامع\" (٨٩٦).","vol":"1","page":560},{"text":"وهذا يؤخذ من قوله - ﷺ - في خطبته: \"فاتقوا الله في النساء\".\n\nعباد الله! كان النبي - ﷺ - يوصي دائمًا بالنساء فيقول: \"استوصوا بالنساء خيرًا\"، وفي آخر أيامه وهو في فراش الموت يقول: \"الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم\" والله -﷿- وصى بالنساء فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nفيجب على المسلمين أن يتقوا الله في النساء؛ لأن النبيﷺ - حذر من الاعتداء على المرأة، فقال - ﷺ -: \"اللهم إني أحرج حق الضعيفين؛ المرأة واليتيم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>رابعًا: من مات في الحج محرمًا يبعث يوم القيامة ملبيًا</span>.\nقال ابن عباس -﵄-: بينما رجل واقف مع رسول الله - ﷺ - بعرفة، إذ وقع عن راحلته فأوقصته، أو قال فأقعصته -أي: قتلته في الحال- فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: \"اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه -أي: لا تضعوا عليه من الطيب شيئًا- ولا تخمروا رأسه -أي: لا تغطوا رأسه- فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا\" (٢).\n\nاللهم ارزقنا علمًا نافعًا\n_________\n(١) صحيح \"رياض الصالحين\" (٢٧٥) تحقيق الألباني.\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٦٥)، ومسلم (رقم ١٢٠٦).","vol":"1","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>الخطبة الحادية والخمسون: وفاةُ الرسول - ﷺ </span>-\nعباد الله! وموعدُنا في هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع اللقاء الحادي والخمسين من سيرة حِبيبِ ربِّ العالمين محمدٍ - ﷺ - النبي الأمين، وهذا هو اللقاءُ الأخير، وحديثنُا في هذا اللقاءِ سيكونُ عن وفاة رسول الله - ﷺ -.\n\nعباد الله! رسولُ الله - ﷺ - الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.\nوالذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور.\nوالذي ختم اللهُ به الأنبياءَ والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول بعده.\nوالذي قال الله له ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ أو قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فنشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهدَ في سبيل دينه حتى أتاهُ اليقين، وترك أمته على المحجةِ البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك أو ضالُ.\n\nعباد الله! رسولُ الله - ﷺ - الذي قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠]\nوالذي قال الله له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].","vol":"1","page":562},{"text":"وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.\nرسول الله - ﷺ - الذي قال له جبريل ﵇: \"يا محمَّد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه\" (١).\n\nعباد الله! بعد أن فتح رسولُ الله - ﷺ - مكة وأرسل إلى ملوك ورؤساء الدول الكبرى يدعوهم إلى الإِسلام، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجًا؛ أخذ رسول الله - ﷺ - يشير إلى اقتراب أجله، وُيعرضُ بقرب أجله.\nفقبل حجة الوداع، خرج رسول الله - ﷺ - مع معاذ بن جبل - ﵁ - يودعه ويوصيه عندما بعثه إلا اليمن، ومعاذ راكب ورسول الله - ﷺ - يمشي تحت راحلته، فلما فرغ - ﷺ - قال: \"يا معاذ، إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري\".\nفبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله - ﷺ -، ثم التفت - ﷺ - فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: \"إن أولى الناس بي المتقون؛ من كانوا وحيث كانوا\" (٢).\nووقع ما أشار إليه رسول الله - ﷺ -، فإن معاذًا أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع، ثم كانت وفاة النبي - ﷺ - حجة الوداع، ومعاذ باليمن.\nوكان - ﷺ - يعتكف كل سنة عشرًا في شهر رمضان، فاعتكف في السنة الأخيرة عشرين ليلة، وكان جبريل يعارضه القرآن مرة في شهر رمضان،\n_________\n(١) \"الصحيحة\" (رقم ٨٣١)\n(٢) قال الشيخ الألباني: صحيح رواه أحمد (٥/ ٢٣٥).","vol":"1","page":563},{"text":"فعارضه في السنة الأخيرة مرتين.\nقال أبو هريرة - ﵁ -: كان النبي - ﷺ - يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا (١).\nأخبر النبي - ﷺ - فاطمة -﵂-: \"أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري\" (٢).\n\nعباد الله! وفي حجة الوداع، ودع النبي - ﷺ - أمته وأصحابه.\nفي يوم النحر، وعند جمرة العقبة قال - ﷺ -: \"لتأخذوا مناسككم -أي: خذوا عني مناسككم- فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه\" (٣).\nوعلى عرفة نزل على رسول الله - ﷺ -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].\nفلما تلاها - ﷺ - على أصحابه بكى عمرُ - ﵁ - فقيل له: ما يبكيك؟ فقال - ﵁ - إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان (٤).\nوفي ثاني أيام التشريق نزل على رسول الله - ﷺ -: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر]\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٢٠٣٣)، ومسلم (رقم ١١٧٣).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٦٢٨٥)، ومسلم (رقم ٢٤٥٠).\n(٣) رواه مسلم (رقم ١٢٩٧).\n(٤) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٨٠)، \"البداية والنهاية\" (٥/ ٧٩).","vol":"1","page":564},{"text":"فلما سأل عمر - ﵁ - ابن عباس - ﵄- عن هذه السورة.\nقال ابن عباس: هو أجل رسول الله - ﷺ - أعلم له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.\nفقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (١).\n\nعباد الله! ودعا النبيﷺ - فاطمة -﵂- فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت. فلما سألتها عائشة -﵂- قالت: سارّني في الأول فقال لي: \"إن جبريل كان يُعارضُني بالقرآن كل سنة مرةً، وقد عارضني في هذا العام مرتين، ولا أرى ذلك إلا اقتراب أجلي، فاتقي الله واصبري، فنعم السلف أنا لك\" فبكيت.\nثم سارني فقال: \"يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ \" فضحكت (٢).\n\nعباد الله! وخرج - ﷺ - يومًا إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم انصرف إلى المنبر فقال: \"إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض.\nوإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٩٧٠).\n(٢) متفق عليه، مضى قريبًا.","vol":"1","page":565},{"text":"تنافسوا فيها\" (١).\n\nعباد الله! هكذا أخذ رسول الله - ﷺ - يشير ويعرض باقتراب أجله، والناس يشعرون أن رسول الله - ﷺ - يودعهم.\n\nعباد الله! وعاد النبي - ﷺ - من حجة الوداع إلى المدينة، وهناك في المدينة بدأ النبي - ﷺ - يشتكي من صداع شديد في رأسه.\nتقول عائشة -﵂- رجع النبي - ﷺ - ذات يوم من جنازة من البقيع فوجدني، وأنا أجد صداعا وأنا أقول، وارأساه، فقال: \"بل أنا يا عائشة وارأساه\".\nثم قالﷺ - لها: \"وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك\".\nفقالت -﵂- له: كأني بك والله لو فعلت ذلك، لرجعت إلى بيتي فعرست فيه ببعض نسائك.\nتقول -﵂-: \"فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم بدئ في وجعه الذي مات فيه\" (٢).\n\nعباد الله! \"اشتد الوجع برسول اللهﷺ -، فطلب من زوجاته أن يمرض في بيت عائشة أم المؤمنين فأذنَّ له، فخرج بين رجلين من أهل بيته حتى دخل بيت عائشة\" (٣).\nوكان - ﷺ - يقول: \"يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر،\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ١٣٤٤).\n(٢) صحيح ابن ماجة (١١٩٧).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٢٥٨٨).","vol":"1","page":566},{"text":"فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري\" (١) -من ذلك السم-.\nوكان - ﷺ - يخرج إلى المسجد يصلي بالناس، فلما اشتد به الوجع قال: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\".\nفقالت عائشة: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. فقال - ﷺ -: \"مروا أبا بكر فليصل بالناس\".\nتقول عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. ففعلت حفصة.\nفقال - ﷺ -: \"مه! إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس\".\nفقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا (٢).\nوعاودت عائشة رسول الله - ﷺ - لئلا يتشاءم الناس بأبيها (٣).\n\nعباد الله! أبو بكر - ﵁ - يصلي بالناس، وفي يوم وجد النبي - ﷺ - في نفسه خفة فخوج يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي - ﷺ - أن مكانك، ثم أُتي به حتى جلس إلى جنبه، فكان - ﷺ - يصلي، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٤٢٨).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٧٩)، ومسلم (رقم ٤١٨).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٤٥)، ومسلم (رقم ٤١٨).\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٩٨)، ومسلم (رقم ٦٦٤).","vol":"1","page":567},{"text":"عباد الله! فلما كان يوم الخميس قبل خمسة أيام من وفاته - ﷺ -؛ اشتد الوجع برسول الله - ﷺ - فقال للمسلمين حوله: \"ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده\" فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع .. فقال لهم \"دعوني فالذي أنا فيه خير\" (١).\nثم أراد النبي - ﷺ - أن يخرج للخطبة. فقال لأهله: \"أهريقوا علي من سبع قرب لم تُحَلُ أوكيتها، لعلي أعهد إلى الناس\".\nتقول عائشة -﵂- \"فأجلسناه في مخصب لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده\" أن قد فعلتن، تقول -﵂- ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم (٢).\nيقول أبو سعيد الخدري - ﵁ - \"خطب رسول الله - ﷺ - الناس فقال: \"إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله\".\nقال أبو سعيد: \"فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله - ﷺ - عن عبد خير، فكان رسول الله - ﷺ - هو المُخَيرُ، وكان أبو بكر أعلمنا\".\nفقال - ﷺ -: \"إن أمنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر\" (٣).\n\nعباد الله! اشتد الوجع برسول الله - ﷺ -، فأخذ يوصي أمته وأصحابه في\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٣٢)، ومسلم (رقم ١٦٣٧).\n(٢) رواه البخاري (رقم ١٩٨).\n(٣) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٦٦)، ومسلم (رقم ٢٣٨٢).","vol":"1","page":568},{"text":"الأيام الأخيرة من عمره بما يلي:\nأولًا: أوصى أمته بإخراج المشركين في جزيرة العرب، فقال - ﷺ - قبل موته بخمس: \"أوصيكم بثلاث ثم ذكر منها: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب\" (١).\nثانيًا: وأوصى أن تغلق الأبواب المفتوحة على المسجد إلا باب أبي بكر فقالﷺ -: \"لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر\" وهذه من الإشارات لاستخلافه - ﵁ - (٢).\nثالثًا: وأوصى - ﷺ - بالأنصار خيرًا.\nيقول أنس - ﵁ -: \"مر أبو بكر والعباس -﵄- بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يُبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي - ﷺ - فينا فدخل على النبي - ﷺ - فأخبره بذلك. قال: فخرج النبي - ﷺ - وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي -أي: موضع سري وأمانتي-، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم\" (٣).\nرابعًا: وأوصى - ﷺ - بتعظيم الرب -﷿- في الركوع، والاجتهاد في الدعاء في السجود يقول: ابن عباس -﵄-: كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: \"أيها الناس، إنه لم يبق\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٣١٦٨).\n(٢) مضى قريبًا.\n(٣) رواه البخاري (رقم ٣٧٩٩).","vol":"1","page":569},{"text":"من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ألا وأني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن -أي: حقيق وجدير- أن يستجاب لكم\" (١).\nخامسًا: أوصى - ﷺ - أمته بالصلاة\nيقول علي - ﵁ -: كان آخر كلام رسول الله - ﷺ - \"الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم\" (٢).\nسادسًا: ووصى - ﷺ - أمته أن تحسن الظن بالله.\nيقول جابر - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول قبل موته بثلاث: \"لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله -﷿-\" (٣).\nسابعًا: نهى - ﷺ - أمته عن بناء المساجد على القبور، تقول عائشة وابن عباس - ﵃ -: إن رسول اللهﷺ - لما حضرته الوفاة جعل يلقى على وجهه طرف خميصة، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: \"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\nتقول عائشة: \"يُحَذّرُ مثل الذي صنعوا\" (٤).\n\nعباد الله! اشتد الوجع برسول الله - ﷺ -، وانقطع عن أصحابه بقية يوم\n_________\n(١) رواه مسلم (رقم ٤٧٩).\n(٢) انظر \"إرواء الغليل\" (رقم ٢١٧٨).\n(٣) رواه مسلم (رقم ٢٨٧٧).\n(٤) رواه البخاري (رقم ٤٤٤١).","vol":"1","page":570},{"text":"الخميس، والجمعة والسبت والأحد، وبينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بالناس، لم يفجأهم إلا ورسول الله - ﷺ - قد كشف ستر حجرة عائشة؛ فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة ثم ابتسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله - ﷺ - يريد أن يخرج إلى الصلاة.\nيقول أنس - ﵁ -: وهم المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله - ﷺ -، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخلﷺ - الحجرة وأرخى الستر، ثم مات - ﷺ - ضحى ذلك اليوم الاثنين (١).\n\nعباد الله! وفي يوم الاثنين اشتد المرض برسول الله - ﷺ -\nتقول عائشة -﵂-: لا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد ما رأيت النبي - ﷺ - (٢).\nويقول ابن مسعود - ﵁ -: \"دخلت على رسول اللهﷺ - وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله، إنك توعك وعكًا شديدًا\".\nقالﷺ -: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم.\nقلت: ذلك أن لك أجرين؟\nقال - ﷺ -: أجل، ذلك كذلك.\nثم قال - ﷺ -: \"ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٦٨٠)، ومسلم (رقم ٤١٩).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٤٤٥).","vol":"1","page":571},{"text":"سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها\" (١).\nوتقول عائشة -﵂- \"لما نزل برسول الله - ﷺأي: وجع الموت- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه، ويقول: \"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\" تقول عائشة - ﵂-: لولا ذلك لأبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجدًا (٢).\nويقول أنس - ﵁ - لما ثقل النبي - ﷺ - جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة﵂- \"واكرب ابتاه! قال - ﷺ -: \"ليست على أبيك كرب بعد اليوم\" (٣).\nوتقول عائشة -﵂- \"إن من نعم الله علي، أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي ويومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقى وريقه عند موته.\nتقول -﵂-: دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك - وأنا مسندة رسول الله (ﷺ) - فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم.\nفتناوله فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم. فلينته فأمرّه -أي استاك به- تقول -﵂- \"وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات\"، ثم نصب يده فجعل يقول: \"في الرفيق الأعلى\"، حتى قبض\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٥٦٤٧)، ومسلم (رقم ٢٥٧١).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٣٣٠)، ومسلم (رقم ٥٢٩).\n(٣) رواه البخاري (رقم ٤٤٦٢).","vol":"1","page":572},{"text":"فمالت يده (١).\nيقول أنس - ﵁ -، لما مات رسول الله - ﷺ -، قالت فاطمة -﵂-:\nيا أبتاه! أجاب ربًا دعاه.\nيا أبتاه! جنة الفردوس مأواه.\nيا أبتاه! إلى جبريل ننعاه\" (٢).\n\nعباد الله! لما مات رسول الله - ﷺ - وضعت عائشة -﵂- رأسه على وسادة، وسجته -أي: غطته- ببردة.\nعباد الله! عائشة تبكي، وفاطمة تبكي، والكل يبكي على فراق رسول الله - ﷺ -، والخبر ينتشر هنا وهناك، فمن المسلمين من يقول: مات رسول الله - ﷺ -، ومنهم من يقول: لا ما مات رسول الله - ﷺ -، وهذا الفاروق عمر - ﵁ - يتوعد من قال مات رسول الله - ﷺ - بالقتل والقطع.\n\nعباد الله! وصل الخبر إلى أبي بكر - ﵁ -، فجاء على فرسه، ثم دخل فكشف عن رسول الله - ﷺ - فقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر: ٣٠].\n_________\n(١) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٥٠)، ومسلم (رقم ٢٤٤٣).\n(٢) رواه البخاري (رقم ٤٤٦٢).","vol":"1","page":573},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]\nفنشج الناس يبكون، وقال عمر: \"والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فَعُقِرْتُ حتى ما تُقِلُّني رجلاي، وهويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله - ﷺ - قد مات\" (١)\nمات النبيﷺ - وإنها لمصيبة من أعظم المصائب؛ لأن بموته انقطع الوحي من السماء.\nأيها المسلم!\nاصبر لكل مصيبة وتجلدِ ... واعلم بأن المرء غير مُخلد\nأوَما ترى أن المصائبَ جمّة ... وترى المنيةَ للعباد بمرصد\nمَنْ لم يُصبْ ممن ترى بمصيبة ... هذا سبيلٌ لستَ فيه بأوحدِ\nفإذا ذكرتَ محمدًا ومصابه ... فاذكرْ مُصابَكَ بالنبيِّ محمدِ\n\nعباد الله! اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة، وبعد المشاورات والمحاورات تم الاتفاق على أبي بكر - ﵁ - خليفةً للمسلمين بعد رسول الله - ﷺ -، وبايعه المسلمون في المسجد على ذلك.\n\nعباد الله! وبدأ المسلمون في تجهيز النبيﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>أولًا: الغسل:</span>\nتقول عائشة -﵂-: لما أرادوا غسل النبي - ﷺ - قالوا: والله لا\n_________\n(١) رواه البخاري (رقم ٤٤٥٤).","vol":"1","page":574},{"text":"ندري أنجرد رسول الله - ﷺ - من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟\nفلما اختلفوا ألقى الله -﵎- عليهم النومُ حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره.\nثم كلَّمهم مُكَلِّمٌ من ناحية البيت- لا يدرون مَنْ هو-: أن غسلوا النبي - ﷺ - وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله - ﷺ - فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون القميص دون أيديهم وكانت عائشة تقول \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>ثانيًا: الكفن:</span>\nفلما فرغوا من غسله - ﷺ - كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة. كما قالت عائشة -﵂ (٢) -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>ثالثًا: الصلاة عليه:</span>\nثم أخذوا في الصلاة عليه - ﷺ - فرادى، لم يؤمهم أحد، دخل الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>رابعًا: الدفن:</span>\nفلما أرادوا دفنهﷺ - اختلفوا أين يدفنونه؟\nفقال أبو بكر - ﵁ -: سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته، قال - ﷺ -: \"ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فدفنوه، في موضع\n_________\n(١) \"صحيح أبي داود\" (٢٦٩٣).\n(٢) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ١٢٧٢)، ومسلم (رقم ٩٤١).\n(٣) \"البداية والنهاية\" (٥/ ٢٦٥).","vol":"1","page":575},{"text":"فراشه\" (١).\nوكان بالمدينة رجل يُلحد، وآخر يضرح.\nفقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه.\nفسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي - ﷺ - (٢).\nتقول عائشة -﵂-: ما علمنا بدفن رسول الله - ﷺ - حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء (٣).\nفلما فرغوا من دفنه قالت فاطمة -﵂-: \"يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب\" (٤).\nوتقول أم سلمة -﵂- بينما نحن مجتمعون نبكي لم ننم، ورسول الله - ﷺ - في بيوتنا، ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر، فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر رسول الله - ﷺ - بكى وانتحب فزادنا حزنًا (٥).\n\nعباد الله! إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك يا رسول الله لمحزونون، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (١٠١٨).\n(٢) \"صحيح ابن ماجه\" (١٢٦٤).\n(٣) حسن \"الفتح الرباني\" (٢١/ ٢٥٦).\n(٤) رواه البخاري (رقم ٤٤٦٢).\n(٥) \"البداية والنهاية\" (٥/ ٢٧١).","vol":"1","page":576},{"text":"ويقول أنس - ﵁ -: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة، أضاء منها كلُّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلم منها كلُّ شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب حتى أنكرنا قلوبنا (١).\n\nعباد الله! وعزاؤنا في رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"إذا أراد الله رحمة أمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها\" (٢).\nوتقول عائشة -﵂-: \"ما ترك رسول الله - ﷺ - دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء\" (٣).\n\"بل لقد مات - ﷺ - ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعيرٍ أخذها لأهله\" (٤).\n\nربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير\nتوفنا على الإسلام وألحقنا بالصالحين\n_________\n(١) \"صحيح الترمذي\" (٣٦١٨).\n(٢) رواه مسلم (رقم ٢٢٨٨).\n(٣) رواه مسلم (رقم ١٦٣٥) من حديث عائشة وأخرجه البخاري (رقم ٤٤٦١) من حديث عمرو بن الحارث.\n(٤) متفق عليه، رواه البخاري (رقم ٤٤٦٧)، ومسلم (رقم ١٦٠٣).","vol":"1","page":577}]}