{"ً":{"ٌ":9794,"ٍ":"منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري - قاسم - ت عيون - ط البيان 1-5","files":["00_71823.pdf|الغلاف","01_71823.pdf","02_71824.pdf","03_71825.pdf","04_71826.pdf","05_71827.pdf"]},"ّ":"الكتاب: منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري\nالمؤلف: حمزة محمد قاسم\nراجعه: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط [ت ١٤٢٥ هـ]\nعني بتصحيحه ونشره: بشير محمد عيون [ت ١٤٣١ هـ]\nالناشر: مكتبة دار البيان، دمشق - الجمهورية العربية السورية، مكتبة المؤيد، الطائف - المملكة العربية السعودية\nعام النشر: ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م\nعدد الأجزاء: ٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري]\n\nاختصر المؤلف (الشيخ حمزة محمد قاسم) صحيح البخاري (انتخب منه ١٢٠٠ حديثا)، ثم شرحها شرحا وسطا\nفي ٥ مجلدات، قال المؤلف:\n«تحرّيت فيه أن يكون محقِّقًا للغرض، مشتملًا على ما لا بدَّ منه، من ترجمة بعض الرواة، وشرح معنى الحديث، وبيان فقهه وأحكامه، وتخريجه، ومطابقته للترجمة.\nوحرصت أن يكون - قدر الإمكان - بأسلوب سهل، وعبارة واضحةٍ، قريبةٍ من القراء، وفي متناول مداركهم. وبذلت جهدي في تحْقيقه معتمدًا على أوثق المصادر الإسلاميّة»\n\nويقول مراجعه، الشيخ عبد القادر الأرنؤوط - ﵀:\n«أتى في شرحه لكتابه هذا بما قاله العلماء في المذاهب الأربعة وسواها، وذكر ما قاله الجمهور من الفقهاء ومن خالفهم في ذلك.\nوفي شرحه لأحاديث العقائد ذكر توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الِإلهية والعبادة، دون تشبيه أو تمثيل أو تعطيل، بأسلوب سهل، على عقيدة السلف الصالح، وأهل السنة والجماعة التي تلقوها عن رسول الله ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وهي العقيدة السليمة، والطريقة المستقيمة التي ينبغي على كل مسلم أن يسلك سبيلها، وأن يسير على نهجها. وقد بحث حفظه الله تعالى في القضاء والقدر بحثًا جيدًا على طريقة أهل السنة والجماعة، وأقوال الأئمة المجتهدين، والعلماء المحققين.\nوبين بوضوح كل ما يتعلق بالعقائد، والأحكام، والمعاملات، والحدود، والأخلاق، وعرَّف السنة والبدعة، وسنة رسول الله ﵌، وسنة الخلفاء الراشدين، وما استقر عليه عمل الصحابة، وقد توسَّع في المعاملات، والطب، والأدب، والرقاق، والاعتصام بالكتاب والسنة، فنقل أشياء جديدة عرفت في عصرنا الحاضر، في المواضيع الاجتماعية والأمور الطبية التي يستفيد منها طلاب العلم والشباب المثقف في هذا العصر.\nوقد ختم شرحه هذا بآخر حديث ختم به الِإمام البخاري ﵀ صحيحه هذا، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌:» كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم «.\nفكان ختامًا حسنًا، وشرحًا واضحًا يستفيد منه العام والخاص، فجزاه الله تعالى خيرًا.\n. . . فوضعت عليه بعض الملاحظات، وعلقت بعض التعليقات على الأحاديث النبوية، وربما أبدلت حديثًا بحديث، أو ذكرته بلفظه جاء في المصادر التي نقل عنها، وَرَجعت في ترجيح أقوال العلماء إلى قول أهل السنة والجماعة، وأهل العلم بالسنة من المحققين والمدققين من المتقدمين والمتأخرين، هذا وقد أضاف حفظه الله بعمله هذا إلى المكتبة الِإسلامية كتابًا حافلًا بالخير والبركة\n. . . وقرأته من ألفه إلى يائه، ومن أوله إلى آخره، فوجدته كتابًا جيدًا نافعًا إن شاء الله لطلاب العلمٍ والقراء الذين يطلعون عليه، وقد رتبه ترتيبًا حسنًا، ونظمه تنظيمًا دقيقًا، وشرحه شرحًا جيدًا لا لبس فيه ولا غموض.»\n\nوقال المؤلف:\n«أوجه خالص شكري وتقديري وامتناني إلى صاحب الفضيلة المحدث الكبير، والعالم السلفي الجليل، الشيخ عبد القادر الأرناؤوط على تفضله مشكورًا بمراجعة أحاديث هذا الكتاب سندًا ومتنًا، وتدقيق معانيها وفقهها وأحكامها وتذييل حواشيه بإرشاداته القيمة وتعليقاته العلمية المفيدة وآرائه الصائبة، فأفاض عليه من غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ما هو جدير بفضيلته وأهل له، وكل تعليق ختم بـ (ع) فهو لفضيلته.»","ٓ":"1.0","ٔ":1413,"ٕ":7,"ٖ":1770155650,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5"],"ٚ":[{"title":"تقديم الكتاب لصاحب الفضيلة خادم السنة النبوية الشيخ عبد القادر الأرناؤوط","level":1,"page":3},{"title":"كلمة شكر وتقدير","level":1,"page":7},{"title":"مقدمة الكتاب","level":1,"page":9},{"title":"لمحات عن البخاري وكتابه الجامع الصحيح","level":2,"page":12},{"title":"الإمام البخاري: ترجمته، حياته، مؤلفاته","level":2,"page":12},{"title":"عصر البخاري","level":2,"page":12},{"title":"البخاري، نسبه، ولادته، نشأته","level":2,"page":13},{"title":"رحلاته العلمية","level":2,"page":14},{"title":"كثرة شيوخه","level":2,"page":14},{"title":"تلامذته","level":2,"page":14},{"title":"سعة حفظه","level":2,"page":15},{"title":"ثناء أهل العلم عليه","level":2,"page":15},{"title":"صفات البخاري وشمائله","level":2,"page":16},{"title":"وفاة البخاري","level":2,"page":17},{"title":"مؤلفات البخاري","level":2,"page":17},{"title":"كتاب الإيمان","level":1,"page":22},{"title":"١ - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":22},{"title":"٢ - باب الإيمان، وقول النبي - ﷺ - بني الإسلام على خمس","level":2,"page":78},{"title":"٣ - باب أمور الإيمان","level":2,"page":81},{"title":"٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده","level":2,"page":84},{"title":"٥ - باب أي الإسلام أفضل","level":2,"page":86},{"title":"٦ - باب إطعام الطعام من الإسلام","level":2,"page":87},{"title":"٧ - باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه","level":2,"page":89},{"title":"٨ - باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان","level":2,"page":91},{"title":"٩ - باب حلاوة الإيمان","level":2,"page":92},{"title":"١٠ - باب علامة الإيمان حب الأنصار","level":2,"page":94},{"title":"١١ - باب","level":2,"page":95},{"title":"١٢ - باب من الدين الفرار من الفتن","level":2,"page":98},{"title":"١٣ - باب قول النبي - ﷺ - أنا أعلمكم بالله، وأن المعرفة فعل القلب","level":2,"page":100},{"title":"١٤ - باب تفاضل أهل الإيمان","level":2,"page":101},{"title":"١٥ - باب الحياء من الإيمان","level":2,"page":104},{"title":"١٦ - باب","level":2,"page":104},{"title":"١٧ - باب من قال إن الإيمان هو العمل","level":2,"page":107},{"title":"١٨ - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الإستسلام أو الخوف من القتل","level":2,"page":108},{"title":"١٩ - باب كفران العشير وكفر دون كفر","level":2,"page":111},{"title":"٢٠ - باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها","level":2,"page":113},{"title":"٢١ - باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فسماهم المؤمنين)","level":2,"page":115},{"title":"٢٢ - باب ظلم دون ظلم","level":2,"page":117},{"title":"٢٣ - باب علامات النفاق","level":2,"page":118},{"title":"٢٤ - باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان","level":2,"page":119},{"title":"٢٥ - باب إن الدين يسر","level":2,"page":120},{"title":"٢٦ - باب الصلاة من الإيمان","level":2,"page":123},{"title":"٢٧ - باب حسن إسلام المرء","level":2,"page":124},{"title":"٢٨ - باب أحب الدين إلى الله أدومه","level":2,"page":126},{"title":"٢٩ - باب زيادة الإيمان وئقصانه","level":2,"page":128},{"title":"٣٠ - باب الزكاة من الإسلام","level":2,"page":131},{"title":"٣١ - باب ائباع الجنائز من الإيمان","level":2,"page":134},{"title":"٣٢ - باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان","level":2,"page":135},{"title":"٣٣ - باب من استبرأ لدينه وعرضه","level":2,"page":140},{"title":"٣٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة","level":2,"page":144},{"title":"٣٥ - باب قول النبي - ﷺ - الدين النصيحة","level":2,"page":149},{"title":"كتاب العلم","level":1,"page":151},{"title":"٣٦ - باب من شل عن الفتيا وهو مشتغل في حديبه فأتم الحديث، ثم أجاب السائل","level":2,"page":154},{"title":"٣٧ - باب من رفع صوئه بالعلم","level":2,"page":157},{"title":"٣٨ - باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا","level":2,"page":158},{"title":"٣٩ - باب القراءة والعرض على المحدث","level":2,"page":159},{"title":"٤٠ - باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان","level":2,"page":162},{"title":"٤١ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها","level":2,"page":165},{"title":"٤٢ - باب قول النبي - ﷺ - رب مبلغ أوعى من سامع","level":2,"page":167},{"title":"٤٣ - باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا","level":2,"page":169},{"title":"٤٤ - باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين","level":2,"page":171},{"title":"٤٥ - باب الفهم في العلم","level":2,"page":173},{"title":"٤٦ - باب الاغتباط في العلم","level":2,"page":174},{"title":"٤٧ - باب قول النبي - ﷺ -: اللهم علمه الكتاب","level":2,"page":175},{"title":"٤٨ - باب متى يصح سماع الصغير","level":2,"page":176},{"title":"٤٩ - باب فضل من علم وعلم","level":2,"page":177},{"title":"٥٠ - باب رفع العلم وظهور الجهل","level":2,"page":180},{"title":"٥١ - باب فضل العلم","level":2,"page":182},{"title":"٥٢ - باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها","level":2,"page":183},{"title":"٥٣ - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس","level":2,"page":184},{"title":"٥٤ - باب الرحلة في المسألة النازلة","level":2,"page":187},{"title":"٥٥ - باب التناوب في طلب العلم","level":2,"page":189},{"title":"٥٦ - باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره","level":2,"page":191},{"title":"٥٧ - باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه","level":2,"page":192},{"title":"٥٨ - باب تعليم الرجل أمتة وأهله","level":2,"page":193},{"title":"٥٩ - باب عظة الإمام النساء وتعليمهن","level":2,"page":194},{"title":"٦٠ - باب الحرص على الحديث","level":2,"page":195},{"title":"٦١ - باب كيف يقبض العلم","level":2,"page":196},{"title":"٦٢ - باب هل يجعل للنساء يوما على حدة في العلم","level":2,"page":198},{"title":"٦٣ - باب من سمع شيئا فراجعه حتى يعرفه","level":2,"page":199},{"title":"٦٤ - باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب","level":2,"page":200},{"title":"٦٥ - باب إثم من كذب على النبي - ﷺ -","level":2,"page":203},{"title":"٦٦ - باب كتابة العلم","level":2,"page":206},{"title":"٦٧ - باب تعليم العلم والعظة بالليل","level":2,"page":209},{"title":"٦٨ - باب السمر في العلم","level":2,"page":210},{"title":"٦٩ - باب حفظ العلم","level":2,"page":211},{"title":"٧٠ - باب الإنصات للعلماء","level":2,"page":214},{"title":"٧١ - باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله","level":2,"page":215},{"title":"٧٢ - باب من سأل وهو قائم عالما جالسا","level":2,"page":223},{"title":"٧٣ - باب قول الله تعالى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)","level":2,"page":225},{"title":"٧٤ - باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا","level":2,"page":226},{"title":"٧٥ - باب الحياء في العلم","level":2,"page":228},{"title":"٧٦ - باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال","level":2,"page":229},{"title":"٧٧ - باب ذكر العلم والفتيا في المسجد","level":2,"page":230},{"title":"٧٨ - باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله","level":2,"page":231},{"title":"٧٩ - باب لا تقبل صلاة بغير طهور","level":2,"page":233},{"title":"كتاب الوضوء","level":1,"page":233},{"title":"٨٠ - باب الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء","level":2,"page":234},{"title":"٨١ - باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن","level":2,"page":236},{"title":"٨٢ - باب التخفيف في الوضوء","level":2,"page":237},{"title":"٨٣ - باب إسباغ الوضوء","level":2,"page":238},{"title":"٨٤ - باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة","level":2,"page":240},{"title":"٨٥ - باب ما يقول عند الخلاء","level":2,"page":241},{"title":"٨٦ - باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول، إلا عند البناء: جدار أو غيره","level":2,"page":242},{"title":"٨٧ - باب الاستنجاء بالماء","level":2,"page":243},{"title":"٨٨ - باب النهي عن الاستنجاء باليمين","level":2,"page":244},{"title":"٨٩ - باب الاستنجاء بالحجارة","level":2,"page":245},{"title":"٩٠ - باب لا يستنجى بروث","level":2,"page":247},{"title":"٩١ - باب الوضوء مرة مرة","level":2,"page":249},{"title":"٩٢ - باب الوضوء مرتين مرتين","level":2,"page":249},{"title":"٩٣ - باب الوضوء ثلاثا ثلاثا","level":2,"page":250},{"title":"٩٤ - باب الاستنثار في الوضوء","level":2,"page":252},{"title":"٩٥ - باب الاستجمار وترا","level":2,"page":252},{"title":"٩٦ - باب غسل الإعقاب","level":2,"page":253},{"title":"٩٧ - باب التيمن في الوضوء والغسل","level":2,"page":255},{"title":"٩٨ - باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة","level":2,"page":256},{"title":"٩٩ - باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا","level":2,"page":257},{"title":"١٠٠ - باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر","level":2,"page":260},{"title":"١٠١ - باب الرجل يوضأ صاحبه","level":2,"page":261},{"title":"١٠٢ - باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره","level":2,"page":263},{"title":"١٠٣ - باب مسح الرأس كله","level":2,"page":264},{"title":"١٠٤ - باب استعمال فضل وضوء الناس","level":2,"page":265},{"title":"١٠٥ - باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة","level":2,"page":267},{"title":"١٠٦ - باب صب النبي - ﷺوضوءه على المغمى عليه","level":2,"page":268},{"title":"١٠٧ - باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح","level":2,"page":269},{"title":"١٠٨ - باب الوضوء بالمد","level":2,"page":271},{"title":"١٠٩ - باب المسح على الخفين","level":2,"page":272},{"title":"١١٠ - باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان","level":2,"page":274},{"title":"١١١ - باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق","level":2,"page":275},{"title":"١١٢ - باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ","level":2,"page":276},{"title":"١١٣ - باب هل يمضمض من اللبن","level":2,"page":277},{"title":"١١٤ - باب الوضوء من غير حدث","level":2,"page":278},{"title":"١١٥ - باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله","level":2,"page":279},{"title":"١١٦ - باب ما جاء في غسل البول","level":2,"page":280},{"title":"١١٧ - باب صب الماء على البول في المسجد","level":2,"page":281},{"title":"١١٨ - باب بول الصبيان","level":2,"page":282},{"title":"١١٩ - باب البول قائما وقاعدا","level":2,"page":283},{"title":"١٢٠ - باب غسل الدم","level":2,"page":284},{"title":"١٢١ - باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة","level":2,"page":285},{"title":"١٢٢ - باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها","level":2,"page":286},{"title":"١٢٣ - باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء","level":2,"page":289},{"title":"١٢٤ - باب البول في الماء الدائم","level":2,"page":290},{"title":"١٢٥ - باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد صلاته","level":2,"page":291},{"title":"١٢٦ - باب البزاق والمخاط وئحوه في الثوب","level":2,"page":294},{"title":"١٢٧ - باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه","level":2,"page":294},{"title":"١٢٨ - باب السواك","level":2,"page":296},{"title":"١٢٩ - باب دفع السواك إلى الأكبر","level":2,"page":297},{"title":"١٣٠ - باب فضل من بات على الوضوء","level":2,"page":298},{"title":"كتاب الغسل","level":1,"page":300},{"title":"١٣١ - باب الوضوء قبل الغسل","level":2,"page":301},{"title":"١٣٢ - باب غسل الرجل مع امرأته","level":2,"page":303},{"title":"١٣٣ - باب الغسل بالصاع وئحوه","level":2,"page":304},{"title":"١٣٤ - باب من أفاض على رأسه ثلاثا","level":2,"page":306},{"title":"١٣٥ - باب من بدأ بالحلاب عند الغسل","level":2,"page":307},{"title":"١٣٦ - باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة","level":2,"page":308},{"title":"١٣٧ - باب إذا جامع ثم عاود، ومن دار على نسائه في غسل واحد","level":2,"page":310},{"title":"١٣٨ - باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه","level":2,"page":312},{"title":"١٣٩ - باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يتيمم","level":2,"page":313},{"title":"١٤٠ - باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل","level":2,"page":314},{"title":"١٤١ - باب التستر في الغسل عند الناس","level":2,"page":317},{"title":"١٤٢ - باب عرق الجنب وأن المؤمن لا ينجس","level":2,"page":318},{"title":"١٤٣ - باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل","level":2,"page":319},{"title":"١٤٤ - باب إذا التقى الختانان","level":2,"page":320},{"title":"كتاب الحيض","level":1,"page":321},{"title":"١٤٥ - باب كيف كان بدء الحيض وقول النبي - ﷺ - هذا شيء كتبه الله على بنات آدم","level":2,"page":322},{"title":"١٤٦ - باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله","level":2,"page":323},{"title":"١٤٧ - باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض","level":2,"page":324},{"title":"١٤٨ - باب من سمى النفاس حيضا","level":2,"page":324},{"title":"١٤٩ - باب مباشرة الحائض","level":2,"page":325},{"title":"١٥٠ - باب ترك الحائض الصوم","level":2,"page":327},{"title":"١٥١ - باب الاستحاضة","level":2,"page":329},{"title":"١٥٢ - باب الاعتكاف للمستحاضة","level":2,"page":333},{"title":"١٥٣ - باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه","level":2,"page":334},{"title":"١٥٤ - باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض","level":2,"page":335},{"title":"١٥٥ - باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل، وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم","level":2,"page":337},{"title":"١٥٦ - باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض","level":2,"page":338},{"title":"١٥٧ - باب لا تقضي الحائض الصلاة","level":2,"page":341},{"title":"١٥٨ - باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها","level":2,"page":342},{"title":"١٥٩ - باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى","level":2,"page":342},{"title":"١٦٠ - باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض","level":2,"page":344},{"title":"كتاب التيمم","level":1,"page":345},{"title":"١٦١ - كتاب التيمم وقول الله تعالى (فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم)","level":2,"page":346},{"title":"١٦٢ - باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة","level":2,"page":352},{"title":"١٦٣ - باب المتيمم هل ينفخ فيهما","level":2,"page":354},{"title":"١٦٤ - باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء","level":2,"page":356},{"title":"١٦٥ - باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش تيمم","level":2,"page":363},{"title":"كتاب الصلاة","level":1,"page":366},{"title":"١٦٦ - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء","level":2,"page":367},{"title":"١٦٧ - باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا","level":2,"page":373},{"title":"١٦٨ - باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه","level":2,"page":375},{"title":"١٦٩ - باب إذا كان الثوب ضيقا","level":2,"page":377},{"title":"١٧٠ - باب الصلاة في الجبة الشامية","level":2,"page":379},{"title":"١٧١ - باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها","level":2,"page":381},{"title":"١٧٢ - باب ما يستر من العورة","level":2,"page":382},{"title":"١٧٣ - باب ما يذكر في الفخذ","level":2,"page":385},{"title":"١٧٤ - باب في كم تصلي المرأة في الثياب","level":2,"page":388},{"title":"١٧٥ - باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها","level":2,"page":389},{"title":"١٧٦ - باب إن صلى في ثوب مصلب أو تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهي عن ذلك","level":2,"page":390},{"title":"١٧٧ - باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه","level":2,"page":393},{"title":"١٧٨ - باب الصلاة في الثوب الأحمر","level":2,"page":394},{"title":"١٧٩ - باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب","level":2,"page":395},{"title":"١٨٠ - باب الصلاة على الحصير","level":2,"page":396},{"title":"١٨١ - باب الصلاة على الفراش","level":2,"page":398},{"title":"١٨٢ - باب السجود على الثوب في شدة الحر","level":2,"page":399},{"title":"١٨٣ - باب الصلاة في النعال","level":2,"page":400},{"title":"١٨٤ - باب الصلاة في الخفاف","level":2,"page":401},{"title":"- باب بيدي ضبعيه، ويجافي في السجود","level":2,"page":402},{"title":"أبواب القبلة","level":1,"page":406},{"title":"١٨٦ - باب فضل استقبال القبلة","level":2,"page":406},{"title":"١٨٧ - باب التوجه نحو القبلة حيث كان","level":2,"page":407},{"title":"أبواب المساجد","level":1,"page":409},{"title":"١٨٨ - باب حك البزاق باليد من المسجد","level":2,"page":409},{"title":"١٨٩ - باب كفارة البزاق","level":2,"page":411},{"title":"١٩٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة","level":2,"page":412},{"title":"١٩١ - باب هل يقال مسجد بني فلان؟","level":2,"page":413},{"title":"١٩٢ - باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد","level":2,"page":414},{"title":"١٩٣ - باب الصلاة في مواضع الإبل","level":2,"page":416},{"title":"١٩٤ - باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله","level":2,"page":418},{"title":"١٩٥ - باب كراهية الصلاة في المقابر","level":2,"page":419},{"title":"١٩٦ - باب","level":2,"page":420},{"title":"١٩٧ - باب نوم المرأة في المسجد","level":2,"page":421},{"title":"١٩٨ - باب نوم الرجال في المسجد","level":2,"page":423},{"title":"١٩٩ - باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس","level":2,"page":425},{"title":"٢٠٠ - باب بنيان المسجد","level":2,"page":426},{"title":"٢٠١ - باب التعاون في بناء المسجد","level":2,"page":427},{"title":"٢٠٢ - باب من بنى لله مسجدا","level":2,"page":428},{"title":"٢٠٣ - باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد","level":2,"page":429},{"title":"٢٠٤ - باب المرور في المسجد","level":2,"page":430},{"title":"٢٠٥ - باب الشعر في المسجد","level":2,"page":430},{"title":"٢٠٦ - باب أصحاب الحراب في المسجد","level":2,"page":432},{"title":"٢٠٧ - باب التقاضي والملازمة في المسجد","level":2,"page":433},{"title":"٢٠٨ - باب كنس والمسجد","level":2,"page":435},{"title":"٢٠٩ - باب الأسير والغريم يربط في المسجد","level":2,"page":437},{"title":"٢١٠ - باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم","level":2,"page":438},{"title":"٢١١ - باب إدخال البعير في المسجد للعلة","level":2,"page":439},{"title":"٢١٢ - باب","level":2,"page":441},{"title":"٢١٣ - باب الخوخة والممر في المسجد","level":2,"page":442},{"title":"٢١٤ - باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل","level":2,"page":444},{"title":"٢١٥ - باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره","level":2,"page":445},{"title":"٢١٦ - باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي - ﷺ -","level":2,"page":446},{"title":"أبواب سترة المصلي","level":1,"page":450},{"title":"٢١٧ - باب: سترة الإمام سترة من خلفه","level":2,"page":450},{"title":"٢١٨ - باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة","level":2,"page":453},{"title":"٢١٩ - باب الصلاة إلى العنزة","level":2,"page":454},{"title":"٢٢٠ - باب الصلاة إلى الأسطوانة","level":2,"page":455},{"title":"٢٢١ - باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل","level":2,"page":456},{"title":"٢٢٢ - باب يرد المصلي من مر بين يديه","level":2,"page":457},{"title":"٢٢٣ - باب إثم المار بين يدي المصلي","level":2,"page":460},{"title":"٢٢٤ - باب الصلاة خلف النائم","level":2,"page":461},{"title":"٢٢٥ - باب من قال لا يقطع الصلاة شيء","level":2,"page":462},{"title":"٢٢٦ - باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة","level":2,"page":464},{"title":"كتاب مواقيت الصلاة","level":1,"page":466},{"title":"٢٢٧ - باب مواقيت الصلاة","level":2,"page":467},{"title":"٢٢٨ - باب الصلاة كفارة","level":2,"page":469},{"title":"٢٢٩ - باب فضل الصلاة لوقتها","level":2,"page":473},{"title":"٢٣٠ - باب الإبراد بالظهر في شدة الحر","level":2,"page":475},{"title":"٢٣١ - باب الإبراد بالظهر في السفر","level":2,"page":477},{"title":"٢٣٢ - باب وقت الظهر عند الزوال","level":2,"page":478},{"title":"٢٣٣ - باب تأخير الظهر إلى العصر","level":2,"page":480},{"title":"٢٣٤ - باب وقت العصر","level":2,"page":481},{"title":"٢٣٥ - باب إثم من فاتته صلاة العصر، وإثم من ترك العصر","level":2,"page":483},{"title":"٢٣٦ - باب فضل صلاة العصر","level":2,"page":484},{"title":"٢٣٧ - باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب","level":2,"page":486},{"title":"٢٣٨ - باب وقت المغرب","level":2,"page":488},{"title":"٢٣٩ - باب وقت العشاء إلى نصف الليل","level":2,"page":489},{"title":"٢٤٠ - باب ما يكره من السمر بعد العشاء","level":2,"page":492},{"title":"٢٤١ - باب فضل صلاة الفجر","level":2,"page":494},{"title":"٢٤٢ - باب وقت الفجر","level":2,"page":495},{"title":"٢٤٣ - باب الصلوات الخمس كفارة","level":2,"page":497},{"title":"٢٤٤ - باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس","level":2,"page":498},{"title":"٢٤٥ - باب الأذان بعد ذهاب الوقت","level":2,"page":499},{"title":"٢٤٦ - باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت","level":2,"page":501},{"title":"٢٤٧ - باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة","level":2,"page":502},{"title":"٢٤٨ - باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء","level":2,"page":504},{"title":"كتاب الأذان","level":1,"page":506},{"title":"٢٤٩ - باب بدء الأذان","level":2,"page":507},{"title":"٢٥٠ - باب الأذان مثنى مثنى","level":2,"page":508},{"title":"٢٥١ - باب فضل التأذين","level":2,"page":509},{"title":"٢٥٢ - باب رفع الصوت بالنداء","level":2,"page":510},{"title":"٢٥٣ - باب ما يقول إذا سمع المنادي","level":2,"page":511},{"title":"٢٥٤ - باب الدعاء عند النداء","level":2,"page":513},{"title":"٢٥٥ - باب الاستهام في الأذان","level":2,"page":514},{"title":"٢٥٦ - باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره","level":2,"page":515},{"title":"٢٥٧ - باب الأذان بعد الفجر","level":2,"page":517},{"title":"٢٥٨ - باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة","level":2,"page":518},{"title":"٢٥٩ - باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء","level":2,"page":519},{"title":"٢٦٠ - باب من قال: ليؤذن في السفر مؤذن واحد","level":2,"page":519},{"title":"٢٦١ - باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة","level":2,"page":521},{"title":"٢٦٢ - باب هل يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان","level":2,"page":522},{"title":"٢٦٣ - باب قول الرجل فاتتنا الصلاة","level":2,"page":523},{"title":"٢٦٤ - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة","level":2,"page":525},{"title":"٢٦٥ - باب الإمام تعرض له الحاجة قبل الإقامة","level":2,"page":526},{"title":"أبواب صلاة الجماعة والإمامة","level":1,"page":527},{"title":"٢٦٦ - باب وجوب صلاة الجماعة","level":2,"page":527},{"title":"٢٦٧ - باب احتساب الآثار","level":2,"page":529},{"title":"٢٦٨ - باب فضل صلاة العشاء في الجماعة","level":2,"page":531},{"title":"٢٦٩ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد","level":2,"page":532},{"title":"٢٧٠ - باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح","level":2,"page":534},{"title":"٢٧١ - باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة","level":2,"page":535},{"title":"٢٧٢ - باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة","level":2,"page":537},{"title":"٢٧٣ - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة","level":2,"page":538},{"title":"٢٧٤ - باب إنما جعل الإمام ليؤتم به","level":2,"page":539},{"title":"٢٧٥ - باب متى يسجد من خلف الإمام","level":2,"page":543},{"title":"٢٧٦ - باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام","level":2,"page":544},{"title":"٢٧٧ - باب إمامة العبد والمولى","level":2,"page":545},{"title":"٢٧٨ - باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه","level":2,"page":546},{"title":"٢٧٩ - باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى","level":2,"page":548},{"title":"٢٨٠ - باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود","level":2,"page":550},{"title":"٢٨١ - باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها","level":2,"page":551},{"title":"٢٨٢ - باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي","level":2,"page":552},{"title":"٢٨٣ - باب تسويه الصفوف عند الإقامة وبعدها","level":2,"page":552},{"title":"٢٨٤ - باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف","level":2,"page":554},{"title":"٢٨٥ - باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة","level":2,"page":555},{"title":"٢٨٦ - باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء","level":2,"page":556},{"title":"أبواب صفة الصلاة","level":1,"page":556},{"title":"٢٨٧ - باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة","level":2,"page":558},{"title":"٢٨٨ - باب ما يقول بعد التكبير","level":2,"page":559},{"title":"٢٨٩ - باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة","level":2,"page":562},{"title":"٢٩٠ - باب الالتفات في الصلاة","level":2,"page":564},{"title":"٢٩١ - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها","level":2,"page":565},{"title":"٢٩٢ - باب القراءة في الظهر","level":2,"page":573},{"title":"٢٩٢ م - باب القراءة في العصر.","level":2,"page":574},{"title":"٢٩٣ - باب القراءة في المغرب","level":2,"page":576},{"title":"٢٩٤ - باب الجهر في المغرب","level":2,"page":577},{"title":"٢٩٥ - باب الجهر في العشاء","level":2,"page":579},{"title":"٢٩٦ - باب القراءة في العشاء","level":2,"page":581},{"title":"٢٩٧ - باب القراءة الفجر","level":2,"page":581},{"title":"٢٩٨ - باب الجهر بقراءة صلاة الفجر","level":2,"page":583},{"title":"٢٩٩ - باب الجمع بين السورتين في الركعة","level":2,"page":586},{"title":"٣٠٠ - باب يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب","level":2,"page":587},{"title":"٣٠١ - باب جهر الإمام بالتأمين","level":2,"page":588},{"title":"٣٠٢ - باب فضل التأمين","level":2,"page":590},{"title":"٣٠٣ - باب إذا ركع دون الصف","level":2,"page":590},{"title":"٣٠٤ - باب إتمام التكبير في الركوع","level":2,"page":591},{"title":"٣٠٥ - باب وضع الأكف على الركب في الركوع","level":2,"page":592},{"title":"٣٠٦ - باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والإطمأنينة","level":2,"page":593},{"title":"٣٠٧ - باب الدعاء في الركوع","level":2,"page":594},{"title":"٣٠٨ - باب فضل: اللهم ربنا لك الحمد","level":2,"page":595},{"title":"٣٠٩ - باب","level":2,"page":596},{"title":"٣١٠ - باب الإطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع","level":2,"page":598},{"title":"٣١١ - باب فضل السجود","level":2,"page":599},{"title":"٣١٢ - باب السجود على الأنف","level":2,"page":605},{"title":"٣١٣ - باب المكث بين السجدتين","level":2,"page":607},{"title":"٣١٤ - باب لا يفترش ذراعيه في السجود","level":2,"page":608},{"title":"٣١٥ - باب من استوى قاعدا في وتر من صلاته ثم نهض","level":2,"page":608},{"title":"٣١٦ - باب يكبر وهو ينهض من السجدتين","level":2,"page":609},{"title":"٣١٧ - باب سنة الجلوس في التشهد","level":2,"page":610},{"title":"٣١٨ - باب من لم ير التشهد الأول واجبا","level":2,"page":612},{"title":"٣١٩ - باب التشهد في الآخرة","level":2,"page":613},{"title":"٣٢٠ - باب الدعاء قبل السلام","level":2,"page":615},{"title":"٣٢١ - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب","level":2,"page":617},{"title":"٣٢٢ - باب التسليم","level":2,"page":618},{"title":"٣٢٣ - باب يسلم حين يسلم الإمام","level":2,"page":620},{"title":"٣٢٤ - باب الذكر بعد الصلاة","level":2,"page":621},{"title":"٣٢٥ - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم","level":2,"page":624},{"title":"٣٢٦ - باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم","level":2,"page":627},{"title":"٣٢٧ - باب الانفتال والإنصراف عن اليمين والشمال","level":2,"page":628},{"title":"٣٢٨ - باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث","level":2,"page":628},{"title":"٣٢٩ - باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس","level":2,"page":630},{"title":"كتاب الجمعة","level":1,"page":632},{"title":"٣٣٠ - باب فرض الجمعة","level":2,"page":633},{"title":"٣٣١ - باب الطيب للجمعة","level":2,"page":634},{"title":"٣٣٢ - باب فضل الجمعة","level":2,"page":637},{"title":"٣٣٣ - باب الدهن للجمعة","level":2,"page":639},{"title":"٣٣٤ - باب يلبس أحسن ما يجد","level":2,"page":640},{"title":"٣٣٥ - باب السواك يوم الجمعة","level":2,"page":641},{"title":"٣٣٦ - باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة","level":2,"page":642},{"title":"٣٣٧ - باب الجمعة في القرى والمدن","level":2,"page":643},{"title":"٣٣٨ - باب هل على من يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم","level":2,"page":644},{"title":"٣٣٩ - باب من أين تؤتي الجمعة وعلى من تجب","level":2,"page":647},{"title":"٣٤٠ - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس","level":2,"page":648},{"title":"٣٤١ - باب المشي إلى الجمعة","level":2,"page":649},{"title":"٣٤٢ - باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه","level":2,"page":650},{"title":"٣٤٣ - باب الأذان يوم الجمعة","level":2,"page":651},{"title":"٣٤٤ - باب المؤذن الواحد يوم الجمعة","level":2,"page":652},{"title":"٣٤٥ - باب يجيب الإمام على المنبر إذا سمع النداء","level":2,"page":653},{"title":"٣٤٦ - باب الخطبة على المنبر","level":2,"page":654},{"title":"٣٤٧ - باب الخطبة قائما","level":2,"page":655},{"title":"٣٤٨ - باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد","level":2,"page":656},{"title":"٣٤٩ - باب إذا رأى الإمام رجلا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين","level":2,"page":659},{"title":"٣٥٠ - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة","level":2,"page":660},{"title":"٣٥١ - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب","level":2,"page":662},{"title":"٣٥٢ - باب الساعة التي في يوم الجمعة","level":2,"page":662},{"title":"٣٥٣ - باب إذا نفر الناس عن الإمام في صلاة الجمعة فصلاة الإمام ومن بقي جائزة","level":2,"page":663},{"title":"٣٥٤ - باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها","level":2,"page":665},{"title":"أبواب صلاة الخوف","level":1,"page":667},{"title":"٣٥٥ - باب","level":2,"page":667},{"title":"أبواب العيدين","level":1,"page":670},{"title":"٣٥٦ - باب الحراب والدرق يوم العيد","level":2,"page":671},{"title":"٣٥٧ - باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج","level":2,"page":672},{"title":"٣٥٨ - باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة","level":2,"page":673},{"title":"٣٥٩ - باب الخطبة بعد العيد","level":2,"page":675},{"title":"٣٦٠ - باب فضل العمل في أيام التشريق","level":2,"page":676},{"title":"٣٦١ - باب التكبير أيام منى","level":2,"page":677},{"title":"٣٦٢ - باب النحر والذبح بالمصلى يوم النحر","level":2,"page":678},{"title":"٣٦٣ - باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد","level":2,"page":679},{"title":"٣٦٤ - باب ما جاء في الوتر","level":2,"page":681},{"title":"أبواب الوتر","level":1,"page":681},{"title":"٣٦٥ - باب ساعات الوتر","level":2,"page":685},{"title":"٣٦٦ - باب ليجعل آخر صلاته وترا","level":2,"page":685},{"title":"٣٦٧ - باب القنوت قبل الركوع وبعده","level":2,"page":686},{"title":"(أبواب الاستسقاء)","level":1,"page":689},{"title":"٣٦٨ - باب الاستسقاء وخروج النبي - ﷺ - إلى الاستسقاء","level":2,"page":690},{"title":"٣٦٩ - باب رفع الإمام يده في الاستسقاء","level":2,"page":691},{"title":"٣٧٠ - باب ما يقال إذا أمطرت","level":2,"page":692},{"title":"٣٧١ - باب إذا هبت الريح","level":2,"page":692},{"title":"٣٧٢ - باب قول النبي - ﷺ - نصرت بالصبا","level":2,"page":693},{"title":"٣٧٣ - باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله","level":2,"page":694},{"title":"أبواب الكسوف","level":1,"page":696},{"title":"٣٧٤ - باب الصلاة في كسوف الشمس","level":2,"page":697},{"title":"٣٧٥ - باب النداء بالصلاة جامعة","level":2,"page":700},{"title":"٣٧٦ - باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف","level":2,"page":701},{"title":"٣٧٧ - باب صلاة الكسوف جماعة","level":2,"page":702},{"title":"٣٧٨ - باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس","level":2,"page":704},{"title":"٣٧٩ - باب الجهر بالقراءة في الكسوف","level":2,"page":705},{"title":"أبواب سجود القرآن","level":1,"page":707},{"title":"٣٨٠ - باب ما جاء في سجود القرآن","level":2,"page":708},{"title":"٣٨١ - باب سجدة (ص)","level":2,"page":709},{"title":"٣٨٢ - باب من قرأ السجدة ولم يسجد","level":2,"page":710},{"title":"٣٨٣ - باب سجدة (إذا السماء انشقت)","level":2,"page":711},{"title":"٣٨٤ - باب من سجد لسجود القارىء","level":2,"page":712},{"title":"أبواب تقصير الصلاة","level":1,"page":714},{"title":"٣٨٥ - باب الصلاة بمنى","level":2,"page":715},{"title":"٣٨٦ - باب في كم يقصر الصلاة","level":2,"page":718},{"title":"٣٨٧ - باب يقصر إذا خرج من موضعه","level":2,"page":719},{"title":"٣٨٨ - باب يصلي المغرب ثلاثا في السفر","level":2,"page":720},{"title":"٣٨٩ - باب صلاة التطوع على الدواب حيثما توجهت به","level":2,"page":721},{"title":"٣٩٠ - باب صلاة التطوع على الحمار","level":2,"page":722},{"title":"٣٩١ - باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها","level":2,"page":722},{"title":"٣٩٢ - باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها","level":2,"page":723},{"title":"٣٩٣ - باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء","level":2,"page":724},{"title":"٣٩٤ - باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب","level":2,"page":725},{"title":"٣٩٥ - باب إذا صلى قاعدا، ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي","level":2,"page":726},{"title":"كتاب التهجد","level":1,"page":728},{"title":"٣٩٦ - باب فضل قيام الليل","level":2,"page":728},{"title":"٣٩٧ - باب ترك القيام للمريض","level":2,"page":729},{"title":"٣٩٨ - باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب","level":2,"page":730},{"title":"٣٩٩ - باب من نام عند السحر","level":2,"page":731},{"title":"٤٠٠ - باب طول القيام في صلاة الليل","level":2,"page":732},{"title":"٤٠١ - باب كيف صلاة النبي - ﷺ -، وكم كان النبي - ﷺ - يصلي من الليل","level":2,"page":733},{"title":"٤٠٢ - باب قيام النبي - ﷺ - بالليل ونومه وما نسخ من قيام الليل","level":2,"page":734},{"title":"٤٠٣ - باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل","level":2,"page":736},{"title":"٤٠٤ - باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه","level":2,"page":737},{"title":"٤٠٥ - باب الدعاء والصلاة من آخر الليل","level":2,"page":738},{"title":"٤٠٦ - باب من نام أول الليل وأحيا آخره","level":2,"page":739},{"title":"٤٠٧ - باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره","level":2,"page":739},{"title":"٤٠٨ - باب ما يكره من التشديد في العبادة","level":2,"page":741},{"title":"٤٠٩ - باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه","level":2,"page":741},{"title":"٤١٠ - باب فضل من تعار من الليل فصلى","level":2,"page":742},{"title":"٤١١ - باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماها تطوعا","level":2,"page":743},{"title":"٤١٢ - باب ما يقرأ في ركعتي الفجر","level":2,"page":744},{"title":"أبواب التطوع","level":1,"page":745},{"title":"٤١٣ - باب صلاة الضحى في الحضر","level":2,"page":745},{"title":"٤١٤ - باب الركعتين قبل الظهر","level":2,"page":746},{"title":"٤١٥ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة","level":2,"page":748},{"title":"٤١٦ - باب إتيان مسجد قباء راكبا أو ماشيا","level":2,"page":751},{"title":"٤١٧ - باب فضل ما بين القبر والمنبر","level":2,"page":752},{"title":"أبواب العمل في الصلاة","level":1,"page":753},{"title":"٤١٨ - باب ما ينهى من الكلام في الصلاة","level":2,"page":753},{"title":"٤١٩ - باب الخصر في الصلاة","level":2,"page":755},{"title":"٤٢٠ - باب إذا صلى خمسا","level":2,"page":756},{"title":"أبواب السهو","level":1,"page":756},{"title":"٤٢١ - باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع","level":2,"page":758},{"title":"كتاب الجنائز","level":1,"page":760},{"title":"٤٢٢ - باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا اله إلا الله","level":2,"page":760},{"title":"٤٢٣ - باب الأمر بإتباع الجنائز","level":2,"page":762},{"title":"٤٢٤ - باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه","level":2,"page":765},{"title":"٤٢٥ - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه","level":2,"page":768},{"title":"٤٢٦ - باب فضل من مات له ولد فاحتسب","level":2,"page":770},{"title":"٤٢٧ - باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر","level":2,"page":771},{"title":"٤٢٨ - باب يبدأ بميامن الميت","level":2,"page":772},{"title":"٤٢٩ - باب الثياب البيض للكفن","level":2,"page":773},{"title":"٤٣٠ - باب الكفن في ثوبين","level":2,"page":774},{"title":"٤٣١ - باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف","level":2,"page":775},{"title":"٤٣٢ - باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه أو قدميه غطى به رأسه","level":2,"page":776},{"title":"٤٣٣ - باب من استعد الكفن في زمن النبي - ﷺ - فلم ينكر عليه","level":2,"page":778},{"title":"٤٣٤ - باب اتباع النساء الجنائز","level":2,"page":779},{"title":"٤٣٥ - باب احداد المرأة على غير زوجها","level":2,"page":779},{"title":"٤٣٦ - باب زيارة القبور","level":2,"page":780},{"title":"٤٣٧ - باب ما يكرة من النياحة على الميت","level":2,"page":781},{"title":"٤٣٨ - باب ليس منا من شق الجيوب","level":2,"page":783},{"title":"٤٣٩ - باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن","level":2,"page":784},{"title":"٤٤٠ - باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة","level":2,"page":785},{"title":"٤٤١ - باب قول النبي - ﷺ - إنا بك لمحزونون","level":2,"page":787},{"title":"٤٤٢ - باب البكاء عند المريض","level":2,"page":789},{"title":"٤٤٣ - باب ما ينهى عن النوح والبكاء والزجر عن ذلك","level":2,"page":790},{"title":"٤٤٤ - باب متى يقعد إذا قام للجنازة","level":2,"page":791},{"title":"٤٤٥ - باب من قام لجنازة يهودي","level":2,"page":792},{"title":"٤٤٦ - باب حمل الرجال الجنازة دون النساء","level":2,"page":793},{"title":"٤٤٧ - باب السرعة بالجنازة","level":2,"page":794},{"title":"٤٤٨ - باب فضل اتباع الجنائز","level":2,"page":794},{"title":"٤٤٩ - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور","level":2,"page":795},{"title":"٤٥٠ - باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها","level":2,"page":796},{"title":"٤٥١ - باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة","level":2,"page":797},{"title":"٤٥٢ - باب الميت يسمع خفق النعال","level":2,"page":798},{"title":"٤٥٣ - باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها","level":2,"page":800},{"title":"٤٥٤ - باب الصلاة على الشهيد","level":2,"page":802},{"title":"٤٥٥ - باب ثناء الناس على الميت","level":2,"page":804},{"title":"٤٥٦ - باب ما جاء في عذاب القبر","level":2,"page":806},{"title":"٤٥٧ - باب ما ينهى عن سب الأموات","level":2,"page":811},{"title":"كتاب الزكاة","level":1,"page":814},{"title":"٤٥٨ - باب وجوب الزكاة","level":2,"page":815},{"title":"٤٥٩ - باب إثم مانع الزكاة","level":2,"page":821},{"title":"٤٦٠ - باب الصدقة من كسب طيب","level":2,"page":822},{"title":"٤٦١ - باب الصدقة قبل الرد","level":2,"page":824},{"title":"٤٦٢ - باب اتقوا النار ولو بشق تمرة","level":2,"page":828},{"title":"٤٦٣ - باب أي الصدقة أفضل","level":2,"page":829},{"title":"٤٦٤ - باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم","level":2,"page":830},{"title":"٤٦٥ - باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر","level":2,"page":832},{"title":"٤٦٦ - باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه","level":2,"page":834},{"title":"٤٦٧ - باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها","level":2,"page":835},{"title":"٤٦٨ - باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها","level":2,"page":836},{"title":"٤٦٩ - باب على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد فليعمل بالمعروف","level":2,"page":838},{"title":"٤٧٠ - باب العرض في الزكاة","level":2,"page":839},{"title":"٤٧١ - باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع","level":2,"page":842},{"title":"٤٧٢ - باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية","level":2,"page":843},{"title":"٤٧٣ - باب زكاة الإبل","level":2,"page":845},{"title":"٤٧٤ - باب زكاة الغنم","level":2,"page":846},{"title":"٤٧٥ - باب لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق","level":2,"page":849},{"title":"٤٧٦ - باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة","level":2,"page":850},{"title":"٤٧٧ - باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر","level":2,"page":852},{"title":"٤٧٨ - باب الاستعفاف عن المسألة","level":2,"page":853},{"title":"٤٧٩ - باب من أعطاه الله شيئا من غير مسألة ولا إشراف نفس","level":2,"page":858},{"title":"٤٨٠ - باب من سأل الناس تكثرا","level":2,"page":859},{"title":"٤٨١ - باب قول الله تعالى (لا يسألون الناس إلحافا) وكم الغنى","level":2,"page":860},{"title":"٤٨٢ - باب خرص التمر","level":2,"page":861},{"title":"٤٨٣ - - باب العشر فيما يسقى من ماء السماء أو بالماء الجاري","level":2,"page":864},{"title":"٤٨٤ - باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل، وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة","level":2,"page":865},{"title":"٤٨٥ - باب ليس على المسلم في عبده صدقة","level":2,"page":866},{"title":"٤٨٦ - باب إذا تحولت الصدقة","level":2,"page":867},{"title":"٤٨٧ - باب في الركاز الخمس","level":2,"page":868},{"title":"٤٨٨ - باب قول الله تعالى (والعاملين عليها) ومحاسبة المصدقين مع الإمام","level":2,"page":868},{"title":"٤٨٩ - باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده","level":2,"page":869},{"title":"٤٩٠ - باب فرض صدقة الفطر","level":2,"page":871},{"title":"أبواب صدقة الفطر","level":1,"page":871},{"title":"٤٩١ - باب الصدقة قبل العيد","level":2,"page":873},{"title":"كتاب الحج","level":1,"page":875},{"title":"٤٩٢ - باب وجوب الحج وفضله","level":2,"page":875},{"title":"٤٩٣ - باب قول الله تعالى (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)","level":2,"page":878},{"title":"٤٩٤ - باب الحج على الرحل","level":2,"page":880},{"title":"٤٩٥ - باب فضل الحج المبرور","level":2,"page":881},{"title":"٤٩٦ - باب مهل أهل مكة للحج والعمرة","level":2,"page":883},{"title":"٤٩٨ - باب خروج النبي - ﷺ - على طريق الشجرة","level":2,"page":885},{"title":"٤٩٧ - باب","level":2,"page":885},{"title":"٤٩٩ - باب قول النبي - ﷺ - العقيق واد مبارك","level":2,"page":887},{"title":"٥٠٠ - باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب","level":2,"page":888},{"title":"٥٠١ - باب الطيب عند الإحرام","level":2,"page":891},{"title":"٥٠٢ - باب من أهل ملبدا","level":2,"page":891},{"title":"٥٠٣ - باب الإهلال عند مسجد ذي الحليفة","level":2,"page":892},{"title":"٥٠٤ - باب الركوب والارتداف في الحج","level":2,"page":893},{"title":"٥٠٥ - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر","level":2,"page":894},{"title":"٥٠٦ - باب التلبية","level":2,"page":895},{"title":"٥٠٧ - باب الإهلال مستقبل القبلة","level":2,"page":896},{"title":"٥٠٨ - باب التلبية إذا انحدر في الوادي","level":2,"page":897},{"title":"٥٠٩ - باب قول الله تعالى (الحج أشهر معلومات)","level":2,"page":898},{"title":"٥١٠ - باب التمتع والإقران والإفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي","level":2,"page":899},{"title":"٥١١ - باب من أين يخرج من مكة","level":2,"page":905},{"title":"٥١٢ - باب ما ذكر في الحجر الأسود","level":2,"page":906},{"title":"٥١٣ - باب من كبر في نواحي الكعبة","level":2,"page":907},{"title":"٥١٤ - باب كيف كان بدء الرمل","level":2,"page":909},{"title":"٥١٥ - باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثا","level":2,"page":910},{"title":"٥١٦ - باب الرمل في الحج والعمرة","level":2,"page":910},{"title":"٥١٧ - باب استلام الركن بالمحجن","level":2,"page":912},{"title":"٥١٨ - باب تقبيل الحجر","level":2,"page":912},{"title":"٥١٩ - باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته","level":2,"page":914},{"title":"٥٢٠ - باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة","level":2,"page":915},{"title":"٥٢١ - باب ما جاء في زمزم","level":2,"page":916},{"title":"٥٢٢ - باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله","level":2,"page":917},{"title":"٥٢٣ - باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة","level":2,"page":919},{"title":"٥٢٤ - باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت","level":2,"page":920},{"title":"٥٢٥ - باب أين يصلي الظهر يوم التروية؟","level":2,"page":921},{"title":"٥٢٦ - باب صوم يوم عرفة","level":2,"page":922},{"title":"٥٢٧ - باب التهجير بالرواح إلى عرفة","level":2,"page":923},{"title":"٥٢٨ - باب الوقوف بعرفة","level":2,"page":926},{"title":"٥٢٩ - باب السير إذا دفع من عرفة","level":2,"page":929},{"title":"٥٣٠ - باب أمر النبي - ﷺ - بالسكينة عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط","level":2,"page":930},{"title":"٥٣١ - باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة، ويدعون ويقدم إذا غاب القمر","level":2,"page":931},{"title":"٥٣٢ - باب صلاة الفجر في المزدلفة","level":2,"page":934},{"title":"٥٣٣ - باب متى يدفع من جمع","level":2,"page":937},{"title":"٥٣٤ - باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة","level":2,"page":938},{"title":"٥٣٥ - باب ركوب البدن","level":2,"page":940},{"title":"٥٣٦ - باب من أشعر وقلد بذي الحليفة","level":2,"page":941},{"title":"٥٣٧ - باب من قلد القلائد بيده","level":2,"page":943},{"title":"٥٣٨ - باب تقليد الغنم","level":2,"page":944},{"title":"٥٣٩ - باب القلائد من العهن","level":2,"page":944},{"title":"٥٤٠ - باب الجلال للبدن","level":2,"page":945},{"title":"٥٤١ - باب ذبح الرجل البقر عن نسائه","level":2,"page":945},{"title":"٥٤٢ - باب النحر في منحر النبي - ﷺ - بمنى","level":2,"page":946},{"title":"٥٤٣ - باب نحر الإبل مقيدة","level":2,"page":947},{"title":"٥٤٤ - باب لا يعطي الجزار من الهدي شيئا","level":2,"page":948},{"title":"٥٤٥ - باب ما يأكل من البدن وما يتصدق","level":2,"page":949},{"title":"٥٤٦ - باب الذبح قبل الحلق","level":2,"page":950},{"title":"٥٤٧ - باب الحلق والتقصير عند الإحلال","level":2,"page":953},{"title":"٥٤٨ - باب رمي الجمار","level":2,"page":954},{"title":"٥٤٩ - باب رمي الجمار من بطن الوادي","level":2,"page":955},{"title":"٥٥٠ - باب رمي الجمار بسبع حصيات","level":2,"page":956},{"title":"٥٥١ - باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل","level":2,"page":957},{"title":"٥٥٢ - باب طواف الوداع","level":2,"page":958},{"title":"٥٥٣ - باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح","level":2,"page":959},{"title":"٥٥٤ - باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت","level":2,"page":960},{"title":"٥٥٥ - باب المحصب","level":2,"page":961},{"title":"٥٥٦ - باب من نزل بذي طوى إذا رجع من مكة","level":2,"page":961},{"title":"٥٥٧ - وجوب العمرة وفضلها","level":2,"page":963},{"title":"أبواب العمرة","level":1,"page":963},{"title":"٥٥٨ - باب من اعتمر قبل أن يحج","level":2,"page":965},{"title":"٥٥٩ - باب كم اعتمر النبي - ﷺ -","level":2,"page":966},{"title":"٥٦٠ - باب عمرة التنعيم","level":2,"page":967},{"title":"٥٦١ - باب أجر العمرة على قدر النصب","level":2,"page":969},{"title":"٥٦٢ - باب عمرة في رمضان","level":2,"page":969},{"title":"٥٦٣ - باب متى يحل المعتمر","level":2,"page":971},{"title":"٥٦٤ - باب استقبال الحاج القادمين","level":2,"page":972},{"title":"٥٦٥ - باب: لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة","level":2,"page":973},{"title":"٥٦٦ - باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة","level":2,"page":973},{"title":"أبواب المحصر","level":1,"page":975},{"title":"٥٦٧ - باب إذا أحصر المعتمر","level":2,"page":979},{"title":"٥٦٨ - باب الإحصار في الحج","level":2,"page":980},{"title":"٥٦٩ - باب النحر قبل الحلق في الحصر","level":2,"page":982},{"title":"٥٧٠ - باب قول الله تعالى (أو صدقة) وهي إطعام ستة مساكين","level":2,"page":983},{"title":"٥٧١ - باب قول الله ﷿ (فلا رفث)","level":2,"page":985},{"title":"جزاء الصيد","level":1,"page":986},{"title":"٥٧٢ - باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله","level":2,"page":986},{"title":"٥٧٣ - باب ما يقتل المحرم من الدواب","level":2,"page":988},{"title":"٥٧٤ - باب الحجامة للمحرم","level":2,"page":990},{"title":"٥٧٥ - باب تزويج المحرم","level":2,"page":990},{"title":"٥٧٦ - باب الاغتسال للمحرم","level":2,"page":991},{"title":"٥٧٧ - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام","level":2,"page":992},{"title":"٥٧٨ - باب حج الصبيان","level":2,"page":994},{"title":"٥٧٩ - باب من نذر المشي إلى الكعبة","level":2,"page":995},{"title":"كتاب فضائل المدينة","level":1,"page":997},{"title":"٥٨٠ - باب حرم المدينة","level":2,"page":998},{"title":"٥٨١ - باب فضل المدينة وأنها تنفي الخبث","level":2,"page":1000},{"title":"٥٨٢ - باب المدينة طابة","level":2,"page":1001},{"title":"٥٨٣ - باب من رغب عن المدينة","level":2,"page":1002},{"title":"٥٨٤ - باب الإيمان يأرز إلى المدينة","level":2,"page":1004},{"title":"٥٨٥ - باب إثم من كاد أهل المدينة","level":2,"page":1004},{"title":"٥٨٦ - باب لا يدخل الدجال المدينة","level":2,"page":1005},{"title":"٥٨٧ - باب","level":2,"page":1008},{"title":"٥٨٨ - باب فضل الصوم","level":2,"page":1012},{"title":"كتاب الصوم","level":1,"page":1012},{"title":"٥٨٩ - باب الريان للصائمين","level":2,"page":1014},{"title":"٥٩٠ - باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟","level":2,"page":1016},{"title":"٥٩١ - باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم","level":2,"page":1017},{"title":"٥٩٢ - باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة","level":2,"page":1018},{"title":"٥٩٣ - باب قول النبي - ﷺ - إذا رأيتم الهلال فصوموا","level":2,"page":1019},{"title":"٥٩٤ - باب قول النبي - ﷺ - لا نكتب ولا نحسب","level":2,"page":1021},{"title":"٥٩٥ - باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين","level":2,"page":1022},{"title":"٥٩٦ - باب قول الله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)","level":2,"page":1023},{"title":"٥٩٧ - باب بركة السحور من غير إيجاب","level":2,"page":1025},{"title":"٥٩٨ - باب الصائم يصبح جنبا","level":2,"page":1025},{"title":"٥٩٩ - باب المباشرة للصائم","level":2,"page":1026},{"title":"٦٠٠ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا","level":2,"page":1027},{"title":"٦٠١ - باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفره","level":2,"page":1028},{"title":"٦٠٢ - باب الحجامة والقيء للصائم","level":2,"page":1031},{"title":"٦٠٣ - باب الصوم في السفر والإفطار","level":2,"page":1032},{"title":"٦٠٤ - باب من مات وعليه صوم","level":2,"page":1034},{"title":"٦٠٥ - باب متى يحل فطر الصائم؟","level":2,"page":1036},{"title":"٦٠٦ - باب تعجيل الإفطار","level":2,"page":1037},{"title":"٦٠٧ - باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس","level":2,"page":1037},{"title":"٦٠٨ - باب التنكيل لمن أكثر الوصال","level":2,"page":1038},{"title":"٦٠٩ - باب صوم شعبان","level":2,"page":1040},{"title":"٦١٠ - باب حق الجسم في الصوم","level":2,"page":1040},{"title":"٦١١ - باب من زار قوما لم يفطر عندهم","level":2,"page":1042},{"title":"٦١٢ - باب صوم الجمعة فإذا أصبح صائما يوم الجمعة فعليه أن يفطر","level":2,"page":1044},{"title":"٦١٣ - باب هل يخص شيئا من الأيام","level":2,"page":1046},{"title":"٦١٤ - باب صوم يوم الفطر","level":2,"page":1047},{"title":"٦١٥ - باب صيام أيام التشريق","level":2,"page":1048},{"title":"٦١٦ - باب صيام يوم عاشوراء","level":2,"page":1049},{"title":"كتاب صلاة التراويح","level":1,"page":1051},{"title":"٦١٧ - باب فضل قيام رمضان","level":2,"page":1052},{"title":"٦١٨ - باب فضل ليلة القدر","level":2,"page":1054},{"title":"٦١٩ - باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر","level":2,"page":1056},{"title":"٦٢٠ - باب العمل في العشر الأواخر من رمضان","level":2,"page":1058},{"title":"كتاب الاعتكاف","level":1,"page":1059},{"title":"٦٢١ - باب الاعتكاف في العشر الأواخر","level":2,"page":1059},{"title":"٦٢٢ - باب لا يدخل البيت إلا لحاجة","level":2,"page":1060},{"title":"٦٢٣ - باب الأخبية في المسجد","level":2,"page":1061},{"title":"كتاب البيوع","level":1,"page":1063},{"title":"٦٢٤ - باب ما جاء في قول الله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)","level":2,"page":1065},{"title":"٦٢٥ - باب من لم يبال من أين كسب المال؟","level":2,"page":1067},{"title":"٦٢٦ - باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة","level":2,"page":1068},{"title":"٦٢٧ - باب السهولة والسماحة في البيع","level":2,"page":1069},{"title":"٦٢٨ - باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا","level":2,"page":1070},{"title":"٦٢٩ - باب بيع الخلط من التمر","level":2,"page":1071},{"title":"٦٣٠ - باب موكل الربا","level":2,"page":1072},{"title":"٦٣١ - باب ما يكره من الحلف في البيع","level":2,"page":1074},{"title":"٦٣٢ - باب ذكر الحجام","level":2,"page":1075},{"title":"٦٣٣ - باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء","level":2,"page":1076},{"title":"٦٣٤ - باب ما يكره من الخداع في البيع","level":2,"page":1077},{"title":"٦٣٥ - باب ما ذكر في الأسواق","level":2,"page":1078},{"title":"٦٣٦ - باب ما يستحب من الكيل","level":2,"page":1079},{"title":"٦٣٧ - باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة","level":2,"page":1080},{"title":"٦٣٨ - باب لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك","level":2,"page":1081},{"title":"٦٣٩ - باب بيع المزايدة","level":2,"page":1083},{"title":"٦٤٠ - باب بيع الغرر وحبل الحبلة","level":2,"page":1084},{"title":"٦٤١ - باب إن شاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر","level":2,"page":1086},{"title":"٦٤٢ - باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر","level":2,"page":1088},{"title":"٦٤٣ - باب بيع الشعير بالشعير","level":2,"page":1089},{"title":"٦٤٤ - باب بيع الذهب بالذهب","level":2,"page":1091},{"title":"٦٤٥ - باب بيع الدينار بالدينار نساء","level":2,"page":1092},{"title":"٦٤٦ - باب بيع الورق بالذهب نسيئة","level":2,"page":1094},{"title":"٦٤٧ - باب بيع المزابنة","level":2,"page":1095},{"title":"٦٤٨ - باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابتها عاهة فهو من البائع","level":2,"page":1097},{"title":"٦٤٩ - باب بيع المخاضرة","level":2,"page":1100},{"title":"٦٥٠ - باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، وما يكره من ذلك","level":2,"page":1101},{"title":"٦٥١ - باب تحريم التجارة في الخمر","level":2,"page":1103},{"title":"٦٥٢ - باب إثم من باع حرا","level":2,"page":1104},{"title":"٦٥٣ - باب بيع المدبر","level":2,"page":1105},{"title":"٦٥٤ - باب ثمن الكلب","level":2,"page":1105},{"title":"٦٥٥ - باب بيع السلم في كيل معلوم","level":2,"page":1107},{"title":"كتاب السلم","level":1,"page":1107},{"title":"كتاب الشفعة","level":1,"page":1111},{"title":"٦٥٦ - باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع","level":2,"page":1111},{"title":"كتاب الإجارة","level":1,"page":1114},{"title":"٦٥٧ - باب استئجار الرجل الصالح وقول الله تعالى (إن خير من استأجرت القوي الأمين) ومن لم يستعمل من أراده","level":2,"page":1115},{"title":"٦٥٨ - باب إثم من منع أجر الأجير","level":2,"page":1116},{"title":"٦٥٩ - باب ما يعطى في الرقية","level":2,"page":1117},{"title":"٦٦٠ - باب عسب الفحل","level":2,"page":1120},{"title":"٦٦١ - باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة","level":2,"page":1122},{"title":"كتاب الحوالات","level":1,"page":1122},{"title":"٦٦٢ - باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز","level":2,"page":1125},{"title":"٦٦٣ - باب وكالة الشريك الشريك في القسمة وغيرها","level":2,"page":1128},{"title":"كتاب الوكالة","level":1,"page":1128},{"title":"٦٦٤ - باب الوكالة في قضاء الديون","level":2,"page":1129},{"title":"٦٦٥ - باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز","level":2,"page":1132},{"title":"٦٦٦ - باب الوكالة في الحدود","level":2,"page":1135},{"title":"٦٦٧ - باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه","level":2,"page":1137},{"title":"كتاب المزارعة","level":1,"page":1137},{"title":"٦٦٨ - باب اقتناء الكلب للحرث","level":2,"page":1138},{"title":"٦٦٩ - باب استعمال البقر للحراثة","level":2,"page":1139},{"title":"٦٧٠ - باب إذا قال: اكفني مؤونة النخل أو غيره، وتشركني في الثمر","level":2,"page":1141},{"title":"٦٧١ - باب المزارعة بالشطر ونحوه","level":2,"page":1144},{"title":"٦٧٢ - باب من أحيا أرضا مواتا","level":2,"page":1146},{"title":"٦٧٣ - باب","level":2,"page":1147},{"title":"كتاب المساقاة","level":1,"page":1149},{"title":"٦٧٤ - باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة مقسوما أو غير مقسوم","level":2,"page":1149},{"title":"٦٧٥ - باب من قال: إن صاحب الماء أحق حتى يروى","level":2,"page":1150},{"title":"٦٧٦ - باب إثم من منع ابن السبيل من الماء","level":2,"page":1151},{"title":"كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس","level":1,"page":1153},{"title":"٦٧٧ - باب من اشترى بالدين وليس، عنده ثمنه","level":2,"page":1153},{"title":"٦٧٨ - باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها","level":2,"page":1155},{"title":"٦٧٩ - باب أداء الديون","level":2,"page":1156},{"title":"٦٨٠ - باب حسن التقاضي","level":2,"page":1157},{"title":"٦٨١ - باب حسن القضاء","level":2,"page":1158},{"title":"٦٨٢ - باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به","level":2,"page":1159},{"title":"٦٨٣ - باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء وأعطاه حتى ينفق على نفسه","level":2,"page":1160},{"title":"٦٨٤ - باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة","level":2,"page":1164},{"title":"كتاب الخصومات","level":1,"page":1164},{"title":"٦٨٥ - باب كلام الخصوم بعضهم في بعض","level":2,"page":1166},{"title":"٦٨٦ - باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها","level":2,"page":1168},{"title":"كتاب اللقطة","level":1,"page":1168},{"title":"٦٨٧ - باب إذا وجد تمرة في الطريق","level":2,"page":1171},{"title":"٦٨٨ - باب قصاص المظالم","level":2,"page":1172},{"title":"كتاب المظالم","level":1,"page":1172},{"title":"٦٨٩ - باب قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين","level":2,"page":1174},{"title":"٦٩٠ - باب الظلم ظلمات يوم القيامة","level":2,"page":1175},{"title":"٦٩١ - باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له هل يبين له مظلمته","level":2,"page":1176},{"title":"٦٩٢ - باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه","level":2,"page":1177},{"title":"٦٩٣ - باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره","level":2,"page":1179},{"title":"٦٩٤ - باب النهبى بغير إذن صاحبه","level":2,"page":1181},{"title":"٦٩٥ - باب من قاتل دون ماله","level":2,"page":1182},{"title":"٦٩٦ - باب إذا كسر قصعة أو شيئا لغيره","level":2,"page":1184},{"title":"كتاب الشركة","level":1,"page":1187},{"title":"٦٩٧ - باب الشركة في الطعام والنهد والعروض","level":2,"page":1188},{"title":"٦٩٨ - باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل","level":2,"page":1190},{"title":"٦٩٩ - باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة","level":2,"page":1191},{"title":"٧٠٠ - باب الشركة في الطعام وغيره","level":2,"page":1192},{"title":"كتاب الرهن","level":1,"page":1194},{"title":"٧٠١ - باب الرهن مركوب ومحلوب","level":2,"page":1194},{"title":"كتاب العتق","level":1,"page":1196},{"title":"٧٠٢ - باب ما جاء في العتق وفضله","level":2,"page":1197},{"title":"٧٠٣ - باب أي الرقاب أفضل","level":2,"page":1198},{"title":"٧٠٤ - باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء","level":2,"page":1200},{"title":"٧٠٥ - باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله: عبدي وأمتي","level":2,"page":1203},{"title":"٧٠٦ - باب إذا أتاه خادمه بطعامه","level":2,"page":1204},{"title":"٧٠٧ - باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه","level":2,"page":1205},{"title":"٧٠٨ - باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله","level":2,"page":1209},{"title":"باب في المكاتب","level":1,"page":1209},{"title":"٧٠٩ - كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها","level":2,"page":1213},{"title":"٧١٠ - باب القليل من الهبة","level":2,"page":1214},{"title":"٧١١ - باب ما لا يرد من الهدية","level":2,"page":1215},{"title":"٧١٢ - باب المكافأة في الهبة","level":2,"page":1216},{"title":"٧١٣ - باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله","level":2,"page":1217},{"title":"٧١٤ - باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة","level":2,"page":1221},{"title":"٧١٥ - باب قبول الهدية من المشركين","level":2,"page":1223},{"title":"٧١٦ - باب الهدية للمشركين","level":2,"page":1224},{"title":"٧١٧ - باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته","level":2,"page":1226},{"title":"٧١٨ - باب ما قيل في العمرى والرقبى","level":2,"page":1227},{"title":"٧١٩ - باب الاستعارة للعروس عند البناء","level":2,"page":1230},{"title":"٧٢٠ - باب فضل المنيحة","level":2,"page":1231},{"title":"كتاب الشهادات","level":1,"page":1233},{"title":"٧٢١ - باب ما قيل في شهادة الزور","level":2,"page":1234},{"title":"٧٢٢ - باب شهادة الأعمى","level":2,"page":1236},{"title":"٧٢٣ - باب تعديل النساء بعضهن على بعض: - حديث الإفك","level":2,"page":1237},{"title":"٧٢٤ - باب إذا زكى رجل رجلا كفاه","level":2,"page":1253},{"title":"٧٢٥ - باب إذا تسارع قوم في اليمين","level":2,"page":1255},{"title":"٧٢٦ - باب كيف يستحلف","level":2,"page":1256},{"title":"٧٢٧ - باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس","level":2,"page":1257},{"title":"كتاب الصلح","level":1,"page":1257},{"title":"٧٢٨ - باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح","level":2,"page":1258},{"title":"٧٢٩ - باب كيف يكتب: هذا ما صالح عليه فلان بن فلان، وفلان بن فلان، وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه","level":2,"page":1260},{"title":"٧٣٠ - باب هل يشير الإمام بالصلح","level":2,"page":1264},{"title":"كتاب الشروط","level":1,"page":1265},{"title":"٧٣١ - باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح","level":2,"page":1266},{"title":"٧٣٢ - باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك","level":2,"page":1266},{"title":"كتاب الوصايا","level":1,"page":1269},{"title":"٧٣٣ - باب الوصايا وقول النبي - ﷺ - وصية الرجل مكتوبة عنده","level":2,"page":1270},{"title":"٧٣٤ - باب الوصية بالثلث","level":2,"page":1272},{"title":"٧٣٥ - باب لا وصية لوارث","level":2,"page":1273},{"title":"٧٣٦ - باب الصدقة عند الموت","level":2,"page":1277},{"title":"٧٣٧ - باب هل يدخل الولد والنساء في الأقارب","level":2,"page":1279},{"title":"٧٣٨ - باب ما يستحب لمن يتوفى فجأة أن يتصدقوا عنه، وقضاء النذور عن الميت","level":2,"page":1281},{"title":"٧٣٩ - باب الوقف كيف يكتب","level":2,"page":1283},{"title":"٧٤٠ - باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الفاسقين)","level":2,"page":1285},{"title":"كتاب الجهاد والسير","level":1,"page":1288},{"title":"٧٤١ - باب فضل الجهاد والسير","level":2,"page":1289},{"title":"٧٤٢ - باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله","level":2,"page":1290},{"title":"٧٤٣ - باب الغدوة والروحة في سبيل الله","level":2,"page":1292},{"title":"٧٤٤ - باب من يجرح في سبيل الله ﷿","level":2,"page":1293},{"title":"٧٤٥ - باب من أتاه سهم غرب فقتله","level":2,"page":1294},{"title":"٧٤٦ - باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا","level":2,"page":1295},{"title":"٧٤٧ - باب ظل الملائكة على الشهيد","level":2,"page":1296},{"title":"٧٤٨ - باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا","level":2,"page":1297},{"title":"٧٤٩ - باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية","level":2,"page":1298},{"title":"٧٥٠ - باب من اختار الغزو على الصوم","level":2,"page":1299},{"title":"٧٥١ - باب حفر الخندق","level":2,"page":1300},{"title":"٧٥٢ - باب فضل الصوم في سبيل الله","level":2,"page":1302},{"title":"٧٥٣ - باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير","level":2,"page":1303},{"title":"٧٥٤ - باب التحنط عند القتال","level":2,"page":1304},{"title":"٧٥٥ - باب من احتبس فرسا في سبيل الله","level":2,"page":1305},{"title":"٧٥٦ - باب ما يذكر من شؤم الفرس","level":2,"page":1306},{"title":"٧٥٧ - باب ناقة النبي - ﷺ -","level":2,"page":1308},{"title":"٧٥٨ - باب مداواة النساء الجرحى في الغزو","level":2,"page":1309},{"title":"٧٥٩ - باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب","level":2,"page":1310},{"title":"٧٦٠ - باب التحريض على الرمي","level":2,"page":1312},{"title":"٧٦١ - باب ما قيل في قتال الروم","level":2,"page":1313},{"title":"٧٦٢ - باب قتال اليهود","level":2,"page":1314},{"title":"٧٦٣ - باب من أراد غزوة فورى بغيرها","level":2,"page":1315},{"title":"٧٦٤ - باب التوديع","level":2,"page":1316},{"title":"٧٦٥ - باب يقاتل من وراء الإمام","level":2,"page":1317},{"title":"٧٦٦ - باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت","level":2,"page":1318},{"title":"٧٦٧ - باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو","level":2,"page":1320},{"title":"٧٦٨ - باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة","level":2,"page":1320},{"title":"٧٦٩ - باب الجهاد بإذن الأبوين","level":2,"page":1321},{"title":"٧٧٠ - باب قتل النساء في الحرب","level":2,"page":1323},{"title":"٧٧١ - باب حرق الدور والنخيل","level":2,"page":1324},{"title":"٧٧٢ - باب الحرب خدعة","level":2,"page":1325},{"title":"٧٧٣ - باب فكاك الأسير","level":2,"page":1327},{"title":"٧٧٤ - باب فداء المشركين","level":2,"page":1328},{"title":"٧٧٥ - باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان","level":2,"page":1329},{"title":"٧٧٦ - باب استقبال الغزاة","level":2,"page":1330},{"title":"٧٧٧ - باب ما يقول إذا رجع من الغزو","level":2,"page":1331},{"title":"٧٧٨ - باب الصلاة إذا قدم من سفر","level":2,"page":1332},{"title":"كتاب فرض الخمس","level":1,"page":1333},{"title":"٧٧٩ - باب فرض الخمس","level":2,"page":1333},{"title":"٧٨٠ - باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ - وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك، مما لم يذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته، مما يتبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته","level":2,"page":1336},{"title":"٧٨١ - باب ما كان الرسول - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه","level":2,"page":1339},{"title":"٧٨٢ - باب من لم يخمس الأسلاب","level":2,"page":1340},{"title":"٧٨٣ - باب ما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس","level":2,"page":1342},{"title":"كتاب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب","level":1,"page":1342},{"title":"٧٨٤ - باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم","level":2,"page":1343},{"title":"٧٨٥ - باب إثم من عاهد ثم غدر","level":2,"page":1345},{"title":"٧٨٦ - باب إثم الغادر للبر والفاجر","level":2,"page":1347},{"title":"كتاب بدء الخلق","level":1,"page":1349},{"title":"٧٨٧ - باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)","level":2,"page":1350},{"title":"٧٨٨ - باب ما جاء في سبع أرضين، وقول الله تعالى: (الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن)","level":2,"page":1355},{"title":"٧٨٩ - باب صفة الشمس والقمر بحسبان","level":2,"page":1356},{"title":"٧٩٠ - باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم","level":2,"page":1358},{"title":"٧٩١ - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة","level":2,"page":1368},{"title":"٧٩٢ - باب صفة أبواب الجنة","level":2,"page":1373},{"title":"٧٩٣ - باب صفة النار وأنها مخلوقة","level":2,"page":1374},{"title":"٧٩٤ - باب صفة إبليس وجنوده","level":2,"page":1377},{"title":"٧٩٥ - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء","level":2,"page":1382},{"title":"٧٩٦ - باب خلق آدم - ﷺ - وذريته","level":2,"page":1384},{"title":"كتاب أحاديث الأنبياء","level":1,"page":1384},{"title":"٧٩٧ - باب قصة يأجوج ومأجوج","level":2,"page":1386},{"title":"٧٩٨ - باب قول الله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلا)","level":2,"page":1389},{"title":"٧٩٩ - باب قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى)","level":2,"page":1403},{"title":"٨٠٠ - باب قول الله تعالى (وإلى ثمود أخاهم صالحا)","level":2,"page":1405},{"title":"٨٠١ - باب قول الله تعالى (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون -إلى قوله- وكانت من القانتين)","level":2,"page":1406},{"title":"٨٠٢ - باب قول الله تعالى (وآتينا داوود زبورا)","level":2,"page":1408},{"title":"٨٠٣ - باب قول الله تعالى: (ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب)","level":2,"page":1408},{"title":"٨٠٤ - باب (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)","level":2,"page":1411},{"title":"٨٠٥ - باب قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا)","level":2,"page":1412},{"title":"٨٠٦ - باب نزول عيسى ابن مريم ﵉","level":2,"page":1415},{"title":"٨٠٧ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل","level":2,"page":1418},{"title":"٨٠٨ - حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل","level":2,"page":1422},{"title":"٨٠٩ - باب قول الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ...)","level":2,"page":1431},{"title":"باب المناقب","level":1,"page":1431},{"title":"٨١٠ - باب مناقب قريش","level":2,"page":1433},{"title":"٨١١ - باب قصة إسلام أبي ذر ﵁","level":2,"page":1436},{"title":"٨١٢ - باب من أحب أن لا يسب نسبه","level":2,"page":1440},{"title":"٨١٣ - باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":1441},{"title":"٨١٤ - باب خاتم النبيين - ﷺ -","level":2,"page":1443},{"title":"٨١٥ - باب صفة النبي - ﷺ -","level":2,"page":1445},{"title":"٨١٦ - باب علامات النبوة","level":2,"page":1453},{"title":"٨١٧ - باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر","level":2,"page":1460},{"title":"٨١٨ - باب","level":2,"page":1461},{"title":"٨١٩ - باب في فضائل أصحاب النبي - ﷺ -","level":2,"page":1462},{"title":"مناقب المهاجرين","level":1,"page":1466},{"title":"٨٢٠ - باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ -","level":2,"page":1466},{"title":"٨٢١ - باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي","level":2,"page":1467},{"title":"٨٢٢ - باب مناقب عثمان ﵁","level":2,"page":1469},{"title":"٨٢٣ - باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁","level":2,"page":1471},{"title":"٨٢٤ - باب مناقب جعفر بن أبي طالب","level":2,"page":1472},{"title":"٨٢٥ - باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁","level":2,"page":1473},{"title":"٨٢٦ - باب مناقب الحسن والحسين ﵄","level":2,"page":1474},{"title":"٨٢٧ - باب مناقب خالد بن الوليد ﵁","level":2,"page":1476},{"title":"٨٢٨ - باب منقبة فاطمة بنت النبي - ﷺ - ﵍","level":2,"page":1477},{"title":"٨٢٩ - باب فضل عائشة ﵂","level":2,"page":1479},{"title":"٨٣٠ - باب حب الأنصار من الإيمان","level":2,"page":1481},{"title":"مناقب الأنصار","level":1,"page":1481},{"title":"٨٣١ - باب قول النبي - ﷺ - للأنصار أنتم أحب الناس إلي","level":2,"page":1482},{"title":"٨٣٢ - باب قول الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)","level":2,"page":1483},{"title":"٨٣٣ - باب قول النبي - ﷺ - اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم","level":2,"page":1485},{"title":"٨٣٤ - باب مناقب سعد بن معاذ ﵁","level":2,"page":1487},{"title":"٨٣٥ - باب مناقب عبد الله بن سلام","level":2,"page":1488},{"title":"٨٣٦ - باب تزويج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها ﵂","level":2,"page":1490},{"title":"٨٣٧ باب مبعث النبي - ﷺ -","level":2,"page":1492},{"title":"٨٣٨ - حديث الإسراء","level":2,"page":1493},{"title":"٨٣٩ - باب المعراج","level":2,"page":1495},{"title":"٨٤٠ - باب تزويج النبي - ﷺ - عائشة ﵂","level":2,"page":1505},{"title":"٨٤١ - باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة","level":2,"page":1507},{"title":"٨٤٢ - باب قصة غزوة بدر","level":2,"page":1525},{"title":"كتاب المغازي","level":1,"page":1525},{"title":"٨٤٣ - باب عدة أصحاب بدر","level":2,"page":1528},{"title":"٨٤٤ - باب قتل أبي جهل","level":2,"page":1529},{"title":"٨٤٥ - باب شهود الملائكة بدرا","level":2,"page":1530},{"title":"٨٤٦ - باب حديث بني النضير","level":2,"page":1531},{"title":"٨٤٧ - باب قتل كعب بن الأشرف","level":2,"page":1536},{"title":"٨٤٨ - باب غزوة أحد","level":2,"page":1540},{"title":"٨٤٩ - باب ذكر أم سليط","level":2,"page":1547},{"title":"٨٥٠ - باب قتل حمزة ﵁","level":2,"page":1548},{"title":"٨٥١ - باب غزوة الخندق","level":2,"page":1552},{"title":"٨٥٣ - باب غزوة الحديبية","level":2,"page":1563},{"title":"٨٥٤ - باب غزوة خيبر","level":2,"page":1568},{"title":"٨٥٥ - باب غزوة مؤتة","level":2,"page":1570},{"title":"٨٥٦ - باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح","level":2,"page":1572},{"title":"غزوة الفتح","level":1,"page":1572},{"title":"٨٥٧ - باب قول الله ﷿ (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (٢٥) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) إلى قوله (غفور رحيم)","level":2,"page":1577},{"title":"٨٥٨ - باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال","level":2,"page":1582},{"title":"٨٥٩ - قصة أهل نجران","level":2,"page":1587},{"title":"٨٦٠ - باب حجة الوداع","level":2,"page":1591},{"title":"٨٦١ - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة","level":2,"page":1596},{"title":"٨٦٢ - حديث كعب بن مالك ﵁ وقول الله ﷿ (وعلى الثلاثة الذين خلفوا)","level":2,"page":1598},{"title":"٨٦٣ - باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته","level":2,"page":1615},{"title":"٨٦٤ - باب آخر ما تكلم به النبي - ﷺ -","level":2,"page":1619},{"title":"كتاب التفسير","level":1,"page":1621},{"title":"٨٦٥ - باب مما جاء في فاتحة الكتاب","level":2,"page":1622},{"title":"٨٦٦ - باب قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)","level":2,"page":1624},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":1624},{"title":"٨٦٧ - قوله تعالى (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى)","level":2,"page":1625},{"title":"٨٦٨ - باب (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين)","level":2,"page":1626},{"title":"٨٦٩ - باب (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)","level":2,"page":1627},{"title":"٨٧٠ - باب قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)","level":2,"page":1629},{"title":"تفسير سورة آل عمران","level":1,"page":1630},{"title":"٨٧١ - باب قوله ﷿ (منه آيات محكمات)","level":2,"page":1630},{"title":"٨٧٢ - باب (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)","level":2,"page":1633},{"title":"٨٧٣ - باب (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)","level":2,"page":1634},{"title":"٨٧٤ - باب (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا)","level":2,"page":1635},{"title":"تفسير سورة النساء","level":1,"page":1637},{"title":"٨٧٥ - باب (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)","level":2,"page":1637},{"title":"٨٧٦ - باب (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم) الآية","level":2,"page":1638},{"title":"تفسير سورة المائدة","level":1,"page":1639},{"title":"٨٧٧ - باب (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك)","level":2,"page":1639},{"title":"٨٧٨ - باب قوله تعالى (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)","level":2,"page":1641},{"title":"٨٧٩ - باب قوله (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان)","level":2,"page":1643},{"title":"تفسير سورة الأنعام","level":1,"page":1645},{"title":"٨٨٠ - باب قوله تعالى (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)","level":2,"page":1645},{"title":"٨٨١ - باب (لا ينفع نفسا إيمانها)","level":2,"page":1647},{"title":"تفسير سورة الأعراف","level":1,"page":1649},{"title":"٨٨٢ - باب (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)","level":2,"page":1649},{"title":"تفسير سورة براءة","level":1,"page":1650},{"title":"٨٨٣ - باب قوله (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)","level":2,"page":1650},{"title":"تفسير سورة الإسراء","level":1,"page":1652},{"title":"٨٨٤ - باب قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا)","level":2,"page":1652},{"title":"تفسير سورة النور","level":1,"page":1653},{"title":"٨٨٥ - باب (ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين)","level":2,"page":1653},{"title":"تفسير سورة الأحزاب","level":1,"page":1659},{"title":"٨٨٦ - باب قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)","level":2,"page":1659},{"title":"تفسير سورة الزمر","level":1,"page":1661},{"title":"٨٨٧ - باب قوله تعالى (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)","level":2,"page":1661},{"title":"٨٨٨ - باب قوله (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه)","level":2,"page":1663},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":1664},{"title":"٨٨٩ - باب قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك)","level":2,"page":1664},{"title":"٨٩٠ - باب قوله (يقوم الناس لرب العالمين)","level":2,"page":1666},{"title":"سورة ويل للمطففين","level":1,"page":1666},{"title":"٨٩١ - باب (إنا أعطيناك الكوثر)","level":2,"page":1668},{"title":"تفسير سورة الكوثر","level":1,"page":1668},{"title":"٨٩٢ - سورة (قل أعوذ برب الناس)","level":2,"page":1669},{"title":"كتاب فضائل القرآن","level":1,"page":1671},{"title":"٨٩٣ - باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل","level":2,"page":1672},{"title":"٨٩٤ - باب فضل (قل هو الله أحد)","level":2,"page":1673},{"title":"٨٩٥ - باب فضل المعوذات","level":2,"page":1674},{"title":"٨٩٦ - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه","level":2,"page":1676},{"title":"٨٩٧ - باب استذكار القرآن وتعاهده","level":2,"page":1677},{"title":"٨٩٨ - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن","level":2,"page":1677},{"title":"٨٩٩ - باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره","level":2,"page":1679},{"title":"٩٠٠ - باب في كم يقرأ القرآن","level":2,"page":1679},{"title":"٩٠١ - باب إثم من راءى بقراءة القرآن وتأكل به أو فخر به","level":2,"page":1680},{"title":"٩٠٢ - باب اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم","level":2,"page":1682},{"title":"كتاب النكاح","level":1,"page":1683},{"title":"٩٠٣ - باب قول النبي - ﷺ -: من استطاع منكم الباءة فليتزوج","level":2,"page":1684},{"title":"٩٠٤ - باب نكاح الأبكار","level":2,"page":1686},{"title":"٩٠٥ - باب الأكفاء في الدين","level":2,"page":1687},{"title":"٩٠٦ - باب يتقى من شؤم المرأة وقوله تعالى (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم)","level":2,"page":1692},{"title":"٩٠٧ - باب (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب","level":2,"page":1693},{"title":"٩٠٨ - باب من قال لا رضاع بعد الحولين","level":2,"page":1695},{"title":"٩٠٩ - باب نكاح الشغار","level":2,"page":1697},{"title":"٩١٠ - باب نهي رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة آخرا","level":2,"page":1698},{"title":"٩١١ - باب النظر إلى المرأة قبل التزويج","level":2,"page":1701},{"title":"٩١٢ - باب من قال: لا نكاح إلا بولي","level":2,"page":1705},{"title":"٩١٣ - باب لا ينكح الأب ولا غيره البكر والثيب إلا برضاهما","level":2,"page":1707},{"title":"٩١٤ - باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله","level":2,"page":1710},{"title":"٩١٥ - باب الوليمة ولو بشاة","level":2,"page":1711},{"title":"٩١٦ - باب حق إجابة الوليمة والدعوة","level":2,"page":1712},{"title":"٩١٧ - باب إذا تزوج البكر على الثيب","level":2,"page":1713},{"title":"كتاب الطلاق","level":1,"page":1715},{"title":"٩١٨ - باب قول الله تعالى (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة)","level":2,"page":1717},{"title":"٩١٩ - باب من أجاز طلاق الثلاث","level":2,"page":1719},{"title":"٩٢٠ - باب الخلع وكيف الطلاق منه","level":2,"page":1723},{"title":"٩٢١ - باب التفريق بين المتلاعنين","level":2,"page":1726},{"title":"٩٢٢ - باب يلحق الولد بالملاعنة","level":2,"page":1727},{"title":"٩٢٣ - باب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها","level":2,"page":1728},{"title":"٩٢٤ - باب الكحل للحادة","level":2,"page":1729},{"title":"كتاب النفقات","level":1,"page":1731},{"title":"- باب فضل النفقة على الأهل","level":2,"page":1731},{"title":"٩٢٦ - باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله","level":2,"page":1732},{"title":"٩٢٧ - باب قول الله تعالى (كلوا من طيبات ما رزقناكم)","level":2,"page":1734},{"title":"كتاب الأطعمة","level":1,"page":1734},{"title":"٩٢٨ - باب التسمية على الطعام والأكل باليمين","level":2,"page":1735},{"title":"٩٢٩ - باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسفرة","level":2,"page":1737},{"title":"٩٣٠ - باب طعام الواحد يكفي الإثنين","level":2,"page":1738},{"title":"٩٣١ - باب ما عاب النبي - ﷺ - طعاما قط","level":2,"page":1739},{"title":"٩٣٢ - باب التلبينة","level":2,"page":1740},{"title":"٩٣٣ - باب الأكل في إناء مفضض","level":2,"page":1741},{"title":"٩٣٤ - باب الرطب بالقثاء","level":2,"page":1743},{"title":"٩٣٥ - باب العجوة","level":2,"page":1744},{"title":"٩٣٦ - باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل","level":2,"page":1746},{"title":"٩٣٧ - باب ما يقول إذا فرغ من الطعام","level":2,"page":1747},{"title":"٩٣٨ - باب قوله تعالى (فإذا طعمتم فانتشروا)","level":2,"page":1748},{"title":"٩٣٩ - باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه","level":2,"page":1751},{"title":"كتاب العقيقة","level":1,"page":1751},{"title":"٩٤٠ - باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة","level":2,"page":1753},{"title":"٩٤١ - باب التسمية على الصيد","level":2,"page":1756},{"title":"كتاب الصيد والذبائح","level":1,"page":1756},{"title":"٩٤٢ - باب صيد القوس","level":2,"page":1760},{"title":"٩٤٣ - باب من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد أو ماشية","level":2,"page":1762},{"title":"٩٤٤ - باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة","level":2,"page":1763},{"title":"٩٤٥ - باب ما أنهر الدم من القصب والمروة","level":2,"page":1764},{"title":"٩٤٦ - باب أكل كل ذي ناب من السباع","level":2,"page":1766},{"title":"٩٤٧ - باب المسك","level":2,"page":1767},{"title":"٩٤٨ - باب الأرنب","level":2,"page":1769},{"title":"٩٤٩ - باب الضب","level":2,"page":1770},{"title":"كتاب الأضاحي","level":1,"page":1772},{"title":"٩٥٠ - باب الذبح بعد الصلاة","level":2,"page":1773},{"title":"٩٥١ - باب وضع القدم على صفح الذبيحة","level":2,"page":1775},{"title":"٩٥٢ - باب التكبير عند الذبح","level":2,"page":1776},{"title":"٩٥٣ - باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها","level":2,"page":1777},{"title":"٩٥٤ - باب قول الله تعالى (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) .. إلخ","level":2,"page":1779},{"title":"كتاب الأشربة","level":1,"page":1779},{"title":"٩٥٥ - باب الخمر من العسل وهو البتع","level":2,"page":1780},{"title":"٩٥٦ - باب شرب اللبن","level":2,"page":1782},{"title":"٩٥٧ - باب الشرب قائما","level":2,"page":1784},{"title":"٩٥٨ - باب اختناث الأسقية","level":2,"page":1785},{"title":"٩٥٩ - باب الشرب بنفسين أو ثلاثة","level":2,"page":1786},{"title":"كتاب المرضى","level":1,"page":1787},{"title":"٩٦٠ - باب ما جاء في كفارة المرض","level":2,"page":1788},{"title":"٩٦١ - باب شدة المرض","level":2,"page":1789},{"title":"٩٦٢ - باب وجوب عيادة المريض","level":2,"page":1790},{"title":"٩٦٣ - باب فضل من يصرع من الريح","level":2,"page":1791},{"title":"٩٦٤ - باب فضل من ذهب بصره","level":2,"page":1794},{"title":"٩٦٥ - باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه","level":2,"page":1795},{"title":"٩٦٦ - باب نهي تمني المريض الموت","level":2,"page":1797},{"title":"٩٦٧ - باب دعاء العائد للمريض","level":2,"page":1798},{"title":"كتاب الطب","level":1,"page":1801},{"title":"٩٦٨ - باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء","level":2,"page":1804},{"title":"٩٦٩ - باب الشفاء في ثلاث","level":2,"page":1806},{"title":"٩٧٠ - باب الحجامة على الرأس","level":2,"page":1810},{"title":"٩٧١ - باب الجذام","level":2,"page":1811},{"title":"٩٧٢ - باب ما يذكر في الطاعون","level":2,"page":1817},{"title":"٩٧٣ - باب الرقية من العين","level":2,"page":1819},{"title":"٩٧٤ - باب رقية الحية والعقرب","level":2,"page":1822},{"title":"٩٧٥ - باب رقية النبي - ﷺ -","level":2,"page":1823},{"title":"كتاب اللباس","level":1,"page":1824},{"title":"٩٧٦ - باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار","level":2,"page":1825},{"title":"٩٧٧ - باب الثياب البيض","level":2,"page":1825},{"title":"٩٧٨ - باب لبس الحرير وافتراشه للرجال","level":2,"page":1827},{"title":"٩٧٩ - باب تقليم الأظفار","level":2,"page":1828},{"title":"٩٨٠ - باب من لم يرد الطيب","level":2,"page":1831},{"title":"٩٨١ - باب عذاب المصورين يوم القيامة","level":2,"page":1831},{"title":"٩٨٢ - باب من أحق الناس بحسن الصحبة","level":2,"page":1833},{"title":"كتاب الأدب","level":1,"page":1833},{"title":"٩٨٣ - باب ليس الواصل بالمكافىء","level":2,"page":1835},{"title":"٩٨٤ - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته","level":2,"page":1836},{"title":"٩٨٥ - باب ما يكره من النميمة","level":2,"page":1837},{"title":"٩٨٦ - باب ما يكره من التمادح","level":2,"page":1839},{"title":"٩٨٧ - باب (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا)","level":2,"page":1841},{"title":"٩٨٨ - باب ستر المؤمن على نفسه","level":2,"page":1844},{"title":"٩٨٩ - باب الحذر من الغضب","level":2,"page":1846},{"title":"٩٩٠ - باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب","level":2,"page":1848},{"title":"كتاب الاستئذان","level":1,"page":1850},{"title":"٩٩١ - باب تسليم الراكب على الماشي","level":2,"page":1850},{"title":"٩٩٣ - باب زنا الجوارح دون الفرج","level":2,"page":1853},{"title":"٩٩٤ - باب التسليم على الصبيان","level":2,"page":1855},{"title":"٩٩٥ - باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه","level":2,"page":1855},{"title":"٩٩٦ - باب لا يتناجى اثنان دون الثالث","level":2,"page":1856},{"title":"كتاب الدعوات","level":1,"page":1858},{"title":"٩٩٧ - باب لكل نبي دعوة مستجابة","level":2,"page":1860},{"title":"٩٩٨ - باب أفضل الاستغفار","level":2,"page":1861},{"title":"٩٩٩ - باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة","level":2,"page":1864},{"title":"١٠٠٠ - باب التوبة","level":2,"page":1865},{"title":"١٠٠١ - باب النوم على الشق الأيمن","level":2,"page":1868},{"title":"١٠٠٢ - (باب التعوذ والقراءة عند النوم)","level":2,"page":1870},{"title":"١٠٠٣ - باب الدعاء بعد الصلاة","level":2,"page":1871},{"title":"١٠٠٤ - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل","level":2,"page":1872},{"title":"١٠٠٥ - باب الدعاء عند الكرب","level":2,"page":1873},{"title":"١٠٠٦ - باب فضل التهليل","level":2,"page":1875},{"title":"١٠٠٧ - باب فضل التسبيح","level":2,"page":1877},{"title":"١٠٠٨ - باب فضل ذكر الله تعالى","level":2,"page":1878},{"title":"كتاب الرفاق","level":1,"page":1881},{"title":"١٠٠٩ - باب ما جاء الصحة والفراغ ولا عيش إلا عيش الآخرة","level":2,"page":1881},{"title":"١٠١٠ - باب قول النبي - ﷺ -: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل","level":2,"page":1883},{"title":"١٠١١ - باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه","level":2,"page":1886},{"title":"١٠١٢ - باب ما قدم من ماله فهو خير له","level":2,"page":1887},{"title":"١٠١٣ - باب كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا","level":2,"page":1888},{"title":"١٠١٤ - باب حفظ اللسان","level":2,"page":1889},{"title":"١٠١٥ - باب لينظر إلى من هو أسفل منه، ولا ينظر إلى من فوقه","level":2,"page":1890},{"title":"١٠١٦ - باب من هم بحسنة أو بسيئة","level":2,"page":1891},{"title":"١٠١٧ - باب الرياء والسمعة","level":2,"page":1893},{"title":"١٠١٨ - باب قول الله تعالى (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (٤) ليوم عظيم (٥) يوم يقوم الناس لرب العالمين)","level":2,"page":1894},{"title":"١٠١٩ - باب صفة الجنة والنار","level":2,"page":1895},{"title":"١٠٢٠ - باب في الحوض","level":2,"page":1898},{"title":"كتاب القدر","level":1,"page":1900},{"title":"١٠٢١ - باب جف القلم على علم الله","level":2,"page":1901},{"title":"كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":1905},{"title":"١٠٢٢ - باب قول الله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)","level":2,"page":1906},{"title":"١٠٢٣ - باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ -","level":2,"page":1909},{"title":"١٠٢٤ - باب النذر في الطاعة","level":2,"page":1910},{"title":"١٠٢٥ - باب من مات وعليه نذر","level":2,"page":1911},{"title":"كتاب الفرائض","level":1,"page":1913},{"title":"١٠٢٦ - باب ميراث الولد من أبيه وأمه","level":2,"page":1914},{"title":"١٠٢٧ - باب ميراث ابنة ابن مع ابنة","level":2,"page":1916},{"title":"١٠٢٨ - باب مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم","level":2,"page":1918},{"title":"١٠٢٩ - باب الضرب بالجريد والنعال","level":2,"page":1920},{"title":"كتاب الحدود","level":1,"page":1920},{"title":"١٠٣٠ - باب قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وفي كم تقطع؟","level":2,"page":1923},{"title":"كتاب المحاربين","level":1,"page":1925},{"title":"١٠٣١ - باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا","level":2,"page":1925},{"title":"١٠٣٢ - باب رجم المحصن","level":2,"page":1929},{"title":"١٠٣٣ - باب البكران يجلدان وينفيان","level":2,"page":1930},{"title":"١٠٣٤ - باب كم التعزيز والأدب","level":2,"page":1933},{"title":"كتاب الديات","level":1,"page":1935},{"title":"١٠٣٥ - باب قول الله تعالى (أن النفس بالنفس)","level":2,"page":1935},{"title":"١٠٣٦ - باب دية الأصابع","level":2,"page":1937},{"title":"١٠٣٧ - باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له","level":2,"page":1938},{"title":"كتاب التعبير","level":1,"page":1940},{"title":"١٠٣٨ - باب الرؤيا من الله","level":2,"page":1941},{"title":"١٠٣٩ - باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام","level":2,"page":1943},{"title":"كتاب الفتن","level":1,"page":1944},{"title":"١٠٤٠ - باب ظهور الفتن","level":2,"page":1945},{"title":"١٠٤١ - باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم","level":2,"page":1947},{"title":"١٠٤٢ - باب خروج النار","level":2,"page":1949},{"title":"١٠٤٣ - باب ذكر الدجال","level":2,"page":1950},{"title":"كتاب الأحكام","level":1,"page":1952},{"title":"١٠٤٤ - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية","level":2,"page":1952},{"title":"١٠٤٥ - باب ما يكره من الحرص على الإمارة","level":2,"page":1953},{"title":"كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة","level":1,"page":1956},{"title":"١٠٤٦ - باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":1958},{"title":"كتاب التوحيد والرد على الجهمية","level":1,"page":1964},{"title":"١٠٤٧ - باب قول الله تعالى (ويحذركم الله نفسه)","level":2,"page":1965},{"title":"١٠٤٨ - باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم","level":2,"page":1967},{"title":"١٠٤٩ - باب قول الله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)","level":2,"page":1970}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,75":74,"1,76":75,"1,77":76,"1,78":77,"1,79":78,"1,80":79,"1,81":80,"1,82":81,"1,83":82,"1,84":83,"1,85":84,"1,86":85,"1,87":86,"1,88":87,"1,89":88,"1,90":89,"1,91":90,"1,92":91,"1,93":92,"1,94":93,"1,95":94,"1,96":95,"1,97":96,"1,98":97,"1,99":98,"1,100":99,"1,101":100,"1,102":101,"1,103":102,"1,104":103,"1,105":104,"1,106":105,"1,107":106,"1,108":107,"1,109":108,"1,110":109,"1,111":110,"1,112":111,"1,113":112,"1,114":113,"1,115":114,"1,116":115,"1,117":116,"1,118":117,"1,119":118,"1,120":119,"1,121":120,"1,122":121,"1,123":122,"1,124":123,"1,125":124,"1,126":125,"1,127":126,"1,128":127,"1,129":128,"1,130":129,"1,131":130,"1,132":131,"1,133":132,"1,134":133,"1,135":134,"1,136":135,"1,137":136,"1,138":137,"1,139":138,"1,140":139,"1,141":140,"1,142":141,"1,143":142,"1,144":143,"1,145":144,"1,146":145,"1,147":146,"1,148":147,"1,149":148,"1,150":149,"1,151":150,"1,152":151,"1,153":152,"1,154":153,"1,155":154,"1,156":155,"1,157":156,"1,158":157,"1,159":158,"1,160":159,"1,161":160,"1,162":161,"1,163":162,"1,164":163,"1,165":164,"1,166":165,"1,167":166,"1,168":167,"1,169":168,"1,170":169,"1,171":170,"1,172":171,"1,173":172,"1,174":173,"1,175":174,"1,176":175,"1,177":176,"1,178":177,"1,179":178,"1,180":179,"1,181":180,"1,182":181,"1,183":182,"1,184":183,"1,185":184,"1,186":185,"1,187":186,"1,188":187,"1,189":188,"1,190":189,"1,191":190,"1,192":191,"1,193":192,"1,194":193,"1,195":194,"1,196":195,"1,197":196,"1,198":197,"1,199":198,"1,200":199,"1,201":200,"1,202":201,"1,203":202,"1,204":203,"1,205":204,"1,206":205,"1,207":206,"1,208":207,"1,209":208,"1,210":209,"1,211":210,"1,212":211,"1,213":212,"1,214":213,"1,215":214,"1,216":215,"1,217":216,"1,218":217,"1,219":218,"1,220":219,"1,221":220,"1,222":221,"1,223":222,"1,224":223,"1,225":224,"1,226":225,"1,227":226,"1,228":227,"1,229":228,"1,230":229,"1,231":230,"1,232":231,"1,233":232,"1,234":233,"1,235":234,"1,236":235,"1,237":236,"1,238":237,"1,239":238,"1,240":239,"1,241":240,"1,242":241,"1,243":242,"1,244":243,"1,245":244,"1,246":245,"1,247":246,"1,248":247,"1,249":248,"1,250":249,"1,251":250,"1,252":251,"1,253":252,"1,254":253,"1,255":254,"1,256":255,"1,257":256,"1,258":257,"1,259":258,"1,260":259,"1,261":260,"1,262":261,"1,263":262,"1,264":263,"1,265":264,"1,266":265,"1,267":266,"1,268":267,"1,269":268,"1,270":269,"1,271":270,"1,272":271,"1,273":272,"1,274":273,"1,275":274,"1,276":275,"1,277":276,"1,278":277,"1,279":278,"1,280":279,"1,281":280,"1,282":281,"1,283":282,"1,284":283,"1,285":284,"1,286":285,"1,287":286,"1,288":287,"1,289":288,"1,290":289,"1,291":290,"1,292":291,"1,293":292,"1,294":293,"1,295":294,"1,296":295,"1,297":296,"1,298":297,"1,299":298,"1,300":299,"1,301":300,"1,302":301,"1,303":302,"1,304":303,"1,305":304,"1,306":305,"1,307":306,"1,308":307,"1,309":308,"1,310":309,"1,311":310,"1,312":311,"1,313":312,"1,314":313,"1,315":314,"1,316":315,"1,317":316,"1,318":317,"1,319":318,"1,320":319,"1,321":320,"1,322":321,"1,323":322,"1,324":323,"1,325":324,"1,326":325,"1,327":326,"1,328":327,"1,329":328,"1,330":329,"1,331":330,"1,332":331,"1,333":332,"1,334":333,"1,335":334,"1,336":335,"1,337":336,"1,338":337,"1,339":338,"1,340":339,"1,341":340,"1,342":341,"1,343":342,"1,344":343,"1,345":344,"1,346":345,"1,347":346,"1,348":347,"1,349":348,"1,350":349,"1,351":350,"1,352":351,"1,353":352,"1,354":353,"1,355":354,"1,356":355,"1,357":356,"1,358":357,"1,359":358,"1,360":359,"1,361":360,"1,362":361,"1,363":362,"1,364":363,"1,365":364,"1,366":365,"1,367":366,"1,368":367,"1,369":368,"1,370":369,"1,371":370,"1,372":371,"1,373":372,"1,374":373,"1,375":374,"1,376":375,"1,377":376,"1,378":377,"1,379":378,"1,380":379,"1,381":380,"1,382":381,"1,383":382,"1,384":383,"1,385":384,"1,386":385,"1,387":386,"1,388":387,"1,389":388,"1,390":389,"1,391":390,"1,392":391,"1,393":392,"1,394":393,"1,395":394,"1,396":395,"1,397":396,"1,398":397,"1,399":398,"1,400":399,"1,401":400,"1,402":401,"1,403":402,"1,404":403,"2,1":404,"2,2":405,"2,3":406,"2,4":407,"2,5":408,"2,6":409,"2,7":410,"2,8":411,"2,9":412,"2,10":413,"2,11":414,"2,12":415,"2,13":416,"2,14":417,"2,15":418,"2,16":419,"2,17":420,"2,18":421,"2,19":422,"2,20":423,"2,21":424,"2,22":425,"2,23":426,"2,24":427,"2,25":428,"2,26":429,"2,27":430,"2,28":431,"2,29":432,"2,30":433,"2,31":434,"2,32":435,"2,33":436,"2,34":437,"2,35":438,"2,36":439,"2,37":440,"2,38":441,"2,39":442,"2,40":443,"2,41":444,"2,42":445,"2,43":446,"2,44":447,"2,45":448,"2,46":449,"2,47":450,"2,48":451,"2,49":452,"2,50":453,"2,51":454,"2,52":455,"2,53":456,"2,54":457,"2,55":458,"2,56":459,"2,57":460,"2,58":461,"2,59":462,"2,60":463,"2,61":464,"2,62":465,"2,63":466,"2,64":467,"2,65":468,"2,66":469,"2,67":470,"2,68":471,"2,69":472,"2,70":473,"2,71":474,"2,72":475,"2,73":476,"2,74":477,"2,75":478,"2,76":479,"2,77":480,"2,78":481,"2,79":482,"2,80":483,"2,81":484,"2,82":485,"2,83":486,"2,84":487,"2,85":488,"2,86":489,"2,87":490,"2,88":491,"2,89":492,"2,90":493,"2,91":494,"2,92":495,"2,93":496,"2,94":497,"2,95":498,"2,96":499,"2,97":500,"2,98":501,"2,99":502,"2,100":503,"2,101":504,"2,102":505,"2,103":506,"2,104":507,"2,105":508,"2,106":509,"2,107":510,"2,108":511,"2,109":512,"2,110":513,"2,111":514,"2,112":515,"2,113":516,"2,114":517,"2,115":518,"2,116":519,"2,117":520,"2,118":521,"2,119":522,"2,120":523,"2,121":524,"2,122":525,"2,123":526,"2,124":527,"2,125":528,"2,126":529,"2,127":530,"2,128":531,"2,129":532,"2,130":533,"2,131":534,"2,132":535,"2,133":536,"2,134":537,"2,135":538,"2,136":539,"2,137":540,"2,138":541,"2,139":542,"2,140":543,"2,141":544,"2,142":545,"2,143":546,"2,144":547,"2,145":548,"2,146":549,"2,147":550,"2,148":551,"2,149":552,"2,150":553,"2,151":554,"2,152":555,"2,153":556,"2,154":557,"2,155":558,"2,156":559,"2,157":560,"2,158":561,"2,159":562,"2,160":563,"2,161":564,"2,162":565,"2,163":566,"2,164":567,"2,165":568,"2,166":569,"2,167":570,"2,168":571,"2,169":572,"2,170":573,"2,171":574,"2,172":575,"2,173":576,"2,174":577,"2,175":578,"2,176":579,"2,177":580,"2,178":581,"2,179":582,"2,180":583,"2,181":584,"2,182":585,"2,183":586,"2,184":587,"2,185":588,"2,186":589,"2,187":590,"2,188":591,"2,189":592,"2,190":593,"2,191":594,"2,192":595,"2,193":596,"2,194":597,"2,195":598,"2,196":599,"2,197":600,"2,198":601,"2,199":602,"2,200":603,"2,201":604,"2,202":605,"2,203":606,"2,204":607,"2,205":608,"2,206":609,"2,207":610,"2,208":611,"2,209":612,"2,210":613,"2,211":614,"2,212":615,"2,213":616,"2,214":617,"2,215":618,"2,216":619,"2,217":620,"2,218":621,"2,219":622,"2,220":623,"2,221":624,"2,222":625,"2,223":626,"2,224":627,"2,225":628,"2,226":629,"2,227":630,"2,228":631,"2,229":632,"2,230":633,"2,231":634,"2,232":635,"2,233":636,"2,234":637,"2,235":638,"2,236":639,"2,237":640,"2,238":641,"2,239":642,"2,240":643,"2,241":644,"2,242":645,"2,243":646,"2,244":647,"2,245":648,"2,246":649,"2,247":650,"2,248":651,"2,249":652,"2,250":653,"2,251":654,"2,252":655,"2,253":656,"2,254":657,"2,255":658,"2,256":659,"2,257":660,"2,258":661,"2,259":662,"2,260":663,"2,261":664,"2,262":665,"2,263":666,"2,264":667,"2,265":668,"2,266":669,"2,267":670,"2,268":671,"2,269":672,"2,270":673,"2,271":674,"2,272":675,"2,273":676,"2,274":677,"2,275":678,"2,276":679,"2,277":680,"2,278":681,"2,279":682,"2,280":683,"2,281":684,"2,282":685,"2,283":686,"2,284":687,"2,285":688,"2,286":689,"2,287":690,"2,288":691,"2,289":692,"2,290":693,"2,291":694,"2,292":695,"2,293":696,"2,294":697,"2,295":698,"2,296":699,"2,297":700,"2,298":701,"2,299":702,"2,300":703,"2,301":704,"2,302":705,"2,303":706,"2,304":707,"2,305":708,"2,306":709,"2,307":710,"2,308":711,"2,309":712,"2,310":713,"2,311":714,"2,312":715,"2,313":716,"2,314":717,"2,315":718,"2,316":719,"2,317":720,"2,318":721,"2,319":722,"2,320":723,"2,321":724,"2,322":725,"2,323":726,"2,324":727,"2,325":728,"2,326":729,"2,327":730,"2,328":731,"2,329":732,"2,330":733,"2,331":734,"2,332":735,"2,333":736,"2,334":737,"2,335":738,"2,336":739,"2,337":740,"2,338":741,"2,339":742,"2,340":743,"2,341":744,"2,342":745,"2,343":746,"2,344":747,"2,345":748,"2,346":749,"2,347":750,"2,348":751,"2,349":752,"2,350":753,"2,351":754,"2,352":755,"2,353":756,"2,354":757,"2,355":758,"2,356":759,"2,357":760,"2,358":761,"2,359":762,"2,360":763,"2,361":764,"2,362":765,"2,363":766,"2,364":767,"2,365":768,"2,366":769,"2,367":770,"2,368":771,"2,369":772,"2,370":773,"2,371":774,"2,372":775,"2,373":776,"2,374":777,"2,375":778,"2,376":779,"2,377":780,"2,378":781,"2,379":782,"2,380":783,"2,381":784,"2,382":785,"2,383":786,"2,384":787,"2,385":788,"2,386":789,"2,387":790,"2,388":791,"2,389":792,"2,390":793,"2,391":794,"2,392":795,"2,393":796,"2,394":797,"2,395":798,"2,396":799,"2,397":800,"2,398":801,"2,399":802,"2,400":803,"2,401":804,"2,402":805,"2,403":806,"2,404":807,"2,405":808,"2,406":809,"2,407":810,"2,408":811,"3,1":812,"3,2":813,"3,3":814,"3,4":815,"3,5":816,"3,6":817,"3,7":818,"3,8":819,"3,9":820,"3,10":821,"3,11":822,"3,12":823,"3,13":824,"3,14":825,"3,15":826,"3,16":827,"3,17":828,"3,18":829,"3,19":830,"3,20":831,"3,21":832,"3,22":833,"3,23":834,"3,24":835,"3,25":836,"3,26":837,"3,27":838,"3,28":839,"3,29":840,"3,30":841,"3,31":842,"3,32":843,"3,33":844,"3,34":845,"3,35":846,"3,36":847,"3,37":848,"3,38":849,"3,39":850,"3,40":851,"3,41":852,"3,42":853,"3,43":854,"3,44":855,"3,45":856,"3,46":857,"3,47":858,"3,48":859,"3,49":860,"3,50":861,"3,51":862,"3,52":863,"3,53":864,"3,54":865,"3,55":866,"3,56":867,"3,57":868,"3,58":869,"3,59":870,"3,60":871,"3,61":872,"3,62":873,"3,63":874,"3,64":875,"3,65":876,"3,66":877,"3,67":878,"3,68":879,"3,69":880,"3,70":881,"3,71":882,"3,72":883,"3,73":884,"3,74":885,"3,75":886,"3,76":887,"3,77":888,"3,78":889,"3,79":890,"3,80":891,"3,81":892,"3,82":893,"3,83":894,"3,84":895,"3,85":896,"3,86":897,"3,87":898,"3,88":899,"3,89":900,"3,90":901,"3,91":902,"3,92":903,"3,93":904,"3,94":905,"3,95":906,"3,96":907,"3,97":908,"3,98":909,"3,99":910,"3,100":911,"3,101":912,"3,102":913,"3,103":914,"3,104":915,"3,105":916,"3,106":917,"3,107":918,"3,108":919,"3,109":920,"3,110":921,"3,111":922,"3,112":923,"3,113":924,"3,114":925,"3,115":926,"3,116":927,"3,117":928,"3,118":929,"3,119":930,"3,120":931,"3,121":932,"3,122":933,"3,123":934,"3,124":935,"3,125":936,"3,126":937,"3,127":938,"3,128":939,"3,129":940,"3,130":941,"3,131":942,"3,132":943,"3,133":944,"3,134":945,"3,135":946,"3,136":947,"3,137":948,"3,138":949,"3,139":950,"3,140":951,"3,141":952,"3,142":953,"3,143":954,"3,144":955,"3,145":956,"3,146":957,"3,147":958,"3,148":959,"3,149":960,"3,150":961,"3,151":962,"3,152":963,"3,153":964,"3,154":965,"3,155":966,"3,156":967,"3,157":968,"3,158":969,"3,159":970,"3,160":971,"3,161":972,"3,162":973,"3,163":974,"3,164":975,"3,165":976,"3,166":977,"3,167":978,"3,168":979,"3,169":980,"3,170":981,"3,171":982,"3,172":983,"3,173":984,"3,174":985,"3,175":986,"3,176":987,"3,177":988,"3,178":989,"3,179":990,"3,180":991,"3,181":992,"3,182":993,"3,183":994,"3,184":995,"3,185":996,"3,186":997,"3,187":998,"3,188":999,"3,189":1000,"3,190":1001,"3,191":1002,"3,192":1003,"3,193":1004,"3,194":1005,"3,195":1006,"3,196":1007,"3,197":1008,"3,198":1009,"3,199":1010,"3,200":1011,"3,201":1012,"3,202":1013,"3,203":1014,"3,204":1015,"3,205":1016,"3,206":1017,"3,207":1018,"3,208":1019,"3,209":1020,"3,210":1021,"3,211":1022,"3,212":1023,"3,213":1024,"3,214":1025,"3,215":1026,"3,216":1027,"3,217":1028,"3,218":1029,"3,219":1030,"3,220":1031,"3,221":1032,"3,222":1033,"3,223":1034,"3,224":1035,"3,225":1036,"3,226":1037,"3,227":1038,"3,228":1039,"3,229":1040,"3,230":1041,"3,231":1042,"3,232":1043,"3,233":1044,"3,234":1045,"3,235":1046,"3,236":1047,"3,237":1048,"3,238":1049,"3,239":1050,"3,240":1051,"3,241":1052,"3,242":1053,"3,243":1054,"3,244":1055,"3,245":1056,"3,246":1057,"3,247":1058,"3,248":1059,"3,249":1060,"3,250":1061,"3,251":1062,"3,252":1063,"3,253":1064,"3,254":1065,"3,255":1066,"3,256":1067,"3,257":1068,"3,258":1069,"3,259":1070,"3,260":1071,"3,261":1072,"3,262":1073,"3,263":1074,"3,264":1075,"3,265":1076,"3,266":1077,"3,267":1078,"3,268":1079,"3,269":1080,"3,270":1081,"3,271":1082,"3,272":1083,"3,273":1084,"3,274":1085,"3,275":1086,"3,276":1087,"3,277":1088,"3,278":1089,"3,279":1090,"3,280":1091,"3,281":1092,"3,282":1093,"3,283":1094,"3,284":1095,"3,285":1096,"3,286":1097,"3,287":1098,"3,288":1099,"3,289":1100,"3,290":1101,"3,291":1102,"3,292":1103,"3,293":1104,"3,294":1105,"3,295":1106,"3,296":1107,"3,297":1108,"3,298":1109,"3,299":1110,"3,300":1111,"3,301":1112,"3,302":1113,"3,303":1114,"3,304":1115,"3,305":1116,"3,306":1117,"3,307":1118,"3,308":1119,"3,309":1120,"3,310":1121,"3,311":1122,"3,312":1123,"3,313":1124,"3,314":1125,"3,315":1126,"3,316":1127,"3,317":1128,"3,318":1129,"3,319":1130,"3,320":1131,"3,321":1132,"3,322":1133,"3,323":1134,"3,324":1135,"3,325":1136,"3,326":1137,"3,327":1138,"3,328":1139,"3,329":1140,"3,330":1141,"3,331":1142,"3,332":1143,"3,333":1144,"3,334":1145,"3,335":1146,"3,336":1147,"3,337":1148,"3,338":1149,"3,339":1150,"3,340":1151,"3,341":1152,"3,342":1153,"3,343":1154,"3,344":1155,"3,345":1156,"3,346":1157,"3,347":1158,"3,348":1159,"3,349":1160,"3,350":1161,"3,351":1162,"3,352":1163,"3,353":1164,"3,354":1165,"3,355":1166,"3,356":1167,"3,357":1168,"3,358":1169,"3,359":1170,"3,360":1171,"3,361":1172,"3,362":1173,"3,363":1174,"3,364":1175,"3,365":1176,"3,366":1177,"3,367":1178,"3,368":1179,"3,369":1180,"3,370":1181,"3,371":1182,"3,372":1183,"3,373":1184,"3,374":1185,"3,375":1186,"3,376":1187,"3,377":1188,"3,378":1189,"3,379":1190,"3,380":1191,"3,381":1192,"3,382":1193,"3,383":1194,"3,384":1195,"3,385":1196,"3,386":1197,"3,387":1198,"3,388":1199,"3,389":1200,"3,390":1201,"3,391":1202,"3,392":1203,"3,393":1204,"3,394":1205,"3,395":1206,"4,1":1207,"4,2":1208,"4,3":1209,"4,4":1210,"4,5":1211,"4,6":1212,"4,7":1213,"4,8":1214,"4,9":1215,"4,10":1216,"4,11":1217,"4,12":1218,"4,13":1219,"4,14":1220,"4,15":1221,"4,16":1222,"4,17":1223,"4,18":1224,"4,19":1225,"4,20":1226,"4,21":1227,"4,22":1228,"4,23":1229,"4,24":1230,"4,25":1231,"4,26":1232,"4,27":1233,"4,28":1234,"4,29":1235,"4,30":1236,"4,31":1237,"4,32":1238,"4,33":1239,"4,34":1240,"4,35":1241,"4,36":1242,"4,37":1243,"4,38":1244,"4,39":1245,"4,40":1246,"4,41":1247,"4,42":1248,"4,43":1249,"4,44":1250,"4,45":1251,"4,46":1252,"4,47":1253,"4,48":1254,"4,49":1255,"4,50":1256,"4,51":1257,"4,52":1258,"4,53":1259,"4,54":1260,"4,55":1261,"4,56":1262,"4,57":1263,"4,58":1264,"4,59":1265,"4,60":1266,"4,61":1267,"4,62":1268,"4,63":1269,"4,64":1270,"4,65":1271,"4,66":1272,"4,67":1273,"4,68":1274,"4,69":1275,"4,70":1276,"4,71":1277,"4,72":1278,"4,73":1279,"4,74":1280,"4,75":1281,"4,76":1282,"4,77":1283,"4,78":1284,"4,79":1285,"4,80":1286,"4,81":1287,"4,82":1288,"4,83":1289,"4,84":1290,"4,85":1291,"4,86":1292,"4,87":1293,"4,88":1294,"4,89":1295,"4,90":1296,"4,91":1297,"4,92":1298,"4,93":1299,"4,94":1300,"4,95":1301,"4,96":1302,"4,97":1303,"4,98":1304,"4,99":1305,"4,100":1306,"4,101":1307,"4,102":1308,"4,103":1309,"4,104":1310,"4,105":1311,"4,106":1312,"4,107":1313,"4,108":1314,"4,109":1315,"4,110":1316,"4,111":1317,"4,112":1318,"4,113":1319,"4,114":1320,"4,115":1321,"4,116":1322,"4,117":1323,"4,118":1324,"4,119":1325,"4,120":1326,"4,121":1327,"4,122":1328,"4,123":1329,"4,124":1330,"4,125":1331,"4,126":1332,"4,127":1333,"4,128":1334,"4,129":1335,"4,130":1336,"4,131":1337,"4,132":1338,"4,133":1339,"4,134":1340,"4,135":1341,"4,136":1342,"4,137":1343,"4,138":1344,"4,139":1345,"4,140":1346,"4,141":1347,"4,142":1348,"4,143":1349,"4,144":1350,"4,145":1351,"4,146":1352,"4,147":1353,"4,148":1354,"4,149":1355,"4,150":1356,"4,151":1357,"4,152":1358,"4,153":1359,"4,154":1360,"4,155":1361,"4,156":1362,"4,157":1363,"4,158":1364,"4,159":1365,"4,160":1366,"4,161":1367,"4,162":1368,"4,163":1369,"4,164":1370,"4,165":1371,"4,166":1372,"4,167":1373,"4,168":1374,"4,169":1375,"4,170":1376,"4,171":1377,"4,172":1378,"4,173":1379,"4,174":1380,"4,175":1381,"4,176":1382,"4,177":1383,"4,178":1384,"4,179":1385,"4,180":1386,"4,181":1387,"4,182":1388,"4,183":1389,"4,184":1390,"4,185":1391,"4,186":1392,"4,187":1393,"4,188":1394,"4,189":1395,"4,190":1396,"4,191":1397,"4,192":1398,"4,193":1399,"4,194":1400,"4,195":1401,"4,196":1402,"4,197":1403,"4,198":1404,"4,199":1405,"4,200":1406,"4,201":1407,"4,202":1408,"4,203":1409,"4,204":1410,"4,205":1411,"4,206":1412,"4,207":1413,"4,208":1414,"4,209":1415,"4,210":1416,"4,211":1417,"4,212":1418,"4,213":1419,"4,214":1420,"4,215":1421,"4,216":1422,"4,217":1423,"4,218":1424,"4,219":1425,"4,220":1426,"4,221":1427,"4,222":1428,"4,223":1429,"4,224":1430,"4,225":1431,"4,226":1432,"4,227":1433,"4,228":1434,"4,229":1435,"4,230":1436,"4,231":1437,"4,232":1438,"4,233":1439,"4,234":1440,"4,235":1441,"4,236":1442,"4,237":1443,"4,238":1444,"4,239":1445,"4,240":1446,"4,241":1447,"4,242":1448,"4,243":1449,"4,244":1450,"4,245":1451,"4,246":1452,"4,247":1453,"4,248":1454,"4,249":1455,"4,250":1456,"4,251":1457,"4,252":1458,"4,253":1459,"4,254":1460,"4,255":1461,"4,256":1462,"4,257":1463,"4,258":1464,"4,259":1465,"4,260":1466,"4,261":1467,"4,262":1468,"4,263":1469,"4,264":1470,"4,265":1471,"4,266":1472,"4,267":1473,"4,268":1474,"4,269":1475,"4,270":1476,"4,271":1477,"4,272":1478,"4,273":1479,"4,274":1480,"4,275":1481,"4,276":1482,"4,277":1483,"4,278":1484,"4,279":1485,"4,280":1486,"4,281":1487,"4,282":1488,"4,283":1489,"4,284":1490,"4,285":1491,"4,286":1492,"4,287":1493,"4,288":1494,"4,289":1495,"4,290":1496,"4,291":1497,"4,292":1498,"4,293":1499,"4,294":1500,"4,295":1501,"4,296":1502,"4,297":1503,"4,298":1504,"4,299":1505,"4,300":1506,"4,301":1507,"4,302":1508,"4,303":1509,"4,304":1510,"4,305":1511,"4,306":1512,"4,307":1513,"4,308":1514,"4,309":1515,"4,310":1516,"4,311":1517,"4,312":1518,"4,313":1519,"4,314":1520,"4,315":1521,"4,316":1522,"4,317":1523,"4,318":1524,"4,319":1525,"4,320":1526,"4,321":1527,"4,322":1528,"4,323":1529,"4,324":1530,"4,325":1531,"4,326":1532,"4,327":1533,"4,328":1534,"4,329":1535,"4,330":1536,"4,331":1537,"4,332":1538,"4,333":1539,"4,334":1540,"4,335":1541,"4,336":1542,"4,337":1543,"4,338":1544,"4,339":1545,"4,340":1546,"4,341":1547,"4,342":1548,"4,343":1549,"4,344":1550,"4,345":1551,"4,346":1552,"4,347":1553,"4,348":1554,"4,349":1555,"4,350":1556,"4,351":1557,"4,352":1558,"4,353":1559,"4,354":1560,"4,355":1561,"4,356":1562,"4,357":1563,"4,358":1564,"4,359":1565,"4,360":1566,"4,361":1567,"4,362":1568,"4,363":1569,"4,364":1570,"4,365":1571,"4,366":1572,"4,367":1573,"4,368":1574,"4,369":1575,"4,370":1576,"4,371":1577,"4,372":1578,"4,373":1579,"4,374":1580,"4,375":1581,"4,376":1582,"4,377":1583,"4,378":1584,"4,379":1585,"4,380":1586,"4,381":1587,"4,382":1588,"4,383":1589,"4,384":1590,"4,385":1591,"4,386":1592,"4,387":1593,"5,1":1594,"5,2":1595,"5,3":1596,"5,4":1597,"5,5":1598,"5,6":1599,"5,7":1600,"5,8":1601,"5,9":1602,"5,10":1603,"5,11":1604,"5,12":1605,"5,13":1606,"5,14":1607,"5,15":1608,"5,16":1609,"5,17":1610,"5,18":1611,"5,19":1612,"5,20":1613,"5,21":1614,"5,22":1615,"5,23":1616,"5,24":1617,"5,25":1618,"5,26":1619,"5,27":1620,"5,28":1621,"5,29":1622,"5,30":1623,"5,31":1624,"5,32":1625,"5,33":1626,"5,34":1627,"5,35":1628,"5,36":1629,"5,37":1630,"5,38":1631,"5,39":1632,"5,40":1633,"5,41":1634,"5,42":1635,"5,43":1636,"5,44":1637,"5,45":1638,"5,46":1639,"5,47":1640,"5,48":1641,"5,49":1642,"5,50":1643,"5,51":1644,"5,52":1645,"5,53":1646,"5,54":1647,"5,55":1648,"5,56":1649,"5,57":1650,"5,58":1651,"5,59":1652,"5,60":1653,"5,61":1654,"5,62":1655,"5,63":1656,"5,64":1657,"5,65":1658,"5,66":1659,"5,67":1660,"5,68":1661,"5,69":1662,"5,70":1663,"5,71":1664,"5,72":1665,"5,73":1666,"5,74":1667,"5,75":1668,"5,76":1669,"5,77":1670,"5,78":1671,"5,79":1672,"5,80":1673,"5,81":1674,"5,82":1675,"5,83":1676,"5,84":1677,"5,85":1678,"5,86":1679,"5,87":1680,"5,88":1681,"5,89":1682,"5,90":1683,"5,91":1684,"5,92":1685,"5,93":1686,"5,94":1687,"5,95":1688,"5,96":1689,"5,97":1690,"5,98":1691,"5,99":1692,"5,100":1693,"5,101":1694,"5,102":1695,"5,103":1696,"5,104":1697,"5,105":1698,"5,106":1699,"5,107":1700,"5,108":1701,"5,109":1702,"5,110":1703,"5,111":1704,"5,112":1705,"5,113":1706,"5,114":1707,"5,115":1708,"5,116":1709,"5,117":1710,"5,118":1711,"5,119":1712,"5,120":1713,"5,121":1714,"5,122":1715,"5,123":1716,"5,124":1717,"5,125":1718,"5,126":1719,"5,127":1720,"5,128":1721,"5,129":1722,"5,130":1723,"5,131":1724,"5,132":1725,"5,133":1726,"5,134":1727,"5,135":1728,"5,136":1729,"5,137":1730,"5,138":1731,"5,139":1732,"5,140":1733,"5,141":1734,"5,142":1735,"5,143":1736,"5,144":1737,"5,145":1738,"5,146":1739,"5,147":1740,"5,148":1741,"5,149":1742,"5,150":1743,"5,151":1744,"5,152":1745,"5,153":1746,"5,154":1747,"5,155":1748,"5,156":1749,"5,157":1750,"5,158":1751,"5,159":1752,"5,160":1753,"5,161":1754,"5,162":1755,"5,163":1756,"5,164":1757,"5,165":1758,"5,166":1759,"5,167":1760,"5,168":1761,"5,169":1762,"5,170":1763,"5,171":1764,"5,172":1765,"5,173":1766,"5,174":1767,"5,175":1768,"5,176":1769,"5,177":1770,"5,178":1771,"5,179":1772,"5,180":1773,"5,181":1774,"5,182":1775,"5,183":1776,"5,184":1777,"5,185":1778,"5,186":1779,"5,187":1780,"5,188":1781,"5,189":1782,"5,190":1783,"5,191":1784,"5,192":1785,"5,193":1786,"5,194":1787,"5,195":1788,"5,196":1789,"5,197":1790,"5,198":1791,"5,199":1792,"5,200":1793,"5,201":1794,"5,202":1795,"5,203":1796,"5,204":1797,"5,205":1798,"5,206":1799,"5,207":1800,"5,208":1801,"5,209":1802,"5,210":1803,"5,211":1804,"5,212":1805,"5,213":1806,"5,214":1807,"5,215":1808,"5,216":1809,"5,217":1810,"5,218":1811,"5,219":1812,"5,220":1813,"5,221":1814,"5,222":1815,"5,223":1816,"5,224":1817,"5,225":1818,"5,226":1819,"5,227":1820,"5,228":1821,"5,229":1822,"5,230":1823,"5,231":1824,"5,232":1825,"5,233":1826,"5,234":1827,"5,235":1828,"5,236":1829,"5,237":1830,"5,238":1831,"5,239":1832,"5,240":1833,"5,241":1834,"5,242":1835,"5,243":1836,"5,244":1837,"5,245":1838,"5,246":1839,"5,247":1840,"5,248":1841,"5,249":1842,"5,250":1843,"5,251":1844,"5,252":1845,"5,253":1846,"5,254":1847,"5,255":1848,"5,256":1849,"5,257":1850,"5,258":1851,"5,259":1852,"5,260":1853,"5,261":1854,"5,262":1855,"5,263":1856,"5,264":1857,"5,265":1858,"5,266":1859,"5,267":1860,"5,268":1861,"5,269":1862,"5,270":1863,"5,271":1864,"5,272":1865,"5,273":1866,"5,274":1867,"5,275":1868,"5,276":1869,"5,277":1870,"5,278":1871,"5,279":1872,"5,280":1873,"5,281":1874,"5,282":1875,"5,283":1876,"5,284":1877,"5,285":1878,"5,286":1879,"5,287":1880,"5,288":1881,"5,289":1882,"5,290":1883,"5,291":1884,"5,292":1885,"5,293":1886,"5,294":1887,"5,295":1888,"5,296":1889,"5,297":1890,"5,298":1891,"5,299":1892,"5,300":1893,"5,301":1894,"5,302":1895,"5,303":1896,"5,304":1897,"5,305":1898,"5,306":1899,"5,307":1900,"5,308":1901,"5,309":1902,"5,310":1903,"5,311":1904,"5,312":1905,"5,313":1906,"5,314":1907,"5,315":1908,"5,316":1909,"5,317":1910,"5,318":1911,"5,319":1912,"5,320":1913,"5,321":1914,"5,322":1915,"5,323":1916,"5,324":1917,"5,325":1918,"5,326":1919,"5,327":1920,"5,328":1921,"5,329":1922,"5,330":1923,"5,331":1924,"5,332":1925,"5,333":1926,"5,334":1927,"5,335":1928,"5,336":1929,"5,337":1930,"5,338":1931,"5,339":1932,"5,340":1933,"5,341":1934,"5,342":1935,"5,343":1936,"5,344":1937,"5,345":1938,"5,346":1939,"5,347":1940,"5,348":1941,"5,349":1942,"5,350":1943,"5,351":1944,"5,352":1945,"5,353":1946,"5,354":1947,"5,355":1948,"5,356":1949,"5,357":1950,"5,358":1951,"5,359":1952,"5,360":1953,"5,361":1954,"5,362":1955,"5,363":1956,"5,364":1957,"5,365":1958,"5,366":1959,"5,367":1960,"5,368":1961,"5,369":1962,"5,370":1963,"5,371":1964,"5,372":1965,"5,373":1966,"5,374":1967,"5,375":1968,"5,376":1969,"5,377":1970,"5,378":1971,"5,379":1972,"5,380":1973,"5,381":1974,"5,382":1975,"5,383":1976},"ٜ":{"1":[1,404],"2":[1,408],"3":[1,395],"4":[1,387],"5":[1,383]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383"],"ٞ":{"3":[1],"7":[2],"9":[3],"12":[4,5,6],"13":[7],"14":[8,9,10],"15":[11,12],"16":[13],"17":[14,15],"22":[16,17],"78":[18],"81":[19],"84":[20],"86":[21],"87":[22],"89":[23],"91":[24],"92":[25],"94":[26],"95":[27],"98":[28],"100":[29],"101":[30],"104":[31,32],"107":[33],"108":[34],"111":[35],"113":[36],"115":[37],"117":[38],"118":[39],"119":[40],"120":[41],"123":[42],"124":[43],"126":[44],"128":[45],"131":[46],"134":[47],"135":[48],"140":[49],"144":[50],"149":[51],"151":[52],"154":[53],"157":[54],"158":[55],"159":[56],"162":[57],"165":[58],"167":[59],"169":[60],"171":[61],"173":[62],"174":[63],"175":[64],"176":[65],"177":[66],"180":[67],"182":[68],"183":[69],"184":[70],"187":[71],"189":[72],"191":[73],"192":[74],"193":[75],"194":[76],"195":[77],"196":[78],"198":[79],"199":[80],"200":[81],"203":[82],"206":[83],"209":[84],"210":[85],"211":[86],"214":[87],"215":[88],"223":[89],"225":[90],"226":[91],"228":[92],"229":[93],"230":[94],"231":[95],"233":[96,97],"234":[98],"236":[99],"237":[100],"238":[101],"240":[102],"241":[103],"242":[104],"243":[105],"244":[106],"245":[107],"247":[108],"249":[109,110],"250":[111],"252":[112,113],"253":[114],"255":[115],"256":[116],"257":[117],"260":[118],"261":[119],"263":[120],"264":[121],"265":[122],"267":[123],"268":[124],"269":[125],"271":[126],"272":[127],"274":[128],"275":[129],"276":[130],"277":[131],"278":[132],"279":[133],"280":[134],"281":[135],"282":[136],"283":[137],"284":[138],"285":[139],"286":[140],"289":[141],"290":[142],"291":[143],"294":[144,145],"296":[146],"297":[147],"298":[148],"300":[149],"301":[150],"303":[151],"304":[152],"306":[153],"307":[154],"308":[155],"310":[156],"312":[157],"313":[158],"314":[159],"317":[160],"318":[161],"319":[162],"320":[163],"321":[164],"322":[165],"323":[166],"324":[167,168],"325":[169],"327":[170],"329":[171],"333":[172],"334":[173],"335":[174],"337":[175],"338":[176],"341":[177],"342":[178,179],"344":[180],"345":[181],"346":[182],"352":[183],"354":[184],"356":[185],"363":[186],"366":[187],"367":[188],"373":[189],"375":[190],"377":[191],"379":[192],"381":[193],"382":[194],"385":[195],"388":[196],"389":[197],"390":[198],"393":[199],"394":[200],"395":[201],"396":[202],"398":[203],"399":[204],"400":[205],"401":[206],"402":[207],"406":[208,209],"407":[210],"409":[211,212],"411":[213],"412":[214],"413":[215],"414":[216],"416":[217],"418":[218],"419":[219],"420":[220],"421":[221],"423":[222],"425":[223],"426":[224],"427":[225],"428":[226],"429":[227],"430":[228,229],"432":[230],"433":[231],"435":[232],"437":[233],"438":[234],"439":[235],"441":[236],"442":[237],"444":[238],"445":[239],"446":[240],"450":[241,242],"453":[243],"454":[244],"455":[245],"456":[246],"457":[247],"460":[248],"461":[249],"462":[250],"464":[251],"466":[252],"467":[253],"469":[254],"473":[255],"475":[256],"477":[257],"478":[258],"480":[259],"481":[260],"483":[261],"484":[262],"486":[263],"488":[264],"489":[265],"492":[266],"494":[267],"495":[268],"497":[269],"498":[270],"499":[271],"501":[272],"502":[273],"504":[274],"506":[275],"507":[276],"508":[277],"509":[278],"510":[279],"511":[280],"513":[281],"514":[282],"515":[283],"517":[284],"518":[285],"519":[286,287],"521":[288],"522":[289],"523":[290],"525":[291],"526":[292],"527":[293,294],"529":[295],"531":[296],"532":[297],"534":[298],"535":[299],"537":[300],"538":[301],"539":[302],"543":[303],"544":[304],"545":[305],"546":[306],"548":[307],"550":[308],"551":[309],"552":[310,311],"554":[312],"555":[313],"556":[314,315],"558":[316],"559":[317],"562":[318],"564":[319],"565":[320],"573":[321],"574":[322],"576":[323],"577":[324],"579":[325],"581":[326,327],"583":[328],"586":[329],"587":[330],"588":[331],"590":[332,333],"591":[334],"592":[335],"593":[336],"594":[337],"595":[338],"596":[339],"598":[340],"599":[341],"605":[342],"607":[343],"608":[344,345],"609":[346],"610":[347],"612":[348],"613":[349],"615":[350],"617":[351],"618":[352],"620":[353],"621":[354],"624":[355],"627":[356],"628":[357,358],"630":[359],"632":[360],"633":[361],"634":[362],"637":[363],"639":[364],"640":[365],"641":[366],"642":[367],"643":[368],"644":[369],"647":[370],"648":[371],"649":[372],"650":[373],"651":[374],"652":[375],"653":[376],"654":[377],"655":[378],"656":[379],"659":[380],"660":[381],"662":[382,383],"663":[384],"665":[385],"667":[386,387],"670":[388],"671":[389],"672":[390],"673":[391],"675":[392],"676":[393],"677":[394],"678":[395],"679":[396],"681":[397,398],"685":[399,400],"686":[401],"689":[402],"690":[403],"691":[404],"692":[405,406],"693":[407],"694":[408],"696":[409],"697":[410],"700":[411],"701":[412],"702":[413],"704":[414],"705":[415],"707":[416],"708":[417],"709":[418],"710":[419],"711":[420],"712":[421],"714":[422],"715":[423],"718":[424],"719":[425],"720":[426],"721":[427],"722":[428,429],"723":[430],"724":[431],"725":[432],"726":[433],"728":[434,435],"729":[436],"730":[437],"731":[438],"732":[439],"733":[440],"734":[441],"736":[442],"737":[443],"738":[444],"739":[445,446],"741":[447,448],"742":[449],"743":[450],"744":[451],"745":[452,453],"746":[454],"748":[455],"751":[456],"752":[457],"753":[458,459],"755":[460],"756":[461,462],"758":[463],"760":[464,465],"762":[466],"765":[467],"768":[468],"770":[469],"771":[470],"772":[471],"773":[472],"774":[473],"775":[474],"776":[475],"778":[476],"779":[477,478],"780":[479],"781":[480],"783":[481],"784":[482],"785":[483],"787":[484],"789":[485],"790":[486],"791":[487],"792":[488],"793":[489],"794":[490,491],"795":[492],"796":[493],"797":[494],"798":[495],"800":[496],"802":[497],"804":[498],"806":[499],"811":[500],"814":[501],"815":[502],"821":[503],"822":[504],"824":[505],"828":[506],"829":[507],"830":[508],"832":[509],"834":[510],"835":[511],"836":[512],"838":[513],"839":[514],"842":[515],"843":[516],"845":[517],"846":[518],"849":[519],"850":[520],"852":[521],"853":[522],"858":[523],"859":[524],"860":[525],"861":[526],"864":[527],"865":[528],"866":[529],"867":[530],"868":[531,532],"869":[533],"871":[534,535],"873":[536],"875":[537,538],"878":[539],"880":[540],"881":[541],"883":[542],"885":[543,544],"887":[545],"888":[546],"891":[547,548],"892":[549],"893":[550],"894":[551],"895":[552],"896":[553],"897":[554],"898":[555],"899":[556],"905":[557],"906":[558],"907":[559],"909":[560],"910":[561,562],"912":[563,564],"914":[565],"915":[566],"916":[567],"917":[568],"919":[569],"920":[570],"921":[571],"922":[572],"923":[573],"926":[574],"929":[575],"930":[576],"931":[577],"934":[578],"937":[579],"938":[580],"940":[581],"941":[582],"943":[583],"944":[584,585],"945":[586,587],"946":[588],"947":[589],"948":[590],"949":[591],"950":[592],"953":[593],"954":[594],"955":[595],"956":[596],"957":[597],"958":[598],"959":[599],"960":[600],"961":[601,602],"963":[603,604],"965":[605],"966":[606],"967":[607],"969":[608,609],"971":[610],"972":[611],"973":[612,613],"975":[614],"979":[615],"980":[616],"982":[617],"983":[618],"985":[619],"986":[620,621],"988":[622],"990":[623,624],"991":[625],"992":[626],"994":[627],"995":[628],"997":[629],"998":[630],"1000":[631],"1001":[632],"1002":[633],"1004":[634,635],"1005":[636],"1008":[637],"1012":[638,639],"1014":[640],"1016":[641],"1017":[642],"1018":[643],"1019":[644],"1021":[645],"1022":[646],"1023":[647],"1025":[648,649],"1026":[650],"1027":[651],"1028":[652],"1031":[653],"1032":[654],"1034":[655],"1036":[656],"1037":[657,658],"1038":[659],"1040":[660,661],"1042":[662],"1044":[663],"1046":[664],"1047":[665],"1048":[666],"1049":[667],"1051":[668],"1052":[669],"1054":[670],"1056":[671],"1058":[672],"1059":[673,674],"1060":[675],"1061":[676],"1063":[677],"1065":[678],"1067":[679],"1068":[680],"1069":[681],"1070":[682],"1071":[683],"1072":[684],"1074":[685],"1075":[686],"1076":[687],"1077":[688],"1078":[689],"1079":[690],"1080":[691],"1081":[692],"1083":[693],"1084":[694],"1086":[695],"1088":[696],"1089":[697],"1091":[698],"1092":[699],"1094":[700],"1095":[701],"1097":[702],"1100":[703],"1101":[704],"1103":[705],"1104":[706],"1105":[707,708],"1107":[709,710],"1111":[711,712],"1114":[713],"1115":[714],"1116":[715],"1117":[716],"1120":[717],"1122":[718,719],"1125":[720],"1128":[721,722],"1129":[723],"1132":[724],"1135":[725],"1137":[726,727],"1138":[728],"1139":[729],"1141":[730],"1144":[731],"1146":[732],"1147":[733],"1149":[734,735],"1150":[736],"1151":[737],"1153":[738,739],"1155":[740],"1156":[741],"1157":[742],"1158":[743],"1159":[744],"1160":[745],"1164":[746,747],"1166":[748],"1168":[749,750],"1171":[751],"1172":[752,753],"1174":[754],"1175":[755],"1176":[756],"1177":[757],"1179":[758],"1181":[759],"1182":[760],"1184":[761],"1187":[762],"1188":[763],"1190":[764],"1191":[765],"1192":[766],"1194":[767,768],"1196":[769],"1197":[770],"1198":[771],"1200":[772],"1203":[773],"1204":[774],"1205":[775],"1209":[776,777],"1213":[778],"1214":[779],"1215":[780],"1216":[781],"1217":[782],"1221":[783],"1223":[784],"1224":[785],"1226":[786],"1227":[787],"1230":[788],"1231":[789],"1233":[790],"1234":[791],"1236":[792],"1237":[793],"1253":[794],"1255":[795],"1256":[796],"1257":[797,798],"1258":[799],"1260":[800],"1264":[801],"1265":[802],"1266":[803,804],"1269":[805],"1270":[806],"1272":[807],"1273":[808],"1277":[809],"1279":[810],"1281":[811],"1283":[812],"1285":[813],"1288":[814],"1289":[815],"1290":[816],"1292":[817],"1293":[818],"1294":[819],"1295":[820],"1296":[821],"1297":[822],"1298":[823],"1299":[824],"1300":[825],"1302":[826],"1303":[827],"1304":[828],"1305":[829],"1306":[830],"1308":[831],"1309":[832],"1310":[833],"1312":[834],"1313":[835],"1314":[836],"1315":[837],"1316":[838],"1317":[839],"1318":[840],"1320":[841,842],"1321":[843],"1323":[844],"1324":[845],"1325":[846],"1327":[847],"1328":[848],"1329":[849],"1330":[850],"1331":[851],"1332":[852],"1333":[853,854],"1336":[855],"1339":[856],"1340":[857],"1342":[858,859],"1343":[860],"1345":[861],"1347":[862],"1349":[863],"1350":[864],"1355":[865],"1356":[866],"1358":[867],"1368":[868],"1373":[869],"1374":[870],"1377":[871],"1382":[872],"1384":[873,874],"1386":[875],"1389":[876],"1403":[877],"1405":[878],"1406":[879],"1408":[880,881],"1411":[882],"1412":[883],"1415":[884],"1418":[885],"1422":[886],"1431":[887,888],"1433":[889],"1436":[890],"1440":[891],"1441":[892],"1443":[893],"1445":[894],"1453":[895],"1460":[896],"1461":[897],"1462":[898],"1466":[899,900],"1467":[901],"1469":[902],"1471":[903],"1472":[904],"1473":[905],"1474":[906],"1476":[907],"1477":[908],"1479":[909],"1481":[910,911],"1482":[912],"1483":[913],"1485":[914],"1487":[915],"1488":[916],"1490":[917],"1492":[918],"1493":[919],"1495":[920],"1505":[921],"1507":[922],"1525":[923,924],"1528":[925],"1529":[926],"1530":[927],"1531":[928],"1536":[929],"1540":[930],"1547":[931],"1548":[932],"1552":[933],"1563":[934],"1568":[935],"1570":[936],"1572":[937,938],"1577":[939],"1582":[940],"1587":[941],"1591":[942],"1596":[943],"1598":[944],"1615":[945],"1619":[946],"1621":[947],"1622":[948],"1624":[949,950],"1625":[951],"1626":[952],"1627":[953],"1629":[954],"1630":[955,956],"1633":[957],"1634":[958],"1635":[959],"1637":[960,961],"1638":[962],"1639":[963,964],"1641":[965],"1643":[966],"1645":[967,968],"1647":[969],"1649":[970,971],"1650":[972,973],"1652":[974,975],"1653":[976,977],"1659":[978,979],"1661":[980,981],"1663":[982],"1664":[983,984],"1666":[985,986],"1668":[987,988],"1669":[989],"1671":[990],"1672":[991],"1673":[992],"1674":[993],"1676":[994],"1677":[995,996],"1679":[997,998],"1680":[999],"1682":[1000],"1683":[1001],"1684":[1002],"1686":[1003],"1687":[1004],"1692":[1005],"1693":[1006],"1695":[1007],"1697":[1008],"1698":[1009],"1701":[1010],"1705":[1011],"1707":[1012],"1710":[1013],"1711":[1014],"1712":[1015],"1713":[1016],"1715":[1017],"1717":[1018],"1719":[1019],"1723":[1020],"1726":[1021],"1727":[1022],"1728":[1023],"1729":[1024],"1731":[1025,1026],"1732":[1027],"1734":[1028,1029],"1735":[1030],"1737":[1031],"1738":[1032],"1739":[1033],"1740":[1034],"1741":[1035],"1743":[1036],"1744":[1037],"1746":[1038],"1747":[1039],"1748":[1040],"1751":[1041,1042],"1753":[1043],"1756":[1044,1045],"1760":[1046],"1762":[1047],"1763":[1048],"1764":[1049],"1766":[1050],"1767":[1051],"1769":[1052],"1770":[1053],"1772":[1054],"1773":[1055],"1775":[1056],"1776":[1057],"1777":[1058],"1779":[1059,1060],"1780":[1061],"1782":[1062],"1784":[1063],"1785":[1064],"1786":[1065],"1787":[1066],"1788":[1067],"1789":[1068],"1790":[1069],"1791":[1070],"1794":[1071],"1795":[1072],"1797":[1073],"1798":[1074],"1801":[1075],"1804":[1076],"1806":[1077],"1810":[1078],"1811":[1079],"1817":[1080],"1819":[1081],"1822":[1082],"1823":[1083],"1824":[1084],"1825":[1085,1086],"1827":[1087],"1828":[1088],"1831":[1089,1090],"1833":[1091,1092],"1835":[1093],"1836":[1094],"1837":[1095],"1839":[1096],"1841":[1097],"1844":[1098],"1846":[1099],"1848":[1100],"1850":[1101,1102],"1853":[1103],"1855":[1104,1105],"1856":[1106],"1858":[1107],"1860":[1108],"1861":[1109],"1864":[1110],"1865":[1111],"1868":[1112],"1870":[1113],"1871":[1114],"1872":[1115],"1873":[1116],"1875":[1117],"1877":[1118],"1878":[1119],"1881":[1120,1121],"1883":[1122],"1886":[1123],"1887":[1124],"1888":[1125],"1889":[1126],"1890":[1127],"1891":[1128],"1893":[1129],"1894":[1130],"1895":[1131],"1898":[1132],"1900":[1133],"1901":[1134],"1905":[1135],"1906":[1136],"1909":[1137],"1910":[1138],"1911":[1139],"1913":[1140],"1914":[1141],"1916":[1142],"1918":[1143],"1920":[1144,1145],"1923":[1146],"1925":[1147,1148],"1929":[1149],"1930":[1150],"1933":[1151],"1935":[1152,1153],"1937":[1154],"1938":[1155],"1940":[1156],"1941":[1157],"1943":[1158],"1944":[1159],"1945":[1160],"1947":[1161],"1949":[1162],"1950":[1163],"1952":[1164,1165],"1953":[1166],"1956":[1167],"1958":[1168],"1964":[1169],"1965":[1170],"1967":[1171],"1970":[1172]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"منار القاري\nشرح مختصر\nصحيح البخاري\nتأليف حمزة محمد قاسم\nراجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط\nعني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون\nالجزء الأول\nمكتبة دار البيان\nص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥\nدمشق - الجمهورية العربية السورية\nمكتبة المؤيد\nص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١\nالطائف - المملكة العربية السعودية","vol":"1","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nبيروت\n١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م","vol":"1","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم الكتاب\nلصاحب الفضيلة خادم السنة النبوية الشيخ عبد القادر الأرناؤوط</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإنَّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد: فإن هذا الكتاب العظيم الذي جمعه أمير المؤمنين في الحديث، الِإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المتوفى سنة (٢٥٦) هـ حيث قوّى عزمه على ذلك أستاذُه أمير المؤمنين في الحديث والفقه الِإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه المتوفى سنة (٢٣٨) هـ حيث قال الِإمام البخاري: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله ﵌، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح، فجمعه وسمَّاه (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله علمه وآله وسلم وسننه وأيامه) والتزم أن لا يورد فيه إلا حديثًا صحيحًا، وقصد من جمعه لهذا الجامع الذبَّ عن رسول الله ﵌ والدفاع عنه، والرد على الجهمية والمعطلة وبعض الطرق المنحرفة. ولما انتهى من جمعه عرضه على شيخه الِإمام","vol":"1","page":3},{"text":"أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلى بن المديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة. وقد اتفق العلماء على أن هذا الجامع أصح كتاب في حديث رسول الله ﵌.\nوقد اعتنى بهذا الجامع الصحيح كثير من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين: فشرحه علماء كثيرون، واختصره أئمة آخرون، لا مجال لذكر أسمائهم لكثرتها.\nولقد سمت هِمَّة الأستاذ الجليل فضيلة الشيخ حمزة محمد قاسم فاختصر الجامع الصحيح اختصارًا وسطًا، ثم قرَّر بعد اختصاره أن يشرحه شرحًا مبسطًا يستفيد منه طلاب العلم، فقام بذلك حق قيام، جزاه الله تعالى خيرًا، وسمى شرحه هذا (منار القاري في شرح مختصر البخاري) واعتمد في شرحه على الأئمة المتقدمين الذين شرحوه من الفقهاء والمحدثين.\nوإن الأخ في الله الشارح لهذا الجامع الصحيح حفظه الله. درس على أفاضل من علماء المدينة وتخرج من القسم العالي (١) من مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، ولقد أتى في شرحه لكتابه هذا بما قاله العلماء في المذاهب الأربعة وسواها، وذكر ما قاله الجمهور من الفقهاء ومن خالفهم في ذلك.\nوفي شرحه لأحاديث العقائد ذكر توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الِإلهية والعبادة، دون تشبيه أو تمثيل أو تعطيل، بأسلوب سهل، على عقيدة السلف الصالح، وأهل السنة والجماعة التي تلقوها عن رسول الله ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وهي العقيدة\n_________\n(١) وقد تحدث عن هذا القسم الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في كتابه \"بناة العلم في الحجاز\"، كما تحدث عنه الدكتور محمد العيد الخطراوي في كتابه عن مدرسة العلوم الذي سيصدر قريبًا (المؤلف).","vol":"1","page":4},{"text":"السليمة، والطريقة المستقيمة التي ينبغي على كل مسلم أن يسلك سبيلها، وأن يسير على نهجها. وقد بحث حفظه الله تعالى في القضاء والقدر بحثًا جيدًا على طريقة أهل السنة والجماعة، وأقوال الأئمة المجتهدين، والعلماء المحققين.\nوبين بوضوح كل ما يتعلق بالعقائد، والأحكام، والمعاملات، والحدود، والأخلاق، وعرَّف السنة والبدعة، وسنة رسول الله ﵌، وسنة الخلفاء الراشدين، وما استقر عليه عمل الصحابة، وقد توسَّع في المعاملات، والطب، والأدب، والرقاق، والاعتصام بالكتاب والسنة، فنقل أشياء جديدة عرفت في عصرنا الحاضر، في المواضيع الاجتماعية والأمور الطبية التي يستفيد منها طلاب العلم والشباب المثقف في هذا العصر.\nوقد ختم شرحه هذا بآخر حديث ختم به الِإمام البخاري ﵀ صحيحه هذا، وهو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\".\nفكان ختامًا حسنًا، وشرحًا واضحًا يستفيد منه العام والخاص، فجزاه الله تعالى خيرًا.\nإن الشارح حفظه الله جاء إلى دمشق الشام ليقوم بطبع هذا الكتاب وتفضل علي وزارني في داري جزاه الله تعالى خيرًا. وأطلعنى على عمله المبارك، فقدَّمه إليّ، وطلب مني أن أقرأ كتابه هذا، وأن أراجعه وأنظر في أحاديثه وشرحه، وأن أبدي ملاحظاتي عليه، فاستجبت لذلك على ضعفي، وقرأته من ألفه إلى يائه، ومن أوله إلى آخره، فوجدته كتابًا جيدًا نافعًا إن شاء الله لطلاب العلمٍ والقراء الذين يطلعون عليه، وقد رتبه ترتيبًا حسنًا، ونظمه تنظيمًا دقيقًا، وشرحه شرحًا جيدًا لا لبس فيه ولا غموض.","vol":"1","page":5},{"text":"فوضعت عليه بعض الملاحظات، وعلقت بعض التعليقات على الأحاديث النبوية، وربما أبدلت حديثًا بحديث، أو ذكرته بلفظه جاء في المصادر التي نقل عنها، وَرَجعت في ترجيح أقوال العلماء إلى قول أهل السنة والجماعة، وأهل العلم بالسنة من المحققين والمدققين من المتقدمين والمتأخرين، هذا وقد أضاف حفظه الله بعمله هذا إلى المكتبة الِإسلامية كتابًا حافلًا بالخير والبركة جعله الله تعالى في صحيفة أعماله، وصحيفة من شارك فيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الاعتقاد الصحيح، والسبيل المستقيم، وأن يوفقنا لاتباع سنة رسول الله ﵌ وطريقته وهديه، وأن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nدمشق ١٧ ربيع الأول ١٤٠٩ هـ\nالموافق ٢٧ تشرين الأول ١٩٨٨ م\n\nخادم السنة النبوية\nعبد القادر الأرناؤوط","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>كلمة شكر وتقدير </span>...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله على نعمه العظام، وآلائه الجسام؛ والحمد لله الذي وفقني لخدمة سنة المصطفى خير الأنام، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، ما توالت الأيام وتتابعت السنون والأعوام.\nوبعد. يسرني في هذه اللحظة المباركة التي أقدم فيها كتابي هذا إلى القراء، أن أوجه خالص شكري وتقديري وامتناني إلى صاحب الفضيلة المحدث الكبير، والعالم السلفي الجليل، الشيخ عبد القادر الأرناؤوط على تفضله مشكورًا بمراجعة أحاديث هذا الكتاب سندًا ومتنًا، وتدقيق معانيها وفقهها وأحكامها وتذييل حواشيه بإرشاداته القيمة وتعليقاته العلمية المفيدة وآرائه الصائبة، فأفاض عليه من غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ما هو جدير بفضيلته وأهل له، وكل تعليق ختم بـ (ع) فهو لفضيلته.\nجزاه الله عن الحديث وأهله خير الجزاء، ونفع به الِإسلام والمسلمين.\nويطيب لي في هذه المناسبة السعيدة، أن أنوه بالجهود الكبيرة التي بذلها الأستاذ الجليل السيد بشير محمد عيون صاحب دار البيان في خدمة هذا الكتاب، حيث قام بإعداده وطبعه وإخراجه، وأشرف عليه في جميع مراحله، وعني كل العناية بتحقيق نصوصه وتدقيق ألفاظه وكلماته، وراجعه مرات ومرات، فله مني وللأستاذ الفاضل السيد حسن السماحي الذي قام بتصحيحه","vol":"1","page":7},{"text":"وترقيمه جزيل الشكر وعاطر الثناء، وعميق التقدير، وأتمنى لهؤلاء السادة الأفاضل كل نجاح وتوفيق فيما يبذلونه من نشاط واسع في خدمة الكتب الدينية وإحياء التراث الإسلامي، وعلى الأخص ما يتعلق منه بالحديث النبوي الشريف والسنة المحمدية المطهرة وعقيدة السلف الصالح.\nسدد الله خطاهم ووفقهم لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.\n\nدمشق ١٢ ربيع الأول سنة ١٤٠٩ هـ\n\nالمؤلف\nحمزة محمّد قاسم","vol":"1","page":8},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة الكتاب</span>\nالحمد لله، أحمده وأستعينه، وأستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. أرسله الله بالهدى ودين الحق على فترةٍ من الرسل، وقلةٍ من العلم، وضلالةٍ من الناس.\nوصلّى الله على سيدنا محمدٍ الذى أرسله الله إلى الثقلين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\nوبعد فإنّ أصدقَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله - ﷺ -، وأشرف العلوم علم السنة المحمدية، ودراسة أحاديث رسول الله - ﷺ - رواية ودراية، فقهًا وأحكامًا، فالكتاب والسنّة توأمان. وقد كان جبريل ينزل بالسنّة كما ينزل بالقرآن. فهي وحي إلهي منزل، وهي المرجع الأول في تفسير القرآن الكريم، والمصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.\nولذلك كان لعلم الحديث مكانته السامية، وكان لأهل الحديث مكانتهم المرموقة بين العلماء. ويكفيهم شرفًا أن النبي - ﷺ - نوَّه بشأنهم، ودعا لهم بالوجاهة بين الناس، فقال - ﷺ - كما في حديث زيد بن ثابت ﵁: \"نَضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ مِنَّا حديثًا فَحَفِظَهُ حتَّى يُبلغَه، فرُبَّ حامِل فَقهٍ إلى مَنْ هُوَ أفْقَهُ مِنْه، وَرُب حَامِل فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيْهٍ\" أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن.","vol":"1","page":9},{"text":"وقد استجاب الله تعالى دعوة نبيه - ﷺ - لأهل الحديث كما قال سفيان بن عيينة ﵀: فما من أحد يطلب حديثًا إلا وفي وجهِه نضرةٌ. والمراد أنه لا يوجد أحد من طلاب الحديث إلاّ وقد منحه الله تعالى نشاطًا وقوةً في جسمه، وصفاءً في لونه، وبهجةً في صورته ووجاهةً بين الناس. وإنما دعا له النبي - ﷺ - بهذه الدعوة المباركة، لأنه سعى في تجديد سنة المصطفى، فكان جزاؤه من جنس عمله، أفاده القسطلاني.\nقال بعض السلف: ويرجى لأهل الحديث أن يفوزوا بنضرة النعيم في الدار الآخرة. ولا عجب فأهل الحديثِ هم خلفاء النبي - ﷺ - على سنته.\nوقد كانت أمنية عمري أن يمنَّ الله عليَّ بخدمة \"صحيح البخاري\" وما زال هذا الحُلُم يراود مخيلتي سنين طوالًا، حتى وافتني الفرصة، وتحقق الأمل، فوفّقني الله تعالى إلى تأليف هذا المختصر الذي لخصته من صحيح البخاري، ووضعت عليه شرحًا وسطًا يقع في خمس مجلدات أو في خمسة أجزاء، تحرّيت فيه أن يكون محقِّقًا للغرض، مشتملًا على ما لا بدَّ منه، من ترجمة بعض الرواة، وشرح معنى الحديث، وبيان فقهه وأحكامه، وتخريجه (١)، ومطابقته للترجمة.\nوحرصت أن يكون - قدر الإمكان - بأسلوب سهل، وعبارة واضحةٍ، قريبةٍ من القراء، وفي متناول مداركهم. وبذلت جهدي في تحْقيقه معتمدًا على أوثق المصادر الإسلاميّة. فإنْ أصبت فبفضل من الله (وما توفيقي إلا بالله) وإنْ أخطأت فالمؤلفون عُرْضة للزلل، ومن ألَّف فقد استُهدِف.\nوسميته \"منار القاري شرح مختصر البخاري\" أسأل اللهَ ربَّ العرش العظيم، أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويمنحه القبول، وينفع به القرّاء.\n_________\n(١) اعتمدت في ذلك على شرح العيني غالبًا، وفي بعضه على \"جامع الأصول\".","vol":"1","page":10},{"text":"وإنّي لأطمع أن يشملني قوله - ﷺ - \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\" اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وَأَصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) اللَّهم إني أسألك أن تمنّ علينا وعلى والدينا وأوْلادنا وآل بيتنا ومشايخنا وأقاربنا وأصدقائنا، وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات بعفوك وغفرانك، ورحمتك ورضوانك. (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وصلّى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.\n\nحمزة محمّد قاسم","vol":"1","page":11},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-4>لمحات عن البُخاري وكتابه الجامع الصحيح</span>\"\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-5> الإمام البخاري: ترجمته، حياته، مؤلفاته</span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>عصر البخاري:</span>\nظهر البخاري في القرن الثالث الهجري الذي ازدهرت فيه العلوم الإِسلامية، وأصبح لها مراكز متعددة بالمدينة ومكة (١) والبصرة والكوفة وبغداد عاصمة الخلافة ومركز العلوم والحضارة، في ذلك العصر الذي نمت فيه المذاهب الفقهية وتطورت علوم القرآن من تفسير وغيره، وأُلفت الكتب المتعددة في السيرة والتاريخ والطبقات، ووضعت علوم العربية لخدمة القرآن الكريم.\nأما علوم الحديث: فقد بلغت في هذا العصر قِمَّة مجدها، وظهر فيه أعلام السنة وكبار المحدثين، منهم أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ومُسْلم بن الحجاج والترمذي وابن ماجة وأبو داود، كل هؤلاء ظهروا في هذا العصر الذهبي للعلوم الإِسلامية وألفوا المسانيد والمجاميع وتركوا تراثًا إسلاميًا ضخمًا في الحديث وعلومه.\nولم يكن هذا العصر عصر بداية الحديث وتدوينه وإنما كان عصر تطوره وازدهاره، أما بداية تدوينه فقد كانت في القرن الثاني الهجري، عندما أمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث خشية ضياعه، وكتب إلى واليه أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم كتابًا يأمره فيه أن ينظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - وسنته فيكتبه خوفًا من أن يندرس هذا العلم بذهاب العلماء (٢) فكان\n_________\n(١) الإمام البخاري للدكتور تقي الدين الندوي.\n(٢) ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين ج ٢.","vol":"1","page":12},{"text":"أوَّل من استجاب لهذه الدعوة إمام المحدثين في ذلك العصر محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، فكتب فرائد في علم الحديث، حتى عدّه بعضهم واضع مصطلح الحديث. وكان أوَّل من جمع الأحاديث والآثار.\nثم اقتفى المحدثون أثره ونهجوا نهجه، واقتصروا في أوَّلِ الأمرِ على مجرد تدوين الحديث وجمعه، ثم خطوا خطوة جديدة انتقلوا فيها من مرحلة التدوين إلى مرحلة التنسيق والترتيب الفقهي، فوزعوا الأحاديث على أبواب الفقه الإسلامي، فهذا كتاب الصلاة وأبوابها، وهذا كتاب الزكاة وأبوابها، وهذا كتاب الصوم وأبوابه، وهكذا إلى آخره.\nوكان من الروّاد الأوائِل في تنسيق الأحاديث وترتيبها ابن جريج ومالك وعبد الله بن المبارك وعبد الرزّاق (١)، ثم جاء من بعدهم النسائي وابن ماجة وغيرهم، وفي مقدمتهم الإمامان الجليلان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم ابن الحجاج القشيري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>البخاري، نسبه، ولادته، نشأته:</span>\nالبخاري هو حجة الإسلام وقدوة الأَنام وأمير المحدثين الأَعلام، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة بن \"بَرْدِزْبَة\" (٢) الجعفي، أَسلم جدّه المغيرة على يد ابن اليمان الجعفي والي بخارى، ولذلك نسب إليه. وكان والده إسماعيل من ثقات المحدثين، كما ترجم له ابن حبان، وذكر عنه البخاري أنه سمع من مالك، وصحب ابن المبارك، وكان محدِّثًا ورعًا صالحًا تقيًا. ولد البخاري عند صلاة الجمعة من اليوم الثالث عشر من شوال سنة ١٩٤ هـ ببلدة بخارى من أسرة كريمة، وأراد الله أن ينشأ يتيمًا في حجر أمّه، وكانت صالحة فأَنفقت\n_________\n(١) الإمام البخاري للدكتور الندوي أيضًا.\n(٢) بردزبة بفتح الباء وكسر الدال ومعناه \"الفلاح أو المزارع باللغة الفارسية\".","vol":"1","page":13},{"text":"عليه من مال أبيه، وأحسنت تربيته فنشأ نشأة علمية صالحة، ولاحظته العناية الإِلهية منذ صغر سنه، فقد روي أنّه ذهبت عيناه في صغره، فأخذت أمُّه تضرع إلى الله تعالى، وتبتهل إليه حتى استجاب دعاءها وردّ إليه بصره، وأسلمته أمه إلى الكتاب، فحفظ فيه القرآن الكريم، وظهرت عليه آثار النجابة، ورزقه الله تعالى قلبًا واعيًا، وحافظة قوية، وألهمه حفظ الحديث، فأخذ منه بحظٍ وافر وهو لم يبلغ العاشرة من عمره، وتردد على علماء بلده، وما إنْ بلغ السادسة عشرة حتى حفظ عددًا كبيرًا من كتب الأئمة وكيع وابن المبارك وغيرهم من أعلام عصره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>رحلاته العلمية: </span>كان البخاري واسع الطموح قوي الرغبة في طلب العلم، أفنى عمره كله في رحلته الطويلة بين العواصم الإسلامية للالتقاء بالمحدثين والسماع منهم، فبدأ رحلته بالحج برفقة أمّه وأخيه أحمد الذي كان أكبر منه سنًّا، وأقام بمكة زمنًا، ثم طاف على معظم مراكز الحديث في العالم الإِسلامي وسمع من مشايخه في خراسان والحجاز ومصر والشام، ودخل المدينة المنوّرة، وصنَّف في روضتها الغراء كتابه \"التاريخ الكبير\" وقال ﵀: قلّ اسم في التاريخ إلاّ وله عندي قصة. ودخل بغداد ثماني مرات، وكان يجتمع فيها كل مرة بالِإمام أحمد، فيحثه على الإقامة فيها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>كثرة شيوخه: </span>لا شك أن هذه الرحلة الطويلة كانت سببًا في كثرة مشايخ البخاري وكلهم من أعلام المحدثين ذوي الثقة والعدالة. قال رحمه الله تعالى: \"كتبت عن ألف وثمانيْن نفسًا، ليس منهم إلاّ صاحب حديث. وكان بعض مشايخه ﵀ من التابعين، وبعضهم من أتباع التابعين، وهم الطبقة الوسطى من مشايخه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>تلامذته: </span>أخذ عن البخاري وسمع منه خلق كثيرٌ حتى قال الفربري: سمع","vol":"1","page":14},{"text":"منه كتاب البخاري سبعون ألف رجل، وكان من أعْلام تلاميذه الترمذي\nوالنَسائي ومسلمٌ وابن خزيمةِ وأبو زُرعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>سعة حفظه: </span>كان ﵀ في الحفظ نادرة زمانه، وأعجوبة دهره، ولم يكن له نظير في عصره، بل كان آية من آيات الله في أرضه، رُوِى عنه أنه كان ينظر في الكتاب فيحفظه من نظرة واحدة، قال رحمه الله تعالى: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائَتَيْ أَلفِ حديثٍ غير صحيح، وروى أبو العباس البغدادي \"أن البخاري لما قدم بغداد اجتمع به محدثوها وأَرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث قلبوا متونها وأسانيدَها، وجعلوا إسناد هذا لهذا ودفعوا لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم أن يلقوا ذلك إلى البخاري، فلما انعقد المجلس من كبار علماء العراق وخراسان، قام إليه رجل فسأله عن حديث منها، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقى إليه واحدًا واحدًا (١)، والبخاري يقول: لا أَعرفه، ثم قام إليه ثان وثالث ورابع حتى فرغوا كلهم، فالتفت إلى الأَول فقال: أمَّا حديثك الأول فقلت: كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا، وصوابه كذا، حتى أَتى على تمام العشرة فرد كل متنٍ إلى إسْنَادِهِ، وفَعَل بالآخرين مثل ذلك، قال الحافظ: فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنّه كان حافظًا، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ثناء أهل العلم عليه: </span>لقد أجمع علماء الإِسلام على أن البخاري قد فاز بقَصَب السبق، وتفوّق على غيره في علم الحديث حتى أصبح يلقَّب بأمير المؤمنين في الحديث، وشهد له بذلك أهل العلم في جميع العصور قديمًا وحديثًا، فقال الإمام أحمد ﵀: ما أخرَجَت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، رواه الخطيب بإسناد صحيح.\n_________\n(١) المقدمة لابن حجر العسقلاني.","vol":"1","page":15},{"text":"واعترف له بالفضل جميع أئِمة عصره، فقال الدارمي: لقد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراق فما رأيت فيهم أَجمع من محمد بن إسماعيل.\nوقال قتيْبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأَيت منذ عقلْت مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة.\nوأما مكانته في الحديث وعلو منزلته بين المحدثين، فقد قال عنه الحافظ ابن كثير: البخاري إمام المحدثين في زمانه، والمقتدى به في أَوانه، والمقدم على سائِر أقْرانه.\nوقال السبكي: البخاري إمام المسلمين وقدوة المؤْمنين، وشيخ الموحدين، والمعوَّل عليه في حديث سيد المرسلين، وكتب إليه أهْل بغداد شعرًا قالوا فيه:\nالمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيْتَ لَهُمْ ... وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِيْنَ تُفْتَقَدُ\nوقال فيه أبو مصعب: لو أدركتَ مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت كلاهما واحدٌ. وهكذا اشتهر البخاري، وأصبح حديث الدنيا، وتطلعت إليه الأنظار، وأجع العلماء على محبته وتقديره، واشتاقت إلى رؤيته القلوب، وشخصت الأبصار حتى قال أبو سهيل: أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون: حاجتنا في الدنيا النظر إلى وجه محمد بن إسماعيل.\nوقال يحيى بن جعفر: لو قَدِرْتُ أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>صفات البخاري وشمائله: </span>كان البخاري ﵀ ربعة القوام، عظيم الحياء والشجاعة والورع والزهد، كثير الجود وتلاوة القرآن، أنفق المال الذي ورثه عن والده على طلبة العلم، وكان شغوفًا بتلاوة القرآن يختم في رمضان في كل","vol":"1","page":16},{"text":"يوم ختمةً قال محمد ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>وفاة البخاري: </span>عاد البخاري أخيرًا إلى مسقط رأسه (بخارى) وتلقَّاه أهلها بالحفاوة والتقدير. إلاّ أنَّ أميرها خالد بن أحمد الذهلي سأله أن يحضر إلى منزله ليحدِّث أولاده بالجامع الصحيح، فامتنع، وقال كلمته المشهورة: لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانتْ له حاجة فليحضر إلى مجلسي. فغضب عليه الوالي، ونفاه عن بخارى. فدعا عليه بقوله: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم، فلم يأت شهر على ذلك الوالي حتى عُزِّرَ به، وأركب على أتان ونودي عليه في أسواق بخارى. أما البخاري فإنه سار إلى سمرقند بدعوة من أهلها، فوقعت بسببه فتنة، فتوقف بقرية خَرْتَنْك، على ثلاثة فراسخ من سمرقند، ومرض هناك ووافاه أجله المحتوم، ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة النبوية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>مؤلفات البخاري </span>كثيرة منها:\n١ - الجامع الصحيح أو صحيح البخاري.\n٢ - الأدب المفرد.\n٣ - القراءة خلف الإِمام.\n٤ - التاريخ الكبير.\n٥ - التاريخ الأوسط.\n٦ - التاريخ الصغير.\n٧ - خلق أفعال العباد.\n٨ - أسامي الصحابة.\n٩ - كتاب الضعفاء.\nقال القسطلاني: وسارت مؤلفات البخاري مسير الشمس، ودارت","vol":"1","page":17},{"text":"الدنيا، فما جحد فضلها إلاّ الذي يتخبطه الشيطان من المس.\nالجامع الصحيح - أو صحيح البخاري:\nصحته: لا شك أن هذا الجامع الصحيح المشهور بصحيح البخاري هو أجل كتب الإِسلام بعد كتاب الله شانًا وأعلاها منزلة، وأصح كتب الحديث على الإطلاق، وهو الكتاب الذي خلّد اسم البخاري، ودخل به التاريخ من أوسع أَبوابه، وأصبح ذكره على كل لسان على مر العصور والأَزمان، لأنه خطا في كتابه هذا خطوةً عظيمة وانفرد بميزة لم يشاركه فيها غيره، حيث اقتصر فيه على أصح الصحيح من حديث رسول الله - ﷺ -، واشترط في الأحاديث التي أخرجها شرطًا لم يشترطه سواه، وقد كان المحدثون قبله لا يعنون إلا بجمع ما وصل إليهم من الحديث، تاركين البحث عن رواته إلى القرّاء، فلما ظهر البخاري أراد أن يجرِّد الصحيح من الأحاديث في كتاب على حدة، ليريح الطالب من عناء البحث، فأَلَّف كتابه هذا الذي اقتصر فيه على الحديث الصحيح، الذي ينطبق عليه شرطه هو دون سواه، قال ابن الصلاح: أوَّلُ من صنف الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم، وتلاه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ... ثم إِن كتاب البخاري أصح الكتابين وأكثرها فوائد.\nفصحيح البخاري أصح من صحيح مسلم، لأن شرط البخاري أَقْوى، فقد اشترط فيما يخرجه من الأحاديث \" اللقيا \" بين الراوي ومن روى عنه، بينما لم يشترط مسلم سوى \" المعاصرة بينهما \"، ولهذا قال العسقلاني: أما رجحان البخاري من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة. أهـ. ولهذا أجمعوا على أنه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.","vol":"1","page":18},{"text":"قال البخاري رحمه الله تعالى: سمعت شيخي إسحاق بن راهويه يقول: لو جمعتم كتابًا مختصرًا في الصحيح من سنّة رسول الله - ﷺ -، فوقع ذلك في نفسي أو في قلبي، فأخذت في جمع \"الجامع الصحيح\" ورأيت النبي - ﷺ - في المنام، وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب عنه، فسألت بعض المعبّرين فقال: أنت تذب عنه الكذب (١)، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح.\nوقد تحرى في صحته ما أمكنه التحري وبذل في ذلك أقصى الجهد ومكث فيه سنوات طويلة، قال ﵀: \" صنفت الجامع في ست عشرة سنة، وجعلته حجةً فيما بيني وبين الله، ما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين وتيقنت صحته. وأكد ابن الصلاح أن الأحاديث التي انفرد بها البخاري ومسلم أحاديث مقطوع بصحتها، تفيد (٢) العلم اليقينى لتلقي الأمة كلَّ واحد من كتابيهما بالقبول، ويقول الأستاذ أحمد محمد شاكر \" الحق (٣) الذي لا مرية فيه عند أهْل العلم بالحديث من المحققين، أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها مطعن أو ضعْف \"، أهـ.\nولقد كان من العوامل التي ساعدت البخاري على أن يكون الرائد الأَوَّلَ في تجريد الأحاديث الصحيحة كما قال أحمد أمين في ضحى الإِسلام: أنه رزق خصلتين بارزتين مكَّنتاه من غرضه:\n_________\n(١) مقدمة البخاري للحافظ بن حجر.\n(٢) المقدمة لابن الصلاح.\n(٣) سرح ألفية الحديث لفضيلة الأستاذ أحمد مَحمد شاكر.","vol":"1","page":19},{"text":"الأولى: حافظة قويّة لاقطة خاصةً (١) فيما يتعلق بالحديث، فقد بالغ الرواة في كثرة ما كان يحفظه عن ظهر قلبه من أَحاديث بسندها، فروي عنه أنه كان يحفظ في صباه سبعين ألف حديث وأكثر، ولا يجيء بحديث عن الصحابة والتابعين إلا ويعرف مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم وأوصافهم، ومهما كانت هذه الأخبار التي رويت عنه فإنها تدلنا على قدرته في الحفظ، وكان يستعين على حفظه بالتقييد، فقد رووا عنه أنه كان يقول ما تركت حديثًا في البصرة إلا كتبته.\nالثانية: مهارة فائِقة في تعرف الرجال ونقدهم، وقد وضع في ذلك كتابه \" التاريخ \" لتمييز الرجال، ورووا عنه أنه قال: قَلَّ اسْمٌ قي التاريخ إلا وله عندي قصة.\nأما عدد أحاديث صحيح البخاري: فقد ذكر ابن الصلاح (٢) أنها سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة (٣)، وقيل إنها بإسقاط المكرر أربعة آلاف حديث وتبعه النووي في مختصره ... وقال القاري (٤): الذي حققه الحافظ في شرح البخاري، أن جملة أحاديثه مع التعاليق والمتابعات والشواهد والمكررات تسعة آلاف وإثنان وثمانون حديثًا، وبإسقاط المكرر تبلغ أَحاديثه المرفوعة إلى النبي - ﷺ - أَلفين وستمائة وثلاثًا وعشرين، وتبلغ ثلاثيات البخاري وهي أعلى الأسانيد مع المكرر اثنين وعشرين حديثًا، وبإسقاط المكرر ستة عشر حديثًا.\n_________\n(١) ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين.\n(٢) علوم الحديث للإمام ابن الصلاح.\n(٣) وقد أحصى أحاديثه الأستاذ المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي فبلغت (٧٥٦٣).\n(٤) المرقاة شرح الشكاة للقاري ج ١.","vol":"1","page":20},{"text":"أما ثناء الناس عليه: فقد أَجمع علماء الإِسلام على تلقي هذا الكتاب الصحيح بالقبول، لأنه الكتاب المبارك الذي جمع بين دُفتَيْهِ السنّة الصحيحة، ولا شك أن صاحبه رحمه الله تعالى عندما أسماه \" الجامع المسند الصحيح \" قد عنى بالفعل أن يكون هذا الكتاب مطابقًا لعنوانه، فنفَّذ ما وصفه به بكل دقة وعناية، والتزام، ولهذا حظي الكتاب بما لم يحظ به غيره، من تقدير علماء الإسلام وإعجابهم به شرقًا وغربًا، فأثنوا عليه بالغ الثناء، ووصفوه بما يليق به، فقال الذهبي في تاريخ الِإسلام: أما جامع البخاري الصحيح فأجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للناس.\nوقال شيخ الإِسلام ابن تيميّة: ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن (١).\nوشارك الشعراء في الثناء على هذا الكتاب العظيم، والتغني بمدحه فقال العجلى:\nكأنَّ البخاري في جمعه ... تلقى من المصطفى ما كتبْ\nفلله خاطره ما وعَى ... وساق فرائده وانتخبْ\nوقال الجرجاني في وصفه:\nأسانيدُ مثلُ نجوم السماء ... أمَامَ متونٍ كمثل الشُّهُبْ\nبه قام ميزانُ دينِ النبي ... ودانَ له العُجْمُ بعد العربْ\nوخير طريق إلى المصطفى ... ونور مبين لكشف الريبْ\nصحيح البخاري لو أنصفوه ... لما خط إلاّ بماء الذهبْ (٢)\nنفعنا الله به ووفقنا للعمل بما فيه والله أعلم.\n_________\n(١) الإمام البخاري للدكتور الندوي.\n(٢) شرح القسطلاني ج ١.","vol":"1","page":21},{"text":"قال البخاري:\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>١ - \" باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله - ﷺ </span>- \" (١)\nــ\n(بسم الله الرحمن الرحيم)\n\n١ - \" باب كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله - ﷺ - \"\nأقول وبالله التوفيق: جرت عادة المصنِّفين على إطلاق لفظ الباب على مجموعة من المسائل العلمية المشتركة في حكم واحد، وعلى هذا جرى البخاري حيث ذكر في هذا الباب الأحاديث المتعلقة بالوحي، وكيف بدأ وتدرج من مرحلة إلى أخرى، ومن رؤيا منامية إلى وحي صريح. كما ذكر فيه الأحاديث المتعلقة بالوحي المحمدي وتقرير صحته وثبوته وصدقه. ولا شك في أن تصدير البخاري. كتابه بباب بدء الوحى أمر في غاية المناسبة، والإِبداع والتوثيق العلمي. فإنّ فيه إشارة صريحة إلى أن ما بين دفتيه من أحاديث النبي - ﷺ - هو وحى إلهي، وكذلك السنة الصحيحة كلها. قال يحيى بن كثير: كان جبريل ينزل بالسنَّة كما ينزل بالقرآن، أخرجه الدارمي، وقال ﷿: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، وقال النبي - ﷺ -: \" ألا إني أوتيت الكتاب ومثله \". أما الوحي فله معنيان معنى لغوي ومعنى شرعي وإنْ شئتَ قلت: له في اللغة معان عديدة، وله شرعًا معنى واحد. فالوحي لغة يأتي لعدة معان وهي:\n(أ) الإشارة الحسية باليد والعين وغيرهما، كما قال الشاعر:\n_________\n(١) حديث \"إنما الأعمال بالنيات ... \" سيأتي شرحه وافيًا صفحة (١٤٥).","vol":"1","page":23},{"text":"نظرت إليْها نظرةً فَتَحَيَّرَتْ ... دَقَائِق فِكْري فِى بَدِيْع صِفَاتِهَا\nفَأوحَى إِلَيْهَا الطرفُ أنَّي أحبّهَا ... فأثَّر ذَاكَ الوَحيُ في وَجنَاتِهَا\nومنه قوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).\n(ب): الكتابة كقول لبيد (١):\nفمدافعُ الرَّيَّان عُرِّي رَسْمُها ... خَلَقًا كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلاَمُها\n(فالْوُحِىُّ جمع وَحْيٍ وهو الكتابة)، وإنما سميت الإِشارة والكتابة وحيًا لدلالتهما على المعنى بسرعة لا يدانيهما فيها غيرهما. والعرب تسمي السرعة وحيًا، فيقولون: تَوَحَّى الرجل إذا جاء بسرعة، فهما يرجعان إلى أصل واحد وهو السرعة.\n(جـ) الإِلهام القلبي وهو ما يلقيه الله في قلب الإنْسان من علم، أو أمر، أو نهي. كما قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).\n(د) التسخير الغريزى للحيوان (٢) كقوله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ): أي أنَّ الله سخرها عن طريق الغريزة أنْ تصنع هذه الأشياء\nالعجيبة.\n(هـ) الوسوسة الشيطانية، ومنه قوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ). وإنما سمي \" الإلهام \" و\" التسخير الغرْيزي \" و\" الوسوسة الشيطانية \" وحيًا، لأنّها إعلام في خفاء، والعرب تسمي الإعلام الخفي\n_________\n(١) ديوانه: ٢٩٧\n(٢) الوحي المحمدي للسيد رشيد رضا.","vol":"1","page":24},{"text":"وَحْيًا، قال الكسائي: تقول وحيت إليه إذا كلمته بكلام تخفيه عن غيره. أما الوحي شرعًا: فهو إعلام الله تعالى لنبيٍّ من أنبِيَائه بالشريعَة الْمنْزَلَةِ عليه، وما يتعلق بها من أخبار وأحكام سواءً كان هذا الإِعلام الإِلهي مَنامًا أو إلهامًا أو كلامًا بواسطة أو بغير واسطةٍ. وِإنما سمي إعلام الله لأنْبِيَائِهِ وحيًا لأمرين:\nأولًا: لأنه يأتي غالبًا إِلى الأنبياءِ في سرِّية وخفاءٍ، وأصل الوحي في اللغة \" الإِعلام الخفي \".\nثانيًا: أنه غالبًا مما يتم في سرعةٍ شديدةٍ حتى أنَّ القسطلاني قال: والتلقي من الملك، وفهم النبي - ﷺ - ما أُلقي إليه كأنه في لحظة واحدة، بل أقرب من لمح البصر، ولذلك سمي وحْيًا لأن الوحي في اللغة الإِسْراع. والحاصل أنه سُمِّيَ وحيًا لما يتصف به غالبًا من الخفاءِ والسرعة، حتى قال بعضهم: الوحي شرعًا هو إلقاء الله تعالى الكلام أو المعنى في نفس النبي بخفاء وسرعة.\nولكن هذا التعريف في الحقيقة، لا ينطبق على الوحي في كل الأَحوال، فليس كل وحي يأتي إلى النبي - ﷺ - في سرعة وخفاء، فقد يأتي أحيانًا عَلانيةً، ويلقاه جبريل أمام أصحابه، فيرونه ويشاهدونه، ويسأل النبيَّ - ﷺ - ويجيبه - ﷺ - وهو بين أظهرهم، وَيقولُ لهم النبي - ﷺ -: \" هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم \". وقد تطول مدة نزول الوحي، ويستغرق فترة من الزمن، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فالسرية والسرعة ليست صفة لازمة للوحي، ولا حالة مطرِّدَة فيه، وإنما هي حالة أغلبية والله أعلم.\nأنواع الوحي: قال ابن القيم: وكمل الله له - ﷺ - من مراتب الوحي مراتب عديدة.","vol":"1","page":25},{"text":"أحدهما: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدء وحيه (١)، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.\nالثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه (٢) من غير أن يراه، كما قال - ﷺ -: \" إنّ روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلاّ بطاعته \".\nالثالثة: أنه - ﷺ - كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يعي ما يقول، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.\nالرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده، عليه فيلتبس به الملك حتى أن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد. وحتى إن راحلته لتبرك به إِلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاءه الوحي مرّة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليها حتى كادت ترضها.\nالخامسة: أن يرى الملك في صورته (٣) التي خُلق عليها فيوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين، كما ذكر الله ذلك في سورة النجم.\nالسادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السموات ليلة المعراج. من فرض الصلاة وغيرها.\n_________\n(١) واستمر على هذه الصورة ستة أشهر من ربيع الأول إِلى رمضان، حيث نزل عليه الوحي الصريح، وأتاه جبريل في غار حراء.\n(٢) وهو ما يسمى بالإلهام، ومعناه إلقاء العلم الإلهي في قلب النبي - ﷺ -، دون سبب ظاهرى، من إدراك حس أو نظر واستدلال.\n(٣) وهو نادر جدًا، فإنه - ﷺ - لم يره على صورته الأصلية إلا مرتين، مرة سأل ربه أن يريه كذلك، فظهر له كما هو، فسد الأفق، ومرة أخرى عند سدرة المنتهي، ليلة المعراج، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد، وجاء فيه أنه رآه - ﷺ - في المرة الأولى، له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق. أخرجه أحمد عن ابن مسعود ﵁.","vol":"1","page":26},{"text":"السابعة: كلام الله له، منه وإليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله تعالى موسى بن عمران، وكلَّم أيضًا نبينا - ﷺ - ليلة المعراج، قال ابن القيم: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحًا، \" مباشرة دون حجاب \" وهذا على مذهب من يقول: إنه - ﷺ - رأَى ربه (١) ﵎، وهي مسألة خلافية بين السلف والخلف، وقد بدأ الخلاف في هذه المسألة منذ عهد الصحابة ﵃، فعائِشةُ وجماعة من الصحابة يقولون: لم ير النبي - ﷺ - ربه، وابنُ عباس ومن وافقه يقولون: رأى - ﷺ - ربه، ليلة المعراج، وروى الخلال في \" كتاب السنة \" عن المروزي أنه قال: قلت لأحمد: يقولون إنَّ عائشة قالت: \" من زعم أنّ محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية \" فبأي معنى تدفع قولها قال بقول النبي - ﷺ -: رأيت ربي (٢)، وقال ابن كثير: وصرح بعضهم بالرؤية بالعين، واختاره ابن جرير وبالغ فيه (٣) وقال النووي في شرح مسلم: الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله - ﷺ - رأى ربه بعيني رأسه (٤)، لحديث ابن عباس وغيره، حيث قال \" أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمّدٍ - ﷺ - وإثبات هذا لا يأخذونه إِلا بالسماع من رسول الله - ﷺ - (٥).\nعناصر الوحي: لا شك أنّ الوحي يتألف من عنصرين هما: كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - فالسنة توأم القرآن، والمصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وهي وحي إلهي من أنكرها فقد أنكر نبوة محمد - ﷺ - وكفر بشهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأنها لا تتحقق إلا بتصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به، والعمل\n_________\n(١) زاد المعاد لابن القيم.\n(٢) \" مختصر سيرة الرسول \" للشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\n(٣) \" البداية والنهاية \" لابن كثير ج ٣.\n(٤) شرح النووي على مسلم ج ٣.\n(٥) والرؤية محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى أن الرؤية بالبصر، فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃، ومن قال: إنه رآه بعيني رأسه، ففيه نظر. (ع).","vol":"1","page":27},{"text":"بسنته، ومن لم يعمل بالسنة لم يعمل بالقرآن؛ لأنه خالف قوله ﷿ (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). ولا تتحقق طاعة الله إلّا بطاعة نبيه - ﷺ -؛ لقوله ﷿ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وقوله - ﷺ -: \" من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله \" أخرجه البخاري. وقال يحيى بن كثير: كان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن. وفي الحديث عن المقدام بن معدي كرب قال: قال النبي: - ﷺ - \" ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله \" إلى أن قال - ﷺ -: \" وإنّ ما حرم رسول الله كما حرم الله \" أخرجه أبو داود. وقال طاووس رحمه الله تعالى: وقيل: لم يسن رسول الله - ﷺ - شيئًا قط إلا بوحي، فمن الوحي ما يتلى، ومنه ما يكون وحيًا إلى رسول الله - ﷺ - فيسن به (١).\nمن هو أول الأنبياء ومن أول الرسل؟\nلا خلاف بين أهل العلم في نبوة آدم ﵊، فقد اتفقوا على أَنه نبي، وأنه أوّل الأنبياء، لثبوت ذلك بالأحاديث الصحيحة، قال الأستاذ الصابوني (٢) وقد ورد في السنة الصحيحة ما يدل على نبوته صراحة وذلك في حديثين:\nالأول: عن أبي سعيد الخدرى ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقّ عنه الأرض ولا فخر \"، رواه الترمذي.\nالثاني: عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله\n_________\n(١) ترتيب مسند الإمام الشافعي لمحدث المدينة في القرن الثالث عشر الهجري الشيخ محمد عابد السندي المتوفى سنة ١٢٥٧ هـ.\n(٢) النبوّة والأنبياء للأستاذ محمد علي الصابوني.","vol":"1","page":28},{"text":"أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم، قلنا: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: نعم، نبي يكلَّم، قلت: يا رسول الله كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جَمًَّا غفيرًا .. رواه أحمد. قال: ولهذه الأدلة نرى علماء المسلمين متفقين على نبوته، لم يخالف في ذلك أحد، والله تعالى أعلم \" قال \" وأما رسالته فالأمر فيها مختلَفٌ فيه، فيرى بعض العلماء أنه رسول، وأنه أرسل إلى ذُرِّيته، ويرى الآخرون أنه لم يكن رسولًا، وإنَّما كان نبيًّا، ويستدل هؤلاء بحديث الشفاعة الوارد في صحيح مسلم أن الناس يذهبون إلى نوح يقولون له أنت أوّل رسل الله إِلى الأرض، فلو كان آدم رسولًا لما ساغ هذا القول.\nوالرأي الأرْجح أنه من الرسل. ومن أقوى الأدلة على رسالته قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) فقد روي عن الحسن وابن عباس ﵄ تفسير الإِصطفاء في الآية بالاختيار للرسالة، كما أخرجه ابن عساكر وابن جرير (١)، وهذا يدل على أن آدم أوّل الرسل، قالوا: إنما لم يذكر اسمه مع الرسل في قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) إلخ لأن الوحىَ الذي أنزل عليه كان غالبًا حول الأمور الكونية (٢)، لا التشريعية والله أعلم.\n...\n_________\n(١) تفسير الآلوسي ج ٣.\n(٢) فيض الباري على صحيح البخاري للشيخ محمد أنور الكشميري.","vol":"1","page":29},{"text":"١ - عَنْ عائِشَةَ ﵂:\nأنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَام سأل رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يَأتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أحْيَانًا يَأتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ\nــ\n١ - الحديث: أخرجه الشيخان\nراوية الحديث: هي أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂، عقد عليها النبي - ﷺ - بمكة قبل هجرته، وعمرها ست سنوات، ودخل عليها بالمدينة في شوّال من السنة الثانية وعمرها تسع سنوات.\nولها مناقب عظيمة، فمن مناقبها أنها حبيبة المصطفى - ﷺ -، وأن الوحي كان ينزل عليه في فراشها، ونزلت براءتها من السماء، وتوفي النبي - ﷺ - في حجرها، ودفن في حجرتها، وكانت من الستة المكثرين من رواية الحديث، وهم أبو هريرة وعائشة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك ﵃. روت عن النبي - ﷺ - ألفًا ومائتين وعشرة أحاديث في حين أنها لم تتجاوز الثامنة عشرة عند وفاته - ﷺ -. وكانت مرجعًا للناس في الفقه والفتيا والكتاب والسنة، كما كانت موضعٍ تقدير الخلفاء، توفيت في رمضان سنة خمس وخمسين للهجرة مخلّفة بعدها تراثًا إسلاميًا ضخمًا يُعَدُّ مصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي.\nمعنى الحديث: تُحدثنا السيدة عائشة ﵂ \" أن الحارث بن هشام \" ابن المغيرة الخزومي شقيق أبي جهل، أسلم ﵁ يوم الفتح، وأصبح من فضلاء الصحابة، خلّف اثنين وثلاثين ولدًا منهم عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السبعة، وحضر اليرموك واستشهد فيها. \" سأل رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ \" أي أن الحارث ابن هشام ﵁ سأل النبي - ﷺ - هذا السؤال ليتعرّف على كيفية","vol":"1","page":30},{"text":"الْجَرَس\" وَهُوَ أشَدُّهُ علَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وأحْيَانًا\nــ\nنزول الوحى، لأن الوحي هو مصدر هذا الدين، ولأن التعرف عليه والتأكد منه مما يقوِّي الإيمان ويزيد في اليقين. أما النبي - ﷺ - فقد عُني بسؤاله هذا لأهميته، وأجابه عنه \" فقال رسول الله - ﷺ -: \" أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس \" أي أن للوحي صورًا مختلفةً، ومن هذه الصور أنه يأتي \" في بعض الأوقات \" على شكل صوت قوي غريب مبهم، يشبه دقات الجرس. لو سمعه الإِنسان العادي لم يفهم منه شيئًا، ولكن النبي - ﷺ - كان يعي هذا الصوت، ويفهم معناه، فور انتهائه. لأنّ الله تعالى الذي علَّم آدم الأسماء كلها قد هداه إلى معناه، وأقدره على فهمه.\nأما مصدر هذه الصلصلة وصوت من هي؟ فالظاهر أنها صوت المَلَك الوكل بالوحي، لما جاء في رواية أخرى للبخاري أن النبي - ﷺ - قال \" يأتي الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس \" أي يأتي الملك بالوحي أحيانًا، فيكلم النبيَّ - ﷺ - بصوت مثل صلصلة الجرس (١). وقد كان هذا النوع من الوحي يأتي بأصوات مختلفة، وربما أَتى كدويّ النحل، وكان الصحابة ﵃ يسمعونه أحيانًا، فقد روى عمر في حديثه أنه - ﷺ - إِذا نزل عليه الوحي يُسْمَعُ عنده كدويّ النحل، أخرجه الترمذي، والنُسائي والحاكم والبيهقي وأبو نعيم بإسناد جيد، قال القاضي (٢): وما جاء مثل ذلك يجري على ظاهره، وكيفيّة ذلك مما لا يعلّمه إلاّ الله سبحانه، ومن أطلعه الله على شيءٍ من ذلك من ملائكته ورسله، قال - ﷺ - \" وهو أشده على \" أيْ والوحي على هذه الصورة أشد أنواع الوحي على نفس النبي - ﷺ -، وذلك كما أفاده الحافظ أمر\n_________\n(١) قال الكرماني الجرس شبه ناقوس صغير، أو سطل مقلوب في داخله قطعة نحاس يعلق على البعير منكوسًا فإذا تحركت النحاسة فأصابته تحصلُ الصلصلة.\n(٢) أى القاضي عياض.","vol":"1","page":31},{"text":"يَتَمَثَّلُ لِىَ الْمَلَكُ رَجُلًا فيُكَلِّمُني، فأعيَ ما يَقُولُ\" قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ولقَدْ رَأيتُهُ ينزلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ في اليوْمِ الشَّديدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ\nــ\n\" واضح \" لأن الفهم من كلام مثل صلصلة الجرس، أَشكل \" وأصعب \" من الفهم من الكلام العادي بالتخاطب المعهود. قال - ﷺ - \" فيفصِمُ عنّي وقد وعيت عنه ما قال \" أي فلا يكاد ينتهي هذا الصوت المبهم الشبيه بالصلصلة وينقطع الإرسال إلا وقد فهِمْتُ ما يعنيه، وماذا قال فيه، لأن الله الذي علم آدم الأسماء كلها قد هدى نبيه - ﷺ -، وأقدره ومكّنه من فهم هذه الصلصلة، ثم قال \" وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا \" أي وفي بعض الأوقات يصل إليَّ الوحي عن طريق الالتقاء الشخصي بالمَلَكِ الذي يحمله، فيأتي الملك إلى النبي - ﷺ - في صورة إِنسان من البشر، ويراه النبي - ﷺ - عيانًا، ويكلمه ويسمع منه كلامًا واضحًا جليًّا، ويلتقي به حقيقةً لا خيالًا، قال ابن خلدون: وفي هذه الحالة (١) ينتقل الملك من الروحانية المحضة إلى الصورة البشرية، وكان غالبًا ما يأتي على صورة دحية الكلبي، أوسم العرب، ولا غرابة في ذلك، فإن الملائكة تتشكل كيف شاءت، لأنّها أجسام نورانية لطيفة قادرة بإذن الله على التشكل بأشكال مختلفة، إلاّ أنها لا تتشكل إلاّ بالصور الشريفة.\nوالملك كما يقول السيد رشيد رضا: قد منحه الله تعالى قوة التصرف في مادته وصورته، فالملائكة تكبر وتصغر كيف شاءت بإقدار الله تعالى لها على ذلك.\n\" فيكلمني فأعي ما يقول \" أي فيبلغنى ذلك الملك الوحْي الذي جاء به من عند الله تعالى بكلام صريح واضح، فأفهمه في الحال، وهو معنى قوله: \" فأعي ما يقول \" لأن المضارع المقترن بالفاء يدل على الحال. \"قالت عائشة ﵂: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون.","vol":"1","page":32},{"text":"عَنْهُ، وإنَّ جَبينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.\nــ\nعنه\" أي فينقطع عنه \" وإن جبينه ليتفصد عرقًا \" أي يسيل العرق من جبينه بغزارة شديدة، كما يسيل الدم من العِرْقِ المفصود. بسبب ما يكابده من شدة الكرب والمعاناة، وما يبذله من جهد أثناء نزول الوحي عليه، وقد وردت في وصف ما يعانيه النبي - ﷺ - عند نزول الوحي أحاديث كثيرة، ففي الحديث الصحيح أنه - ﷺ - كانت تأخذه عند الوحي الرحضاء \" أي يتقاطر منه مثل عرق الحمى \" وفي حديث عبادة بن الصامت \" كان نبي الله إذا أنزل عليه كرب تربد وجهه \" وهذه الشدة التي يعانيها مصداق قوله تعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) أي ثقيلًا عند تلقيه وحيًا، والالتزام به عملًا ولكن هذه المشقة تهون وتزول متى تكرر نزول الوحي، فتذهب متاعبه ومشقته، وتبقى حلاوته وعذوبته. كما أفاده فضيلة الأستاذ الشعراوي في فتاويه (١) والله أعلم.\nويستفاد من الحديث ما يأتي:\nأولًا: تنوع الوحي إلى أنواع مختلفة، فمن أنواعه: أن يسمع النبي - ﷺ - صوتًا مثل صوت الجرس أو دويّ النحل ومنها التقاء الملك بالنبي - ﷺ - متمثلًا في صورة إنسان من البشر يبلغه عن الله ﷿ ما شاء الله أن يبلغه له من أمر أو نهي أو خبر أو بشارة أو نذارة أو غيرها. وقد يلتقي به في سمع من الصحابة فيسأله ويُجيبُهُ ثم يعرفهم به - ﷺ - بقوله: \" هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم \" كما في حديث جبريل المشهور.\nثانيًا: بيان ثقل الوحي وشدته على النبي - ﷺ - سيما ما كان منه مثل صلصلة الجرس.\n_________\n(١) الفتاوى لفضيلة الأستاذ الشعراوي.","vol":"1","page":33},{"text":"٢ - عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الْمُؤْمِنينَ ﵂ قَالَتْ:\nأوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْوَحْي الرؤيَا الصَّالِحَة في النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرى رؤيا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إليْهِ الْخَلاءُ،\nــ\nثالثًا: إثبات وجود الملائكة وقدرتهم على التشكل بأشكال مختلفة والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أحيانًا، وأحيانًا \" فإنّه يدل على أن للوحي صورًا مختلفة.\n٢ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي\nمعنى الحديث: تحدثنا السيدة عائشة ﵂ في هذا الحديث، عن بَدْءِ نزول الوحي على نبينا - ﷺ - فتذكر لنا أن أول ما أوحي إليه في البداية هو الرؤيا الصالحة والصادقة، التي اقتصر عليها الوحي مدة ستة أشهر، من ربيع الأول إلى شهر رمضان المبارك حيث جاءه الوحي الصريح. وإنما اقتصر الوحي في بدايته على الرؤيا فقط مراعاةً لسنّة التدرج، وتلطفًا وإيْناسًا له - ﷺ -، ورفقًا به، لئلا يَفْجَأهُ الملك يقظةً فيشق عليه. \" فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح (١) \" أي فكانت رؤياه - ﷺ - كلها صحيحة صادقة، لا يرى رؤيا إلاّ تحقَّقَ تفسيرها وظهر، كما يظهر الصباح في هذا الوجود، لأنَّ رؤيا الأنبياء ليست من أضغاث الأحلام، وإنّما هي حق ووحي من الله.\nوأفئدة الأنبياء كأجهزة الاستقبال (٢) المعدة لالتقاط الأنباء في كل حين، فهي مستعدة لتسجيل ما يقذفه الملك فيها يقظة أو منامًا. \" ثم حبب إليه الخلاء \" أي حَبب الله تعالى لنبيّه العزلة والانفراد عن الناس، والانقطاع لعبادة الله\n_________\n(١) قال بعضهم: فلق الصبح ضياؤه، وقال الخليل: هو الصبح نفسه، فيكون قوله \" فلق الصبح \" من إضافة الشيء إلى نفسه لتأكيده، كقولهم عين الشيء وسوّغ ذلك اختلاف اللفظين.\n(٢) هكذا شبه الأستاذ محمد الغزالي قلوب الأنبياء في استقبالها للوحي الإلهي وهو تشبيه لطيف.","vol":"1","page":34},{"text":"وَكَانَ يَخْلُو بغَارِ حِرَاءَ، فَيَتَحنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التُّعَبُّدُ اللَّيَالِي ذَوَاتِ الْعَدَدِ- قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلى أهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ في غَارِ حِرَاءَ، فجاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأ، قَالَ: مَا أنَا بِقَارِىءٍ، قَالَ: فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي\nــ\nتصفيةً لقلبه، وتزكية لروحه، وإبعادًا له عن الباطل وأهله. فاختار - ﷺ - لنفسه هذه العزلة عن رغبة وعاطفة، حيث وجد فيها لذة الروح، وسلوة النفس، ومتعة القلب، بالأنس بالله تعالى، وذلك من مقدمات نبوته. \" فكان يخلو بغار حراء \" (١) أي فكان - ﷺ - يذهب إلى غارٍ منزوٍ في جبل حراء، على يسار الذاهب إلى منى، وعلى بعد ثلاثة أميال من مكة، فينفرد في ذلك الغار، لكْي يجمع بين الخلوة والتعبد والنظر إلى بيت الله الحرام، ولا تجتمع هذه المزايا العظيمة إلاّ في غار حراء الذي يطل على الكعْبة، فيمكنه من النظر إليها، والنظرُ إلى البيت عبادَة. \" فيتحنث فيه \" أي فيكثر هناك من عبادة الله تعالى ليالي وأيامًا عديدة، ولا يمكن القطع في كيفية عبادته - ﷺ - لأنّه لم يرو شيء عن ذلك في الأخبار الصحيحة، ولكنّ الذي يرجحه المحققون من أهل العلم أنه كان يتعبد بالتفكير والتأمل في هذا الكون ومُبْدِعه، والفكر عبادة \" قبل أن يَنْزِعَ إلى أهله \" (٢) أي فيمكث هناك في غار حراء فترة من الزمن حتى يحن إلى أهله، ويقوى اشتياقه إليهم، ويفرغ زاده \" ثم يرجع إلى خديجة \" أي فإِذا اشتد به الحنين إلى أهله، وانتهي ما معه من الزاد عاد إِلى خديجة مرَّة أخرى. \" فيتزود لمثلها \" أي فيأخذ من خديجة زادًا جديدًا، يصطحبه معه إلى غار حراء. \" حتى جاءه الحق \" أي واستمر سيدنا محمد\n_________\n(١) بالمد والقصر والتذكير والتأنيث والصرف وعدمه.\n(٢) يقال نزع إلى أهله إذا حن إلى رؤياهم، وناقة نازع إذا حنت إلى مرعاها.","vol":"1","page":35},{"text":"الْجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرأ، فقُلْت: مَا أنَا بِقَارِىء، فأخذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرأ، فَقُلْتُ: مَا أنا بقَارِىءٍ، فأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) فَرَجَعَ\nــ\n- ﷺ - على الخلوة والتعبد، حتى أشرقت عليه أنوار النبوة، ونزل عليه الوحي الصريح، يوم الاثنين السابع عشر من رمضان، فأتاهُ ملك الوحي جبريلُ ﵇حقيقة لا خَيالًا- مرسلًا من ربِّ العزة، وكان - ﷺ - قد أَتمَّ الأربعين من عمره وتلك سنة الله في الأنبياء، لا يأْتيهم الوحي حتى يتم نضجهم الجسمي والعقلي والنفسي ببلوغ أربعين سنة.\nقال الشاعر:\nوَأتتْ عَلَيْهِ أرْبَعُوْنَ فَأشْرَقَتْ ... شَمسُ النُبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ\n\" فقال اقرأ \" أي فلم يشعر إِلّا وجبريل شاخصٌ أمامَ عينيْهِ يقول له: اقرأ. قال في فيض الباري: وهذا الأمر بالقراءة من باب التلقين والتلقي، كما يقول المعلم لتَلميذه: اقرأ، ومعناه: خذْ عَنّي ما ألقيه إليك من القراءة.\n\" قال ما أنا بقارىء \" أي كيف أستطيع القراءة وأَنا أُمي لا أقدر عليها ولا علم لي بها \" قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد \" أي فأمسك بي ذلك الملَكُ، وضمني ضمة شديدة، حتى بلغ مني أقصى ما تتحمله الطاقة البشرية.\nوإنما فعل ذلك إيناسًا له، وتقوية لنفسه، وتنشيطًا لقلبه، على تلقي الوحي الإلهي. \" ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارىء \" أي ثم أطلقني، وأمرني بالقراءة ثانيًا، فقلت: ما أنا بقارىء، وهو تأكيد للجواب الأول، ومتضمن لمعناه \" فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء \" أي ماذا تريد مني أن أقرأ. \"فأخذني","vol":"1","page":36},{"text":"بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيلدٍ فَقَالَ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُوْني فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَديجَةَ وأخبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشيتُ علَى نَفْسِي، فقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا، وَاللهِ\nــ\nفغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) \" أي إِقرأ ما أقولُه لك، وأبلغه إليك مستعينًا باسم الله وحوله وقوته، وِإقداره لك على القراءة، فإن الخالق العظيم الذي وهب الوجود لكل موجود، وأوجد الأشياء على غير مثال سابق، قادرٌ على تمكينك من القراءة دون أن تتوفر فيك أسبابها.\n(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) وهذا تأكيد للمعنى الأول، وجوابٌ لقوله - ﷺ - ما أنا بقارىء، لما قال النبي - ﷺ - لجبريل: ما أنا بقارىء، قال الله تعالى له: وما يمنعك من القراءة وإن كنت أُميًّا لا تملك أسبابها؟. فإِن الذي خلق هذا الإنسان الحي العاقل المفكر من علقة جامدة، قادر على أن يمنحك القراءة والعلم وأنت أمي. (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) أيْ اقرأ وأنت واثق من أن ربك الكريم الأكرم، الواسع العطاء، الذي أنعم عليك بالنبوة دون كسب واختيار، قادر على أن يمنحك القراءة والعلم، وأنت أُمي لا قدرة لك عليها، ولا تملك اسبابها. فإن النبوة هبة إلهية يمنُّ الله بها على من يشاء من عباده، كما قالت الرسل لمن أنكر عليهم نبوتهم (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ). وإن الذي وهبك النبوة دون كسب، هو الذي أكرمك بالقراءة والعلم دون سبب، ليكون ذلك آية واضحة على صدق نبوتك، كما قال الشاعر:\nكَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الأمِّيِّ مُعْجِزَةً ... فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالتَأدِيْبِ فِي اليُتُمِ\n\" فرجع بها رسول الله - ﷺ - يرجف فؤاده \" أي فعاد النبي - ﷺ - بهذه الآيات، وبهذه الأمور العجيبة إلى خديجة، يضطرب قلبه بين جنبه خوفًا","vol":"1","page":37},{"text":"مَا يُخْزِيكَ الله أبدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضِّيفَ، وتُعِيْنُ على نوائب الحق. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حتى أتتْ به وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَل بنِ أسَد بْنِ عبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ،\nــ\nمما وقع له، ويرتعش جسمه فزعًا، لأن الخوف الشديد يرتجف له الفؤاد تلقائيًا، ويذهب بالحرارة الباطنة، ويعقبه البرد والقشعريرة، والرِعشة البدنية.\nوكذلك جميع الانفعالات النفسيّة تنعكسُ على أعضاء الجسم الداخلية والخارجية، ولذلك ارتعد قلبه - ﷺ - بسبب شدة الخوف، وارتجف جسمه.\nوإنما قال يرجف فؤاده، ولم يقل: يرجف قلبه، لأن الفؤاد وعاءُ القلب، فإذا حصلت الرجفة للوعاء حصلت لما في داخله من باب أولى، فهو أبلغ \" فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع \" أي فدخل على خديجة، وجسمه يرتجف وينتفض من القشعريرة وهو يقول: غطوني بالثوب، فغطه خديجة حتى ذهب خوفه، وأحس بالدفء، فهدأ جسمه. \" فقال لخديجة وأخبرها الخبر، \" أي قصَّ عليها ما وقع له في حراء قائلًا: \" لقد خشيت على نفسي \" أي لقد خفت على نفسي مما حدث لي اليوم في حراء، وهذه هي طبيعة الإنسان إذا رأى ما يفاجأ به (١)، فقد حكى الله عنٍ موسى أنه خاف من سحر السحرة كما قال تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) \" فقالت له خديجة: كلا \" أي: لا داعي لهذا الخوف والقلق، فليس الشيء الذي رأيته من الأشياء الكريهة التي تستوجب الخوف والهلع والفزع. \" والله ما يخزيك الله أبدًا \" (٢). أي أقسم بالله أنه لن يصيبك هوان أو مكروه، أو ينالك ذلٌّ أو فضيحة مدى\n_________\n(١) قال علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ فبدا له جبريل فرأى منظرًا هاله، إذ لم يتقدم له شيء من ذلك.\n(٢) والخزي هو الهوان والذل والفضيحة.","vol":"1","page":38},{"text":"وَكَانَ امْرَأً تنَصَّرَ فِى الْجَاهِليَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ العِبْرانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ ما شَاءَ اللهُ أنْ يَكْتُبَ، وكانَ شيخًَا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ،\nــ\nالحياة لأنّك على جانب عظيم من مكارم الأخلاق، \" وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، \" إنك لتصل الرحم \" أي تحسن إلى أقاربك بالبذل والعطاء، والخدمة والسماحة، وطلاقة الوجه، وقد كان - ﷺ - شديد الحرص على الإحسان إلى قرابته، ولو كانوا كفارًا. فإنّه لما جيء إليه بالشيماء (١) بنتِ حليمة السعديّة في سبايا هوازن بسط لها رداءه، وقال لها: إن أحْببت أقمت مكرَّمَة مُحَبَبّةَ (٢) أو رجعت إلى أهلك، فاختارت أهلها، فأعطاها عبدًا وجارية (٣). \" وتحمل الكَلَّ \" بفتح الكاف وتشديد اللام، وهو في الأصل الثقل ويطلق على الإنسان العاجز عن مؤنة عياله، لثقل أعباء الحياة عليه، أي وتساعد العجزة والضعفاء، وتعينهم، وتحمل عنهم أعباء حياتهم، فإنْ كانوا فقراء أعطيتهم، وبذلت لهم من مالك، وإن كانوا مرضى واسيتهم، وإن كانوا في ضيق فرجته عنهم، ثم إنك تحمل من الصعاب والشدائد ما لا يحمله غيرك، لما فطرك الله عليه من الشجاعة والصبر على المكاره. \" وتكسب المعدوم \" (٤) قال عياض: رويناه عن الأكثر بفتح التاء مضارع كسب، وعن بعضهم بضمها مضارع أكسب. اهـ. أمّا بفتح التاء فمعناه أنّها وصفته - ﷺ - بحسن الحظ في التجارة، فهي تقول له: إنك تكسب من المال ما لا يكسبه غيرك، وتربح في تجارتك ما لا يربحه سواك، وقد كانت العرب لا سيما قريش يتمدحون بكسب المال.\n_________\n(١) بفتح الشين وسكون الياء وهي أخته من الرضاعة.\n(٢) بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الياء.\n(٣) شرح الشفا للشهاب الخفاجي، وشرح الشفا لعلي القاري.\n(٤) والمعدوم هو المال الذي يعدم كسبه من الغير.","vol":"1","page":39},{"text":"فقالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِن ابْنِ أخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ:\nــ\nوأما بضم التاء فمعناه أنه - ﷺ - جواد كريم، يعطي الناس ما لا يعطيهمٍ غيره، وقيل المعدوم هو الإِنسان الضعيف العاجز عن الكسب. سُمِّيَ معدومًا لعجزه عن التصرف فتكون ﵂ قد وصفته بمساعدة العجزة والضعفاء، والبذل لهم من ماله، ويحتمل أنها أرادت كل هذه المعاني، فإنّها كلها تنطبق عليه - ﷺ - \" وتقري الضيف \" أي وتقوم بضيافة الضيْف، وتكريمه بما يليق به، والقِرى بكسر القاف: الطعام الذي يقدَّم للضيف، فهي تصفه بإكرام الضيْف، وتقديم الطعام له، والقيام بواجبه، والترحيب به، وطلاقة الوجه عند مقابلته. \" وتعين على نوائب الحق \" أي وتعين الناس عند وقوع الحوادث، وتقف من ذلك في جانب الحق فتناصر المظلوم، وتأخذ على يد الظالم، وتسعف الملهوف، وتجير من استجار بك، قال العيني: النوائبُ جمع نائبة، وهي الحادثة، والنازلة خيرًا أو شرًا، وإنما قال: نوائب الحق لأنّها تكون في الحق وفي الباطل، والنبيّ - ﷺ - لا يعين على باطل، فلا يعين ظالمًا على ظلمه. هذا وقد شملت هذه الأوصاف المحاسن كلها. وكأنّها ﵂ أرادت أن تصفه بالكمال الإنساني الذي لا يشوبه نقص. وهكذا الأنبياء كما قال الأستاذ الغزالي: يكملهم الله من جميع النواحي الأخلاقية والنفسية والعقلية، لأن النبوة امتداد في جميع المواهب، بخلاف العظمة أو العبقرية، فإنّها قلما تخلو من شائبة نقص.\n\" فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل \" أي ذهبت به إلى ورقة بن نوفل \" ابن عم خديجة \" لأن والدها خويلد بن أسد ووالده نوفل ابن أسد أخوان \" وكان امرءًا تنصّر في الجاهلية \" أي اعتنق النصرانية، وترك عبادة الأوثان، وذلك أنه سافر مع زيد بن نوفل إلى الشام، واتصل بالرهبان، ودرس عليهم وأخذ عنهم النصرانيّة، ولم يكن يوجد من المتدينين إلا قليل","vol":"1","page":40},{"text":"يا ابْنَ أخِى مَاذا تَرَى؟ فأخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَر مَا رَأى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى. يَا لَيْتَنِي فيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أكونُ حَيًا إذْ يُخْرِجُكَ قَومُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\nــ\nوهو منهم \" وكان يكتب الكتاب العبراني \" أي يعرف الكتابة العبرية ويجيدها كما يعرف لغَتها لأنها لغة الكتب السابقة، وسميت عبرية لأن إبراهيم نطق بها بعدما عبر النهر فارًّا من النمرود، قال العيني: وكان آدم يتكلم باللغة السريانية، وكذلك أولاده من الأنبياء وغيرهم، غير أن إبراهيم حُوِّلَتْ لغته إلى العبرانية حين عبر النهر. \" فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب \"، أي يكتب منه الشيء الكثير، من أَيِّ موضع شاء بالعبرانية أو العربية كما أفاده السنوسي، ويُترجم إلى العربية إن شاء. \" وكان شيخًا كبيرًا قد عمَي \" أيْ فقد بصره عندما كَبِرَ سِنَّهُ \" فقالت له خديجة يا ابن عَمِّ اسمع من ابن أخيك \" ولم تقل من محمد تلطفًا منها وتحبيبًا لابن عمها فيه حتى يقبل عليه ويُعْنَى بشأنه \" فقال ورقة يا ابن أخي ماذا ترى \" ولم يكن ابن أخيه نسبًا، ولكن أراد إشعاره بعظم منزلته لديه، وأنه حل من نفسه في المعزّة والمحبّة منزلة ابن أخيه منه، فأطلق عليه ذلك مجازًا، كقول العرب \" يا أخا العرب \". \" فأخبره رسول - ﷺ - \" أي قص عليه قصته \" فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله علىَ موسى \" أي طمأنه وبشره بأنّ ما رآه هو الملك الذي كان ينزل على موسى بالوحي، قال ابن دريد: الناموس هو صاحب سر الوحي، وقال القاري (١): وأهل الكتاب يسمون جبريل بالناموس \" يا ليتني فيها جذعًا \" بالذال المعجمة المفتوحة والنصْب على الأكثر، أي ليتني أكون شابًا قويًا عندما يخرجك قومك، لأساهم في نصرتك، والدفاع عنك، والجذع من المعز ما\n_________\n(١) المرقاة شرح المشكاة للقاري.","vol":"1","page":41},{"text":"أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَأتِ رَجُلٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إلَّا عُودِيَ، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوُفِّي، وَفَتَرَ الوَحْيُ.\nــ\nدخل في سنته الثانية، ومن الإبل ما بلغ الخامسة (١)، ومن الخيل ما بلغ سنتين، واستعير هنا للشابّ القوي، ونصب على الحاليّة أي يا ليتني حَي موجود في مكة حال كوني جذعًا كما أفاده عياض \" ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك \" أي حين تخرجك قريش، وهذا تنازل في التمني، لأنه لما رأى استحالة كونه شابًا قويًا حين إخراجه، لأنه قد أصبح شيخًا هَرمًا كفيف البصر، تنازل عن أمنيته السابقة، وتمنى أن يكون موجودًا، ولو على حالتة الراهنة.\nليساعده بالرأي والمشورة والتدبير وحض الناس، على اتّباعه. \" فقال رسول الله - ﷺ -: أو مخرجى (٢) هم؟ \" وهذا استفهام تعجبي أي كيف تخرجني قريش من مكة مع شدة حبهم لي، وتعلقهم بي، ووصفهم لي بالأمين \" قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلاّ عودي \". أي إلاّ عاداه قومه \" وإن يدركني يومك أنصرك نصْرًا مؤزرًا \" أي قويًا. \" ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي \" أي لم يلبث ورقة إلاّ قليلًا حتى مات، وانقطع الوحي.\nويستفاد من الحديث ما يأتي:\nأولًا: إيمان ورقة بن نوفل، وقد ذكر السهيلي أنه قال للنبي - ﷺ -: أشهد أنك نبي مرسل، وأنك الذي بشر بك عيسى، وستأمر بالجهاد، وإن يدركني ذلك أجاهد معك. وقال النبي - ﷺ - فيه: \" لقد رأيت القس في الجنة، وعليه ثياب الحرير، لأنَّه آمن بي وصدقني \" أخرجه البزار. وذكره\n_________\n(١) أي أن الجذع من الإبل ما بلغ عمره خمس سنوات.\n(٢) بتشديد الياء لأن أصله مخرجوني.","vol":"1","page":42},{"text":"ابن مندة في الصحابة والبلقيني في أول من أسلم.\nثانيًا: أن رؤيا النبي - ﷺ - والأنبياء جميعًا وحي إلهي، لقول عائشة ﵂ \" أوَّل ما بُدِىءَ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا إلخ.\nثالثًا: أن أوّل ما نزل من الوحي القرآنى (اقرأ باسم ربك).\nرابعًا: أن الخائف لا ينبغي أن يُسْألَ حتى يهدأ، حتى قال مالك: المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره، ولذلك فإن خديجة لم تسأل النبي - ﷺ - حتى ذهب عنه الخوف.\nخامسًا: أن مكارم الأخلاق سبب للسَّلامة من المكاره لقول خديجة - ﵂- \" والله ما يجزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم \" الخ وقد صدقت في قولها، وبرت في قسمها.\nسادسًا: جواز مدح الإِنسان في وجهه بصدق إذا لم يُخْشَ عليه الغرور والإِعجاب بنفسه، لأن السيدة خديجة ﵂ قد مدحت النبي - ﷺ - بخصال الخير الموجودة فيه.\nسابعًا: محاولة التخفيف عمن أصابه الفزع، والتسرية عنه، وتطمين قلبه وتهدئة نفسه.\nثامنًا: في الحديث دلالة على فضل السيدة خديجة ورجاحة عقلها، وحسن تصرفها في المواقف الصعبة.\nتاسعًا: دل الحديث على وجود الرؤيا الصادقة التي لا بد أن يظهر لها وجود في الواقع، ويقع تفسيرها في اليقظة على حسب تعبيرها، ومنها رؤيا الأنبياء التي هي أعظم أنواع الرؤيا، وأعلاها شأنًا، وأشرفها مقامًا، وأصدقها وقوعًا. لأنّها وحي إلهيٌ كما قالت عائشة ﵂: \"أول ما بدىء","vol":"1","page":43},{"text":"به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح.\nوإذا كانت الرؤيا الصادقة موجودة كما يدل عليه نص الحديث، فكذلك الرؤيا الكاذبة موجودة أيضًا كما يدل عليه مفهوم الحديث، فالرؤيا أنواع مختلفة:\nمنها الأحلام الشيطانية: التي يصورها الشيطان للإِنسان في أثناء نومه أشكالًا مختلفة من الأشباح المخيفة، التي تؤذي النائم، وتثير في نفسه الآلام والمخاوف، وتسبب له القلق النفسي، فقد يرى أسدًا يفترسه، أو عدوًا يقتله، وما هي إلاّ مجرد خيالات لا تمت إلى الواقع بصلة، وقد نبهنا النبي - ﷺ - إلى هذا النوع من الرؤي الشيطانية، وأرشدنا إلى علاجه، وكيف نتخلص منه ونتغلب عليه، حيث قال - ﷺ -: \" الحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم الشيء يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثًا وليتعوَّذ من شرها. فإنها لا تضره \" وإنّما أمر النبي - ﷺ - بالتعوذ منها مع أنها خيال، لا حقيقة له ليتخلص من تأثيرها النفسي، وما تحدثه من وساوس، وأوهام وآلام نفسية، قد تؤدي بصاحبها إذا استسلم لها إلى الجنون، أو الموت المحقق، لأن الوهم وحش كاسر يقتل صاحبه، ويفتك به. فالتعوذ من هذه الرؤي يقضي على آثارها النفسية، ويخلص المرء من شرها، كما روي عن أبي سلمة ﵁ أنه قال: لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت أبا قتادة ﵁ يقول: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت النبي - ﷺ - يقول: \" الحُلُمُ من الشيطانِ \". الخ فما كنت أباليها، أي فما عادت تخيفني لقناعتي نفسيًا بعدم تأثيرها سيما بعد الاستعاذة منها.\nومنها الأحلام النفسية: التي قد تنشأ عن مؤثرات خارجية، كأن يرى النائم نارًا تحرقه بسبب سقوط أشعة الشمس على عينيه. أو يسمع دقات الساعة","vol":"1","page":44},{"text":"فيرى مطارق حديدية تهوي على جسمه، وقد تنشأ عن موثرات عضوية فيرى معسور الهضم عدُوًا، يخنقه، وربما نشأت عن رغبات مكبوتة في العقل الباطن، يريد أن ينفِّس عنها بهذه الأحلام، ولم يعرف فرويد وغيره من علماء النفس التحليليين غيرَ هذا النوع من الرؤيا فحصروا الرؤيا كلها فيه، فليست الرؤيا عندهم إلاّ تحقيقًا لرغبات نفسية لم يقدر لها أن تتحقق في الحياة العادية فينفس الإنسان عنها أثناء نومه، ويحاول تحقيقها ولو في النوم. وأنكروا وجود الأنواع الأخرى من الرؤيا، لقصور علمهم، وضيق أفقهم، فذلك هو مبلغهم من العلم، والإِسلام يقرّ هذا النوع من الرؤيا ويضيف إليه أنواعًا كما قال - ﷺ - \" الرؤيا ثلاث، رؤيا صالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا يحدث بها المرء نفسه \" وعلماء النفس لا يعرفون إلا الأخير، وينطبق عليهم قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) فهم لا يتحدثون إلّا عن هذه الأحلام النفسية، ويحصرون فيه كل الرؤى، في حين أن الرؤيا أنواع مختلفة، منها ما عرفه علماء النفس وتحدثوا عنه.\nومنها أيضًا الرؤيا الصادقة: التي يظهر تفسيرها في حياة الانسان، فيقع في اليقظة ما رآه في النوم على حسب التعبير الصحيح الذي تعبر به، وقد أثبت الإِسلام وجودها، وتحدث عنها علماء المسلمين، وهي كما يقولون: إلهام يلقيه الله تعالى في قلب العبد أثناء نومه، أو يلقيه الموكل بالرؤيا، أو ما تراه الروح عند عروجها إلى السماء أثناء النوم. فالأرواح -كما قال الإِمام علي ﵁- \" يُعْرَج بها في منامها، فما رأت وهي في السماء فهو الحق \" (١) وقال الأستاذ سعيد حَوَّى \" هذا النوعِ من الرؤيا مهم جدًا (٢) لأنه يكون مبشرًا أو منذرًا أو مخبرًا أو محذرًا \"، والرؤيا\n_________\n(١) كتاب الروح لابن القيم.\n(٢) تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى.","vol":"1","page":45},{"text":"الصادقة تشمل الرؤيا الصالحة وغيرها، فإن كانت رؤيا حسنة تسَرُّ لها النفس فهي رؤيا صادقة وصالحة، وإن كانت سيئة تكرهها النفس فهي صادقة غير صالحة، وذلك لأنّ الرؤيا السيئة ليست كلها من الشيطان، بل هي على نوعين: ما يكون منها حقًا بحسب التعبير، فهو رؤيا صادقة، ولو كانت سيئة، وما يكون باطلًا لا يعلم له معنى من طريق التعبير فهو رؤيا شيطانية كاذبة، كما أفاده ابن أبي جمرة. وقد روِي عن النبي - ﷺ - أنه، أتاه رجل فقال: إنه رأى في المنام كأن رأسه قطع، والرأس يتدحرج، وهو يجري خلفه فزجره النبي - ﷺ - وقال له: هذه من الشيطان، أأحَدٌ يقطع رأسه ويبقى حيًا (١)؟! ومن أعظم الرؤيا الصادقة رؤيا الأنبياء والفرق بينها وبين رؤيا الآخرين أنها قطعية، ووحي من الله تعالى لا شك فيه، ولهذا كانت حجة شرعية تبنى عليها الأحكام الفقهيّة، بخلاف رؤيا غيرهم، فإنّها تحتمل الصدق والكذب ولا يعتمد عليها في حكم شرعي.\nعاشرًا: جواز ذكر العاهة الموجودة في الشخص لفائدة، كقول السيدة عائشة ﵂: \" وكان شيخًا أعْمى \".\nالحادي عشر: أنه ينبغي للمستشار أن يوضِّح رأيه، ويدعمه بالأدلة المقنعة، كما فعل ورقة عندما قال له النبي - ﷺ -: \" أو مخرجيّ هم؟ \" لم يكتف بقوله \" نعم \" وإنّما دعّم قوله بالتجربة التاريخية فقال: لم يأت رجل بمثل ما أتيت به إلاّ عُودي، أي إنَّ تلك سنة الله في أنبيائه جميعًا وقد قال قوم شعيب لنبيّهم: (لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) - (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) ولهذا قيل: لا كرامة لنبيٍّ في وطنه.\nوالمطابقة: في قول عائشة ﵂ \" أوّل ما بدىء به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة .. \" فهو مطابق لقوله في الترجمة \"باب كيف\n_________\n(١) بهجة النفوس لابن أبي جمرة الأندلسي.","vol":"1","page":46},{"text":"٣ - عنْ جابرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ وهُوَ يُحَدِّثُ عن فَتْرَةِ الوَحي، فقَالَ فِي حَدِيثهِ:\nبينَا أنا أمشِى إذْ سَمِعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فرَفَعْتُ بَصَرِي، فإذا الْمَلَكُ الَّذي جَاءَنِي بِحِرَاءَ جَالِسٌ على كُرْسي بَيْنَ السَّمَاءِ والأرْضِ، فَرُعِبْتُ\nــ\nكان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -\".\n٣ - الحديث: أخرجه الشيخان\nترجمة راوي الحديث: وهو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري أحد المكثرين من الرواية، روى ألفًا وخمسمائة حديث وأربعين حديثًا، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، توفي بالمدينه سنة (٧٨) هـ.\nمعنى الحديث: أن جابرًا ﵁ \" قال وهو يحدث عن فترة الوحي \" أي عن المدة التي انقطع فيها الوحي عن النبي - ﷺ - وكانت سنتين ونصف، كما في بعض الأحاديث التي ذكرها السهيلي \" فقال في حديثه \" الذي يرويه عن النبي - ﷺ -: \" بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء \" أي قال النبي - ﷺ -: سمعت أثناء مسيري بأطراف مكة صوتًا غريبًا ينبعث من السماء فأثار ذلك الصوت انتباهي \" فرفعت بصري \"، أي فشخصت ببصري إلى أعلى كي أتعرّف على مصدر ذلك الصوت \" فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض \" أي فلما نظرت إلى السماء فوجئت برؤية ذلك الملك الذي سبق له أن جاءني بحراء، وهو جالس على كرسي بين السماء والأرض قال: \" فرعبت منه \" أي فأصابني بسبب مشاهدة ذلك الملك خوف، وفزع شديد فقدتُ معه السيطرة على قوايَ الجسمية، كما في رواية مسلم حيث قال - ﷺ -: \"فَجثثتُ فرقًا حتى هويت","vol":"1","page":47},{"text":"مِنْهُ، فرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فأنزلَ اللهُ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) إلى قَولِهِ (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)، - فَحَمِىَ الْوَحْيُ وَتَتابَعَ.\nــ\nإلى الأرض\" أي غلب علي الخوف وارتعدت فرائصي حتى سقطت على الأرض \" فرجعت فقلتُ: زَمِّلوني \" أي فشعرت ببرد شديد، وقشعريرة عظيمة ارتعش لها جسمي بسبب الخوف والفزع الذي أصابني عند مشاهدة الملك الجالس على كرسي بين السماء والأرض فأسرعت بالعودة إلى خديجة ألتمسُ عندها الأمن والطمأنينة، وأقول لها: \" زملوني \" أي لفوني بالثوب، لأجد في ذلك بعضَ الدفء الذي أستعين به على تلك الرعشة البدنية، والتخْفيف من حدتها. فأنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) أي يا أيها المتلفف بثيابه لمقاومة تلك الرعشة البدنية التي أصابته عند مشاهدة ملك الوحي خوفًا وفزعًا منه، هدأ من روعك، وتهيأ لما يوحى إليك فإنّا قد بعثناك إلى الناس كافة، فبلِّغهم ما يوحى إليك. \" إلى قوله (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) \" أي فأنزل الله عليه (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) فأمره الله تعالى أن يعظّمه وحده، ولا يرى كبيرًا سواه، وأن يتوكل عليه في تبليغ رسالته، ولا يخشى أحدًا، لأنه الكبير المتعال، القادر على حمايته ونصرته. كما أمره في قوله ﷿ (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) بتطهير ثوبه وبدنه ومكانه من النجاسات التي كان المشركون لا يتطهرون منها، وبتطهير قلبه عن سائر المعاصي والآثام، كما قال ابن عباس ﵄: ثم ختم ذلك بقوله (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) والرجز بضم الراء على قراءة حفص هي الأصنام، ومعناه: أن الله أمره أن يجرّد نفسه من العبودية لغير الله، والابتعاد عن عبادة الأصنام وغيرها من الآلهة الباطلة، إذ لا معبود بحق إلاّ الله. \" فحمي الوحي \"","vol":"1","page":48},{"text":"أى فعاد إليه الوحي بعد ذلك، وقوي، وتتابع أي وتكاثر وتوالى نزوله، تقول العرب حميت النار والشمس، أي اشتدت وقويت حرارتها، ومنه قولهم: \" سمي الوطيس \".\nويستفاد منه ما يأتي:\nأولًا: انقطاع الوحي عن النبي - ﷺ - فترة من الزمن، وفي مرسل الشعبي أن فترة الوحي كانت مدة عامين ونصفًا، ولا يثبت. وقال الحافظ ابن حجر في \" الفتح \": ويعارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة كانت أيامًا.\nليزول عنه الخوف الذي أصابه في غار حراء عند نزول جبريل عليه لأول مرة، ليطمئن قلبه، ويشتاق إلى الرحمن، ويحن إلى عودته إليه.\nثانيًا: أن نبينا - ﷺ - أرسل بالمدثر، أي بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) حيث أمره الله تعالى بتبليغ ما أوحى إليه فأصبح منذ نزول هذه الآية رسولًا إلى الناس كافةً كما نبىء باقرأ، عندما نزل عليه في حراء قوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ).\nثالثًا: مشروعية الطهارة من النجاسة في قوله تعالى (وثيابك فطهر)\nولذلك قال الفقهاء: الطهارة من النجاسة شرط في صحه الصلاة، مستدلين\nبهذه الآية الكريمة.\nرابعًا: استدل أبو حنيفة بقوله تعالى: (وربك فكبر) على أنه يكفي للدخول في الصلاة مطلق الذكر المشعر بالتعظيم، دون التقيد بلفظ معين لكنّ الأحاديث الصحيحة دلت على أن الصيغة المشروعة في تكبيرة الإِحرام هي لفظ (الله أكبر) لأنّه لم يثبت عن النبي - ﷺ - أي صيغة أخرى غيرها.\nوالمطابقة: في قوله \" وهو يحدث عن فترة الوحي \" حيث دل ذلك على","vol":"1","page":49},{"text":"٤ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ في قَوْلِهِ تَعَالَى (لا تُحرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قال:\nكَانَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - يُعَالِجُ من التنزِيلَ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ\nــ\nوجود فترة من الزمن انقطع فيها الوحي عن النبي - ﷺ - ثم عاوده.\n٤ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nترجمة راوي الحديث: وهو عبد الله بن عباس ﵄ ابن عم النبي - ﷺ -، وأحد العبادلة الأربعة، بلغ الذروة في التفسير والفقه والأحكام، مع صغر سنه، استجابة لدعوة النبي - ﷺ - حيث قال: \" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل \" حتى عُرف بحَبْر الأمة، وكان من الستة المكثرين من الرواية، حنكه النبي - ﷺ - بريقه، فأصبح لا يجاريه أحد في فتاويه، وُلدَ ﵁ قبل الهجرة بثلاث سنوات، وكان بهيّ الصورة، جميل الطلعة، سمح المحيا، حتى قال عطاء: ما رأيت البدر ليلة الرابع عشر إلاّ ذكرت وجه ابن عباس ﵄، وكان عمر ﵁ يعظمه كثيرًا ويستشيره، ويستفتيه، كفَّ بصرُه في آخر عمره، وقضى آخر حياته بالطائف حتى توفي بها سنة ثمانٍ وستين من الهجرة، وله من العمر واحد وسبعون عامًا، روى عن النبي - ﷺ - ألفًا وستمائة وستين حديثًا، ولما مات صلّى عليه محمد بن الحنفية ابن عمه، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة.\nمعنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" كان رسول الله - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه \" أي أن النبي - ﷺ - كان يعاني من نزول الوحي القرآني مشقة عظيمة، بما يبذله من جهد كبير في تلاوة الآيات أثناء نزولها، وكان يتعب نفسه كثيرًا بسبب تحريك شفتيه بتلاوتها مع جبريل أثناء نزولها، حيث كان يقرأها كلمة كلمة حرصًا على","vol":"1","page":50},{"text":"شَفَتَيْهِ، فقَالَ ابْنُ عَبَّاس ﵄: فَأنا أحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَرِّكُهُمَا، فأنزلَ اللهُ تَعَالَى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ) قَالَ: جَمْعَهُ لَك (١) في صَدْرِكَ، وَتَقْرَأهُ (فإذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبعْ قُرْآنَهُ) قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وأنْصِتْ، (ثم إنَّ عَلَيْنَا\nــ\nحفظها، خشية أن يتفلت منه القرآن، فكان يرهق نفسه في حفظ ما أنزل عليه من القرآن خشية أن يتفلت منه، \" فأنا أحركهما كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما \" أي أن ابن عباس حرّك شفتيه أمامهم، وقال: أنا أحرك شفتيّ أمام أعينكم كتحريك النبي - ﷺ - أراد بذلك أن يؤكد لهم أنه شاهد النبي - ﷺ - يفعل ذلك، وفي استطاعته أن يمثل لهم ما رآه عمليًا، وفي هذا دلالة قوية على أنه يروي هذا الحديث عن مشاهدة وعيان. \" فأنزل الله تعالى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) \" أي فلما جعل النبي - ﷺ - يحرك شفتيه أثناء الوحي نهاه الله عن تحريك لسانه بتلاوة القرآن متعجلًا حفظه خشية نسيانه، وتكفل له بحفظه في قوله (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ) قال جمعه لك في صدرك أي قال ابن عباس: معناه أن علينا جمعه للنبي - ﷺ - \" في صدره \" يعنى إننا نضمن لنبينا - ﷺ - أن نثبت القرآن ونرسخه في صدره، فيحفظه ولا ينساه أبدًا، كما قال تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) قال ابن عباس ﵄: فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات إلاّ ما شاء الله (فإذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبعْ قُرْآنَهُ) قال: فاستمع له وأنصت. أي قال ابن عباس ﵄: معناه فاستمع للقرآن، وأنصت إليه، ولا تشغل نفسك بتلاوته أثناء نزوله، وتحرك به لسانك، ولكن اسكت أثناء قراءته عليك، ولا تجهد نفسك في حفظه، فإن علينا جمعه في صدرك \" (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ثم\n_________\n(١) كذا بضمير المخاطب في أكثر الروايات، كما أفاده القسطلاني إلا أنه في بعض الروايات بفتح الجيم وسكون الميم، وفي بعضها \"جَمَعتَ\" بفتح الجيم والميم.","vol":"1","page":51},{"text":"بَيَانَهُ) ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا أنْ تَقْرَأهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أتاهُ جِبْريلُ اسْتَمَعَ، فإذَا انْطَلَقَ جِبْريلُ قَرَأهُ النَّبيُ - ﷺ - كَمَا قَرَأهُ\".\nــ\nإن علينا أن تقرأه\" ومعنى قوله تعالى (ثم إن علينا بيانه) كما يقول ابن عباس ﵄: ثم إن علينا أن تقرأه \". \" إذن\" فهو على هذا التفسير ضمان إلهي للنبي - ﷺ - بحفظ القرآن وقراءته كما أنزل، يقول الله تعالى فيه: إن كنت تخشى ضياع القرآن منك فإنّا نضمن لك أن نمكنك من حفظه دون جهد أو عناء فتحفظه من غير حاجة إلى قراءته مع جبريل أثناء نزوله \"ثم إن علينا\" ثم إنا نضمن لك \" أن تقرأه \" كله عن ظهر قلب قراءة تامة كاملة كما أنزل، فلا تنقص منه كلمة، ولا تنس حرفًا، وهو مصداق قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) \" فكان رسول الله بعد ذلك \" أي فكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك الوعد الإلهي له بحفظ القرآن وقراءته كما أنزل \"إذا أتاه جبريل استمع\" أي إذا جاءه جبريل بالوحي القرآني سكت، وأصغى إليه ثقة بوعد الله تعالى، وامتثالًا لأمره ﷿ \" فإذا انطلق جبريل قرأه النبي - ﷺ - كما قرأه \" أي فإذا ذهب جبريل، قرأ النبي - ﷺ - القرآن مثلما قرأه جبريل تمامًا، وذلك لأنّ الله تعالى وعده بذلك، والله لا يخلف الميعاد.\nويستفاد منه ما يأتي:\nأولًا: ما كان يعانيه النبي - ﷺ - أثناء الوحي بالقرآن من جهد ومشقة.\nبسبب قراءة القرآن أثناء قراءة جبريل وتحريك شفتيه معه حرصًا على حفظه.\nثانيًا: وعد الله لنبيه - ﷺ - بحفظ القرآن، وقراءته كما أنزل، وهو مصداق قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)\nوالمطابقة: في قول ابن عباس ﵄ كان رسول الله - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة.","vol":"1","page":52},{"text":"٥ - وعن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أجْوَدَ النَّاس، وكانَ أجْوَدَ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، وكانَ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فلرسولُ الله - ﷺ - أجودُ بالخيرِ من الريح المرسلة.\nــ\n٥ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nمعنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" كان رسول الله أجود الناس \" أي أعظم الناس وأكثرهم جودًا على الإطلاق، لأن جوده - ﷺ - كان خلقيًا وشرعيًا معًا. فأمّا جوده الخلقي فهو السخاء، وسهولة الانفاق الناشىء عن الطبع والوراثة، وأما جوده الشرعي فهو كما يقولون \" إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي خالصًا لوجه الله تعالى دون رياء أو سمعة سواء كان هذا العطاء واجبًا كالزكاة، أو مندوبًا كالصدقة، وقد جمع الله تعالى في نبينا - ﷺ - بين كرم الطبع الموروث عن أسرته الهاشمية العريقة، وكرم الشرع الذي أدّبه به ربه، فأحسن تأديبه، وقد وصفه أنس ﵁ بقوله: \" كان أجود الناس، وكان أشجع الناس، فلو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك خوفًا \" \" وكان أجود ما يكون فى رمضان \" أي وكان يتضاعف جوده في هذا الشهر الكريم، فيتصف بأكثر الجود في رمضان \" حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن \" أي والسبب في زيادة كرمه، ومضاعفة جوده، يرجع إلى أمرين:\nالأول: التقاؤه بالروح الأمين جبريل ﵇. حيث كان يلتقي به كل ليلة من شهر رمضان فكان - ﷺ - يتوسَّع في البذل والعطاء فرحًا بلقائه، وشكرًا لله تعالى على ذلك اللقاء، فكأنه كان يستضيف جبريل بكثرة إنفاقه على الفقراء، كما أفاده السنوسي في شرح مسلم: وقال الشهاب الخفاجي:","vol":"1","page":53},{"text":"\" كان - ﷺ - يُسَرُّ بملاقاة جبريل وإمداده بالبشرى والكرامة فيحسن كما أحسن الله إليه.\nالثاني: مدارسة القرآن حيث كان يلقاه جبريل في كل ليلة فيدارسه القرآن، أي يتناوب معه قراءة القرآن، فيقرأ جبريل عشرًا، ويقرأ النبي - ﷺ - عشرًا آخر، أو يشتركان معًا في القراءة في وقت واحد، على طريقة القراءة الجماعية من المدارسة بمعنى المشاركة في القراءة. أو يكون معنى المدارسة \" العرض \" ومعناه أن يقرأ النبي - ﷺ - وحده وجبريل يستمع إليه، كما جاء في بعض روايات البخاري حيث قال ابن عباس ﵄: \"كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله - ﷺ - القرآن\" ويحتمل أنه - ﷺ - كان يستعمل الطرق الثلاثة. والحاصل أن سبب زيادة جوده أمران: التقاؤه بجبريل، ومدارسته للقرآن: \" فلرسول الله - ﷺ - أجود بالخير من الريح المرسلة \" أي كان نبينا - ﷺ - أكرم وأكثر عطاءً وفعلًا للخير، وأعظم نفعًا للخلق من الريح الطيبة التي يرسلها الله بالغيث والرحمة، تسوق السحاب إلى الأرض الميتة، تحييها بالنبات الذي يتغذى به الحيوان، وينتفع به الإنسان.\nلأنّها قد تتخلف عن العطاء، أما عطاؤه - ﷺ - فلا يتخلف أبدًا، ولا يقف عند حد، ولأنّها إنما تعطى الدنيا فقط، أما نبينا - ﷺ - فإنه يعطي الدنيا والآخرة، لأنه جاء بنعمة الإِسلام التي تتحقق بها سعادة الناس في الدارين، هذا بالإِضافة إلى أنه - ﷺ - كان مضرب الأمثال في جوده وكرمه، ففي الحديث عن ابن عباس ﵄ \"أنه - ﷺ - كان لا يُسْألُ شيئًا إلاّ أعطاه\" أخرجه أحمد.\nويستفاد من الحديث ما يأتي:\nأولًا: الحث على الجود والإفضال في كل الأوقات -كما أفاده العيني- والزيادة منه في رمضان، وعند الاجتماع بالصالحين اقتداءً به - ﷺ -. قال","vol":"1","page":54},{"text":"٦ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأنَّ أُبا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب أخْبَرَه أنَّ هِرَقْلَ أرْسَلَ إلَيْهِ في رَكْبٍ مِنْ قُرَيْش وكانُوا تجَّارًا بالشَّامِ في الْمُدَّةِ التي كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مادَّ فِيهَا أبا سُفْيانَ وكُفَّارَ قُرَيْش، فأتَوه وَهُمْ بإيلِيَاء، فَدَعَاهُمْ في مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَه\nــ\nالسنوسي: ولذلك اعتاد الناس جعل الطعام، ونداء الناس إليه عندما ينزل بهم مَنْ يجب تعظيمه كأكابر العلماء ومن يفرحون به.\nثانيًا: زيارة الصلحاء وأهل الفضل، ومجالستهم، لأنّها سبب الخير والصلاح.\nثالثًا: الإكثار من البذل والعطاء والإحسان وقراءة القرآن في شهر رمضان.\nمطابقة الحديث للترجمة: في قوله \" فيدارسه القرآن .. \" لأن القصد من هذه المدارسة تثبيت الوحي القرآني في صدره - ﷺ -.\n٦ - الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه ابن ماجه\nترجمة ابن عباس وأبي سفيان ﵃، أما ابن عباس فقد تقدم.\nوأما أبو سفيان: فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، ولد قبْل الفيل بعشر سنوات، وأسلم ليلة الفتح، وكان شيخ مكة، وقائد قريش في حروبها، شهد الطائف وحنينًا، وأعطاه النبي - ﷺ - من غنائمها مائة من الإبل، فقئت عينه الأولى في غزوة الطائف، والثانية يوم اليرموك، ونزل المدينة، فمات بها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة عن عمر يبلغ ثمان وثمانين سنة.\nمعنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ \"أن أبا سفيان بن","vol":"1","page":55},{"text":"عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثم دَعَاهُمْ، فَدَعَا بِتَرْجُمَانِه، فقالَ: أيّكُمْ أقْرَبُ نسبًا بهذا الرَّجُلِ الَّذي يَزْعُمُ أنهُ نَبِي؟ قَالَ أبو سُفيَانَ: فَقُلْتُ: أنَا أقْرَبُهُمْ نَسَبًا، قَالَ: ادْنُوهُ مِنِّي، وقرَّبُوا أصْحَابَهُ، فاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ\nــ\nحرب أخبره أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا في الشام\" أي أن أبا سفيان أخبره أنه بينما كان في رحلة تجارة ببلاد الشام مع جماعة من قريش أرسل إليه هرقل ملك الروم يطلب مقابلته، وسبب ذلك أن رسول الله - ﷺ - أرسل (١) مع دحية الكلبي كتابًا إلى هرقل يدعوه فيه إلى الإِسلام، فلما وصل إليه كتاب رسول الله - ﷺ -، قال: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قالوا: نعم. فدعي في نفر من قريش لمقابلته، وكان سبب اجتماع أبي سفيان بهرقل في بلاد الشام، واهتمامه بمقابلته، أنه لما حاربته الفرس نذر إن نصره الله عليهم أن يسير من حمص إلى بيت المقدس ماشيًا على قدميه، فلما انتصر عليهم وفى بنذره، فمُدت له البسط الفاخرة على طول الطريق، من حمص إلى بيت المقدس، وفرشت الورود والرياحين، وسار هرقل في موكب النّصر، حتى وصل إلى بيت المقدس، فلما وصل إليها، كان أبو سفيان موجودًا في مدينة غزة، وصادف ذلك وصول كتاب رسول الله - ﷺ - إلى هرقل، ورؤيته في النجوم أن ملك الختان قد ظهر، فدفعته هذه الأسباب مجتمعة إلى الحرص على الاجتماع بأبي سفيان، ليتعرّف منه على حقيقة محمد - ﷺ -، فدعاه إلى مجلسه \" وأرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله - ﷺ - مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش \": أي في مدة الهدنة التي تمّت بين النبي - ﷺ - وكفار قريش بعد صلح\n_________\n(١) كما جاء في رواية مسلم عن أبي سفيان ﵁ قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله - ﷺ - فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله - ﷺ - إلى هرقل وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقال هرقل هل هنا أحد من قوم هذا الرجل إلخ.","vol":"1","page":56},{"text":"قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إنّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فإنْ كَذَبَني فَكَذِّبُوهُ،\nــ\nالحديبية \" فأتوه وهم بإيلياء \" أي فاجتمع أبو سفيان وأصحابه بهرقل في مدينة بيت المقدس \" فدعاهم وحوله عظماء الروم \" أي فدعاهم إلى مقابلته في مجلسه، وحوله علماء الدين، وكبار رجال الدولة، \" ثم دعاهم \" أي أدناهم منه، وقربهم إليه \" ودعا بترجمانه \" بفتح التاء وضم الجيم، كما رجحه النووي ويجوز ضم الجيم والتاء كما حكاه الجوهري. أي وأرسل إلى ترجمانه \" فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي \" أي فلما حضر الترجمان بين يديه قال له هرقل: قل لهؤلاء العرب، أي واحد منكم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يدعي النبوة؟ وإنما سأل عن أقرب الناس إليه ليسأله عن صفاته وأخلاقه، لأن القريب أدرى الناس وأعلمهم بأحوال قريبه، ولأنه لا يطعن فيه بما ليس فيه، كما أفاده العيني، ووصفه بالزعم ليشجع المسؤول عنه على أن يتحدث عنه بحرية مطلقة على شرط أن يتحرى الصدق في حديثه عنه، \"قال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبًا\" وهو الواقع، لأن بني هاشم وبني أمية أبناء عمومة، ينحدرون عن أصل واحد. \"قال أدنوه مني\" أي فأمر قيصر الروم بتقريب أبي سفيان منه وأدناه من مجلسه تكريمًا له وحفاوة به، لأنه شيخ مكة وعظيمها جريًا على عادة الملوك في تقدير النبلاء، ووجهاء الناس، وعظماء الرجال، وإنزالهم منازلهم، \" وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره \" أي وراء ظهره لئلا يمنعهم الحياء منه عن مواجهته بالتكذيب إذا كذب على محمد - ﷺ - \" ثم قال لترجمانه إني سائل هذا عن هذا الرجل \" أي عن محمد، \" فإن كذبني فكذّبوه \" بتشديد الذال، وذلك ليتحرى الصدق في كلامه، ولا يشهد إلّا بالحق \" فوالله لولا الحياء من أن يَأثِروا علي كذبًا \" بكسر الثاء أي لولا الحياء من أن يرووا عني الكذب في بلادي فأعاب به عند قومي \" لكذبت عنه \" أي لكذبت في الحديث عنه ووصفته بخلاف","vol":"1","page":57},{"text":"فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أن يأثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أوّلَ مَا سَألنِي عَنْهُ أنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُم؟ قُلْتُ: هُوَ فِينا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ منكُمْ أحدٌ قَطّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فأشْرافُ النَّاسِ اتَبّعَوْه أم ضعفاؤهم؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤهُمْ، قَالَ: أيزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ:\nــ\nالواقع.\n\" ثم كان أول (١) ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ \" أي فكان أوّل سؤال وجهه إلىَّ قولَهُ كيف نسبه فيكم؟ وهل هو ذو نسب شريف أم وضيع \"قلت: هو فينا ذو نسب\" والتنكير للتعظيم، أي هو ذو نسب رفيع، وأصل عريق في قومه لأنّه من بني هاشم ذروة قريش، وأكرمها نسبًا وحسبًا، وحسبًا في ذلك قوله - ﷺ - \" إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريش، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم \" أخرجه الترمذي فهو من تلك الأسرة الهاشمية التي عرفت منذ الجاهلية بكريم الخصال، ومن ذلك النسب الطاهر الشريف، الذي صانه الله تعالى من سفاح الجاهلية، كما قال - ﷺ -: \"إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح \".\n\" قال \" هرقل: \" فهل قال هذا القول أحد قبله قط \"؟ أي فهل ادعى أحد من العرب \" النبوة \" قبل ظهوره \" قلت: لا \" أي لم يحدث أن ادعى أحد النبوة قبله.\n\" قال \" هرقل: \" هل كان أحد من آبائه من ملك \"؟ أي هل تولّى\n_________\n(١) يجوز في \"أول\" الرفع على أنه اسم كان \"وإن قال\" في تأويل مصدر خبر كان، ويجوز فيه العكس. اهـ.","vol":"1","page":58},{"text":"بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أحدْ مِنْهُمْ سُخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أن يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلتُ: لا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لا، ونَحْنُ منه في مُدَّةٍ لا ندري\nــ\nأحد من آبائه الملك \" قلت: لا \" أي لم يحدث شيء من هذا.\n\" قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم \" أي هل أكثر أتباعه السادة والقادة من أهل الكبر والخيلاء، أم المساكين والأحداث والفقراء. \" قلت: بل ضعفاؤهم \" أي بل أكثر أتباعه الضعفاء. قال ابن حجر: وهو محمول على الأكثر والأغلب، فإنه غالبًا ما يتبعه المستضعفون كبلال وعمار وصهيب وغيرهم الذين لا منافسة ولا حسد عندهم أما أصحاب الحسد كأبي جهل فهم أبعد الناس عنها قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون \" ويتكاثر عددهم.\nقال: فهل يرتد أحد منهم سخطة \" بضم السين وسكون الخاء (١) \"لدينه\" أى هل يعود أحد من أتباعه إلى الكفر بغضًا للاسلام وكراهية له ونفورًا منه \" قال: لا \" لم يخرج أحد من دينه كراهية له.\n\"قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال\"؟ أي قبل أن يدعي النبوة، ويأتيكم بهذا الدين الذي يخالف دين آبائكم ويقول لكم ما قال من الدعوة إلى التوحيد، وترك عبادة الأصنام. \" قلت: لا \" وذلك لأنه كان معروفًا عندهم بالصدق والأمانة، ولقد شهد له أعداؤه بالصدق حتى بعد أن قال لهم ما قال حيث قال أبو جهل: والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟!\n_________\n(١) وهي كراهية الشيء وعدم الرضا به.","vol":"1","page":59},{"text":"ما هُوَ فَاعِل فِيهَا، ولم يُمْكِنِّي كَلِمَة أدْخِلُ فيهَا شَيْئًا غَيْرَ هذ الكَلِمَةِ، قالَ: فَهَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إياهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ سِجَال، يَنَالُ مِنَّا، وَنَنَالُ مِنْهُ، قَالَ: مَاذَا يَأمرُكُمْ؟\nــ\n\"قال: فهل يغدر\"؟ أي ينقض العهد \" قال: لا \" وإنما اشتهر في حياته كلها بالوفاء. \" ونحن فى مدة \" أي في هدنةٍ مؤقتة بعشر سنوات وهي صلح الحديبية \" لا ندري ما هو فاعل فيها \" من الوفاء أو الغدر \" قال: ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة \" أي لم أجد كلمة أنتقصه فيها غير هذه، على أنها ليست بشيء، لأن شهادتهم له في الماضى بالوفاء يَجعل احتمال وقوع الغدر منه في المستقبل ضعيفًا، فانّ من شب على شيء شاب عليه. قال أبو سفيان: فوالله ما التفت إليها - أي لم يعر هرقل هذه الجملة اهتمامًا.\n\" قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال \" أي نُوَب، نوبة لنا، ونوبة له \" ينال منا \" أي مرة ينتصر علينا ومرة ننتصرُ عليه.\n\" قال: فماذا يأمركم؟ \" به من العقائد والأعمال \" قلت يقول اعبدوا الله وحده \" أي يأمرنا بالتوحيد وإفراد الله بالعبادة \" ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم \" قال أبو السعود: شيئًا نصب على أنه مفعول به، أي لا تشركوا به شيئًا من الأشياء، صنمًا أو غيره، أو على أنه مصدر أي لا تشركوا به شيئًا من الإشراك جليًا أو خفيًا والمراد أنه ينهاهم عن الشرك بأنواعه، وعن عبادة غير الله مطلقًا، \" ويأمرنا بالصلاة \" المعروفة، \"والصدق\"، وفي رواية والصدقة، وفي رواية أبي ذر في الجهاد بالصلاة والصدق والصدقة، كما أفاده الحافظ، والمراد بالصدق القول المطابق للواقع،","vol":"1","page":60},{"text":"قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبَدُوا اللهَ وَحْدَه، ولا تشرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤكُمْ، ويأمرنا بالصَّلَاةِ، والصِّدْقِ، والعَفَافِ، والصِّلَةِ، فقَالَ لِلترجُمَانِ: قُلْ لَهُ إنِّى سَألْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فذكرتَ أنَهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فكَذَلِك الرُّسُلُ تُبْعَثُ في نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَألتُكَ: هَلْ قَالَ أحَدٌ منكُمْ هذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، فذكَرْتَ أنْ لَا، فقلتُ: لَوْ كَانَ أحدٌ قَالَ هذَا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ رَجُلٌ يَتَأسّى بِقَوْل قِيْلَ قَبْلَهُ، وَسَألْتُكَ: هلْ قال مِنْ آبائه\nــ\nأو للاعتقاد، وهو الأنسب هنا، لأن الإنسان لا يكلف إلاّ بما يعلمه كما في الأصول \" والعفاف \" أي الكف عن المحارم، وكل ما ينافي المروءة \" والصلة \" أي الإِحسان إلى الأقارب خاصة وإلى الناس عامة، فيدخل فيه جميع أنواع البر.\n\" فقال للترجمان إني سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، أي وهكذا الرسل يختارهم الله من أشرف القوم نسبًا وحسبًا، لأن جودة الأخلاق يرثها الرجل من آبائه، وإن من القضايا المسلم بها أن الفرعٍ يشبه أصله، وأن الأصل ينتج مثله، فالأبناء يحملون خصائص آبائهم وراثيًا كما ثبت ذلك علميًا، واشتهر أيضًا عند العرب حتى قال شاعرهم.\nأعْرِف فِيْهِ قِلّةَ النُّعَاس ... وَخِفَّةً في رَأسِهِ مِنْ رأسِ\nوذوو الأحساب كما قال القاري أبعد عن انتحال الباطل وأقرب إلى انقياد الناس لهم.\n\" وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أنْ لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله \" أي لظننت أنه اقتدى بغيره من أدعياء النبوة.","vol":"1","page":61},{"text":"مِنْ مَلِكٍ، فذكَرْتَ أنْ لا، فَقُلتُ: لوْ كَانَ منْ آبائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُل يَطْلُبُ مُلْكَ آبائِهِ، وسَألتُكَ: هلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، فَقَد أعْرِفُ أنهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ على النَّاس وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَألتُكَ: أشْرَافُ النَّاس اتَبّعَوهُ أمْ ضُعَفاؤهُمْ، فَذَكَرْتَ أنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَبّعَوهُ، وَهُمْ أتباعُ الرُّسُلِ، وسَألتُكَ: أيَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أنَهُمْ يَزِيدُونَ، وكَذَلِكَ أمْرُ الإِيمَانِ حتَّى\nــ\n\" وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه \" أي يحاول أن يستعيد ملك أبيه لنفسه، ولكنه ليس من أبناء الملوك حتى يظن به ذلك، وعن جرير ﵁ أنه أتي برجل فأرعد من هيبته، فقال له - ﷺ -: \" هوِّن عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد \" أخرجه الحاكم.\n\" وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أنْ لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب \" أي ليدع الكذب \" على الناس ويكذب على الله \"، لأن الكذب على الله أشنع وأعظم جرمًا قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ).\n\" وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم، فذكرت: أنّ ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل \" قال الأبي: لأن ذوي الرئاسات يأبون تسويد غيرهم عليهم، وتأبى أنفسهم الاتباع، إلا من هداهم الله.\n\" وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإِيمان حتى يتم \" كما قال تعالى: (ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره","vol":"1","page":62},{"text":"يَتِمَّ، وسأَلْتُكَ: أيرْتَدُّ أحدهم سُخْطَةً لدِينه بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فذَكَرْتَ أنْ لا، وَكذلِكَ الإِيمانُ حينَ يُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلوبَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أنْ لا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ، وسَألتُكَ: بِمَا يَأمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أنَهُ يأمُرُكُمْ أنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَه، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ويْنْهَاكُمْ عن عِبَادَةِ الأوثَانِ، ويأمُرُكُمْ بالصَّلاةِ والصَّدَقَةِ والعَفَافِ، فإن كَانَ مَا تَقُولُ حَقًَّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أعلَمُ أنهُ\nــ\nالكافرون) فلابد أن ينمو عدد المؤمنين، وتتضاعف قواهم البشرية على مر الزمان، حتى تتحقق لدين الله العزة والمنعة.\n\" وسألتك أيرتد أحد منهم سخطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشته القلوب \" أي حين تمازج حلاوته قلوب معتنقيه لأن الإِيمان إذا دخل القلب السليم ارتاح له الضمير والوجدان، واطمأنت إليه النفس، فهو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلا تفارقه كراهية له.\n\" وسألتك هل يغدر، فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر \" لأنّ الغدر نقيصة يتنزه عنها فضلاء الناس، فضلًا عن الأنبياء.\n\" وسألتك بماذا يأمركم؟ فذكرت: أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا، فسيملك موضع قدمي هاتين \" قال القسطلاني أي أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه \"وقد كنت أعلم أنه خارج\" أي وقد سبق لي أن علمت من الإِنجيل والكتب السابقة عن ظهور رسول بعد عيسى، وذلك مصداق قوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم","vol":"1","page":63},{"text":"خَارِج، ولم أكنْ أظُنُّ أنَه منكم فَلَو كُنْتُ أعلم أني أخْلُصُ إليْهِ، لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَن قَدَمِهِ، ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةَ إلى عَظِيم بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْلَ، فَقَرَأهُ فإذَا فيه: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِن مُحَمَّدٍ عَبد الله وَرَسُولِهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَام على مَنِ اتَبّع الهُدَى، أما بعدُ: فإني\nــ\nيا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد\" وفي الفصل العشرين من السفر الخامس من التوراة ما نصه \" أقبل الله من سيناء وتجلى من جبال فاران معه الربوات الأطهار عن يمينه وفاران جبال مكة \" ولم أكن أظن أنه منكم \" ولعله لم يطلع على ما في التوراة، أو لم يفهمه \" فلو كنت أعلم أني أخلص إليه \" أي أصل إليه \" لتجشمت لقاءه \" أي لتكلفت عناء السفر إليه \" ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه \" أي لغسلتُ وجهي من الماء الذي يسيل من قدمه.\n\" ثم دعا بكتاب رسول الله - ﷺ - الذي بعث به دحية الكلبي إلى عظيم بصرى \" أي إلى أميرها الحارث ابن أبي شمر الغساني، \"فدفعه إلى هرقل\"، فأرسله عظيم بصرى إلى هرقل، \" فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله \" قال القسطلاني: وصف نفسه بالعبودية تعريضًا ببطلان قول النصارى في المسيح أنه ابن الله، لأن الأنبياء مقرون في أنهم عباد الله، \"إلى هرقل عظيم الروم\" أي المعظم عندهم، ولم يصفه بالملك، لأنّه معزول بحكم الإسلام، \"سلام على من اتبع الهدى\" خاطبه بذلك لأنّ هذه هي صيغة التحية المشروعة في مخاطبة الكفار، حيث إنَّ السلام لا يوجّهُ إلاّ لمن آمن بالله، واتبع شريعة الله، \" أما بعد \" وهي كلمة ينتقل بها من موضوع إلى آخر، ولهذ سميت فصل الخطاب \"فإني أدعوك بدعاية","vol":"1","page":64},{"text":"أدْعُوكَ بِدِعَايَه الإِسْلامِ، اسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أجرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ\nتَوَلَّيْتَ فإنَّما عَلَيْكَ إِثْمُ اليَرِيْسِيِيْنَ، و(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ\nــ\nالإِسلام\" أي بدعوته \"أسلم تسلم\" في الدنيا بالنجاة من الحرب والجزية، وفي الآخرة بالنجاة من النار \" يؤتك الله أجرك مرتين \" مرة على إيمانك بنبيك عيسى، ومرة على إسلامك (١)، \" فإن توليت فإنما عليك إثم اليريسيين \" أي إثم أتباعك من عامة الشعب \" ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم \" أي نستوي فيها جميعًا، لأنها تتفق عليها جميع الأديان السماوية \" أن لا نعبد إلا الله \" وهكذا صرح النبي - ﷺ - بدعوة امبراطور الروم وحامي الديانة المسيحية إلى توحيد الله تعالى، وذلك لنفي ألوهية المسيح التي يزعمونها، وإثبات أنه عبد الله، وهي الحقيقة التي قالها المسيح نفسه، كما جاء في القرآن الكريم، وكما جاء في \" إنجيل برنابا \" عندما سأل الكاهن عن قول الناس فيه فأجابه: بأن فريقًا يقول إنك الله، وآخر يقول إنك ابن الله، ويقول فريق: إنك نبي، فقال يسوع: أيتها اليهودية الشقية إني أشهد أمام السماء، وأشهد كل ساكن على الأرض اني بريءٌ من كل ما قال الناس عني من أني أعظم من بشر، لأنني بشر مولود من امرأة وعرضة لحكم الله، أعيش كسائر البشر (٢) اهـ. كما في الفصل الثالث والتسعين. ولما قال لهم كما في إنجيل برنابا - ما قولكم أنتم وأجابه بطرس بقوله: \"إنك المسيح ابن الله\" غضب \" يسوع وانتهره قائلًا: \" انصرف عني لأنك أنت الشيطان \". وقد صرح المحققون من علماء المسيحية المعاصرين بنفي ألوهية المسيح. وأنه ليس ابن الله. ومن ذلك ما نشرته جريدة الندوة في عددها (٥٧٧٤) الصادر في\n_________\n(١) أي على إيمانك بمحمد والدخول في دينه\n(٢) \" نظرات في إنجيل برنايا \" للأستاذ محمد علي قطب.","vol":"1","page":65},{"text":"بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) قَالَ أبو سفْيَانُ: فلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ،\nــ\n(١٦/ ٣/١٣٩٨ هـ) تحت عنوان رابطة العالم الإسلامي حيث قالت: وقف الدكتور روبرت إلي رئيس قسم المسيحية بجامعة (رومنتوا موند) الأمريكية يخطب في إحدى الجمعيات متحدثًا عن الدين المسيحي وذكر أن المسيح ليس ابن الله كما يدعون، وليست له أية ألوهية كما يعتقدون وقال إن المسيح لم يدّع هذا في يوم من الأيام، وان هذه الاعتقادات دخيلة على الدين المسيحي\" وهذا مطابق لما جاء في القرآن الكريم، حكاية عن عيسى ﵇ أنه قال (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) الخ الآية.\n\" ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله \" قال القاري: فلا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحليل والتحريم \" فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون \" أي فقد لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، وأنكم كافرون بالله \" فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصخب \" أي اللغط والخصام \" وارتفعت الأصوات وأخرجنا \" من مَجْلِسهِ \" فقلت لأصحابي لقد أمر أمرٍ ابن أبي كبشة \" أي لقد عظم شأن محمد الذي كنا ندعوه استهزاءً وسخرية به عندما كان يحدثنا بهذه الكنية فنقول \" هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء \" وأبو كبشة أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزى \" إنه يخافه ملك بني الأصفر \" أي أن هذا الذي كنا نستخف به، فندعوه بهذه الكنية، قد وصل إلى هذا المستوى، وعلا قدره، حتى أصبح يخافه ملك الروم، ويعترف له بالفضل والنبوة \" فما زلت موقنًا أنه سيظهر \" أي ينتصر وينشر دينه في المستقبل القريب \" حتى أدخل الله علي الإِسلام \" ووفقني إليه.","vol":"1","page":66},{"text":"كثُر عِنْدَه الصَّخَبُ وارْتَفَعَتِ الْأصْوَاتُ، وأخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأصْحَابِي: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبي كَبْشَة إنَّهُ يَخَافهُ مَلِكُ بني الأصْفَر، فما زِلْتُ مُوقِنًَا أنه سَيَظْهَرُ حتى أدْخَلَ اللهُ عليَّ الإسْلامَ، وكانَ ابْنُ الناطُور صَاحِبُ (١) إيليَاء وَهِرَقْلَ، أسْقِفَ على نَصَارَى الشَّامِ، يُحَدِّثُ أنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إيلياء أصْبَحَ خبيثَ النَّفْس، فقالَ لَهُ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قد اسْتَنْكَرْنَا هَيئتَكَ، قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظرٌ في النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَالوهُ: إِنى رَأيت اللَّيْلَةَ حِيْنَ نَظرتُ فِي النُّجُومِ، أن مَلِكَ (٢) الخِتَانِ\nــ\nواعلم أنه إلى هنا ينتهي الجزء الأول من الحديث الذي يرويه أبو سفيان ويبدأ الجزء الثاني منه الذي يرويه الزهري فيقول: \" وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام \" أي، وكان ابن الناطور وهو أمير بيت المقدس وصديق هرقل رئيسًا للديانة المسيحية بالشام \" يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح خبيث النفس \" أي قلقًا مهمومًا \" فقال له بعض بطارقته \" أي قواده: \" قد استنكرنا هيئتك \"!! أي لاحظنا عليك تغير وجهك، مما يدل على معاناتك لبعض الهموم النفسية \" قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاء: ينظر إلى النجوم \" أي ينظر إليها، فيستدل بها في زعمه على ما يقع في المستقبل أو في الحال، والحَّزاء: الكاهن المنجم، \" فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم أن مَلِكَ الختان قد ظهر \" أي عرفت من النجوم أن مَلِكَ الأمّة التي تختتن قد ظهر، \"فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا ليس يختتن إلاّ اليهود، فلا يهمنك شأنهم\" لأنّهم لا دولة لهم ولا صولة، \"واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من\n_________\n(١) ويجوز في صاحب الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي وهو صاحب إيلياء، والنصب على الاختصاص.\n(٢) \" مَلِكَ \" قال القسطلاني بفتح الميم وكسر اللام، ولغير الكشميهي \" مُلْك \" بالضم والإسكان.","vol":"1","page":67},{"text":"قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إلَّا اليَهودُ، فلا يَهُمنَّكَ شَأنُهُمْ، واكتُبْ إلى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ على أمرِهِمْ، أتِي هِرَقْلُ بِرَجُل أرسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسولِ اللهِ - ﷺ -، فلمَّا اسْتَخْبَرَه هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فانْظرُوا أمخْتَتِن هُوَ أمْ لا؟ فَنَظروا إليْهِ فَحَدَّثُوهُ أنهُ مُخْتَتِن وسألَهُ عَن الْعَربِ، فقالَ: هُمْ يَخْتَتِنُون، فقالَ هِرَقْلُ هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأمَّةِ قدْ ظَهَرَ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إلى صَاحِبٍ لَهُ برُومِيّةَ، وكانَ نَظيرًا لَهُ في الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إلى حِمْصَ، فلم يرم حِمْصَ حَتَّى أتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأيَ هِرَقْلَ، على خُرُوج\nــ\nاليهود\" (١) أي إن كنت تخشى منهم فاستأصلهم، \" فبينما هم على أمرهم \" أي فبينما هم في حيرة من أمرهم \" أتي هرقل برجل أرسله ملك غسان \" وهو عدي بن حاتم \"يخبر عن خبر رسول الله - ﷺ -\" أي يتحدث فيقول: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي اتبعه ناس، وخالفه ناس، \" فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ أي فلما أحضره هرقل بين يديه، وسأله عن قصَّة هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي أمرهم بالكشف عليه، حتى ينظروا أهو مختتن أم لا؟ \"فنظروا إليه\" وكشفوا عليه \"فحدثوه أنه مختتن\" أي فأخبروه أنهم وجدوه مُخْتتنًا، \" وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون \" فعرف أنَّ ما شاهَدَهُ هم العرب، \"فقال هرقل: هذا ملَكُ هذه الأمة قد ظهر\" أي هذا الذي رأيته في النّجوم معناه أن ملكَ الأمة التي تختتن وهم العرب قد ظهر على هذه الأرض وأنَّ دولتهم ستغْلب على هذه البلاد كلها، \" ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية \" وهي روما عاصمة إيطالية اليوم، \"وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص فلم يرم حمص\"\n_________\n(١) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر فليقتلوه كما أفاده القسطلاني.","vol":"1","page":68},{"text":"النَّبِي - ﷺ - وأنَّهُ نَبِي، فَأذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَماءِ الرُّومِ في دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أمَرَ بابوابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ: اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ في الْفَلَاح والرُّشْدِ، وأن يَثْبُت مُلْكُكُمْ، فَتُبايِعُوا هَذَا الرَّجُلَ، فحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إلى الأْبوابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رأى هِرَقْلُ نَفْرَتَهمْ، وِإيس من الإِيمان، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، وَقَالَ: إنِّى قُلْتُ مَقَالَتي آنِفًَا أخْتَبِرُ بِها شِدَّتَكُمْ على دِيْنكُمْ، فَقَدْ رأيتُ، فسجدوا له، ورَضُوا عَنْهُ، فكانَ ذلِكَ آخِرَ شَأنِ هِرَقْلَ.\nــ\nأي لم يكد يصل إليها \" حتى أتاه كتاب من صاحبه \" في رومِيَّةَ، وكان أسقف روما \" يوافق رأي هرقل على خروج النبي وأنه نبي \" أي على ظهور النبي الذي بشر به عيسى وأن محمدًا هو النبي المبشر به، \" فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص \" أيْ فأعلن هرقل لعظماء دولته عن عقد اجتماع في قصر عظيم بحمص، لكي يلقي فيهم خطابًا هامًا، \" ثم أمر بأبوابها فغلّقت \" أي دخل جناحًا خاصًا أغلق أبوابه عليه \"ثم اطلع\" أي أطل عليهم من الشرفة \" فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح \"، أي هل ترغبون في الفوز والظفر، \" والرشد \" بفتحتين، أو بضم الراء وتسكين الشين، وهو إصابة الحق عقيدة وقولًا وعملًا، \" وأن يثبت ملككم \" أي يبقى ويدوم لكم، \" فتبايعوا هذا الرجل \" أي تعاهدوا محمدًا على الإسلام، \" فحاصوا حيصة حمر الوحش \" أي ثاروا ثورة الحمر الوحشيه، \" إلى الأبواب \" أي: وهجموا على الأبواب يريدون الوصول إليه ليفتكوا به \" فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم \" أي فلما رأى نفورهم من الإِسلام وثورتهم العنيفة عليه \"وايس من الإيمان قال: ردوهم علي\" أي قال لجنده: ردوهم عني \" وقال إني قلت مقالتي آنفًا \" أني قلت كلامي الذي قلته لكم الآن \" أختبر شدتكم","vol":"1","page":69},{"text":"على دينكم\" أي لأختبر صلابتكم في دينكم، وشدة تمسككم به وقوة دفاعكم عنه \" فقد رأيت \" وفي رواية فقد رأيت منكم ما أحببت \" فسجدوا له \" على عادة الأعاجم \" فكان ذلك آخر شأن هرقل \" أي نهاية قصته وموقفه من كتاب رسول الله - ﷺ -.\nيستفاد من الحديث: ما يأتي:\nأولًا: ملاطفة المكتوب إليه، وتقديره التقدير اللائق المناسب، الذي لا يتجاوز حدود الشريعة الإِسلامية، ولهذا قال النبي - ﷺ - إلى عظيم الروم، ولم يقل إلى ملك الروم لأنه أصبح معزولًا بحكم الإِسلام، ولم يقل: إلى هرقل، ليكون فيه نوع من الملاطفة.\nثانيًا: تصدير الكتاب بالبسملة ولو كان المبعوث إليه كافرًا.\nثالثًا: من السنة في الخطابات الإِسلامية أن يبدأ أولًا باسمه ثم باسم المكتوب إليه كما فعل - ﷺ - في خطابه إلى هرقل.\nرابعًا: في الحديث حجة ظاهرة لن يمنع بدء الكافر بالسلام وهو مذهب الشافعى، وأجازه جماعة مطلقًا، وجماعة للاستئلاف أو الحاجة، ولكن قد جاء النهي عنه في الأحاديث الصحيحة، ولا اجتهاد مع النص.\nخامسًا: استحباب أما بعد.\nسادسًا: أن الكتابي إذا أسلم له أجران.\nسابعًا: مشروعية دعاء الكفار إلى الإِسلام قبل قتالهم، وهو واجب، والقتال قبل الدعوة حرام إن لم تكن بلغتهم الدعوة، وإلا فهي مستحبة كما قال الشافعي، وقال مالك: يجب الانذار مطلقًا، والأول مذهب الجماعة.\nثامنًا: استقباح الكذب عند جميع الأمم والشعوب.","vol":"1","page":70},{"text":"تاسعًا: أن الرسل لا تبعث إلا من ذوي الأنساب العريقة.\nعاشرًا: أن صدق الرسالة المحمدية كان معلومًا عند أهل الكتاب علمًا قطعيًا، لقول هرقل: \" وقد كنت أعلم أنه خارج \".\nالحادي عشر: تكريم قيصر الروم لكتاب رسول الله - ﷺ - وعنايته بشأنه، حيث اهتم بقراءته، وعرضه على رعيته، وتتبع أخبار مرسله، وسأل عن صفاته وشمائله، بخلاف كسرى الذي مزق كتاب النبي - ﷺ - فمزق الله دولته.\nقال دحية الكلبي:\nلقيت قيصر بكتاب رسول الله - ﷺ - وهو بدمشق، فأدخلت عليه خاليًا، فتناول الكتاب، فقبّل خاتمه، وفضه، وقرأه، ثم وضعه على وسادة أمامه، ثم دعا بطارقته، ثم خطبهم فقال: هذا خطاب النبي الذي بشر به عيسى، وأخبر أنه من ولد إسماعيل، قال: فنفَروا نفرة عظيمة وحاصوا فأومأ إليهم أني جربتكم لأرى غضبكم لدينكم الخ. وذكر السهيلي (١) \" أن هرقل وضع هذا الكتاب في قصبة من ذهب تعظيمًا له، ولم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابر في أعز مكان، وأن ملك الفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصالحي أخرج لسيف الدين صندوقًا مصفحًا بالذهب، واستخرج منه مقلمة ذهبية، فأخرج منها كتابًا زالت أكثر حروفه فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا به، يعنى بالاحتفاظ به، وقالوا: إنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه \" اهـ. ونقل ابن كثير في \" البداية والنهاية \" عن الشافعي أنه قال: وحفظنا أن قيصر الروم أكرم كتاب رسول الله - ﷺ - ووضعه في مسك، فقال رسول الله - ﷺ - \" ثبت الله ملكه \" وهو إخبار منه - ﷺ - لا دعاء له، لأنه لا يدعو لكافر. فإن صح\n_________\n(١) شرح السهيلي على سيرة ابن هشام.","vol":"1","page":71},{"text":"هذا الخبر فمعناه \" أنه سيبقى من دولة الروم بقية، فإن زال سلطانها من الشرق بفتح القسطنطينية، فإنه ستبقى منها بقية في أوروبة، ولا زالت هذه البقية من الروم موجودة حتى الآن في إيطالية وليست \" روما \" عاصمة إيطالية اليوم سوى مدينة \" رومية \" المذكورة في حديث الباب: هي المعنية والمقصودة بقوله: ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وقد ذكر ياقوت هذه المدينة في معجم البلدان (١) باسمها القديم \" رومية \"، وأطال الحديث عنها، فراجعه إن شئت.\nمطابقة الحديث للترجمة: في اشتماله على صفات من يوحى إليه من الأنبياء ودلالته على إثبات الوحي المحمدي، ورسالة النبي - ﷺ - ..\n...\n_________\n(١) معجم البلدان لياقوت الحموي (حرف الراء).","vol":"1","page":72},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nقال البخاري ﵀: \" كتاب الإِيمان \"\nأقول وبالله التوفيق: لما فرغ البخاري من باب بدء الوحي. شرع في المقاصد الشرعية، وأهمها الإيمان، لأنه أساس الأعمال، والشرط الأول في صحتها، كما يدل عليه قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وغيره من الآيات القرآنية. أما معنى الإيمان:\nفالإِيمان لغة: مشتق من الأمن بمعنى الاطمئنان إلى الشيء والوثوق به، ثم أطلق على التصديق، تقول العرب: آمَنَهُ إذا صدَّقَه، لأن مَنْ صدق شخصًا أمِنَه من الكذب والخيانة. أما الإيمان شرعًا: فهو عند أكثر أهل السنة مركب من ثلاثة أركان لا بد منها، فقد ذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق وسائر أهل الحديث إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، هذا هو الإيمان عند السلف، كما في \" شرح الطحاوية \" فهو يتكون من ثلاثة أركان أو ثلاثة عناصر أو أجزاء. الأول التصديق بالجنان: أي القلب، ومعناه: التصديق القلبي الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكذلك التصديق بكل ما أخبر عنه النبي - ﷺ - وبكل ما عُلِمَ من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام الخمسة مثلًا، وهذا التصديق لا بد منه في صحة الإيمان، ولا يتحقق الإيمان إلا بوجوده، كاملًا، فمن أنكر شيئًا من ذلك فهو غير مؤمن أصلًا، بل هو كافر مخلد في النار، لأنّ التصديق لا يقبل التجزئة أو التفرقة بين الأشياء التي يجب الإيمان بها فإذا صدق بالبعض، وكفر بالبعض كان كافرًا ولو كان هذا البعض قضية واحدة","vol":"1","page":73},{"text":"من قضايا الإِيمان، وأقر بلسانه وأتى بجميع شعائر الإسلام، ولم يصدقه بقلبه، لا ينفعه ذلك، لأن التصديق القلبي هو الركن الأول من أركان الإيمان، ولا يكفي في الإِيمان مجرد الإِقرار باللسان، لأن المنافقين على عهد النبي - ﷺ - كانوا يقرّون بألسنتهم، لكنهم لما لم يصدقوا بقلوبهم، نفى الله عنهم اسم الايمان في قوله ﷿: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ). الثاني الإقرار باللسان: أي النطق بالشهادتين مع الاعتراف بأن كل ما أخبر به نبينا - ﷺ - أو جاء به حق وصدق عن الله تعالى، فمن لم يقر بذلك ويعترف به بلسانه لغير عذر شرعي من خرس أو إكراه فهو جاحد كافر عند الله والناس ولو صدَّق بقلبه، فإن التصديق وحده دون إقرار ممن هو قادر عليه لا يكفي خلافًا لما زعمه الجهم بن صفوان، من أنّ من عرف الله بقلبه وجحد بلسانه ومات قبل أن يقر فهو مؤمن كامل الإِيمان كما أفاده الرازي، وهذا قولٌ باطلٌ، لأن فرعون كان مصدقًا بقلبه، فلم ينفعه ذلك حين أنكر التوحيد بلسانه، فسجَّل الله عليه وعلى قومه الكفر والجحود في محكم قرآنه، ووصفهم بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). الثالث العمل بالجوارح: وهو أن يؤدي المؤمن كل أركان الإسلام، ويلتزم بفعل الواجبات، وترك المحرمات، فالعمل جزء من الإيمان، وقد أنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارًا شديدًا، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار (١)، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان، والدليل من القرآن على أن العمل جزء من الإِيمان قوله تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ\n_________\n(١) \" التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية \" للشيخ عبد العزيز بن ناصر الراشد.","vol":"1","page":74},{"text":"هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) فجعل الأعمال المذكورة التي هي الهجرة والجهاد والنصرة جزءًا من الإيمان الحق، الذي يستحق صاحبه النجاة من النار، والفوز بالجنة ابتداء مع الَأولين الأبرار، أما الدليل من السنة على أن العمل جزءٌ من الإِيمان فهو قوله - ﷺ - لوفد عبد القيس: \" هل تدرون ما الإِيمان بالله؟ شهادةَ أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا الخمس من المغنم \" فإن النبي - ﷺ - عرّف الإِيمان بالشهادة والصلاة والزكاة والصوم، فجعل هذه الأعمال المذكورة جزءًا من الإيمان، قال ابن القيم: فيه أن الإِيمان بالله هو مجموع هذه الخصال من القول والعمل كما علم ذلك أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون وتابعوهم وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل (١) من الكتاب والسنة اهـ. وهو مذهب السلف الصالح، قال ابن تيمية: \" ومن أصول أهل السنة أن الدين والإِيمان قول وعمل (٢)، قول القلب (٣) واللسان (٤) وعمل القلب (٥) واللسان والجوارح (٦). اهـ. فالعمل جزء من الإِيمان ولكن لا ينتفي الإيمان بانتفائه ولا يبطل باقتراف كبيرة، أو ارتكاب معصية، فأهل السنة لا ينفون عن العاصي الإيمان بالكلية، ولا يخرجونه من الدين، ولا يحكمون عليه بالكفر والخلود في النار، وهم كما قال ابن تيمية: \" لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإِيمانية ثابتة مع المعاصي، وقال أيضًا: \" ولا يسلبون الفاسق الإِيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة \" فالعاصي، ومرتكب الكبيرة لا يسلب من الإِيمان\n_________\n(١) التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطة.\n(٢) العقيدة الواسطية لابن تيميّة.\n(٣) وهو التصديق القلبي الجازم المساوي لليقين الذي لا يقبل شكًا ولا ريبة بكل ما أخبر به الله تعالى أو أخبر به رسوله - ﷺ - من وجود الله وصفاته وأفعاله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.\n(٤) قول اللسان هو النطق بالشهادتين، مع الاعتراف بكل قواعد الإيمان المذكورة في الفقرة السابقة.\n(٥) وهو شامل لكل أعمال القلوب من نية وإخلاص وتوكل وخوف ورجاء وغيرها.\n(٦) وهو شامل لجميع العبادات الشرعية من صلاة وحج وصوم ونحوها.","vol":"1","page":75},{"text":"بالكلية، ولا يدخل في الإِيمان المطلق الكامل الذي يستحق به الجنة ابتداء، وإنما هو مؤمن فاسق. قال ابن تيميّة \" هو مؤمن ناقص الإيمان أو هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الإِيمان \" (١) ومعنى ذلك أننا لا ننفي عن العاصي اسم الإِيمان، ونقول إنه كافر خارج عن الملة، ولا نطلق عليه الإيمان دون أن نقيده بالفسق. والدليل على أن العاصي لا ينتفى عنه الإِيمان أَن الله أثبت للقاتل والباغي إخوة الإِيمان، فقال في القاتل: (فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) وقال في البغاة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) والدليل على أن العاصى لا يدخل في الإِيمان المطلق الكامل قوله - ﷺ -: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" لأن الله نفى عن هؤلاء العصاة الإِيمان المطلق الكامل الذي يستحقون به النجاة من النار، والفوز بالجنة، ابتداء مع الأوَّلين الأبرار خلافًا للمرجئة والجهمية فإنهم قالوا، لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة وقالوا: إيمان أفسق الناس كإيمان أبي بكر وعمر (٢).\nفالخوارج والمعتزلة غلوا والمرجئة جفوا، أولئك تعلّقوا بأحاديث الوعيد وهؤلاء تعلّقوا بأحاديث الوعد فقط، وهدى الله أهل السنة والجماعة للقول الوسط الذي تدل عليه أدلة الكتاب والسنة فقالوا: إن الفاسق لا يخرج من الإيمان بمجرد فسقه، ولا يخلد في النار في الآخرة، بل هو تحت مشيئة الله إن عفا عنه دخل الجنة من أول وهلة، وإن لم يعف عنه عذب بقدر ذنوبه، ثم دخل الجنة، فلا بد له من دخول الجنة، فالعاصي معرّض لعقوبة الله وعذابه، وقابل لعفو الله وغفرانه، حيث قال ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فهذه الآية صريحة في أن من مات غير\n_________\n(١) العقيدة الواسطية.\n(٢) التبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية.","vol":"1","page":76},{"text":"مشرك فهو تحت مشيئة الله، وفيها الرد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المرجئة القائلين بأن الذنوب لا تضر، وأن الناس في الإِيمان سواء لا تفاضل بينهم. والحاصل أن المرجئة قالوا: العمل ليس من الإِيمان، أما أهل السنة فإنهم قالوا: الأعمال داخلة في الإِيمان، وكذلك قال المعتزلة والخوارج: العمل جزء من الإِيمان، ولكن الفرق بين أهل السنة من جهة وبين المعتزلة والخوارج من جهة أخرى -كما في \" شرح العقيدة الواسطية \" (١) أن أهل السنة يقولون: إن الأصل في الإِيمان التصديق، والعمل ليس جزءًا أصليًا في الإِيمان وأما الخوارج فإنهم جعلوا العمل جزءًا أصليًا في الإِيمان، مساويًا للتصديق، فإذا انتفى انتفى الإِيمان فيكون كافرًا ويخلد في النار. ومن أوضح الأدلة وأصرحها على بطلان قولهم هذا، ما جاء منصوصًا عليه في السنة الصريحة أنّ من أصول الإيمان .. \" أن لا يكفر أحدٌ بذنب \" ففى الحديث \" عن أنس ﵁: \" \" ثلاث من أصل الإِيمان: الكف عَمَّن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإِسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتى الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإِيمان بالأقدار \" أخرجه أبو داود، فهل بقي بعد كلام النبي - ﷺ - كلام لمتكلم وهل بعد قوله هذا قول لقائل» ومن الأدلة الصريحة على أن مرتكب الكبيرة لا يخلَّد في النار.\nحديث أبي ذر قال: قال النبي - ﷺ - \"قال لي جبريل: من مات من أمتك\nلا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، أو قال: لم يدخل النّار، قال: وإن زنى، وإن سرق؛ قال: وإن \" أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. قال الخطابي: والمعنى أن من مات على التوحيد فإن مصيره إلى الجنة، وإن ناله قبل ذلك من العقوبة ما ناله، وأما قوله \" لم يدخل النار \" فمعناه لم يدخل دخول تخليد، ويجب التأويل بمثله جمعًا بين الآيات والأحاديث والله أعلم. أمّا الإِسلام فإنّه\n_________\n(١) المنحة الإلهية شرح العقيدة الواسطية، للأستاذ علي مصطفى الأستاذ بكلية أصول الدين.","vol":"1","page":77},{"text":"لغة الانقياد بالقلب أو باللسان والجوارح، وشرعًا النطق بالشهادتين. مع الإقرار لله بالوحدانية، ولمحمد - ﷺ - بالرسالة، والالتزام بأحكام الشريعة، وَأداء أركانها، فمن فعل ذلك حكمنا بإسلامه، وعاملناه معاملة المسلمين في جميع الأحوال، الشخصية من ميراث ونكاح وطلاق، والصلاة عليه بعد موته، ودفنه في مقابر المسلمين، وعصمة نفسه وماله، في حديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \" أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلاّ بحق الإِسلام، وحسابهم على الله \" أخرجه الشيخان ومعنى قوله: \" وحسابهم على الله \" كما قال القاري: \" أننا نحكم عليهم بظاهر حالهم، فنرفع عنهم ما على الكفار ونؤاخذهم بحقوق الإِسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله يتولى حسابهم -يعني على ما في قلوبهم- فيثيب المخلص، ويعاقب المنافق \" اهـ. وإنما يختلف معنى الإِسلام عن معنى الإِيمان إذا اجتمعا في نص واحد، أما إذا افترقا فإن معناهما يكون واحدًا ولهذا قال أهل العلم: إذا اجتمعا افترقا، كما في حديث جبريل، حيث دل الإِسلام على الانقياد للأعمال الظاهرة، ودل الإِيمان على الأعمال الباطنة، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا انفرد الإِسلام وحده تضمن معنى الإِيمان. كما في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) وإذا انفرد الإِيمان تضمن معنى الإِسلام، كما في قوله - ﷺ - \" الإِيمان بضعٌ وسبعون شعبة \".\n***","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>٢ - \" بَابُ الإيمَانِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خمْس </span>\"\n٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"بُنِي الإسْلَامُ عَلَى خَمس، شَهَادَةِ أنْ لَا\nــ\n٢ - باب الإِيمان، وقول النبي - ﷺ - \" بني الِاسلام على خمس \"\n٧ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nترجمة راوي الحديث: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، أسلم قديمًا قبل البلوغ، وهاجر مع النبي - ﷺ - وعرض عليه ببدر وأحد فاستصغره، ولم يأذن له، وأجازه في الخندق، وهو أحد الستة المكثرين في الحديث، روى عن النبي - ﷺ - ألفًا وستمائة وثلاثين حديثًا، اتفقا على سبعين ومائة، وانفرد البخاري بواحد وثمانين حديثًا، وكان كثير الاتباع لآثار النبي - ﷺ - شديد الاحتياط والتوقي لدينه، توفى ﵁ سنة ٧٣ هـ، وهو آخر صحابي توفي بمكة.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" بني الإِسلام على خمس \" أي أن الإِسلام لا يقوم ولا يتحقق كاملًا إلاّ بهذه الأعمال الخمسة، كما لا يقوم البيت من الشعر إلاّ على خمس دعائم، الدَّعامة الوسطى، وبقية الدعائم الأربعة في أطرافه \" شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله \" روي بالجر والرفع، ومعناه أن أحدها شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله، أي أن العمل الأول من أعمال الإِسلام الشهادتان، وهما العنصر الأساسي الذي لا يتحقق إسلام العبد إلاّ بوجوده، فمن لم يأت بالشهادتين لا يكون مسلمًا أصلًا، فكما يَسْقُطُ البيت إذا سقطت دعامته الوسطى، كذلك يبطل إسلام المرء إذا لم يأت بالشهادتين. أما إذا أَتى بهما، وقصَّرَ في بقية الأعمال الأربعة، فإنه لا يبطل إيمانه، ولا يكفر وإنما يكون مؤمنًا فاسقًا. ومعنى","vol":"1","page":79},{"text":"إِلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ الله، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الَزّكَاةِ، والْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ\".\nــ\nالشهادتين: أن ينطق العبد بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله، معترفًا بوحدانية الله، ورسالة محمد بن عبد الله، مصدقًا بقلبه بهما، معتقدًا لمعناهما، عاملًا بمقتضاهما، هذه هي الشهادة التي تنفع صاحبها في الدار الآخرة، فيفوز بالجنة، وينجو من النار. أما مجرد النطق بالشهادتين، والانقياد لشرائع الإِسلام ظاهرًا مع عدم اعتقادها باطنًا، فإن ذلك لا ينفع صاحبه في الدار الآخرة، ولا ينجيه من النار (١). لأنَّ الشهادة التي نطق بها لسانه دون موافقة القلب عليها لا ينطبق عليها معنى الشهادة الذي هو الإِخبار عن أمر متيقن قطعًا، ولا تتوفر فيها شروط الشهادة التي هي العلم واليقين والاعتقاد والصدق والإخلاص، فلا بد في الشهادة من اعتقاد القلب بها، وإيمانه بمعناها، ويؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى للبخاري \" بني الإِسلام على خمس، إيمان بالله ورسوله \" وفي رواية مسلم \" على أن يعبد الله ويكفر بما دونه \".\n\" وإقام الصلاة \" أي والثاني من أركان الإِسلام \" إقام الصلاة \" يعني المحافظة على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها بشروطها وأركانها الخ، \" وإيتاء الزكاة \" أي وثالث أركانه إيتاء الزكاة أي إخراج الزكاة المفروضة، وصرفها لمستحقيها، \" والحج \" أي ورابع أركان الإِسلام الحج إلى بيت الله الحرام مرة واحدة في العمر على من استطاع إليه سبيلًا \" وخامسها \" وهو آخر الأركان \" صوم رمضان \" وسيأتي مفصلًا شرح هذه الأركان.\n_________\n(١) قال في \" فتح المجيد \": فلا بد في الشهادتيْن من العلم واليقين، والعمل بمدلولهما، كما قال تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله) أما النطق بها من غير معرفة لمعناها، ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل وقول القلب واللسان وعمل القلب واللسان فغير نافع بالإجماع. فإنَّ الشهادة لا تصح إلا إذا كانت عن علم ويقين وصدق وإخلاص.","vol":"1","page":80},{"text":"ويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن أركان الإِسلام تنقسم إلى أربعة أقسام \" منها \" ما هو عمل لساني قلبي، وهو الشهادتان، إذ لا بد فيهما من نطق اللسان وتصديق الجنان. \" ومنها \" ما هو عمل بدني، وهو الصلاة والصوم \" ومنها \" ما هو مالي محض، وهو الزكاة. \" ومنها \" ما هو عمل بدني مالي، وهو الحج. ثانيًا: قال العيني: يدل ظاهر الحديث على أن الشخص لا يكون مسلمًا عند ترك شيء من هذه الأركان، لكن الإجماع منعقد على أن العبد لا يكفر بترك شيء غير الشهادتين اتفاقًا، وغير الصلاة عند أحمد، وبعض المالكية اللهم إلاّ إذا تركه جاحدًا. والأدلة على كفر تارك الصلاة كثيرة، منها قوله - ﷺ - \" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر \" أو قال، وهي عامة في كل من ترك الصلاة ولو كسلًا، ومما يؤكد ذلك قوله - ﷺ -: \" رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة \" فإنه يدل على عظم شأن الصلاة، وأن مكانها من الدين مكان العمود من الفسطاط - أي الخيمة - فكما أن عمود الفسطاط إذا سقط سقط الفسطاط، فكذلك إذا فقدت. الصلاة سقط دين تاركها (١)، فلم يبق له دين، لأن مجرد ترك الصلاة كفر، يخرج من الملة (٢). وهذا دليل على ما ذهب إليه الإِمام أحمد وغيره من أنه إذا تركها كسلًا فهو كافر، فإن قوله عمودها الصلاة يدل على أن المراد فعل الصلاة، وليس المراد الإِقرار بها، فإن المبتدأ والخبر معرفتان يقتضيان الحصر وأنها وحدها عمود الدين. وأما من جحد وجوبها فقد كفر إجماعًا وإن فعلها، أن جحد شيء مجمع عليه ومعلوم من الدين بالضرورة كفر عند أئمة الإِسلام. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n_________\n(١) \" حاشية الثلاثة الأصول \" للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي الحنبلي.\n(٢) وهناك نصوص أخرى تدل على أن مجرد ترك الصلاة ليس بكفر مخرج عن الملة. (ع).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>٣ - \" بَابُ أمُورِ الإيمَانَ </span>\"\n٨ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيَ - ﷺ - قال: \" الإِيمَانُ بضع وَسِتُّوْنَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِن الإيمَانَ \".\nــ\n٣ - باب أمُور الإِيمان\nباب الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nترجمة راوي الحديث: هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي - ﷺ - وأسلمت أمه ميمونة بدعاء النبي - ﷺ - نشأ أبو هريرة يتيمًا، وهاجر مسكينًا، وعمل أجيرًا ليسرة بنت غزوان، فزوجه الله إيّاها، وقد كان عريف أهل الصُفة. أما مكانته في رواية الحديث. فقد كان ﵁ أكثر الصحابة روايةً لحديث رسول الله - ﷺ -، كما أجمع عليه كافة أهل العلم، وسائر المحدثين، وروى من الأحاديث ما لم يروه غيره من أصحاب النبي - ﷺ -، فقد بلغ عدد أحاديثه خمسة آلاف وثلثمائة حديث، وأربعة وسبعين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلثمائة وخمسة وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين حديثًا ومسلم بمائة وتسعين حديثًا.\nرُوي عنه أنه لمّا مرض مرض موته دخل عليه مروان فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي، فما بلغ مروان وسط الدار حتى مات. وكان ذلك بالمدينة سنة تسع وخمسين من الهجرة ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" الإِيمان بضع \" بكسر الباء وفتحها وهو في الأصل القطعة من الشيء، ثم استعمل في العدد، وأطلق على ما بين الثلاثة إلى العشرة. وخصه الخليل بسبعة \" أي أنه بمنزلة السبعة ومعناها،","vol":"1","page":82},{"text":"فيعامل معاملتها في التذكير والتأنيث، فيذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر، فيقال: \" بضعة رجال وبضع نسوة \" أي سبعة رجال وسبع نسوة \" بضع وستون شعبة \" بضم الشين وسكون العين وهي في الأصل غصْن الشجرة، تقول: أمسكت بشُعْبةِ الشجرة، أي بغصنها، والمراد بها هنا الخصلة الواحدة من خصال (١) الخير. وقد اختلفت الأحاديث في عدد شعب الإيمان، ففي رواية البخاري \" بضع وستون \"، وفي رواية مسلم وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجه \" بضع وسبعون \" وهو الراجح، كما قال القاضي عياض وغيره ولهذا قالوا ليس المقصود \" تحديد العدد \" وإنما المراد به التكثير. والمعنى: كما قال العيني: \" إن الإِيمان ذو خصال متعددة، ويتكون من أعمال كثيرة، منها أعمال القلوب كالتوحيد، والتوكل، والرجاء، والخوف، ويدخل في ذلك عواطف الخير من رحمة ومحبة وغيرها \" ومنها \" أعمال اللسان من ذكر ودعاء، وتلاوة قرآن وغيرها \" ومنها \" أعمال الجوارح كالصلاة والصوم، وإغاثة الملهوف، ونصر المظلوم \". ومعرفة هذه الشعب على وجه التفصيل ليس بواجب، وإنما الواجب الإِيمان بها إجمالًا لأنّ الشارع لم يوقفنا عليها حدًا وعدًا، كما رجحه الخطابي والقاضي عياض، ويمكننا التعرف عليها من الكتاب والسنة، كما أفاده في فيض الباري ثم قال - ﷺ - \" والحياء شعبة من الإِيمان \"، أي والحياء خصلة من خصال الإِيمان، وهو في الأصل انفعال نفسي يحدث للنفس عند نفورها من القبيح، وشعورها بقبحه، وإحساسها بالخجل منه، تظهر آثاره على الوجه حمرة أو صفرة، ولهذا عرفه بعضهم بأنه رقة تعتري وجه الإِنسان عند فعل القبيح، أو إرادة النفس له. والحياء نوعان: فطري وشرعي. والمراد في هذا الحديث \" الحياء الشرعي \" الذي هو في الحقيقة حياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك، وأن يفقدك حيث أمرك، وهو بهذا المعنى أقوى باعث\n_________\n(١) فيكون المعنى اللفظي لقوله - ﷺ - \" الإيمان بضع وستون شعبة \" على حد قول الخليل: إن الإيمان سبعة وستون خصْلة من خصال الخير.","vol":"1","page":83},{"text":"على الخير، ورادع عن الشر، ولذلك كان من الإِيمان، بل من كمال الإيمان.\nقال العيني: \" الحيي يخاف فضيحة الدنيا وفضيحة الآخرة. فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات، ولهذا أفرد النبي - ﷺ - الحياء بالذكر دون سائر الأخلاق الأخرى، فقال: \" الحياء من الإيمان \".\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن الأعمال جزء من الإيمان كما يقول جمهور أهل السنة لقوله - ﷺ -: \" الإيمان بضع وستون شعبة \" ومن هذه الشعب أعمال اللسان والجوارح. ثانيًا: أن الإِسلام دين أخلاقي، أهم عناصر الأخلاق فيه الحياء، ولهذا قال في فيض الباري (١): \" وإنما نبه الرسول - ﷺ - على كون الحياء شعبة من الإيمان لكونه أمرًا خلقيًا يذهل الذهن عن كونه من الإِيمان، فدل على أن الأخلاق الحسنة منه. ثالثًا: أن الحياء من الله، كما قال الحليمي، هو طريق إلى فعل كل طاعة وترك كل معصية، فيفوز صاحبه بكمال الإِيمان في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة، كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \" الحياء من الإيمان، والإِيمان في الجنة -أي يوصل إليها- والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار \" أخرجه الترمذي. رابعًا: أن الحياء كما أفاده الماوردي (٢) على ثلاثة أوجه، أحدها الحياء من الله تعالى، بامتثال أوامره، والكف عن زواجره - وهو إنما ينشأ عن قوة الدين وصحة اليقين. والثاني: الحياء من الناس، وترك المجاهرة بالقبيح، واجتناب كل ما يدعو إلى إساءة الظن بفاعله ولو كان بريئًا. فقد روي عن حذيفة أنه أتى الجمعة، فوجد الناس قد انصرفوا، فتنكب الطريق عن الناس، وقال: لا خير فيمن لا يستحي من الناس، وذلك لأن الناس لا يعلمون عذره أمّا ربه فإنه مطلع عليه. والثالث: حياء المرء من نفسه بالعفة والصيانة في الخلوة. وذلك ينشأ عن معرفة المرء قدر نفسه، أو تكريمه\n_________\n(١) \" فيض الباري على صحيح البخاري \" الشيخ محمد أنور الكشميرى، ج ١.\n(٢) \" أدب الدنيا والدين \" للماوردي.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>٤ - \" باب الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ </span>\"\n٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عمرو بْنِ الْعَاص ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،\nــ\nلها، ولهذا قال بعضهم من عمل في السر عملًا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قَدْر. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله \" الإِيمان بضع وستون شعبة \" حيث دلَّ ذلك على أنّ الإيمان أمور كثيرة، ومنها أعمال الجوارح.\n\n٤ - باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\n٩ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم.\nترجمة الراوي: هو عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، الصحابي ابن الصحابي: العابد الزاهد، أسلم رضي الله. عنه قبل أبيه، وهو أصغر من أبيه باثني عشر عامًا فقط، أعطى العبادة كل وقته، وعكف أولًا على القرآن، فكان كلما نزلت آية حفظها وفهمها، ثم عكف على رواية السنة المطهرة، حتى أصبح أحد الستة المكثرين من رواية الحديث، وتوفي سنة خمس وستين من الهجرة ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده \" أي أن المسلم الكامل (١) في إيمانه ودينه هو من حسنت معاملته للناس ابتغاء مرضاة اللهِ، فحافظ على حقوق خلقه، وكف أذاه وشره عن عباده، وآمن يقينًا أن الدين المعاملة، فعامل الناس بالحسنى، ولم يتعد على أحد منهم بلسانه أو يده، ولم يؤذ إنسانًا بقوله أو فعله. والمراد من الحديث أن المسلم\n_________\n(١) فالألف واللام في قوله \" المسلم \" للكمال كما في قولهم زيد الرجل، أي الكامل في رجولته.","vol":"1","page":85},{"text":"والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ\".\nــ\nالكامل هو من سلم المسلمون من إيذائه لهمٍ، وعدوانه عليهم بأي عضو من أعضائه، سواء كان لسانًا أو يدًا أو رجلا أو غيرهما، ونجوا من شروره.\nوإنّما خُصَّ اللسان واليد لكثرة أخطائهما وأضرارهما، فإنّ معظم الشرور تصدر عنهما، فاللسان يكذب ويغتاب، ويسب ويشتم، ويأتي بالنميمة، وشهادة الزور، واليدُ تضرب وتقتل، وتسرق، إلى غير ذلك، قال القاري: (١) وقدم اللسان لأنّ الإِيذاء به أكثر وأسهل، وأشد نكاية، ويعم الأحياء والأموات جميعًا. وإنما اهتم الإِسلام بكفِّ الأذى عن الناس لتوثيق الروابط الاجتماعية بينهم، وصيانة المجتمع عن كل ما يؤدي إلى التفكك والتقاطع والتدابر. \" والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه \" أي أن المهاجر الكامل الصادق في هجرته هو من ترك كل ما نهي الله عنه من المعاصي، سواء كانت من الأقوال الكريهة، أو الأفعال الذميمة، لأن هذا هو الهدف الأسمى المقصود من الهجرة، ولهذا قال الحافظ (٢): كأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: اهتمام الإِسلام البالغ بكف الأذى عن الناس وحسن معاملتهم، حتى أنه حصر الإِسلام الكامل فيه، وحثّ المسلمين عليه، \" لأن الدين المعاملة \" فالمسلم لا يؤذي أحدًا ولو كان كافرًا، لقوله - ﷺ - في رواية النسائي وابن حبان \" المسلم من سلم الناس من لسانه ويده \" وقد أجمعت كل الأديان السماوية على حفظ حقوق الإِنسان وصيانتها، حتى قال - ﷺ - \" من قتل ذميًَّا لم يرح رائحة الجنة \" وإنّما خص اللسان بالذكر لما يصدر عنه من الأفعال التي قد يتساهل المرء بها مع شدة خطورتها، ومن\n_________\n(١) شرح مشكاة المصابيح للقاري.\n(٢) فتح الباري.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>٥ - \" بَاب أيُّ الإِسْلامِ أفضلُ </span>\"\n١٠ - عَنْ أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nقَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ! أيُّ الإِسْلَامِ أفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ سَلِمَ\nــ\nأشدها ضررًا الغيبة والنميمة، وقد قال المأمون النميمة لا تقرب مودة إلاّ أفسدتها ولا عداوة إلاّ جددتها، ولا جماعة إلا بددتها، وقال الشاعر:\nمَن نَمَّ فِي النَّاسِ لَمْ تُؤمَن عَقَارِبُه ... عَلى الصَديقِ ولَمْ تُؤمَن أفاعِيْهِ\nوقد ينطق الإنسان، بالكلمة يظنها يسيرة وهي كبيرة من الكبائر، فقد روى أن عائشة ﵂ قالت للنبي - ﷺ -: حسبك من صفية كذا -تريد أنها قصيرة- فقال لها النبي - ﷺ -: \" لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بماء البحر لمزجته \" أخرجه أبو داود. ثانيًا: أن الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لأنّه لما كمل بحسن المعاملة، فإنه ينقص بسوء المعاملة حتمًا. ثالثًا: أن الهجرة إنما تتحقق بترك المعاصي لا بمجرد الانتقال من بلد لآخر لقوله - ﷺ - \" المهاجر من هجر ما نهي الله عنه \". رابعًا: أن ترك المحظورات مقدَّم على فعل المأمورات وأن الدين المعاملة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٥ - باب أي الإِسلام أفضل\n١٠ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.\nترجمة راوى الحديث: هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري اليمني الصحابي الجليل؛ هاجر إلى الحبشة، واستعمله رسول الله - ﷺ - على زبيد وعدن وساحل اليمن، وولاه عمر ﵁ الكوفة والبصرة، وكان من أهل الفتوى، قال ابن المديني: قضاة الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى","vol":"1","page":87},{"text":"المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٦ - \" بَابُ إطْعَامِ الطّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ </span>\"\n١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرَو ﵄:\nأنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أيُّ الإِسْلامِ خَيرٌ؟ فَقَالَ: \"تُطْعِمُ\nــ\nوزيد بن ثابت ﵃. وكان جيد التلاوة، حسن الصوت بالقرآن، حتى قال له النبي - ﷺ - \" لقد أُوتيت مزمارًا من مزامير آل داود \" روى (٣٦٠) حديثًا اتفقا منها على خمسين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين عن ثلاث وستين سنة ﵁.\nمعنى الحديث: إن النبي - ﷺ - سئل \" أي الإسِلام أفضل \" يعني أي أصحاب الإِسلام أفضل من غيرهم، وأكثر ثوابًا من سواهم. \" قال: من سلم السلمون من لسانه ويده \" وفيه مبتدأ محذوف للعلم به تقديره هو من سلم المسلمون، ومعناه خبر المسلمين - وأفضلهم إيمانًا، وأكثرهم مثوبة وأجرًا من سلم الناس من أذى يده ولسانه (١).\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: الترغيب في حسن المعاملة للناس، وأن الدين المعاملة. ثانيًا: بيان أفضل المسلمين، وأنه هو من حَسُنت معاملته، وطابت عشرته، وكف عن الناس شره، وهو ما ترجم له البخاري. المطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٦ - باب إطعام الطعام من الإِسلام\n١١ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود، وابن ماجه.\nمعنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص في حديثه هذا \"أن\n_________\n(١) يلاحظ أنني اختصرت في شرح هدا الحديث لمشابهته للحديث السابق.","vol":"1","page":88},{"text":"الطَّعَامَ، وَتَقْرأ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ\".\nــ\nرجلًا سأل رسول الله - ﷺ - أي الإِسلام خير؟ \" يعني أي أعمال الإِسلام خيرٌ من غيرها، وأفضل من سواها بعد الإِيمان وأداء الأركان \" فقال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام \" أي أفضل الأعمال بعد الإيمان وأداء الأركان أمران: الأول: الإكثار من إطعام الطعام للضيوف والفقراء ابتغاء وجه الله تعالى، فيدخل في ذلك الضيافة والوليمة والصدقة وغيرها. الثاني: إقراء السلام على كل من لقيْنا، سواء كان عن معرفة أو غير معرفة، قريبًا أو بعيدًا، وإشاعته على المسلمين جميعًا، لأن السلام لله فينبغي بذله وإفشاؤه لكل مسلم ابتغاء وجه الله دون تمييز بين شخص وآخر ولأنّه تحية الإِسلام لعموم المسلمين.\nفينبغي أن لا تؤثر فيه العواطف والمجاملات.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل إطعام الطعام الإِسلام، وكونه من أفضل الأعمال شريطة أن يكون لوجه الله تعالى، لا رياءً وسمعة قال السنوسي (١): \" أما ما كان لفائدة غير شرعية كالمباهاة والانتفاع والثناء ونحو ذلك، فليس بمقصود، بل ربما كان بعضه محرمًا، كالاطعام لبعض اللئام من الظلمة والفساق يستعين بهم على فساده \". ثانيًا: أن إفشاء السلام من سنّة خير الأنام، ومن أفضل شرائع الإسلام. لما فيه من التواضع للمسلمين، وخفض الجناح للمؤمنين، وتوثيق الروابط معهم، واكتساب محبتهم ومودتهم فقد قال - ﷺ -: \" أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم \". ثالثًا: أن السلام لا يكون سنة وقربة إلى الله إلَّا إذا كان على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين، دون تخصيص بعضهم به. قال الحافظ (٢): \"ولا يَخصُّ به أحدًا تكبرًا أو تصنعًا غير أنه لا يسلم على كافر\n_________\n(١) شرح السنوسي على صحيح مسلم، ج ١.\n(٢) فتح البارى، ج ١.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>٧ - \" بَابٌ مِنَ الإيمَانِ أنْ يُحبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ </span>\"\n١٢ - عَنْ أنَسِ ﵁:\nعَنَ النَبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" لا يُؤْمِنُ أحَدُكْم حتَى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ \".\nــ\nابتداءً لقوله - ﷺ - \" لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام \". والمطابقة: في قوله \" إن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - أي الإِسلام خير قال تطعم الطعام \".\n٧ - \" باب من الإِيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه \"\n١٢ - الحديث: أخرجه الستة.\nترجمة راوي الحديث: هو أنس بن مالك بن النضر النجاري الأنصاري خادم رسول الله - ﷺ - ورضي عنه، قدم على النبي - ﷺ - وعمره عشر سنين وشهد بدرًا، وجاءت والدته أم سُلَيْم إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله خويدمك أنس، ادعُ الله له، فقال - ﷺ - \" اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه \" أخرجه الطبراني، وفي رواية \" وأطل عمره \" فكان ﵁ أكثر الصحابة ولدًا، وله بستان يحمل في السنة مرتين، وطال عمره حتى قال: لقد بقيت حتى سئمت من الحياة، وأنا أرجو الرابعة وهي غفران ذنبه.\nوكان ﵁ من المكثرين في الرواية روى (٢٢٨٦) حديثًا اتفقا على (١٦٨) حديثًا وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بواحد وتسعين. مات بالبصرة (٩٠) هـ، وهو آخر من مات بها من الصحابة.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" لا يؤمن أحدم \" أي لا يتحقق الإيمان الكامل لأحد من المسلمين \" حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه \" أي حتى يحب لأخيه الإنسان من الخير والمنفعة ما يحبه ويريده لنفسه، قال ابن الصلاح:","vol":"1","page":90},{"text":"(أي حتى يحب لأخيه أن يساويه في الخير) ولا يصعب ذلك على القلب السليم. وقال ابن العماد: الأولى أن يحمل قوله \" حتى يحب لأخيه \" على عموم الأخوة، حتى يشمل الكافر والمسلم فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من الدخول في الإسلام، ولذلك ندب الدعاء له بالهداية (١) وقد كان النبي - ﷺ - يدعو لكفار قريش بالخير، ويحبه لهم، ويقول: \" اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون \" ومما يؤكد أن المراد محبة الخير للناس جميعًا، لا فرق بين مسلم وكافر قوله - ﷺ - أفضل الإيمان أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك \" أخرجه أحمد في \" مسنده \" ولكن هذا إذا لم يكن في الخير الذي يصيبهم مَضَرَّة للمسلمين وإلّا دخل ذلك في موالاة أعداء الله.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن عاطفة المحبة للناس وحب الخير لهم جميعًا من كمال الإيمان، ولا يتحقق ذلك إلاّ إذا تجرد الإنسان من الأنانية والحقد (٢) والكراهية والحسد، وأحب لغيره من المباحات ما يحبه لنفسه من السلامة، والأمن، ورغد العيش والهداية والتوفيق. أما المعاصي فليس من الإِيمان أن يحبها لغيره، لأنها شرٌّ لا خير فيها، أما محبة المسلم لأخيه المسلم فإنها آكد وأقوى، ولا يكفى فيها مجرد العواطف النفسية، بل لا بد أن تظهر آثار هذه العواطف في معاملته. ثانيًا: التحذير من الحقد والحسد وغير ذلك من المشاعر الكريهة التي تنافي المحبة. المطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n...\n_________\n(١) شرح الشبرخيني المالكي على الأربعين النووية.\n(٢) الوافي في شرح الأربعين النووية.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>٨ - بَابُ حُبِّ الرَّسولِ - ﷺ - مِنَ الْإيمَانِ</span>\n١٣ - عَنْ أبى هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكم حَتَّى أكوُنَ أحَبَّ إليْهِ مِنَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ \".\n١٤ - وَعَنْ أنس ﵁ قَالَ:\nْقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إليْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَاس أجْمَعِين \".\nــ\nباب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان\n١٣ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" والذي نفسي بيده \" الواو: واو القسم، و\" الذي \" صفة لمحذوف تقديره والله الذي نفسي بيده -خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا \" لا يؤمن أحدكم \" أي لا يؤمن أحد من المسلمين الإِيمان الكامل \" حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده \" أي حتى يكون حبه لي أقوى من حبه لأعز الأشياء لديه فيحبني أكثر من والده الذي هو سبب وجوده وولده الذي هو امتداد لحياته من بعده. والمطابقة: في كونه - ﷺ - علق وجود الإيمان الكامل على محبته - ﷺ -.\n١٤ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nمعنى الحديث: هذا الحديث معناه كالحديث السابق لأنه مثله غير أنه زاد فيه قوله \" والناس أجمعين \" ليؤكد أن حب المؤمن لنبيه - ﷺ - لا يصل إليه أي إنسان في هذا الوجود مهما عزت مكانته عنده.\nويستفاد من الحديثين: أولًا: أن من كمال الإيمان أن يتغلب حب المسلم","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>٩ - \" بَابُ حَلَاوَةِ الْإيمَانِ </span>\"\n١٥ - عن أنس ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ،\nــ\nلنبيه - ﷺ - على حبه لأي شيء في هذا الوجود، مهما يكن عزيزًا لديه، ولا غرابة لأن العاطفة الدينية إذا قويت تغلبت على الغريزة النفسية، وسادت عليها، فيحب المؤمن نبيه الذي هو سبب هدايته أقوى مما يحب والده وولده، بل أقوى مما يحب نفسه، وهُوَ ما يعرف عند علماء النفس بالعاطفة السائدة، وإذا كان هذا الحب صادقًاْ فإنّه لا بد أن يحمل صاحبه على متابعة النبي - ﷺ -، والعمل بسنته، لأنّ من البدهيات المعروفة نفسيًا، أن كل إنسان يتبع من يحبه، ويطيعه في كل شيء. فالحب الصادق. لا بد أن يؤدى بصاحبه إلى المتابعة كما قال الشاعر:\nتَعْصِي الإِلهَ وَأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هذا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بَدِيْعُ\nلَوْ كان حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعْته ... إنّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ\nولهذا كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يجمعون بين الحب والعمل معًا.\nثانيًا: أن من علامات الحب الصادق للنبي - ﷺ - التمسك بسنته، وكمال متابعته، لأنه لن يكون النبي - ﷺ - أحب إليه من كل شيء إلاّ إذا قدم أمره ونهيه على كل شيء ولهذا قال - ﷺ - في حديث آخر \" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به \". مطابقة الحديثين للترجمة: في كونه علق الإيمان الكامل على محبته - ﷺ -.\n٩ - باب حلاوة الإِيمان\n١٥ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي أيضًا.\nالراوي: هو أنس بن مالك تقدمت ترجمته.","vol":"1","page":93},{"text":"أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُحبَّ الْمَرءَ لا يُحِبُّهُ\nــ\nمعنى الحديث: أن للإِيمان حلاوة روحية، ولذة قلبية، لا تعدلها لذة أخرى في هذا الوجود، ولكن لا يتذوق هذه الحلاوة إلاّ من وجدت فيه ثلاث صفات كما قال - ﷺ - \" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان \". الصفة الأولى: \" أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما \" أي أن يتغلب الحب الإِلهي على نفسه، ويسيطر على كل عواطفه ومشاعره، فيكون حبه لله ورسوله أقوى من حبه لوالده وولده وماله وجاهه، بل أقوى من حبه لنفسه ومن كل شهواته النفسية، وهذه هي حقيقة الإِيمان التي إذا بلغها العبد كان هواه تبعًا لما جاء به - ﷺ - كما جاء في الحديث، ومن علامات ذلك كمال الطاعة، وتمام المتابعة، ولهذا قال ابن قدامة (١) رحمه الله تعالى: \" من أحب الله لا يعصيه \" ومراده أن الحب الإلهي الكامل يحول دون المعصية، لأن حلاوة الإِيمان وحب الله تمنع عن كل ما يغضب الله. والصفة الثانية \" وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله \" أي أن يحب أخاه المسلم محبة خالصة ابتغاء مرضاة الله لمزية دينية موجودة فيه، أو فائدة شرعية يستفيدها منه، من علم نافع أو سلوك حسن، أو صلاح أو عبادة. والصفة الثالثة \" أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار \" أي أن تخالط قلبه بشاشة الإِيمان، فيكره الرجوع إلى الكفر - بعد أن هداه الله إلى الإِسلام، كما يكره أن يلقى في النار لعلمه يقينًا أن الكفر سبب للخلود فيها. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِيمان الكامل يربي في النفس أسمى العواطف الدينية، وهي ثلاث عواطف. عاطفة الحب الإِلهي: وقد أشار إليها\n_________\n(١) \" مختصر منهاج القاصدين \".","vol":"1","page":94},{"text":"إلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ إِلَى الْكفْرِ كمَا يَكْرَة أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>١٠ - \" بَابٌ عَلَامَةُ الإيمَانِ حُبُّ الْأنصَارِ </span>\"\n١٦ - عن أنس ﵁:\nعَن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأنصَارِ، وآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ\nــ\nالنبي - ﷺ - بقوله: \" أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما \". وعاطفة الحب في الله والبغض في الله، وقد أشار إليهما - ﷺ - بقوله: \" وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله \". وعاطفة البغض لكل ما حرّم الله، وقد أشار إليها - ﷺ - بقوله: \" وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار \". وكذلك يبغض سائر المعاصي، لأنها تؤدي إليها، فإذا خطرت بباله تصور النار وهي تحرق جسمه، فتنفر نفسه منها حرصًا على سلامته. ثانيًا: قال ابن أبي جمرة: \" ظاهر الحديث يدل على أنّ الإِيمان على قسمين: بحلاوة، وبغير حلاوة، ومنه قوله - ﷺ - \" الإِيمان إيمانان، إيمان لا يدخل صاحبه في النار، وإيمان لا يخلد صاحبه في النار \"، فالأول ما كان بالحلاوة، والثاني ما كان بغير حلاوة \". وهذا يؤكد أنَّ الإِيمان الكامل له حلاوة روحيّة تفوق كل حلاوة في هذا الوجود، ولهذا قال بعضهم: \" إن القلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يجد في طعم الإيمان حلاوة العسل. ثالثًا: أن اختيار الأصدقاء هو من كمال الإِيمان، لقوله - ﷺ - \" وأن يحب المرء لا يحبه إلاّ لله \" وقد قال عمر ﵁ \" لا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره \" واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى.\n١٠ - باب علامة الإِيمان حب الأنصار\n١٦ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.","vol":"1","page":95},{"text":"الأنْصَارِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>١١ - \" بَابٌ </span>\"\n١٧ - عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁:\nــ\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" آية الِايمان حب الأنصار \" أي علامته الظاهرة الواضحة محبة الأنصار من أجل محبتهم للرسول - ﷺ - ومناصرتهم وتأييدهم له - ﷺ -، فمن أحبهم لهذا الغرض كان ذلك علامة واضحة، ودليلًا قاطعًا على كمال إيمانه، لأنه قد أحبهم في الله، ومن أحب في الله وأبغض في الله فقد استكمل الإيمان. \" وآية النفاق بغض الأنصار \" أي وعلامة النفاق بغض الأنصار من أجَل مناصرتهم للنبي - ﷺ -، فمن أبغضهم لهذا السبب فهو منافق ولا شك، قال الأبي: فمن أبغضهم من هذه الحيثية فهو منافق، فلا يتناول الحديث من أبغضهم لذواتهم، أو لأسباب أخرى (فإنه لا يكون منافقًا) نعم هو في بغضهم عاصٍ فليجتهد في رد ذلك.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: الترغيب في حب أولياء الرحمن، والاعتراف بفضلهم، والتحذير من بغضهم ومعاداتهم، وقد جاء ما يؤكد ذلك في الأحاديث الصحيحة، حيث قال - ﷺ -: \" من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب \". ثانيًا: أن عواطف الحب والبغض لها أهميتها في نظر الإِسلام، وأنه يحاسب على البغض كما يثاب على الحب، لكنه لا يحاسب على البغض أو يكون مسيئًا إلاّ إذا استجاب لتلك العاطفة أما إذا قاومها واستعاذ بالله منها، وقصد بمقاومتها وجه الله، فإنه يكون محسنًا ويثاب على ذلك.\nوالمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n١١ - \" باب \"\n١٧ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.","vol":"1","page":96},{"text":"أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَة مِنْ أصْحَابِهِ: \" بَايِعُوني على أنْ لَا تُشْرِكُوا باللهِ شَيْئًا ولَا تَسرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، ولَا تَقْتُلُوا أوْلَادَكُمْ وَلا تَأتُوا بِبُهْتَان تَفْتَرُونَهُ بين أيدِيكُمْ وأرْجُلِكُمْ، ولا تَعْصَوا في مَعْرُوفٍ،\nــ\nترجمة الراوي: هو عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري، شهد العقبتين كما شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان طويلًا جسيمًا جميلًا، وجهه عمر ﵁ إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها سنة (٣٤) هـ روى (١٨١) حديثًا، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين، ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يحدثنا عبادة ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه \" أي أن النبي - ﷺ - قال في بيعة العقبة الأولى التي تمت بينه وبين نقباء الأنصار وفي السنة الثانية عشرة من البعثة وحوله \" عصابة من أصحابه \" أي جماعة من الأنصار (١)، وكانوا اثني عشر رجلًا \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا\" أي عاهدوني على التوحيد والخلوص من الشرك، وإفراد الله بالعبادة، مقابل أن تكون لكم الجنة. وأصل المبايعة: المعاهدة بين طرفين على الالتزام بشروط معينة. أما المبايعة على الإِسلام فهي عقد إلهي له طرفان وسلعة وثمن، فالطرفان هما: الله تعالى من جهة، والمؤمنون من جهة أخرى، والثمن هو الأعمال الشرعية المطلوبة، والسلعة هي الجنة.\n\" ولا تسرقوا \" أي ولا ترتكبوا جريمة السرقة، لأن الإِسلام جاء لحماية الأموال \" ولا تزنوا \" لأن الإِسلام يحمي أعراض الناس وأنسابهم. \" ولا تقتلوا أولادكم \" وإنما خص الأولاد لأنهم كانوا في الغالب يقتلون أولادهم خشية الإملاق. \" ولا تأتوا يهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم \" أي ولا\n_________\n(١) وهم نقباء الأنصار الذين ابتعثوا من المدينة لمفاوضة النبي - ﷺ - ومبايعته، ومنهم \" عبادة \" ﵁، قال العيني: وهم اثنا عشر رجلًا، وهم العصابة المذكورة.","vol":"1","page":97},{"text":"فمنْ وفَّى مِنْكُمْ فأجْرُهُ على اللهِ، ومَنْ أصابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنيا فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ، ومَنْ أصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إلَى اللهِ، إن شَاءَ عَفَا عَنْهُ وإن شَاءَ عَاقَبَهُ\"، فَبَايَعْنَاهُ علَى ذَلِكَ.\nــ\nتختلقوا الإشاعات الكاذبة، والتهم الباطلة، التي لا أساس لها من الصحة، مثل القذف بالزنا كذبًا وزورًا، أو ترويج بعض الإشاعات التي تمس الناس في أعراضهم، من الخيانة، والرشوة، والظلم، فإنّ الأولى أن يحمل هذا النهي على عموم الكذب على الناس، وعلى كل تهمة تنقص من قدرهم، وتخدش من كرامتهم. \" ولا تعصوا في معروف \" أي ولا تخالفوا رسول الله - ﷺ - في أي عمل يأمركم به أو ينهاكم عنه. أو لا تعصوا ولاة الأمور في أوامرهم ونواهيهم، ما دامت لا تتعارض مع الشريعة الغراء، فإنْ أمروا بمنكر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. \" فمن وفّى منكم فأجره على الله \" أي فمن وفّى منكم بهذه المعاهدة، وحافظ عليها، ولم يرتكب معصية، من هذه المعاصي التي نهيتكم عنها، فثوابه محقق وسيجده يوم القيامة عند ربه لا محالة، لأنه لا يخلف الميعاد. \" ومن أصاب من ذلك شيئًا \" أي ومن ارتكب معصية من المعاصي التي تستوجب الحد الشرعي كالزنا والسرقة \" فعوقب وبه في الدنيا \" أي فنال جزاءه في هذه الحياة، وأقيم عليه الحد في الدنيا \" فهو كفارة له \" أي فإنّ ذلك الحد يمحو عنه \" تلك المعصية \" ويسقط عنه عقوبتها في الآخرة، لأن الله أكرم وأرحم من أن يجمع على عبده عقوبتين. \" وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذلِك شيئًا، ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه \" أي من ستره الله في الدنيا، ولم يعاقَبْ على تلك الجريمة، فهو تحت مشيئة الله، وأمره مفوّض إليه، إن شاء غفر له، فأدخله الجنة مع الأولين، وإن شاء عاقبه بالنار على قدر جنايته ثم أدخله الجنة.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>١٢ - \" بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ </span>\"\n١٨ - عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنَّ التوحيد أساس الإِيمان وشرط لقبول جميع الأعمال، وهو كذلك في سائر الأديان السماويّة، ولذلك بدأ به في المبايعة فقال: \" بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا \". ثانيًا: أن هذه البيعة كانت أول ميثاق إسلامي، بل أول ميثاق عالمي لحماية حقوق الإِنسان في دينه وماله ونفسه وعرضه، فهي ميثاق عظيم لحماية جميع الحقوق الإِنسانية.\nثالثًا: أن دين الإِسلام ليس دين عبادة فقط، وإنما هو دين عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاق وغير ذلك من المبادىء والقيم، وهذه المبايعة الإسلامية الخالدة ضَمَّتْ كل هذا. رابعًا: مدى قبح الكذب وخطورته على المجتمع، ولذلك خصه بالذكر دون سائر الأخلاق الذميمة، لأنه يفسد أكثر المعاملات، ولأنه أساس كل رذيلة وخطيئة، وأم الخبائث الأخلاقية: من خيانة وغدر ونفاق، وتدليس وشهادة زور وقذف ونحوها. خامسًا: أن الحد الشرعي كفارة للمحدود لقوله - ﷺ -: \" ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له \" وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة حيثُ يرى أنه لا يسقط عنه عقوبة الآخرة. سادسًا: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار لقوله - ﷺ -: \" ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه \" أي عاقبه ثم أدخله الجنة. سابعًا: مشروعية المبايعة لولي الأمر إذا توفرت فيه شروط الإمامة، وهي الإِسلام والذكورة والبلوغ والعقل والأهلية للقيام بمصالح المسلمين.\n١٢ - \" باب من الدين الفرار من الفتن \"\n١٨ - الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي ومالك في الموطأ.","vol":"1","page":99},{"text":"قَالَ رسول الله - ﷺ -: \" يُوشِكُ أنْ يَكُونَ خَيْر مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ، وَمَوَاضِعَ الْقَطرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الفتَنِ \".\nــ\nترجمة راوي الحديث: هو أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان، الذي ينتهي نسبه إلى خِدرة بن عوف الخزرجي الأنصاري كان من شبان الصحابة ومشاهيرهم، غزا اثنتي عشرة غزوة عدا بدر، وروى ألفًا ومائة وسبعين حديثًا، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين حديثًا، توفي سنة أربع وستين من الهجرة ﵁.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بما شعف الجبال \" بفتح الشين والعين، والمعنى: سيأتي عن قريب زمان تسوء فيه الأحوال، وتفسد الدنيا، وتكثر المعاصي ويألفها الناس، ويزول الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويضعف الدين حتى تصبح خير حياة يحياها المسلم حياة العزلة، وخير مال يعيش عليه أن يكون له غنم يرعاها على ذرى الجبال، ويتبع بها مواضع الأمطار \" يفر بدينه من - ﷺ - \" أي من أجل أن يهرب من الفتن.\nويستفاد منه: كما قال العيني: \" فضل العزلة في أيام الفتن إلاّ لمن كان له قدرة على إزالتها، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها وجوبًا عينيًا، أو كفائيًا أما في غير الفتنة فقد قال النووي: ذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل المخالطة لما فيها من شهود شعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين. والمطابقة: في قوله: يفر بدينه من الفتن.\n***","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>١٣ - \" بَابُ قَوْل النَّبِيِّ - ﷺ - أنا أعْلَمُكُمْ باللهِ، وأنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ </span>\"\n١٩ - عنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أمَرَهُمْ أمَرَهُمْ مِنَ الأعْمَال بِمَا يُطيقُونَ، قَالُوا: إنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ إنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأخَّرَ، فَغَضِبَ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ في وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: \" إِنَّ أتْقَاكُمْ وَأعْلَمَكُمْ بِاللهِ أنَا \".\nــ\n١٣ - باب قول النبي - ﷺ - أنا أعلمَكُم بالله وأن المعرفة فعل القلب\n١٩ - الحديث: أخرجه البخاري، وهو من أفراده.\nمعنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \" كان رسول الله - ﷺ - إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون \" أي أنه - ﷺ - كان رؤوفًا بأمته، ميسِّرا عليها، لا يكلف المسلمين إلاّ بما يستطيعون المداومة عليه، لأنه - ﷺ - كان حريصًا على المداومة على الأعمال لا على الإكثار منها، لما تؤدي إليه المداومة على العمل من التفاعل به نفسيًا، والتأثر به أخلاقيًا، وذلك مقصدٌ أسمى من مقاصد الإسلام. \" قالوا: يا رسول الله، إنا لسنا كهيئتك، إنّ الله قد غفر لك \" أي أنه ينبغي لنا أن نكثر من العبادات أكثر منك، لتكون سببًا لمغفرة ذنوبنا، أما أنت فقد غُفر لك \" فغضب (١) - ﷺ - حتى يعرف الغضب في وجهه، ثم يقول: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا \" أي ليس الأمر كما تظنون، فلو كان في الاسراف في العبادة وتكليف النفس ما لا يطاق منها طاعة لله لسبقتكم إلى ذلك، لأنني أكثركم علمًا بما يرضي الله، وكلما كان\n_________\n(١) وفي بعض النسخ فيغضب بصيغة المضارع وأكثرها غضب كما أفاده العيني.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>١٤ - \" بَابُ تفَاضُلِ أهْلِ الإيمَانِ </span>\"\n٢٠ - عَنْ أبي سَعِيد الْخُدْرِي:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \" يَدْخُلُ أهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى أخرِجُوا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةِ خَرْدَل مِنْ إيمَان،\nــ\nالعبد أكثر علمًا كان أكثر طاعة وعبادة وتقوى.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن أعلم الناس بالله تعالى هو نبينا - ﷺ - وبقية الأنبياء. ثانيًا: أن من السنة الاقتصاد في النوافل على قدر الطاقة لأن إرهاق النفس بالعبادة يؤدي إلى كرهها والانقطاع عنها. والمطابقة: في قوله: \" إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا \".\n١٤ - باب تفاضل أهل الإِيمان\n٢٠ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" يدخل أهل الجنة الجنة \" أي. يدخل المؤمنون من أهل الجنة الجنة، بفضل الله ورحمته ثم بسبب أعمالهم الصالحة، \" وأهل النار النار \" أي ويدخل المؤمنون من أهل النار النار لمجازاتهم على سيئاتهم \" ثم يقول \" الله ﷿: \" أخرجوا \" من النار \" من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان \" أي أخرجوا من النار كل من عمل مقدار حبة خردل من أعمال الإيمان بعد التوحيد والتصديق بما جاء به نبينا - ﷺ - أمَّا من نقص شيئًا من التوحيد، أو أنكر شيئًا مما جاء به النبي - ﷺ -، فإنه لا يدخل في ذلك، ولا يخرج من النار، بل يخلد فيها، لأن التوحيد والتصديق القلبي لا يقبل التجزئة، فمن نقض منه شيئًا فهو كافر مخلد في النار، وقد نبه على ذلك العيني حيث قال: \" واعلم أن المراد بالخردلة ما زاد عن أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك، ففي رواية البخاري \"أخرجوا","vol":"1","page":102},{"text":"فَيَخْرُجُون منها قدِ اسْوَدَّوا، فيُلْقَوْنَ في نهر الحَيَاةِ فينبتون كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِى جَانِبْ السَّيْلِ، ألمْ تَرَ أنَهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً\".\nــ\nمن قال لا إله إلاّ الله وعمل من الخير\" ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا \" فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياة \" الذي من غمس فيه حَيي إلى الأبد \" فينبتون كما تنبت الحبة \" بكسر الحاء، أي كما تنبت البذرة المزروعة \" ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية \" أي ألا ترى كيف تخرج من الأرض عند بدايتها صفراء اللون جميلة المنظر منعطفة الأوراق، ثم تتمدد وتتفتح أوراقها بعد ذلك، وهذا مما يزيد الرياحين حسنًا \" كما أفاده القسطلاني.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: تفاضل أهل الإيمان في درجات إيمانهم، وذلك بسبب تفاضل أعمالهم، كما ترجم له البخاري، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو مذهب أهل السنة والحديث، حجة ظاهرة لهم لأنه دل على أن من المؤمنين من يقل عمله حتى يكون كالخردلة، فينقص إيمانه تبعًا لذلك، وكل شيء قابل للنقص قابل للزيادة. ثانيًا: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار، ولا بخرج من الملة خلافًا للخوارج، لقوله - ﷺ - \" أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان \". ثالثًا: أن مرتكب المعاصي معرض للعقوبة في الدار الآخرة، ودخول النار، إلاّ أن يعفو الله عنه، لقوله - ﷺ - \" فيخرجون منها وقد اسودوا \" خلافًا للمرجئة الذين يقولون لا يضر مع الإِيمان ذنب، حيث صرح في هذا الحديث أنّ العصاة يدخلون النار حتى تسوّد وجوههم. المطابقة: في كونه يدل على أنّ الإِيمان يتفاوت في القلة والكثرة وهو عين التفاضل كما أفاده العيني.\n***","vol":"1","page":103},{"text":"٢١ - عَنْ أبي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" بَينَا أنا نَائِمٌ رَأيت النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَليَّ وَعَلَيْهِمْ خُمُصٌ، مِنْها ما يَبْلُغُ الثَّدْيَ، ومنها مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَليَّ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ وعليْهِ قَمِيص يَجُرُّهُ \" قَالُوا: فَما أوَّلْتَ ذلِكَ؟ قَالَ: \" الدِّينَ \".\nــ\n٢١ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص \"، أي بينما كنت نائمًا رأيت الناس أثناء نومي وهم يمرون من أمامي وعليهم أقمصة مختلفة الأطوال \" منها ما يبلغ الثدي \" بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء أي من الناس من تصل قمصهم إلى ثُدِيّهم \" ومنها ما دون ذلك \" أي ومن هذه القمص ما هو أقصر من ذلك \" وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره \" أي وعليه قميص طويل يسحبه \" قالوا فما أوّلت ذلك \" أي بماذا فسّرت ذلك \" قال الدين \" بالنصب على المفعولية أى فسّرت القميص بالدين، لأنه يستر المؤمن، ويصونه من النار كما يستر القميص البدن. والمطابقة: في قوله \" فما أولت ذلك قال الدين \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: تفاضل أهل الإيمان في إيمانهم كتفاضل أصحاب القمص (١) في قمصهم فكما أن تلك القمص التي رآها - ﷺ - في منامه تزيد وتنقص، ومنها الأطول والأقصر، فكذلك الإيمان يزيد وينقص. ثانيًا: أن رؤيا الأنبياء كلها حق، ولذلك استدل النبي - ﷺ - برؤياه على زيادة إيمان عمر ﵁.\n_________\n(١) لأن النبي - ﷺ - فسر القمص المختلفة الأطوال التي يزيد بعضها وينقص بعضها بالدين - أي الإيمان. وفسر طول قميص عمر بزيادة إيمانه فدل على أن الإيمان يزيد وينقص.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>١٥ - \" بَابُ الْحَيَاءِ مِنَ الإِيمَانِ </span>\"\n٢٢ - عن ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ في الْحَيَاءِ،\nفَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: \" دَعْهُ فإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١٦ - \" بَاب </span>\"\n(فإنْ تابُوا وأقَامُوا الصَّلَاةَ وآتوُا الزَّكَاةَ فَخلّوا سَبِيلَهُمْ) \"\nــ\n١٥ - باب الحياء من الإِيمان\n٢٢ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nمعنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - مرّ على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء \" أي ينصحه أن يخفف من حيائه، وفي رواية يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي، حتى كأنه يقول: قد أضرّ بك، وذلك أن الرجل كان كثير الحياء \" وكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه على ذلك: \" فقال رسول الله - ﷺ - دعه \" أي اتركه على هذا الخلق الحسن \" فإن الحياء من الإِيمان \" لأنه يمنع صاحبه عما نهي الله عنه.\nويستفاد منه: أن ديننا الإسلامي دين أخلاق، كما أنه دين عقائد وأحكام، ولهذا كان الحياء جزءًا منه، لأنه سبب لجميع الأخلاق الفاضلة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n\n١٦ - باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)\n٢٣ - الحديث: أخرجه الشيخان.","vol":"1","page":105},{"text":"٢٣ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" أمِرْتُ أنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ، فإِذَا فَعَلُوا ذَلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأموَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ \".\nــ\nمعنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله \" أي أمرني الله تعالى بقتال الكفار جميعًا حتى يقروا بالشهادتين، ويعترفوا لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة \" ويقيموا الصلاة \" المكتوبة \" ويؤتوا الزكاة \" المفروضة \" فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم \" أي فإذا نطقوا بالشهادتين، وأدوا شعائر الإِسلام وأركانه العملية، من صلاة وغيرها، فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم. لأنّها أصبحت معصومة بعصمة الإِسلام \" إلا بحق الإسلام \" وهذا استثناء من العصمة، أي فإن الإِسلام يعصم دماءهم وأموالهم، فلا يحل قتلهم إلا إذا ارتكبوا جريمة أو جناية يستحقون عليها القتل بموجب أحكام الإِسلام، فإنه ينفذ فيهم الحكم الشرعي، فيقتل القاتل قصاصًا، ويقتل المرتد والزاني المحصن حدًا كما قال - ﷺ - \" لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة \" \" وحسابهم على الله \" أي وما علينا إلاّ أن نعاملهم بمقتضى الظاهر من أقوالهم وأفعالهم، ونفوض سريرتهم إلى الله تعالى، ولا نتدخل في أحوالهم الأخروية من الجنة والنار، فإن ذلك لله وحده، قال القاري: \" نحكم بظاهر حالهم فنرفع عنهم ما على الكفار، ونؤاخذهم بحقوق الإِسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب المنافق \".","vol":"1","page":106},{"text":"ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: قتل تارك الصلاة لأن هذا الحديث كما قال الشوكاني دل دلالة صريحة على وجوب قتله، وأنه لا يكون معصوم الدم والمال، إلاّ إذا أقام الصلاة، وقد شرط الله في القرآن التخلية بالتوبة وإقام الصلاة، فقال: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فلا يخلي سبيل من لم يُقِمْ الصلاة \" اهـ. فإن تركها جاحدًا قتل كافرًا بإجماعٍ المسلمين إلاّ أن يكون حديث عهد بالإِسلام، وإن تركها كسلًا قتل حدًا عند الجمهور وكفرًا عند أحمد، وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي. \" قال الشوكاني \": والجمهور على أنه يقتل لترك صلاة واحدة. واختلف أصحاب الشافعي: هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيامِ. الأصح الأول (١). ثانيًا: دل الحديث على أن من منع الزكاة إذا كان خارجًا عن قبضة الإِمام قاتله الإِمام حتى يأخذ منه الزكاة، لأن النبي - ﷺ - أمر بمقاتلة الناس حتى يؤدوا الزكاة.\nأما من كان ببلاد الإِسلام ومنعها، فإن كان منكرًا وجوبها فهو مرتد، تجري عليه أحكام المرتدين. يستتاب ثلاثًا، فإن تاب، وإلّا قتل كافرًا، وإن منعها معتقدًا وجوبها، وقدر الإمام على أخذها منه أخذها منه وعزره، ولم يأخذ منه زيادة عليها عند أكثرَ أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي كما أفاده ابن قدامة. ثالثًا: أن من نطق بالشهادتين وانقاد لأحكام الشريعة ظاهرًا فهو في عصمة الإِسلام، يحرم دمه وماله، ولا يحل قتله إلاّ في قصاص أو حد من حدود الله، لقوله - ﷺ - \" فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإِسلام. والمطابقة: في كون الحديث مطابق للآية الكريمة في معناها.\n_________\n(١) وهناك أحاديث أيضًا تدل على أن تارك الصلاة كسلًا لا يخرج من الملة. (ع).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>١٧ - \" بَابُ مَنْ قَالَ إنَّ الإيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ </span>\"\n٢٤ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ أيُّ الْعَمَلِ أفْضَلُ؟ قَالَ: \" إيمانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ \" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \" الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ \" قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \" حَجٌ مَبْرُورٌ \".\nــ\n١٧ - باب من قال: إن الإِيمان هو العمل\n٢٤ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.\nمعنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - سئل أي العمل أفضل \"؟ أي سأله رجل وهو أبو ذر ﵁: أي الأعمال أعظم عند الله أجرًا وثوابًا \" قال: إيمان بالله ورسوله \" أي أن أفضل الأعمال على الإِطلاق، الإِيمان بالله ورسوله، والتصديق بما جاء به النبي - ﷺ - لأنه شرط في صحة جميع العبادات الشرعية، من صلاة، وزكاة وصوم وغيرها \" قيل: ثم ماذا \"؟ أي فقال أبو ذر: ثم ما هو أفضل الأعمال بعد الإِيمان؟\n\" قال: الجهاد في سبيل الله \" وهو القتال لِإعلاء كلمة الله، لا لأي غرض من الأغراض الأخرى، فإن كان لغرض آخر، من وطنية أو قومية، أو عصبية، فإنه ليس جهادًا \" قيل ثم ماذا \"؟ أي ثم ما هو العمل الذي يأتي بعد الجهاد في الأفضلية \" قال: حج مبرور \" وهو الحج الخالص لوجه الله (١) تعالى، المقبول عنده، لخلوصه من الرياء والسمعة والمال الحرام، وقد قُدِّمَ الجهاد على الحج في هذه الرواية، كما قدم الحج في رواية أخرى، والتقديم والتأخير بحسب اختلاف الظروف والأحوال، فقدم الجهاد في أول الإِسلام\n_________\n(١) من قولهم \" برّ يمينه إذا سلمت من الحنث \" وكذلك يقال بر حَجُّه إذا سلم من الرياء والمال الحرام.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>١٨ - \" بَاب إذا لَمْ يَكُن الإِسْلَامُ علَى الْحَقِيقَةِ، وكَانَ عَلى الإسْتِسْلَامِ أو الْخوفِ مِنَ القَتْلِ </span>\"\n٢٥ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أعطى رَهْطًَا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ\nــ\nلحاجتهم إليه، ثم قدم الحج بعد ذلك لأنه فرض عين، والجهاد فرض كفاية.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به البخاري على أن العمل ركن من أركان الإِيمان، كما أن القول باللسان والتصديق بالقلب ركنان منه لأن النبي - ﷺ - لما سئل في هذا الحديث عن أفضل الأعمال، أجاب بأن أفضل الأعمال، إيِمان بالله ورسوله، فدلّ ذلك على أن الإِيمان عمل، كما أنه تصديق وقول. \" قال القسطلاني: وغرض البخاريِ وغيره من هذا الباب إثبات أن العمل من أجزاء الإِيمان ردًا على من يقول إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان \" اهـ والقول بأن العمل جزء من الإِيمان هو قول أكثر أهل العلم خلافًا لأَبي حنيفة ومن وافقه. ثانيًا: أهمية الجهاد، ومكانته في الإِسلام، حتى أنه يقدم أحيانًا على الحج الذي هو أحد أركان الإِسلام الخمسة، وذلك عند الحاجة إليه كما تقدم في هذا الحديث؟ والمطابقة: في اطلاق العمل على الإيمان كما أفاده العيني.\n١٨ - باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل\n٢٥ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nترجمة راوي الحديث: هو سعد بن أبي وقّاص بن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، يلتقي مع النبي - ﷺ - في كلاب، الأب الخامس له، أسلم","vol":"1","page":109},{"text":"- ﷺ - رَجُلًا هُوَ أعْجَبُهْم إليَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَان؟ فَوَاللهِ إنِّى لأرَاهُ مُؤْمِنًَا، فَقَالَ: \" أوْ مُسْلِمًَا \" فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي\nــ\nقديمًا وهو ابن أربع عشرة سنة، وقال ﵁: إني لثالث الإِسلام، هاجر إلى المدينة قبله - ﷺ - وشهد المشاهد كلها، وكان مجاب الدعوة لقوله - ﷺ - اللهم استجب لسعد إذا دعاك، فكان لا يدعو إلاّ استجيب له كما في حديث الترمذي، وهو فارس الإِسلام وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وكان رئيس القادة في فتح العراق، فتح المدائن وبني مدينة الكوفة، وصار واليًا عليها في عهد عمر وعثمان وروى عن النبي - ﷺ - (٢٧٠) حديثًا اتفقا منها على خمسة عشر وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر. مات بقصره في العقيق سنة سبع وخمسين هـ وهو يومئذ والي المدينة ودفن (١) بالبقيع.\nمعنى الحديث: يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - أعطى رهطًا \" أي الجماعة من المؤلفة قلوبهم، والرهط من ثلاثة إلى عشرة \" وسعد جالس فترك رجلًا هو أعجبهم إليّ \" أي أفضلهم عندي إيمانًا وصلاحًا، \" فقلت: يا رسول الله: ما لك عن فلان \"؟ أي أي شيء منعك عن إعطائه \" فوالله إني لأراه مؤمنًا \" أي فإني أعتقد إيمانه، وأقطع به، وأقسم عليه \" فقال: أوْ مسلمًا \" بسكون الواو، أي لا تسرع بالحكم عليه بالإِيمان، ولا تقطع له أو لغيره به، لأن الإِيمان أمر غيبي قلبي، ولا يلزم من إسلامه في الظاهر إيمانه في الباطن فقد يكون مسلمًا على غير الحقيقة، ناطقًا بالشهادتين، منقادًا لشعائر الإِسلام خوفًا من سلطة المسلمين، وهو في الباطن كافر منكر لعقائد الإِسلام، فلا يكون مؤمنًا، ولكنا نسميه مسلمًا، ونحكم بإسلامه باعتبار ظاهره، وقد أُمِرْنا أن نحكم بالظاهر. فحسبك يا\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري، ج ١.","vol":"1","page":110},{"text":"ما أعْلَمُ مِنْهُ، فعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَك عَنْ فُلَان، فواللهِ إنِّي لأرَاهُ مُؤمِنًَا، فقالَ: \" أوْ مُسْلِمًا \" فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي ما أعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: \" يَا سَعْدُ إنِّي لأعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُه أحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أنْ يَكُبَّهُ اللهُ في النَّارِ \".\nــ\nسعد أن تصفه بالإِسلام، لتكون صادقًا بارًَّا بقسمك في جميع الأحوال، فإن كان مؤمنًا حقًا صدق عليه اسم الإِسلام، لأن كل مؤمن مسلم، وإن كان غير مؤمن حقًا صدق عليه اسم الإسلام، باعتبار أن الحكم على ظاهره، والله يتولى السرائر أما إذا وصفته بالإِيمان، وكان إسلامه على غير الحقيقة، أي بلسانه فقط فقد كذبت في وصفك، وحنثت في يمينك \" فسكت قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه \" من الإِيمان والصلاح \" فعدت لمقالتي، فقلت: مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا فقال: أو مسلمًا. فسكت قليلًا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله - ﷺ - \" ومعناه أن سعدًا أعاد سؤاله ثلاث مرات وكان - ﷺ - يجيبه في كل مرة بقوله: \" أوْ مسلمًا \" أي لو قلت إني لأراه مسلمًا لكان أفضل \" ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل، وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار \" أي ثم خاف النبي - ﷺ - أن يكون سعد قد أساء الظن بهذا الرجل، وشك في إيمانه بسبب أن النبي - ﷺ - لم يُعْطِهِ، فقال له: لا تظن أنني لم أعطه لضعف إيمانه، لأنني قد أدع الرجل القوي الإِيمان، فلا أعطيه شيئًا ثقة بإيمانه ويقينه، وأعطي الرجل الضعيف الإِيمان تأليفًا له، لئلا يرتد فيقع في النار. والمطابقة: في قوله \" أوْ مسلمًا \" حيث نهاه عن القطع بإيمانه، لأنه قد يكون إسلامه على غير الحقيقة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِسلام قد يكون على الحقيقة وذلك إذا كان باللسان والقلب معًا، والظاهر والباطن جميعًا فيكون إسلامًا وإيمانًا.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>١٩ - \" بَابُ كُفْرَانِ العَشِير وَكُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ </span>\"\n٢٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" أرِيتُ النَّارَ، فإِذَا أكثَرُ أهلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ \"\nــ\nوقد يكون الإِسلام على غير الحقيقة، وذلك إذا كان ظاهريًا باللسان فقط، مع إنكار القلب. فلا يكون إيمانًا، وإن كان يسمى إسلامًا، باعتبار الظاهر وهو ما ترجم له البخاري بقوله \" باب إذا لم يكن الإِسلام على الحقيقة \".\nثانيًا: أن من أدب الإِسلام أن لا نقطع لأحد بالإِيمان، أو نقسم على ذلك اعتمادًا على ما يظهر لنا من إسلامه وانقياده الظاهري لأن الإِيمان أمر قلبي غيبي (١)، وإنما إذا أردنا أن نثني على أحدٍ بالدين، فإننا نصفه بما يظهر لنا من حاله. وهو الإِسلام، لأن هذا هو الذي نعلمه عنه، فنحكم له بأنه رجل مسلم، ولا نقطع بإيمانه، لأنه قد يكون مسلمًا في الظاهر كافرًا في الباطن. ثالثًا: قال عياض: هذا الحديث أصح دليل على الفرق بين الإِسلام والإِيمان، وأن الإِيمان باطن من عمل القلب، والإِسلام ظاهر من عمل الجوارح لكن لا يكون مؤمن إلاّ مسلمًا وقد يكون مسلم غير مؤمن. رابعًا: مشروعية الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم كما شفع سعد لهذا الرجل. والمطابقة: في قوله \" أوْ مسلمًا \" حيث نهاه عن القطع بإيمانه، لأنه قد يكون إسلامه على غير الحقيقة.\n\n١٩ - باب كفران العشير وكفر دون كفر\n٢٦ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nمعنى الحديث: مر النبي - ﷺ - على النساء يوم العيد فأراد أن ينتهز فرصة\n_________\n(١) أي ولا يلزم أن يكون كل من أقر بأركان الإِسلام ظاهرًا أن يكون مصدقًا بقلبه، فإنه قد يكون مصدقًا بلسانه كافرًا بقلبه، فلا يكون مؤمنًا.","vol":"1","page":112},{"text":"قيلَ أيَكْفُرْنَ باللهِ؟ قَالَ: \" يَكْفُرْنَ الْعَشيْرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئًا قالَتْ: مَا رَأيْتُ مِنْك خَيْرًا قَط \".\nــ\nوجوده بينهن في نُصْحِهنَّ ووعظهن وتحذيرهن عن بعض المساوىء التي يغلب صدورها منهن، فكان أوّل ما بدأ حديثه أن \" قال رسول الله - ﷺ - أريت النار \" أي أطلعني الله تعالى على النار وكشف لي عنها، فرأيتها ببصري رأي العين \" فإذا أكثر أهلها النساء \" أي فلما نظرت إليها، وشاهدت من فيها من البشر، فوجئت بأن أكثر أهلها النساء، \" يكفرن \" أي فلما ذكر - ﷺ - أن أكثر أهل النار من النساء، قالت إحداهن: ولم يا رسول الله؟ فأجابها - ﷺ - بقوله \" يكفرن \" أي إنما كن أكثر أهل النار لأنّهن يكفرن، ولم يبين - ﷺ - يكفرن بماذا لتذهب أفكارهن كل مذهب، ويشتد خوفهن، وتتطلع نفوسهن لمعرفة هذا الكفر الذي وصفهن به النبي - ﷺ - وقد تم للنبي - ﷺ - ما أراد، فلم يكد ينطق بهذه الكلمة حتى \" قيل أيكفرن بالله \" أي قالت إحداهن أيكفرن بالله؟ \" قال: يكفرن العشير \" أي ينكرن نعمة الزوج وإحسانه إليهن \" لو أحسنت إلى إحداهن الدهر \" أي العمر كله \" ثم رأت منك شيئًا \" واحدًا مما تكره \" قالت: ما رأيت منك خيرًا قط \" أي ما وجدت منك شيئًا ينفعني أو يسرني طيلة حياتي كلها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن نكران الجميل من الكبائر كما أفاده النووي، ولولا ذلك لما ترتب عليه هذا الوعيد الشديد، وقد جاء في الحديث \" إذا قالت المرأة لزوجها ما رأيت منك خيرًا قط فقد حبط عملها \" أخرجه ابن عدي وابن عساكر ولكنه حديث ضعيف كما رمز له السيوطي، وذلك لأن في سنده يوسف التميمي، ولا يحل الاحتجاج به كما أفاده المناوي. ثانيًا: أن هناك كفرًا دون كفر، ومعناه أن الكفر نوعان، كفر يخرج عن الملة، وهو الكفر الاعتقادي، وكفر لا يخرج وهو العملي كجحود نعمة الزوج مثلًا.","vol":"1","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>٢٠ - \" بَابُ الْمعَاصِي مِنْ أمرِ الْجَاهِلِيَّةِ، ولا يكْفُرُ صَاحِبُها بارْتِكَابِهَا </span>\"\n٢٧ - عَنْ أبي ذَرٍ ﵁ قَالَ:\nــ\nثالثًا: ما جبل عليه أغلب النساء من كفران العشير وجحود نعمة الزوج، ومن أغرب ما روي في ذلك قصة المعتمد بن عباد مع زوجته (١) فقد روي أنّه لما تزوج اليرمكية قضى معها حينًا من الدهر في سرور وغبطة، وحدث أن رأت بعض النساء يمشين في الطين فاشتهت ذلك، فأمر المعتمد فسحقت الطيوب. أي فطحنت أنواع الطيب من العود ونحوه، وذرت في ساحة القصر وصب عليها ماء الورد حتى صارت كالطين، فخاضته معِ جواريها. ومرت الأيام فغاضبها المعتمد يومًا، فأقسمت أنّها لم تر منه خيرًا قط، فقال لها: ولا يوم الطين فاستحيت واعتذرت (١). والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن الكفر أنواع منها الكفر بالله ومنها كفر العشير كما صرح بذلك الحديث.\n٢٠ - باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر (٢) صاحبها بارتكابها\n٢٧ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي.\nترجمة راوي الحديث: هو أبو ذر جندب \" بضم الجيم والدال \" ابن جنادة \" بضم الجيم \" الغفاري: \" نسبة إلى غفار بكسر الغين قبيلة من كنانة أسلم قديمًا وكان من رابع أربعة، وعاد إلى قبيلته، ثم هاجر إلى المدينة بعد الخندق، واشتهر بالزهد، حتى أنه كان يرى أنه يحرم على المسلم أن يدخر ما زاد عن\n_________\n(١) طرائف ونوادر من التراث العربي للدكتور نايف معروف نقلًا عن كتاب دولة النساء للبرقوقي.\n(٢) بفتح الياء وضم الفاء كما أفاده القسطلاني، ويجوز ضم الياء وفتح الياء والفاء المشددة المفتوحة، كما ذكره الحافظ في الفتح.","vol":"1","page":114},{"text":"سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بأمِّهِ، فَقَالَ لي النَّبِيُّ - ﷺ -: \" يَا أَبَا ذَرٍ أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ!! إِنَّكَ امْرؤ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أْيدِيْكُمْ، فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبْهُم فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأعينُوهُمْ \".\nــ\nحاجته، وخالفه في ذلك جمهور الصحابة. روى عن النبي - ﷺ - (٢٨١) حديثًا اتفقا منها على اثني عشر وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر، توفي بالربذة سنة (٣١) هـ.\nمعنى الحديث: يقول أبو ذر ﵁ \" ساببت رجلًا \" أي تخاصمت مع رجل \" وهو بلال ﵁، وشتمته \" فعيرته بأمه \" أي فعبت أمه ووصفتها بالسواد، حيث قلت له: يا ابن السوداء، وخالفت بذلك شريعة الإسلام، التي لا تفرق بين لون ولون، ولا تفضل إنسانًا على آخر إلّا بالتقوى كما قال تعالى: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) وكما قال - ﷺ - \" لا فضل لعربي على عجمي إلاّ بالتقوى \" \" فقال لي النبي - ﷺ -: أعيرته بأمه \" وهذا استفهام إنكاري (١) تعجبي، أي كيف تعيبه بسواد أمّه، وتستنقصه بذلك، وأنت تعلم أن الإِسلام لا يميز بين الناس بالألوان، وإنما يفاضل بينهم بالتقوى والعمل الصالح \" إنك امرؤ فيك جاهلية \" أي إن ما فعلته معه من تعيير بسواد أمّه نعرة جاهلية، وأثر من آثار التمييز العنصري الذي كان موجودًا قبل الإِسلام. \" إخوانكم خولكم \" (٢) أي إن هؤلاء الخدم ليسوا في الحقيقة سوى إخوانكم في الدين أو الإِنسانية سخرهم الله لكم\n_________\n(١) والمقصود من هذا الاستفهام الإنكاري تقبيح تَعْيير المسلم بأمه أو أخته أو أحد أقاربه، سيما النساء، فالتعيير من حيث هو قبيح، فإذا كان بالنساء، كان أقبح اهـ.\n(٢) وهي جملة اسمية مكوّنة من خبر مقدم - وهو إخوانكم - ومبتدأ مؤخر - وهو خولكم - وأصل الجملة خولكم إخوانكم فقدم الخبر لإفادة الحصر.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>٢١ - \" بَابُ (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) فَسَمَّاهُمْ الْمؤمِنين)</span>\n٢٨ - عَنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا\nــ\nحيث \" جعلهم الله تحت أيديكم \" أي تحت سلطتكم وطوع أمركم \" فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس \" أي وما داموا إخوة لكم، فإن عاطفة الأخوة تقتضي منكم حسن معاملتهم، والرفق بهم ومراعاة مشاعرهم، وتوفير العيش الكريم لهم، وإطعامهم من طعامكم وإلباسهم من لباسكم \" ولا تكلفوهم ما يغلبهم \" أي ولا تكلفوهم من الأعمال الشاقة ما لا يطيقونه، ولا يقدرون عليه، \" فإن كلفتموهم فأعينوهم \" أي فإن كلفتموهم من العمل ما يشق عليهم فيجب عليكم إعانتهم عليه ومساعدتهم ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن مرتكب المعصية لا يكفر، كما ترجم له البخاري، لأن تعيير المرء بأمّه معصية، ومع ذلك لم يسمه - ﷺ - كفرًا، كما نبه عليه ابن بطال، والظاهر من كلامه وكلام العيني أن تعيير المرء بأمّه كبيرة. ثانيًا: أن من محاسن الإِسلام إلغاء التمييز العنصري الذي كان في الجاهلية. والمطابقة: في كونه - ﷺ - لم يسم تعيير المرء بأمه كفرًا، مع أنه كبيرة.\n٢١ - باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فسماهم الؤمنين\n٢٨ - الحديث: أخرجه الشيخان، وأبو داود والنسائي.","vol":"1","page":116},{"text":"فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ فِي النَّارِ\" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هذَا الْقَاتِلُ، فَما بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ\".\nــ\nترجمة الراوي: هو أبو بكرة نُفَيْع - بالتصغير ابن مَسْروحٍ مولى الحارث بن كَلَدَةَ -بفتح اللام- يكنى بأبي بكرة، لأنه تدلى إلى النبي - ﷺ - من الطائف ببكرة، وكان مولى للنبي - ﷺ - فأعتقه، وهو من فضلاء الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة يوم صفين، وانقطع للعبادة بالبصرة حتى توفي بها سنة إحدى وخمسين من الهجرة، روى مائة وثلاثين حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بحديث ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا التقى المسلمان بسيفيهما \" أي إذا تقابلا بسيفيهما في حرب أو معركة شخصية \" فالقاتل والمقتول في النار \" أي فكلاهما يستحقان دخول النار، إلاّ أنهما لا يتساويان في العقوبة، فإنَّ القاتل أشد عذابًا، وأكثر مكثًا في النار من المقتول \" فقلت هذا القاتل \" أي هذا القاتل عرفنا ذنبه الذي استحق به النار \" فما بال المقتول \" أي فما ذنب المقتول؟ \" قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه \" أي إنه يعاقب بالنار لعزمه وتصميمه على قتل صاحبه.\nويستفاد ما يأتي: أولًا: أن قتال المسلم لأخيه بغير وجه شرعي كبيرة من الكبائر. ثانيًا: أن كلا المتقاتلين عاص مستحق للنار، إلاّ أن القاتل أشد معصية وأعظم عقوبة. ثالثًا: أن المسلم يحاسب على ما يستقر في نيته من العزم على المعصية، لقوله \" فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه \". رابعًا: أن صاحب الكبيرة لا يكفر بفعلها، لأن النبي - ﷺ - سمي المتقاتلين مسلمين.\nوالمطابقة: في قوله \" إذا التقى المسلمان \" حيث سماهما مسلمين مع ارتكابهما الكبيرة.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>٢٢ - \" بَابٌ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْم </span>\"\n٢٩ - عن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nلَمَّا نَزَلَتْ (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قَالَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أينَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنزَلَ اللهُ تعالى: (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْم عَظِيْمٌ).\nــ\n\n٢٢ - باب ظلم دون ظلم\n٢٩ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nترجمة الراوي: هو عبد الله بن مسعود ﵁ أحد الستة السابقين إلى الإِسلام، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وهو أول من جهر بالقراءة في مكة، كان يشبه النبي - ﷺ - في هديه وسمته رُوي عنه أنه قال ما نزلت آية إلاّ وأنا أعلم أين نزلت، وفيم أنزلت. روى (٨٤٨) حديثًا اتفقا منها على أربعة وستين حديثًا، وتوفي بالمدينة سنة ٣٢ من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" لما نزلت (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) \" أي لم يخلطوا إيمانهم بظلم (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) \" قال أصحاب رسول الله - ﷺ - أينا لم يظلم \" أي شق على أصحاب النبي - ﷺ - كما جاء في رواية أخرى \" وقالوا: أينا لم يظلم \" أي لم يقترف معصية، لأنّهم فهموا أن المراد بالظلم اقتراف المعاصي، وأنه لا يسلم من الخلود في النار إلاّ من سلم منها، فخافوا على أنفسهم لأنه لا يسلم أحد من الخطايا \" فأنزل الله تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) \" فبين لهم أن المراد بالظلم الذي لا يسلم أحد من الخلود في النار إلاّ إذا سلم منه هو الشرك بالله تعالى.\nويستفاد ما يأتي: أولًا: أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار لأنّ","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>٢٣ - \" بَابُ عَلامَاتِ النِّفَاقِ </span>\"\n٣٠ - عن أبِي هريْرَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاث: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وِإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذَا ائْتُمِنَ خَانَ \".\nــ\nالحديث دل على أن الظلم الذي يخلّد صاحبه في النار هو الشرك فقط. ثانيًا: أن الظلم نوعان: ظلم أكبر: يخلد صاحبه في النار وهو الشرك بالله تعالى، وظلم أصغر: لا يخلد صاحبه في النار وهو المعاصي وأن هناك ظلم دون ظلم كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن الظلم أنواع كما أفاده المعنى.\n\n٢٣ - باب علامات النفاق\n٣٠ - الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.\nمعنى الحديث: اعلم أولًا أن النفاق نوعان: نفاق اعتقادي يخرج صاحبه عن الإيمان وهو إظهار الإِسلام وإخفاء الكفر ونفاق عملي: وهو التشبه بالمنافقين في أخلاقهم، وهذا لا يخرج صاحبه عن الإيمان، إلاّ أنه كبيرة.\nوقد تحدث النبي - ﷺ - في هذا الحديث عن النفاق العملي وبين لنا العلامات المميزة له فقال: \" آية المنافق ثلاث \" أي من علامات النفاق العملي التي تدل على أن صاحبها يشبه المنافقين في أعمالهم وأخلاقهم أن توجد في المرء هذه الخصال الثلاث أو بعضها: الخصلة الأولى: \" إذا حدث كذب \" أي أن يشتهر ذلك الإنسان بالكذب في الحديث عامدًا متعمدًا، فلا يخبرك بشيء إلا تعمد إخفاء الحقيقة والإِخبار بخلاف الواقع الذي يعتقده تضليلًا وتمويهًا وخداعًا. الخصلة الثانية: \" إذا وعد أخلف \" أي أن يشتهر بخلف الوعد عمدًا، بحيث إذا وعد بشيء تعمد الخلف، وعزم عليه في نفسه مسبقًا،","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>٢٤ - \" بَابُ صَوْمِ رَمَضَانَ احتِسَابًا مِنَ الإيمَانِ </span>\"\n٣١ - عَنْ أبِي هريْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ\nــ\nوصمم من أول الأمر على عدم الوفاء به. الخصلة الثالثة: \" إذا ائتمنٍ خان \" أي أن يشتهر بالخيانة بين الناس، فلا يثق به أحد، لأنه إذا أودع سرًا أفشاه، وإذا أودع مالًا تصرف فيه خلاف الوجه الشرعي المطلوب منه، وإذا استشير لم ينصح في مشورته، وإذا عهد إليه بعمل لم يؤده.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الكذب نفاق عملي وخصله من خصال المنافقين، وكبيرة من الكبائر، وهو في الأصل الإِخبار بخلاف الواقع، إلا أنه لا يكون كبيرة إلا إذا خالف ما يعتقده صاحبه، أما إذا تحدث بما يعتقده ثم ظهر الواقع خلافه فلا إثم عليه لأنه لا تكليف إلا بعلم. ثانيًا: أن خلف الوعد من النفاق، وكبيرة من الكبائر، بشرطين: الأول: أن يكون وعد خير، فإن كان وعد شر. فإن خُلْفَه واجب (١) أو مستحب، وليس من النفاق في شيء، بل هو برٌّ وطاعة. والثاني: أن يكون قد عزم على الخلف مسبقًا، أما إذا نوى الوفاء وحال دونه عذر شرعي فلا شيء عليه. ثالثًا: أن الخيانة من الكبائر ومن أخلاق المنافقين سواء كانت في سر أو وديعة أو وظيفة، وسواء كانت في حق من حقوق الله، أو من حقوق العباد. المطابقة: في قوله \" آية المنافق ثلاث \" إلخ.\n٢٤ - باب صوم رمضان احتسابًا من الإِيمان\n٣١ - الحديث: أخرجه الشيخان، ومالك في \" موطئه \" وأحمد في\n_________\n(١) وقد أفادَ الحافظ في الفتح: أنه إذا كان الوعد بشر أو باطل فلا ينفذه، ويُستحب إخلافه، وقد يجب، ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة أعظم.","vol":"1","page":120},{"text":"مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>٢٥ - \" بَابٌ إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ </span>\"\n٣٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأبشِرُوا، وَاسْتَعِيْنُوا بِالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ\".\nــ\n\" مسنده \".\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا \" أي من صام هذا الشهر معتقدًا أنه من أعمال الإِيمان منتظرًا المثوبة عليه \" غفر له ما تقدم من ذنبه \" وفي رواية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والمعنى، أن صيامه هذا يكفر جميع ذنوبه السابقة واللاحقة إذا كانت من الصغائر.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: فضل رمضان، وفضل صيامه وكونه يكفر الذنوب المتقدمة والمتأخرة. ثانيًا: أن الصيام الذي هو عمل من أعمال الجوارح جزء من الإِيمان لقوله - ﷺ - من صام رمضان إيمانًا. وإذا كان الصوم جزءًا من الإِيمان، فإن هذا يدل على أن جميع الأعمال الصالحة من الإِيمان أيضًا. وهو ما ترجم له البخاري، أو ما أراد من هذه الترجمة.\nوالمطابقة: في قوله \" من صام رمضان إيمانًا \".\n٢٥ - \" باب إنَّ الدين يسر \"\n٣٢ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إن الدين يسر \" أي أن هذا الدين الذي هو دين الإِسلام يمتاز على غيره من الأديان السماوية بسهولة أحكامه،","vol":"1","page":121},{"text":"وعدم خروجها عن الطاقة البشرية، وملاءمتها للفطرة الإِنسانية، وتجردها وخلوها من التكاليف الشاقة، التي كانت في الشرائع السابقة فقد كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنبًا لا تقبل توبته إلا بقتله، وإذا أصابته النجاسة لا يطهر إلا بقطع ما أصابته من ثوب أو بدن، أما هذا الدين فقد تنزه عن كل ذلك كما قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) ومن سماحة هذا الدين ويسره أن الاستطاعة شرط في جميع تكاليفه الشرعية حيث قال - ﷺ - \" ما أمرتكم به فأدوا منه ما استطعتم \" ومن ذلك أيضًا ما شرعه لهذه الأمة من رخص وأحكام استثنائية راعى فيها الظروف والأحوال كالقصر والإِفطار في السفر. \" ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه \" بنصب الدين على المفعولية، قال النووي الأكثر في ضبط بلادنا النصب -أي لا يبالغ أحد في نوافل العبادات، ويتجاوز فيها حدود الشريعة والسنة الثابتة عن النبي - ﷺ - ويتعدى حدود الطاقة البشرية، بحيث لا يدع وقتًا للراحة وأداء حقوق النفس والجسد والزوجة والولد إلا أرهق نفسه، وانقطع في النهاية لسآمته وملله، وكانت النتيجة عكسية، فإن لكل فعل كما يقوٍل العلماء رد فعل، وردُّ الفعل الذي يترتب على التنطع في الدين سيء جدًا، لأنه يؤدي حتمًا إلى ترك العبادة وقد ذم الله أقوامًا شددوا على أنفسهم، وحبسوها في الصوامع، رهبانية ابتدعوها، وذمهم النبي - ﷺ -، ونهي أمته أن يشددوا على أنفسهم، ويصنعوا صنيعهم، فقال \" لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار- رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم \" رواه أبو داود.\nوأمر - ﷺ - في هذا الحديث بالاقتصاد والتوسط في العبادة حيث قال: \" فسدّدوا وقاربوا \"، وهو أمر بالسداد، أي بالتوسط والاعتدال في الأعمال دون إفراط ولا تفريط، كما قال الشاعر:\nخَيْرُ الأمُورِ الوَسَطُ الوَسِيطُ ... وَشرُّهَا الإفْرَاطُ والتَّفْرِيطُ","vol":"1","page":122},{"text":"ثم قال - ﷺ - \" وقاربوا \" أي إذا لم تستطيعوا الإِتيان بالأفضل من النوافل والطاعات والإتيان بها جميعًا، فأتوا بما يقارب الأفضل، لأن ما لا يدرك كله، لا يترك جله، فمن لم يستطع أن يصوم يومًا ويفطر يومًا - الذي هو أفضل الصيام، فليأت بما يقارب ذلك، كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومن لم يستطع ذلك فليصم يوم عاشوراء ويوم عرفة، وستة أيام من شوال.\n\" وأبشروا \" أي ولا تظنوا أن القليل من العبادة لا ينفع بل أبشروا بحسن القبول متى حسن العمل وخلصت النية، فإن العبرة بالكيف لا بالكم.\n\" واستعينوا بالغدوة \" بضم الغين المعجمة، وهي السير أول النهار إلى الزوال \" والروحة \" بفتح الراء، وهي السير بعد الزوال إلى الليل. \" والدلجة \" بضم الدال وإسكان اللام كذا جاءت الرواية ويجوز فتحها وهي السير آخر الليل (١) وقد استعار هذه الأوقات الثلاثة لأوقات النشاط أي واستعينوا على أداء هذه العبادات والصلوات بفعلها في أرقات النشاط وفراغ القلب للطاعة، ولا تشغلوا بالعبادة كل أوقاتكم لئلا تسأموا فتنقطعوا عنها بالكلية، فينبغي للعبد إذا أراد المداومة على العمل، وأحَبُّ العمل إلى الله وإلى نبيه - ﷺ - أدْوَمُهُ، وإن قل- أن يختار للعبادة بعض الأوقات المناسبة كوقت الصباح وبعد الزوال وساعة من آخر الليل.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: يُسر هذا الدين، وسهولة أحكامه، وملاءمته للفطرة الإِنسانية. ثانيًا: أن قدرة الإِنسان وطاقته البدنية شرط في جميع التكاليف الشرعية. ثالثًا: أن رفع الحرج عن المكلفين أصل من أصول التشريع الإِسلامي لقوله - ﷺ -: \" إن هذا الدين يسر \" وقوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله - ﷺ -: \" يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا \". رابعًا: الترغيب في الأخذ بالرخص كالقصر\n_________\n(١) وقال العيني: وهي بالضم سير آخر الليل، وبالفتح سير الليل اهـ.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>٢٦ - \" بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الإيمَانِ </span>\"\n٣٣ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄:\nأنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى (وَما كانَ اللهُ ليُضِيعَ إِيمَانَكُمْ).\nــ\nوالإِفطار في السفر، لقوله - ﷺ - \" ولن يشادّ هذا الدين أحد إلاّ غلبه \".\nخامسًا: الترغيب في الاقتصاد في عبادات التطوع دون إفراط ولا تفريط لهذا الحديث ولما جاء في حديث عائشة ﵂ حين ذكرت عنده الحولاء أنها لا تنام الليل كله، فكره ذلك، وقال: \" مَه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا \". والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٢٦ - باب الصلاة من الإِيمان\n٣٣ - الحديث: أخرجه أيضًا مسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه.\nترجمة الراوي هو البراء بن عازب الأوْسي الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄ غزا مع النبي - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة، ولم يشهد بدرًا لصغر سنه، وفتح الري سنة (٢٤) هـ وشهد وقعة الجمل مع علي ﵁ وكذلك سائر مشاهده، ونزل الكوفة حتى مات بها سنة اثنتين وسبعين من الهجرة. روى ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفقا على اثنين وعشرين حديثًا، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يحدثنا البراء ﵁ \" أنه مات على القبلة قبل أن تحول \" أي مات على القبلة السابقة - وهي بيت المقدس - قبل أن تُنْسَخَ وتحول إلى الكعبة \" رجال \" أي عشرة رجال منهم- البراء بن معرور الأنصاري، \" وقتلوا \" أي وبعضهم استشهد في سبيل الله، \" فلم ندر ما","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>٢٧ - \" بَابُ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ </span>\"\n٣٤ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁:\nأنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا أسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ\nــ\nنقول فيهم\" أي فلم نعلم حكم صلاتهم إلى بيت المقدس - سابقًا -، وهل هي مقبولة عند الله تعالى، أم لا. \" فأنزل الله تعالى (وما كان الله ليضيع إيمانكم) \" أي وما كان الله ليضيع ثواب صلاتكم إلى بيت المقدس، فمتى كنتم تصلون تلك الصلاة إيمانًا واحتسابًا لا رياء ولا سمعة، فصلاتكم مقبولة (١) لأنّها أثر الإِيمان الراسخِ في القلب المصلح للنفس.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الصلاة عمل من أعمال الإِيمان وجزء من أجزائه لأن الله تعالى قال: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمّى الصلاة إيمانًا، وفي هذا دليل على أن الصلاة وغيرها من أعمال الجوارح جزء من الإِيمان خلافًا لمن أنكر ذلك من علماء الإِسلام.\nثانيًا: أن صلاة المسلمين من الصحابة إلى بيت المقدس قبل النسخ مقبولة مثاب عليها. ثالثًا: قال الحافظ: وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم، والشفقة على إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر، كما صح من حديث البراء أيضًا، فنزل (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناحٌ فيما طعموا) إلى قوله (إن الله يحب المحسنين).\nوالمطابقة في قوله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) حيث سمّى الصلاة إيمانًا، وهذا يدل على أن الصلاة من الإِيمان كما ترجم له البخاري.\n\n٢٧ - باب حسن إسلام المرء\n٣٤ - الحديث: أخرجه البخاري معلقًا، ووصله أبو داود.\n_________\n(١) تفسير المنار، ج ٢.","vol":"1","page":125},{"text":"يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَان بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمثَالِهَا إلى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ، والسَّيِّئةُ بِمِثْلِهَا إلَّا أن يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا\".\nــ\nمعنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد رضي الله \" أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \" إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان زلفها \" أي إذا أسلم العبد إسلامًا حقيقيًا بقلبه ولسانه، وباطنه وظاهره، فإنّ الله تعالى يمحو عنه كل معصية سبق له ارتكابها قبل إسلامه. \" وكان بعد ذلك القصاص \" أي ثم يعامل بعد إسلامه بمقابلة كل عمل من أعماله بمثله، خيرًا كان أو شرًا، فيجازى على الحسنة بالمثوبة، وعلى السيئة بالعقوبة، مع اختلاف مقدار العقوبة في السيئات عن مقدار المثوبة في الحسنات، وهو معنى قوله \" الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف \" أي فيثاب على الحسنة بعشر أضعافها (١) - وقد تتضاعف المثوبة إلى سبعمائة ضعف كما قال تعالى في ثواب الصدقة: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء) وقد يثاب على الحسنة بغير حساب كما في قوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب \" والسيئة بمثلها، إلا أن يتجاوز الله عنها \" أي ولا يجازي على السيئة إلاّ بمثلها، وقد يعفو الله عنها بفضله وكرمه، ومنّه وإحسانه، فلا يعاقب عليها فاعِلَها.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن الإِسلام الحقيقي يهدم ما قبله من المعاصي صغائر أو كبائر، لقوله - ﷺ - \"إذا أسلم العبد فحسن اسلامه يكفر الله عنه كل سيئة كان قد زلفها\" وهو مصداق قوله تعالى: (قل\n_________\n(١) وهذا هو أقل ثواب الحسنة، وقد يثاب عليها بغير حساب.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>٢٨ - \" بَابٌ أحَبُّ الدِّينِ إلى اللهِ أَدْوَمُهُ </span>\"\n٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وعِنْدَهَا امْرَأة فَقَالَ: \" مَنْ هَذِه؟ \" قَالَتْ: فُلَانَةُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: \"مَهْ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقونَ، فَوَاللهِ لا يَمَلُّ\nــ\nللذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -: \" الإِسلام يَهْدِم ما كان قبله \". ثانيًا: أن كل كبيرة عدا الشرك قابلةٌ للعفو والغفران، لقوله - ﷺ - \"والسيئة بمثلها إلاّ أن يتجاوز الله عنها\" أي إلا أن يعفو الله عنها فلا يعاقب عليها. وهو مصداق قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فما من كبيرة بعد الشرك بالله مهما عظمت إلاّ وعفو الله أعظم منها وقد جاء في الحكم \" لا صغيرة إذا قابلك عدله، ولا كبيرة إذا واجهك فضله \"، وذلك لقوله تعالى: (قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا، إنّه هو الغفور الرحيم) لكن العبد يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، لأنهما جناحا المؤمن. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٢٨ - \" باب أحبُّ الدين إلى الله أدومه \"\n٣٥ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي ومالك.\nمعنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أنَّ النبيَّ - ﷺ -، دخل عليها وعندها امرأة \" أي وعندها امرأة من بني أسد اسمها الحولاء بنت تويت بضم التاء وفتح الواو وبالتاء في آخره، \" قال: من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها \" أي فقالت هذه فلانة وسمتها باسمها حال كونها مادحة","vol":"1","page":127},{"text":"اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا\" وَكَانَ أحَبَّ الدِّينِ إليهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ\".\nــ\nلها، ذاكرة كثرة صلاتها وعبادتها، وأطنبت في مدحها، وبالغت في الثناء عليها، حتى قالت في رواية: \" هذه فلانة أعبد أهل المدينة \" وقالت في رواية أخرى: \" هذه الحولاء لا تنام الليل فكره ذلك النبي - ﷺ - حتى عرفت الكراهية في وجهه \" أخرجه مالك في الموطأ، فلما قالت عائشة فيها ما قالت، ووصفتها بما لا تستحقه، \" قال النبي - ﷺ -: مه \" (١) أي كفِّي عن إطرائك لهذه المرأة، ومبالغتك في مدحها والثناء عليْها، بما لا تستحقه من الثناء، لمخالفتها السنة الصحيحة، فإن الدين في متابعة النبي - ﷺ -، والعمل بسننه، وليس من السنة إحياء الليل كله، ولا من الإِسلام التشديد على النفس وإرهاقها بالعبادة، ولكن \" عليكم بما تطيقون \" أَي افعلوا ما تقدرون عليه من الصيام والقيام، ولا تشقوا على أنفسكم فإنّ الدين يسر، ولن يشادّ هذا الدين أحدٌ إلَّا غَلَبهُ \" فوالله لا يمل الله حتى تملوا \" أي لا يقطع الله عنكم الثواب حتى تسأموا من العمل، فإذا فتر النشاط قلَّ الثواب، ومتى انقطع انقطع الثواب أيضًا. قالت عائشة ﵂ \" وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه \" أي وكان أحب العبادة إلى النبي - ﷺ - وأفضلها لديه العبادة المستمرة الدائمة، ولو كانت قليلة، لأن العبادة رياضة روحية، فكلما كانت أدوم كانت أجدى نفعًا وتهذيبًا لنفس صاحبها، ومثل العبادة كما يقول الإِمام الغزالي مثل الماء إذا قطر على الحجارة قطرة قطرة ولم يزل كذلك فإنه يثقبها \" أي يخرقها \" بخلاف ما إذا صب صبًا، فإنه لا يؤثر فيها، وهو مصداق قول الشاعر:\n_________\n(١) \" مه \" اسم فعل أمر، إن دخله التنوين كان نكرة معناه كف عن الحديث أي حديث كان، وإن لم يدخله التنوين كان معرفة، ومعناه كف عن حديثك هذا، وحيث لم يدخله هنا التنوين فهو اسم معرفة معناه كفي عن حديثك هذا الذي بالغت فيه في مدح هذه المرأة.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>٢٩ - \" بَابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ وَئقْصَانِهِ </span>\"\n٣٦ - عَنْ أنس ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وفي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَةٍ مِنْ خَيْرٍ \".\nــ\nأمَا تَرَى الحَبْل لِتِكْرَارِهِ ... في الصَخْرَةِ الصَّمَاءِ قَد أثَّرَا\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل العمل الدائم ولو كان قليلًا، لقول عائشة ﵂ \" وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه \". ثانيًا: كراهية قيام الليل كله، وإليه ذهب مالك رحمه الله تعالى، وقال: في رسول الله أسوة حسنة، كما أفاده النووي. والمطابقة: في قوله \" وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه \".\n٢٩ - \" باب زيادة الإِيمان ونقصانه \"\n٣٦ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" يخرج من النار من قال: لا إِله إلَّا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير \" أي يخرج من النار بعد استيفاء عقوبته على ذنوبه من نطق بالشهادتين مع اعتقاد معناهما، ولو لم يأت من أعمال الإيمان - بعد التصديق القلبي إلَّا بمقدار وزن شعيرة فقط. وكذلك \" يخرج من النار من قال: لا إِله إلَّا الله، وفي قلبه وزن بُرَّة \" بضم الباء \" من خير \" أي مقدار وزن حبة واحدة من القمح. \" ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرّة \" أي نملة صغيرة.","vol":"1","page":129},{"text":"٣٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁:\nأنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يا أميْرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ في كِتَابِكُمْ تَقْرَؤونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أيُّ آيةٍ؟ قَالَ: (الْيَومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وأتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي،\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِيمان يزيد وينقص، كما ترجم له البخاري، لأن منه ما يزن الشعيرة، ومنه ما يزن البرة، ومنه ما يزن الذرة، وهذه الأشياء متفاضلة، بعضها أكبر من بعض، وذلك يقتضي أن الإِيمان يزيد وينقص، وهو قول الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. ثانيًا: أن العصاة لا يخلدون في النار ما داموا قد ماتوا على التوحيد والإِيمان. والمطابقة: في قوله \" وفي قلبه وزن شعيرة، وفي قلبه وزن برة ... إلخ \".\n٣٧ - الحديث: الحديث أخرجه الشيخان، والترمذي.\nترجمة راوي الحديث: هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب العدوي القرشي يجتمع مع النبي - ﷺ - في كعب بن لؤي الجد الثامن للنبي - ﷺ -، أسلم ﵁ سنة ست من الهجرة، ولقب بالفاروق لقول جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، وبويع له بالخلافة بعد الصديق ﵁ حيث عهد له بها سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فقام يفتح البلدان الكثيرة، والإِصلاحات الكبيرة، واستشهد على يد أبي لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة في محراب النبي - ﷺ - بالمدينة سنة (٢٣) من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين عامًا على الأصحِ، وكانت مدة خلافته عشر سنوات ونصفًا روى عن النبي - ﷺ - (٥٣٧) حديثًا اتفقا على ستة وعشرين حديثًا، وكان نقش خاتمه \" كفى بالموت واعظًا \" ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يحدثنا عمر ﵁ في حديثه هذا \"أنَّ رجُلًا","vol":"1","page":130},{"text":"ورَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًَا) قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ\".\nــ\nمن اليهود\" وهو كعب الأحبار كما أفاده الطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط \" قال له: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا \" أي لجعلناه عيدًا نحتفل به تقديرًا وتكريمًا لذلك اليوم، لأهميته الدينيَّة والتاريخية، وإشادةً بفضله، وتذكيرًا للناس بمناسبته التاريخيّة العظيمة قال: أيُّ آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي) فهي آية عظيمة جديرة بأن يحتفل بيوم نزولها، لأن الله أتم بهذه الآية المباركة أحكام الدين وشرائع الإِسلام، بعد أن أتم نعمته على المسلمين بالهداية والتوفيق، وفتح البلد الحرام، والقضاء على النفوذ الوثني فيه، واختار لهذه الأمة دين الإِسلام الحنيف، وارتضاه لهم دون سواه، فقال: (إن الدين عند الله الإِسلام) وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإِسلام دينًا فَلن يقبل منه) \" قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم \" الذي نزلت فيه الآية الكريمة \" والمكان الذي نزلت فيه \" أي وعرفنا المكان الذي نزلت فيه، فأنت لم تأت بجديد، ولم تنبهنا على شيءٍ كنا نجهلُهُ فهي قد نزلت \" على النبي - ﷺ - وهو قائم بعرفة يوم جمعة \" فأصبح ذلك اليوم عيدًا لأنه يوم عرفة وعيدًا أيضًا لأنه يوم جمعة، فاجتمع فيه عيدان، كما جاء مصرحًا بذلك في رواية الطبراني حيث قال \" وهما لنا عيدان \" وفي رواية إسحاق عن قبيصة أن عمر قال: نزلت يوم جمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد، وروى ابن عباس ﵁ أنّ يهوديًّا سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين يوم جمعة ويوم عرفة أخرجه الترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن آخر آية نزلت في التشريع الإِسلامي","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>٣٠ - \" بَابُ الزَّكَاةِ مِنَ الإِسْلَامِ </span>\"\n٣٨ - عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ﵁ يَقُولُ:\nــ\nوالأحكام الفقهية هي قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإِسلام دينًا) من سورة المائدة. ثانيًا: أن في هذه الآية إشارة إلى وفاته - ﷺَ لأنّه ليس بعد التمام إلَّا النقصان كما قال الشاعر:\nإذا تَمَّ شيء بدا نقصه ... فحاذر تمامًا إذا قيل تمْ\nولذلك لما نزلت هذه الآية بكى عمر ﵁ فقال له النبي - ﷺ -: \" ما يبكيك يا عمر \" قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فإذا أكمل فإنه لا يكمل شيء إلَّا نقص، فقال ﵊: \" صدقت يا عمر \" فكانت هذه الآية، نعي رسول الله - ﷺ -، فما لبث بعدها إلَّا واحدًا وثمانين يومًا. ثالثًا: فضل يوم الجمعة وكونه عيدًا أسبوعيًا للمسلمين. رابعًا: فضل يوم عرفة ومكانته في الإِسلام. خامسًا: استدل أهل السنة بهذا الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص لاشتماله على قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) حيث إن هذا الدين قد كمل بتمام أعماله، وكل شيء كمل بتمام أعماله فإنه ينقص بنقصانها، وفي هذا دليل واضح على زيادة الإِيمان، ونقصانه، كما ترجم له البخاري، وهو مذهب أكثر أهل السنة. والمطابقة: في قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) فإن كل ما يقبل الكمال يقبل النقصان.\n٣٠ - \" باب الزكاة من الإِسلام \"\n٣٨ - الحديث: أخرجه مسلم والنسائي في الإِيمان، وأبو داود في الصلاة، والبخاري في الشهادات والصوم وترك الحيل، كما أخرجه هنا في هذا الباب.","vol":"1","page":132},{"text":"جَاءَ رَجُل إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ أهْلِ نَجْدٍ ثَائِر الرَأسِ، نَسمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْقَهُ ما يَقُولُ حتَّى دَنَا، فإِذَا هُوَ يَسْأل عَنِ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: خَمْسُ صَلَواتٍ في الْيَومِ واللَّيْلَةِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: وَصِيَامُ رَمَضَانَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيرُه؟ قَالَ: لَا، إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ، وَذَكَرَ لَهُ\n_________\nترجمة راوي الحديث: هو طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، يجتمع مع النبي - ﷺ - في جده السابع، سماه النبي - ﷺ - طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفياض، شهد المشاهد كلها مع النبي - ﷺ - عدا بدر حيث غاب عنها لأن النبي - ﷺ - وجهه مع سعيد بن زيد ليتجسسا عير قريش، وضرب له بسهم، وكان في يوم أحد يقي وجه النبي - ﷺ - فأصيب خنصره وشل، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام، والستة أصحاب الشورى روى عن النبي - ﷺ - ثمانية وثلاثين حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة، توفي يوم الجمل سنة ٣٦ هـ وقبره بالبصرة.\nمعنى الحديث: يقول طلحة ﵁: \" جاء رجل إلى رسول - ﷺ - من أهل نجد \" وهو ضمام بن ثعلبة \" ثائر الرأس \" أي ثائر شعر الرأس على عادة المسافر ويجوز فيه الرفع على أنه نعت، والنصب على الحالية \" نسمع دوي صوته \" أي بعد صوته في الهواء، \" ولا نفهم ما يقول \" أي ولا نفهم قوله، أو نميز كلماته، لأنه كان ينادي من بعد: \" حتى دنا من رسول الله - ﷺ - \" يعني اقترب منه \" فإذا هو يسأل عن الإِسلام \" أي يسأل عن أركان الإِسلام وأعماله البدنية والمالية \" فقال رسول - ﷺ -: خمس صلوات في اليوم والليلة \" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف التقدير: الإِسلام خمس صلوات، والمعنى: أول أعمال الإِسلام الصلوات الخمس في اليوم والليلة","vol":"1","page":133},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عليَّ غَيْرُها قَالَ: لَا إلَّا أنْ تَطَّوَّعَ.\nقال: فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لَا أزِيدُ علَى هَذَا ولَا أنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" افلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ \".\nــ\nوهي من الأعمال البدنِية \" فقال: هل علي غيرها \" أي هل يجب علي من الصلاة غير هذه الصلوات الخمس \" قال: لا \" أي لا يجب عليك من الصلوات غيرها \" إلَّا أن تطوع \" الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن إذا أتيْتَ بما زاد على هذه الصلوات الخمس من النوافل فإنه تطوع مستحب تثاب عليه، وقال بعضهم: الاستثناء متصل، والمعنى لا يجب عليك أي صلاة أخرى إلَّا إذا شرعت في صلاة نافلة فيجب عليك إتمامها، وكذلك أي تطوع تشرع فيه من صيام أو غيره. ثم \" قال رسول الله - ﷺ -: وصيام رمضان \" أي والثاني من أعمال الإِسلام صيام رمضان \" قال: هل عليَّ غيره، قال: لا، إلَّا أن تطوع \" وقد تقدم شرحه. \" وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة \" أي وبين له - ﷺ - أن من أركان الإِسلام أيضًا الزكاة \" قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع \" أي لكن إن تصدقت بغيرها فهو تطوع تثاب عليه لا واجب تأثم بتركه \" فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص \" أي لا أزيد على هذه الفرائض بفعل شيء من النوافل، ولا أترك شيئًا منها \" فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح الرجل إن صدق \" أي إذا صدق في قوله هذا، فأدَّى هذه الأركان، فقد فاز بالجنة، ونجا من النار، ولو لم يأت من النوافل شيئًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن من أركان الإِسلام البدنية الصلاة والصوم، ومن أركانه المالية الزكاة، ولم يذكر الحج، ولعله لم يكن فرض بعد. ثانيًا: أن الزكاة من الإِسلام وقد ذكر البخاري عدة تراجم على هذا المنوال فقال في بعضها: \" باب الصلاة من الإِيمان \" وفي بعضها: \"باب","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>٣١ - \" بَابُ ائباعِ الْجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ </span>\"\n٣٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" مَن اتَبّع جَنَازَةَ مُسْلِم إِيمَانًا واحْتِسابًا، وكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأجْرِ بِقِيرَاطَيْن، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أن تُدْفَنَ، فإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاط \".\nــ\nاتباع الجنائز من الإيمان\" إلى غير ذلك، وغرضه منها ومن الأحاديث المخرجة فيها إثبات قضية من القضايا الإسلامية الهامة، وهي أنَّ العمل جزء من الإيمان، فليس الإِيمان مجرد تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وإنما هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، كما عليه المحققون من أهل السنَّة. ثالثًا: أن صلاة الوتر ليست واجبًا، لأن السائل لما سأل النبي - ﷺ - هل عليه غير الصلوات الخمس قال: لا. والمطابقة: في قوله: وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة.\n٣١ - \" باب اتباع الجنائز من الإِيمان \"\n٣٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \"من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا\" أي من شيع جنازة أخيه المسلم، وتبعها من بيت أهلها إلى المسجد معتقدًا أن تشييع الجنازة من أعمال الإيمان، مصدقًا بما وعد الله المتبعين من الأجر والمثوبة: راجيًا أن ينال ذلك، ورافقها إلى المسجد \" حتى يصلى عليها \" صلاة الجنازة \" ويفرغ من دفنها \" أي وخرج معها من المسجد، فشيعها ورافقها إلى مثواها الأخير، واستمر معها حتى دفنت \" فإنه يرجع من الأجر قراطين، كل قيراط مثل أحد \" أي فإنه يعود بمقدارين عظيمين من الأجر،","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>٣٢ - \" بَابُ سُؤَالِ جِبْريلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الإيْمَانِ وَالإِسْلَامِ والإِحْسَانِ </span>\"\n٤٠ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:\nــ\nكل واحد منهما يكون يوم القيامة مثل جبل أحد حجمًا ووزنًا. قال ابن دقيق العيد (١): وقد مثلهما في الحديث بأن أصغرهما مثل أحد والأعمال تجسم -يوم القيامة- وتوزن ويكون لها جرم كما يدل على ذلك حديث عدي حيث قال فيه \" أخفهما في ميزان يوم القيامة أثقل من أحد \" وبقية الحديث ظاهر.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن اتباع الجنائز من الإِيمان كما ترجم له البخاري لقوله - ﷺ -: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا، وغرضه من هذا الباب وأمثاله إثبات أن العمل جزء من الإيمان، قال ابن بطال (٢): هذا مذهب جماعة أهل السنة، وإنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم إن الإِيمان قول بلا عمل. ثانيًا: أن مشيّع الجنازة لا يثاب بقيراطين إلَّا إذا اتبعها حتى تدفن. والمطابقة: في قوله \" من اتبع جنازة مسلم إيمانًا \". الحديث: أخرجه الستة.\n٣٢ - \" بَاب سؤال جبريل النبيَّ - ﷺ - عن الإِيمان والإِسلام والِإحسان \"\n٤٠ - الحديث: أخرجه مسلم في الإيمان، والترمذي في الإِيمان، وأبو داود، وابن ماجه في السنة، كما أخرجه الطبراني وأبو عوانة، وابن خزيمة، والبخاري في التفسير والزكاة وفي هذا الباب.\nترجمة راوي الحديث: تقدمت.\nمعنى الحديث: قال أبو هريرة ﵁: \" كانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يومًا\n_________\n(١) شرع عمدة الأحكام لابن دقيق العيد.\n(٢) شرح النووى على مسلم، ج ١.","vol":"1","page":136},{"text":"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًَا بَارِزًا للنَّاس، فَأتَاهُ رَجُلٌ، فقَالَ: ما الإِيمَانُ؟ قَالَ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وتؤمِنَ بالبَعْثِ، قَالَ:\nــ\nبَارزًا\" أي ظاهرًا لأصحابه، غير محتجب، ولا ملتبس بغيره كما أفاد الحافظ.\nوقد كان - ﷺ - في أول أمره يجلس بين أصحابه كواحد منهم لا يميزه شيء عنهم، فصار الغريب لا يعرفه، فبنوا له \" دكانًا \" أي دكة مرتفعة، ليعرفه السائل من بين أصحابه \" فأتاه رجل \" أي مَلَكٌ في صورة رجل، وهو جبريل ﵇، جاءه على صورة أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، كما هو شأنُ الملائكة عند النزول بالوحي، كما تقدم توضيحه في باب كيف كان بدء الوحي \" فقال: ما الإِيمان؟ \" أي ما هي أركان الإِيمان وعقائده وقضاياه التي لا يصير الإنسان مؤمنًا إلَّا إذا صدق بها؟ \" قال: أن تؤمن بالله \" أي الركن الأول أن تصدق تصديقًا جازمًا لا شائبة فيه ولا شك بوجود الله وربوبيته وصفاته ووحدانيته وتعتقد ذلك اعتقادًا راسخًا، \" وملائكته \" والركن الثاني أن تصدق بوجود الملائكة وهم عالم من خلق الله يتميز بالعصمة الذاتية والطاعة الفطرية، خلقوا من أصل تكوينهم على الطاعة والخير والاستقامة، فلا يقترفون المعصية بطبيعتهم، كما قال تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) \" وبلقائه \" أي والركن الثالث من أركان الإِيمان أن تصدق بوجود حياة أخرى بعد الموت، وهي حياة روحية جسمية معًا، خلافًا للمسيحيين في زعمهم أنها روحية فقط، وأن نعيمها وعذابها للأرواح دون الأجسام. أما المؤمنون فيعتقدون أنهم يحيون حياة روحية جسميّة ليحاسبوا على أعمالهم، ويلقوا جزاءهم العادل حيث يثاب الطائع بالجنة، ويعاقب العاصي بالنار. \" ورسله \" أي والركن الرابع التصديق بجميع الرسل من آدم - ﷺ - إلى محمد - ﷺ -، وأنهم أرسلوا من عند الله لهداية البشر وأوحي إليهم بدين حق، \" وتؤمن بالبعث \" أي بإعادة الحياة إلى أجساد الأموات وإخراجهم","vol":"1","page":137},{"text":"ما الإِسْلَامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ أنْ تَعْبُدَ اللهَ ولا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: ما الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أن تَعْبُدَ اللهَ كَأنكَ تَرَاهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأمةُ رَبَّها، وِإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمِ في الْبُنْيَانِ.\nفي خَمْس لَا يعْلَمُهُنَّ إلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ - ﷺ - (إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاس دِينَهُمْ \".\nــ\nمن قبورهم للحشر والحساب، وما بعد ذلك من الميزان والصراط والجنة والنار، وهو تأكيد لقوله \" وبلقائه \". \" قال: ما الإِسلام؟ \" أي ما أركان الإسلام؟ \" قال أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان \" وقد تقدم شرح هذه الأركان في حديث بني الإِسلام على خمس. \" قال ما الإِحسان \"؟ أي ثم سأل عن المرتبة الثالثة من مراتب هذا الدين فقال: ما الإِحسان؟ أي ما هي الصفة التي إذا تحلى بها المسلم يكون محسنًا في عبادته متقنًا لها، مؤديًا لها على الوجه الأتم الأكمل.\n\" قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك \" أي للإِحسان مرتبتان، مرتبة عليا، وهي مشاهدة الحق بالقلب أثناء العبادة، كأنما يشاهده العبد ببصره ومرتبة أدنى من ذلك، ولكنها من الإِحسان أيضًا، وهي مراقبة الله تعالى أثناء العبادة واستحضار كونه مطلعًا عليك اهـ كما أفاده الحافظ.\n\" قال: متى الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل \" أي لست أنا بأعلم بها منك، بل نحن في الجهل بها سيان \" وسأخبرك عن أشراطها \" أي عن علاماتها الصغرى \" إذا ولدت الأمة ربها \" أي فمن علاماتها الصغرى","vol":"1","page":138},{"text":"كثرة السراري فيتسرى الرجل جارية تلد له ولدًا، فيصبح ذلك الولد سيدَ الأمةِ، وقيل هو كناية عن كثرة العقوق، حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد لجاريته. \" وإذا تطاول رعاة الإِبل البهم في البنيان \" أي ومن علاماتها الصغرى أيضًا أن يتنافس رعاة الإِبل السود في تشييد القصور والمباني العالية. \" في خمس لا يعلمهن إلاّ الله \" أي وأما العلم بالساعة ووقت قيامها على وجه التحديد فذلك أمر غَيْبي يدخل ضمن الغيبيات الخمسة التي لا يعلمها أحد إلاّ الله \" ثم تلا النبي - ﷺ - (إن الله عنده علم الساعة) \" أي ثم قرأ النبي - ﷺ - هذه الآية الكريمة مستدلًا بها على أن الله وحده هو الذي عنده علم الساعة، كما نصت عليه الآية \" ثم أدبر \" أي ثم ذهب ذلك الرجل \" فقال: ردوه، فلم يروا شيئًا \" لأنه كان قد اختفى عن أبصارهم \" قال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم \" أي هذا السائل هو جبريل مَلَك الوحي، جاء ليعلم الناس أركان دينهم، وفي رواية أنّه - ﷺ - قال \" والذي نفسي بيده ما جاءني قط إلّا وأنا أعرفه إلاّ هذه المرة \" وهكذا سلك جبريل في تعليمه طريق السؤال والجواب لأنه أوقع في النفس اهـ.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِيمان هو التصديق بجميع القضايا الاعتقادية التي جاء بها النبي - ﷺ - من وجود الله وربوبيته ووحدانيته وصفاته، والتصديق بالملائكة، والبعث والرسل والكتب السماوية والقدر وجميع الشؤون الغيبية. ثانيًا: أن أركان الإِسلام خمسة بعضها لساني قلبي كالشهادتين، وبعضها بدني كالصلاة، وبعضها مالي كالزكاة والحج. ثالثًا: أن الإِحسان وهو مقام المراقبة أغلى مقامات الدين، وهو منهاج النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. رابعًا: ظاهر الحديث أن الإِسلام والإِيمان حقيقتان متباينتان، وأن الإِسلام يطلق على الأعمال الظاهرة. والإِيمان على الأعمال الباطنة. قال الحافظ ابن حجر: \"وعن الإِمام أحمد الجزم بتغايرهما، وعن","vol":"1","page":139},{"text":"المزني (١) صاحب الشافعي أنهما عبارة عن معنى واحد\" قال الحافظ: ولكل من القولين أدلة متعارضة، والذي عليه البخاري أن الإِسلام والإِيمان والدين عبارات مختلفة (٢) عن معنى واحد، والناظر في النصوص، يرى أنهما إذا اجتمعا افترقا كما في حديث جبريل هذا، وإذا افترقا اجتمعا فإذا ذكر الإِسلام وحده كان جامعًا لمعنى الإِسلام والإِيمان معًا، وإذا ذكر الإِيمان وحده كان جامعًا لمعنى الإِيمان والإِسلام معًا وهذا يدل على أنهما في الأصل اسمان لحقيقة واحدة كما ذهب إليه البخاري ويرى ابن حجر في ذلك رأيًا وسطًا حيث يقول (٣): والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا إلّا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلاّ إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإِسلام، أو الإِسلام في موضع الإيمان، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وكان لكل منهما معنى خاصًا، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز، بحسب ما يظهر من القرائن، قال: وقد حكي ذلك الإِسماعيلي عن أهل السنة والجماعة. خامسًا: أن وقت قيام الساعة أمر غيْبي اختص الله بعلمه دون سواه، أما أمارات الساعة فإنها قسمان صغرى، وقد ذكر بعضها في هذا الحديث، وكبرى كالمهدي، والدجال، ونزول عيسى، وقد ذكرت في أحاديث أخرى. سادسًا: من آداب العلماء أن لا يجيبَ العالم عما لا يعرفه، وأن يقول لا أدري، لأن العلم أمانة ومسؤولية، وليس التوقف عن الإِجابة نقيصة للعالم، بل هو فضيلة فيه اقتداءً بسيد المرسلين حيث قال: ما المسؤول عنها\n_________\n(١) فتح الباري، ج ١.\n(٢) شرح العيني، ج ١.\n(٣) فتح الباري، ج ١.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>٣٣ - \" بَابُ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وَعِرْضِهِ </span>\"\n٤١ - عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشير ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيّنٌ، وَبَيْنَهُمَا\nــ\nبأعلم من السائل. سابعًا: الترغيب في السؤال عما ينفع في الدنيا والآخرة، وترك السؤال عما لا فائدة فيه. المطابقة: في قول جبريل \" ما الإِيمان، ما الإِسلام، ما الإِحسان \".\n٣٣ - \" باب من استبرأ لدينه وعرضه \"\n٤١ - الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، والترمذي في البيوع وابن ماجه في الفتن، والبخاري في البيوع وفي هذا الباب.\nترجمة راوي الحديث: هو النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول أنصاري ولد بعد الهجرة، صحابي ابن صحابي، روى عن النبي - ﷺ - مائة وأربعة عشر حديثًا، وله في البخاري ستة أحاديث، كان عاملًا على حمص لابن الزبير، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا فقتل في واسط بين دمشق وحمص (؟) سنة خمس وستين هجرية.\nمعنى الحديث: يقول النعمان بن بشير ﵄: \" سمعت رسول الله - ﷺ - الحلال بين والحرام بين \" يعني أن الحلال ظاهر واضح وهو كل شيء لا يوجد دليل على تحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وذلك لأنّ الأصل في الأشياء الإِباحة كما يقول علماء التشريع الإِسلامي لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا) وكذلك الحرام ظاهر واضح، وهو ما دل دليل على تحريمه، سواء كان هذا الدليل من الكتاب كالزنا فإنه حرام بنص القرآن حيث قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان","vol":"1","page":141},{"text":"مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلمها كَثِير مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ فقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في المُشَبَّهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أن يُواقِعَه، ألا وِإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وِإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألا\nــ\nفاحشة وساء سبيل) أو كان من السنة كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، فهو محرم بالسنة، أو كان دليل التحريم من الإِجماع كحفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في الطعام إذا علم أو ظهر أنهم يأكلونه فإنه حرام بالإجماع. أو كان الدليل من القياس كتحريم كل (١) إساءة للأبوين قياسًا على تحريم التأفف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) وكتحريم التغوط في الماء الراكد والاغتسال فيه، قياسًا على تحريم التبول. من قوله - ﷺ - \" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه \" وهذا القياس يسمى عند علماء الأصول بالقياس الأولوي. ثم قال - ﷺ - \"وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس \" أي وبين الحلال والحرام قسم ثالث وهو المشتبهات - أي الأمور التي تكون غير واضحة الحكم من حيث الحل والحرمة، فلا يعلم الكثيرون هل هي حلال أو حرام، ويدخل في ذلك جميع الأمور المشكوك فيها، مثل المال المشبوه أو المخلوط بالربا، أو غيره من الأموال المحرمة (٢) أما إنْ تأكد أن هذا من عين المال الربوي فإنه حرام صرف دون شك. وكذلك لو تأكد أنه من عين المال الحرام كالمغصوب مثلًا أو القمار فإنه حرام أيضًا، ولا يعد من المشتبهات. \" فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه \" أي من اجتنبها فقد طلب البراءة لنفسه دينًا وعرضًا، فيسلم له دينه من النقص، وعرضه من القدح والذم والسمعة السيئة \"ومن وقع في الشبهات: كراع\n_________\n(١) \" أصول الفقه \" لفضيلة العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر النيفر.\n(٢) ومن المتشابه أيضًا ما تعارضت فيه الأدلة الشرعية كيمين الحرام كما أفاده ابن رجب.","vol":"1","page":142},{"text":"وِإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ\".\nــ\nيرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه\" أي ومن اجترأ على الشبهات فقد عرض نفسه للخطر، وأوشك على الوقوع في الحرام، مثله في ذلك مثل راع يرعى حول الأرض التي حماها الملك لنفسه، وجعلها خاصة له، فإن هذا الراعي قد تدخل ماشيته في الحمى، فيستحق عقوبة السلطان، كذلك من يتهاون بالشبهات، فإنه على خطر لأنّها ربما كانت حرامًا فيقع فيه، وهناك معنى آخر، وهو أنه ربما تساهل في الشبهات فأدى به ذلك إلى الاستهتار واللامبالاة، فيقع في الحرام عمدًا، فإن الشبهة تجر إلى الصغيرة. والصغيرة تجر إلى الكبيرة نسأل الله السلامة. \" ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمي الله محارمه \" أي وإن حمى الله هي المعاصي التي حرمها على عباده، فمن دخل حماه بارتكاب شيء من المعاصي هلك، ومن قاربه بفعل الشبهات كان على خطر، وقد قال الشاعر:\nإنَّ السلامَةَ مِن لَيْلى وَجَارَتِهَا ... أن لَا تَمُرَّ بِنَا مِنْ حَوْلِ نَادِيْهَا\n\" ألا وإن في الجسد مضغة \" أي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغ \" إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب \"\nفكما أن القلب من الناحية الجسمية هو العضو الرئيس في الجسد، ومصدر الحياة فيه لارتباط حركة الدم به، فكذلك هو في نظر الإِسلام مصدر صلاح الإنسان وفساده من الناحية الروحية والدينية، وهو الموجه لسلوك الإِنسان وَأعماله من الأقوال والأفعال فمتى كان القلب سليمًا من العقائد الخبيثة كالكفر والنفاق. والإِلحاد، ومن الأمراض النفسية كالكبر والاستعلاء والحقد والحسد والكراهية وغيرها، عامرًا بالإِيمان والخوف من الله والحب في الله، صلحت","vol":"1","page":143},{"text":"أعمال الجوارح واستقام سلوك الإِنسان دينيا واجتماعيًا، والعكس بالعكس، وهو معنى قوله: \"إذا صلحت صلح الجسد كله\" أي صلحت أعْمال الجسد وسلوكه الظاهري ولهذا جاء في الحديث \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه\".\nويستفاد منه: ما يأتي: أولًا: أن أحكام الشريعة الإسلامية من حلال وحرام، وواجب ومندوب ومكروه، كلها واضحة جلية لا عذر لأحد في الجهل بها، لأنها ميسورة العلم سهلة المنال ومن جهل منها شيئًا فعليه أن يسأل أهل العلم فذلك واجب. ثانيًا: الترغيب في الورع واتقاء الشبهات لكي يسلم للمؤمن دينه وعرضه، وقد قسم ابن المنذر الشبهات إلى ثلاثة أقسام: الأول: شيء يعلمه المرء حرامًا، ثم يشك فيه هل هو باق على حرمته أم لا فلا يحل الإِقدام عليه إلاّ بيقين كشاتين ذبح إحداهما كافرٌ، وشككنا في تعيينها. الثاني: أن يكون الشيء حلالًا فيشك في تحريمه كالزوجة، يشك في طلاقها، فلا يعتبر ذلك، ولا أثر له. الثالث: شيء يشك في حرمته وحله على السواء فالأوْلى التنزه عنه، كما فعل رسول الله في التمرة الساقطة، حيث تركها خشية أن تكون من تمور الصدقة اهـ واتقاء هذا النوع الأخير مستحب على أرجح الأقوال، وفعله مكروه، وقد قال سفيان: لا يصيب عبد حقيقة الإِيمان حتى يدع الإِثم وما تشابه منه. ثالثًا: أن من أتى شيئًا يظنه الناس شبهة ويخشى طعن الناس عليه بسببه، وهو يعلم أنه حلال، فإنه يحسن له تركه، لسلامة عرضه، وأن من وقع في أمرٍ يدعو الناس إلى الوقيعة فيه، أن يتخذ ما يصونه عن سوء الظن به، كمن أحدث في صلاته مثلًا، فإنه يستحب له أن يأخذ بأنفه موهمًا أنه رعف. رابعًا: أنه يجب على الإنسان أن لا يعرِّض نفسه لمواقف التهم، محافظة على سلامة عرضه، لقوله - ﷺ - \" من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه \" ولهذا قال بعض السلف: من عرّض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد قال الشاعر:","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>٣٤ - \" بَابُ مَا جَاءَ أنَّ الأعْمَالَ بِالنيةِ والْحِسْبَةِ </span>\" (١)\n٤٢ - عنْ عمرَ بْنِ الْخَطابِ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \"الأعْمَالُ بِالنيةِ، وَلِكُلِّ امْرِىءٍ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَتْ\nــ\nوَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلى ذَمِّهِ ... ذَمُّوْهُ بِالحَقِّ وَبِالبَاطِلِ\nخامسًا: ينبغي للمسلم إذا خشي اشتباه الناس فيه وتوقع سوء الظن منهم أن يشرح لهم حقيقة أمره محافظة على سلامة عرضه، ففي الحديث أن النبي - ﷺ - لما خرج مع صفية من المسجد ووقف يتحدث معها مر رجلان فأسرعا فقال - ﷺ - \" على رسلكما إنها صفية \" فقالا: سبحان الله، يا رسول الله، أي هل نظن بك إلاّ خيرًا، \" فقال - ﷺ -: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا، أو قال شيئًا \"، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف موقف التهم، والله أعلم. مطابقة الحديث للترجمة: في كونها جزءًا منه.\n\n٣٤ - باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة\n٤٢ - الحديث: أخرجه الستة، وسائر كتب الحديث ما عدا الموطأ (٢).\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" الأعمال بالنية \" أي لا تصح جميع العبادات الشرعية إلاّ بوجود النيَّة فيها، سواء كانت من المقاصد كالصلاة والصوم ونحوها، أو من الوسائل كالوضوء والغسل، فإذا وقعت العبادة بدون\n_________\n(١) هذا الحديث ذكره الإمام البخاري في أول الكتاب، في باب بدء الوحي، ولكن المؤلف حفظه الله تعالى حذفه هناك، وذكره هنا بهذه الرواية، وبهذا اللفظ الذي جاء هنا، مع شرحه لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. (ع).\n(٢) أخرجه \" الموطأ \" ص (٤٠١) برواية محمد بن الحسن.","vol":"1","page":145},{"text":"هِجْرَته لِدُنيا يُصِيبها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجهَا فهِجْرَتة إِلى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ\".\nــ\nنية كانت باطلة. أما المعاملات والجنايات، وأعمال القلوب، والأعمال العادية فإنها لا تتوقف صحتها على النية، لأن الأعمال وإن كانت في الأصل تطلق على جميع الأقوال والأفعال الصادرة من الإِنسان عبادة أو معاملة أو غيرها، إلّا أن المراد بها في هذا الحديث العبادات خاصة. \" ولكل امرىء ما نوى \" أي وإنما يعود على المسلم من عمله ما قصده منه، والحكم في هذه العبارة عامٌّ في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات والأعمال العادية فمن قصد بعمله منفعة دنيوية، لم ينل إلاّ تلك المنفعة، ولو كان عبادة، فلا ثواب له عليها. ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء مرضاته، نال من عمله المثوبة والأجر، ولو كان عملًا عاديًا كالأكل والشرب والجماع، فإن عمل الدنيا يتحول بحسن النية إلى عبادة فنتائج الأعمال بنياتها إلاّ المحرمات فإن حسن النية لا يبرر اقتراف المعصية، فالحرام حرام، ولو حسنت نية فاعله.\nثم ختم النبي - ﷺ - حديثه هذا بضرب الأمثلة العملية لبيان تأثير النيات في الأعمال، واختلاف النتائج باختلافها حيث قال: \" فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله \" أي فمن قصد بهجرته امتثال أمر ربه، وابتغاء مرضاته، والفرار بدينه من الفتن، فهجرته هجرة شرعية مقبولة عند الله تعالى، مأجور عليها بأجر المهاجرين، ولو مات في طريقه قبل الوصول إلى مهجره كما قال ﷿: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) \" ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها \" أي ومن قصد بهجرته منفعة دنيوية وغرضًا شخصيًا من مال أو تجارة أو زوجة حسناء، أوْ وَجَاهَة وسمعة، أو مركز يحصل عليه \" أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه \" أي فلا ينال من هجرته إلاّ تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب. لأنَّه لا هجرة له شرعًا، وإنما هي رحلة عادية.","vol":"1","page":146},{"text":"ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن العبادات تتوقف صحتها على النية، سواء كانت مقاصد أو وسائل، وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى تخصيص النية بالمقاصد فهي التي تحتاج إلى نية، أما الوسائل كالوضوء والغسل فإنه لا تتوقف صحته على النية، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في شرح هذا الحديث: \" وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها، كالصلاة والصوم والحج لا تصلح إلاّ بالنية، وتنازعوا في الطهارة مثل من يكون عليه جنابة، فينساها ويغتسل للنظافة، فقال مالك والشافعي وأحمد: النية شرط لطهارة الأحداث كلها، وقال أبو حنيفة: لا تُشترط في الطهارة بالماء، بخلاف التيمم، وقال زفر: لا يُشترط في هذا ولا هذا. والذين يوجبون النية في طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على أبي حنيفة، قال ابن تيمية: وأبو حنيفة يسلم أن الطهارة غير المنْوية ليست عبادة ولا ثواب فيها، وإنما النزاع في صحة الصلاة بها فقوله: \" إنما الأعمال بالنيات \" لا يدل على محل النزاع إلّا إذا ضمت إليه مقدمة أخرى وهي أن الطهارة لا تكون إلاّ عبادة، والعبادة لا تصح إلاّ بنية (١). فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع على غير العبادة -أم لا- والجمهور يحتجون بالنصوص الواردة في ثوابه، كقوله - ﷺ - \" إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء \" يقولون ففيه الثواب، والثواب لا يكون إلاّ مع النية فالوضوء لا يكون إلاّ بنية. وأبو حنيفة يقول: الطهارة شرط من شرائط الصلاة فلا تشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة. وأولئك يقولون: اللباس والإِزالة يقعان عبادة وغير عبادة، ولهذا لم يرد نص بثواب الإِنسان على جنس اللباس والإِزالة، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء اهـ. والحاصل أن الجمهور يرون أن الوضوء والغسل \" لا يقعان إلاّ عبادة يثاب عليهما كسائر العبادات بخلاف أبي\n_________\n(١) رسالة في شرح هذا الحديث لابن تيمية، طبع دار الجيل، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.","vol":"1","page":147},{"text":"حنيفة، فإنه يرى أنّهما يقعان عبادة وغير عبادة، ولذلك لم يوجب النية فيهما، فإنْ نوى صح الوضوء والغسل وأثيْبَ عليهما وإن لم ينو صح الوضوء والغسل، ولم يثب عليهما. فالفرق بين من نوى ومن لم ينو إنما هو في الأجر والثواب، فهذا يؤجر، وذاك لا يؤجر، هذا هو قول أبي حنيفة عن النية في الوسائل، والحاصل أن النية عند المالكية فرض في الوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والصوم، وركن في الحج، وعند الشافعية فرض في الوضوء والغسل والصوم وشرط في الزكاة، وركن في التيمم والصلاة والحج (١) وعند الحنابلة شرط في الوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والصوم، وركن في الحج، وعند الحنفية شرط في التيمم والصلاة والزكاة والصوم والحج، سنة في الوضوء والغسل (٢)، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: \" وقال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد: تشترط لإزالة النجاسة، وهذا القول شاذ، فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل للعبد، بل تزول بالمطر النازل والنهر الجاري ونحو ذلك، فكيف تشترط لها النية، وأيضًا فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال، ولهذا لو لم يخطر بباله في الصلاة أنه مجتنب النجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنبًا لها، ولهذا قال مالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه: لو صلّى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلّا بعد الصلاة لم يعد، لأنه من باب التروك (٣) \". ثانيًا: أن الأعمال العادية كالأكل والشرب والنكاح تتحول بحسن النية وقصد القربة والتقوّي على طاعة الله بإعفاف النفس، وصيانتها عن المآثم إلى عبادة يثاب عليها، كما يدل عليه قوله - ﷺ - \" وإنما لكل امرىء ما نوى \" وكما يدل عليه قوله - ﷺ - في الحديث\n_________\n(١) فيض الإله للشيخ محمد أحمد الداه الشنقيطي.\n(٢) فيض الإله للشيخ محمد أحمد الداه الشنقيطي.\n(٣) رسالة ابن تيمية في شرح حديثًا \" إنما الأعمال بالنيات \"، طبع دار الجيل، بروت، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.","vol":"1","page":148},{"text":"٤٣ - عَنْ أبِي مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إذَا أنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهْ صَدَقَة \".\nــ\nالقادم: \" إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهو له صدقة \". ثالثًا: أن من نوى عملًا صالحًا لم يعمله لعذر حال بينه وبينه كتب له أجر ذلك كما يدل عليه عموم قوله - ﷺ -: \" ولكل امرىء ما نوى \" ويؤكد ذلك قوله - ﷺ - \" إن الله يقول للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون يا ربّنا لم يحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا، فيقول الله تعالى: إنه نواه \". مطابقة الحديث للترجمة: أنها جزء منه.\n٤٣ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nترجمة راوي الحديث: هو أبو مسعود الأنصاري الخزرجي اسمه عقبة يقال له: البدري، وإن لم يشهد بدرًا، لأنه سكنها، روى عن النبي - ﷺ - مائة وخمسين حديثًا، اتفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بسبعة سكن الكوفة ومات بها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: أن أبا مسعود الأنصاري ﵁ يروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" إذا أنفق الرجل على أهله \" أي إذا صرف الرجل ماله على أهله الذين يعولهم، وتجب عليه نفقتهم من زوجة وأولاد وغيرهم من أقاربه أي شيء من المال قليلًا كان أو كثيرًا \" يحتسبها \" أي حال كونه يريد بتلك النفقة وجه الله وابتغاء مرضاته، ويقصد بها القربة إليه وامتثال أمره، راجيًا منه الأجر والمثوبة، لا لمجرد العاطفة الإِنسانية، أو لكونه ملزمًا بالنفقة عليهم \" فهو له صدقة \" أي فإن ذلك الانفاق يحتسب له عند الله عملًا صالحًا، وحسنة يثاب عليها ثواب الصدقة وليس معناه أن تلك النفقة تعطى حكم الصدقة، وإلا لما جاز الإنفاق على الزوجة الهاشمية.","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>٣٥ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - الدِّينُ النَّصِيحَةُ </span>\"\n٤٤ - عنْ جرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجلِيِّ ﵁ قَالَ: بَايعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وِإيتَاءِ الزَّكَاةِ والنُّصْحِ لِكًلِّ مُسْلِمٍ\".\nــ\nويستفاد من الحديث: الترغيب في النية الصالحة في جميع الأعمال، ولو كانت عادية، لأن حسن النية فيها يحولها إلى طاعة يؤجر عليها. مطابقة الحديث لترجمة: في قوله \" يحتسبها \".\n\n٣٥ - باب قول النبي - ﷺ - الدين النصيحة\nأي أن هذا الدين قائم على النصيحة لا قيام له بدونها، لأنها أساسه وعماده، وهي كما قال الراغب: تحرّي كل قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، من قولهم: نصَحت له الود أي أخلصته.\n٤٤ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nترجمة راوي الحديث: هو جرير بن عبد الله البجلي، قدم على النبي - ﷺ - في رمضان من السنة العاشرة، وبايعه على الإِسلام، ورحب به - ﷺ - وقال: أكرموه \" إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه \" أخرجه الطبراني. وكان ﵁ بهي الطلعة، جميل الصورة استعمله - ﷺ - على اليمن، وشهد فتح المدائن عاصمة الفرس، روى عن النبي - ﷺ - مائة حديث، اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة. نزل الكوفة، ثم تحول منها إلى قرقيسيا، فعاش فيها حتى مات بها سنة (٥١) هـ.\nمعنى الحديث: يقول جرير ﵁ \" بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة \" من المبايعة وهي معاهدة من له الأمر من","vol":"1","page":150},{"text":"٤٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: أتيت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قُلْتُ: أبَايِعُكَ علَى الإِسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ\n\" وَالنُّصْحَ لِكُلِّ مُسْلِم \".\nــ\nالمسلمين، من رسول، أو إمام، أو ملك، أو غيره، على السمع والطاعة والوفاء بشروط معينة، ومعناه. عاهدت النبي - ﷺ - على السمع والطاعة وأداء أركان الإِسلام \" والنصح لكل مسلم \" أي وعاهدته أيضًا على النصيحة لكل مسلم ومسلمة، وذلك بالحرص على منفعتهما، وإيصال الخير إليهما، ودفع الشر عنهما بالقول والفعل معًا. والمطابقة في قوله: \" والنصح لكل مسلم \".\n٤٥ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nمعنى الحديث: تقدم. والمطابقة: في قوله: شرط عليّ \" والنصح لكل مسلم \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: وجوب النصح للمسلمين، ومعاملتهم معاملة حسنة خالصة من المكر والخديعة والغش والخيانة. ثانيًا: تحري الخير لهم، والحرص على مصالحهم، والسعي في منافعهم، فإن ذلك من مبادىء الإِسلام، التي أخذ النبي - ﷺ - عليها البيعة، كما رواه جرير، حيث قال: وشرط عليَّ \" والنصح لكل مسلم \". ثالثًا: أن من أهم الحقوق الإِسلامية إرشاد المسلمين إلى الخير، وتعليم جاهلهم، وتنبيه غافلهم، والذب عن أعراضهم، وتوقير كبيرهم، والرحمة بصغيرهم فإنّ هذا كله يدخل في النصح لهم، الذي شرطه النبي - ﷺ - على كل مسلم والله أعلم.\n***","vol":"1","page":151},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-52> كتاب العلم </span>\"\nبدأ الإِمام البخاري كتابه هذا \" بالوحي \" لأنه أصل الدين ومصدره وأساسه، وثنى \" بالإِيمان \" لأنه كيانه وقوامه، وثلث \" بالعلم \" لأنه غذاؤه، ثم أَتى بعد ذلك بأحكام العبادات والمعاملات والجنايات وغيرها، لأنها فروع الدين. \" والعلم \" كما قال ابن خلدون: على نوعين، منه ما هو طبيعي يهتدي إليه الإنسان بتفكيره وهو العلوم الإِنسانية أو الفلسفية، ومنه ما هو نقلي سماعي يأخذه الإِنسان عن الشارع، وهو العلوم الشرعية المستندة إلى الكتاب والسنة، ولا محل للعقل فيه إلاّ في إلحاق الفروع بالأصول، وهو ما يسمى بالقياس الشرعي. ويدخل في العلم الشرعي بمعناه العام معرفة العقائد الإِسلامية والأحكام الشرعية، ومصادرها ومراجعها من حديث وتفسير وفقه وأصول وآثار الصحابة واختلاف العلماء، وعلوم الآلة من لغة ونحو وصرف وبلاغة، وعلم الرجال وأنسابهم وصفاتهم، وأسماء الصحابة، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وعلم القراءات ومخارج الحروف إلى غير ذلك من المعارف الإِسلامية. وهو قسمان: فرض عين، وفرض كفاية: فأما فرض العين فهو ما يجب على كل مسلم معرفتِه ذكرًا كان أو أنثى. قال ابن القيم (١) \" وهو الذي لا يسع مسلمًا جهله كأصول الإِسلام الخمسة، وشرائع الإِسلام من وضوء وغيره، والمحرمات التي اتفقت الأديان على تحريمها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ\n_________\n(١) سفر السعادة لابن القيم.","vol":"1","page":152},{"text":"وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الخ. وأحكام المعاشرة والمعاملة، إلا أن القدر الكافي في فقه المعاملات ما تمس الحاجة إليه \" اهـ والحاصل أن العلم الواجب على كل مسلم هو معرفة الله ومعرفة رسوله، ومعرفة قواعد الإِيمان وأركان الإِسلام، وأن يعرف من الأحكام ما تتوقف عليه صحة العبادة، ويعرف من أحكام المعاملات ما يمارسه، ويحتاج إليه، فلا يقدم على شيء من بيع أو شراء أو نكاح أو طلاق حتى يعرف حكم الله فيه، ويسأل أهل العلم عنه. قال الحسن بن الربيع: سألت ابن المبارك عن قول النبي - ﷺ - \" طلب العلم فريضة على كل مسلم \" فقال: ليس هو الذي يطلبونه، ولكن فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتى يعلمه. وروى ابن عبد البر عن ابن وهب قال: سُئل مالك عن طلب العلم أهو فريضة على الناس، فقال: لا، ولكن يطلب المرء ما ينتفع به في دينه. وأما فرض - ﷺ - الكفاية: فهو ما يجب أن يتخصص فيه طائفة من المسلمين فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو تركه أهل البلد كلهم لأثموا جميعًا، وقد اختلف أهل العلم فيما يدخل في فرض الكفاية من العلوم الإِسلامية والإنسانية والمدنية قال ابن القيم: (١) كل واحد يدخل في ذلك -أي في هذا العلم الذي هو فرض كفاية- ما يظنه فرضًا، فيدخل بعض الناس الطب والحساب والهندسة، وبعضهم المساحة، وبعضهم الصناعة، ومن الناس من يقول: علوم العربية كلها فرض كفاية لتوقف فهم كلام الله ورسوله عليها، ومن الناس من يقول: إن أصول الفقه منها، لأنه العلم الذي يعرف به الدليل ومرتبته وكيفية الاستدلال به، ويرى ابن القيم أن هذه العلوم من باب ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب، وهو قول الغزالي أيضًا حيث يرى أن كل علم لا يُستغنى عنه (٢) في قوام أمر الدنيا كالطب الذي هو ضروري لحاجة بقاء الأبدان، والحساب الذي هو\n_________\n(١) \" سفر السعادة \" لابن القيم.\n(٢) \" إحياء علوم الدين \" للإمام الغزالي.","vol":"1","page":153},{"text":"ضروري في المعاملات، وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها من العلوم المدنية والإِنسانيّة، فهو فرض كفاية، وهذا ما رجحه علماء المسلمين وقد اتسعت دائرة العلوم الإِسلامية، حتى أن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى عد في مجلس الرشيد ثلاثة وستين علمًا، ونقل السيوطي عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي أنه ذكر في قانون التأويل أن علوم القرآن بلغت أضعاف كلماته أربع مرات.\n***","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>٣٦ - \" بَابُ مَنْ شِلَ عَنِ الْفُتْيَا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ في حَدِيبهِ فَأتمَّ الحَدِيثَ، ثُمَّ أجَاَب السَّائِلَ </span>\"\n٤٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nبَيْنَمَا النَّبيُّ - ﷺ - في مَجلِس يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أعرَابِيّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَومِ: سَمِعَ مَا قَالَ فكرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهم: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أيْنَ -أرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ، قَال: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ،\nــ\n٣٦ - باب من سئل عن الفتيا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل\n٤٦ - الحديث: أخرجه البخاري فقط. قال القسطلاني: وهو مما تفرد به عن بقية الكتب الستة.\nمعنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \" بينما النبي - ﷺ - في مجلس يحدث القوم \" أي يتحدث مع أصحابه \" جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ \" أي حضر إلى مجلسه الشريف رجل أعرابي، فلما وصِل إليه قال: متى تقوم الساعة؟ وتنتهي هذه الدنيا؟ \" فمضى رسول الله - ﷺ - يحدث \" أي استمر النبي - ﷺ - في حديثه مع من يحدثه لئلا تضيع الفائدة \" فقال بعض القوم: سمع ما قال وكره ما قال \" أي سمع كلام الأعرابي، وكره سؤاله، لأنَّ الساعة لا يعلمها أحد، ولذلك أعرض عن جوابه، ولم يلتفت إليه \"وقال بعضهم: لم يسمع\" سؤاله لانشغاله بالحديث مع غيره \" حتى إذا قضى حديثه \" أي ولكن النبي - ﷺ - استمر في حديثه الأول حتى انتهي منه، ثم التفت إلى السائل، وسأل عنه \" فقال أين -أراه- السائل عن الساعة \"","vol":"1","page":155},{"text":"قَالَ: إِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فانتظِر السَّاعَة\"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: \" إِذَا وُسِّدَ الأمْرُ إِلى غَيْرِ أهْلِهِ فانتظِرِ السَّاعَةَ \".\nــ\nأي أين السائل عن الساعة؟ \"قال: ها أنا يا رسول الله\" أي لبيك يا رسول الله أنا حاضر بين يديك، قريب منك \" قال: فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة \" أي إذا ارتفعَتِ الأمانة، وصار الناس لا يشعرون بالمسؤولية نحو أي حق يتعلق بذمتهم، سواء كان هذا الحق مالًا أو عملًا أو سرًا فقد أوشكت تلك الأمة أن تنتهي، ويقضى عليها، فانتظر ساعة نهايتها وزوالها، فإنها قد دنت، أو أوشكت الدنيا على الزوال إذا ارتفعت الأمانة منها. \" قال: كيف إضاعتها \" أي ما هي الأسباب المؤدية إلى إضاعتها وما علامة ذلك \" قال: إذا وسدَ الأمر إلى في أهله فانتظر الساعة \" أي إذا أسندت الأمور الهامة التي ترتبط بها مصالح المسلمين من إمارة وقضاء وحسبة وشرطة إلى غير أصحاب الكفاءات الشرعية والإِدارية والعلمية والفنية وسلمت لغير ذوي الاختصاص فقد ضاعت الأمانة وأوشكت الساعة أن تقوم، لأن الولاية أمانة ومسؤولية لا يمكن أن يؤديها إلاّ من كان عالمًا بها ناصحًا فيها، مقدرًا لمسؤوليته نحوها، فإذا وليها غير أهلها من الجهلة أو الخونة لم يقوموا بأدائها، فتضيع مصالح الناس، وتنتشر الفوضى، ويعم الظلم، وتتفشى العداوة والبغضاء، فينهار كيان المجتمع، ويؤدي ذلك إلى القضاء على الأمة، وعند ذلك انتظر الساعة، إما ساعة تلك الأمة خاصة إذا كان ضياع الأمانة في نطاقها، أو ساعة العالم كله إذا ارتفعت الأمانة من الدنيا كلها، فإنه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: وجوب العناية بالسائل وطالب العلم، والاهتمام به، وإجابته على سؤاله (١)، كما فعل النبي - ﷺ - حيث قال،\n_________\n(١) وقد أمر الله تعالى بالعناية بالسائل وطالب العلم فقال ﷿ (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) قال بعض المفسرين: ليس السائل الذي يسأل الطعام، وإنما هو من يسأل العلم.","vol":"1","page":156},{"text":"\" أين السائل \" فسأل عنه، واهتم به، وتوجه إليه، وهذا هو واجب العالم، فإن كان السؤال مما يمكن الإجابة عليه أجابه، وإلا أقنعه بكل لطف عن عدم إمكانية الإجابة عن سؤاله، فإن النبي - ﷺ - قد أمر العلماء أن يرحّبوا بطلاب العلم، لأنهم وصية رسول الله - ﷺ - كما جاء في الحديث عن النبي - ﷺ -.\nثانيًا: من الأدب أن لا تسأل العالم ما دام مشغولًا بالحديث مع غيرك، فإذا سئل العالم أثناء حديثه مع الغير أخر الإجابة حتى ينتهي من حديثه لئلا تضيع الفائدة، هذا مع الرفق بالسائل إذا أخطأ في سؤاله، لأن الأعرابي قد أخطأ في سؤاله عن الساعة ولكنه - ﷺ - لم يؤاخذه أو يعاتبه على سؤاله هذا، بل أجابه بما يمكن الإِجابة عليه، وهو بيان العلامات الدالة عليها، أو الدالة على الساعة الخاصة. ولم يعاتبه أيضًا على سؤاله أثناء حديثه، وإنما اكتفى بتأخير إجابته. ثالثًا: أنه لا حياء في السؤال عن العلم، والإِلحاح فيه وتكراره، لزيادة العلم، لأن السائل كرر السؤال بقوله: وكيف إضاعتها.\nرابعًا: أن الولايات كلها من قضاء أو إمارة أو شرطة أو غيرها أمانة ومسؤولية يجب إسنادها إلى مستحقيها من ذوي الدين والأمانة والاختصاص، وإلا فسدت البلاد والعباد، وكان ذلك إيذانًا بانهيار الأمة، والقضاء عليها. خامسًا: قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب، ومن ثَمَّ قيل: السؤال نصف العلم. والمطابقة: في قوله: بينما النبي - ﷺ - يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة، فمضى رسول الله - ﷺ - يحدث أصحابه.\n***","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>٣٧ - \" بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْئهُ بالْعِلْمِ </span>\"\n٤٧ - عَنِ ابْنِ عُمَروٍ ﵄ قَالَ:\nتَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - ﷺ - في سَفْرَةٍ سَافَرْنَاها، فأدْرَكَنَا وَقَدْ أرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأ، فَجعَلْنَا نَمْسحُ أرْجُلَنَا فنَادَى بأعْلَى صَوْتِهِ: \" وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّارِ \" مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا.\nــ\n٣٧ - باب من رفع صوته بالعلم\n٤٧ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nمعنى الحديث: يقول ابن عمرو ﵄ \" تخلف رسول الله - ﷺ - في سفرة سافرناها \" بين مكة والمدينة كما رواه مسلم \" فأدركنا \" أي فلحقنا النبي - ﷺ - \" وقد أرهقتنا الصلاة \" أي وقد تأخرنا عن صلاة العصر، حتى أوشكت الشمس على الغروب وكادت تفوتنا \" ونحن توضأ \" أي ولم ننته بعد من الوضوء \" فجعلنا نمسح أرجلنا \" أي فاستعجلنا في الوضوء وصرنا نغسل أعضاءنا غسلًا خفيفًا يشبه المسح \" فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب \" جمع عقب، وهو مؤخر القدم \" من النار \" أي فنادى النبي - ﷺ - أصحابه منذرًا لذين لا يغسلون أعقابهمِ بالعذاب الشديد يوم القيامة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب تعليم الجاهل وتنبيهه على خطئه، وتحذيره من التقصير في الواجبات الشرعية سواء كان ذلك عمدًا أو سهوًا.\nثانيًا: أن الفرض في الوضوء هو غسل الرجلين خلافًا لمن يرى أن الفرض مسحها فقط، لأن النبي - ﷺ - أنذر الذين يغسلون أرجلهم غسلًا خفيفًا بهذا الوعَيد الشديد، فكيف بمن يمسحونها. ثالثًا: مشروعية رفع الصوت بالعلم لقوله \" فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار \". والمطابقة: في قوله \" فنادى بأعلى صوته \" إلخ.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٣٨ - \" بَابُ قَوْلِ الْمحَدِّثِ حَدَّثَنَا وَأخبَرنا وأنبأنا </span>\"\n٤٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وِإنَّها مِثْلُ الُمسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَاْ هِيَ؟ فوقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الْبَوَادِي، وَوَقَعَ في نَفسِي أنَها النَّخْلَةُ، فاسْتَحييْتُ ثم قالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهَ؟ قَالَ: \" هِي النَّخْلَةُ \".\nــ\n\n٣٨ - باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا\n٤٨ - الحديث: أخرجه الشيخان.\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - طرح يومًا على أصحابه بعض الأسئلة فقال: \" إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم \" أي هناك شجرة لا يسقط ورقها في الخريف كبقية الأشجار الأخرى وهي تُشْبه المسلم في كثرة خيراتها، وتعدد منافعها، فكما أنَّ المسلم يُنتفَع به في كل شيء، فيكرِم الجار، ويقري الضيف، ويغيث الملهوف، فكذلك هذه الشجرة المباركة ينتفع بكل أجزائها \" فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر الوادي \" أي فظن الناس أنها من أشجار البادية \" ووقع في نفسي أنها النخلة \" يعني وخطر في بالي أن هذه الشجرة هي النخلة، لأنها هي التي تدوم خضرتها، ولا يسقط ورقها، ويكثر نفعها، ويستفاد من جميع أجزائها من جذع وثمر، وجريد وليف وغيره، \" فاستحييت \" أي فمنعني عن الإِجابة توقير غيري من كبار الصحابة \" ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة \" كما وقع في نفسي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الحوار والنقاش العلمي وتشبيه","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>٣٩ - \" بَابُ القِرَاءَةِ والعَرْض على المحدِّثِ </span>\"\n٤٩ - عنْ أنس ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في المَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ على جَمَلٍ فأنَاخَهُ في الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثمَّ قَالَ: أيكُمْ مُحَمَّدٌ، والنَّبِيُّ - ﷺ - مُتَّكِىء بينَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هذا الرَّجُلُ الأبيَضُ الْمُتَّكِىءُ، فَقَالَ لَهُ الرجلُ: ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: قد أجبتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ للنَّبِيِّ - ﷺ -: إِني سَائِلُكَ فَمُشَدِّد\nــ\nالأشياء بنظائرها تحريكًا لعقول الطلبة. ثانيًا فضل النخلة، وكثرة منافعها.\nثالثًا: مشروعية قول المحدث حدثنا، وأنه لا فرق بين حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعت فلانًا وهو مذهب البخاري وذهب آخرون إلى أنه يقول لما سمعه من لفظ الشيخ سمعت أو حدثنا ولما قرأه عليه أخبرنا والأحوط الإِفصاح بالواقع كما أفاده القسطلاني. والمطابقة: في قوله: \" حدثنا ما هي \".\n\n٣٩ - باب القراءة والعرض على المحدث\nقال في المصباح: عرضت الشيء عرضًا، من باب ضرب، والمراد بالعرض هنا قراءة الحديث على الشيخ وهو يسمع.\n٤٩ - الحديث: أخرجه الستة.\nمعنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد \" أي بينما كنا جالسين مع النبي - ﷺ - في مسجده فوجئنا برجل يدخل راكبًا على بعيره، فسار به حتى أناخه داخل المسجد، \" ثم عقله \" بفتح العين والقاف، أي ثنى ساقه وذراعه وربطهما، وفي رواية ابن عباس ﵄: فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل، \" ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي - ﷺ - متكىء","vol":"1","page":160},{"text":"عَلَيْكَ، فلا تجِدْ عليَّ في نَفْسِكَ، فَقَالَ: سَل عَمّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أسْألكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ آللهُ أرْسَلَكَ إِلى النَّاس كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أنشُدُكَ باللهِ، آللهُ أمَرَكَ أنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أنشُدُكَ باللهِ آللهُ أمَرَكَ أنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَنّةَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: أنْشُدُكَ باللهِ آللهُ أمَرَكَ أنْ تَأخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:\nــ\nبين ظهرانيهم\" أي جالس بين أصحابه مستند إلى وسادة في وسطهم \" فقلنا: هذا الرجل الأبيض \" أي هو هذا الرجل الأبيض المشرب بحمرة \" فقال له الرجل: ابن عبد المطلب \" أي فناداه بقوله: يا ابن عبد المطلب \" فقال له النبي - ﷺ - قد أجبتك \" أي سمعتك وتهيأت لِإجابتك \" فقال: إني سائلك فمشدد عليك \" أي سائلك في لهجة شديدة \" فلا تجِدْ عليَّ \" أي فلا تغضب علي في نفسك فإني لم أقصد الإِساءة إليك \" قال سل عما بدا لك \" أي اسأل عن كل ما تحتاج إلى معرفته من أحكام الإِسلام وأركانه فسأجيبك عنه.\n\" فقال أسألك بربك ورب من قبلك \" أي أسألك وأستحلفك بربك الذي خلقك وخلق من قبلك من هذا العالم أن تصدُقني الحديث فيما أسألك عنه \" آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ \" أي هل الله أرسلك إلى الناس جميعًا أو إلى قريش خاصة \" فقال: اللهم نعم \" أي أقسم بالله واستشهد به علي أن الله أرسلني إلى الناس كافة. \" قال: أنشدك \" بضم الشين \" بالله \" أي أسألك بالله ومن سئل بالله فليجب \" آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس \" بضم النون وفتح الصاد أي هل الله أمرك أن تكلفنا بهذه الصلوات الخمس في كل يوم وليلة \" قال: اللهم نعم \" أي أقسم على أنّ الله أمرني بذلك. \" قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر قال: اللهم نعم \". قال: أنشدك","vol":"1","page":161},{"text":"اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِما جئْتَ بِهِ، وأنا رَسُولُ مَنْ وَرَائي مِنْ قَوْمِي، وَأنا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ\".\nــ\nبالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة \" أي الزكاة \" فقال: اللهم نعم \" أى أقسم على ذلك \" فقال الرجل: آمنت بما جئت به \" أي فإني منذ الآن أعلن إيماني بما جئت به \" وأنا رسول من ورائي من قومي \" أي وأنا رسول قومي الموفد إليك من قبلهم لأتلقى منك أركان هذا الدين، وأبلغها لهم \" وأنا ضِمام \" بكسر الضاد \" ابن ثعلبه أخو بني سعد بن بكر \" أي من قبيلة بني سعد التي استرضع فيها النبي - ﷺ -، والتي منها حليمة السعدية مرضعته - ﷺ -، وكان قدوم ضمام سنة تسع من الهجرة الذي هو عام الوفود.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن لآخذ الحديث عن المحدث طرقه المتعددة، منها العرض عليه كما في هذا الحديث، فإن ضمام كان يعرض (١) على النبي - ﷺ - أركان الإِسلام - أي يذكرها واحدًا واحدًا: والنبي - ﷺ - يسمعها منه، ويصادق عليها، وهذا هو ما يسمى عند المحدثين بالعرض، قال الحافظ: وهو عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلَّا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ، دون ما يقرأ عليهم، ولهذا بوَّب البخاري على جوازه، وأورد فيه قول الحسن البصري: لا بأس بالقراءة على العالم، وكذا ذكر عن سفيان الثوري ومالك موصولًا أنهما سوَّيا بين السماع من العالم والقراءة عليه. ثانيًا: اشتمل الحديث على بيان بعض أركان الإِسلام. ثالثًا: أنه يجوز الاستحلاف على الخبر للتأكد منه. رابعًا: استدل به ابن بطال على طهارة أبوال الإِبل وأرواثها، لأن ضمام أدخل بعيره المسجد، ولا يؤمن أن يبول فيه، فلو كان نجسًا لمنعه النبي - ﷺ -\n_________\n(١) بكسر الراء يقال عرضَ يعرض، على وزن ضرَب يَضْرِبُ.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>٤٠ - \" بَابُ مَا يُذْكَرُ في الْمُنَاوَلَةِ وَكتَابِ أهْلِ الْعِلْمِ بالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ </span>\"\n٥٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إلى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ\nــ\nوهو من أقوى أدلة المالكية على طهارتها. والمطابقة: في كون السائل إنما أخذ من النبي - ﷺ - أركان الإِسلام عن طريق عرضها عليه.\n٤٠ - باب ما يذكر في المناولة (١)، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان\n٥٠ - الحديث: أخرجه البخاري.\nمعنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - بعث بكتابه رجلًا، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين \" أي أن النبي - ﷺ - أرسل مع رجل من الصحابة وهو عبد الله بن حذافة كتابًا إلى كسرى ملك الفرس يدعوه فيه إلى الإِسلام، وأمره أن يسلِّم هذا الكتاب إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين ليوصله إلى كسرى \" فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى \" أي فأوْصله أمير البحرين إلى كسرى ملك الفرس، وهو أبرويز بن هرمز ابن أنوشروان \" فلما قرأه مزَّقه \" أي فلما قرأ \" أبرويز \" كتاب رسول الله - ﷺ - ثارت ثائرته وتهدد وتوعد، وقطَّعه \" فدعا عليهم رسول الله - ﷺ - أن يمزَّقوا كل ممزَّق \" أي فدعا - ﷺ - على الفرس أن يمزِّق الله شملهم، ويقضي على دولتهم، ويزيل سلطانهم، فاستجاب الله دعاء نبيه - ﷺ -، فسلط على\n_________\n(١) وهو أن يعطى الشيخ الكتاب للطالب، ويقول له: هذا سماعي من فلان، وقد أجزت لك أن ترويه عني.","vol":"1","page":163},{"text":"أنَّ ابنَ المُسَيَّب قال (١): فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ أنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّق\".\n٥١ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nكَتَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - كِتَابًا أوْ أرَادَ أنْ يَكْتُبَ كِتَابًا، فَقِيْلَ لَهُ: إنَّهُمْ لا يَقْرَؤونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًَا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّد رَسُول الله كأنِّى أنْظرُ إِلى بَيَاضِهِ في يَدِهِ\".\nــ\n\" أبرويز \" ابنه شيرويه، فطعنه في بطنه، ومزق أحشاءه، ولم تمض سوى سنوات قلائل حتى زال سلطان الفرس نهائيًا.\n٥١ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nمعنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كتب النبي - ﷺ - كتابًا أو أراد أن يكتب كتابًا فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلَّا مختومًا \" أي قال له - ﷺ - بعض أصحابه ﵃ علِى سبيل المشورة: إنَّ ملوك الأعاجم لا يتراسلون إلَّا بالكتب المختومة توثيقًا وتأكيدًا \" فاتخذ خاتمًا من فضة نقشه: محمد رسول الله \" أي فاتخذ النبي - ﷺ - له خاتمًا من فضة مكتوبًا عليه محمد رسول الله ليختم به على رسائله، لأنه استحسن ذلك، ورأى حاجته إليه.\nْويستفاد من الحديثين: أولًا: مشروعية المراسلات العلمية ونشر الدعوة الإِسلامية والعلوم الشرعية عن طريق الكتابة إلى الأقطار الأخرى. ولهذا كان من طرق نقل الحديث التي جرى عليها المحدثون، ما يسمى عندهم بالمكاتبة.\nوهي كما عرفها ابن الصلاح: أن يكتب الشيخ إلى الطالب وهو غائب شيئًا من حديثه بخطه، أو يكتب له ذلك وهو حاضر، أو يأمر غيره بأن يكتب\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في \" الفتح \" قوله: فحسبت، القائل هو ابن شهاب الزهرى راوي الحديث، فقصة\nالكتاب عنده موصولة، وقصة الدعاء مرسلة، ووجه دلالته على المكاتبة ظاهر ويمكن أن يستدل به على المناولة،\nمن حيث إن النبي - ﷺ - ناول الكتاب لرسوله وأمره أن يخبر عظيم البحرين بأن هذا كتاب رسول الله - ﷺ - وإن لم يكن يسمع ما فيه ولا قرأه. (ع).","vol":"1","page":164},{"text":"له ذلك عنه، وهي نوعان: أحدهما: أن تتجرد المكتابة عن الإِجازة.\nوالثاني: أن تقترن بالإِجازة بأن يكتب إليه ويقول: أجزت لك ما كتبته لك، أو ما كتبت به إليك أو نحو ذلك. فأما الكتابة بدون إجازة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم السختياني والليث بن سعد وبعض الشافعية وجعلها أبو المظفر السمعاني وبعض الأصوليين أقوى من الاجازة ومنع بعض الشافعية الرواية بها، قال ابن الصلاح: والمذهب الأول هو الصحيح المشهور بين أهل الحديث (١)، وكثيرًا ما يوجد في مسانيدهم قولهم: كتَبَ إلَيَّ فلان قالَ: حدثنا فلانٌ، والمراد به هذا. وذهب غير واحد من علماء المحدثين وأكابرهم إلى جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالمكاتبة، والمختار قول من يقول فيها كتب إلي فلان. قال ابن الصلاح: \" أما المكاتبة المقرونة بلفظ الإِجازة فهي في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة. قلت: وتدخل هذه المكاتبة في مضمون حديث الباب، ويدل عليها دلالة مباشرة.\nثانيًا: دل الحديث، على جواز المناولة في الحديث كما ترجم له البخاري، وأقوى أنواعها المناولة المقرونة بالإِجازة، وهي كما عرفها القسطلاني \" أن يعطي الشيْخ الكتاب للطالب ويقول له فيه: هذا سماعي من فلان، وقد أجزت لك أن ترويه عنه، اهـ. ولها صور أخرى أيضًا، منها: أن يعير الشيخ الكتاب للطالب لينسخه ويقابل به ثم يعيده للشيخ، أو يعطي الطالب للشيخ الكتاب فينظر فيه الشيخ ويتأمله حتى يتأكد أنه أصل صحيح، وأنه من روايته، ثم يُعيده الشيخ للطالب، ويخبره أنه من روايته، ويأذن له بأن يرويه عنه.\nقال فضيلة الشيخ أحمد شاكر: فهذه الصور كلها مناولة مقرونة بالإِجازة، وهي أعلى أنواع الإِجازة. اهـ. واختلف المحدثون في حكمها: هل هي كالسماع فيقال فيها حدثنا وأخبرنا أم لا؟ فذهب الزهري وربيعة ويحيى بن\n_________\n(١) المقدمة لابن الصلاح.","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>٤١ - \"بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ ومنْ رَأى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فجلَسَ فِيهَا </span>\"\n٥٢ - عَنْ أبِي وَاقِدٍ اللَّيْثي ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ إذْ أقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَاقْبَلَ اثْنَانِ إِلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وذهبَ وَاحِدٌ، فوقَفَا على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأما أحدُهُمَا فَرَأى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وأمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ وأمَّا الثَّالِثُ فأدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ\nــ\nسعيد الأنصاري ومجاهد والشعبي وعلقمة ومالك وابن وهب وابن القاسم وجماعة آخرون، كما أفاده النووي إلى أن هذه المناولة في القوة كالسماع.\nوالصحيح المختار كما قال ابن الصلاح: المنع من إطلاق حدثنا وأخبرنا ونحو هذه وأنه لا بد من عبارة تشعر بالمناولة، بأن يقول حدثنا فلان مناولةً، أو إجازةً، وهو الذي عليه الجمهور. ومطابقة الحديثين للترجمة: في كونه - ﷺ - كان يوصل كلامه إلى الملوك عن طريق الكتابة.\n\n٤١ - باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها\n٥٢ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nترجمة راوي الحديث: هو أبو واقد الليثي اسمه الحارث، واشتهر بكنيته، أسلَم يوم الفتح، وشهد حنين واليرموك، ثم جاور بمكة، روى أربعة وعشرين حديثًا اتفقا على حديث واحد، وهو هذا، وزاد مسلم حديثًا، توفي بمكة سنة ثمانٍ وثمانين من الهجرة، وعمره خمس وستون سنة.\nمعنى الحديث: يحدثنا أبو واقد ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ -","vol":"1","page":166},{"text":"اللهَ - ﷺ - قَالَ: \" ألا أخْبِرُكُمْ عَنُ النَّفَرِ الثلَاَثةِ، أمَّا أحَدُهُمْ فأوَى إلى اللهِ فآواهُ اللهُ، وأما الآخَرُ فاسْتَحْيَا مِنَ اللهِ فاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وأمَّا الْآخَرُ فأعْرَضَ فأعرَضَ اللهُ ﷿ عَنْهُ\".\nــ\nبينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر\" أي عندما كان النبي - ﷺ - جالسًا في مسجده بين أصحابه، أقبل ثلاثة رجال. والنفر من الثلاثة إلى العشرة من الرجال \" فأمّا أحدهم فرأى فرجة في الحلقة \" أي فأما الأول منهم فرأى مكانًا خاليًا في حلقة النبي - ﷺ - \" فجلس فيها \" أي في الحلقة نفسها \" وأما الآخر فجلس خلفهم \" أي وأما الثاني فلم يجد مكانًا في الحلقة فجلس وراء الجالسين فيها، حيث انتهي به المجلس، \" وأما الثالث فأدبر ذاهبًا \" أي فإنه تولى ذاهبًا، ولم يحاول الجلوس خلف الحلقة، \" فلما فرغ رسول الله - ﷺ - قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة \" أي ألا تحبون أن أخبركم عن حال هؤلاء الثلاثة ثم شرع - ﷺ - في بيان أحوالهم فقال: \" أما أحدهم فأوى \" بقصر الهمزة \" إلى الله فآواه \" بمد الهمزة \" الله \" ومعنى \" أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله \" أي فأما الأول الذي جلس في نفس الحلقة فإنه قد تقرب إلى الله وانضم إلى حلقة العلم ومجلس النبي - ﷺ - فقربه الله إليه، وأدخله في حيّز مرضاته، فإذا كان يوم القيامة آواه الله إلى ظل عرشه، كما أفاده العيني \" وأما الآخر فاستحيا من الله \" أي وأما الثاني الذي لم يجد مكانًا في الحلقة \" فجلس خلفهم \" أي فإنه قد منعه الحياء من الله عن مزاحمه غيره فجلس حيث ينتهي به المجلس، \" أستحيا الله منه \" وقبل عذره وأشركه مع أهل تلك الحلقة في فضلهم وثوابهم، لأنه تعالى حيي كريم لا يمنع فضله وجوده عمّن منعه الحياء من الله تعالى عن مضايقة غيره مع حرصه على العلم ورياض جناته، فشمله فضل ذلك المجلس، وسعد بمجالسة أهله،","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>٤٢ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَامِع </span>\"\n٥٣ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعِيرِهِ، وأمسكَ انْسَان بِخِطَامِهِ أو بِزِمَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: أيُّ يَوْم هذَا؟ فسكتنَا حتى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ سوى اسْمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أليْس يَوْمَ النَّحْرِ، قُلْنَا بَلَى، قَالَ: فأيُّ شَهْرٍ هذَا؟ فَسَكَتنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْر اسْمِهِ، فَقَالَ: أليْس بذي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ\nــ\nفإنهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. \" وأما الآخر \" وهو الذي انصرف ولم يجلس \" فأعرض فأعرض الله عنه \" أي فإن كان قد انصرف كارهًا فقد باء بسخط الله وغضبه، وإن كان له عذره فقد حُرِمَ من شرف ذلك المجلس وثوابه.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن من آداب المجالس العلمية وغيرها أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس، ويشمل ذلك النوادي الأدبية والمساجد والمجتمعات العامة أو الخاصة، كما ترجم له البخاري، لأن النبي - ﷺ - أثنى على من جلس خلف الحلقة ولم يزاحم غيره. ثانيًا: أن مجالس العلم هي مجالس الخير ورياض الجنة، من جلس إليها كان في كنف الله تعالى، وفاز برضوانه، وآواه الله إليه. ثالثًا: أنه يستحب لمن وجد فرجة في الحلقة أن يجلس فيها. والمطابقة: في قَوله وأما الآخر فجلس خلفهم.\n٤٢ - باب قول النبي - ﷺ -: \" ربَّ مبلغ أوعى من سامع \"\n٥٣ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nمعنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁ \" قعد النبي - ﷺ - على بعيره \" يوم النحر بمنى في حجة الوداع \" وأمسك إنسان \" وهو بلال رضي","vol":"1","page":168},{"text":"وأعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى له مِنْهُ\".\nــ\nالله عنه \" بخطامه أو بزمامه، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا \" لأنَّه سأل عن شيءٍ لا يجهله أحد، فظنوا أنه أراد غيره، \" فظننا أنه سيسميه سوى اسمه \" المعروف لدينا \" قال: أليس يوم النحر! قلنا: بلى \" هو كما ذكرت \" قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى \" هو كما ذكرت \" قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام \" أي فإن حقوق كل واحد منكم أيها الناس من دم أو مال أو عرض محرمة على أخيه في جميع الأديان السماوية \" كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا \" أي إن الله حرم هذه الحقوق الإِنسانية، كما حرم القتال في هذا اليوم من هذا الشهر في هذا البلد منذ خلق السموات والأرض، وإنما شبه تحريم حقوق الإنسان هذه بحرمة يوم النحر في شهر ذي الحجة في هذا البلد الأمين لأن تحريمه كان ثابتًا عند العرب راسخًا في قلوبهم، بخلاف حقوق الإنسان، فإنهم كانوا يجهلونها، ويتهاونون فيها في الجاهلية، فشبه لهم هذه بهذه لتأكيد حرمتها. ثم قال - ﷺ -: \" ليبلغ الشاهد الغائب \" فأمرهم أن لا يكتفوا بسماع حديثه هذا والعمل به فقط، بل عليهم أيضًا أن يقوموا بتبليغه وروايته إلى غيرهم، فليبلغ الحاضر منهم الغائب، ويروي له حديث النبي - ﷺ - هذا، ليبقى حديث رسول الله - ﷺ - موجودًا في أمته تتداوله الأجيال جيلًا بعد جيل إلى قيام الساعة ولتؤخذ منه المسائل، وتستنبط الأحكام الفقهية على مر الأزمان والعصور \" فإن الشاهد عسى أن ييلغ من هو أوعى منه \" أي فإنَّ راوي الحديث قد يبلغه إلى من هو أفقه وأقدر على استنباط الأحكام الشرعية منه.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>٤٣ - \" بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَخوَّلُهُمْ بالموْعِظَةِ وَالعِلْم كَي لا يَنْفِرُوا </span>\"\n٥٤ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَتَخَوَّلُنَا بالْمَوْعِظَةِ في الأيامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا \".\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية التبليغ ورواية الحديث، وشرف هذا العلم، وأهله، ورحم الله السيوطي إذ يقول:\nمَنْ كَانَ مِنْ أهلِ الحَدِيْثِ فَإنهُ ... ذُوْ نَضْرَةٍ في وَجْهِهِ نُورٌ سَطَعْ\nإِنَّ النبيَّ دَعَا بِنَضْرِةِ وَجْهِ مَنْ ... أدَّى الحَدِيْثَ كَمَا تَحَمَّل وَاتَّبّعْ\nيشير ﵀ إلى قوله - ﷺ - \"نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيرهُ \". ثانيًا: تقرير حقوق الإِنسان وأنَّها محرمة على أخيه الإِنسان مطلَقًا بصرف النظر عن دينه ومذهبه وعنصره وجنسيته، فلا يجوز الاعتداء عليها بحال من الأحوال، ولم تشرع الحدود الشرعيّة إلَّا لصيانة الدين والنفس والمال والعرض والنسب والعقل، وحماية هذه الحقوق الانسانية كلها، كما هو مقرر في أصُول التشريع الإِسلامي. ثالثًا: أن العلم بالحديث شيء والفقه فيه شيءٌ آخر، فقد يروي المحدث، إلى من هو أفقه منه، وقد يكون المحدث غير فقيه. والمطابقة: في قوله \" فإن الشاهد عسى أن يُبلِّغ من هو أوعى منه \".\n\n٤٣ - باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا\n٥٤ - الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي أيضًا.\nمعنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" كان النبي - ﷺ - يتخولنا بالموعظة في الأيام \" أي كان - ﷺ - من شدة حرصه على انتفاع أصحابه","vol":"1","page":170},{"text":"٥٥ - عن أنسٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" يَسِّروا ولَا تعَسِّروا وبَشِّروا ولَا تُنَفِّرُوا \".\nــ\nواستفادتهم من وعظه وإرشاده لا يكثر عليهم من ذلك، وإنّما يتعهدهم بالموعظة في بعض الأيام دون بعض، ويتحرى الأوقات المناسبة التي هي مظنة استعدادهم النفسي لها، وإنما كان يقتصر على الوقت المناسب \" كراهة السآمة علينا \" أي خوفًا على نفوسنا من الضجر والملل، الذي يؤدي إلى استثقال الموعظة وكراهتها ونفورها، فلا تحصل الفائدة المرجوة، وقد قال الشاعر:\nإِنّما تَنْفَعُ المَقَالَةُ في المَرْءِ ... إِذا صَادَفت هُوىً في الفُؤَادِ\nوالمطابقة: في قوله: يتخولهم بالموعظة.\n٥٥ - الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nمعنى الحديث: أمر النبي - ﷺ - في هذا الحديث بأمرين، يتوقف على الأول منهما استقامة الإِنسان في ذات نفسه، وعلى الثاني نفعه لغيره، ونهى عن ضدهما، لما يؤدي إليه من نتائج عكسية.\nأمّا الأمر الأول الذي يرتبط به صلاح الإِنسان واستقامته فهو التيسير، وضده التعسير، وفي هذا يقول - ﷺ - \" يسروا \" أي خففوا على أنفسكم بممارسة الأعمال التي تطيقونها، والاقتصاد والتوسط في نوافل العبادات والطاعات من صيام وقيام ونحوه، فأتوا منها ما استطتعم، مع المحافظة على الحقوق البدنية والنفسية والاجتماعية من طعام وشراب ولباس ونوم وراحة وزوجة وولد وغيرها، كما قال - ﷺ -: \" إن لبدنك عليك حقًا، وإنّ لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك -أي ضيفك- عليك حقًا \" \" ولا تعسروا \" أي لا تشددوا على أنفسكم بتكليفها ما لا تطيق من العبادات والطاعات، وإهمال حقوق الجسد والروح وحقوق الأهل والولد","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>٤٤ - \" بَابٌ مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ </span>\"\n٥٦ - عنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ:\nــ\nوغيرها، فإن ذلك يؤدي إلى نتيجة عكسية وخيمة العاقبة، وهي السآمة والملل المؤدي إلى كراهية الأعمال الصالحة، ثم إلى كراهية الدين نفسه. أما الأمر الثاني فهو التبشير الذي يتوقف عليه نجاح الموعظة وانتفاع الغير بها، وضده المبالغة في الترهيب والتخويف، المؤدي إلى النفور، وفي هذا يقول - ﷺ - \" وبشروا \" أي بشروا المؤمنين بفضل الله وثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، كما أفاد القسطلاني \" ولا تنفروا \" الناس بالإكثار من أحاديث الترهيب وأنواع الوعيد. والمطابقة: في قوله \" ولا تنفروا \".\nويستفاد من الحديثين: أولًا: استحباب اختيار الأوقات المناسبة للموعظة، وعدم الإكثار منها، ليستفيد بها السامعون، لأن الإكثار منها يُمِلُّهم وينفرهم. ثانيًا: أن من السنة الاقتصاد في نوافل الطاعات والعبادات من صيام وقيام وإعطاء النفس حقوقها الطبيعية حتى تقبل على الطاعة في شوق ورغبة فتكون أجدى لها وأكثر نفعًا. ثالثًا: حث المرشدين على تبشير الناس وترغيبهم، وفتح أبواب الأمل والرجاء أمامهم حتى يقبلوا على ربهم في حب ورغبة، ويحسنوا الظن به، مع الاجتهاد في العمل، والاخلاص فيه، فإن حقيقة الرجاء أن يقترن الأمل بحسن العمل. وإلَّا فهو أماني باطلة، لا تجدي صاحبها شيئًا.\n٤٤ - باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\n٥٦ - الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجه.\nترجمة راوي الحديث: هو معاوية ابن أبي سفيان القرشي الأموي، أسلم مع أبيه يوم الفتح، وظهرت عليه النباهة منذ صغره، نظر إليه أبوه وهو غلام","vol":"1","page":172},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّيون، وإنَّما أنَا قَاسِمٌ، واللهُ ﷿ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هِذِهِ الأمَّةُ قائِمَةً على أمْرِ اللهِ لَا يَضُرَّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يأتِيَ أمْرُ اللهِ\".\nــ\nفقال: إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه فقالت أمه هند: قومه فقط! ثكلتْهُ أمه إن لم يسد العرب قاطبة، تولى الإِمارة عشرين سنة، والخلافة مثلها، وقال فيه عمر ﵁: هذا كسرى العرب روى (١٦٣) حديثًا انفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة، وتوفي سنة ٦٠ من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من يرد الله به خيرًا \" أي خيرًا عظيمًا، ونفعًا كثيرًا، فإن التنكير للتعظيم \" يفقهه في الدين \" أي يمنحه العلم الشرعي الذي لا يدانيه خير في هذا الوجود في فضله وشرفه، وعلو درجته، لأنه ميراث الأنبياء، الذي لم يُورِّثُوا غيره \" وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم \". وللفقه في لسان الشرع معنيان، معنىً خاص: وهو معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات والمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية. ومعنىً عام: وهو معرفة علوم الدين من توحيد وتفسير وحديث وفرائض وأحكام، وهو المراد هنا \" وإنما أنا قاسم \" أي وإنما أنا مجرد قاسم للعلوم الشرعية، ومبلغ لها، أبلغها وأنقُلها إليكم عن ربكم \" والله ﷿ يعطي \" أي والله وحده هو الذي يعطي الحفظ والفهم من يشاء وعلى قدر ما يشاء \" ولن تزال هذه الأمة \" أي لا تزال طائفة من المسلمين \" قائمة على أمر الله \" أي ثابتة على دينه إلى قيام الساعة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن العلم الشرعي أشرف العلوم إطلاقًا، لعلاقته بالله. ثانيًا: أن الفقه في الدين موهبة ربانية يختلف الناس فيها وكذلك كل الملكات الإِنسانية. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>٤٥ - \" بَابُ الْفَهْمِ في الْعِلْمِ </span>\"\n٥٧ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nكُنَّا عِنْدَ النَّبِيّ - ﷺ - فأتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: \"إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كَمَثَلِ الْمُسْلِمِ، فَأرَدْتُ أنْ أقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أرنا أصْغَرُ الْقَوْمِ، فَسَكَتُّ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"هِيَ النَّخْلَةُ\".\nــ\n٤٥ - \" باب الفهم في العلم \"\nأراد البخاري هنا أن يثبت بالأحاديث الصحيحة أن الفهم قدر زائد على العلم الذي هو مطلق الإدراك، لأنه قوة ذهنيَّة يتوصل بها إلى استنباط الأشياء الدقيقة التي قد يصل إليها الفهم ولا يصل إليها العلم.\n٥٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كنا عند النبي - ﷺ - فأتي بجمّار فقال: إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم \" بفتح الميم والثاء أي أن هناك شجرة غريبة بين الأشجار الأخرى، تشْبه المسلم في صفاته الطيبة، وفي رواية \" إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة \" إلخ \" فأردت أن أقول: هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم: فسكت \" أي فنظرت إلى الحاضرين من أجلاء الصحابة وشيوخهم، فوجدت نفسي أصغرهم سنًا، فسكت عن الجواب حياءً وتكريمًا وتوقيرًا لكبار السن منهم. \" قال النبي - ﷺ -: هي النخلة \" وأجاب بما توقعت وإنما عرف ابن عمر أن تلك الشجرة هي النخلة من \" الجُمّار \" الذي أهدي إلى النبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله \" فأردت أن أقول هي النخلة \".\nويستفاد منه: أن الفهم قدر زائد على العلم، وأنه قوة ذهنية يتوصل بها صاحبها عن طريق الاستنباط إلى ما لا يتوصل إليه غيره من العلماء، كما","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>٤٦ - \"بَابُ الاغْتِبَاط في الْعِلْمِ</span>\"\n٥٨ - عَن ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا حَسَد إلَّا في اثْنَتَيْنِ، رَجُل آتَاهُ اللهُ مَالًا فسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا\".\nــ\nاستنبط ابن عمر من قرينة الجمّار الذي أهدي إلى النبي - ﷺ - أن الشجرة المسؤول عنها هي النخلة، لأنّ النبي - ﷺ - إنما طرح هذا السؤال بعد إهدائه الجمّار الذي هو رأس النخلة، فدلّ على أنها هي.\n٤٦ - \" باب الاغتباط في العلم \"\n٥٨ - معنى الحديث: يشير النبي - ﷺ - هنا إلى أن الحسد أنواع مختلفة فمنه حَسَدٌ مذموم محرم شرعًا، وهو أن يتمنى المرء زوال النعمة عن أخيه، وحسد مباح وهو أن يرى نعمة دنيوية عند غيره فيتمنى لنفسه مثلها، وحسد محمود مستحب شرعًا، وهو أن يرى نعْمةً دينية عند غيره فيتمنّاها لنفسه. وهو ما عناه النبي - ﷺ - بقوله: \" لا حسد إلاّ في اثنتين \" أي أن الحسد تختلف أنواعه وأحكامه حمسب اختلاف أنواعه ولا يكون محمودًا مستحبًا شرعيًا إلاّ في أمرين: \"رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته (١) في الحق \" أي الأمر الأول أن يكون هناك رجل غني تقي، أعطاه الله مالًا حلالًا، فأنفقه فيما ينفعه وينفع غيره ويرضي ربه من وجوه الخير، فيتمنى أن يكون مثله، ويغبطه على هذه النعمة. \" ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها \" أي والأمر الثاني: أن يكون هناك رجل عالم، أعطاه الله علمًا نافعًا يعمل به: ويعلمه لغيره، ويحكم به بين الناس فيتمنى مثله.\n_________\n(١) هلكته بفتح الهاء واللام كما أفاده القسطلاني.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>٤٧ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: اللَّهُمَّ عَلّمْهُ الْكِتَابَ </span>\"\n٥٩ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: \" اللَّهُمَّ علِّمْهُ الْكِتَابَ \".\nــ\nويستفاد منه: أن من الحسد ما هو مشروع، وليس بحرام، وهو الغبطة.\nومعناها: أن يرى المرء نعْمة عند غيره فيتمنى مثلها، فإن كانت الغبطة في أمر دنيوي من صحة أو قوة أو مركز أو ولد فهي مباحة، وإن كانت في أمر ديني كالعلم النافع أو المال الصالح فهي مستحبة شرعًا. والمطابقة: في قوله \" ورجل آتاه الله الحكمة \" إلخ. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجة.\n٤٧ - \" باب قول النبي - ﷺ -: اللهم علمه الكتاب \"\n٥٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" ضمني رسول الله - ﷺ - \" إلى صدره أي طوقه بذراعيه، ووضع صدره على صدره تعبيرًا عن محبته له، وشفقته عليه، وإيناسًا لقلبه، وتبريكًا له بملامسة جسده الشريف ليحصل على العلم النافع، الذي يتفوق به على غيره، ثم أتبع ذلك بالدعاء له \" وقال: اللهم علمه الكتاب \" أي علمه القرآن حفظًا وفهمًا وتفسيرًا وتأويلًا وفقهًا وأحكامًا فاستجاب الله دعاءه.\nويستفاد من الحديث مما يأتي: أولًا: فضل ابن عباس ﵄، وتميزه عن غيره بهذا الدعاء المبارك، الذي استجاب الله فيه دعوة نبيه، فأصبح ابن عباس ﵄ مضرب الأمثال، وبحر العلوم، وحَبر الأمة، وترجمان القرآن، وتفوق في الفقه على من هم أكثر منه حديثًا وروايةً حتى قال ابن القيم: أين تقع فتاوى ابن عباس واستنباطاته من فتاوى أبي هريرة، وهو أحفظ منه إلاّ أنه يؤدي الحديث كما سمعه. ثانيًا: مشروعية الضم والمعانقة","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>٤٨ - \" بَاب متَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ </span>\"\n٦٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nأقْبَلْتُ رَاكِبًَا على حِمَارٍ أرتانٍ، وأرنا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِمِنَىً إلى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْض الصَّفِّ، وأرْسَلْتُ الأتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَي\".\nــ\nعند المناسبات، ومنها استقبال المسافر فإنه مما يشرع المعانقة عنده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجة جزءًا من الحديث.\n٤٨ - \" باب متى يصح سماع الصغير \"\n٦٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" أقبلت راكبًا على حمار أتان \" بفتح الهمزة والتاء أي على حمار أنثى \" وأنا قد ناهزت الاحتلام \" أي وأنا غلام كنت قد قاربت البلوغ ولم أبلغ بعد، وكان عمره ﵄ في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة \" ورسول الله يصلّي بمنى إلى غير جدار \" أي إلى غير سترة من جدار أو غيره \" فمررت بين يدي بعض الصف (١) \" أي فمررت وأنا راكب حماري أمام بعض صفوف المصلين في حين أن إمامهم وهو النبي - ﷺ - لا سترة له \" فلم ينكر ذلك علي \" أي فلم ينكر أحدٌ علي مروري هذا. الحديث: أخرجه الستة.\n_________\n(١) وفي رواية الترمذي: كتب رديف الفضل على أتان فجئنا والنبي - ﷺ - يصلي بأصحابه بمنى. فنزلنا عنها فوصلنا الصف، فمرت بين أيديهم، فلم تقطع صلاتهم. قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح قال والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع الصلاة شيء، وبه يقول سفيان وأبو حنيفة.","vol":"1","page":177},{"text":"٦١ - عنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيع ﵁ قَالَ:\nعَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - مَجَّةً مَجَّهَا في وَجْهِي وأنا ابْنُ خَمْسِ سِنين مِنْ دَلْوٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٤٩ - \" بَابُ فضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ </span>\"\n٦٢ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:\nعن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ،\nــ\n٦١ - معنى الحديث: يقول محمود بن الربيع ﵁:\n\" عقلت من النبي - ﷺ - مجة مجها في وجهي \" أي حفظت في ذاكرتي رشة من الماء رشها رسول الله - ﷺ - من فمه في وجهي \"وأنا ابن خمس سنين \" أي وأنا حينئذ صبي صغير لم أتجاوز الخامسة من عمري. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: جواز سماع الصغير وتحمله الحديث إذا كان متمكنًا من ضبطه، ولا يشترط البلوغ، لأن السلف قبلوا رواية ابن عباس وابن الربيع مع صغر سنهما. ثانيًا: أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، لأن ابن عباس مر أمام بعض الصف بحماره، والنبي - ﷺ - بغير سترة، ولم يأمرهم - ﷺ - بالإِعادة. مطابقة الحديثين للترجمة: في قبول أهل العلم لحديث ابن عباس وابن الربيع وهما صغيران.\n٤٩ - \" باب فضل من عَلِم وعَلّم \"\n٦٢ - معنى الحديث: شبه النبي - ﷺ - هذا العلم الشرعي المستمد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - بغيْث عميم، ومطر غزير، نزل على أنواع مختلفة من الأرض في جدبها وخصبها، \" فكان منها نقية \" أي فكان البعض","vol":"1","page":178},{"text":"كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أصَابَ أرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّة قَبِلَتِ الْمَاءَ، فأنبهتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الكَثِير، وكانَتْ مِنْهَا أجَادِبُ، أمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفعَ اللهُ بهَا النَّاسَ، فَشرَبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَاتُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِين اللهِ وَنَفَعَهُ ما بَعَثَنِي بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بذَلِكَ رَأسًَا ولَمْ يَقْبَل هُدَى اللهِ الذي أرْسِلْتُ بِه\".\nــ\nمنها أرضًا خصبة نقيّة من الحشرات والديدان، التي تفتك بالزرع. \" قبلت الماءَ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير \" أي شربت مياه الأمطار، فأنبتت النبات رطبًا ويابسًا، فاستفادت في نفسها نضرةً وجمالًا، وأفادت الإِنسان والحيوان غذاءً وكساءً. \" وكانت منها أجادب \" أي وكان بعضها أرضًا صلبة مجدبة، لا تنبت زرعًا، ولكن فيها غدْرَانٌ \" أمسكت الماء \" فكانت بمثابة خزانات ضخمة، حفظت الماء، وأمدت به غيرها \" فنفع الله بها الناس، فسقوا \" مواشيهم \" وشربوا \" \" منها ما يرويهم \" وزرعوا \" أي وحولوا الماء إلى أرض خصبة فزرعوها، فهي وإن لم تنتفع بالغيث في نفسها، إلاّ أنها نفعت غيرها من الإنسان والحيوان. \" وأصاب منها طائفة أخرى \" أي وأصاب ذلك الغيث نوعًا آخر من الأرض \" إنما هي قيعان \" أي أرض مجدبة مستوية لا غدران فيها \" لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ \" أي فهي لا تحفظ الماء لاستواء سطحها، ولا تنبت العشب لجدبها وصلابتها فلم تنتفع بذلك الغيظ في نفسها، ولم تنفع غيرها فهي شر أقسام الأرض وأخبثها. ثم بيّن النبي - ﷺ - لنا في بقية الحديث هذه الأمثلة ووضّحها لنا بقوله: \" فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم \" أي فتلك (١) الأرض الخصبة النقية هي\n_________\n(١) وذلك لأن اسم الإشارة يعود إِلى صنفين من الأرض هما: النقية، والأجادب.","vol":"1","page":179},{"text":"مثل العالم المتفقه في دين الله العامل بعلمه المعلم لغيره، وتلك الأجادبُ التي تحفظ الماء لغيرها هي مثل العالم الذي يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، فهو كالشمعة تضيء لغيرها. وتحرق نفسها \" ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به \" أي وأمّا القيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فإنها مثل لصنفين من الناس: أولهما: المسلم الجاهل، أو المسلم العالم الذي لم يعمل بعلمه، ولم يعلمه غيره، وهو المقصود بقوله: \" من لم يرفع بذلك رأسًا \". وثانيهما: الكافر الذي لم يدخل في الدين أصلًا وهو المعني بقوله: \" ولم يقبل هدى الله \". الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد ما يأتي: أولًا: أن الناس ازاء هذا العلم الشرعي والاستفادة منه على أربعة أقسام: عالم عامل معلّم لغيره، وهو أشرف الأقسام، ومن ورثة الأنبياء، وعالم يعلّم غيره ولا يعمل بعلمه، فهذا ينفع الناس ولا ينفع نفسه، ويكون علمه حجة عليه، ومسلم جاهل أو عالم لا يعلم غيره، ولا يعمل بعلمه، هذا شرٌ ممن سبق، وكافرٌ لم يدخل في هذا الدين أصلًا فهذا هو أخبث الأقسام وشرها وأشقاها. ثانيًا: فضل من علم وعمل وعلّم لأن النبي - ﷺ - شبهه بخير أجزاء الأرض وأشرفها وأزكاها وهي \" الأرض النقية \".\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم \".\n***","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>٥٠ - \" بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ </span>\"\n٦٣ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزنَا \".\nــ\n٥٠ - \" باب رفع العلم وظهور الجهل \"\n٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \"إن من أشراط (١) الساعة\" أي من علامات قرب قيام الساعة \" أن يرفع العلم \" على مراحل متعددة فيرفع أولًا \" العلم النافع المقترن بالعمل الصالح \"، حتى لا يبقى منه إلاّ كلمات تتردد على ألسنة العلماء، لا أثر لها في سلوكهم وتصرفاتهم الشخصية، وقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - ذكر يومًا رفع العلم فقيل له: كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه أبناءَنا ونساءَنا؟ فقال - ﷺ -: \" هذه التوراة والإنجيل عند اليهود فما تغني عنهم \". وقال عبادة بن الصامت ﵁: لو شئت أخبرتك بأولي علم يرفع من الناس: \" الخشوع \" يزول هذا، فيتهاون الناس به ولا يعملون بمقتضاه لا حملة العلم ولا غيرهم، ويبقى علم اللسان حجة عليهم. ثم يذهب علم اللسان، فلا يبقى محدث ولا مفسر: إنما هي الكتب في المكتبات، ثم يرفع العلم كله من الكتب والقلوب معًا \" ويثبت الجهل \". أي ويتمكن من الناس، ويفشو بينهم \"ويشرب الخمر، ويظهر الزنا \" أي ويكثر الزنا وشرب الخمور كنتيجة حتمية لارتفاع العلم وانتشار الجهل وزوال الخشية من القلوب. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي أيضًا.\nوالمطابقة: في قوله \" أن يرفع العلم ويثبت الجهل \".\n_________\n(١) أشراط جمع شرط بفتح الشين والراء.","vol":"1","page":181},{"text":"٦٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ:\nلأحَدِّثَنَّكُمْ حَديثًا لا يُحَدِّثُكُمْ أحدٌ بَعْدِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أن يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ الِّنسَاءُ، وَيَقلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُون، لِخَمْسِينَ امْرَأةٍ القَيِّمُ الوَاحِدُ\".\nــ\n٦٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" لأحدثنكم حديثًا \" أي أقسم بالله لأحدثنكم حديثًا بالغ الأهمية \" لا يحدثكم أحد بعدي \" أي أنفرد بهذا الحديث وحدي فلا يحدثكم به من أهل البصرة أحدٌ بعد وفاتي لأنه كان آخر من مات بالبصرة من الصحابة كما أفاده الحافظ \" سمعت رسول - ﷺ - يقول: إن من أشراط الساعة أن يقل العلم \" أي يقل العلم الشرعي في هذه الأرض لكثرة موت العلماء كما في حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - \" إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء \" \" ويظهر الجهل \" أي وينشر الجهل في الناس \" وتكثر النساء ويقل الرجال \" أي يتضاعف عدد النساء بالنسبة إلى عدد الرجال الذين تفنيهم الحروب الدامية، وقيل: تكثر النساء بسبب كثرة الفتوح والسبايا \" حتى يكون للخمسين امرأة القيم الواحد \" أي حتى لا تجد الخمسون امرأة سوى رجل واحد يكفلهن ويعولهن ويقوم بشؤونهن. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله \" يقل العلم \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: أن من علامات الساعة رفع العلم الشرعي، وقلة وجوده، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن من علامات الساعة انتشار الفاحشة كنتيجة حتميّة لكثرة وجود النساء غير المتزوجات، ولهذا قال - ﷺ - في حديث آخر: \" إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض \".","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>٥١ - \" بَابُ فضلِ الْعِلْمِ </span>\"\n٦٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" بَيْنَا أنا نَائمٌ أتِيْتُ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أظْفَارِي، ثُمَّ أعطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ \" قَالُوا: فَمَا أولْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \" الْعِلْمَ \".\nــ\n٥١ - \" باب فضل العلم \"\n٦٥ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄ \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن \" أي رأيت في أثناء نومي شخصًا جاءني بقدح من لبن \" فشربت حتى اني لأرى الري يخرج في أظفاري \" أي فشربت وارتويت كثيرًا حتى صرت كأني أرى اللبن بعيني يخرج من أصابعي، ويسيل على أظفاري من شدة الري، فالري هنا المراد به اللبن على سبيل الاستعارة \" ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب \" أي أعطيته ما تبقى مني فشربه \" دلوا: فما أولته؟ قال العلم \" (١) أي فسرت اللبن بالعلم، لأن العلم كما قال القاري: يصور في ذلك العالم الروحاني بصورة اللبن، بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب صلاحه، والعلم أول غذاء الروح وسبب صلاحها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل العلم وشرفه. وأهميته بالنسبة للإِنسان، لأنه أفضل غذاء لروحه، كما أن اللبن أفضل غذاء لبدنه. ولأنه ميراث النبي - ﷺ - الذي تبقى لنا من بعده، ولذلك فُسِّر به اللبن الذي تبقى منه وشربه عمر ﵁. ثانيًا: فضل عمر ﵁ وتفوقه في\n_________\n(١) يجوز فيه النصب والرفع معًا كما أفاده الحافظ.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٥٢ - \" بَابُ الفُتْيا وهوَ وَاقِفٌ علَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا </span>\"\n٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرِو بنِ العَاصِ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وقَفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنىً لِلنَّاسِ يَسْألونَهُ، فجَاءَهُ رَجُل فقالَ: لمْ أشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قبلَ أنْ أذْبَحَ؟ فَقَالَ: اذْبَحْ ولا حَرَجَ. فجاءَ آخَرُ فَقَالَ: لمْ أشْعُرْ فنَحَرْتُ قَبْلَ أن أرْمِيَ فَقَالَ: ارْمِ ولا حَرَج.\nفما سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلا حَرَج \".\nــ\nعلوم الشريعة، لأنّه نَهِلَ من ذلك اللبن الذي شرب منه النبي - ﷺ - فدل ذلك على اختصاصه وامتيازه بقدرٍ زائدٍ من العلم، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - فسر اللبن الذي بقي منه بالعلم، فدل ذلك على فضل العلم.\n٥٢ - \" باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها \"\n٦٦ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ \" أن النبي - ﷺ - وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه \" أي وقف - ﷺ - على راحلته عند الجمرة بعد الزوال من يوم النحر في ذلك المشهد العظيم والجم الغفير يسأله الحجاج ويستفتونه فيما يحتاجون إليه من أحكام الحج، \" فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح \" أي غفلت ونسيت فخالفت الترتيب بين المناسك، فقدمت الحلق على الذبح \" فقال: اذبح ولا حرج \" أي لا إثم عليك ولا دم، \" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي \" جمرة العقبة \" قال: ارم ولا حرج، فما سئل النبي - ﷺ -","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>٥٣ - \" بَابُ مَنْ أَجَابَ الْفُتْيَا بإشَارَةِ الْيَدِ وَالرَّأس </span>\"\n٦٧ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، ويَكْثُرُ الْهَرْجُ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فقَالَ: هَكَذَا بِيَدِه فَحَرَّفَهَا، كأنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ.\nــ\nعن شيء قدم ولا أخر إلاّ قال: افعل ولا حرج\" أي لا إثم ولا دم عليك. ويستفاد منه يأتي: أولًا: جواز سؤال العالم راكبًا أو ماشيًا أو واقفًا، وهو ما ترجم له البخاري لأن النبي - ﷺ - سئل عن المناسك وهو راكب على بعيره. ثانيًا: أن الترتيب بين أعمال يوم النحر (١) سنة لا واجب، وسيأتي تفصيله في الحج. ثالثًا: أنه يستحب لمن يتصدى للفتوى أن يتحرى الأماكن العامة الحافلة بالناس، ليتمكن من أداء واجبه على الوجه الأكمل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله \" إن رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع للناس يسألونه \".\n٥٣ - \" باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس \"\n٦٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" يقبض العلم \" أي من علامات الساعة أن يرفع العلم بموت العلماء \"ويظهر الجهل والفتن \" التي تصيب الناس في دينهم حتى يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر \" ويكثر الهَرْج \" بسكون الراء \" قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا يده فحرفها \" أي حركها \" كأنه يريد القتل \" أي فلما سئل - ﷺ - عن معنى الهرْج حرك يده - ﷺ - كالضارب يشير بذلك إلى أن معناه القتل\n_________\n(١) وهي رمي جمرة العقبة والنحر والحلق.","vol":"1","page":185},{"text":"٦٨ - عَنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بكْرٍ ﵄ قَالَتْ أتيتُ عَائِشَةَ وهِىَ تُصَلِّي فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاس؟ فأشَارَتْ إلى السَّمَاءِ، فإذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأشَارَتْ بِرَأسِهَا، أيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حتَّى عَلَانِيَ الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أصُبُّ على رأسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ\nــ\nوسفك الدماء. يعني ويكثر في الناس القتل وسفك الدماء وتنتشر الحروب والمعارك الدامية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله \" فقال هكذا بيده فحركها \".\n٦٨ - ترجمة راوية الحديث: هي أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخت عائشة من أبيها، وأم عبد الله بن الزبير، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين عامًا، وهاجرت إلى المدينة بعبد الله، روت عن النبي - ﷺ - (٥٦) حديثًا اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بأربعة، وتوفيت بمكة سنة (٧٣) هـ بعد أن عاشت مائة عام.\nمعنى الحديث: تقول أسماء ﵂ \" أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس فأشارت إلى السماء \" أي جئت إلى عائشة ﵂ وهي تصلي مع النبي - ﷺ - صلاة الجماعة في غير الأوقات المعتادة للصلوات الخمس، فأثار ذلك انتباهي، وأحسست أن شيئًا قد حدث، فقلت لعائشة: ما بال الناس يصلون جاعة في غير وقت الفريضة، فأشارت بيدها إلى السماء، إشارة معناها انظري إلى السماء تعرفين سبب هذه الصلاة، وهو كسوف الشمس. \" فقالت سبحان الله \" أي فلما أشارت بيدها إلى السماء، قالت: سبحان الله لتنبِّهني إلى ما حدث بالتسبيح والإِشارة معًا \" قلت: آية؟ \" أي هذا الكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده \" فأشارت برأسها أي نعم \" أي فأشارت إشارة تفسيرُها نعم \" قمت حتى علاني الغشي \"","vol":"1","page":186},{"text":"النَّبِيُّ - ﷺ - وأثْنَى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَىءٍ لَمْ أكنْ أرِيتُهُ إلَّا رَأيْتُهُ في مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فأوْحَى اللهُ إليَّ أنكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ مِثْلَ أوْ قَرِيبًَا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فأمَّا الْمُؤْمِنُ أو الْموْقِنُ لا أدْرِي بأيَّهُمَا قَالَتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُو مُحمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بالبَيِّناتِ والْهُدَى، فأجَبْنَاهُ واتَبّعْنَاهُ، هُوَ محمدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا (١)، قَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَموقِنًَا بِهِ، وأمَّا الْمُنَافِقُ أو المُرْتَابُ لا أدْرِي أي ذلِكَ قَالَتْ أسْمَاءُ فَيقُولُ: لا أدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًَا فَقُلْتُهُ \".\nــ\nبفتح الغين وسكون الشين أو بكسر الشين وتشديد الياء، أي فدخلت معهم في الصلاة فوقفت وقوفًا طويلًا حتى أصابتني غشاوة، وهي حالة مرضية تحدث عادةً بسبب طول في الوقوف في شدة الحر \" فجعلت أصب على رأسي الماء \" لتخفيف الحرارة \" فحمد الله وأثنى عليه \" أي فلما فرغ من صلاته خطب خطة بليغة بدأها بحمد الله والثناء عليه \" ثم قال: ما من شيء لم أكن أريته إلاّ رأيته في مقامي هذا \" أي ما هناك شيء لم يسبق لي رؤيته والاطلاع عليه إلاّ رأيته في مكاني وزماني هذا \" حتى الجنة \" بالرفع على أنه مبتدأ وخبرُه محذوف تقديره حتى الجنة مرئية مكشوفة أمامي \" فأوحى الله إليّ أنكم تفتنون في قبوركم \" بسؤال الملكين \" مثل أو قرييًا من فتنة المسيح الدجال \" أي فتكون فتنة القبر شديدة تشبه فتنة الدجال أو تقرب منها \" يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ \" المشار إليه وهو النبي - ﷺ - أي ماذا تعرف عنه؟\n\" فأمّا المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله \" أي فأما من كان في دنياه مؤمنًا موقنًا حقًا، فإن الله يثبته بالقول الثابت، ويلهمه الجواب\n_________\n(١) قوله ثم صالحًا أبي صالحًا للتكريم وإهلاله.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>٥٤ - \" بَابُ الرِّحْلَةِ في الْمَسألَةِ النَّازِلَةِ </span>\"\n٦٩ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁:\nــ\nالصحيح رغم هول الموقف، ووحشة القبر، وإبهام السؤال، فيعرف من هو المشار إليه، ويجيب عنه، وإن لم يصرَّحْ باسمه، فيقول: هو محمد رسول الله وذلك هو مصداق قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال البَرَاءُ المراد بالحياة الدنيا المساءلة في القبر، وبالآخرة المساءلة في القيامة. وقال القفال وجماعة: \" في الحياة الدنيا \" أي في القبر لأن الموتى في الدنيا إلى أن يبعثوا، وفي الآخرة، أي عند الحساب اهـ.\nفإذا سئل المؤمن في القبر، وقيل له: ما علمك بهذا الرجل؟ قال: هو محمد رسول الله \" جاءنا بالبينات \" أي بالآيات القرآنية الواضحة \" والهدي \" أي وأرشدنا إلى الدين القويم \" وأمّا المنافق والمرتاب \" أي المتردد \" فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته \" أي لم أكن على يقين من نبوته وإنما وافقت الناس على قولهم ظاهرًا. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قول الراوي \" فأشارت برأسها أي نعم \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: إخباره - ﷺ - عن انتشار الفتن في آخر الزمان والحروب بين المسلمين، وأن ذلك نتيجة حتمية لارتفاع العلم، وظهور الجهل. ثانيًا: إثبات سؤال القبر للمؤمن والمنافق والكافر (١). ثالثًا: الإِجابة عن الفتيا بإشارة اليد والرأس كما فعل النبي - ﷺ - في الحديث الأول، وكما فعلت عائشة في الثاني.\n٥٤ - \" باب الرحلة في المسألة النازلة \"\n٦٩ - ترجمة الراوي وهو عقبة بن الحارث القرشي أسلم ﵁\n_________\n(١) ودليله قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح \" وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل \"","vol":"1","page":188},{"text":"أنَّه تَزَوَّجَ ابْنَةً لَأبِي إهَابِ بْنِ عَزيزٍ، فأتَتْهُ امْرأة فقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أرْضَعْتُ عُقْبَةَ والتي تَزَوَّجَ بِهَا، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ، ما أعْلَمُ أَنكِ أرْضَعْتِنِي، ولا أخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالْمَدِيْنَةِ، فَسَألهُ فقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: كَيْفَ وقَدْ قِيْلَ، ففارقَهَا عُقْبَةُ، ونَكَحَتْ زَوْجًَا غَيرهُ.\nــ\nيوم الفتح، وسكن مكة، أخرج له البخاري، ولم يخرج له مسلم.\nمعنى الحديث: يحدثنا عقبة ﵁ عن نفسه \" أنه تزوج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز \" أي أنه تزوج بنت هذا الرجل، واسمها غَنِية. بفتح الغين العجمة وكسر النون، \" فأتته امرأة \" أي فأتته امرأة مُرْضعة \" فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها \" أي فأخبرته بأن المرأة التي تزوجها هي أخته من الرضاعة، لأنّها أرضعتهما معًا \" فقال: ما أعلم أنك أرضعتني \" أى فاعتذر بأنه لا علم له بذلك \" فركب إلى رسول الله بالمدينة فسأله فقال رسول الله - ﷺ -: فكيف وقد قيل \" أي كيف تباشرها، وقد قيل بأنها أختك من الرضاعة \" ففارقها \" اتقاءً للشبهات، أو لفساد النكاح.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب اتقاء الشبهات لأن عقبة إنما فارق هذه المرأة ورعًا واتقاءً للشبهات، وإلّا فشهادة المرأة الواحدة لا تكفي عند الجمهور، خلافًا لأحمد، فإنه قال: تكفي شهادة المرضعة ولو كانت وحدها.\nثانيًا: مشروعية الرحلة في طلب العلم، كما فعل عقبة ﵁، وقد قال الشعبي: لو أن رجلًا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن لحفْظِ كلمة تنفعه فيما بقي من عمره لم أر سفره يضيع، ويحكى عن ابن الأعرابي اللغوي المشهور أنه رأى في مجلسه رجلين أحدهما من سنجاب على حدود الصين والثاني من الأندلس، وكان يحيى بن سعيد يسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي. مطابقته","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>٥٥ - \" بَابُ التَّنَاوُبِ في طَلَبِ الْعِلْمِ </span>\"\n٧٠ - عنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أنا وَجَارٌ لي من الأنْصَارِ في بَنِي أمَيَّة بْن زَيْدٍ، وهيَ مِنْ عَوالِي الْمدِينَةِ، وكُنَّا نتَنَاوبُ النُّزولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، يَنْزِلُ يَوْمًَا وَأنْزِلُ يَوْمًا، فإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وإذا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَربَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، \"فَقَالَ: أثَمَّ هُوَ؟ ففَزِعْتُ، فخَرَجْتُ إِليْهِ، فقَالَ: قَدْ حَدَثَ أمْرٌ عَظِيْم، قَالَ: فدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -؟\nــ\nللترجمة: في قوله: فركب إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة.\n٥٥ - \" باب التناوب في طلب العلم \"\n٧٠ - معنى الحديث: يقول عمر ﵁: \" كنت أنا وجار لي من الأنصار \" وهو عتبان بن مالك ﵁ \" في بني أمية بن زيد \" أي نسكن في هذه القبيلة التي تقع منازلها بالعالية \" وكنا نتناوب النزول على رسول الله \" أي ينزل مرة وأنزل مرة، لأنّ ظروف العمل لا تمكن كل واحد منا من الذهاب إلى النبي - ﷺ - وأخذ العلم منه يوميًا \" فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فضرب بابي ضربًا شديدًا \" أي فلما رجع من المدينة دق الباب بشدة على خلاف عادته، \" ففزعت \" أي فخشيت أن يكون قد وقع مكروه، لأنهم كانوا يتوقعون هجومًا مفاجئًا من ملك غسان \" فقال حدث أمر عظيم \" فسأله عمر: هل جاءت غسان، فقال عتبان: أعظم من ذلك، طلّق رسول الله نساءه، \" فدخلت على حفصهٌ فإذا هي تبكي \" أي فنزلت المدينة فوجدت حفصة تبكي \" ثم دخلت على النبي - ﷺ - \" وكان معتزلًا في مشربة بفتح","vol":"1","page":190},{"text":"قَالَتْ: لَا أدرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فقلْتُ وأنا قَاِئمٌ: أطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: لا. فَقُلْتُ اللهُ أكبَرُ.\nــ\nالميم وسكون الشين وضم الراء، أي في غرفة صغيرة، وقال عمر في رواية فانطلقت، فأتيت غلامًا أسود فقلت: استأذن لعمر قال: فدخل، ثم خرج فقال: قد ذكرتك فلم يقل شيئًا، فانطلقت إلى المسجد، فإذا حول المسجد نفر يبكون، فجلست إليهم، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام واسمه رباح، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج إليَّ قال: قد ذكرتك له فلم يقل شيئًا، فانطلقت إلى المسجد فجلست ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: ذكرتك له فلم يقل شيئًا، قال: فوَلَّيت منطلقًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل فقد أذن لك، قال: فدخلت فإذا النبي - ﷺ - متكىء على حصيره، فرأيت أثره في جنبه \" فقلت وأنا قائم: أطلقت نساءك؟ قال: لا فقلت: الله أكبر \" أي فاطمأنت نفسه، وجاشت مشاعره بهجة وسرورًا، فكبر من شدة الفرح.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: عناية الصحابة ﵃ بأخبار النبي - ﷺ - خاصة، وأخبار المسلمين عامة، سيما أخبار الوحي الإِلهي، وما ينزل به من الشرائع والأحكام، بدليل قول عمر ﵁ \" فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره \". ثانيًا: الترغيب في طلب العلم، والحرص على حضور مجالسه مهما كانت الظروف، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - لم تكن تمنعهم أعمالهم عن حضور هذه المجالس، حتى أن عمر كان يتناوب مع جاره الأنصاري الحضور إلى النبي - ﷺ - لسماع حديثه، وأخذ العلم عنه، فهذا يدل على مشروعية التناوب في العلم لأصحاب الأعمال كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي.\nوالمطابقة: في قوله \" كنا نتناوب النزول ... إلخ \".","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>٥٦ - \" بَابُ الْغَضَبِ في الْمَوْعِظَةِ والتَّعْلِيمِ إذا رَأى مَا يَكْرَهُ </span>\"\n٧١ - عنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِي ﵁ قَالَ:\nسُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: \" سُلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أبِي؟ قَالَ: أَبوكَ حُذَافَةُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أبيْ يا رسول الله، فقَالَ: أبوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ، فلَما رأى عُمَرُ مَا في وَجْهِهِ، قَال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَتُوبُ إلَى اللهِ ﷿ \".\nــ\n٥٦ - \" باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره \"\n٧١ - معنى الحديث: يقول أبو موسى ﵁: \" سئل النبي - ﷺ - عن أشياء كرهها \" أي كره السؤال عنها لعدم فائدته دينيًا ودنيويًا، بل قد تنجم عنه مضرة للسائل أو لغيره \" فلما أُكثِرَ \" بضم الهمزة وسكون الكاف وكسر الثاء والبناء للمجهول. أي فلما أكثر الناس عليه من هذه الأسئلة التي لا تتعلق بها فائدة شرعية \" غضب \" لأن من العبث السؤال الذي لا فائدة فيه ولأنهم كانوا يسألونه عن بعض المغيبات والنبي - ﷺ - لم يبعث لذلك، وإنما بعث لبيان الشرعيات من العقائد والأحكام \" ثم قال: سلوني عما شئتم \" أي فسوف أجيبكم عما تسألون عنه، ولكن ليس هذا من مصلحتكم \" قال رجل من أبي \" وكان يقصد من وراء سؤاله هذا أن يتأكد من صحة نسبه المعروف عند الناس \" قال: أبوك حذافة \" فنسبه إلى أبيه الذي يعرف به بين الناس \" فقام آخر فقال: من أبي يا رسول - ﷺ - فقال: أبوك سالم \" فنسبه إلى أبيه الشرعي المعروف به \" فلما رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول الله إننا نتوب إلى الله \" من هذه الأسئلة التي أغضبتك، والتي قد","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>٥٧ - \" بَابُ مَنْ أعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ </span>\"\n٧٢ - عَنْ أنسٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - أنَهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وِإذَا أتى عَلى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِم، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًَا\".\nــ\nتنشأ عنها مضرة، كأن يكون السائل منسوبًا إلى غير أبيه، فيفتضح أمره بسبب هذا السؤال مثلًا.\nويستفاد من هذا الحديث ما يأتي: أولًا: أن من حق العالم أن يغضب على السائل إذا سأل عما فيه مضرة، أو لا يتناسب مع الموضوع، فلا ينبغي للطالب أن يخرج من موضوع لآخر أو يسأل في موضوع الدين عن أمور لا علاقة لها به، قال في فيض الباري: وإنما غضب النبي - ﷺ - لكونه بعث لتعليم الشرائع، فجعل بعضهم يسألونه عن المغيبات. قلت: وأيضًا لأن كثرة هذه الأسئلة قد تؤدي إلى أجوبة تسيء إلى سمعة السائل أو غيره، فما كل مرة تسلم الجرة. ثانيًا: فضل عمر ﵁ ودقة ملاحظته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله فلما أكثر عليه غضب.\n٥٧ - \" باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه \"\n٧٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - \" كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا \" أي إذا تكلم بالجملة (١) من القول أعادها ثلاث مرات \" حتى تفهم عنه \" أي من أجل أن يفهمها المخاطبون ويستوعبوا معناها، لأنّ التكرار أعْوَن على الحفظ (٢) وقد قال الشاعر:\n_________\n(١) فالمراد بالكلمة هنا الجملة قال ابن مالك: وكلمة بها كلام قد يؤم.\n(٢) فيض الباري للشيخ محمد أنور الكشميري ج ١.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>٥٨ - \" بَابُ تعْلِيمِ الرَّجُلِ أمَتَة وَأهْلَه </span>\"\n٧٣ - عَنْ أبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْة قَالَ:\nقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" ثَلَاثَةٌ لَهمْ أجْرانِ، رَجُلٌ من أهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وآمَنَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -، والْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إذا أدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَة أَمَةٌ يَطَؤُهَا، فَأدبَها فَأحْسَنَ تَأدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا\nــ\nأمَا تَرَى الحَبْلَ لِتِكرَارِهِ ... في الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ قد أثَّرا\n\" وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلّم ثلاثًا \" الأوْلى قبلِ الدخول للاستئذان، والثانية بعد الدخول تحية والثالثة عند الخروج وداعًا.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن من أصول التربية التعليمية في الإِسلام إعادة الجملة ثلاث مرات لكي يستوعبها الطالب فإن كان حديثًا نبويًا فمن السنة إعادته ثلاثًا، لأن الثلاثة غاية ما يقع به البيان والأعذار كما قال ابن بطال، وقد كان - ﷺ - يداوم على ذلك عمليًا لكي تقتدي به أمته، مع أنه - ﷺ - لم يكن يسرد الكلام سردًا وإنما يأتي به كلمة كلمة، فلو اقتصر على مرة واحدة لكفت، ولكن مع ذلك كان يكرر ثلاثًا ليكون أسوةً لغيره.\nثانيًا: مشروعية السلام ثلاثًا، كما أوضحناه. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في قوله ﵁ \" إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا \".\n٥٨ - \" باب تعليم الرجل أمته وأهله \"\n٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ثلاثة لهم أجران \" أي ثلاثة أصناف من البشر يضاعف لهم الأجر مرتين \" رجل من أهل الكتاب \" أي من اليهود والنصارى \" آمن بنبيه \" الذي أرسل إليه سابقًا، وهو موسى","vol":"1","page":194},{"text":"فَأحْسَنَ تَعْلِيمَها، ثمَّ أعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أجْرَانِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>٥٩ - \" بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وتعْلِيمِهنَّ </span>\"\n٧٤ - عن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَال، فَظنَّ أنهُ لَمْ يُسْمِع النِّسَاءَ، فوعَظَهُنَّ\nــ\nأو عيسى عليهما الصلاة والسلام، \" وآمن بمحمد \" عندما بلغته دعوته، فله أجران، أجر على إيمانه بموسى أو عيسى، وأجر على إيمانه بمحمد - ﷺ -، \" والعبد المملوك إذا أدّى حق الله \" أي قام بعبادة الله تعالى وأدى ما يكلفه به سيده على أحسن وجه فله أجران أيضًا. \" ورجل كانت عنده أمة \" أي جارية مملوكة \" يطؤها \" أي كان يجامعها بحق ملكيته لها. \" فأدبها \" أي فرباها تربية صالحة \"وعلمها \" أركان دينها وأحكام شريعتها \" ثم أعتقها فتزوجها فله أجران \" أجر على تعليمها وعتقها، وأجر على نكاحه لها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل هؤلاء الأصناف الثلاثة، وكونهم تضاعف أجورهم. ثانيًا: فضل تعليم الأمَةِ وهو ما ترجم له البخاري.\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ورجل عنده أمة فأدبها فأحسنَ تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها \".\n٥٩ - \" باب عِظة الإِمام النساء وتعليمهن \"\n٧٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس، ﵄ \" أن النبي - ﷺ - خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسْمِع النساء \" أي أن النبي - ﷺ - بينما كان يعظ أصحابه، خطر بباله أن صوته لم يصل إلى مسامع النساء لجلوسهن خلف الرجال بالمصلى في عيد الفطر، فخرج من بين صفوف الرجال حتى","vol":"1","page":195},{"text":"وأمَرَهُنَّ بالْصَّدَقَةِ، فجَعَلَت الْمَرْأةُ تُلْقِي الْقُرْطَ والخَاتَمَ، وبِلال يَأْخُذُ في طَرَفِ ثَوْبِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>٦٠ - \" بَابُ الْحِرْص على الْحَدِيثِ </span>\"\n٧٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقِيْلَ يا رَسُول اللهِ مَن أسْعَدُ النَّاس بشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَقَدْ ظَنَنْتُ يا أبَا هُرَيْرَةَ أنْ لَا يَسْألنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أحَدٌ\nــ\nالتقى بهن \" فوعظهن \" وذكّرهن الجنة والنار، ونبههن إلى بعض الخطايا التي تقع منهن، \" وأمرهن بالصدقة \" قائلًا: تصدقن، فإني أريتكنّ أكثر أهل النار وذلك لأنّ الصدقة تطفىء غضب الرب \" فجعلت المرأة تلقي القرط \" أي تتصدق بالقرط وهو الحلق \" والخاتم، وبلال يأخذ في طرف ثوبه \" أي يجمع هذه الحلي والصدقات لتدفع لمستحقيها.\nويستفاد منه: كما قال النووي: استحباب وعظ الإِمام النساء، وتذكيرهن بالآخرة وأحكام الإِسلام، وحثهنّ على الصدقة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة.\nالحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي. والمطابقة: في قوله \" فوعظهن \".\n٦٠ - \" باب الحرص على الحديث \"\n٧٥ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \" قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك \" أي من الذي يسعد يوم القيامة بشفاعتك، ويفوز بها دون غيره من البشر، وهل هي للناس جميعًا مؤمنهم وكافرهم؟ أم هي خاصة بالمؤمنين فقط \"فقال رسول الله - ﷺ -: لقد ظننت","vol":"1","page":196},{"text":"أوَّلَ مِنْكَ لِمَا رَأيتُ مِنْ حِرْصِكِ عَلَى الْحَدِيثِ، أسْعَدُ النَّاس بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أو نفسه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>٦١ - \" بَابٌ كَيْفَ يُقْبَض الْعِلْمُ </span>\"\n٧٦ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاص ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بقَبْض الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِم، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلُوا فَأفتَوْا بِغَيْرِ عِلْم، فَضَلُّوا وأضلوا \".\nــ\nيا أبا هريرة أن لا يسألني (١) عن هذا الحديث أحد أول منك \" أي قبلك \" لما رأيت من حرصك على الحديث \" أي بسبب ما رأيت من حرصك على أخذ الحديث \" أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلاّ الله خالصًا من قلبه أو نفسه \" أي إنما يفوز بشفاعتي يوم القيامة من نطق بالشهادتين معتقدًا معناهما، عاملًا بمقتضاهما \" إجمالًا \" ولو كان عاصيًا لقوله - ﷺ -: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: الترغيب في أخذ الحديث وحفظه، والثناء على أبي هريرة ﵁ بذلك. ثانيًا: أن شفاعة النبي - ﷺ - تختص بالمؤمنين يوم القيامة. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله \" لما رأيت من حرصك على الحديث \".\n٦١ - \" باب كيف يقبض العلم \"\n٧٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إنّ الله لا يقبض العلم\n_________\n(١) يجوز في \" يسأل \" النصب على أن \" أن \" مصدرية، والرفع على أنها مخففة من الثقيلة.","vol":"1","page":197},{"text":"انتزاعًا ينتزعه من العباد\" أي إن الله لا يرفع العلم من الناس بإزالته من قلوب العلماء ومحوه من صدورهم، أو برفع الكتب العلمية من الأرض \" ولكن يقبض العلم بقبض العلماء \" أي ولكنه يرفع العلم بموت العلماء \" حتى إذا لم يبق عالم \" وفي راوية: لم يُبْقِ عالمًا، أي إذا مات أهل العلم الحقيقي، ولم يبق هناك أحد منهم، وصل الجهلاء إلى المراكز العلمية التي لا يستحقونها من تدريس وإفتاء ونحوه، \" واتخذ الناس رؤوسًا جهالًا \" أي وجعل الناس من الجهلاء وأدعياء العلم علماء يسألونهم كما جاء في رواية أخرى عن النبي - ﷺ - قال: \" اتخذ الناس رؤساء جهالًا \" \" فسئلوا \" عن الحلال والحرام وأحكام العبادة والمعاملة \" فأفتوا بغير علم \" أي فأفتوا الناس على جهل، فأحلوا الحرام وحرّموا الحلال، \" فضلوا \" في ذات أنفسهم عن الحق \" وأضلوا \" من اتبعهم وأخذوا بفتواهم من عامة الناس. الحديث: أخرجه الخمسة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: التحذير الشديد من الجرأة على الفتوى بغير علم، لما في ذلك من إضلال الناس، فإن المفتي الجاهل يتحمل وزر من أضلّه، بالإِضافة إلى وزره هو، ويدخل في مصداق قوله تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم). ثانيًا: تحذير ولاة الأمور من تعيين الجهلاء في المناصب الدينية لهذا الحديث، وقد قال محمد بن سيرين من التابعين: \" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم \". ثالثًا: أن موت العالم خسارة عظيمة، لأنَّ العلم يرفع بموت العلماء. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n***","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>٦٢ - \" بَابٌ هَلْ يَجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمًَا عَلَى حِدَةٍ في الْعِلْمِ </span>\"\n٧٧ - عَن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁ قَالَ:\nقَالَتِ \"النِّسَاءُ للنَّبِيِّ - ﷺ - غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فاجْعَلْ لَنَا يَوْمًَا مِنْ نَفْسِكَ، فوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ، وأمَرَهُنَّ فكَانَ فيما قَالَ لَهُنَّ: مَا مِنْكُنَّ امْرأةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ، فَقَالَتْ امْرأةٌ فيْهُنَّ: واثْنَيْنِ؟ فَقَال: واثْنَيْنِ.\nــ\n٦٢ - \"باب هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم \"\n٧٧ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد ﵁ \" قالت النساء\nللنبي - ﷺ - غلبنا عليك الرجال \" أي شغلك عنا الرجال الوقت كله، فأصبحنا لا نجد وقتًا نلقاك فيه ونسألك عن ديننا، لملازمتهم لك سائر اليوم \" فاجعل فما يومًا من نفسك \" أي فاجعل لنا يومًا خاصًا نلقاك فيه ونأخذ عنك العلم \" فوعدهن يومًا \" أي فخصص النبي - ﷺ - يومًا معينًا \" فكان فيما قال لهن \" في ذلك اليوم \" ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها \" أي ليسِ منكن امرأة يموت لها ثلاثة من أولادها ذكورًا أو إناثًا فتقدمهم للدار الآخرة قبلها \" إلاّ كان لها حجابًا \" أي إلاّ كان مصابها فيهم وقاية لها من النار \" فقالت امرأة منهن: واثنين؟ فقال: واثنين \" أي وكذلك من تقدم اثنين.\nويستفاد منه مما يأتي: أولًا: عظم أجر المصيبة في الولد، وكونه لا جزاء لها إلاّ الجنة، فمن فقد ثلاثة أو اثنين وصبر نجا من النار بنص هذا الحديث وكذلك من فقد واحدًا، لما جاء في حديث أبي هريرة في الرقاق عن النبي - ﷺ - قال: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احْتسبه إلاّ الجنة. ثانيًا: أنه ينبغى للعالم أن يجعل يومًا للنساء، إذا لم","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>٦٣ - \" بَابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًَا فَرَاجَعَهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ </span>\"\n٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ (١): \" مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ \" قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أوَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ ﷿: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًَا يَسِيرًا) فقال: \" إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلَكَ \".\nــ\nيترتب على ذلك مفسدة، كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله \" فوعدهن يومًا \".\n٦٣ - \" باب من سمع شيئًا فراجعه حتى يعرفه \"\n٧٨ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ سمعت النبي - ﷺ - يقول: \" من حوسب عذب \" أي أن كل من حاسبه الله يوم القيامة فلا بد أن يناله شيء من العذاب، لأن الحساب إنما هو مناقشة للعبد في أخطائه، وتوقيفه على جميع ذنوبه، واستقصاء لكل سيئاته، وللعذاب معنيان: أحدهما: نفس المناقشة والثاني ما يفضي إليه من دخول النار. \" قالت \" عائشة ﵂: \" أوليس يقول الله ﷿ (فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا) \" أي فكيف تقول \" من حوسب عذب \" وقد قال تعالى: (فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا) \" فقال: إنما ذلك العرْض \" بسكون الراء أي إنما ذلك الحساب اليسير شيء آخر وهو العرض، ومعناه تذكير المؤمن على انفراد بأخطائه مع تطمينه بالعفو عنه، كما في الصحيح \" إن الله يدني عليه كنفه - أي ستره ويقول له: فعلت كذا وكذا - ثم يطمئنه\n_________\n(١) اعتمدت في اختصار هذا الحديث على مختصر البخاري المسمى \" بالتجريد الصريح \" للزبيدي.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>٦٤ - \" بَاب لِيُبْلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الغائِبُ </span>\"\n٧٩ - عَن أبي شُرَيْحٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ يَقُولُ قَولًا سَمِعَتْهُ أذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ (١) حِيْنَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ\nــ\nبعد هذا العتاب الرقيق فيقول له: سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفر لك اليوم \" ولكن من نوقش الحساب يهلك \" أي يعذب لا محالة ويتعرض للهلاك ودخول النار.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن من حق طالب العلم أن يسأل فيما اشكل عليه، وأن يراجع كما فعلت عائشة ﵂، وعلى العالم أن يقابل مراجعته برحابة صدر، وأن يجيبه كما فعل النبي - ﷺ -. ثانيًا: أن الحساب نوعان، حساب مناقشة وهو عسير وشديد، ولا يخلو من العذاب، وحساب عرض ومعاتبة، وهو حساب يسير لا عذاب فيه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قول عائشة يقول الله: (فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا).\n٦٤ - \" باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب \"\n٧٩ - ترجمة راوى الحديث: هو أبو شريح بفتح الراء خويلد بن عمرو الخزاعي، أسلم ﵁ قبل فتح مكة، وكان من عقلاء المدينة، وذوي الرأي فيها، روى عشرين حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديث. توفي سنة ثمان وثمانين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول أبو شريح ﵁: \"سمعت رسول الله\n_________\n(١) أي وشاهدت النبي - ﷺ - بعيني وهو ينطق به.","vol":"1","page":201},{"text":"قَالَ: إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، ولَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِىءٍ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، ولا يَعْضِدَ بهَا شَجَرَةً، فإن أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقولُوا: إنَّ اللهَ قَدْ أذنَ لِرَسُولِهِ - ﷺ - وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ، وِإنَّمَا أذنَ لي فيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بالأمْس، وَلِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ\".\nــ\n- ﷺ - يوم الفتح يقول قولًا سمعته أذناي، ووعاه قلبي \" أي سمعت من النبي - ﷺ - قولًا تلقيته منه بإنصات كامل وعناية تامة، وقلب حاضر، حفظه ورسخ فيه، وحواه كما يحوي الوعاء مما وضع فيه، وذلك لما لهذا القول من الأهمية البالغة. \" حمد الله \" أي استهل النبي - ﷺ - كلامه هذا أو خطبته البليغة بالثناء على الله تعالى \" ثم قال: إن مكة حرّمها الله تعالى \" أي حرمها بنفسه، وفي محكم كتابه حيث قال في سورة الحج: (والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء) وقال أيضًا: (قل إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) \" فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا \" أي لا يجوز فيها القتال وإراقة الدماء، ولا يحل للمؤمن أن يفعل ذلك \" ولا يعضد بها شجرة \" بفتح الياء وسكون العين وكسر الضاد أي ولا يقطع فيها شجرة من الأشجار البرية التي تنبت بنفسها، \" فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله - ﷺ - \" أي فإن استباح أحد القتال في مكة مستدلًا على ذلك بقتال النبي - ﷺ - فيها يوم الفتح \" فقولوا له: إن الله قد أذن لرسوله - ﷺ - \" أي فقولوا له لا حجة لك في قتال الرسول - ﷺ - بمكة، لأن قتاله هذا كان رخصة استثنائية خاصة به - ﷺ -، فإن الله قد أحل له القتال فيها ذلك اليوم، وأذن له فيه \" ولم يأذن لكم \" أي ولم يحل لكم القتال فيها أبدًا \" إنما أذن لي \" بالقتال فيها \" ساعة من نهار \" أي في وقت محدود وجزء معين من يوم الفتح، وذلك","vol":"1","page":202},{"text":"من طلوع الشمس إلى العصر. كما في حديث ابن عمر. \" وليبلغ الشاهد الغائب \" ومعناه أن النبي - ﷺ - أمر كل من حضر ذلك المجلس أن يبلغ حديثه هذا لمن غاب عنه، ويرويه لغيره حتى يصل إلى مسامع أكبر عدد ممكن من المسلمين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي:\nأولًا: وجوب تبليغ الدعوة، ورواية حديث رسول الله - ﷺ - وتعليمه للناس. قال ابن بطال: إن كان من خاطبه النبي - ﷺ - بتبليغ العلم ممن كان في زمنه، فالتبليغ عليه متعين - أي فرض عين، يجب على كل من سمع حديثًا منه أن يرويه لغيره، وأمّا من كان بعده فالتعليم عليهم فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين. فالحديث أصل في رواية السنة وتبليغها، وإن لم يكن المحدث عالمًا بشرحها، فقيهًا في معانيها وأحكامها، لأن المحدث لا يلزم منه أن يكون فقيهًا، ولكن عليه أن يروي الأحاديث التي حفظها لغيره، فقد قال - ﷺ -: \" ربَّ مبلَّغ أوعى من سامع \" وقال في حديث آخر: \" رب حامل فقه ليس بفقيه \" فإن جمع المحدث بين الرواية والفقه فهو نور على نور. ثانيًا: تحريم القتال في مكة، وسفك الدماء فيها، وقطع أشجارها، والاصطياد من صيدها، وسيأتي إيضاح ذلك. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ليبلغ الشاهد الغائب \"، وإن شئت قلت: في كون الترجمة جزءًا من الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\n***","vol":"1","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>٦٥ - \" بَابُ إِثْمَ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\n٨٥ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلجَ النَّارَ\".\nــ\n٦٥ - \" باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - \"\n٨٠ - ترجمة راوي الحديث: هو الإِمام علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين ﵁، وابن عم رسول الله - ﷺ -، وزوجٍ ابنته فاطمة رضي لله عنها أمُّهُ فاطمة بنت أسد، أول هاشمية ولدت هاشميًا، قال له النبي - ﷺ -: أنت أخي في الدنيا والآخرة، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول خليفة هاشمي، وهو أول من أسلم من الصبيان، ولد قبل البعثة بعشر سنين وتربى في حجر النبي - ﷺ - ولم يفارقه، وشهد المشاهد كلها إلاّ تبوك، حيث استخلفه - ﷺ - على المدينة، وكان فارس الإسلام، وأحد الشجعان المعدودين، بارز \" مرحب \" يوم خيبر وقتله، وتم الفتح على يديه، ولي الخلافة سنة خمس وثلاثين هـ بعد عثمان ﵁، واغتاله عبد الرحمن بن ملجم، حيث ضربه الخبيث بسيفه ضربة قاتلة وصلت إلى دماغه، فتوفي منها ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة. روى (٥٨٦) حديثًا اتفقا منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر حديثًا ﵁.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" لا تكذبوا عليّ \" أي لا تنسبوا إليّ أيَّ حديث لم يصدر عني، ولا تخبروا عني بخلاف الواقع، فتقولوا: قال، أو فعل رسول الله - ﷺ - شيئًا لم أقله ولم أفعله، ولا تفتروا علي بالأحاديث","vol":"1","page":204},{"text":"٨١ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَع ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَن يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمَْ أقُل فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ \".\nــ\nالموضوعة سواء كان ذلك في الخير أو الشر، بسوء نية أو بحسن نية، \" فإن من كذّب علي \"عامدًا متعمدًا \" فليلج النار \" فقد وجب عليه دخول النار، وأمر الله ملائكته بإدخاله إليها، ومتى صدر الأمر الإِلهي بشيءٍ فهو واجب الوقوع، نافذ المفعول لا محالة. قال الحافظ: أو هو بلفظ الأمر، ومعناه الخبر ويؤيده رواية مسلم بلفظ: من يكذب عليَّ يلج النار، فلا بد له من النار ما لم يغفر الله له. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٨١ - ترجمة راوي الحديث: هو \" سلمة \" بفتح السين واللام ابن الأكوع الأسلمي المدني شهد بيعة الرضوان، وكان شجاعًا راميًا عدّاءً يسبق الخيل، قال ﵁: رأيت الذئب قد أخذ ظبيًا فطلبته حتى نزعته منه فقال: ويحك مالك عمدت إلى رزق رزقنيه الله تعالى ليس من مالك تنتزعه مني فقلت: يا عباد الله إن هذا لعجب! ذئب يتكلم، فقال: أعجب منه أن رسول الله - ﷺ - في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلّا عبادة الأوثان، فلحقت برسول الله - ﷺ - فأسلمت (١) روى (٧٧) حديثًا اتفقا منها على ستة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، وتوفي بالمدينة سنة أربع وسبعين هـ.\n_________\n(١) ذكر قصة سلمة بن الأكواع هذه ابن عبد البر في الاستيعاب عن ابن إسحاق، وأجدها عند ابن إسحاق عن سلمة وإنما عن راعٍ من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رقم (٤٣٢) و(٤٣٥) وقد رواها أحمد في المسند (٣/ ٨٣ و٨٤) والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٧ و٤٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري عن راعٍ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وهو كما قالاه. (ع).","vol":"1","page":205},{"text":"٨٢ - عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: \"تَسَمَّوْا بِاسْمِي، ولا تَكْتَنوا بِكنْيَتي، وَمَنْ رَآنِي في الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فإِنَّ الشيطَانَ لَا يَتَمَثَّل في صورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَأ مَقْعَدَه مِنَ النّارِ\".\nــ\nمعنى الحديث: يقول سلمة بن الأكوع ﵁: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من يقل علي ما لم أقل \" أي من ينسب إليّ قولًا لم أقله، أو فعلًا لم أفعله \" فليتبوأ مقعده من النار \" أي فليستعد لدخول النار التي اتخذ لنفسه فيها منزلًا. الحديث: أخرجه البخاري. وهو أول حديث ثلاثي وقع في صحيح البخاري. وسنده هكذا: حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع ﵁.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: تحريم الكذب على النبي - ﷺ - مطلقًا، وهو كبيرة باتفاق أهل العلم، وقد ذهب أحمد والحُمَيدي وابن الصّلاح إلى أنّه لو كذب في حديث واحد، فسق، ولم تقبل توبته، والمختار كما قال النووي: قبول توبته. والصحيح أنه كبيرة مطلقًا سواء كان في الأحكام أو في الترغيب أو الترهيب ولا يبرره حسن النية والقصد، بأن يقال: فعلت ذلك للدعوة إلى الخير، فإن في الأحاديث الصحيحة ما يغني عن الأحاديث الموضوعة. ثانيًا: أنه يجب على راوي الحديث أن يعرف من النحو ما يمكّنه من النطق الصحيح، قال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في قوله - ﷺ - \" من كذب علي متعمدًا \". مطابقة: الحديثين للترجمة في قوله: \" فليلج النار \" وقوله \" فليتبوأ مقعده من النار \".\n٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي \" أي لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي للشخص الواحد، فيقال له: محمد","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>٦٦ - \" بَابُ كتَابَةِ الْعِلْمِ </span>\"\n٨٣ - عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أخيهِ قَالَ:\nسَمِعْتُ أبَا هُرَيْرَةَ ﵁: يَقُولُ: \" مَا مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أحَدٌ أكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلَا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، فإِنَّهُ كَانَ يَكْتُب وَلَا أكتُبُ \".\nــ\nأبو القاسم. \" ومن رآني في المنام فقد رآني \" وفي رواية فقد رأى الحق - أي فإن رؤيته هذه رؤية صادقة صحيحة \" فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي \" أي لا يقدر على التشكل بصورة النبي - ﷺ - لأنّه قد حيل بينه وبين ذلك. وبقية الحديث تقدم شرحه.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: تحريم الكذب على النبي - ﷺ -، وقد تقدم. ثانيًا: النهي عن التكني بكنية النبي - ﷺ - ولهذا قال الشافعى: ليس لأحد أن يتكنّى بأبي القاسم سواء اسمه محمد أم لا، وقيل: لا يجمع بينهما، والجمهور على أنّ النهي منسوخ، وأنه كان في وقت حياته - ﷺ -. ثالثًا: أن رؤيا النبي - ﷺ - في المنام حق، لأن الشيطان لا قدرة له على التشكل بصورته - ﷺ - وكذلك الملائكة والأنبياء، ولكن متى يقال رأى النبي - ﷺ - في المنام؟ ومتى يعتبر أن الذي رآه هو النبي - ﷺ - هناك علامة واضحة تدل على ذلك، قال العيني وضعوا لرؤيته - ﷺ - ميزانًا، وقالوا رؤيته - ﷺ - هي أن يراه الرائي بصورة شبيهة بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فلو رآه في صورة مخالفة لصورته التي كان عليها في الحس لم يكن رآه - ﷺ -. مثل أن يراه طويلًا أو قصيرًا جدًا أو شديد السُّمرة ونحو ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله \" فليتبوأ مقعده من النار \".\n٦٦ - \" باب كتابة العلم \"\n٨٣ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \"ما من","vol":"1","page":207},{"text":"٨٤ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nلَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَجَعُهُ، قَالَ: ائتونِي بِكِتَابٍ أكتُبْ لَكُمْ كِتَابًَا\nــ\nأصحاب رسول الله - ﷺ - أحد أكثر حديثًا عنه منّي\" أي لا يوجد أحد من الصحابة روى من الأحاديث أكثر مني \" إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب \" وهو استثناء منقطع، تقديره لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو، وهو الكتابة، لم يكن مني فالخبر محذوف بقرينة السياق، سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه عادة الملازمة مع الكتابة أمْ لا، والمعنى، لكن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يمتاز عنّي وينفرد دوني بالكتابة فيكتب ما يسمعه، ولا أكتب شيئًا. وقال القسطلاني: ويجوز أن يكون الاستثناء متصلًا فكأنه قال: ما أحدٌ حديثه أكثر مني إلّا أحاديث حصلت من عبد الله. والمطابقة: في قوله: \" فإنه كان يكتب ولا اكتب \". الحديث: أخرجه البخاري والترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية كتابة الحديث وتدوينه، لأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتبه عن النبي - ﷺ - فيقره - ﷺ - على كتابته، وإقراره - ﷺ - حجة شرعية على مشروعية ما يقر. ثانيًا: يقول أبو هريرة: إن عبد الله بن عمرو بن العاص كان أكثر منه حديثًا مع أن الموجود من أحاديثه أقل، وذلك لأنه سكن مصر والواردون عليها قليل بالنسبة إلى المدينة التي سكنها أبو هريرة.\n٨٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" اشتد بالنبي - ﷺ - وجعه \" أي اشتدت عليه آلام الحمى في مرضه الأخير الذي توفي فيه، \" فقال: اتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا \" هكذ الرواية بجزم \" أكتب \" لوقوعه في جواب الطلب. أي أحضروا لدي أدوات الكتابة من قلم وقرطاس","vol":"1","page":208},{"text":"لا تَضِلوا بَعْدَهُ، قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ النَّبِي - ﷺ - غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، فاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغْطُ، قَالَ: قُومُوا عَنِّي وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَنّاَزُعُ\".\nــ\nونحوه لكي آمر بعض أصحابي بتحرير كتاب هام \" لن تضلوا بعده \" يعني لكي يكون هذا الكتاب هاديًا لكم إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، فلا تميلوا بعده عن جادة الحق ولا تنحرفوا عن منهج الصواب، والظاهر أنّ هذا الكتاب كان يتعلق بأمر الخلافة ومن يليها بعد النبي - ﷺ -، وأنه - ﷺ - أراد أن يعهد فيه لمن يكون بعده خليفة للمسلمين \" قال عمر: إن النبي - ﷺ - غلبه الوجع \" قال ابن الجوزي: إنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه النبي - ﷺ - في حالة غلبة المرض عليه فيجد المنافقون سببًا إلى الطعن في ذلك المكتوب \" وعندنا كتاب الله حسبنا \" أي يكفينا كتاب الله، وإنما لم يتمم عمر هذا الكتاب لأمرين: أولهما: أن النبي - ﷺ - كان قد غلبه الوجع. وثانيهما: أنه رأى أن أمره - ﷺ - هذا إنما كان توجيهًا وإرشادًا وليس على سبيل الوجوب.\nقال ابن عباس ﵄ \" فاختفوا وكثر اللغط \" أي كثر الكلام وارتفعت الأصوات \" قال قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع \" لأن حالته المرضية لم تعد تسمح له بسماع الكلام الكثير والضجيج والأصوات العالية.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية كتابة العلم، لأن ما أراده النبيُّ - ﷺ - داخل في ذلك مهما كان مضمونه، سواء كان الكتاب في بيان بعض الأحكام الشرعية، أو في بيان أسماء الخلفاء من بعده. ثانيًا: أن النبي - ﷺ - لم يوصِ لأحد بالخلافة من بعده، ولم يوجد هناك أي نص أو وثيقة شرعية عهد فيها النبي - ﷺ - لأحد أن يكون خليفة عنه بعد وفاته، وإنما تمت الخلافة لأبي بكر عن طريق الانتخاب والشورى وإجماع الصحابة على مبايعته بالخلافة،","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>٦٧ - \" بَابُ تعْلِيمِ الْعِلْمُ وَالْعِظَةِ باللَّيل </span>\"\n٨٥ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\nاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: \"سُبْحَانَ اللهِ، مَاذا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنٍ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ أيْقِظُوا صَوَاحِب الْحُجَرِ فَرُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنيا عَارِيةٍ في الآخِرَةِ\".\nــ\nحتى أن علي بن أبي طالب نفسه قد بايعه بالخلافة كما أَجمع على ذلك المؤرخون وأهل السير. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أكتب لكم كتابًا \".\n٦٧ - \" باب تعليم العلم والعظة بالليل \"\n٨٥ - ترجمة راوية الحديث: وهي أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومي كانت تحت أبي سلمة ﵁، وتزوجها النبي - ﷺ - بعد وفاته في شوال سنة أربع من الهجرة، فكانت نعم الزوجة الصالحة، روت ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا، اتفقا منها على ثلاثة وعشرين، وهي آخر أمّهات المؤمنين وفاة توفيت بالمدينة سنة ٥٩ هـ.\nمعنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂: \" استيقظ النبي - ﷺ - ذات ليلة فقال: سبحان الله: ماذا أنزل الليلة من الفتن \" أي ما أعظم الفتن التي قدر الله في هذه الليلة ظهورها في المستقبل القريب، وأطلع عليها نبيه - ﷺ - في منامه \" وماذا فتح من الخزائن؟ \" أي ما أعظم ما قدر الله تعالى أن يفتح لهذه الأمة من خزائن الأرزاق وكنوز الأموال التي تصل إليها عن طريق المغانم والفتوحات شرقًا وغربًا \"أيقظوا صواحب الحجر\" أي أيقظوا أمّهات المؤمنين لصلاة الليل \" فرُبَّ كاسية في الدنيا عارية الآخرة \" أي","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>٦٨ - \" بَابُ السَّمَرِ في العَلْمِ </span>\"\n٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْعِشَاءَ فِي آخِر حَيَاتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: \" أرأيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ عَلَى رَأس مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأرْض أحَد \".\nــ\nفكم من امرأة تلبس الثياب الشفافة التي لا تستر جسمها وتفتن الرجال بمحاسن جسدها يعاقبها الله في الآخرة بتعريتها من ثيابها فضيحة لها وتشهيرًا بها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية التعليم والعظة بالليل، لأنه - ﷺ - وعظ نساءه فيه. ثانيًا: مشروعية الذكر والتسبيح عند التعجب من شيء أو الخوف منه، كأن يقول: لا إله إلاّ الله، أو الله أكبر، أو سبحان الله، وهو الأكثر. الحديث: أخرجه الترمذي أيضًا. والمطابقة: في قوله \" ماذا أنزل الليلة من الفتن \".\n٦٨ - \" باب السمر في العلم \"\n٨٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" صلى بنا رسول الله - ﷺ - العشاء في آخر حياته \" أي قبل وفاته بشهر، \" فلما سلّم قام فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحدٌ \" أي فلما سلم - ﷺ - خطب فينا خطبة قال فيها ما معناه: لقد رأيتم هذه الليلة التي نعيشها الآن فاضبطوا تاريخها فإنّها لا تمضي مائة سنة بعدها إلاّ وينقرض هذا الجيل الموجود من الصحابة، هذا ما أراده النبي - ﷺ - من حديثه هذا، كما فهم ابن عمر ﵄ حيث قال: \" إنما يريد النبي - ﷺ - أنها تخرم ذلك القرن \" أي أن ذلك الجيل ينقرض،","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>٦٩ - \" بَابُ حِفْظِ الْعِلْمِ </span>\"\n٨٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nإِنَّ الناسَ يَقولُونَ أكْثَرَ أبو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًَا، ثُمَّ يَتْلُو (إنَّ الَّذِيْن يَكْتُمُونَ ما أنزلْنَا من البَيناتِ والْهُدَى -\n\nــ\nولا يبقى منه أحد بعد انتهاء المائة الأولى من هجرته - ﷺ - وليس المراد منه فناء العالم البشري كله. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز السمر في العلم بعد العشاء تعليمًا وتعلمًا ووعظًا وتأليفًا لأنه - ﷺ - وعظ أصحابه بعد العشاء بقصر أعمارهم ليجتهدوا في العبادة. ثانيًا: مشروعية قيام الواعظ بعد الصلاة مباشرة.\nوالمطابقة: في كونه - ﷺ - وعظ أصحابه بعد العشاء.\n٦٩ - \" باب حفظ العلم \"\n٨٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: \" إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم يتلو (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) أي أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثًا ورواية حتى بلغت أحاديثه (٥٣٧٤) فقال الصحابة: أكثر أبو هريرة، فخشي ﵁ أن يداخلهم الشك في صحة أحاديثه، فقال ﵁: لولا وجود هاتين الآيتين اللتين توعد الله تعالى بهما كاتم العلم باللعنة لما رويت لكم حديثًا واحدًا، ولكني أخشى أن تصيبني هذه اللعنة إن أنا كتمت حديث رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":212},{"text":"إلى قَوْلِهِ- الرَّحِيمِ) وَإنَّ إخْوانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالأسْوَاقِ، وإنَّ إخْوَانَنَا مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ في أمْوالِهِمْ، وإنَّ أبا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِشِبَعِ بَطْنِهِ، فَيحْضُرُ مَا لا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لا يَحْفَظُونَ.\n٨٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ:\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أسْمَعُ مِنكَ حَدِيثًَا كَثِيرًَا أنسَاهُ، قَالَ: ابْسُطْ رِدَاءَكَ، فَبَسَطتهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ضُمَّهُ، فَضَمَمْتُهُ، فَما نَسِيتُ شَيْئًَا بَعدَهُ\".\nــ\nثم بين ﵁ السبب الذي ساعده على حفظ هذا العدد الكثير من الأحاديث التي لم يحفظها غيره، وهو ملازمته للنبي أكثر من سواه، فقال: \" إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم (١) الصفق في الأسواق \" أي كان يشغلهم عن ملازمة النبي - ﷺ - والمواظبة على حضور مجالسه ممارستهم للبيع والشراء في أسواقهم التجارية \" وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم \" أي في بساتينهم وحقولهم \" وإنّ أبا هريرة كان يلزم رسول الله - ﷺ - لشبع بطنه \" أي مكتفيًا بقوت يومه \" ويحفظ ما لا يحفظون \" لدوام ملازمته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله \" يحفظ ما لا يحفظون \".\n٨٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" قلت: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه \" لكثرته. \" قال ابسط رداءك فبسطته فغرف بيديه \" أي فضم كفيه وغرف بهما من الفيض الإِلهي\n_________\n(١) بفتح أوّله وثالثه، وحكي ضم أوله من الرباعي وهو شاذ كما أفاده القسطلاني.","vol":"1","page":213},{"text":"٨٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ:\nحَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وِعَاءَيْن، فَأمَّا أحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وأمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ\"\nــ\n\" ثم قال: ضمه \" إلى صدرك ليحل فيه من ذلك الفيْض الإِلهي المبارك ما يملأه نورًا وقوةً وملكة في حفظ الحديث تحصيله \" فضممته فما نسيت شيئًا بعده \" وفي رواية فما نسيتُ شيئًا سمعته منه - ﷺ -. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في قوله \" فغرف بيده ثم قال: ضمه فضممته، فما نسيت شيئًا بعده \".\n٨٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين \" (١) أي صنفين مختلفين من العلم \" فأما أحدهما \" وهو علم الشريعة المتعلق بالعقائد والأحكام \" فبثثته \" أي نشرته فيكم وبلغته لكم. \" وأما الآخر \" أي وأما الصنف الآخر \" فلو بثثته فيكم قطع هذا البلعوم \" (٢) أي فلو بلغته وتحدثت به إلى الناس لذبحت ذبح الشاة، والراجح أنّ هذا العلم هو ما يتعلق بأخبار ولاة السوء كيزيد بن معاوية وغيره، وقد كان أبو هريرة ﵁ يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لفعلت، ويقول: أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد، وقد استجيب دعاؤه فمات سنة ٥٩ من الهجرة. الحديث: أخرجه البخاري.\nوالمطابقة: في قوله \" حفظت من رسول الله - ﷺ - وعاءين \".\nويستفاد من أحاديث الباب ما يأتي: أولًا: أن من الأسباب التي تساعد على كثرة حفظ العلم وتحصيله ملازمة العلماء والتفرغ عن الشواغل والانقطاع\n_________\n(١) قال الحافظ \" وعاءين \" أي ظرفين أطلق المحل وأراد الحال أي نوعين من العلم.\n(٢) بضم الباء، وكنى به عن القتل كما أفاده القسطلاني.","vol":"1","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>٧٠ - \" بَابُ الإِنصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ </span>\"\n٩٠ - عَنْ جَرِيرٍ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: \"اسْتَنْصِتِ النَّاسَ، فَقَالَ: لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض\".\nــ\nللدراسة كما كان أبو هريرة ﵁ يلزم النبي - ﷺ - لشبع بطنه، فحفظ ما لا يحفظون، وتفوق على غيره. ثانيًا: أن من الأسباب التي مكنت أبا هريرة ﵁ من كثرة الحفظ والتحصيل ما ألقاه النبي - ﷺ - في ردائه من ذلك الفيض الإِلهي المبارك. ثالثًا: أن من العلم ما يجب تبليغه وروايته، وهو ما يحتاج الناس إليه من أحكام دينهم ومنه ما لا يجب كأخبار الفتن وأمراء الجور.\n٧٠ - \" باب الإِنصات للعلماء \"\n٩٠ - معنى الحديث: يحدثنا جرير بن عبد الله البجلي ﵁ \" أن النبي - ﷺ - قال في حجة الوداع \" بفتح الحاء أي قال في منى يوم النحر في حجة الوداع: عند جمرة العقبة \" استنصت الناس \" أي مرهم بالإنصات إليّ والاستماع إلى هذا التحذير الخطير الذي أوجهه إليهم بقلب حاضر وأذن واعية \" فقال: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض \" أي احذروا أن تحملكم العداوة والبغضاء فيما بينكم على استحلال بعضكم دماء بعض، فإنّ المسلم إذا استحل دم أخيه دون سبب شرعي كفر والعياذ بالله تعالى، أما إذا قاتله دون أن يستحل دمه فإنه يكون فاسقًا كافرًا بنعمة الأخوة الإِسلامية. الحديث: أخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الإنصات إلى العلماء لا سيما","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>٧١ - \" بَابُ ما يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إذَا سُئِلَ أيُّ النَّاس أعْلَمُ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إلى اللهِ </span>\"\n٩١ - عن أبيّ بْنِ كَعْبٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا في بني إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعْلَمُ؟ فَقَالَ: أنَا أعْلَمُ، فَعَتَب اللهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إلَيْهِ فأوحَى اللهُ إليْهِ أنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَع الْبَحْرَيْن هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ،\nــ\nإذا كان الحديث مما تمس الحاجة إليه دينيًا أو اجتماعيًا أو خلقيًا، أو يتعلق بمصلحة من مصالح المسلمين لقوله - ﷺ -: \" استنصت الناس \". ثانيًا: تحريم القتال بين المسلمين وأقل ما يقال فيه إنه كبيرة، أما إذا استحله فاعله فإنه يكفر كفرًا يخرجه عن الملة الإِسلامية والعياذ بالله تعالى. والمطابقة: في قوله \" استنصت الناس \".\n٧١ - \" باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فَيَكِل العلم إلى الله \"\n٩١ - ترجمة الراوي: هو أبي بن كعب النجاري الأنصاري أقرأُ هذه الأمة من أصحاب العقبة الثانية، شهد المشاهد كلها وأثنى عليه النبي - ﷺ - بغزارة العلم حيث قال له: \" ليهنك العلم أبا المنذر \"، وسماه سيِّد الأنصار، وكان من أصحاب الفتيا، توفي سنة ثلاثين من الهجرة ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"قام موسى النبي خطيبًا فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم\" لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وكلهم تحت شريعته، وقد اصطفاه الله لرسالته، وأنزل عليه التوراة، التي فيها علم كل","vol":"1","page":216},{"text":"قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ بِهِ؟ فقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَل فإذَا فَقَدْتَهُ فَهُو ثَمَّ، فانْطَلَقَ، وانطَلَقَ بفَتَاهُ يُوشَعَ بْن نُونٍ، وحَمَلا حُوتًا في مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤسَهُمَا وَنَامَا، فانْسَلَّ الْحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ سَرَبًا.\nــ\nشيء، وكلّمه تكليمًا \"فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه\" أي فلم يرض الله له قوله هذا، ولامه عليه، لعلو قدره لديه، فكان ينبغي له مهما بلغ من العلم ما ينبغي للعالم وهو أن يقول: الله أعلم، فيكل العلم إلى الله تعالى تواضعًا وتأدبًا معه ﷿ \" فأوحى الله إليه أن عبدًا من عبادي \" وهو الخضر ﵇ \" في مجمع البحرين \" وهو كما قال البقاعي: ملتقى النيل بالبحر الأبيض عند دمياط \" هو أعلم منك \" وليس المراد أنه أعلم من موسى على الإِطلاق، وإنما هو أعلم منه ببعض الأمور، قال الحافظ: والحق أن المراد بهذا الإِطلاق تقييد الأعلمية بأمر مخصوص لقوله بعد ذلك: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمك الله لا أعلمه.\nقال الحافظ: وقع لبعض الجهلة أن الخضر أفضل من موسى تمسكًا بهذه القصة، ولم ينظر فيما خص الله به موسى من الرسالة وسماع كلام الله وإعطائه التوراة التي فيها علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته، ومخاطبون بحكم نبوته حتى عيسى. والخضر وإن كان نبيًا فليس برسول باتفاق. والرسول أفضل من نبي ليس برسول، ولو فرضنا أنه رسول فرسالة موسى أعظمُ وأمته أكثر، وغاية الخضر أن يكون كواحدٍ من أنبياء بني إسرائيل، وموسى أفضلهم \" فقال يا رب وكيف به \" أي وكيف أهتدي إليه وأعثر عليه \" فقيل له: احمل حوتًا في مكتل \" أي في زنبيل \" فإذا فقدته فهو ثم \" أي فإن الخضر في ذلك المكان الذي تفقد فيه الحوت \" فانطلق \"","vol":"1","page":217},{"text":"وكانَ لمُوسَى وفتَاهُ عَجَبًا، فانطلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهما، فَلمَّا أصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَداءَنَا، لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفرِنَا هذَا نَصَبًا، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًَّا مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جَاوَزَ الْمكَانَ الذي أمِرَ به، فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: أرأيت إذْا أويْنَا إلى الصَّخْرَةِ فإنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، قَالَ مُوسَى: ذلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا علَى آثارِهِمَا قَصَصًا، فلَمَّا انتهَيا إلى الصَّخْرَةِ، إذا رَجُلٌ مُسَجىً بِثَوْبٍ أو قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ فَسَلَّمَّ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وأنَّي بأرْضِكَ السَّلامُ؟ فَقَالَ: أنَا مُوسَى، فقالَ: مُوسَى بني إسْرائِيلَ؟\nــ\nأي فسار موسى - ﷺ - بصحبة فتاه يوشع بن نون \" حتى إذا كانا عند الصخرة \" التي على الساحل \" وضعا رؤوسهما فناما، فانسل الحوت فاتخذ سبيله في البحر سربًا \" أي فصار الطريق الذي سار فيه الحوت مثل السرب وهو الشق الطويل الذي لا نفاذ له، لأن الله أمسك عن الحوت جري الماء وجمده فانحاز عنه، وصار كالكوة، ولم يلتئم كما كان، \" وكان لموسى وفتاه عجبًا \" أي ورأى موسى وفتاه منظرًا عجيبًا \" فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، فلما أصبح قال موسى (لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) \" أي لقد أصبحنا نشعر بالتعب وشدة الجوع بسبب طول سفرنا فأعطنا بعض الطعام \" فقال فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) \" أي هل علمت أننا عندما نمنا تحت تلك الصخرة استيقظت أنا، فرأيت الحوت قد دبت فيه الحياة، فانتفض وألقى بنفسه في البحر، وأردت إخبارك بذلك فنسيت \" قال موسى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) \" أي هذا ما كنا نريده ونبحث عنه، وتلك هي ضالتنا المنشودة، لأن الرجل الصالح هو في ذلك المكان الذي فقدنا فيه الحوت (فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا) أي فعادا يتتبعان آثارهما \" فلما انتهيا إلى الصخرة إذا رجل مسجى بثوب \" أي مغطى بثوب","vol":"1","page":218},{"text":"قَالَ: نَعَم، قَالَ: هلْ أتَبِعُكَ على أنْ تُعَلِّمنْي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشدًا: قَالَ: إِنَّكَ لنْ تَسْتَطِيعَ معَي صَبرًا، يَا مُوسَى إنِّي عَلى عِلم منْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أنتَ، وأنتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ اللهُ لا أعْلَمُهُ، قَالَ: سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا.\nــ\n\" فسلم موسى، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ \" أي كيف سمعت منك كلمة السلام، وأهل هذه الأرض لا يعرفونها \" فقال: أن موسى، فقال موسى بني إسرائيل؟ قال (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) \" أي هل تأذن لي في صحبتك لأتعلم منك علمًا ينفعني وأسترشد به. (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) قال ابن كثير: أي لا تقدر على مصاحبتى لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك \" يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت \" أي وإنما لا تستطيع الصبر على مصاحبتي لأني أنفرد بعلم مخالف لعلمك، وهو العلم بهذه الأمور التي أوحى الله تعالى بها إلى الخضر وأطلعه عليها، وخصه بها دون موسى (١) والتي من ضمنها علمه بذلك الملِك الذي يغتصب السفن البحرية، والغلام الذي طبع كافرًا وبالغلامين اليتيمين اللذين كان أبوهما صالحًا وبالكنز الذي لهما المدفون تحت الجدار \" وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه \" أي وأنت على علم انفردت به عني لا أعلم منه شيئًا، وهو العلم بالشريعة وبالكتاب الذي أنزل عليك. واختلف أهل العلم في علم الخضر الذي انفرد به عن موسى هل هو علم وحي ونبوة، أم علم فراسة وإلهام وهل هو نبي أم ولي؟ والصحيح أنه نبي، قال في فيض الباري: \"الخضر نبي عند الجمهور ليس داخلًا في شريعة موسى. وقال الآلوسي: فيه أقوال ثلاثة فالجمهور على أنه ﵇\n_________\n(١) ويترتب على ذلك أن موسى سيرى من الخضر أمورًا غريية ينكرها وهو ما وقع.","vol":"1","page":219},{"text":"فانْطَلَقَا يمْشِيَانِ علَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَمرَّتْ بِهِمَا سَفِينَة فَكَلَّمُوهُمْ أنْ يَحْمِلُوهُمَا فَعُرِفَ الخِضْرُ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْل، فجاءَ\nــ\nنبى وليس برسول، وقيل: هو رسول، وقيل هو ولي، وعليه القشيرى وجماعة، والصحيح ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين. اهـ. واستدل القائلون بنبوته بقوله كما حكى الله عنه: (وما فعلتة عن أمري) أي وإنما فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى، لأن تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم لا يكون إلا بنص وأمر إلهي صادر عن وحي سماوي، وذلك للأنبياء خاصة، ولهذا قال العيني: إن قوله: (وما فعلته عن أمري) يدل على أنه فعله بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفسًا لما يتوقع وقوعه منها، لأن الحدود لا تجب إلاّ بعد الوقوع، وكذا الإِخبار عن أخذ الملك السفينة، وعن استخراج الغلامين الكنز، لأنّ هذا كله لا يدرك إلاّ بالوحي. اهـ. قال الآلوسي \" وهو أي الاستدلال بهذه الآية الكريمة على نبوة الخضر ظاهر في ذلك، واحتمال أن يكون هناك نبي أمر بذلك عن وحي كما زعمه القائلون بولايته احتمال بعيد. ومما اختلف فيه أهل العلم أيضًا مسألة هل الخضر حي الآن أم هو قد مات؟ والصحيح أنه قد مات، فقد سئل البخاري عنه وعن الياس ﵉ هل هما حيان، فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي - ﷺ - أي قبل وفاته بقليل: \" لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد \". اهـ والذي في صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - قبل موته: \" ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنه وهي يومئذ حية \" وهذا أبعد عن التأويل، وسئل شيخ الإِسلام ابن تيميّة عن الخضر فقال: لو كان الخضر حيًا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي - ﷺ - ويجاهد بين يديه ويتعلم منه، وقد قال النبي - ﷺ - يوم بدر: \"اللهم","vol":"1","page":220},{"text":"عُصْفُور فوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يا مُوسَى ما نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلم اللهِ إلا كنَقْرَةِ هذَا الْعُصْفُورِ في البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضْرُ إلى لَوْحٍ مِنْ الوَاحِ السَّفينَةِ فَنزَعَهُ، فَقَالَ موسى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْل عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِم فَخَرَقْتَها لِتُغرِقَ أهْلَهَا، قَالَ: ألَمْ أقُلْ: إِنَّكَ لَنْ تَستَطِيعَ مَعي صَبرًا، قَالَ: لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسيتُ، وَلا ترهِقْنِي مِنْ أمْرِي عُسْرًا، فَكَانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، فانْطَلَقَا فإذا غُلَام يَلعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فأخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ\nــ\nإن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض\" وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين الخضر حينئذ اهـ (قال ستجدني إن شاء الله صابرًا) على ملازمتك \" فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما فعرف الخضر فحملوهما بغير نول) أي بغير أجرة \" قال فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة \" أي فنزل على طرفها \" فقال الخضر يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ كنقرة هذا العصفور في البحر \" وليس النقص هنا على حقيقته، لأن علم الله لا ينقصه شيء، وإنما المراد أن علمي وعلمك بالنسبة إلى العلم الإِلهي كنسبة قطرة الماء إلى هذا البحر، وهذا التشبيه أيضًا ليس على حقيقته وإنما المراد به التوضيح والتقريب للأذهان \" فعمد \" بفتح العين \" الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه \" أي فلما بلغت السفينة لجج البحر عَمدَ الخضر إليها بيده عمدًا، فاقتلع بفأسه لوحًا أو لوحين من جهة البحر، ولكن الماء لم يدخلها \" فقال موسى: قوم حملونا بغير نول \" أي بدون أجرة \" عمدت \" بفتحٍ الميم \" إلى سفينتهم فخرقتها \" أي مددت يدك إلى سفينتهم، فخرقتها عمدًا \" لتغرق أهلها \" أي ألا تعْلم أن خرقك لهذه السفينة يؤدي إلى دخول الماء إليها فيكون نتيجة فعلك هذا","vol":"1","page":221},{"text":"أعلَاهُ فاقْتَلَعَ رَأسَهُ بيده، فقالَ مُوسَى: أقَتَلْتَ نفْسًا زكِيَّةً بغَيْر نَفْسٍ؟ قال: ألم اقُل لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا - قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَهَذَا أوكَدُ - فانْطَلَقَا حتَّى إذَا اتيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أهْلَهَا فأبَوْا أنْ\nــ\nوعاقبته (١) إغراق السفينة بمن فيها. (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا) أي قال الخضر لموسى مذكِّرًا له بما قاله له سابقًا: ألم أقل لك إنك لا تقدر على مصاحبتي لأنك لا تطيق السكوت على ما تراه مني من أمور غريبة (قال لا تؤاخذني بما نسيت) أي فاعتذر موسى للعبد الصالح وقال له: لا تلمني على سؤالي هذا، فإنما سألتك ناسيًا وغافلًا عن الوعد الذي قطعته لك على نفسي، ولا حرج على الناسي فيما يصدر عنه وقال في الآية التي في سورة الكهف (ولا ترهقني من أمري عُسْرًا) أي ولا تشدد علي أثناء مصاحبتي لك بكثرة اللوم والمعاتبة \" فانطلقا فإذا بغلام يلعب مع الغلمان \" أي فسارا في طريقهما فإذا بهما يجدان صبيًا صغيرًا لم يبلغ الحلم بعد \" فأخذ الخضر برأسه من أعلاه \" أي فأمسك الخضر برأس ذلك الصبي \" فاقتلع رأسه \" أي فانتزع رأسه من جسده \" فقال موسى: (أقتلت نفسًا زكيَة بغير نفس) \" أي فلم يطق موسى صبرًا على ما رأى، ووجه إلى الخضر إنكارًا شديدًا على فعلته هذه، وقال له: كيف تقتل نفسًا بريئة لم تقتل أحدًا مع أنها لو قتلت لم تستوجب القتل، لأنها لا تزال صغيرة لم تبلغ الحلم، \" وهنا أعاد الخضر على موسى ما سبق أن قاله له بصيغة أقوى وآكد حيث قال له: (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا) فأتى بضمير المخاطب المسبوق بلام الجر لزيادة التأكيد (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل القرية) وهي قرية\n_________\n(١) فإن اللام في قوله \" لتغرق أهلها \" ليست للتعْليل لأن الخضر عندما خرق السفينة لم يقصِدْ قطعًا أن يكون فعله هذا سببًا في إغراقها وإهلاك ركابها، ولم يكن موسى يعتقد ذلك، وإنما اللام هنا للعاقبة، لأن موسى أراد أن يقول للخضر إن عاقبة فعلك هذا، والنتيجة الحتمية له هي غراق السفينة.","vol":"1","page":222},{"text":"يُضَيِّفُوهُمُا، فَوَجَدَا فيها جِدَارًا يُرِيدُ أن يَنْقَضَّ فأقَامَهُ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَده فأقَامَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا، قَالَ: هذَا فِرَاقُ بِيْني وَبَيْنكَ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ عَلَيْنَا مِنْ أمرِهِمَا\".\nــ\nأنطاكية وكانا جائعين. (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) أي فطلبا من أهل تلك القرية الطعام، ولكنهم كانوا بخلاء فشحّوا عليهم (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) أي فامتنعوا عن إطعامهم وضيافتهم (فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض) أي فوجدا في تلك القرية جدارًا خَرِبًا موشكًا على السقوط \" قال الخضر بيده فأقامه \" قال الطبري (١) ذُكِر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هدمه ثم قعد يبنيه، وعن ابن عباس قال: رفع الجدار بيده فاستقام، ثم قال: والصواب أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه صاحب موسى، بمعنى عدل ميله، حتى عاد مستويًا، وجائز أن يكون ذلك بإصلاح بعد هدم، وجائز أن يكون برفع منه له بيده، فاستوى بقدرة الله، وزال عنه ميله بلطفه فقال موسى: (لو شئت لاتخذت عليه أجرًا) أي لو أردت أن تأخذ على عملك هذا أجرًا لكان من حقك، لا سيما من قوم أشحاء بخلوا علينا ونحن جياع (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) أي سؤالك هذا هو السؤال الأخير المفِّرق بيننا ثم فسر له هذه الأمور الثلاثة، فقال: أما السفينة فكانت لأناس ضعفاء يعيشون منها وكان هناك ملك ظالم لا يدع سفينة سليمة إلّا اغتصبها، فخرقتها لتنجو منه، وأما الغلام فمطبوع على الكفر وأخشى على والديه أن يحملهما حبهما له على الكفر بالله تعالى. قال الحافظ: فلعل قتل الغلام الذي هو على هذه الحالة جائز في شريعتهم. وأما الجدار فهو لغلامين\n_________\n(١) تفسير الطبرى ج ١٦.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>٧٢ - \" بَابُ مَن سأل وهو قائم عالمًا جالسًا </span>\"\n٩٢ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nــ\nيتيمين تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحًا فأراد الله أن يحفظه لهما، فأقمت ذلك الجدار امتثالًا لأمر ربي \" قال النبي - ﷺ - يَرْحَمُ الله موسى لوددنا لو صبر \" أي أحببت وتمنيت لو صبر مع العبد الصالح، ولزمه مدة أكثر \" حتى يقص علينا من أمرهما \" أي حتى يقص علينا أشياء كثيرة مما وقع لهما.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه: فوائد كثيرة: منها. فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، فإن موسى - ﷺ - رحل مسافات طويلة ولقي النصب في طلبه. ومنها: التأدب مع المعلم، والتلطف في مخاطبته لقول موسى (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا) حيث أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة فاستأذن منه في مصاحبته وأقر أنه يتعلم منه علمًا هو في حاجة إليه يستفيد منه ويسترشد به. ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، وذلك ليأخذ منه العلم الذي مهر فيه، وان كان دونه في العلم والفضل بدرجات كثيرة، فلا شك أن موسى أفضل من الخضر، ولكن لما كان عند الخضر من هذا العلم الخاص ما ليس عند موسى حرص على التعلم منه (١). ومنها: أنه ينبغي للعالم مهما بلغ من العلم إذا سئل أي الناس أعلم أن يكل العلم إلى الله تواضعًا وتأدبًا فيقول: الله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه تعالى \".\n٧٢ - \" باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا \"\n٩٢ - معنى الحديث: يقول أبو موسى ﵁: \"جاء رجل\n_________\n(١) تفسير للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي القصيمي.","vol":"1","page":224},{"text":"جَاءَ رَجُل إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ ما القِتالُ في سَبيلِ اللهِ؟ فَإِنَّ أحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إلَيْهِ رَأسَهُ، قَالَ: وما رَفَعَ إليه رأسَهُ إلَّا أنه كَانَ قائِمًَا فَقَالَ: مَنْ قَاتَل لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيل واللهِ\".\nــ\nإلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما القتال في سبيل الله\" أي ما هو الجهاد الصحيح الذي تُنَالُ به الشهادة والفوز بدار الكرامة \" فإن أحدنا يقاتل غضبًا ويقاتل حمية \" أي فإن البعض يقاتل مدفوعًا بدافع الغضب والرغبة في الانتقام، ويريد أن يثأر من عدوه، والبعض يقاتل أنفةً وغيرة ودفاعًا عن قومه \" فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا \" أي فرفع النبي - ﷺ - إلى السائل رأسه متهيئًا لإجابته، لأن السائل كان قائمًا \" فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا \" أي من كان غايته ونيته من قتاله أن تصبح كلمة التوحيد هي الكلمة النافذة في هذه الأرض التي لها سلطانها الذي لا يرد، وسيطرتها التي لا تحد \" فهو في سبيل الله \" أي فهو المجاهد الحقيقي الذي إن قتل نال الشهادة، وإن رجع رجع بأجر وغنيمة. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: إلا أنه كان قائمًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن النية الصالحة شرط لقبول العمل عند الله، فالمقاتل لا ينال الشهادة، ولا يقبل قتاله إلاّ إذا قصد به نصرة الدين، والدفاع عن كلمة التوحيد. ثانيًا: أنه يجوز أن يسأل السائل وهو قائم عالمًا جالسًا لقوله \" فرفع إليه رأسه وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائمًا \" وهو ما ترجم له البخاري.\n***","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>٧٣ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) </span>\"\n٩٣ - عن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nبَيْنَا أنَا أمْشِي مَعَ النَّبِي - ﷺ - في خَرِبِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ علَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَن الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألوهُ، لا يَجيءُ فيهِ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَه، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَنَسْألنَّهُ فَقَامَ رَجُل مِنْهُمْ وَقَالَ: يَا أبَا الْقَاسِم! ما الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ إنَّهُ يُوحَى إليْهِ فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ قَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).\nــ\n٧٣ - \" باب قول الله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) \"\n٩٣ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁ \" بينا أنا أمشي مع رسول الله - ﷺ - في خرب المدينة \" بفتح الخاء وكسر الراء، جمع خربة، أي في بعض الأماكن الخربة \" وهو يتوكأ على عسيب \" أي على عصا من جريد النخل \" فمرّ بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح \" أي اسألوه عن الروح ليعجز عن الجواب عنها، فتثيروا - حوله الشكوك والشبهات \" وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه \" أي لا تسألوه خشية أن يجيبكم بما هو موجود في كتابكم فيخيِّب ظنكم ويقع ما تكرهون \" فقال بعضهم لنسألنه \" أي والله لنسألنه مهما كانت النتائج \" فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنَّهُ يوحى إليه \" فعرفت أنه يوحى إليه في تلك الساعة \" فلما انجلى عنه \" أى فلما انقطع عنه الوحي \" قال: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>٧٤ - \" بَابُ مَنْ خصَّ بالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْم كَرَاهية أن لا يَفهَموا </span>\"\n٩٤ - عن أنسٍ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ علَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاثًا. قَالَ: مَا مِنْ أحَدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلَه إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا\nــ\nأَمْرِ رَبِّي) \" أي قل لهم يا محمد إن الروح أمر رباني استأثر الله بعلمه دون سواه (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أي وإن العلم الذي لديكم ليس إلّا شيئًا قليلًا وجزءًا يسيرًا لأن علم الإنسان بالغًا ما بلغ، فهو محدود، وعقله أيضًا محدود، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الروح غيب، وسر من أسرار الله القدسية استأثر الله بعلمه، وأودعه بعض مخلوقاته نعرف آثاره، ونجهل حقيقته، وقد وقف هذا الإنسان حسيرًا أمام (١) ذلك السر اللطيف لا يدري ما هو: ولا يعرف عنه إلا ما جاء في بعض الأخبار الصحيحة. ثانيًا: قلة علم الإنسان وضالته، وأن العقل البشري لا يحيط بكل شيء.\n٧٤ - \" باب من خص بالعلم قومًا دون قوم \"\n٩٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" كان معاذ رديف رسول الله - ﷺ - \" أي كان راكبًا خلفه \" على الرحل \" وهو كل شيء أعِدَّ\n_________\n(١) في ظلال القرآن المجلد الرابع.","vol":"1","page":227},{"text":"رَسُولُ اللهِ صِدْقًَا من قَلْبِهِ، إلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أفلَا أخْبِرُ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًَا يَتَّكِلُوا (١).\nــ\nللرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير، وجمعه أرحل ورحال، كما أفاده في المصباح \" قال: يا معاذ بن جبل قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: يا معاذ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا \" أي ها أنا حاضر بين يديك أجيبك إجابة بعد إجابة وأسعدك إسعادًا بعد إسعاد \" قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه \" أي لا ينطق أحدٌ بالشهادتين نطقًا مطابقًا لما في قلبه \" إلاّ حرمه الله على النار \" أي حرم عليه الخلود فيها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار خلافًا للخوارج لقوله - ﷺ -: \" إلاّ حرمه الله على النار \". فإن أقل ما يدل عليه أن الفاسق لا يخلد في النار. ثانيًا: أن من العلم ما يعطى لعامة الناس، ومنه ما يعطى للخاصة فقط كما ترجم له البخاري، لأن النبي - ﷺ - خصّ بهذا الحديث معاذًا، فدل ذلك على أن من العلم ما لا يقال إلاّ لأهله ممن يتوفر فيهم الذكاء والفهم الصحيح، ولا يُحدِّث به من لا يفهمه، وقد قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله.\nمطابقة الحديث للترجمة: في كونه - ﷺ - خص معاذًا بهذا الحديث.\n...\n_________\n(١) أي يعتمدون على مجرد الشهادتين، ويتركون العمل وهو جزء من الإيمان.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>٧٥ - \" بَابُ الْحَيَاءِ في الْعِلْمِ </span>\"\n٩٥ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\nجَاءَتْ أمُّ سُلَيْم ﵂ إلى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ اللهَ لَا يَستحييَ مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرأةِ مِنْ غُسْل إذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" إِذَا رَأتِ الْمَاءَ، فَغَطَّتْ أمّ سَلَمَةَ تَعْنِي وَجْهَها، وقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ وَتَحْتَلِمُ الْمَرأةُ؟ قَالَ: نَعَمْ تَرِبتَ يَمِينُكِ، فبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا\".\nــ\n٧٥ - \" باب الحياء العلم \"\n٩٥ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂ \" جاءت أم سليم ﵂ إلى النبي - ﷺ - فقالت: إن الله لا يستحي من الحق \".\nوهو مقتبس من قوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) وإنما قالت ذلك تمهيدًا لما تريد أن تطرحه من سؤال يستحي منه النساء، لعلاقته بالحياة الجنسية، ومعنى قولها هذا أنه لا حياء في العلم والدين، ولا في السؤال عما يتعلق به ولو كان في المسائل المتعلقة بالجنس. ثم قالت: \" فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت \" أي هل عليها غسل إذا رأت الجماع في نومها \" فقال النبي - ﷺ - إذا رأت الماء \" أي نعم يجب عليها الغسل إذا رأت المني في ثوبها \" فغطت أمُّ سلمة تعني وجهها \" حياءً وخجلًا \" فقالت: يا رسول الله وتحتلم المرأة \" أى هل تحتلم وتنزل المني كالرجل \" قال: نعم \" تحتلم وتنزل مثل الرجل \" تربت يمينك \" ومعناها في الأصل التصقت بالتراب، وهو غير مقصود، ولكنها كلمة جارية على اللسان، ولا يقصد بها الدعاء على المخاطب كما أفاده القسطلاني \" فيم يُشبهها ولدها \" أي فلماذا يشبهها ولدها لو لم يكن","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>٧٦ - \"بَابُ من استحيا فأمر غيره بالسؤال </span>\"\n٩٦ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ:\nكُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فأمَرْتُ الْمِقْدَادَ أن يَسْأل النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَألهُ، فَقَالَ: فِيهِ الْوُضُوءُ.\nــ\nلها ماء، وسيأتي تفصيله في موضعه. الحديث: أخرجه الخمسة أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه لا حياء في طلب العلم والسؤال عن الدين لأنه حق. ثانيًا: أن للمرأة ماء، ومنه يكون الشبه بالأم. والمطابقة: في قولها \" إن الله لا يستحيي من الحق، وإقرار النبي - ﷺ - لها \".\n٧٦ - \"باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال \"\n٩٦ - معنى الحديث: يقول علي ﵁ \" كنت رجلًا مذاءً \" صيغة مبالغة، أي كثير المذي وذلك بسبب صحته وقوة جسمه \" فأمرت المقداد أن يسأل النبي - ﷺ - \" يعني أن يسأله عن حكم المذي، وماذا يجب فيه، لأنه ﵁ استحيا أن يسأل النبي - ﷺ - هذا السؤال، وابنتُهُ تحتهُ \" فسأله المقداد \" نيابة عن علي ﵁ \" فقال: فيه الوضوء \" أي يجب فيه الوضوء بعد غسل الفرج أولًا، لإزالة أثره، لأنه نجس.\nويستفاد منه: أولًا: أن المذي يوجب الوضوء مع غسل الذكر، وهو مذهب الجمهور حيث قالوا يجب منه الوضوء مطلقًا. وقال مالك: لا يجب منه الوضوء إلَّا إذا كان عن ملاعبة. ثانيًا: مشروعية الإنابة في السؤال والاستفتاء إذا استحيا من مباشرة ذلك بنفسه وهو ما ترجم له البخاري، وكذلك إذا كان عذر آخر يمنعه من السؤال، فإنه يقاس ذلك على الحياء.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>٧٧ - \" بَابُ ذِكْرِ العِلْمِ وَالْفُتْيَا في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٩٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَجُلًا قَامَ في الْمَسْجِدِ فقَالَ: يَا رَسُولَ الله مِنْ أيْنَ تَأمُرنَا أن نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يُهِلُّ أهْلُ الْمَدِيْنَةِ من ذِى الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أهْلُ الشَّامِ من الجُحْفَةِ، وَيُهِلّ أهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ \" وَقَالَ ابْنِ عُمَرَ: يَزعُمُونَ\nــ\nالحديث. أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد والطبراني والطحاوى كما أخرجه البخاري في هذا الباب. مطابقته للترجمة: في كون علي أناب المقداد عنه في السؤال عن المذي لمَّا استحيا أن يسأل النبي - ﷺ - بنفسه لكون ابنته تحته، كما جاء في رواية أخرى عن علي أنه قال: كنت رجلًا مذاءً، فأمرت عمار بن ياسر أن يسأل رسول الله - ﷺ - من أجل ابنته عندي فقال يكفي من ذلك الوضوء، وفي رواية أخرى عن عمار: يغسل مذاكيره ويتوضأ أخرجه النسائي. وفي رواية عن المقداد: ليغسل ذكره وأنثييه أخرجه أبو داود.\n٧٧ - \" باب ذكر العلم والفتيا في المسجد \"\n٩٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل؟ \" أي من أي مكان تأمرنا أن نحرم بالحج والعمرة، ونرفع أصواتنا بالتلبية \" فقال رسول الله - ﷺ -: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة \" أي يحرم أهل المدينة وكل من أتى عليها من ذي الحليفة ويبدؤون التلبية من عندها. \" ويهل أهل الشام من الجحفة \" وهي قرية بالقرب من رابغ محددة بأعلام وضعتها الدولة. \" ويهل أهل نجد من قَرْن \" بفتح القاف وسكون الراء أي من قرن المنازل \"قال","vol":"1","page":231},{"text":"أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: وَيُهِلُّ أهْلُ الْيَمَن مِنْ يَلَمْلَمَ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٧٨ - \" بَابُ منْ أجَابَ السّائِل بأكثر مِمَّا سَألِهِ </span>\"\n٩٨ - عَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِي - ﷺ -: أنَّ رَجُلًا سألهُ مَا يَلْبَسُ الْمحْرِم؟ فَقَالَ: \"لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ\nــ\nابن عمر: ويزعمون أن رسول الله - ﷺ - قال: \" أي ويقول بعض الصحابة إن النبي - ﷺ - قال: \" ويهل أهل اليمن من يلملم \" وهو جبل في جنوب مكة على مرحلتين منها وفيه دليل على إطلاق الزعم على القول المحقق لأن ابن عمر سمع ذلك من رسول الله، لكنه لم يفهمه. \" وكان ابن عمر يقول: لم أفقه هذه من رسول الله - ﷺ - \" أي لم أفقه هذه الجملة الأخيرة فصار يرويها عن غيره، لشدة تحريه وورعه.\nويستفاد منه: أولًا: مشروعية الفتيا في المسجد، لأن هذا السؤال والجواب قد وقعا في مسجد رسول الله - ﷺ -، وقد كان هذا المسجد الشريف مركز العلم والفتيا لي الفقه والتشريع في الإِسلام بالإضافة إلى كونه مركز القيادة العسكرية والحربية والسياسية والاقتصادية، إلى غير ذلك. ثانيًا: بيان المواقيت المكانية للحج، وسيأتي تفصيلها في موضعها. الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود أيضًا. مطابقته للترجمة: في كون هذه الفتيا وقعت في المسجد الشريف.\n٧٨ - \" باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله \"\n٩٨ - معنى الحديث: أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن الألبسة التي يجوز للمحرم أن يلبسها ولما كانت كثيرة يصعب حصرها وعدها، ترك النبي","vol":"1","page":232},{"text":"ولا الْعِمَامَةَ ولا السَّرَاوِيلَ ولا البُرْنُسَ ولا ثَوْبًَا مَسَّهُ الوَرْسُ أو الزَّعْفَرَانُ، فإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حتى يكونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنَ\".\nــ\n- ﷺ - الإِجابة عليها وأجاب السائل عن الألبسة المحظورة على المحرم، لأنها محدودة معدودة: وهذا من الأسلوب الحكيم \" قال: لا يلبس القميص ولا عمامة ولا السراويل ولا البرنس \" وهو لباس مغربي معروف، فأما العمامة فلا يلبسها لأنها محيط، وأما بقية الأشياء المذكورة فإنها تحرم لأنها مخيط والله أعلم \" ولا ثوبًا مسه الوَرْس \" (١) أي ويحرم الثوب الذي أصابه الورس وهو نبت طيب الرائحة \" والزعفران \" لأنه من الطيب، وهو محرّم على المحرم. ثم ذكر له النبي - ﷺ - جواز لبس الخفين للمحرم بعد قطع أعلاهما إذا لم يجد النعلين بقوله: \" فإن لم يجد النعْلين فليلبس الخفين، وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين \" أي فيجوز له لبس الخفّين وليقطعهما من أعلاهما حتى يكشفا عن الكعبين، وهكذا فقد أجابه النبي - ﷺ - بأكثر من سؤاله.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز إجابة السائل بأكثر من سؤاله إتمامًا للفائدة لأن النبي - ﷺ - زاد في الجواب عن السؤال حيث بين للسائل حكم من لم يجد النعلين وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: بيان محظورات الإِحرام وسيأتي تفصيلها في موضعها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: فإن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ... إلخ.\n...\n_________\n(١) الورس بفتح الواو وسكون الراء.","vol":"1","page":233},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-97> كِتَابُ الوُضُوءِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٧٩ - \" بَاب لا تقْبَلُ صَلَاة بِغيْرِ طُهُورٍ </span>\"\n٩٩ - عن أبو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأ \"\nقَالَ رَجلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: ما الْحَدَثُ يا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ، أو ضُرَاطٌ.\nــ\n\n\" كتاب الوضوء \"\n٧٩ - \" باب لا تقبل صلاة بغير طهور \"\n٩٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا تقبل (١) صلاة من أحدث حتى يتوضأ \" أي لا تصح صلاة من أحدث حدثًا أصغر حتى يتوضأ لها وضوءًا جديدًا. \" قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة، قال: فساء أو ضراط \" أي فسئل أبو هريرة عن الحدث الموجب للوضوء فأجاب بأنه الحدث الأصغر، وهو الخارج من السبيلين، ومثَّل له بالفساء والضراط، ومنه أيضًا البول والغائط، والمذي والودي.\n_________\n(١) لا تقبَل بضم أوله وبنائه للمجهول.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>٨٠ - \" بَابُ الْوضوءِ وَالْغرُّ الْمحَجَّلونَ مِنْ آثارِ الْوضوءِ </span>\"\n١٠٠ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَقُول: \" إنَّ أمَّتِي يُدْعَوْنَ يَومَ الْقِيَامَةِ غُرًَّا محَجّلِينَ منْ آثارِ الْوُضوءِ، فمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يطِيلَ غرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ \"\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الوضوء شرط في صحة الصلاة على كل محدث حدثًا أصغر، وينوب عنه التيمم لعذر. ثانيًا: أن الحدث الأصغر الموجب للوضوء هو الخارج من السبيلين كالفساء والضراط مثلًا، وقد اتفق أهل العلم على وجوب الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي.\nواختلفوا فيما يخرج من غير السبيلين. فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أن كل نجاسة خرجت من الجسد يجب منها الوضوء، سواء كانت من المخرجين أو من غيرهما كالدم والقيء إلاّ البلغم عند أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى وجوب الوضوء من كل ما خرج من المخرجين ولو غير معتاد كالدم والحصا، سواء خرج على وجه الصحة أو المرض، وقال مالك: لا يجب الوضوء إلاّ من الخارج المعتاد من المخرج المعتاد على سبيل الصحة والاعتياد، فلم يوجب الوضوء في سلس البول لأنه لم يخرج على سبيل الصحة، ولا في الدود والحصا، لأنه غير معتاد، ولا في الدم لأنه من غير المخرجين. والمطابقة: في قوله لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\n٨٠ - \" باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء \"\n١٠٠ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة \" أي أن هذه الأمة","vol":"1","page":235},{"text":"المحمدية ينادون يوم القيامة عند الحوض ليشربوا منه شربة لا يظمئون بعدها أبدًا، وإنما ينادون أمام الناس تنويهًا بشأنهم، وإشادة بفضلهم \" غرًا محجلين من آثار الوضوء \" والغرة في الأصل بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في قوائمه، وهما في محل نصب على الحال. \" والمعنى \" أنهم ينادون عند الحوض المورود، وقد أشرقت أنوار الوضوء على جباههم وأيديهم وأرجلهم تشريفًا وتكريمًا لهم في ذلك الموقف العظيم \" فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل \" أي فمن تمكن من إسباغ الوضوء على المكاره، فليحرص على ذلك أشد الحرص، ليزيد من نوره يوم القيامة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب تطويل الغرة (١) وقد اختلف فيه أهل العلم فقال بعضهم: هو الزيادة على محل الفرض، بغسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهو مذهب ابن عمر وأبي هريرة وبعض الشافعية. والجمهور على أن تطويل الغرة هو إسباغ الوضوء - أي إتقانه وإتمامه، وكرهوا الزيادة على محل الفرض. لقوله - ﷺ -: \" ومن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم \" ونقل ابن تيمية عن جمع من الحفاظ أن قوله \" فمن استطاع منكم أن يطيل غرته \" مدرج من أبي هريرة، وكذلك أفاد كلام الحافظ ابن حجر في \" الفتح \". ثانيًا: فضل الوضوء، لأنّ هذه الأنوار التي تتلألأ على جباه المؤمنين وأيديهم وأرجلهم يوم القيامة إنما هي من آثار الوضوء كما نص عليه الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nوالمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n...\n_________\n(١) لأنها سبب في تنوير جباه هذه الأمة وأيديهم وأرجلهم.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>٨١ - \" بَاب لَا يَتَوَضَّأ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ </span>\"\n١٠١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدَ بْنِ عَاصِم المَازِنيّ الأنْصَارِي ﵁:\nأنَّهُ شَكَا إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الرَّجُلَ الذي يُخَيَّلُ إليْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ في الصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا يَنْفَتِلُ أو لا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًَا أو يَجِدَ رِيحًا\".\nــ\n٨١ - \" باب لا يتوضأ من الشك \"\n١٠١ - ترجمة راوي الحديث: هو عبد الله بن زيد بن عاصم الخزرجي الأنصاري اتفق البخاري ومسلم على رواية ثمانية. أحاديث عنه، قتل شهيدًا يوم الحرة سنة ٦٧ هـ.\nمعنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن زيد، ﵁ \" أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة \" أي شكا إلى النبي - ﷺ - حال الرجل الذي يحس أثناء الصلاة كأن شيئًا قد خرج منه، ويشك في خروج الريح منه أثناء ذلك، ما حكمه؟ وهل ينتقض وضوؤه أم لا؟ \" فقال لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا \" أي فأجابه - ﷺ - بأن الشَّك في خروج الريح أثناء الصلاة لا ينقض الوضوء فلا ينصرف من صلاته حتى يسمع صوت الريح، أو يشم رائحته. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله \" لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا \" إلخ حيث بيّن له - ﷺ - أن الشكّ في الحدث أثناء الصلاة لا ينقض الوضوء، وكذلك إذا شك خارج الصلاة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>٨٢ - \" بَابُ التَّخفِيفِ في الْوُضُوءِ </span>\"\n١٠٢ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nبِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ في بَعْض اللَّيْلِ، قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فتَوَضّأ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّق وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرو وَيُقَلِّلُهُ- وقام يُصَلِّي، فَتَوَضَّأتُ نَحوًَا مِمَّاْ تُوَضَّأ ثُمَّ جِئْتُ فقُمْتُ عَنْ يَسارِهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ- فَحَوَّلَنِي فًجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ ثم صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثم اضْطَجَعَ فَنَامَ، حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أتاهُ الْمُنَادِي، فآذَنَهُ بالصَّلَاةِ، فقَامَ مَعَهُ إلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ.\nــ\nلا يبطل وضوؤه، سواء كان في الصلاة أو خارجها، لأن السبب واحدٌ فيكون الحكم أيضًا واحدًا، وهو مذهب الجمهور ومالك في رواية، وقال مالك في رواية أخرى، يلزمه الوضوء مطلقًا، وقال في رواية ثالثة: إن كان خارج الصلاة يلزمه الوضوء، وإن كان داخل الصلاة لا يلزمه، أما من تيقن الحدث، وشكَّ في الطهارة، فإنه يلزمه الوضوء اتفاقًا، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها. ثانيًا: أن الشكوك التي تقع في الصلاة إنما هي وساوس لا يعتد بها.\n٨٢ - \" باب التخفيف في الوضوء \"\n١٠٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄ \" بت عند خالتي ميمونة ليلةً فقام النبي - ﷺ - من الليل \" أي فقام النبي - ﷺ - عند منتصف الليل ليصلي صلاة التهجد \" فتوضأ من شن \" بفتح الشين وهو القربة القديمة \" وضوءًا خفيفًا \" مقتصرًا على مرة واحدة، أو مرتين فقط، \" وقام يصلي \" صلاة التهجد \" فقمت عن يساره فحولني فجعلني عن يمينه \" أي فسحبني","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>٨٣ - \" بَابُ إسبَاغِ الْوُضُوءِ </span>\"\n١٠٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄:\nأنَّهُ قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ،\nــ\nمن يساره، وجعلني عن يمينه \" ثم اضطجع فنام حتى نفخ \" أي حتى استغرق في النوم، وسُمِعَ صوت شخيره \" ثم أتاه المنادي \" أي المؤذن \" فآذنه بالصلاة \" أي فأعلمه بطلوع الفجر ودخول وقت صلاة الصبح \" فقام معه إلى الصلاة، فصلى ولم يتوضأ \" أي فصلى الصبح بالوضوء الأول، ولم يتوضأ بعد الاستيقاظ من نومه وضوءًا جديدًا. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يجوز تخفيف الوضوء وأن أقل الوضوء يجزىء ولو مرة واحدة، لأنّ النبي - ﷺ - توضأ في هذه الليلة وضوءً خفيفًا.\nثانيًا: أن نوم النبي - ﷺ - ولو كان مضطجعًا لا ينقض الوضوء -كما أفاده العيني- وكذلك سائر الأنبياء فيقظة قلوبهم تمنعهم من الحدث. ثالثًا: أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإِمام، حتى أنه روي عن أحمد أنه إن وقف عن يساره بطلت صلاته - كما أفاده العيني والجمهور على خلافه، لأن رسول الله - ﷺ - لم يبطل صلاة ابن عباس. والمطابقة: في قوله \" فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا \".\n٨٣ - \" باب إسباغ الوضوء \"\n١٠٣ - ترجمة الراوي: هو أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي مولى النبي - ﷺ - وابن حاضنته أم أيمن، أمّره النبي - ﷺ - على آخر جيش في حياته، كان - ﷺ - قد وجهه إلى الروم وعمره خمسة عشر عامًا، ومات - ﷺ - قبل توجهه، فأنفذه الصديق ﵁ وكان عمر يفضله في العطاء على ولده، روى مائة وثمانية وعشرين حديثًا، اتفقا منها على خمسة عشر حديثًا، وانفرد","vol":"1","page":239},{"text":"نَزَلَ فبَالَ ثمَّ تَوَضَّأ، وَلم يسبغ الْوضوءَ، فَقلْت: الصَّلَاةَ، يَا رَسولَ اللهِ، فَقَالَ: الصَّلَاة أمَامَكَ، فرَكِبَ، فلمَّا جَاءَ الْمزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأ، فأسْبَغ الْوضوءَ، ثمَّ أقيمَتِ الصَّلَاة، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثمَّ أناخَ كلُّ إنْسَان بَعيرَة في مَنْزِلِهِ ثم أقيمتِ العِشَاء، فصَلَّى وَلَمْ يصَلِّ بَيْنَهمَا\".\nــ\nكل منهما بحديثين توفي بوادي القُرى سنة أربع وخمسين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول أسامة ﵁: \" دفع رسول الله - ﷺ - من عرفة \" أي أفاض من عرفة يوم حجة الوداع حتى إذا كان بالشعب، بكسر الشين وسكون العين وهو الطريق المعهودة للحاج كما أفاده القسطلاني \" نزل فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء \" أي وإنما اقتصر فيه على غسل الأعضاء مرة واحدة، فخفف الوضوء لأنه لم يتوضأ للصلاة وإنما توضأ لاستدامة الطهارة \" فقلت: الصلاة يا رسول الله \" بالنصب على المفعولية أي أتريد الصلاة \" قال: الصلاة أمامك \" أي صلاة المغرب تصلى أمامك في المزدلفة \" فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء \" أي أتمه وأكمله \"فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت صلاة العشاء فصلى ولم يصل بينهما\" نافلة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب اسباغ الوضوء، لأنه - ﷺ - فعل ذلك في المزدلفة، وهو سنته في أغلب أحيانه، ويجوز تخفيف الوضوء، لأنه قد فعله النبي - ﷺ - بالشِّعْب (١). ثانيًا: مشروعية جمع المغرب والعشاء جمع تأخير في مزدلفة. والمطابقة: في قوله فتوضأ فأسبغ الوضوء.\n_________\n(١) فدل ذلك على أن التخفيف جائز، الاسباغ مستحب لأنّ النبي - ﷺ - خفف في الشعب لبيان الجواز، وأسبغ في مزدلفة لبيان الاستحباب.","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>٨٤ - \" بَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ باليَدَيْنِ مِنْ غرْفَةٍ وَاحِدَةٍ </span>\"\n١٠٤ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄:\n\"أنَّهُ تَوَضَّأ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا، واسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أخذَ غَرْفَةً من مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هكَذَا أضَافَهَا إلى يَدِهِ الأخْرَى، فَغَسَلَ بهَا وَجْهَهُ، ثمَّ أخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يدَهُ اليُسْرَى، ثم مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثمَّ أخَذَ غَرْفةَ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثم أخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَل بِهَا يَعْنِي رِجْلَهُ الْيُسرَى، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأ\".\nــ\n٨٤ - \" باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة \"\n١٠٤ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ \" توضأ، فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة \" وهي بفتح الغين المصدر، وبالضم المغروف وهو ملء الكف. \"فمضمض بها واستنشق\" أي فجمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة \" ثم أخذ غرفة \" واحدة \" فغسل بها وجهه \" مرة واحدة، \" ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه \" أي جميع رأسه \" ثم أخذ غرفة من ماء فرشّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها، يعني رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ \" أي هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ مثل وضوئي هذا. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز غسل الوجه مرة واحدة، وهي","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>٨٥ - \" بَابُ مَا يقوُلُ عِنْدَ الخلاءِ </span>\"\n١٠٥ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النبِيُّ - ﷺ - إذَا دخل الخَلاءَ قَالَ: \" اللَّهُمَّ انِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ والْخَبَائِثِ \".\nــ\nالفرض، أمّا الغسلة الثانية والثالثة فهما سنتان، وكذلك الحكم في سائر الأعضاء المغسولة. ثانيًا: الجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة، وهو حجة للشافعية كما أفاده العيني. ثالثًا: وجوب مسح جميع الرأس.\nوالمطابقة: في قوله ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه.\n٨٥ - \" باب ما يقول عند الخلاء \"\n١٠٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان النبي - ﷺإذا دخل الخلاء \" بفتح الخاء، وهو موضع قضاء الحاجة، سمِّي بذلك لخلوه في غير أوقاتها، وأصله المكان الخالي، ثم كنوا به عن المرحاض، أى أنه - ﷺ - كان إذا أراد أن يدخل المكان المعد لقضاء حاجته \" قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث \" أي اللهم إني أستجير وأتحصن بك من ذكور الشياطين وإناثهم، لأنهم هم الخبث والخبائث سموا بذلك لقذارتهم وشرهم وإضرارهم وإيذائهم للبشر، وإنما كان - ﷺ - يتعوذ من شرهم عند دخول الخلاء، لأنّ هذه الأماكن هي مأوى الأرواح الشريرة كما قال - ﷺ - \" إن هذه الحشوش محتضرة \" أي تحضرها الشياطين. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\nويستفاد منه: استحباب هذه الاستعاذة المأثورة عند دخول الخلاء،","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>٨٦ - \" بَابٌ لا تُسْتَقبِلُ القِبْلَةَ بِغائِطٍ أوْ بَوْل، إِلَّا عنْد البِنَاءِ: جِدَار أو غيرِهُ </span>\"\n١٠٦ - عنْ أبي أيوبَ الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إذَا أتى أحدُكُمْ الغَائِطَ فلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ ولا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، ولكنْ شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا \".\nــ\nليكون المسلم في حرز منيع وحصن حصين من تلك الشياطين، التي تسكن هناك. ولو أنّ الناس استعملوا هذه التعاويذ المباركة، لتخلصوا مما يعانونه في هذا العصر من الهواجس والوساوس والأمراض الجسميّة والنفسية، نسأل الله أن يحمينا منها، ويقينا شرّها.\n٨٦ - \" باب لا يستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء \"\n١٠٦ - ترجمة راوي الحديث: هو أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري النجاري، نزل عليه النبي - ﷺ - عند هجرته، وأقام في منزله شهرًا، وأخذ من لحيته - ﷺ - فقال له: \" لا يصيبك السوء يا أبا أيوب \" أخرجه الحاكم وصححه، وكان من النجباء روى عن النبي - ﷺ - (١٥٠) حديثًا، اتفقا منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة، وتوفي في غزوة القسطنطينية سنة (٥٢) هـ.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إذا أَتى أحدكم الغائط \" أي مكان قضاء الحاجة \" فلا يستقبل القبلة ولا يولِّها ظهره \" أي لا يستقبلها، ولا يستدبرها ويجعلها وراء ظهره \" ولكن شرقوا أو غربوا \" أي استقبلوا المشرق أو المغرب وذلك بالنسبة إلى أهل المدينة ومن على خطهم.\nويستفاد منه: تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة مطلقًا،","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>٨٧ - \" بَابُ الاسْتِنجَاءِ بالْمَاءِ </span>\"\n١٠٧ - عنْ أنَس ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا خرَجَ لِحَاجَتِهِ أجيءُ أنا وَغُلَامٌ، مَعَنَا إداوَةٌ مِنْ مَاءٍ يَسْتَنْجِي بِهِ.\nــ\nوهو قول أبي حنيفة وأحمد في رواية سواء كان في الفضاء أو البنيان، وذهب مالك والشافعي إلى تحريم الاستقبال والاستدبار في الفضاء خاصة، لحديث ابن عمر أنه رأى رسول الله - ﷺ - جالسًا على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس أخرجه الستة، وقال أحمد: يحرم الاستقبال مطلقًا دون الاستدبار لحديث سلمان قال: \" نهانا رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول \" أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله \" فلا يستقبل القبلة \".\n٨٧ - \" باب الاستنجاء بالماء \"\n١٠٧ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" كان رسول الله - ﷺإذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء \" أي كان - ﷺ - إذا خرج لقضاء الحاجة صحبته أنا وغلام آخر لنقوم بخدمته، وإعداد ما يلزم لطهوره فنحضر له \" إدَاوَةً \" (١) أي إناءً صغيرًا من الماء ليستنجي به. أما ذلك الغلام فقيل هو ابن مسعود ﵁؛ لقول أبي الدرداء ﵁: أليس فيكم صاحب النعلين والطهور، يريد ابن مسعود ﵁، وقيل: هو جابر لقوله ﵁ ذهب رسول الله يقضي حاجته فأتيته بإداوة من ماء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الاستنجاء بالماء. كما ترجم له\n_________\n(١) إداوة بكسر الهمزة في أوله.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>٨٨ - \" بَابُ النَّهْي عنِ الاسْتِنْجَاءِ بالْيَمِيْنِ </span>\"\n١٠٨ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁ قالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا شَرِبَ أحَدُكُمْ فلا يَتَنَفَّسْ في الإناءِ، وإذَا أتُى الْخَلَاءَ فلا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينهِ، ولا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينهِ\".\nــ\nالبخاري خلافًا لمن كرهه كابن عمر وابن الزبير ﵃ وابن حبيب من المالكية لكونه مطعومًا، وسئل حذيفة عن الاستنجاء بالماء فقال: إذن لا يزال في يدي نتن، أخرجه ابن أبي شيبة، ولكن حديث الباب يدل على مشروعيته وفعل النبي - ﷺ - له، وأنه من سنته، ولا اجتهاد مع النص. ثانيًا: استحباب خدمة الصالحين، وكونها من الآداب الإسلامية التي عرفها المسلمون منذ عهد النبوة، كما يظهر لنا من فعل أنس وابن مسعود وجابر ﵃ وغيرهم مع النبي - ﷺ -. والمطابقة: في قوله \" يستنجي بالماء \".\n٨٨ - \" باب النهي عن الاستنجاء باليمين \"\n١٠٨ - ترجمة راوي الحديث: هو أبو قتادة ﵁ الحارث ابن ربعي - بكسر الراء \" السلمي \" بفتح اللام، فارس النبي - ﷺ -، شهد ما بعد أحد من المشاهد، وروى (١٧٠) حديثًا، اتفقا منها على أحد عشر حديثًا وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثمانية، وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين من الهجرة.\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهي عن التنفس في الإناء أثناء الشرب فقال: \" إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء \" أي فلا يتنفس داخل الإناء، مريضًا كان أو صحيحًا سواء كان المشروب ماءً أو لبنًا أو عصيرًا أو غيره، حرصًا على النظافة والسلامة العامة، ووقاية من العدوى. ونهي أيضًا عن","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>٨٩ - \" بَابُ الاستِنجَاءِ بالْحجَارَةِ </span>\"\n١٠٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nاتبَّعْتُ النَّبِيَّ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فكانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ (١)\nــ\nالاستنجاء باليد باليمنى، فقال: \" وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه \" أى بيده باليمنى \" ولا يتمسح بيمينه \" أي ولا يستنج بيده اليمنى أيضًا تكريمًا لها عن مس الأذى. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه النسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: كراهية الاستنجاء باليد اليمنى في قبل أو دبر وهو مذهب الجمهورَ، حيث حملوا النهي في قوله - ﷺ -: \" ولا يتمسّح بيمينه \" على كراهة التنزيه. ثانيًا: يكره مس الذكر باليمين. ثالثًا: النهي عن التنفس داخل الإناء أثناء الشرب خشية الإضرار بالآخرين، واختلفوا في حكمه فذهبت الظاهرية إلى أنه حرام، حيث حملوا النهي على التحريم، وذهب الجمهور إلى أنّه مكروه لأن النهي في الحديث نهي إرشاد، فيحمل على الكراهة.\nوالمطابقة: في قوله \" ولا يتمسّح بيمينه \".\n٨٩ - \" باب الاستنجاء بالحجارة \"\nأي هذا باب يذكر فيه مشروعية الاستنجاء بالحجارة بدلًا عن الاستنجاء بالماء، وهو ما يسمى عند الفقهاء بالاستجمار، فالاستنجاء بالحجارة والاستجمار اسمان لمعنى واحد.\n١٠٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" اتبعْتُ \" بتشديد التاء \" اتبعت النبي - ﷺ - \" أي سرت وراءه \" وخرج لحاجته \" أى وكان قد خرج لقضاء حاجته \" فكان لا يلتفت \" أي فكان من عادته وحسن\n_________\n(١) دنوت منه أي اقتربت منه لأكون على استعداد لخدمته فيما يحتاج إليه واحضار طلباته.","vol":"1","page":246},{"text":"مِنْهُ، فَقَالَ: ابغِني أحْجارًا أسْتَنْفِضْ. بِهَا أو نَحْوَهُ، ولا تأتِني بعَظْمٍ ولا رَوْثٍ، فَأتَيْتُهُ بأحْجَارٍ بِطرَفِ ثِيابِي فَوَضَعْتُهَا إلَى جَنْبِهِ، وأعْرَضْتُ عنه، فلَمَّا قَضَى أتْبعَهُ بِهِنَّ\".\nــ\nسلوكه أنه لا يلتفت أثناء سيره إلاّ لضرورة وحاجة لأن كثرة الالتفات دون سبب أو عذر يقتضيه لون من ألوان العبث، وأفعال العُقلاء تصان عن العبث، ثم هو يدل على الحماقة والطيش والرعونة، وحاشاه - ﷺ - من ذلك \" فقال ابغني أحجارًا أستنفض بها \" بالجزم على أنه جواب الأمر، وبالرفع على الاستئناف، والاستنفاض الاستخراج قال في القاموس: استنفضه استخرجه، وبالحجر استنجي. فالاستنفاض هنا كناية عن الاستنجاء بالحجارة، أي اطلب لي ثلاثة أحجار وأحضرها لكي أستنجي بها \" ولا تأتي بعظم ولا روث \" أي وأنهاك عن أن تحضر لي شيئًا من العظم أو الروث (١) لأنه لا يجوز الاستنجاء بهما لنجاسة الروث، وعدم صلاحية العظم للانقاء وإزالة النجاسة وتنظيف المحل، قد يكون هذا هو سبب النهي عنهما - أو لأنهما طعام المؤمنين من الجن كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، فقد روي عن ابن مسعود ﵁ أن وفد الجن قدموا على رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا محمد إنه أمتك عن الاستنجاء بالعظم والروث، لأن الله تعالى جعل لنا فيه رزقًا، فنهاهم عن ذلك، وقال: \" إنّه زاد إخوانكم من الجن \" رواه أبو داود (٢). قال: \" فأتيتهُ بأحجار طرف ثيابي \" أي فأتيته ببعض الأحجار أحملها في طرف ثوبي \" وأعرضت عنه \" أي ابتعدت عنه \" فلما قضى \" أي فلما انتهي من قضاء حاجته \" أتبعه بهن \" وهو كناية عن الاستجمار أي فلما\n_________\n(١) وهو رجيع ذوات الحافر.\n(٢) شرح صحيح البخاري للشيخ قاسم الشماعي الرفاعي.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>٩٠ - \" بَاب لا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ </span>\"\n١١٠ - عنْ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nأتَى النَّبيُّ - ﷺ - الْغَائِطَ فأمَرَنِي أنْ آتِيَهِ بِثَلاثَةِ أحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، فالتَمَسْتُ الثَّالِثَ، فَلَمْ أجدْهُ، فأخَذْتُ رَوْثَةً فأتَيْتُهُ بهَا، فأخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وألْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ\".\nــ\nفرغ من حاجته استنجى واستجمر بتلك الأحجار التي أحضرتها لديه.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الاستجمار وجواز الاستغناء بالحجارة عن الماء لقوله - ﷺ - \" ابغني أحجارًا أستنفض بها \" وقد ذهب أحمد وأهل الظاهر إلى أن الاستجمار لا يكون إلاّ بالأحجار خاصة، لأنها هي المنصوص عليها في لفظ الحديث، والجمهور على جواز الاستجمار بكل جامد طاهر منق غير مطعوم ولا محترم، لأن النبي - ﷺ - لم ينه إلاّ عن العظم والروث، وذلك لكونهما مطعومين للجن، ولكون العظم غير منق، فكل ما كان مطهرًا منقيًا غير مطعوم لآدمي فإنّه يجوز الاستجمار به. ثانيًا: لا يجوز الاستجمار بالعظم والروث وما في معناهما. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قولة ابغني أحجارًا.\n٩٠ - \" باب لا يستنجي بروث \"\n١١٠ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود رضي الله \" أتى النبي - ﷺ - الغائط \" أي ذهب لقضاء حاجته \" فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين فالتمست الثالث فلم أجده \" أي وبحثت عن حجر ثالث فلم أعثر عليه \" فأخذت روثة \" أي قطعة من رجيع بعض الحوافر كالحمار وغيره \" فأتيته بها \" أي فأتيته بالحجرين والروثة \" فأخذ الحجرين وألقى","vol":"1","page":248},{"text":"الروثة، وقال: هذا ركس\" أي الروث نجس، أو لا يجوز استعماله لأنّه طعام الجن، وهو الثابت في الأحاديث الصحيحة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز الاستجمار بالروث إمّا لنجاسته، أو لأنه طعام المؤمنين من الجن، ويلحق به في النهي كل ما يشبهه من المطعومات أو النجاسات، فلا يجوز الاستنجاء بكل مطعوم للآدمي لحرمته، فإن اختص بالبهائم أو غلب فيها لم يحرم. وكذلك لا يجوز الاستجمار بالنجس، وما عدا ذلك فإنه يجوز، سواء كان من الأحجار أو غيرها، وإنما خَصَّ الأحجار بالذكر لكثرة وجودها ولهذا قالوا: يجوز الاستجمار بكل جامد طاهر منق غير محترم. وإنما نبه النبي - ﷺ - بنهيه عن الروث على تحريم الاستنجاء بكل نجس أو بكل مطعوم لآدمي كما ورد النهي عن العظم في الحديث السابق حيث قال - ﷺ -: \"ولا تأتني بعظم ولا روث \" والمراد بالعظم، العظم وكل ما شابهه من الأشياء اللزجة الملساء التي لا تزيل النجاسة، كالزجاج الأملس، فإنها لا يجوز الاستنجاء بها. ثانيًا: مشروعية التثليث في الاستجمار لقوله ﵁ \" فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار \" وهو شرط عند الشافعيّة، فلا بد أن يكون، بثلاثة أحجار أو بحجر له ثلاثة رؤوس، قال في \" كفاية الأخيار \": والواجب ثلاث مسحات فإن حصل الإنقاء بها وإلّا وجبت الزيادة إلى الانقاء، وهدو مذهب الظاهرية أيضًا، وقال الجمهور: التثليث سنة، والواجب الانقاء، وسبب اختلافهم تعارض المفهوم وظاهر اللفظ (١) في الأحاديث التي ذكر فيها العدد، فمن كان المفهوم عنده من الأمر إزالة عين النجاسة، لم يشترط العدد، ومن صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم قال بوجوب العدد في الاستجمار وغيره مما ذكر فيه العدد. الحديث: أخرجه النسائي وابن ماجة أيضًا. والمطابقة: في قوله \" وألقى الروثة \".\n_________\n(١) بداية المجتهد لابن رشد ج ١.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>٩١ - \" بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً </span>\"\n١١١ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nتَوَضَّأ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً مَرَّةَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٩٢ - \" بَابُ الُوضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ </span>\"\n١١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الأنْصَارِيِّ:\nأَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - تَوَضَّأ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ.\nــ\n٩١ - \" باب الوضوء مرة مرة \"\n١١١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" توضأ النبي - ﷺ - مرة مرة \" أي أن النبي - ﷺ - توضأ في بعض الأوقات مرة مرة فغسل كل عضو مرة واحدة وتمضمض مرة واحدة واستنشق مرة واحدة. الحديث: أخرجه أيضًا الأربعة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٩٢ - \" باب الوضوء مرتين مرتين \"\n١١٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - توضأ في بعض الأوقات مرتين مرتين، فغسل كل عضو مرتين، وتمضمض واستنشق مرتين.\nالحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n***","vol":"1","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>٩٣ - \" بَابُ الْوُضُوءِ ثَلاثًا ثَلاثًَا </span>\"\n١١٣ - عنْ عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁:\nأنَّهُ دَعَا بإنَاء فَأفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثمَّ أدْخَلَ يَمِيْنَهُ في الإنَاءِ فَمَضْمَضَ، واستنْثَرَ، ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرارٍ، وَيَدَيْه إلى المِرْفَقَيْن ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرارٍ إلى الْكَعْبَيْنِ، ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَنْ تَوَضَّأ نَحْوَ وُضُوئِي\nــ\n٩٣ - \" باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا \"\n١١٣ - ترجمة راوي الحديث: هو الخليفة الراشد عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أسلم رابع أربعة، ولقب بذي النورين لأنّه تزوج رقية وأم كلثوم ابنتي النبي - ﷺ -، وكان - ﷺ - يعظمه، ويستحي منه ويقول: \" ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة \" كان ﵁ جوادًا كريمًا، جهز جيش العسرة بألف دينار، واشترى بئر رومة بعشرين ألف درهم، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ولي الخلافة أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين وقتل شهيدًا يوم الجمعة ١٨ ذي الحجة سنة ٣٥ من الهجرة، روى (١٤٦) حديثًا أخرج البخاري منها أحد عشر حديثًا، ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: أن عثمان ﵁ \" دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما \" أي فغسل يديه مجتمعتين أو متفرقتين ثلاث مرات، كما أفاده ابن دقيق العيد \" ثم أدخل يمينه فمضمض واستنشق \" أي ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فأخذ غرفة واحدة من الماء فتمضمض واستنشق من تلك الغرفة \" واستنثر \" أي أخرج الماء من أنفه بقوة النفس، \" ثم غسل وجهه ثلاث مرار ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار \" أي وغسل يديه إلى المرفقين ثلاث","vol":"1","page":251},{"text":"هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدِّثُ فيهما نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\".\nــ\nمرات \" ثم غسل رجَليه ثلاث مرار إلى الكعبين \" أي ثم كرر غسل رجليه ثلاث مرات أيضًا \" ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: من توضأ نحو وضوئي هذا \" أي ثم نسب ﵁ هذه الكيفية التي توضأ بها إلى النبي - ﷺ - وأسندها إليه، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من توضأ مثل وضوئي هذا \"، أي في الإِسباغ والإِتقان والإِتمام، وتكرار الغسل ثلاث مرات \" ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه \" أي لا يفكر أثناءهما في شيء من أمور الدنيا \" غفر له ما تقدم من ذنبه \" أي كان ذلك سببًا في غفران ذنوبه السابقة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - غسل وجهه ويديه ورجليه ثلاثًا.\nويستفاد من الأحاديث الثلاثة: أولًا: أن الفرض في الوضوء هو غسل العضو مرة واحدة كما جاء في حديث ابن عباس ﵄، لأنه لو كانت المرة الواحدة لا تكفي لما اقتصر عليها النبي - ﷺ -، وأن غسْل الأعضاء مرتين أو ثلاثًا سنة لما في حديث ابن زيد وعثمان ﵄ من أن النبي - ﷺ - غسل مرتين وثلاثًا. ثانيًا: مشروعية غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإِناء، وهو سنة. ثالثًا: مشروعية الترتيب في الوضوء، ولولا ذلك لا أدخل الرأس بين اليدين والرجلين، وهما مغسولتان.\n***","vol":"1","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>٩٤ - \" بَابُ الاستنثارِ في الْوُضُوءِ </span>\"\n١١٤ - عن أبي، هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ تَوَضَّأ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِر \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٩٥ - \" بَابُ الاسْتِجْمَارِ وِترًا </span>\"\n١١٥ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فلْيَجْعَلْ في أنْفِهِ مَاءً، ثمَّ لِيَنْثُرْ، ومَنِ اسْتَجْمَرَ فلْيُوتِر، وإذَا اسْتَيْقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَومِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْل أنْ يُدْخِلَهَا في وَضُوئِهِ، فإنَّهُ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ\".\nــ\n٩٤ - \" باب الاستنثار في الوضوء \"\n١١٤ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: \" أن النبي - ﷺ - قال: من توضأ فليستنثر \" أي فليخرج الماء من أنفه بقوة النفس لتنقيته من الأقذار الموجودة فيه، \" ومن استجمر فليوتر \" أي فليستجمر وترًا، وسيأتي إيضاحه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: مشروعية الاستنثار في الوضوء، وهو سنة اتفاقًا. قال العيني: والإِجماع قائم على عدم وجوبه. والمطابقة: في قوله: من توضأ فليستنثر.\n٩٥ - \" باب الاستجمار وترًا \"\n١١٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر \" أي","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>٩٦ - \" بَابُ غَسْلِ الإِعْقَابِ </span>\"\n١١٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنهُ قَالَ:\nأسْبِغُوا الْوُضُوءَ فَإِنَّ أبَا القَاسِمِ - ﷺ - قَالَ: \" وَيْل لِلأعْقَابِ مِنَ النَّار \".\nــ\nفليستنشق في أنفه بالماء ثلاث مرات \" ومن استجمر فليوتر \" أي ومن استنجى بالحجارة فليوتر بثلاثة أحجار، أو خمسة، أو نحو ذلك \" وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه \" أي فليغسل يده خارج الإِناء لينظفها من الأقذار قبل أن يدخلها في الماء الذي يتوضأ به \" فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده \" أي فلعل يده قد أصابتها النجاسة أثناء نومه وهو لا يدري.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الاستجمار وترًا بثلاثة أحجار أو خمسة أو نحوها، كما ترجم له البخاري، وهو سنة عند الجمهور، والواجب هو الإِنقاء، وقال أحمد والشافعى: التثليث واجب (١). ثانيًا: مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإِناء لمن استيقظ من النوم استحبابًا، وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله \" من استجمر فليوتر \".\n٩٦ - \" باب غسل الأعقاب \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على وجوب غسل الأعقاب في الوضوء، جمع عقب بكسر القاف، وهو العظم المرتفع عند مفصل الساق والقدم.\n١١٦ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \" أسبغوا\n_________\n(١) قال ابن قدامة في عمدة الفقه: \" ولا يجزىء أقل من ثلاث مسحات منقية \".","vol":"1","page":254},{"text":"الوضوء\" أي اجتهدوا في إتمام الوضوء، واحرصوا كل الحرص على غسل جميع الأعضاء غسلًا كاملًا، واستيعاب كل عضو منها بحيث يصيب الماء ذلك العضو كله من أوله إلى آخره، ولا يبقى شيء منه لا يمسه الماء، ولاحظوا المواضع التي لا يصل إليها الماء، وفي مقدمتها الأعقاب، لأن النبي - ﷺ - أوجب غسلها، وحذر من تركها دون غسل فقال - ﷺ - \" ويل للأعقاب من النار \" أي العذاب الشديد يوم القيامة للذين لا يغسلون أعقابهم -عمدًا- عند غسل أقدامهم وقيل: ويل اسم لوادٍ في جهنم والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن استيعاب الأعضاء المغسولة، وغسلها كلها من أولها إلى آخرها فرض من فروض الوضوء، فيجب غسل اليدين من رؤوس الأصابع إلى آخر المرفقين، وغسل الوجه من منابت الشعر إلى آخر الذقن، وغسل الرجلين من رؤوس الأصابع إلى آخر الكعبين فمن ترك شيئًا من العضو دون غسل، فقد ترك الفرض الذي عليه، لأنّ النبي - ﷺ - توعد الذين يتركون غسل أعقابهم عند غسل أقدامهم بالعذاب الشديد يوم القيامة، والعذاب لا يترتب إلاّ على ترك فرض، ولهذا قال الفقهاء: من ترك شيئًا من العضو المغسول عمدًا ولم يغسله كله بطل وضوءه، لأنه ترك فرضًا.\nثانيًا: ان ترك أي شيء من العضو المغسول في الوضوء عمدًا كبيرة من الكبائر لأن هذا الوعيد لا يكون إلاّ لمن ارتكب كبيرة. والمطابقة: في قوله \" ويل للأعقاب من النار \" لأن هذا العقاب المترتب على ترك غسل الأعقاب يدل على وجوب غسلها، وهو ما ترجم له البخاري.\n***","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>٩٧ - \" بَابُ الْتَيَمُّنِ في الوُضُوءِ والْغسْلِ </span>\"\n١١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَيّمَّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وفي شَأنِهِ كُلِّهِ.\nــ\n٩٧ - \" باب التيمن في الوضوء والغسل \"\n١١٧ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان النبي - ﷺ - يعجبه التيمن \" أي كان - ﷺّ يسرُّه ويطيب له أن يبدأ باليمين في جميع الأعمال الشريفة، فيبدأ بالجهة اليمنى \" في تنعله \" أي في لبس نعله، فُيلْبسُ رجله اليمنى قبل اليسرى. \" وترجله \" أي ويبدأ باليمين أيضًا عند تسريح شعر رأسه. \" وطهوره \" أي ويبدأ باليمين في طهارة الحدث من وضوء أو غسل، فيقدم اليد اليمنى على اليسرى في الوضوء والميامن على المياسر في الغسل \" وفي شأنه كله \" أي وكذلك يتيامن في جميع الأعمال الشريفة كلبس الخف.\nوالاكتحال، ونحو ذلك.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: استحباب تقديم الميامن على المياسر في الوضوء والغسل وغيره من الأعمال الشريفة. قال ابن المنذر، وأجمعوا على أنَّه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، ونص الشافعي على أن الابتداء باليسار مكروه، كما أفاده النووي. ثانيًا: قال النووي: وأما ما كان بضد التكريم فإنه استحب فيه التياسر، كالاستنجاء والامتخاط والخروج من المسجد. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها كان النبي - ﷺ - يعجبه التيمن.\n***","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٩٨ - \"بَاب الْتِماس الْوضوءِ إذَا حَانت الصَّلَاة</span>\"\n١١٨ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ:\nرَأيْت النَّبِيَّ - ﷺ - وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصرِ، فالْتَمَس النَّاسُ الْوَضُوءَ، فَلَمْ يَجِدُوه، فأتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - يَدَهُ في ذَلِكَ الإناءِ، وَأمَرَ النَّاسَ يَتَوَضَّؤوا مِنْه، فَرَأيْت الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أصَابِعِهِ حتَّى تَوضَّؤوُا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ\".\nــ\n٩٨ - \" باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة \"\n١١٨ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" رأيت النبي - ﷺ - وحانت صلاة العصر \" أي وقد دخل وقت صلاة العصر، \" فالتمس الناس الوضوء \" بفتح الواو أي فطلب الصحابة الماء بعد دخول الوقت، ليتوضؤوا به، فلم يجدوه، وكان ذلك بالزوراء عند المسجد المعروف بمسجد السيدة فاطمة كما رجحه فضيلة الشيخ عطية محمد سالم في تكملة \" أضواء البيان \" (١) \" فأتي رسول الله - ﷺ - بوضوء \" أي فجيء إلى - النبي - ﷺ - بإناء صغير فيه ماء قليل يصلح للوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء المذكور \" فرأيت الماءَ ينبع من تحت أصابعه حتى توضؤوا عن آخرهم \" أي فلما وضع - ﷺ - يده في الإناء حدثت المعجزة العظيمة، فشاهدت الماء يتدفق بقوة من بين أصابعه الشريفة، وتكاثر الماء حتى كفاهم جميعًا فتوضؤوا منه من أوَّلِهم إلى آخرهم، قال قتادة لأنس: كم كنتم قال ثلاثمائة أو زُهاء -بضم الزاي- ثلاثمائة أبي ما يقارب هذا العدد. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\n_________\n(١) تكملة \" أضواء البيان \" لفضيلة الشيخ عطية سالم.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>٩٩ - \" بَاب إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ في إِناءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغسِلْهُ سَبْعًَا </span>\"\n١١٩ - عن أبي هريْرَة ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ: \" إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ في إِنَاءِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًَا \".\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه لا يجب طلب الماء للوضوء، إلاّ بعد دخول الوقت لأن النبي - ﷺ - لم ينكر على أصحابه التأخير في طلب الماء إلى ما بعد دخول الوقت، وقد فرّع الفقهاء على ذلك عدم جواز التيمم قبل دخول الوقت، وهو مذهب مالك والشافعي، وأجازه الحنفية. ثانيًا: وجوب المواساة عند الضرورة. ثالثًا: إثبات \" المعجزات لنبينا - ﷺ - \". والمطابقة: في كونهم لم يطلبوا الماء إلاّ لما حان وقت العصر، وإقرار النبي لهم على ذلك.\n٩٩ - \" باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا \"\n١١٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إذا شرب الكلب في إناء أحدكم \" أي إذا شرب الكلب من أي إناء فيه سائل، ماء أو غيره، مملوكًا له أو لسواه، كما في رواية أخرى: \" إذا ولغ الكلب في الإِناء \" أي شرب منه بطرف لسانه، أو أدخل لسانه فيه وحركه، وهذا شامل لجميع الكلاب، سواء كان كلب صيد أو غيره \" فليغسله سبعًا \" أي فإنه مأمور أن يغسله سبع مرات قبل أن يستعمله في وضوء أو غسل أو غيره. وهذا الحديث وإن اقتصر على الأمر بغسله إلاّ أنه جاء الأمر في حديث آخر بتتريبه كما في رواية أبي داود حيث قال: فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب \" وفي رواية عند أحمد ومسلم وأبي داود \" وعفروه الثامنة بالتراب \". الحديث: أخرجه الستة.","vol":"1","page":258},{"text":"ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، وان التسبيع أمر لا بد منه، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يجب التسبيع وإنما يجب غسله فقط، والحديث في دلالة ظاهرة على وجوب غسل الإناء سبعًا كما ذهب إليه الجمهور (١) من الصحابة والتابعين وسائر فقهاء الإسلام، إلاّ أن الحنفية حملوا السبع على الندب (٢) واختلفوا في التتريب، فذهب الجمهور إلى وجوبه لقوله - ﷺ -: \" إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات السابعة بالتراب \" خلافًا لأبي حنيفة. والحكمة في تتريبه أن ريق الكلب فيه لزوجة فأمر - ﷺ - بغسله بالتراب لأن فيه طهورية وإزالة لها ويجزىء عن التراب الاشنان والصابون ونحوهما والصابون ونحوه أبلغ (٣) وأقوى في الإزالة والإنقاء. ثانيًا: نجاسة الكلب ونجاسة سؤره وكل ما خرج منه، وبهذا قال الجمهور، لأن العلة عندهم في غسل الإناء تنجسه بسؤر الكلب الذي وقع فيه، ومما يؤكد أن النجاسة هي العلة الشرعية في الأمر بغسله ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب \" (٤) فإن قوله - ﷺ - \" طهور إناء أحدكم \" يدل على نجاسة الإناء الذي ولغ فيه الكلب -لأن الطهور والطهارة معناهما إزالة النجاسة، فيكون معنى الحديث أن تطهير الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وإزالة النجاسة منه لا تكون إلّا بغسله سبعًا، ومعنى ذلك أن الإناء قد تنجس، وأنه لا يطهر إلاّ بغسله سبعًا، فالعلة إذن هي النجاسة. وذهب مالك إلى طهارة الكلب وسؤره، وقال: العلة في الأمر بغسل- الإناء من شربه فيه شيء آخر غير النجاسة، وأن\n_________\n(١) الإحكام شرح أصول الأحكام ج ١ للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي المتوفى سنة ١٣٩٢.\n(٢) ويكفى غسله ثلاثًا كما في عون المعبود ج ١.\n(٣) الإحكام شرح أصول الأحكام للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي الحنبلي.\n(٤) أخرجه مسلم وأبو داود.","vol":"1","page":259},{"text":"١٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nكَانَتِ الكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ في الْمَسْجِدِ في زمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًَا مِنْ ذَلِكَ.\nــ\nهذا الأمر بغسله سبعًا إنما هو أمر تعبدي لم نَطّلِع على حكمته، وسر مشروعيته، ولم تظهر لنا العلة فيه، هذا هو قول مالك وقد كشف الطب عن وجود جرثومة مرضية في الكلب هي جرثومة الكلب التي تنتقل عن طريق العدوى من الكلب المصاب بهذا المرض إلى الإِنسان فيصاب بهذا المرض الخبيث، وبذلك فقد أصبحت العلة في غسل الإناء إنما هي أمر صحي وهو الوقاية من العدوى ولا علاقة لذلك بالنجاسة. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n١٢٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد \" أي تمر في المسجد وتسير فيه وتقطعه ذهابًا وإيابًا على عهد النبي - ﷺ - بل كانت تبول فيه كما في رواية أبي نعيم والبيهقي \" فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك \" أي فما كانوا يرشون شيئًا من مواضع بولها. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.\nويستفاد منه: كما قال مالك: أن الكلب طاهر، وكذلك سؤره، وكل\nما خرج منه، قال مالك: ولولا طهارة الكلاب لما تركها الصحابة تسير\nفي المسجد وتبول فيه على مرأى من النبي - ﷺ -، ولما أقرهم - ﷺ - على ذلك\nدون أن يأمرهم بإخراجها من المسجد وتطهير مواضع بولها فيه: وقالت الحنفية: إن النبي - ﷺ - وأصحابه لم يتركوا الكلاب في المسجد لطهارتها وطهارة أبوالها، ولكن لأن أرض المسجد كانت معرّضةً للشمس والريح، فهما تطهرانها كما عليه أكثر أهل العلم. قال (١) شيخ الإِسلام وغيره: إذا أصابت الأرض\n_________\n(١) الإحكام شرح أصول الأحكام للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي النجدي.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>١٠٠ - \" باب مَنْ لَمْ يَرَ الوضوءَ إلا من الْمَخرَجَيْنِ مِنَ الْقبلِ والدُّبرِ </span>\"\n١٢١ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبِيُّ - ﷺ -: لا يَزَال الْعَبْد في صَلَاةٍ مَا كَانَ في الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصلَاةَ مَا لَمْ يُحدِثْ، فَقَال رَجل أعْجَمِي (١): ما الْحَدَث يَا أبا هرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْت -يَعْنِي الضرطَة-.\nــ\nنجاسة فذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة فمذهب الأكثر طهارة الأرض، وجواز الصلاة عليها، هذا مذهب أو حنيفة، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، والقول القديم للشافعي، وهذا القول أظهر من قول من لا يطهرها بذلك \" اهـ. ويدل على ذلك حديث ابن عمر ﵄ \" أن الأرض إذا جفت بالشمس طهرت \" والله أعلم. والمطابقة: في قولها كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد \".\n١٠٠ - \" باب من لم ير الوضوء إلاّ من المخرجين من القبل أو الدبر \" ١٢١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث \" أبي يعتبر العبد المسلم في صلاة ويحتسب، له أجرها وثوابها مدة كونه داخل المسجد، ما لم يقع منه حدث، أو ما دام لم ينتقض وضوءه بحدث \" فقال رجل أعجمي (١) ما الحدث؟ \" أي ما هو الحدث الذي ينقض الوضوء، \" قال الصوت \" أي فأجابه أبو هريرة. بأن الحدث الموجب للوضوء هو ما خرج من أحد\n_________\n(١) الأعجمي: من لا يفصح وإن كان عربيًا، والعجمي: من جنسه العجم وإن أفصح. (ع).","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>١٠١ - \" بَابُ الرَجُلَ يُوَضِّأُ صَاحِبَه </span>\"\n١٢٢ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁:\nأنهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ لحَاجَةٍ لَهُ، وأَنَّ\nــ\nالسبيلين، ومثل له بالريح، لأنه لا يقع في المسجد غيره. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجة.\nويستفاد منه: كما قال بعضهم: أنه لا يجب الوضوء إلاّ فيما خرج من أحد السبيلين القبل أو الدبر خاصة، كما ترجم له البخاري، وهو مذهب مالك والشافعي. إلاّ أن الشافعي عمم الوضوء في كل ما خرج منهما سواء كان معتادًا أو غير معتادٍ على وجه الصحة أو المرض. ولذلك قال ينقض الوضوء بما خرج منهما، ولو كان غير معتاد كالدود والحصى، ولو خرج على سبيل المرض كسلس البول والغائط. واعتبر مالك الخارج والخرج وصفة الخروج فقال: لا يجب الوضوء إلاّ من الخارج المعتاد، من المخرج المعتاد، على سبيل الصحة والاعتياد، ولذلك أوجب الوضوء من البول والغائط والريح والمذي والودي إذا خرجت من الخرجين في حال الصحة، ولم يوجبه في سلس البول والغائط والريح لأنّه خرج في حال المرض، وكذلك قال مالك: لا يجب الوضوء من الدود والحصى إذا خرجا من المخرجين لأنّه خارج غير معتاد.\nوالمطابقة: في قول أبي هريرة لما سئل عن الحدث فقال الصوت. حيث فسر الحدث بما خرج من السبيلين، ومثل له بالصوت أي خروج الريح.\n١٠١ - \" باب الرجل يوضأ صاحبه \"\n١٢٢ - ترجمة راوي الحديث: هو المغيرة بن شعبة أسلم عام الخندق وشهد الحديبية، روى (١٣٦) حديثًا اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري","vol":"1","page":262},{"text":"مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُب الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْه، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.\nــ\nبواحد، ومسلم بحديثين، توفي بالكوفة سنة خمسين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يحدثنا المغيرة ﵁ \" أنه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر \" أي في غزوة تبوك \" وأنه ذهب لحاجة له، وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ \" أي أن النبي - ﷺ - ذهب لقضاء حاجته، فرافقه المغيرة يحمل له الماء الذي يستنجي منه ويتوضأ به، كما في رواية مسلم عن المغيرة ﵁ قال: \" فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر \" فلما فرغ النبي - ﷺ - من قضاء حاجته، وأراد الوضوء، جعل المغيرة يصب عليه الماء وهو يتوضأ \" فغسل وجهه \" ثلاثًا، كما في رواية أحمد، \" ومسح رأسه ومسح على الخفين \" بدلًا منْ غسل الرجلين. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الاستعانة بالغير في الوضوء، وأن يوضأ الرجل صاحبه كما ترجم له البخاري، وذلك بأن يصب عليه الماء أثناء وضوئه كما فعل المغيرة مع النبي - ﷺ - في هذا الحديث. وهل يجوز الاستعانة بالغير مطلقًا في الصب والدلك، أو في صب الماء فقط، كما جاء في نص الحديث، ذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني أبو حنيفة. ثانيًا: أن من الآداب الإسلامية التي سنها النبي - ﷺ - لهذه الأمة خدمة الصغير للكبير، ويدخل في ذلك خدمة الطالب لشيخه، والولد لأبيه، لأنّ النبي - ﷺ - إنما أمر المغيرة لخدمته تشريعًا لأمته. والمطابقة: في قوله: جعل يصب الماء عليه.\n***","vol":"1","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>١٠٢ - \" بَابُ قِراءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ </span>\"\n١٢٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوج النَّبِيِّ - ﷺ - فَنَام رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى إِذَا انتصَفَ اللَّيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيل أو بَعْدَهُ بِقَلِيل، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَواتِمَ مِنْ سُورَةِ آلَ عِمْرَانَ\" (١).\nــ\n١٠٢ - \"باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره \"\nأي هذا باب يذكر فيه جواز قراءة القرآن بعد الحدث - أي جواز قراءته على غير وضوء، وأن الوضوء لا يجب على من يريد قراءة القرآن.\n١٢٣ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ \" أنه بات ليلة عند ميمونة زوج النبي - ﷺ - \" أي نام عندها في بيت رسول الله ليلة من الليالي وهو غلام صغير \" حتى إذا انتصف الليل \" أي فلما كان نصف الليل \" استيقظ رسول الله - ﷺ - \" من نومه ليصلي صلاة التهجد كعادته كل ليلة \" فجعل يمسح النوم عن وجهه \" أي يمسح بيده على وجهه وعينيه ليطرد النوم عنها ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران \" أي ثم قرأ العشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران وهي من قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) إلى آخر السورة على غير وضوء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز قراءة القرآن بغير وضوء كما ترجم\n_________\n(١) هذا الحديث اختصرناه من حديث طويل تقدم في باب التخفيف في الوضوء، وذكرنا منه ما يتناسب مع الترجمة اهـ.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>١٠٣ - \" بَابُ مَسْحِ الرَّأس كُلِّهِ </span>\"\n١٢٤ - عَنْ عبْدِ اللهِ بْنِ زَيدٍ ﵁:\nأنَّهُ قالَ لَهُ رَجُل: أتستطِيعُ أنْ تُرِيني كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأ؟ فَدَعَا بماءٍ فَأفْرَغَ عَلَى يَدَيْه فَغَسَلَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثم غَسَلَ يَدَيْه مَرَّتَيْنِ إلى الْمِرْفَقَيْنِ، ثم مَسَحَ رَأسَهُ بِيَدَيْه، فَأقْبَلَ بِهِمَا وأدْبَرَ، بَدَأ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ حتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلى المَكَانِ الذِّي بَدَأ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.\nــ\nله البخاري \" بشرط أن يكون بدون مس المصحف \" وهو مذهب الجمهور.\nثانيًا: استحباب قراءة العشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران عند الانتباه من النوم في الليل. والمطابقة: في قوله \" ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران \".\n١٠٣ - \" باب مسح الرأس كله \"\n١٢٤ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي عن ابن زيد ﵁ \" أنه قال له رجل أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ \" أي هل بامكانك أن تتوضأ أمامي مثل وضوء النبي - ﷺ - فتعلمني كيفية وضوئه عمليًا \" فدعا بماء فأفرغ على يديه فغسل \" أي غسل كفيه خارج الإناء \" مرتين \" قبل أن يدخلهما فيه \" ثم مضمض واستنثر ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين \" يعني أنه - ﷺ - غسل بعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين \" ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر \" أي مسح رأسه كله من أوله إلى آخره مقبلًا بيديه ومدبرًا، ثم فسر ذلك بقوله \" بدأ بمقدم رأسه حى ذهب بهما إلى قفاه \" أي مسح رأسه بكفيه من أول رأسه","vol":"1","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>١٠٤ - \" بَابُ اسْتِعْمَالِ فضلِ وَضُوءِ النَّاس </span>\"\n١٢٥ - عن أبِي جُحَيْفَةَ (١) ﵁ قَالَ:\nخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بالْهَاجِرَةِ فأتي بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ والْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْه عَنَزَة.\nــ\nإلى آخره \" ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه \" أي ثم مسحه من آخره إلى أوله ورجع بكفيه من قفاه إلى ناصيته. الحديث: أخرجه الخمسة.\nويستفاد منه: أن الفرض في الوضوء مسح الرأس كله، ولا يجزىء مسح بعضه وهو مذهب مالك وأحمد لقوله: \" فأقبل بهما وأدبر \" وفي رواية ابن زيد الأخرى \" مسح رسول الله - ﷺ - من ناصيته إلى قفاه ثم ردّ يديه إلى ناصيته، فمسح رأسه كله \" أخرجه ابن خزيمة، وقال أبو حنيفة: يجزىء ربع الرأس، وقال الشافعي يجزىء أقل ما يقع عليه اسم المسح \" (٢) اهـ كما في الإِفصاح (٣).\nوالمطابقة: في قوله \" فأقبل بهما وأدبر \".\n١٠٤ - \" باب استعمال فضل وضوء الناس \"\n١٢٥ - معنى الحديث: يقول أبو جحيفة ﵁: \" خرج علينا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة \" أي عند الزوال \" فأتي بوضوء \" أي بماء\n_________\n(١) هو أبو جحيفة بن وهب بن عبد الله، وقيل: ابن وهب بن مسلم بن جنادة بن جندب بن حبيب بن سواءة ابن عامر بن صعصعة السوائي العامري، نزل الكوفة، وكان من صغار الصحابة، ذكر أن النبي - ﷺ - توفي ولم ييلغ الحلم، ولكنه سمع منه، وروى عنه، وكان جعله علي بن أبي طالب على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، ومات بالكوفة سنة أربع وسبعين. اهـ. \" تراجم جامع الأصول \".\n(٢) فلو مسح أي جزء كفاه على مذهب الشافعي.\n(٣) الإفصاح عن معاني الصحاح ج ١.","vol":"1","page":266},{"text":"١٢٦ - عن السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ ﵄ قَالَ:\nذَهَبَتْ بي خَالَتِي إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقِعٌ، فَمَسَحَ رَأسِي ودَعَاْ لِي بالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظرتُ إلى خَاتَمِ النبوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ.\nــ\nيتوضأ به \" فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه \" أي فصار الصحابة يأخذون من بقية الماء الذي يتوضأ منه \" فصلى النبي - ﷺ - الظهر ركعتين والعصر ركعتين \" لأنه كان مسافرًا \" وبين يديه عنزة \" أي وأمامه عصا صغيرة اتخذها سترة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله \" فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه.\n١٢٦ - ترجمة راوي الحديث: هو السائب بن يزيد الكندي حج به أبوه مع النبي - ﷺ - وعمره سبع سنين، وتوفي سنة إحدى وثمانين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول السائب ﵁: \" ذهبت بي خالتي إلى النبي - ﷺ - فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وقع \" (١) بكسر القاف أي مصاب بوجع في قدميه \" فمسح رأسي ودعا لي بالبركة \" أي بكثرة أنواع الخير والنعم، ومنها الصحة \" ثم توضأ فشربت من وضوئه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة \" أي بيضة النعامة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله شربت من وضوئه.\nويستفاد من الحديثين: طهارة الماء المستعمل في الوضوء، لأنهم أخذوا من فضل وضوئه - ﷺ - وهو طاهر مطهر عند مالك وأحمد، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه طاهر غير مطهر والله أعلم.\n_________\n(١) وفي بعض النسخ: وَجِع.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>١٠٥ - \" بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأتِهِ وَفضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأةِ </span>\"\n١٢٧ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nكَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوضَّؤُونَ في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - جَمِيعًَا.\nــ\n١٠٥ - \" باب وضوء الرجل مع المرأة \"\n١٢٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله - ﷺ - جميعًا \" أي كان الرجل من الصحابة على عهد النبي - ﷺ - يتوضأ ويغتسل مع زوجته من إناء واحد، ويغترفان من الإِناء، ويدخلان أيديهما في الماء كما في الرواية الأخرى حيث قال: \" كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله - ﷺ - ندلي فيه أيدينا \" أخرجه أبو داود. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي ومالك.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك في زمنه - ﷺ - ويقرهم عليه. ثانيًا: جواز الوضوء والغسل بالماء المستعمل وطهوريته (١)، لأنهم كانوا يتوضؤون ويغتسلون من إناء واحد فكانوا يدخلون أيديهم فيه، وذلك يؤكد أن كل واحد من الرجل والمرأة قد توضأ أو اغتسل بالماء المستعمل، ولو كان غير مطهر لما تطهروا به. والمطابقة: في قوله \" يتوضؤون في زمان رسول الله - ﷺ - جميعًا \"\n...\n_________\n(١) وهو مذهب مالك وأحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة هو طاهر غير مطهر كما في الحديث السابق.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>١٠٦ - \"بَابُ صَبِّ النَّبِيِّ - ﷺوَضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ </span>\"\n١٢٨ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعُودُنِي وأنا مَرِيض لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ، وصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ المِيرَاثُ؟\nإِنَّما يَرِثُنِي كَلَالَة، فَنزَلَتْ آيَةُ الْفَرائِض.\nــ\n١٠٦ - \" باب صب النبي - ﷺ - وضوءه على المغمي عليه \"\n١٢٨ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" جاء رسول الله - ﷺ - يعودني وأنا مريض لا أعقل \" (١) أي جاء النبي - ﷺ - يزورني في مرض شديد ألم بي حتى فقدت الوعي، فصرت لا أفهم شيئًا \" فتوضأ وصب عليّ من وضوئه \" أي وأفرغ على جسمي من الماء الذي توضأ منه، فأفقت وشعرت ببعض النشاط \" فقلت: لمن الميراث إنما يرثني كلالة \" أي لمن يكون الميراث من بعدي وأنا لم أخلف ولدًا، وليس لي أب ولا أم وإنما يرث إخوتي كل مالي، فكيف يكون ميراثهم \" فنزلت آية الفرائض \" التي في آخر سورة النساء، وهي قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ (٢) إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية رقية المريض، وصب ماء الوضوء\n_________\n(١) قال الشوكاني: أي لا أفهم، وحذف المفعول إشارة إلى عظم الحال أو لغرض التحميم، أي لا أعقل شيئًا من الأمور.\n(٢) الكلالة الذي لا والد له ولا ولد فيرث إخوته كل ماله.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>١٠٧ - \" بَابُ الْغسْلِ والْوُضُوءِ في الْمِخضَبِ والْقَدَحِ </span>\"\n١٢٩ - عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَان قَرِيبَ الدَّارِ إلى أهلِهِ، وبقي قَوْمٌ، فَأُتي رَسُولُ اللهَ - ﷺ - بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أنْ يَبْسُطَ فيه كَفَّهُ، فَتَوَضَّأ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، قُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمانِينَ وَزيادَةً.\nــ\nعليه، لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك بجابر ﵁، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: قال ابن بطال: فيه دليل على طهورية الماء المستعمل وفضل الوضوء لأنه لو لم يكن طاهرًا لما صب عليه. ثالثًا: بيان ميراث الكلالة في آية الفرائض التي نزلت بسبب سؤال جابر ﵁. والمطابقة: في قوله \" وصب عليه من وضوئه \".\n١٠٧ - \" باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح \"\n١٢٩ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" حضرت الصلاة \" أي بينما كان الصحابة مع النبي - ﷺ - بالمدينة حضرت صلاة العصر \" فقام من كان قريبًا من المسجد \" أي فذهب الذين دارهم قريبة من ذلك المكان إلى الدار ليتوضؤا منها \" وبقي قوم \" أي وبقي الذين دارهم بعيدة مع النبي - ﷺ - \"فأتي النبي - ﷺ - بمخضب من حجارة فيه ماء\" أي فأحضر إلى النبي - ﷺ - إناء صغير من حجر فيه قليل من الماء، \" فصغر المخضب أن يبسط كفه فيه \" أي فضاق ذلك الإِناء الصغير على كف رسول الله - ﷺ - حين أراد أن يمدها في وسطه. \" فتوضأ القوم كلهم، قلنا كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة \" أي ثمانين فأكثر. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة:","vol":"1","page":270},{"text":"١٣٠ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:\nإنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا بِقَدَح فِيهِ مَاء، فَغَسَلَ يَدَيْه وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ.\nــ\nفي قوله \" فأتي بمخضب من حجارة \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الأواني كلها، سواء كانت حجرية أو خشبية أو من أي جوهر من جواهر الأرض طاهرة لا كراهة في استعمالها.\nثانيًا: دل الحديث على معجزة مادية كبيرة لنبينا - ﷺ - وهي تكاثر الماء ونبعه من بين أصابعه، حتى إن هذا الإناء الصغير كفى لوضوء. هذا العدد الكثير الذي يبلغ ثمانين أو أكثر، وفي رواية أخري قال أنس: كان النبي - ﷺ - وأصحابه بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد، دعا بقدح فيه ماء فوضع كفيه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه قال: قلت كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة. أخرجه مسلم.\n١٣٠ - معنى الحديث: يحدثنا أبو موسى ﵁ \" أن النبي - ﷺ - دعا بقدح فيه ماء \"أي طلب قدحًا فيه ماء. \" فغسل يديه ووجهه (١) \" من الماء الموجود في ذلك القدح \" ومج فيه \" أي طرح الماء من فمه في ذلك الإناء \" ثم قال لهما: خذا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما (٢) يخاطب بذلك أبا موسى وبلالًا ﵄ وكان ذلك بالجعرانة كما أفاده الحافظ في الفتح.\nويستفاد منه يأتي: أولًا: جواز استعمال القدح وغيره من الأواني الخشبية، لأن النبي - ﷺ - استعمل القدح، وهو كما قال ابن الأثير: الإناء الذي يؤكل فيه، وأكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فيه. ثانيًا: جواز\n_________\n(١) أي غسل يديه ووجهه تبردًا بالماء لا وضوءًا.\n(٢) كما أخرجه البخاري تعليقًا في \" باب استعمال وضوء الناس \".","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>١٠٨ - \" بَابُ الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ </span>\"\n١٣١ - عَنْ أنس ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَغْسِلُ، أو كَانَ يَغْتَسِلُ بالصَّاعِ إلى خمسةِ أمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأ بِالْمُدِّ.\nــ\nالشرب من الماء الذي مجّ فيه والإِفراغ منه على الوجوه والنحور. لما جاء في رواية أخرى أنه - ﷺ - قال لهما (١): اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما. ثالثًا: تبرك الصحابة بآثاره - ﷺ - كما دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة. والمطابقة: في قوله \" دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n١٠٨ - \" باب الوضوء بالمد \"\n١٣١ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان النبي - ﷺ - يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد \" أي كان يقتصد في الماء الذي يتطهر به، فغالبًا ما كان يقتصر في غسله على قدر صاع من الماء، وهو أربعة أمداد، وربما زاد على ذلك، فاغتسل بخمسة أمداد على حسب حاجة جسمه، \" ويتوضأ بالمد \" وهو رطل وثلث عند الجمهور. وقال فقهاء العراق وأبو حنيفة، هو رطلان، قال في عون المعبود: المد بالضم: ربع الصاع لغة، وقال في \" القاموس \": أو ملء كفيَّ الإِنسان المعتدل إذا ملأهما، ومد يده بهما، ومنه سمي مدًا، وقد جربت ذلك فوجدته صحيحًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة، مع اختلاف بعض الألفاظ.\n_________\n(١) أي قال لبلال وأبي موسى ﵄ \" اشربا منه \" الخ.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>١٠٩ - \"بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخفيْنِ</span>\"\n١٣٢ - عنْ سَعْدِ ابْنِ أبي وَقَّاص ﵁ عن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ مَسَحَ عَلى الْخُفَّيْنِ وأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ سَألَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فقَالَ: نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًَا سَعْدٌ عنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فلا تَسْألْ عَنْهُ غَيْرَهُ.\nــ\nويستفاد منه: كما قال الفقهاء: استحباب تقليل الماء في الوضوء بلا حد، والاقتصار على القدر الكافي لحاجة الجسم دون إسراف، ولا نقصان ولا إجحاف. قال في عون المعبود: وليس الغسل بالصاع والوضوء بالمد للتحديد والتقدير، بل كان رسول الله - ﷺ - ربما اقتصر على الصاع وربما زاد. روى مسلم من حديث عائشة ﵂: \" أنها كانت تغتسل هي والنبي - ﷺ - من إناء واحد هو الفرق \" قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما: هو ثلاثة آصع.\nوروى مسلم أيضًا من حديثها أنه - ﷺ - كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمدادٍ، فهذا. يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة. ويكره الإسراف في الماء لحديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف يا سعد قال: أفي الوضوء سرف، قال: نعم وإن كنت على نهر جار \" أخرجه أحمد وابن ماجة. والمطابقة: في قوله \" ويتوضأ بمد \".\n\n١٠٩ - باب المسح على الخفين \"\n١٣٢ - معنى الحديث: أنّ سعد بن أبي وقاص ﵁ كان يمسح على خفيه، ويروي \" عن النبي - ﷺ - أنه مسح على الخفين \" وأن ذلك من السنة الثابتة عن النبي - ﷺ - \" وأن عبد الله بن عمر ﵄ سأل عمر عن ذلك فقال: نعم \" أي وأن عبد الله بن عمر لما رأى سعدًا يمسح على الخفين، وسمعه يروي ذلك عن النبي - ﷺ - أنكر عليه، فلما اجتمع","vol":"1","page":273},{"text":"١٣٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أمَيَّةَ الضَّمْرِي ﵁ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ.\nــ\nهو وسعد عند عمر ﵃ سأله عن المسح على الخفين هل هو مشروع وثابت عن النبي - ﷺ - بحديث صحيح فقال عمر، نعم. الحديث الذي يرويه سعد حديث صحيح، ثم قال لولده عبد الله \" إذا حدثك شيئًا سعد عن النبي - ﷺ - فلا تسأل عنه غيره \" أي فخذ حديثه دون تردد، فإنه حديث صحيح ولست في حاجة إلى أن تسأل غيره من الصحابة لثقته وعدالته.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله \" انه مسح على الخفين \".\n١٣٣ - ترجمة راوي الحديث: وهو عمرو بن أمية الضمري - بفتح الضاد صحابي جليل من فرسان الصحابة روى عشرين حديثًا، وتوفي بالمدينة سنة ستين من الهجرة.\nمعنى الحديث: أن عمرو بن أمية \" رأى النبي - ﷺ - \" بعينه \" يمسح على الخفين \" ولم يُخبره بذلك غيره والمعاينة أقوى من السماع. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" أنه رأى النبي - ﷺ - يمسح على الخفين \".\nويستفاد من الحديثين: مشروعية المسح على الخفين، وأنه سنة ثابتة عن النبي - ﷺ - وقد روى أصحاب النبي - ﷺ - في ذلك أربعين حديثًا كما قال ابن قدامة، ولهذا صرح جمع من الحفاظ أن المسح على الخفين متواتر ولم يثبت إنكاره إلاّ عن الرافضة (١) والخوارج.\n_________\n(١) فتح الباري ج ٢.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>١١٠ - \" بَابٌ إذَا أدْخلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتانِ </span>\"\n١٣٤ - عنِ الْمغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ:\nكُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في سَفَرٍ، فَأهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: \"دَعْهُمَا فَإِنِّي أدْخلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ\"، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.\nــ\n١١٠ - \" باب باب إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان \"\n١٣٤ - معنى الحديث: يقول المغيرة ﵁ \" كنت مع النبي - ﷺ - في سفر \" وذلك في غزوة تبوك بعد نزول آية الوضوء \" فأهويت لأنزع خفيه \" أي فأراد النبي - ﷺ - أن يتوضأ، فمددت يدي لأخلع خفيه عن قدميه ليتمكن من غسلهما \" فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين \" أي فقال لي: اتركهما فإني أريد أن أمسح عليهما بدلًا من غسل الرجلين، لأني لبستهما على طهارة كاملة، فيجوز لي أن أمسح عليهما، ولا حاجة إلى خلعهما، وهو معنى قوله: \" فإني أدخلتهما طاهرتين \" وفي رواية \" فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود.\nوالمطابقة: في قوله \" فإني أدخلتهما طاهرتين \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن المسح على الخفين رخصة شرعية وسنة\nنبوية ثابتة عن رسول الله - ﷺ - لأنه - ﷺ - مسح خفيه بعد نزول آية الوضوء،\nفدل ذلك على أن المسح عليهما باقٍ لم تنسخه الآية المذكورة، خلافًا للخوارج. ثانيًا: أن من أهم شروط المسح على الخفين. أن يلبسهما على طهارة لقوله - ﷺ - \" دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين \" ويشترط أن تكون طهارة مائية كاملة \" عند الجمهور \" وأجاز أبو حنيفة والمزني والثوري المسح عليهما ولو كانت الطهارة ناقصة، فلو غسل إحدى قدميه وأدخلها، ثم غسل الأخرى","vol":"1","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>١١١ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيق </span>\"\n١٣٥ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أمَيَّةَ ﵁ أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شاةٍ فَدُعِيَ إلى الصَّلَاةِ فَألقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ.\nــ\nوأدخلها جاز، وأما بقية الشروط فهي أن يكون الخف من جلد ساترًا للكعبين صحيحًا مباحًا، ويحدد المسح عند الجمهور بيوم وليلة خلافًا لمالك حيث أطلق مدة المسح بلا حد.\n١١١ - \" باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق \"\n١٣٥ - معنى الحديث: يحدثنا عمرو بن أمية ﵁ \" أنه رأى النبي - ﷺ - يحتز من كتف شاة \" أي يقطع اللحم من كتف شاة ويأكله \" فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ \" أي فقام إلى الصلاة بعد الأكل من لحم تلك الشاة، وصلى دون أن يتوضأ، لأن الأكل من لحم الشاة ليس موجبًا للوضوء.\nويستفاد منه: أنه لا يجب الوضوء من أكل اللحم، وقد كان ذلك واجبًا في أول الإِسلام حيث كانوا يتوضؤون - مما مست النار، ثم نسخ بعد ذلك بهذه الأحاديث الصحيحة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كونه - ﷺ - \" احتز من لحم الشاة ثم صلّى ولم يتوضأ \".\n***","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>١١٢ - \" بَابُ مَنْ مَضْمَضَ مِن السَّوِيق وَلَمْ يَتَوَضَّأ </span>\"\n١٣٦ - عَنْ سُوِيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اْللهُ عَنْهُ:\nأنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إذَا كَانُوا بالصَّهْبَاء، وهِيَ أدْنَى خَيْبَرَْ، فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بالأزْوَادِ، فَلَمْ يُؤتَ إلَّا بالسَّويقِ، فأمرَ بِهِ فَثُريَ، فَأكلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأكلْنَا، ثم قَامَ إلى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ.\nــ\n١١٢ - \" باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ \"\n١٣٦ - ترجمة الراوي: هو سويد. بضم السين وفتح الواو ابن النعمان الأنصاري الأوسي من أصحاب بيعة الرضوان شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد. روى سبعة أحاديث ليس في البخاري منها سوى هذا الحديث فقط. معنى الحديث: يحدثنا سويد ﵁ \" أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر \" أي خرج مع النبي - ﷺ - في غزوة خيبر \" حتى إذا كان بالصهباء وهي أدنى خيبر \" أي والصهباء أول قرى خيبر بالنسبة إلى القادم من المدينة \" فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد، فلم يؤت إلاّ بالسويق \" أي أمر بإحضار أطعمة المسافرين، فلم يحضروا بين يديه سوى السويق، \" وهو ما يطحن من الحنطة والشعير وُيتزود به في السفر \" \" فأمر به فثُرِّي \" أي رش بالماء \" فأكل رسول الله - ﷺ -، وَأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فمضمض ومضضنا ثم صلّى ولم يتوضأ \" أي ثم صلى بعد أكل السويق دون أن يتوضأ.\nالحديث: أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: أنه لا يجب الوضوء من أكل السويق وغيره مما مست النار،","vol":"1","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>١١٣ - \" بَاب هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ </span>\"\n١٣٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شَرِبَ لَبَنًَا فَمَضْمَضَ وَقَال: \" إِنَّ لَهُ دَسَمًَا \".\nــ\nوقد كان الوضوء من ذلك واجبًا في أوّل الإسلام، ثمَ نسخ بهذا الحديث وأمثاله. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أكل السويق ثم صلى المغرب بعده من غير وضوء.\n١١٣ - \" باب هل يمضمض من اللبن \"\n١٣٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - شرب لبنًا فمضمض \" أي أن النبي - ﷺ - شرب شيئًا من اللبن فلما أراد أن يقوم إلى الصلاة، مضمض فمه بالماء ونظفه من ذلك اللبن \" وقال: إنّ له دسمًا \" أي إن لِلَّبن دسمًا يَعْلَق بالفم، فينبغي لمن شربه أن ينظف فمه منه خشية أن يُحْدِثَ ذلك الدسم في الفم رائحة كريهة يتأذى بها الشارب. أو يبقى منه شيء في الفم فيصل إلى المعدة أثناء الصلاة.\nالحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يستحب لمن شرب لبنًا أو تناول غيره من الأطعمة وأراد الصلاة أن يغسل يديه ويتمضمض قبل أن يصلي سواء كان ذلك الطعام مطبوخًا أو غير مطبوخ تنظيفًا لليد والفم من آثار ذلك الطعام.\nولئلا يصل منه شيء إلى المعدة أثناء الصلاة. ثانيًا: أنه لا يجب الوضوء من اللبن وغيره من الأطعمة الدسمة لأنّه - ﷺ - شرب اللبن، ثم صلى ولم يتوضأ كما في الحديث. والمطابقة: في قوله \" شرب لبنًا فمضمض \".","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>١١٤ - \" بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ </span>\"\n١٣٨ - عن أنس ﵁:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ يَتَوَضَأ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجزِىءُ أحَدَنَا الْوُضُوءَ مَا لَمْ يُحْدِثْ.\nــ\n١١٤ - \" باب الوضوء من غير حدث \"\n١٣٨ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ عند كل صلاة \"، أي يجدد الوضوء لكل صلاة فرضًا أو نفلًا تطوعًا لا وجوبًا رغبة منه - ﷺ - وترغيبًا لأمّته في فضائل الوضوء، وما فيه من تكفير السيئات، واكتساب الحسنات، ورفع الدرجات، \" وكان يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث \" وهذا استدراك معناه: ولم يكن الوضوء لكل صلاة واجبًا، وإنما هو مستحب فقط، فقد كان يكفي أحدنا الوضوء الواحد لعدة صلوات، ولا يجب عليه وضوء آخر حتى يحدث. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الوضوء الواحد يجزىء لعدة صلوات ما لم يحدث، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لعكرمة وابن سيرين وغيرهم، حيث أوجبوا الوضوء لكل صلاة لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) الخ حيث علّق الأمر بالوضوء على القيام إلى الصلاة، فدل على وجوب تكرار الوضوء لكل صلاة. واستدل الجمهور بحديث الباب وغيره (١) على أن الوضوء إنما يجب على من أحدث وأراد الصلاة دون غيره. وأن هذا هو معنى الآية، لأنّ السنة تفسِّر القرآن، قال الترمذي:\n_________\n(١) كقوله - ﷺ - لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>١١٥ - \" بَاب مِنَ الكبَائِرِ أنْ لا يَسْتَتِرَ مِنَ بَوْلِهِ </span>\"\n١٣٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nمَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أو مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" يُعَذَّبَانِ! وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ \"، ثُمَّ قَالَ: \" بَلَى كَانَ أحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وكانَ الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ\nــ\nوالعمل على هذا عند أهل العلم. ثانيًا: استحباب الوضوء لكل صلاة، لأنه - ﷺ - كان يفعل ذلك، وفي الحديث عن ابن عمر ﵄: أن النبيَّ - ﷺ - قال: \" من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات \" أخرجه الترمذي ويكره الوضوء لغير صلاة، وحديث \" الوضوء على الوضوء نور على نور \" ضعيف ضعفه ابن حجر. والمطابقة: في قوله \" كان - ﷺ - يتوضأ عند كل صلاة \".\n١١٥ - \" باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله \"\nأي من الكبائر أن لا يحافظ المسلم على طهارة بدنه، ولا يحترز من النجاسة.\n١٣٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄ \" مرّ النبي - ﷺ - بحائط \" أي ببستان مسوّر \" فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما \" أي سمع صراخهما من شدة ما يقاسيان من العذاب الشديد \" فقال النبي - ﷺ - يعذبان \" أي إنهما يعذبان عذابًا شديدًا، وقد سمعت صراخهما من شدة الآلام التي يشعران بها \" وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى \" أي وما يعذبان من أجل فعل شيء له قدر وقيمة بحيث ترغب فيه النفس وتشتهيه، وإنما هو شيء","vol":"1","page":280},{"text":"قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرةً، فَقِيلَ لَهُ.: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: \" لَعَلَّهُ أنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>١١٦ - \" بَابُ ما جَاءَ في غَسْلَ الْبَوْلَ </span>\"\n١٤٠ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أتَيْتُه بِمَاءٍ يَغْسِلُ بِهِ.\nــ\nحقير لا شأن له، ولكنه مع ذلك هو ذنب عظيم، وكبيرة تؤدي بصاحبها إلى عذاب القبر \" كان أحدهما لا يستتر من البول \" أي لا يحترز منه، ولا يتطهر من نجاسته (١) \" وكان الآخر يمشي بالنميمة \" أي ينقل الحديث بين الناس بقصد الإِفساد بينهم \" ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منها كسرة \" أي نصفًا لأنّه - ﷺ - سأل لهما الشفاعة، فأجيب بالتخفيف عنهما حتى ييبسا. الحديث: أخرجه الستة.\nما يستفاد منه: دل الحديث على أن الطهارة من نجاسة البدن واجبة وأن تركها كبيرة من الكبائر، يترتب عليها. عذاب القبر وكذلك النميمة. والمطابقة: في قوله \" ثم قال بلى \" أي بلى إنّه ذنب كبير.\n١١٦ - \" باب ما جاء في غسل البول \"\n١٤٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا تبرز لحاجته \" أي إذا ذهب لقضاء حاجته \" أتيته بماء يغسل به \" أي يغسل بذلك الماء ذكره، قال القسطلاني: وحذف المفعول به لظهوره، أو للاستحياء من ذِكْرِه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nوالمطابقة: في قوله يغسل به.\n_________\n(١) ولا يتوقى منه عند بوله.","vol":"1","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>١١٧ - \" بَابُ صَبّ المَاءِ على البول في المَسجِدِ </span>\"\n١٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَامَ أعرَابٌِّي فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ \".\nــ\nويستفاد منه: وجوب غسل البول عن الذكر بالماء حتى لا يبقى منه شيء وهو ما ترجم له البخاري.\n١١٧ - \" باب صب الماء على البول في المسجد \"\n١٤١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \" قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس \" أي سلطوا عليه ألسنتهم، وأغلظوا له في القول وفي رواية فزجره الناس \" فقال لهم النبي - ﷺ -: دعوه \" أي اتركوه حتى يتم بوله، ولا تقطعوه عنه، لأنه ربما أدّى ذلك إلى الإِصابة بحصر البول، أو أدّى انتقاله من مكان لآخر إلى تلويث عدة مواضع من المسجد بدل موضع واحد \" وأهريقوا على بوله سجلًا \" بفتح السين وسكون الجيم \" من ماء \" أي وصبوا على موضع بوله دلوًا كبيرًا من الماء. \" إنما بعثتم ميسرين \" في تعليم الناس أمر دينهم. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه: أن الأرض تطهر من النجاسة بكثرة صب الماء، وهو مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة: لا تطهر حتى تحفر إلى المكان الذي وصلت إليه القذارة إن كانت رخوة يتسرب الماء إلى داخلها. والمطابقة: في قوله: \" وأهريقوا على بوله سجلًا من ماء \".","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>١١٨ - \" بَابُ بَوْلَ الصبيَانَ </span>\"\n١٤٢ - عنْ أمِّ قَيْس بِنْتِ مِحْصَن ﵂:\nأنَّهَا أتَتْ بابْن لَهَا صَغِيرٍ لمْ يأكلِ الطَّعَامَ إلى رَسُولِْ اللهِ - ﷺ - فَأجْلَسَهُ رَسولُ الله في حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ.\nــ\n١١٨ - \" باب بول الصبيان \"\n١٤٢ - ترجمة راوية الحديث: هي أم قيس بنت محصن أخت عكاشة ابن محصن -واسمها جذامة- صحابية جليلة أسلمت قديمًا ودعا لها - ﷺ - بطول العمر فلم تعرف امرأة من عصرها عمرت مثلها، روت (٢٤) حديثًا.\nمعنى الحديث: أن أم قيس ﵂ \" أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله - ﷺ - فأجلسه رسول الله - ﷺ - في حجره \" بفتح الحاء وقد تُكْسَر، أي فوضعه النبي - ﷺ - في حجره \" فبال على ثوبه فنضحه ولم يغسله \" أي فاكتفى النبي - ﷺ - برش ذلك الثوب بالماء، ولم يغسله.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه لا يجب غسل الثوب من بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام إذا كان ذكرًا، وإنما يكفي رشه بالماء فقط. لأن النبي - ﷺ - كما في حديث الباب نضح الثوب من بول الصبي، ولم يغسله ويجب غسله من بول الأنثى، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وابن حزم لهذا الحديث، ولقوله - ﷺ -: \"يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام \" أخرجه ابن خزيمة والحاكم، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى وجوب غسل الثوب من بول الصبي مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى وأجابوا عن حديث الباب أن المراد من النضح الغسل، والعرب تسمي الغسل نضحًا كما أكد ذلك الطحاوي واستشهد عليه ببعض كلامهم، وقد استعمل النضح بمعنى الغسل في الأحاديث الصحيحة كما قال - ﷺ - في الثوب يصيبه الحيض \"تحته ثم تقرصه بالماء","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>١١٩ - \"بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًَا وَقَاعِدًَا </span>\"\n١٤٣ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:\nأتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سُباطَةَ قَوْم، فَبَالَ قَائِمًَا، ثمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأ.\nــ\nوتنضحه (١) وأمّا قوله: \" ولم يغسله \" فقد قال الأصيلي إنه من قول ابن شهاب. ثانيًا: استدل به أحمد واسحاق على طهارة بول الصبي. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله \" فنضحه \".\n١١٩ - \" باب البول قائمًا وقاعدًا \"\nأى هذا الباب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز البول قائمًا وقاعدًا، وإن كان يستحب البول قاعدًا، ويكره البول قائمًا كراهة تنزيه لا تحريم.\n١٤٣ - ترجمة الراوي: هو حذيفة بن اليمان ﵁ من السابقين إلى الإسلام، شهد أحدًا والخندق وفتوح العراق، وكان صاحب سر رسول الله - ﷺ - الذي لا يعلمه غيره، روى مائة حديث، اتفقا على اثنى عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، توفي سنة (٣٦) من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول حذيفة ﵁: \" أتى رسول الله - ﷺ - سُباطة قوم \" وهي المكان الذي تُلقى فيه الزبالة، وكانوا يجعلونها قريبة من بيوتهم لتكون مرفقًا لهم \" فبال قائمًا \" أي فبال واقفًا على خلاف عادته المعروفة وسنته المألوفة، فإنه كان - ﷺ - غالبًا ما يبول قاعدًا ويبول أحيانًا وفي النادر\n_________\n(١) أي تغسله.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>١٢٠ - \" بَاب غَسْلَ الدَّمَ </span>\"\n١٤٤ - عنْ أسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ:\nجَاءَتْ امْرَأة إلى النّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: أرَأيْتَ إحْدَانَا تَحِيض في الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَع؟ قَالَ: \" تَحُتُّه، ثُمَّ تَقْرضه وَتَنْضَحُه وَتصَلي فِيهِ \".\nــ\nاليسير قائمًا لبيان الجواز. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنه يجوز التبول قائمًا مع الكراهة، بمعنى أنه لا يأثم فاعله، لأن النبي - ﷺ - فعله إلا أنه خلاف الأولى لأن النبي - ﷺ - كاان يبول غالبًا جالسًا، ولا يبول قائمًا إلاّ نادرًا. أهـ كما أفاده ابن القيم في زاد المعاد. والمطابقة: في قوله فبال قائمًا.\n١٢٠ - \" باب غسل الدم \"\n١٤٤ - معنى الحديث: تقول أسماء ﵂: \" جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب: كيف تصنع \" أي أخبرني عن حكم المرأة يصيب ثوبها دم الحيض ماذا يجب عليها أن تصنع به؟ \" قال: تحته \" أي تحكه بيدها أولًا \" ثم تقرصه \" بفتح التاء وسكون القاف وضم الراء. أي ثم تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل ويخرج \" وتنضحه \" أي تغسله بالماء \" والمعنى \" أنها تزيل ذلك الدم من ثوبها بحكه أولًا ثم بدلكه وغسله حتى تزول آثاره من ثوبها. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في قوله: \" وتنضحه \" أي تغسله بالماء، وهو ما ترجم له البخاري.\nويستفاد منه: وجوب غسل ما أصابه الدم من الثوب، سواء كان هذا الدم قليلًا أو كثيرًا، وهو مذهب الشافعي في جميع النجاسات دمًا أو غيره،","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>١٢١ - \" بَابُ غَسْلِ الْمَنِيِّ وَفَرْكِهِ وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المَرْأةِ </span>\"\n١٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكُنْتُ أغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - ﷺ - خْرُجُ إلى الصَّلَاةِ، وإنَّ بُقَعَ الْمَاءِ في ثَوْبِهِ.\nــ\nحيث قال: لا يعفى عن شيء من النجاسة، بل يغسل الدم وغيره قليلًا كان أو كثيرًا استدلالًا بهذا الحديث، لأن النبي - ﷺ - أمر أسماء ﵂ بغسل الثوب من دم الحيض، ولم يفرق بين قليله وكثيره. قال الشافعي، ولا فرق بين الدم وغيره، لأنه كله نجاسة. وفرق مالك بين الدم وغيره من النجاسات، فقال: أما غير الدم، فيجب غسله مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا، وأما الدم فيغسل كثيره ويعفى عن يسيره لحديث عائشة ﵂ قالت: \" ما كان لِإحدانا إلاّ ثوب واحد فيه تحيض فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها فقصعته بظفرها أخرجه البخاري وأبو داود، وقال أبو حنيفة: يعفى عن اليسير في سائر النجاسات ويغسل الكثير منها.\n١٢١ - \" باب غسل المني وفركه \"\n١٤٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي - ﷺ - \" أي أغسل المني بالماء من ثوب رسول الله - ﷺ - \" فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه \" أي فيخرج مسرعًا إلى الصلاة قبل أن يجف ثوبه حتى إن آثار الماء لا تزال بادية عليه.\nويستفاد منه: نجاسة المني لأنها ﵂ كانت تزيله من ثوب النبي - ﷺ - بغسله بالماء، ولو لم يكن نجسًا لما فعلت ذلك، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة أن المني نجس. وقال الشافعى وأحمد وداود الظاهري: المني طاهر","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>١٢٢ - \" بَابُ أبوَالَ الإِبلَ والدَّوَابِ وَالْغنَمَ وَمَرَابِضِهَا </span>\"\n١٤٦ - عن أنس ﵁ قَالَ:\nقَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْل أوْ عُرَيْنَةَ فاجْتَوَوُا الْمَدِينة فأمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلِقَاحٍ، وأنْ يَشْرَبُوا مِنْ أبوَالِهَا وألبَانِهَا، فانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا الرَّاعِي واستَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبرُ فِي أوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ في آثارِهِمْ، فلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جيءَ بِهِمْ، فأمَرَ بِقَطعِْ أيدِيهِم وأرجُلِهِم، وسُمِّرَتْ أعيُنُهُمْ، وألقُوا في الحَرَّةِ يَستَسقُونَ فلا يُسْقَونَ.\nــ\nلما جاء في الرواية الأخرى عن عائشة ﵂ أنها كانت تفركه من ثوب النبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nوالمطابقة: في قول عائشة ﵂ \" كنت أغسل الجنابة من ثوب النبي - ﷺ - \".\n١٢٢ - \" باب أبوال الإِبل والدواب والغنم ومرابضها \"\n١٤٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" قدم ناس من عكل \" وهي قبيلة من تيم \" أو عرينة \" وهي حيٌّ من قضاعة، أي جاء إلى النبي - ﷺ - جماعة من هاتين القبيلتين متظاهرين بالإِسلام \" فاجتووا المدينة \" أي فأقاموا مدة مع النبي - ﷺ - في المدينة ثم شكوا المرض وأنّ جو المدينة لا يلائمهم صحيًا \" فأمرهم النبي - ﷺ - بلقاح \" بكسر اللام جمع لقوح، وهي الناقة الحلوب من الإِبل، أي فأمرهم النبي - ﷺ - أن يلحقوا بنياق حلوب له خارج المدينة، وأن يذهبوا إليها، ويقيموا عندها \" وأن يشربوا من أبوالها وألبانها \" لأنّها علاج وشفاء \" فلما صحّوا \" أي فلما شفوا من مرضهم \" قتلوا الراعي، واستاقوا النعم \" بفتح النون والعين أي ساقوا الإِبل، وهربوا بها،","vol":"1","page":287},{"text":"فقابلوا الإحسان بالإساءة، والمعروف بالنكران \" فأمر النبي - ﷺ - بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم \" أي كحلت بالمسامير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أمرهم أن يشربوا من أبوالها، - وهذا دليل طهارتها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: قال العيني: استدل مالك بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، سواء كان من الإبل أو الغنم أو غيرها من الدواب، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن والاصطخري والروياني الشافعيان، وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والثوري، وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وآخرون كثيرون: الأبوال كلها نجسة إلاّ ما عفي عنه، وأجابوا عنه بأن ما في حديث العُرَنيين قد كان للضرورة، فليس فيه دليل على أنه يباح في غير حال الضرورة، لأنّ ثمة أشياء أبيحت في الضرورات ولم تبح في غيرها كما في لبس الحرير، فإنه حرام على الرجال، وقد أبيح لبسه في الحرب أو للحكة أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع. وقال ابن حزم صح يقينًا أن رسول الله - ﷺ - إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي (١) من السقم الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة، وقد قال ﷿: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب.\nثانيًا: مشروعية معاقبة المحاربين، وهو موافق لقوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتّلوا أو يصلّبوا) ... إلخ.\n...\n_________\n(١) شرح العيني ج ٣.","vol":"1","page":288},{"text":"١٤٧ - عَنْ أنس ﵁ قَالَ:\nكَانَ النبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي قَبْلَ أنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ في مَرَابِضِ الْغَنَمِ.\nــ\n١٤٧ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان النبي - ﷺ - يصلي قل أن يبني المسجد \" أي قبل أن يتم بناء مسجده الشريف \" في مرابض الغنم \" أي في مواضع نومها ليلًا، أو في أماكن شربها، يعني أنه كان - ﷺ - لا يرى مانعًا من الصلاة في مباركها عند نومها، أو في المواضع التي تشرب فيها، علمًا بأنها لا تخلو من بعرها وبولها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" كان النبي - ﷺ - يصلي في مرابض الغنم \" لأنّه يدل على جواز الصلاة في مرابضها، وطهارة أبوالها كما ترجم له البخاري.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة في مرابض الغنم مطلقًا، وهو مذهب الجمهور. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلاّ الشافعي فإنه قال: لا أكره الصلاة في مرابض الغنم إذا كان سليمًا من أبعارها وأبوالها، وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على الشافعي ﵁ (١)، لأن الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن مرابضها لا تسلم من البعر والبول، فدل على الإباحة. ثانيًا: طهارة أبوال الغنم - لأن النبي - ﷺ - أباح الصلاة في مرابضها وهي كما قال ابن بطال \" لا تسلم من البعر والبول \" فدل على الإباحة، وعلى طهارة البول والبعر. وقال ابن حزم: هذا الحديث منسوخ، لأنّ فيه أن ذلك كان قبل أن يبني المسجد، فاقتضى أنه في أوّل الهجرة، ولكن يرد عليه ما جاء في حديث أبي زرعة عن النبي - ﷺ - أنّه: قال \" الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلوا في مرابضها \" أخرجه البيهقي.\n_________\n(١) شرح العيني ج ٣.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>١٢٣ - \" بَابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاساتِ في السَّمْنِ وَالمَاءِ </span>\"\n١٤٨ - عَنْ مَيْمُونَة (١) ﵂:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ فَأرَةٍ سَقَطَتْ في سَمْنٍ فَقَالَ: \" ألْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ \" (٢).\nــ\n١٢٣ - \" باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء \"\n١٤٨ - معنى الحديث: تحدثنا ميمونة ﵂ \" أن رسول الله - ﷺ - سئل عن فأرة سقطت في دمه \" أي سأله بعض الصحابة عن حكم الفأرة إذا سقطت في سمن جامدٍ \" فقال: ألقوها وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم \" أي وكلوا بقية سمنكم، فإنّه طاهر مباحٍ الأكل، لأن النجاسة لا تسري فيه ما دام جامدًا. الحديث: أخرجه أيضا أبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\nويستفاد منه: أن الزيت والسمن وغيره إذا وقعت فيه النجاسة من فأرة ونحوها وكان جامدًا طرحت النجاسة وما حولها، وأكل الباقي لأنه طاهر مباح الأكل، أما إذا كان سائلًا فإنه ينجس كله.\n_________\n(١) هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بُجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر صعصعة الهلالية العامرية، وأمها هند بنت عون بن زهير بن الحارث من حمير، وقيل: من كنانة، ويقال: إن اسمها كان برة فسماها النبي - ﷺ - ميمونة، كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية، ففارقها فتزوجها أبو رهم بن عبد العزى، وتوفي عنها، فتزوجها رسول الله - ﷺ - في ذي العقدة سنة سبع في عمرة القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة، وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى وستين، وقيل إحدي وخمسين، وقيل: ثلاث وستين، وقيل ست وستين، وقيل غير ذلك.\nوصلى عليها ابن عباس، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أسماء بنت عميس، وهي آخر أزواج النبي - ﷺ -، وقيل أنه لم يتزوج بعدها. اهـ \" تراجم جامع الأصول \".\n(٢) اعتمدت في لفظ هذا الحديث على ما جاء في \" مختصر الزبيدي \".","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>١٢٤ - \" بَابُ الْبَوْلَُ في الْمَاءِ الدَّائِمَ </span>\"\n١٤٩ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنهُ قَالَ: \" لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في الْمَاءِ الدَّائِم لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ \".\nــ\n١٢٤ - \" باب البول في الماء الدائم \"\n١٤٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري \" (١) أي أنه - ﷺ - نهانا عن التبول أو التغوط في الماء الساكن الذي لا يتحرك ولا يجري سواء كان قليلًا أو كثيرًا \" ثم يغتسل فيه \" بالرفع على المشهور، وقال ابن مالك: يجوز الجزم عطفًا على يبولن.\nفعلى \" الرفع \" يكون معناه النهي عن البول في الماء الساكن، لأنه قد يحتاج إليه في وضوء أو غسل، فيمنع منه، أو يكره له استعماله وعلى الجزم يكون معناه أنه - ﷺ - نهانا عن التبول أو التغوط في الماء الساكن لئلا يؤدي إلى نجاسته أو كراهته، ونهانا أيضًا عن الاغتسال والانغماس فيه لئلا يسلبه ذلك طهوريته، أو يؤدي إلى كراهته.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: النهي عن التبول \" أو التغوط \" في الماء الراكد. وقد اختلفوا في حكمه، فقال مالك: يكره التبول في الماء القليل إذا كان لا يتغير به (٢) ويحرم إذا كان يؤدي إلى تغييره قليلًا كان أو كثيرًا.\nوفرّق الجمهور بين القليل والكثير، فقالوا: يحرم في القليل مطلقًا، غيّره أو لم يغيره، ويكره في الكثير إذا لم يغيره، فإن غيره يحرم. ثانيًا: استدل به\n_________\n(١) وإنما فسره بالذي لا يجري، لأن الدائم من الأضداد، يطق على الساكن والمتحرك فلو لم يفسره لوقع الالتباس.\n(٢) والسبب في اختلافهم أن مالكًا يرى أنّ الماء لا ينجسه إلا ما غيره، بينما يرى الجمهور أن قليل الماء تنجسه قليل النجاسة، ولو لم تغيره.","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>١٢٥ - \" بَابٌ إذَا ألْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أو جيفَة لم تفْسُد صَلَاتهُ </span>\"\n١٥٠ - عنْ عبدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\nأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وأبو جَهْل وأصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لبَعْضٍ: أيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلا جَزُورِ بَنِي فُلانٍ، فَيَضَعُهُ على ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إذا سَجَدَ، فانبعَثَ أشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بهِ، فَنَظر حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وأنا أَنْظرٌ\nــ\nالحنفية والشافعية على أن الماء المستعمل في وضوء أو غسل هو ماء غير مطهر، فلا يجوز الوضوء أو الاغتسال فيه، لأن النبي - ﷺ - إنّما نهي عن استعماله لئلا يسلب طهوريته، وحمل المالكية النهي عن الاغتسال فيه على الكراهة.\nالحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: قي قوله - ﷺ -: \" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم \".\n١٢٥ - \" باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذرٌ أو جيفة لم تفسد عليه صلاته \"\n١٥٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان يصلي عند البيت. وأبو جهل وأصحاب له \" وهم السبعة المذكورون في الحديث الذين دعا عليهم النبي - ﷺ - \" إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يأتي بسلا جزور بني فلان \" وهو الجلد الذي يكون فيه ولد الماشية أثناء حملها به. \" فانبعث أشقى القوم \" أي فتصدى للقيام بهذا العمل الدنيء أشقى هؤلاء الرجال، وهو عقبة بن أبي معيط \" فجاء \" أي فأتى بسلا ذلك الجزور، \" فنظر \" أي فانتظر \" حتى إذا سجد النبي - ﷺ - وضعه على","vol":"1","page":292},{"text":"لا أُغْنِي شَيئًا، لَوْ كَانَ لي مَنَعَة، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ علَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَاجِدٌ لا يَرْفَعُ رَأسَهُ. حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ ﵂، فَطرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ - ﷺ -، فَرَفَعَ رَأسَهُ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: \" اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش \" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أنَّ الدَّعْوَةَ في ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ، ثمَّ سَمَّى فَقَال: \" اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بأبِي جَهْل، وَعَليْكَ بعُتبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وأمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أبي مُعَيْط \"، وَعَدَّ السَّابعَ، فَلَمْ نَحْفَظْهُ، قَالَ: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأيْتُ الَّذِيْنَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَرْعَى فِي القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ.\nــ\nظهره بين كتفيه وأنا أنظر لا أغني شيئًا\" أي لا أستطيع أن أدفع عن النبي - ﷺ - أو أحميه منهم، أو أرد عنه شيئًا \" لو كانت لي منعة \" أي وكم تمنيت في ذلك الوقت أن لو كانت لي أسرة قوية في مكة، تساعدني على أن أقوم بحماية النبي - ﷺ - والذود عنه، وأداء واجبي نحوه \" قال: فجعلوا يضحكون \" سخرية بالنبي - ﷺ - وفرحًا بما يفعلونه به \" ويحيل بعضهم على بعض \" بالحاء كما عليه أغلب الروايات، قال الحافظ: يحتمل أن يكون من حال يحيل بفتح الياء إذا وثب على ظهر دابته أي يثب بعضهم على بعض من المرح والبطر، وفي مسلم من رواية زكريا، ويميل بالميم أي من كثرة الضحك، وكذا للمصنف من رواية اسرائيل والله أعلم \" فرفع رأسه ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات \" أي فلما رفع النبي - ﷺ - رأسه من الركوع دعا على هذه الفئة الخبيثة من قريش بالهلاك لجرأتهم عليه، وإمعانهم في إيذائه، ولأنّ الله تعالى أخبره بأنه لا مطمع في إيمانهم، لأنه قد طبع على قلوبهم فلا","vol":"1","page":293},{"text":"خير فيهم، بل في هلاكهم الخير كل الخير لقريش وغيرها من العرب. \" فشق عليهم إذ دعا عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة \" أي فصعب على نفوسهم أن يدعو عليهم النبي - ﷺ - في ذلك البلد الأمين، وتملكهم الخوف والفزع الشديد، لأنّهم كانوا يعتقدون أن دعوة المظلوم في البلد الحرام مستجابة، سيما إذا كانت في ذلك المقام. \" ثم سمّى \" أي ثم عيّن النبي - ﷺ - هؤلاء الأشرار، فدعا عليهم بأسمائهم \" فقال: اللهم عليك بأبي جهل وعليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبي معيط \" أي دعا على هؤلاء واحدًا واحدًا بالهلاك، فاستجاب الله دعاءه، فلم يمض إلا زمن يسير حتى هلكوا عن آخرهم، وأصبحوا كأمس الذاهب. \" قال \" ابن ميمون: \" وعد السابع، فلم نحفظه \" أي وعد رسول الله - ﷺ - السابع، أو عده عبد الله بن مسعود فلم يحفظ اسمه عمرو بن ميمون راوي الحديث والله أعلم. \" قال \" ابن مسعود ﵁: \" فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الَّذِيْنَ عدّ رسول الله - ﷺ - صرعى بالقليب قليب بدر \" أي رأيتهم موتى، قد ألقيت جثثهم في بئر بدر.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الطهارة من النجاسة واجبة مع القدرة، ساقطة عند العجز، وهو مذهب مالك ﵀ لأن النبي - ﷺ - لما ألقيت عليه النجاسة في الصلاة، ولم يكن قادرًا على إزالتها، أتم صلاته، ولم يقطعها، ولو كانت النجاسة عند عدم القدرة تفسد الصلاة لقطعها، وقال الجمهور: الطهارة من النجاسة شرط في صحة الصلاة مطلقًا في جميع الأحوال لقوله تعالى: (وثيابك فطهر) وللمالكية فيها قولان مشهوران: الوجوب والسنيّة حال التذكر والقدرة والتمكن. فإن صلى بالنجاسة عامدًا قادرًا على إزالتها أعاد صلاته وجوبًا لبطلانها، وعلى القول بأن إزالة النجاسة سنة تندب الإِعادة، وعلى كلا القولين تندب الإِعادة للناسي والعاجز عنها عند المالكية. ثانيًا:","vol":"1","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>١٢٦ - \" بَابُ الْبُزَاقِ وَالْمخاطِ وَئحْوِهِ في الثَّوْبِ </span>\"\n١٥١ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nبَزَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - في ثَوْبِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>١٢٧ - بَابُ غَسْلِ الْمَرأةِ أباهَا الدَّم عَنْ وَجْهِهِ </span>\"\n١٥٢ - عنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵄:\nــ\nاستدل به البخاري (١) على أن من حدث له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداءً لا تبطل صلاته لو تمادى فيها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nوالمطابقة: في كونه - ﷺ - لم يقطع الصلاة حين ألقيت عليه النجاسة.\n١٢٦ - \" باب البزاق والمخاط ونحوه في الثوب \"\n١٥١ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" بزق النبي - ﷺ - في ثوبه \" روي بالزاي، والصاد والسين، وهي رواية ضعيفة أي بصق - ﷺ - في ثوبه أثناء الصلاة، ولم يغسله من البصاق.\nويستفاد منه: طهارة البصاق والمخاط ونحوه، لأنه - ﷺ - لم يغسل ثوبه منه، فدل ذلك على طهارته. ويؤخذ منه أيضًا أن الحركة اليسيرة لا يفسد الصلاة. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: بزق النبي - ﷺ - في ثوبه.\n١٢٧ - \" باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه \"\n١٥٢ - الراوي: هو سهل بن سعد الساعدي الأنصاري روى عن\n_________\n(١) هكذا قال بعض الشراح، ونسبه إلى البخاري، وهو قول بعض المالكية.","vol":"1","page":295},{"text":"أنَّهُ سَألهُ النَّاسُ بأيِّ شَيءٍ دُوْوِيَ جُرْحُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: مَا بَقِيَ أحَدٌ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلى يَجِيءُ بِتُرسِهِ فِيه ماء، وفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأخذ حَصِيْرٌ، فأحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ.\nــ\nرسول الله - ﷺ - (١٣٨) حديثًا أخرج البخاري منها تسعة وثلاثين حديثًا، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة (٩١) هـ.\nمعنى الحديث: أن الناس سألوا سهل بن سعد ﵁ \" بأي شيء دووي جرح رسول الله - ﷺ - \" أي بأي شيء دووي جرحه عندما شُجَّ في غزوة أحد \" فقال ما بقي أحد أعلم به مني \" أي لم يبق أحدٌ من أهل المدينة أعلم بذلك مني لأنه آخر من مات بالمدينة من الصحابة \" كان علي يجيءُ بترسه فيه ماء \" أي يحضر الماء في ترسه \" وفاطمة تغسل عن وجهه الدم، فأخذ حصير فأحرق فحشي به جرحه \" أي أن فاطمة ﵂ غسلت وجهه - ﷺ - بالماء، ثم أحرقت حصيرًا، وأخذت رماده، وحشت جرحه، فوقف الدم في الحال.\nويستفاد منه: أولًا: جواز مباشرة المرأة أباها وذا رحمها إذا كان مريضًا أو جريحًا بتمريضه وعلاجه وخدمته، وهو ما عناه البخاري بالترجمة. ثانيًا: أن من الأدوية الطبية المعروفة عند العرب لايقاف الدم الرماد المستخرج من الحصير المحروق، حيث يحشى به الجرح، فيقف النزيف حالًا، لأنه مادة مجففة للدم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: وفاطمة تغسل عن وجهه الدم.\n***","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>١٢٨ - \" بَابُ السِّوَاكِ </span>\"\n١٥٣ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nأتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَوَجْدتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ أُعْ أُعْ والسِّوَاكُ في فِيهِ، كَأنَّهُ يَتَهَوَّعُ.\n١٥٤ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ.\nــ\n١٢٨ - \" باب السواك \"\n١٥٣ - معنى الحديث: يقول أبو موسى ﵁ \" أتيت النبي - ﷺ - فوجدته يستن بسواك \" أي ينظف أسنانه بالسواك، ويبالغ في ذلك حتى يسمع منه صوت \" ويقول: أُعْ أُعْ \" بضم الهمزة وسكون العين \" كأنه تهوع \" أي يتقيىء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي أيضًا.\nوالمطابقة: في قوله: يستن بسواك.\n١٥٤ - معنى الحديث: يقول حذيفة ﵁: \" كان النبي - ﷺ - إذا قام من الليل يشوص فاه \" أي إذا قام من نوم الليل يَدْلُك أسنانه بالسواك يزيل الرائحة التي تحدث عادة في الفم بعد النوم الطويل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" يشوص فاه \".\nويستفاد من الحديثين: أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته - ﷺ - عليه ليلًا ونهارًا حتى أنه كان يستاك عند استيقاظه من النوم ليلًا، مما يدل على مواظبته عليه في جميع الأوقات.","vol":"1","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>١٢٩ - \"بَابُ دَفْع السِّوَاكِ إلى الأكْبَرِ</span>\"\n١٥٥ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: أرانِي أتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فجَاءَنِي رَجُلانِ أحَدُهُمَا أكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأصْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِي: كَبِّر، فَدَفَعْتُهُ إلى الأكبر، مِنْهُمَا.\nــ\n١٢٩ - \" باب دفع السواك إلى الأكبر \"\n١٥٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" أراني أتسوك بسواك \" أي رأيت نفسي في المنام أني أستاك بسواك \" فجاءني رجلان أحدهما أكبر من الآخر \" في السن \" فناولت السواك الأصغر \" أي فلما انتهيت من السواك ناولته أصغرهما سنًا \" فقيل لي كبّر \" أي فقال لي جبريل ﵇: إدفع السواك إلى الأكبر، وقدمه على من هو أصغر منه سنًا. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه: أنه يستحب دفع السواك إلى أكبر الحاضرين سنًا، وتقديمه على غيره احترامًا له، وتكريمًا وتقديرًا لسنِّه، فإن من السنة تقديمه على غيره في كل شيء، قال القسطلاني: يستفاد منه تقديم ذي السن في السواك والطعام والشراب والمشي والركوب والكلام، نعم إذا ترتب القوم في الجلوس فالسنة تقديم الأيمن فالأيمن والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" كبّر \".\n***","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>١٣٠ - \" بَابُ فَضل مَنْ بَات عَلى الوُضُوءِ </span>\"\n١٥٦ - عَنِ البَرَاءِ بْنِ عِازِبٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقِّكَ الأيْمَنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ وَجْهِي إليْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ، وألجَأتُ ظَهْرِي إليْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إليْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَا مِنْكَ إلَا إِلْيكَ، اللَّهُمَّ آمْنتُ بِكِتَابِكَ الَّذي أنزلْتَ، وَنَبِيِّكَ الذي\nــ\n١٣٠ - \" باب فضل من بات على الوضوء \"\n١٥٦ - معنى الحديث: يرغّب النبي - ﷺ - أمته في الوضوء قبل النوم، والدعاء بهذا الدعاء المأثور، فيقول - ﷺ - للبراء بن عازب: \" إذا أتيت مضجعك \" أي إذا أردت أن تذهب إلى فراش نومك \" فتوضأ وضوءك للصلاة \" أي فتوضأ قبل أن تذهب إلى الفراش وضوءًا كاملًا، كما لو كنت تتوضأ للصلاة، حتى تنام وأنت على طهارة تامة \" ثم اضطجع على شقك الأيمن \"، لأنه أدعى إلى النشاط والاكتفاء بالقليل من النوم، وأعون على الاستيقاظ في آخر الليل، وأنفع للقلب لأنّه أخف عليه حيث يكون في الجهة العليا \" ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك \" أي أسلمت روحي عند نومي، وأودعتها ثم أمانة لديك، \" وفوضت أمري إليك \" أي توكلت في جميع أموري عليك، راجيًا أن تكفيني كل شيء، وتحميني من كل سوء، لأنك قلت، وقولك الحق (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) \" وألجأت ظهري إليك \" أي وتحصنت بجوارك، ولجأت إلى حفظك، فاحرسنِي بعينك التي لا تنام، \" رغبة ورهبة إليك \" أي وإنما فعلتُ ذلك كله \" رغبةً \" أي طمعًا في رحمتك \" ورهبة \" أي خوفًا منك، فامنن علي برحمتك، وقني عذابك \" لا ملجأ","vol":"1","page":299},{"text":"أرْسَلْتَ، فإنْ متَّ من لَيْلَتِكَ فَأنتَ عَلَى الفِطرةِ، وَاجْعَلهنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّم بِهِ \" قَالَ فَرَدَّدتهَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا بَلَغْت اللهمَّ آمَنْت بِكِتَابِكَ الذي أنزلْتَ قلْت: وَرَسولكَ، قَالَ: لا! وَنَبيِّكَ الذي أرْسَلْتَ\".\nــ\nولا منجا منك إلاّ إليك\" أي فإنه لا مفر منك إلاّ إليك، ولا ملاذ من عقوبتك إلاّ بالالتجاء إلى عفوك ومغفرتك يا أرحم الراحمين. \" آمنت بكتابك الذي أنزلت \" وهو القرآن الكريم \" ونبيك الذي أرسلت \" وهو نبينا محمد - ﷺ - ثم قال له - ﷺ - بعد أن علمه هذا الذكر المبارك \" فإن مِتَّ من ليلتك فأنت على الفطرة \" أي فإن متَّ في تلك الليلة التي نمت فيها على وضوء، واضطجعت على شقك الأيمن، وتحصنت فيها بهذا الذكر فإنّك تموت على دين الإِسلام وسنة خير الأنام.\nويستفاد منه: استحباب الوضوء عند النوم، والاضطجاع على الشق الأيمن وتلاوة هذا الذكر المأثور، وأن من قرأه قبل نومه وبات على وضوء ثم مات من ليلته مات على الإِيمان والسنة، قال العسقلاني: وإنما ندب الوضوء عند النوم لأنه قد يقبض روحه في نومه، فيكون قد ختم عمله بالوضوء، وليكون أصدق لرؤياه، وأبعد عن تلاعب الشيطان به في منامه. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: \" متّ على الفطرة \" لدلالته على أن من مات على وضوء مات على السنة.\n***","vol":"1","page":300},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-149> كتاب الغسل </span>\"\nالغسل لغةً: إن كان بضم الغين فهو إراقة الماء على البدن مع الدلك، وأما بكسرها فهو ما يغسل به من ماء وصابون ونحوه، وبفتح الغين اسم للماء الذي يغسل به خاصة، ونقل القاري (١): أنه بالضم مشترك بين الفعل المعروف، والماء الذي يغسل به، ومنه قول ميمونة: \" وضعت لرسول الله - ﷺ - غسلًا \". أما الغسل شرعًا فهو كما في \" المنهل العذب \" (٢) إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد مع داخل الفم والأنف بنية رفع الحدث، ومع الدلك عند المالكية. ومن أسبابه: الجنابة وانقطاع دم الحيض والنفاس. والحكمة في الغسل: إزالة الفتور الذي يعقب الجنابة واستعادة القوة والنشاط البدني، ولهذا قال أبو ذر ﵁ بعد اغتساله: \" كأني ألقيت عني حملًا \" قال ابن القيم (٣) \" وفي الغسل والوضوء بعد الوطءِ من النشاط وطيب النفس، وإخلاف ما تحلل من الجماع وكمال الطهر، والنظافة، واجتماع الحار الغريزي إلى داخل البدن بعد انتشاره بالجماع، وحصول النظافة التي يحبها الله. اهـ. أمّا من الناحية النفسية فإن الإنسان بعد الجماع يحصل له نوع من التبلد الذهني الذي ينشأ عن ركود الدم (٤)، ومن رحمة الحكيم الخبير أنه\n_________\n(١) المرقاة شرح المشكاة للقاري ج ١.\n(٢) المنهل العذب شرح سنن أبي داود ج ١\n(٣) زاد المعاد لابن القيم.\n(٤) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ج ١.","vol":"1","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>١٣١ - \" بَابُ الْوُضُوءِ قَبلَ الْغسْلِ </span>\"\n١٥٧ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأ كما يَتَوَضَّأ للصَّلَاةِ، ثمَّ يُدْخِلُ أصَابِعَهُ في الْمَاءِ، فَيُخَلَل بِهَا أصُولَ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ يفيضُ الْمَاءَ على جِلْدِهِ كُلِّهِ.\nــ\nشرع هذا الغسل الذي يعيد للبدن قوته وللدم حركته، وللنفس الإنسانية نشاطها من جديد، وأما غسل الحائض والنفساء فهو لِإزالة القذارة والرائحة الكريهة.\n١٣١ - \" باب الوضوء قبل الغسل \"\n١٥٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه \" قبل إدخالهما في الإِناء لتنظيفهما، مما يحتمل أنه علق بهما من الأقذار، وفي رواية ثم يغسل فرجه، وذلك لئلا يحتاج إلى غسله بعد الوضوء فينتقض وضوءه \" ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة \" أي مثل وضوئه للصلاة، \" ثم يدْخِل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر \" أي ثم يبلل أصابعه بالماء، فيحرك بها أصول الشعر ليصل الماء إلى بشرة الرأس، \" ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات \" أي يغسل رأسه ثلاث مرات، كل مرة بغرفةٍ مستقلة \" ثم يفيض الماء على جلده كله \" أي ثم إذا انتهي من الوضوء وتخليل الشعر وغسل الرأس ثلاثًا يصب الماء على جسده فيعممه بالماء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي ومالك أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: بيان كيفية غسله - ﷺ - وأنه يبدأ بغسل","vol":"1","page":302},{"text":"١٥٨ - عَنْ مَيمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَوَضَّأ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وما أصَابَهُ مِنَ الَأذَى، ثُمَّ أفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذَا (١) غُسلُهُ - ﷺ - مِنَ الْجَنَابَةِ\".\nــ\nاليدين، ثم الفرج، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، ثم يخلل شعر رأسه ويغسله ثلاثًا، ثم يعمم جسده بالماء. ثانيًا: مشروعية أو استحباب الوضوء قبل الغسل كما ترجم له البخاري. ثالثًا: مشروعية تخليل شعر الرأس واللحية، قال الزرقاني: ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقًا، إلاّ إذا كان الشعر ملبدًا. بمعنى أنه مستحب، ولكن هذا في الحقيقة هو مذهب الجمهور، أمّا المالكية فمشهور مذهبهم وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما كما أفاده الخطاب، حيث نقل عن ابن الحاجب أنه قال: الأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما.\nوالمطابقة: في قولها: \"ثم يتوضأ وضوءه للصلاة\".\n١٥٨ - معنى الحديث: تصف لنا أم المؤمنين السيدة ميمونة ﵂ غُسْل رسول الله - ﷺ - فتقول: \" توضأ رسول الله - ﷺ - وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه \" الواو لمطلق الجمع، وليست للترتيب، والمعنى: أنه - ﷺ - بدأ أولًا بغسل فرجه، ثم توضأ مثل وضوئه للصلاة إلّا أنه لم يغسل رجليه، وإنما أخر غسلهما إلى نهاية غسْله. والمراد أنه - ﷺ - كان يبدأ بغسل الفرج قبل الوضوء، كما يدل عليه حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - \" أنّه كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى، ثم غسل فرجه \" إلخ \" ثم أفاض عليه الماء \" أي ثم بعد الفراغ من الوضوء غسل جسده\n_________\n(١) وفي رواية الأكثرين هذه غسله أي هذه الأفعال المذكورة أو هذه صفة غسله، وهي عليها النسخ التي شرح عليها العيني والحافظ ابن حجر.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>١٣٢ - \" بَابُ غُسْلَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ </span>\"\n١٥٩ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا والنَّبِيُّ - ﷺ - من إنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الْفَرَقُ.\nــ\nكله وصب عليه الماء. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الوضوء قبل الغسل كما ترجم له البخاري وهو سنّة عند الجمهور لهذه الأحاديث، وليس بواجب لقوله - ﷺ - لأم سلمة: \" يكفيك أن تفيضي عليك الماء \" وذهب داود وأبو ثور إلى وجوبه، ولا دليل عليه في هذا الحديث. ويكون بعد غسل الفرج. ثانيًا: تأخير غسل القدمين إلى ما بعد نهاية الغسل لقول ميمونة \" ثم أفاض عليه الماء، ثم نحّى رجليه فغسلهما \" وهو مذهب الجمهور وبعض المالكية كما أفاده الزرقاني، وذهب الشافعي ومالك في المشهور عنه إلى تقديم غسل الرجلين وفعله في الوضوء، وقالت الحنفية: يؤخرهما إن كان المغتسل يجتمع فيه الماء كما أفاده في \" فيض الباري \".\n١٣٢ - \" باب غسل الرجل مع امرأته \"\n١٥٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كنت أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد \" الواو واو المعيّة، ويحتمل أن تكون عاطفة والمراد أن النبي - ﷺ - كان يغتسل مع السيدة عائشة من إناءٍ واحد، يغترف منه وتغترف منه، قال الحافظ يحتمل أن يكون \" النبي \" مفعولًا معه، ويحتمل أن يكون عطفًا على الضمير \" من قدح يقال له الفرَق \" بفتح الراء كما رواه الحافظ، وقال ابن التين باسكان الراء. وهو ثلاثة آصع. الحديث:","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>١٣٣ - \" بَابُ الْغسْلِ بالصَّاعِ وَئحْوِه </span>\"\n١٦٠ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا سُئِلَتْ عنْ غُسْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَدَعَتْ بإنَاءٍ نَحْوٍ مِنْ صَاع فاغْتَسَلَتْ وأفَاضَتْ عَلَى رَأسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَاب.\nــ\nأخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز اغتسال الرجل مع زوجته من إناء واحد. قال الترمذي، وهو قول عامة الفقهاء أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، وقد نقل القرطبي والطحاوي والنووي الاتفاق على جوازه. ثانيًا: جواز اغتسال المرأة بفضل طهور الرجل، وجواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة لأن النبي - ﷺ - وعائشة ﵂ اجتمعا في الغسل من إناء واحد وذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه إلى المنع من التطهر بفضل طهور المرأة إذا خلت به (١) لحديث الترمذي \" نهي رسول الله - ﷺ - عن فضل طهور المرأة \" قال أبو عيسى: وهو قول أحمد وإسحاق كرها فضل طهورها. اهـ. والمطابقة: في قولها: كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد (٢).\n١٣٣ - \" باب الغسل بالصاع ونحوه \"\n١٦٠ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ \" سئلت عن غسل رسول الله - ﷺ - \" أي سألها عبد الله بن يزيد، وهو أخوها من الرضاعة،\n_________\n(١) كما أفاده ابن قدامة قال: والثانية أي الرواية الثانية يجوز الوضوء به للرجال والنساء اختارها ابن عقيل، وهو قول أكثر أهل العلم.\n(٢) قال العيني: وفي حديث عائشة تطهر المرأة بفضل الرجل، وأما العكس فجائز، عند الجمهور سواء خلت المرأة بالماء أو لم تخل، وذهب أحمد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها اهـ.","vol":"1","page":305},{"text":"١٦١ - عَنْ جَابِرٍ ﵁:\nأنَّهُ سَألهُ رَجُلٌ عَنِ الْغُسْلِ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُل: مَا يَكْفِيني! فَقَالَ جَابِرُ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أوْفَى مِنْكَ شَعْرًا وخَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ أمَّنَا في ثَوْبٍ.\nــ\nورجح العيني أنه عبد الرحمن بن أبي بكر والله أعلم \" فدعت بإناءٍ نحو (١) من صاع \" أي فطلبت أن يُحْضِروا لها إناءً يسع مقدار صاع من الماء، والصاع عند الجمهور خمسة أرطال وثلث \" فاغتسلت وأفاضت على رأسها \" أي فاغتسلت بذلك الماء الذي يبلغ مقداره صاعًا وصبت الماء على رأسها، وعَمَّتْ جسدها كله بالماء، ولم يذكر في هذا الحديث أنها توضأت قبل الغسل إما اختصارًا أو اقتصارًا على القدر الواجب الذي لا يصح الغسل إلاّ به، وهذا يحتمل وجهين: إما أن تكون عائشة اقتصرت على مجرد الغسل ولم تتوضأ بيانًا للجواز واقتصارًا على القدر الواجب وإما أن تكون قد توضأت، ولكن الراوي اختصر الحديث.\nويستفاد منه: استحباب الاقتصاد في الماء عند الغسل، والاكتفاء بقدر الصاع إذا أجزأ الجسم وكفى لغسل جيع أعضائه، وإلّا فالقدر الكافي بلا حد. دون إسراف في الماء، أو تقتير في غسل بعض الأعضاء بتركها دون غسل أو عدم استيعابها وإتمام غسلها. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" فدعت بإناءٍ نحو من صاع \".\n١٦١ - معنى الحديث: أن جابر بن عبد الله ﵄ \" سأله رجل عن الغسل \" أي سأله عن قدر الماء الذي يستحب له أن لا يزيد عليه في الغسل إن أمكنه وكفاه: \" فقال: يكفيك صاع \" وهو خمسة أرطال\n_________\n(١) بالجر صفة لإناء كما أفاده القسطلاني.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>١٣٤ - \" بَابُ مَنْ أفَاضَ علَى رَأسِهِ ثَلَاَثًا </span>\"\n١٦٢ - عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أمَّا أنا فأُفِيضُ عَلَى رَأسِي ثَلَاثًا \" وأشَارَ بِيَدَيْه كِلْتَيْهِمَا.\nــ\nوثلث، أي قال جابر لهذا السائل وهو أبو جعفر محمد الباقر: يكفيك هذا القدر من الماء \" فِقال رجل \" وهو الحسن بن محمد بن الحنفية \" ما يكفيني \" هذا القدر \" فقال جابر: كان يكفي من هو أوفى منك شعرًا وخير منك \" أي كان الصاع من الماء يكفي في الغسل من هو أكثر منك شعرًا، وأفضل منك، وهو رسول الله - ﷺ -. \" ثم أمّنا \" أي صلى بنا إمامًا \" في ثوب \" أي صلى بنا وهو في ثوب واحد فقط.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب تقليل الماء في الغسل بلا حدٍ كما تقدم شرحه في الحديث السابق. ثانيًا: جواز الصلاة في الثوب الواحد إذا كان ساترًا. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: يكفيك صاع.\n١٣٤ - \" باب من أفاض على رأسه ثلاثًا \"\n١٦٢ - ترجمة راوي الحديث: هو جبير بن مطعم بكسر العين النوفلي من سادات قريش، وكبار نسابيها، أسلم عام خيبر، وروى ستين حديثًا، اتفقا منها على ستة، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد، توفي بالمدينة سنة أربع وعشرين هـ.\nمعنى الحديث: أن بعض القوم كما في رواية مسلم قال: أما أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا - أي أغسله مرات كثيرة تزيد على ثلاث مرات فأجابه","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>١٣٥ - \" بَابُ مَنْ بَدأ بالْحِلَابِ عِنْدَ الغسل </span>\"\n١٦٣ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكَانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ من الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأ بِشِقِّ رَأسِهِ الأيْمَنِ، ثمَّ الأيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى وَسَطِ رَأسِهِ.\nــ\nالنبي - ﷺ - بقوله \" أما أنا فأفيض (١) على رأسي ثلاثًا \" أي إذا كنت تغسل رأسك أكثر من ثلاث مرات، فليس ذلك من سنتي، لأنني إنما أغسل رأسي ثلاث مرات فقط، ولا أزيد على ذلك، فإن زدتَ فقد خالفت السنة، ولا ينبغي. ذلك. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي. والمطابقة: في قوله: \" فأفيض على رأسي ثلاثًا \".\nويستفاد منه: أنه يستحب التثليث في غسل الرأس وسائر الأعضاء وهو مذهب الجمهور، قال العيني: ويستنبط منه (٢) أن المسنون في الغسل أن يكون ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأمّا الفرض منه فغسل سائر البدن بالإجماع - أي مرةً واحدة، وقال ابن بطال: العدد في ذلك مستحب عند العلماء وما عم وأسبغ أجزأ.\n١٣٥ - \" باب من بدأ بالحلاب عند الغسل \"\n١٦٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب \" أي كان - ﷺ - إذا أراد الغسل من الجنابة استعد له، فأمر بإحضار ما يلزمه من إناء وماء، وطلب\n_________\n(١) بضم الهمزة من الإفاضة بمعنى الإسالة كما أفاده العيني.\n(٢) شرح العيني على البخاري ج ٣.","vol":"1","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>١٣٦ - \" بَاب هَلْ يُدخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الإِناءِ قبلَ أنْ يَغسِلَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ </span>\"\n١٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا والنَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أيدِينَا فِيهِ.\nــ\nإناءً مثل الحلاب، وهو إناء يسع ثمانية أرطال، وسمى حلابًا لأنه يسع قدر حَلْبَةِ الناقة كما أفاده الخطابي، ومنه قول الشاعر:\nصَاحِ هَلْ رَأيت أو سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ في الضَّرعِ مَا بقِيَ مِنْ حِلابَ (١)\n\" فأخذ بكفيه \" الماء \" فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر \" أي فبدأ بغسل الجانب الأيمن من الرأس، ثم الأيسر منه، \" فقال بهما على وسَط رأسه \" قال العيني: أي قلب بكفيه على وسط رأسه، والظاهر أن معناه أنّ النبي - ﷺ - غسل شق رأسه، الأيمن أولًا، ثم الأيسر، ثم قلب الماء بكفيه على وسط رأسه، فغسله أخيرًا والله أعلم.\nويستفاد منه: استحباب الاستعداد للغسل من الجنابة قبل الشروع فيه وإحضار ما يلزم له من إناء وماء، وأن يبدأ بالميامن قبل المياسر في الرأس وسائر الأعضاء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: بدأ بالحِلاَب.\n١٣٦ - \" باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة \"\n١٦٤ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كنت أغتسل أنا والنبي - ﷺ - من إناء واحد \" يجوز في النبيّ الرفع على العطف،\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري ج ٣.","vol":"1","page":309},{"text":"فيكون المعنى كنت أشترك أنا والنبي - ﷺ - في الاغتسال من الماء الموجود في الإِناء الواحد، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه فيكون معناه كنت أغتسل مع النبيّ من إناء واحد \" تختلف أيدينا فيه \" أي فأدخل يدي في الإِناء مرة لأغترف منه، ويدخل يده - ﷺ - في الإِناء مرة ليغترف منه، كما جاء في رواية للبخاري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، نغرف منه جميعًا \" أخرجه البخاري في باب تخليل اللحية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها: \" تختلف أيدينا فيه \".\nويستفاد من الحديث: كما قال الحافظ: جواز اغتراف الجنب من الماء (١) القليل وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء، ولا بما يفضل منه. \" قال \": وتوجيه الاستدلال به للترجمة أن الجنب لما جاز له أن يدخل يده في الإِناء ليغترف بها قبل ارتفاع حدثه، دل على أن الأمر بغسل يده قبل إدخالها ليس لأمر يرجع إلى الجنابة. اهـ.\n...\n_________\n(١) فتح الباري ج ١.","vol":"1","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>١٣٧ - \" بَابٌ إذَا جَامَعَ ثُمَّ عَاوَد، وَمْن دَارَ عَلَى نِسَائِهِ في غُسلٍ وَاحِدٍ </span>\"\n١٦٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكُنْتُ أطيَبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَيَطُوفُ على نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًَا يَنْضَحُ طِيبًا.\n١٦٦ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ في السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ\nــ\n١٣٧ - \" باب إذا جامع ثم عاود، ومن دار على نسائه في غسل واحد \"\n١٦٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كنت أطيب رسول الله - ﷺ - ليطوف على نسائه \" أي فيجامعهن كلهن بغسل واحدٍ كما في رواية أنس ﵁: \" أنه - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغُسلٍ واحد \"\nأخرجه البخاري \" ثم يصبح محرمًا ينضح طيبًا \" أي تفوح منه رائحة الطيب.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز معاودة الجماع بغسل واحد لزوجة واحدة أو لعدة زوجات، وعدم كراهية الإكثار من الجماع عند القدرة عليه.\nثانيًا: استحباب الطيب عند الجماع، لأنه يزيد الرغبة، قال ابن القيم (١) القوى تزيد بالطيب، كما تزيد بالطعام والشراب. والمطابقة: في قوله: \" فيطوف على نسائه \".\n١٦٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \"كان رسول\n_________\n(١) الطب النبوى لابن القيم.","vol":"1","page":311},{"text":"والنهَارِ، وَهُنَّ إحْدَى عَشرَةَ -وفي رِوَاية تِسْعُ نِسْوةٍ- قِيلَ: أوَكَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاِثينَ.\nــ\nالله - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل أو النهار \" أي يباشرهن جميعًا في ساعة واحدة، إما بغسل واحد كما في رواية الترمذي أنه - ﷺ - \" كان يطوف على نسائه في غسل واحد أو يغتسل عند هذه وهذه كما كان يفعل أحيانًا \" \" وهن إحدى عشرة وفي رواية تسع نسوة \" وهي الأرجح كما أفاده الحافظ، لأنه - ﷺ - لم يجتمع عنده أكثر من تسع، وتحتمل رواية إحدى عشرة، أنه عد منهن مارية، وريحانة. وهما جواريه لا زوجاته \" قيل \" أي فقال بعضهم لأنس ﵁ \" أو كان يطيقه قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين \" رجلًا، وفي رواية أبي نعيم \" وأعطي قوة أربعين من رجال أهل الجنة \". والرجل منهم كما في الحديث \" يعطى قوة مائة في الأكل والشرب والشهوة \" أخرجه النسائي وأحمد والحاكم وصححه. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" كان يدور على نسائه \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يجوز للرجل أن يطوف على نسائه جميعًا في وقت واحد لأنه - ﷺ - كان يفعل ذلك، وأنه لا بأس بكثرة الجماع لمن يطيقه، كما يجوز له أن يطوف عليهن بغسل واحد لما في حديث الترمذي الذي مرَّ بنا إلاّ أنه يستحب الغسل لكل جماع. ثانيًا: ما أعطي - ﷺ - من قوة الجماع، وتلك فضيلة من الفضائل. قال ابن العربي المالكي: كان العرب وغيرهم من الأمم يتمدحون بقلة الأكل وكثرة الجماع.\n***","vol":"1","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>١٣٨ - \" بَابُ تخلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتهُ، أفَاضَ عَلَيْهِ </span>\"\n١٦٧ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وتَوَضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلل بِيَدِهِ شَعْرَهُ، حَتَّي إِذَا ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثم غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.\nوَقَالَتْ: كُنْتُ أغْتَسِلُ أنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًَا.\nــ\n١٣٨ - \" باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه \"\n١٦٧ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم اغتسل \" وقد تقدم شرحه في باب الوضوء قبل الغسْلِ \" ثم يخلل بيده شعره \" وفي رواية للبخاري ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصول شعره - أي يغمس أصابع يديه في الماء حتى تبتل، ثم يدخلها في شعره، فيحرك بها أصول الشعر ليروي بشرته ويبلها بالماء، \" حتى إذا ظنّ أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء \" أي فإذا غلب على ظنه أنه أوصل الماء إلى جلدة رأسه صب الماء على رأسه \" ثلاث مرات، ثم غسل سائر جسده \" أي ثم غسل بقية بدنه.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: \" ثم يخلل بيده شعره \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية تخليل الشعر في الغسل، وهو","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>١٣٩ - \" بَابٌ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أنَّهُ جُنُبٌ يَخرُجُ كما هُوَ ولا يَتَيَمَّمُ </span>\"\n١٦٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nأقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُفُوفُ قِيامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فلمَّا قَامَ في مُصلَّاهُ ذكر أنَّه جُنُبٌ فقال لنا: مَكَانَكُمْ، ثم رَجَعَ فاغْتَسَلَ ثم خَرَجَ إليْنَا ورَأسُهُ يَقْطرٌ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.\nــ\nمستحب أثناء صب الماء أو بعده عند الحنفية والشافعية والحنابلة في الرأس واللحية (١) إذا أمكن وصول الماء إلى البشرة بدونه، وإلّا وجب. وذهبت المالكية إلى وجوبه في الرأس (٢) واللحية سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيفًا كما أفاده الحطاب. ثانيًا: مشروعية التثليث في غسل الرأس، وهو سنة اتفاقًا وألحق به الشافعي سائر الجسد.\n١٣٩ - \" باب إذا ذكر في السجد أنه جنب يخرج كما هو ولا يَتَيَمَّم \"\n١٦٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا \" أي أقيمت صلاة الجماعة، وسويت الصفوف واعتدل الناس قيامًا \" فلما قام في مصلاه \" أي فلما وقف النبي - ﷺ - في المكان الذي يصلي فيه \" ذكر أنه جنب فقال فما: مكانكم \" أي قفوا مكانكم وانتظروني حتى أعود إليكم، \" ثم رجع \" أي ثم خرج النبي - ﷺ - من المسجد: وعاد إلى بيته \" فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر\n_________\n(١) المنهل العذب ج ٣.\n(٢) فالمعتمد عند المالكية أن تخليل الشعر واجب مطلقًا كما في شرح الخطاب على متن الخليل.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>١٤٠ - \" بَابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ في الْخلْوَةِ وَمَنْ تسَتر فالتَّسَتُّرُ أفضل </span>\"\n١٦٩ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، ينْظرٌ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْض، وكان مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فقالُوا: وَاللهِ مَا يَمْنَعُ موسَى أنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أنه آدَرُ، فذَهَبَ مَرَّة يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ فخرَجَ مُوسَى في إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ ثَوْبِى يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظرتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إلى مُوسَى، فَقَالُوا: وَاللهِ\nــ\nفكبر\" تكبيرة الإحرام ولم يعد الإقامة \" وصلينا معه \" صلاة الفجر.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن من تذكر الجنابة في المسجد فإن عليه أن يخرج منه، ولا يجب عليه التيمم قبل الخروج، وهو مذهب الجمهور كما ترجم له البخاري ودل عليه الحديث خلافًا للثوري وأبي حنيفة حيث قالوا: يجب عليه التيمم قبل الخروج. ثانيًا: جواز الفصل بين الإِقامة والصلاة بفعل أو قول يتعلق بمصلحة الصلاة، ولا تجب إعادة الإقامة، وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - ذكر الجنابة فخرج من المسجد دون أن يتيمم.\n١٤٠ - \" باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة ... إلخ \"\n١٦٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة \" أي يغتسل بعضهم مع بعض عراة فيرى كل واحد منهم عورة الآخر، ولا يرون في ذلك بأسًا \" وكان موسى يغتسل وحده \" أي يختلي وينفرد وحده عند الاغتسال يستر عورته عن الناس حياءً واحتشامًا وامتثالًا","vol":"1","page":315},{"text":"مَا بِمُوسَى من بَأْسٍ، وأخَذَ ثَوْبَهُ فَطفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْبًا\". فَقَالَ أبو هُرَيرَةُ: واللهِ إنَّهُ لنَدَبٌ بالْحَجَرِ سِتَّة أوْ سَبْعَة ضَرْبًا بالحْجَرِ\".\nــ\nلأمر الله لأن شريعته كانت تأمر بذلك \" فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلاّ أنه آدر \" أي فقالوا بناءً على ظنهم الكاذب: والله لم يعتزل موسى عنا عند اغتساله إلاّ لأنه آدر - أي منتفخ الخصيتين، فهو يستتر ليخفي عن الناس هذه العاهة الجسمية الموجودة خشية الفضيحة، \" فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر \" أي فأراد الله تعالى أن يبرأ موسى ﵇ مما قالوا، ويكشف لهم عن سلامة جسمه من جميع العيوب البدنية، فذهب موسى كعادته ليغتسل وحده، فخلع ثوبه ووضعه على حجر، فهرب الحجر بثوبه، ليتم ما أراده الله \" فخرج موسى في إثره \" بكسر الهمزة وسكون الثاء، وحكى فتحمها، أي فخرج موسى من المكان الذي كان يغتسل فيه يسير وراء الحجر، وهو \" يقول ثوبي يا حجر \" أي أعطني ثوبى يا حجر، ورأى اليهود موسى وهو عار من ثيابه، وظهرت لهم براءته وسلامته من العيوب الجسمية، والأمراض البدنية \" فقالوا: والله ما بموسى من بأس \" أي فتبين لهم كذب ظنهم في موسى فأقسموا على خلوه من كل عيب وعاهة. \" فطفق بالحجر ضربًا \" أي فأخذ موسى بضرب ذلك الحجر ضربًا شديدًا لأنه كان سببًا في ظهور عورته \" والله إنه لَنَدَبٌ \" (١) أي والله إن آثار الضرب ظاهرة على الحجر \" ستة أو سبعة \" أي بحيث يتبين للناظر عددها ستة آثار أو سبعة آثار. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه اغتسل وحده عريانًا.\n_________\n(١) بفتح النون والدال.","vol":"1","page":316},{"text":"١٧٠ - وَعَنْهُ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قالَ: \" بَيْنَا أيوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًَا فخرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ من ذَهَب فجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَُّبهُ يا أيوبُ ألمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى، قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ \".\nــ\n١٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" بينا أيوب يغتسل عريانًا \" أي بينما كان يغتسل وحده عريانًا \" فخر عليه جراد من ذهب \" أي فسقط عليه جراد من الذهب اختبارًا له، ومعجزة من معجزاته ﵇، \" فجعل أيوب يحتثي (١) في ثوبه \" أي يجمع تلك القطع الذهبية التي تساقطت عليه في ثوبه \" فناداه ربه \" معاتبًا له \" ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك! ولكن لا غنى لي عن بركتك \" أي فأجاب أيوب بذلك الجواب السديد. -ونعم الناصر الجواب الحاضر- فقال: بلى أغنيتني بفضلك الواسع فأنعمت على بالصحة بعد المرض، وبالغنى بعد الفقر، وبالسلامة من العاهات البدنية التي كنت أعانيها مدة من الزمان، فطهّرت جسمي منها ولكن هذا الذهب نعمة من نعمك، وخيرٌ من عندك، فكيف أستغني عن خيرك ونعمتك، وأنا لما أنزلت إلي من خير فقير. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" بينا أيوب يغتسل عريانًا \".\nويستفاد من الحديثين: جواز التعرّي عند الخلوة، لأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل الدليل على نسخه، وقد قال ﷿: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).\n_________\n(١) بالحاء الساكنة.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>١٤١ - \" بَابُ التَّسَتُّرِ في الْغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ </span>\"\n١٧١ - عن أمِّ هَانِىءٍ بِنْتِ أبي طَالِبٍ ﵂ قَالَتْ:\nذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - عَامَ الفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: \" مَنْ هَذِهِ؟ \" فقُلْتُ: أنا أمُّ هَانِىءٍ.\nــ\n١٤١ - \" باب التَّستر في الغُسْل عند الناس \"\n١٧١ - ترجمة راوية الحديث: هي أم هانىء \" فاختة \" بنت أبي طالب عم رسول الله - ﷺ - وأخت عليّ ﵄، روت ستة وأربعين حديثًا، اتفقا على حديث، ولها في البخاري حديثان.\nمعنى الحديث: تقول أم هانىء ﵂: \" ذهبت إلى رسول الله - ﷺ - عام الفتح \" أي ذهبت للسلام عليه عندما قدم إلى مكة في غزوة الفتح \" فوجدته - ﷺ - يغتسل وفاطمة تستره \" أي تضع له ستارًا كثيفًا يحجبه عن الناس \" فقال من هذه \" وفي رواية الموطأ: فسلمت عليه فقال: من هذه؟ \" فقلت أنا أم هانىء \" أي فعرّفته بنفسي، وذكرت له اسمي.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب التستر أثناء الغسل عن أعين الناس، وتحريم الاغتسال أمامهم دون ستار، وقد قال ابن بطال: من دخل الحمام بغير مئزرٍ تسقط شهادته، وهو قول الجمهور. ثانيًا: جواز الاغتسال بحضرة المحرم إذا حال بينهما ساتر من ثوب ونحوه. والمطابقة: في قوله: \" وفاطمة تستره \".\n***","vol":"1","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>١٤٢ - \" بَابُ عَرَقِ الْجُنُبِ وأنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ </span>\"\n١٧٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ في بَعْض طُرُقِ الْمَدِيْنَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْتُ، فَذَهَبْتُ فاْغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ (١) فَقَالَ: \" أيْنَ كُنْتَ؟ \"، قَالَ: كُنتُ جُنُبًَا فَكَرِهْتُ أن أجَالِسَكَ وأنا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقاَل: \" سُبْحَانَ اللهِ إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ \".\nــ\n١٤٢ - \" باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس \"\n١٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أن النبي - ﷺ - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب \" أي والحال أن أبا هريرة كان في ذلك الوقت جنبًا \" قال فانخنست \" بالخاء المعجمة من الخنوس، وهو الاختفاء أي فتغيبت عن وجهه، وأخفيت شخصي لئلا ألقاه بجنابتي ظنًا منه أنّ الجنابة نجاسة ذاتية تمنعه عن مقابلة النبي - ﷺ - \" فقال أين كنت؟ قال: كنت جنبًا فكرهت. أن أجالسك. وأنا على غير طهارة \" أي فكرهت أن أجالسك وأنا نجس \" فقال: سبحان الله \" أي فسَبَّحَ النبي - ﷺ - تعجبًا من ظن أبي هريرة أن الجنابة نجاسة تمنعه عن مقابلته أو مقابلة غيره، وتحول دون مجالسته - ﷺ - أو مجالسة سواه، لأنّه ظن غير صحيح، فالجنابة إنما تمنع من الصلاة ومس المصحف ودخول المسجد، ولا تمنع من مجالسة المسلمين ومقابلتهم، ولا يصير بها الجنب نجسًا، فإن المؤمن طاهر الذات أبدًا، سواء كان جنبًا أو غير جنب ولهذا قال - ﷺ -: \" إن المؤمن لا ينجس \" أي لا\n_________\n(١) هكذا في بعض الروايات، وهو المناسب لما قبله، وفي بعضها فذهب واغتسل اهـ كما أفاده الشرقاوي في شرحه على مختصر البخاري للزبيدي ج ١.","vol":"1","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>١٤٣ - \" بَابُ كَيْنُونةِ الْجُنُبِ في الْبَيتِ إذَا توَضَّأ قَبلَ أنْ يَغتسِلَ </span>\"\n١٧٣ - عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:\nأنَّهُ سَأل النَّبِيَّ - ﷺ -: أيَرْقُدُ أحَدُنَا وَهُوَ جُنب؟ قَالَ: \" نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأ أحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ \".\nتَتَنَجَّسُ ذاته ولا تصيّره الجنابة نجسًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: طهارة المسلم في جميع الأحوال، فهو طاهر الذات ولو كان جنبًا أو ميتًا وجسمه ولعابه وعرقه كله طاهر، سواء كان جنبًا أو حائضًا أو نفساء، وسواء كان حيًا أو ميتًا، وذهب الشافعي في أحد قوليه: إلى نجاسة الميت، وكذلك الكافر طاهر عند الجمهور، خلافًا للظاهريّة. ثانيًا: أنه ينبغي أن لا يلام المرء على شيء حتى يسأل عنه أولًا.\nوالمطابقة: في قوله: \" إن المؤمن لا ينجس \".\n١٤٣ - \" باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ قبل أن يغتسل \"\nأي هذا باب يذكر فيه أنه يجوز للجنب أن يبقى بجنابته في البيت مكتفيًا بالوضوء، وأن ينام بذلك دون أن يغتسل.\n١٧٣ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ \" سأل النبي - ﷺ - أيرقد أحدنا وهو جنب؟ \" أي هل يجوز للمسلم أن ينام على جنابة دون أن يغتسل \" قال: نعم \" يجوز له أن ينام قبل أن يغتسل \" إذا توضأ أحدكم فليرقد وهو جنب \" أي لا مانع من أن ينام بجنابته دون غسل، ما دام قد توضأ قبل نومه، وهذا الوضوء أيضًا مستحب لا واجب. فلو نام دون وضوء لا حرج عليه.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>١٤٤ - \" بَاب إِذَا الْتَقَى الْخِتَانانِ </span>\"\n١٧٤ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأرْبَع ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ \".\nــ\nويستفاد منه: جواز نوم الجنب دون غسل لأنّ الغسل إنما يلزم للصلاة ونحوها، وإن كان النوم على غسل أفضل ويستحب له -إن لم يغتسل- وأراد نومًا أو أكلًا أو شربًا أو معاودة جماع أن يتوضأ عند الجمهور، وقالت الظاهرية: يجب عليه الوضوء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" نعم \" في جواب قوله أيرقد أحدنا وهو جنب.\n١٤٤ - \" باب إذا التقى الختانان \"\n١٧٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا جلس بين شعبها \" أي إذا جلس بين أطرافها الأربعة \" ثم جهدها \" أي جامعها بإدخال تمام الحشفة في الفرج \" فقد وجب الغسل \" على كِلا الزوجين أنزلا، أم لم ينزلا.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: أن الجماع يوجب الغسل مطلقًا، ولو لم ينزلا. أما قوله - ﷺ -: \" إنّما الماء من الماء \" الذي يدل على أنه لا يجب الغسل إلاّ من نزول المنى فإنه منسوخ. والمطابقة: في قوله: \" ثم جهدها فقد وجب الغسل \" كما أفاده العيني.\n***","vol":"1","page":321},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>كتاب الحيض</span>\nوالحيض لغة: من حاض السيل: إذا فاض، والماء التدفق بغزارة. ويطلق أيضًا على نفس الجريان، سواء كان الجاري ماءً أو عيره من السوائل، تقول العرب: حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشجرة سال منها الصمغ، وحاضت المرأة سال منها دم الحيض، فهو مصدر يطلق على السيلان، واسم يطلق على المادة السائلة. أما الحيض شرعًا: فهو كما في \" تيسير العلام \": دم جعله الله من رحمته وحكمته في رحم المرأة غذاء لجنينها، فإذا وضعت تحول إلى لبن يرضعه طفلها، فإذا كانت غير حامل ولا مرضع برز الزائد منه في أوقات معلومة وله ألوان مختلفة حمرة وصفرة وكدرة، ولهذا عرفه خليل بقوله: \" الحيضُ دَمٌ كَصُفْرَةٍ أو كُدْرَةٍ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ قُبُل مَنْ تَحْمِلُ عَادَةً \" قال الحطاب: يخرج بهذا التعريف دم النفاس لأنّه بسبب الولادة، ودم البكارة لأنه بسبب الافتضاض، ودم الاستحاضة لأنه بسبب علة أو فساد. اهـ.\nفإن هذه الأنواع ليست حيضًا لأنّها لا تخرج بنفسها، وإنما بأسباب أخرى، وإنما قال: \" من قُبُلِ من تحمل عادة \" لأن الصغيرة واليائس لا تحيضان.\nأما الحامل، فإنها تحيض عند المالكية والشافعية، خلافًا للحنفية والحنابلة.\nوالحكمة في الحيض: تغذية الإِنسان في بطن أمه جنينًا وتغذيته باللبن رضيعًا، قال ابن قدامة: فإذا حملت -المرأة- انصرف الحيض لتغذية الجنين بإذن الله تعالى، فإذا وضعت الولد قلبه الله بحكمته لبنًا يتغذى به الطفل اهـ. ومن","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>١٤٥ - \" بَاب كَيْفَ كَانَ بَدءُ الحَيْض وقَولُ النَّبِيِّ - ﷺ - هَذَا شَيءٌ كتبَهُ اللهُ على بَنَاتِ آدَمَ </span>\"\n١٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n- خَرَجْنَا لا نَرَى إلَّا الْحَجَّ، فَلمَّا كُنْتُ بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَليَّ النَّبِيُّ - ﷺ - وأنَا أبْكِى فَقَالَ: \" مَا لَكِ أنَفِسْتِ؟ \" قَلْتُ: نَعَمْ، قَال: \" إِنَّ هذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلى بَنَاتِ آدَمَ، فاقْضِ ما يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أنْ لا تَطُوفي بالبَيْتِ \"، وَضَحَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ نِسَائِهِ بالْبَقَرِ.\nــ\nفوائده الدينية كونه علامةً لعدّة المطلقة وبلوغ الأنثى، ولهذا قال - ﷺ -: \" لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار \".\n١٤٥ - \" باب كيف كان بدء الحيض وقول النبي - ﷺ - هذا شيء كتبه الله على بنات آدم \"\n١٧٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" خرجنا لا نرى إلا الحج \" أي خرجنا في حجة الوداع محرمين بالحجِّ فقط \" فلما كنا بسرف \" بفتح السين وكسر الراء ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث وهي على عشرة أميال من مكة \" حضت فدخل عليَّ النبي - ﷺ - وأنا أبكي \" حُزْنًا لأننى ظننت أن الحيض يفسد علي حجي \" قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم \" أي لا داعي للبكاء، لأَنَّكِ إذا كنت تخافين الملامة على ذلك الحيض الذي أصابك في الحج، فإنّك معذورة، لأن الحيض ظاهرة طبيعية في المرأة منذ بدء هذا العالم البشري، لا قدرة للمرأة على دفعه أو تأجيله، فهو عذر شرعي لا ملامة فيه، وإن كنت تخافين من فساد الحج، فإنه لا","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>١٤٦ - \" بَابُ غَسْلِ الحَائِض رَأسَ زَوْجِهَا وترجِيله </span>\"\n١٧٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكُنْتُ أغْسِلُ رَأسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأنا حَائِضٌ.\nــ\nيفسده الحيض، وعليك أن تستمري في أفعال الحج \" فاقضي ما يقضي الحاج \" أي افعلي ما يفعله الحاج من المناسك \" غير أن لا تطوفي بالبيت \" طواف الإِفاضة حتى تطهري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الحيض ظاهرة طبيعية في المرأة منذ وجودها على هذه الأرض كما قال ابن عباس ﵄: إن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة. أخرجه الحاكم بإسناد صحيح، فهو عذر شرعي. ثانيًا: أنه لا يفسد الحج، وإنما يمنع الطواف فقط.\nوالمطابقة: في قوله: إنّ هذا أمر كتبه الله على بنات آدم \".\n١٤٦ - \" باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله \"\n١٧٦ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كنت أرجِّل رأس رسول الله - ﷺ - وأنا حائض \" أي كنت أسَرِّح شعر رسول الله - ﷺ أثناء حيضي أحيانًا في البيت وأحيانًا وهو في المسجد لما جاء في رواية أخرى أنها كانت ترجل تعني رأس رسول الله - ﷺ - وهي حائض ورسول الله - ﷺ - حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد من الحديث: أنه يجوز للحائض تسريح رأس زوجها وغسل شعره سواء كان في البيت أو في المسجد بأن يُخْرِج إليها رأسه فتسرحه.\nوالمطابقة: ظاهرة من لفظ الحديث.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>١٤٧ - \" بَابُ قِراءَةِ الرَّجُلِ في حِجْرِ امْرَأتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ </span>\"\n١٧٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَّكِيءُْ في حِجْرِي وأنا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرأ الْقُرْآنَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>١٤٨ - \" بَابُ مَنْ سَمَّى النفاسَ حَيْضًَا </span>\"\n١٧٨ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\nبَيْنَا أنا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُضْطَجِعَةٌ في خَميصَةٍ، إِذْ حِضْتُ فانْسَلَلْتُ\nــ\n١٤٧ - \" باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض \"\n١٧٧ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان النبي - ﷺ - يتكىء في حجري \" بتثليث الحاء وسكون الجيم وهو ما بين الإِبط والكشح (١) أي كان يستند - ﷺ - إلى حجري ويضع رأسه في حضني \" وأنا حائض \" أي أثناء حيضي \" ثم يقرأ \" أي يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض.\nويستفاد منه: جواز قراءة القرآن في حجر الزوجة الحائض لأنّها طاهرة الذات. والمطابقة: ظاهرة من لفظ الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\n١٤٨ - \" باب من سمّى النفاس حيضًا \"\nأراد البخاري بهذه الترجمة ذكر الأحاديث الدالة على تسمية الحيض نفاسًا، ولكنه قلب العبارة، وكان حقه أن يقول \" باب من سمّى الحيض نفاسًا \"، كما أفاده الحافظ.\n_________\n(١) والكشح من لدن السرة إلى المتن وقيل هو الخصر كما أفاده ابن منظور.","vol":"1","page":325},{"text":"فأخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضِي فقَالَ: \" أنَفِسْتِ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ: فاضْطَجَعْتُ مَعَهُ في الْخَمِيلَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>١٤٩ - \" بَابُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ </span>\"\n١٧٩ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكُنْتُ أغْتَسِلُ أنا والنَّبِيُّ - ﷺ - من إنَاء وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ، وَكَانَ\nــ\n١٧٨ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂: \" بينا أنا مع النبي - ﷺ - مضطجعة في خميصة \" بكسر الميم وفتح الصاد كساء مربع من صوف أسود اللون \" إذ حضت \" أي فاجأني الحيف. والمعنى .. بينما كنت مضطجعة مع النبي - ﷺ - على الفراش في كساء صوفي واحد لم أشعر إلاّ وقد أتاني الحيض فجأة \" فانسللت \" أي فانسحبت من الفراش خفية \" فأخذت ثياب حيضتي \" بكسر الحاء أي الثياب الخاصة بالعادة الشهرية \" فقال: أنفست \" أي فتَنَبه النبي - ﷺ - فقال لي: هل أتاك الحيض، وسمى الحيض نفاسًا، لأنّ النفاس في الأصل هو خروج الدم مطلقًا كما أفاده القاضي عياض \" قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة \" أي فعدت إليه مرة أخرى واضطجعت معه في الكساء المذكور. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: أن الحيض كما ترجم له البخاري يسمّى نفاسًا لغة وشرعًا وأنه يجوز مباشرة الحائض والاستمتاع بها أثناء الحيض بما فوق الإِزار وسيأتي تفصيله والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أنفست \" حيث سمي الحيض نفاسًا.\n١٤٩ - \" باب مباشرة الحائض \"\n١٧٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \"كنت","vol":"1","page":326},{"text":"يَأمُرُنِي فأتَّزِرُ فيُبَاشِرُنِي وأنا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأسَهُ إليِّ وهُوَ مُعْتَكِفٍ فأغسِلُهُ وأنا حَائِضٌ.\n١٨٠ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ:\nكَانَتْ إحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًَا فأرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أنْ يُبَاشِرَهَا أمَرَهَا\nــ\nأغتسل أنا والنبي - ﷺ - (١) من إناء واحد \" أي أغتسل معه من الإناء الواحد وأشاركه فيه فيأخذ غرفة، وآخذ غرفة كما تقدم في بابه \" وكان يأمرني فأتزر \" بفتح الهمزة وتشديد التاء كما رواه الحافظ، وأصله فأأتزر بهمزة ساكنة بعد همزة مفتوحة فأدغمت الهمزة في التاء على مذهب الكوفيين \" فيباشرني وأنا حائض \" أي أنه - ﷺ - كان يأمر السيدة عائشة أثناء حيضها أن تشد الإِزار على وسطها وتستر ما بين السرة والركبة، ثم يباشرها ويستمتع بجميع جسدها ما عدا ما تحت الإزار وهو ما بين السرة والركبة قال الحافظ في \" الفتح \" وهو الجاري على قاعدة المالكية في باب سد الذرائع، وذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وذكر الأدلة الصحيحة الواردة في ذلك \" وكان يخرج رأسه وهو معتكف \" أي وكان يخرج رأسه لي من المسجد أثناء اعتكافه \" فأغسله وأنا حائض \" أي وأنا في حال الحيض وقد تقدم شرحه في \" باب غسل الحائض رأس زوجها \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: \" فيباشرني وأنا حائض \".\n١٨٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ في هذه الرواية: \" كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد النبي - ﷺ - أن يباشرها \" أي كان\n_________\n(١) والنبي مرفوع بالعطف على الضمير البارز وهو أنا.","vol":"1","page":327},{"text":"أن تَئْزِرَ في فوْرِ حَيْضِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وأيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَمْلِكُ إِرْبَهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>١٥٠ - \" بَابُ ترْكِ الْحَائِضِ الصوم </span>\"\n١٨١ - عَنْ أبِي سعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في أضْحى أو فِطرٍ إلى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدِّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكنَّ أكثَرَ أهْل\nــ\nالنبي - ﷺ - إذا أراد أن يستمتع بإحدى زوجاته أثناء حيضها \" أمرها أن تتزر \" أي أمرها أن تشد الإِزار على وسطها \" في فور حيضتها \" أي في ابتداء حيضها \" ثم يباشرها \" فيما فوق الإِزار وما عدا ما بين السرة والركبة \" قالت وأيكم يملك إربه \" بكسر الهمزة أي لا أحد. منكم يملك شهوته مثله، ومع ذلك كان يباشر فوق الإِزار لا تحته. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: \" ثم يباشرني \".\nويستفاد من الحديثين: أنه لا يجوز مباشرة الحائض إلاّ فيما فوق الإزار وما عدا ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الجمهور خلافًا لصاحبي أبي حنيفة وبعض الشافعية حيث قالوا يجوز كل شيء إلاّ الجماع (١) لقوله - ﷺ -: \" اصنعوا كل شيء إلا النكاح \" أخرجه مسلم.\n١٥٠ - \" باب ترك الحائض الصوم \"\n١٨١ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁ \" خرج رسول الله - ﷺ - في أضحى أو فطر \" أي خرج النبي - ﷺ - من مسجده\n_________\n(١) أي يجوز الاستمتاع بما بين السرة والركبة فيما عدا الفرج. قال النووي: وهو الأرجح دليلًا.","vol":"1","page":328},{"text":"النَّارِ\"، فَقُلْنَ: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \" تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأيْتُ مِنْ ناقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أذْهَبَ لِلُبْ الرجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُن \"، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِنَا وَدِيْننَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ:\nــ\nفي صلاة عيد الأضحى أو الفطر \" فمَّر \" في طريقه \" على النساء \" أي فأراد أن ينتهز الفرصة في هذا اليوم في وعظهن وتذكيرهن وترغيبهن في الصدقة، لأنهن كن في أمس الحاجة إليها لوقايتهن من النار، فإن الصدقة تطفىء غضب الرب. ولهذا قال لهن: \" يا معشر النساء تصدقن فإنِّي أُريتكن أكثر أهل النار \" أي أكْثِرْنَ من الصدقة لوقاية أنفسكن من عذاب الله، لأني اطلعت على النار وشاهدتها بعيني، فرأيت أكثر أهلها النساء لسوء أعمالهن فتصدقن فإن الصدقة تطفىء الخطيئة، وتطفىء غضب الرب \" فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن \" أي توجهن اللعنة إلى الناس كثيرًا، وهي شر دعاء يوجه إلى إنسانِ، لأنّ معناها الطرد من رحمة الله، والإبعاد عن الخير في الدنيا والآخرة \" وتكفرن العشير \" أي تسترن نعمة الزوج وتجحدن فضله وتنكرن المعروف وتَنْسَيْنَ الجميل \" ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن \" أي لا أحد أقدر على سلب عقول الرجال من المرأة لقوة تأثيرها العاطفي وسحر جمالها ودلالها وإغرائها، ولهذا قال - ﷺ - \" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء \" وقال الشاعر (١):\nإنَّ العُيُوْنَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا حَوَرٌ ... قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِيْنَ قَتْلَانَا\nيَصْرَعْنَ ذَا اللُّبَّ حَتَى لَا حَرَاكَ بِهِ ... وَهُنَّ أضعَفُ خَلْقِ اللهِ إنْسَانَا\n\"فقلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله، قال: أليست شهادة\n_________\n(١) هو: جرير والبيت في ديوانه: ١/ ١٦٢ من قصيدة مطلعها:\nبان الخليط ولو طوعت ما بانا\nوعجز البيت الثاني في الديوان: وهن أضعف خلق الله أركانا.","vol":"1","page":329},{"text":"\" أليْسَ شَهَادَةُ الْمَرأةِ مِثْلُ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ! \" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: \"فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أليْسَ إذَا حَاضَتِ الْمَرْأةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ \" قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: \"فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينهَا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>١٥١ - \" بَابُ الْاستحَاضَةِ </span>\"\n١٨٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أبي حُبَيْش لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي لا أطْهُرُ أفَأدَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ\nــ\nالمرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها \" أي فإن اعتبار شهادتها بنصف شهادة الرجل من أجل نقصان عقلها \" قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن: بلى قال: فذلك من نقصان دينها \" لأنه يفوتها ثواب الصلاة التي تركتها أثناء حيضها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: من الفوائد أنه يجب على المرأة ترك الصوم أثناء حيضها.\nفلا يجب عليها ولا يصح منها لأن من شروط وجوب الصوم وصحته الطهارة من الحيض والنفاس. والمطابقة: في قوله: \" أليس إذا حاضت لم تصل \".\n١٥١ - \" باب الاستحاضة \"\n١٨٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في حديثها هذا عن حكم دم الاستحاضة فتقول \" قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله إني لا أطهر \" وفي رواية \" إني امرأة أُستحاض فلا أطهر \"","vol":"1","page":330},{"text":"وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فاتْرُكِى الصَّلَاةَ فإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلي\".\nــ\nأي لا ينقطع عني الدم، كَنَّتْ بعدم الطهر (١) عن استمرار جريان الدم، لأنّها ظنت أنّ الحائض لا تطهر إلاّ إذا انقطع دمها فشكّت في أنه يمنع الصلاة، ولذلك قالت: \" أفأدعُ الصلاة \" وهو عطف على مقدّر أي هل يكون ذلك الدم في حكم الحيض فأتْرك الصلاة إلى انقطاعه \" فقال رسول الله - ﷺ -: إنما ذلك عرق \" أي إنما ذلك الدم دم استحاضة، وهو دم مرضي ينشأ عن انقطاع عرق في الرحم يسمى العاذل كما في حديث الدارقطني حيث قال: \" إنما ذلك عرق انقطع وانفجر (٢) \" وليس بالحيضة \" أي وليس ذلك الدم الذي تسألين عنه حيضًا شرعيًا، ولا تجري عليه أحكام الحيض الشرعية، وإنما هو دم مرض حكمه حكم الحدث الدائم (٣) من سلس البول والغائط وغيره، لا يمنع شيئًا مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلًا ونحو ذلك \" فإذا أقبلت الحيضة \" بفتح الحاء وكسرها كما أفاده النووي، أي فإذا جاء وقت عادتك الشهرية، وهو الوقت الذي كنت تحيضين فيه عادة قبل أن تصابي بالاستحاضة \" فاتركي الصلاة \" عند حلول ذلك الوقت من أوّل الشهر أو وسطه أو آخره \" فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي \" أي وامكثي تاركة للصلاة والصوم وغيرها من ممنوعات الحيض مدة عادتك الشهرية التي كنت تحيضين فيها قبل إصابتك بالاستحاضة، فإذا انتهي مقدار تلك المدة، وانقضت عدة أيامها فإنك قد طهرت من الحيض، فاغسلي موضع الدم تنطيفًا له واغتسلي وإن لم يذكر الاغتسال إلاّ أنه مراد كما أفاده ابن دقيق العيد،\n_________\n(١) \" أوجز المسالك شرح موطأ مالك \" ج ١.\n(٢) أيضًا أوجز المسالك ج ١.\n(٣) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي.","vol":"1","page":331},{"text":"وقد جاء الأمر به في رواية أبي أسامة عن هشام حيث قال - ﷺ -: \" ثم اغتسلي وصلّي (١) \" وهكذا اختلفت الروايات عن تلامذة هشام (٢) ففي بعضها ذكر الاغتسال، وفي بعضها غسل الدم، وكلهم ثقات فتحمل الروايات بعضها على بعض، ويجمع بينها كلها فيقال: إن النبي - ﷺ - أمر بالاغتسال وغسل الدم معًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن دم الاستحاضة ليس حيضًا شرعيًا وإنما هو كالحدث الدائم لا يمنع شيئًا من ممنوعات الحيض والنفاس، فالمستحاضة تصلي وتصوم فرضًا أو نفلًا، ولا يمنعها ذلك عن شيء، ويجوز لها كل ما يجوز لغير الحائض من طواف وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد.\nوالمستحاضة يجوز وطؤها عند الجمهور وهو قول أحمد في رواية، وقال في رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة: لا توطأ المستحاضة إلاّ أن يخاف على نفسه الوقوع في محظور لما روى الخلال في إسناده عن عائشة أنّها قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها - ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها كالحائض (٣).\nثانيًا: أنّ المستحاضة -إذا كانت معتادة- ترد لعادتها ميزت أم لا وافق تمييزها عادتها أو خالفها عملًا بحديث الباب لأنّ النبي - ﷺ - أمر فاطمة بنت أبي حبيش أن تعمل بعادتها وأن تعتمد عليها عند الدخول في الحيض والخروج منه، فإذا جاء وقت عادتها الشهرية تنقطع عن الصلاة وتدخل في الحيض وتجري أحكامه عليها وإذا انتهت مدة عادتها تغتسل وتصلّي، وتدخل في الطهر وتجري أحكامه عليها، فإن قوله - ﷺ - \" فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم \" صريح في أنه - ﷺ - أمرها أن تعمل بعادتها ومما يؤكد ذلك، ويدل دلالة صريحة على أنّ المعتادة ترد إلى عادتها حديث أم سلمة ﵂ أن امرأة كانت\n_________\n(١) \" أوجز المسالك: شرح موطأ مالك \" ج ١.\n(٢) أيضًا \" أوجز المسالك \" ج ١.\n(٣) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ١.","vol":"1","page":332},{"text":"نهراق الدماء -بضم التاء وفتح الهاء وتسكينها- أي يتصبب منها الدم دون انقطاع في عهد رسول الله - ﷺ -، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - ﷺ - فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفِرْ بثوب \" أي تشد خرقة عريضة على فرجها \" ثم لتصلِّ \" أخرجه أبو داود والنسائي فإنّ الحديث صريح في أن المعتادة تعمل بعادتها، فتمكث ممتنعة عن الصلاة وغيرها مدة عادتها، فإذا انتهت تلك الأيام التي كانت تعهدها، وجاوزت مدة الحيض التي كانت معتادة عليها قبلِ إصابتها بالاستحاضة، فإنها تطهر وتغتسل وتصلّي. ومما يدل على ذلك أيضًا حديث أسماء عند أبي داود وغيره ولفظه: \" فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، ثم تغتسل \" وحديث أم حبيبة أنها سألت النبي - ﷺ - عن الدم فقال لها رسول الله - ﷺ -: \" امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي \" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي. فإن هذه الأحاديث ليس فيها إلاّ الرد إلى العادة لا سيما حديث أم سلمة. قال ابن قدامة: وحديث أم سلمة ﵂ إنما يدل على العادة بلا نزاع فيه .. اهـ. ولهذا قال أكثر أهل العلم \" المستحاضة ترد إلى عادتها ولو كانت مميزة \" فلا اعتبار للتمييز، وإنما تعتبر العادة. قال الزرقاني: \" وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد \" (١) اهـ. قال ابن قدامة: وظاهر كلام أحمد اعتبار العادة وهو قول أكثر الأصحاب (٢) لأن النبي - ﷺ - رَدَّ أم حبيبة والمرأة التي استفتت لها أم سلمة إلى العادة ولم يستفصل بين كونها مميزة أو غيرها. وذهب الشافعي على الأصح إلى أنّ المميزة تعمل بالتمييز ولا تعمل بالعادة، إلاّ إذا كانت غير مميزة. وأما المالكية: فقد نسب الزرقاني إليهم أن المستحاضة تعمل بتمييزها\n_________\n(١) شرح الزرقاني على الموطأ ج ١.\n(٢) المغني، لابن قدامة ج ١.","vol":"1","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>١٥٢ - \" بَابُ الاعتكاف للمستحاضة </span>\"\n١٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nاعتَكَفَتْ معَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - امْرَأةٌ مِنْ أزْوَاجِهِ فكَانَتْ تَرَى الدَّمَ والصُّفْرَةَ والطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي ...\nــ\nمثل الشافعية، ولكن المسألة عندهم فيها تفصيل فهم يفرقون بين الدخول في الحيض والخروج منه فيعتبرون التمييز في الأول والعادة في الثاني. ويقولون: لا تنتقل المستحاضة بن الطهر إلى الحيض إلا باجتماع ثلاثة أمور. الأول: أن تكون مميزة. الثاني: أن ترى تغير الدم من (١) لون إلى آخر وتغير رائحته. الثالث: أن يحدث هذا التغيُّر بعد انقضاء أقل الطهر وهو خمسة عشر يومًا. وأما بالنسبة إلى الخروج من الحيض فإن المستحاضة في مشهور المذهب تنتقل من الحيض إلى الطهر بانقضاء مدة عادتها وزيادة ثلاثة أيام عليها للاستظهار. قال الباجي: فإن تمادى بها الدم فعن مالك روايتان إحداهما أنها تقيم أيام عادتها ثم تستظهر ثلاثة أيام (٢)، والثانية تقيم أكثر الحيض وما يظهر من كتب الفروع أن المالكية اختاروا الاستظهار ومعناه أن تمكث أيام عادتها مع إضافة ثلاثة أيام استظهارًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nوالمطابقة: في قوله: \" إنما ذلك عرق وليس بالحيضة \".\n١٥٢ - \" باب الاعتكاف للمستحاضة \"\n١٨٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" اعتكفت مع رسول الله - ﷺ - امرأة من أزواجه \" أي إن إحدى أمهات المؤمنين اعتكفت\n_________\n(١) القوانين الفقهية لابن جُزي.\n(٢) شرح الباجي على الموطأ ج ١.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>١٥٣ - \" بَاب هَلْ تُصَلِّي الْمَرأةُ في ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ </span>\"\n١٨٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nما كَانَ لِإحْدَانَا إلَّا ثَوْب وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أصَابَهُ شَيء مِنْ دَمٍ قالَت بِرِيقهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا.\nــ\nمع النبي - ﷺ - وهي مستحاضة \"فكانت ترى الدم والصفرة \" أي فكانت ترى ألوانًا مختلفة من الدم فأحيانًا ترى الدم الأحمر، وأحيانًا ترى الدم الأصفر (١)، حسب قلته وكثرته \"والطست تحتها وهي تصلي\" أي والحال أن الطست موضوع تحتها يسيل فيه الدم المتدفق منها، وإنما كانت تضعه تحتها لئلا تلوث المسجد وكان الدم يتدفق منها وهي قائمة تصلي. أما التي اعتكفت مع النبي - ﷺ - أثناء استحاضتها فقد اختلفت الأقوال، ورجح الحافظ أنّها أمّ سلمة لحديث سعيد بن منصور عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست تحتها.\nيستفاد منه: أنه يصح اعتكاف المرأة المستحاضة في المسجد كما تصح صلاتها، ويجوز لها المكث في المسجد إن أمن تلويثه، ومثلها دائم الحدث كما أفاده في \"المنهل العذب\". الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود (٢) والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: \" اعتكفت مع رسول الله - ﷺ - امرأة من أزواجه \" أي امرأة مستحاضة.\n١٥٣ - \"باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه \"\n١٨٤ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" ما كان\nلِإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه \" هذا النفي عام شامل لجميع زوجاته - ﷺ -\n_________\n(١) قال في \" المنهل العذب \": أي ترى الدم الأصفر مرة عند قلة الدم، ومرة ترى الدم الأحمر عد كثرة الدم.\nوالله أعلم.\n(٢) \" المنهل العذب \" ج ١٠.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>١٥٤ - \" بَابُ الطِّيبِ لِلْمَرْأةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْحَيْض </span>\"\n١٨٥ - عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:\nــ\nأي لم تكن زوجة واحدة من أمهات المؤمنين تملك أكثر من ثوب واحد، فكانت تلبس ذلك الثوب أثناء حيضها وطهرها معًا. \" فإذا أصابه شيء من دم \" أي فإذا أصاب ثوبها شيء من دم الحيض \" قالت بريقها فقصعته بظفرها \" قال العيني: يعني صبت عليه من ريقها، فقصعته أي دلكته بظفرها، وإنما تكتفي بدلكه بريقها عن غسله إذا كان قليلًا، لأنه معفوٌ عنه، وأما الكثير فقد صح عن عائشة أنها كان تغسله (١) كما أفاده القسطلاني.\nالحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قولها: \" ما كان لِإحدانا إلا ثوب واحد \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن نساء النبي - ﷺ - مرت عليهن في أوّل الإِسلام فترة من الزمن كانت الواحدة منهن لا تملك إلاّ ثوبًا واحدًا كما يدل عليه قول عائشة ﵂ \" ما كان لِإحدانا إلاّ ثوب واحد \" قال العيني: فإنهم كانوا حينئذٍ في شدة وقلة، ولما فتح الله الفتوح واتسعت أحوالهم اتخذت النساء ثيابًا للحيض سوى ثياب لباسهن، كما يدل عليه حديث أم سلمة حيث قالت \" فأخذت ثياب حيضتي \". ثانيًا: استدل به البخاري وغيره من أهل العلم على أنه يجوز للمرأة أن تصلي في الثوب الذي تحيض فيه. ثالثًا: جواز إزالة النجاسة بغير الماء إجماعًا.\n١٥٤ - \" باب الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض \"\n١٨٥ - ترجمة راوية الحديث: هي أم عطية نُسَيْبَة -بالتصغير- بنت الحارث الأنصارية من فضليات الصحابة ﵂ كانت تمرّض\n_________\n(١) فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت \" كانت إحدانا تحيض ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها \" أخرجه البخاري وابن ماجة ومعنى تقرصه أي تغسله بأطراف أصابعها.","vol":"1","page":336},{"text":"كُنَّا نُنهَى أنْ نَحُدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًاَ، ولَا نَكْتَحِلُ، ولا نَتَطَيَّبُ، ولا نلْبَسُ ثَوْبًَا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصَبٍ، وقَدْ رُخِصِّ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيْضِهَا في نُبْذَةٍ مِن كُستِ أظْفَارٍ وكُنَّا نُنْهَى عنِ اتِّباعِ الْجَنَائِزِ.\nــ\nالمرضى وتداوي الجرحى وتغسل الموتى، روى لها البخاري خمسة أحاديث.\nمعني الحديث: تقول أم عطية ﵂: \" كنا ننهي أن نحد على ميت فوق ثلاثة \" أيام أي كان النبي - ﷺ - ينهانا عن ترك الزينة حزنًا على ميت من أقاربنا مدة تزيد عن ثلاثة أيام، يقال أحدَّت المرأة إذا لبست ثياب الحزن هجرت الزينة والطيب لفقد عزيز عليها \" إلاّ على زوج \" أي إلاّ لفقد زوجها، فإن الشارع أوجب عليها أن تحدّ عليه أربعة أشهر وعشرًا \" ولا تكتحل \" إلاّ لمرض \" ولا تتطيب ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا \" بالألوان الخلابة الجذابة كالأحمر والأصفر والأزرق الصافي \" إلاّ ثوب عصب \" وهو المصبوغ بالنبت اليمني المعروف بالعصب، لأنه لا يلفت النظر ولا يخلب البصر. \" وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار \" \" بضم الكاف وسكون السين ويقال له القسط والكسط، وهو نوع من الطيب على شكل ظفر الإِنسان يوضع في البخور، فرخص النبي - ﷺ - للحائض الحادة أن تضع شيئًا منه بعد غسلها لتطييب الموضع وإزالة الرائحة الكريهة.\nويستفاد منه: أنه يستحب للحائض أن تضع شيئًا من الطيب عند غسلها، أو تتبخر بالعود، لأنه لما رخص للحادّة أن تفعل ذلك عند طهرها، دل ذلك على استحبابه لغيرها. ومشروعيته لسواها من باب أولى. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: \"رخص لنا","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>١٥٥ - \" بَابُ دلْكِ الْمَرأةِ نفسَهَا إِذَا تطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيض وكَيْفَ تغتسِل، وتأخذ فِرصة ممسَّكة فتتبع بها أثر الدم </span>\"\n١٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله وعَنْهَا:\nأنَّ امْرأةً سَألتِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ غسْلِهَا مِنَ الْمَحِيض، فأمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: \" خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فتَطَهَّرِي بِهَا \"، قالَتْ: كيْف أتُطَهَّر؟ قَالَ: \" سبحَانَ اللهِ، تَطَهَّرِي! \" فَاجْتَذَبتُها إِليَّ، فقلْتُ: تَتَبَّعِي بهَا أثَرَ الدَّمَ.\nــ\nعند الطهر ... في نبذة من كست أظفار \".\n١٥٥ - \" باب دلك المرأة نفسها إِذَا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها أثر الدم \"\n١٨٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن امرأة سألت النبي - ﷺ - عن غسلها من المحيض \" أي أن امرأة من الصحابة وهي أسماء بنت شكل -بفتح الشين والكاف- سألت النبي - ﷺ - عن كيفية الغسل، \" فأمرها كيف تغتسل \" أي فوصف لها النبي - ﷺ - كيفية الغسل وأمرها أن تغتسل على هذه الكيفية، فقال لها كما في رواية مسلمٍ: \" تطهري فأحسني الطهور، ثم صبي على رأسك ماءً فادلكيه دلكًا شديدا، حتى يبلغ شؤون رأسك، ثم صبي الماء عليك، ثم \" قال خذي فرصة من مسك \" أي خذي قطعة من القطن فاغمسيها في المسك \" فتطهري بها \" .. فلما قال لها ذلك \" قالت: كيف أتطهر بها؟ \" فأعاد عليها اللفظ مرة أخرى \" قال: تطهري بها \" ولم يشرح لها ذلك \" قالت: كيف أتطهر؟ قال: سبحان الله تطهري!! \" أي فسبح الله تعجبًا من عدم فهمها ثم أعاد الكلمة نفسها،","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>١٥٦ - \" بَابُ نقْض الْمَرأةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمحِيض </span>\"\n١٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nخَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ أحَبَّ أنْ يُهِلَّ بِعُمرةٍ فَلْيُهْلِلْ، فإِنِّي لَوْلا أني أهدَيت لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ \"،\nــ\nولم يشرحها، لأنه أراد أن يسلك مسلك الإِيجاز في الأمور التي يستحيا منها، ولا يحسن التفصيل عنها إلَّا عند الضرورة، ولعله ترك ذلك لعائشة، فأدركت عائشة ما أراد، فاستجابت لرغبة النبي - ﷺ -، فشرحت لتلك السائلة ما خفي عليها كما قالت ﵂ \" فأجتذبتُها إليَّ \" أي جذبتها إلي \" فقلت لها: تتبعي بها أثر الدم \" أي امسحي بتلك القطنة المغموسة في المسك موضع الدم من الرحم لِإزالة الرائحة منه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: أنه يستحب للمرأة عند غسلها من الحيض، وفراغها منه أن تأخذ قطنة فِتغمسها في المسك (١) ثم تمسح بها موضع الدم لتطييب المكان وإزالة الرائحة القبيحة منه. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" خذي فرصة من مسك فتطهري بها \".\n١٥٦ - \" باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض \"\n١٨٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في حديثها هذا عن حجة الوداع، فتقول: \" خرجا موافين لهلال ذي الحجة \" أي خرجنا في آخر ذي القعدة مستقبلين لهلال ذي الحجة وذلك لخمس بقين من ذي القعدة \" فقال رسول الله - ﷺ - من أحب أن يهل بعمرة فليهلل \" أي فقال النبي - ﷺ - حين اقتربوا من مكة: من أحب أن يهل بعمرة فليهلل، وأمر من\n_________\n(١) أو غيره من الطيب.","vol":"1","page":339},{"text":"فأهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وأهلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍ، وكنُتُ أنا مِمَّنْ أهلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأدرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأنا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إلى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: \" دَعِي عُمْرَتَكِ وانْقُضِي رَأسَكِ، واْمْتَشِطي وَأهلِّي بِحَجِّ \"، فَفَعْلتُ حتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أرْسَلَ مَعِي أَخِي عْبدَ الرَّحْمَنِ بن أبي بَكْرٍ إلى الْتَنْعِيمِ، فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَان عُمْرَتِي.\nــ\nلم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة. وأكد ذلك بقوله: \" فإِني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة \" أي لولا أني سقت الهدي لفسخت الحج وأهللت بالعمرة \" فأهل بعضهم بعمرة وأهل بعضهم بحج \" أي فأما الذين لم يسوقوا الهدي فإنهم فسخوا الحج، وأهلوا بالعمرة، وأما الذين ساقوا الهدي فإنهم استمروا على إحرامهم بالحج، لأنّه لا يجوز لمن ساق الهدي أن يتحلل حتى ينحر هديه \" وكنت أنا ممن أهل بعمرة \" أي وكنت أنا من الذين لم يسوقوا الهدي ففسخت الحج، وأهللت بالعمرة \" فأدركني يوم عرفة وأنا حائض \" أي فجاء يوم عرفة وأنا لا زلت حائضًا، وذلك لأن الحيض جاءها عند دخول مكة بعد إهلالها بالعمرة، واستمر معها إلى يوم عرفة ومنعها من أداء مناسك العمرة، لأن الحائض لا تطوف، قالت \" فشكوت إلى النبي - ﷺ - \" ما حل بي، وكيف أن الحيض استمر معي إلى يوم عرفة، ومنعني من المناسك، وأفسد عليَّ عمرتي \" فقال: دعي عمرتك \" ومعناه كما يدل عليه ظاهر الحديث أنه - ﷺ - أمرها بإلغاء عمرتها ورَفْضِها، لعدم تمكنها من أداء مناسكها، فألغتها كما أمرها النبي - ﷺ -، ومما يؤكد ذلك أنها أتت بعمرة منفردة بعد حجها، ولو كانت عمرتها هذه باقية لم تبطل، لما احتاجت إلى عمرة أخرى بعد الحج والله أعلم، \" وانقضي رأسك \" أي واغتسلي للحج، وحُلِّي شعرك عند الغسل، \" وأهلِّي بحج \" أي وأحرمي بالحج، وارفعي صوتك ملبية به","vol":"1","page":340},{"text":"\" ففعلت حتى إذا كان ليلة الحصبة \" بفتح الحاء وسكون الصاد، ويجوز في ليلة الرفع على أن كان تامة، أي حتى إذا جاءت ليلة الحصبة، وهي ليلة النزول من منى كما يجوز فيها النصب على أن كان ناقصة، والمعنى حتى إذا كان الوقت ليلة الحصبة \" أرسل معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فخرجت إلى التنعيم \" وهو موضع على طريق المدينة، على بعد فرسخ من مكة \" فأهللت بعمرة مكان عمرتي \" أي فأحرمت من التنعيم بعمرة بدلًا عن العمرة التي أفسدها الحيض، وإنما أحرمت من التنعيم لأنه أول الحل، ولا يتعين، وإنما يجب الإحرام من الحل من أي جهة أو موضع كان. الحديث: أخرجه الخمسة بألفاظ متعددة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية نقض المرأة شعرها عند الغسل أي حل شعرها، واختلف في ذلك الفقهاء، فذهبت الحنابلة إلى أنّه يجب نقضه في الحيض والنفاس دون الجنابة، وهو قول الحسن وطاووس لقوله - ﷺ - لعائشة عند غسلها: \" وانقضي رأسك \" أمّا الجمهور فقالوا يستحب للمرأة نقض شعرها، ولا يجب، سواء كان الغسل من الحيض والنفاس أو من الجنابة، لحديث أم سلمة ﵂ أنها قالت: إني امرأة أشد ضفر (١) رأسي أوَ أنقضه للجنابة؟ قال: \" لا \" أخرجه مسلم ولا فرق بين الجنابة والحيض، فلا يجب عليها حله إِلَّا إذا كان عليه طيب يمنع من وصول الماء. ثانيًا: استدل به الحنابلة على أفضلية التمتع لقوله - ﷺ -: \" لولا أني أهديت لأهللت بعمرة \" ثالثًا: استدل به الكوفيون على رفض العمرة أي إلغائها قبل تمامها، والخروج منها إلى الحج، وجواز ذلك للمرأة إذا حاضت قبل الطواف لقوله - ﷺ -: \" دعي عمرتك \" وقال الجمهور: لا يجوز لها ذلك وإنما تردف عليها الحج فتكون قارنة (٢)، وحملوا الحديث عليه. والمطابقة: في قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) شرح القسطلاني ج ١.\n(٢) شرح العيني ج ٣.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>١٥٧ - \" بَابٌ لا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ </span>\"\n١٨٨ - عن عَائِشَة ﵂:\nأنَّ امْرأَةً قَالَتْ: أَتَجْزِىء إِحْدَانَا صَلَاَتهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ:\nأحرُورِيَّةٌ أنتِ، كُنَّا نَحِيضُ معَ النَّبِيِّ - ﷺ - فلَا يأمُرُنَا بِهِ، أو قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ.\nــ\n\" وانقضي شعر رأسك \".\n١٥٧ - \" باب لا تقضي الحائض الصلاة \"\n١٨٨ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن امرأة \" وهي \"مُعاذة \" بضم الميم العدوية \" قالت لها: أيجزىء إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ \" أي أتكفيها صلاتها الحاضرة، ولا يجب عليها قضاء الصلوات الفائتة التي فاتَتْها أثناء حَيضِها \" فقالت: أحرورية أنت \" أي فقالت عائشة ﵂ مستنكرة عليها قولها هذا: هل أنت أيتها المرأة من الخوارج الذين يشددون في الدين، وينسبون إليه ما ليس منه، لأنها لما سألت هذا السؤال الغريب ظنت عائشة أنها حرورية، أي خارجية نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة نشأ الخوارج فيها، \" كنا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به \" أى فلا يأمرنا عند انتهاء الحيض بقضاء الصلاة. الحديث: أخرجه الخمسة.\nويستفاد منه: أن الحائض إنما تقضي الصوم فقط، ولا تقضي الصلاة، وهو مذهب سائر فقهاء الأمصار عدا الخوارج. والمطابقة: في قولها: \" كنا نحيض مع النبي - ﷺ - فلا يأمرنا به \".\n***","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>١٥٨ - \" بَابُ النَّوْمِ مَعَ الْحَائِض وَهِيَ في ثِيَابِهَا </span>\"\n١٨٩ - عَن أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\nحِضْتُ وأَنا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في الْخَمِيلَةِ، فانْسَلَلْتُ، فخَرَجْتُ مِنْهَا فأخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أنُفِسْتِ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فأدخَلَنِي مَعَهُ في الْخَمِيلَةِ وَأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، قَالت: وكنتُ أغْتَسِلُ أنا والنَّبيُّ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>١٥٩ - \" بَابُ شُهُودِ الحَائِضِ الْعِيدَيْن ودَعْوَة المُسلِمين، ويعْتَزِلْنَ المُصَلَّى </span>\"\n١٩٠ - عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:\nــ\n١٥٨ - \" باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها \"\n١٨٩ - معنى الحديث: تقدم قريبًا في \" باب من سمَّى الحيض نفاسًا، وإنما أعاده للمناسبة \".\nويستفاد منه: جواز النوم مع الحائض، والاستمتاع بها فيما عدا ما بين السرة والركبة، وما عدا الفرج عند البعض، لأن النبي - ﷺ - باشر أم سلمة ﵂ ونام معها وهي حائض، وأدخلها معه في الخميلة، والله أعلم.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: \" وأدخلني معه في الخميلة \".\n١٥٩ - \" باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى \"\n١٩٠ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂ \"سمعت","vol":"1","page":343},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ. \" يَخْرُجُ الْعَواتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، أوْ العَوَاتِقُ وَالحُيَّضْ ولْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى \"، قيل لَهَا: آلحُيَّضُ؟ فَقَالَتْ: أليْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وكَذَا وَكَذَا.\nــ\nرسول الله - ﷺ - يقول: يخرج العواتق\" أي يخرج لصلاة العيد وسماع الخطبة النساء جميعًا بما فيهن البنات الأبكار، \" وذوات الخدور \" وهما شيء واحد، يقال لهن: العواتق، لأنهن لم يملكهن زوج بعد، ولعتقهن من الخدمة في بيوت آبائهن، ويقال لهن ذوات الخدور لصيانتهن في خدورهن، وبعدهن عن الأنظار، \" والحيض \" أي وكذلك يخرج إليها النساء الحيض، والحاصل أنه يخرج لحضور صلاة العيد النساء جميعًا صغارًا وكبارًا ولو كن في حالة الحيض \" وليشهدن الخير، ودعوة المؤمين \" أي ليحضرن خطبة العيد، ودعاء المؤمنين أثناءها \" ويعتزل الحيض المصلى \" أي يبقين خارج المصلى، لأنه بمثابة المسجد \" قيل: آلحيض؟ \" بهمزة الاستفهام ممدودة، أي فقالت حفصة متعجبة: حتى الحيض يحضرن صلاة العيد والخطبة \" فقالت: أليس تشهد عرفة \" أي قالت أم عطية: وأي غرابة في هذا ألسن يقفن في عرفة \" وكذا وكذا \" أي ويقفن أيضًا بمنى ومزدلفة.\nويستفاد منه: أن الحائض تخرج إلى المصلى في العيدين، وتشهد الخطبة والدعاء، وتبقى خارج المسجد، لأن النبي - ﷺ - أمرها بالحضور للمصلى فيستحب لها ذلك. الحديث: أخرجه الخمسة أيضًا. والمطابقة: في قوله: \" والحيّض \"\n***","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>١٦٠ - \" بَابُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدرَةِ في غَيْرِ أيَّامِ الْحَيْضِ </span>\"\n١٩١ - وعَنْ أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيئًَا.\nــ\n١٦٠ - \" باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض \"\n١٩١ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: \" كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا \" أي كانت أمهات المؤمنين على عهد رسول الله - ﷺ - لا يعتبرن الدم الأصفر أو الدم الذي بين البياض والسواد في غير وقت العادة شيئًا \" وهنا اختلف الفقهاء \".\nويستفاد منه: كما قال الجمهور: اعتبار التمييز باللون في وقت الطهر - بمعنى أن المرأة إذا جاءها الدم في غير وقت العادة فإنها تميزه بلونه وتعرف إن كان حيضًا أو لا. فإن كان الدم أحمر أو أسود فإنّها تعتبره حيضًا، وتمتنع عن الصلاة والصوم وغيره، وإن كان كدرة أو صفرة اعتبرته دم استحاضة ولا تمتنع عن شيء من الصلاة أو غيرها لقول عائشة: \" كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا \" (١) وقال مالك: لا اعتبار لِلَّوْنِ أصلًا بل الدم بجميع ألوانه يعتبر حيضًا شرعيًا سواء كان في وقت العادة أو في وقت الطهر، لأن معنى قول عائشة \" كنا لا نعُد الصفرة والكدرة شيئًا \" أي لا نعتبره شيئًا مميزًا للدم (٢) ولا علامة فَارِقةً بين دم الاستحاضة ودم الحيض، لأن اللون لا اعتبار له، بهذا فسر مالك قول عائشة هذا، ولكل وجهه والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في قولها: \" لا نعد الصفرة والكدرة شيئًا \".\n_________\n(١) لأن معناه كما يقول الجمهور: \" لا نعد الصفرة والكدرة حيضًا وإنما نعده دم استحاضة \".\n(٢) يعنى لا نعتبر اللون الأصفر ولا اللون الترابي شيئًا مميزًا لدم الاستحاضة عن دم الحيض، بل الدم بجميع الوانه حيض سواء كان حمرة أو صفرة أو كدرة وهي اللون الترابي الذي بين الصفرة والشقرة كما أفاده في المنهل العذب.","vol":"1","page":345},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-181> كتاب التيمم </span>\"\nتمهيد: جريًا على عادة المصنفين فقد وضع البخاري التيمم في المكان الملائم له بعد الوضوء والغسل وما يتعلق بهما، وقد فُرض التيمم سنة ستٍ من الهجرة على الأرجح. والتيمم لغة: قصد الشيء، ومنه قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). وشرعًا: كما قال ابن قدامة: \" مسح الوجه واليدين بالصعيد \"، وقال الحافظ: \" هو القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة. اهـ. وهو من خصائص هذه الأمة التي يسر الله لها أمورها، وجعل لها من الحرج فرجًا، كما قال تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم). والحكمة في التيمم: أن الله جعله حلًا لمشكلة فقدان الماء، أو عدم القدرة عليه، وشرعه تقديرًا لظروف الإِنسان، ومراعاةً لأحواله، ومحافظةً على صحته البدنية، حيث جعله بالنسبة للمريض بديلًا عن الماء، ورخص فيه عند وجود المرض بالفعل، أو خشية حدوثه، وقد يعيب بعض المغرضين على المسلمين استعمال التراب لأنّه ناقل للميكروب، ونسوا أنّه يشترط فيه أن يكون طاهرًا نقيًَّا، وذلك مما يضمن السلامة التامة. وينوب التيمم عن الوضوء والغسل عند الجمهور. ويجزىء في دخول المسجد ومس المصحف والصلاة فرضًا أو نفلًا، فيستباح به عند الجمهور الفرض الواحد وما شاء من النوافل، ولا يجمع بين فريضتين، وإن","vol":"1","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>١٦١ - \" كتَابُ التَيّمَّمَ وَقَولُ اللهِ تعَالى (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ)</span>\n١٩٢ - عَن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ورَضِي اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في بَعْض أسُفَارِهِ حَتَّى إِذا كُنَّا بالبَيْدَاءِ، أو بِذَاتِ الْجَيْشِ، انْقَطعَ عِقْدٌ لِي، فأقَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَلى الْتِمَاسِهِ، وأقامَ النَّاسُ مَعَهُ، ولَيْسُوا على ماءٍ، فَأتى النَّاسُ إلى أبي بَكْرٍ الصِّدِّيق فَقَالُوا: ألا ترى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ، أقامَتْ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالنَّاس ولَيْسُوا\nــ\nتيمم لفرض صلى بعده نفلًا دون العكس خلافًا لأبي حنيفة (١).\n١٩٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" خرجنا مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره \" وهي غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة، كما ذكره ابن عبد البر وابن سعد وابن حبان، وقيل: إنها غزوة أخرى بعد غزوة المريسيع التي وقعت فيها قصة الإِفك، وأن العقد ضاع في الغزوتين \" حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش \" موضعان بعد ذي الحليفة \" انقطع عقد لي \" وكان من جَزْعِ ظفار بفتح الجيم وسكون الزاي وهو خرز يماني يجلب من ظفار على ساحل البحر، \" فأقام رسول الله - ﷺ - على التماسه \" أي نزل - ﷺ - هناك للبحث عنه \" وليسوا على ماء \" إلخ، أي ولا يوجد في ذلك المكان ماء، ولا يحملون معهم ماءً \" فأتى الناس إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة \" إلخ، أي فجاء الناس إلى أبي بكر يشتكون إليه ما صنعتْ بهم عائشة، حيث كانت السبب في إقامتهم بذلك\n_________\n(١) فإنه يرى التيمم بدل مطلق عن الوضوء، والغسل، يصلى به ما شاء من فرض أو نفل، وسواء كانت فريضتين أو أكثر، سواء كان نفلًا بعد فرض، أو فرض بعد نفل. اهـ.","vol":"1","page":347},{"text":"عَلىَ مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء، فجاءَ أبو بَكْرٍ ورَسُولُ اللهِ - ﷺ - واضِعٌ رَأسَهُ عَلَى فخِذِي قَدْ نَامَ، فقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - والنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أبو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ في خَاصِرَتِي، فلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ أصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فأنزلَ اللهُ آيَةَ التيمُّمِ، فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَير: مَا هِيَ بأوَّلِ بَركَتِكُم يا آل أبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذي كُنْتُ عَلَيْهِ، فأصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.\nــ\nالمكان على غير ماء (١) \" فقال: حبست رسول الله - ﷺ - والناس \" أي فقال أبو بكر لعائشة مؤنبًا لها: لقد كنت السبب في إقامة الناس هنا، وتأخيرهم عن السفر\" وقال ما شاء الله \" من ألفاظ التأنيب القاسية \" وجعل يطعنني \" أي ينخسني بيده \" فلا يمنعني من التحرك إلَّا مكان رسول الله - ﷺ - على فخذي \" أي فنخسني بيده كثيرًا، حتى آلمني ألمًا شديدًا، وهممت أن أقوم من مكاني، ولم يمنعني من ذلك إلَّا وجود رأس النبي - ﷺ - على فخذي \" فأنزل الله تعالى آية التيمم \" التي في سورة المائدة لما جاء في رواية الحميدي عن عائشة أنها ذكرت الحديث ثم قالت فيه: فأنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) إلخ، \"قال أسيد بن حضير ما هي بأول بركتكم\n_________\n(١) لأنه لولا انقطاع عقدها لما نزل الناس بذلك الموضع الذي لا ماء فيه.","vol":"1","page":348},{"text":"١٩٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" أُعْطِيتُ خَمْسًَا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فأيُّمَا رَجُلٍ\nــ\nيا آل أبي بكر\" أي أن بركاتكم كثيرة، وهذه إحداها \" قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته \" أي فأقمنا البعير الذي كنت راكبة عليه، فوجدنا العقد الضائع تحته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: \" نزلت آية التيمم \".\nويستفاد منه: بيان مشروعية التيمم، وسبب مشروعيته، وأنه بدل عن الوضوء والغسل لقوله تعالى في الآية المشار إليها (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) أي جامعتموهن (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فإن قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) يدل على أنه يقوم مقام الوضوء، وقوله: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) يدل على أنه يقوم مقام الغسل.\n١٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي \" أي خصني الله تعالى من بين النبيين والمرسلين وسائر البشر أجمعين بخصائص كثيرة، ومزايا عديدة - ذكر السيوطي أنها تزيد على المائتين، لكن أبرزها وأهمها وأعظمها وأشملها له ولأمته هذه الخصائص الخمسة: أولها: هذه الخصلة، بل هذه المعجزة العظيمة المذكورة في قوله - ﷺ -: \" نصرت بالرعب \" أي نصرني الله تعالى بإلقاء الخوف في نفوس الأعداء \" مسيرة شهر \" أي إلى مسافة شهر، وهي أقصى مسافة في عصره بينه وبين أعدائه. ثانيها: هذه الرخصة الاستثنائية التي انفرد بها محمد - ﷺ - وأمته، دون سائر الأنبياء والأمم الأخرى، وهي التي ذكرها في قوله: \" وجعلت لي الأرض مسجدًا \" أي جعل الله لي ولأمتي هذه الأرض كلها مكانًا صالحًا للعبادة والصلاة فيها بعد أن كان الْمَعْبَدُ في اليهودية والمسيحية شرطًا في صحة","vol":"1","page":349},{"text":"مِنْ أمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأحِلَّت لِي الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وأعْطِيتُ الشفاعةَ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاس عَامَّةً\".\nــ\nالصلاة، كما قال - ﷺ -: \" وكان من قَبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم \" \" وطهورًا \" أي وجعلت لي الأرض مطهرة من الحدث الأصغر والأكبَرْ، فيتيمم المسلم عند عدم الماء بدلًا عن الوضوء والغسل، \" فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل \" أي فلا شيء يمنعُه من الصلاة، لأنّه سيجد في أرض الله مسجده، وفي صعيدها طهوره، إن فقد الماء فيصلي بالتيمم حيث كان، كما في حديث أبي أمامة \" فأيما رجل أدركته الصلاة فلم يجد ماءً وجد الأرض طهورًا ومسجدًا \". ثالثها: أنه \" أحلت لي الغنائم \" وقد كان الأنبياء السابقون على قسمين، منهم من لم يؤذن له في القتال أصلًا، ومنهم من أذن له، فإن غنم شيئًا أخذته نار من السماء فأحرقته. رابعها: \" وأعطيت الشفاعة \" العظمى لفصل القضاء، وإراحة الناس من شدة ذلك الموقف الرهيب. خامسها: أني \" بعثت إلى الناس عامة \" بل إلى الثقلين جميعًا.\nويستفاد منه ما يأتي:\nأولًا: أن من خصائص هذه الأمة التي أنعم الله عليها بالإِسلام أن جعل لها الأرض مسجدًا وطهورًا، أي مطهرة للمسلم من الحدث والجنابة، فيتطهر بالتيمم بها عند عدم الماء، كما يتطهر بالوضوء والغسل عند وجود الماء، وفيه دليل على أن التيمم بدل مطلق عن الوضوء والغسل، حكمه حكمهما في جواز أداء الفرائض المتعددة به والنوافل ما لم يحدث أو يجد الماء. قال العيني: وهو قول أصحابنا (١) -أي الحنفية- وبه قال إبراهيم وعطاء وابن المسيب\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري ج ٤.","vol":"1","page":350},{"text":"والزهري والليث وداود بن علي، والمنقول عن ابن عباس ﵄، قال ابن حزم: \" وروينا عن حماد بن سلمة عن الحسن البصري قال: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد مثل الوضوء ما لم يحدث. اهـ، وذلك لأنَّ التيمم بدل مطلق يرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة لقوله - ﷺ -: \" التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يُحْدِثْ \" أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث أبي ذر، وقال الترمذي حديث حسن صحيح (١) ولقوله - ﷺ - في حديث الباب: \" جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا \" والطهور اسم للمطهر، فيدل على أن الحدث يزول بالتيمم زوالًا مؤقتًا إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء عاد الحدث (٢). وقال الجمهور \" المالكية والشافعية والحنابلة \": التيمم بدل ضروري تستباح به الصلاة مع قيام الحدث بصاحبه كطهارة المستحاضة، لحديث أبي ذر الذي جاء فيه: \" فإذا وجدتَ الماء فأمِسَّه جلدك فإنَّه خير لك \" ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إن وجده، فهذا يدل على أن الحدث لم يرتفع، لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة كما في المستحاضة، ومما استدلوا به على أن الحدث والجنابة لا يزالان باقيين بعد التيمم ما رواه البخاري عن عمرو ابن العاص ﵁ أنَّه تيمم من الجنابة في شدة البرد فقال له رسول الله - ﷺ -: \" صليت بأصحابك وأنت جنب \"، فقال: بل سمعت الله يقول: (ولا تَقتلوا أنفسكم) الآية فضحك النبي - ﷺ -: ولم ينكر عليه. ومحل الشاهد قوله - ﷺ -: \" صليت بأصحابك وأنت جنب \" فإنَّه أثبت بقاء جنابته مع التيمم. ولكن هذا الحديث ليس نصًا على بقاء الجنابة بعد التيمم، فقد قال فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي \" يمكن أن يجاب عن قوله - ﷺ - لعمرو ابن العاص ﵁: \" صليت وأنت جنب \" بأنه قال له ذلك قبل\n_________\n(١) كما في \" نصب الراية \" للزيلعي.\n(٢) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" ج ١ للدكتور وهبة الزحيلي.","vol":"1","page":351},{"text":"أن يعلم عذره بخوف الموت إن اغتسل، وبعد أن علم عذره أقره وضحك (١) اهـ. وأما احتجاجهم بقوله - ﷺ - \"فإِذا وجدت الماء فأمِسَّه جلدك\" فإنّه لا يدل على أن التيمم لا يرفع الحدث أصلًا، وإنما يدل على أنه لا يرفعه نهائيًا، وإنما يرفعه مؤقتًا لحين وجود الماء، وهذا هو عين ما يقوله الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم، وحاصل الخلاف بين الفريقين أنهم اختلفوا هل التيمم بدل مطلق أو بدل ضروري. فذهب أبو حنيفة ومن وافقه إلى أنّه بدل مطلق وطهارة مطلقة لها حكم الوضوء والغسل تمامًا، ولذلك فإنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت، لأن التوقيت لا يكون إلَّا بدليل سمعي ولا دليل فيه فيقاس على الوضوء، والوضوء يصح قبل الوقت (٢) ويجوز أيضا أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل، فيتيمم لأكثر من فرض، ولغير الفرض من النوافل، لأنه طهور عند عدم الماء، وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض معًا. وله أن يصلي بالتيمم الواحد فرضين معًا أو أكثر وما شاء من نافلة لأنَّ التيمم عندهم كالوضوء يصلي به من الحدث إلى الحدث، أو وجود الماء (٣) اهـ. وقال الجمهور: لا يعدو التيمم عن كونه بدلًا ضروريًا، ولذلك فإنّه لا يصح التيمم إلَّا بعد دخول وقْتِ ما يتيمم له من الصلوات، وقد قال - ﷺ -: \"جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره \" أخرجه أحمد فجعل - ﷺ - الأرض طهورًا عند إدراك الصلاة - أي عند دخول وقتها، وإنما جاز الوضوء قبل الوقت لكونه رافعًا للحدث، بخلاف التيمم، فإنه لا يجوز قبله، لكونه طهارةٌ ضرورية (٤) كطهارة المستحاضة، فلا يجوز قبل الوقت. كما\n_________\n(١) \" أضواء البيان \" لفضيلة العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.\n(٢) الفقه الإسلامي وأدلته ج ١ للدكتور وهبة الزحيلي.\n(٣) \" رحمة الأمة في اختلاف الأئمة \" لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي.\n(٤) أي فهو لا يرفع الحدث.","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>١٦٢ - \" بَابُ التَيّمُّمِ في الْحضرَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وخاف فوت الصَّلاةِ </span>\"\n١٩٤ - عن أبي جُهَيْم ﵁ قَالَ:\nأقْبَلَ النَّبِيُّ - ﷺمِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَل فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ\nــ\nلا يجوز للمتيمِّم أن يصلي فرضين بتيمم واحد، ولو كانت الفريضتان مَجموعتين في وقت واحد -عند المالكية والشافعية- كالظهر والعصر، ويجوز عند الحنابلة الجمع بين عدة فرائض إن كانت فوائت خلافًا للمالكية والشافعيّة، ويجوز له عند الجمهور أن يجمع بين النوافل وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية وإن نوى نفلا، أو نوى استباحة الصلاة لم يصل إلَّا نفلًا، قال العثماني الشافعي \" ويجوز للمتيمم أن يؤم المتوضئين والمتيممين بالإجماع، وحكِيَ النفي عن ربيعة ومحمد بن الحسن. ثانيًا: أن التيمم يكون بكل أجزاء الأرض من تراب وحجر وحَصىً وغيره، وسيأتي تفصيله قريبًا (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا \".\n١٦٢ - \" باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة \"\n١٩٤ - راوي الحديث: هو أبو جهيم - بضم الجيم وفتح الهاء عبد الله بن الحارث الأنصاري النجاري من كبار الصحابة روى له البخاري ومسلم حديثين.\nمعنى الحديث: يقول أبو جهيم ﵁ \"أقبل النبي - ﷺ - من\n_________\n(١) وهناك فوئد كثيرة ليس هنا موضع استقصائها.","vol":"1","page":353},{"text":"يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - حتَّى أقْبَلَ علَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.\nــ\nنحو بئر جمل\" أي من جهة الموضع المسمى ببئر جمل - بفتح الجيم، وهو موضع قرب المدينة \" فلقيه رجل \" وهو أبو جهيم راوي الحديث نفسه، \" فسلم عليه \" أي فسلم الرجل - وهو أبو جهيم على النبي - ﷺ - \" فلم يرد عليه \" أي فلم يرد عليه النبي - ﷺ - السلام \" حتى أقبل على الجدار \" أي حتى توجه النبي - ﷺ - إلى أقرب جدار إليه، فتيمم عليه \" فمسح بوجهه ويديه \" أي فضرب - ﷺ - الجدار بيديه الشريفتين ضربة واحدة مسح بهما وجهه ويديه إلى الكوعين لأن لفظ اليدين وإن كان مجملًا يحتمل أن يكون إلى المرفقين أو إلى الكوعين إلَّا أنه يفسره حديث عمار ﵁ حيث قال: \" فضرب - ﷺ - بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه وكفيه \"، قال الصغاني: ولم يصح من أحاديث صفة التيمم سوى حديثين حديث أبي جهيم وهو مجمل، وحديث عمار في الصحيحين وهو مبين بذكر الكفين، فينبغي أن يفسر هذا بهذا، والله أعلم.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز التيمم في الحضر عند عدم وجود الماء أو فقدان القدرة عليه، وهو ما ترجم لها البخاري. ثانيًا: أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ومن وافقه من أهل العلم، وهو قول مالك رحمه الله تعالى لحديث أبي جهيم هذا، حيث دل على أنّه ضربة واحدة، وحديث عمار الذي قال فيه \" فضرب - ﷺ - بكفيه الأرض، ثم مسح بهما وجهه، وكفيه \" وقوله - ﷺ - لعمّار \" التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين \" (١) ولأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة،\n_________\n(١) أخرجه أحمد والأئمة الستة بإسناد صحيح كما في \" نصب الراية \". (ع).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>١٦٣ - \" بَابُ الْمُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا </span>\"\n١٩٥ - عَن عَمَّارِ بْنِ يَاسِر (١) ﵄:\n\" أنه قَالَ لِعُمرَ ﵁: أما تَذْكُر أنَّا كُنَّا في سَفَرٍ أنا وَأنْتَ،\nــ\nوالأكمل عند المالكية والحنابلة خروجًا من خلاف من أوجبه ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين، وكيفية المسح أن يُمِرَّ اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق ثم على باطن المرفق إلى الكوع، أما الحنفية والشافعية فإنهم يقولون التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين لما رواه أبو أمامة وابن عمر ﵃ أن النبي - ﷺ - قال: \" التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين \" ولأن اليد عضو في التيمم فوجب استيعابه كالوجه (٢). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nوالمطابقة: في كونه - ﷺ - تيمم وهو بالمدينة.\n١٦٣ - \" باب المتيمم هل ينفخ فيهما \" (٣)\n١٩٥ - سبب الحديث ومعناه: جاء في سبب هذا الحديث أن\n_________\n(١) هو أبو يقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن يام بن مالك بن عنس، وهو زيد بن مذحج العنسي، مولى بني مخزوم وحليفهم، وذلك أن ياسرًا والد عمار قدم مكة مع أخوين له يقال لهما الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمة له يقال لها سمية، فولدت له عمارًا، فأعتقه أبو حذيفة، فعمار مولى، وأبوه حليف، أسلم عمار قديمًا، وكان من المستضعفين الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن الإِسلام، وأحرقه المشركون بالنار، فكان رسول الله - ﷺ - يمر به، فيمر يده عليه، ويقول: يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت على إبراهيم، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وصلى القبلتين، وهو من المهاجرين الأولين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، أبلى فيها، وسماه النبي - ﷺ - الطيب والمطيب، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة \" تراجم جامع الأصول \".\n(٢) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي. أقول: وهو حديث ضعيف، والصحيح عن عمار ضربة واحدة. (ع).\n(٣) أي هل ينفخ في كفيه بعد ضربهما على الأرض.","vol":"1","page":355},{"text":"فَأمَّا أنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وأمَّا أنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا \" فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ، ونَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْههُ وَكفَّيْهِ.\nــ\nرجلًا قال لعمر ﵁: ربما نمكث الشهر والشهرين فتصيبنا الجنابة ولا ماء ثمةَ أفنتيمَّم؟ فقال له عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء \" أخرجه أبو داود والنسائي. فقال له عمار: \" أما تذكر أنّا كنا في سفر \" أي أما تذكر أنا كنا معًا في سفر فأصابتنا جنابة، وليس معنا ماء فأدركَتْنَا الصلاة ولم نجد ما نغتسل به، فاختلفنا فيما نفعل إزاء الصلاة \" فأما أنت يا عمر فلم تصَل \" لأنك لم تجد ماءً تتطهر به من الجنابة \" وأما أنا فتمعكت \" أي وأما أنا فهداني الله تعالى إلى عمل آخر يقوم مقام الغسل وهو التيمم، فتيممت بدلًا عن الغسل، فمرغت جسمي كله بالتراب ظنًا مني أن صفة التيمم كصفة الغسل تمامًا، وأنه كما يعمم المغتسل جسمه بالماء، كذلك يجب على المتيمم أن يعمم جسمه كله بالتراب، وإنما عملت باجتهادي لعدم وجود نص شرعي في التيمم، ولذلك اجتهدت رأيي. \" فقال النبي - ﷺ -: إنما كان يكفيك هكذا \" أي إنما كان يكفيك في التيمم أن تقتصر على هذه الكيفية التي أبينها لك عمليًا \" ضرب بكفيه الأرض فنفخ فيهما \" أي فنفخ في كفيه تخفيفًا للتراب الذي علق بهما \" ثم مسح بهما وجهه وكفيه \" إلى الكوعين.\nالحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن التيمم ضربة واحدة فقط للوجه والكفين، وهو مذهب أحمد ومكحول وعطاء، قال ابن قدامة في العمدة (١): وصفته أن يضرب بيديه على الصعيد ضربة واحدة، فيمسح بهما وجهه\n_________\n(١) عمدة الفقه لابن قدامة الحنبلي.","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>١٦٤ - \" بَابُ الصَّعِيدِ الطيَبِ وَضُوءُ الْمُسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ </span>\"\n١٩٦ - عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵁ قَالَ:\nــ\nوكفيه. قال: وإنْ تَيمم بأكثر من ضربة أو مسح أكثر جازَ. قال المقدسي: وذلك لحديث ابن الصمة، فإنه دل على جواز التيمم بضربتين وحديث عمار يدل على الإِجزاء بضربة، ولا تنافي بينهما، لأن الله سبحانه قال: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) ولم يذكر عددًا فمن ضرب ضربتين أو مسح أكثر من اليد إلى الكوع فقد وفَّى بموجب النص (١). اهـ. وذهب أبو حنيفة والشافعي في الجديد إلى أن التيمم ضربتان واجبتان، الأولى للوجه، والثانية لليدين إلى المرفقين، لحديث ابن عمر ﵄: \"التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين \" رواه الدارقطني (٢). وأما المالكية فقد قال ابن جُزَيّ: \" يسن تجديد ضربة لليدين إلى المرفقين (٣)، وقيل يجب \" قال النفراوي \" وعلى كل لو اقتصر على كوعيه فصلى يستحب له الإِعادة في الوقت (٤). ثانيًا: أن النفخ في الكفين بعد ضربهما بالأرض أو غيرها سنة أو مستحب كما أفاده العيني، والحكِمة فيه إزالة التلويث عن الوجه والكفين، خشية أن يكون علق بهما شيء فيصيب الوجه. والمطابقة: في قوله: \" ونفخ فيهما \".\n١٦٤ - \" باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء \"\n١٩٦ - ترجمة الراوي: هو عمران بن حصين ﵁ الخزاعي أسلم عام خيبر، وكان صاحب راية خزاعة يوم الفتح، وهو من فضلاء\n_________\n(١) العدة في شرح عمدة الفقه لبهاء الدين المقدسي.\n(٢) وقد تقدم قبل أنه حديث ضعيف. (ع).\n(٣) القوانين الفقهية لابن جزي.\n(٤) الفواكه الدواني للنفراوي.","vol":"1","page":357},{"text":"كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ -، وَإنَّا أسْرَيْنَا حتَّى إِذَا كُنَّا في آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً، لَا وَقْعَةَ أحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْها، فَمَا أيقَظَنَا إلَّا حَرُّ الشَّمس، وكانَ أوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ وَفُلانٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الرابعُ، وَكَان النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا نامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأنَّا لا نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ في نوْمِهِ، فلمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأى مَا أصَابَ النَّاسَ، وكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّر، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بالتَّكْبِير، فما زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ\nــ\nالصحابة وفقهائهم، ومن مزاياه ومناقبه المشهورة أنه كانت الملائكة تسلم عليه، ويرى الحفظة وتكلمه، وكان مجاب الدعوة، روى ﵁ مائة وثمانين حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة، قال الذهبي، وكان ممن اعتزل الفتنة، وقال ابن سيرين سقى بطن عمران ابن حصين ثلاثين سنة، كل ذلك يعرض عليه الكي فيأبى حتى كان قبل موته بسنتين فاكتوى، وتوفي عمران سنة اثنتين وخمسين (١) من الهجرة، وله مسند من مائة وثمانين حديثًا. اهـ.\nمعنى الحديث: يقول عمران بن حصين ﵁: \" كنا في سفر مع النبي - ﷺ - وأنَّا أسرينا \" أي سرنا في آخر الليل \" حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة لا وقعة أحلى عند المسافر منها \" أي فسرنا مسافة طويلة، فأجهدنا السير وطال علينا السهر، فنزلنا في آخر الليل، ونحن في أشد الحاجة إلى النوم والراحة فنمنا نومة لذيذة حلوة، ليس لدى المسافر أحلى منها \" وكان النبي - ﷺ - إذا نام لم يوقظ فإنا لا ندري ما يحدث له في نومه \" أي لا نحب أن نوقظه من نومه، لأننا لا ندري ما يقع فيه من الرؤى، فقد يرى - ﷺ - رؤيا، والرؤيا من الوحي فكيف نوقظة \"فلما استيقظ عمر رأى ما أصاب\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء للذهبي ج ٢.","vol":"1","page":358},{"text":"بالتَّكْبِيرِ حتى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أصَابَهُمْ، قالَ: لا ضَيْرَ -أوْ لا يَضِيرُ- ارْتَحِلُوا، فارْتَحَلَوا، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالْوَضُوءِ فَتَوَضَّأ، ونُودِيَ بالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاس، فلما انْفَتَلَ مِنْ صَلَاِتهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، قال: مَا مَنَعَكَ يا فُلَانُ أن تُصَلِّىَ معَ الْقَوْمِ؟ قَالَ: أصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ولا مَاء، قَالَ: عَلَيْكَ بالصَّعِيدِ فإنَّهُ يَكْفِيكَ، ثمَّ سَارَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فاشْتكَى\nــ\nالناس\" من النوم عن صلاة الصبحٍ حتى طلعت الشمس \" وكان رجلًا جليدًا \" أي وكان عمر رجلًا قويًا صلبًا حازمًا \" فما زال يكبر \" أي فكبر وتابع التكبير، وما زال يتابع التكبير \" حتى استيقظ رسول الله - ﷺ - بصوته \" على صوت عمر ﵁ وعرف ما حدث لهم \" قال لا ضَيْر \" أي فطمأنهم النبي - ﷺ - وقال لهم: لا ضير ولا حرج، ولا إثم عليكم في تأخيركم لصلاة الصبح عن وقتها بسبب النوم الذي غلب عليكم، لأن النوم عذر شرعي \" ارتحلوا، فارتحلوا، فسار غير بعيد ثم نزل، فدعا بالوضوء \" أي فأمرهم النبي - ﷺ - فانتقلوا من ذلك المكان، ثم طلب ماء يتوضأ به \" فلما انفتل من صلاته \" أي فلما انتهي النبي - ﷺ - من صلاته نظر، وتفقد الصحابة، فلما تفقدهم \" إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم \" فلفت ذلك انتباه النبي - ﷺ - إليه، ودفعه إلى التساؤل عن حاله، وسبب اعتزاله لذلك \" قال \" للرجل \" ما منعك أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد \" أي إذا كنت لم تجد الماء، فإن هذا لا يمنعك من الصلاة، بل تيَمَّم بالصعيد الطاهر وصلِّ، \" فإنه يكفيك \" أي فإن التيمُّمَ بالصعيد الطاهر يكفيك عن الغسل بالماء عند عدم وجوده، لأنَّ الله قد شرع لعباده التيمم بدلًا عن الغسل عند عدم الماء أو عدم القدرة عليه. والصعيد","vol":"1","page":359},{"text":"إليْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فنَزَلَ فَدَعَا فُلَانًا، كَانَ يُسَمِّيهِ أبُو رَجَاءٍ، نَسِيَهُ عَوْفٌ، وَدَعَا عَلَيًَّا فَقَال: اذْهَبَا فابْتَغِيَا الْمَاءَ، فانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرأَة بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أو سَطِيحَتَيْن مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فقالا لَها: أيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بالْمَاءِ أمْسِ هَذ السَّاعةَ، ونَفَرُنَا خُلُوفٌ، قالا لَهَا: انطَلِقِي إذَنْ، قَالَت: إلى أين؟ قَالا: إلَى رَسُول اللهِ - ﷺ -، قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِىءُ؟ قالَا: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ، فانطَلِقِي، فجاءَا بِهَا إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وحَدَّثَاهُ الحدِيثَ، قَالَ: فاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، ودَعَا النَّبِيُّ - ﷺ -\nــ\nكل ما صعد على وجه الأرض من تراب أو حجارة أو حصى أو غيره \" فدعا فلانًا كان يسميه أبو رجاء نسيه عوف \" وهو عمران بن حصين راوي الحديث نفسه \" ودعا عليًا، فقال: اذهبا فابتغيا الماء \" أي ابحثا عنه \" فانطلقا \" أي فذهبا يبحثان عن الماء \" فتلقيا امرأة بين مزادتين \" أي فوجدا امرأة راكبة على بعير مدلية رجليها بين قربتين \" فقالا لها: أين الماء؟ فقالت - عهدي بالماء أمس هذه الساعة \" أي عهدي بمكان الماء أمس في مثل هذه الساعة \" ونفرنا خلوف \" أي ورجالنا مسافرون وغائبون، ولا يوجد في ديارنا إلَّا النساء \" فقالا لها انطلقي إذن \" أي اذهبي معنا \" قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله - ﷺ -، قالت: الذي يقال له الصابىء؟ \" أي أتعنون برسول الله ذلك الرجل الذي تصفه قريش بالصابىء أي الخارج على دينه، وكانوا يصفونه بذلك ذمًا له وطعنًا فيه، ونسبة له إلى الكفر والضلال بمفارقة دينه، وحاشاه - ﷺ - من ذلك، لأنه - ﷺ - إنما خرج عن دينهم الباطل إلى الدين الحق الذي بعثه الله به، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الحق \" فجاءا بها إلى رسول الله - ﷺ - وحدثاه الحديث قال: فاستنزلوها عن بعيرها \" أي فطلبوا منها أن تنزل عن بعيرها تنفيذًا لأمر النبي - ﷺ - \"ودعا","vol":"1","page":360},{"text":"بإنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيِه مِنْ أفْوَاهِ الْمزَادَنَيْنِ أو السَّطِيْحَتَيْنِ، وأوكأ أفْوَاهَهمَا، وأطْلَقَ العَزَالِي، ونودِيَ في النَّاسِ: اسْقوا واسْتَقُوا، فَسَقَا مَنْ شَاءَ، واستقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أنْ أعْطى الَّذِي أصَابَتْه الْجَنَابَة إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قالَ: اذْهَبْ فافرِغْهُ عَلَيْكَ، وَهِي قَائِمَةٌ تَنْظر إلى ما يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وأيم اللهِ لَقَدْ أقْلِعَ عَنْهَا، وإِنَّه لَيخَيَّل إِلَيْنَا أنهَا أشَدُّ مِلأة مِنْهَا حين ابْتَدَأ فيهَا، فَقالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: اجْمَعوا لَهَا، فجَمَعُوا لها مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيْقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا في ثَوْبٍ، وَحَمَلُوْهَا عَلى بَعِيرِهَا، وَوَضَعوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا، قَالَ لَها: تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ\nــ\nالنبي - ﷺ - بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين\" أي ففرغ الماء في ذلك الإِناء من أفواه المزادتين \" وأوكأ أفوههما \" أي ربط أفواه القربتين العليا \" وأطلق العزَالِي \" بفتح الزاي وكسر اللام، أي وفتح أفواه القربتين السفلى لكى يخرج الماء منها، \" ونودي في الناس اسقوا واستقوا \" أي اسقوا دوابكم واشربوا من هذا الماء الذي ساقه الله إليكم \" فسقا من شاء، واستقى من شاء \" أي فشربوا وسقوا دوابهم ومواشيهم \" وهي قائمة تنظر \" أي وهي واقفة تشاهد هذه الحوادث العجيبة بعينيها \" وايم الله \" وهو لفظ من ألفاظ القسم، أصله أيمن الله بضم الميم والنون، فحذفت النون تخفيفًا \" قد أقلع عنها \" بضم أوله وكسر ثالثه والبناء للمجهول، أي تُركتْ وكف الناس عنها \" وإنه ليخيل إلينا أنها أشد مِلْأةً \" بكسر الميم وسكون اللام أي امتلاءً \" منها حين ابتدأ فيها \" ومعنى ذلك أن الراوي يقسمٍ بالله تعالى على أن هاتين القربتين لم ينقصْ من مائهما بعد الشرب منهما شيئًا، بل إنه ليتراءى لأعينهم أن الماء قد زاد بعد شربهم منه عما كان عليه قبل أن يشربوا منه \"فجمعوا من بين عجوة","vol":"1","page":361},{"text":"شَيئًَا، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أسْقَانَا، فَأتتْ أهلَهَا، وَقَدْ احتبست عَنْهُمْ قَالُوا: مَا حبسَكِ يَا فُلَانَةُ؟ قَالَتِ: الْعَجَبُ، لَقِيَني رَجُلَانِ فَذَهَبَا بي إلى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَه الصَّابِىءُ، ففعل كَذَا وكَذَا، فواللهِ إِنَّهُ لأسْحَرُ النَّاس من بين هذِه وَهَذِه، وقَالَتْ بأصْبَعَيْهَا الْوُسْطى والسَّبَّابَةِ فَرفَعَتُهُمَا إِلى السَّمَاءِ تَعْنِي السَّمَاءَ والأرْضَ، أو إِنَّهُ لَرَسُولُ الله حِقًا، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ\nــ\nودقيقة وسويقة\" أي فجمعوا لها من أصناف الطعام، والأزواد الموجودة لديهم \" وحملوها على بعيرها \" أي وأركبوها على بعيرها \" قال: تعلمين ما رزئنا (١) من مائك شيئًا \" أي لقد علمت يقينًا، وشاهدت ببصرك، ورأيت رأي العين أننا لم ننقص من مائك شيئًا فنكون سببًا في إيذائك وإلحاق الضرر بك \" ولكن الله هو الذي سقانا \" أي ولكننا قد شربنا من الماء الذي ساقه الله إلينا وسقانا منه وقد أراد - ﷺ - من كلامه هذا أن يلفت نظر تلك المرأة إلى أنّهم حين شربوا من القربتين لم يضروها بشيء وإنما شربوا من الماء الذي سقاه الله لهم، حيث أن ماء القربتين زاد ولم ينقص، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي - ﷺ - نبهها إليها لتحدث قومها عنها، وهذا ما وقع منها عند رجوعها إليهم كما قال الراوي \" فأتت أهلها وقد احتبست عنهم \" أي تأخرت عنهم بعض الشيء \" فقالوا ما حبسك يا فلانة، قالت: العجب \" أي الذي أخرني عنكم أمرٌ عجيب، وقصة غريبة، ثم حكت لهم قصتها فقالت: \" لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابىء \" أي فذهبا بي إلى محمد بن عبد الله الذي تسميه قريش \" الصابىء \" أي الخارج عن دينه، وكانوا يصفونه بذلك طعنًا فيه وتشنيعًا عليه كما ذكرنا \" ففعل كذا وكذا \" أي فسقى الجيش كله من هاتين المزادتين دون أن ينقص من مائهما شيئًا، إلى غير ذلك\n_________\n(١) مَا رَزِئْنَا بفتح الراء وكسر الزاي.","vol":"1","page":362},{"text":"بَعْدَ ذَلِكَ، يُغِيرُونَ على مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ ولا يُصيبُونَ الصِّرْمَ الذِي هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: ما أرَى أنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمدًا، فهلْ لكُمْ في الإِسْلامِ؟ فأطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا في الإِسْلامِ.\nــ\nمن العجائب التي شاهَدَتْها، وحدثتهم عنها \" فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه (١)، أو إنه لرسول الله حقًا \" أي إنه لا يخلو من أمرين: إما أن يكون أسحر شخص موجود بين السماء والأرض، أو يكون نبيًا ورسولًا صادقًا في نبوته ورسالته، لأن هذه الخوارق إما أن تكون سحرًا، أو معجزةً \" فكان المسلمون بعد ذلك يغزون مَنْ حولها من المشركين، ولا يصيبون الصِّرم \" بكسر الصاد \" التي هي فيه \" أي ولا يغيرون على بيوت الشعر التي يسكنها قومها \" فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا \" أي الذي أراه وأعتقده أن المسلمين قد تركوا قتالكم متعمدين قاصدين ذلك حفظًا للجميل ووفاءً لصحبتي معهم، لا صدفة ولا خوفًا منكم \" فهل لكم في الإسلام \" أي فإني أرغبكم في الإِسلام، وأحثكم عليه وأنصح لكم به ما دامت هذه هي أخلاق المسلمين وشيمهم وهذه معجزات نبيهم - ﷺ - \" فأطاعوها فدخلوا في الإِسلام \" أي وشرح الله صدورهم لدين الإِسلام.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية التيمُّم بجميع أجزاء الأرض من تراب ورمل وحجارة وغيرها متى كانت طاهرة لأنّ هذا ما يعنيه الصعيد الطيب في لغة العرب وقد أمر النبي - ﷺ - بالتيمم بالصعيد في قوله: \" عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك \" وهو مصداق قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) وفيه حجة للجمهور على جواز التيمم بكل أجزاء الأرض لا\n_________\n(١) أي وأشارت بأصبعها الوسطى والسبابة إلى السماء والأرض مشيرة بالسبابة إلى السماء وبالوسطى إلى الأرض. والله أعلم.","vol":"1","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>١٦٥ - \" بَابٌ إِذَا خاف الْجُنُبُ علَى نفْسِهِ الْمَرضَ أو الْمَوْت، أو خاف الْعَطَشَ تيَمَّمَ </span>\"\n١٩٧ - قَالَ الْبُخَارِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:\n\nــ\nفرق بين تراب وغيره، خلافًا للشافعي فالصعيد يشملها جميعًا كما ترجح عند أهل اللغة حتى قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا عند أهل اللغة، ويؤكد ذلك قوله - ﷺ - في حديث جابر ﵁ \" وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا \" قال النووي: احتج به مالك وأبو حنيفة في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وعند مالك يجوز بالتراب والرمل والحشيش والشجر والثلج، والمطبوخ كالجص والآجر. وقال الثوري والأوزاعي: يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج، ونُقِل عن ابن علية جوازه بالمسك والزعفران.\nويجوز التيمم عند الحنفية بالتراب والرمل والحجر الأملس المغسول والجص والنورة، والزرنيخ، والكحل والكبريت والتوتياء والحائط المطيّن والمجصص والياقوت والزمرد، والفيروزج والمرجان والملح الجبلي، ولا يجوز بالزجاج ولا بالذهب والفضة .. إلخ، كما أفاده العيني. ثانيًا: معجزة النبي - ﷺ - الظاهرة التي تجلّت في تكاثر الماء، حتى شرب منه الجيش كله. ثالثًا: تقدير الصحبة وحفظ الجميل الذي يتضح لنا من فعل هؤلاء الصحابة الأوفياء حيث كانوا يغيرون على من حولها ولا يغيرون على قومها. الحديث: أخرجه الشيخان والدارقطني. والمطابقة: في قوله: \" عليك بالصعيد الطيب \".\n١٦٥ - \" باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم \"\nأي هذا باب يذكر فيه أن الجنب يجوز له أن يتيمم عند وجود الماء إذا","vol":"1","page":364},{"text":"ويُذْكَرُ أن عَمْرو بْنَ الْعَاصِ أجنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلَا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يُعَنِّف.\nــ\nخاف أن يحدث له من الماء ضرر في نفسه إما بحدوث مرض متلف، أو موت محقق أو عطش بأن لا يكون لديه إلاّ قليل من الماء، فإذا اغتسل به عطش ولم يجد غيره، فإنه يجوز له التيمم في هذه الحالات، ولو مع وجود الماء لفقده القدرة على استعماله.\n١٩٧ - معنى الحديث: أن البخاري ﵀ يروي هذا الحديث عن عمرو بن العاص معلقًا بدون سند (١) فيقول: \" ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة \" أي أصابته الجنابة في غزوة ذات السلاسل بسبب الاحتلام وكان ذلك في ليلة باردة شديدة البرد، فخاف على نفسه إن هو اغتسل بالماء البارد في هذا البرد القارس أن يصيبه المرض لا محالة، أو يهلك برودة الماء \" فتيمم \" بدل أن يغتسل خوفًا على نفسه من المرض أو الموت، وصلّى بالصحابة صلاة الصبح \" وتلا (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) أي وقرأ قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ولذلك فإنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، واستدل عمرو بهذه الآية على أنه يجوز له في هذه الحالة التيمم بدلًا عن الغسل وقاية لنفسه من الهلاك، لأن الله تعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) \" فذكر ذلك للنبي - ﷺ - \" أي فذكر عمرو ذلك للنبي - ﷺ - وأخبره بما حدث له، ورُوي بضم الذال، أي فذكر ذلك الصحابة للنبي\n_________\n(١) وقد رواه موصولًا أبو داود في سننه، كما أخرجه الحاكم وابن حبان والبيهقي، وحسنه المنذري كما في المنهل العذب ج ٣.","vol":"1","page":365},{"text":"- ﷺ - عند رجوعهم، وأخبروه بما وقع من عمرو بن العاص \" فلم يُعنف \" أي فلم يَلُمْهُ بعد أن سأله وعرف حقيقة أمره ووجهة نظره وصحة فعله، كما جاء في رواية أخرى أنه قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلتُ أن أهلك، فتيمَّمْتُ ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ \"، فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا \" أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أنه يجوز للجنب التيمم مع وجود الماء عند الخوف من حدوث المرض أو زيادته (١) لأن عمرًا تيمم بدلًا عن الغسل بسبب شدة البرد، خوفًا على نفسه من الهلاك، وأقره النبي - ﷺ - على فعله هذا، ولم يعنفه. ثانيًا: جواز الاجتهاد في زمنه - ﷺ -. الحديث: أخرجه موصولًا أبو داود وابن حبان والحاكم والبيهقي. والمطابقة: في قوله: \" فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فلم يعنفه \".\n...\n_________\n(١) أو خشي على نفسه الخطر والهلاك والموت كما ترجم له البخاري.","vol":"1","page":366},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-187> كتاب الصلاة </span>\"\nوهي من البدهيات المعروفة عند عموم المسلمين، فلا حاجة إلى تعريفها.\nومن مزاياها أنها عماد الدين، وَملاك الفضائل كلها، لما تؤدي إليه من تهذيب النفس، ووقايتها من الخطايا كما قال ﷿ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) بالإضافة إلى أن للصلاة أثرها الواضح في مقاومة الشدائد، وتفريج الكروب، والتغلب على الأزمات النفسية، وقد كان - ﷺ - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وما من حركة من حركات الصلاة إلاّ وفيها تدريب للنفس على فضيلة من الفضائل. كما قال بعض أهل العلم. وفي بعض الآثار أن الله تعالى يقول: \" إنما أقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وقطع نهاره بذكري، وكف نفسه عن الشهوات من أجلي، يطعم الجائع، ويؤوي الغريب، ويرحم المصاب فذلك الذي يضىء نوره في السموات كالشمس، إن دعاني لبيته، وإن سألني أعطيته. وفرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بعام، كما جزم به النووي من بين عشرة أقوال.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>١٦٦ - \" بَابٌ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلَوَات في الإِسْرَاءِ </span>\"\n١٩٨ - عنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ قَالَ: كَانَ أبو ذَرٍ ﵁ يُحَدِّث أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتي وَأنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ \" فَفَرجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ\nــ\n١٦٦ - \" باب كيف فرضت الصلوات في الإِسراء \"\n١٩٨ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" كان أبو ذر ﵁ يحدث أنّ النبي - ﷺ - قال: فرج \" بضم الفاء وكسر الراء \" عن سقف بيتي \" أي بينما كان النبي - ﷺ - تلك الليلة في بيت أم هانىء بمكة لم يشعر إلاّ وقد فُتح السقف، ونزل منه الملك - وهو جبريل ﵇، ودخل عليه، وكان ذلك إشارة واضحة إلى قدومه من الملأ الأعلى.\nأما ما جاء في رواية مالك بن صعصعة ﵁ أن نبي الله حدثهم ليلة أسري به قال: \" بينا أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعًا إذ أتاني آت، فشق ما بين هذه وهذه \" وكيف الجمع بينهما؟ فقد قال العيني: أما على كون العروج مرتين فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة فلعله - ﷺ - بعد غسل صدره دخل بيت أم هانىء، ومنه عُرِجَ به إلى السماء. \" قلت \" وهذا الاحتمال الأخير يتعارض مع حديث الباب في السياق، والاحتمال الأقرب أن النبي - ﷺ - جاءه جبريل في بيت أم هانىء، فخرج به إلى الحجر أو الحطيم، فشق صدره هناك الخ ما جاء في الحديث حيث قال النبي - ﷺ - \" فنزل جبريل ففرج صدري \" بفتح الفاء الأولى والثانية، وفتح الراء، أي فشق جبريل صدر النبي - ﷺ - من ثغرة نحره إلى شِعْرته بكسر الشين \" \"فاستخرج","vol":"1","page":368},{"text":"ذَهَبٍ مُمْتَلىءٍ حِكْمَةً وإيمَانًا، فأفْرَغَهُ في صَدْرِي، ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي، فَعرَجَ بِي إلى السَّمَاءِ الدُّنيا، فَلَمَّا جِئْتُ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِى مُحَمَّدٌ - ﷺ -، فقَالَ: أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَم، فلمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنيا، فإِذَا رَجُلٌ قَاعِد عَلَى يَمِنيهِ أسْوِدَة،\nــ\nقلبي\" (١) أي فأخرج الملك قلبه الشريف - ﷺ - حقيقة لا مجازًا، ولا حاجة إلى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق المصدوق، ولا عجب في ذلك، فإن المعراج معجزة من معجزاته - ﷺ - والمعجزات كلها أمور خارقة للعادة، خارجة عن نظام العالم، والسنن الكونية، وما هي إلاّ تحديات لقدرة البشر بقدرة الله تعالى. \" ثم غسله بماء زمزم \" أي ثم غسل الملك قلبه - ﷺ - بماء زمزم تطهيرًا وتقوية له بهذا الماء المبارك، لما فيه من غذاء روحي ومادي معًا \" ثم جاء بطست من ذهب \" وكان هذا الطست من الأواني الذهبية الموجودة في الجنة فأتى به من هناك تكريمًا للنبي - ﷺ - وإعلاءً لشأنه، وحفاوة به \" ممتلىء حكمة \" بالنصب، على أنه تمييز ملحوظ، أي جاءه بطست ذهبي من الجنة، ممتلىء بالعلم الرباني النافع، المؤدي إلى التوفيق والصواب في القول والعمل \" فأفرغه في صدره، ثم ختمه \" أي ثم ختم صدره الشريف بعد غسله وتطهيره وإفراغ ذلك الطست فيه، وضمه على العلم الرباني والنور الإِلهي الذي أودعه فيه، لئلا يجد الشيطان إليه سبيلًا. قال - ﷺ - \" فعرج بي إلى السماء الدنيا \" أي فأسرى بي أولًا على البراق من مكة إلى بيت المقدس، ثم صعد بي الملكُ من بيت المقدس على المعراج إلى السماء الدنيا، والبراق\n_________\n(١) والسين هنا إمّا أن تكون للطلب، والمعنى أن الملك حاول إخراج القلب من الصدر، وعمل ذلك حتى أخرجة، أو لتأكيد الفعل والله أعلم.","vol":"1","page":369},{"text":"وعَلَى يسَارِهِ أسْوِدَة، إِذَا نَظرَ قِبَلَ يَمِينهِ ضَحِكَ، وِإذَا نَظرَ قِبَل يَسارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بالنبي الصَّالِحِ والْابنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيْلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأسْوِدَةُ عَنْ يَمِينهِ وشَمَالِهِ نَسَمُ بَنِيْهِ فَأهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أهْلُ الْجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ التي عَنْ شِمَالِهِ أهْلُ النِّارِ، فَإِذَا نَظرَ عَنْ يَمِينهِ ضَحِكَ، وِإذَا نَظر قِبَلَ شِمَالِهِ بكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَة، فَقَالَ لخَازِنِهَا: افْتَحْ! فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأوَّلُ، فَفَتَحَ، قَالَ أنَسٌ: فذكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ في السَّمَواتِ آدَمَ وِإدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وِإبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلَهُمْ، غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ وَجَدَ آدَمَ في السَّمَاءِ الدُّنيا، وإبْراهِيمَ في السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أنسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْريل بالنَّبيِّ - ﷺ - بإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبِيِّ الصَّالِح\nــ\nدابة من دواب الجنة (١) دون البغل وفوق الحمار. أما المعراجِ فهو كما قال ابن سيده: شبه سلم تعرج عليه الأرواح وقد اختاره الله مصعدًا لنبيه إلى السماء \" فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة \" أي أشخاص \" قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه \" بفتح النون والسين أي أرواحهم، حيث تشكلت على صورة أجسامهم (٢) \" حتى عرج بي إلى السماء الثانية \" أي وبعد الأولى صَعِد بي الملك إلى الثانية، وانتقلت من سماء إلى سماء، والتقيت بالأنبياء، \" ولم يثبت منازلهم \" أي لم يعين - ﷺ - السماء التي فيها كل نبي منهم إلا السماء الدنيا والسادسة، وفي مسلم فذكر آدم في السماء الأولى، ويحيى وعيسى في الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون\n_________\n(١) وورد في وصفه أنه يضم حافره عند منتهي طرفه.\n(٢) وذلك لأن الله شكل أرواحهم على صورة أجسامهم كما أفاده العيني. اهـ. ومعنى قوله - ﷺ - \" وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه \" أي هؤلاء الأشخاص هي أرواح بني آدم.","vol":"1","page":370},{"text":"وَالأخِ الصَّالِحِ، فقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحُ وَالأخُ الصَّالِحُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِح وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بالنَّبِيِّ الصَّالِحِ والابنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْراهِيم - ﷺ -. قَالَ ابْن شِهابِ: فأخبَرَنِي ابْنُ حَزْم أنَّ ابْن عَبَّاسٍ وَأبَا حَبَّةَ الأنْصَارِي كَانَا يَقُولانَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ - ثُمَّ عُرِجَ بي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَىً أسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلَام، قَالَ ابْنُ حَزْم وَأَنَسٌ: قَال النَّبيُّ - ﷺ -: فَفَرَضَ اللهُ ﷿ عَلَى أُمَّتِيَ خَمْسِينَ صَلَاةٍ، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ عَلَى أمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَإِنَّ أمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ (١) فوَضَعَ شَطرهَا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى، قُلْتُ: وَضع شَطرهَا، فَقَالَ: راجِع رَبَّكَ فَإِنَّ أمَّتَكَ لَا تُطيقُ، فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ\n_________\nفي الخامسة، وموسى في السادسة، وابراهيم في السابعة \" قال النبي - ﷺ -: فعرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام \" أي حتى علوت لمستوى أسمع، فيه حركة أقلام الملائكة وهي تكتب الوحي والأقدار \" فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله على أمتك؟ قلت: فرض خمسمين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك .. \" أي لا تقدر على أداء خمسين صلاة في كل يوم وليلة، \"فراجعت، فوضع\n_________\n(١) هذه رواية، وفي رواية أخرى فراجعني، والمعنى واحد كما أفاده العيني.","vol":"1","page":371},{"text":"شَطرهَا، فَرَجَعْتُ إليْهِ فَقَالَ: ارجِعْ إلى رَبِّكَ فإنَّ أمَتّك لا تُطيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وهيَ خَمْسُونَ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى فقَالَ: رَاجِع رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بي حَتَّى انتهَى بِي إلى سِدْرَةِ الْمُنْتَهي وغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدرِي ما هِيَ، ثُمَّ أدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا فيها حبَائلُ اللؤلُؤِ وِإذَا تُرابُهَا المِسْكُ\".\nــ\nشطرها\" أي نقَّصَ جزءًا منها، وما زال - ﷺ - يراجع ربه، والرب ﷿ يُنقِصُ من عدد الصلوات حتى صارت خمسًا، \" فقال: هي خمسٌ \" أي خمس في عددها \" وخمسون \" في مضاعفة ثوابها \" لا ييدل القول لديَّ \" أي هذا هو قضاء الله تعالى ووعده الذي لا يقبل التخلف \" ثم أدخلتُ الجنة، فإذا في حبائل اللؤلؤ \" أي أسلاك اللؤلؤ المنظوم. الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الصلوات الخمس فرضت في السموات ليلة المعراج، كما ترجم له البخاري، وأجمع عليه أهل العلم، إلاّ أنهم اختلفوا في تاريخه، فقيل قبل الهجرة بعام ورجحه النووي، وقال: الزهري وابن اسحاق قبل الهجرة بخمسة أعوام ورجحه القاري. حتى وصلت إلى عشرة أقوال. ثانيًا: إثبات الإِسراء والمعراج، والراجح الذي عليه الجمهور أنه كان يقظة لا منامًا، وبالروح والجسد معًا لقوله - ﷺ - \"فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم\" فإن هذا لا يكاد يسمعه أحد إلاّ تبادر إلى ذهنه أن الإِسراء والمعراج بالروح والجسد. والمطابقة: في قوله: \" ففرض على أمتي خمسين صلاة \".\n***","vol":"1","page":372},{"text":"عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nفرض اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في الْحَضَرِ والسَّفَرِ، فأُقرَّت صلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ.\nــ\n١٩٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" فرض الله تعالى الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر \" أي أوجب الله تعالى جميع الصلوات المكتوبة في أول الأمر ركعتين ركعتين في الحضر والسفر معًا عدا المغرب فإنها ثلاث ركعات، ثم غيّر بعض الصلوات في الحضر \" فأقرت صلاة السفر \" أي فأبقى الله تعالى الصلاة في السفر ركعتين كما فرضها أول مرة، \" وزيد في صلاة الحضر \" في الظهر والعصر والعشاء فصارت أربعًا في الحضر، بعد أن كانت ركعتين، وأصبحت رباعية بعد أن كانت ثنائية. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: ظاهرة حيث بَيّنَ في الحديث كيف فرضت الصلاة ركعتين وهو ما ترجم له البخاري.\nويستفاد منه: أن الصلاة فرضت في أول الأمر ركعتين، وقد استدل به أبو حنيفة على أن قصر الرباعية في السفر واجب، لأن صلاة المسافر فرضت من أول الأمر ركعتين.\n***","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>١٦٧ - \" بَابُ الصَّلَاةِ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مُلْتَحِفًا </span>\"\n٢٠٠ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَة ﵄:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى في ثَوْب وَاحِدٍ قَدْ خَالفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ.\n٢٠١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ ﵁ قَالَ:\nرَأيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي في ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.\nــ\n١٦٧ - \" باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به \"\n٢٠٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - صلى الصلاة في ثوب واحد فقط هو إزاره ورداؤه \" قد خالف بين طرفيه \" أي وضع طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه: جواز صلاة الرجل في ثوب واحد ساترٍ لعورته، فإن كان واسعًا التحف به ووضع طرفيه على عاتقيه، وإن كان ضيقًا اتزر به، وهو مذهب الجمهور. والمطابقة: في قوله: \" صلى في ثوب واحد \".\n٢٠١ - معنى الحديث: يقول عمر بن أبي سلمة ﵄، \" رأيت رسول الله - ﷺ - يصلى في ثوب واحدٍ مشتملًا به في بيت أمِّ سلمة \" (١) أي رأيت النبي - ﷺ - بعيني يصلي في بيت أمّ سلمة ﵂ في ثوب واحدٍ فقط هو إزاره ورداؤه حال كونه ملتحفًا به ساترًا به جسمه \" واضعًا طرفيه على عاتقيه \" أي واضعًا طرف ثوبه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة:\n_________\n(١) قال العيني وقوله: \" في بيت أم سلمة \" إما ظرف لقوله: يصلي أو للاشتمال، أولهما.","vol":"1","page":374},{"text":"٢٠٢ - عَنْ أبَي هُرَيرَةَ ﵁:\nأنَّ سائِلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" أوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ \".\nــ\nفي قوله: مشتملًا به، لأنّ معنى مشتملًا به، أي ملتحفًا به، وهو ما ترجم له البخاري.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة في الثوب الواحد دون كراهة، وهو مذهب الجمهور، وذهب طاووس وإبراهيم النخعي وأحمد في رواية - كما أفاده العيني إلى أن الصلاة في ثوب واحد مكروهة إذا كان قادرًا على ثوبين، واحتجوا بحديث ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإنّ الله أحق من تزين له \" أخرجه البيهقي. ثانيًا: أنه إذا صلى في ثوب واحدٍ، فإنْ كان واسعًا اشتمل به، وإن كان ضيقًا اتزر به وهو مذهب الجمهور، خلافًا لطاووس والنخعي (١) وابن وهب، ومحمد بن جرير حيث قالوا: السنة أن يأتزر به ولو كان واسعًا.\n٢٠٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ في حديثه هذا \" أن سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد \" أي سأله عن حكم الصلاة في الثوب الواحد هل هي جائزة وصحيحة أم لا؟ \" قال: أو لكلكمْ ثوبان؟! \" وهو استفهام إنكاري يتضمن الجواب والفتوى، ومعناه أنه إذا لم يكن لكل شخص ثوبان، والصلاة واجبة، فإنها تصح في الثوب الواحد ما دام ساترًا للعورة لأنّ هذا الدين يسر، ولا يكلف الله نفسًا إلّا وسعها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة في الثوب الواحد بشرط\n_________\n(١) شرح العيني ج ٣.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>١٦٨ - \" بَاب إذَا صَلَّى في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلى عَاتِقَيْهِ </span>\"\n٢٠٣ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَا يُصَلِّي أحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شيءٌ \".\nــ\nأن يكون ساترًا للعورة وأن يكون غير قادر على ثوبين لقوله - ﷺ -: \" أو لكلكم ثوبان \". ثانيًا: يسر هذا الدين وسماحته ومراعاته لظروف الناس وأحوالهم، حيث إنه لما كان بعض الناس لا يجدون ثوبين أجاز لهم الصلاة في ثوب واحد. ثالثًا: في الحديث دليل لمن يقول: إن الصلاة في الثوب الواحد مكروهة لمن يقدر على ثوبين، لأن مفهوم قوله - ﷺ -: \" أو لكلكم ثوبان \" ان من وجد ثوبين لا يصلي في ثوب واحد، وهو مذهب طاووس والنخعي وغيرهم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وأحمد والدارمي والبيهقي والطحاوي. والمطابقة: في قوله: \" أو لكلكم ثوبان \".\n١٦٨ - \" باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه \"\n٢٠٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس كل عاتقيه شيء \" ومعناه أن النبي - ﷺ - نهي عن الصلاة في الثوب الواحد الذي لا يستر العاتقين، لأنهما وإن لم يكونا عورة، إلّا أن سترهما أمكن من ستر العورة، لأنه إذا ائتزر بالثوب ليس على عاتقه شيء، لم يأمن أن تنكشف عورته كما أفاده الحافظ. الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا. والمطابقة: ظاهرة لأنه - ﷺ - نهي عن الصلاة في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء.","vol":"1","page":376},{"text":"٢٠٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nأشْهد - أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ صَلَّى في ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ \".\nــ\n٢٠٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \"من صلى في ثوب واحد \" أي وليس عليه إلاّ ثوب واحد وهو \" الإِزار \" \" فليخالف بين طرفيه \" بأن يجعل طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن.\nالحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فليخالف بين طرفيه \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: مشروعية ستر العاتقين في الصلاة، لأن النبي - ﷺ - أمر بسترهما في الحديث الثاني حيث قال: \" فليخالف بين طرفيه \" ونهي عن كشفهما في الحديث الأول فقال: \" لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه شيء \" واختلفوا في ذلك. فذهب الجمهور إلى أنه يستحبُّ ستر العاتقين، ويكره كشفهما لمن يقدر على سترهما، وحملوا الأمر على الندب، والنهي على الكراهة (١). وذهب أحمد إلى وجوب سترهما، وتحريم كشفهما للقادر على ذلك، ومن صلى مكشوف العاتقين مع قدرته على سترهما لا تصح صلاته، لأن سترهما مع القدرة شرط في صحة الصلاة.\nقال ابن قدامة (٢): يجب أن يضع المصلي على عاتقه شيئًا من اللباس إن كان قادرًا على ذلك، وهو قول ابن المنذر. وقال أكثر الفقهاء لا يجب ذلك، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي لأنهما ليسا بعورة، فأشبها بقية\n_________\n(١) قال النووي: قال مالك وأبو حنيفة، والشافعي والجمهور: هذا النهي للتنزيه، فلو صلى في ثوب واحد ساتر عورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة، وأما أحمد وبعض السلف فذهبوا إلى أنه لا تصح عملًا بظاهر الحديث.\n(٢) المغني ج ١.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>١٦٩ - \" بَابٌ إِذَا كَانَ الثَوْبُ ضَيِّقًَا </span>\"\n٢٠٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في بَعْضِ أسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فاشْتَمَلْتُ بِهِ، وصَلَّيْتُ إلى جَانِبِهِ، فلمَّا انْصَرفَ قَالَ: \" مَا السُّرَى يَا جَابِرُ، فَأخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فلمَّا فَرَغْتُ قَالَ: مَا هَذَا الاشْتَمَالُ الذِي رَأيتُ؟ قَلتُ: كَانَ ثَوْبٌ (١)، قَالَ: فَإِنْ كَان وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وِإنْ كَانَ ضَيِّقًَا فاتَّزِرْ بِهِ \".\nــ\nالبدن، قال: ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا يصّلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء \" رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة وغيرهم \" قال ابن قدامة \": وهذا نهي يقتضي التحريم، ويقدم على القياس، ويشترط ذلك لصحة الصلاة في ظاهر المذهب، قال القاضي: وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه ليس بشرط. اهـ. والله أعلم.\nثانيًا: أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة مع ستر العاتق، وهو مذهب الجمهور، والله أعلم.\n١٦٩ - \" باب إذا كان الثوب ضيقًا \"\n٢٠٥ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁ \" خرجت مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره \"، وذلك في غزوة بواط بالقرب من المدينة \" فجئت ليلة لبعض أمري، فوجدته يصلي \" أي فوجدت النبي - ﷺ - قائمًا يصلي \" وعليَّ ثوب واحد \" أي وكنت لابسًا ثوبًا واحدًا، وهو الإِزار \" فاشتملت به \" أي التحفت به ووضعْت طرفيه على عاتقي \"فصليت إلى\n_________\n(١) يجوز فيه الرفع على أنه فاعل لكان التامة، والنصب على أنه خبر كان الناقصة.","vol":"1","page":378},{"text":"٢٠٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سعْدٍ ﵄ قَالَ:\nكَانَ رِجَال يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَاقِدِي أزرِهِمْ على أعناقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصبيَانِ وَيُقَالُ للنِّسَاءِ: لا تَرْفَعْنَ رُؤوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًَا.\nــ\nجانبه، فلما انصرف قال: ما السُرّى\" أي ما هو السبب الذي دعاك إلى السير في هذه الساعة المتأخرة من الليل \" فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت، قال: ما هذا الاشتمال \" استفهام إنكاري معناه أنه - ﷺ - أنكر عليه التحافه بالثوب، لأنه ضَيَق وقال له: \" فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به \" لأنه إذا التحف بالثوب الضيق يخشى أن تنكشف عورته.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضًا. والمطابقة: في قوله: \" وإن كان ضيقًا فاتزر به \".\n٢٠٦ - ترجمة الراوي: وهو سهل بن سعد الساعدي الخزرجي الأنصاري، صحابي ابن صحابي، له ﵁ ولأبيه صحبة، وهو من المعمرين المشهورين عاش حتى أدرك الحجاج، وامتحن معه، وتوفي سنة ثمان وثمانين من الهجرة، وقد بلغ مائة سنة، وكان آخر من مات بالمدينة من الصحابة، قال أبو حازم: سمعت سهل بن سعد يقول: لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - أي لم تسمعوا محدثًا يرفع الحديث إلى النبي - ﷺ - فيقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كذا، أو قال: رسول الله - ﷺ - كذا، أو رأيت النبي - ﷺ - يفعل كذا من أهل المدينة.\nمعنى الحديث: يقول سهل ﵁: \" كان رجال يصلون مع النبي - ﷺ - عاقدي أزُرِهم \" أي كان بعض أصحاب النبي - ﷺ - قد بلغوا من الفقر والفاقة مبلغًا عظيمًا حتى إنهم لا يملكون غير ثوب واحد يأتزرون به، ويرتدونه في الصلاة، فيربطونه حول أعناقهم ليكون رداءً وإزارًا لهم وثوبًا","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>١٧٠ - \" بَابُ الصَّلَاَةِ في الجُبَّةِ الشامِيَّةِ </span>\"\n٢٠٧ - عنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ:\nكُنْتُ مَعَ النبِيِّ - ﷺ - في سَفَرٍ، فقالَ: يَا مغُيرَةُ! خُذِ الإدَاوَةَ،\nــ\nشاملا يستر جسمهم. \" كهيئة الصبيان \" أي كما كان يفعل الصبيان الصغار في ذلك الزمن \" ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حى يستوي الرجال جلوسًا \" أي ويؤمر النساء أن لا يرفعْن رؤوسهن من السجود حتى ينهض الرجال من السجود، ويعتدلوا في جلوسهم، لئلا يرين عورات الرجال إذا رفعن رؤسهن من السجود قبلهم، كما جاء مصرحًا به في رواية أحمد حيث قال: \" كراهية أن يرين عورات الرجال \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" عاقدي أزرهم \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة في الثوب الواحد، فإنْ كان واسعًا اشتمل به، أي لفَّ جسمه به، وخالف بين طرفيه، فوضع طرفه الأيمن على عاتقه الأيسر، وطرفه الأيسر على عاتقه الأيمن، ثم عقد طرفي الثوب على صدره. وإن كان ضيقًا اتزر به، ولا يلتحف به، لئلا تظهر عورته عند الركوع أو السجود كما قال - ﷺ - \" وإن كان ضيقًا اتزر به \".\nثانيًا: ما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - من الفقر والفاقة، وخشونة العِيش حتى أنهم لا يجدون إلاّ ثوبًا واحدًا لا يكاد يستر عوراتهم.\n١٧٠ - \" باب الصلاة في الجبة الشامية \"\n٢٠٧ - معنى الحديث: يقول المغيرة ﵁ \" كنت مع النبي - ﷺ - في سفر \" أي كنت مسافرًا مع النبي - ﷺ - في غزوة من غزواته، وهي غزوة تبوك، وكانت في السنة التاسعة من الهجرة \" قال: يا مغيرة خذ الإداوة \" بكسر الهمزة، وفتح الدال، وهي وعاء صغير يوضع فيه الماء للوضوء","vol":"1","page":380},{"text":"فأخَذْتهَا، فانْطَلَقَ رَسول اللهِ - ﷺ - حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَه، وَعَلَيْهِ جبَّة شَامِيَّة، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَة مِنْ كُمِّهَا فضَاقَتْ، فأخْرَجَ يَدَة مِنْ أسْفَلِهَا فَصَبَبْت عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأ وضوءَة لِلصَّلَاةِ، وَمَسَحَ عَلَى خفَّيْهِ (١) ثمَّ صَلَّى.\nــ\nونحوه \" فانطلق رسول الله - ﷺ - حتى توارى عنِّي \" أي فسار رسول الله - ﷺ - سيرًا طويلًا وقطع مسافة كبيرة، حتى ابتعد عني واختفى عن عيني، فأصبحتُ لا أراه، \" فقضى حاجته \" هناك بعيدًا عني، \" وعليه جبة شامية \" أي وكانت عليه جبة منسوجة في بلاد الشام، وهي من تلك الثياب التي يلبسها النصارى، لأنّ بلاد الشام حينذاك كانت تحت حكم الروم، وأهلها من النصارى \" فذهب ليخرج يده من كمِّها فضاقت \" أي فحاول النبي - ﷺ - أن يخرج يده من كُمِّها فلم يستطع ذلك لشدة ضيقه \" فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة \" أي فتوضأ وضوءه الشرعي الذي يفعله للصلاة.\nالحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة في ملابس الكفار سواء كانت جبة أو ثوبًا أو عباءة أو سروالًا أو سواه ما لم يتحقق من نجاستها، لأنّ النبي - ﷺ - صلّى في الجبة الشامية التي كانت في ذلك العصر من لباس النصارى، فدل ذلك على جواز الصلاة في ملابسهم، والمسألة خلافية بين الفقهاء، فروي عن مالك أنه لا يصلى في ثيابهم، وأنه إن صلى فيها أعاد في الوقت، وروي عن أبي حنيفة كراهية الصلاة فيها ما لم تغسل وأجاز غيرهم الصلاة فيها كما أفاده الحافظ. ثانيًا: مشروعية التستر عند قضاء الحاجة، والابتعاد عن الناس، وفي الحديث عن المغيرة بن شعبة ﵁: \"أن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) أي اكتفى بمسح خفيه عن غسل رجليه.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>١٧١ - \" بَابُ كَراهِيَةِ التَّعَرِّي في الصَّلَاةِ وَغَيرها </span>\"\n٢٠٨ - عنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ يُحَدِّثُ:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ للكَعْبَةِ وعَلَيْهِ إِزَارَهُ فقالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يا ابْنَ أخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ على مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ (١)، قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فسَقَطَ مَغْشِيًا عَلَيْهِ، فمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ.\nــ\nكان إذا ذهب المذهب أبعد\" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي والترمذي، وقال: حسن صحيح (٢) ومعناه أنه - ﷺ - إذا ذهب لقضاء حاجته سار إلى مكان بعيد عن الناس، لئلا يروه فيستحب الابتعاد عن الناس عند قضاء الحاجة لئلا يروه ولا يسمعوا له صوتًا، ولا يجدوا رائحة. والمطابقة: في قوله: \" وعليه جبة شامية \".\n١٧١ - \" باب كراهية التعرّي في الصلاة وغيرها \"\n٢٠٨ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة \" أي يحمل الحجارة مع أعمامه أثناء بناء الكعبة عندما عمرتها قريش قبل الإِسلام وعمره إذ ذاك خمس وثلاثون عامًا كما نص عليه ابن اسحاق \" فقال له العباس عمه \" خوفًا عليه من الحجارة أن تؤذي منكبيه: \" لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك \" أي ليتك تفك الإِزار من وسطك، وتضعه على منكبيك وتعقد طرفيه على صدرك ملتحفًا به ليحول بين الحجارة وبين منكبيك \"قال فحله فجعله على منكبيه فسقط\n_________\n(١) أي حتى يكون حائلًا بين جسمك وبين الحجارة.\n(٢) \" عون المعبود: شرح أبي داود \" ج ١.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>١٧٢ - \" بَابُ مَا يَسْتُر مِنَ الْعَوْرَةِ </span>\"\n٢٠٩ - عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\nأَنَّهُ قَالَ: \" نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنِ اشْتِمَالِ الصَّمَاءِ وأن يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ علَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيءٌ \".\nــ\nمغشيًا عليه\" أي فسقط الإِزار، وظهر شيء من عورته - ﷺ - دون قصد منه، فاشتد عليه الأمر حتى أغمي عليه من شدة خجله وحيائه وخر مغشيًا عليه، وعند ذلك نزل الملك فشدّه عليه كما في رواية أخرى في غير الصحيحين.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب ستر العورة، وتحريم التعرّي مطلقًا في الصلاة أو في غير الصلاة، كما ترجم له البخاري، وذلك لأن ستر العورة كما في \" فيض الباري \": \" أول فرائض الإيمان، وهو شرط لصحة الصلاة، وفرض عين في خارجها \". ثانيًا: عصمته - ﷺ - عن القبائح قبل البعثة وبعدها، وأنه كان محميًا عن مساوىء الجاهلية قبلِ النبوة. والمطابقة: في قوله: فسقط مغشيًا عليه فما رؤي بعد ذلك عريانًا.\n١٧٢ - \" باب ما يستر العورة \"\n٢٠٩ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد ﵁: \" نهي رسول الله - ﷺ - عن اشتمال الصماء \" وهو كما يقول أهل اللغة أن يلف بالثوب جسده كله ويسد المنافذ جميعها فلا يبقى ما يخرج منه يده حتى يصير كالصخرة الصماء، أما الفقهاء فيقولون اشتمال الصماء هو أن يلتحف المرء بالثوب الضيق ثم يضع طرفيه على منكبيه فتنكشف عورته أثناء الصلاة، وهذا الفعل هو المنهي عنه في الحديث. أي أن النبي - ﷺ - نهي عن الالتحاف بالثوب الضيق","vol":"1","page":383},{"text":"٢١٠ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" نَهَى النَّبيُّ - ﷺ - عَن بَيْعَتَيْنِ عَنِ اللِّمَاس والنِّبَاذِ، وأنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأن يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ \".\n٢١١ - عَن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:\nبَعَثَنِي أبو بَكْرٍ ﵁ في تِلْكَ الْحَجَّةِ في مُؤَذِّنين يَوْمَ النَّحْرِ\nــ\nفي الصلاة، لما يؤدي إليه من انكشاف العورة أثناءها سيما في الركوع \" وأن يَحْتَبي الرجل في ثوب واحد ليس على فَرجِهِ منه شيء \" وكذلك نهي النبي - ﷺ - على أن يجلس الرجل على إليتيه وينصب ساقيه ملتحفًا بثوب واحد ضيق فتظهر عورته، أما إذا كان الثوب واسعًا فلا مانع من ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" نهي عن اشتمال الصماء \" حيث إنه إنما نهى عن ذلك لئلا تنكشف العورة، فدل ذلك على وجوب ما يسترها من الثياب.\n٢١٠ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: \" نهي النبي - ﷺ - عن بيعتين عن اللماس \" بكسر اللام، وهو بيع الثوب بمجرد لمسه دون النظر إليه، \" والنباذ \" أو المنابذة وهو بأن يقول: بعتك من هذه الثياب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، أمّا اشتمال الصماء والاحتباء، فقد تقدم شرحهما في الحديث السابق. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كونه - ﷺ - إنما نهي عن اشتمال الصماء والحبوة لما فيهما من كشف العورة.\n٢١١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة \" التي كانت في السنة التاسعة من الهجرة، والتي أناب النبي - ﷺ - فيها أبا بكر ليحج بالناس وعينه أميرًا عليهم \" في مؤذنين \"","vol":"1","page":384},{"text":"نُؤَذِّنُ بِمِنىً: ألا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْركٌ، ولا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَان، ثمَّ أرْدَفَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - عَليًا ﵁، فأمرَهُ أنْ يؤَذِّنَ بِـ (بَرَاءَةٌ)، قال أبو هُرَيرَةَ: فأذَّن مَعَنَا في أهْلِ مِنىً يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.\nــ\nأي أرسلني في مجموعة من الرجال نُنادي في الناس، ونعلن لهم الأحكام الجديدة التي شرعها الله لهم وهي \" ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان، ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًا \"، أي ثم أرسل النبي - ﷺ - عليًا وألحقه بنا \" فأمره أن يؤذن في الناس ببراءة \" أي فأمره أن ينادي في الناس بالآيات المذكورة في أول سورة التوبة والتي تبدأ بقوله تعالى: (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وتتضمن إلغاء المعاهدات المطلقة مع الكفار، وعدم تجديد المعاهدات المؤقتة، وأن لا يحج بعد العام مشرك إلى غير ذلك من الأحكام \" فأذن معنا عليّ في أهل مني يوم النحر ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان \" كما كانت قريش تفرض على غيرها من القبائل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nوالمطابقة: في قوله: \" ولا يطوف بالبيت عُرْيان \".\nويستفاد من أحاديث الباب ما يأتي: أولًا: أن ستر العورة فرض مطلقًا وشرط لصحة الصلاة والطواف، لأن النبي - ﷺ - نهي عن اشتمال الصماء لما فيه من كشف العورة، وكذلك نهي عن الحبوة للسبب نفسه، والنهي عن الشيء أمرٌ بضده، ولأنه نهى عن التعري في الطواف، وهذا يدل على أن ستر العورة شرط لصحة الطواف. ثانيًا: تحريم الحبوة واشتمال الصماء في الثوب الضيق إذا أدّى ذلك إلى كشف العورة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها كما أفاده العيني. ثالثًا: النهي عن كل عمل يؤدّي إلى كشف العورة قياسًا على اشتمال الصماء والحبوة.","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>١٧٣ - \" بَابُ مَا يُذْكَرُ في الْفَخِذِ </span>\"\n٢١٢ - عنْ أنَس ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الغداة بغلسٍ، فركِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَرَكِبَ أبو طَلْحَةَ وأنا رَدِيفُ أبي طلحة، فأجرى نَبيُّ اللهِ - ﷺ - في زُقَاق خَيْبَرَ، وِإنَّ ركْبَتَي لَتَمَسُّ فَخِذَ نبِّي الله - ﷺ - ثم حَسَر الإِزارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إنِّي أنظرٌ إلَى بَيَاضِ فَخِذِ نبيِّ - ﷺ - فلما دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: \"اللهُ أكبَرُ، خَرُبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إذا نزلنا بساحة\nــ\n١٧٣ - \" باب ما يذكر في الفخذ \"\n٢١٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - غزا خيبر \" أي غزا يهود خيبر في بلادهم، وهي على بعد ستة مراحل شمالي المدينة \" فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس \" أي فصلينا صلاة الصبح في ضواحيها عند أول طلوع الفجر، ولا زالت ظلمة آخر الليل موجودة (١) \" فأجرى نبي الله في زقاق خيبر \" أي فأسرع النبي - ﷺ - بدابته في شوارع خيبر \" ثم حسر الإِزار عن فخذه \" أي رفع الإِزار عن فخذه، ليتمكن من الإِسراع بدابته، فانكشف فخذه \" فلما دخل القرية قال: الله أكبر، خربت خيبر \" أي فلما دخل مدينة خيبر، أخبر عن خرابها، ولم يرد بذلك خراب عمرانها. فإن الإِسلام ما زاد خيبر إلاّ عمرانًا وازدهارًا، ولكن المراد بخرابها القضاء على الكيان اليهودي، وسقوط دولة اليهود، وتقويض نفوذهم فيها \" إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين \" أي إنّا إذا أغرنا على قوم من أعدائنا ونزلنا بساحتهم صباحًا فما أسوأ صباحهم، وما أشد هزيمتهم\n_________\n(١) قال الأزهري: الغلس بقايا ظلمة آخر الليل.","vol":"1","page":386},{"text":"قَوْم فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرين\" قالَهَا ثَلاثًا، قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إلى أعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ والْخَمِيسُ، يَعْنِي الْجِيْشَ قَالَ: فأصَبْنَاها عَنْوَةً فَجُمِعَ السَّبْيُ فجاء دِحْيَةُ، فَقَالَ: يَا نَبيَّ اللهِ أعْطِنِي جَارِيةً مِنَ السَّبْي، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً، فأَخذ صفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يا نَبيَّ اللهِ أعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، ْلَا تَصْلُحْ إلَّا لَكَ، قَالَ: ادْعُوهُ فجاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظرَ إليها النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: خُذْ جَارِيَةً من السبي غيْرَهَا، قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ ثَابِت: يا أَبا حَمْزَة، ما أصْدَقهَا؟ قَالَ: نَفْسها، أعتقها وتَزَوَجَها، حَتَّى إذَا كَانَ بِالطرَّيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أمُّ سُلَيْمٍ، فأهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فأصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَرُوسًا، فَقَالَ: مَنْ كَان عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِيءْ بِهِ، وَبَسطَ نِطْعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّويقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَليمةَ رَسُولَ اللهَ - ﷺ -.\nــ\n\" فقالوا: هذا محمد والخميس \" أي قال اليهود: هذا محمد، وهذا جيشه العظيم \" فأصبناها عنوة \" (١) أي فاستولينا على بلادهم بالقوة والحرب \" فجمع السبي \" أي فجمع الجواري السبايا، وكان من بينهم صفية بنت حيي \" فجاء دحية فقال: أعطني جارية: فقال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي \" عظيم اليهود من بني النضير \" قال: ادعوه، فجاء بها، فلما نظر إليها \" وعرف أنَّها سيدة قومها شرفًا وحسبًا ونسبًا \" قال: خذ جارية من السبي غيرها \" لأنه إنَّما أذن له في جارية من حشو السبي،\n_________\n(١) بفتح العين وسكون النون.","vol":"1","page":387},{"text":"فلما أخذ أفضلهن استرجعها منه، لئلا يتميز بها عن غيره مع أن فيهم من هو أفضل منه \" فأعتقها النبي - ﷺ - وتزوجها \" بدون مهر \" وجعل صداقها عتقها \" أي وجعل العتق صداقًا لها \" فأصبح النبي عروسًا \" أي فأعرس عليها في الطريق، فلما كانت صبيحة ليلة العرس \" قال: من كان عنده شيء \" من الطعام \" فليجىء به، وبسط نطعًا \" أي بساطًا من الجلد يوضع عليه الطعام يشبه السفرة، يجوز فيه فتح النون وكسرها \" قال: فحاسوا حيسًا \" أي فصنعوا من التمر والسمن والسويق طعامًا وضعوه على السفرة، وأكلوه \" فكانت وليمة رسول الله - ﷺ - \" أي فكان الحيس هو طعام عرسه - ﷺ -.\nويستفاد من الحديث: أولًا: استدل به بعض أهل العلم على أن الفخذ ليس بعورة، لأن النبي - ﷺ - كما في حديث الباب قد حسر عن فخذه يوم خيبر، ورآه أنس، ولو كان عورة لما فعل ذلك، وبهذا قال داود الظاهري وابن أبي ذؤيب وأحمد في رواية وابن حزم، واختلفت الرواية عن مالك، وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الفخذ عورة، لما رواه ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - قال: \" الفخذ عورة \" قالوا: وما وقع لى - ﷺ - يوم خيبر كان اضطرارًا بسبب السرعة وشدة الزحام، ولم يكن مقصودًا بدليل ما جاء في رواية مسلم حيث قال: \" فانحسر الإزار عن فخذه \" أي أن الإِزار هو الذي انكشف بنفسه، ولم يكشفه - ﷺ -، قالوا: وهو اللائق بحاله صلوات الله وسلامه عليه. ثانيًا: مشروعية الذكر والتكبير عند لقاء العدو، وإلقاء كلمات أو اقتباس آيات تنزل الرعب في قلب العدو، كما قال - ﷺ - \"الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين \". ثالثًا: استحباب ْعتق الرجل أمته، وتزوجه بها، وهو من الثلاثة الذين لهم أجران، وأن له أن يجعل عتقها صداقها، وبه قال قتادة وأحمد وابن المسيب، وقال الجمهور: ما جاء في الحديث خصوصية لرسول الله - ﷺ - وليس لغيره أن يفعله.\nالحديث: أخرجه مسلم، وأبو داود والنسائي أيضًا. ومطابقته للترجمة","vol":"1","page":388},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>١٧٤ - \" بَابٌ في كَمْ تُصَلِّي الْمَرأة فِي الثياب </span>\"\n٢١٣ - عن عائِشَةَ ﵂ قالَتْ:\nلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الفَجْرَ فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ من الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ.\nــ\nفي قوله: \" ثم حسر الإِزار عن فخذه، حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله - ﷺ - \".\n١٧٤ - \" باب في كم تصلي المرأة في الثياب \"\n٢١٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" لقد كان رسول الله - ﷺ - يصلي الفجر فتشهد معه نساء من المؤمنات \" أي فيحضر معه بعض النساء المؤمنات صلاة الفجر \" متلفعات بمروطهن \" يعنى متحجبات متسترات بثيابهن الصوفية أو القطنية، فالمروط جمع مِرط بكسر الميم، وهو كساء من صوف أو قطن، والتلفع كما قال ابن حبيب في شرح الموطأ: هو أن تلقي المرأة الثوب على رأسها، ثم تلتحفِ به: فلا يكون إلاّ بتغطية الرأس. اهـ. ثم قالت: \" ما يعرفهن أحد \" وفي رواية مالك وأبي داود \" ما يعرفن من الغلس \" وهو ظلمة آخر الليل.\nوخلاصة معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يصلي صلاة الصبح عند أول طلوع اليفجر فيحضر معه هذه الصلاة في المسجد بعض النسوة المؤمنات متسترات بثيابهن، فإذا خرجن من المسجد لا يميزن من الرجال، أو بعبارة أخرى لا","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>١٧٥ - \" بَابٌ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أعْلَامٌ وَنظَرَ إلى عَلَمِها </span>\"\n٢١٤ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى في خَمِيصَةٍ لَهَا أعْلَامٌ، فنَظرَ إلَى أعْلَامِهَا نَظرةً، فلَمَّا انصَرَفَ قالَ: \" اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هذِهِ إلى أبِي جَهْمٍ، وأئْتُونِي بأنْبِجَانِيةِ (١) أبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا ألهَتْنِي آنِفًَا عَنْ صَلَاتِي \".\nــ\nيعرف النساء من الرجال بسبب الظلمة الموجودة في الجو المتبقية من آخر الليل.\nالحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث: أولًا: على جواز صلاة المرأة وصحتها في الثوب الواحد فقط إذا كان ساترًا لها، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: استدل به الجمهور على أن أداء صلاة الصبح في أول وقتها أفضل لأنه - ﷺ - كان يصليها في ظلمة الغلس، \" وهي الظلمة المتبقية من آخر الليل \" وقال أبو حنيفة: الإِسفار بصلاة الصبح أفضل، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه مفصلًا. والمطابقة: في قولها: \" متلفعات بمروطهن \".\n١٧٥ - \" باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها \"\n٢١٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا\nالحديث: \" أن النبي - ﷺ - صلّى في خميصة لها أعلام \" أي صلى في كساء مزخرف بخطوط جميلة، تروق النظر، وتستهوي البصر، وتشغل القلب والفكر، \" فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم \" أي فلما فرغ من صلاته أمر بإعادتها إلى أبي جهم، ثم بين علة استنكاره - ﷺ - لها، وكراهيته لاستعمالها، فقال: \" فإنها ألهتني آنفًا \"\n_________\n(١) وهي كساء غليظ من صوف.","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>١٧٦ - \" بَابٌ إن صَلَّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ أو تصَاوِيرُ هَلْ تفْسُدُ صَلَاتُهُ وَمَا يُنْهي عَن ذَلك </span>\"\n٢١٥ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ قِرَامٌ لعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتهَا، فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ -: \" أمِيطِي عَنَّا قرامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لا تَزَال تَصَاوِيرُهُ تعرِضُ لي \".\nــ\nأي فإنما كرهتها لأنها كادت أن تشغلني عن الصلاة لا أنهَا شغلته بالفعل، لأنه - ﷺ - معصوم من ذلك. أو أن معناه: فإني خفت أن تشغلني بها أثناء صلاتي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يكره كل ما يشغل، عن الصلاة من الألوان الجميلة والنقوش المزخرفة في الثوب أو البساط أو الجدار لأنّها تحول دون الخشوع في الصلاة. ثانيًا: مشروعية التهادي بين الاخوان. ثالثًا: صحة الصلاة في ثوب، أو على بساط مزخرف بنقوش جميلة مع الكراهية لأنه - ﷺ - أتم صلاته في الخميصة، ولم يقَطعها. والمطابقة: في قولها: \" صلى في خميصة لها أعلام \".\n١٧٦ - \" باب إذا صلى ثوب مصلّب أو تصاوير هل تفسد صلاته؟ وما ينهي عن ذلك \"\nآي باب يذكر فيه حكم الصلاة في الثوب المصور بصلبان أو صور أخرى، هل يجوز ذلك أم لا؟ والحديث لم يذكر فيه الصلبان، وإنما ألحقها بالصور، لأن كلًّا منها عُبد من دون الله.\n٢١٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان قرام لعائشة \" أي ستار رقيق منقوشة عليه بعض الصور \" سترت به جانب بيتها \"","vol":"1","page":391},{"text":"أي خزانة صغيرة لها \" فقال النبي - ﷺ -: أميطي عنا قرامك \" أي فأمرها - ﷺ - بإزالته وعلل ذلك بقوله: \" فإنها لا تزال تصاويره تعرض لي \" أي تظهر أمام عيني في الصلاة فأخاف أن تلهيني.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: النهي عن الصلاة في الغرفة التي فيها تصاوير سواء كانت في ستار أو بساط أو تحف زخرفية لقوله - ﷺ -: أميطي عنا قرامك هذا \" لأنها تحول دون حضور القلب، وتشغل عن الخشوع في الصلاة قال شيخ الإِسلام ابن تيميّة في \" اختياراته الفقهية \": \" والمنصوص عن أحمد والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة، والصلاة فيها، وفي كل مكان فيه تصاوير، أشد كراهة.\nهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه. اهـ (١). وأما حكم الصلاة فيها، فإنّها تصح مع الكراهة، لكونه - ﷺ - لم يعد صلاته. قال ابن بطال في قوله - ﷺ - \" أميطي عنا قرامك هذا \": وهذا كله على الكراهة فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة، لأنه - ﷺ - لم يعد الصلاة، ولأنه - ﷺ - ذكر أنها عرضت له، ولم يقل إنها قطعتها، ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجزئة عند العلماء. اهـ.\nكما نقله عنه العيني في شرح البخاري ج ٤. ثانيًا: النهي عن تصوير الصور الحيوانية، واتخاذها وتزيين البيوت بها، قال الإِمام النووي في شرح مسلم: \" قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهم: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر، لأنّه متوعَّدٌ عليه بالوعيد الشديد سواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإِبل وغير ذلك مما ليس صورة حيوان فليس بحرام. هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ الرجل صورة حيوان فإن كان معلقًا في حائط أو ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا\n_________\n(١) \" كتاب الاختيارات الفقهية \".","vol":"1","page":392},{"text":"فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسعادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام. اهـ. وأما الشافعية فقد حرموا الصور مطلقًا كما نقله عنهم العيني حيث قال: \" وأما الشافعيّة فإنهم كرهوا الصور مطلقًا سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط ونحوها، واحتجوا بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، ولم يفرقوا في ذلك والله تعالى أعلم. وأما حديث بسر (١) بن سعيد، عن زيد بن خالد، عن أبي طلحة أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \" إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة \" ثم قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني، ربيب ميمونة زوج النبي - ﷺ -: ألم يخبرنا زيد عن الصور يَوْمَ الأوَّل فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال إلاّ رقمًا في ثوب. الذي أخرجه البخاري وأبو داود واستدل به بعض أهل العلم على جواز الصور غير المجسمة فقد فسره الإِمام النووي بالصور الطبيعية والنباتية. حيث قال: \" يجمع بين الأحاديث بأن المراد باستثناء الرقم في الثوب ما كانت الصور فيه من غير ذوات الأرواح، كصورة الشجرة، وقال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل النهي كما يدل عليه حديث أبي هريرة قال: قال: رسول الله - ﷺ -: \" أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكونَ دخلت إلاّ أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُرْ برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهذه الشجرة، ومر بالستر فليقطع، فليجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن، وتخرج الكلب \" ففعل رسول الله - ﷺ - الخ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، فإن الله قد أمر نبيه - ﷺ - بقطع الستار الذي فيه الصور الحيوانية المنقوشة وجعله وسادتين. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. مطابقة الحديث: في كونه بمنزلة الجواب للترجمة.\n_________\n(١) بضم الباء الموحدة وسكون السين.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>١٧٧ - \" بَابُ مَنْ صَلَّى في فَرُّوج حَرِير ثُمَّ نزَعَهُ </span>\"\n٢١٦ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًَا شَدِيدًا كالْكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: \" لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلمُتَّقِين \".\nــ\n١٧٧ - \" باب من صلى في فرّوج حرير ثم نزعه \"\n٢١٦ - راوي الحديث: هو عقبة بن عامر صحابي جليل كان قارئًا فصيحًا، وشاعرًا بليغًا، وكاتبًا مجيدًا، وكان أحد الرجال الذين جمعوا القرآن في المصحف، ويختلف مصحفه عن مصحف عثمان ﵁، شهد صفين مع معاوية وأمَّره على مصر، توفي في خلافة معاوية ﵁.\nمعنى الحديث: يقول عقبة: \" أهدي إلى النبي - ﷺ - فروج حرير \" أي أَهْدَى إليه - ﷺ - أكيدر أمير دومة الجندل قباءً من حرير مشقوقًا من الخلف \" فلبسه فصلى فيه \" قبل أن ينهي عن لبس الحرير، كما في حديث جابر \" أن النبي - ﷺ - صلى في قباء ديباج، ثم نزعه وقال: نهاني عنه جبريل \" وهذا هو معنى قوله - ﷺ - \" فصلى فيه ثم انصرف \" أي سلم من صلاته \" فنزعه نزعًا شديدًا \" أي فخلعه بشدة، لأنه نزل عليه الوحي بتحريم الحرير \" فقال: لا ينبغي هذا للمتقين \" أي لا ينبغي لبس الحرير لعباد الله الطائعين لأنه محرم، فلا يلبسه إلاّ العصاة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: تحريم لبس الحرير على الرجال إلاّ في حالات مرضية استثنائية كحالة الجرب مثلًا، وهو مذهب الجمهور عملًا بهذا الحديث، وأجازه الظاهرية، والحديث حجة عليهم. ثانيًا: تحريم الصلاة في الثوب الحرير، فمن فعل ذلك صحت صلاته مع الإِثم والعصيان، وهو مذهب","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>١٧٨ - \" بَابُ الصَّلَاةِ في الثَوْبِ الأَحْمَرِ </span>\"\n٢١٧ - عَنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ:\nرَأيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أدَمٍ، ورَايْتُ بِلَالًا أخذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ورأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فمنْ أَصَابَ منْهُ شَيئًا تَمَسَّحَ بِهِ، ومنْ لمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أخذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحِبِهِ، ثُمَّ رأيتُ بِلَالًا أخذَ عَنْزَةً فرَكَزَهَا، وَخَرَج النَّبِيُّ - ﷺ - في حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًَا، صَلَّى إلى العَنَزَةِ بالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، ورأيتُ الناسَ والدَّوَابَّ يَمرُّون بينَ يَدَيْ الَْعَنَزَةِ\".\nــ\nالجمهور، قال خليل: \" وعصى وصحت إن لبس حريرًا \". وروى ابن القاسم عن مالك أنه يعيد في الوقت وقال أشهب: لا إعادة عليه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. مطابقة الحديث للترجمة: في كونه بمنزلة الجواب عليها.\n١٧٨ - \" باب الصلاة في الثوب الأحمر \"\n٢١٧ - معنى الحديث: يقول أبو جحيفة ﵁: \" رأيت رسول الله - ﷺ - في قبة حمراء من أدم \" أي في خيمة من الجلد حمراء اللون، وكان ذلك بالأبطح بين منى والمعلا \" ورأيت بلالًا أخذ وضوء رسول الله - ﷺ - \" أي بقية الماء الذي توضأ منه النبي - ﷺ - \"ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء\" (١) أي يتسابقون إلى بقية الماء الذي توضأ منه - ﷺ - ليتمسحوا به كما في رواية: \" فأخرج فضل وضوء رسول الله - ﷺ - فابتدره الناس، \" ومن لم يصب منه شيئًا أخذ من بلل يد صاحبه \" أي أخذ من بلل يد غيره \" ثم رأيت بلالًا أخذ عَنزة \" أي عصا صغيرة \" فركزها \" أمامه\n_________\n(١) وهو الماء الذي يتوضأ به.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-201>١٧٩ - \" بَابُ الصَّلَاةِ في السُّطُوحِ والمِنْبَرِ والخشَبِ </span>\"\n٢١٨ - عنْ سَهْلِ بْنِ سعْدٍ ﵄:\nوقد سُئِلَ مِنْ أيِّ شَيْءٍ المِنْبَرُ؟ فقَال: مَا بَقِىَ بالنَّاس أعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِنْ أثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مولى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وقامَ عَلَيْهِ رسُولُ اللهِ - ﷺ - حَينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فاستقْبَلَ القِبْلَةَ، كبَّرَ وَقَامَ الناسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثم رَفَعَ رَأسَهُ، ثمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فسَجَدَ علَى الْأَرْضِ، ثم عادَ إلى المِنْبَرِ، ثُم قَرَأَ، ثمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حتى سَجَدَ بِالأرْضِ، فَهَذَا شَأنُهُ.\nــ\n- ﷺ - \"وخرج النبي - ﷺ - في حلة حمراء \" أي في إزار ورداء أحمرين \" صلى إلى العنزة \" صلاة الظهر \" ركعتين \" وصلاة العصر ركعتين كما في مسلم \" يمرون بين يدي العنزة \" أي يمر الناس والدواب أمام العنزة. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز لبس الثوب الأحمر والثياب الملونة عامة، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وكره الحنفية الثوب الأحمر الخالص.\nثانيًا: طهورية الماء المستعمل، وكونه طاهرًا مطهرًا. والمطابقة: في قوله: خرج النبي - ﷺ - في حلة حمراء.\n١٧٩ - \" باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب \"\n٢١٨ - معنى الحديث: أن سهل بن سعد ﵄ \" سئل من أي شيء المنبر فقال: ما بقي بالناس أعلم مني \" أي ما بقي من أهل المدينة مَن هو أعْلمْ بأخبار رسول الله - ﷺ - وآثاره \" من منبر وغيره \" مني لأنه آخر من مات بها من الصحابة \" هو من أثْلِ الغابة \" أي هو مصنوع","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>١٨٠ - \" بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ </span>\"\n٢١٩ - عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁:\nأنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إلى طَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثم قَالَ: \" قُومُوا فَلأصَلِّي لَكُمْ \" قَالَ أنسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا\nــ\nمنا طرفاء الغابة كما في رواية أبي داود \" عمله فلان مولى فلانة \" أي صنعه ميمون مولى فكيهة الأنصارية زوجة سعد بن عبادة \" وقام عليه رسول الله - ﷺ - حين عمل \" أي واتخذه النبي - ﷺ - في أوّل الأمر محرابًا، فوقف يصلّي فيه \" فاستقبل القبلة وكبَّر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى \" أي فلما أراد أن يسجد رجع إلى الوراء ليتمكن من السجود \" فسجد على الأرض \" قال الخطابي: وكان المنبر ثلاث مراقي، فلعله قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلّا خطوتان.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: جواز ارتفاع الإِمام عن المأمومين، وهو مذهب الجمهور مع الكراهة، ومنع مالك من ذلك لحديث \" إذا أم الرجل القوم فلا يقف في مكان أرفع من مكانهم \" أخرجه أبو داود. ثانيًا: أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: وقام عليه رسول الله - ﷺ -.\n١٨٠ - \" باب الصلاة على الحصير \"\n٢١٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن جدته مُلَيكةً \" أي أن جدته لأمّه (١) واسمها مليكَة \"دعت رسول الله - ﷺ - إلى\n_________\n(١) لأن والدته أم سليم بنت مليكة كما أفاده ابن سعد.","vol":"1","page":397},{"text":"قد اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَْ، فَنضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَصَفَفْتُ أَنَا والْيَتيمُ وَرَاءَهُ والْعَجُوز مِنَ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ.\nــ\nطعام صنعته له فأكل منه\" أي فأجاب النبي - ﷺ - دعوتها وأكل من طعامها \" ثم قال قوموا فلأُصلي لكم (١) \" أي قوموا لأصلي بكم من أجل أن أعلمكم كيفية الصلاة بطريقة عملية \" قال أنس فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لبس \" أي فذهبت إلى حصيرٍ بالٍ قديم، قد اسود لونه من كثرة استعماله \" فنضحته بماء \" أي رششته بقليل من الماء لتليينه وتهيئته للجلوس عليه، أو لِإزالة الشك في نجاسته كما أفاده ابن دقيق العيد \" فقام رسول الله - ﷺ - وصففت أنا واليتيم \" وهو ضميرة بن سعد الحميري وكان صبيًا مميزًا \" وراءه \" أي ووقفت أنا وهذا الصبي اليتيم في صف واحد خلف النبي - ﷺ - \" والعجوز من ورائِنَا \" أي ووقفت العجوز وهي جدته مليكة وراءنا. الحديث: أخرجه الشيخان، وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: صحة الصلاة على الحصير، وهو مذهب الجمهور، ويقاس عليه جميع المنسوجات النباتية خلافًا لعمر بن عبد العزيز.\nثانيًا: صحة الجماعة في النافلة (٢). ثالثًا: صحة صلاة المنفرد خلف الصف لقوله \" والعجوز من ورائنا \". والمطابقة: في كونه - ﷺ - صلى على الحصير.\n...\n_________\n(١) قوله \" فلأصلي \" بكسر اللام وضم الهمزة وفتح الياء، وهي مضارع منصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل وقوله: \" لكم \" أي من أجل تعليمكم.\n(٢) لأن النبي - ﷺ - إنما صلى بهم صلاة نافلة.","vol":"1","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>١٨١ - \" بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفِرَاشِ </span>\"\n٢٢٠ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أنامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلايَ في قِبْلَتِهِ، فإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وإذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.\n٢٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ، رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي وهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِراش أهْلٍ اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ.\nــ\n١٨١ - \" باب الصلاة على الفراش \"\n٢٢٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \" كنت أنام بين يدي، رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قبلته \" يعني كان النبي - ﷺ - يصلي صلاة التهجد علِى فراش أهله، وكنت أنام أمامه أثناء صلاته وأنا متوسطة بينه وبين القبلة مادةَ قدمي في موضع سجوده - ﷺ - في رواية أبي داود حيث قالت: \" كنت بين النبي وبين القبلة، وأحسبها قالت: وأنا حائض \"، \" فإذا سجد غمزني \" أي لمسني بيده الشريفة لينبهني إلى أنه يريد السجود \" فَقَبَضْتُ رجلَّي \" أي ضممتهُما ليتمكن من السجود \" فإذا قام بسطتهما \" أي مددتهما، وهذا الحديث دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\n٢٢١ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهي بينه وبين القبلة \" أي كان - ﷺ - يصلي التهجد وهي","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>١٨٢ - \" بَابُ السُّجُودِ على الثَّوْبِ في شِدَّةِ الْحَرِّ </span>\"\n٢٢٢ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَضَع أحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ في مَكَانِ السُّجُود.\nــ\nمضطجعة أمامه، متوسطة بينه وبين القبلة \" على فراش أهله \" أي على الفراش الذي ينام عليه مع زوجته \" اعتراض الجنازة \" أي وأنا معترضة بينه وبين القبلة اعتراض الجنازة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة على الفراش دون كراهة سواء كان فراش نوم أو غيره، وهو مذهب الجمهور، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وكره جماعة الصلاة على غير الأرض منهم عروة وجابر وابن مسعود، والذي يبدو من كلام مالك: كراهية السجود على البساط.\nثانيًا: استدل أبو حنيفة بقولها: \" فإذا سجد غمزني \" على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء. والمطابقة: في قولها: \" كنت أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - \" لأن نومها كان على الفراش. وفي قولها: \"كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله \".\n١٨٢ - \" باب السجود على الثوب في شدة الحر \"\n٢٢٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كنا نصلّي مع النبي - ﷺ - \" أي كنا نصلي مع النبي - ﷺ - صلاة الظهر في شدة الحر \" فيضع أحدنا طرف الثوب \" أي يجعل طرف ثوبه تحت جبهته ليكون فاصلًا بينها وبين الأرض \" من شدة الحر \" أي ليقي نفسه من شدة حرارة الأرض المتوقدة \" في مكان السجود \" حيث تلتهب الأرض من حرارة أشعة الشمس في فصل","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>١٨٣ - \" بَابُ الصَّلَاةِ في النِّعَالِ </span>\"\n٢٢٣ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّهُ سُئِلَ أكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّى في نَعْلَيْهِ، قَالَ: نَعَمْ.\nــ\nالصيف. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: \" فيضع أحدنا طرف الثوب \".\nويستفاد منه: جواز السجود على الثوب متصلًا كان أو منفصلًا، وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعي حيث قال: يجوز السجود على المنفصل دون المتصل.\n١٨٣ - \" باب الصلاة في النعال \"\n٢٢٣ - معنى الحديث: أن أنسًا ﵁ \" سُئِل أكان رسول الله - ﷺ - يصلي في نعليه \" أي هل كان النبي - ﷺ - يصلي وهو لابس نعليه \" قال: نعم \" أي كان يصلي في نعليه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه: جواز الصلاة في النعال، قال ابن دقيق العيد وغيره من أهل العلم: الصلاة في النعال من الرُّخَص لا من المستحبات، لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وقال عياض: الصلاة في النعال رخصة مباحةٌ. والمطابقة: في قوله: \" نعم \" أي نعم كان يصلي في نعليه.\n***","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>١٨٤ - \" بَابُ الصَّلاة في الخِفَاف </span>\"\n٢٢٤ - عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:\nأنَّهُ بَاكَ ثُمَّ تَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثم قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَنَعَ مِثْلَ هَذَا، فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ لأنَّ جَريرًا كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ أسْلَمَ.\nــ\n١٨٤ - \" باب الصلاة في الخفاف \"\n٢٢٤ - معنى الحديث: أن جرير بن عبد الله ﵄ \" بال ثم توضأ ومسح على خفيه \" أي ولم يغسل رجليه، وإنما مسح على الخفين بدلًا من غسل الرجلين \" ثم قام فصلّى \" أي صلى في خفيه، ولم ينزعهما وهو موضع الترجمة \" فسئل \" أي فسأله بعضهم، لماذا مسح على خفيه وصلى فيهما \" فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - صنع مثل هذا \" أي رأيته - ﷺ - اكتفى بمسح خفيه، وصلى فيهما فاقتديت به، وعملت بسنته \" فكان يعجبهم \" أي فكان يعجبهم حديث جرير هذا ويستدلون به على مشروعية مسح الخفين وعلى أن هذا الحكم باق لم ينسخ \" لأن جرير كان مِنْ آخر من أسلم \" من الصحابة، وفي رواية لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة التي فيها آية الوضوء، وفي هذا حجة ظاهرة، ودليل واضح على أنّ المسح على الخفين لم ينسخ بها وأنّه باق إلى قيام الساعة. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\nوالمطابقة: في قوله: \" ومسح على خفيه \".\nويستفاد منه: مشروعية المسح على الخفين والصلاة فيهما، لقوله: رأيت رسول الله - ﷺ - صنع مثل هذا.","vol":"1","page":402},{"text":"١٨٥\n\n- \" بَابٌ بيدِي ضَبْعَيْهِ (١)، ويُجَافِي في السُّجُودِ \"\n١٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَإلِكٍ بنِ بحينة ﵁:\nأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.\nــ\n١٨٥ - \" باب ييدي ضَبْعَيْهِ ويجافي في السجود \"\n\" يبدي ضَبْعيه \" بفتح الضاد وتسكين الباء تثنية ضَبْع وهو العضد، أي يبعد عضديه عن جنبيه.\n٢٢٥ - ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن مالك بن بحينة، بضم الباء وفتح الحاء، اسم لأمه، فإنه كان ينسب ﵁ تارة إلى أبيه فيقال: ابن مالك، وتارة إلى أمه فيقال: ابن بحينة. كما في سنن أبي داود، أما البخاري هنا فقد نسبه إلى أبيه وأمّه معًا، وهو عبد الله ﵁ بن مالك الأزدي، حليف بني المطلب، أسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، توفي في إمارة مروان الأخيرة على المدينة ﵁.\nمعنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن بحينة ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان إذا صلى \" أي إذا سجد في صلاته \" فرّج بين يديه \" أي باعد بين يديه وجنبيه يقال: فَرَجَ يَفْرِجُ على وزن ضرب يضرب، وفرَّج يُفَرِّجُ على وزن فرَّح يُفَرِّحُ بتخفيف الراء وتشديدها \" حتى يبدو بياض إبطيه \" بكسر الهمزة، وسكون الباء تثنية إبْطٍ، قال في المصباح: والجمع آباط، مثل حمل وأحمال، أي كان يبعد يديه عن جنبيه حتى يظهر وينكشف بياض إبطيه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: أنه يستحب للرجل التفريج بين عضديه وجنبيه أثناء السجود وإبعادهما عن بعضهما، قال الشوكاني: حتى إن ظاهر بعض الأحاديث يدل\n_________\n(١) قال السفاقسي: الضبْع ما تحت الإبط، ومعنى يبدي ضبعيه أي لا يلصق عضديه بجنبيه.","vol":"1","page":403},{"text":"على وجوب هذه الهيئة، والحكمة فيها إعطاء كل عضو حقه من العبادة، ولأن ذلك أقرب إلى النشاط وأبعد عن الكسل. والمطابقة: في قوله: \" حتى يبدو بياض ابطيه \".\n***","vol":"1","page":404},{"text":"منار القاري\nشرح مختصر\nصحيح البخاري\nتأليف حمزة محمد قاسم\nراجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط\nعني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون\nالجزء الثاني\nمكتبة دار البيان\nص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥\nدمشق - الجمهورية العربية السورية\nمكتبة المؤيد\nص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١\nالطائف - المملكة العربية السعودية","vol":"2","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nبيروت\n١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م","vol":"2","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>أبْوَابُ القِبْلَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>١٨٦ - \" بَابُ فضلِ اسْتقْبَالِ الْقِبْلَةِ </span>\"\n٢٢٦ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قالَ:\nقَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ صَلى صلاَتنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلا تَخْفِرُوا اللهَ في ذِمَّتِهِ \".\nــ\n١٨٦ - \" باب فضل استقبال القبلة \"\n٢٢٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا \" أي من صلى كما نصلي مستقَبلًا الكعبة المشرفة كما أفاده العيني \" وأكل ذبيحتنا \" أي ولم يتوقف عن الأكل من ذبائح المسلمين \" فذلك المسلم \" أي فإنه مسلم معصوم الدم والمال، يتمتع بكل الحقوق التي يتمتع بها المسلمون، وتطبق عليه أحكامهم الشرعية المتعلقة بالأحوال الشخصية وذلك لأن تلك الصفات الثلاثة التي هي الصلاة واستقبال القبلة وأكل ذبائح المسلمين لا تجتمع إلاّ في مسلم مقر بالتوحيد والنبوة، معترف بالرسالة المحمدية، ولهذا قال فيه - ﷺ -: \" فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله \" أى الذي له أمان الله وأمان رسوله، والذي يتمتع بحماية الإِسلام \" فلا تخفروا الله في ذمته \" أي فلا تنقضوا عهد الله فيه، ولا تخونوه بانتهاك حقوقه، فإن أي اعتداء عليه هو خيانة لله ورسوله، ونقض لعهدهما، وإهدار لكرامة الإسلام. الحديث: أخرجه النسائي أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل استقبال القبلة، وكونه من شعائر","vol":"2","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>١٨٧ - \" بَابُ التَّوَجُّهِ نحْوَ الْقِبْلَةِ حَيْثُ كَانَ </span>\"\n٢٢٧ - عنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، فإذَا أرادَ الفَرِيضَةً، نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.\nــ\nالإسلام التي يميز بها بين الكافر والمسلم، وتتحقق به عصمة الدم والمال، وتكون لمن استقبلها ذمةُ اللهِ وذمة رسوله - ﷺ -. ثانيًا: أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، لا يسقط إلاّ عند العجز عنه أو في صلاة النافلة في السفر، وذلك بإجماع المسلمين، لأن النبي - ﷺ - قرن الصلاة باستقبالها فقال: \" من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا \" فدل ذلك على أن استقبال القبلة شرط في صحتها، وأن الصلاة من دونه باطلة، وقد أمر الله تعالى باستقبال القبلة في الصلاة حيث كان المصلي وفي أي موضع كان، فقال: (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره). ثالثًا: أن الأكل من ذبائح المسلمين من العلامات المميزة للمسلم عن غيره، وهذا هو الواقع، فإن اليهود مثلًا يمتنعون عن أكل ذبائحنا وكذلك بعض الطوائف الأخرى (١). والمطابقة: في قوله: \" واستقبل قبلتنا \" حيث قرن استقبال القبلة بالصلاة.\n١٨٧ - \" باب التوجه إلى القبلة حيث كان \"\n٢٢٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" كان النبي - ﷺ - يصلي على راحلته \" أي كان - ﷺ - يصلي أثناء سفره راكبًا فوق دابته.\n\" حيث توجهت به \" أي مستقبلًا الجهة التي تتوجه إليها راحلته، ولا ينزل إلى الأرض ويلتزم باستقبال القبلة إلاّ في صلاة الفريضة \"فإذا أراد فريضة\n_________\n(١) كالمجوس مثلًا","vol":"2","page":4},{"text":"نزل فاستقبل القبلة\" أي فإذا كانت الصلاة التي يريدها صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس، فإنه ينزل عن دابته، ويستقبل القبلة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب استقبال القبلة في صلاة الفريضة، وأنه شرط من شروط صحة الصلاة، فمن صلّى إلى غير القبلة متعمدًا بطلت صلاته في حضر أو سفر، فإن كان على الدابة وجب عليه النزول لصلاة الفريضة، واستقبال القبلة ولا يسقط عنه ذلك إلاّ لعذر شرعي من مطر أو مرض أو خوف عدوٍ أو لص. ودليل الوجوب قوله \" فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة \". ثانيًا: جواز النافلة في السفر على الدابة حيثما توجهت به، ولا خلاف في ذلك، إلاّ أن أحمد استحب أن يستقبل القبلة بتكبيرة الاحرام لما رواه أنس من أن النبي - ﷺ - كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجَّهه ركابه (١) كما أن مالكًا خصَّ ذلك بسفر القصر خلافًا للجمهور. والمطابقة: في قوله: \" فإذا أراد فريضة نزل فاستقبل القبلة \".\n...\n_________\n(١) أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني.","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>أبْوَابُ المَسَاجِد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>١٨٨ - \"بَاب حَكِّ البُزَاقِ بالْيَدِ منَ المسْجِدِ </span>\"\n٢٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رأَى بُصَاقًَا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى النَّاس فقَالَ: \" إِذَا كَانَ أحَدُكُم يُصَلِّي فَلا يَبْصُق قِبَلَ وَجْهِهِ، فإنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى \".\nــ\n١٨٨ - \"باب حكّ البزاق باليد من المسجد\"\n٢٢٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ في هذا الحديث: \" أن رسول الله - ﷺ - رأى بصاقًا في جدار القبلة \" أي في الجدار القبلي من المسجد النبوي \" فحكه \" أي فحك ذلك البصاق حتى أزاله بيده عن جدار المسجد. \" فقال: \" أي وبعد أن أزال ذلك البصاق، ونظف المسجد منه توجه إلى أصحابه بالنصيحة والموعظة الحسنة فقال لهمَ: \" إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه \" أي إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يتفل أمامه جهة وجهه وقبلته \" فإنّ الله قبل وجهه \" وهذا من صفات الله تعالى التي ثبتت في الأحاديث الصحيحة، فيجب الإيمان بها دون تحريف ولا تَعْطيل ولا تكييف ولا تمثيل. اهـ. وفي رواية: \" وَلا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه \" (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n_________\n(١) وهي من الروايات المتفق عليها بين البخاري ومسلم.","vol":"2","page":6},{"text":"ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: في هذا الحديث صفة من الصفات الإلهية التي وصف بها الرسول ربه ﷿، وجاءت في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، فوجب الإيمان بها. وهي صفة القرب الإِلهي التي وصف بها النبي - ﷺ - ربه في قوله - ﷺ - \" فإن الله تعالى قبل وجهه \" فأثبت - ﷺ - أن الله قريب من عبده الذي يصلي (١) على الوجه الذي يليق بعظمته وجلاله، مع كونه فوق عرشه. قال ابن تيمية: \" وكذلك العبد إذا قام يصلي فإنه يستقبل ربه، وهو فوقه، فيدعوه من تلقائه، لا عن يمينه ولا عن شماله، ويدعوه من العلو لا من السفل \" (٢) قالأ في \" التنبيهات السنية \": \" وقد نزع بهذا الحديث بعض المعتزلة إلى أن الله في كل مكان بذاته \" وهو جهل فاضح، والأدلة المتواترة تردُّ ذلك وتفيد علو الله واستواءه على عرشه.\nثانيًا: أنه يندب للمصلي أن يستحضر قربه ﷾ منه أثناء الصلاة، وفي كل عبادة من عباداته الشرعية، فإنّ ذلك هو مقام الإِحسان الذي يوجب الخشية والخوف من الله تعالى، ويدعو إلى إتمام العبادة، واتقان العمل، لأنه يستشعر أنه قائم أمام ربه، يستقبله ويتوجه إليه، ويراه كما قال - ﷺ - \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك\". ثالثًا: جواز البصاق أثناء الصلاة. ولكن بشرطين: \" الأول \" أن يكون خارج المسجد، أما البصاق في المسجد فلا يجوز بحال من الأحوال لقوله - ﷺ - \" البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها \" فهذا الحديث مخصِّص لمفهوم حديث الباب، ومنطوق الأحاديث الأخرى. \" الثاني \" أن لا يبصق إلى جهة القبلة فإن البصاق إليها حرام مطلقًا سواء كان في المسجد أو خارج المسجد لقوله - ﷺ - في حديث الباب: \" فلا يبصق قبل وجهه \": وقوله - ﷺ -: \" من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتَفْله بين عينيه \" أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة، وفي الحديث عن السائب بن خلاد أن رجلًا أم قومًا فبصق في القبلة. فلما\n_________\n(١) \" المنحة الإلهية شرح العقيدة الواسطية \" للأستاذ على مصطفى الغرابي.\n(٢) \" التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية \" للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد.","vol":"2","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-213>١٨٩ - \" بَابُ كَفَّارَةِ الْبُزَاقَ </span>\"\n٢٢٩ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"البُزَاقُ في الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا\".\nــ\nفرغ قال النبي - ﷺ -: \" لا يصلي لكم \" (١). أخرجه أبو داود وابن حبان.\n\" ولا يبصق عن يمينه \" تشريفًا لهذه الجهة، وفي رواية للبخاري \" ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا \" وإنما يبصق عن يساره، أو تحت قدمه، لما جاء في رواية أخرى \" فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، لكن عن يساره أو تحت قدمه \". رابعًا: أن النخامة والبصاق طاهران وإلا لم يكتف النبي - ﷺ - بحك البصاق، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" إن رسول الله - ﷺ - رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n١٨٩ - \" باب كفارة البزاق \"\n٢٢٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" البزاق في المسجد خطيئة \" أي إلقاء البصاق على أرض المسجد ذنب وإثم يستحق فاعله عقوبة الله تعالى \" وكفارتها دفنها \" بالتراب فمن ارتكب هذه السيئة وندم عليها، وأراد أن يعفو الله عنه ويمحو عنه سيئته هذه فليبادر إلى إزالتها من المسجد، بدفنها إن كان ترابًا أو يمسحها منه إن كان غير ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: التحذير من البصاق في المسجد، لأنه خطيئة يأثم فاعلها، حتى قال ابن العماد: لا خلاف في أن من بصق في المسجد استهانة به كفر والعياذ بالله. ثانيًا: أن كفارة البصاق في المسجد إزالته بأي\n_________\n(١) أيضًا: \" التنبيهات السنية \".","vol":"2","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>١٩٠ - \" بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النَّاسَ في إتْمَامِ الصَّلَاةِ وذِكْرِ الْقِبْلَةِ </span>\"\n٢٣٠ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \" هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا، فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ، وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لأرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي \".\nــ\nوسيلة كانت، إمَّا بالدفن إن كان المسجد ترابًا، أو الغسل والحك والمسح إن كان مبلطًا أو مفروشًا. والمطابقة: في قوله: \" وكفارتها دفنها \".\n١٩٠ - \" باب عظة الإِمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة \"\n٢٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" هل ترون قبلتي ها هنا \" استفهام إنكاري معناه النهي والنفي، أي لا تظنوا أنني لا أرى إلاّ الجهة التى أمامي، كلا فإنني أرى مَنْ خلفي كما أرى مَنْ أمامي \" فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم \" أي فأقسم بالله أنني أرى من يخشع منكم في الصلاة، ومن لا يخشع فيها \" إني لأراكم من وراء ظهري \" أي وذلك لأنني أشاهدكم بعيني وأنتم خلف ظهري. قال العيني: والذي عليه الجمهور أنها رؤية بصرية بالعين. فإن قيل الخشوع أمر قلبي وشعور نفسي فكيف يراه النبي - ﷺ -؟ فالجواب: أنه وإن كان من أعمال القلب إلاّ أنه تظهر آثاره على الجوارح، فمن خشع قلبه سكنت جوارحه. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية وعظ الإِمام للناس بإتمام الصلاة.\nثانيًا: استحباب الخشوع لأنّه روح الصلاة. ثالثًا: أن من معجزاته - ﷺ - رؤية. من خلفه أثناء الصلاة. والمطابقة: في قوله: \" فوالله ما يخفى عليَّ خشوعكم \" حيث وعظهم - ﷺ - بإتمام الصلاة.","vol":"2","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>١٩١ - \" بَابٌ هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلانٍ</span>؟ \"\n٢٣١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ التي أضْمِرَتْ مِنَ الحفْيَاءِ، وأمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ التي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إلى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وأنَّ عَبْدَ اللهِ بن عُمَرَ كَانَ فيمَنْ سَابَقَ بِهَا.\nــ\n١٩١ - \" باب هل يقال مسجد بني فلان \"\n٢٣١ - معنى الحديث: يخبرنا ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - سابق بين الخيل التي أضمرت \" وهي التي ذهب شحمها وذوى لحمها، واشتد جريها \" من الحفياء \" بفتح الحاء \" وأمدها ثنية الوداع \" أي بقطع مسافة تبدأ من الحفياء، وتنتهى بثنية الوداع \" وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق \" ويقع بالمدينة جنوب باب المصري سابقًا (١).\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية إضافة المسجد إلى بانيه. ثانيًا: مشروعية سباق الخيل. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قوله: \" في مسجد بني زريق \".\n...\n_________\n(١) مكان بالمدينة كان يسمى سوق الحمير سابقًا، كما أفاده العياشي في كتابه \" المدينة بين الماضي والحاضر \".","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>١٩٢ - \" بَاب هَلْ تُنْبَشُ قُبورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخذُ مَكَانهَا مَسَاجِدَ </span>\"\n٢٣٢ - عن أنس ﵁ قَالَ:\nقَدِمَ النَّبيُّ - ﷺ - الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ أعْلَى الْمَدِينَةِ في حَي يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ، فَأقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيهِمْ أرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثمَّ أرْسَلَ إلى بَنِي النَّجَّارِ، فجَاءُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفَ، فَكَأنِّي أنظرٌ إلى النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وأبو بَكْرٍ ﵁ رِدْفُهُ، وَمَلأ بَني النَّجارِ حَوْلَهُ، حتَّى ألْقَى بِفِنَاءِ أبي أيوبَ، وَكَانَ يُحَبُّ أنْ يُصَلِّي حَيْثُ أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ،\nــ\n١٩٢ - \" باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد \"\n٢٣٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ عن هجرة النبي - ﷺ - فيقول \" قدم النبي - ﷺ - المدينة فنزل أعلى المدينة \" أي وصل النبي - ﷺ - إلى المدينة بعد الزوال، فنزل في قباء، وأناخ ناقته في الشمال الشرقي من بئر عذق - وهي بئر السقيا أو بئر الخاتم. غربي دار كلثوم بن الهرم كما أفاده المؤرخ العياشي (١) \" في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف \" وكانت منازلهم تمتد ما بين العُصبة جنوبًا ومسجد قباء شمالًا \" ثم أرسل إلى بني النجار فجاءوا متقلدي السيوف \" أي متسلحين بسيوفهم خوفًا على النبي - ﷺ - من اليهود وكانوا زهاء خمسمائة رجل تجمعوا في رحبة بني زيد الملاصقة لمسجد قباء، وتقع مئذنته القديمة في طرفها، كما أفاده العياشي \"فكأني أنظر إلى النبي\n_________\n(١) \" المدينة بين الماضي والحاضر \" لفضيلة الاستاذ العياشي.","vol":"2","page":11},{"text":"وَيُصَلِّي في مَرَابِض الْغَنَمِ، وَأنَّهُ أمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسجِدِ، فأرْسَلَ إلى مَلَأٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: يَا بني النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائطِكُمْ هَذَا، قَالُوا: لا واللهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إلَى اللهِ تَعَالى، قَالَ أنَسُ: فَكَانَ فِيهِ مَا أقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وفِيهِ خَرِب، وفِيهِ نَخْلٌ، فَأمرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقُبُورِ الْمُشركِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بالْخَرِبِ فسُوِّيَتْ، وبالنَّخْل فَقُطِعَ، فَصَفُّوا الْنَخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وهم يرتجزون، والنَّبيُّ - ﷺ - مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:\n\" اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ لِلأنصَارِ والْمُهَاجِرَة \"\nــ\n- ﷺ - على راحلته وأبو بكر ﵁ ردفه \" أي راكب خلفه \" حتى ألقى بفناء أبي أيوب \" حيث بركت ناقته عند باب داره، فنزل بها، وأقام فيها أكثر من سبعة أشهر \" (١) كما أفاده الاستاذ الأنصاري \" وأنه أمر ببناء المسجد \" أي أمر ببناء مسجده الشريف \" فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم \" أي اذكروا لي ثمنه لأني أريد شراءه منكم \" فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلاّ إلى الله تعالى \" أي لا نأخذ منك مالًا، وإنما نطلب عليه الأجر من الله تعالى وكان لغلامين من الأنصار فاشتراه منهما \" وفيه خرب \" بفتح الخاء وكسر الراء جمع خربة مثل كَلِم وكلمة أي آثار أبنية قديمة متساقطة \" فأمر النبي - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت \" أي فأخرج ما فيها من الرمم البالية \" ثم بالخرب فسوّيت \" أي أزيلت تلك الأطلال المتبقية من آثار المنازل والديار، حتى سويت بالأرض \" وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد \" أي فجعلوا جذوع النخل أعمدة للرواق القبلي من المسجد، وسقفوه بالجريد\n_________\n(١) آثار المدينة للأستاذ عبد القدوس الأنصاري.","vol":"2","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>١٩٣ - \" بَابُ الصَّلاةِ في مَوَاضِعَ الإِبِلَ </span>\"\n٢٣٣ - عن نَافِعَ قَالَ:\nرَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي إلى بَعِيرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ\nــ\n\" وجعلوا عضادتيه الحجارة \" أي بنوا جانبي باب المسجد من الحجارة كما جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ \" أن مسجد النبي - ﷺ - كانت سواريه على عهد رسول الله - ﷺ - من جذوع النخل وأعلاه مظلل بجريد النخل \" الخ. أخرجه أبو داود \" وجعلوا ينقلون الصخور وهم يرتجزون \" أي ينشدون ويقولون: \" اللهم لا خير إلا خير الآخرة \" أي إن الخير الحقيقي في نعيم الآخرة، لأنّه دائم وغيره إلى الزوال.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز نبش قبور المشركين مطلقًا لبناء المساجد عليها، لأنه لا حرمة لهم \" قال العيني \" فإن قلت: هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت: قال ابن القاسم: لو أن مقبرة من مقابر السلمين عفت، فبنى قوم عليها مسجدًا لم أو بذلك بأسًا، وذكر أصحابنا أي الحنفية: أن المقبرة إذا عفَت ودثرت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا يجوز أن يبنى موضع المقبرة مسجدًا. اهـ. وقال الحنابلة: إذا صار الميت رممًا جازت زراعتها وبناؤها. ثانيًا: جواز قطع الأشجار المثمرة لاستعمال خشبها، واتخاذ موضعها مسجدًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فأمر النبي بقبور المشركين فنبشت \".\n١٩٣ - \" باب الصلاة في مواضع الإِبل \"\n٢٣٣ - معنى الحديث: يقول نافع: \" رأيت ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره \" أي رأيته يصلي متوجهًا في صلاته إلى بعيره جاعلًا","vol":"2","page":13},{"text":"- ﷺ - يَفْعَلُهُ.\nــ\nالبعير سترة له في الصلاة \" وقال: رأيت النبي - ﷺ - يفعله \" أي رأيت النبي - ﷺ - يفعل مثلما فعلت، فيصلي خلف بعيره متوجهًا إليه. وقد جمع نافع في هذا ... بين الأثر الصحيح والحديث المرفوع إلى النبي - ﷺ -، أما الأثر فهو قوله \" رأيت ابن عمر ﵄ يصلي إلى بعيره \" وأما الحديث المرفوع فهو قوله: وقال ابن عمر: رأيت النبي - ﷺ - يفعله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به قوم على جواز الصلاة في معاطن الإبل (١) - أي في مباركها عند شرب الماء، وهي مسألة خلافية. فقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الصلاة في مبارك الإبل مستدلين بهذا الحديث حيث قالوا: الصلاة في مباركها مثل الصلاة خلفها، فإذا كانت العلة المانعة من الصلاة في مباركها هي نفارها وكونها من الشياطين، فإن هذه العلة موجودة في الصلاة خلفها، وقد صلى النبي - ﷺ - خلفها، فدل ذلك على جواز الصلاة في معاطنها قياسًا على الصلاة خلفها. وذهب الجمهور إلى أنه لا يصلى في معاطن الإِبل واستدلوا على ذلك بالأحاديث الصحيحة الصريحة التي وردت في النهي عن ذلك. \" منها \" حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل \" أخرجه الترمذي وقال حديث حسمن صحيح كما أخرجه ابن حبان أيضًا. وحديث عبد الله بن مغفل عن النبى - ﷺ - قال: \" صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل، إنها خلقت من الشياطين \" أخرجه ابن ماجة وأشار السيوطي إلى صحته، وقال مغلطاي حديث صحيح متصل. اهـ. وقال المناوي \" ثم إن النهي في هذه الأحاديث للتنزيه عند الشافعي والجمهور، فتكره الصلاة في العطن،\n_________\n(١) وهو ظاهر مذهب البخاري.","vol":"2","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>١٩٤ - \" بَابُ مَنْ صَلَّى وَقُدَّامَهُ تنُّورٌ أوْ نار أوْ شَيْء مِمَّا يَعْبُدُ فَأرَادَ بِهِ الله </span>\"\n٢٣٤ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَال:\nقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \" عُرِضَتْ عَلي النَّارُ وأُنا أصَلِّي \".\nــ\nوتصح حيث كان بينه وبين النجاسة حائل، وللتحريم عند أحمد، ولا تصح عنده - الصلاة في العطن بحال \" اهـ (١). ثانيًا: جواز جعل البعير سترة في الصلاة. والمطابقة: في كونه صلى خلف البعير. فدل ذلك على جواز الصلاة في عطنه (٢).\n١٩٤ - \" باب من صلى وقدامه تنور ... إلخ \"\n٢٣٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" عرضت علي النار وأنا أصلي \" أي كشف لي عن نار جهنم، وأظهرها الله لي وأطلعني عليها وأنا أصلي صلاة الكسوف فرأيتها أمامي وشاهدتها ببصري. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة إلى كل شيء فيه نار، سواء كان تنورًا أو موقدًا أو غيره. ثانيًا: معجزته - ﷺ - الظاهرة في رؤيته - ﷺ - النار أثناء صلاته. والمطابقة: في قوله: \" عرضت علي النار \".\n...\n_________\n(١) \" فيض القدير شرح الجامع الصغير \" للمناوي ج ٤.\n(٢) أي فدل ذلك على جواز الصلاة في العطن قياسًا على الصلاة خلف البعير.","vol":"2","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>١٩٥ - \" بَابُ كَرَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ في الْمقَابِر </span>\"\n٢٣٥ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" اجْعَلُوا في بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ ولا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا \".\nــ\n١٩٥ - \" باب كراهية الصلاة في المقابر \"\n٢٣٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" اجعلوا في بيوتكم من صلاكم \" أي صلّوا بعض صلاتكم \" وهي النوافل \" في بيوتكم لتنوروها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، وفي رواية مسلم: \" إذا قضى أحدكم الصلاة \" أي صلاة الفريضة \" في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته \" أي فليصل النافلة في بيته ليجعل لها نصيبًا من صلاته \" ولا تتخذوها قبورًا \" أي لا تجعلوها كالقبور التي لا يصلّى فيها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: كراهية الصلاة في المقابر، لقوله - ﷺ -: \" ولا تتخذوها قبورًا \" فإنّ معناه: ولا تتخذوها كالمقابر، فإنها هي التي لا يصلى فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، وعند أحمد في صحة الصلاة فيها ثلاث روايات المشهور منهن أنها تبطل على الإِطلاق، والثانية أنها تصح مع الكراهة، والثالثة إن كان عالمًا بالنهي أعاد، وإن لم يكن عالمًا لم يعد، ومما يدل على عدم جواز الصلاة في المقبرة حديث أبي سعيد عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" الأرض كلها مسجد إلاّ المقبرة والحمام \" أخرجه الترمذي. ثانيًا: أن النوافل في البيت أفضل لورود الأمر بذلك، وأقل مقتضياته الأفضلية والاستحباب، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" ولا تتخذوها قبورًا \".","vol":"2","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>١٩٦ - \" بَابٌ </span>\"\n٢٣٦ - عَنْ عَائِشَةَ وابْنِ عَبَّاس ﵃ قَالَا:\nلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - طَفِقَ يَطرحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: \" لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ والنَّصارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ \" يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا.\nــ\n١٩٦ - \" باب \"\n٢٣٦ - معنى الحديث: يقول ابن عباس وعائشة ﵃ \" لما نزل برسول الله - ﷺ - \" أي لما نزل به الموت واشتد عليه المرض \" طفق يطرح خميصة \" وهي كساء مخطط \" على وجهه \" أي صار يرخي هذا الكساء على وجهه، \" فإذا اغتم كشفها \" أي فإذا ضاقت أنفاسه بسبب اشتداد الحرارة كشف الخميصة \" فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \" أي فأخبر الحاضرين عنده من الصحابة عن حلول اللعنة باليهود والنصارى، وطردهم من رحمة الله بسبب بنائهم المساجد على قبور أنبيائهم، ولا يقال ليس للنصارى نبي غير عيسى، وهو في السماء، لأن الثلاثة المذكورين في سورة (يس) كانوا أنبياء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: تحريم بناء المساجد على القبور، قال الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي (١): وما جرت به العادة اليوم من بناء المساجد على القبور محرّم، وهو من عمل اليهود والنصارى.\n_________\n(١) \" شرح زاد المسلم \".","vol":"2","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>١٩٧ - \" بَابُ نوْمَ الْمَرْأةِ فِي الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٣٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَي مِنَ الْعَرَبِ فأعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجتْ صَبِيَّة لَهُمْ عَلَيْهَا وِشاح أحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أو وَقَعَ مِنْهَا، فَمرَّتْ بِهِ حُدَيَّاة، وهُوَ مُلْقَى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًَا فخَطَفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فلمْ يَجِدُوهُ، قالتْ: فاتَّهَمُونِي به، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حتى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللهِ إنِّي لَقَائِمَة مَعَهُمْ، إذْ مَرَّتْ الْحُدَيَّاةُ، فألْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ زَعَمْتُمْ وأَنا مِنْهُ بَرِيْئَة، وَهُوَذَا هُوَ، قَالَتْ: فجاءَتْ إلى\nــ\n١٩٧ - \" باب نوم المرأة في المسجد \"\n٢٣٧ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب \" أي أن أمة سوداء كانت مملوكة لبعض قبائل العرب \" فخرجت صبية لهم عليها وشاح \" بكسر الواو وضمها، وهو قطعة من الجلد مرصّعة باللؤلؤ تشبه الحزام تشدها المرأة بين عاتقها وكشحها \" فمرت حُدَيَّاة \" بضم الحاء وفتح الدال وتشديد الياء تصغير حدأة التي هي الطائر المعروف، \" فخطفته \" أي فاختطفت الوشاح حيث ظنته لحمًا لحمرة لونه \" فاتهموني به \" أي بسرقته \" حتى فتشوا قبلها \" أي ففتشوا ثيابها وجميع جسمها حتى فتشوا فرجها \" قالت: فوقع منها \" أي فلما لم تجده الحدأة لحمًا ألقته في وسطهم، وهم يشاهدون ذلك \" فأسلمت هذا الذي اتهمتموني به زعمتم \" أي هذا هو الوشاح الذي زعمتم أني سرقته \"فأسلمت، قالت","vol":"2","page":18},{"text":"رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فأسْلَمَتْ، قَالَتْ عائِشَةُ ﵂: فكانَ لَهَا خِبَاء في الْمَسْجِدِ أو حِفْش، قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأتِيني، فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، فَلَا تَجلِسُ عِنْدي مَجْلِسًا إلَّا قَالَتْ:\nوَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أعَاجِيبِ رَبِّنَا ... ألَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أنْجَانِي\nقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأنُكِ، لا تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بهذَا الْحَدِيثِ.\nــ\nعائشة ﵂: فكان لها خباء\" بكسر الخاء وفتح الباء المخففة، أي خيمة من وبر أو صوف \" في المسجد \" أي وكانت الخيمة منصوبة في المسجد \" أو حفش \" وهو البيت الصغير \" قالت: فلا تجلس ضدي مجلسًا إلاّ وقالت: وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أعَاجيب رَبِّنَا ... إلخ \" أي كانت الفتنة التي تعرضت لها من إيذائها واتهامها سببًا في إسلامها وهجرتها، وكان الوشاح سببًا في نجاتها، وكان يوم الوشاح من الأعاجيب، لأن ما وقع فيه من اختطاف الحدأة للوشاح، واتهامها به كان من أعاجيب الزمان، وغرائب الأيام وكان من نعم الله عليها حيث كان نقطة تحول في حياتها من شقاء إلى سعادة، وسببًا في إسلامها، وهجرتها من دار الكفر إلى دار الإِيمان على حد المثل القائل \" رب ضارة نافعة \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز نوم المرأة في المسجد، كما ترجم له البخاري لقول عائشة ﵂: \" فكان لها خباء في المسجد \" وذلك يقتضي أن هذه الأمة السوداء كانت تبيت في المسجد وتنام فيه، وقد أقرها - ﷺ - على ذلك، وإقراره حجة شرعيّة فدل على جوازه، إلا أن ذلك مشروط بأمن الفتنة، وقد كانت تلك الأمة عجوز شمطاء لا مطمع فيها للرجال، قال","vol":"2","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>١٩٨ - \" بَابُ نوْمَ الرِّجَالَ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٣٨ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ:\nجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْتَ فَاطِمَةَ ﵂ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًا في البَيْتِ، فقالَ: \" أينَ ابْنُ عَمِّكِ؟ \"، قَالَتْ: كَانَ بَيني وَبَيْنَهُ شَيءٌ\nــ\nالحافظ: وفي الحديث إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا مكان له من المسلمين رجلًا أو امرأة عند أمن الفتنة. أما إذا كانت المرأة شابة فلا يجوز لها ذلك لما تتعرض له من خطر. ثانيًا: جواز نصب الخيمة وشبهها في المسجد للمسكين الذي لا مأوى له، شريطة أن لا يؤدي ذلك إلى التضييق على المسلمين .. ثالثًا: مشروعية هجرة الإِنسان من البلد التي يفتن فيها في دينه أو نفسه أو عرضه أو ماله، وربما كانت هذه الهجرة سبب خير، وبداية حياة سعيدة، كما وقع لهذه المرأة التي كانت تترنم بهجرتها قائلة:\nوَيَومَ الوِشَاح من أعاجِيْبِ رَبِّنَا ... ألا إنه من بَلْدَةِ الكُفْرِ أنجاني\nفتذكر دائمًا يوم الوشاح بالحمد والشكر لله، لأنه كان سببًا لهجرتها إلى بلدة رسول الله - ﷺ - وانتقالها من بلاد الكفر إلى بلاد الإِسلام. الحديث: أخرجه البخاري في هذا الباب. والمطابقة: في قولها: \"فكان لها خباء في المسجد\".\n١٩٨ - \" باب نوم الرجال في المسجد \"\n٢٣٨ - معنى الحديث: يقول سهل ﵁: \" جاء رسول الله - ﷺ - بيت فاطمة ﵂ \" بعد الظهر، وفي وقت القيلولة ليتفقد أحوال ابنته وعلاقتها مع زوجها \" فلم يجد عليًا في البيت \" في ذلك الوقت الذي جرت فيه العادة بوجود الرجال في منازلهم، فلفت ذلك نظره - ﷺ -،","vol":"2","page":20},{"text":"فَغَاضَبَنِي، فَخَرَجَ فَلَمْ يقلْ عِنْدِي، فقالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لإنْسَانٍ: \" انْظر أينَ هُوَ \"، فَجَاء فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ في الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ، فجاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قد سَقَطَ رِدَاؤهُ عِن شِقِّهِ، وأصَابَهُ تُرَاب، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيقُول: \" قُمْ أبا تُرَابٍ قُمْ أبا تُرَابٍ \".\nــ\nوأدرك أن تغيب عليّ لا بد أن يكون لسبب ما \" فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج \" أي حدث بينيِ وبينَه نزاع واختلاف أدّى إلى إثارة الغضب في نفسي ونفسه، فخرج متألمًا مستاءً مني \" ولم يقل عندي \" أي ولم يقض وقت القيلولة عندي \" فجاء رسول الله - ﷺ - وهو مضطجع \" أي فوصل إليه النبي - ﷺ - وهو مضطجع في المسجد وهذا هو موضع الترجمة ودليلها \" فجعل رسول الله - ﷺ - يمسح عنه \" أي يمسح عنه التراب بيده الشريفة، \" ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب \" بحذف حرف النداء والتقدير قم يا أبا تراب.\nويستفاد منه: أولًا: جواز نوم الرجال في المسجد، لأن النبي - ﷺ - أقر عليًا على نومه فيه، وإقراره - ﷺ - حجة شرعية. قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم بالنوم في المسجد وهم الجمهور. اهـ. وكرهه الحنفية (١) إلّا لغريب، وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت فيه. ثانيًا: جواز التكنية بغير الولد ممازحة وملاطفة لمن لا يُغضبه ذلك. الحديث: أخرجه مسلم في الفضائل. مطابقته للترجمة: في إقراره - ﷺ - نوم على في المسجد.\n...\n_________\n(١) وحملوا حديث الباب على حال الضرورة.","vol":"2","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>١٩٩ - \" بَاب إذَا دَخلَ أحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ يَجْلِسَ </span>\"\n٢٣٩ - عن أبي قُتَادَةَ السَّلَمِيِّ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إذَا دَخَلَ أحدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ ركْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ \".\nــ\n١٩٩ - \" باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس \"\n٢٣٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس \" أى فليصل ركعتين وهما تحية المسجد قبل الجلوس أو أي شيء آخر من قراءة قرآن، أو طلب علم أو استفتاء، أو نحوه. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية تحية المسجد وكونها سنة مؤكدة لأمره - ﷺ - بها في هذا الحديث وغيره، وقد اتفقوا على أن الأمر بها للندب ما عدا ما نقل عن أهل الظاهر من حمله على الوجوب، مع أن ابن حزم صرح بخلافه. ثانيًا: أن الأمر بتحية المسجد في هذا الحديث عام شامل لجميع الأوقات، ولكن هناك أحاديث أخرى ورد فيها النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح والعصر، وعند خطبة الجمعة نهيًا عامًا شاملًا لجميع النوافل، قال الحافظ: وهما عمومان متعارضان: الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات معينة، فلا بد من تخصص أحد العمومين، فذهب قوم إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر \" أي إلى تخصص النهي بغير الصلاة التي لها سبب، أما الصلاة التي","vol":"2","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>٢٠٠ - \" بَابُ بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَبْنِيًَّا باللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَريدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أبو بَكْرٍ شَيْئًا، وزَادَ فيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلى بُنْيَانِهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - باللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وأعادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرةً، وبَنَى جِدَارَهُ بالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ والْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بالساجِ.\nــ\nلها سبب، كتحية المسجد فإنّها تصلى في أوقات النهي. قال الحافظ: وهو الأصح عند الشافعية، وذهب قوم إلى تخصيص الأمر بتحية المسجد بغير الأوقات المنهي عنها، وقالوا: لا تصلى النافلة في أوقات النهي مطلقًا سواء كانت تحية المسجد أو غيرها، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال الشوكاني: الأولى للمتورع ترك دخول المسجد في أوقات الكراهة. اهـ. والمطابقة: في كون الترجمة من، لفظ الحديث نفسه.\n٢٠٠ - \" باب بنيان المسجد \"\n٢٤٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - \" أي في زمنه - ﷺ - \" مبنيًا باللبن \" أي كانت جُدْرانه مبنية من اللبن - بفتح اللام وكسر الباء، وهو ما يصنع من الطين اللَّيِّن، ويجفف بالشمس \" وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل \" أي من جذوع النخل المقطوعة من الحائط الذي بني فيه المسجد، حيث أمر - ﷺ - كما في رواية أخرى بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد - أي جعلوا جذوع النخل سوارى","vol":"2","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>٢٠١ - \" بَابُ التَّعَاوُنِ في بِنَاءِ الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁:\nأنَّهُ كَانَ يُحَدثُ يَوْمًَا حَتَّى أتى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا\nــ\nوأعمدة للرواق القبلي من المسجد. هذا وقد كانت مساحة المسجد في العهد النبوي نحو خمسة وثلاثين مترًا من الشمال إلى الجنوب وثلاثين مترًا من الشرق إلى الغرب \" وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه \" أي وبناه على شكل بنيانه في العهد النبوي، ولم يُغَير في مواد بنائه شيئًا وإنما وسعه وقال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ينبغي أن تزيدوا في مساجدنا ما زدت فيه \" ثم غير عثمان \" أي جدده وطور في بنائه \" وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّةِ \" وهى الجص بلغة الحجاز، \" وسقفه \" بفتح القاف والفاء \" بالساج \" أي جعل سقفه من الساج وهو خشب هندي أسود اللون. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.\nويستفاد منه: كيفية بناء المسجد في العهد النبوي، وتجديد الخلفاء وتوسيعهم لمساحته، وفضل بناء المساجد وتعميرها. والمطابقة: في وصف الحديث لبناء المسجد شكلًا ومادة.\n٢٠١ - \" باب التعاون في بناء المسجد \"\n٢٤١ - معنى الحديث: أن أبا سعيد ﵁ \" كان يحدث يومًا حتى أتى على ذكر بناء المسجد \" أي حتى ساقه الحديث إلى قصة بناء المسجد النبوي \" فقال: كما نحمل لبنة لبنة \" أي كان كل واحد منا يحمل لبنة واحدة في كل مرة \" وعمار لبنتين لبنتين \" أي وكان عمار يحمل لبنتين اجتهادًا منه، وحرصًا على طاعة الله ورسوله، \" فجعل - ﷺ - ينفض التراب عنه \" تكريمًا له وتنويهًا بشأنه، وتعبيرًا عن عطفه - ﷺ - عليه ومحبته له،","vol":"2","page":24},{"text":"نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّار لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: فَجَعَل يَنْفُضُ الترابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: \" وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إلى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النَّارِ \"، قَالَ: يَقُولُ عَمَّار: أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>٢٠٢ - \" بَابُ مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا </span>\"\n٢٤٢ - عَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\nــ\n\" فيقول: ويح عمّار \" أي والحال أنه يقول: \" ويح عمار \" الخ وهذا تعبير\nآخر عن توجعه - ﷺ - ورثائه لما يؤول إليه حاله حيث \" تقتله الفئة الباغية \"\nأي تقتله الفئة الخارجة عن طاعة الخليفة الراشد علي ﵁، وهم أصحاب معاوية كما جاء في رواية أخرى وهم أصحاب الشام كما أفاده العيني، قال الحافظ: وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفين سنة (٣٧) هـ \" يدعوهم إلى الجنة \" أي إلى سبيل الجنة بمبايعة عليّ، \" ويدعونه إلى النار \" قال في شرح \" زاد المسلم \" أي يدعونه إلى سببها وإن لم يتعمدوا بالتأويل. فهم معذورون.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب التعاون في بناء المساجد، وأنه من أفضل الأعمال. ثانيًا: أن عليًا ﵁ بعد عثمان ﵁ هو صاحب الحق في الخلافة لأنّه - ﷺ - سمي الطرف الآخر بالفئة الباغية.\nالحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" نحمل لبنة لبنة \".\n٢٠٢ - \" باب من بني مسجدًا \"\n٢٤٢ - معنى الحديث: أن عثمان ﵁ لما جدد المسجد النبوي سنة تسع وعشرين من الهجرة أنكر عليه بعض الناس زخرفة المسجد","vol":"2","page":25},{"text":"إنَّكُمْ أكثرتُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" من بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ في الجَنَّةِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>٢٠٣ - \" بَابُ يَأخذُ بِنُصُولِ النبلِ إذا مَرَّ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nمَرَّ رَجُل في الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أمْسِكْ بِنِصَالِهَا \" (١).\nــ\nوتغيير شكل بنائه، وأحبوا أن يدعه على هيئته، فأجابهم على ذلك \" وقال: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من بني مسجدًا \" التنكير للتعميم أي من بني أيَّ مسجدٍ صغيرًا كان أو كبيرًا، واسعًا أو ضيقًا \" ولو كمفحص قطاة \" كما رواه الطبراني وابن حبان، وهو المكان الذي تضع فيه بيضها \" بنى الله له مثله في الجنة \" أي بني له مثل عدد ما بناه، فإنْ بنى واحدًا بنى له واحدًا وإن بني اثنين بني له اثنين، فالتشبيه في العدد لا في الشكل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.\nويستفاد منه: فضل بناء المساجد، وعظم المثوبة عليها في الجنة، وفي رواية الطبراني \" من بني مسجدًا لا يريد به رياءً ولا سمعة، بني الله له بيتًا في الجنة \". والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٢٠٣ - \" باب يأخذ بنصول النبل إذا مرَّ في المسجد \"\n٢٤٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - أمر الرجل الذي مر بالمسجد ومعه السهام أن يمسك بنصولها، ويحافظ عليها لئلا تؤذي أحدًا.\nويستفاد منه: جواز إدخال السلاح المسجد، شريطة أن يحافظ على سلامة الناس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\n_________\n(١) النصال، جمع نصل، وهو حديدة السهم والرمح والسكين، والجمع أنصل، ونصول وأنصال. اهـ \" اللسان \".","vol":"2","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>٢٠٤ - \" بَابُ الْمرُورِ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٤ - عن أبي مُوسَى ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ مَرَّ في شَيءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أو أسْوَاقِنَا بِنَبْل فلْيَاخُذْ عَلَى نِصَالِهَا لا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًَا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>٢٠٥ - \" بَابُ الشِّعْرِ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٥ - عن حَسَّانَ ﵁:\nــ\nوالمطابقة: في قوله: \" أمسك بنصالها \".\n٢٠٤ - \" باب المرور في المسجد \"\n٢٤٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -\"من مرَّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا \" أي من اجتاز أيَّ مكان من الأماكن الحافلة بالناس سواء كان مسجدًا أو سوقًا \" بنبل \" أي بسهام \" فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلمًا \" أي فليحافظ عليها وليكن حذرًا أثناء مروره بها، لئلا يجرح بها أحدًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز المرور في المسجد وإن كان قد وضع في الأصل للعبادة، لأن الحاجة تقتضيه. ثانيًا: وجوب الحذر واليقظة عند المرور بالسلاح في المسجد أو غيره من الأماكن العامة خشية أن يؤذي به أحدًا. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \"من مَر في شيء من مساجدنا\".\n٢٠٥ - \" باب الشعر في المسجد \"\n٢٤٥ - ترجمة راوي الحديث: هو شاعر الإِسلام وشاعر رسول الله","vol":"2","page":27},{"text":"أنه اسْتَشْهَدَ أبا هُرَيْرَةَ: أنشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" يَا حَسَّانُ أجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، اللَّهُمَّ أيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ \" قَالَ أبُو هُرَيْرَةُ: نَعَمْ.\nــ\n- ﷺ - حسان بن ثابت ﵁ الخزرجي الأنصاري، قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي - ﷺ - في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإِسلام، عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإِسلام، وتوفي في خلافة على قبل الأربعين من الهجرة.\nمعنى الحديث: أن حسان ﵁ كان ينشد الشعر في المسجد، بينما كان عمر هناك، فلحظ إليه عمر، أي نظر إليه نظرة استنكار، فلما رأى حسان منه ذلك، قال له: كنت أنشد الشعر في المسجد وفيه من هو خير منك، ثم \" استشهد أبا هريرة \" أي سأله أداء الشهادة التي يعلمها عن إنشاده الشعر في المسجد بحضور رسول الله - ﷺ -، وإقرار النبي - ﷺ - له على ذلك وتشجيعه له على إنشاد الشعر فقال: \" أنشدك الله \" بفتح الهمزة وضم الشين، أي أسألك بالله وأستحلفك به \" هل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يا حسان أجب عن رسول الله - ﷺ - \" أي أجب شعراء المشركين بشعرك واهجهم به دفاعًا عن النبي - ﷺ - ونصرة لدينه. وهل سمعته يقول: \" اللهم أيده بروح القدس \" أي قوِّه بجبريل، وسخره له فيلهمه الشعر الذي يقع على أعداء الإِسلام وقع السهام \" قال أبو هريرة: نعم \" سمعتك تنشد الشعر أمامه فِي المسجد، وسمعته يقول ذلك.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز إنشاد الشعر فِي المسجد، لأن حسان كان يفعل ذلك بحضوره - ﷺ -، وأقره عليه، ولم ينكره، قال الترمذي:","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>٢٠٦ - \" بَابُ أصْحابِ الْحِرَابِ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nلَقَدْ رَأيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمًَا علَى بَابِ حُجْرَتِي، والْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ في الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللهِ يَسْترُنِي بِرِدَائِهِ أنظرٌ إلى لَعِبِهِمْ.\nــ\nروي عن النبي - ﷺ - في غير حديث الرخصة في إنشاد الشعر في المسجد، وقد اختلف في ذلك العلماء فقال الشعبي وابن سيرين وابن المسيب والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: لا بأس بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء، ولا ثلب عرض المسلمين، ولا فحش.\nوقال مسروق والحسن البصري والنخعي: يكره رواية الشعر وإنشاده لحديث عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلىء شعرًا \" أخرجه الشيخان وابن ماجه. وأجاب الأولون أن هذه الأحاديث إنما هي في الشعر الذي فيه خنى وفحش. ثانيًا: فضل حسان وسائر الشعراء الإِسلاميين السائرين على نهجه في الدفاع عن الإِسلام.\nفإن عملهم هذا جهاد والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أجب عن رسول الله - ﷺ - \".\n٢٠٦ - \"باب أصحاب الحراب في المسجد\"\n٢٤٦ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يومًا على باب حجرتي \" أي واقفًا في باب حجرتي \" والحبشة يلعبون في المسجد \" بحرابهم كما في رواية أخرى \" ورسول الله - ﷺ - يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم \" بفتح اللام وكسر العين، أو بكسر اللام وسكون العين، أي وأنا واقفة إلى جانب النبي - ﷺ - أنظر إليهم، وأشاهد ألعابهم الحربية","vol":"2","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-231>٢٠٧ - \" بَابُ التَّقَاضِي وَالْملَازَمَةِ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٧ - عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁:\nأنهُ تَقَاضَى ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ في الْمَسْجِدِ، فارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا حتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي بَيْتهِ، فَخَرَجَ إليْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنَادَى: يَا كَعْبُ! قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهَ! قَالَ: ضَعْ منْ دَيْنِكَ هَذا، وَأوْمَأ إلَيْهِ أي الشَّطْرَ، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ.\nــ\nورسول الله - ﷺ - يسترني عن أعين الناس بردائه. والمطابقة: في قولها: \" يلعبون في المسجد \".\nويستفاد منه: أن المسجد النبوي كان مركزًا عسكريًا، وقاعدة حربية، وميدانًا يتدرب فيه الرجال على ألعاب الفروسية والقتال، قال الحافظ: واللعب بالحراب ليس لعبًا مجردًا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\n٢٠٧ - \" باب التقاضي والملازمة في المسجد \"\n٢٤٧ - ترجمة راوي الحديث: هو كعب بن مالك الأنصاري شاعر النبي - ﷺ - شهد العقبة والمشاهد كلها عدا بدر وتبوك، روى ثمانين حديثًا، للبخاري منها أربعة وتوفي بالمدينة سنة (٥٠) هـ.\nمعنى الحديث: أن كعبًا ﵁ \" تقاضى ابن أبي حدرد \" أي طالبه بدين له عليه \" في المسجد فارتفعت أصواتهما \" أي فتخاصما حتى ارتفعت أصواتهما \" فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته \" بكسر السين وفتحها وهو الستر أو الستارة أي أنه لما سمع أصواتهما وهما يتخاصمان في","vol":"2","page":30},{"text":"المسجد كشف ستر حجرته، ليستطلع خبرهما ويتعرف على قضيتهما، ثم خرج إليهما، ومر بهما كما في رواية الأعرج \" فنادى، كعب قال: لبيك، رسول الله قال ضع من دينك \" أي تنازل عن بعض دينك تخفيفًا عليه، ورفقًا بحاله \" وأومأ إليه أي الشطر \" أي وأشار إليه إشارة تفسيرها ومعناها تنازل عن نصف الدين، وخذ منه النصف. ولم يقصد بذلك - ﷺ - أن يأمره أمر إلزام، وإنما هي مجرد وساطة وشفاعة وإصلاح بين المتخاصمين، له أن يقبلها، أو يعتذر عنها \" قال: قد قبلت \" أي قبلت وساطتك \" قال: قم فاقضه \" أي قم يا ابن أبي حدرد فسدد نصف الدين فورًا، والأمر هنا أمر وجوب وإلزام. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز مقاضاة الديون وسائر الحقوق المالية في المسجد، وقضاؤها فيه، قال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا أما التجارة والصرف فلا أحبّه. ثانيًا: أن أمر القاضي بالتنازل عن بعض الحق إنما هو مجرد شفاعة وصلح، ولا يجب تنفيذه، وإنما له أن يقبله أو يعتذر عنه إن شاء. ثالثًا: أنه إذا قبل الدائن التنازل عن بعض حقه استجابة منه لوساطة الحاكم وجب على المدين أن يقوم بقضاء الدين فورًا، وللقاضي أن يلزمه بذلك، وذلك لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل معًا، كما أفاده العيني. رابعًا: جواز رفع الصوت في المسجد ما لمٍ يتفاحش، وقد أفرده البخاري بباب مستقل، ونقل عن مالك منعه مطلقًا، كما نقل عنه جوازه في العلم والخير وما لا بد فيه، دون رفعه باللغط ونحوه، وأما حديث واثلة: \" جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم \" أخرجه ابن ماجة فإنه ضعيف (١). الحديث: أخرجه الشيخان.\n...\n_________\n(١) شرح العيني ج ٤.","vol":"2","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>٢٠٨ - \" بَابُ كَنْس والْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَجُلًا أسْوَدَ اوْ امْرَأةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فمَاتَ، فَسَألَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهُ، فَقَالُوا، مَاتَ، فَقَالَ: \" أفَلَا آذَنْتُمونِي، دُلُّوني عَلَى قَبْرِهِ، أوْ قَالَ: عَلَى قَبْرِهَا \" فَأتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.\nــ\n٢٠٨ - \"باب كنس المسجد\"\n٢٤٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ في حديثه هذا \" أن رجلًا أسود أو امرأة سوداء كانت تقم المسجد \" أي كانت على عهد النبي - ﷺ - تكنس المسجد وتنظفه، وتجمع القمامة منه، لتلقيها خارج المسجد. \" فماتت \" فلم يعلم - ﷺ - بها، \" فسأل النبي - ﷺ - عنها فقالوا: ماتت \" أي فأخبره أبو بكر الصديق بأنّها ماتت كما أفاده العيني \" فقال: أفلا آذنتموني \" أي فعاتبهم النبي - ﷺ - على عدم إخباره بوفاتها \" ثم قال: \" دلوني على قبرها \" لأصلي عليها فوق قبرها، وفي رواية مسلم قال - ﷺ -: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم \" فصلى عليها \" صلاة الجنازة عند قبرها، وفي الحديث عن خارجة ابن زيد بن ثابت عن عمه قال: خرجنا مع النبي - ﷺ - فلما ورد البقيع إذ مرَّ بقبر جديد (١) فسأل عنه، فقيل: فلانة أي فأخبروه بأنها تلك المرأة التي كانت تقم المسجد، واسمها أم محجن فعرفه قال: \" ألا آذنتموني بها \" أي ألا أعلمتموني بوفاتها، فإن صلاتي عليها رحمة لها، ثم أَتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعًا. أخرجه ابن حبان.\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري ج ٤.","vol":"2","page":32},{"text":"فقه الحديث دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل تنظيف المسجد والقائمين به وعلو منزلتهم، حتى أن بعض أهل العلم جعل صلاته - ﷺ - على قبر هذه المرأة خصوصية لها مقابل خدمتها للمسجد، وعنايتها بحرمه الشريف، وفي الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوىء أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن \" رواه مسلم. فإذا كانت القذاة وهي ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو وسخ قليل جدًا يؤجر العبد على إخراجه من المسجد، فكيف بمن يكنسه وينظفه، ولهذا قال ابن رسلان: فيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة، فإنّها كتب في أجورهم، وتعرض على نبيهم - ﷺ -، وإذا كتب هذا القليل وعُرِض، فإنه يكتب الكبير ويعرض بالأولى، ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى. وقال ابن بطال في شرح حديث الباب: وفي هذا الحديث الحض على كنس المساجد وتنظيفها، لأنه إنّما خصها بالصلاة عليها بعد دفنها من أجل ذلك. ثانيًا: مشروعية صلاة الجنازة على القبر لمن لم يكن صلى على تلك الجنازة اقتداء بالنبي - ﷺ - وعملًا بسنته، وهو قول الجمهور: إلا أنهم اختلفوا في المدة التي يصلّى عليه فيها، فقال الشافعية: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام وقالت الحنابلة: إلى شهر وقالت الحنفية: يصلى عليه ما لم يغلب على الظن أنّه تفسخ، وقالت المالكية: يصلى عليه ما لم يُظن فناؤة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" كانت تقم المسجد \".\n***","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>٢٠٩ - \" بَابُ الأسِيرِ والْغرِيمِ يربَطُ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٤٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ عِفْرِيتًَا من الْجِنِّ تفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَىَّ الصَّلَاةَ فأمكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إِلَى سَارِية مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ حتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظرٌوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي. قَالَ رَوْح، فَرَدَّهُ خَاسِئًَا \".\nــ\n٢٠٩ - \" باب الأسير والغريم يربط في المسجد \"\nالغريم: هو المدين المحكوم عليه شرعًا بالسجن لمطله أو لسبب آخر.\n٢٤٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أن النبي - ﷺ - قال: إن عفريتًا من الجن \" أي إن شخصًا متمردًا من الجن، والجن أجسام نارية قابلة للتشكل بأشكال مختلفة، وهم مخلوقات غير منظورة لنا، مكلفون مثلنا، منهم المؤمنون والكافرون والعصاة، ومنهم الطيب والخبيث، وهو الذي تحدث عنه في هذا الحديث \" تفلت عليّ البارحة \" أي أن هذا المارد من الجن تعرّض لي أثناء الصلاة \" ليقطع علّي الصلاة \" أي ليشغلني به، ويقطع علي الخشوع في الصلاة، بتشويش أفكاري، ويحول بيني وبين قبلتي، وبيني وبين مناجاة ربي، وليس معناه أنه يبطل عليه صلاته ويفسدها عليه، لأن مجرد وسوسة الشيطان لا تقطع الصلاة، \" فأمكنني الله منه \" أي فأقدرني الله على ذلك الشيطان فدفعته عن نفسي، وفي رواية مسلم \" فذعتُّه \" أي خنقته \" فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا وتنظروا إليه \" مقيدًا نهارًا وأولاد المدينة يلعبون به \"فذكرت","vol":"2","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>٢١٠ - \" بَابُ الْخيْمَةِ فِي الْمَسْجِدِ للْمَرْضَى وَغَيرِهِمْ </span>\"\n٢٥٠ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فَضَربَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْمَةً في الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيب، فَلَمْ يَرُعْهُمْ، وفي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنى غِفَارِ إلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إلَيْهِمْ،\nــ\nقول أخي سليمان: رب اغفر لي وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي\" حيث دعا الله أن يخصه وحده بامتلاك الجن فامتنعت عنه.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز ربط الأسير والغريم وكل من عليه حق شرعي في المسجد، سواء كان دينًا أو قصاصًا. ثانيًا: وجود عوالم أخرى غير منظورة كالجن والملائكة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nوالمطابقة: في قوله: \" فأردت أن أربطه إلى سارية \" إلخ.\n٢١٠ - \" باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم \"\n٢٥٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" أصيب سعد يوم الخندق \" أي أصيب سعد بن معاذ يوم غزوة الخندق \" الأكحل \" بفتح الهمزة، وهو عرق في الذراع إذا قطع لا يرقأ دمه، ولهذا قال الخليل: هو عرق الحياة، وهو متصل بجميع أعضاء الجسد، وله في كل عضو شعبة، ويختلف اسمه باختلاف الأعضاء فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النساء. وكان سعد ﵁ قد رماه حبان \" بكسر الحاء وتشديد الباء \" ابن قيس بسهم فأصابه في أكحله وهو يقول: أنا ابن العرقة فقال - ﷺ -: عرق الله وجهه بالنار فقال سعد اللهم لا تخرج روحي حتى تُقِرَّ عيني في بني قريظة \" فضرب النبي - ﷺ - \" أي فأقام النبي - ﷺ - \" له خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني","vol":"2","page":35},{"text":"فَقَالُوا: يَا أهْلَ الْخَيْمَةِ مَا هَذَا الَّذِي يأتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ، فإذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرحُهُ دَمًَا فَمَاتَ فِيهَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>٢١١ - \" بَابُ إدْخالِ الْبَعِيرِ في الْمَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ </span>\"\n٢٥١ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\nشَكَوْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ أنِّي أشْتَكِي، قَالَ: \" طُوفي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأنْتِ رَاكِبةٌ \" فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّى إلَى جَنْبِ البَيْتِ يَقْرأُ بالْطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.\nــ\nغفار\" بكسر الغين \" إلاّ الدم يسيل إليهم \" أي ينزف بغزارة من الخيمة التي فيها سعد \" فإذا سعد يغذو جرحه \" أي يسيل فلما تفقدوا تلك الخيمة وجدوا أن سعدًا قد انتفض عليه أكحله وعاوده النزيف. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \"فضرب النبي - ﷺ - له خيمة\" إلخ.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز التمريض في المسجد للضرورة والحاجة لأن سعدًا مرض في المسجد لعدم وجود أماكن أخرى من مستشفيات ونحوها.\nثانيًا: استدل به مالك (١) على أن إزالة النجاسة ليست فرضًا، ولو كانت فرضًا لما أجاز النبي - ﷺ - للجريح بالسكنى في المسجد.\n٢١١ - \" باب إدخال البعير في المسجد للعلة \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز إدخال البعير إلى المسجد لعذر شرعي.\n٢٥١ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂:\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري ج ٤.","vol":"2","page":36},{"text":"\" شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي \" أي أخبرته أني مصابة بمرض يمنعنى من المشى في الطواف \" قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة \" أي فرخص لي أن أطوف خلف الناس راكبة على بعيري \" فطفت \" أي فطفت راكبة على البعير كما أذن لي النبي - ﷺ - \" ورسول الله - ﷺ - يصلي إلى جنب البيت يقرأ: بـ وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ \" والحال أن رسول الله كان يصلي في ذلك الوقت إلى جوار الكعبة، ويقرأ هذه السورة المذكورة.\nويستفاد منه ما يأتي:\nأولًا: جواز إدخال البعير إلى المسجد إذا احتاج صاحبه إلى ذلك لعذر شرعي من مرض أو عجز أو نحوه، قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها ولا ينجس بولها إلى المسجد إذا احتيج إلى ذلك وأما دخول سائر الدواب فلا يجوز، وهو قول مالك وأحمد في المشهور عنه، خلافًا لغيرهما، وسبب ذلك أنهم اختلفوا في روث ما يؤكل لحمه وبوله، فقال مالك وأحمد في المشهور عنه: هو طاهر، وقال أبو حنيفة: كله نجس إلاّ ذرق الحمام والعصافير، وقال الشافعي كله نجس دون استثناء، واستدل مالك وأحمد على طهارته بهذا الحديث، لأنه لو لم يكن طاهر البول والروث لما رخص لها بإدخال البعير إلى المسجد، لأنه قد يبول فيه، وقال الشافعي: إنما رخص لها بذلك لأنه أمن من تلويث المسجد، وفيه نظر. ثانيًا: جواز الطواف راكبًا على بعير وغيره لمن عجز عن المشي، وقد استغنى الناس في عصرنا هذا عن الطواف على البعير بالطواف على أشياء أخرى كالشبرية مثلًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" طوفي من وراء الناس وأنت راكبة \".","vol":"2","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-236>٢١٢ - \" بَاب </span>\"\n٢٥٢ - عَن أنَسٍ ﵁:\nأن رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابِ النَّبِي - ﷺ - خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيئَانِ بَيْنَ أيدِيهُمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مع كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أتَى أهْلَهُ.\nــ\n٢١٢ - \" باب \"\n٢٥٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن رجلين من أصحاب النبي - ﷺ - خرجا من عند رسول الله - ﷺ - \" وهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ فإنهما خرجا من مسجده - ﷺ - \" في ليلة مظلمة \" من ليالي آخر الشهر حالكة الظلام لا أثر فيها لضوء القمر \" ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما \" أي فأمدهما الله بنور من عنده، فصار يسير معهما مثل المصباحين ينيران لهما الطريق \" فلما افترقا صار مع كل واحد منهما مصباح حتى أَتى أهله \" أي حتى وصل إلى منزله كَأنَّ الله قد عجّل لهما في الدنيا ما أخره لعباده الصالحين في الآخرة (١)، ووعدهم به في كتابه، وبشرهم به على لسان رسوله - ﷺ - فقال ﷿: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) وقال - ﷺ -: \" بَشِّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل التردد على صلاة الجماعة في ظلمات الليل بالمساجد، فإنّ السائرين فيها في ظلمات الليل إن لم يجدوا نورًا حسيًا ينير لهم الطريق وجدوا نورًا في وجوههم وبصائرهم في الدنيا، ونورًا بين أيديهم يوم القيامة. ثانيًا: فضل هذين الصحابيين الجليلين، وما أكرمهما\n_________\n(١) كما أفاده القسطلاني ج ١.","vol":"2","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>٢١٣ - \" بَابُ الْخوْخةِ والْمَمَرِّ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٢٥٣ - عن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nخَطَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِنَّ اللهَ خَيَّرَ عَبْدًا بيْنَ الْدُنيا وبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ \"، فَبَكَى أبو بَكْر، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيخَ إِنْ يَكُنْ اللهُ خَيَّر عَبْدًا بَيْنَ الدُّنيا وبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أبو بَكْرٍ أعْلَمَنَا، فَقَالَ: \" يَا أبَا بَكْر لا تَبْكِ إنَّ أمَنَّ النَّاس عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومَالِهِ أبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا (١) مِنْ أمَّتِي لاتَخَذْتُ أبا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أخُوَّةُ الإسْلَامِ\nــ\nالله به من هذا النور الذي يضيء لهما الطريق إلى منزلهما أثناء عودتهما في ظلمات الليل من المسجد. ثالثًا: إثبات الكرامة لأولياء الرحمن في سائر العصور والأزمان حتى قيام الساعة. الحديث: أخرجه البخاري.\n٢١٣ - \" باب الخوخة والممر في المسجد \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز اتخاذ الخوخة بفتح الخاء، وهي الباب الصغير في المسجد.\n٢٥٣ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁: \" خطب النبي - ﷺ - \" أي خطب - ﷺ - في مرضه الذي توفي فيه، حيث خرج عاصبًا رأسه، فصعد المنبر \" فقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده \" أي بين البقاء في هذه الدنيا والانتقال إلى الرفيق الأعلى \" فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما هذا الشيخ إنْ يكن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله \" أي فقلت أي\n_________\n(١) وهو المحبوب الذي تتخلل محبته وسط القلب.","vol":"2","page":39},{"text":"وَمَوَدَّته، لا يَبْقَيَنَّ في الْمَسْجِدِ بَاب إلَّا سُدَّ إلَّا بَابَ أبِي بَكْرٍ\".\nــ\nشيء في هذا يبعث على البكاء، لأنني لم أعرف الشخص المعنّي بذلك \" وكان رسول الله - ﷺ - هو العبد \" أي وإذا المقصود بهذا العبد الذي اختار ما عند الله هو رسول الله - ﷺ - وإذا بالرسول - ﷺ - يَنْعَى (٢) إليْنَا نَفْسَهُ ويخبرنا برحيله عنا \" وكان أبو بكر أعلمنا \" وأفهمنا لكلام رسول الله - ﷺ - هذا \" فقال: يا أبا بكر لا تبكِ إن أَمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر \" أي أكثرهم إحسانًا إليَّ هو أبو بكر \" ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر \" أي ولو كان هناك أحدٌ من البشر يبلغ من نفسي منزلة الخليل لكان أبا بكر \" ولكن أخوة الإسلام \" ولكن له مني أخوة الإِسلام أما خُلَّتي فإنها لله وحده فهو ﷿ الذي انفرد بكمال محبتي له دون سواه \" لا يبقين في المسجد باب إلاّ سد، إلاّ باب أبي بكر \" فإنه يبقى وحده دون سائر الأبواب الأخرى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي. أولًا: الإِشادة بفضل الصديق ﵁ وإحسانه لرسول الله - ﷺ -. ثانيًا: جواز اتخاذ الخوخة في المسجد كما ترجم له البخاري. ثالثًا: أنه لا خليل لنبينا - ﷺ - إلّا الله وحده، لأن الخلة كما قال ابن القيم: معناها توحيد الله بالمحبة، وهي رتبة لا تقبل المشاركة.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\nوالمطابقة: في قوله: \" إلاّ باب أبي بكر \".\n...\n_________\n(٢) قال في المصباح نعيت نعيًا من باب نعى أخبرت بموته.","vol":"2","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>٢١٤ - \" بَابُ الاسْتِلْقَاءِ في الْمَسْجِدِ ومدِّ الرِّجْلِ </span>\"\n٢٥٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ بنِ عَاصِم ﵁:\nأنَّهُ رَأى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مُسْتَلْقِيًَا في الْمَسْجِدِ وَاضِعًَا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأخْرَى.\nــ\n٢١٤ - \" باب الاستلقاء في المسجد ومد الرجل \"\n٢٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ في حديثه هذا \" أنه رأى رسول الله - ﷺ - \" أي رآه بعينه وشاهده ببصره \" مستلقيًا في المسجد \" أي مضطجعًا على ظهره في المسجد \" واضعًا، إحدى رجليه على الأخرى \" أي واضعًا إحدى رجليه على الرجل الأخرى. قال العيني: قوله \" مستلقيًا حال وكذلك واضعًا وهما حالان مترادفان \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث. على جواز الاستلقاء في المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، لأنه - ﷺ - فعل ذلك، وفِعْلُهُ - ﷺ - حجة على جوازه وأما حديث جابر أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق، فإنه منسوخ بحديث الباب، أو أنه لا يجوز ذلك إذا كان الإِزار ضيقًا، وخشي انكشاف عورته لو وضع إحدى رجليه على الأخرى، فعِلَّةُ النهي -كما قال الخطابي- أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإن الإزار ربما ضاق فإذا وضع لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى بقيت هناك فرجة تظهر منها عورته، وممن جزم بأنّه منسوخ ابن بطال (١). الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي أيضًا. والمطابقة: ظاهرة.\n_________\n(١) والقول بحمل النهي حيث يخشى أن تبدو عورته أولى من إدعاء النسخ. (ع).","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>٢١٥ - \" بَابُ تشْبِيكِ الأصَابِعِ في الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهِ </span>\"\n٢٥٥ - عن أبي مُوسَى ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إنَّ الْمُؤْمِنَ للمُؤْمِنِ كَالْبُنيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًَا \" وَشَبَّكَ بَيْنَ أصَابِعِهِ.\nــ\n٢١٥ - \" باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره \"\n٢٥٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إنّ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا \" أي إن المؤمنين في تآزرهم، وتماسك كل فرد منهم بالآخر، وحاجتهم إلى هذا - ﷺ - التماسك كالبنيان المرصوص الذي لا يقوى على البقاء إلاّ إذا تماسكت أجزاؤه لبنة لبنة، فإذا تفككت سقط وانهار، كذلك المجتمع الإسلامي يستمد قوته من ترابط أجزائِهِ بعضهم ببعض \" وشبّك بين أصابعه \" زيادة في الإيضاح والبيان وتشبيهًا للمعقول بالمحسوس، وللمعنويات بالمحسوسات، قال ابن حجر: وهو بيان وجه الشبه، أي يشد بعضه بعضًا مثل هذا الشد، فالغرض من تشبيك أصابعه التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحس كما قال ابن المنير. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن قوة الأمة الإسلامية تتوقف على وحدتها وتضامنها وتعاونها، فهي كالبناء، لا يقوى على البقاء إلاّ بتماسك الأجزاء فإذا تفكَّكَتْ انهار البناء، لأنه كما \" في ظلال القرآن \" ليس الإسلام دين أفراد منعزلين فلا انطوائية في الإِسلام ولكنه نشاط فردي واجتماعي في كل اتجاه، والآية الكريمة وهي قوله تعالى: (إنّ الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص) وهذا الحديث النبوي الشريف ينصان","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-240>٢١٦ - \"بَابُ الْمَسَاجِدِ التي عَلَى طُرُق الْمَدِينَةِ والْمَواضِعِ التي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ - ﷺ </span>- \"\n٢٥٦ - عَنْ سَالِم بْنِ عَبدِ الله أنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى أمَاكِنَ مِنَ الطرَّيقَ فَيُصَلِّي فِيهَا وَيُحَدِّثُ أنَّ أبَاهُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nكَانَ يُصَلِّي فَيهَا، وَأنَّهُ رَأى النَّبِيَّ يُصَلِّي في تِلْكَ الأمكِنَةِ.\nــ\nعلى أن من طبيعة هذا الدين أن يُنْشِىءَ مجتمعًا متماسكًا متناسقًا، أما صورة الفرد المنعزل فإنّها بعيدة عن طبيعته ومقتضاه. ثانيًا: جواز تشبيك الأصابع في المسجد كما ترجم له البخاري حيث قالوا: يجوز التشبيك في المسجد، ويكره إذا كان في الصلاة، أو قاصدًا لها، إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي.\nوالمطابقة: في قوله: \" وشبك بين أصابعه \"\n٢١٦ - \" باب المساجد التي على طرق المدينة، والمواضع التي صلى فيها \"\n٢٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا سالم بن عبد الله ﵀ - تعالى أنه رأى أباه عبد الله بن عمر يصلي في أماكن مخصوصة من طرق المدينة ومكة، فلما سأله عن ذلك أخبره بأنه رأى النبي - ﷺ - يصلّى في تلك المواضع، وبهذا أصبحت تلك المواضع من المساجد المأثورة التي صلّى فيها رسول الله - ﷺ -، ولذلك كان ابن عمر يحرص على الصلاة فيها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: دلّ هذا الحديث إجمالًا على وجود بعض الأماكن التي صلّى فيها رسول الله - ﷺ - على طريق مكة - المدينة، وأن ابن عمر كان يحرص على الصلاة فيها، وقد جاء في رواية أخرى عن ابن عمر توضيح هذه الأماكن والمساجد المأثورة وقد ذكرها في \" وفاء الوفا \" (١) وبيّن مواقعها\n_________\n(١) وفاء الوفا لمؤرخ المدينة المنورة العلامة السمهودي.","vol":"2","page":43},{"text":"وهي تسعة. الأول: (مسجد ذي الحليفة): المعروف بآبار علي على بعد ستة أميال من المدينة، ويقال له: مسجد الشجرة، ومسجد المحرم، وقد صلّى رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع تحت شجرة كانت موجودة في مكان المسجد على عهده - ﷺ - ولذلك سمّي مسجد الشجرة، وعن أنس ﵁ قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين. الثاني: (مسجد المعرس): وقد كان - ﷺ - ينزل فيه إذا عاد إلى المدينة آخر الليل، ولذلك سمي \" المعرَّس \" من التعريس، وهو النزول في آخر الليل. ولم يبق منه سوى بعض آثار، عَثر عليها المؤرخ الاستاذ إبراهيم العياشي أثناء بحثه في تلك الناحية عام ١٣٧٦ هـ حيث قال: \"وجدت الأساسات بأحجار ضخمة في قسميه الداخلي والخارجي ويقع في جنوب مسجد المَحْرَم بنحو مائة وخمسين مترًا. الثالث: (مسجد شرف الروحاء): أي أَعلاها، ويقع كما أفاده العيني (١) على أرض مرتفعة عالية في آخر قرية السبالة على بعد ليلتين من المدينة. الرابع: (مسجد عرق الظبية): وهو على بعد ميلين من الروحاء (٢) عند جبل صغير يقع في آخرها (٣) يدعى عرق الظبية. ولهذا المسجد أهمية تاريخية عظيمة، ففيه استشار النبي - ﷺ - أصحابه أثناء ذهابه إلى غزوة بدر وأتى عليه في غزوة الأبواء، وذكر أنّه مصلى الأنبياء، كما روى ابن زبالة عن عمرو بن عوف قال: أول غزوة غزاها النبي - ﷺ - وأنا معه غزوة الأبواء حتى إذا كان بالروحاء عند عِرق الظُبية قال: \" هذا جبل من جبال الجنة، اللهم بارك لنا فيه وبارك لأهله فيه، لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيًا، ولقد مر بها يعني وادي الروحاء موسى ابن عمران في سبعين ألفًا من بني إسرائيل على ناقة له ورقاء، ولا تقوم الساعة\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري ج ٤.\n(٢) وفاء الوفاء للسمهودي.\n(٣) أي في آخر الروحاء.","vol":"2","page":44},{"text":"حتى يمر بها عيسى بن مريم حاجًا أو معتمرًا، أو يجمع الله له ذلك\" رواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني المدني، وهو ضعيف وقد كانت آثار هذا المسجد موجودة إلى بداية القرن العاشر الهجري كما أفاد السمهودي. الخامس: (مسجد الرويثة): ويقع في أول الرويثة على بعد ثلاثة عشر ميلًا من الروحاء كما قال الأسدي (١) والرويثة قرية كانت عامرة يشرف عليها جبل يسمى الروحاء، وفي شرقيها جبل آخر يدعى الحسناء.\nالسادس: (مسجد العرج): ويقع على بعد ثلاثة أميال من قرية العرج.\nالسابع: (مسجد عقبة هرشى): ويقع في المسيل الذي قيل جبل هرشى المتصل بطرفه عن يسار طريق مكة. الثامن: (مسجد مَرّ الظهران): وهو في المسيل الذي في أوّل مر الظهران من جهة المدينة قال المطري: ويقع بوادي مر الظهران، حين تهبط من \" الصفراوات \" -أي من الأودية الموجودة هناك- عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، قال الزين المراغي: ويقال: إنه المسجد المعروف اليوم في مر الظهران بمسجد الفتح، وكذلك قال الفاسي وهو بالغرب من الجموم. التاسع: (مسجد ذي طوى): بضم الطاء في رواية الأكثرين، وبالفتح كما صححه النووي، وفيه لغتان، الصرف وعدمه، قال ابن عمر كما في البخاري: وكان النبي - ﷺ - ينزل بذي طوى ويبيت حتى يصبح، ثم يصلي الصبح حين يقدم مكة: أي حين يقدم مكة معتمرًا أو حاجًا، قال ابن ظهيرة. ومسجد ذي طوى في علو مكة (٢) بين الثنيتين اللتين يدخل منهما الحاج. ثانيًا: حرص ابن عمر ﵄ على الصلاة في المساجد التي صلّى فيها رسول الله - ﷺ - على طريق مكة المدينة والمعروف عنه أنه كان حريصًا على تتبع آثار النبي عامة كما كان عمر رضي\n_________\n(١) وفاء الوفاء للسمهوري.\n(٢) أي في أعلى مكة وفي منطقة الزاهر. قال في المصباح: وذي طوى واد بقرب مكة على نحو فرسخ، ويعرف في وقتنا بالزاهر في طريق التنعيم.","vol":"2","page":45},{"text":"الله عنه على العكس منه لا يرى تتبع هذه الآثار، وذلك لأنّه كما قال عمر: \" أخشى أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع حتى يشكل على من يأتي بعدهم، فيرى ذلك واجبًا \" (١) وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشارعٍ فقال: ما يعجبني ذلك إلاّ في مسجد قباء، لأنه - ﷺ - كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك الأمكنة. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في دلالة الحديث إجمالًا على وجود هذه المساجد المأثورة على طريق المدينة - مكة، والله أعلم.\n...\n_________\n(١) شرح العيني على البخاري.","vol":"2","page":46},{"text":"\" بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ \"\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-241> أبْوَابُ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٢١٧ - \" بَاب: سُتْرَةُ الإمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خلْفَهُ </span>\"\n٢٥٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيْدِ أمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْه فَيُصَلِّي إلَيْهَا والنَّاسُ وَرَاءَهُ، وكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ في السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتخَذَهَا الأمَرَاءُ.\nــ\n٢١٧ - \" باب سترة الإمام سترة من خلفه \"\n٢٥٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج يوم العيد \" أي كان إذا خرج في العيدين لأداء صلاة العيد في المصلى وهو في موضع المناخة ومسجد الغمامة (١) \" أمر بالحربة فتوضع بين يديه \" أي أمر أن توضع الحربة أمامه أثناء الصلاة لتكون سترة له، والمصلى كما قال ابن ماجة: كان فضاء وليس فيه شيء يستره \" والناس وراءه \" وليست أمامهم سترة وإنما كانوا يستترون بسترته - ﷺ - \" وكان يفعل ذلك في السفر \" أي وكان يضع أمامه السترة في السفر كما يضعها في الحضر \" فمن ثم اتخذهما الأمراء \" ومعناه فمن تلك الجهة اتخذ الأمراء الحربة يخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه كما أفاده في \" عون المعبود \". الحديث: أخرجه\n_________\n(١) أي يبدأ من مسجد الغمامة جنوبًا ويمتد في البقعة المتصلة به من شارع المناخة.","vol":"2","page":47},{"text":"٢٥٨ - عَنْ أبي جُحَيْفَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ بالبَطْحَاء وَبَيْنَ يَدَيْه عَنَزَة الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، والْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْه الْمَرأَةُ وَالْحِمَارُ.\nــ\nالشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فيصلي إليها والناس وراءه \".\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: مشروعية السترة بين يدي المصلي في السفر والحضر وسيأتي تفصيله في الحديث القادم. ثانيًا: أن سترة الإِمام سترة للمأمومين خلفه لقوله \" فيصلّي إليها \" أي فيصلي إلى تلك الحربة جاعلًا لها سترة في الصلاة \" والناس وراءه \" أي لا سترة لهم، وإنما يستترون بسترته - ﷺ - فدل ذلك على أن سترة الامام. سترة لمن خلفه من المأمومين كما ترجم له البخاري، وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب المالكية إلى أن الإمام نفسه سترة للمأمومين، ولهذا قالوا: يحرم المرور بين الإِمام والصفِّ الأول لأنه مرور بين المصلي وسترته. ثالثًا: أن السترة تجزىء بكل شيء ينصب أمام المصلي إذا كان بقدر الحربة، وقدرت بالذراع طولًا، أو ما يقرب من ذلك.\nقال ابن قدامة: وقدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وروى عن أحمد أنها قدر عظم الذراع، وهذا هو قول مالك والشافعي والظاهر أنّ هذا على سبيل التقريب لا التحديد \" قال النووي \": وأما عرضها فلا ضابط فيه، وقالت المالكية: أقلها غِلَظُ رمح.\n٢٥٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو جُحَيْفَة ﵁ \" أنّ النبي - ﷺ - صلى بهم بالبطحاء \"وهو موضع خارج مكة \" سابقًا \" يقال له الأبطح بينها وبين منى \" وبين يديه عنزةْ \" بفتح العين والنون والزاي أي عَصًَا أقصر من الرمح، لها سنان، وهي في طول الذراع تقريبًا والجمع عَنَز مثل قصبة وقصب كما في المصباح \" الظهر ركعتين والعصر ركعتين \" أي صلى بهم الظهر","vol":"2","page":48},{"text":"والعصر قصرًا ركعتين ركعتين، وهو يستتر بالعنزة، وهم لا سترة لهم، وإنما كانوا متسترين بسترته - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية السترة بين يدي المصلي مطلقًا سواء كان مقيمًا أو مسافرًا، وهو مذهب الجمهور، حيث قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهم: السترة سنة في السفر والحضر معًا ما لم يكن أمامه جدار.\nقال ابن العربي المالكي (١) في العارضة: اختلف العلماء في وضع السترة على ثلاثة أقوال: الأول: أنه واجب، وإن لم يجد وضع خطًا، قاله أحمد وغيره.\nالثاني: أنها مستحبة قالها الشافعي وأبو حنيفة ومالك في \" العتبية \"، وفي \" المدونة \" هذا إذا كان في موضع يؤمن المرور فيه، فإن كان في موضع لا يؤمن ذلك تأكد عند علمائنا وضع السترة. الثالث: جواز تركها، وروى ذلك عن مالك. وأما ما حكاه ابن العربي من وجوب السترة عن أحمد فإنه تأباه كتب فروعه، كما في أوجز المسالك. حيث قال في الشرح الكبير: يستحب أن يصلي إلى سترة ثم قال: ولا نعلم في استحباب ذلك خلافًا (٢). وظاهر مذهب المالكية أن السترة سنة مؤكدة في الحضر دون السفر. حيث قال مالك - كما في المدوّنة: من كان في سفر فلا بأس أن يصلي إلى غير سترة، أمّا في الحضر فلا يصلّي إلاّ إلى سترة، قال ابن القاسم إلاّ أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن يمر بين يدي أحد. قال في أوجز المسالك: فعلم بذلك أن السترة في السفر غير مؤكدة عند الإمام مالك. اهـ. وقد استدل المالكية على عدم تأكدها في السفر بحديث الفضل بن العباس ﵄ \" أنّ النبي - ﷺ - صلّى في فضاء وليس بين يديه شيء \" رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.\n_________\n(١) أوجز المسالك شرح موطأ مالك ج ٣.\n(٢) كما أفاده في أوجز المسالك ج ٣.","vol":"2","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>٢١٨ - \" بَابُ قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلَّى وَالسُّتْرَةِ </span>\"\n٢٥٩ - عن سَهْلٍ ورَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ:\nكَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.\nــ\nثانيًا: أن سترة الإمام سترة للمأمومين من خلفه، لقوله: \" صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة \" فإن معنى ذلك أنه - ﷺ - صلى بهم متسترًا بالعنزة، وصلّوا خلفه متسترين بسترته (١) فدل ذلك على أن سترة الإمام سترة للمأمومين وهو مذهب الجمهور كما قررناه في الحديث السابق. والحاصل: أنّ هذين الحديثين يدلان على أنّ سترة الإِمام لسترة للمأمومين من وجوه: الأول: أنّه لم ينقل وجود سترة لأحد من المأمومين، ولو كان ذلك لنقل لتوفر الدواعي على نقل الأحكام الشرعية، فدل ذلك على أنّ سترته - ﷺ - كانت سترة لمن خلفه.\nالثاني: أن قوله: \" فيصلى إليها والناس وراءه \" يدل على دخول الناس في السترة (٢)، لأنهم تابعون للإمام في جميع ما يفعله. الثالث: إن قوله \" وراءه \" يدل على أنهم وراء السترة أيضًا، إذ لو كانت سترة لم يكونوا وراءه بل كانوا وراءها. والمطابقة: في قوله: \" صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة \" أي صلّى متسترًا بالعنزة، وصلوا خلفه ليسوا متسترين بشيء، إلاّ بسترته اهـ.\n٢١٨ - \" باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلى والسترة \"\n٢٥٩ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد الساعدي رضي الله\n_________\n(١) أي وصلّوا خلفه لا سترة لهم إلا سترته.\n(٢) وكذلك قوله في الحديث الثاني: \" صلّى بهم بالبطحاء وبين يديه عنزة \" فإنه يدل على دخولهم معه في التستر بالعنزة والله أعلم وقال في \" الهداية \" وسترة الإمام سترة للمأمومين لأنه - ﷺ - صلّى ببطحاء مكة إلى عنزة ولم يكن للقوم سترة.","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>٢١٩ - \" بَابُ الصَّلَاةِ إلى الْعَنَزَةِ </span>\"\n٢٦٠ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أنا وغُلَام، وَمَعَنَا عُكَّازَة أو عَصًَا وعنَزَةٌ، وَمَعَنَا إِدَاوَة، فإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ.\nــ\nعنهما: \" كان بين مصلّى رسول الله - ﷺ - وبين الجدار \" أي بينه وبين جدار القبلة \" ممرَّ الشاة \" بالنصْب على أنّه خبر كان، أي كان قدر المسافة التي بينه - ﷺ - وبين جدار القبلة ممر الشاة، بمعنى أنه - ﷺ - كان يدنو من الجدار حتى لا يكون بينه وبينه إلاّ فجوة صغيرة لا تتسع إلاّ لمرور الشاة فقط.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\nويستفاد منه: استحباب الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر ممر الشاة، ولم يحدد مالك لذلك حدًا، وهو ظاهر مذهب الحنفية كما في \" البداية وشرحها الهداية \". حيث قال: ويقرب من السترة لقوله - ﷺ -: \" من صلّى إلى سترة فليدن منها \" ولم يحدد حدًا. أما الشافعي وأحمد وغيرهم فقد قالوا: يجعل بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع لأنّه - ﷺ - صلَّى في الكعبة وبينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.\n٢١٩ - \" باب الصلاة إلى العنزة \"\nْ٢٦٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" كان النبي - ﷺ - إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام، ومعنا عكازة أو عصًا أو عنزة، ومعنا إداوة \" بكسر الهمزة أي إناء صغير يوضع فيه الماء، والعنزة عصى أقصر من الرمح، وقد تقدم الكلام على معنى الحديث في باب حمل العنزة مع الماء.","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>٢٢٠ - \"بَابُ الصَّلَاةِ إلى الأسطُوَانةِ</span>\"\n٢٦١ - عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁:\nأنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الأسْطُوَانَةِ التي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أبَا مُسْلِم أرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأسْطُوَانَةِ، قَالَ: فَإنِّي رَأيْتُ رَسولَ اللهِ - ﷺ - يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا.\nــ\nالحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" معنا عكازة أو عصا أو عنزة \".\nويستفاد منه: مشروعية السترة في الصلاة بأي سترة قدر ذراع من عنزة أو غيرها.\n٢٢٠ - \" باب الصلاة إلى الأسطوانة \"\n٢٦١ - معني الحديث: أن سلمة بن الأكوع ﵁ \" كان يصلي إلى الأسطوانة التي عند المصحف \" أي كان يتحرى الصلاة عند هذه الاسطوانة متجهًا إليها في صلاته، وكانت هذه الأسطوانة عند المكان الذي كان يوضع فيه المصحف الشريف، حيث كان للمصحف على عهد النبي - ﷺ - صندوق خاص هناك \" فقيل له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت الرسول - ﷺ - يتحرّى الصلاة عندها \" أي يتقصد الصلاة عند هذه الأسطوانة ويواظب عليها كما جاء في \" صحيح مسلم \" أن النبي - ﷺ - كان يصلي وراء الصندوق أي وراء صندوق المصحف الذي هو عند هذه الأسطوانة. قال الحافظ: حقق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسطة في الروضة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين، ورُوي عن عائشة أنها كانت تقول: لو عرفها الناس لاضطربوا عليها، وأنها أسرّت بها إلى","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>٢٢١ - \" بَابُ الصَّلَاةِ إلَى الرَّاحِلَةِ والْبَعيرِ والشَّجَرِ وَالرَّحْلِ </span>\"\n٢٦٢ - عن ابن عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلتهُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا، قِيلَ لِنَافِع أفَرَأيْتَ إذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ، قَالَ: كَانَ يَأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إلى آخِرَتِهِ أوْ قَالَ مُؤَخَّرهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَفْعَلُهُ.\nــ\nعبد الله بن الزبير، فكان يكثر الصلاة عندها، وروى ابن النجار (١) عن ابن الزبير بن حبيب أنها الأُسطوانة التي بعد أُسطوانة \" التوبة \" إلى الروضة، وهي الثالثة من المنبر (٢) ومن القبر، وسميت أسطوانة عائشة، ويقال: الدعاء عندها مستجاب اهـ. وهي نفس الأسطوانة المكتوب عليها حاليًا أسطوانة عائشة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجه.\nويستفاد منه: استحباب الصلاة إلى الأسطوانة، واتخاذها سترة إذا كانت هناك سوارى، قال العيني: وينبغي أن تكون الأُسطوانة أمامه. والمطابقة: في قوله: \" رأيت رسول الله - ﷺ - يتحرى الصلاة عندها \".\n٢٢١ - \" باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل \"\n٢٦٢ - معنى الحديث: يروى ابن عمر ﵄ \" عن النبي - ﷺ - أنه كان يعرض \" بضم الياء وكسر الراء المشددة \" راحلته فيصلي إليها \" يعني أنه - ﷺ - كان يجعل بعيره أمامه عرضًا ويتخذه سترة له يصلّي إليها \" قيل لنافع: أفرأيت إذا هبت الركاب \" أي قال عبيد الله بن عمر لنافع: أخبرني إذا هاجت الإبل وثارت الجمال، وذهبت هنا وهناك ولم يتمكن من الصلاة\n_________\n(١) أخبار مدينة الرسول لابن النجار.\n(٢) أي أنها متوسطة بين المنبر والقبر فبينها وبين المنبر أسطوانتان وبينها وبين القبر أسطوانتان أيضًا ومكتوب عليها حاليًا أسطوانة عائشة.","vol":"2","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>٢٢٢ - \" بَابٌ يَرُدُّ الْمُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْه </span>\"\n٢٦٣ - عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:\nأنَّهُ كَانَ يُصَلِّي في يَوْمِ جُمُعَةٍ إلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ من النَّاسِ، فَأرادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أبي مُعَيْطٍ أنْ يَجْتَازَ بيْنَ يَدَيه، فَدَفَعَ أبو سَعِيدٍ في صَدْرِهِ، فَنَظَرَ\nــ\nإلى بعيره ماذا يصنع؟ \" قال: كان يأخذ الرحل \" وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليكون فراشًا لراكبه، أي إذا هبَّ بعيره ولم يتمكن من الصلاة إليه اتخذ الرحل سترة له بدلًا عن الراحلة، وصلّى إلى مؤخرته. الحديث:\nأخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" كان يعرض راحلته (١) \" الخ.\nويستفاد منه: جواز السترة بما يثبت من الحيوان وهو مذهب الحنفية والحنابلة في الحيوان غير الآدمي، وكره المالكية الاستتار في الصلاة بغير مأكول اللحم. ويؤخذ من الحديث أيضًا جواز الصلاة إلى الرحل كما ترجم له البخاري، ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم.\n٢٢٢ - \" باب يرد المصلي من مر بين يديه \"\n٢٦٣ - معنى الحديث: إن أبا سعيد الخدري \" كان يصلي في يوم جمعة إلى شيء يستره من الناس \" أي كان يصلي إلى شيء يحول بينه وبين المارّة ويصلح أن يكون سترة له في الصلاة \" فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه \" أي فحاول هذا الشاب أن يمر أمامه بينه وبين سترته في الصلاة، وهذا الشاب هو داود بن مروان بن الحكم أمير المدينة في ذلك الوقت، هكذا قالوا، واستشكل بأنّ داود ليس من بني أبي مُعَيْطٍ، وإنما\n_________\n(١) من قوله كان يُعرِّض راحلته فيصلّي إليها.","vol":"2","page":54},{"text":"الشَّابُّ فلَمْ يجِدْ مَسَاغًَا إلَّا بَيْنَ يَدَيْه، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أبو سَعِيدٍ أشَدَّ مِنَ الأوْلى فَنَالَ مِنْ أبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلى مَرْوَانَ فشكَا إِلَيْهِ مَا لَقِي مِنْ أبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أبو سَعِيدٍ ﵁ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ: مَالكَ ولابنِ أخِيْكَ يَا أبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِذَا صَلَّى أحدُكم إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاس فأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْه فَلْيَدْفَعْهُ، فإنْ أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّمَا هُوَ شَيْطَان \".\nــ\nهم أبناء عمه، قال الحافظ: ويحتمل أنه نسب إليهم من جهة الرضاعة، أو أنه نسب إلى أقربائه وأبناء عمومته من باب التوسع في الكلام وقد جرت عادة العرب على نسبة المرء إلى أقاربه أو أصحابه توسعًا، ومنه قول ضمام ابن ثعلبة لرسول الله - ﷺ - \" وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر \" أي صاحبهم \" فدفع أبو سعيد في صدره \" أي فدفعه أبو سعيد، بيده في صدره ليرده، عن المرور بين يديه \" فلم يجد مساغًا \" أي فلم يجد له طريقًا آخر يمر منه \" فعاد ليجتاز فدفعه \" مرة أخرى \" فنال من أبي سعيد \" أي فغضب ذلك الشاب من أبي سعيد وسبه وشتمه انتقامًا منه \" ثم دخل على مروان فشكا إليه \" أي فشكا داود إلى أبيه مروان ما فعله معه أبو سعيد، وكيف أنه دفعه في صدره، وأوجعه بتلك الدفعة الأليمة \" ودخل أبو سعيد خلفه على مروان فقال: مالك ولابن أخيك \" أي ما الذي جرى بينك وبين ابن أخيك مروان، ولماذا عاملته بهذه المعاملة الشديدة القاسية فوكزته في صدره، وهو من دمك وجنسك. وكان من حقك أن تتلطف معه بدلًا من أن تعامله بهذا، الشدة والعنف، واستعمال الأخ هنا من باب المجاز، والعرب تتوسع أحيانًا في هذه الكلمة، فيطلقون الأخ على مجرد القريب أو الصاحب والصديق لِإثارة عاطفة الحب في نفس المخاطب، ألا ترى إلى قول خديجة","vol":"2","page":55},{"text":"﵂ لورقة بن نوفل: \" اسمع من ابن أخيك \" مع أنه ليس بعمه، وإنما نسبته إليه إمّا لإثارة العطف والحب عليه قي نفس ورقة، أو لتوقير ورقة واحترامه لكبر سنه. وما كان من ورقة إلاّ أن قال للنبي - ﷺ -: \" يا ابن أخي ماذا ترى؟ \" تعبيرًا عما يكنه له من عطف ومحبة، حتى أنه ينزله من نفسه منزلة ابن أخيه، وهذا ما أراد مروان من قوله \" مالك ولابن أخيك \"؟ أي ماذا فعلت مع ابن صديقك الذي هو بمنزلة أخيك \" قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره \" من جدار أو أسطوانة أو نحوها \" فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه \" أي فإنه مأمور شرعًا بدفعه ومنعه \" فإن أبي فليقاتله \" أي أنه يمنعه أولًا بالإشارة، ثم يرده ردًا لطيفًا فإن لم يمتنع فإنه يدفعه دفعًا شديدًا. إذ ليس معناه المقاتلة الحقيقية \" فإنّما هو شيطان \" من شياطين الإنس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فليدفعه \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية أن يرد المصلي من يمر بين يديه وأنه مأمور بذلك بمقتضى قوله - ﷺ - \" فليدفعه \" حيث أمره النبي - ﷺ - بدفعه، والأمر هنا للندب عند الجمهور، حيث قالوا: يستحب له دفعه، وحمل أهل الظاهر الأمر على أصله وهو الوجوب، فقالوا: يجب على المصلى مدافعة المار، قال القرطبي: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح. اهـ. وذلك لما تقتضيه الصلاة من الخشوع والإقبال على الله. اهـ. كما أفاده في سبل السلام (١). ثانيًا: مشروعية اتخاذ السترة وهي سنة عند أحمد ومستحبة عند الجمهور لقوله - ﷺ - في حديث الباب: \" إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره \" ولقوله - ﷺ - في حديث ابن عمر \" لا تصل إلاّ إلى سترة، ولا تدع أحدًا يمر بين يديه \" صححه الحاكم. ثالثًا: تحريم المرور بين يدى المصلي إذا كان\n_________\n(١) سبل السلام شرح بلوغ المرام ج ١.","vol":"2","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>٢٢٣ - \"بَابُ إثْم الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي </span>\"\n٢٦٤ - عَنْ أبِي جُهَيْم ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أنْ يَقِفَ أرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيه \" قَالَ الرَّاوِى: لا أدْرِي أقَالَ أرْبَعَيْنَ يَوْمًَا أوْ شَهرًا أوْ سَنَةً.\nــ\nله سترة، وهو مذهب مالك حيث قال: يحرم المرور بين يديه إذا كان له سترة، وللمار مندوحة، وقال أحمد يحرم مطلقًا ولو لم يكن له سترة، ويؤيده الحديث الآتي:\n٢٢٣ - \" باب إثم المار بين يدي المصلي \"\n٢٦٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه \" أي لو يعلم من يجرؤ على المرور عمدًا أمام المصلي ما يترتب على ذلك من العقوبة الشديدة \" لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمر بين يديه \" أي لفضّل أن يقف هذه المدة الطويلة التي أبهمها النبي - ﷺ - على المرور بين يديه، لأنّ العاقل يختار أخف الضررين \" قال الراوى: لا أدرى أقال: أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة \" (١) وإنما أبهم النبي - ﷺ - هذه العقوبة في قوله: \"ماذا عليه \" للدلالة على أن عقوبة المرور أمام المصلّي عقوبة عظيمة لا يمكن أن يتصورها العقل البشري ولا يعلم مداها إلاّ الله سبحانه، فهو كقوله تعالى: (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ) و(الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ).\nويستفاد منه: أولًا: تحريم المرور أمام المصلي \"إذا كان إمامًا أو منفردًا ما بين قدميه وموضع سجوده، ولو لم يكن للمصلي سترة، وهو مذهب\n_________\n(١) وقد جاء في رواية البزاز عن أبي الجهيم نفسه أنه قال أربعين خريفًا.","vol":"2","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>٢٢٤ - \" بَابُ الصَّلَاةِ خلْفَ النَّائِمِ </span>\"\n٢٦٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي وأرنا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فإِذَا أَرَادَ أنْ يُوتِرَ أيقَظَنِي فَأوتَرْتُ.\nــ\nأحمد، وقال مالك: إنّما يأثم المار إذا كان له مندوحة، أو كان للمصلّي سترة. أما إذا لم يكن له مندوحة، ولا للمصلّي سترة فلا يأثم. ثانيًا: أن المرور بين يدي المصلي كبيرة كما أفاده الحافظ لهذا الوعيد الذي يترتب عليه.\nالحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" لو يعلم المار بين يدي المصلّي ماذا عليه من الاثم \".\n٢٢٤ - \" باب الصلاة خلف النائم \"\n٢٦٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان النبي - ﷺ - يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه \" أي كان في أغلب أحيانه يصلي صلاة الليل وأنا أمامه على الفراش متوسطة بينه وبين القبلة، ولا يرى في ذلك بأسًا \" فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت \" أي فإذا انتهى من تهجده نَبَّهني من النوم فصليت معه صلاة الوتر، قال العيني: ومثل هذا التركيب يفيد التكرار، أي أنه - ﷺ - كان يكرر الصلاة خلفها وهي نائمة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الصلاة خلف الإنسان النائم وصحتها، ذكرًا كان أو أنثى كما ترجم له البخاري مستدلًا بحديث الباب، وهو مذهب الجمهور وكره مالك ومجاهد وطاووس الصلاة إليه خشية أن يحدث منه ما يشغل عن الصلاة ويشوش على المصلي، وتنزيهًا للصلاة عما يخرج منه، وهو","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>٢٢٥ - \" بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْء </span>\"\n٢٦٦ - عَن عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ والْمَرْأةُ، فَقَالَتْ: شَبَّهْتُمُونَا بالْحُمُرِ والْكِلَابِ، واللهِ لَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي وإنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ فَتَبْدُو لِيَ الْحَاجَةُ فأكْرَهُ أنْ أجْلِسَ فأُوذِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فأنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.\nــ\nفي قبلة المصلّي، واستدلوا بما رواة ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" لا تصلوا خلف النائم والمتحدث \" أخرجه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وهو حديث حسن وتحرير مذهب المالكية أنه لا يجوز الاستتار بالنائم لما يحدث منه من الطوارىء ويجوز بالمستيقظ الساكت. ثانيًا: أفضلية صلاة الوتر في أخر الليل، وسيأتي تفصيله في موضعه. والمطابقة: في قولها: \" يصلي وأنا راقدة معترضة على فراشه \".\n٢٢٥ - \" باب من قال لا يقطع الصلاة شيء \"\n٢٦٦ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ \" ذكر عندها ما يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة \" أي دار الحديث في مجلسها عن الأشياء التى يقول بعض الناس إنها إذا مرّت أمام المصلي تقطع صلاته وتبطلها، وهي الكلب والحمار والمرأة، فأنكرت ذلك أشد الإنكار (فقالت: شبهتمونا بالحمر والكلاب \" وفي رواية بئس ما عدلتمونا بالكلب والحمار، وفي رواية أخرى للبخاري \" لقد جعلتمونا كلابًا \" أي جعلتمونا كالكلاب في قطع الصلاة ثم قالت: \" والله لقد رأيت النبي - ﷺ - يصلّي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة \" أي رأيته يصلي صلاة التهجد في الليل وأنا مضطجعة أمامه","vol":"2","page":59},{"text":"على السرير متوسطة بينه وبين القبلة \" فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأؤذي النبي - ﷺ - \" أي فتطرأ لي الحاجة إلى مغادرة السرير فأكره أن أجلس أمامه لئلا أؤذيه \" فأنسل من عند رجليه \" أي فأمضي بتأن وتدرج من عند رجليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن مرور المرأة بين يدى المصلي لا يقطع الصلاة وكذلك مرور الكلب والحمار وبقية الأشياء الأخرى كما ترجم له البخاري، ولهذا قال الجمهور: لا يقطع الصلاة شيء، واستدلوا بحديث الباب، هذا لأنّه كما قال القسطلاني (١) \" إذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس جبلت على الاشتغال بها، فغيرها من الكلب والحمار وغيرهما كذلك، بل أولى، واحتجوا أيضًا بحديث علي ﵁ عن النبي - ﷺ - أنّه قال \" لا يقطع الصلاة شيء إلاّ الحدث \" أخرجه الطبراني (٢) وذهب بعض أهل العلم إلى أن مرور الكلب والحمار والمرأة بين يدي المصلي يقطع الصلاة، ويبطلها عليه، لحديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال: \" يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود \" أخرجه مسلم (٣) وذهب الشافعي إلى تأويل القطع بأن المراد به نقص الخشوع لا الخروج من الصلاة، ويؤيد ذلك أن الصحابي راوي الحديث سأل عن الحكمة في التقييد بالكلب الأسود، فأجيب بأنه شيطان، ومعلوم أن الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم تفسد صلاته، فالمشبَّه لا تفسد الصلاة به من باب أولى وقال أحمد: يقطعها الكلب الأسود لنص الحديث وعدم المعارض وفي قطعها من المرأة والحمار شيء لوجود المعارض، وهو صلاته إلى أزواجه. ثانيًا: قال العيني: فيه جواز صلاة الرجل إلى المرأة وكرهه البعض لغير النبي - ﷺ - لخوف الفتنة بها، واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنبي - ﷺ - منزه عن ذلك مع أنه كان\n_________\n(١) شرح القسطلاني ج ١.\n(٢) العيني على البخاري ج ٤.\n(٣) شرح القسطلاني ج ١.","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>٢٢٦ - \" بَاب إذَا حَمَلَ جارِيَةً صَغيرةً علَى عُنُقِهِ في الصَّلَاةِ </span>\"\n٢٦٧ - عنْ أبِي قَتَادَةَ الأنْصَارِيِّ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يُصَلِّي وهُوَ حَامِل أمَامَةَ بنتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ولأبِي الْعَاص بْنِ الرَّبيع بْنِ عَبْدِ شَمْس، فإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وِإذَا قَامَ حَمَلَهَا.\nــ\nفي الليل، والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح، وفيه استحباب صلاة الليل، وجواز الصلاة على الفراش. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قولها: \" يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة \".\n٢٢٦ - \" باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة \"\n٢٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهو حامل حفيدته أمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - لأبي العاص ابن الربيع \" أي ابنتها من زوجها أبي العاص بن الربيع ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ومعناه: أنه - ﷺ - كان إذا قام حملها على عاتقه \" فإذا سجد وضعها \" أي إذا ركع وضعها على الأرض كما جاء في رواية مسلم والنسائي وأحمد وابن حبان عن عامر شيخ مالك أنه كان إذا ركع وضعها، فالمراد بالسجود في حديث الباب الركوع، وإطلاق السجود على الركوع كثير في الأحاديث الصحيحة، سيما وأن وضعها حال الركوع أمر حتميٌّ لا بد منه. الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي أيضًا.\nويستفاد منه: أولًا: جواز حمل الجارية الصغيرة في الصلاة، وكذلك","vol":"2","page":61},{"text":"حمل الصبي، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا وهو قول الشافعي: وأجازه أحمد، قال: الأثرم سئل أحمد أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قال: نعم، واستدل بحديث أبي قتادة وذهبت المالكية إلى أن مثل هذا الفعل لا يجوز لغيره - ﷺ -، وذكر عياض عن بعضهم أنه خصوصية له - ﷺ - وقال ابن عبد البر: لعل الحديث منسوخ بتحريم العمل في الصلاة.\nوقال الباجي إن وجد من يكفيه أمر الصبي جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما. ثانيًا: أن العمل الكثير لا يبطل الصلاة، وهو مذهب الشافعية، وذهبت المالكية والحنفية إلى أنه يبطلهَا، وقالت الحنابلة: إذا كَثُر العمل وتوالى بطلت وإلا فلا (١). مطابقته للترجمة: في قوله: \" كان - ﷺ - يصلي وهو حامل أمامة \".\nتكملة: قال القسطلاني ردًا على قول المالكية بأن جواز حمل الصبي في الصلاة من خصوصياته - ﷺ -: ودعوى خصوصيته ﵊ بذلك لعصمته من بول. الصبي بخلاف غيره مردودة، بأن الأصل عدم الخصوصية، وكذا دعوى الضرورة بحيث لا يجد من يكفيه أمرها، لأنه - ﷺ - لو تركها لبكت وشغلته في صلاته أكثر من شغله بحملها. قال النووى: وكلها دعاوى باطلة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، والله أعلم.\n...\n_________\n(١) كما أفاده في المنهل العذب شرح سنن أبي داود ج ٦.","vol":"2","page":62},{"text":"بسم الله الرحن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-252> كتاب مواقيت الصلاة </span>\"\nالمواقيت لغة: جمع ميقات وهو الزمان أو المكان المحدد للفعل. ومواقيت الصلاة: هي عبارة عن أوقات الصلوات الخمس المحددة لها أولًا وآخرًا بداية ونهاية، وهي وقت الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. ومن المقرر شرعًا أن دخول الوقت شرط لوجوب الصلاة وصحتها معًا، فلا تجب على المكلف ولا تصح منه إلاّ إذا دخل وقتها، هذا هو قول الجمهور لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) ولأنّ جبريل نزل صبيحة يوم الإِسراء فَبَبَّنَ لنبينا - ﷺ - أوقات هذه الصلوات الخمس بداية ونهاية، ثم قال له: \" الصلاة ما بين هذين \" وهذا يدل على أنها لا تجب ولا تصح إلّا في أوقاتها، وذهب الأحناف إلى أن دخول الوقت شرط أداء، وهو خلاف لفظي. واختلفوا أيهما أفضل: أول الوقت أو آخره، فقال الجمهور: أول الوقت أفضل إلاّ الظهر في شدة الحر، وقال أبو حنيفة: آخره أفضل إلّا المغرب، واستحب المالكية تأخير العشاء. الأداء والقضاء: لما كان للصلوات الخمس أوقات محددة ومعينة لها أول وآخر، وبداية ونهاية، فإن المسلم إمّا أن يأتي بالصلاة في وقتها فيسمى فعله هذا \" أداءً \" أو يأتي بها بعد خروج وقتها بأن لا يصلي العصر مثلًا إلاّ بعد غروب الشمس، فيسمى فعله هذا \" قضاءً \" ومن هذا يتضح لنا أن الأداء هو فعل الصلاة في وقتها، والقضاء فعل الصلاة خارج وقتها، وأجمعوا على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إلّا لعذر شرعي من نوم أو إغماء أو نسيان أو نحوه، فإن أخّرها لعذر فإنه","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>٢٢٧ - \" بَابُ مَوَاقِيتِ الصلَاةِ </span>\"\n٢٦٨ - عن أبِي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ ﵁\nأنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمُغِيرَةَ بْن شُعْبَةَ وقَدْ أخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًَا بالْعِرَاقِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرةُ! ألَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ جبْريْلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثمّ صَلَّى فصَلّى رَسُولُ اللهَ - ﷺ -، ثُمَّ صَلّى فَصَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ -، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهَ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أمِرْتَ.\nــ\nيجب عليه قضاؤها، ويصح منه ولا إثم عليه، وإن أخرها عن وقتها لغير عذر، وجب عليه القضاء وصح منه (١) مع الإثم والمعصية.\n٢٢٧ - \" باب مواقيت الصلاة \"\n٢٦٨ - معنى الحديث: أن المغيرة بن شعبة عندما كان واليًا على الكوفة من قبل معاوية أخّر يومًا صلاة العصر عن وقتها المختار لانشغاله بمصالح المسلمين، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فلامه وعاتبه على ذلك \" فقال: ما هذا يا مغيرة \" خاطبه بهذا الاستفهام الإنكاري لتشديد اللوم عليه، أي كيف تفعل هذا الأمر الذي لا يليق بعامة الناس فضلًا عن أصحاب رسول الله - ﷺ - وكيف تؤخر الصلاة عن وقتها \" أليس قد علمت \" هكذا الرواية وهو استعمال صحيح إلاّ أن المشهور أن يقال: ألست قد علمت بأسلوب الخطاب، والاستفهام هنا استفهام تقريري لإقامة الحجة على المخاطب يعلمه، أي كيف تؤخر العصر عن وقتها المختار، وقد علمت \" أن جبريل نزل \" صبيحة يوم الإِسراء عند الزوال \" فصلى \" أي فلما زالت الشمس صلّى الظهر\n_________\n(١) وهو مذهب الجمهور خلافًا لما ذهب إليه بعضهم من أنه إذا أخرها لغير عذر لم يصح قضاؤها.","vol":"2","page":64},{"text":"\" فصلى رسول الله - ﷺ - \" معه مؤتمًا به، \" ثم صلّى \" أي ثم نزل مرّة ثانية عندما صار ظل الشيء مثله، فصلّى العصر، \" فصلى رسول الله - ﷺ - \" معه، \" ثم صلى \" أي ثم نزل مرة ثالثة عند غروب الشمس فصلّى المغرب، \" فصلى رسول الله - ﷺ - \" معه، \" ثم صلى \" أي ثم نزل مرة رابعة عندما غاب الشفق فصلّى العشاء، \" فصلى رسول الله - ﷺ - \" معه، \" ثم صلى \" أي ثم نزل مرة خامسة عند طلوع الفجر، فصلى صلاة الصبح، \" فصلى رسول الله - ﷺ - \" معه \" ثم قال بهذا أمرت \" بفتح التاء، أي أمرك الله بأداء الصلوات الخمس في هذه الأوقات، أو بالضم ومعناه أمرني الله بتعليمك أوقات الصلاة، قال العيني: وأقوى الروايتين فتح التاء، والواقع أن حديث الباب قد جاء مجملًا، ولم يحدد هذه الأوقات، لكن جاء في رواية ابن عباس البيان الشافي للأوقات بداية ونهاية، حيث قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أمَّني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرُم الطعام والشراب، فلما كان من الغد صلى الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليَّ وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين \" أخرجه أبو داود.\nويستفاد من الحديث: أولًا: أن للصلوات أوقاتًا محدودة أجملها الحديث وبينها حديث ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا. ثانيًا: أن دخول الوقت شرط في وجوب الصلاة وصحتها، فلا تجب الظهر مثلًا ولا تصح إلاّ بعد الزوال ومن فعلها قبله وجبت عليه الإعادة. ثالثًا: جواز صلاة المفترض خلف","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>٢٢٨ - \" بَابُ الصَّلَاة كَفَّارَةٌ </span>\"\n٢٦٩ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا جُلُوسًَا عند عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ\nــ\nالمتنفل، لأن النبي - ﷺ - صلى وهو مفترض خلف جبريل وهو متنفل، وإليه ذهب الأوزاعى والشافعي وأحمد في رواية اختارها (١) ابن تيمية، وذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد في الرواية المشهورة عنه إلى أنها لا تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل لقوله - ﷺ -: \" إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه \".\nالحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة كما أخرجه البخاري هنا.\n٢٢٨ - \" باب الصلاة كفارة \"\n٢٦٩ - مضى الحديث: يروي حذيفة ﵁ في هذا الحديث أنهم بينما كانوا جالسين في مجلس الفاروق ﵁ في عهد خلافته إذا به يسأل أصحاب رسول الله - ﷺ - الحاضرين في مجلسه آنذاك قائلًا \" أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة \" يعنى أي واحد فيكم يحفظ حديثًا لرسول الله - ﷺ - في الفتنة فليحدثنا به، والفتنة في الأصل مشتقة من الفتن وهو إدخال الذهب في النار لاختباره حتى تظهر جودته ورداءته، وليتبين هل هو ذهب خالص أو مغشوش، ثم استعملت فيما يصيب الفرد أو المجتمع من بلاء دنيوي أو ديني، أمّا الدنيوي فهو ما يصيب الناس فردًا أو جماعة، في النفس والمال والولد من مرض وفقر وموت وغيره، وأما الديني فهو ما يصيب الفرد أو الجماعة من الأسباب المؤدية إلى مخالفة أمر الله بأي نوع من\n_________\n(١) تيسير العلام ج ١.","vol":"2","page":66},{"text":"اللهِ - ﷺ - في الفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أنَا كَمَا قَالَهُ، قَالَ: إنَّكَ عَلَيْهِ أو عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ والصَّدَقَةُ والأمْرُ والنَّهْيُ، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أرِيدُ، ولكِنِ الْفِتْنَةَ التي تُمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأس يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مغلَقًَا، قَالَ: أيكْسَرُ أَم يُفْتَحُ، قَالَ: يُكْسَرُ، قال:\nــ\nأنواع المخالفات الشرعية، ولما كانت الفتنة الدينية نوعان: فتنة خاصة تصيب الفرد في حد ذاته، وفتنة عامة تصيب الأمّة الإِسلامية بأسرها، فإنّ حذيفة ظن أنّ الفاروق يسأل عن الفتنة الخاصة فقال: \" أنا كما قاله \" أي أنا أحفظ كلامه - ﷺ - في الفتنة حرفيًا مثل ما قاله تمامًا \" قال: إنك عليه أو عليها لجريء \" أي إنك بالفعل قادر على الإِجابة عن هذا السؤال، أو عن الفتنة التي سألتك عنها قال حذيفة ﵁: \" قلت فتنة الرجل في أهله وماله وولده \" يعني فظن حذيفة ﵁ أن عمر يسأله عن الفتنة الخاصة، فأجابه بأن فتنة الإِنسان في خاصة نفسه على ثلاثة أنواع: الأول: \" فتنة الرجل في أهله \" وهي أن يغلب حبه لأهله على عقله ودينه، ويحمله هذا الحب الجامح على ارتكاب الذنوب والخطايا، ومقارفة ما لا يحل من الأقوال والأعمال التي لا تبلغ درجة الكبائر كما أفاده ابن بطال. الثاني: فتنة الرجل بماله وهو أن يتغلب حبه لماله على عقله ودينه فيأتي ببعض الذنوب التي لا تبلغ في درجة الكبائر واقعًا تحت تأثير غريزة الملكية. الثالث: فتنة الرجل بولده بأن يتغلب حبه لولده على عقله ودينه، فيأتي ببعض السيئات من صغائر الذنوب تحت تأثير غريزة الأبوة. ثم قال ﵁ \" تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر \" أي وجميع هذه الفتن الفردية الخاصة التي تصيب المسلم بسبب حبه لنفسه وولده وماله تكفرها الطاعات","vol":"2","page":67},{"text":"إِذَنْ لَا يُغْلَقُ أبَدًا. فَقُلْنَا: أكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ كَمَا أنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بالأغالِيطِ، فَهِبْنَا أنْ نَسْألَ حُذَيْفَةَ فَأمرْنَا مَسْرُوقًا فَسَألهُ فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ.\nــ\nوالحسنات (١) كما قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) وكما قال - ﷺ -: \" وأتبع السيئة الحسنة تمحها \" \" قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر \" أي ليس هذا الذي سألتك عنه فإنّي لم أسألك عن الفتنة الخاصة التي تصيب المرء بسبب أهله أو ماله أو ولده وإنما سألتك عن الفتنة العامة التي تصيب المجتمع الإِسلامي كله، والتي تضطرب اضطراب البحر فتغرق الأمة الإِسلامية في بحر من الدماء: \" فقال: يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا \" أي إذا كنت تسألني عن الفتنة العامة التي تصيب المسلمين جميعًا بالشرور والبلايا وتوقعهم في الحروب وسفك الدماء فيما بينهم، فاطمأن يا أمير المؤمنين: فإن المسلمين اليوم في مأمن منها، وإن بينك وبين هذه الفتنة بابًا مغلقًا قويًا، أما ما هو هذا الباب فسيأتي الجواب عنه في آخر الحديث \" قال: أيكسر أم يفتح، قال: يكسر \" أي فسأل عمر حذيفة: هل يزول هذا الباب بشدة وعنف وسفك دماء، أم يزول من دون ذلك، فقال حذيفة: بل يزول بالعنف والشدة والدم \" قال: إذن لا يغلق \" أي ما دام (٢) قد فتح بالدماء، فسيبقى هذا الباب مفتوحًا للدماء، فلا تنتهي الحروب بين المسلمين \" قيل لحذيفة: كان عمر يعلم الباب؟ قال: كما أن دون الغد الليلة \" أي قال بعضهم هل كان عمر يعلم معنى الباب المذكور في هذا الحديث فقال نعم يعلمه كما يعلم أن هذه الليلة قبل الغد \"إني حدثته\n_________\n(١) أي إن الحسنات تكفرها ما دامت لم تتجاوز حدّ الصغائر إلى الكبائر أما إذا تجاوزت هذه الفتن إلى حد اقتراف الكبائر فلا يكفرها إلاّ التوبة أو عفو الله.\n(٢) أي ما دام باب الفتنة يفتح بالدماء فستبقى الحروب إلى قيام الساعة.","vol":"2","page":68},{"text":"، ٢٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\nأنَّ رَجُلًا أصَابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً فَأتَى النَّبِيُّ - ﷺ - فأخبَرَه فأنزلَ اللهُ ﷿ (أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذَا؟ قَالَ: \" لِجَمِيع أمَّتِي كُلِّهُمْ \".\nــ\nبحديث ليس بالأغاليط\" أي كيف لا يعلمه وقد حدثته حديثًا صادقًا صحيحًا محققًا \" فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقًا، فسأله فقال: الباب عمر \" يعنى أن الحائل بين الإِسلام وبين الفتنة وجود عمر ﵁. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.\nويستفاد منه: أولًا: أنّ الصلاة كفارة للصغائر كما ترجم له البخاري وكذلك جميع الأعمال الصالحة كفارة. ثانيًا: أن الفتنة نوعان، خاصة وعامة. ثالثًا: أن وجود عمر كان بابًا مغلقًا في وجه الفتن. والمطابقة: في قوله: \" تكفرها الصلاة \".\n٢٧٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁ \" أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة \" أي أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - يسمّى أبو اليسر قبل امرأة أجنبيَّةً، فندم على ما فرط منه \" فأتى النبي - ﷺ - فأخبره \" بما وقع فيه \" فأنزل الله ﷿ \" في شأنه \" أقم الصلاة طرفي النهار \" أي صل الصلوات التي في طرفي النهار، وهما الصبح والظهر والعصر \" وزُلفًا من الليل \" أي وصل أيضًا الصلاتين اللتين في أول الليل وهما المغرب والعشاء \" إن الحسنات يذهبن السيئات \" أي فإنّ هذه الصلوات الخمس كفارة لصغائر الذنوب، ومنها ما فعلت \" فقال الرجل: أليَ هذا؟ \" أي هل هي كفارة لي خاصة أو للناس عامة \" قال لجميع أمتي \" أي أن هذه الصلوات الخمس كفارة لمن فعل ذلك من جميع أمتي، وقد روى لنا أبو اليسر قصته هذه مفصلة، فقال:","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>٢٢٩ - \" بَابُ فضلِ الصَّلاةِ لوقتها </span>\"\n٢٧١ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nسَألْتُ النَّبيَّ - ﷺ - أيُّ الْعَمَلِ أحَبُّ إلى الله؟ قَالَ: \"الصَّلَاةُ عَلَى\nــ\nأتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها، فقبلتها فأتيت أبا بكر ﵁، فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب فأتيت عمر فقال: مثله، فلم أصبر فأتيت رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له، فقال: \" أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا \"، حتى تمنى أنّه لم يكن أسلم إلى تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار فأطرق رسول الله - ﷺ - طويلًا حتى أوحى الله تعالى إليه (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) فقرأها عليّ رسول الله - ﷺ -، فقال أصحابه: ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: للناس عامة. أخرجه الترمذي وقال حسن غريب.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الصلاة كفارة لصغائر الذنوب. ثانيًا: أن النساء أعظم فتنة على الرجال، ما خلا رجل بامرأة إلَّا والشيطان ثالثهما. والمطابقة: في قوله: \" لجميع أمتي \".\n٢٢٩ - \" باب فضل الصلاة لوقتها \"\n٢٧١ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁ \" سألت النبي - ﷺ - أي العمل أحب إلى الله؟ \" قال ابن دقيق العيد (١) الغرض من هذا السؤال معرفة ما ينبغي تقديمه من الأعمال على غيره. اهـ. وذلك لأنه\n_________\n(١) شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد.","vol":"2","page":70},{"text":"وَقْتِهَا\". قَالَ: ثُمَّ أي؟ قَالَ: \" بِرُّ الوَالِدَيْن \" قَالَ: ثُمَّ أيْ؟ قَالَ: \" الْجِهَادُ في سَبيل اللهِ \" قَال: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسولُ اللهِ - ﷺ - ولو اسْتَزَدْتُة لَزَادَنِي.\nــ\nكلما كان العْمل أحبَّ إلى الله كان أكثر ثوابًا، فإنّ المحبوب يحظى بما لا يحظى به غيره. \" قال: الصلاة على وقتها \" أي أحب الأعمال إلى الله تعالى المرضية لديه الصلاة في وقتها المختار، سواء صلاها في أول الوقت أو آخره كما أفاده ابن دقيق العيد \" قال ثم أي؟ \" بغير تنوين، ويوقف عليه وقفة لطيفة، كما أفاده الفاكهاني (١) لأنه مضاف تقديرًا، وتقديره: ثم أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى بعد الصلاة، \" قال بر الوالدين \" أي العمل الثاني بعد الصلاة الاجتهاد في الإِحسان إلى الوالدين، وطاعتهما وإرضاؤهما فيما لا يغضب الله \" قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله \" أي الجهاد لِإعلاء كلمة الله، فإنه يأتي في المرتبة الثالثة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه: أن أفضل الأعمال بعد الإيمان أداء الصلاة في وقتها المختار ولو في آخره، وأما حديث الوقت الآخر عفو الله، فقد تفرد به يعقوب ابن الوليد، وكان يَضَعُ الحديث كما قال ابن حِبّان. والمطابقة: في كونه - ﷺ - سئل: \" أي العمل أحب إلى الله \" فقال الصلاة على وقتها.\n...\n_________\n(١) شرح العيني ج ٥.","vol":"2","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>٢٣٠ - \" بَابُ الإِبرَادِ بالظُّهْرِ فِي شدَّةِ الحَرِّ </span>\"\n٢٧٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَن رَسُولَ اللهَ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: \" إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فأبرِدُوا بالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ من فَيْحِ جَهَنَّمَ، واشتكَتِ النَّارُ إلى رَبِّهَا فَقَالَتْ: أكلَ بَعْضِي بَعْضًَا، فأذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسِ في الشتاءِ وَنَفَسِ في الصَّيْفِ، فَهُوَ أشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ \".\nــ\n٢٣٠ - \" باب الإِبراد بالظهر \"\n٢٧٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إذا اشتد الحَرُّ فأبردوا بالظهر \" أي إذا اشتدت حرارة الجو في فصل الصيف فأخّروا صلاة الظهر حتى تخفّ الحرارة ويبرد الجو. وهذا الأمر للندب اتفاقا، قال الزمحشري: وحقيقة الإبراد الدخول في البرد، والباء للتعدية: أي افعلوها في وقت البرد عندما ينكسر الحر لأن شدته تُذهب الخشوع الذي هو ثمرة الصلاة وروحها.\n\" فإن شدة الحر من فيح جهنم \" (١) أي فإن شدة الحر من وهج جهنم، ونَفَس من أنفاسها، وفي الحديث عن عمرو بن عَبَسَةَ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" ثم أقصر عن الصلاة، أي عند استواء الشمس \" فإن حينئذ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ \" أخرجه مسلم \" اشتكت النار إلى ربها \" أي اشتكت إليه مما تلاقيه من الغليان بلسان المقال لا بلسان الحال. لأن حمله على الحقيقة كما قال النووي هو الصواب، والله قادر على أن يخلق فيها الكلام \" فقالت: أكل بعضي بعضًا \" أي بحثت عن شيء آكله فلم أجد، فأكلت نفسي وتلك طبيعة النار، كما قال فيها الشاعر:\n_________\n(١) فيح جهنم غليانها وثورانها، يقال: فاحت القِدر إذا غلت.","vol":"2","page":72},{"text":"اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتلهْ\nكالنار تأكل بعضها ... إن لَمْ تجدْ ما تأكلهْ\n\" فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف \" وأصل النفس ما يخرج من الجوف ويدخل إليه من الهواء، والمراد أن الله أذن لها أن تخفف عن نفسها فتفرز طاقتين متضادتين إلى هذه الأرض: طاقة باردة في الشتاء وطاقة حارة في الصيف \" قال - ﷺ - \" فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير \". أي فليست شدة الحرارة التي تعانونها صيفًا إلّا من ذلك النفس الذي تخفف به عن نفسها صيفًا، وليست شدة البرودة التي تقاسونها شتاءً إلا من ذلك النفس الذي تخفف به عن نفسها شتاءً. ولا مانع ولا غرابة أن يجمع الله فيها بين الضدين، لأنّ الذي خلق في عالمنا الصغير - الثلج والنار - قادر على أن يخلق في جهنم طبقة نارية وطبقة زمهريرية.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب الإِبراد بصلاة الظهر للمنفرد والجماعة عند اشتداد الحر صيفًا، وهو قول أبي حنفية وإسحاق، وظاهر كلام أحمد، قال ابن قدامة: وأما في شدة الحر فكلام الخرقي يقتضي استحباب الإِبراد بها على كل حال، وهو ظاهر كلام أحمد قال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله، يستحب تعجيلها في الشتاء والإبراد بها في الحر (١)، وهو قول اسحاق وأصحاب الرأي وأبن المنذر لظاهر قول النبي - ﷺ -: \" إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم \" رواه الجماعة عن أبي هريرة، وهذا عام. وقال القاضي: إنّما يستحب الإِبراد بثلاثة شروط شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارة، ومساجد الجماعات، فأمّا من صلاها في بيته أو في مسجد بيته فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي \" وقال المالكية \" يستحب الإِبراد في الحر والبرد معًا أما في الحر فيستحب للمنفرد إلى ربع القامة،\n_________\n(١) أي يستحب الإِبرار بها مطلقًا في البيت أو في المسجد.","vol":"2","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>٢٣١ - \" بَابُ الإِبرَادِ بالظّهْرِ في السَّفَر </span>\"\n٢٧٣ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في سَفَرٍ فأرَادَ الْمُؤَذِّنُ أنْ يُؤَذِّنَ للظُّهْرِ، فَقالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" أبْرِدْ، ثُمَّ أرادَ أنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: أبْرِدْ، حَتَّى رأيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فإذا اشْتَدَّ الْحَرُّ فأبرِدُوا بالصَّلَاةِ \".\nــ\nوللجماعة إلى نصفها وأما في البرد فيستحب للجماعة فقط إلى ربع القامة.\nثانيًا: ظاهر الحديث استحباب التبكير بالظهر شتاءً وهو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية. الحديث: أخرجه أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \"فأبردوا بالظهر\".\n٢٣١ - \" باب الإبراد بالظهر في السفر \"\n٢٧٣ - معنى الحديث: يقول أبو ذر ﵁: \" كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فأراد أن يؤذن أن يؤذن للظهر \" أي فأراد بلال أن يقيم لصلاة الظهر عند الزوال مباشرة \" فقال له النبي - ﷺ -: أبرد \" أي فأمره بتأخير الصلاة حتى يَبْرُدَ الجو \" ثم أراد أن يؤذن \" أي ثم أراد مرة أخرى أن يقيم \" فقال له: أبرد \" يعني أنه - ﷺ - أمره بالإبراد بالظهر مرتين \" حتى رأينا فيء التلول \" أي فلم نصل الظهر حتى صار للتلول ظلالٌ، والتلول والتلال ما اجتمع على الأرض من تراب ورمل ونحوه والفيء ظل الشيء الممتدِ إلى جهة الشرق بعد الزوال \" فقال النبي - ﷺ -: إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحرّ فأبردوا وبالصلاة \" أي فأخروا صلاة الظهر مطلقًا في الحضر أو السفر. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أمر بلالًا بالإبراد بالظهر، وهم على","vol":"2","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>٢٣٢ - \" بَابُ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ </span>\"\n٢٧٤ - قَالَ جَابِرُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الظهْرَ بِالْهَاجِرَةِ.\nــ\nسفر.\nويستفاد منه مما يأتي: أولًا: مشروعية الإِبراد بالظهر في شدة الحر مطلقًا حتى في حال السفر، لأنّ النبي - ﷺ - أمر بلالًا بالابراد بالظهر وهم مسافرون.\nثانيًا: أنه يستحب الإبراد بصلاة الظهر في شدة الحر مطلقًا وفي جميع الأحوال، سواء كان في البيت أو في المسجد في جماعة أو منفردًا لأنّه لو كان يشترط فيه أن يكون في مسجد ينتابه الناس لما أمر به النبي - ﷺ - في السفر، ولهذا قال الترمذي: ومن ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأمّا ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي.\nقال أبو ذر: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي - ﷺ -: يا بلال أبرد، ثم أبرد، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لما كان للإِبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا المسجد من البعد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\n٢٣٢ - \" باب وقت الظهر \"\n٢٧٤ - معنى الحديث: يروي البخاري هذا الحديث هنا معلّقًا فيقول: \" قال جابر: كان النبي - ﷺ - يصلّي الظهر بالهاجرة \" يعني أن النبي - ﷺ - كان يصلّي صلاة الظهر بعد الزوال في وقت اشتداد الحر نصف النهار وقد وصله البخاري في باب وقت المغرب بلفظ: \" كان يصلي الظهر بالهاجرة \". الحديث: أخرجه البخاري.\nويستفاد منه: أن أول وقت الظهر بعد الزوال، ولا تصح قبله قال ابن المنذر:","vol":"2","page":75},{"text":"٢٧٥ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي الصُّبْحَ، وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلى الْمِائَةِ، ويُصَلَى الظّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، والْعَصْرَ وأحدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُ والشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيْتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ ولا يُبَالِي بتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَال: إلَى شَطر اللَّيْلَ.\nــ\nوعليه أجمع العلماء. والمطابقة: في قوله: \" يصلي الظهر بالهاجرة \".\n٢٧٥ - راوي الحديث: هو أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمِي أسلم قديمًا، وغزا مع النبي - ﷺ - سبع غزوات، روى ستة وأربعين حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بأربعة، والبخاري بحديثين، توفي بخراسان سنة ستين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁ \" كان النبي - ﷺ - يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه \" أي يطيل فيها حتى لا ينتهي إلاّ وقد عرف كل واحد جليسه وفي رواية: \" كان يصلي الصبح فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه \" أخرجه مسلم. أي لا يفرغ منها إلّا وقد ظهرت الأشياء، وانكشفت الوجوه، وعرف زيد من عمرو \" ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة \" هذا بيان لسبب طول صلاة الصبح، هو أنّه كان يقرأ فيها من ستين إلى مائة آية \" وكان يصلي الظهر إذا زالت الشمس \" أي بعد الزول مباشرة \" والعصر وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حيّة \" أي ولا تزال الشمس قوية الشعاع، شديدة الحرارة، ساطعة الضياء، \" ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل، ثم قال: إلى شطر الليل \" أي يصلي العشاء أحيانًا في وقت ينتهي إلى الثلث أو النصف من الليل.","vol":"2","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>٢٣٣ - \" بَابُ تأخِيرِ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ </span>\"\n٢٧٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًَا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ قَالَ أيُّوبُ: لَعَلَّهُ في لَيْلةٍ مَطِيرةٍ\nــ\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن أول وقت الظهر بعد الزوال. ثانيًا: أن الأفضل أداء العصر في أول وقتها المختار، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة حيث يرى أن أداءها آخر الوقت أفضل لحديث علي بن شيبان \" فكان يؤخر العصر ما دامت بيضاء نقية \" أخرجه أبو داود. والمطابقة: في قوله: \" كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس \".\n٢٣٣ - \" باب تأخير الظهر إلى العصر \"\n٢٧٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ \" أن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء \" أي صلى وهو مقيم بالمدينة الظهر والعصر معًا، فجمع بينهما، وصلى أيضًا المغرب والعشاء، فجمع بينهما، وذلك لعذر المطر، حيث اعتبر المطر عذرًا شرعيًا يسوّغ الجمع بين الصلاتين، وعن ابن عباس ﵄ في رواية \" أنّ النبي - ﷺ - صلى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، في غير خوف ولا سفر \" وفي رواية: \" من غير خوف ولا مطر \" رواه مسلم وأبو داود والترمذي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يجوز للمقيم الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تأخير لعذر المطر، وهو قول مالك والشافعي","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-260>٢٣٤ - \" بَابُ وَقْتِ الْعَصْرِ </span>\"\n٢٧٧ - عنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّى الْعَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلى الْعَوَالِي فَيَأتِيهِمْ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ على أربَعَةِ أمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ.\nــ\nوأحمد، غير أن الشافعي اشترط أن يكون المطر موجودًا بالفعل عند افتتاح الصلاتين، وأجاز مالك أيضًا الجمع في حال الطين والظلمة. وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلي عند المطر كل صلاة في وقتها، وقال أبو حنيفة: لا يجوز جمع التأخير في سفر ولا غيره إلاّ في مزدلفة، وحمل حديث الباب ونحوه على أنه جمع صوري، ومعناه أنه أخر الظهر حتى بقي من وقتها جزءٌ يسيرٌ فصلاها في آخر الوقت، ثم صلى العصر في أول وقتها، فجمع بينهما فعلًا لا وقتًا، لأنه صلى كل واحدة في وقتها. لكن هذا التأويل يتعارض مع قول ابن عمر: كان رسول الله - ﷺ - إذا أعجله السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق. ثانيًا: جاء في بعض الروايات \" من غير خوف ولا مطر \" واستدل به أحمد وبعض الشافعية على جواز الجمِع للمرض (١) والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر \".\n٢٣٤ - \" باب وقت العصر \"\n٢٧٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" قال كان النبي يصلي العصر والشمس مرتفعة حية \" أي يصلي العصر، ولا تزال الشمس عالية قوية الشعاع، شديدة الحرارة، \"فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم،\n_________\n(١) ذهب جماعة من الأئمة إلي جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، واختاره ابن المنذر، ويؤيد ذلك قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره. (ع).","vol":"2","page":78},{"text":"والشمس مرتفعة\" أي فيخرج الرجل بعد انتهاء صلاة العصر في المسجد النبوي إلى العوالي ثم يعود إلى المدينة وما زالت الشمس مرتفعة قوية الضوء لم تتغير بعد إلى الصفرة \" وبعض العوالي من المدينة على بعد أربعة أميال \" أي وأقرب العوالي إلى المدينة على بعد أربعة أميال على الأقل أما أقصاها فهو ثمانية أميال، كما أفاده ابن الأثير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، لأن الرجل (١) كان يذهب بعد صلاة العصر إلى العوالي، ويعود ولا تزال الشمس بيضاء لم تصفر بعد، والمسافة بين المدينة والعوالي ذهابًا وإيابًا لا تقل عن ثمانية أميال على الأقل، وهي مسافة لا يمكن أن يقطعها المرءُ بعد صلاة العصر وقبل الإصفرار إلاّ إذا صلى العصر عندما صار ظل كل شيء مثله. ثانيًا: أن صلاة العصر في أول وقتها أفضل، وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: العصر في آخر وقتها المختار أفضل. والحديث حجة الجمهور. لقول أنس: \" كان - ﷺ - يصلّي العصر والشمس مرتفعة حية \" ... إلخ. والمطابقة: في قوله: \" كان يصلي العصر والشمس مرتفعةُ \" ... إلخ.\n...\n_________\n(١) أي لأن الرجل من أصحاب النبي - ﷺ - كان يصلي العصر مع الجماعة في المسجد النبوي ثم يذهب إلى العوالي، ويعود قبل الاصفرار.","vol":"2","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>٢٣٥ - \" بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وإثم من ترك العصر </span>\"\n٢٧٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كأنَّمَا وُتِرَ أهْلَهُ وَمَالَهُ \".\n٢٧٩ - عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁:\nــ\n٢٣٥ - \" باب إثم من فاتته صلاة العصر، وإثم من ترك العصر \"\n٢٧٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - قال: الذي تفوته صلاة العصر \" أي الذي تفوته صلاة العصر في وقتها ولم يُصلِّهَا إلاّ بعد خروج الوقت. لغير عذر شرعي \" كأنما وتر أهلهُ وماله \" يروى بالنصب (١) على أنه مفعول ثانٍ، والمفعول الأول ضمير مستتر في محل رفع نائب فاعل، أي من أخر صلاة العصر حتى خرج وقتها لغير عذر شرعي فكأنما أصيب في أهله وماله، ويجوز رفعه على أنه نائب فاعل، والمعنى فكأنما سلمت أهله وماله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" كأنّما وتر أهلَه ومَالَهُ \" فإنّ هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على معصية يأثم عليها.\n٢٧٩ - ترجمة الراوي: هو بريده بن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد وإسكان الياء الأسلمي، أسلم يوم بدر، وشهد ما بعدها، وغزا خراسان على عهد عثمان، وسكن مرو، روى ١٦٤ حديثًا اتفقا على واحد، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر توفي سنة ٦٢ من الهجرة.\nمعنى الحديث: أن بريدة بن الحصيب ﵁: أمرهم في يوم\n_________\n(١) أي بنصب \" أهل \" على أنه مفعول ثانٍ و\" مال \" معطوف عليه.","vol":"2","page":80},{"text":"أَنَّهُ قَالَ في يَوْمٍ ذِي غَيْم بَكرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فإِنَّ النَّبَِّي - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>٢٣٦ - \" بَابُ فضلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ </span>\"\n٢٨٠ - عَنْ أبِي هُرَيرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"يَتَعَاقَبُونَ فيكُمْ مَلائِكَة باللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بالنَّهارِ، وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا\nــ\nغائم أن يعجلوا بصلاة العصر في أول وقتها، وحذرهم من تأخيرها قائلًا: \" فإنّ النبي - ﷺ - قال: من ترك صلاة العصر \" أي أخرها عن وقتها لغير عذر \" فقد حبط عمله \" أي فقد بطل ثوابه، وضاع أجره عن تلك الصلاة التى أخرها، فلا ثواب له عليها. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" فقد حبط عمله \".\nويستفاد من الحديثين: أن تأخير صلاة العصر عن وقتها -لغير عذر- كبيرة من الكبائر، لأنّ النبي - ﷺ - توعد من فعل ذلك بإحباط عمله، وإسقاط ثوابه عن تلك الصلاة، وأنه كمن خسر أهله وماله، وهذا الوعيد الشديد لا يترتب إلاّ على كبيرة، وحكم بقية الصلوات كحكم صلاة العصر فمن أخرها لغير عذر فقد استحق هذا الوعيد نفسه.\n٢٣٦ - \" باب فضل صلاة العصر \"\n٢٨٠ - معنى الحديث: أن أبا هريرة يحدثنا \" أن رسول الله - ﷺ - قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار \" أي تتناوب الملائكة على حراسة البشر فطائفة تحرسهم ليلًا وطائفة أخرى تحرسهم نهارًا \"وهؤلاء","vol":"2","page":81},{"text":"فِيكُمْ، فَيَسْألهُمْ وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِيَ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وأتيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ\".\nــ\nهم الحفظة\" الذين قال الله تعالى فيهم: (وإن عليكم لحافظين) فملائكة الليل تحرسنا من وقت صلاة العصر إلى آخر صلاة الفجر، وملائكة النهار من أول صلاة الفجر إلى آخر صلاة العصر \" يجتمعون في صلاة الفجر \" أي تجتمع ملائكة النهار بملائكة الليل في صلاة الفجر حيث ينزل ملائكة النهار عند أول الصلاة، ولا زال ملائكة الليل موجودين فيلتقون بهم \" وصلاة العصر \" أي ويجتمع ملائكة الليل بملائكة النهار في صلاة العصر \" ثم يعرج الذين باتوا فيكم \" أي ثم يصعد ملائكة الليل بعد صلاة الفجر \" فيسألهم \" الرب ﷿ \" وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ \" أي يسألهم كيف تركتم عبادي، وهو في غنى عن سؤالهم هذا، لأنه عليم بهم، وإنما يسألهم عن ذلك في الملأ الأعلى تنويهًا بشأن بني آدم وبيانًا لفضلهم، وليباهي بهم الملائكة \" فيقولون تركناهم وهم يصلون \" صلاة الصبح \" وأتيناهم وهم يصلون \" صلاة العصر، فهم في صلاة دائمة. وكذلك يسأل ﷿ ملائكة النهار، فيجيبون بمثل ما أجاب به ملائكة الليل. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: فضل صلاة الصبح وصلاة العصر في جماعة وكونهما تشهدهما الملائكة، وتشهد لمن صلّاهما، وهذه مزية عظيمة لمن صلاهما في جماعة، حيث نوِّة به في الملأ الأعلى. كما أفاده العيني حيث قال: فإن قلت شهودهم معهم الصلاة في الجماعة أم مطلقًا، قلت: اللفظ يحتمل للجماعة وغيرهم، ولكن الظاهر أن ذلك في الجماعة. والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" فيجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر \" كما أفاده العيني.","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>٢٣٧ - \" بَابُ مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً من الْعَصْرِ قَبْلَ الْغروبِ </span>\"\n٢٨١ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" إِذَا أدْرَك أحدُكُمْ سجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتمَّ صَلَاتَهُ، وِإذَا أدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلَعَ الشَّمْسُ فليُتمَّ صَلَاَتهُ \".\nــ\n٢٣٧ - \" باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب \"\n٢٨١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته \" أي إذا حصّل أحدكم من صلاة العصر ركعة كاملة بسجدتيها قبل الغروب، فقد أدرك صلاة العصر في وقتها فليتم بقية صلاته على أنه صلاها أداء في وقتها. عبر بالسجدة عن الركعة، لأن الركعة إنما يكون تمامها بسجودها كما أفاده العيني، وقد جاء التصريح بذلك في قوله - ﷺ - \" من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة \" وكذلك الحكم بالنسبة لصلاة الصبح كما قال - ﷺ - \" وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته \" أي فقد أدرك الصبح في وقتها فليتمها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنّ من أدرك ركعة كاملة بسجدتيها من العصر أو الصبح قبل خروج الوقت فقد أدرك تلك الصلاة في وقتها، ولا خلاف في ذلك، وإنما اختلفوا فيمن أدرك أقل من ركعة فذهب الحنفية والحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد (١) إلى أن الفريضة تدرك أداءً بتكبيرة الإحرام في وقتها المخصص لها، سواء أخرها لعذر كحائض تُطهر، أو مجنون يفيق، أو لغير عذر. وذهب المالكية والشافعية في الأصح إلى أنه إنما تُعَدُّ\n_________\n(١) الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزحيلي ج ١.","vol":"2","page":83},{"text":"الصلاة أداءً في وقتها إذا صلّى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت، أمّا إذا أدرك أقل من ركعة فإنّها تكون قضاءً بدليل ما جاء في حديث الباب: حيث إن النبي - ﷺ - قال فيه: \" إذا أدرك أحدكم سجدة \" ولا يمكن إدراك السجدة إلّا لمن أدرك الركعة كاملة بسجودها، بالإِضافة إلى ما جاء في خبر الصحيحين \" من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك الصلاة \" أي أدركها مؤداة في وقتها ومفهومه أن من لم يدرك ركعة لا يدرك الصلاة مؤداه، وهذا الرأي فيما يظهر أصح (١)، لأنه لا يمكن إدراك السجود إلاّ بعد الركوع، بالإِضافة إلى ما رواه الجماعة \" من أدرك من الصبح ركعة \" قال الحافظ في قوله - ﷺ - (٢) \" من أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك \": ظاهره أنه يكتفي بذلك أي بالركعة، وليس ذلك مرادًا بالإِجماع فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلّى ركعة أخرى كملت صلاته. ثانيًا: أنه تجوز صلاة الفرائض في جميع أوقات النهي، ولو غربت الشمس، وهو في صلاة العصر، أو طلعت وهو في الصبح أتمَّ بقية صلاته، وكانت صحيحة، وهو مذهب الجمهور في جميع أوقات النهي، لأن النبي - ﷺ - أمر من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب، أو ركعة من الصبح قبل الشروق أن يُتمَّ صلاته كما في حديث الباب، ولقوله - ﷺ - في حديث قتادة: \" فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها \" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الترمذي، فإن هذين الحديثين يدلان صراحةً على جواز الفريضة وصحتها في جميع أوقات النهي، ولو كانت محرمة لما أمر النبي - ﷺ - بفعلها في قوله: \" فليصلها إذا ذكرها \"، ولو كانت باطلة لما أمر باتمامها في قوله: \" فليتم صلاته \" وقالت الحنفية: تكره صلاة الفريضة في جميع أوقات النهي كراهة تحريمية، تقتضي عدم صحة\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي.\n(٢) \" فتح الباري شرح البخاري \" ج ٢.","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-264>٢٣٨ - \" بَابُ وَقْتِ الْمَغرِبِ </span>\"\n٢٨٢ - عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أحَدُنَا وَإنَّهُ ليبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.\nــ\nالصلاة، وبطلانها، واستثنوا من ذلك فرض عصر اليوم (١) أداءً، فإنه يجوز ويصح عند الغروب. واستدلوا بأحاديث النهي كحديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس \" متفق عليه، والجمهور على أنّ هذه الأحاديث خاصة بالنوافل، وأن حديث الباب وغيره مخصص لها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n٢٣٨ - \" باب وقت المغرب \"\n٢٨٢ - معنى الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا على عهد النبي - ﷺ - يعجلون بصلاة المغرب، فيصلونها بعد غروب الشمس فورًا حتى أنهم ينتهون منها ولا زال النور منتشرًا بحيث يرى أحدهم المواضع التي يصل إليها نبله، لأن الأشياء ما زالت ظاهرة لم يحجبها الظلام.\nويستفاد منه: أن وقت المغرب يبدأ من غروب الشمس حالًا، وأنه ضيق جدًا لا يمتد إلاّ بمقدار أداء الصلاة لأنّ النبي - ﷺ - كان يداوم على أدائها بعد الغروب مباشرة وهو مذهب مالك والشافعي الجديد (١) وعليه بعض أهل العلم يرون أن وقت المغرب ينقضي بمقدار الوضوء وستر العورة والأذان والإِقامة وخمس ركعات أي أن وقته مضيق غير ممتد لما جاء في حديث جابر أن جبريل\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي.","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>٢٣٩ - \" بَابُ وقْتِ الْعِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ </span>\"\n٢٨٣ - قَالَ أبو بَرْزَةَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَحِبُّ تَأخِيرَهَا.\nــ\nصلى بالنبي - ﷺ - في اليومين في وقت واحد (١)، ولما جاء في حديث الباب هذا. وذهب الجمهور من الحنيفة والحنابلة والأظهر عند الشافعية، وهو مذهب الشافعي القديم إلى أنه يمتد إلى مغيب الشفق لما جاء في حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - \" وقت المغرب ما لم يغيب الشفق \" أخرجه مسلم. وفي حديث أبي موسى \" فصلى المغرب -أي من الغد- قبل أن يغيب الشفق \" أخرجه أبو داود، أما حديث جابر فقد حمله الجمهور على وقت الفضيلة والاختيار لا على الجواز. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في دلالته على المبادرة إلى صلاة المغرب.\n٢٣٩ - \" باب وقت العشاء إلى نصف الليل \"\n٢٨٣ - معنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁ \" كان النبي - ﷺ - يستحب تأخيرها \" أي يفضل تأخيرها يعني يرغّب أصحابه في تأخير صلاة العشاء دون أن يبين مقدار ذلك.\nويستفاد منه: استحباب تأخير صلاة العشاء إلاّ أن أبا برزة لم يحدد مقدار هذا التأخير الذي سيأتي موضحًا في الأحاديث الآتية. والمطابقة: في قوله: \" يستحب تأخيرها \". الحديث: أخرجه البخاري موصولًا في باب وقت العصر.\n...\n_________\n(١) وهو غير الاظهر المعمول به عند الشافعية.","vol":"2","page":86},{"text":"٢٨٤ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nأَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ العِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيلَ، ثُمَّ صَلَّى، ثمَّ قالَ: \" قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ ما انْتَظرتُمُوها \".\nــ\n٢٨٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لم يصل العشاء ليلة إلاّ في آخَّر النصف الأول من الليل، ثم قال لهم: لقد صلّى غيركم، أما أنتم فقد أخرتم هذه الصلاة إلى هذا الوقت المتأخر من الليل، فكنتم في صلاة مدة انتظاركم لها، يحتسب لكم ثوابها طوال هذه المدة، وفي رواية أخرى أنه قال: \" ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل \" أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ظاهر الحديث أن وقت العشاء يمتد إلى آخر نصف الليل، ويخرج بالنصف وهو وقت الاختيار عند الجمهور والرواية الثانية عن أحمد وقول ابن المبارك وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي كما أفاده القسطلاني (١) وابن قدامة (٢) لما روي عن أنس قال: \" أخَّر رسول الله - ﷺ - صلاة العشاء إلى نصف الليل \" رواه البخاري، وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأمرت بهذه أن تؤخر إلى شطر الليل \" رواه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر ﵄ أنه - ﷺ - قال: \" وقت العشاء إلى نصف الليل \" رواه أبو داود، وعن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله - ﷺ - حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلّى، ثم قال: \" إنه لوقتها \" أي وقتها المختار \" لولا أن أشق على أمتي لأخرتها إليه \" أخرجه مسلم، وروي عن أحمد أنّ وقت العشاء المختار يمتد إلى ثلث الليل، وهو قول عمر وأبي هريرة وعمر\n_________\n(١) شرح القسطلاني ج ١.\n(٢) المغني ج ١.","vol":"2","page":87},{"text":"ابن عبد العزيز ومالك بن أنس لما جاء في حديث جبريل أنه صلى النبي - ﷺ - في المرة الثانية ثلث الليل، وقال: \" الوقت ما بين هذين \" وذهب الظاهرية إلى أنّ وقتها الاختياري يمتد إلي طلوع الفجر لما جاء في حديث أبي قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \" إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى \" فهو عام متأخر عن حديث إمامة جبريل، وناسخ له اهـ. كما حكاه ابن رشد.\nثانيًا: أن تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل أفضل لحديث الباب، ولقوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد \" لولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل \" حيث دل على أن تأخيرها إلى نصف الليل أفضل وإنما قدمها - ﷺ - مراعاة للضعفاء والذين لا يستطيعون التأخير إلى ذلك الوقت المتأخر من الليل فيؤدي ذلك إلى تفويت تكثير الجماعة، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن تأخيرها أفضل، وذهب بعضهم إلى أن صلاتها في أول الوقت عند مغيب الشفق أفضل، وروى العراقيون من أصحابنا عن مالك أن تأخيرها أفضل، وبه قال أبو حنيفة لما جاء في حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة: \" أعتم النبي - ﷺ - حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، خرج فصلى، فقال: إنه لوقتها \" وقال في المنهل العذب (١): وقد اختلف العلماء أتقديمها أفضل أم تأخيرها؟ وهما مذهبان مشهوران للسلف، وقولان لمالك والشافعي، فذهب فريق إلى تفضيل التأخير محتجًا بهذه الأحاديث، كحديث الباب، وحديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر المتقدمة، وذهب فريق إلى تفضيل التقديم محتجًا بأنه العادة الغالبة لرسول الله - ﷺ - هي التقديم، وإنما أخرها في أوقات يسيرة لبيان الجواز، أو لشغل أو لعذر، ولو كان تأخيرها أفضل لواظب عليه. \" وَرُدَّ \" بأن هذا يتم لو لم يكن منه - ﷺ - إلاّ مجرد الفعل\n_________\n(١) \" المنهل العذب \" ج ٣.","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>٢٤٠ - \" بَاب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِْ بَعْدَ الْعِشَاءِ </span>\" (١)\n٢٨٥ - عن أبي بَرْزَةَ ﵁ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْهَجِيرَ وهي التي تَدْعُونَهَا الأولى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصَلِّي الْعَصْرَ ثم يَرْجِعُ أحَدُنَا إلى أهْلِهِ في أقصى الْمَدِينَةِ\nــ\nلها في ذلك الوقت، وهو ممنوع، لورود الأقوال كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه \" رواه ابن ماجة والترمذي وصححه، إلى غير ذلك من الأحاديث التي فيها تنبيه على أفضلية التأخير. والمطابقة: في قوله: \" أخر النبي - ﷺ - صلاة العشاء إلى نصف الليل \".\n\n٢٤٠ - \" باب ما يكره من السمر بعد العشاء \"\nقال القاضي عياض: والسمر رويناه بفتح الميم، وقال ابن سراج: الصواب سكونها، لأنّه اسم الفعل، ومعنى السمر بالفتح التحدث مع الإِخوان بعد صلاة العشاء، ويختلف حكمه فمنه ما هو جائز مشروع، ومنه ما هو مكروه، والغالب فيه الكراهة كما يدل عليه الحديث.\n٢٨٥ - معنى الحديث: يقول أبو برزة ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - يصلي الهجير حين تدحض الشمس \" أي كان - ﷺ - يصلي الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء، فالهجير هي صلاة الظهر، لأنها تصلّى في الهاجرة عند منتصف النهار \" ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى\n_________\n(١) ذكر البخاري هذا الباب بعد باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى ولكني قدمته هنا لمناسبته للباب السابق.","vol":"2","page":89},{"text":"والشَّمْسُ حَيَّةٌ، ونسيتُ مَا قَالَ في الْمَغْرِبِ، قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ، قَالَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا والْحَدَيْث بَعْدَهَا، وكانَ يَنْفَتِلُ من صَلَاةِ الغَدَاةِ حينَ يَعْرِفُ أحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرأ مِنْ السِتِّينَ إلى المِائَةِ.\nــ\nأهله في أقصى المدينة والشمس حيّة\" أي ويصلي العصر في أول وقتها، حتى أنّ الواحد منا يذهب إلى أبعد مكان في المدينة، ويعود منه، والشمس لا تزال قوية الشعاع، مرتفعة في السماء، لم يدخل وقت الاصفرار، ثم ذكر أنه نسى ما قاله أبو برزة عن صلاة المغرب، ثم \" قال: وكان - ﷺ - يستحب أن يؤخر العشاء \" أي كان - ﷺ - يفضل تأخير العشاء كما تقدم في الحديث السابق \" وكان يكره النوم قبل العشاء \" لمن يتعمد ذلك، أما من غلبه النوم فلا شيء عليه \" والحديث بعدها \" أي وكان يكره الحديث بعد العشاء، إلّا لفائدة مقصودة شرعًا \" وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف أحدنا جليسه \" أي يطيل القراءة في الصبح حتى لا ينتهي منها إلاّ وقد انتشر الضوء، وعرف كل واحد جليسه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على كراهية السمر بعد العشاء لغير فائدة مقصودة شرعًا كمسامرة الأهل أو لضيف، وسماع موعظة أو علم فإنه لا يكره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها \".\n***","vol":"2","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>٢٤١ - \" بَابُ فَضْلُ صَلَاةِ الْفَجْرِ </span>\"\n٢٨٦ - عنْ أبِي موسَى ﵁:\nأن رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ \".\nــ\n٢٤١ - \" باب فضل صلاة الفجر \"\n٢٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو موسى ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - قال: من صلى البردين \" بفتح الباء الموحدة، وهما صلاتا الفجر والعصر، لأنهما تقعان في بردي النهار، أي طرفيه، وقيل لأنهما تفعلان في وقت البرد، وطيب الهواء، وانخفاض الحرارة، \" دخل الجن \" أي من واظب على أداء صلاتي الصبح والعصر في وقتهما المختار دخل الجنة ابتداءً مع السابقين الأولين.\nويستفاد منه: فضل صلاتي الفجر والعصر، وكون المواظبة عليهما سببًا في دخول الجنة، بشرط أن يكون المواظب عليهما صادق الإيمان، لأن الكافر لا عمل له، وقد جاء هذا الشرط مصرحًا به في قوله - ﷺ - كما في حديث عمار \" لن يدخل النار من مات لا يشرك بالله شيئًا، وكان يبادر لصلاته قبل طلوع الشمس وقبل غروبها \" أخرجه البزار. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون أحد البردين هي صلاة الفجر.\n***","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>٢٤٢ - \" بَابُ وقتِ الفجرِ </span>\"\n٢٨٧ - عنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أنَهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النبِيِّ - ﷺ - ثم قدمُوا إلَى الصلاةِ قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أوْ سِتِّينَ يَعْنِي آيَةً.\n٢٨٨ - عَنْ سَهْل، بْنِ سَعْد ﵄ قَالَ:\nكُنْتُ أتُسَحرُ في أهْلِي ثم يَكُونُ سرعَة بي أنْ أدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رسُولِ اللهِ - ﷺ -.\nــ\n٢٤٢ - \" باب وقت الفجر \"\n٢٨٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" أن زيد بن ثابت ﵁ حدثه أنهم تسحروا مع النبي - ﷺ - \" أي تناولوا معه طعام السحور \" ثم قاموا إلى الصلاة \" أي إلى صلاة الصبح \" قلت: كم بينهما \" أي كم المدة التي بين السحور وصلاة الفجر، \" قال: قدر خمسين أو ستين \" يجوز في قدر الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير والزمن بينهما قدرُ خمسين آية، وهو موضع الترجمة، لأنه يدل على أنه - ﷺ - كان يصلي الصبح بعد السحور بزمن يتسع لقراءة خمسين آية (١). الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" قلت: كم بينهما \" قال: قدر خمسين أو ستين آية.\n٢٨٨ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: \" كنت أتسحر في أهلي \" أي مع أهلي من بني ساعدة، وكانت منازلهم شمال المسجد في محلة باب المجيدى التي تمتد من بيرحاء وفندق زهرة المدينة إلى\n_________\n(١) ويدل أيضًا على أن وقت صلاة الصبح بعد الفجر مباشرة.","vol":"2","page":92},{"text":"السحيمي (١) كما أفاده مؤرخ المدينة الأستاذ إبراهيم العياشي \" ثم تكون سرعة (٢) بي أن أن أدرك الفجر \" أي ثم أمشي بسرعة بعد السحور مباشرة لكى أتمكن من إدراك صلاة الصبح جماعة \" مع النبي - ﷺ - \" وفي مسجده الشريف فإذا لم أسرع فاتتني الصلاة أو الركعة الأولى منها. والحديث أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" ثم تكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر \" وذلك كما أفاده العيني بطريق الإِشارة إلى أن أول وقت صلاة الفجر طلوع الفجر.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: أن وقت صلاة الصبح يبدأ بعد طلوع الفجر مباشرة، لأن النبي - ﷺ - كان يصلي الصبح بعد السحور بزمن قصير لا يتسع إلاّ لقراءة خمسين آية، ولأن سهل بن سعد ﵄ الذي يسكن بجوار المسجد، وبالقرب منه، كان لا يدرك صلاة الصبح في مسجد النبي - ﷺ - إلاّ إذا ذهب إليها بعد السحور بسرعة، فإذا تباطأ قليلًا فاتته، وهذا يدل دلالة أكيدة صريحة على مواظبته - ﷺ - على صلاة الصبح بعد الفجر مباشرة. ثانيًا: أن أداء صلاة الصبح في أوّل الوقت أفضل لأن الحديثين يدلان على مواظبته - ﷺ - على ذلك، وما واظب النبي - ﷺ - على فعله فهو سنة.\n...\n_________\n(١) \" المدينة بين الماضي والحاضر \" لفضيلة الاستاذ إبراهيم العياشي.\n(٢) وسرعة مرفوع على أنه فاعل تكون التامة، أي ثم توجد منه سرعة لكي يدرك صلاة الصبح مع الجماعة في مسجد النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>٢٤٣ - \" بَابُ الصَّلَوَاتِ الْخمس كَفَّارَةٌ </span>\"\n٢٨٩ - عَن أبِي هُرَيرَةَ ﵁:\nأنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \" أرَأَيْتُمْ لَوْ أن نَهَرًا بِبَابِ أحدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، ما تَقُوْلُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًَا، قَالَ: فذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَواتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا \".\nــ\n٢٤٣ - \" باب الصلوات الخمس كفارة \"\nقدم البخاري هذا الباب فوضعه بعد باب فضل الصلاة لوقتها ولكني أخرته هنا ليكون بعد الأبواب المذكورة فيها أوقات الصلوات الخمس.\n٢٨٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم فيغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يبقي\" بضم الياء في أوله وكسر القاف \" من درنه \" أي أخبروني لو وجد أحدكم نهرًا أمام منزله يغتسل فيه خمس مرات يوميًا أتظنون أن ذلك الاغتسال المتكرر يبقي شيئًا من أوساخه البدنية؟ \" قالوا: لا يبقي من درنه شيئًا \" لأن الاغتسال مرة واحدة في اليوم كاف لتنظيف البدن فكيف إذا كان خمس مرات \" قال: فذلك مثل (١) الصلوات الخمس \" أي فإن الصلوات الخمس تشبه الاغتسال خمس مرات في اليوم، فإذا كان الاغتسال، بمثل ذلك العدد ينظف الجسم من الأقذار، ويحميه من الميكروبات التي تسبب له الأمراض البدنية، فإن الصلوات الخمس تكفر السيئات، وتمحوها من كتاب الحفظة، كما تحمى النفس وتقيها من الخطايا التي لم تقترفها بعد، وتطهرها أيضًا من جميع الأمراض النفسية من القلق والحقد\n_________\n(١) بكسر الميم وسكون الثاء، ويجوز فتح الميم والثاء.","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>٢٤٤ - \" بَاب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حتَّى ترْتفِعَ الشَّمْس </span>\"\n٢٩٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nشَهِدَ عنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَىْ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.\nــ\nوالحسد والعداوة والأنانية وغيرها، بالإِضافة إلى تكفير الخطايا التي اقترفتها كما قال - ﷺ -: \" يمحو الله بِهِ (١) الخطايا \" أي يكفرها.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: إن الصلوات الخمس كفارات لصغائر الذنوب. ثانيًا: إنها علاج ناجع للأمراض النفسية، وقد عولج بالصلاة بعض المصابين بها، وهم كفار فشفوا وأسلموا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" يمحو الله به الخطايا \".\n٢٤٤ - \" باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس \"\n٢٩٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" شهد عندي رجال مرضيون \" أي أخبرني رجال ثقات من أصحاب النبي - ﷺ - \" أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الصبح \" أي نهى عن صلاة النافلة بعد صلاة الصبح \" حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب \" أي إلى غروب الشمس.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم النافلة بعد صلاة العصر إلى الغروب، بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، وأما قول عائشة ﵂: \" ركعتان لم يكن رسول الله - ﷺ - يدعهما سرًا أو علانية \" أي\n_________\n(١) هكذا في رواية البخاري بتذكير الضمير، وعند مسلم والترمذي والنسائي والدارمي \" بهن \" وعند أحمد في المسند \" بها \". (ع).","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>٢٤٥ - \" بَابُ الْأذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ </span>\"\n٢٩١ - عَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ:\nسِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ\nــ\nلا يتركهما سواء كان في بيته أو في المسجد \" ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر (١) \" الذي استدل به الظاهرية على مشروعية النافلة بعد العصر فقد أجاب عنه الجمهور بأنه من خصوصياته - ﷺ - واختلفوا فيما يحرم من النوافل في أوقات النهي، فقال الجمهور: تحرم جميع النوافل ما عدا ركعتي الطواف عند أحمد، وقال الشافعي يحرم من النوافل ما ليس له سبب، ويجوز ماله سبب شرعي كصلاة الكسوف، وتحية المسجد، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، وقضاء السنة الفائتة لصلاة رباعية واستدلوا بحديث أم سلمة ﵂ \" أنها رأت النبي - ﷺ - يصلي ركعتين بعد العصر، فأرسلت جاريتها تسأله عنها فقال: إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان \" قال الشافعي: ويحرم ما ليس له سبب إلاّ سنة الفجر.\nالحديث: أخرِجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس \".\n٢٤٥ - \" باب الأذان بعد ذهاب الوقت \"\n٢٩١ - معنى الحديث: يقول أبو قتادة ﵁: \" سرنا مع النبي - ﷺ - ليلة فقال بعض القوم: لو عرست \" أي سار النبي - ﷺ - بأصحابه ليلة مسافة طويلة حتى كان الهزيع الأخير من الليل، وأحسوا بالتعب فقال بعضهم للنبي - ﷺ -: ليتك تنزل بنا ها هنا لكي نأخذ حظًا من الراحة والنوم،\n_________\n(١) أخرجه الشيخان والنسائي.","vol":"2","page":96},{"text":"اللهَ، قَالَ: \" أخاف أنْ تَنَامُوا عَنَ الصَّلَاةِ \" (١) قَالَ بِلَال: أنَا أوقظُكُمْ، فاضْطَجَعُوا (٢)، وأسْنَدَ بِلَال ظَهْرَهُ إلى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - ﷺ - وقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْس فَقَالَ: يَا بِلالُ أْينَ مَا قُلْتَ؟ فَقَالَ: ما أُلقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَة مِثْلُهَا قَطُّ قَالَ: \" إِنَّ اللهَ قَبَضَ أرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَليْكُمْ حين شَاءَ، يَا بِلالُ قُمْ فَأذِّنْ بالنَّاس بالصَّلَاةِ \" فَتَوَضَّأ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ وابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى.\nــ\nفنزل بهم النبي - ﷺ - في ذلك المكان قال بلال: أنا أوقظكم \" فاضطجعوا وأسند بلال ظهره إلى راحلته \" أي دابته \" فغلبته عيناه فنام فاستيقظ النبي - ﷺ - وقد طلع حاجب الشمس \" أي وقد طلع طرفها الأعلى \" فقال: يا بلال أين ما قلت \" يعني أين ما وعدتنا به من مراقبة طلوع الفجر، وتنبيهنا لصلاة الصبح، \" فقال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إنّ الله قبض أرواحكم حين شاء، وردهما عليكم حين شاء \" أي لا حرج عليكم في ذلك، لأن الله هو الذي أرخى عليكم النوم، وتوفّى أرواحكم حين شاء فنمتم، وردها إليكم حين شاء فاستيقظتم \" قُمْ فأذن بالناس بالصلاة \" أي فأمر النبي - ﷺ - بلالًا أن يؤذن للصبح بعد خروج الوقت \" فتوضأ فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام فصلّى \" أي فلم يصل النبي - ﷺ - صلاة الصبح عند طلوع الشمس، وإنما انتظر حتى ارتفعت الشمس، فقام فصلّى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الأذان للصلاة - الفائتة كما ترجم له البخاري، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة خلافًا لمالك والشافعي. ثانيًا: استدل به أبو حنيفة على أن الصلاة الفائتة لا تقضى\n_________\n(١) أي أخاف أن تناموا عن صلاة الصبح.\n(٢) بفتح الجيم.","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>٢٤٦ - \" بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاس جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ </span>\"\n٢٩٢ - عن جَابِرٍ ﵁:\nأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْش، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حتى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا! \" فَقُمْنَا إلى بَطْحَانَ، فَتَوَضَّأ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.\nــ\nفي وقت النهي، لأن النبي - ﷺ - كما في هذا الحديث لما فاتته الصبح لم يصلها حتى ارتفعت الشمس وابياضت، وقال الجمهور: تقضى الفوائت في كل وقت حتى في أوقات النهي لقوله - ﷺ -: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\". الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: \" قم فأذن بالناس بالصلاة \".\n٢٤٦ - \"باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت\"\n٢٩٢ - معنى الحديث: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء إلى النبي - ﷺ - في غزوة الخندق بعد غروب الشمس وهو يَسُب كفار قريش ويقول: لقد أخرتُ اليوم صلاة العصر بسبب قتال هؤلاء حتى أوشكت الشمس على الغروب \" قال النبي - ﷺ - والله ما صليتها \" يعني إذا كنت قد صليت العصر في آخر الوقت قبل الغروب فإني لم أصلها حتى الآن وقد غربت الشمس، قال جابر: \" فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس \" أي فصلى العصر وصليتها معه جماعة","vol":"2","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>٢٤٧ - \" بَابُ مَنْ نسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إذَا ذَكَرَهَا وَلَا يُعيدُ إلَّا تِلْك الصَّلاةِ </span>\"\n٢٩٣ - عن أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) \".\nــ\nبعد الغروب. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الجماعة للصلاة الفائتة، لأنه - ﷺ - صلى بهم العصر جماعة بعد الغروب، قال العيني: وهذا بالإِجماع، وشذ الليث، فمنع من ذلك. ثانيًا: مشروعية الترتيب بين الصلاة الفائتة والحاضرة، فتقدم الفائتة لأنّه - ﷺ - صلى العصر ثم المغرب، وهو مذهب الجمهور، وقال الشافعي لا يجب الترتيب بينهما، وبه قال ابن القاسم وسحنون والظاهرية، واختلفوا هل يسقط الترتيب بضيق الوقت فقال مالك: لا يسقط. وتقدم الفائتة ولو ضاق الوقت. وقال الحنفية وأهل الحديث: لا يجب الترتيب عند ضيق الوقت، وأما الترتيب بين الفوائت فالأكثرون على وجوبه مع الذكر. والمطابقة: في قوله: \" فصلى العصر بعد ما غربت الشمس \" أي صلى بنا العصر جماعة.\n٢٤٧ - \" باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها \"\n٢٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها \" أي من أخر صلاة من الصلوات الخمس عن وقتها لعذر شرعي كالنسيان أو النوم أو نحوهما فليصلها عند زوال العذر فورًا، فإن فعل ذلك عفا الله عنه، وإلّا فإنه يأثم، وهو معنى قوله - ﷺ -: \"لا كفارة لها إلّا","vol":"2","page":99},{"text":"ذلك\" أي ولا يسلم من الإِثم إلاّ إذا صلاها عند انقطاع العذر مباشرة، وقال الخطابي: معنى \" ولا كفارة لها إلاّ ذلك \" أنه لا يلزمه في نسيانه غرامة ولا صدقة ولا زيادة تضعيف لها (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) أي ودليل ذلك قوله سبحانه (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) (١). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يجب قضاء الصلاة الفائتة لعذر شرعي من نوم أو نسيان أو نحوهما عند زوال العذر مباشرة، ولو في وقت نهي، فمن استيقظ عند شروق الشمس وجب عليه قضاء صلاة الصبح في حينه ولا يؤخرها إلى ما بعد طلوعها، ولو كان الوقت وقت كراهة لأن الفريضة تصلى مطلقًا، ولو في وقت النهي، وهو مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة: لا يقضيها حتى تطلع الشمس أو تغرب لقوله - ﷺ -: \"إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروها حتى تغيب \" أخرجه البخاري، فقد حمله أبو حنيفة على عموم الصلاة فرضًا أو نفلًا، وخصّصه الجمهور بصلاة النافلة. ثانيًا: قال العيني حكي عن داود وجمع يسير من الصحابة عدم وجوب قضاء الصلاة على العامد لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي، وأجيب بأن القيد بالنسيان خرج مخرج الغالب، وأنه يجب قضاء الفائتة مطلقًا عمدًا أو سهوًا، وهو مذهب الجمهور.\n...\n_________\n(١) فإن معناه أقم الصلاة عند تذكرها وزوال العذر المانع منها.","vol":"2","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-274>٢٤٨ - \" بَابُ السَّمَرِ في الفِقْهِ والخيْر بَعْدَ الْعِشَاءِ </span>\"\n٢٩٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ في آخِرِ حَيَاتِهِ فلمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ: \" أرأيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأسَ مِائَةِ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ \" فَوَهَل النَّاسُ في مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلى مَا يَتَحَدَّثُونَ من هذِهِْ الأحَادِيثِ عن مِائَةِ سَنَةٍ، وإنمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لا يبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمُ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ \" يُريدُ بِذَلِكَ أسَنها تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ.\nــ\n٢٤٨ - \" باب السمر في الفقه والخيْر بعد العشاء \"\nأي هذا باب في بيان جواز السهر والحديث بعد العشاء في العلم والفقه.\n٢٩٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قام يخطب الناس ويعظهم ويعلمهم بعد صلاة العشاء \" فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ \" وهذا استفهام جار على غير حقيقته، ومعناه: قد رأيتم هذه الليلة فاحفظوها واضبطوا تاريخها، فإنه لا تمضي مائة سنة إلا ويموت هذا الجيل من الناس، ولا يبقى ممن هو موجود الآن على ظهر الأرض من الناس أحد، ولكن السامعين لم يفهموا هذا المعنى، وشت كل واحد منهم في وادٍ بعيدًا عن المعنى المراد، وهو معنى قوله: \" فوهل الناس \" بفتح الهاء وكسرها \" في مقالة رسول الله - ﷺ - \" أي فغلط الصحابة في تفسير كلامه هذا وأخطأوا في فهم معناه، وفهموا منه فناء العالم وقيام الساعة، وانقراض البشرية، وأصاب ابن عمر ووفق لفهم المعنى المراد، وعرف أنه \" إنما قال النبي - ﷺ - لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض \"","vol":"2","page":101},{"text":"يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن\" (١) أي أن ذلك الجيل من الصحابة سينقرض وينتهي فلا يبقى أحدٌ منهم بعد مرور مائة سنة من تاريخه، وقد تحقق ذلك، فإن آخر الصحابة وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة توفي سنة عشر ومائة هجرية (٢). الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي.\nفقه الحديث: دل الحديث على مشروعية السمر في العلم. والمطابقة: في كونه - ﷺ - سامرهم بالعلم بعد العشاء.\n...\n_________\n(١) أي ذلك القرن الذي أنا فيه، وهو جيل الصحابة ﵃.\n(٢) وبوفاته انتهى جيل الصحابة رضوان الله عنهم.","vol":"2","page":102},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>كتاب الأذان</span>\nالأذان لغة: الإِعلام بالشيء مطلقًا بواسطة نداء يصل إلى مسامع الناس، وأصله النداء المسموع بالأذن، من قولهم: آذنته، أي أوصلته إلى أذنه، كما في \" تفسير الألوسي \". وأما الأذان شرعًا: فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بالألفاظ المعروفة. وشرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة. وأما كيفية بدء الأذان فستأتي في الحديث القادم. وحكمه: أنه سنة مؤكدة عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وفرض كفاية عند أحمد، إلاّ أذان الجمعة فإنه فرض اتفاقًا.\nويشترط في المؤذن: الإِسلام والذكورة والعقل. قال ابن قدامة: ولا نعلم في ذلك خلافًا، وهل يشترط البلوغ للاعتداد به، روايتان عن أحمد، الثانية منهما أنه لا يشترط به، وهو قول عطاء والشعبي والشافعي لقول عبد الله بن أبي بكر بن أنس: كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم وأنا غلام لم أحتلم، وأنس بن مالك شاهد لم ينكر عليهم، واختلفَ في ذلك المالكية.\nويستحب فيه أن يكون صيّتًا بصيرًا.","vol":"2","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>٢٤٩ - \" بَابُ بَدءِ الْأذَانَ </span>\"\n٢٩٥ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ:\nكَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُون، فَيَتَحَينونَ الصَّلَاةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًَا في ذَلِكَ فَقالَ بَعضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهم: بَلْ بُوقًَا مِثلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" يَا بِلالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ \".\nــ\n٢٤٩ - \" باب بدء الأذان \"\n٢٩٥ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان المسلمون حين قدموا المدينة \" أي في السنة الأولى من الهجرة \" يجتمعون فيتحينون الصلاة \" أي فيتحرون أوقات الصلاة باجتهادهم، أو يجتمعون قبل الوقت فينتظرون حتى إذا دخل صلّوا \" ليس ينادى لها \" أي ولم يكن لها نداء خاص لإشعار الناس بدخول وقتها \" فتكلموا يومًا في ذلك \" أي فتحدث الناس يومًا عن حاجتهم إلى وسيلة إعلامية يعرفون بها دخول الوقت، وتبادلوا الرأى \" فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى \" وهو آلة يضربون عليها لِإعلام الناس بأوقات صلاتهم ولا زال حتى الآن يستعمل في كنائسهم. \" وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود \" بسكون الراء وهو آلة معروفة أو بوق ينفخ فيه فيحدث صوتًا عاليًا يُسْمَعُ من بعيد، ولكن النبي - ﷺ - كره هذا وهذا، لأنهما من شعارات اليهود والنصارى \" فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة \" أي فألهم الله عمر هذه الوسيلة الجديدة فقال: ترسلون رجلًا ينادي في الناس فيعلمهم بدخول الوقت بأي","vol":"2","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>٢٥٠ - \" بابُ الأَذَانِ مَثْنَى مَثْنَى </span>\"\n٢٩٦ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nأمِرَ بِلَالٌ أنْ يُشْفَعَ الْأَذَانَ، وأنْ يُوتِرَ الإقَامَةَ إِلَّا الإِقَامَةَ.\nــ\nلفظ كان، فاستحسن النبي ذلك، وأمر بلالًا به. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: بيان كيفية بدء الأذان. ثانيًا: التحذير من تقليد الكفار في شعاراتهم الدينية. والمطابقة: في قوله: \" قم فناد بالصلاة \".\n٢٥٠ - \" باب الأذان مثنى مثنى \"\n٢٩٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" أمر بلال أن يشفع الأذان \" أي أمر النبي - ﷺ - مؤذنه بلالًا أن يأتي بألفاظ الأذان شفعًا، فيكرر كل جملة مرتين، \" وأن يوتر الإِقامة \" أي وأمره - ﷺ - أن يأتي بألفاظ الإقامة وترًا، فينطق بالجملة الواحدة مرة واحدة فقط \" إلاّ الإقامة \" أي ما عدا لفظ \" قد قامت الصلاة \" فإنه أمره - ﷺ - أن يأتي به مرتين، وكذلك التكبير في أول الإِقامة وآخرها، فإنه يؤتى به مرتين. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في قوله: \" أمر بلال أن يشفع الأذان \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب شفع الأذان والإِتيان بألفاظه مرتين مرتين، ما عدا كلمة التوحيد في آخره، فإنها وتر يؤتى بها مرةً واحدةً، وبهذا أخذ مالك رحمه الله تعالى إلاّ أنه قال بترجيع الشهادتين استنادًا إلى الأحاديث الصحيحة الواردة في الترجيع. وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى تربيع التكبير في أول الأذان، وشفع بقية ألفاظه، وذهب الشافعي إلى تربيع التكبير","vol":"2","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-278>٢٥١ - \" بَابُ فضلَ التَّأذِينَ </span>\"\n٢٩٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \" إذَا نُودَيَ للصَّلَاةِ أدْبَرَ الشيطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أقْبَلَ، حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بالصلَاةِ أدْبَرَ، حَتَّى إذا قُضِيَ التَثْوِيبُ أقبَلَ، حتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ، يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِى كَمْ صُلى \".\nــ\nفي أول الأذان، وشفع بقية ألفاظه، وترجيع الشهادتين. ثانيًا: دل هذا الحديث على إفراد الإقامة عدا التكبير، ولفظ \" قد قامت الصلاة \" فإنّه يشفع، وهو مذهب الجمهور، وذهب مالك إلى إفرادها كلها بما فيها لفظ الإقامة، لما في الرواية الأخرى عن أنس قال: \" فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة \" هكذا أخرجه البخاري دون استثناء وذهب أبو حنيفة إلى شفع الإقامة كلها، والله أعلم.\n٢٥١ - \" باب فضل التأذين \"\n٢٩٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا نودي للصلاة \" أي إذا أذن المؤذن لإحدى الصلوات الخمس \" أدبر الشيطان \" أي هرب الشيطان وأعطى المؤذن ظهره، لأنّه لا يطيق سماع الأذان، \" وله ضراط \" الواو واو الحال، أي حال كونه له ضراط، وإنما يفعل ذلك من شدة ثقل الأذان (١) عليه، كما يقع للحمار الهزيل عندما يحمل حملًا ثقيلًا، وقيل: يفعل ذك متعمدًا لئلا يسمع الأذان، كما يدل عليه قول الراوي: \"حتى لا يسمع\n_________\n(١) تسترخي مفاصله وينفتح مخرجه.","vol":"2","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>٢٥٢ - \" بَابُ رَفْعَ الصَّوْتِ بالنِّدَاءِ </span>\"\n٢٩٨ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي صَعْصَعَة الأنصاري الْمَازِنِي:\nأن أبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ لَهُ: إِنِّى أراكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ والْبَادِيَةَ فإذا\n_________\nالتأذين\" أي ليريح نفسه من سماع الأذان، حتى أنه يبعد مثل الروحاء عن المدينة \" فإذا قضى النداء أقبل \" أي فإذا انتهى الأذان عاد مرة أخرى \" حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر \" أي حتى إذا أقام المؤذن الصلاة هرب ثانيًا \" حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه \" أي حتى إذا فرغ من الإقامة رجع إلى المصلي ليشغلَ قلبه بالوسوسة ويحول بينه وبين الخشوع في الصلاة. الحديث: أخرجه أخرجه الخمسة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان \".\nويستفاد منه: فضل الأذان وصيانته للإنسان، وقوة تأثيره في محاربة الشيطان، ودفع أذى التمردين من الجان، كما جاء في حديث سهيل بن أبي صالح قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام لنا، فناداه مناد من حائط باسمه فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي فقال: إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \" إن الشيطان إذ نودي بالصلاة ولّى وله حصاص \" أخرجه مسلم.\n٢٥٢ - \" باب رفع الصوت بالنداء \"\n٢٩٨ - معنى الحديث: أن أبا سعيد الخدري ﵁ أوصى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن يرفع صوته بالأذان إذا أذن في البادية، فقال له: \" إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو","vol":"2","page":107},{"text":"كنت في غَنَمِكَ، أوْ بَاديَتكَ فأذَّنت بالصَّلَاةِ فارْفَعْ صَوتَكَ بالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا أنسٌ ولا شَيءٌ إلَّا شهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أبو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولَ اللهَ - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>٢٥٣ - \" بَابُ مَا يَقُولُ إذا سَمِعَ الْمُنَادِي </span>\"\n٢٩٩ - عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ\nــ\nباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء\" أي فأذن بصوت جهوري عال مرتفع، ثم علل له ذلك بقوله: \" فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن \" أي لا ينتهى صوت المؤذن لأي شيء من الموجودات، سواء كان من الكائنات الحيّة كالجن والأنس والبهائم والنبات أو الجمادات \" إلا شهد له \" بالأذان \" يوم القيامة \" وهو مصداق قوله سبحانه: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب رفع الصوت بالأذان، وأن يكون المؤذن جهوري الصوت ليصل صوته إلى أقصى مكان، فيكثر من يشهد له يوم القيامة، ولو أذن في مكان عال كان أفضل، ومن ثم اتخذت المآذن في الإِسلام، وكان بلال يؤذن على بيت امرأة من بني النجار، أعلى بيوت المدينة المحيطة بالمسجد والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فارفع صوتك بالنداء \". والحديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - لقول أبي سعيد: \" سمعته من رسول الله - ﷺ - \".\n٢٥٣ - \" باب ما يقول إذا سمع المنادي \"\n٢٩٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" إذا سمعتم النداء \" أي إذا سمعتم صوت المؤذن أثناء الأذان،","vol":"2","page":108},{"text":"الْمُؤَذِّنُ\".\nــ\nسواء سمعتم الكلمات أو لم تسمعوها. \" فقولوا مثل ما يقول المؤذن \" أي فأجيبوه بحكاية ألفاظ الأذان، فإن سمعتم الكلمات فعليكم محاكاته لفظًا لفظًا ومتابعته كلمة كلمة، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله قلتم بعده: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وهكذا في بقية الجمل، وإن لم تسمعوا كلماته أتيتم بالأذان كله جملة واحدة. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه: أنه يسن لمن سمع الأذان إجابة المؤذن ومحاكاته لفظًا لفظًا وجملة جملة إلى آخر الأذان حتى في الحيعلتين، وهو قول بعض أهل العلم: لعموم هذا الحديث حيث قال: \" فقولوا مثل ما يقول \"، وقد اختلف في ذلك العلماء، كما قال العيني: فقال النخعي والشافعي وأحمد في رواية، ومالك في رواية: ينبغي لمن سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن حتى يفرغ من أذانه، وهو مذهب أهل الظاهر (١) أيضًا، وقال الثورى وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في الأصح، ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلاّ في الحيعلتين، فإنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلاّ بالله، لما جاء في حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلاّ الله، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله ثم قال: حيَّ على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، ثم قال: حي على الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلاّ بالله ثم قال: الله أكبر الله أكبر فقال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلاّ الله، قال: لا إله إلاّ الله من قلبه دخل الجنة \" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. وأما عند قوله: \" الصلاة خير من النوم \" فلم\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ٥.","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>٢٥٤ - \" بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ </span>\"\n٣٠٠ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ قَالَ حِينَ سَمِعَ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِةِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا لوَسِيلَةَ والْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مقامًا مَحْمُودًا الذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ \".\nــ\nيرد في الإِجابة عليه حديث من رسول الله - ﷺ - إلاّ عموم قوله \" فقولوا مثل ما يقول المؤذن \" ولهذا قال في \" المنهل العذب \": والظاهر أنه يحاكيه فيها، وقال القاري يقول: صدقت وبررت وبالحق نطقت. والمطابقة: في قوله: \" فقولوا مثل ما يقول المؤذن \".\n٢٥٤ - \" باب الدعاء عند النداء \"\n٣٠٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من قال حين يسمع النداء \" أي من قال هذه الصيغة المأثورة من الدعاء عند فراغ المؤذن من الأذان وانتهائه منه وهي: \" اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته وجبت له شفاعتي \" أي ثبتت له شفاعة النبي - ﷺ -، واستحقها بدعائه هذا، وأدركته يوم القيامة. و\" الوسيلة \" منزلة في أعلى الجنة، والمراد \" بالدعوة التامة \" الأذان، سمى دعوة لما فيه من دعوة الناس إلى الصلاة، ووصف بالتمام لاشتماله على عقائد الإِيمان من التوحيد والتصديق بالرسالة المحمدية و\" الصلاة القائمة \" هى الصلاة الحاضرة التي يؤذن لها و\" الفضيلة \": هي منزلة عليا يمتاز بها نبينا - ﷺ - عن سائر الخلق و\" المقام المحمود \" مقام الشفاعة.\nويستفاد من الحديث: أنه يستحب لمن جمع الأذان أن يدعو بهذه الصيغة","vol":"2","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>٢٥٥ - \" بَابُ الاسْتِهَامَ في الأذَانَ </span>\"\n٣٥١ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما فِي النِّدَاءِ والصَّفِّ الأولِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أن يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ\nــ\nالمأثورة لكى يَسْعد بشفاعة المصطفى - ﷺ -، فقد بشر النبي من قالها بشفاعته حيث قال: \" حلَّت له شفاعتي \". الحديث: أخرجه أيضًا الأربعة.\nتنبيهات: الأول: من الأذكار المأثورة عند نهاية الأذان ما رواه سعد ابن أبي وقاص عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه \". الثاني: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - ﷺ - قال: \" ثم صلّوا علي، فإنه من صلّى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا \". الثالث: أنه يستحب الدعاء عند الأذان، فإنه مستجاب، لما رواه أبو يعلى في \" مسنده \" مرفوعًا: \" إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء \". والمطابقة: ظاهرة، لأن النبي - ﷺ - بشرنا بأن من قال هذا الدعاء حلت له الشفاعة.\n٢٥٥ - \" باب الاستهام في الآذان \"\n٣٠١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول \" أي لو اطلع الناس على ما أعده الله للمؤذنين وأهل الصف الأول من الأجر العظيم \" ثم لم يجدوا \" وسيلة للوصول \" إلا أن يستهموا عليه \" أي أن يقترعوا على الأذان والصف الأول \" لاستهموا \" أي لحاولوا الوصول إلى ذلك ولو بالقرعة، لما يرون فيهما من الثواب الكبير والأجر الجزيل. \" ولو يعلمون ما في التهجير \" أي ما في المبادرة إلى الصلاة في أول","vol":"2","page":111},{"text":"ما فِي التَهْجِير لاستَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصبُّحِ لأتَوْهُمَا، ولَوْ حَبْوًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>٢٥٦ - \" بَابُ أذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخبِرُهُ </span>\"\n٣٠٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأَنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ بِلَالًا يُؤَدِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى\nــ\nوقتها \" لاستبقوا إليه \" أي لحرصوا على ذلك أشد الحرص. \" ولو يعلمون ما في العتمة والصبح \" أي ما في صلاة العشاء والصبح مع الجماعة \" لأتوهما ولو حبوًا \" أي ولو في أشد حالات الضعف الذي يضطرهم إلى الإِتيان إليها حبوًا على اليدين والرجلين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: بيان فضل الأذان وثوابه، لأن الناس لا يقترعون إلا على أنفس الأشياء وأعظمها قدرًا، وهو ما ترجم له البخاري.\nثانيًا: فضل الصف الأول، لأن النبي - ﷺ - أخبرنا في هذا الحديث أن الناس لو علموا قدر الصلاة في الصف الأول لتنافسوا عليه، حتى لا يصل إليه أحدهم إلّا بالقرعة. ثالثًا: فضل المبادرة إلى الصلاة في وقتها وأنه من الأمور التي ينبغي الحرص عليها. رابعًا: أنه ينبغي الحرص على حضور العشاء والصبح مع الجماعة ولو في أسوأ الأحوال. والمطابقة: في قوله: \" لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلاّ أن يستهموا عليه - لاستهموا عليه \".\n٢٥٦ - \" باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره \"\n٣٠٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \"أن رسول\nالله - ﷺ - قال: إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمِّ","vol":"2","page":112},{"text":"يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ\"، وَكَانَ رَجُلًا أعْمى، لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ: أصْبَحْتَ أصْبَحْتَ.\nــ\nمكتوم\" أي إنّ بلالًا يؤذن في آخر الليل قبل طلوع الفجر، فلا تنقطعوا عن طعامكم وشرابكم، ولا تبدءوا صيامكم حتى يؤذن ابن أمّ مكتوم، لأنه هو الذي يؤذن بعد طلوع الفجر \" وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال: أصبحت أصبحت \" أي لا يؤذن لصلاة الصبح حتى يتحقق طلوع الفجر وينادي عليه الناس دخلت في الصباح، أو طلع الصباح. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" حتى ينادي ابن أم مكتوم \" وقد كان رجلًا أعمى.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز أذان الأعمى إذا وجد من يخبره، بدخول الوقت، لأن ابن (١) أم مكتوم كان يؤذن للنبي - ﷺ - وهو أعمى.\nثانيًا: مشروعية الأذان الأول في آخر الليل لِإيقاظ النائمين لتناول سحورهم، وتنبيه القائمين إلى اقتراب طلوع الفجر ليأخذوا حظهم من الراحة استعدادًا لصلاة الصبح، كما كان بلال يؤذن في آخر الليل فإنه كما قال النبي - ﷺ -: \" يؤذن بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم \" أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n...\n_________\n(١) أي لأن ابن مكتوم مؤذن النبي - ﷺ - كان أعمى.","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>٢٥٧ - \" بَابُ الأذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ </span>\"\n٣٥٣ - عَنْ حَفْصَةَ (١) ﵂:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - كانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذنُ للصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أن تُقَامَ الصَّلَاةُ \".\nــ\n٢٥٧ - \" باب الأذان بعد الفجر \"\n٣٠٣ - معنى الحديث: تحدثنا حفصة ﵂ \" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا اعتكف (٢) المؤذن وبدا الصبح (٣) صلى ركعتين خفيفتين \" أي كان إذا طلع الفجر وظهر نور الصباح أذن المؤذن لصلاة الصبح أذانًا آخر غير الأذان الذي في آخر الليل فإذا سكت المؤذن وجلس وانتهى من أذانه بادر النبي - ﷺ - لأداء سنة الفجر فصلى ركعتين خفيفتين قبل القيام لصلاة الصبح.\nما يستفاد من الحديث: يستفاد منه مشروعية الأذان بعد طلوع الفجر للاعلام بدخول وقت صلاة الصبح، ولا يكفي الأذان الأول الذي في آخر الليل عن الأذان الثاني الذي بعد طلوع الفجر، لأن مؤذن النبي - ﷺ - كان يؤذن -لصلاة الفجر- إذا بدا الصبح، وقد كان للنبي - ﷺ - مؤذنان يؤذن أحدهما وهو بلال الأذان الأول في آخر الليل، ويؤذن ثانيهما وهو ابن أم\n_________\n(١) حفصة: هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية القرشية، كانت تحت خنيس بن حذافة بن قيس، هاجرت معه ومات عنها بعد غزوة بدر، تزوجها رسول الله - ﷺ - في سنة ثلاث، طلقها تطليقة واحدة ثم راجعها، نزل عليه الوحي يقول: ارجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة. ماتت في شعبان سنة خمس وأربعين وقيل: إنها ماتت في خلافة عثمان \" تراجم جامع الأصول \".\n(٢) اعتكف المؤذن: أي سكت من أذانه وجلس منه.\n(٣) بدا الصبح: ظهر نوره، وذلك عند طلوع الفجر الصادق.","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>٢٥٨ - \" بَابٌ كَمْ بَيْنَ الأذَانِ والإِقَامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِر إِقَامَةِ الصَّلَاةِ </span>\"\n٣٠٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّل رَضِيَ المَزنِيِّ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاةٌ \" ثلاثًا، لِمَنْ شَاءَ.\nــ\nمكتوم الأذان الثاني عند طلوع الفجر. والمطابقة: في قولها: \" كان إذا اعتكف المؤذن للصبح وبدا الصبح \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n٢٥٨ - \" باب كم بين الأذان والإِقامة \"\n٣٠٤ - ترجمة راوي الحديث: هو عبد الله بن مغفل المزني من أصحاب بيعة الرضوان، وأحد البكائين في غزوة تبوك، روى ثلاثة وأربعين حديثًا، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بآخر، سكن المدينة، ثم تحول منها إلى البصرة، ومات بها سنة تسع وخمسين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" بين كل أذانين صلاة \" والمراد بالأذانين الأذان والإقامة من باب التغليب، أي بين كل أذان وإقامة صلاة مسنونة \" ثلاثًا \" أَي أعاد هذه الجملة ثلاث مرات، وفي رواية مسلم قال في الرابعة \" لمن شاء \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nويستفاد منه: أنه يستحب الفصل بين الأذان والإِقامة بما يتسع من الوقت لصلاة ركعتين، ليتمكن الناس من حضور الجماعة، وهو مذهب الجمهور، إلّا أنهم اختلفوا في المغرب فقال أبو حنيفة: يفصل بين أذان المغرب والصلاة بمقدار ثلاث خطوات فقط، وقال أبو يوسف: بمقدار الجلسة بين الخطبتين.\nوقال الشافعي: بمقدار جلسة أو سكتة، كما ذكره النووي. وقال أحمد: بمقدار ركعتين مثل غيرها كما أفاده العيني. والمطابقة: في قوله: \" بين كل أذانين صلاة \" لأن ذلك لا يتحقق إلاّ إذا تحقق الوقت الكافي له.","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>٢٥٩ - \" بَاب بَيْنَ كُلِّ أذَانيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ </span>\"\n٣٠٥ - عن عبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّل ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \" بَيْن كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاة، بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلَاة، ثُمَّ قَالَ في الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>٢٦٠ - \" بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنَ في السَّفَرِ مُؤَذِّن وَاحِدٌ </span>\"\n٣٠٦ - عن مَالِكٍ بنِ الْحُوَيْرِثْ ﵁ قَالَ:\nــ\n٢٥٩ - \" باب بين كل أذانين صلاة \"\n٣٠٥ - معنى الحديث: تقدم بيانه وشرحه.\nويستفاد منه: أنه تسن النافلة بين كل أذان وإقامة بما في ذلك المغرب، فتسن النافلة قبل صلاة المغرب لحديث الباب، ولقوله - ﷺ -: \" صلوا قبل المغرب \" وقال في الثالثة: \" لمن شاء \" أخرجه البخاري، وهو مذهب أحمد وأهل الحديث، وذهب آخرون إلى عدم مشروعيتها، وهو مشهور مذهب المالكية والحنفية وقول الشافعي ونقل عن الخلفاء الراشدين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: لفظية.\n٢٦٠ - \" باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد \"\n٣٠٦ - ترجمة الراوي: هو مالك بن الحويرث الليثي، قدم على النبي - ﷺ - وأقام عنده أيامًا ثم أذِن له بالعودة إلى أهله. روى خمسة وعشرين حديثًا اتفق الشيخان على اثنين توفي سنة (٧٤) هـ.\nمعنى الحديث: يقول مالك بن الحويرث ﵁: \"أتيت النبي","vol":"2","page":116},{"text":"أتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - في نَفَرٍ مِنْ قَومِي فأقَمْتُ عِنْدَهُ عِشْرينَ لَيْلَةً، وكَانَ رَحيمًا رفِيقًا، فلمَّا رأى شَوْقَنَا إلَى أهَالِينَا قَالَ: \" ارْجِعُوا فكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فإِذَا حضَرَتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُمْ \".\nــ\n- ﷺ - في نفر\" أي جماعة بين الثلاثة والعشرة \" من قومي \" وهم بنو الليث ابن بكر، وكان قدومهم في السنة التاسعة \" فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقًا \" أي لين الجانب لطيف المعاملة \" فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا فإذا حضرت الصلاة، فيؤذن لكم أحدكم \" يعني أي واحد منكم صغيرًا كان أو كبيرًا ما دامت تتوفر فيه شروط الأذان \" وليؤمكم أكبرم \" سنًا ولم يذكر الفقه والعلم، لما في رواية أبي داود \" وكنا يومئذ متقاربين في العلم \". الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الأذان في السفر، لأنه - ﷺ - أمرهم بالأذان مطلقًا في الحضر أو السفر، فدل ذلك على استحباب الأذان في السفر، وهو قول أكثر أهل العلم، سواء كانوا جماعة أو كان شخصًا واحدًا، وعلى كل من كان في فلاة سواء كان في سفر أو غيره، وسواء كان فردًا أو جماعة. ثانيًا: الاكتفاء بمؤذن واحد. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فليؤذن لكم أحدكم \".\n***","vol":"2","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-288>٢٦١ - \"بَابُ الأذَانِ لِلْمُسَافُرِين إِذَا كَانوا جَمَاعَةً وَالإِقَامَةِ وكَذَلِك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصَّلاةُ في الرَّحَالِ في اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ المَطِيرَةِ </span>\"\n٣٠٧ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثُ ﵁ قَالَ:\nأتَى رَجُلَانِ النَّبِيَّ - ﷺ - يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا أنتُما خَرَجْتُمَا فأذِّنَا، ثُمَّ أقِيمَا، ثُمَّ ليَؤُمُكما أكْبَرُكُمَا\".\nــ\n٢٦١ - \" باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإِقامة وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصَّلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة \"\n٣٠٧ - معنى الحديث: يقول مالك بن الحويرث ﵁:\n\" أَتى رجلان النبي - ﷺ - \" وهما مالك بن الحويرث نفسه وابن عمه \" يريدان السفر \" إلى ديارهما \" فقال النبي - ﷺ -: إذا أنتما خرجتما فأذنا، ثم أقيما \" أي إذا غادرتما المدينة فحافظا على الأذان والإقامة لكل صلاة، سواء كنتما في أثناء السفر أو كنتما في دياركما \" ثم ليؤمكما أكبركما \" سنًا كما تقدم.\nالحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" إذا أنتما خرجتما فأذنا \".\nويستفاد منه: مشروعية الأذان والإقامة في السفر للجماعة كمشروعيتهما في الحضر لأنّ النبي - ﷺ - أمر مالكًا وابن عمه بالأذان والإِقامة عْند عزمهما على السفر، وهذا يدل على مشروعيتهما في السفر للجماعة، وهو قول الجمهور، وعليه ترجم البخاري.\n***","vol":"2","page":118},{"text":"٣٠٨ - عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَأمُرُ مُؤَذِّنًَا يؤذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ علَى إثْرِهِ: ألا صَلوا في الرِّحَالِ، في اللّيْلَةِ البَارِدَةِ أوِ الْمَطِيرَةِ في السَّفَرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٢٦٢ - \" بَابٌ هَلْ يُتْبِعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأذَانِ </span>\"\nــ\n٣٠٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر: \" أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر مؤذنًا يؤذن للصلاة \" ثم يقول على إثره \" بكسر الهمزة وسكون الثاء، أى ثم يقول المؤذن بعد الفراغ من أذانه: \" ألا صلوا في الرحال \" أي في خيامكم ومنازلكم \" في الليلة الباردة أو المطيرة \" أي أنه - ﷺ - كان يأمر مؤذنه أن يقول بعد فراغه من الأذان في الليلة الباردة أو الممطرة: صلوا في الرحال. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال \".\nويستفاد من الحديث ما يأتي: أولًا: أن من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة، والجماعة البرد الشديد والمطر الغزير، وقد نقل ابن بطال الإجماع على ذلك، لأنّ النبي - ﷺ - كان يأذن للناس أن يصلوا في رحالهم في الليالي الباردة أو الممطرة، كما في هذا الحديث. ثانيًا: مشروعية أن يقول المؤذن بعد الأذان في الليلة الباردة أو الممطرة: \" ألا صلوا في الرحال \"، وهو مذهب أحمد، وكرهه الجمهور.\n٢٦٢ - \" باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا وها هنا \"\nأي هذا باب يذكر فيه هل يُشْرَع للمؤذن \" أن يُتبع \" بضم الياء وسكون التاء أي أن يوجه فمه ها هنا وها هنا. أي أن يوجه فمه يمينًا عند قوله:","vol":"2","page":119},{"text":"٣٠٩ - عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ ﵁:\nأنَّهُ رَأى بِلَالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ اتُتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بالْأذَانَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>٢٦٣ - \" بَابُ قَوْلِ الرَّجُل فَاتتْنَا الصَّلَاةُ </span>\"\n٣١٠ - عَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ:\nبَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرِّجَالِ فَلمَّا صَلَّى\nــ\n\" حي على الصلاة \" وشمالًا عند قوله: \" حيَّ على الفلاح \".\n٣٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا أبو جحيفة ﵁: \" أنه رأى بلالًا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان \" أي أنه رأى بلالًا في أثناء أذانه، ولا حظ حركات وجهه، فوجده يوجه فمه يمينًا عند قوله: \" حيَّ على الصلاة \" وشمالًا عند قوله: \" حيَّ على الفلاح \" كما جاء موضحًا في رواية سفيان حيث قال: \" فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا يمينًا وشمالًا، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح \" (١) أخرجه مسلم.\nويستفاد منه: استحباب الالتفات في الأذان عند الحيعلتين بأن يتوجه المؤذن بفمه يمينًا عند قوله: \" حي على الصلاة \" وشمالًا عند قوله: \" حي على الفلاح \" من غير تحويل صدره أو قدميه عن القبلة، وفائدته تعميم الناس (٢) بالإِسماع. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" أتتبع فاه ها هنا وها هنا بالأذان \".\n٢٦٣ - \" باب قول الرجل فاتتنا الصلاة \"\n٣١٠ - معنى الحديث: يقول أبو قتادة ﵁ \"بينما نحن\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ٥.\n(٢) \" شرح القسطلاني \" ج ٢.","vol":"2","page":120},{"text":"قَالَ: \" مَا شَأنُكُمْ؟ \" قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إلى الصَّلَاةَ، قَالَ: فلا تَفْعَلُوا إِذَا أتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ، فمَا أدْرَكْتُمْ فَصَلوا، وَما فَاتَكُمْ فَأتِمُّوا \".\nــ\nنصلي مع النبي - ﷺ -\" صلاة الجماعة \" إذ سمع جلبة الرجال \" أي سمع أصواتًا عالية، وهي أصوات أقدام الناس، وهم يسرعون إلى الصلاة \" فلما صلّى قال: ما شأنكم؟ \" يعني مما سبب هذه الضجة التي سمعتها في أثناء الصلاة \" قالوا: استعجلنا \" أي أسرعنا في مشينا إلى الصلاة \" قال: فلا تفعلوا \" أي لا تسرعوا في أثناء سيركم إلى الصلاة \" إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة \" أي إذا جئتم إلى الصلاة فحافظوا على الهدوء في أثناء مشيكم إليها، وسيروا سيرًا عاديًا \" فما أدركتم فصلوا \" الفاء واقعة في جواب الشرط كما قال الحافظ: أي إذا فعلتم ما أمرتكم به، فما حصلتم عليه من الركعات فصلوا مع الإِمام، وتابعوه متابعة كاملة. \" وما فاتكم فأتموا \" أي وما فاتكم من الصلاة مع الإِمام، فأتموه بعد السلام. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن المسبوق -وهو الذي فاتته مع الإمام بعض الصلاة- يجب عليه أن يتم ما فاته بعد سلام الإمام، لقوله - ﷺ -: \" وما فاتكم فأتموا \". واختلفوا كيف يتم صلاته، هل يتمها بناءً فيجعل ما أدرَكه أول صلاته، أو يتمها قضاءً، فيجعل ما أدركه آخر صلاته فقال الشافعي وأحمد في رواية يتم ما فاته بناءً ويبني في الأقوال والأفعال معًا، فيجعل ما أْدركه أوّل صلاته، وما فاته آخر صلاته. لقوله - ﷺ - في حديث علي ﵁: \" ما أدركت فهو أوّل صلاتك \" أخرجه البيهقي، فإذا أدرك ركعة من الظهر مع الإمام، فإنه يقوم بعد السلام فيأتي بركعة واحدة بالفاتحة والسورة ويجلس للتشهد الأول، ثم يقوم فيأتي بالركعتين الباقيتين بالفاتحة فقط","vol":"2","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-291>٢٦٤ - \" بَابُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إذا رَأوُا الإِمَامَ عِنْدَ الإِقَامَةِ </span>\"\n٣١١ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِذا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ فلا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي \".\nــ\nويتشهد ويسلم. وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية: يقضى في الأقوال والأفعال معًا فيجعل ما أدركه مع الإِمام آخر صلاته، وما فاته أول صلاته واستدلوا على ذلك بحديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" وما فاتكم فاقضوا \" أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، والبيهقي عن معاذ بن جبل. فمن أدرك ركعة من الظهر فإنّه - كما قال أبو حنيفة وأحمد: يأتي بركعتين بالفاتحة والسورة، يجلس بعدهما للتشهد الأوّل، ثم يقوم فيأتي بالركعة الأخيرة بالفاتحة فقط، ويتشهد ويسلم. أما مالك فإنه حاول الجمع بين الأحاديث المختلفة ليعمل بها جميعًا، فقال: المسبوق يبني في الأفعال من تشهد وجلوس وسط ونحوه، ويقضي في الأقوال من قراءة الفاتحة. والسورة ونحوها، فمن أدرك ركعة من الظهر فإنه يقوم بعد السلام فيأتي بركعة بالسورة والفاتحة، يجلس بعدها للتشهد، ثم يقوم فيأتي بركعة أخرى بالفاتحة والسورة أيضًا، ثم يأتي بالركعة الأخيرة بالفاتحة فقط ويتشهد ويسلم، واستدل على ذلك بحديث علي ﵁ قال: \" ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك من القرآن \" أخرجه البيهقي. ثانيًا: أنه يجوز للرجل أن يقول فاتتنا الصلاة: لقوله - ﷺ -: \" وما فاتكم فأتموا \". والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" وما فاتكم فأتموا \".\n٢٦٤ - \" باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإِمام عند الإقامة \"\n٣١١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني \" مقبلًا إلى الصلاة، أي حتى يراني من تتيسر له رؤيتي","vol":"2","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>٢٦٥ - \" بَابٌ الإِمَامُ تعْرِضُ لَهُ الْحَاجَةُ قَبلَ الإِقَامَةِ </span>\"\n٣١٢ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ:\n\" أًقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يُنَاجِي رَجُلًا في جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَمَا قَامَ إلى الصَّلَاةِ حتى نَامَ الْقَومُ \".\nــ\nمنكم، لأن رؤية الجميع له متعذرة سيما بعد اتساع المساجد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" فلا تقوموا حتى تروني \".\nويستفاد منه: استحباب القيام إلى الصلاة عند رؤية بعض المصلين إقبال الإمام إليها، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه يستحب القيام لها عند الفراغ من الإقامة، وهو مذهب مالك، وقال أحمد: \" إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة \" وقال أبو حنيفة ومحمد: \" إذا قال حي على الصلاة \".\n٢٦٥ - \" باب الإِمام تعرض (١) له الحاجة بعد الإِقامة \"\n٣١٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" أقيمت الصلاة والنبي - ﷺ - يناجي رجلًا في المسجد \"، أي أقيمت حال كون النبي - ﷺ - مشغولًا بالحديث مع رجل في المسجد عرض له في طريقه \" فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم \"، أي فلم يشرع النبي - ﷺ - في الصلاة حتى ناموا، وفي الحديث عن حميد الطويل قال: سألت ثابتًا البُناني -بضم الباء- عن الرجل يتكلم بعدما تقام الصلاة: فقال: \" أقيمت الصلاة، فعرض لرسول الله - ﷺ - رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة \" أخرجه أبو داود.\n_________\n(١) بكسر الراء، أي تظهر له الحاجة، كما أفاده القسطلاني.","vol":"2","page":123},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-293> أبواب صلاة الجماعة والإمامة </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>٢٦٦ - \" بَابُ وُجوُبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ </span>\"\n٣١٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدَ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَب فَيُحْطَبَ، ثم آمُرَ بالصَّلَاةِ فيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَال فَأحَرقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، والذي نَفْسِي بِيَدِهِ،\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنّه يجوز للإِمام أن ينشغل بحاجة تعرض له بعد إقامة الصلاة، فيؤخر الشروع فيها، كما يجوز له الكلام بعد الإِقامة، وكرهه الحنفية. وقال مالك: يستحسن إعادة الإقامة إذا. بعدت. ثانيًا: أنّ النوم الخفيف لا يبطل الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nوالمطابقة: في قوله: \" أقيمت الصلاة والنبي - ﷺ - يناجي رجلًا \"\n٢٦٦ - \" باب وجوب صلاة الجماعة \"\n٣١٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها \"، أي يقسم النبي - ﷺ - بالله ﷿ الذي روحه بيده يتصرف فيها كيف يشاء، أنه عزم على أن يأمر أصحابه بجمع الحطب وتكسيره، وإشعال النار فيه \" ثم آمر رجلًا فيؤم الناس \" أي ثم يأمر بلالًا بإقامة صلاة العشاء أو الصبح، قال - ﷺ -: \" ثم أخالف إلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهمْ \"، أي ثم أعاقب رجالًا من المنافقين يشهدون الظهر والعصر مع الجماعة رياءً ويتخلفون عن العشاء والصبح مع الجماعة، حيث لا يراهم الناس بسبب ظلمة الليل، فأحرِّق عليهم بيوتهم عقوبةً لهم على نفاقهم، ولكنه - ﷺ - لم يفعل مَا هَمَّ بِه رحمةً","vol":"2","page":124},{"text":"لَوْ يَعْلَمُ أحَدُهُمْ أنه يَجِدُ عَرْقًَا سَمِينًا أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ\".\nــ\nبالنساء والأطفال الموجودين في البيوت، كما جاء في رواية أخرى أنه قال: \" ولولا ما في البيوت من النساء والذريّة لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون \" أخرجه أحمد، ثم قال - ﷺ -: \" والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا \" بفتح العين وسكون الراء \" سمينًا \"، أي لو يعلم أحد هؤلاء أنه يجد في المسجد عظمًا عليه شيء من اللحم والشحم ولو يسيرًا \" أو مرماتين حسنتين \"، يعني أو سهمين جيدين \" لشهد العشاء \" أي لحضر صلاة العشاء لأنّه لا يهمه إلاّ العرض الدنيوي ولو كان يسيرًا.\nويستفاد منه: تأكيد الأمر بصلاة الجماعة، واستدل به البخاري وبعض أهل العلم على وجوبها. واختلف الفقهاء في حكمها على أربعة أقوال: الأول: أنها شرط في صحة الصلاة، وأن صلاة المنفرد باطلة، وهو مذهب داود الظاهري ويشترط فيها المسجد، لحديث: \" لا صلاة لجار المسجد، إلاّ في المسجد \". الثاني: أنها فرض عين، فتصح صلاة المنفرد مع الإِثم، ولا يشترط فيها المسجد لقوله - ﷺ -: \" جعلت لي الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا \" فأيما رجل أدركته الصلاة صلَّى حيث كان \" متفق عليه، وأما حديث: \" لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد \" فهو من قول على ﵁ كما أفاده ابن قدامة، وبهذا قال إسحاق وعطاء والأوزاعي وأحمد. الثالث: أنها فرض كفاية لقوله - ﷺ -: \" ما من ثلاثة في قرية، أو بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان \" أخرجه أبو داود، وهو ظاهر قول الشافعي وبعض المالكية، وصححه النووي في \" المنهاج \". الرابع: أن الجماعة سنة مؤكدة، وهو قول الجمهور ومشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وقول للشافعيّة. قال الشوكاني (١): وهو أعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب (٢)، واستدلوا على عدم\n_________\n(١) \" نيل الأوطار \" للشوكاني.\n(٢) لكن حديث الأعمى الذي لم يرخص له - ﷺ - في التخلف عنها يدل على وجوبها. المؤلف.","vol":"2","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-295>٢٦٧ - \" بَابُ احْتِسَابِ الآثَارِ </span>\"\n٣١٤ - عن أنسٍ ﵁:\nأَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أرَادُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ\nــ\nوجوبها بقوله - ﷺ -: \" صلاة الرجل في الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة \" قالوا: لأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد تقتضي المشاركة في الثواب وتدل على أن المنفرد له حظ من الأجر، ولو كانت الجماعة واجبة لكان المنفرد عاصيًا، والعاصي لا أجر له. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين: الأول: أن الهم بقتلهم لا يستلزم وجوب الجماعة، فإن السنة الظاهرة كالأذان مثلًا يقاتل عليها كما يقاتل على ترك الواجبات، كما أفاده القاضي عياض.\nالثاني: أن هؤلاء الذين توعدهم رسول الله - ﷺ - كانوا منافقين يحضرون الجماعة ظهرًا وعصرًا ليراهم الناس، ويغيبون عنها عشاء وصبحًا حيث لا يرونهم، فهمَّ النبي - ﷺ - بقتلهم لنفاقهم، وهو ما رجحه الحافظ حيث قال: والذي يظهر لي أنّ الحديث ورد في المنافقين لقوله - ﷺ -: \" ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر \" لكن المراد به نفاق المعصية (١). الحديث: أخرجه الستة وأحمد في \" مسنده \" بألفاظ. والمطابقة: كما يراه البخاري في كونه - ﷺ - همّ بتحريق بيوت المتخلِّفين عن الجماعة، فلو لم تكن واجبة لما هم بذلك.\n٢٦٧ - \" باب احتساب الآثار \"\n٣١٤ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" أن بني سلِمة \" بكسر اللام وهم بنو سلِمة بن سعد بن علي بن أسد الخزرجي الأنصاري، وكانت منازلهم بجزع السيح ما بين القبلتين ومسجد الفتح،\n_________\n(١) \" فتح الباري \".","vol":"2","page":126},{"text":"- ﷺ - قَالَ: فكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ يَعْرُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: \" ألَا تَحْتَسِبُونَ آثارَكُمْ \".\nــ\nوكانت هذه المنطقة تسمى في ذلك العصر بالمذاد، وهي بعيدة عن المسجد، فلما خلت بعض الديار القريبة \" أرادوا أن يتحولوا \" أي أن ينتقلوا \" عن منازلهم فينزلوا قريبًا من النبي - ﷺ - \"، ويقتربوا من المسجد النبوي الشريف ليتمكنوا من الصلاة معه، وحضور مجلسه، قال جابر: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلِمةَ أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: \" يا بني سلِمة ديارَكم تكتب آثاركم \"، أخرجه مسلم. فأمرهم النبي - ﷺ - بالبقاء في منازلهم، وكان - ﷺ - يهدف من وراء ذلك إلى حماية المدينة من العدو من الجهة الغربيّة كما قال أنس: \" فكره رسول الله - ﷺ - أن يعروا المدينة \" أي كره أن تخلو الجهة الغربية منهم، لانهم كانوا بمثابة سور للمدينة يحميها من الأعداء، ولهذا نهاهم عن الانتقال عن تلك المنطقة وبشرهم باحتساب خطواتهم، وتكاثر حسناتهم تبعًا لبعد منازلهم فقال: \" ألا تحتسبون آثاركم \" أي ألا تفرحون باحتساب خطواتكم وإن لكم بكل خطوة حسنة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل كثرة المشي وبعد الدار عن المسجد، وما يؤدي إليه زيادة الخطوات من زيادة الحسنات وتكفير السيئات ورفع الدرجات. ولهذا قال - ﷺ -: \" أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى \" أخرجه البخاري. ثانيًا: أنه يستحب للمسلم أن يحتسب خطواته إلى المسجد عند الله تعالى، ويستحضر فضل ذلك في أثناء سيره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \"ألا تحتسبون آثاركم\".","vol":"2","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-296>٢٦٨ - \" بَابُ فضل صَلَاةِ الْعِشَاءِ في الْجَمَاعَةِ </span>\"\nْ٣١ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لَيْسَ صَلَاةٌ أثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهمَا لأتَوْهُمَا وَلَو حَبْوًا \" (١).\nــ\n٢٦٨ - \" باب فضل صلاة العشاء في الجماعة \"\n٣١٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء \"، لأنهما تصليان في الليل حيث ينتشر الظلام، ويحجب الأنظار فلا يرى الناس من حضر فيهما ومن غاب عنهما، وهم إنما يصلون مع الجماعة رياءً ونفاقًا، فيواظبون على الصلوات النهارية كي يراهم الناس ويتغيبون عن الصلوات الليلية حيث لا يرونهم، ويستثقلون الحضور إليها لسوء نيتهم ولأنّهم لا يقصدون بأعمالهم وجه الله، وإنما يريدون بها الرياء والسمعة كما قال تعالى: (يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) \" ولو يعلمون ما فيهما \" من مضاعفة الحسنات، ورفع الدرجات، والفوز بالجنة والنجاة من النار، والنور التام يوم القيامة، كما قال - ﷺ -: \" بَشّر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة \"، فلو يعلمون حق العلم هذه المزايا العظيمة الموجودة فيهما \" لأتوهما ولو حبوًا \"، أي لأتوهما ولو كانوا لا يستطيعون المشي إلاّ حبوًا على الذراعين والركبتين.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل صلاة العشاء مع الجماعة كما ترجم له البخاري. ثانيًا: التحذير من الرياء في الأعمال الدينية، والحرص على بعضها لأنه يراه الناس فيها وترك البعض الآخر لأنّه لا يراه الناس، كما كان\nــ\n(١) هذا الحديث اختصرناه من حديث طويل اقتصرنا فيه على ما يطابق الترجمة.","vol":"2","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>٢٦٩ - \" بَابُ مَنْ جَلَسَ في الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَفَضلُ الْمَسَاجِدِ </span>\"\n٣١٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" سَبْعَة يَظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وشَابٌ نَشَأ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُل قَلْبُهُ مَعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ،\nــ\nيفعل هؤلاء المنافقون. ثالثًا: أن الأعمال الصالحة تخف على بعض النفوس وتثقل على بعضها حسب اختلاف الناس في إيمانهم. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" لو يعلمون ما فيهما \" حيث دل على زيادة فضيلة العشاء والفجر على غيرهما كما أفاده العيني.\n٢٦٩ - \" باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد \"\n٣١٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" سبعة يظلهم الله في ظله \" أي سبعة أصناف من هذه الأمة يظلهم الله في ظل عرشه، ويقيهم حرارة الشمس. \" يوم لا ظل إلاّ ظله \" أي يتنعمون بظل العرش في ذلك اليوم الذي تدنو فيه الشمس من رؤوس العباد، ويشتد عليهم حرها، فلا يجد أحدٌ ظلًاّ إلاّ مَنْ أظله الله في ظل عرشه، ثم بين من هم هؤلاء السبعة وميزهم بأعمالهم. فأولهم: \" الإِمام العادل \" أي حاكم عادل في رعيته يحافظ على حقوقهم، وَيرعى مصالحهم، ويحكم فيهم بشريعة الله، فهو جدير بظل العرش يوم القيامة، لأنه ظل الله في أرضه، ورحمته على عباده، والجزاء من جنس العمل. والثاني: من هؤلاء السبعة: \" شاب نشأ \" منذ نعومة أظفاره \" في عبادة ربه \" أي مجتهدًا في عبادة ربه، ملتزمًا بطاعته في أمره ونهيه، لا يتبع هواه، ولا ينساق مع شهواته النفسية، فكان جديرًا بذلك الظل الإِلهي يوم","vol":"2","page":129},{"text":"ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأة ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ أخفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالَهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ\".\nــ\nالقيامة، لأنه جاهد نفسه في سبيل مولاه، وتغلّب على شهواته، وهو في عنفوان شبابه، والشباب شعبة من الجنون. والثالث من هؤلاء: \" رجل قلبه معلق في المساجد \" أي شديد الحب والتعلق بالمساجد يتردد عليها ويلازم الجماعة فيها، وقد قال - ﷺ -: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان \". وقال ﷿: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ). والرابع من هؤلاء: \" رجلان تحابّا في الله \" أي أحب كل منهما الآخر في ذات الله تعالى وفي سبيل مرضاته، كما يحب طالب العلم شيخه لأنّه يوصله إلى العلم النافع المؤدي إلى رضوان الله تعالى. \" اجتمعا على ذلك \" أي اجتمعا على حب الله تعالى والمشاركة فيما يرضيه من طلب العلم، أو الاجتهاد في العبادة، أو القيام بمصالح المسلمين، \" وتفرقا عليه \"، أي واستمرا على محبتهما هذه لأجله تعالى حتى فرق بينهما الموت، ولم يقطع بينهما عارض دنيوي كما قال المناوي. وذلك لأنَّ ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انفصم وانقطع. والخامس: \" ورجل طلبته امرأة ذات منصب \" بكسر الصاد \" وجمال \" أي دعته لنفسها امرأةٌ حسناء ذات أصل كريم وحسب ونسب، ومال وجاهٍ، ومركز مرموق \" فقال: إني أخاف الله \" أي فإذا به يسمع صوت ضميره من أعماق نفسه يقول له: \" إني أخاف الله \" فيمنعه خوف الله عن اقتراف ما يغضب الله. والسادس من هؤلاء: \" رجل تصدق \" صدقة التطوع \" أخفى \" أي فأخفى صدقته \" حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه \" أي فبالغ في إخفاء صدقته على الناس، وسترها عن كل شيء حتى ولو كان شماله رجلًا ما علمها، فهو من مجاز التشبيه، كما أفاده المناوي.","vol":"2","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢٧٠ - \" بَابُ فضلِ مَنْ غَدَا إلى الْمَسْجِدِ وَمَنْ رَاحَ </span>\"\n٣١٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ غَدَا إلى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ نُزُلًا مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أوْ رَاحَ \".\nــ\nالسابع من هؤلاء: \" ورجل ذكر الله خاليًا \" أي تذكر عظمة الله تعالى ولقاءه، ووقوفه بين يديه، ومحاسبته على أعماله حال كونه منفردًا عن الناس \" ففاضت عيناه \" أي فسالت دموعه على خديه خوفًا من الله تعالى.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: بيان فضل هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه، ولا ينحصر المتظللون في ظل العرش في هؤلاء فقط، وإنما هناك آخرون غيرهم، وقد أضاف إليهم الحافظ: الغازي ومن يعينه، والمنظِر للمُعْسِر، والتاجر الصدوق، ومن يعين المكاتب. ثانيًا: فضل المساجد والمحبين لها المتعلقة قلوبهم بها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" ورجل قلبه معلّق في المساجد \".\n٢٧٠ - \" باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح \"\n٣١٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"من غدا إلى المسجد وراح أعدّ الله له نزلًا في الجنة، كلما غدا أو راح \"، أي لا يذهب أحد إلى المسجد في أي وقت كان أول النهار أو آخره ليصلي فيه جماعة، أو يطلب علمًا، أو يقرأ قرآنًا، إلاّ أعطاه الله في كل مرة قصرًا في الجنة ضيافة وتكريمًا له، سواء ذهب إليه صباحًا أو مساءً، لأن المساجد بيوت الله، فمن قصدها كان جديرًا بضيافة أكرم الأكرمين.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل صلاة الجماعة وما يترتب على الذهاب","vol":"2","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>٢٧١ - \" بَاب إذَا أقِيمَتِ الصَّلَاةُ فلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ </span>\"\n٣١٨ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا وَقَدْ أقِيمَتِ الصَّلَاةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ لَاثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" آلصُّبْحَ أرْبَعًَا؟! آلصبحَ أربَعًَا؟! \".\nــ\nإليها صباحًا أو مساءً حيث ينال الذاهب إليها في كل مرة قصرًا في الجنة.\nثانيًا: فضل التردد على المساجد لأي غرض ديني ولو غير الصلاة كدراسة العلم، وقراءة القرآن. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٢٧١ - \" باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة \"\n٣١٨ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن بحينة: \" أن رسول الله\n- ﷺ - رأى رجلًا قد أقيمت الصلاة يصلّي ركعتين \" أي أن النبي - ﷺ - ﷺ - رأى\nهذا الرجل في المسجد يصلّي ركعتين بعد قيام الجماعة لصلاة الصبح \" فلما انصرف لاث به الناس \". أي فلما فرغ الرجل من الصلاة اجتمع عليه الناس، والتفوا حوله، وأحاطوا به استنكارًا لفعله لأنّه استقر في أذهانهم أنه إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة، وعلموا ذلك من النبي - ﷺ -، ولم يقتصر الأمر على مجرد استنكار الصحابة فقط، بل إنّ النبي - ﷺ - أنكر ذلك عليه \" فقال رسول الله - ﷺ -: آلصبح أربعًا آلصبح أربعًا؟ \" بهمزة الإستفهام الإِنكاري أي كيف تصلي ركعتين بعد قيام الجماعة لصلاة الصبح، فتكون كأنما صليت الصبح أربع ركعات، وزدت فيها ركعتين من عندك. أمّا هذا الرجل الذي أنكر عليه النبي - ﷺ - صلاة النافلة بعد قيام صلاة الصبح فهو","vol":"2","page":132},{"text":"عبد الله بن بحينة نفسه؟ جاء مصرحًا به في رواية أحمد أنّ النبي - ﷺ - مرَّ به وهو يصلي ... إلخ ويحتمل أنه ابن عباس ﵄ لما روى عنه أنه قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة فجذبني النبي - ﷺ - وقال: \" أتصلي الصبح أربعًا \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: ما ترجم له البخاري من أنه \" إذا أقيمت ْالصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة \"، وقد جاء الحديث بهذا اللفظ نفسه في بقية الصحاح الخمسة، ولم يخرجه البخاري لاختلافهم في رفعه ووقفه، ولهذا اكتفى عنه بحديث عبد الله بن بحينة وهو مثله في معناه، لأن النبي - ﷺ - أنكر عليه صلاة النافلة بعد قيام الجماعة قائلًا: \" آلصبح أربعًا \"، وهذا يدل على أنّه لا يجوز البدء في النافلة مطلقًا، سواء كانت تحية المسجد أو غيرها أثناء الإقامة أو بعدها. لأن ذلك يؤدي إلى إعطاء الصلاة المفروضة صورة أخرى غير صورتها، ولا خلاف عند أهل العلم في أنّه لا يجوز ذلك إلاّ إذا عقد ركعة من النافلة قبل الإِقامة فإنه يتمها. ثانيًا: ذهب أهل الظاهر إلى أنّه إذا أقيمت الصلاة وهو في صلاة بطلت صلاته عملًا بظاهر قوله - ﷺ -: \" إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة \" حيث حملوا النفى على نفي صحة الصلاة، والجمهور على أنّه لا تبطل صلاته، وأن المراد به نفي كمال الصلاة، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي أي لا تشرعوا في صلاة غير المكتوبة عند إقامتها. والمطابقة: في قوله: \" آلصبح أربعًا \".\nتنبيهان: الأول: ذكرنا فيما يستفاد من الحديث أن قول البخاري: \" إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة \" هو لفظ حديث صحيح أخرجه مسلم، وتلك عادة البخاري، إذا وقف على حديث ليس على شرطه، ترجم به، وأخرج غيره، ولم يخرجه، ليشير بذلك إلى وجوده (١)، وذلك من لطائف البخاري. الثاني: قد يستدل بعضهم على مشروعية تحية المسجد عنْد الإِقامة\n_________\n(١) وكأنه يقول للقارىء يوجد حديث بهذا النص ولكنني لم أخرجه لأنه ليس على شرطي.","vol":"2","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>٢٧٢ - \" بَابٌ إذَا حضَرَ الطَّعَامُ وَأقِيمَتِ الصَّلَاةُ </span>\"\n٣١٩ - عَنْ أنَسِ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فابْدَءُوا قَبْلَ أنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ ولا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ \".\nــ\nبحديث علي ﵁ \" أنه - ﷺ - كان يصلي الركعتين عند الإِقامة \"، ولا حجة فيه لأن في سنده الحارث الأعور وهو ضعيف كما أفاده الشوكاني.\n٢٧٢ - \" باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة \"\n٣١٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب \" أي إذا حضر الطعام وحضرت الصلاة فابدؤوا بتناول الطعام، قبل أن تصلوا، حتى ولو كانت الصلاة قصيرة الوقت، محدودة الزمن، كصلاة المغرب.\nمما يؤكد ذلك، قوله - ﷺ - كما في حديث عائشة ﵂: \" لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان \" \" ولا تعجلوا عن عشائكم \" أي ولا يدعوكم حضور وقت الصلاة أو قيامها، إلى الإِسراع في طعامكم فتقوموا عنه ونفوسكم متعلقة به، تواقة إليه، راغبةٌ فيه، فتدخلوا في الصلاة بأجسامكم دون قلوبكم وأرواحكم، فتكون صلاتكمْ خالية من الخشوع.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يستحب تقديم الطعام على الصلاة ليليةً كانت أو نهارية؛ لأنّ النبي - ﷺ - أمر بذلك في حديث الباب وأمره - ﷺ - بذلك يقتضي الاستحباب عند الجمهور لهذا قالوا: يستحب تقديم الطعام على الصلاة عامة. قال ابن قدامة: إذا أحضر العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب أن يبدأ بالعشاء قبل الصلاة؛ ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، ولا فرق","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>٢٧٣ - \" بَاب أهْلُ الْعِلْمِ والفَضْلِ أحَقُّ بالإِمَامَةِ </span>\"\n٣٢٠ - عنْ أنَسٍ ﵁:\n\"أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَان يُصَلِّي بِهِمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، حتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاثْنَيْنِ، وَهُمْ صُفُوف في الصَّلَاةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظرٌ إِلَيْنَا وَهُوَ قائِم، كَأن وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤية النَّبِيِّ - ﷺ -، فنكصَ أبُو\n_________\nبين أن يخاف فواتها في الجماعة أو لا يخاف ذلك، فإن بعض ألفاظ حديث أنس \" إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء \". وحمل الظاهرية الأمر على الوجوب، وجزموا ببطلان الصلاة إذا قدمت. وقال مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعامًا خفيفًا، وهو مذهب الشافعي. ثانيًا: الترغيب في تجريد النفس عن الشواغل الدنيوية في أثناء الصلاة. الحديث: أخرجه أيضًا مسلم بألفاظ أخرى. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \"إذا قدم العشاء فابدءوا به \" ... إلخ.\n٢٧٣ - \" باب أهل العلم والفضل أحق بالإِمامة \"\n٣٢٠ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي - ﷺ - الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإِثنين \" برفع \" يومُ \" على أنه فاعل لكان التامة. أي حتى إذا جاء يوم الاثنين \" وهم صفوف في الصلاة \" أي في صلاة الصبح \" فكشف النبي - ﷺ - ستر الحجرة ينظر إلينا \" ليتفقد أحوالنا \" كأن وجهه ورقة مصحف \" أي يشبه وجهه ورقة الصحف في رقة بشرته، وصفاء لونه، وحسن صورته \" ثم تبَسّم يضحك \" فرحًا ومسرورًا بما رأى من حرص أصحابه على الجماعة \"فهممنا","vol":"2","page":135},{"text":"بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْه لِيَصِلَ الصَّفَّ، وظَنَّ أن النَّبِيَّ - ﷺ - خَارِجٌ إلى الصَّلَاةَ فَأشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺأنْ أتِمُّوا صَلَاَتكُمْ، وأرْخَى السِّترَ، فَتُوُفيَ - ﷺ - مِنْ يَوْمِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>٢٧٤ - \" بَابٌ إِنمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتمَّ بِهِ </span>\"\n٣٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \" أصلَّى النَّاسُ؟ \" قُلْنَا: لا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ،\nــ\nأن نفتتن\" أي فعزمنا على الخروج من الصلاة، فنقع في الخطأ من شدة فرحنا به \" فنكص أبو بكر ﵁ ليصل الصف \" أي تراجع إلى الوراء ليقف في الصف ويدع الإمامة للنبي - ﷺ - \" فأشار إليه النبي - ﷺ - أن أتموا صلاتكم \" أي فأشار إليهم بإتمام الصلاة خلف الصديق ﵁.\nويستفاد منه: أن أحق الناس بالإمامة أعلمهم وأفقههم، وهو مذهب الجمهور لأنّه - ﷺ - استخلف الصديق في الإمامة لتفوقه على غيره في الفقه، وإن كان يوجد من هو أقرأ منه، خلافًا لأحمد حيث قال: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لحديث أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله ... إلخ \" أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه، وأجاب عنه الجمهور بأنه كان الأقرأ في عصر النبوة هو الأعلم غالبًا (١).\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إن أبا بكر كان يصلي بهم \" حيث قدِّمَ للإمامة لأنه أعلم الصحابة.\n٢٧٤ - \" باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به \"\n٣٢١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \"ثقل النبي\n_________\n(١) ولذلك عبر بالأقرأ لأنه يكون أقرأ وأعلم فيجتمع فيه مزيتان كثرة القراءة وغزارة العلم.","vol":"2","page":136},{"text":"قَالَ: \" ضعُوا لِيَ مَاءً في الْمِخْضَبِ \" قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فاغْتَسَل فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فأغْمِيَ عَلَيْهِ، ثم أفَاقَ فَقَالَ - ﷺ -: \"أصَلَّى النَّاسُ؟ \" قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \" ضَعُوا لِيَ مَاءً في الْمِخْضَبِ \" قَالَتْ: فَقَعَدَ فاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَب لِيَنُوءَ فأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أفَاقَ فَقَالَ: \" أصَلَّى النَّاسُ؟ \" فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: \" ضَعُوا لِيَ مَاءً فِي الْمِخْضَبِ \"، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أفَاقَ فَقَالَ: \" أصَلَّى النَّاسُ؟ \" فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ الله،\nــ\n- ﷺ -\" أي اشتد عليه المرض \" فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا \" أي قال عندما حضرت الصلاة هل صلى الناس أم لا؟ فقلت: لم يصلوا بعد \" قال: ضعوا لي ماءً في المخضب \" (١) أي في الطست \" فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه \" أي فاغتسل وحاول النهوض بمشقة وعناء، فلم يقدر على القيام، وأصابه الإغماء من شدة ما يعانيه من الألم \" ثم أفاق \" من غشيته \" فقال: أصلّى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال: ضعوا لي ماءً في المخضب قالت: ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب. فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله \" وهكذا أغتسل النبي - ﷺ - ثلاث مرات، وكان يحاول في كل مرة بعد الاغتسال النهوض ليخرج إلى الصلاة فيغمى عليه، فإذا أفاق سأل: أصلى الناس؟ فتقول عائشة: هم ينتظرونك، فيعاود الاغتسال مرة أخرى حتى يئس من القدرة على\n_________\n(١) بكسر الميم وسكون الخاء، قال في \" لسان العرب \" وهو إناء تغسل فيه الثياب، وهو ما يسمى بالطست.","vol":"2","page":137},{"text":"وَالنَّاسُ عُكُوفُ في الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ - ﷺ - لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَأرسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إلى أبِي بَكْرٍ بأنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فقالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يأمُرُكَ أنْ تُصَلِّيَ بالنَّاسِ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ، وكانَ رَجُلًا رَقِيقًَا: يَا عُمَرُ صَلِّ بالنَّاس، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أنتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أبو بَكْر تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وأبو بَكْرٍ يُصَلِّى بالنَّاس، فَلَمَّا رَآهُ أبو بَكْرٍ، ذهَبَ لِيتَأخرَ فأوْمأ إِلَيْه النَّبِيُّ - ﷺ - بأنْ لا يَتَأخَّرَ، قَالَ: \" أجْلِسَانِي إلى جَنْبِهِ \"، فَأجْلَسَاهُ إلى جَنْبِ أبِي بَكْرٍ قَالَ: فَجَعَلَ أبو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالنَّاسُ بصلاة أبي بكر، والنبي - ﷺ - قَاعد\".\nــ\nالخروج، \" والناس عكوف في المسجد \" أي مقيمون فيه ينتظرونه \" فأرسل النبي - ﷺ - إلى أبي بكر \" بلالًا يأمره \" بأن يصلي بالناس فأتاه الرسول \" أي فجاء بلال إلى أبي بكر ﵁ مرسلًا إليه من النبي - ﷺ - \" فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تصلي بالناس \" نيابة عنه \" فقال أبو بكر: وكان رجلًا رقيقًا \" أي رقيق القلب خشى أن يغلبه البكاء في الصلاة \" يا عمر صل بالناس فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام \" التي كان النبي - ﷺ - فيها مريضًا \" ثم إنّ النبي - ﷺ - وجد من نفسه خفة \" أي شعر بخفة في مرضه ونشاط في جسمه \" فخرج بين رجلين \" أي خرج يتكىء عليهما ويستعين بهما على مشيه \" وأومأ إليه بأن لا يتأخر \" أي فأشار النبي - ﷺ - إلى أبي بكر أن لا يتأخر عن مكانه \" قال: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم \"","vol":"2","page":138},{"text":"٣٢٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في بَيْتهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا، وصلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قيامًا، فأشَارَ إلَيْهِمْ أنِ اجْلِسُوا، فلمَّا انْصَرَفَ قَالَ: \" إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فإِذَا رَكَعَ فارْكَعُوا، وِإذَا رَفَعَ فارْفَعُوا، وِإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا \".\nــ\nأي حال كونه قائمًا \" بصلاة النبي \" أي يأتم بالنبي - ﷺ - في صلاته كما جاء مصرحًا بذلك في رواية أخرى \" والناس بصلاة أبي بكر \" أي وكان أبو بكر ﵁ يرفع صوته بالتكبير والتحميد عند السجود والركوع، والناس يسمعون تبليغه ويتبعونه \" والنبي - ﷺ - قاعد \" أي والحال أن النبي - ﷺ - قاعد وأبو بكر والناس من خلفه قيام. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن المأموم يأتم بإمامه ويتبعه في خفضه للركوع والسجود ورفعه منهما، ولا يسبقه في شيء من ذلك كما في حديث الباب حيث قال: \" فجعل أبو بكر يصلّى وهو يأتم بصلاة النبي - ﷺ - \" أي ويتبعه في ركوعه وسجوده وهذا هو حقيقة الائتمام كما ترجم له البخاري.\nثانيًا: أنه يجوز أن يصلي المأموم قائمًا خلف إمام يصلّي قاعدًا، قال: العيني: وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ومالك في رواية والأوزاعي خلافًا لما روي عن مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن من عدم صحة إمامة القاعد للقائم، وقالا: إن الذي نقل عنه - ﷺ - كان خاصًا به، واحتجوا بالحديث الآتي عن عائشة. والمطابقة: في قوله: \" وهو يأْتمُّ بصلاة رسول الله - ﷺ - \".\n٣٢٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ فتقول: \"صلّى رسول الله في بيته وهو شاكٍ\" أي مريض \" فصلّى جالسًا \" أي فلم يستطع","vol":"2","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>٢٧٥ - \" بَابٌ متى يَسْجُدُ مَنْ خلْفَ الإِمَامِ </span>\"\n٣٢٣ - وعنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا قَالَ: \" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \" لَمْ يَحْن أحدٌ ظَهْرَهُ حتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ \".\nــ\nالوقوف بسبب مرضه، فصلى جالسًا، كما في رواية جابر أنه - ﷺ - ركب فرسًا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة، فانفكّت قدمه، فأتيناه نعوده في مشربة لعائشة \" فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا فأشار. إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف \" أي فلما انتهى من صلاته \" قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم؟ \" أي ليقتدى به في أفعاله \" فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا \" أي فاتَّبِعُوه في ركوعه ورفعه من الركوع \" وإذا صلّى جالسًا فصلوا جلوسًا \" مثله.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يجب على المأموم متابعة إمامه في جميع أفعاله حتى في جلوسه، فإذا صلّى جالسًا وجب عليه أن يصلّي مثله جالسًا، فإن صلّى قائمًا بطلت صلاته، لقوله - ﷺ -: \" وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا \" وهو مذهب أحمد وإسحاق ومالك في المشهور عنه. ثانيًا: أن الإمام يقول: \" سمع الله لمن حمده \"، والمأموم يقول: \" ربنا ولك الحمد \" لقوله - ﷺ -: \" وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد \" وهذا يقتضي أن التسميع للإمام، والتحميد للمأموم. والمطابقة: في قوله: \" وإذا صلّى جالسًا فصلوا جلوسًا \".\n٢٧٥ - \" باب متى يسجد مَنْ خلف الإِمام \"\n٣٢٣ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁ \"كان رسول الله - ﷺ - إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحن أحد ظهره حتى يقع النبي - ﷺ -","vol":"2","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>٢٧٦ - \" بَابٌ إِثْمِ مَنْ رَفَعَ رَأسَهُ قَبلَ الإِمَامِ </span>\"\n٣٢٤ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" أمَا يَخْشَى أحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ قبلَ الإمَامِ أنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ، أو يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ \".\nــ\nساجدًا\" أي كنا نتابع النبي - ﷺ - في سجوده، ولا نسجد إلاّ بعده فإذا رفع من الركوع، نبقى قيامًا ولا يخفض أحدٌ ظهره حتى يسجد النبي - ﷺ - ويقع بجبهته على الأرض. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب متابعة المأموم لإمامه في السجود.\nفلا يسجد حتى يسجد الإِمام ويقع بجبهته على الأرض. ثانيًا: مشروعية قول: \" سمع الله لمن حمده \" للإِمام، وقول: \" ربنا ولك الحمد \". للمأموم، وهو قول الجمهور. والمطابقة: في قوله: \" لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي - ﷺ - ساجدًا \"\n٢٧٦ - \" باب إثم من رفع رأسه قبل الإِمام \"\n٣٢٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - محذِّرًا المأموم من سبق الإِمام، ورفع رأسه قبله في الركوع والسجود \" أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإِمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار \" \"أي كيف تتجرؤون على رفع رؤوسكم من الركوع والسجود قبل رفع الإِمام، ألا يخاف أحدكم إذا رفع رأسه قبل إمامه أن يمسخ الله رأسه رأس حمار، إما مسخًا مجازيًا، بأن يجعله الله كالحمار في غباوته وبلادته، أو مسخًا حقيقيًا، بأن يجعل صورة رأسه على صورة رأس الحمار إما في الآخرة أو في الدنيا، ولا مانع من ذلك، فإن المسخ الجزئي الخاص موجود في هذ الأمّة لما في الحديث عن عائشة","vol":"2","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>٢٧٧ - \" بَابُ إِمَامَةِ الْعَبْدِ والْمَوْلَى </span>\"\n٣٢٥ - عن أنَسٍ ﵁:\nعنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" اسْمَعُوا وأطِيعُوا وِإنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأن رَأسَهُ زَبِيبَةٌ \".\nــ\n﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف \" أخرجه الترمذي \" أو يجعل الله صورته صورة حمار \" والفرق بينهما أن المسخ الأول للرأس فقط، والثاني للجسد كله. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يحرم على المأموم أن يسبق إمامه في الرفع من الركوع والسجود، لأن هذا الوعيد بالمسخ لا يترتب إلاّ على معصية، فإن فعل أثم وصحت صلاته عند الجمهور خلافًا لأحمد وأهل الظاهر.\nثانيًا: جواز وقوع المسخ الحقيقي فِي هذه الأمة كما في الحديث، وقد ذكر القاري فِي \" المرقاة \" (١) أن بعض المحدثين رحل إلى شيخ في دمشق يأخذ عنه فكان يجعل بينه وبينه حجابًا، فلما طالت ملازمته كشف له عن وجه حمار، وقال له: لما مر بي هذا الحديث استبعدت وقوعه فسبقت الإِمام، فأصابني ما ترى. والمطابقة: من حيث أن فيه وعيدًا شديدًا، ومرتكب الشيء الذي فيه الوعيد آثم.\n٢٧٧ - \" باب إمامة العَبْدِ والمولى \"\n٣٢٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" اسمعوا \" كلام ولي الأمر سماع في قبول \" وأطيعوا \" أمره ونهيه في حدود طاعة الله \" وإن استعمل حبشي كان رأسه زبيبة \" أي كأن شعر رأسه في قصره وتلففه زبيبة،\n_________\n(١) \" مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح \" لعلي القاري.","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>٢٧٨ - \" بَابٌ إِذَا لَمْ يُتمَّ الإِمَامُ وَأتمَّ مَنْ خلْفَهُ </span>\"\n٣٢٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أصَابُوا فَلَكُمْ، وِإنْ أخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ \".\nــ\nومعناه: أطيعوا ولي الأمر مطلقًا شريفًا كان أو وضيعًا، عظيمًا كان أو حقيرًا، حرًا أو عبدًا، سواء كان أميرًا أو قاضيًا، أو صاحب شرطة، ونحو ذلك فيما فيه طاعة الله. الحديث: أخرجه أيضًا ابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: صحة إمامة العبد في الصلاة كما ترجم له البخاري لقوله - ﷺ -: \"إن استعمل حبشي \" فإنه يدخل في ذلك الإِمام (١).\nقال ابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم. وروي عن عائشة أن غلامًا لها كان يؤمها، وصلى ابن مسعود وحذيفة وأبو ذر وراء أبي سعيد مولى أبي أسيد وهو عبد، وقال مالك: لا يؤمهم إلا أن يكون قارئًا، وهم أميّون.\nوالمطابقة: في قوله: \" وإن استعمل حبشي \".\n٢٧٨ - \" باب إذا لم يتم الإِمام وأتم من خلفه \"\n٣٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أن رسول -الله - ﷺ - قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم \" أي سيكون بعدي أئمة يصلون بكم ويؤمونكم في صلاة الجماعة، فإن أصابوا في صلاتهم بأدائها في وقتها صحيحة مستوفية لجميع أعمالها صحت صلاتهم وصلاتكم، وكان لكم أجركم، ولهم أجرهم، \" وإن أخطأوا \" أي ارتكبوا خطأً يؤدّي إلى\n_________\n(١) فإنه يدل على أن ولي الأمر لو استعمل على الرعية إمامًا في الصلاة وكان ذلك الإِمام عبدًا مملوكًا صحت إمامته وصحت صلاتهم خلفه.","vol":"2","page":143},{"text":"فساد الصلاة سهوًا \" فلكم وعليهم \" أي فإنّها تصح صلاتكم وتفسد صلاتهم وحدهم.\nويستفاد منه: أن الإِمام إذا ارتكب خطأً يفسد الصلاة بطلت صلاته وحده، وصحت صلاة المأمومين، فإن ترك الإمام ركنًا سهوًا ولم يعلم المأموم (١) أثناء الصلاة بما تركه إمامه بطلت صلاة الإمام وحده، وصحت صلاة المأموم، وهو وجه عند الشافعية بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة أو نائبه (٢)، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا: تبطل صلاة المأموم تبعًا لصلاة الإِمام إذا ترك ركنًا أو واجبًا سهوًا أو عمدًا، وحملوا الخطأ في الحديث على ترك السنن أو التأخير عن الوقت المستحب. وإن صلى الإِمام محدثًا، فإن دخل في الصلاة بالحدث ناسيًا، أو غلبه الحدث أثناءها ثم علم الإِمام أو المأموم أثناء الصلاة وجب عليه قطع الصلاة عند المالكية والحنفية، فإن استمر في صلاته بعد ذلك بطلت صلاته، وقال الشافعيّة: إذا علم المأمومون بذلك أثناء الصلاة وجب عليهم قطع القدوة بالإِمام، وإتمام صلاتهم بنية المفارقة، وتصح صلاتهم، وإن لم يعلموا إلاّ بعد السلام بطلت صلاته وحده وصحت صلاتهم عند الجمهور (٣)، ويدل عليه قوله - ﷺ -: \" وإن أخطؤوا فلكم وعليهم \" وقال الحنفية: تبطل صلاته وصلاتهم، وإذا صلى الإمام بالنجاسة ناسيًا فإن علموا بها أثناء الصلاة وجب عليهم قطع الصلاة فورًا عند الجمهور، لبطلان صلاة الإِمام والمأمومين معًا، وقالت الشافعية: يقطع المأمومون قدوتهم بالإمام، ويتمون بنية المفارقة، وإن علموا بالنجاسة بعد السلام فقالت المالكية: تصح صلاتهما معًا، وتجب على الإِمام الإعادة في الوقت (٤). وقالت الحنابلة:\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ١.\n(٢) \" فتح الباري \" ج ٢.\n(٣) \" كتاب الفقه على المذاهب الأربعة \" ج ١.\n(٤) \" الرسالة \" لابن أبي زيد.","vol":"2","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-307>٢٧٩ - \" بَاب إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ وكانَ لِلرَّجُلِ حَاجَة فخرَجَ فَصَلَّى </span>\"\n٣٢٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:\nكَانَ مُعَاذَ بْنَ جَبَل يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ يَرْجِعُ، فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ فقرأ بِالْبَقَرَةِ، فانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فكأنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ\" ثَلاث مِرارٍ، أو قَالَ: \" فَاتِنًَا فَاتِنًا فَاتِنًا \" (١) وأمَرَهُ بسُورَتَيْنِ من أوْسَطِ الْمفَصَّلِ، قَالَ عَمْرو: لا أحْفَظُهُمَا.\nــ\nتبطل صلاة الإِمام فقط، وقالت الشافعية: إن كانت النجاسة مغلظة بطلت صلاته وصحت صلاتهم، وإن كانت خفيفة في غير جمعة (٢) ينقص العدد فيها بدونه صحت صلاتهما معًا. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والحاكم والدارقطني. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n٢٧٩ - \" باب إذا طوّل الإِمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلّى \"\n٣٢٧ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ \" أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي - ﷺ - ثم يرجع فيؤم قومه \" أي يصلي جماعة مع النبي - ﷺ - في مسجده بالمدينة ثم يعود إلى قومه فيؤمهم في نفس الصلاة التي صلاها معه، \" فصلى العشاء فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل \" وفي رواية مسلم \" فانحرف رجل، فسلم ثم صلى وحده \" بمعنى أنه قطع الصلاة واستأنفها من أولها منفردًا، ولكن هذه الرواية انفرد بها محمد بن عباد شيخ مسلم، أما سائر الروايات الأخرى فإنّها لم يذكر فيها السلام، وإنما ذكر فيها الانصراف\n_________\n(١) أي تكون بعملك هذا فاتنًا.\n(٢) \" كتاب الفقه على المذاهب الأربعة \" ج ١ للجزيري.","vol":"2","page":145},{"text":"فقط، وهي تدل على أن الرجل لم يخرج من الصلاة، ولم يُعِدْهَا من أولها، وإنما فارق إمامه، وأتمها منفردًا، وهو ما رجحه الحافظ \" فكأنَّ معاذًا تناول منه \" أي سبّه وشتمه \" فبلغ النبي - ﷺ - \" ما فعله معاذ \" فقال: فتان \" أي أنت يا معاذ بفعلك هذا تنفر الناس عن صلاة الجماعة وتفتنهم في دينهم.\n\" وأمره بسورتين من أوسط المفصل \" أي أن يقرأ في العشاء بأوساط المفصل وهو عند المالكية من (عبَس) إلى (الضحى) وعند الشافعيّة والحنابلة من (عَمّ) إلى (الضحى) وعند الحنفية من (البروج) إلى (لم يكن). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: فانصرف الرجل.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة بإمامه لسبب من الأسباب كالإِطالة في الصلاة ويتم صلاته وحده بنية المفارقة، وقالت المالكية والحنفية: لا يجوز ذلك، وإن الرجل المذكور في هذا الحديث لم يقطع القدوة بإمامه وإنما قطع الصلاة وأعادها من أولها لما في رواية مسلم \" أنه سلّم ثم صلّى وحده \". ثانيًا: جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، لأن قوم معاذ كانوا يأتمون به وهم مفترضون وهو متنفل، وهو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، خلافًا لمالك وأبي حنيفة حيث قالوا الإِمام ضامن والفرض ليس مضمونًا في النفل فلا يجوز اقتداء مفترض بمتنفل.\n***","vol":"2","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>٢٨٠ - \" بَابُ تخفِيفِ الإِمَامِ في القِيَامِ وإتمَامِ الرُّكُوعِ والسَّجُودِ </span>\"\n٣٢٨ - عن أبي مَسْعُودٍ ﵁:\nأَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي لأتَأخَّرُ عن صَلَاةِ الغَدَاةِ مِنْ أجلِ فُلَان مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - في مَوْعِظَةٍ أشَدَّ غَضَبًَا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثمَّ قَالَ: \" إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأيكُمْ مَا صَلَّى بالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ والْكَبِيرَ وذَا الْحَاجَةِ \".\nــ\n٢٨٠ - \" باب تخفيف الإِمام في القيام وإتمام الركوع والسجود \"\n٣٢٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو مسعود ﵁ \" أن رجلًا قال: والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة \" أي شكا إلى النبي - ﷺ - من تطويل معاذ في القراءة في الصلاة، وأقسم على أنه يتغيب عن صلاة الصبح بسبب هذا التطويل، وهو معنى قوله: \" من أجل فلان مما يطيل بنا \" أي بسبب تطويله وإنما خص بالذكر صلاة الغداة، - وهي الصبح- لأن التطويل فيها أكثر، ولأن الانصراف منها وقت التوجه إلى الأعمال، كما أفاده العيني، \" فما رأيت رسول الله - ﷺ - في موعظة أشد غضبًا منه يومئذٍ \" أي لم أره في موعظة من مواعظه السابقة أشد غضبًا من غضبه في تلك الموعظة التى وجهها إلى الناس في ذلك اليوم، \" ثم قال: إن منكم منفرين \" أي إن بعض أئمتكم ينفرون الناس عن صلاة الجماعة، بسبب كثرة تطويلهم فيها \" فأيكم ما صلى بالناس فليتجَوّز \" أي فليخفف في القراءة والقيام مع إتمام الركوع والسجود \" فإنّ فيهم الضعيف \" بسبب مرض أو عاهة أو غير ذلك \" والكبير \" في السن \" وذا الحاجة \" من أصحاب الأعمال.","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>٢٨١ - \"بَابُ الإيجَازِ في الصَّلَاةِ وَإكْمَالِهَا </span>\"\n٣٢٩ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُوجِزُ الصَّلَاةَ ويُكْمِلُهَا.\nــ\nويستفاد منه: أنه يسن للإِمام تخفيف القيام والقراءة في الصلاة، ومراعاة ظروف المصلين وأحوالهم، ويرى ابن عبد البر استحباب التخفيف للإِمام مطلقًا، وإن علم قوة من خلفه فإنه لا يدري ما يحدث لهم من حادث وعارض من حاجة أو حدث بول أو غيره. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فليتجوّز \".\n٢٨١ - \" باب الإِيجاز في الصلاة وإكمالها \"\n٣٢٩ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" كان النبي - ﷺ - يوجز الصلاة \" أي يخفف على الناس في صلاة الجماعة رفقًا بهم، ومراعاة لظروفهم، وأحوالهم البدنية والنفسية والمعاشية والاجتماعية فيقتصر في العشاء على أوساط المفصل، وفي المغرب على قصاره \" ويكملها \" أي أنه وإن كان يخفف في القراءة إلاّ أنه يتمم أركان الصلاة الفعلية من ركوع وسجود وجلوس ويطمئن فيها، فيخفف في الأقوال، ويتمم في الأفعال. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.\nويستفاد منه: استحباب التخفيف في الصلاة للإِمام في الأقوال فقط مع إتمام الأفعال من ركوع وسجود ونحوه. والمطابقة: في قوله: \" يوجز في الصلاة \".","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>٢٨٢ - \" بَابُ مَنْ أخفَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ بُكَاء الصَّبِيِّ </span>\"\n٣٣٠ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنِّي لأقومُ في الصَّلَاةِ أرِيدُ أنْ أطَوِّلَ فيهَا فأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فأتَجَوَّزُ في صَلاتِي كَرَاهِيَةَ أنْ أشُقَّ علَى أمِّهِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>٢٨٣ - \" بَابُ تسْوِيَه الصُّفُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا </span>\"\n٣٣١ - عنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ:\nــ\n٢٨٢ - \" باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي \"\n٣٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطوّل فيها \" أي أدخل في الصلاة ناويًا التطويل في أقوالها وأفعالها لما أعلمه من رغبة المأمومين في ذلك \" فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي \" أي أخفف فيها \" كراهية أن أشقَّ على أمّه \" أي حذرًا أو خوفًا من أن يؤدي هذا التطويل إلى تعذيب الأم، وتحملها مشقة الألم لبكائه، وفي رواية \" مخافة أن تفتتن \" أي تشغل عن الصلاة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية التخفيف للإمام مطلقًا، لأنه\nلا يخلو الحال من وجود مَنْ لا يقدر على التطويل كأم مرضع وطفلها، فإنّها إن بكى قطعت الصلاة، أو تركته فتأذّى. ثانيًا: أن الإمام إذا شعر في أثناء الصلاة بحدوث مشقة للمأمومين ينبغي له التخفيف فيها. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فأتجوّز كراهية أن أشق على أمّهِ \".\n٢٨٣ - \" باب تسوية الصفوف عند الِإقامة وبعدها \"\n٣٣١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لتسوُّن صفوفكم \"","vol":"2","page":149},{"text":"قَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: \" لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكمْ، أو ليخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وَجوهِكمْ \".\nــ\nالواو واو قسم محذوف تقديره: والله لتسوُّن صفوفكم، أي تجعلونها معتدلة متساوية في الصلاة مع ملء الفجوات في الصفوف، الأوّل فالأوّل، قال الزرقاني: والتسوية هي اعتدال القامة على سمت واحد، أي على خط مستقيم واحد، وسد الخلل، وفي الحديث عن النعمان بن بشير ﵄ قال: أقبل النبي - ﷺ - على الناس بوجهه فقال: \" أقيموا صفوفكم ثلاثًا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله في قلوبكم \" أخرجه أبو داود، وهو معنى قوله - ﷺ - في حديث الباب: \" أو ليخالفن الله بين وجوهكم \" (١) أي فإن لم تسووا صفوفكم في الصلاة أنزل الله الكراهية والبغضاء في قلوبكم، فتتنكر وجوهكم بعضها لبعض. قال القاري: وهو كناية عن المهاجرة والمعاداة.\nوقيل: هو على حقيقته، والمراد به تشويه الوجه. والمطابقة: في قوله: \" لتسوُّن صفوفكم \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية تسوية الصفوف، وعناية الإمام بذلك، والتسوية سنة عند مالك والشافعي، واجبة عند أبي حنيفة، فرض عند ابن حزم، واستدل على ذلك بقوله - ﷺ - في روايةٍ: \" فإنّ تسوية الصف من إقامة الصلاة \" وإقامتها فريضة، وكل شيء من الفرض فهو فرض، إلّا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة، حيث رواها بعضهم بلفظ \" فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة \" ويؤخذ منها الاستحباب كما قال ابن دقيق العيد، لأن تمام الشيء عرفًا أمر خارج عن حقيقته. ثانيًا: التحذير من الصلاة في الصف الأعوج، والوعيد الشديد على ذلك بالمسخ وتشويه الوجه، وهذا\n_________\n(١) لأن معناه: إما أن تسووا صفوفكم، أو يغير الله قلوب بعضكم على بعض بالعداوة والبغضاء، فتتنكر وجوهكم لبعضها، والله أعلم.","vol":"2","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>٢٨٤ - \" بَابُ إِقبَالِ الإمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تسْوِيَة الصُّفُوفِ </span>\"\n٣٣٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nأقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بوَجْهِهِ فَقَالَ: \" أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أراكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي \".\nــ\nيؤيد الظاهرية فيما ذهبوا إليه. الحديث: أخرجه الستة.\n٢٨٤ - \" باب إقبال الإِمام على الناس عند تسوية الصفوف \"\n٣٣٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم \" أي عدّلوها تعديلًا كاملًا \" وتراصّوا \"، أي تلاصقوا، لأن التراص إنما يكون باتصال المصلين، وشدة محاذاتهم كما في رواية أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: \" سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل، فإنّ الشيطان يدخل بينكم \"، وفي رواية أنس أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \" رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده أني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف \" بفتح الحاء أي صغار الغنم \" فأني أراكم من وراء ظهري \" أي أشاهد أفعالكم.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية إقبال الإمام على المصلين قبل تكبيرة الإِحرام، وأمرهم بتسوية الصفوف، والإشراف عليهم. ثانيًا: مشروعية تسوية الصفوف، وهي سنة عند الجمهور، واجبة عند الظاهرية لأمره - ﷺ - بها، والأصل في الأمر الوجوب، ولقوله - ﷺ -: \" أو ليخالفن الله بين وجوهكم \" وهذا الوعيد لا يترتب إلاّ على ترك واجب. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - \".","vol":"2","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>٢٨٥ - \" بَابٌ إِذَا كَانَ بَيْنَ الإمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِط أو سُتْرَة </span>\"\n٣٣٣ - عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في حُجرَتِهِ وجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِير فَرَأى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ أنَاس يُصَلّونَ بِصَلَاتِهِ فَأصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بذلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فقامَ مَعَهُ أنَاس يُصَلّونَ بِصَلَاِتهِ صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أو ثَلَاثًَا، حتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فلم يَخْرُجْ، فَلَمَّا أصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: \" إِنِّي خَشِيتُ أنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلَ \".\nــ\n٢٨٥ - \" باب إذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة \"\n٣٣٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان رسول الله - ﷺ - يصلي من الليل في حجرته \" أي في حجرة عائشة كما أفاده الطحاوي، أو في حجرة من حصير بالمسجد \" فرأى الناسُ شخص النبي - ﷺ - فقام أناس يصلِّون بصلاته \" أي يأتمون به في تلك الصلاة، وهم خارج الحجرة، بينه وبينهم حائل \" فأصبحوا فتحدثوا بذلك \" أي فأخبر الحاضرون في تلك الليلة الغائبين فيها فتسامع الناس فبدؤوا يتكاثرون \" فقام ليلة الثانية، فقام معه أناس \"، أي فصلى معه جماعة من الناس أكثر من الليلة الماضية \" صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا \" أي صلُّوا معه ليلتين أو ثلاث ليالٍ \" حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله - ﷺ - في بيته، فلم يخرج \" إليهم، ولم يصل بهم، \" فلما أصبح ذكر ذلك الناس \"، أي سألوه عن سبب انقطاعه عن الصلاة في تلك الحجرة \" فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل \" أي إني خفت أن تواظبوا عليها فتفرض عليكم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.","vol":"2","page":152},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-315> أبْوَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-314>٢٨٦ - \"بَابُ رَفْعِ اليَدَيْنِ في التَّكْبِيرَةِ الأوْلَى مع الافْتِتَاحِ سَوَاءً </span>\"\n٣٣٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عمر ﵄:\n\"أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يْرفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصلَاةَ،\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يجوز الاقتداء بإمام يحول دونه حاجز من جدار أو سترة، وتصح صلاة المأمومين المقتدين به، وبه قال أبو هريرة وابن سيرين وعروة، ومالك حيث قال: لا بأس أن يصلي المأموم وبينه وبين الإِمام نهر صغير، والذي عليه الفتوى عند الحنفية أنّه لا مانع من الاقتداء ما دام يعلم انتقالات الإِمام ولو بمجرد سماع صوت المبلغ. وقالت الشافعية: يجوز ذلك إذا كان في المسجد، وسمع التكبير أما في خارجه، فإنّ اتصلت الصفوف أو انقطعت دون حائل، جاز، وإلّا فلا يجوز. ثانيًا: جواز الاقتداء بمن لم ينو الإِمامة، وهو مذهب الجمهور. والمطابقة: في كونهم صلّوا مع النبي - ﷺ - من وراء جدار.\n\n\" أبواب صفة الصلاة \"\n٢٨٦ - \"باب رفع اليدين عند التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء \"\n٣٣٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه \" تثنية منكب بكسر الكاف، وهو مجمع عظم الكتف والعضد \" إذا افتتح الصلاة \" أي كان النبي - ﷺ - إذا","vol":"2","page":153},{"text":"وِإذَا كَبَّرَ للرُّكُوعِ، وِإذَا رَفَعَ رَأسَهُ من الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أيضًا، وقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَنّاَ ولَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لا يَفْعَل ذلكَ في السُّجُودِ\".\nــ\nافتتح الصلاة يرفع يديه عند تكبيرة الإِحرام حتى تصيرا مقابل منكبيه، محاذيين لهما تمامًا \" وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد \" أي وكذلك كان - ﷺ - يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع من الركوع قائلًا سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ويحتمل هذا اللفظ أنه - ﷺ - كان يجمع بين التسميع والتحميد في جميع الأحوال، سواء كان إمامًا أو منفردًا، أو مأمومًا، ويحتمل أنه كان يأتي بالتسميع إذا كان إمامًا، أو منفردًا، وبالتحميد إذا كان مأمومًا. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يسن رفع اليدين عند تكبيرة الإِحرام لقول ابن عمر ﵄ \" إن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة \"، ولا خلاف في مشروعية ذلك عند أهل العلم، وهو فرض عند ابن حزم لا تجزىء الصلاة إلاّ به، وروي ذلك عن الأوزاعي والحميدي، كما أفاده ابن عبد البر، والجمهور على أنه سنة، وادعى ابن المنذر والنووي في \" شرح المهذب \": الإِجماع على سنيته ولكنه لم يتحقق. ثانيًا: أنه يسن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه لقول ابن عمر ﵄: \" وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوعٍ رفعهما كذلك أيضًا \" وهو مذهب الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة ومالك فيما رواه عنه ابن القاسم أنه قال بعدم الرفع فيهما، لحديث البراء ﵁ \" أنه - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة يرفع يديه إلى قريب. من أذنيه ثم لا يعود \" أخرجه أبو داود. ولكن هذا الحديث ضعفه البخاري وأحمد، وقال ابن عبد الحكم:","vol":"2","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>٢٨٧ - \" بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى في الصَّلَاةِ </span>\"\n٣٣٥ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ بأن يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى على ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى في الصَّلَاةِ \".\nــ\nلم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما (١) إلاّ ابن القاسم، والذى نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" إن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة \".\n٢٨٧ - \" باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة \"\n٣٣٥ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: \" كان الناس يؤمرون \" أي كان النبي - ﷺ - يأمر أصحابه ﵃ \" أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة \" ومعناه أنه - ﷺ - كان يأمرهم بالقبض أثناء القيام في الصلاة، وذلك بأن يضع الرجل باطن يده اليمنى على ظهر ذراعه اليسرى، ويقبض رسغها وبعض ساعدها باليمنى.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية القبض أثناء القيام في الصلاة، وهو سنة عند الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وحكاه ابن المنذر عن مالك عملًا بحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة، حتى قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي - ﷺ - خلافه، وهو ما ذكره مالك في \" الموطأ \"، وروى سحنون في \" المدونة \" عن ابن وهب عن سفيان الثوري وعن غير واحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنهم رأوا رسول الله - ﷺ - واضعًا يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة. ولكن رواية السدل كما قال ابن عبد\n_________\n(١) أي عند. الركوع والرفع منه.","vol":"2","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>٢٨٨ - \" بَابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ </span>\"\n٣٣٦ - عن أنسِ ﵁:\nْ \" أن النَّبِيَّ - ﷺ - وأبا بَكْرٍ وعُمَرَ ﵄ كَانُوا يفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ \".\nــ\nالبر هي رواية ابن القاسم، والرواية المشهورة التي عليها العمل عند المالكية، لأنّها رواية \" المدونة \" وعليها العمل والفتوى عندهم، لأنها متأخرة عن رواية \"الموطأ \"، وقد قال مالك في \" المدونة \" عن القبض: لا أعرفه: واحتج القائلون بالسدل بحديث أو حميد الساعدي الذي وصف فيه صلاة رسول الله - ﷺ - فلم يذكر القبض، وقد قال ﵁ \" أنا أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ - \". ولكن ليس في ذلك نص صريح على السدل، والأرجح هو القبض - لحديث الباب. ثانيًا: أن المصلّي مخير في أن يضعٍ يده تحت السرة أو فوقها، لأنّ النبي - ﷺ - لم يحدد في هذا الحديث موضعًا، وبهذا قال ابن حبيب وأحمد في رواية (١)، وقال أحمد في الرواية المشهورة يضعهما تحت السرة (٢)، وقال الشافعي: فوق السرة (٣). الحديث: أخرجه أيضًا مالك.\nوالمطابقة: في كونهم كانوا يؤمرون بوضع اليد اليمنى على ذراع اليسرى في الصلاة.\n٢٨٨ - \" باب ما يقول بعد التكبير \"\n٣٣٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أنّ النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر ﵄ كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين \" أي يبدؤون الفاتحة في صلاتهم بقولهم: الحمد لله رب العالين دون\nــ\n(١) \" شرح الباجي على \" الموطأ \" و\" المغني \" لابن قدامة.\n(٢) وهو مذهب أبي حنيفة.\n(٣) وجاء في سنن أبي داود وابن خزيمة: على الصدر، وربما كان أقواها، الأمر واسع. (ع).","vol":"2","page":156},{"text":"أي لفظ آخر من بسملة أو غيرها.\nويستفاد منه: أنه لا يقرأ البسملة في الصلاة المكتوبة جهرًا أو سرًا وهو مشهور مذهب مالك لهذا الحديث، ولما روي عن أنس ﵁ أنه قال: \" قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة \" أخرجه مالك في \" الموطأ \" ولو قرؤوها سرًا لأخبره أحد الصحابة بذلك، وهذا يدل كما قال الباجي على أنها ليست آية من القرآن، لأنهم تركوا قراءتها، فتركهم القراءة لها مع أنه لا تصح الصلاة إلاّ بقراءة أم القرآن دليل واضح على أن بسم الله الرحمن الرحيمٍ ليست منها، فتحصل من ذلك أنّها ليست آية من القرآن وأنها لا تقرأ سرًا وجهرًا (١). وذهب جماعة من السلف منهم عمر وابنه وابن الزبير وابن عباس وعلي وعمار إلى وجوب قراءة البسملة سرًا في السرية وجهرًا في الجهرية، وهو مذهب الشافعي وسعيد بن المسيب وإسحاق والليث، واحتجوا بحديث أم سلمة أنها سئلت عن قراءة رسول - ﷺ - فقالت: \" كان يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين) ... إلخ رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ أنه - ﷺ - \" كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم \" أخرجه الدارقطني، وذهب أحمد وأهل الحديث وأهل الرأي إلى استحباب (٢) قراءتها سرًا (٣) لما في الحديث، \" أن رسول الله - ﷺ - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم \". رواه ابن شاهين. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n...\n_________\n(١) ومن أهل المدينة من يقول لا بد فيها من بسم الله الرحمن الرحيم، كما قال ابن عبد البر في \" الكافي \". (ع).\n(٢) وهو مذهب أبي حنيفة في رواية، وفي رواية أخرى يجب قراءتها سرًا.\n(٣) قال ابن قدامة: ولا تختلف الرواية عن أحمد أنَّ الجهر بها غير مسنون.","vol":"2","page":157},{"text":"٣٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إسكَاتَةً فَقُلْتُ: بِأَبِي واُّمِّي يَا رَسُولَ اللهِ إسكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ والْقِرَاءَةِ ما تَقُولُ؟ قَالَ: أقُولُ: \" اللَّهُمَّ باعِدْ بَيني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ \".\nــ\n٣٣٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة \" قال الخطابي: معناه يسكت بينهما سكوتًا يقتضى كلامًا \" فقلت بأبي وأمي يا رسول الله \" أي أفديك بأعزّ الأشياء عندي وهما أبواي \" إسكاتك (١) بين التكبير والقراءة ما تقول؟ \" أي ماذا تقول في سكتتك هذه من ذكر أو دعاء \" قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب \" أي أسألك اللهم أن تجعل بيني وبين الذنوب والآثام من البعد كما بين المشرق والمغرب \" اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس \" أي طهرني منها كما يطهر الثوب الأبيض من الأقذار حين يغسل بالماء فيصبح ناصعًا نقيًا، قال الشوكاني: وهذا تعبير مجازي يراد منه محو الذنوب بالكلية. \" اللهم أغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد \" أي وأسألك أن تطهرني بجميع المطهرات من ثلج وبرد وماء، وهو مجاز معناه: اللهم وفقني لجميع الوسائل المؤدية إلى الغفران من ترك السيئات وفعل الحسنات، وكثرة الصدقات، والخشية وحسن الظن بالله، وأن يتغمدني الله برحمته.\nويستفاد منه: مشروعية دعاء الاستفتاح في الصلاة ما بين تكبيرة الإِحرام\n_________\n(١) بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما بعد أو بالنصب على نزع الخافض أي في إسكاتك.","vol":"2","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-318>٢٨٩ - \" بَابُ رَفْعِ الْبَصَرِ إلى السَّمَاءِ في الصَّلَاةِ </span>\"\n٣٣٨ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"مَا بَال أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أبصَارَهُمْ إلى السَّمَاءِ في\nــ\nوقراءة الفاتحة، وهو من سنن الصلاة عند أكثر أهل العلم، كما أفاده ابن قدامة خلافًا لمالك، ويكون الاستفتاح بالصيغة الذكورة، أو يقول: \" سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك \". كما رواه أبو سعيد الخدري وعائشة ﵄، وهو المختار عند أحمد وأبي حنيفة (١). أو بالتوجه بأن يقول: \" وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين \" كما رواه مسلم، وهو المختار عند الشافعية (٢) وقال أبو يوسف: يستحب أن يجمع بينهما (٣). وقال أحمد: ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما روي عن النبي - ﷺ - من الاستفتاح كان حسنًا، أو قال جائزًا، وكذا أكثر أهل العلم. اهـ. كما أفاده ابن قدامة في \" المغني \".\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي، حيث إنّه - ﷺ - كان يقرأ دعاء الاستفتاح ما بين الإِحرام وقراءة الفاتحة، والله أعلم \".\n٢٨٩ - \" باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة \"\n١٣٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - محذّرًا أمته من العبث في الصلاة ورفع البصر فيها إلى فوق \"ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء\n_________\n(١) \" الإِفصاح عن معاني الصحاح \" ج ١.\n(٢) \" شرح كفاية الأخيار \" للحصني الشافعي.\n(٣) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ١.","vol":"2","page":159},{"text":"صَلَاِتهِمْ\" فاشْتَدَّ قَوْلُهُ في ذَلِكَ حتَّى قَالَ: \" لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أو لتخْطَفَنَّ أبْصَارُهُمْ \".\nــ\nفي صلاتهم\" أي كيف يجرؤ بعض الرجال على العبث في الصلاة، فيرفعون فيها أبصارهم، وهو أمر ينافي السكينة والوقار والخشوع في الصلاة، فإن من خشع قلبه سكنت جوارحه، والعكس بالعكس، ولم يعين النبي - ﷺ - هؤلاء، لئلا يستفزهم فلا يستفيدوا من الموعظة، ولأن التلميح أبلغ من التصريح، \" فاشتد قوله في ذلك \" أي فبالغ النبي - ﷺ - في الإِنذار والوعيد \" حتى قال: ليَنتهُن \" بفتح الياء وضم الهاء على البناء للفاعل، أو بضم الياء والهاء على البناء للمفعول وهو جواب قسم محذوف، واللام فيه للتأكيد، كما أفاده العيني \" أو لتخطفن \" بضم التاء، كما أفاده القسطلاني \" أبصارهم \" أي حتى أن النبي - ﷺ - أقسم بالله تعالى على أنه إما أن ينتهي هؤلاء العابثون عن رفع أبصارهم في الصلاة، أو يخطف الله منهم أبصارهم، ويأخذها بسرعة وفجأة فلا يشعرون إلاّ وقد فقدوا حاسة البصر جزاءً لهم على استهانتهم بالصلاة. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" ما بال أقوام يرفعون أبصارهم \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: تحريم رفع البصر عمدًا في أثناء الصلاة لغير حاجة، لأن هذا الوعيد الذي يأخذ بالبصر لا يكون إلاّ على ارتكاب معصية، وذلك لأنه ينافي الخشوع في الصلاة، ولهذا قال ابن حزم: رفع البصر يفسد الصلاة، أما جمهور أهل العلم فإنّهم كرهوا ذلك، إلاّ أنه لا يفسد الصلاة عندهم. أما تغميض العين فقد كرهه الحنفيَّةُ، وقال مالك: لا بأس به، وقال النووي: المختار أنه لا يكره. ثانيًا: أن من آداب النصيحة في المجالس العامة عدم التعيين أو توجيه الخطاب المباشر لما فيه من الاستفزاز المؤدي إلى عدم قبول النصيحة وإنما يتكلم عن الموضوع بصفة عامة كما فعل النبي","vol":"2","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>٢٩٠ - \" بَابُ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ </span>\"\n٣٣٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nسَألتُ، رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ - فَقَالَ: \" هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطَانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ \".\nــ\n- ﷺ - فهو أنجح وأجدى\n٢٩٠ - \" باب الالتفات في الصلاة \"\n٣٣٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة \"، أي سألته هل يضر الالتفات في الصلاة - وهل له أثر سيء على فاعله؟ \" فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان \"، أي هو اختطاف يختطفه الشيطان من صلاة الإنسان، فإذا التفت يمينًا وشمالًا تمكن الشيطان من السيطرة عليه، ووجد منه ثغرة مفتوحة يدخل منها إلى نفسه، فيوسوس له حتى يشغله، فيسهو في صلاته، ويخطىء في قراءته، ويذهب بخضوعه، أو يضعفه فيقل أجره وثوابه. وإنما سمّي \" اختلاسًا \" لأنه يؤدي إلى انتقاص الشيطان من ثواب المصلي وأجره.\nالحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: قي قوله: \" هو اختلاس يختلسه الشيطان ... إلخ \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الالتفات في الصلاة لغير عذر شرعي يضر بالمصلي، وينقص من ثوابه، ولهذا أسماه النبي - ﷺ - \" اختلاسًا \" أي انتقاصًا ينتقصه الشيطان من ثواب الصلاة تبعًا لنقصان الخشوع أو انعدامه فيها. ثانيًا: استدل به الظاهرية، وبعض الشافعية على تحريم الالتفات في الصلاة (١) لأنه اختلاس شيطاني كما سمّاه النبي - ﷺ -، ولما جاء في حديث\n_________\n(١) وذهب بعض الشافعية إلى أنه يقطع الصلاة، وقال القفال: الالتفات الكثير يبطلها، كما أفاده العيني.","vol":"2","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>٢٩١ - \" بَابُ وُجُوبِ القِرَاءَةِ للإِمَامِ وَالْمَأمُومِ في الصَّلَواتِ كُلِّهَا </span>\"\n٣٤٠ - عنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵄ قَالَ:\nشَكَا أهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ﵁ فَعَزَلَهُ، واسْتَعْمَلَ عَلَيهِمْ عَمَّارًا، فشكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أنَّهُ لا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فأرْسَلَ إليْهِ فقَالَ: يا أبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاءِ يَزْعُمُونَ أنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ:\nــ\nأنس عن النبي - ﷺ - أنه قال له: \" يا بني إيّاك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان ولا بد ففي التطوع \" أخرجه الترمذي، والهلكة لا تكون إلاّ بارتكاب محرم، وقال الجمهور: هو مكروه كراهة تنزيهيةً، أي إنه خلاف الأولى، لأنّه إنما يؤثر في الخشوع، والخشوع ليس من أركان الصلاة، ولأنه سماه النبي - ﷺ - اختلاسًا، والاختلاس ما يؤخذ من المرء دون إرادته، فكيف يكون حرامًا. أما قوله: \" فإن الالتفات هلكة \" فمعناه أن الالتفات ينقص من ثواب الصلاة، كما أفاده الشوكاني، ولو كان حرامًا لما قال له: فإن كان ولابد ففي النافلة، لأن ما يحرم في الفرض يحرم في النفل، والله أعلم.\n٢٩١ - \" باب وجوب القراءة للإِمام والمأموم في الصلوات كلها \"\n٣٤٠ - ترجمة الراوي: هو جابر بن سمرة العامري ابن أخت سعد ابن أبي وقاص صحابي ابن صحابي، سكن الكوفة وتوفي بها سنة ٧٢ هـ روى مائة وستِة وأربعين حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بستة وعشرين حديثًا.\nمعنى الحديث: يقول جابر بن سمرة ﵄: \"شكا أهل الكوفة","vol":"2","page":162},{"text":"أمَّا أنا وَاللهِ فَإِنِّي كُنْتُ اُّصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ في الاُّولَيَيْنِ، واُّخِفُّ في الأخْرَيَيْنِ قَال: ذَاكَ الظنُّ بِكَ يا أَبَا إِسْحَاقَ، فأرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا، أَوْ رِجَالًا إلى الْكُوفَةِ فَسَأَل\nــ\nسعدًا\" أي شكوا سعد بن أبي وقاص عندما كان أميرًا على الكوفة إلى عمر ﵁، ووجهوا إليه بعض التهم الباطلة، \" فعزله \" عمر لتهدئة النفوس وإطفاء نار الفتنة، مع ثقته فيه، حيث قال: لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وروي أن سعدًا هو الذي طلب إعفاءه فقال لعمر: أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة \" حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي \" وذلك لسوء فهمهم، وجهلهم بكيفية الصلاة، حيث ظنوا مشروعية التسوية بين الركعتين الأوْليين والأخريين في القيام والقراءة، وقاسوا هاتين على هاتين لجهلهم بالمائة الثابتة عن النبي - ﷺ - حيث كان يطول في الأُوْليين، ويخفف في الأخريين، فلم يعرفوا ذلك لأنّهم أعراب جهلة لا يفقهون شيئًا \" فقال: يا أبا إسحاق، إنّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أمّا أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - \" أي وأمّا هم فإنهم قالوا ما قالوا عن جهل وسوء فهم، وأما أنا فإني كنت أصلي بهم مثل صلاة النبي - ﷺ - \" ما أخرم (١) منها \"، أي لا أنقص منها شيئًا \" أصلي صلاة العشاء فأركد \" بضم الكاف أي أطيل \" في الأوْليين وَأخف \" بضم الهمزة وكسر الخاء \" في الأخريين \"، أي وأخفف القراءة في الركعتين الأخريين، فأقتصر فيها على الفاتحة \" قال \" له عمر ﵁: \" ذاك الظن بك يا أبا إسحاق \" أي لقد أصبت السنة فيما فعلت، وصليت مثل صلاة النبي - ﷺ -، وحققت ما نظنه فيك من الفقه في الدين، والعمل بسنة سيد المرسلين، \" فأرسل معه \" إلى\n_________\n(١) بفتح الهمزة وسكون الخاء وكسر الراء، كما أفاده القسطلاني.","vol":"2","page":163},{"text":"عَنْهُ أهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إلاّ سَأل عَنْهُ، وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِى عَبْسٍ، فَقَامَ رَبُي مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أسَامَةُ بْنُ قتَادَةَ، يُكَنَّى أبا سَعْدَةَ قَالَ: أمَا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا كانَ لا يَسِيرُ بالسَّرِيَّة، وَلَا يَقْسِمُ بالسَّوِية، وَلَا يَعْدِلُ في القَضِيَّةِ مَال سَعْدٌ: أمَا وَاللهِ لأدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ عَبْدُكَ هذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فأطِلْ عُمْرَهُ، وَأطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِير مَفْتُونٌ أصابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأنَا رأيتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيِهِ مِنَ الْكِبَرِ، وِإنَّهُ لَيتَعَرَّضُ للْجَواِري في الطرَّيقِ يُغْمِزُهُنَّ.\nــ\nالعراق \" رجلًا أو رجالًا \"، أي أرسل لجنة يرأسها محمد بن مسلمة للتحقيق في قضيته \" فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلاّ سأل عنه \" أي فسأل محمد بن مسلمة عن سيرة سعد في جميع مساجد الكوفة \" ويثنون عليه معروفًا \" أي وجميعهم يثنون عليه ويزكونه \" حتى دخل مسجدًا لبني عبس \" وهي قبيلة من قيس \" فقام رجل فقال: أما إذ نشدتنا \"، أي أما غيرنا فإنه عندما سألته عن سعد أثنى عليه، وأما نحن إذ سألتنا عنه فإنا نقول \" إن سعدًا لا يسير بالسرية \"، أي لا يخرج للغزو في سبيل الله \" ولا يقسم بالسوية \" أي ولا يعدل في قسمته، \" ولا يعدل في القضية \" أي ولا يعدل في الحكم بين الناس، \" فقال سعد اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة فأطل عمره \" في سقم وضعف وقبح صورة \" وأطل فقره \"، أي سلط عليه الفقر، وكثرة العيال، لأنه جهد البلاء \" وعرضه بالفتن \" بالنساء فلا يراهن إلّا ويغازلهن أمام الناس. \" قال الراوي \": وهو عبد الملك بن عمير\" فأنا رأيته \" في شيخوخته \" وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزهن \" أي","vol":"2","page":164},{"text":"يلمس أجسامهن، ويعصر أعضاءهن بأصابعه، ويغازلهن أمام الناس، كما في رواية أخرى عن عبد الملك بن عمير قال: رأيته يتعرض للإِماء في السكك أمام المارة، ويغازلهن، فإذا سألوه أي إذا لاموا عليه قال: كبير فقير مفتون ..، وهكذا أصابته دعوة سعد. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nوالمطابقة في قوله: \" كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ - \"، قال العيني: ولا نزاع في قراءة النبي - ﷺ - في صلاته دائمًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه تجب القراءة في كل ركعة من الصلاة، وهو ما ترجم له البخاري في قوله: \" باب وجوب القراءة في الصلوات كلها \" لأنّ سعدًا كان يقرأ في صلاته كلها، ويقول: كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ -، أي كنت أقرأ في الصلاة كما كان يقرأ النبي - ﷺ -. ثانيًا: أنه يسن التطويل في الركعتين الأوليين بقراءة الفاتحة والسورة، والتخفيف في الركعتين الأخريين بالاقتصار على قراءة الفاتحة فقط، لأن سعدًا ﵁ كان يطيل في الأُوْليين، ويخفف في الأُخْريين، ويقول: كنت أصلي بهم صلاة رسول الله - ﷺ -. قال ابن قدامة: ولا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنه يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة. اهـ.\nوهذا يقتضي أن تكون الركعتان الأوليان أطول من الأخريين لزيادة القراءة فيهما. أما بالنسبة إلى الأولى والثانية، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يسوى بينهما إلا في الفجر، فيطيل الأولى عن الثانية وعند الشافعية قولان أشهرهما التسوية بينهما، كما نقله العيني عن \" شرح المهذب \"، وكره الجمهور إطالة الثانية على الأولى خلافًا لمالك حيث قال: لا بأس بذلك، وذهب الحنابلة إلى استحباب تطويل الأولى عن الثانية وهو مشهور مذهب المالكية وقول لبعض الشافعية، كما أفاده العيني.\n***","vol":"2","page":165},{"text":"٣٤١ - \" عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ \".\nــ\n٣٤١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \" يحتمل أن يكون هذا النفي موجهًا إلى صحة الصلاة، أو إلى كمال الصلاة، وعلى الأوّل فمعناه: أن من لم يقرأ بالفاتحة لا تصح صلاته، بل تكون باطلة، وعلى الثاني معناه: أن من لم يقرأها تصح صلاته، ولكنها تكون ناقصة غير كاملة، والأول أظهر، لأنّه إذا لم يمكن نفي الصلاة لوجود صورتها، تعين نفي أقرب الأشياء إلى ذاتها وهو الصحة، لأن الوجود الشرعي يتوقف عليها. فيكون المعنى أن الصلاة بغير فاتحة ليس لها وجود شرعي، ولذلك فإنها لا تصح، وإنما تكون باطلة غير مقبولة عند الله تعالى.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الفاتحة ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية حيث قالوا: الفاتحة واجبة والواجب عندهم ليس فرضًا، وإنما هو بين الفرض والنفل، وليست ركنًا، لأن الركن لا يثبت إلاّ بدليل قطعي من آية محكمة، أو سنة متواترة، ولا شيء من ذلك.\nفالركن مطلق القراءة لقوله تعالى: (فاقرءوا ما تيسر منه) وقوله - ﷺ - للمسيء صلاته: \" إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن \" ولم يعين الفاتحة. واستدل الجمهور بحديث الباب، لأن النبي - ﷺ - نفى كل صلاة لا يقرأ فيها بالفاتحة، وهو يقتضي نفي وجودها وصحتها شرعًا، كما يؤكد ذلك حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \" لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب \" أخرجه ابن خزيمة وأما الآية المذكورة فهي في قيام الليل، وأما حديث المسيء فهو مجمل بينته الأحاديث الصريحة، وقد جاء في إحدى رواياته أنه - ﷺ - قال للمسيء: \" ثم اقرأ بأم القرآن ... \" أخرجه","vol":"2","page":166},{"text":"أحمد، والمجمل يحمل (١) على المبين. ثانيًا: استدل به بعض أهل العلم على مشروعية قراءة الفاتحة للمأمومَ في السرية والجهرية لدخوله في عموم قوله - ﷺ -: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \" وهو مذهب البخاري والشافعي في الجديد أن القراءة تجب على المأموم حتى فيما جهر فيه الإِمام. وكره بعض الحنفية قراءتها للمأموم سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة \" أخرجه الدارقطني. وقالت المالكية: لا تلزم الفاتحة مأمومًا، فالإِمام يحملها عنه، كما نص عليه ابن عرفة والخطاب (٢)، وكره مالك قراءة الفاتحة فيما يجهر فيه الإِمام -كما في \" الإِفصاح \" (٣) - ويقرأها في السرية كما قال ابن القاسم. وقالت الحنابلة: قراءة الإِمام قراءة له إلاّ أنه يستحب له أن يقرأ في السرية في سكتات الإِمام، كما أفاده ابن قدامة في \" عمدة الفقه \" (٤).\nثالثًا: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة فرضًا كانت أو نفلًا، وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي -وأحمد في رواية- وعنه في رواية أخرى أنها لا تجب الفاتحة إلاّ في ركعتين من الصلاة، كما أفاده ابن قدامة (٥) في \" المغني \"، ونحوه عن النخعي والثوري وأبي حنيفة. والأرجح قراءتها في كل ركعة لحديث جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" من صلى ركعة فلم يقرأ فيها لم يصل إلاّ خلف إمام \". وعن أبي سعيد ﵁ قال: \" أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة \". فإن نسيها في ركعة فسدت صلاته عند الشافعية والحنابلة. وقال مالك فيما رواه عنه ابن القاسم: إنه إن كانت الصلاة ثنائية فسدت، وإن كانت رباعية فروي\n_________\n(١) كما هو معروف في أصول الفقه وقواعد التشريع الإِسلامي.\n(٢) \" فتح الجليل شرح مختصر خليل \".\n(٣) \" الإِفصاح عن معاني الصحاح \" لابن هبيرة ج ١.\n(٤) \" عمدة الفقه \" لابن قدامة.\n(٥) \" المغني \" لابن قدامة.","vol":"2","page":167},{"text":"٣٤٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ - ﷺ - فَرَدَّ وقَالَ: \" ارْجِعْ فَصَل فَإنكَ لمْ تُصلِّ \"فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ على النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \" ارْجِعْ فَصَل فإِنَّكَ لم تُصَلِّ \"، ثَلاثًا فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: \" إِذَا قُمْتَ إلى الصَّلَاةِ فَكَبِّر ثُمَّ اقْرَأ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًَا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًَا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وافْعَلْ ذَلِكَ في صلاِتكَ كُلِّهَا\".\nــ\nعنه ثلاث روايات الأولى: أنها لا تجزئه ويعيد الصلاة، والثانية: أنه يسجد للسهو فقط، والثالثة: أنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في كونه يدل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في الصلوات (١) كلها.\n٣٤٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد فدخل رجلًا وهو خلاد بن رافع \" فصلى \" متعجلًا صلاته ولم يطمئن في قيامه وركوعه وسجوده \" فسلم على النبي - ﷺ - فرد \" أي فرد النبي - ﷺ - ﵇ \" وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل \" أي فأمره النبي - ﷺ - بإعادة تلك الصلاة، لأنّها بطلت بسبب ترك الطمأنينة فيها \" فرجع يصلي كما صلى \" أي فعاد فصلى من دون طمأنينة كما فعل في صلاته\n_________\n(١) كما قال الكرماني وقال العيني: المطابقة غير ظاهرة لأن الترجمة أعم من أن تكون القراءة بالفاتحة أو بغيرها، والحديث يعين الفاتحة. اهـ.","vol":"2","page":168},{"text":"الأولى. \" ثم جاء فسلم على النبي - ﷺ - فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثًا \" أي فأمره - ﷺ - بالإعادة ثلاث مرات \" فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني \" أي لا أعرف صلاة أحسن مما رأيت \" فعلمني \"، أي فإن كانت هذه الصلاة باطلة فعلمني كيف تكون الصلاة الصحيحة \" فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن \" وهي الفاتحة، أي ثم اقرأ بفاتحة الكتاب لما في رواية أحمد أنه قال له: \" ثم اقرأ بأم القرآن \" \" ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا \" أي ثم حافظ على الاعتدال في القيام والطمأنينة في الركوع والسجود. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: وجوب القراءة للإمام والمأموم كما ترجم له البخاري لعموم قوله - ﷺ -: \" إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن \". ثانيًا: أن الطمأنينة ركن تبطل الصلاة بتركها، لأن النبي - ﷺ - أمره بإعادة الصلاة التي لم يطمئن فيها، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال بوجوبها، ولا تبطل الصلاة بتركها. ثالثًا: مشروعية الاعتدال في الصلاة، وهو فرض عند الشافعي وأحمد (١) وسنة عند أبي حنيفة، وأما مالك فلم ينقل عنه نص في ذلك -كما قال ابن رشد (٢) - واختلف أصحابه: هل ظاهر مذهبه يقتضي أنه سنة أو واجب. والمطابقة: في قوله: \" ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن \".\n...\n_________\n(١) \" الافصاح \" ج ١.\n(٢) \" بداية المجتهد \" ج ١.","vol":"2","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-321>٢٩٢ - \" بَابُ الْقِرَاءَةِ في الظُّهْرِ </span>\"\n٣٤٣ - عَن أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرأ في الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ في الأوْلَى، وَيُقَصِّرُ في الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَان يَقْرَأ في الْعَصْرِ بفِاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأوْلَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحَ، وَيُقَصِّر في الثَّانِيَةِ \".\nــ\n٢٩٢ - \" باب القراءة في الظهر \"\n٣٤٣ - معنى الحديث: يقول أبو قتادة ﵁: \" كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين \" أي يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالفاتحة والسورة \" يطول في الأولى \" أي يطول في الركعة الأولى بزيادة القراءة فيها عن الثانية، فيجعل الثانية أقصر من الأولى، \" ويسمع الآية أحيانًا \" أي وإنما كنا نعرف أنه يقرأ في الظهر مع أنها سرية، لأنه كان يسمعنا الآية أحيانًا، حيث يرفع صوته في أثناء القراءة فيها، فنعرف أنه قرأ \" وكان يقرأ في العصر \" أي في الركعتين الأوليين من العصر \" بفاتحة الكتاب وسورتين وكان يطول في الأولى \" أي وكان يقرأ في العصر كما يقرأ في الظهر، ويطول في الركعة الأوْلى كما يطول في الظهر. \" وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح \" كما يفعل في الظهر والعصر.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية القراءة في الظهر والعصر كمشروعيتها في الصلوات الليلية، ولا خلافِ في ذلك عند أهل العلم إلاّ ما","vol":"2","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>٢٩٢ م - \" بَابُ القِرَاءَةَ فِي العَصْرِ</span>. \"\n٣٤٤ - عن أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأرْتِّ ﵁:\n\" أكانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرأ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: قُلْتُ: بأيّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتِهِ، قَالَ: باضْطِرَابِ لِحْيَتهِ \".\nــ\nحكي عن ابن عباس ﵄ وإبراهيم بن علية أنه لا قراءة فيهما.\nثانيًا: أنه يسن الإِسرار بالقراءة في الصلوات النهارية فإن جهر لم تبطلَ صلاته عند أكثر أهل العلم، وقال الحنفية: الإِسرار واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، وهو قول بعض أصحاب مالك، فإن تركه سهوًا سجد بعد السلام، وإن تركه عمدًا بطلت. ثالثًا: أنه يستحب تطويل القراءة في الركعة الأولى عن الثانية، وهو مشهور مذهب المالكية (١) والحنابلة (٢). والمطابقة: في قوله: \" كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر \". الحديث: أخرجه الخمسة أي عدا الترمذي.\n٢٩٢ م - \" باب القراءة في العصر \"\n٣٤٤ - معنى الحديث: يحدثنا راوي الحديث \" وهو أبو معمر عبد الله بن سخبرة -بفتح السين وسكون الخاء وفتح الباء الأزدي- أنه سأل خباب بن الأرت \" أكان النبي - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر؟ \" أي هل كان النبي - ﷺ - يقرأ في صلاتي الظهر والعصر كما يقرأ في المغرب والعشاء والصبح، أم أنه لا يقرأ فيها؟ وسبب سؤالهم هذا كما قال العيني \" أنهم كانوا يظنون أن لا قراءة فيهما لعدم الجهر بالقراءة فيهما، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عبيد الله \"قال: دخلت على ابن عباس في شباب من\n_________\n(١) \" شرح أبي الحسن على الرسالة \".\n(٢) \" المغني \" لابن قدامة.","vol":"2","page":171},{"text":"بني هاشم فقلنا لشاب: سل ابن عباس ﵄ أكان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر فقال لا ... إلخ\" أما خباب فأجاب بالإِيجاب حيث \" قال نعم \" أي نعم كان يقرأ في الظهر والعصر. \" قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ \" أنه كان يقرأ مع أن القراءة سرية \" قال باضطراب لحيته \" أي عرفنا أنّه كان يقرأ بتحرك لحيته في أثناء قيامة في الصلاة، وفي رواية \" لحييه \" بفتح اللام وسكون الحاء وفتح الياء الأولى وسكون الياء الثانية تثنية \" لحي \" بفتح اللام وسكون الحاء وهو منبت اللحية من الإنسان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به البخاري وغيره من أهل العلم وهم الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين على مشروعية القراءة في الظهر، ويؤكد ذلك ما جاء في حديث أبي قتادة السابق أنه - ﷺ - \" كان يقرأ فيهما ويسمعهم الآية أحيانًا \". ولهذا قالوا بمشروعية القراءة في الظهر والعصر، خلافًا لابن عباس ﵄ حيث يرى أنها غير مشروعة فيهما. ثانيًا: جواز رفع البصر إلى الإمام والنظر إليه في أثناء الصلاة، ومشروعيتها لأنهم لو لم يرفعوا أبصارهم إلى النبي - ﷺ - في أثناء صلاته - ﷺ - لما رأوا اضطراب لحيته، وهو مذهب مالك حيث قال: \" ينظر المأموم إلى إمامه، وليس عليه أن ينظر إلى موضع سجوده \" خلافًا للحنفية والشافعية.\nالحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون خباب ﵁ سئل هل كان النبي - ﷺ - يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم.\n***","vol":"2","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>٢٩٣ - \" بَابُ الْقِرَاءَةِ في الْمَغرَبِ </span>\"\n٣٤٥ - عَن ابْنِ عَبَّاس ﵄:\n\"أنَّ أمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرا (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) فقَالَتْ: يَا بُنَيَّ وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقَرَاءَتِكَ هَذِهِ السَّورَةَ إنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقْرأ بِهَا في المَغْرِبِ\".\n٣٤٦ - عَن مَرْوَان بْنِ الحَكَمِ قَالَ: قَالَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁:\nمَا لَكَ تَقْرأ فِي المَغْرِبِ بِقِصَار وَقَد سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقْرأُ في الْمَغْرِبِ بِطُولَى الطُّوْلَيَيْنِ \".\nــ\n٢٩٣ - \" باب القراءة في المغرب \"\n٣٤٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس رضي الله، عنهما \" أن أم الفضل بنت الحارث \" والدة ابن عباس ﵄ \" سمعته وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ \" أي سمعت ولدها يقرأ هذه السورة المذكورة، فتذكرت قراءة النبي - ﷺ - لها في صلاة المغرب، \" فقالت: يا بني والله لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة \" أي لقد ذكرتني عندما سمعتك تقرأ هذه السورة قراءة النبي - ﷺ - لها، \" أنها لآخر ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في المغرب \" أي إن هذه السورة هي آخر ما سمعت من قراءته - ﷺ - حيث سمعته يقرأ بها في المغرب. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها: \" إنها لآخر ما سمعت من رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في المغرب \".\n٣٤٦ - معنى الحديث: يقول زيد بن ثابت ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بطولى الطوليين \" أي سمعته - ﷺ - يقرأ في","vol":"2","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>٢٩٤ - \" بَابُ الجَّهْرِ في الْمَغرِبِ </span>\"\n٣٤٧ - عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِم ﵁ قَالَ:\n\" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقْرَأ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ \".\nــ\nصلاة المغرب بأطول السورتين اللتين هما أطول سور القرآن، وهي سورة البقرة، لأن أطول سور القرآن البقرة والنساء، وأطولهما البقرة. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" يقرأ بطولى الطوليين \".\nويستفاد من الحديثين. ما يأتي: أولًا: مشروعية القراءة في صلاة المغرب، لأنّ النبي - ﷺ - كان يقرأ فيها. كما دل عليه الحديث الأول والثاني. ثانيًا: جواز تطويل القراءة في المغرب أحيانًا، لأن النبي - ﷺ - قرأ فيها مرة بالمرسلات ومرة بالبقرة ليبين لأمته جواز ذلك، وإن كان المستحب فيها تخفيف القراءة، والاقتصار على قصار المفصل، وهو عند الجمهور من (الضحى) إلى (الناس) وعند الحنفية من (لم يكن) إلى (الناس). قال الترمذي: وكره مالك أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو (الطور) و(المرسلات)، ونفى الزرقاني كراهية التطويل في المغرب عن مالك، وقال: إنه قول غريب، والمعروف عند المالكيّة أنه لا كراهة فيه كما قال ابن عبد البر. ثالثًا: استدل به الحنفية على امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لأن قراءة البقرة في صلاة المغرب تقتضي ذلك.\n٢٩٤ - \" باب الجهر في المغرب \"\n٣٤٧ - معنى الحديث: يقول جبير بن مطعم ﵁:\n\" سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ المغرب (بالطور) \" الباء زائدة والمعنى","vol":"2","page":174},{"text":"سمعته يقرأ سورة الطور في صلاة المغرب. قال في \" المنهل العذب \" (١): وظاهره أنه - ﷺ - قرأ بعض السورة في الركعة الأولى، والبعض في الثانية، وأمّا رواية الزهري أنه قرأ ذلك في العتمة \" أي في العشاء \" فإنه من رواية ابن لهيعة، وهي ضعيفة، كما قال ابن عبد البر، ولا يحتج به إذا انفرد، ومحاولة صرف الحديث عن ظاهره تكلف لا داعي له ما دام أن التطويل جائز، والأمر واسع كما قال ابن قدامة. الحديث: أخرجه الخمسة غير النسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يسن الجهر بالقراءة في المغرب. وسائر الصلوات الليلية، لأنه - ﷺ - لو لم يجهر لما سمعه جبير ﵁، فإن تعمد الإِسرار فيها كان تاركًا للسنة، ولا تبطل صلاته عند أكثر أهل العلم، وعن بعض المالكية تبطل في العمد، ولا تبطل في الإِسرار سهوًا اتفاقًا، وعليه سجود السهو. ثانيًا: جواز التطويل بالقراءة في المغرب، أما الأحاديث الدالة على التخفيف فيها فإنها لبيان الاستحباب، وهذا لبيان الجواز، قال ابن المنير: تحمل الإطالة على الندرة، والتخفيف على العادة، تنبيهًا على الأولى، فالتخفيف فيها مستحب والتطويل جائز، وأما ما نسبه الترمذي إلى مالك من كراهية التطويل فهو قول غريب، والمعروف عند المالكيُة: أنه لا كراهة فيه كما نقله الزرقاني (٢) عن ابن عبد البر. والمطابقة: في قوله: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ في المغرب بالطور \".\n...\n_________\n(١) \" المنهل العذب على سنن أبي داود \" للشيخ محمود خطاب السبكي.\n(٢) \" شرح الزرقاني على الموطأ \" ج ١.","vol":"2","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>٢٩٥ - \" بَابُ الجَهْرِ في الْعِشَاءِ </span>\"\n٣٤٨ - عَنْ أبِي رَافِع قَالَ:\n\" صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فَسَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ. قَالَ: سَجَدْتُ خَلْفَ أبِي الْقَاسِمِ - ﷺ - فَلا أزَالُ أسْجُدُ بِهَا حَتَّى ألْقَاهُ \".\n٣٤٩ - عنِ الْبَرَاءِ ﵁:\n\"أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ في سَفَرٍ فقرَأ في الْعِشَاءِ في إحْدَى الرَّكْعَتيْنِ\nــ\n٢٩٥ - \" باب الجهر في العشاء \"\n٣٤٨ - معنى الحديث: يقول أبو رافع (١): \" صليت مع أبي هريرة العتمة \" أي صلاة العشاء، لأنّها تصلّى في وقت العتمة. أي في ظلمة الليل، قال ابن الأعرابي: وعتمة الليل ظلام أوّله عند سقوط نور الشفق \" فقرأ (إذا السماء انشقت) فسجد \" عند قوله تعالى: (وإذا قرأ عليهم القرآن لا يسجدون)، \" فقلت له: \" أي سألته عن حكمها، وفي رواية \" فقلت: ما هذه؟ \" \" فقال: سجدت خلف أبي القاسم - ﷺ - \" وفي رواية \" سجدت فيها خلف أبي القاسم \" أي في هذه السورة، وفي رواية \" صليت خلف أبي القاسم فسجد بها \" أخرجه ابن خزيمة \" فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه \" أي مدة حياتي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" سجدت خلف أبي القاسم - ﷺ - \". أي سجدت خلفه في صلاة العشاء، وهو يقرأ هذه السورة، فلو لم يجهر النبي - ﷺ -، لما عرف أبو هريرة أنّه سجد في هذه السورة أو غيرها.\n٣٤٩ - معنى الحديث: يحدثنا البراء ﵁: \"أن رسول الله\n_________\n(١) الصائغ، وهو من كبار التابعين. (ع).","vol":"2","page":176},{"text":"بـ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) \".\nــ\n- ﷺ - كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) \"، أي قرأ سورة التين في الركعة الأولى. قال الحافظ: إنما قرأ في العشاء بالتين، وهي من قصار السور، لأنه كان مسافرًا. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين \".\nلأنه لو لم يجهر لما عرف أي سورة قرأ.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: أنه يسن الجهر بالقراءة في صلاة العشاء، وكذلك سائر الصلوات الليلية، فإن القراءة فيها جهرية، لأنّ النبي - ﷺ - جهر في العشاء، ولو لم يجهر لما عرف أبو هريرة أن النبي - ﷺ - سجد في سورة الانشقاق، أو في غيرها لأنه لا يسمع قراءته إذا أسر، فكيف يعرف أنه - ﷺ - سجد في هذه السورة أو تلك، ولأن البراء ﵁ حدثنا في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين، فلو لم يجهر النبي - ﷺ - بالقراءة لما عرف البراء أيَّ سورة قرأ. فدل ذلك على أن الجهر بالقراءة في صلاة العشاء \" سنة وكذلك سائر الصلوات الليلية يسن الجهر فيها، وقال الحنفية كما أفاده في \" فيض الباري \" (١) الجهر فيها واجب، والواجب عندهم بين الفرض والنفل \". أما المسبوق فقد قال الإِمام أحمد: إن شاء جهر وإن شاء خافت - أي أسَرَّ كما أفاده ابن قدامة (٢).\nثانيًا: استحباب تخفيف القراءة في السفر، لأنه - ﷺ - قرأ في العشاء في أثناء سفره بقصار المفصل \" فيستحب القراءة به في السفر \" وهو عند الشافعية والحنابلة والمالكية من (من الضحى) إلى (الناس) وعند الحنفية من (لم يكن) إلى (الناس). وأما في غير السفر فيسن القراءة فيها بأوساط المفصل.\n_________\n(١) \" فيض الباري على صحيح البخاري \" للشيخ محمد أنور الكشميري ج ١.\n(٢) \" المغني \" لابن قدامة.","vol":"2","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>٢٩٦ - \" بَابُ الْقِرَاءَةِ في العِشَاءِ </span>\"\n٣٥٠ - عنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ - ﷺ -:\n\" سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) في الْعِشَاءِ، ومَا سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًَا مِنْهُ أوْ قِرَاءَةً \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>٢٩٧ - \" بَابُ الْقِرَاءَةِ الْفَجْرِ </span>\"\n٣٥٠ - عَن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nــ\nوهو عند المالكية من (عبس) إلى (الضحى). وعند الشافعية والحنابلة من (عم) إلى (الضحى)، وعند الحنفية من (البروج) إلى (لم يكن). ثالثًا: مشروعية سجود التلاوة في الانشقاق، وهو مذهب الشافعي.\n٢٩٦ - \" باب القراءة في العشاء \"\n٣٥٠ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: \" سمعت النبي - ﷺ - يقرأ (والتين والزيتون) في العشاء \" أي سمعته - ﷺ - يقرأ سورة التين في صلاة العشاء بصوت عذب وترتيل جميل، \" وما سمعت أحدًا أحسن منه صوتًا أو قراءة \"، أبي وما سمعت أجمل منه صوتًا، ولا أجود قراءة. الحديث: أخرجه الستة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية القراءة في العشاء كما ترجم له البخاري، لأن البراء سمع النبي - ﷺ - يقرأ فيها بهذه السورة. ثانيًا: استحباب ترتيل القرآن وتحسين الصوت به. والمطابقة: في قوله: \" سمعت النبي - ﷺ - يقرأ: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) في العشاء \".\n٢٩٧ - \" باب القراءة في الفجر \"\n٣٥١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \"في كل","vol":"2","page":178},{"text":"\" في كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرأُ، فَمَا أسْمَعَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أخْفَى عَنَّا أخْفَيْنَا عَنْكُمْ، إنْ لَمْ تَزِدْ على أُمِّ الْقُرآنِ أجْزاتْ وَإن زِدْتَ فَهُو خَيْر \".\nــ\nصلاة يقرأ\" بالبناء للمجهول أي تشرع القراءة في كل الصلوات، نهارية كانت أو ليليةً، فرضًاْ أو نفلًا، ويروى في كل صلاة يقرأ بالبناء للمعلوم، والضمير راجع إلى النبي - ﷺ -، والمعنى: أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في كل صلاة وتقتضي هذه الرواية أن الحديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - وهو الأنسب \" فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم \" أي أن النبي - ﷺ - قرأ في بعض الصلوات جهرًا وفي بعضها سرًا، فما قرأ فيه جهرًا وأسمعنا صوْتَهُ قرأنا فيه جهرًا وأسمعناكم صوتنا \" وما أخفى عنا أخفينا عنكم \" قال العيني: أي وما أسرَّ به أسررنا به. ثم قال: \" وإن تزد على أُمِّ القرآن أجزأت \" وهو متعلق بقوله: \" في كل صلاة يقرأ \"، أي إن القراءة في الصلاة وإن كانت كلها مشروعة، إلّا أن بعضها ركن لا بد منه وهو الفاتحة، وبعضها سنة لا تبطل الصلاة بتركه، وهو ما زاد عليها من سورة أو آيات، فإن لم تزد على قراءة الفاتحة واكتفيت بها كفتك، وصحت صلاتك. \" وإن زدت على أمِّ القرآن \" سورة أو آيات \" فهو خير \"، أي فهو سنة تثاب عليها، وفي رواية عن أبي هريرة: \" ومن زاد فهو أفضل \" رواه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية القراءة في صلاة الصبح لدخولها في عموم قوله - ﷺ -: \" في كل صلاة يُقْرأ \"، ولا خلاف في ذلك. ثانيًا: أن قراءة الفاتحة ركن تبطل الصلاة بتركه، وإن اكتفى بهما المصلّي ولم يقرأ سواها صحت صلاته وأجزأته. أما قراءة السورة أو الآيات بعد الفاتحة فهو سنة يثاب عليها، ولا تبطل الصلاة بتركها لقوله: (وإن زدت فهو خير)","vol":"2","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>٢٩٨ - \" بَابُ الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الفَجْرِ </span>\"\n٣٥٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nانْطَلَق النَّبِيُّ - ﷺ - في طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وقد حِيلَ بَيْنَ الشَيّاَطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاء، وأرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتْ الشَيّاَطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَال بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَّا شَيءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهِا، فانْظرٌوا\nــ\nأي شيء سنه رسول الله - ﷺ - بفعله ومواظبته عليه، وترغيب الناس فيه.\nثالثًا: أن الإِسرار بالقراءة في الصلاة السرية، والجهر بها في الصلاة الجهرية سنة ثابتة عن النبي - ﷺ - لقول أبو هريرة: \" فما أسمعنا رسول الله أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم \". والمطابقة: في قوله: \" في كل صلاة يقرأ \" حيث يدخل في ذلك صلاة الفجر ويشملها عمومه.\n٢٩٨ - \" باب الجهر بقراءة صلاة الفجر \"\n٣٥٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس - ﵄ \" انطلق النبي - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ \" أي ذهب النبي - ﷺ - مع جماعة من أصحابه إلى سوق عكاظ، لينتهز فرصة وجود القبائل فيه أثناء انعقاده، فيعرض عليهم الإِسلام \" وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء \" أي وكان خروجه - ﷺ - إلى سوق عكاظ بعد أن حُجِبَ الشياطين ومنعوا من استراق السمع، وسلط الله عليهم الشهب (١) تحرقهم، وتحول\n_________\n(١) والشهب جمع شهاب، وهو شعلة نازية تخرج من الكوكب متجهة نحو الشيطان فتحرقه وتحول بينه وبين ما يريد.","vol":"2","page":180},{"text":"مَا هَذَا الذي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فانْصَرَفَ أولئِكَ الذين تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ بِنَخْلَة عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بأصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا: هَذَا وَاللهِ الذي حالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجِعُوا إلى قَوْمهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) فأنزلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ -: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) وإنَّمَا أوْحِيَ إليْهِ قَوْلُ الجِنِّ.\nبينهم وبين الصعود إلى السماء، فلما رأوا ذلك \" قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء \" أي ما منعكم من الاستماع إلى حديث الملائكة، واختطاف الأخبار منهم إلا أمر جديد وحادث عظيم وقع في هذا العالم \" فأضربوا مشارق الأرض ومغاربها \" أي فسيروا في الأرض شرقًا وغربًا لاكتشاف سبب ذلك.\nوروي أن النجوم لما بدأت ترميهم بالشهب، ولم تكن تفعل ذلك من قبل ذكروا ذلك لِإبليس فقال لهم: ما هذا إلاّ من أمر قد حدث، فبعث جنوده في كل مكان من الأرض \" فانصرف أولئك \" الجن \" الذين توجهوا نحو تهامة \" وهي ما انخفض من أرض الحجاز \" إلى النبي - ﷺ - \" فوجدوه مصادفة \" بنخلة \" بين مكة والطائف على بعد ليلة من الطائف، أي على بعد عشرة أميال منها \" وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر \" أي وكان يصلي صلاة الفجر ويقرأ القرآن جهرًا فسمعه هؤلاء الجن \" فلما سعوا القرآن فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا \" أي فعند ذلك آمنوا، وذهبوا إلى قومهمٍ مبشرين بمحمد - ﷺ - وهم يقولون: يا قومنا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا، أي عجيبًا في ألفاظه غريبًا في معانيه، خارجًا عن مقدور البشر \" يهدي إلى الرشد \" أي إلى الدين الحق الخ \" وإنما الذي أوحى إليه \" في أول سورة","vol":"2","page":181},{"text":"٣٥٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" قَرَأ النَّبِيُّ - ﷺ - فِيمَا أمِرَ، وَسَكَتَ فيِمَا أمِرَ (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) \".\nــ\nالجن هو \" قول الجن \" أي هو إخباره عما قاله الجن عند استماعهم إلى قراءته - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فلما سمعوا القرآن \".\n٣٥٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" قرأ النبي - ﷺ - فيما أمر وسكت فيما أمر \" أي جهر النبي (١) - ﷺ - في الصلوات التي أمره الله بالجهر فيها، وهي الصلوات الليلية، وأسَرَّ في الصلوات التي أمره الله تعالى بالإسرار فيها، وهي الصلوات النهارية \" وما كان ربك نسيًا \" ولم يذكر الله ذلك في القرآن نسيانًا منه، فهو المنزه عن ذلك، ولكنه ترك بيان هذه الأحكام لنبيه - ﷺ - \" ولقد كان لكم في رسول الله أسوة \" فيجب عليكم اتباع سنته.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: استحباب الجهر في صلاة الصبح لجهر النبي - ﷺ - فيها ولو لم يجهر لما سمعه الجن. ثانيًا: أن الجهر في الصلوات الليلية، والإِسرار في النهارية سنة، لأنّ النبي - ﷺ - جهر في هذه وأسر في هذه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" قرأ فيما أمر، وسكَت فيما أمر \".\n...\n_________\n(١) لأن معنى قوله: \" قرأ النبي \" أًي جهر بالقراءة، ومعنى \" وسكت \" أي أمر بالقراءة.","vol":"2","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-329>٢٩٩ - \" بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتيْنِ في الرَّكْعَةِ </span>\"\n٣٥٤ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\n\" أنَّهُ جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: قَرأتُ الْمفَصَّلَ اللَّيْلَةَ في رَكْعَةٍ، فَقَالَ: هَذَّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظائِرَ التي كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَذَكَر عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الُمفَصَّلِ سُورَتَيْنِ في كُلِّ رَكْعَةٍ \".\nــ\n٢٩٩ - \" باب الجمع بين السورتين في الركعة \"\n٣٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁ \" أنه جاءه رجل \" وهو نَهِيك بن سنان (١) البجلي \" فقال قرأت المفصل الليلة في ركعة \" أي قرأت سور المفصّل كلها: وهو من (ق) إلى (الناس) هذه الليلة في ركعة واحدة. فكأنه فهم منه أنه كان يسرع في التلاوة، ولا يرتل القرآن في صلاته، فلم يستحسن منه ذلك \" فقال له: هذًا كهِذِّ الشعر \" أي أتسرد القرآن، وتسرع في تلاوته كأنك تقرأ شعرًا مع أنه كان ينبغي لك أن ترتل القرآن، أمر الله ﷿، ثم قال ابن مسعود: \" لقد عرفت النظائر \" أى السور المتماثلة في معانيها وعدد آياتها \" التي كان النبي - ﷺ - يقرن بينهن \" أي التي كان النبي - ﷺ - يجمع بين كل سورتين منها في ركعة واحدة، فإن شئت أن تعمل بسنة النبي - ﷺ - فاجمع بين كل سورتين فقط، ولا تزد، لتتمكن من الترتيل، وحسن التلاوة \" فذكر عشرين سورة من المفصل \" أي فعدَّ عشرين سورة \" سورتين في كل ركعة \" وهي (الرحمن) و(النجم) و(اقتربت) و(الحاقة) و(الذاريات) و(الطور) و(الواقعة) و(ق) و(سأل) و(النازعات)\n_________\n(١) بفتح النون وكسر السين من \" سنان \".","vol":"2","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>٣٠٠ - \" بَابٌ يَقْرأُ في الأخرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ </span>\"\n٣٥٥ - عن أبي قَتَادَةَ ﵁:\n\"أن النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرأ في الظُّهْرِ في الأولَيَيْنِ بأمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأخْرَيَيْنِ بأمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأولَى ما لا يُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وهكَذا في الْعَصْرِ، وَهَكَذَا في الصبحَ \" (١).\nــ\nو(ويل للمطففين) و(عبس) و(المدثر) و(المزمل) و(هل أتى) و(لا أقسم) و(عمّ) و(المرسلات) و(التكوير) و(الدخان) وذلك على ترتيب مصحف ابن مسعود. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز الجمع بين سورتين، وهو جائز في النافلة اتفاقًا، ويكره في الفريضة عند المالكية (٢) وبعض الحنفية (٣)، وفي رواية عن أحمد (٤). ثانيًا: النهي عن الإِسراع في القراءة. ثالثًا: استحبابِ القراءة من المفصل. والمطابقة: في قوله: \" يقرن بينهن \".\n٣٠٠ - \" باب يقرأ في الأُخريين بفاتحة الكتاب \"\n٣٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين \" أي يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأوليين بالفاتحة والسورة \" وفي الركعتين الأخريين \"\n_________\n(١) أي وكذلك كان يطوّل الركعة الأولى عن الثانية في العصر والصبح، والله أعلم.\n(٢) \" حاشية الصنعاني على شرح العشماوية \".\n(٣) \" فيض الباري \" ج ١.\n(٤) \" المغني \" ج ١.","vol":"2","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>٣٠١ - \" بَابُ جَهْرُ الإمَامَ بالتَّأمِينَ </span>\"\n٣٥٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أمنَ الإِمَامُ فَأمِّنُوا، فإِنَّ مَنْ وَافَقَ تأمِينُهُ\nــ\nأي ويقتصر في الركعتين الأخريين على أم الكتاب فقط \" ويسمعنا الآية \" أي وكان يُسرُّ بالقراءة، إلاّ أنه يرفع صوته فيسمعنا الآية أحيانًا، لنتعلم منه، ولذلك عرفوا ما كان يقرأ في الظهر، \" ويطول في الركعة الأولى مما لا يطول في الركعة الثانية \"، أي يجعل الركعة الأولى أطول من الثانية.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية قراءة الفاتحة والاقتصار عليها في الركعتين الأخريين من الرباعية، وفي الأخيرة من الثلاثية، أما قراءة الفاتحة فيهما فهو ركن عند الجمهور (١) خلافًا لأبي حنيفة وأحمد في رواية، وأما الاقتصار عليها فهو سنة عند الجمهور. ثانيًا: يستحب تطويل الركعة الأولى عن الثانية، وهو مذهب المالكية ومحمد بن الحسن والكثير من الشافعية، وذهب الحنفية إلى استحباب التسوية بينها لقول سعد \" أما أنا فأركد في الأوليين \" أي أطيل فيهما. ثالثًا: الإِسرار في الصلاة النهارية للإِمام، والمنفرد معًا، وهو مذهب مالك والشافعي، وقال أحمد في المشهور عنه: لا يستحب للمنفرد، وإنما هو بالخيار، وهو مذهب أبي حنيفة، واتفقوا على أنه إن جهر في السرية، أو أسر في الجهرية لا شيء عليه لأنه مستحب فقط، ولأنه - ﷺ - كان يسمعهم الآية أحيانًا، وهو في صلاة الظهر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب \".\n٣٠١ - \" باب جهر الإِمام بالتأمين \"\n٣٥٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إذا أمّن الإِمام فأمِّنوا \"\n_________\n(١) فإن نسيها في ركعة بطلت صلاته عند الشافعي، وهو مذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه ورواية عن مالك.","vol":"2","page":185},{"text":"تَأمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\".\nــ\nأي إذا قال الإِمام: آمين فقولوا مثله آمين \" فإنّ من وافق تأمينه تأمين الملائكة \" أي وافقهم في الوقت، كما قال النووي \" غفر له ما تقدم من ذنبه \" أي فإن أمّن مع الملائكة في وقت واحد غفرت ذنوبه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب التأمين للإِمام والمأموم معًا في الصلاة الجهرية، أما استحبابه للإِمام فلقوله - ﷺ -: \" إذا أمَّن الإِمام \" وأما استحبابه للمأموم فلقوله - ﷺ -: \" فأمنوا \" وهو مذهب أحمد والشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك في رواية: لا تأمين على الإمام في الصلاة الجهرية، وأمّا قوله - ﷺ -: \" إذا أمن الإمام \" فمعناه إذا بلغ موضع التأمين لما في رواية \" الموطأ \" إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فقولوا: آمين \" قال الزرقاني: وهو حجة ظاهرة على أن الإِمام لا يؤمِّن. ثانيًا: أنه يستحب للإِمام الجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية لقوله - ﷺ -: إذا أمّن الإِمام فأمِّنوا \" حيث أمر المأمومين بالتأمين عند تأمين الامام، وهم لا يعرفون ذلك إلّا إذا جهر بالتأمين، فيستحب له الجهر به ليسمعوه، ويؤمِّنوا مثله. ويؤيد ذلك حديث سفيان \" أن النبي - ﷺ - قال: \" آمين \" ورفع بها صوته \" وهو ما ترجم له البخاري، وأما حديث شعبة \" أن النبي - ﷺ - قال: \"آمين\" وخفض بها صوته \" فلا خلاف بين أهل العلم أن شعبة وسفيان إذا اختلفا فالقول قول شعبة كما أفاده ابن القيم، وقال الترمذي: سمعت محمدًا - يعني البخاري يقول: حديث سفيان أصح، والحاصل أن الأحاديث صريحة في أنه يستحب للإِمام الجهر بالتأمين في الجهرية كما ترجم له البخاري، وذهب إليه الشافعي ومن وافقه من أهل العلم، قال العيني: وفيه أنّه مما تمسك به","vol":"2","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-332>٣٠٢ - \" بَابُ فضلِ التَّأمِينِ </span>\"\n٣٥٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا قَالَ أحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتْ الْمَلاِئكَةُ في السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الأخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>٣٠٣ - \" بَاب إذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ </span>\"\n٣٥٨ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁:\nأنَّهُ انتهَى إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ رَاكِع، فَرَكَعَ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى\nــ\nالشافعي الجهر بالتأمين، وذكر المزني في \" مختصره \" أنّ الشافعي قال: يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة والمأموم يخافت، وفي \" التلويح \" ويجهر فيها المأموم عند أحمد وإسحاق وداود. والمطابقة: في قوله: \" إذا أمّن الِإمام \".\n٣٠٢ - \" باب فضل التأمين \"\n٣٥٧ - معنى الحديث: أن المسلم إذا أمن على دعائه أمنت الملائكة عند انتهائه منه، فإذا اتفقا في الوقت، غفرت ذنوبه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\nويستفاد منه: استحباب التأمين على الدعاء في الصلاة أو غيرها رجاء موافقة الملائكة في تأمينهم والفوز بالمغفرة. والمطابقة: في كون التأمين سببًا في المغفرة.\n٣٠٣ - \" باب إذا ركع دون الصف \"\n٣٥٨ - معنى الحديث: أن أبا بكرة جاء والنبي - ﷺ - راكع فخشي","vol":"2","page":187},{"text":"الصَّفِّ فَذَكَر ذَلِكَ للنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \" زَادَكَ اللهُ حِرْصًَا، ولا تَعُدْ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>٣٠٤ - \" بَابُ إتْمَام التَّكْبِيرِ في الرُّكُوعِ </span>\"\n٣٥٩ - عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵁:\nأنَّهُ صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ ﵁ بالْبَصْرَةِ فَقالَ: \" ذَكَّرَنَا هَذَاَ الرَّجُلُ صَلاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أنَّهُ كَانَ يُكَبر كُلَّمَا رَفَعَ، وَكُلَّمَا وَضَعَ \" (١).\nــ\nأن تفوته الركعة فركع قبل أن يصل إلى الصف، فأخبِرَ النبي - ﷺ - بما فعل، فقال النبي - ﷺ -: \" زادك الله حرصًا \" أي رغبة في صلاة الجماعة واجتهادًا في الحصول عليها ولا تعد إلى الركوع قبل الصف.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: النهي عن الركوع دون الصف وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة. وقال مالك والليث: لا بأس إن كان قريبًا. ثانيًا: النهي عن صلاة الرجل منفردًا خلف الصف، لأنه أولى بالنهي من الركعة الواحدة، واختلفوا في هذا النهي، فحمله أحمد واسحاق على التحريم وأنه يقتضي فساد الصلاة، فمن صلّى وحده ركعة كاملة أثم وفسدت صلاته، وحمله الجمهور على الكراهة لأنه - ﷺ - لم يأمره بالإعادة، وأما حديث \" لا صلاة للذي خلف الصف \" فمعناه لا صلاة كاملة لأَنّ النبي - ﷺ - انتظره حتى فرغ من صلاته.\nالحديث: أخرجه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \"ولا تعد\".\n٣٠٤ - \" باب إتمام التكبير في الركوع \"\n٣٥٩ - معنى الحديث: أن عمران بن حصين صلّى خلف الإِمام علي ﵁ بالبصرة بعد وقعة الجمل، فقال: لقد ذكرنا هذا الخليفة الراشد\n_________\n(١) اعتمدت في سند هذا الحديث على ما جاء في \" مختصر البخاري \" للزبيدي، والله أعلم.","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>٣٠٥ - \"بَابُ وَضْعِ الأَكُفِّ على الرُّكَبِْ في الرُّكُوعِ </span>\"\n٣٦٠ - عن سَعْد بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁:\n\"أنَّهُ صَلَّى إلى جَنْبِهِ ابنُهُ مُصْعَب قَالَ: فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهانِي أبِي، وقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وأمِرْنَا.\nأنْ نَضَعَ أيدِينَا علَى الرُّكَبِ\".\nــ\nبصلاته الكاملة المستوفية لسنتها وواجباتها صلاة النبي - ﷺ - حيث كان ﵁ - يأتي بكل التكبيرات، ويحافظ عليها، فيكبر كلما خفض رأسه للركوع والسجود، أو رفع رأسه من السجود. الحديث: أخرجه البخاري.\nوالمطابقة: في قوله: \" يكبِّر كلما رفع، وكلما وضع \".\nويستفاد منه: مشروعية التكبير عند الخفض للركوع والسجود، وعند الرفع من السجود، وهو سنة عند الجمهور، واجب عند بعض الظاهرية.\n٣٠٥ - \" باب وضع الأكف على الركب في الركوع \"\n٣٦٠ - معنى الحديث: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ \" صلى إلى جنبه ابنه مصعب قال: فطبقت بين كفي \" أي ألصقت باطن الكف اليمنى بباطن الكف اليسرى \" ثم وضعتهما بين فخذي. \" أي طبقتهما ووضعتهما بين الفخذين في الركوع \" فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنهنا عن ذلك \" لأنه فعل اليهود .. فلا تتشبه بهم \" وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب \" مخالفة لليهود في فعلهم هذا قال عمر ﵁: إن الركب سنَّت لكم فخذوا بالركب. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" أمرنا أن نضع أيدينا على الركب \".\nويستفاد منه: كراهية التطبيق في الركوع، ومشروعية وضع اليدين على","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>٣٠٦ - \" بَابُ حَدِّ إتمَامِ الرُّكُوعِ والاعْتِدَالِ فِيهِ والإِطْمَأنِينَةُ </span>\"\n٣٦١ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:\n\"كَانَ رُكُوعُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَسُجُودُهُ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وإذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ\".\nــ\nالركب، وهو سنة عند الجمهور (١).\n٣٠٦ - \" باب حد إتمام الركوع والاعتدال فيه والإِطمأنينة \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حد الإتمام والاعتدال والإطمأنينة -بكسر الهمزة- في الركوع (٢).\n٣٦١ - معنى الحديث: يقول البراء بن عازب ﵄ \" كان ركوع رسول الله - ﷺ - وسجوده وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع مما خلا القيام والقعود قرييًا من السواء \" أي أنه - ﷺ - كان يمكث في الركوع والسجود، وبين السجدتين وعند الرفع من الركوع مدة متساوية تقريبًا، أما عند القيام الذي قبل الركوع، وعند جلوسه للتشهد الأول والثاني، فإنه كان يمكث مدة أطول. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الإِطمأنينة في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين، وهي ركن عند الجمهور، واجبة عند أبي حنيفة.\nثانيًا: مشروعية الاعتدال بعد الرفع من الركوع، وهو سنة عند مالك وأبي حنيفة، فرض عند الشافعي وأحمد، وقد تقدم الكلام على الإِطمأنينة والاعتدال\n_________\n(١) والتطبيق منسوخ، ومن فعله بعد ذلك من الصحابة فيحمل على أنه يبلغه النسخ، كابن مسعود. (ع).\n(٢) أي بكسر الهمزة وسكون الطاء وكسر النون في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني \" والطمأنينة \" يضم الطاء وهو المستعمل الذي ذكره أهل اللغة. اهـ. كما أفاده العيني ج ٦.","vol":"2","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-337>٣٠٧ - \" بَابُ الدُّعَاءِ في الرُّكُوعَ </span>\"\n٣٦٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ: \" سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَنّاَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي \".\nــ\nفي باب وجوب القراءة للإمام. ثالثًا: أن مدة الإِطمئنان في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين متساوية تقريبًا، وكذلك الاعتدال بعد الركوع وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يشعر بأن النبي - ﷺ - كان يمكث في الركوع والسجود وبين السجدتين وبعد الرفع من الركوع مدة تزيد على حقيقة الركوع والسجود والرفع من الركوع، وهذا المكث الزائد هو معنى الاعتدال والطمأنينة.\n٣٠٧ - \" باب الدعاء في الركوع \"\n٣٦٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك \" أي كان يذكر الله تعالى في ركوعه وسجوده بهذه الصيغة الجامعة للتسبيح والتحميد، ويختم بطلب الغفران. وهو أن يعفو الله عن عبده، ولا يؤاخذه بذنبه ويصونه من عذابه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الذكر في الركوع والسجود بالتسبيح والتحميد، واختلفوا في حكمه، فقالت الظاهرية: الذكر في الركوع والسجود واجب، وقال الجمهور: سنة، واختلفوا في صيغته فقال مالك وأهل الظاهر: ليس فيه صيغة معينة، بل يذكر الله بكل ما ورد من الأذكار المأثورة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستحب أن يقول في الركوع: سبحان","vol":"2","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>٣٠٨ - \" بَابُ فضل: اللهم ربنا لَكَ الْحَمْدُ </span>\"\n٣٦٣ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: \" اللَّهُمَّ رَبنا وَلَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ \".\nــ\nربي العظيم، وفي السجود، سبحان ربي الأعلى لما في حديث عقبة بن عامر قال: \" لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال - ﷺ -: اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت (سبحَ اسم ربك الأعلى) قال: اجعلوها في سجودكم \" أخرجه أبو داود. ثانيًا: مشروعية الدعاء في الركوع والسجود، أما مشروعيته في السجود فلا خلاف فيه، وأما مشروعيته في الركوع - كما ترجم له البخاري فقد ذهب إليه بعض أهل العلم عملًا بهذا الحديث، وكرهه مالك والشافعي وأبو حنيفة لقوله - ﷺ -: \" أما الركوع فعظموا فيه الرب \".\nوالمطابقة: في كونه - ﷺ - كان يقول في ركوعه: \" اللهم أغفر لي \" والاستغفار دعاء.\n٣٠٨ - \" باب فضل اللهم ربنا لك الحمد \"\n٣٦٣ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إذا قال الإِمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم. ربنا لك الحمد \" أي فإن المشروع للمأمومين هو التحميد، فقولوا: بعد قول الإمام سمع الله لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد، \" فإنه من وافق قوله قول الملائكة \" أي فإن الملائكة تقول عند قول الإِمام سمِعَ الله لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد، فمن وافق، تحميده تحميد الملائكة في الوقت \"غفر له ما تقدم من","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-339>٣٠٩ - \" بَابٌ </span>\"\n٣٦٤ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\"لَأقَربَنَّ لَكمْ صَلَاةَ الَّنبِي - ﷺ - فَكَانَ أبو هُرَيرَةَ ﵁ يَقْنُتُ\nــ\nذنبه\" أي غفرت ذنوبه السابقة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنّ الصيغة المشروعة للإِمام عند الرفع من الركوع هي التسميع، فيسن له، وللمنفرد أيضًا أن يقول \" سمع الله لمن حمده \" وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وذهب الشافعي إلى أنه يسن للإِمام والمنفرد أن يجمعا بين التسميع والتحميد لحديث ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: \" سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد \" أخرجه البخاري والنسائي، وقال: أحمد يجب (١) ذلك.\nثانيًا: انه يسن للمأموم التحميد فقط، لقوله - ﷺ -: \" إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده \" فقولوا: ربنا لك الحمد \" وهو مذهب الجمهور خلافًا للشافعية حيث قالوا: يسن للمأموم أن يقول: سمع الله لمن حمده، وهو مذهب الإمام محمد وأبي يوسف وابن سيرين. قال في \" فيض البارى \" وقد وردت صيغة التحميد على أربعة أنحاء، بذكر اللهم وحذفه، وذكر الواو وحذفها. ثالثًا: فضل التحميد، وكونه سببًا في الغفران، وهو ما ترجم له البخاري.\nالحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: ظاهرة من حيث أنّه دل على أنّ التحميد سبب في الغفران.\n٣٠٩ - \"باب \"\n٣٦٤ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \"لأقربنّ\n_________\n(١) أي يجب الجمع بين التسميع والتحميد للإمام والمتفرد كما في \" شرح العمدة \" وكتاب \" الاسئلة والأجوبة الفقهية \" للشيخ عبد العزيز المحمد السلمان.","vol":"2","page":193},{"text":"في الركْعَةِ الأُخْرَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ ويَلْعَنُ الكُفَارَ\".\nــ\nلكم صلاة النبي - ﷺ -\" أي لأبينن لكم كيفية صلاة النبي - ﷺ - بيانًا شافيًا يقربها من أذهانكم حتى كأنكم تشاهدونها. قال الراوي: \" فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح \" أي كان يأتي بالدعاء المعروف بالقنوت في الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء والصبح \" فيدعو للمؤمنين \" أي فتارة يدعو للمؤمنين بالنصر على أعدائهم والنجاة منهم \" ويلعن الكفار \"، أي وتارة يدعو على الكفار باللعنة، كما دعا على الخمسة الذين وضعوا سلا الجزور على ظهره، فأهلكهم الله.\nويستفاد منه: كما قال بعض أهل العلم استحباب القنوت بعد الرفع منِ الركعة الأخيرة من الظهر والعشاء والصبح، وهو مذهب الظاهرية خلافًا لغيرهم من أهل العلم، حيث خصصوا القنوت بالوتر أو بالصبح، قال الترمذي: واختلف أهل العلم في القنوت، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك واسحاق وأهل الكوفة، وهو قول أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى أن القنوت سنة في الصبح بعد الركوع \" قال النووي \" القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف ومن بعدهم. وقال مالك ومن وافقه من أهل العلم: القنوت مستحب في صلاة الصبح قبل الركوع، وهو معنى قول خليل: \" وقنوت سرًا بصبح فقط قبل الركوع \" قال الحطاب: يعني أن القنوت مستحب في صلاة الصبح. \" وقال أحمد \" في الرواية المشهورة عنه: \" القنوت سنة في الوتر بعد الركوع \" أما تفصيل وبيان أدلة كل فريق من هؤلاء فيأتي في موضعه.\nواعلم أنّ العلماء لم يشددوا في هذه المسألة (١) ففي الأمر سعة. قال الشافعي\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة.","vol":"2","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>٣١٠ - \" بَابُ الإِطْمَأنِينَةُ حِينَ يَرْفَعُ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ </span>\"\n٣٦٥ - عَنْ أنسِ ﵁:\n\" أنَّهُ كَانَ يَنْعتُ صَلاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِىَ \".\n٣٦٦ - عن أبي قِلَابَةَ ﵀ قَالَ:\n\"كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ﵁ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيُّ\nــ\n﵀: أنا أذهب إلى أن القنوت بعد الركوع، فإن قنت قبله فلا بأس وروى مثله عن أحمد ﵀، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n٣١٠ - \" باب الإِطمأنينة (١) حين يرفع رأسه من الركوع \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية الإطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع، والمراد بها هنا الاعتدال بعد الرفع من الركوع.\n٣٦٥ - معنى الحديث: يقول ثابت البناني: راوي الحديث: \" كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله - ﷺ - \"، أي يصلّي أمامنا مثل صلاة النبي - ﷺ - ليرينا عمليًا كيفية صلاته - ﷺ - \" فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي \" أي وقف وقوفًا طويلًا حتى نظنه نسي أنه بعد الركوع.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" قام حتى نقول قد نسي \".\n٣٦٦ - معنى الحديث: يقول أبو قلابة \"كان مالك بن الحويرث\n_________\n(١) بكسر الهمزة وسكون الطاء وعن بعضهم بضم الهمزة، والكشميهني الطمأنينة بضم الطاء وبغير همزة. اهـ. كما أفاده القسطلاني.","vol":"2","page":195},{"text":"- ﷺ - وذَاكَ في غَيْرِ وَقْتِ صَلاةٍ، فَقَامَ فأمْكَنَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فأمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فانْصَبَّ (١) هُنَيَّةً\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>٣١١ - \" بَابُ فضلِ السُّجُودِ </span>\"\n٣٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النَّاسَ قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبنا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \" هَلْ تُمَارُونَ في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَاب؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَهَلْ تُمَارُونَ في الشَّمْس، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ\nــ\nيرينا كيف صلاة النبي - ﷺ - وذاك في غير وقت صلاة\" أي في غير وقت صلاة مكتوبة فصلّى أمَامَنَا إحدى الصلوات الخمس في غير وقتها ليعلمنا إياها عن طريق المشاهدة \" فقام أمكن القيام \" أي أطال القيام \" ثم ركع فأمكن الركوع \" أي أطاله واطمأن فيه \" ثم رفع رأسه فانصب \" بتشديد الباء \" هُنَيَّة \" (٢) أي فاعتدل ونصب قامته، ومكث قائمًا مدة من الزمن.\nوالمطابقة: في قوله: \" فانصبّ هنَّية \". الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.\nويستفاد من الحديثين: مشروعية الاعتدال بعد الركوع، وهو فرض عند الشافعي وأحمد، سنة عند أبي حنيفة، ولم ينقل عن مالك فيه نص، لكن ظاهر مذهبه أنّه سنة، كما أفاده ابن رشد.\n٣١١ - \" باب فضل السجود \"\n٣٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أنّ الناس قالوا: يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة \" أي إن أصحاب رسول\n_________\n(١) في رواية الكشميهني: فأنصت، ووقع عند الاسماعيلي: فانتصب قائمًا، وهي أوضح. (ع).\n(٢) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء.","vol":"2","page":196},{"text":"اللهِ، قَالَ: فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًَا فَلْيَتَّبعْ، فَمِنْهُمْ مَن يَتَّبعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ الطَّوَاغيتَ، وَتَبْقَى هَذه الأمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فيَأتِيهِمُ اللهُ\nــ\nالله - ﷺ - سألوه عن رؤية المؤمنين لربهم، وهل المؤمنون يرون ربهم بأعينهم يوم القيامة؟ \" قال: هل تمارون في القمر لينة البدر؟ \" قال القسطلاني: \" تمارون \" بضم التاء من المماراة وهي المجادلة، وللأصيلي تَمارَوْن بفتح التاء والراء، وأصله تتمارَون حذفت إحدى التاءين أي هل تشكون. وعلى الأوّل معناه، هل تتجادلون في رؤية القمر ليلة الرابع عشر، فينكرها فريق من الناس، ويثبتها الآخر، أو أن ذلك حقيقة من الحقائق المحسوسة المسلَّم بها عند جميع البشر، وعلى الثاني معناه: هل تشكُّون في مشاهدة القمر هذه الليلة، \" قالوا: لا يا رسول الله \" فإن القمر لا يخفى على أحد هذه الليلة ولا يشك في وجوده أحدٌ \" قال فإنكم ترونه كذلك \" أي فإنكم سترون ربكم ظاهرًا جليًا دون شك ولا ريب، كما أنه لا شك في رؤية القمر ليلة البدر، ورؤية الشمس في رابعة النهار، ليس دونهما سحاب والتشبيه في قوله: \" ترونه كذلك \" إنما هو في الرؤية ووضوحها لا في المرئي وهيئته وشكلِهِ، لأنه ﷿ ليس كمثله شيء \" يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتَّبع \" أى فليلحق بمعبوده، ويطلب عنده النجاة. \" فمنهم من يتبع الشمس \" وهم عبَّادها في الدنيا \" ومنهم من يتبع الطواغيت \" جمع طاغوت. قال ابن القيم: والطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع (١) والطواغيت كثيرة ورؤسها خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبد وهو راض،\n_________\n(١) \" الأصول الثلاثة \" للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعنى \" أو متنوع \" يعني في معصية الله \" أو مطاع \" أي في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحلّ الله.","vol":"2","page":197},{"text":"فَيَقول أنَّا رَبُّكمْ، فَيَقولونَ: هَذَا مَكَاننَا حتَّى يأتِينَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأتِيهِمْ الله وعَزَّ وَجَلَّ، فَيَقول: أنَا رَبّكمْ، فَيَقولونَ: أنتَ رَبُّنَا، فَيَدْعوهمْ، وَيضْرِبُ الصِّراط بَيْنَ ظَهْرَانَْي جَهَنَّمَ، فَأكون أوَّلَ مَنْ يَجوز مِنَ الرُّسُلِ بأمَّتِهِ، ولا يَتَكَلَّم يَوْمَئِذٍ أحَدٌ إلا الرُّسل، وَكَلَام الرّسلِ يَومَئِذٍ اللَّهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كَلَالِيب مِثْل شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأيْتمْ\nــ\nومن دعا الناس إلى عبادته، ومن ادّعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل الله. اهـ. \" فيأتيهم الله \" على غير الصفة المعروفة لديهم من كتاب الله \" فيقول أنا ربكم، فيقولون هذا مكاننا \" أي فيثبتهم الله بالقول الثابت: فيقولون: لست ربنا، وسنبقى في مكاننا حتى يأتينا الرب الحق \" فيأتيهم الله \" على الصفة التي يعرفونها من كتاب الله \" فيقولون: أنت ربنا \" الحق، وقد رجَّح القاضي عياض أنّ الذي يأتيهم في الأول ملَكٌ، والذي يأتيهم في المرة الثانية رب العزة. قال النووي: يعرفونه بتوفيق الله تعالى، وهو الظاهر المتبادر إلى الذهن لرهبة الموقف الذي تذهل له العقول، ولكن الله يثبت بالقول الثابت من شاء من عباده المؤمنين الصادقين، ويلهمهم كلمة الحق، وقول الصواب \" ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم \" أي على وسطها \" وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم \" أي لا كلام لهم إلاّ التضرع إلى الله سائلين منه السلامة والنجاة لأممهم \" وفي جهنم كلاليب \" جمع كَلُّوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق بها اللحم \" مثل شوك السعدان \" وهو نبت ذو فروع شوكية، أي أن كلاليب جهنم في حدتها وصورتها وكثرة عددها تشبه شوك السعدان \" تخطف الناس \" بفتح الطاء ويجوز كسرها أي أن هذه الكلاليب التي على جانبي الصراط تأخذ الناس بسرعة لتلقيهم في جهنم \" بأعمالهم \" أي بسبب أعمالهم وعلى قدرها","vol":"2","page":198},{"text":"شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غير أنَّهُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّا اللهُ تَخْطَفُ النَّاسَ بأعْمَالِهِم، فَمِنْهُمْ مَنْ يَوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا أرادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أرَادَ من أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بآثارِ السجُّودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أن تأكلَ أثرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأكلُهُ النَّارُ إلَّا أثرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ، ثُمَّ يَفْرَغُ اللهُ منَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ، ويَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجنَّةِ والنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ قَد قَشَبَنِي\nــ\n\" فمنهم من يوثق \" أي يهلك بسبب معاصيه \" ومنهم من يخردل \" أي يقِطع أشلاءً - فتقطعه كلاليب الصراط وتلقى به في جهنم. وللأصيلي بالجيم من الجردلة، وهي الإشراف على الهلاك، كما أفاده القسطلاني \" ثم ينجو\" كلام مستأنف أي ينجو من أراد الله له النجاة من النار بعدم دخوله إليها، أو بإخراجه منها \" حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار \" من عصاة المؤمنين \" أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله \" وحده \" فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود \" في الجبهة، كما قال عياض أو في الأعضاء السبعة، كما أفاده الحافظ والعيني \" فيخرجون من النار قد امتحشوا \" بفتح التاء أي احترقوا \" فيُصب عليهم ماء الحياة \" قال عياض: وهو ماء من شربه أو صُبَّ عليه لم يمت أبدًا \" فينبُتون كما تنبت الحِبة \" بكسر الحاء وهي بذرة البقل كما في \" القاموس \" \" في حميل السيل \"، أي في طين السيل، \"ويبقى رجل","vol":"2","page":199},{"text":"رِيحُهَا، وأحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ، هَلْ عَسيْت إنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أنْ تَسْأل غَير ذَلِكَ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي الله مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاق، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فإذَا أقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أن يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قدمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ الله لَهُ: أليْسَ قَدْ أعطَيْتَ الْعُهودَ والمِيثَاقَ أنْ لَا تَسْأل غَير الذِّي كُنْتَ سألت، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أكُون أشْقَى خَلْقِكَ، فيقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إنْ أعْطِيتَ ذَلِكَ أنْ لا تَسْأل غَيرهُ، فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أسأل غير ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إلى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإذَا بَلَغ بَابَهَا، فَرَأى زَهْرَتَهَا، ومَا فِيهَا من النُّضرَةِ والسرورِ، فَيَسْكُتُ ما شَاءَ اللهُ أنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ ﷿: وَيْحَكَ يا ابْنَ آدَمَ، مَا أغدَرَكَ! أليْسَ قَدْ أعْطَيْتَ العَهْدَ والميثَاقَ أنْ لا تَسْأل غَير الذي أعْطِيتَ؟! فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لا تَجْعَلْنِي أشْقَى\nــ\nبين الجنة والنار\" من العصاة \" فيقول يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها \" أي آذاني ريحها العفن، النتن، \" وأحرقني ذَكاؤها \" أي لهيبها المشتعل، \" فيقول الله له: هل عسَيْتَ إن فعل الله ذلك بك أن تسأل غير ذلك، فيقول: لا وعزتك وجلالك \" فيقسم ويعاهد الله على أن لا يسأله شيئًا آخر، \" فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت \" أي سكت مدة من الزمن \" ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة \" وقربني إليها، ثم قال: \" فيقدمه إلى باب الجنة \" فلا يملك نفسه عند ذلك، وهؤ يرَى الجنة بين يديه، \" فيقول: يا رب أدخلني الجنة فيقول الله ﷿: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك \"","vol":"2","page":200},{"text":"خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ مِنْهُ، ثم يَأذَنُ لَهُ في دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، حتى إذَا انْقَطَعَتْ أمْنِيَتُهُ، قَالَ اللهُ: زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أقبَلَ يُذَكِّرُهُ رَُّبهُ حتى إذَا انتهَتْ بِهِ الأمَانِي، قَالَ اللهُ تَعَالى: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ \" وَقَالَ أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لأبِي هُرَيْرةَ: إن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: قَالَ اللهُ ﷿: لَكَ ذَلِكَ وَعشْرَةُ أمْثَالِهِ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: لَمْ أحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، قَالَ أبو سَعِيدٍ ﵁: إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشرَةُ أمْثَالِهِ.\nــ\nوفي هذه العبارة ترحُّمٌ وإشفاق على هذا الإنسان الضعيف الذي يكمن ضعفه في تسرعه إلى إعطاء العهود والمواثيق التي لا يطيق الالتزام بها، ويعجز عنها، فيضطره ذلك إلى الغدْر، ونقض العهود، \" فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك \" أي لا تحرمني من جنتك مثل الكفار الذين هم أشقى عبادك، ولسان حاله يقول: كما قال الشاعر:\nإنْ لم أكن أخْلَصْتُ فِي طَاعَتِكْ ... فَإنَّنِي أطْمَعُ فِي رَحْمَتِكْ\nوَإنَّما يَشْفَعُ لِي أنَّني ... قَدْ كُنْتُ لَا أشْرِكُ فِي وَحْدَتِكْ\n\" فيقول له: تمّن حتى إذا انقطعت أمنيته \" أي حتى إذا انتهت حاجاته، وسأل كل طلباته \" قال الله في لك ذلك ومثله \" أي لك ضعف ما طلبت \" وقال أبو سعيد الخدري ﵁ لأبي هريرة ﵄: إن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله ﷿ لك ذلك وعشرة أمثاله \" ومعناه أنهما اختلفا هل قال رسول الله - ﷺ -: \" لك ذلك ومثله \" وهو ما حفظه أبو هريرة من رسول الله - ﷺ - أو قال: \" لك ذلك وعشرة أمثاله \" وهو ما سمعه أبو سعيد من رسول الله - ﷺ -، ولا شك في صحة الروايتين قال","vol":"2","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>٣١٢ - \" بَابُ السُّجُودِ عَلَى الأنفِ </span>\"\n٣٦٨ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" أُمِرْتُ أن أسْجُدَ علَى سَبْعَةِ أعْظُم على الْجَبْهَةِ، وأشَارَ بِيَده على أنفِهِ والْيَدَيْنِ والرُّكْبَتَيْنِ وأطْرَافِ القَدَمَيْنِ ولا نَكفِتَ الثيابَ والشَّعَرَ \".\nــ\nالعيني: ووجه الجمع بين خبر أبي سعيد وخبر أبي هريرة أنه - ﷺ - أخبر أولًا بالمثل. ثم اطلع على الزيادة (١). الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه: أولًا: بيان فضل السجود كما ترجم له البخاري لكونه سببًا في نجاة الأعضاء السبعة من النار، لقوله - ﷺ -: \" فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود \". ثانيًا: رؤية المؤمنين لله ﷿ يوم القيامة، وقد تقدم في باب فضل العصر. ثالثًا: فيه دليل لأهل السنة والجماعة على أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار خلافًا للخوارج. لقوله - ﷺ -: \" حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار -وهم عصاة المؤمنين- أمر الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله \". والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فكل ابن آدم تأكله النار إلاّ أثر السجود \".\n٣١٢ - \" باب السجود على الأنف \"\n٣٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" أمرت أن أسجد على سبعة أعظم \" أي أمرني الله تعالى أن أسجد على سبعة أعضاء، فإن المراد بالأعظم الأعضاء كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى حيث قال: \" أمر النبي - ﷺ - أن يسجد على سبعة أعضاء \" أخرجه البخاري، ثم بين الأعضاء السبعة\n_________\n(١) فأخبر بالعشرة الأمثال فسمع الأول أبو هريرة وتحدث به وسمع الثاني أبو سعيد وتحدث به فكلاهما سمع من النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":202},{"text":"بقوله: \" على الجبهة \" أي أمرت بالسجود على الجبهة، والمراد بها الأنف كما يدل عليه قوله: \" وأشار بيده على أنفه \"، أي أشار إلى أنفه ليبين أن المقصود بالجبهة الأنف \" واليدين \" أي وعلى باطن الكفين \" والركبتين وأطراف القدمين \" أي وأطراف أصابع القدمين \" ولا نكفت الثياب والشعر \" أي لا تكف ولا نجمع الثياب والشعر.\nويستفاد منه: أنّ الواجب هو السجود على الأنف فقط، لأنّ النبي - ﷺ - قال: \" أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة ثم أشار إلى أنفه \" فدل ذلك على أن الواجب هو السجود على الأنف، أما السجود على الجبهة وسائر الأعضاء فهو سنة، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، ورواية أشهب عن مالك، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن الواجب هو السجود على الجبهة، وهو ركن من أركان الصلاة، كما نص عليه خليل، أمّا السجود على الأنف وسائر الأعضاء فهو سنة عند المالكية كما أفاده الحطاب (١)، وهو قول للشافعي كما أفاده الحصني (٢)، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنّ الواجب السجود على الجبهة وسائر الأعضاء ما عدا الأنف فإنه مستحبٌ، واستظهره النووي وقال: أحمد في الرواية (٣) المشهورة عنه: الواجب السجود على الجبهة والأنف (٤) وسائر الأعضاء السبعة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" وأشار بيده على أنفه \".\n...\n_________\n(١) \" مواهب الجليل \" ج ١.\n(٢) \" شرح كفاية الأخبار \" للحصني.\n(٣) \" المغنى \" لابن قدامة.\n(٤) وهو الذي تؤيده الأدلة. (ع).","vol":"2","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>٣١٣ - \" بَابُ الْمُكْثِ بَيْنَ السَّجْدَتيْنِ </span>\"\n٣٦٩ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\" إنِّي لا آلو أنْ أُصَلِّىَ بِكُمْ كَمَا رَأيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصَلِّي بِنَا، قَالَ ثَابِتُ: كَانَ أنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًَا لَمْ أرَكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَقولَ القَائِلُ قَدْ نَسِيَ \".\nــ\n٣١٣ - \" باب المكث بين السجدتين \"\n٣٦٩ - معنى الحديث: يروي لنا ثابت البناتي عن أنس ﵁ \" قال إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت النبي - ﷺ - يصلى \" أي إني أحرص كل الحرص على أن أصلي بكم مثل ما رأيت النبي - ﷺ - يصلّي تمامًا، ولا أقصر في شيء من الأقوال والأفعال التي رأيته وسمعته يأتي بها في صلاته، \" قال ثابت: كان أنس يصنع شيئًا \" أي يفعل شيئًا من صلاته \" لم أركم تصنعونه \" أي لا أراكم تفعلونه \" كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي \" أي كان يقوم قيامًا طويلًا بعد الركوع حتى يظن منْ رآه أنه قد نسي أنه بعد الركوع \" وبين السجدتين \" أي وكان أيضًا يجلس بين السجدتين كذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" وبين السجدتين \".\nويستفاد منه: مشروعية الجلوس بين السجدة الأولى والثانية، واستحبابه، وهو واجب عند أهل الظاهر.","vol":"2","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>٣١٤ - \" بَابُ لا يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ في السُّجُودِ </span>\"\n٣٧٠ - وَعَنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" اعْتَدِلُوا في السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>٣١٥ - \" بَابُ مَنْ اسْتَوَى قَاعِدًا في وِتْرٍ مِنْ صَلَاِتهِ ثُمَّ نهَضَ </span>\"\n٣٧١ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁:\nأنَّهُ رَأى النَّبيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ في في وتْرٍ مِنْ صَلَاِتهِ، لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِي قَاعِدًا.\nــ\n٣١٤ - \" باب لا يفترش ذراعيه في السجود \"\n٣٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" اعتدلوا \" أي توسطوا \" في السجود \" فلا يضم أحدكم ذراعيه إلى جنبه \" ولا يبسط \" (١) أي لا يمد \" أحدكم ذراعيه انبساط الكلب \" أي كما يمد الكلب ذراعيه. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: \" ولا يبسط أحدكم ذراعيه \".\nويستفاد منه: استحباب الاعتدال في السجود بحيث لا يفترش ولا يقبض لأنه أبلغ في تمكين الجبهة من الأرض، وكراهية الافتراش لأنه من هيئات الكسالى.\n٣١٥ - \" باب من استوى قاعدًا في وتر من صلاته ثم نهض \"\n٣٧١ - معنى الحديث: يحدثنا مالك بن الحويرث ﵁:\n_________\n(١) أي فلا يمد أحدكم مرفقيه على الأرض، ولا يضمهما إلى جنبيه لأنه - ﷺ - كان إذا سجد جافى يديه، فلو أن بهيمة أرادت أن تمر مَرتْ.","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-346>٣١٦ - \" بَاب يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتينِ </span>\"\n٣٧٢ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\n\" أنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ بِالتَّكْبِير حِينَ رَفَعَ رَأسَهُ مِن السُّجُودِ، وحينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ وَحِينَ قَامَ مِنَ الْرَّكْعَتَيْنِ، وَقَال: هَكَذَا رَأيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - \".\nــ\n\" أنه رأى النبي - ﷺ - يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدًا \" أي أن مالك بن الحويرث ﵁ لاحظ النبي - ﷺ - في أثناء صلاته فرآه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة لا ينتصب قائمًا حتى يجلس ويعتدل جالسًا. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" لم ينهض حتى يستوي قاعدًا \".\nويستفاد منه: استحباب جلسة الاستراحة بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى والثالثة وهو مذهب الشافعي وأحمد في رواية، والجمهور على عدم مشروعيتها.\n٢١٦ - \" باب يكبّر وهو ينهض من السجدتين \" (١)\n٣٧٢ - معنى الحديث: أن أبا سعيد ﵁ \" صلّى فجهر بالتكبير \" أي رفع صوته به \" حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين \"، أي كبر جهرًا عند السجود والرفع منه وعند القيام من التشهد الأول، \" وقال: هكذا رأيت النبي - ﷺ - \" أي رأيت النبي - ﷺ - يصلي مثل هذه الصلاة التي صليتها أمامكم. الحديث: أخرجه البخاري.\n_________\n(١) قال القسطلاني: أي عند القيام من التشهيد الأول إلى الركعة الثالثة، فالمراد بالسجدتين الركعتان الأوليان، لأن السجدة تطلق على الركعة من باب إطلاق الكل على الجزء.","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>٣١٧ - \" بَابُ سُنَّةِ الْجُلُوس في التَّشَهُّدِ </span>\"\n٣٧٣ - عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ (١) ﵁ قَالَ:\n\" أنَا أحْفَظُكُمْ لصَلَاة رَسُولِ اللهِ رَأيْتُهَ إذا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وِإذَا رَكَعَ أمْكَنَ يَدَيْه مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كُل فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْه غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلا قَابِضِهُمَا، وَاسْتَقْبَلَ بَأطْرَافِ أصَابع رِجْلَيهِ الْقِبْلَةَ، فإذَا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرَى ونَصَبَ الْيُمْنَى وإذَا جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسرَى ونَصَبَ الأخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ \".\nــ\nويستفاد منه: أنه يسن التكبير عند القيام من التشهد الأول ولا خلاف في ذلك إلا أن مالكًا قال يكبر بعد استوائه والجمهور على أنّه يكبر حال قيامه. والمطابقة: في قوله: \" حين قام من الركعتين \".\n٣١٧ - \" باب سنة الجلوس في التشهد \"\n٣٧٣ - معنى الحديث: يقول أبو حميد ﵁: \" أنا أحفظكم لصلاة رسول الله - ﷺ -، رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه \" أى رفع يديه عند تكبيرة الإِحرام حتى يجعلهما مقابل منكبيه، \" وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه \" أي ثبتهما عليهما \" ثم هصر ظهره \" أي أماله في استواء دون تقويس، كما أفاده القسطلاني \" فإذا رفع رأسه \" من الركوع \" استوى \" أي اعتدل قائمًا \" حتى يعود كل فقار إلى مكانه \" أي حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، \"فإذا سجد وضع يديه في مفترش ولا\n_________\n(١) أبو حميد الساعدي: الصحابي المشهور اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن سعد روى عن النبي - ﷺ - عدة أحاديث شهد أحدًا وما بعدها قال الوافدي وتوفى في خلافة معاوية أول خلافة يزيد.","vol":"2","page":207},{"text":"قابضهما\"، أي وضع كفيه عند سجوده على الأرض، وسجد معتدلًا، فلا يمد ذراعيه على الأرض كما يصنع الكلب ولا يضمهما إلى جنبيه، وإنما يجافي بينهما، أي يبعدهما عنهما \" واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة \" أي جعل أصابع قدميه متوجهة إلى القبلة، \" وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى \" أي وإذا جلس في التشهد الأول جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى أي رفعها عن الأرض واضعًا أصابعه عليها، وهذه الجلسة هي التي تعرف عند الفقهاء بالافتراش. \" وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته \" أي وإذا جلس للتشهد الأخير، جلس على مقعدته، ونصب رجله اليمنى، وقدم اليسرى، وهو ما يعرف بالتورك.\nويستفاد منه: أنه يسن الافتراش في التشهد الأوَّل، وهو أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى \" والتورك \" في التشهد الأخير، وهو أن يجلس على مقعدته، ويقدم اليسرى، وينصب اليمنى، وهو مذهب الشافعي حيث قال: يسن الافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني، واختار أبو حنيفة الافترش في التشهدين لحديث عائشة ﵂ \" أن رسول الله - ﷺ - كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى \" أخرجه مسلم، واختار مالك التورك فيهما لما رواه في \" الموطأ \" عن القاسم بن محمد أنه جلس على وركه اليسرى ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عمر وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. الحديث: أخرجه الأربعة أيضًا. والمطابقة: في قوله: \" وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى \" إلى آخر الحديث، حيث دل على افتراشه - ﷺ - في التشهد الأول، وتوركه في الثاني، والله أعلم.\n***","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>٣١٨ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يرَ التَّشَهُّدَ الأوَّلَ وَاجِبًَا </span>\"\n٣٧٤ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَةَ ﵁:\n\" أنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَم يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذا قَضَى الصَّلَاةَ، وانتظر النَّاسُ تَسلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْن. قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ \".\nــ\n٣١٨ - \" باب من لم ير التشهد الأول واجبًا \"\n٣٧٤ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن بحينة ﵁: \" أن النبي - ﷺ - صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوْليين ولم يجلس \" للتشهد الوسط، أي أنه ترك التشهد الأول سهوًا، ولما استوى قائمًا لم يجلس بعد قيامه، ليأتي بالتشهد الذي تركه \" فقام الناس معه \" أي فتبعه الناس في قيامه إمّا لعلمهم بأن الإمام إذا استوى قائمًا لا يرجع للجلوس الوسط، أو لأنهم سبحوا له فأشار إليهم بالقيام فقاموا معه، كما أفاده الباجي \" حتى إذا قضى صلاته، وانتظر الناس تسليمه \" أي حتى إذا حان وقت السلام \" كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم \" أي كبّر وسجد سجدتي السهو قبل السلام.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن التشهد الأول سنة، وليس بواجب، لكونه - ﷺ - قام من الركعتين ولم يرجع (١) وهو مذهب أكثر أهل العلم خلافًا لأبي حنيفة، حيث ذهب إلى وجوبه، قال في \" الهداية \": التشهد الأول واجب، وقيل سنة، وهو الأقيس، لكنه خلاف ظاهر الرواية عن أبي حنيفة.\nوفي \" المغني \" روايتان عن أحمد. ثانيًا: مشروعية سجود السهو قبل السلام\n_________\n(١) ولو كان التشهد الأول واجبًا لجلس بعد قيامه، ليأتي به، لأن الواجب لا يترك.","vol":"2","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>٣١٩ - \" بَابُ التَّشَهُّدِ في الآخِرَةِ </span>\"\n٣٧٥ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النبِيِّ - ﷺ - قلنا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ ومِيكَائِيلَ، السلامُ علَى فُلانٍ وفُلان، فالْتَفَتَ إلَيْنَا النَّبِي - ﷺ - فَقالَ: \"إنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لله والصَّلَوَاتُ والطيباتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبِيُّ ورحمةُ اللهِ وبركَاتَهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإنَّكُمْ إذا قُلْتُموهَا أصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالح في السَّمَاءِ والأرْض، أشْهَدُ أنْ لا\nــ\nوهو مذهب الشافعيّة، وسيأقي تفصيله في موضعه. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في كونه - ﷺ - ترك التشهد الأول ولم يجلس بعد قيامه ليأتي به.\n٣١٩ - \" باب التشهد في الآخرة \"\n٣٧٥ - معني الحديث يقول ابن مسعود ﵁: \" كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - قلنا \" في أول التشهد \" السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان \" أي أنهم كانوا يسلمون على الملائكة بأسمائهم، واحدًا واحدًا، كما في رواية أخرى فتعُدُّ من الملائكة ما شاء الله أخرجه ابن ماجة \" فالتفت إلينا النبي - ﷺ - فقال: إنّ الله هو السلام \" أي لا تقولوا في التشهد السلام على الله، لأن السلام اسم من أسمائه، وصفة من صفاته.\nوكيف تسألون له السلامة وهو الذي يعطيها لعباده، فلا تقولوا هذه التحية التى تليق بالبشر، ولا تليق بخالق البشر، ولكن قولوا صيغة التشهد المشروعة \"فإذا صلّى أحدكم فليقل: التحيات لله (١) والصلوات (٢) والطيبات (٣)\n_________\n(١) أي البقاء لله وحده.\n(٢) أي أن الصلوات كلها لا تكون إلا لله فرضًا أو نفلًا.\n(٣) أي أنه المنفرد بجميع المحامد لأن الكمال المطلق له وحده.","vol":"2","page":210},{"text":"إلَهَ إلَّا اللهُ، واشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه\".\nــ\nالسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح\" أي فإنكم إذا قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين انتفع بهذا السلام كل عبد صالح في الأرض أو السماء فتشمل الملائكة والجن والإنس، ثم أتم - ﷺ - التشهد بقوله: \" أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله \" فختمه بالشهادتين، ولذلك سمّي بالتشهد لاشتماله على النطق بشهادة الحق، تغليبًا لها لشرفها، كما أفاده الزرقاني.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية التشهد في الصلاة، وقد اختلف العلماء في حكم التشهد الأول والأخير. فأمّا الأول: فهو سنة عند أكثر أهل العلم، خلافًا لأحمد في رواية، وأبي حنيفة في الصحيح من مذهبه.\nوأما الثاني: فهو ركن عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه، لحديث ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا تجزىء صلاة إلاّ بتشهد \" أخرجه سعيد بن منصور في \" سننه \" ولما روى عن ابن مسعود ﵁ قال: \" علمني رسول الله - ﷺ - التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن: \" التحيات لله \" رواه الجماعة وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنّه سنة (١) واستدل المالكية على سنيته بحديث المسيء في صلاته لأنه - ﷺ - علمه أركان الصلاة فلم يذكر التشهد. ثانيًا: دل الحديث على الصيغة المشروعة في التشهد كما يرويها ابن مسعود وهي المختارة عند أحمد وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، واختار مالك تشهد عمر الذي علّمه الناس على منبر النبي - ﷺ -، فقال لهم قولوا: التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله \" حيث لم ينكر عليه الصحابة، فجرى مجرى الحديث المتواتر (٢)، واختار الشافعي\n_________\n(١) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ١.\n(٢) \" شرح الباجي على الموطأ \" ج ١.","vol":"2","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>٣٢٠ - \" بَابُ الدُّعَاءِ قَبلَ السَّلَامِ </span>\"\n٣٧٦ - عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ورَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَدْعُو في الصَّلَاةِ: \" اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأثَمِ والْمَغْرَمِ \"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ؟ فَقَالَ: \" إِنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأخْلَفَ \".\nــ\nتشهد ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: \" التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله \" قال الزرقاني: وهذا الاختلاف كله إنما هو في الأفضل، ولذا قال ابن عبد البر: كلٌ حسن متقارب المعنى اهـ. أما الصلاة في التشهد الأخير فهي ركن عند الشافعي وأحمد خلافًا لغيرهما. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة في قوله: \" إذا صلّى أحدكم فليقل التحيات لله \".\n٣٢٠ - \" باب الدعاء قبل السلام \"\n٣٧٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: \" أنّ رسول الله - ﷺ - كان يدعو في الصلاة \" أي كان - ﷺ - يدعو بعد التشهد الأخير من كل صلاة ببعض الأدعية المأثورة \" فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر \"، أي أستجير بك وألجأ إليك أن تنجيني منه، \" وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال \"، أي وأستجير بك أيضًا وأسألك أن تحميني من فتنة الدجال، حتى لا أقع تحت تأثيره، فيغويني ويضلني، \" وأعوذ بك من فتنة المحيا \"، أي وأسألك أن تحميني مدة حياتي من جميع الفتن الدنيوية والأخروية \" وفتنة الممات \" أي وأن تحميني من فتنة الشيطان عند الموت،","vol":"2","page":212},{"text":"٣٧٧ - عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁:\nأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً، أدْعُو به في صَلَاتِي؟ قَالَ: \" قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّيِ ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًَا كَثِيرًا، ولَا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةَ مِنْ عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إنكَ أنتَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ \".\nــ\nحال الاحتضار، فقد ورد أن الشيطان يأتي للعبد. في صورة بعض أقاربه، وفي يده قدح من ماء فيزين له الكفر ويؤكد له أنه طريق النجاة \" اللهم إني أعوذ بك من المأثم \" أي من كل معصية وخطيئة \" والمغرم \" أي ومن كل دين أعجز عن تسديده، \" فقال له قائل: ما أكثر مما تستعيذ من المغرم؟\nفقال: إن الرجل إذا غرم \" أي إذا تحمل دينًا لا يقدر على أدائه كان فتنة له في دينه وخلقه، لأنه إذا طارده الدائن حدّث فكذب، ووعد فأخلف \" اضطرارًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب الدعاء بعد التشهد الأخير.\nثانيًا: إثبات خروج الدجال، وكونه حقيقة ثابتة، لأنه - ﷺ - استعاذ منه.\nثالثًا: إثبات عذاب القبر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nوالمطابقة: في قولها: \" كان يدعو في الصلاة \".\n٣٧٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو بكر الصديق ﵁ أنه سأل النبي - ﷺ - أن يعلمه دعاءً يدعو به بعد التشهد الأخير، وقبل السلام، ويواظب عليه في آخر صلاته، فعلمه هذا الدعاء \" قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا \" باقتراف الخطايا، لأن اقترافها ظلم للنفس، وجناية عليها، لما فيه من تعريضها للعقوبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)، وفي الأثر \" ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة \" ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت \" أي ولا يستر الذنوب ولا يعفو","vol":"2","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>٣٢١ - \" بَابُ مَا يَتَخيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التشَهُّدِ ولَيْسَ بِوَاجِب </span>\"\n٣٧٨ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\nأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \" ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو\".\nــ\nعنها ويسقط العقوبة عن فاعلها، ويصونه عن النار إلا أنت وحدك، \" فاغفر لي مغفرة من عندك \" أي فاغفر لي مغفرة تليق بكرمك وجودك على قدر رحمتك الواسعة، وعفوك الذي لا يحد، \" وارحمني انك أنت الغفور الرحيم \" أي فإذا طمعْتُ في عفوك وغفرانك فأنت واسع المغفرة والرحمة، فكيف لا أطمعُ فيك وقد وسعت رحمتك كل شيء. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه أبو داود.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب الدعاء في الصلاة بعد التشهد الأخير قبل السلام، واختيار الدعوات المأثورة، لأنها أفضل وأعظم نفعًا من سواها، فلم يأمرنا بها - ﷺ - إلاّ لما فيها من الخير الكثير، وإن كان الدعاء مشروعًا بأي صيغة إلا أنها أفضل. ثانيًا: أن الاعتراف بالخطايا والشعور بالنقص، هو عين الكمال ولذلك علم النبي - ﷺ - الصديق أن يقول في دعائه \" اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا \". والمطابقة: في كونه - ﷺ - أمر أبا بكر ﵁ أن يدعو بهذا الدعاء قبل السلام.\n٣٢١ - \" باب ما يتخيّر من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب \"\n٣٧٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁: \" أن النبي - ﷺ - قال: \" بعد أن ذكر صيغة التشهد المشروعة إلى قوله: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا عبده ورسوله \" ثم يتخيّر من الدعاء أعجبه \" أي ثم يجوز للمصلي بعد الانتهاء من التشهد والصلاة على النبي - ﷺ - وقبل","vol":"2","page":214},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>٣٢٢ - \" بَابُ التَّسْلِيم </span>\"\n٣٧٩ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أنْ يَقُومَ \".\nــ\nالسلام أن يختار لنفسه ما شاء من الدعاء فيدعو به، وليس عليه التقيد بدعاء مخصوص إلا أن الأدعية المأثورة أفضل. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة.\nويستفاد منه: أنه يجوز للمصلّي اختيار ما شاء من الدعاء، وأن يسأل ما يريد من أمور الدنيا والآخرة، وهو مذهب مالك والشافعي، وأكثر أهل العلم لحديث الباب، وحديث ابن عمر ﵄ أنه قال: \" ثم يدعو بما بدا له \" أخرجه مالك في \" الموطأ \" موقوفًا عليه، قال. الباجي: معنى قوله: \" ثم يدعو بما بدا له \" أي من أمر دينه ودنياه، مما لا يمنع الدعاء به، ويدعو على الظالم، ويدعو للمظلوم، والأصل في ذلك ما رواه البخاري.\nوقال أبو حنيفة: لا يدعو في الصلاة إلاّ بالأدعية المأثورة أو ما شابه ألفاظ القرآن، وحديث الباب يدل على التخيير، ولا يستثنى من ذلك سوى الأدعية المحرمة. والمطابقة: في قوله: \" ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو\".\n٣٢٢ - \" باب التسليم \"\n٣٧٩ - معنى الحديث: تقول أم سلمة ﵂: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا سلم \" من صلاته \" قام النساء حين يقضي تسليمه \" أي انصرف النساء من المسجد بعد تسليمه - ﷺ - مباشرة لئلا يختلطن بالرجال، \" ومكث يسيرًا \" أي وبقي النبي - ﷺ - في المسجد قليلًا، ليتأخر الرجال","vol":"2","page":215},{"text":"عن الخروج بعض الوقت، ويفسحوا الطريق للنساء. الحديث: أخرجه أبو داود والنسائي أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية التسليم عند الخروج من الصلاة كما ترجم له البخاري. واختلفوا في حكمه كما قال ابن رشد (١): فقال الجمهور بوجوبه، وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس بواجب، فذهب الجمهور إلى ظاهر حديث علي ﵁ حيث قال: فيه \" وتحليلها التسليم \" وأما أبو حنيفة فذهب إلى ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته \" لكن قال ابن عبد البر: حديث علىٍّ المتقدم أثبت عند أهل النقل، لأن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص تفرد به الإِفريقي وهو ضعيف، قال ابن القيم في \" تهذيب السنن \" حديث على صريح الدلالة على أنه لا ينصرف من الصلاة إلاّ بالتسليم، واختلفوا في عدد التسليمات، فقال أحمد: التسليمتان واجبتان (٢)، وهو الرواية المشهورة عنه. وقال الشافعي: الأولى فرض، والثانية سنة، وفرّق مالك بين المأموم وغيره، فقال: على المأموم تسليمتان، الأولى فرض، والثانية مستحبة، وليس على غيره سوى تسليمة واحدة، وهي واجبة، وقال أبو حنيفة: التسليمتان سنتان. ثانيًا: مشروعية خروج النساء من المسجد قبل الرجال لئلا يختلطن بالرجال.\nوالمطابقة: في قوله: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا سلم \".\n...\n_________\n(١) \" بداية المجتهد \" ج ١.\n(٢) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ١.","vol":"2","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>٣٢٣ - \" بَابٌ يُسَلِّمُ حِينَ يُسَلِّمُ الِإمَامُ </span>\"\n٣٨٠ - عَن عِتْبَانَ ﵁ قَالَ:\n\"صَلَّيْنَا مَعَ النبِيِّ - ﷺ - فسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ\".\nــ\n٣٢٣ - \" باب يسلم حين يسلم الإِمام \"\n٣٨٠ - معنى الحديث: يقول عتبان بن مالك ﵁:\n\" صلينا النبي - ﷺ - \" أي صلينا خلف النبي - ﷺ - صلاة الجماعة \" فسلمنا حين سلّم \" أي فسلمنا عندما سلم النبي - ﷺ -، وهذا يحتمل أنّهم سلموا مع النبي - ﷺ -، ويحتمل أنهم سلموا بعده. الحديث: \" أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: أنّ المأموم يسلم حين يسلم إمامه، ولا يجوز أن يتقدمه بالسلام، وهو مذهب أهل العلم اتفاقًا، غير أنهم اختلفوا هل يسلم معه أو بعده، فقال أبو حنيفة في رواية يسلم معه، وذهب المالكية إلى أنه يسلم بعده كما جاء في \" الرسالة \" حيث قال: \" ويسلم بعد سلامه \" قال النفراوي: فإن شرع في السلام قبله عمدًا أو جهلًا بطلت صلاته، ومثل السبق المصاحبة في ابتدائه، أما لو سبقه سهوًا، لأمر بالسلام بعد الإِمام، ولم تبطل صلاته.\nوقال الشافعي يسلّم المقتدى بعد فراغ الإِمام من التسليمة الأولى فلو سلّم مقارنًا لسلامه بطلت على القول بأن نية الخروج شرط ولم تبطل على القول بأنها غير واجبة. اهـ. كما أفاده العيني. والمطابقة: في قوله: \" فسلمنا حين سلم \".\n***","vol":"2","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>٣٢٤ - \"بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ</span>\"\n٣٨١ - عن ابْنِ عَباس ﵄:\n\" أنَ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالْذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ، كانَ عَلَى عَهْدِ النَبِيِّ - ﷺ -، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ \".\nــ\n٣٢٤ - \" باب الذكر بعد الصلاة \"\n٣٨١ - مضى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أن رفع الصوت بالذكر \" على اختلاف أنواعه من تهليل وتسبيح وتكبير \" حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - ﷺ - \"، أي: كان موجودًا في زمنه - ﷺ - بعد كل صلاة من الصلوات الخمس، فإن أصحاب النبي - ﷺ - كانوا إذا فرغوا من الصلاة المكتوبة، وانتهوا من صلاة الجماعة معه - ﷺ - في مسجده؛ رفعوا أصواتهم بذكر الله مهللين مكبرين وكان - ﷺ - يقرهم على ذلك (١). قال العيني: ومثل هذا يحكم له بالرفع عند الجمهور، خلافًا لمن شذ في ذلك، \" وقال ابن عباس ﵄: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته \" أي: كنت أعرف انتهاءهم من صلاة الجماعة بارتفاع أصواتهم بهذا الذكر حيث كانوا يذكرون الله بأصوات عالية تسمع من بعيد.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به بعض السلف على استحباب رفع الصوت بالذكر عقب الصلاة المكتوبة، وهو مذهب ابن حزم. قال ابن بطال: وأصحاب المذاهب المتبعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر، وحمل الشافعي هذا الحديث على أنه - ﷺ - جهر لتعليمهم،\n_________\n(١) ولكن لم يكن جماعيًا، بل كل يذكر الله تعالى وحده. (ع)","vol":"2","page":218},{"text":"٣٨٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: \" جَاءَ الْفُقَرَاءُ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فقالُوا: ذَهَبَ أهل الدثُورِ مِنَ الأمْوَالِ بالدَّرَجَاتِ العُلَى والنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلُ أمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدِّقُونَ، فَقَالَ: \"ألا أحَدِّثُكُمْ بِأمْرٍ إنْ أخَذْتُمْ بِهِ أدْرَكتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَير مَنْ أنتمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، الَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ، وَتُحْمَدُونَ،\nــ\nولم يجهر دائمًا. وروى ابن القاسم عن مالك: أنّ رفع الصوت بالذكر عقب الجماعة محدث، كما أفاده العيني. ثانيًا: مشروعية الذكر بعد الصلاة كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \" إنّ رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي - ﷺ - \".\n٣٨٢ - معنى الحديث: أن أبا هريرة ﵁: \" قال: جاء الفقراء إلى النبي - ﷺ - فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم \"، أي فاز أصحاب الأموال علينا بالمنازل العالية في الجنة، وحصلوا على ما لم نحصل عليه من نعيمها. وسبب ذلك أنهم \" يصلون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون \"، أي إنما سبقونا، وفازوا علينا؛ وأدركوا من الدرجات ما لم ندركه، لأنّهم شاركونا في العبادات البدنية، ولم نشاركهم في العبادات المالية، لأننا لا قدرة لنا عليها، حيث إننا لا نملك من المال ما يمكننا منها. فزادوا علينا في الأجر والثواب، بسبب زيادة أعمالهم \" فقال - ﷺ -: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم \" أي: ألا أخبركم بشيء إن واظبتم عليه لحقتم بهؤلاء الأغنياء، وحصلتم على ثواب الحج والعمرة وغيرها من العبادات المالية، \" ولم يدرككم أحد بعدكم \"، أي لا يساويكم","vol":"2","page":219},{"text":"وَتُكَبرونَ خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاِثينَ، فاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَالَ، بَعْضُنَا: نُسَبِّح ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَنُحْمِّدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثينَ، وَنُكَبَر أرْبَعًا وَثلَأثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: \" تَقُولُ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ وَاللهُ أكبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهُنَّ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ \".\n٣٨٣ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْن شُعْبَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: \"لا إِلَهَ إلَّا\nــ\nأحد في الثواب والأجر، \" وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم \" أي: وصرتم أفضل أهل زمانكم، \" إلاّ من عمل مثله \" أي: إلاّ من عمل مثل عملكم، ثم بين هذا العمل الذي يرفع من درجاتهم في قوله: \" تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة \". أي: بعد كل صلاة مكتوبة \" ثلاثًا وثلاثين \"، مرةً \" قال الراوي: فاختلفنا بيننا \" أي في كيفية هذا الذكر، هل يأتي بالتسبيح ثلاثًا وثلاثين، ثم بالتحميد مثل ذلك ... إلخ، أو يأتي بالمجموع ثلاثًا وثلاثين مرة. قال: \" فرجعت إليه \" أي: فسألت النبي - ﷺ - عن ذلك، \" فقال: تقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كُلِّهِنَّ ثلاثًا وثلاثين مرة \" ثم تختم بالتهليل. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٣٨٣ - معنى الحديث: يحدثنا المغيرة بن شعبة ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان يقول في دبر كل صلاة \" أي: بعد كل صلاة مكتوبة \" لا إله إلاّ الله وحده، - لا شريك له، له الملك (١)، وله الحمد (٢)، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت \" لأن خزائن\n_________\n(١) أي له الملك الدائم، وكل ملك لغيره إلى زوال.\n(٢) أي وله الثناء الحقيقي ملكًا واستحقاقًا، لأنه المنفرد بالكمال المطلق.","vol":"2","page":220},{"text":"اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، ولَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>٣٢٥ - \" بَابٌ يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ </span>\"\n٣٨٤ - عَنْ سَمُرَةَْ بْنِ جُنْدُبَ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا صَلَّى صَلَاةً أقبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ \".\nــ\nالأرزاق بين يديك تعطي وتمنع كما تشاء، \" ولا ينفع ذا الجد (١) منك الجد \" أي ولا يمنع الغني ماله من عذابك يوم القيامة، ولا يدفع عنه عقابك إن كان عاصيًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد من الحديثين مما يأتي: أولًا: استحباب الذكر بعد الصلوات المكتوبة بالتسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين مرة، لأنّ ثوابه يعدل ثواب الصدقة والحج والعمرة. ثانيًا: أن من الأذكار المسنونة بعد الصلاة أن تقول لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. ثالثًا: فضل الغني الشاكر على الفقير الصابر إذا تساويا في العبادات البدنية. مطابقة الحديثين للترجمة: في قوله: \" تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة \" وقوله: \" كان - ﷺ - يقول في دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... إلخ \".\n٣٢٥ - \" باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم \"\n٣٨٤ - معنى الحديث: يقول سمرة بن جندب ﵁:\n_________\n(١) وهو الغنى والمال الكثير.","vol":"2","page":221},{"text":"٣٨٥ - عَنْ زَيْد بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِي (١) ﵁:\nأنَّه قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصبحِ بالْحُدَيْبِيَةِ علَى أثْر سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أقْبَلَ عَلَى النَّاس، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قالَ رَبُّكُمْ ﷿؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ! قَالَ: \"أصْبَحَ مِنْ عِبَادِيَ مُؤْمِن بِي وَكَافِر، فَأمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ\nــ\n\" كان رسول الله - ﷺ - إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه \" أي كان إذا صلّى صلاة مكتوبة، وفرغ منها، توجه إلينا، واستقبلنا بوجهه بعد سلامه.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\n٣٨٥ - معنى الحديث: يقول زيد بن خالد الجهني ﵁:\n\" صلى لنا رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح بالحديبية \" بضم الحاء، وفتح الدال، وسكون الياء الأولى، وكسر الباء، وفتح الياء الثانية المخففة عند البعض والمشددة عند أكثر المحدثين. وهي قرية قريبة من مكة سمّيت \" الحديبية \" باسم بئرٍ فيها. \" على إثر سماء كانت من الليل \" أي صلَّى صلاة الصبح في الحديبية بعد مطر نزلت في تلك الليلة. \" فما انصرف \"، أي: فلما سلّم من صلاته، \"أقبل على الناس\" بوجهه الشريف، \" فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم ﷿؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال \" أي قال الله تعالى: \" أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر \" أي أصبح الناس بالنسبة إلي نزول الأمطار على قسمين: قسم مؤمن بالله تعالى لا يشرك به شيئًا، وقسم كافر بوحدانية الله تعالى. \" فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته \" فأسند إنزال الأمطار حقيقة إلى الله تعالى \" فذلك مؤمن بي \" أي مؤمن بوحدانيتي \"وكافر\n_________\n(١) زيد بن خالد: قال ابن الأثير: هو أبو طلحة، وقيل: أبو عبد الرحمن بن خالد الجهني، من جهينة بن زيد نزل الكوفة، روى عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعطاء بن يسار. مات بالكوفة سنة ثمانٍ وسبعين، ويقال: مات في آخر أيام معاوية، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقيل في وفاته غير ذلك.","vol":"2","page":222},{"text":"مُؤْمِن بِي وَكَافِر بالكَوْكَبِ، وَأمَّا مَنُ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بالْكَوْكَبِ\".\nــ\nبالكوكب وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب \" أي: وأما من نسب الأمطار وغيرها من الحوادث الأرضية إلى تحركات الكواكب في طلوعها وسقوطها معتقدًا أنّها الفاعل الحقيقي فهو كافرٌ مشرك في توحيد الربوبية. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nومطابقة الحديثين للترجمة: في قوله: \" أقبل علينا بوجهه \" في الحديث الأول وقوله: \" أقبل على الناس \" في الثاني.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: أنه يسن للإمام بعد سلامه أن يتحول عن القبلة، ويستقبل المأمومين بوجهه، أما كيف يتحول يمينًا أو يسارًا فقد اختلف في ذلك أهل العلم، فذهبت المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يتحول إلى جهة اليمين لما جاء في حديث البراء بن عازب ﵄ قال: \" كنا إذا صلينا خلف رسول الله - ﷺ - أحببنا أن نكون عن يمينه، فيقبل علينا بوجهه \". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي. وذهبت الحنفيّة إلى أنه يستحب له أن يتحول إلى جهة اليسار لما رواه مسلم عن ابن مسعود قال: \" أكثر ما رأيت رسول الله - ﷺ - ينصرف عن شماله \". اهـ. كما أفاده في \" المنهل العذب \" (١). ثانيًا: أنّ إسناد الحوادث من مطر، وخصب، وجدب، وولادة، وموت إلى تقلبات الأنواء، مع اعتقاد فاعليتها حقيقةً كفر وشرك في ربوبية الله تعالى، لقوله - ﷺ -: \" أما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب \" وكذلك من اعتقد أنها مصدر السعد والنحس. قال ابن تيمية: \"واعتقاد المعتقد أن نجمًا من النجوم هو المتولّي\n_________\n(١) \" المنهل العذب شرح سنن أبي داود \" ج ٤.","vol":"2","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>٣٢٦ - \" بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فتخطَّاهُمْ </span>\"\n٣٨٦ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - بالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًَا، فَتَخَطى رِقَابَ النَّاس إلى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، ففزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فخَرَجَ عَلَيْهِمْ فرأى أنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: \" ذَكَرْتُ شَيْئًَا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أنْ يَحْبِسَنِي فأمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ \".\nــ\nبسعده ونحسه اعتقاد فاسد وإن اعتقد أنه هو المدبر له فهو كافر (١) .. \". اهـ.\n٣٢٦ - \" باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم \"\n٣٨٦ - معنى الحديث: يقول عقبة بن الحارث النوفلي ﵁: \" صليت وراء النبي - ﷺ - بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس \" أي تجاوزهم، \" فرأى أنهم عجبوا من سرعته \" أي فلاحظ أنهم قد تشوشوا من فعله هذا، فشرح لهم سبب ذلك، \" فقال: ذكرت شيئًا من تبر عندنا \" أي تذكرت وجود بعض الذهب في بيتي \" فكرهت أن يحبسني \"، أي أن يشغل بالي، \" فأمرت بقسمته \" أي فأحضرته لآمر بقسمته. الحديث: أخرجه النسائي أيضًا. والمطابقة: في قوله: \" يتخطى رقاب الناس \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: جواز تخطي الرقاب في المسجد لعذر شرعي كالرعاف وحرقة البول، والغائط، أو تذكر أمر هام. ثانيًا: أن التفكير في الأمور الدنيوية لا يفسد الصلاة.\n_________\n(١) \" الفتاوى الكبرى \" لابن تيمية ج ١.","vol":"2","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>٣٢٧ - \" بَابُ الانفِتَالِ والإِنصِرَافِ عَنِ اليمِينِ والشَّمَالِ </span>\"\n٣٨٧ - عن ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: \" لا يَجْعَلَنَّ أحَدُكُمْ لِلشيطَانِ شَيئًَا مِنْ صَلَاِتهِ يَرَى أن حَقًَّا عَلَيْهِ أن لا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينهِ لَقَدْ رَأيت النَّبِيَّ - ﷺ - كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يِسَارِهِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>٣٢٨ - \" بَابُ مَا جَاءَ في الثُّومِ النيءِ والْبَصَلِ وَالْكرَّاثِ </span>\"\n٣٨٨ - عنْ جَابِرٍ ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أكلَ ثُومًا أوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أوْ فلْيعْتَزِلْ\nــ\n٣٢٧ - \" باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال \"\n٣٨٧ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" لا يجعل أحدم للشيطان شيئًا من صلاته \" أي لا يمكِّن الشيطان من الوسوسة له بأشياء ليست مطلوبة شرعًا، ومن ذلك \" أن يرى حقًا عيه أن لا ينصرف \" من صلاته \" إلاّ عن يمينه \" أي يرى أنه يجب عليه إذا سلّم أن ينصرف إلى جهة يمينه \" لقد رأيت النبي - ﷺ - كثيرًا ما ينصرف عن يساره \" أي رأيته كثيرًا ينصرف من صلاته إلى الجهة اليسرى. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الانصراف من الصلاة يكون يمينًا ويسارًا. ثانيًا: استدل به الحنفية على أنه يستحب للأمام أن ينصرف بعد السلام إلى يساره. والمطابقة: في قوله: \" كثيرًا ما ينصرف عن يساره \".\n٣٢٨ - \" باب ما جاء في الثوم النِّيء (١) والبصل والكراث \"\n٣٨٨ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ في هذا الحديث:\n_________\n(١) بالنون المشددة والياء المكسورة والهمزة وهو غير الناضج.","vol":"2","page":225},{"text":"مَسَاجِدَنَا، وَلَيَقْعُدْ في بَيْيهِ، وأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُول، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَألَ فَأخبر خْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: قَرِّبُوهَا\"\nإلى بَعْضِ أصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أكْلَهَا قَالَ: كُلْ، فَإِنِّى أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي\".\nــ\n\"أنَّ النبي - ﷺ - قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا أو فليعتزل مساجدنا \"، أي فليبتعد عن مجالسنا، أو لا يدخل مساجدنا، شك من الراوي، ويحتمل أنه - ﷺ - نهي عن هذا وذاك، \" وأنّ النبي - ﷺ - أتي بقدر فيه خضرات \"، أي قدم إليه قدر من طعام في داخله \" خضرات \" (بفتح الخاء وكسر الضاد) \" من بقول \" (١)، أي بعض خضروات متنوعة مطبوخة، كالثوم، والكراث، والبصل، ونحوه \" فوجد لها ريحًا \" كريهةً، \" فقال: قربوها إلى بعض أصحابه \" أي فأمر بتقديمها إلى بعض أصحابه ليأكل منها، فكره أن يأكل مخافة أن تكون حرامًا. \" فلما رآه كره أكلها قال: كل \" أي كل من هذه البقول فإنّها مباحةُ الأكل \" فإني أناجي من لا تناجي \" فإنما امتنعت عنها، وتركت أكلها لا لحرمتها، ولكن لأني أكلِّم الملائكة الذين لا تكلّمهم أنت، فلا تقس نفسك عليَّ. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه: أنه يكره دخول المسجد لكل من أكل من البقول الكريهة الرائحة كالثوم، والبصل، والكراث، ما دامت رائحتها موجودة في فمه.\nأمّا مجرد أكلها فإنها طعام حلال مباح الأكل شرعًا، وإنما يكره أكلها لمن أراد دخول المسجد، أو مقابلة من يتأذّى برائحتها لقوله - ﷺ -: \" فإني أناجي من لا تناجي \". مطابقة الحديث للترجمة: في قوله - ﷺ -: \"من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو فليعتزل مساجدنا، والله أعلم \".\n_________\n(١) البقول في الأصل النباتات التي لا ساق لها كالثوم والكراث والبصل.","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>٣٢٩ - \" بَابُ خرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ باللَّيْلِ وَالْغلْسِ </span>\"\n٣٨٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا اسْتَأذَنَكُمْ نِسَاؤكُمْ باللَّيْل وإلى المَسْجِدِ فَأذَنُوا لَهُنَّ \".\nــ\n٣٢٩ - \" باب خروج النساء إلى المساجد بالليل والغلس \"\n٣٨٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد \" أي: في الذهاب إلى المسجد في الليل، \" فأذنوا لهن \"، وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله \" أخرجه مالك في \" الموطأ \". وقوله \" بالليل \" هذا القيد في البخاري ومسلم فقط، ولم يذكره - ﷺ - أكثر الرواة عن حنظلة كما أفاده القسطلاني وزيادة الثقة مقبولة. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يستحب لولي المرأة من زوج أو غير إذا استأذنته في الخروج إلى المسجد أن يأذن لها، لقوله - ﷺ - في حديث الباب \" فأذنوا لهن \". والأمر للندب كما قال البيهقي، ولكن ذلك مندوب إذا أمِنَ الفتنة. أما إذا خشي فتنةً أو وقوع مفسدة، فلا يأذن لها، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. ثانيًا: أن قوله: \" بليل \" يدل على اختيار الأوقات المناسبة لخروجها إلى المسجد، كوقت العشاء، أو الصبح، حيث ينتشر الظلام فيسترها، فيأمن الناس من فتنتها، وذلك لزيادة الاحتياط والاطمئنان. وقد أجمع فقهاء الإِسلام على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل لقوله - ﷺ -: \" صلاتكن في داركن أفضل \"، واختلفوا في جواز حضورها لصلاة الجماعة. فقالت المالكية: إن كانت شابة وخيف منها الفتنة حرم عليها الحضور. وقالت","vol":"2","page":227},{"text":"الشافعية: إن كانت مشتهاة حَرُم عليها الحضور ولو في ثياب رثة، ومثلها غير المشتهاة إذا تزينت وتطبت، وإن كانت عجوزًا غير مشتهاة ولا متزينة ولا متعطرة جاز لها (١). والمطابقة: في قوله: \" فأذنوا لهن \".\n...\n_________\n(١) وقال ابن قدامة: \" يباح لهن حضور الجماعة، لأن النساء كن يصلين مع رسول الله - ﷺ - ولم يقيد ذلك بغير الحسناء.","vol":"2","page":228},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-360> كتاب الجُمُعَةِ </span>\"\nوالجمعة: بضم الميم على المشهور، وحكى الواحدي إسكان الميم وفتحها، ويذكر بعض المؤرخين أنْ هذه التسمية قديمة منذ العصر الجاهلي، وأن أول من سماه \" الجمعة \" قُصَيُّ بن كلاب، فقد جمع قريشًا وقال: هذا يوم الجمعة. والراجح: أنه كان يسمى يوم العروبة، وأوّل من سماه بذلك كعب بن لؤي، كما أفاده الحافظ، ولما جمع أسعد بن زرارة الناس فيه لصلاة أول جمعة بالمدينة سُمِيّ يوم الجمعة، فهي تسمية إسلامية، كما جزم به ابن حزم. وأما صلاة الجمعة: فإنها شرعت بمكة، ولم تصل إلاّ بالمدينة، قال الشبرخيتي (١): فرضت صلاة الجمعة بمكة، ولم يصلها النبي لعدم تمكنه - ﷺ - من ذلك. وأوّل جمعة أقيمت هي التي أقامها أسعد بن زرارة بالمدينة بأمر النبي - ﷺ - قبل قدومه - ﷺ -، وذلك أنه ﵁ جمع في هذا اليوم أربعين رجلًا، وصلاها بهم، وقال: هذا يوم الجمعة، فكانت أوّل جمعة جمعت بالمدينة في بني بياضة حيث بعث النبي - ﷺ - مصعب بن عمير أميرًا على المدينة، وأمره بإقامة صلاة الجمعة، فنزل على أسعد بن زرارة، فأخبره بصلاة الجمعة وأمره أن يصليها بالناس. أما أول جمعة صلّاها النبي - ﷺ - فقد كانت بعد هجرته، حيث أدركته عند نزوله من قباء إلى المدينة، فصلاها في موضع المسجد المعروف بمسجد الجمعة، عند بستان الشربتلية. وخطب\n_________\n(١) \" شرح الشبرخيتي على متن خليل \".","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>٣٣٠ - \" بَابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٣٩٠ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" نَحْنُ الآخِرُونَ، السَّابِقُونَ يَوْمَ لْقِيَامَةِ، بَيْدَ أنَّهُمْ أوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الذي فرَضَ\nــ\nفيها خطبة بليغة، استهلها بقوله: \" الحمد لله أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره \" وأوصى فيها المسلمين بالتمسك بالتقوى. وختمها بقوله: \" فأكثروا ذكر الله، وأعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلّا بالله العِّلي العظيم \" (١).\n٣٣٠ - \" باب فرض الجمعة \"\n٣٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" نحن الآخرون، السابقون يوم القيامة \" أي: نحن معشر الأمة المحمدية وإن تأخرنا عن غيرنا من اليهود والنصارى في الزمن، فقد تقدمنا عليهم في الشرف والقدر والمنزلة، وكان لنا عليهم السبق يوم القيامة، لأنّ هذه الأمة أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يدخل الجنة. \" بيد أنّهم أوتوا الكتاب قبلنا \"، أي فلم يسبقونا بشيء إلاّ بكونهم أعطوا التوراة والإِنجيل قبل أن نعطى القرآن، وليس هذا بفضيلة لهم، لأن كتابنا مهيمن على كتبهم، وشريعتنا ناسخة لشرائعهم \" ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم \" أي ثم إنّ هذا اليوم الذي هو يوم الجمعة كان هو اليوم الذي شرعه الله عيدًا لهم وفرضه عليهم، كما\n_________\n(١) \" تاريخ الطبري \".","vol":"2","page":230},{"text":"اللهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، والنَّصَارى بَعْدَ غَدٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٣٣١ - \" بَابُ الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ </span>\"\n٣٩١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nأَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: \"الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ\nــ\nفرضه علينا، \" فاختلفوا فيه \" ولم يقوموا به، ولم يجعلوه عيدًا لهم كما فرض عليهم. قال النووي: ويمكن أنهم أمروا به صريحًا، فاختلفوا هل يلزم تعينه أم يسوغ لهم إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطئوا \" فهدانا الله له \" أي: فوفقنا الله إلى تعظيمه وإقامة الجمعة فيه كما أُمرنا \" فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا والنصارى بعد غد \" أي فأعيادهم بعد عيدنا، فاليهود عيدهم السبت، والنصارى الأحد.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن صلاة الجمعة فرض عين على كل ذكر مسلم بالغ مستوف للشروط المقررة، لقوله - ﷺ -: \" فرض الله عليهم \" أي فرضه الله عليهم وعلينا. ثانيًا: أن الجمعة عيد المسلمين، والسبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فرض الله عليهم \" أي عليهم وعلينا.\n٣٣١ - \" باب الطيب للجمعة \"\n٣٩١ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري ﵁: \" أشهد على رسول الله - ﷺ - \" أي أخبركم عن النبي - ﷺ - خبرًا أكيدًا صادرًا عن يقين وعلم قاطع، أنه - ﷺ - \"قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل","vol":"2","page":231},{"text":"محْتَلِم، وَأنْ يَسْتَنَّ، وأنْ يَمسَّ طِيبًَا إِنْ وَجَدَ، قَالَ عَمْروٌ: أما الْغسْل فَأشْهَدُ أنَّه وَاجِب، وَأمَّا الإِسْتِنَاْن وَالطِّيْب، فالله أعْلَم أوَاجِب هوَ أمْ لا! ولكِنْ هكَذا في الْحَدِيثِ.\nــ\nمحتلم\" أي الغسل يوم الجمعة حتم على كل ذكر بالغ من المسلمين مطلقًا، جامع أو لم يجامع، أجنب أو لم يجنب، ولكن يخرجه من الوجوب حديث سمرة ابن جندب ﵁: \" من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل \" أي من اكتفى يوم الجمعة بالوضوء فقد أخذ بالرخصة؛ وأجزأه الوضوء؛ ونعمت الرخصة، ومن اغتسل، فالغسل أفضل لأنه سنة مستحبة \" وأن يستن \" أي: وأن يستاك، من الاستنان وهو الاستياك، \" وأن يمس طيبًا إن وجد \" أي: وأن يتطّيب بأي رائحة عطرية، والجملتان معطوفتان على الجملة الأولى. \" قال عمرو\" وهو عمرو بن سليم وهو راوى الحديث عن أبي سعيد \" أما الغسل فأشهد أنه واجب \" واستدل البعض بقوله: واجب على فرضيته وقد حكاه ابن المنذر، وهو قول أهل الظاهر \" أما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا! ولكن هكذا في الحديث \" وإنما توقف في ذلك لأنه تردد في العطف، هل معناه التشريك في كل شيء حتى الوجوب أم لا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به ابن حزم على فرضية الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة على الرجال والنساء، أفاده العيني. والجمهور على أن الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة سُنَّة لا واجب. وروى مالك في \" الموطأ \" عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: \" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الخبابة \" أي كغسل الجنابة في الوجوب عند أبي هريرة لأنّ مذهبه وجوب الغسل حقيقة يوم الجمعة. قال في \"أوجز","vol":"2","page":232},{"text":"المسالك\": نقل ابن المنذر الوجوب عنه. وعن عمار بن ياسر، وهو قول الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، قاله الزرقاني، ونسب صاحب \" الهداية \" ذلك إلى مالك، وكذا ذكر النووي في \" شرح مسلم \": أن ابن المنذر حكى الوجوب عن مالك (١)، لكن كتب المالكية صريحة في ذكر الاستحباب. قال في \" الاستذكار \": لا أعلم أحدًا أوجب الغسل للجمعة إلاّ أهل الظاهر، وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن غسل الجمعة: أواجب هو؟ قال: سنة، قيل له: في الحديث إنه واجب، قال: ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك، وروى أشهب عن مالك أنّه سئل عن غسل الجمعة أواجب هو؟ قال: حسن، وليس بواجب. وقال في \" مختصر خليل \": \" وَسُنَّ غُسْل مُتَّصِلٌ بِالروَاحِ \" فعلم من ذلك أن الغسل عند المالكية ليس بواجب، وهو نص الإمام مالك كما تقدم، وقال الحافظ: \" وحكاه أي الوجوب ابن المنذر والخطابي عن مالك \"، وقال القاضي عياض وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه وقال ابن دقيقَ العيد: \" قد نص مالك على وجوبه فحمله من لم يمارس مذهبه على ظاهره، وأبي ذلك أصحابه، والرواية عن مالك بذلك في \" التمهيد \" وكذلك ما في كتب الحنابلة هو غير الوجوب قال في \" نيل المآرب \": الأغسال المستحَبَّة ستة عشر غسلًا، آكدها الغسل لصلاة جمعةِ في يومها. وفي \" الروض المربع \": ويسن أن يغتسل في يومها لخبر عائشة ﵂ \" لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا \" إلَّا أن ابن القيم قال في \" زاد المعاد \": الناس في وجوبه ثلاثة أقوال النفي والإثبات والتفصيل بين من به رائحة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مستغن عنه فيستحب له، والثلاثة لأصحاب أحمد، فعلم أنّ المسألة فيما بينهم خلافية، لكن المشهور في متونهم عدم الوجوب كما تقدم، واختلفوا فيما بينهم في أنّه مستحب أو سنة مؤكدة، وما ورد من الأوامر\n_________\n(١) \" أوجز المسالك شرح موطأ مالك \" للشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ج ٢.","vol":"2","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-363>٣٣٢ - \" بَابُ فضلِ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٣٩٢ - عَن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ\n\nــ\nوألفاظ الوجوب إمّا محمول على التأكيد، أو على النسخ (١). اهـ. ثانيًا: مشروعية \" الطيب للجمعة \" كما ترجم له البخاري وهو واجب عند بعض الظاهرية (٢)، لقوله - ﷺ - \" الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا \" حيث عطف مسَّ الطيب على الغسل، والمعطوف على الواجب واجب، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة، وحملوا لفظ الوجوب على التأكيد أو على النسخ كما في الغسل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وأن يمس طيبًا \".\n٣٣٢ - \" باب فضل الجمعة \" (٣)\n٣٩٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة \" أي غسلًا شرعيًا كغسل الجنابة لا غسل تبرد واستحمام، أو غسلًا مترتِّبًا عن الجنابة بأن جامع واغتسل، لحديث أوس ﵁ أنّه - ﷺ - قال: \" من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها عمل سنة، أجر صيامها وقيامها \" أخرجه أصحاب السنن. قال وكيع: معنى قوله \" اغتسل وغسل \" أي: اغتسل هو وغسل امرأته، يعني أحوجها إلى الاغتسال بسبب مجامعته لها \"ثم\n_________\n(١) \" أوجز المسالك شرح موطأ مالك \" ج ١.\n(٢) قال في \" الفتح الرحماني \": وقد كان أبو هريرة يوجب الطيب، ولعله وجوب سنة أو أدب. اهـ. كما في \" أوجز المسالك \" ج ٢.\n(٣) قال العيني: هذه تشمل صلاة الجمعة ويوم الجمعة.","vol":"2","page":234},{"text":"رَاحَ فكأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنمَا قَرَّبَ كَبْشًَا أقْرَنَ، ومنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فكأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومَنْ رَاحَ في السَّاقَي الْخَامِسَةِ فَكَأنمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَ خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ\".\nــ\nراح\" أي في الساعة الأولى \"فكأنما قرّب بدنة\" أي: فكأنما تصدق ببدنة، وهي الذكر أو الأنثى من الإِبل \" ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن \" أي له قرنان، وهو أفضل وأكمل \" ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإِذا خرج الإِمام حضرت الملائكة \" أي دخلت الملائكة المسجد، وحضرت فيه \"يستمعون الذكر\" أي: الخطبة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل يوم الجمعة، وصلاة الجمعة وتمييزها بملائكة مخصوصين، يقفون على أبواب المساجد، يسجلون ثواب الحاضرين إلى الجمعة على حسب أوقات حضورهم. ثانيًا: استحباب الاغتسال لصلاة الجمعة لأنه - ﷺ - رتب ثواب الصدقة المذكورة عليه فقال: \" من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة \". ثالثًا: استحباب التبكير لصلاة الجمعة لأن الثواب متفاضل بحسب التبكير إليها، فمن حضر إلى المسجد في الساعة الأولى كان ثوابه أكثر ممن حضر إليه في الثانية، وهكذا. والمراد بالساعات الخمسة عند الجمهور الساعات الزمنية المعروفة. وقال مالك: هي لحظات تبدأ بالزوال وتنتهي بجلوس الإِمام على المنبر. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في كون الحديث يدل على أنّ من حضر الجمعة يجمع بين العبادة البدنية والمالية كما أفاده العيني.","vol":"2","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>٣٣٣ - \" بَابُ الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ </span>\"\n٣٩٣ - عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِي (١) ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لا يَغْتَسِلُ رَجُل يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بَيْن اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأخْرىَ \".\nــ\n٣٣٣ - \" باب الدهن للجمعة \"\n٣٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر \" أي لا يغتسل المسلم غسلًا شرعيًا كاملًا ويبالغ في تنظيف جسمه، فيقلم أظفاره، وينتف إبطه، ويحلق عانته \" ويدّهن \" بتشديد الدال \" من دهنه \" بضم الدال أي: يدهن شعر رأسه \" أو يمس من طيب بيته \" يعني أو يتطيب بما تيسر له، \" ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين \" في المسجد إلَّا بإذنهما \" ثم يصلّي ما كتب له \" من النوافل أو سنة الجمعة كما أفاده العيني، \" ثم ينصت إذا تكلم الإِمام إلَّا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى \" أي إِلَّا غفر له ما بين الجمعتين الماضية والحاضرة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب دهن الشعر بالزيت يوم الجمعة لقوله - ﷺ -: \" ويدهن من دهن بيته \" وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أنه يسن غسل الجمعة لمن لم يكن جنبًا، لأنه سبب للمغفرة. ثالثًا: مشروعية الإِنصات إلى الخطبة، وهو واجب كما سيأتي. والمطابقة: في قوله: \" ويدهن من دهنه \"\n_________\n(١) سلمان الفارسي: هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويقال: سلمان الخير، مولى رسول الله - ﷺ -، أصله من فارس. أسلم لما قدم النبي - ﷺ - إِلى المدينة، وهو أحد الذين اشتاقت إليه الجنة، ولاه عمر المدائن، مات بالمدائن سنة خمس وثلاثين، وقيل مات في زمن عمر.","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>٣٣٤ - \" بَابُ يَلْبَسُ أحْسَنَ مَا يَجِدُ </span>\"\n٣٩٤ - عَنْ عُمَرَ ﵁:\nأنَّهُ رَأى حُلَّةً سِيرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لوِ اشْتَرَيت هَذهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقاَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ في الآخِرَةِ\"، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْهَا حُلَل، فَأعْطى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ في حُلَّةِ عُطَارَدٍ ما قُلْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنِّي لَم أكْسُكَهَا لِتَلْبِسَهَا \"، فَكَسَاهَا عُمَرُ أخًا لَهُ بِمَكَّة مُشْرِكًَا.\nــ\nأي: يدهن شعر رأسه بالزيت. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.\n٣٣٤ - \" باب يلبس أحسن ما يجد \"\n٣٩٤ - معنى الحديث: يحدثنا عمر ﵁ \" أنه وجد حُلَّة سِيراء (١) عند باب المسجد فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه \"، أي أنه رأى كساءً من حرير معروضًا للبيع عند باب المسجد، فعرض على النبي - ﷺ - أن يشتريه ليتجمل به يوم الجمعة، ولكن رسول الله رفض أن يشتريه لأنه من حرير، وأنكر لبسه للرجال، \" فقال: إنما يلبس هذه \" من الرجال \" من لا خلاق في \" أي من لا نصيب له من الخير ولا حظ له في نعيم الجنة، وهم الكفار فلا تشبهوا بهم، \" ثم جاءت رسول الله منها حلل \" أي ثم وصلت إلى النبي - ﷺ - بعض الحلل المنسوجة من الحرير، \"فأعطى عمر بن الخطاب\n_________\n(١) بكسر السين قالوا: ولا تكون الحلة إلا من ثوبين وقوله: حلة سيراء بالاضافة كقولهم: ثوب خز.","vol":"2","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>٣٣٥ - \" بَابُ السِّوَاكِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٣٩٥ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَوْلا أَنْ أشُقَّ عَلَى أمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاس- لأَمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ \".\nــ\nمنها حلّة، فَقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت\" أي كيف تهديها في لألبسها، وقد استنكرت حلة عطارد التي عرضتها عليك لأنّها من حرير، \" قال رسول الله - ﷺ -: إنّي لم أكسكها لتلبسها \" أي إني لم أعطها لك لتلبسها، وإنما لتستفيد منها. \" فكساها عمر أخا له \" من أمه \" بمكة \" أي مقيمًا بمكة \" مشركًا \" وهو عثمان بن حكيم.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يسن التجمل يوم الجمعة بأحسن الثياب كما ترجم له البخاري لقول عمر: لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، ولحديث أبي سعيد ﵁ \" من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة السواكُ وأن يلبس من صالح ثيَابه وأن يطّيب بطيبٍ \". ثانيًا: تحريم الحرير على الرجال. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" لو اشتريت هذه فلبستها \".\n٣٣٥ - \" باب السواك يوم الجمعة \"\n٣٩٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أن رسول الله - ﷺ - قال: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرضهم بالسواك مَعَ كل صلاة \" قال العلامة الدهلوي: أي لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطًا للصلاة كالوضوء، وقال العيني: المعنى: لولا مخافة أن أشق عليهم لأمرتهم -به- أمر إيجاب. ومعنى قوله \" مع كل صلاة \" أي قبل الشروع","vol":"2","page":238},{"text":"٣٩٦ - عنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أكثَرْتُ عَلَيْكُمْ في السِّوَاكِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>٣٣٦ - \" بَابُ مَا يُقْرأُ في صَلَاةِ الْفَجرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٣٩٧ - عن أبي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ:\n\"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرأ في الْجُمُعَةِ في صَلَاةِ الْفَجْرِ (الم (١) تَنْزِيلُ)\nــ\nفي أي صلاة فرضًا كانت أو نفلًا، ويندرج في عموم ذلك صلاة الجمعة.\nالحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" مع كل صلاة \" فيدخل في ذلك الجمعة كما أفاده العيني.\n٣٩٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" أكثرت عليكم في السواك \" أي: أمرتكم بالسواك في أحاديث كثيرة. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: من حيث إن المبالغة في الأمر بالسواك يقتضي دخول يوم الجمعة.\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: مشروعية المواظبة على السواك عند كل صلاة، وأنه سنة مؤكدة عند القيام، وقبل تكبيرة الإِحرام، كما يستحب عند الوضوء، وقراءة القرآن، والانتباه من النوم، وتغير الفم. وروي عن إسحاق وداود الظاهري أن السواك واجب لورود الأمر به في حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \" عليكم بالسِّواك \" أخرجه أحمد. ولكنِ حديث الباب نص صريح في عدم وجوبه، لأنه كما قال الشافعي لو كان واجبًا لأمرهم به، شق عليهم أو لم يشق. ثانيًا: أنه يسن السواك يوم الجمعة كما ترجم له البخاري حيث إنه داخل في عموم هذه الأحاديث، والله أعلم.\n٣٣٦ - \" باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة \"\n٣٩٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \"كان","vol":"2","page":239},{"text":"وَ(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>٣٣٧ - \" بَابُ الْجُمُعَةِ في الْقُرَى وَالمُدُن </span>\"\n٣٩٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\n\" إِنَّ أولَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمعةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ في مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْس بِجُواثَى مِنَ البَحْرينِ \".\nــ\nالنبي - ﷺ - يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر (الم (١) تَنْزِيلُ) و(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) إلخ \" أي يواظب على قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه: استحباب قراءة (ألم) السجدة (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) في فجر الجمعة، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا بأس بذلك. وفي رواية أشهب أنه كرهه إلاّ أن يكون من خلفه قليلًا لا يخاف أن يخلط عليهم فيركعوا عند سجوده. وكره الحنفية قراءة شيء من القرآن مؤقتًا السجدة أو غيرها كما أفاده العيني، وقال الطحاوي: إنما يكره إذا رأى القراءة بغيرها مكروهة أما إذا قرأها تأسيًا بالنبي - ﷺ - فلا كراهة. والمطابقة: في كونه - ﷺ - كان يقرأ في فجر الجمعة بسورة (ألم) السجدة و(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ).\n٣٣٧ - \" باب الجمعة في القرى والمدن \"\n٣٩٨ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" إنَّ أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله في مسجد عبد القيس \" أي أن أول جمعة اجتمع عليها المسلمون وشهدها الناس بعد الجمعة التي صلاها الصحابة لأول مرة في المسجد الشريف بالمدينة هي الجمعة التي أقيمت في","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>٣٣٨ - \"بَابُ هَلْ عَلَى مَنْ يَشْهَدِ الْجُمُعَةَ غُسْل مِنَ النِّسَاءِ والصبيَانِ وَغَيْرِهِمْ </span>\"\n٣٩٩ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nسمِعْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ \".\nــ\nمسجد عبد القيس القبيلة العربية \" بجواثي \" بضم الجيم وتخفيف الواو والثاء المثلثة والقصر \" بالبحرين \" أي في قرية جواثى الواقعة في البحرين. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.\nما يستفاد من الحديث: ويستفاد منه مشروعية إقامة الجمعة في القرى إذا كان فيها أربعون رجلًا مقيمين، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تصح الجمعة إلاّ في مصرٍ جامعٍ، وفي مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، وتجوز في منى إذا كان الأمير أمير الحج، أو كان الخليفة، وقال مالك: كل قرية فيها جماعة وسوق فالجمعة واجبة كما أفاده العيني. والمطابقة: في كون الجمعة أقيمت بجواثى وهي قرية.\n٣٣٨ - \" باب هل على من يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم \"\n٣٩٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من جاء منكم الجمعة \" أي كل من أراد منكم أن يشهد صلاة الجمعة \" فليغتسل \" أي فإنّ عليه أن يغتسل، وهو مأمور بذلك شرعًا على وجه الندب والاستحباب، لا على سبيل الفرض والإِيحاب، سواء كان ممن تجب عليه الجمعة، أو ممن لا تجب عليه كالنساء والصبيان مثلًا.\nويستفاد منه: أنه يسن لمن أراد أن يشهد الجمعة من النساء والصبيان","vol":"2","page":241},{"text":"أن يغتسل لها، كما يسن ذلك للرجال، لعموم هذا الحديث. لكن جاء في حديث أبي سعيد تخصيص الاغتسال بالرجال البالغين حيث قال: \" غسل الجمعة واجب على كل محتلم \". وقد جمع النووي بين الحديثين فقال: هذا الحديث ظاهر في أن الغسل مشروع للبالغ سواء أراد الجمعة أو لا. وحديث: \" إذا جاء أحدكم \" .. ظاهر في أنه لمن أرادها سواء البالغ والصبي، فيقال في الجمع بينهما إنّ الغسل يستحب لكل مريد للجمعة، ويتأكد في حق الذكور أكثر من النساء، ويتأكد في حق البالغين أكثر من الصبيان (١). اهـ. ولهذا ذهب الجمهور إلى أنه يسن الغسل لكل من أراد حضور الجمعة ممن لا تجب عليه، كالنساء والصبيان والمسافرين وغيرهم. وأن هذا الغسل سنة مطلقًا لكل من أَتى الجمعة، سواء كانت تلزمه أم لا، وأنه لصلاة الجمعة لا ليوم الجمعة، فلا يشرع لمن لا يريد حضورها، وإنما اختلفوا في وقته. قال القسطلاني (٢): وقد علم من تقييد الغسل بالمجيء، أن الغسل للصلاة، لا لليوم، وهو مذهب الشافعي (٢) ومالك وأبي حنيفة (٣) فلو اغتسل بعد الصلاة؛ لم يكن للجمعة، ولو اغتسل بعد الفجر أجزأه عند الشافعية والحنفية، خلافًا للمالكية والأوزاعي، وفي حديث اسماعيل بن أمية عن نافع عند أبي عوانة وغيره؛ كان الناس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة؛ جاءوا وعليهم ثياب متغيرة فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ - فقال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. واستدل به المالكية في أنه لا بد أن يكون الغسل متصلًا بالذهاب، لئلا يفوت الغرض، وهو وقاية الحاضرين من التأذّي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مختص بمن تلزمه. اهـ. وقال ابن قدامة\n_________\n(١) \" شرح النووي على مسلم \" ج ٦.\n(٢) \" شرح القسطلاني على البخاري ج ٢.\n(٣) وهو مذهب أبي يوسف أيضًا قال في \" الهداية \": \" ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وهو الصحيح لزيادة فضليتها على الوقت واختصاص الطهارة بها.","vol":"2","page":242},{"text":"في \" المغني \" (١): وإن أتاها أي الجمعة من لا تجب عليه؛ استحب له الغسل لعموم الخبر. ووجود المعنى فيه - أي لعموم قوله - ﷺ -: \" من أتى الجمعة فليغتسل \". \" أما المالكية؛ فقد قال خليل: \" وسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِرَوَاح، وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ \" أي ولو لم تلزمه الجمعة وقال في \" سراج السالك \" (٢): \" ويسن \" أي الغسل \" لمصلي الجمعة ولو لم تجب عليه كالنساء أو الصبيان أو العبيد غسلًا كغسل الجنابة، ويشترط لصحته أن يكون متصلًا بالرواح، أي: بالذهاب إلى الجامع، ويغتفر الفعل اليسير بقدر لبس الثياب والوضوء وما أشبه، فإن نام في بيته بعد اغتساله اختيارًا ولو قل، أو اضطرارًا وطال بطل غسله وأعاد استنانًا، وبطل غسله أيضًا إن تغدى بعده، واحترزنا بقولنا (فإن نام في بيته) عما إذا نام بعد اغتساله في المسجد، فلا يبطل غسله، وكذا لا يبطل إن تناول قليل طعام أو شراب احتاج إليه. أما الشافعية فقد قال النووي (٣): \". ومذهبنا المشهور أنه يستحب -أي الغسل- لكل مريد لها - وفي وجه لأصحابنا يستحب للذكور خاصة، وفي وجه يستحبُ لمن يلزمه الجمعة دون النساء والصبيان والعبيد والمسافرين، ووجه يستحب لكل أحد يوم الجمعة سواء أراد حضور الجمعة أم لا. كغسل يوم العيد، والصحيح الأول، والله أعلم. والذي عليه الجمهور أنه لا يستحب الغسل لمن لا يأتي الجمعة، فلا غسل على من لا تجب عليه الجمعة إذا لم يشهدها، ولا على من تجب عليه إذا لم يرد حضورها لعذر. قال ابن قدامة: ومن لا يأتي الجمعة فلا غسل عليه، وكان ابن عمر وعلقمة لا يغتسلان في السفر. وكان طلحة يغتسل، وروي عن مجاهد وطاووس (٤). الحديث: أخرجه الخمسة، ولم\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة ج ٢.\n(٢) \" سراج السالك شرح أسهل المسالك \" للجعلي.\n(٣) \" شرح النووي على مسلم \" ج ٦.\n(٤) \" المغني \".","vol":"2","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>٣٣٩ - \" بَاب مِنْ أيْنَ تؤتي الْجُمُعَةُ وَعَلَى مَنْ تجِبْ </span>\"\n٤٠٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nكانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ والْعَوَالِي فَيَأتُونَ في الغُبَارِ، فَيُصيبُهُمْ الغُبَارُ والْعَرَقُ، فَأتى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِنْسَان مِنْهُمْ وَهُوَ عِنْدِي فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لَوْ أنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا \".\nــ\nيخرجه أبو داود. والمطابقة: في عموم قوله: \" من جاء منكم الجمعة فليغتسل \".\n٣٣٩ - \" باب من أين تؤتي الجمعة وعلى من تجب \"\n٤٠٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي \" أي يتناوبون على حضور صلاة الجمعة من منازلهم في العوالي فيحضرونها مناوبة، لأنّها لا تجب عليهم لكونهم خارج المصر (١) \" فيصيبهم الغبار والعرق \" لبعد المسافة ومشقة السير في الأراضي الوعرة \" فقال النبي - ﷺ - لو أنكم تطهرتم \" أي ليتكم اغتسلم لصلاة الجمعة، لأنه أفضل لما فيه من إزالة الرائحة الكريهة التي تؤذي الملائكة والمصلين. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nويستفاد منه: أنها لا تجب الجمعة على أصحاب الأماكن البعيدة عن الجامع لأنّها على من يسمع النداء، بدليل أن أهل العالية كانوا يتناوبون الجمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - ولو كانت واجبة على من بعد داره لما جاز لهم التغيب عنها. ولهذا قال أهل العلم: الجمعة واجبة على من جمع النداء، وحكاه الترمذي عن أحمد والشافعي وإسحاق وابن العربي عن مالك، واستدل بحديث ابن\n_________\n(١) أو لكونهم لا يسمعون النداء وهو الأرجح.","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>٣٤٠ - \" بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ </span>\"\n٤٠١ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\n\" أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ \".\nــ\nعمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \" الجمعة على من سمع النداء \" أخرجه أبو داود وقال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصورًا على ابن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما أسنده قبيصة. واختلفوا في الخارج عن المصر إذا سمع النداء فقال أبو حنيفة: لا تجب عليه، وقال مالك والشافعي وأحمد تجب عليه. وحدَّ مالك وأحمد بفرسخ، وأطلقه الشافعي. كما دل الحديث على استحباب غسل الجمعة وقد تقدم. والمطابقة: في قوله: \" ينتابون الجمعة من منازلهم والعوالي.\n٣٤٠ - \" باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس \"\n٤٠١ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" أنّ رسول الله - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تحل الشمس \"، أي حين تميل الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب، ومعنى ذلك أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة بعد الزوال، كما يصلي الظهر تمامًا. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. والمطابقة: في قوله: \" كان - ﷺ - يصلّي الجمعة حين تميل الشمس \".\nويستفاد من الحديث: أنّ وقت صلاة الجمعة بعد الزوال مثل صلاة الظهر تمامًا. فلا تقدم عليه؛ لقول أنس \" كان - ﷺ - يصلي الجمعة حين تميل الشمس \" فدل ذلك على أن وقت صلاة الجمعة وصلاة الظهر واحد، وهو بعد الزوال، وهذا هو قول الجمهور. وعن مجاهد وأحمد أنها تجوز قبل","vol":"2","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>٣٤١ - \" بَابُ الْمَشْي إلى الْجُمُعَةِ </span>\"\n٤٠٢ - عنْ أبِي عَبْس ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ \".\nــ\nالزوال. قال ابن قدامة في \" المقنع \": وروي عن عبد الله عن أبيه أحمد بن حنبل قال: نذهب إلى أنّها كصلاة العيد وذلك لقوله - ﷺ -: \" إن هذا يوم جعله الله عيدًا للمسلمين \".\n٣٤١ - \" باب المشي إلى الجمعة \"\n٤٠٢ - ترجمة الراوي: هو أبو عَبْسِ (بفتح العين وسكون الباء)\nعبد الرحمن بن جَبْر الأنصاري البدري، توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة. وليس له. في البخاري سوى هذا الحديث الواحد.\nمعنى الحديث: يقول أبو عبس ﵁: \" سمعت النبي - ﷺ - يقول: من اغبرّت قدماه في سبيل الله \" أي من مشى في أي طريق يؤدي إلى طاعة الله تعالى من حج، أو عمرة، أو صلاة جماعة، أو جمعة، حتى اغبّرت قدماه من الطريق التي سار فيها \" حرّمه الله على النار \" أي: حرَّم الله جسده على النار، ونجاه منها، وهو أبلغ من قوله: \" دخل الجنة \".\nالحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي.\nويستفاد منه: فضل المشي إلى الطاعات عامة، وإلى صلاة الجمعة خاصة، لأنّها من أفضل الطاعات التي يتقرب بها إلى الله تعالى. والمطابقة: في قوله: \" من اغبّرت قدماه \" لأن المشي إلى الجمعة في سبيل الله \".","vol":"2","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>٣٤٢ - \" بَاب لَا يُقيمُ الرَّجُلُ أخاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقْعُدُ مَكَانهُ </span>\"\n٤٥٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ:\n\" نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أنْ يُقِيمَ الرجُلُ أخَاهَُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ، قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وغَيرَهَا \".\nــ\n٣٤٢ - \" باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد مكانه \"\n٤٠٣ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" نهى النبي - ﷺ - أن يقيم الرجل أخاه من مقعده \" أي: من مكانه في المسجد \" قلت لنافع: الجمعة \" (١) أي قال ابن جريج لنافع راوي الحديث: الجمعة، يعني هذا النهي خاص بيوم الجمعة أو مطلقًا \" قال: الجمعة (٢) وغيرها \" أي هذا النهي عام في سائر الأيام. فلا يقم الرجل أخاه من مكانه ليجلس فيه سواء كان ذلك في يوم الجمعة أو غيرها. وفي رواية: \" الجمعة \" بالرفع، على أنّه مبتدأ وغيرها معطوف عليه، والخبر محذوف أي الجمعة وغيرها متساويان. والرواية المختارة بالنصب، الجمعة وغيرها بنزع الخافض.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يحرم إقامة الرجل من مكانه في المسجد مطلقًا. قال النووي: والنهي للتحريم، فمن سبق إلى مباح من مسجد أو غيره، يوم الجمعة أو غيره، لصلاة أو غيرها تحرم إقامته منه. لكن يستثنى من ذلك ما لو ألِفَ موضعًا لنحو إفتاءٍ أو قراءةٍ فهو أحق به، فإن قعد فيه غيره، فله أن يقيمه. قال ابن أبي جمرة: وحكمة النهي انتقاص حق المسلم\n_________\n(١) بالنصب على نزع الخافض، تقديره: النهي في الجمعة.\n(٢) أيضًا ينصب الجمعة وغيرها على نزع الخافض.","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>٣٤٣ - \" بَابُ الأذَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٤٠٤ - عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ: \"كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَة أوَّلُهُ إذَا جَلَسَ الإِمَامُ علَى الْمِنْبَرِ، عَلَى عَهْدِ النَّبِي - ﷺ - وأبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فلمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وَكثُر النَّاسُ، زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ \".\nــ\nالموجب للضغائن، والحث على التواضع الموجب للمودة. ثانيًا: ما ترجم له البخاري خاصة من أنّه لا يجوز للمسلم أن يقيم أخاه من مكانه في المسجد يوم الجمعة: لأنّ النهي عام في جميع الأيّام، والجمعة من ضمنها وداخل في عمومها وهو أولى. والمطابقة: في قوله: \" نهى - ﷺ - أن يقيم الرجل أخاه \".\n٣٤٣ - \" باب الأذان يوم الجمعة \"\n٤٠٤ - معنى الحديث: يقول السائب بن يزيد ﵄:\n\" كان النداء يوم الجمعة أوّله إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي - ﷺ - \" أي أن الأذان الذي كان موجودًا في زمن النبي - ﷺ - وخليفتيه لصلاة الجمعة أذان واحد يقام عند جلوس الإِمام على المنبر. وهل كان بين يديه أو على المئذنة \" المنارة \" اختلفت الروايات في ذلك \" فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث \" أي زاد النداء الذي يقام اليوم على المنائر، وسماه الثالث، لأنه عدَّ الإِقامة نداءًا \" على الزوراء \" أي وكان يقام على الزوراء (بفتح الزاي وسكون الواو) قال البخاري: وهو موضع بسوق المدينة.\nوذكر فضيلة الشيخ عطية سالم: أنه في موضع المسجد المعروف بمسجد السيدة","vol":"2","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>٣٤٤ - \" بَابُ الْمُؤَذِّنِ الْوَاحِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٤٠٥ - عن السَّائبِ بن يَزِيدَ ﵄ قَالَ:\n\" لَمْ يَكُن لِلنَّبِيِّ - ﷺ - مُؤَذِّن غَيْرَ وَاحِدٍ، وكانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ \" يَعْنِي علَى المِنْبَرِ.\nــ\nفاطمة الكائن بباب المصري (١). الحديث: أخرجه أيضًا أصحاب السنن.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه لم يكن لصلاة الجمعة على عهد النبي - ﷺ - وصاحبيه سوى أذان واحد عند جلوس الإمام على المنبر، وأن الأذان الذي يقام اليوم على المنائر أحدثه عثمان ﵁، ومن ثمَّ اختلف العلماء فيه، فذهب مالك (كما رواه عنه (٢) ابن عبد الحكم) إلى أنّ الأذان واحد فقط بين يدي الإِمام، ونص عليه الشافعي. وذهب الحنفية إلى مشروعية الأذان الذي أحدثه عثمان لموافقة الصحابة عليه. ثانيًا: مشروعية جلوس الإِمام على المنبر، ولا خلاف فيه. والمطابقة: في كون الحديث بمنزل الجواب للترجمة\n٣٤٤ - \" باب المؤذن الواحد يوم الجمعة \"\n٤٠٥ - معنى الحديث: يقول السائب ﵁: \" لم يكن للنبي - ﷺ - مؤذن غير واحد \" وهو بلال ﵁ أي أنه كان ينفرد بالأذان لصلاة الجمعة فلا يشاركه غيره، ولا يؤذِّن إلاّ أذانًا واحدًا، ولا يؤذِّن بعده أحد غيره.\nويستفاد منه: أن يكره تعدد المؤذنين في يوم الجمعة وغيرها، خلافًا لما ذهب إليه ابن حبيب من أنه إذا رقى الإمام المنبر أذن المؤذنون واحدًا بعد\n_________\n(١) \" تكملة أضواء البيان \" لفضيلة الشيخ عطية سالم.\n(٢) \" شرح العيني على البخاري \" ج ٦.","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>٣٤٥ - \" بَابٌ يُجِيبُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إذا سَمِعَ النِّدَاءَ </span>\"\n٤٥٦ - عنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ أنَّهُ جَلَسَ علَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ، قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأنَا، قَالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَأنَا، فَلَمَّا أنْ قَضَى التَّأذِينَ، قَال: يَا أيُّهَا النَّاسُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - عَلَى هَذَا الْمَجْلِسِ حِينَ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ يَقُولُ: مَا سَمِعْتُمْ مِنِّي مِنْ مَقَالَتِي.\nــ\nواحد، فإذا فرغ الثالث قام الخطيب. الحديث: أخرجه البخاري.\nوالمطابقة: في قوله: \" لم يكن للنبي - ﷺ - مؤذن غير واحد \".\n٣٤٥ - \" باب يجيب الإِمام على المنبر إذا سمع النداء \"\n٤٠٦ - معنى الحديث: أن معاوية ﵁ \" جلس على المنبر يوم الجمعة، فلما أذّن المؤذن قال: الله أكبر، قال معاوية: الله أكبر الله أكبر \" أي أن معاوية لما جلس الجلسة الأولى على المنبر، وأذن المؤذن بين يديه أجاب المؤذن في التكبير بمثل قوله حرفيًا، وأجابه في الشهادتين بقوله: وأنا \" فلما أن قضى التأذين \" أي فلما انتهى الأذان، قال: \" سمعت رسول الله - ﷺ - \" أي بنفسي \" يقول ما سمعتم \" أي أخبر الناس أنّه رأى النبي - ﷺ - يفعل مثل فعله. الحديث: أخرجه النسائي أيضًا.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يُسن للخطيب إجابة المؤذن بين يديه.\nثانيًا: أنه يجوز للخطيب أن يكلم الناس أثناء الخطبة في أي مسألة شرعية.\nثالثًا: مشروعية الجلسة الأولى التي قبل الخطبة. والمطابقة: في كون معاوية كلم الناس أثناء الخطبة.","vol":"2","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>٣٤٦ - \" بَابُ الخطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ </span>\"\n٤٠٧ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:\n\"كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمَّا وُضِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ، سَمِعْنَا لِلْجِذْعِ مِثْلَ أصْوَاتِ الْعِشَارِ، ْ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ\".\nــ\n٣٤٦ - \" باب الخطبة على المنبر \"\n٤٠٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" كان جذع يقوم عليه النبي - ﷺ - \" أي كان في المسجد جذع نخلة يقف عليه النبي - ﷺ - أثناء خطبته، \" فلما وضع له المنبر، سمعنا للجذع مثل أصوات العشار \" أي فلما فارقه النبي - ﷺ -، وانتقل إلى المنبر الخشبي الذي صنع له، حزن الجذع، وصرنا نسمع له صوتًا حزينًا مثل أصوات العشار (بكسر العين) أى: مثل خوار الناقة عند حنينها إلى ولدها إذا ابتعد عنها، وذلك من شدة حزنه على فراق النبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الخطبة على المنبر يوم الجمعة، لأن النبي - ﷺ - صنع له منبر بأمره - ﷺ - ووضع له، وكان يخطب عليه كما يدل عليه الحديث. ثانيًا: أن من معجزاته المادية الظاهرة حنين الجذع إليه - ﷺ - قال عياض: والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه بضعة عشر صحابيًا. وفي رواية \" والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة حزنًا على رسول الله - ﷺ -. والمطابقة: في قوله: \" فلما وضع له المنبر\".\n***","vol":"2","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>٣٤٧ - \" بَابُ الْخطْبَةِ قَائِمًَا </span>\"\n٤٠٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ قَائِمًَا، ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ كَمَا تَفعَلُونَ الآنَ \".\nــ\n٣٤٧ - \" باب الخطبة قائمًا \"\n٤٠٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان النبي - ﷺ - يخطب قائمًا \" أي كان - ﷺ - طوال حياته يخطب وهو واقف، لم يعرف عنه أنّه خطب جالسًا، وكذلك كانت سنة الخلفاء الراشدين من بعده، حتى اشتد القيام على عثمان، فكان يخطب قائمًا، ثم يجلس، كما في حديث قتادة \" ثم يقعد \" أي ثم يجلس - ﷺ - الجلوس الوسط، \" ثم يقوم \" للخطبة الثانية \" كما تفعلون الآن \" أي مثل ما تفعلون في زمانكم هذا فيؤدّي الخطبتين قائمًا.\nويستفاد منه: أولًا: مشروعية خطبة الجمعة قائمًا، وهو السنة الثابتة عن النبي - ﷺ - التي داوم عليها طوال حياته، كما دل عليه حديث الباب.\nوأما ما ثبت عن معاوية أنه كان يجلس في الخطبة الأولى، فقد تبين أنه لعذر شرعي. والقيام في الخطبة شرط عند الشافعي، فرض عند مالك، سنة عند الحنفية كما أفاده القاري. وقال الحافظ: هو عند مالك في رواية إنه واجب، فإن تركه أساء، وصحت الخطبة. وعند الباقين، أي الشافعي وأحمد: القيام للخطبة يشترط للقادر على القيام واستُدِلَّ للأوّل، أي: لمن قال: إنه سنة، بحديث أبي سعيد: أن النبي - ﷺ - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا، واستدل للجمهور بحديث جابر بن سمرة: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يخطب قائمًا،","vol":"2","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>٣٤٨ - \" بَاب مَنْ قَالَ فِي الْخطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أمَّا بَعْد </span>\"\n٤٠٩ - عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - أتِيَ بِمَالِ أو بسَبْيٍ، فَقَسَمَة، فَأعْطى رِجالًا، وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَه أنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبوا، فَحَمِدَ اللهَ، ثمَّ أثْنَى عَلَيْهِ، ثم قَالَ: \" أمَا بَعْدُ، فَوَاللهِ إِنِّي لأعْطِي الرَّجلَ، وأدَعُ الرَّجلَ، والَّذِي أدَعَ أحبُّ إِليَّ مِنَ الَّذِي أعْطِي،\nــ\nثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن أنبأك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب\" أخرجه مسلم. ثانيًا: مشروعية الجلوس الوسط بين الخطتين الأولى والثانية، ويؤكد ذلك ما جاء في الرواية الأخرى عن ابن عمر قال: \" كان رسول الله - ﷺ - يخطب خطتين يقعد بينهما \". قال العيني: واستُدل به على مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فذهب الشافعي إلى أن ذلك على سبيل الوجوب، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنّها سنة، وليست بواجبة كجلسة الاستراحة. الحديث: أخرجه مسلم والترمذي وأحمد والطبراني والبخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.\n٣٤٨ - \" باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد \"\n٤٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا عمرو بن تغلب ﵁: \" أن النبي - ﷺ - أتي بمال أو بسبي \" وهو ما يؤخذ من العدو من الأسرى عبيدًا أو إماءً \" فقسمه، فأعطى رجالًا، وترك رجالًا \" أي: فأعطى بعض الناس تأليفًا لقلوبهم، وترك البعض الآخر ثقة بهم، لما منحهم الله من قوة الإِيمان واليقين، \" فبلغه أن الذين لم يعطهم عتبوا \" أي لاموا عليه فيما بينهم، \" فحمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد \" أي ثم قال قبل الشروع في الموضوع الذي أراد الحديث عنه: \" أما بعد \" وهي كلمة يؤتى بها للفصل","vol":"2","page":253},{"text":"وَلَكِنْ أعْطِي أقْوَامًا لما أرَى في قُلُوبِهِمْ منَ الْجَزَعِ والْهَلَعِ، وأكِل أقوامًا إِلى مَا جَعَلَ اللهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغِنَى والْخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بن تَغْلِبَ\"، فَوَاللهِ مَا أحبُّ أنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - حُمْرَ النَّعَمِ.\n٤١٠ - عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁:\nأنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - قَامَ عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \" أمَّا بَعْدُ \".\nــ\nبين المقدمة والوضوع، ولذلك تسمى \" فصل الخطاب \" فأقول: \" والله إني لأُعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحبّ إلي \" أي: والذي أتركه أحبُّ إلى نفسي ممن أعطيه، \" ولكني أُعطي أقوامًا لما أرى في قلوبم من الجزع والهلع \" أي: من شدة الألم والضجر الذي يصيب نفوسهم لو لم يعطوا من الغنيمة، فأعطيهم تأليفًا لقلوبهم، وتطييبًا لنفوسهم، \" وأكِلُ أقوامًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى \" أي: وأترك أقوامًا فلا أعطيهم لأني أكلُهُمْ إلى ما وضع الله في قلوبهم من القناعة وغنى النفس، \" والخير \" أي وقوة الإِيمان واليقين \" فيهم عمرو بن تغلب، فوالله ما أحب أنّ لي بكلمة رسول الله - ﷺ - حمر النعم \" أي: فقال عمرو: أقْسم بالله لا أرضى بهذا الثناء الذي كرّمني به النبي - ﷺ - بديلًا ولو أعطيت أنفس أموال العرب التي هي الجمال الحمر. الحديث: أخرجه البخاري، وهو من أفراده كما أفاده العيني. والمطابقة: في قوله: \" ثم قال أما بعد \".\n٤١٠ - معنى الحديث: يحدثنا أبو حميد ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - قام عشية \" أي قام يخطب في الناس ويعظهم ويذكرهم بعد الزوال، وذلك \" بعد الصلاة \" أي بعد صلاة الظهر أو العصر، \" فحمد الله وأثنى عليه \" في خطبته \" ثم قال: أما بعد \" فأتى بهذه الكلمة، ليفصل بها بين","vol":"2","page":254},{"text":"٤١١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nصَعِدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ، مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ، قَدْ عَصَبَ رَأسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ، فَحَمِدَ اللهَ وأثنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أيّهَا النَّاسُ إِلَيَّ، فَثَابُوا إِلَيْهِ (١)، ثُمَّ قَالَ: أما بَعْدُ: فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الإِنْصَارِ يَقِلُّونَ ويَكْثُرُ النَّاسُ، فَمَنْ وَليَ شَيْئًَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - فَاسْتَطَاعَ أنْ يَضُرَّ فيهِ أحَدًَا، أو يَنْفَعَ فِيهِ أحدًَا، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئهِمْ.\nــ\nمقدمة الخطبة وموضوعها، لأنها فصل الخطاب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود أيضًا. والمطابقة: في قوله: \" ثم قال: أما بعد \".\n٤١١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: هنا حديثًا في حق الأنصار سمعه من النبي - ﷺ - في آخر حياته عندما خرج إلى الناس أثناء مرضه فيقول: \" صعد النبي - ﷺ - المنبر، وكان آخر مجلس جلسه \" على المنبر في حياته \" متعطفًا بملحفة \" أي: مرتديًا إزارًا كبيرًا \" قد عصب رأسه بعصابة في دسمة \" (بكسر السين) أي بعصابة سوداء، \" فحمد الله وأثنى عيه ثم قآل: أيها الناس إليَّ \" أي اجتمعوا إليَّ واقتربوا مني، \" ثم قال أمّا بعد فإن هذا الحي من الأنصار \" أي من الأوس والخزرج \" يقلون \" لكثرة من يستشهد منهم في الحروب الإسلامية كحرب مسيلمة الكذاب وغيره، \" فمن ولي شيئًا من أمة محمد - ﷺ - \" أي فمن ولي منكم الإمارة أو القضاء أو الشرطة \" فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم \" أي فليكافىء المحسن، ويعفو عن المسيء. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في قوله: \" ثم قال أمّا بعد \".\n_________\n(١) أي فاجتمعوا عليه.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>٣٤٩ - \" بَاب إِذَا رَأى الإمَامُ رَجُلًا جَاءَ وَهُوَ يَخطُبُ أمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ </span>\"\n٤١٢ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَجُل والنَّبِي - ﷺ - يَخْطبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: \" أصلَّيْتَ يَا فُلَانُ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \" قُمْ فارْكَع \".\nــ\nويستفاد ما يأتي: أولًا: وصية النبي - ﷺ - بالأنصار بالعفو عن مسيئهم، ومكافأة محسنهم. ثانيًا: إخباره - ﷺ - عن قلة الأنصار، وهذا من معجزاته الظاهرة. ثالثًا: أنه يسن الفصل بين المقدمة وموضوع الخطة بقول: أما بعد، وهو ما ترجم له البخاري.\n٣٤٩ - \" باب إذا رأى الإِمام رجلًا جاء وهو يخطب أمره أن يصلي ركعتين \"\n٤١٢ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" جاء رجل \" وهو سليك الغطفاني \" والنبي - ﷺ - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان \" يعني أصليت تحية المسجد \" قال: لا قال: قم فاركع \" أي: فصَلِّ تحية المسجد ركعتين خفيفتين، لقوله - ﷺ - في رواية أخرى: \" قم فاركع ركعتين \" وفي رواية سفيان \" وتجوز فيهما \" أي خففهما لئلا تفوتك الخطبة.\nالحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن للخطيب إذا رأى رجلًا دخل أثناء خطبة الجمعة ولم يصل تحية المسجد أن يأمره بها، كما أن له أن يأمر وينهى، ويبين الأحكام، ولا يقطع ذلك التوالي (١) المشروط في الخطبة. ثانيًا: أن\n_________\n(١) \" فتح البارى \" ج ٢.","vol":"2","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>٣٥٠ - \" بَابُ الاسْتِسْقَاءِ في الْخطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ </span>\"\n٤١٣ - عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nأَصَابَتِ النَّاسَ سَنَة عَلَى عَهْدِ النَّبِي - ﷺ - فَبَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ في يْومِ جُمُعَةٍ، قَامَ أعْرَابِيٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَ المَالُ، وجَاعَ العِيَالُ، فادْعُ اللهَ لَنَا، فرَفَعَ يَدَيه، ومما نَرَى في السَّمَاءِ قَزَعَةً، فوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا وَضَعَهَا حتَّى ثَارَ السَّحَابُ أمثَالَ الْجِبَالِ، ثم لَمْ ينْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأيْتُ الْمَطر يَتَحَادَرُ على لِحْيَتهِ - ﷺ -، فمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ،\nــ\nالداخل للمسجد أثناء الخطبة يستحب له أن يصلي تحية المسجد، ويخففها وجوبًا ليسمع الخطبة، فيقتصر على واجباتها. وهو مذهب الشافعية والحنابلة قال الترمذي (١): وقال بعضهم: إذا دخل الجامع والإِمام يخطب فإنّه يجلس ولا يصلي، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة. اهـ. وبه قال مالك والليث وأبو حنيفة كما أفاده القاضي عياض. والمطابقة: في قوله: \" قم فاركع \".\n٣٥٠ - \" باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة \"\n٤١٣ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" أصابت الناس سنة \" أي قحط ومجاعة بسبب انقطاع المطر وموت الكلأ والعشب، \" فبينما النبي - ﷺ - يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله: هلك المال \" أي: ماتت الماشية بسبب انقطاع الأمطار، لأنه معظم المال كان عند العرب يعتمد على الثروة الحيوانية، \" فرفع يديه، وما في السماء قزعة \" بفتح القاف والزاي، أي: ليس في السماء قطعة من سحاب، \"ثم لم ينزل عن منبره\n_________\n(١) \" جامع الترمذي \".","vol":"2","page":257},{"text":"ومِنَ الْغَدِ، وبَعْدَ الْغَدِ، والَّذِي يَلِيهِ، حتىَّ الْجُمُعَةِ الأخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الإِعْرَابِيُّ، أوْ قَالَ غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْه فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوالَيْنَا ولا عَلَيْنَا، فما يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى نَاحِيةٍ من السَّحَابِ إلَّا انْفَرَجْت، وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ، وسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ (١)، ولم يَجِيءْ أحَدٌ منْ نَاحِيةٍ إلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ (٢).\nــ\nحتى رأيت المطر يتحادر على لحيته\" أي: يتقاطر عليها، \" وقام ذلك الأعرابي \" بعد أن استمر المطر أسبوعًا كاملًا، \" فقال: يا رسول الله تهدم البناء \" أي سقطت المنازل بسبب كثرة الأمطار واستمرارها، \" فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا \" أي: اللهم أنزل الأمطار في ضواحي القرى والمدن، بعيدة عن الدور والمنازل، \" فما يشير إلى ناحية من السحاب إلّا انفرجت \" أي: تكشف السحاب عنها \" وصارت المدينة مثل الجوبة \" بفتح الجيم وسكون الواو، أي: مثل الحوض المستدير الخالي من الماء.\nويستفاد منه: مشروعية الاستسقاء أثناء خطة الجمعة عند الحاجة إليه.\nوكذلك رفع اليدين عند الدعاء، وكرهه مالك، وأجازه غيره لحديث سلمان: \" إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا \" أخرجه الترمذي. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فرفع يديه \" أي: فرفع يديه يستسقي ويدعو الله بنزول الغيث.\n...\n_________\n(١) ويقع وادي قناة في شمال المدينة بالقرب من أحد.\n(٢) أي بكثرة العشب والماشية والخير الكثير الذي أنعم الله به على عباده.","vol":"2","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-382>٣٥١ - \" بَابُ الإِنصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ والإِمَامُ يَخطُبُ </span>\"\n٤١٤ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجمعَةِ أنصِتْ والإِمَام يَخْطب، فَقَدْ لَغَوْتَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٣٥٢ - \" بَابُ السَّاعَةِ الَّتِي في يَوْمِ الْجمعَةِ </span>\"\nْ٤١ - وَعَنْ أبِي هرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْة:\nأنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمعَةِ، فَقَالَ: \"فِيهِ سَاعَةٌ لا توَافِقهَا\nــ\n٣٥١ - \" باب الإِنصات يوم الجمعة والإِمام يخطب \"\n٤١٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب، فقد لغوت \" أي: إذا رأيت مَنْ بجانبك يتحدث أثناء الخطبة، وقلت له: اسكت، فقد أسأت الأدب، وارتكبت مخالفة تأثم عليها. وحُرِمْتَ فضيلة الجمعة، ونقص ثوابك عليها.\nويستفاد منه: وجوب الإِنصات أثناء خطبة الجمعة، وتحريم الكلام عندها، لأنه - ﷺ - سمّى ذلك لغوًا. واللغو هو كل عمل باطل يأثم عليه فاعله، وهذا يعني أن الحديث أثناء الخطبة مخالفة شرعية محرّمة، وقد أمر الله تعالى بالإنصات إلى الخطبة في قوله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) واختار ابن جرير أن المراد بالقرآن خطبة الجمعة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة، لأن تحريم الكلام يستلزم وجوب الإِنصات.\n٣٥٢ - \"باب الساعة التي في يوم الجمعة\"\n٤١٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - تحدث عن فضائل يوم الجمعة","vol":"2","page":259},{"text":"عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأل اللهَ تَعَالَى شَيئًَا، إلَّا أعْطَاهُْ إيَّاهُ\" وَأشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>٣٥٣ - \" بَابٌ إذَا نفَرَ الناسُ عنِ الإِمَامِ في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَصَلاةُ الإِمَامِ ومَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ </span>\"\n٤١٦ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nبَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فالْتَفَتُوا\nــ\nومزاياه العظيمة فأثنى عليه وأشاد به وتطرق إلى الحديث عن الساعة المباركة الموجودة فيه \" فقال: فيه ساعةٌ لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي \" أي وهو متوجه إلى الله يدعوه بخالص الدعاء، فإن المراد بالصلاة هنا الدعاء، كما رجحه الزرقاني \" يسأل الله شيئًا إلا أعطاه \" أي إلاّ استجاب له.\nالحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي.\nويستفاد من الحديث: وجود ساعة مباركة في يوم الجمعة، يستجاب فيها الدعاء، ولم يعيّن هذا الحديث وقتها. واختلفوا. فيها على أحد عشر قولًا، أرجحها كما قال ابن القيّم - قولان: أحدهما: أنها من جلوس الإِمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة. الثاني: أنها آخر ساعة بعد العصر (١). والمطابقة: في قوله: \" فيه ساعة ... \" إلخ.\n٣٥٣ - \" باب إذا نفر الناس عن الإِمام في صلاة الجمعة فصلاة الإِمام ومن بقي جائزة \"\n٤١٦ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" بينما نحن نصلي\n_________\n(١) وهي التي تؤيدها الأدلة الصحيحة كما قال الإمام أحمد. (ع).","vol":"2","page":260},{"text":"إِلَيهَا حَتَّى مَا بَقِىَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا اثنا عَشَرَ رَجُلًا، فنزَلَتْ هذه الآيةُ (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا). ــ\nمع النبي - ﷺ - إذ أقبلت عير تحمل طعامًا\" أي لم يشعروا وهم يصلون الجمعة خلف النبي - ﷺ - إلاّ وقد وصلت إلى المدينة قافلة تجارية، تحمل بعض السلع التموينية من حبوب وحبوب وزيوتٍ ونحوها (١)، \" فالتفتوا إليها \" فتركوا الصلاة، وانصرفوا إليها. \" حتى ما بقي مع النبي - ﷺ - إلاّ اثنا عشر رجلًا \" قال الحافظ: واتفقت الروايات كلُّها على اثني عشر رجلًا، إلاّ ما رواه علي بن أبي عاصم، فقال: \" إلاّ أربعين رجلًا \" أخرجه الدارقطني، وعلي بن أبي عاصم، ضعيف. \" فنزلت هذه الآية (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) \" أي وإذا رأوا قافلة تجارية، وشاهدوا الطبول تبشر بها، (انْفَضُّوا إِلَيْهَا) أي انصرفوا إليها (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) في صلاة الجمعة وحولك القليل، ومنهم أبو بكر وعمر ﵄. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه لا يشترط في صحة صلاة الجمعة استمرار العدد الذي تنعقد به إلى آخر الصلاة. فإذا نفر الناس عن الإمام أثناءها فإنه يتمها بمن معه، وصلاتهم صحيحة، وهو مذهب محمد وأبي يوسف، وإن بقي وحده، وبه قال المزني من الشافعية. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنهم إذا تفرقوا بعد الافتتاح وقبل الركوع جعلها ظهرًا، أمّا إذا تفرقوا بعد الركوع، فقال سحنون: يتمها ظهرًا، أو يجعلها نافلة، وقال أشهب: يتمها جمعة.\nوقال أحمد والشافعي يتمها ظهرًا متى نقص العدد عن الأربعين، سواء انفضوا قبل الركوع أو بعده. ثانيًا: استدل به مالك على أن أقل ما تنعقد به الجمعة\n_________\n(١) أو المراد بالطعام القمح، لأنه يطلق عليه لغة.","vol":"2","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>٣٥٤ - \" بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وقَبْلَهَا </span>\"\n٤١٧ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أَنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ في بَيْتهِ، وَبَعْدَ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ \".\nــ\nاثنا عشر رجلًا. وقال أبو حنيفة: ثلاثة، وقال الشافعي: أربعون رجلًا.\nوالمطابقة: في كونه - ﷺ - أتم الجمعة بعد أن تفرقوا عنه.\n٣٥٤ - \" باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها \"\n٤١٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين \" أي يصلّي سنة الظهر القبلية ركعتين، وسنتها البعدية ركعتين، \" وبعد المغرب ركعتين في بيته \" أي: وكان يصلّي سنة المغرب البعدية في بيته ركعتين، \" وبعد العشاء ركعتين \"، أي ويصلي بعد العشاء ركعتين، \" ولا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين \" أي: وكان يصلّي سنة الجمعة البعدية في بيته ركعتين لا في المسجد.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به بعض أهل العلم على أن للجمعة سنة قبلية قياسًا على الظهر، لأن النبي - ﷺ - كما في هذا الحديث كان يصلّي قبل الظهر ركعتين، وإذا ثبت أن للظهر سنة قبلية، فكذلك للجمعة، فهي مثلها، ولا فرق بينهما، وهو المشهور من مذهب الشافعية، حيث قالوا: تسن ركعتان قبل الجمعة كما تسن قبل الظهر عملًا بهذا الحديث، وبحديث ابن عمر \"أنه ﵁ كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويحدث أن رسول","vol":"2","page":262},{"text":"الله - ﷺ - كان يفعل ذلك\" أخرجه أبو داود، واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس ﵄ \" أنه - ﷺ - كان يصلي قبل الجمعة أربعًا لا يفصل في شيء منهن \" أخرجه ابن ماجة. وذهب الجمهور إلى أنّه لا سنة قبل الجمعة، قالوا: والمراد بحديث ابن عمر وقوله: \" كان يفعل ذلك \" أن النبي - ﷺ - كان يكثر من النافلة قبل الزوال، لا أنه كان يصلي سنةً قبل الجمعة، لأن الثابت عنه - ﷺ - أنّه لا يخرج إلى المسجد إلاّ بعد الزوال فإذا وصل صعد المنبر حالًا.\nوكان - ﷺ - يصلي بعد الجمعة أربعًا في المسجد، أو ركعتين في بيته. وأما حديث ابن عباس؛ فهو مسلسل بالضعفاء، كما أفاده في \" المنهل العذب \".\nثانيًا: مشروعية السنة البعدية للجمعة، وهو مذهب الجمهور. وأقلُّها ركعتان عند الحنابلة والشافعية، وأكثرها أربع عند الشافعية وست عند الحنابلة. وقالت الحنفية: هي أربع ركعات. وقالت المالكية: ليس للجمعة سنة بعدية.\nالحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" كان يصلّي قبل الظهر ركعتين \" قياسًا للجمعة على الظهر.\n***","vol":"2","page":263},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-386> أبواب صلاة الخوف </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>٣٥٥ - \" بَابٌ </span>\"\n٤١٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: \" غزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قِبَل نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصافَفْنَا لَهُمْ، فَقامَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -\nــ\n\" أبواب صلاة الخوف \"\nوهو نوعان: خوف يمنع من إتمام هيئة الصلاة، ويكون عند الإِلتحام، فيؤخر المجاهدون الصلاة إلى آخر الوقت، ثم يصلونها مشاة أو ركبانًا، يومئون في الركوع والسجود. وخوف من مفاجأة العدو فيجوز الصلاة أفذاذًا أو فيؤدون على طريقة صلاة الخوف المشروعة في كل قتال مشروع، سواء كان جهادًا أو قتالًا للمحاربين، وفي كل صلاة مكتوبة، جمعة أو الصلوات الخمس.\nأما حكمها واستمراره وبقاء مشروعيتها: فقد قال ابن قدامة: جمهور العلماء متفقون على أنّ حكمها باق بعد النبي - ﷺ -، وقال أبو يوسف: إنّما كانت تختص بالنبي - ﷺ - لقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) الآية. اهـ. قال ابن العربي المالكي: كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده. وقال ابن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم وصلاة الخوف رخصة شرعية، كما قال خليل، وقيل واجبة كما في \" الرسالة \"، وقيل سنة كما في \" أقرب المسالك \"، وهي عند الجمهور رخصة جائزة مشروعة باقية إلى قيام الساعة.\nوالحكمة فيها: المحافظة على أداء الصلاة جماعة مع اتخاذ الحيطة اللازمة من العدو، بحيث لا تُتْرَك له فرصة الانقضاض على المجاهدين أثناء صلاتهم.\n٣٥٥ - \" باب \"\n٤١٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" غزوت مع رسول الله - ﷺ - قِبل نجد \" أي خرجت مع النبي - ﷺ - إلى غزوة جهة","vol":"2","page":264},{"text":"يصَلِّي لَنَا، فقامَتْ طَائِفَةٌ مَعَة تصَلِّي، وأقْبَلَتْ طَائِفَةٌ علَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسول اللهِ - ﷺ - بِمَنْ مَعَه، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم انْصَرَفوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ التي لم تصَلِّ، فجاءوا فركع رَسولُ اللهِ - ﷺ - بِهِمْ رَكْعَةً، وسجدَ سَجْدَتَيْنِ، ثم سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فرَكَعَ لِنَفْسِهِ ركعَة، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ\".\nــ\nنجد، وهي غزوة ذات الرقاع، \" فوازينا العدو، فصاففنا لهم \" أي فوقفنا أمام العدو صفوفًا منظمة مرتبة كما رتبنا النبي - ﷺ -، \"فقام رسول الله - ﷺ - يصلّي لنا \" أي: فلما حضرت صلاة العصر أراد النبي - ﷺ - أن يصلي بنا هذه الصلاة كما تصلّى صلاةُ الخوف، \" فقامت طائفة معه، فصلى وأقبلت طائفة على العدو\" أي فانقسم الناس إلى طائفتين، طائفة تصلّي معه، وطائفة أخرى تقف أمام العدو للحراسة، \" وركع رسول الله - ﷺ - وسجد سجدتين \" أي فصلّى رسول الله - ﷺ - بالطائفة الأولى ركعة تامة بسجدتيها \" ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل \" أي ثم ذهبوا ليقفوا مكان الطائفة الأخرى، ويخلفوهم في الحراسة، \" فجاءوا فركع رسول الله - ﷺ - بهم ركعة \" أي: فجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم النبي - ﷺ - ركعة تامّة \" وسلم \" من صلاته \" فقام كل واحد فركع لنفسه ركعة \" أي فأتمّوا لأنفسهم على التعاقب.\nيعنى فأتمت طائفة، والأخرى تحرس، ثم أتمت الطائفة الأخرى، قال القسطلاني: وهو الراجح من حيث المعنى، وإلّا فيستلزم ضياع الحراسة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية صلاة الخوف وهي رخصة شرعية عند الحاجة إليها حضرًا أو سفرًا تخفيفًا ومعونة على جهاد العدوّ، مع أداء صلاة الجماعة. ثانيًا: بيان كيفية صلاة الخوف التي صلاها النبي - ﷺ - في غزوة ذات الرقاع. وقد اختار هذه الكيفية البخاري وأبو حنيفة، ورجحها","vol":"2","page":265},{"text":"ابن عبد البر لقوة إسنادها. واختار الجمهور الكيفية التي رواها سهل بن أبي حثمة. وهي أنه يفرقهم الإِمام إلى طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ، وطائفة خلفه، فيُصلي بالتي خلفه ركعة ويثبت قائمًا وتتم لنفسها الركعة الثانية بفاتحة وسورة، وتمضى للحراسة فتأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية، ويجلس للتشهد وتتم لنفسها الركعة الأخيرة لها بفاتحة وسورة، ويطيل الإمام التشهد حتى يتموا فيسلم بهم. ولصلاة الخوف كيفيات كثيرة، أوصَلها بعضهم إلى سبعة عشر كلها جائزة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في دلالة هذا الحديث على كيفية صلاة الخوف.\n***","vol":"2","page":266},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-388> أبواب العيدين </span>\"\nوالعيدان: هما عيد الفطر وعيد الأضحى. يبدأ تاريخهما بتاريخ الإِسلام، إذ لم يكونا معروفين في الجاهلية عند العرب، ولا عند. غيرهم، وإنما شرعا في السنة الأولى من الهجرة النبوية. قال أنس: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: نلعب فيهما في الجاهلية. فقال - ﷺ -: \"إن الله أبدلكما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر \" أخرجه أبو داود. واختار الله لهما اسمين كريمين من نفس المعنى والمناسبة التي شُرعا من أجلها، فالأول عيد الفطر، لأنه يتعلق بعبادة الصوم، ويشعر بالإفطار منه، ويعلن عن الفرحة الإِسلامية بإتمامه، كما يشير إليه قوله - ﷺ -: \" للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه \" والثاني عيد الأضحى لأنه يتعلق بالأضحية. وقد شرع الله لنا هذين العيدين ليكونا بديلين عن عيد النيروز (١) والمهرجان، وهما عيدان فارسيان كانا يقامان لِإحياء الشعائر المجوسية، فأبدلهما الله بالفطر والأضحى لِإحياء الشعائر الحنيفية. وسن لنا فيهما الخروج إلى المصلى لِإظهار شوكة الإِسلام وقوته، وجلاله وأبهته في هذا المشهد العظيم، وإنما سمي العيد عيدًا لأنه يعود على الناس بالفرحة والسرور، ويعود الله فيه على عباده، فيتجلى عليهم بالرحمة والغفران.\n_________\n(١) وكان النيروز يقام من ٢١ مارس (آذار) إلى ٢٥ منه، ويحتفل فيه ببيوت النار، ويتصل فيه ملوك الفرس بالرعية، ويوزعون عليهم الأكسية، وتضرب النقود، ويعين الحكام، وكان المهرجان يحتفل به من ٢٢ سبتمبر (أيلول) - ٢٢ أكتوبر (تشرين الأول) وكان يتوّج فيه الملوك، ويلبسون الجديد من الخز وغيره.\nبالإضافة إلى بقية الأشياء التي تصنع في عيد النيروز.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>٣٥٦ - \" بَابُ الْحِرَابِ والدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ </span>\"\n٤١٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \" دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيانِ بِغَنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاش، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أبو بَكْرٍ فَانتهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَة الشيطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ\nــ\n٣٥٦ - \" باب الحراب والدرق يوم العيد \"\nأي اللعب بالحراب جمع حربة، وهي آلة حربية أصغر من الرمح، والدرق جمع درقة وهي الترس الذي يتقى به في الحروب من السيوف وغيرها.\n٤١٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان \" (١)، أي صبيتان، \" تغنيان بغناء بعاث \" (بضم الباء وفتح العين) وهو موضع في ديار بني قريظة بالمدينة فيه أموالهم، وفيه وقعت المعركة المشهورة بيوم بعاث، التي كانت فيها المقتلة العظيمة للأوس والخزرج، والتي استمرت الحرب فيها مائة وعشرين سنة، إلى ظهور الإسلام بالمدينة وهجرة خير الأنام - ﷺ - إليها. وموضعها في مكان المزرعة المعروفة اليوم (بالمبعوث) شرقي المدينة بقرب (العريض) أي أن الجاريتين كانتا تنشدان الأشعار الحماسية التي قيلت في المفاخرة بذلك اليوم، \" ودخل أبو بكر فانتهرني \" أي فأنكر عليّ ذلك الغناء، وزجرني بشدة، \" وقال: مزمارة الشيطان \" بحذف همزة الاستفهام أي أصوت الغناء والملاهي الشيطانية أسمعه من منزل النبي - ﷺ -؟ قال العيني: قوله: \" مزمارة الشيطان \" يعني الغناء، أو الدف، وإضافتها إلي الشيطان من جهة أنها تلهي وتشغل القلب عن ذكر\n_________\n(١) تثنية جارية، وهي الصبية قبل البلوغ.","vol":"2","page":268},{"text":"- ﷺ - فَأقبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، وكانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ والْحِرَابِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>٣٥٧ - \" بَابُ الأكْلِ يَوْمَ الفِطْرِ قَبلَ الخرُوجِ </span>\"\n٤٢٠ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ: \" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطر حتَّى يَأكُلَ تَمَراتٍ \".\nــ\nالله، \" فقال: دعهما \" أي اتركهما تغنيان فإنّ هذا الغناء الحماسي لا حرج فيه، \" فلما غفل \" أي نام، \" غمزتهما \" أي أشرت إليهما بالخروج، وكان ذلك اليوم، \" يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب \" (١) أي يقومون فيه بألعاب الفروسية.\nويستفاد منه: مشروعية الاحتفال بالعيد، وإقامة الألعاب والرقصات الحربية فيه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" يلعب السودان بالدرق والحراب \".\n٣٥٧ - \" باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج \"\n٤٢٠ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه كان يفطر على شيء من التمر قبل أن يذهب إلى صلاة عيد الفطر، فيقول: \" كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات \" (بفتح الميم) أي: لا يخرج إلى صلاة عيد الفطر حتى يأكل شيئًا من التمر. وذلك لأنّه كان أوّل الإِسلام لا يجوز الفطر إلاّ بعد صلاة العيد، ثم نسخ فأراد النبي - ﷺ - أن يُعلم الناس وأن يؤكد لهم تأكيدًا عمليًا أن ذلك قد نسخ، وأصبح\n_________\n(١) اعتمدت في اختصار هذا الحديث على مختصر الزبيدي.","vol":"2","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>٣٥٨ - \" بَابُ الْمَشْيِ والرُّكُوبِ إلَى الْعِيدِ، والصَّلاةُ قَبلَ الْخطْبَةِ وَبِغيْرِ أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ </span>\"\n٤٢١ - عن ابْنِ عَبِّاسٍ وَجَابِرٍ ﵃ قَالَا: \" لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الفِطر ولا يَوْمَ الأَضْحَى \".\nــ\nمن السنة الإِفطار على التمر قبل صلاة العيد، ففعل ذلك بنفسه، وواظب عليه ليقتدي الناسُ به ويفعلوا مثله.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يستحب الإِفطار قبل صلاة العيد كما ترجم له البخاري. ثانيًا: أنه يستحب الإِفطار على التمر، فإن لم يجد تمرًا تناول ما يقوم مقامه. وقد استحب بعض التابعين الإِفطار على الحلو مطلقًا كالتمر والعسل والدبس كما رواه ابن أبي شيبة. ولكن للتمر مزايا لا توجد في غيره. قال ابن القيم: وأكل التمر على الريق يقتل الدود، وهو فاكهة، وغذاء، ودواء، وشراب، وحلوى. ويستحب أن يأكل من التمر وترًا. أي عددًا فرديًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ... إلخ. لما جاء في حديث آخر رواه البخاري عن أنس تعليقًا قال فيه - ﷺ -: \" يأكلهن وترًا \" وإنما رواه البخاري تعليقًا لأن فيه مُرَجَّى بن رجاء، وفي الاحتجاج به خلاف عند المحدثين، كما يستحب له الشرب قبل صلاة العيد، فإن لم يفعل ذلك في بيته شرب في طريقه، أو في المصلّى إن أمكنه. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل \".\n٣٥٨ - \" باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة وبغير أذان ولا إقامة \"\n٤٢١ - معنى الحديث: يقول جابر وابن عباس ﵃:","vol":"2","page":270},{"text":"\" لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى \"، أي: أن صلاة العيدين كانت على عهد النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين تصلّى بلا أذان ولا إقامة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قولهما: \"لم يكن يؤذن يوم الفطر\".\nويستفاد من الحديث: أن صلاة العيدين بلا أذان ولا إقامة، تلك هي سنة النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين، وعليها جمهور علماء المسلمين. قال مالك في \" الموطأ \": سمعت غير واحد من علمائنا أي من علماء أهل المدينة يقول: لم يكن في الفطر والأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله - ﷺ - إلى اليوم، وتلك السنّة التي لا اختلاف فيها، وما ذكره إمام دار الهجرة هو الذي استقر عليه الأمر، وجرى به العمل عند سلف الأمة وخلفها، أما ما حدث في عهد بني أمية من الأذان والإِقامة لصلاة العيدين فهو ظاهرة شاذة، وبدعة غريبة أنكرها الأئمة وأعلام السلف من الصحابة والتابعين. وأول من أحدث ذلك معاوية ﵁ فقد أخرج الشافعي عن الزهري أنه قال: لم يكن يؤذّن للنبي ولا لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان في العيدين فقيل: أحدث ذلك معاوية بالشام وأحدثه الحجاج بالمدينة، قال: ولا وجه لهم فيما أحدثوه لمخالفته الثابت عن رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين. قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافًا. وقال بعض أصحابنا ينادى لها الصلاة جامعة. وهو قول الشافعي: وسنة رسول الله أحق أن تتبع. واحتج الشافعي بما رواه عن الزهري أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذنين في العيدين فيقولوا: الصلاة جامعة، وهو حديث مرسل ضعيف كما أفاده في \" المنهل العذب \" ونقله عن النووي. والمطابقة: في قوله: \" لم يكن يؤذّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى \".\n***","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>٣٥٩ - \" بَابُ الخطْبَةِ بَعْدَ الْعِيدِ </span>\"\n٤٢٢ - عن ابن عَبَّاسِ ﵄ قَالَ:\n\" شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، فَكُلُّهُمْ كانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ \".\n٤٢٣ - عن البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأ بِهِ في يَوْمِنَا هَذَا أنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فمن فَعَلَ ذلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَتّنا، ومنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فإنمَّا هِيَ لَحْمٌ قدَّمهُ لأهلِهِ، ليسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيءٍ\".\nــ\n٣٥٩ - \" باب الحطبة بعد العيد \"\n٤٢٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄:\n\" شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة \" أي حضرت صلاة العيد مع النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين فكانوا جميعًا يصلّون صلاة العيد قبل الخطبة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" كانوا يصلون قبل الخطبة \".\n٤٢٣ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: \" قال رسول الله - ﷺ - وهو يخطب خطبة العيد، إنّ أول ما نبْدأ به في يومنا هذا \" الذي هو عيد النحر \" أن نصلي \" صلاة العيد، \" ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك \" أي: فمن قدم الصلاة وأخر الخطبة \" فقد أصاب سنتنا \" أي فقد وافق سنة النبي - ﷺ - فيما فعل. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه ابن ماجة.\nوالمطابقة: في قوله: \" إنّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي \".","vol":"2","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>٣٦٠ - \" بَابُ فضلِ الْعَمَلِ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ </span>\"\n٤٢٤ - عن ابنِ عَبَّاس ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَا الْعَمَلُ في أيَّامٍ أفضَلُ مِنْهَا في هَذَا الْعَشْرِ \"، قَالُوا: ولا الْجِهَادُ؟ قَالَ: \" ولَا الْجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ \".\nــ\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: أن من السنة الإِتيان بالخطبة بعد صلاة العيد، وتقديم الصلاة عليها، وهو ما ترجم له البخاري، وانعقد عليه الإِجماع، سلفًا وخلفًا، إلاّ ما حدث من بني أمية من تقديم الخطبة، وهي بدعة أحدثها مروان بن الحكم بالمدينة حين رأى مسارعة الناس إلى الخروج (١) بعد الصلاة، لئلا يسمعوا سب عليّ في خطبة العيد على منبر النبي - ﷺ -.\nأنكرها عليه أبو سعيد. فقال له: \" غيرتم والله \" أي غيرتم سنة رسول الله - ﷺ - \"يا بني أمية\". ثانيًا: مشروعية النحر بعد الصلاة، وسيأتي تفصيله في موضعه.\n٣٦٠ - \" باب فضل العمل في أيام التشريق \"\n٤٢٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر \" وفي رواية \"ما من أيّام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر \" والمعنى واحد، والمراد أنّ العمل في العشر الأوائل من ذي الحجة يتضاعف أجره ما لا يتضاعف في سائر الأيام، فلا\n_________\n(١) أي أنه لما كان الأمويون يسبون عليًا في خطبهم، كان الناس يكرهون ذلك (فيقتصرون) على حضور صلاة العيد فإذا صلّوا خرجوا قبل الخطبة لئلا يسمعوا ما يكرهون، فأمر معاوية مروان أن يقدم خطبة العيد على الصلاة ليضطر الناس إلى حضورها.","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>٣٦١ - \" بَابُ التَّكْبِيرِ أيَّامَ مِنى </span>\"\n٤٢٥ - قالَ الْبُخَارِي: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنى تِلْكَ الْأَيَّامِ، وخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وعلَى فِرَاشِهِ، وفي فُسْطَاطِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلكَ الأيَّامَ جَمِيعًا.\nــ\nيساويه أي عمل في وقت آخر، \" قالوا: ولا الجهاد \" في سبيل الله، \" قال: ولا الجهاد \" قال الطيبي: معناه ولا الجهاد في أيام أخر أحب إلى الله من العمل في هذه الأيام، \" إلاّ رجل خرج يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء \" أي: إلاّ رجل استشهد في سبيل الله، فبذل روحه وماله إعلاءً لكلمة الله، فهو أفضل، أو فعمله أفضل. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، وفضل العمل الصالح فيها على العمل في سائر الأيام عدا الاستشهاد في سبيل الله.\nوهل هي أفضل من العشر الأواخر من رمضان؟ المختار أنّ هذه أفضل أيامًا، وتلك أفضل ليال، لوجود ليلة القدر فيها. ثانيًا: استدل به البخاري على فضل أيام التشريق، لأن أولها وهو يوم العيد آخر العشر الأوائل. والسر في فضل العمل في أيام التشريق أنها أيام غفلة، والعبادات في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها. والمطابقة: في كون أول أيام التشريق آخر الأيام العشر.\n٣٦١ - \" باب التكبير أيام مني \"\n٤٢٥ - معنى الأثر: يقول البخاري في هذا التعليق الذي وصله ابن المنذر والفاكهي في \" أخبار مكة \". \" كان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام \" أي كان ابن عمر يواظب على مواصلة التكبير في أيام منى، \" وخلف الصلوات المكتوبات \" أي: وكان يكبر في تلك الأيام التي هي أيام العيد بعد كل صلاة","vol":"2","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>٣٦٢ - \" بَابُ النَّحْرِ والذَّبْحِ بالْمُصَلَّى يَوْم الْنَّحْرِ </span>\"\n٤٢٦ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْحَرُ، أَوْ يَذْبَحُ بِالْمُصَلَّى \".\nــ\nمكتوبة من الصلوات الخمس، \" وعلى فراشه وفي فسطاطه \" أي وفي خيمته.\nويستفاد منه: أنّه يسن التكبير في أيّام العيد خلف الصلوات الخمس، لما جاء في هذا الأثر وغيره عن الصحابة رجالًا ونساءً. فقد كانت ميمونة تكبّر يوم النحر، وكان النساء يكبّرن خلف أبان بن عثمان، وخلف عمر ابن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد. ويبدأ التكبير عند أبي حنيفة من صلاة فجر يوم عرفة، وينتهي بصلاة عصر يوم النحر. وقال مالك والشافعي في أشهر أقواله: من صلاة ظهر يوم النحر إلى صلاة صبح اليوم الرابع. وقال أحمد: يكبر المحل من صلاة صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيّام التشريق ويكبر المحرم من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" كان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام \".\n٣٦٢ - \" باب النحر والذبح بالمصلى يوم النحر \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على استحباب النحر والذبح بالمصلّى يوم النحر. والنحر يكون للإِبل في اللبة، والذبح للبقر والغنم في الحلق.\n٤٢٦ - معنى الحديث: إن النبي - ﷺ - كان ينحر إبل الأضاحي ويذبح بقرها وغنمها في المصلّى لكى يراه الناس، فيذبحوا وينحروا بعده.\nويستفاد منه: أولًا: أنه يسن للإِمام تذكية أضحيته بالمصلى ليراه الناس","vol":"2","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>٣٦٣ - \" بَابُ مَنْ خالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجِعَ يَوْمَ الْعِيدِ </span>\"\n٤٢٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطرَّيقَ \".\nــ\nفيذكوا بعده ضحاياهم. ثانيًا: استدل به مالك علي أنه لا يذبح أحد ضحيته إلّا بعد ذبح الإِمام. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" ينحر أو يذبح بالمصلّى \".\n٣٦٣ - \" باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد \"\n٤٢٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم عيد خالف الطريق \" أي: كان من سنته - ﷺ - التي داوم عليها في حياته أنّه كان يذهب إلى صلاة العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر، ليشهد له الطريقان يوم القيامة. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" خالف الطريق \".\nويستفاد منه: أنه يستحب للمسلم أن يذهب إلى صلاة العيد من طريق، ويرجع من طريق آخر، ليشهد له الطريقان، لأنّ الأرض تشهد لمن فوقها بما عمل من خير أو شر كما قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) وفي الحديث أنها تشهد على كل واحد بما عمل على ظهرها، وقيل: يغير الطريق تفاؤلًا بتغير الحال إلى أفضل.\nتتمة وتكملة: لما كان البخاري لم يعقد بابًا خاصًا لبيان صلاة العيد مع أهمية هذه الصلاة، فقد رأيت أن أبين صلاة العيدين، وعدد التكبيرات فيها، فأقول: جاء في الحديث الصحيح عن عمرو بن عوف المزني أن النبي - ﷺ - كبّر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الثانية خمسًا قبل القراءة،","vol":"2","page":276},{"text":"أخرجه الترمذي وحسّنه، وقال: سألت البخاري عنه فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه، وبه أقول. اهـ. ولهذا اتفق الجمهور على أنّ صلاة العيدين ركعتان يكبّر في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا قبل القراءة. قال مالك: وهو الأمر عندنا، وقال الباجي: وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد إلاّ أنها عند مالك وأحمد سبعة بتكبيرة الإِحرام، وعند الشافعي سبعة سوى تكبيرة الإِحرام. واتفقوا على أنها في الثانية خمسة بعد تكبيرة القيام. وقال أبو حنيفة: التكبيرات في الأولى ثلاثة بعد تكبيرة الإحرام وفي الثانية ثلاثة بعد القراءة هذه هي كيفية صلاة العيد. أما القراءة فيها: فإنّه يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة يجهر فيها بالقراءة، وقد روى النعمان بن بشير \" أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما \". قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم يرون الجهر بالقراءة. وفي أخبار من أخبر بقراءة النبي - ﷺ - دليل على أنّه كان يجهر، ولأنّها صلاة عيد أشبهت الجمعة، والله أعلم.\n***","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-398>أبواب الوِتْرِ</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>٣٦٤ - \" بَابُ مَا جَاءَ في الْوِتْرِ </span>\"\n٤٢٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ الله - ﷺ - عَن صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أحَدكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً توتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى\".\nــ\n\n\" أبواب الوتر \"\nهو لغة الفرد، أي الشيء الواحد، أو العدد المنتهي بواحد. وقد اختلف فيه الفقهاء شرعًا، فذهب بعضهم إلى أنه ركعة واحدة، كما يدل عليه المعنى اللغوي، وذهب آخرون إلى أنّ أقله ثلاث ركعات بناء على أنّه لغة ما ينتهي بواحد. وحكمه: أنّه سنة مؤكدة عند الحنابلة، وآكد السنن عند الشافعية.\nوآكدها بعد ركعتي الطواف عند المالكية، وواجب عند الحنفية.\n٣٦٤ - \"باب ما جاء في الوتر\"\n٤٢٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أنّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل \"، أي عن صفتها وكيفيتها \" فقال رسول الله - ﷺ -: صلاة الحل مثنى مثنى \"، أي صلاة الليل ثنائية يسلم المصلي فيها من كل ركعتين، كما قال ابن عمر، \" فإذا خشي أحدكم الصبح \" أي فإذا شعر المصلّى باقتراب الفجر، \" صلى ركعة واحدة، توتر في ما قد صلّى \" أي ختم صلاة الليل بركعة واحدة تجعل آخر صلاته وترًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.","vol":"2","page":278},{"text":"ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الوتر، وهو واجب عند أبي حنيفة (١) لحديث أبي أيوب: \" الوتر حق \" أخرجه أبو داود، وغيره من الأحاديث. والجمهور على أنه سنة مؤكدة، لحديث الأعرابي لما سأل النبي - ﷺ - عن ما فرض الله عليه قال: \" خمس صلوات كتبنهن الله في اليوم والليلة قال: هل على غيرها، قال: لا \"، فلو كان واجبًا لذكره مع الصلوات الخمس (٢)، وأمّا قوله - ﷺ -: \" الوتر حق \" فإن في إسناده عبيد الله بن عبد الله أبو المنيب العتكي، وقد تكلم فيه البخاري وغيره. ثانيًا: أنّ أقل الوتر ركعة واحدة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. قال ابن قدامة: ويجوز له إذا صلاها ثلاثًا أن يأتي بالركعتين الأوليين مفصولتين وهو الأفضل، أو يأتي به موصولًا، سواء أتي به بتشهد واحد أو بتشهدين والفصل أفضل من الوصل، وذلك لقوله - ﷺ -: \" الوتر ركعة من آخر الليل \" أخرجه مسلم. وقال مالك: يشترط في ركعة الوتر أن يتقدمها شفع، ولهذا قال أشهب: من أوتر بركعة واحدة يعيد وتره بعد شفع ما لم يصل الصبح (٣)، وقال سحنون: إن كان بحضرة ذلك شفعها بركعة وأوتر، وإن تباعد أجزأه. وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة وتشهدين، لقول عائشة ﵂ \" إن النبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن \" ... إلخ. ثالثًا: إن صلاة الليل ثنائية، تصلى ركعتين ركعتين، وهو مذهب مالك والشافعي في الليلية والنهارية.\nقال ابن قدامة: فأمّا تطوع الليل فلا يجوز إلاّ مثنى مثنى هذا قول أكثر أهل العلم، والأفضل في تطوع النهار أن يكون مثنى مثنى، وإن تطوع بأربع فلا بأس. وقال أبو حنيفة في صلاة الليل والنهار: إن شئت ركعتين، وإن\n_________\n(١) ونقله ابن العربي عن أصبغ وسحنون من المالكية.\n(٢) \" المغنى \" لابن قدامة.\n(٣) \" شرح الباجي على الموطأ \".","vol":"2","page":279},{"text":"٤٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كانَتْ تِلْكَ صَلَاتهُ، تَعْنِي باللَّيْلِ، فَيَسْجُدُ السَجْدَةَ مِنْ ذِلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثم يَضْطجِعُ - ﷺ - عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ \".\nــ\nشئت أربعًا. والمطابقة: في قوله: \" يصلّي ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى \".\n٤٢٩ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: \" أنّ النبي - ﷺ - كان يصلّي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، تعني بالليل \" وفي رواية مسلم قالت: \" كان النبيُّ - ﷺ - يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة \". ومعنى ذلك أن صلاته - ﷺ - الليلية التي كان يصليها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، لا تزيد عن إحدى عشرة ركعة، منها ركعة الوتر، \" يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه \"، أي: أنه - ﷺ - كان يطيل السجود في قيام الليل حتى أن الوقت الذي يقضيه في السجدة الواحدة يكفي لقراءة خمسين آية، \" ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر \"، وهما سنة الفجر، \" ثم يضطجع على شقه الأيمن \" للاستراحة.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن أغلب صلاته - ﷺ - بالليل إحدى عشر ركعة بما فيها الوتر. ولهذا قال ابن القيم: \" وكان قيامة (١) - ﷺ - بالليل إحدى عشر ركعة أو ثلاثة عشرة، كما قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا. والصحيح عن عائشة الأول، والركعتان فوق الإِحدى عشر هما\n_________\n(١) \" زاد المعاد \" لابن القيم.","vol":"2","page":280},{"text":"ركعتا الفجر، جاء ذلك مبينًا في هذا الحديث \" كان رسول الله - ﷺ - يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر \" ذكره مسلم. أما ابن عباس فقد اختلف عليه، ففى الصحيحين عن أبي جمرة، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: كان رسول الله - ﷺ - يصلي ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل، لكن قد جاء عنه هذا مفسرًا أنها بركعتي الفجر، حيث قال الشعبي: سألت ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵃ عن صلاة رسول الله - ﷺ - فقال: ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، ويوتر بثلاث، وركعتين قبل صلاة الفجر. ثانيًا: مشروعية طول السجود في صلاة القيام في حدود قدرة المصلّي وطاقته وقد كان - ﷺ - كما في حديث الباب \" يسجد السجدة بقدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية \". ثالثًا: مشروعية ركعتى الفجر، وهي سنة مؤكدة عند الشافعية، وآكد السنن وأقواها عند الحنفية، وهي (رغيْبة) عند المالكية يندب (١) فعلها في البيت ووقتها من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتقضى عند الجمهور خلافًا للحنفية. ويقرأ فيها (الكافرون) و(الإِخلاص) عند الجمهور، والفاتحة فقط عند المالكية، و(قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) إلى آخرها التي في سورة البقرة و(قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) التي في سورة آل عمران إلى آخرها عند الشافعية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" كان يصلّي إحدى عشرة ركعة \" لأن الوتر من ضمنها.\n...\n_________\n(١) \" الرسالة \" لابن أبي زيد القيرواني.","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>٣٦٥ - \" بَابُ ساعَاتِ الْوِتْرِ </span>\"\n٤٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كُلَّ اللَّيْلِ أوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>٣٦٦ - \" بَابُ لِيَجْعَلْ آخِرَ صَلَاِتهِ وِتْرًا </span>\"\n٤٣١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتكُمْ باللَّيْلَ وِترًا \".\nــ\n٣٦٥ - \" باب ساعات الوتر \"\n٤٣٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كل الليل أوتر رسول الله - ﷺ - \"، أي أنه - ﷺ - صلّى الوتر في جميع أوقات الليل، أحيانًا في أوّله، وأحيانًا في وسطه، وأحيانًا في آخره \" وانتهى وتره إلى السحر \"، أي وكان آخر وقت صلّى فيه الوتر هو آخر الليل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قولها: \" كل الليل أوتر رسول الله - ﷺ - \".\nويستفاد منه: جواز صلاة الوتر في جميع ساعات الليل من بعد العشاء\nإلى آخر الليل، لأن النبي - ﷺ - صلّى أوّله، ووسطه، لبيان الجواز، كما أفاده العيني.\n٣٦٦ - \" باب ليجعل آخر صلاته وترًا \"\n٤٣١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا \"، أي أن النبي - ﷺ - أمرنا أن نصلّي الوتر في آخر الليل فنجعله آخر صلاة نصليها فيه، ونختم به صلاة الليل فلا نصلّى بعده إلى مطلع الفجر،","vol":"2","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>٣٦٧ - \" بَابُ القُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ </span>\"\n٤٣٢ - عن أنسٍ ﵁:\nأنَّهُ سُئِلَ عنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: \"قدْ كَانَ الْقُنُوتُ، فَقِيلَ لَهُ: قَبْلَ الرُّكُوعِ أوْ بَعْدَهُ؟ قالَ: قَبْلَهُ، قِيلَ: فإِنَّ فُلَانًا أخْبَرَنِي عنْكَ أنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. فَقَالَ: كَذَبَ، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًَا، أرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًَا يُقَالُ لَهُمْ القُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْم\nــ\nوهو أمر ندب واستحباب فقط. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن أراد التهجد ووثق من قيامه أفضل من أدائه في أوله. فإن لم يرد القيام، أو لم يثق من قيامه، فالأفضل تقديمه، لحديث جابر: \" من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة \".\nفإن صلّى الوتر وقام للتجهد فلا يعيده عند الجمهور لقوله - ﷺ -: \" لا وتران (١) في ليلة \" أخرجه أبو داود. ثانيًا: استدل به أبو حنيفة على وجوب الوتر. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٣٦٧ - \" باب القنوت قبل الركوع وبعده \"\n٤٣٢ - معنى الحديث: يروي لنا عاصم الأحول في هذا الحديث \" عن أنس ﵁ أنه سئل عن القنوت \" أي أن أنس بن مالك سئل هل كان القنوت موجودًا على عهد النبي - ﷺ - \" فقال: قد كان القنوت \" موجودًا، \" فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ \" أي: هل كان النبي وأصحابه يفعلونه قبل الركوع أو بعده؟، \" قال: قبْله، قيل: فإنّ فلانًا \"، ويحتمل\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة.","vol":"2","page":283},{"text":"مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أولَئِكَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ الله عَهْدٌ، فَقَنَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\" شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ.\nــ\nأنّه ابن سيرين، كما أفاده العيني \" أخبر عنك أنك قلت بعد الركوع، قال: كذب \"، أي أخطأ في فهمه إن روى لك أن القنوت دائمًا بعد الركوع \" إنما قنت بعد الركوع شهرًا \" أي إنما كان قنوته - ﷺ - بعد الركوع مدة محدودة، وزمنًا قليلًا لا يتجاوز الشهر، وفي أحوال استثنائية، وعند النوازل، ثم بين سبب قنوته بعد الركوع، وقال: \" بعث قومًا يقال لهم: القراء زهاء سبعين \" أي يقارب عددهم سبعين رجلًا \" إلى قوم من المشركين دون أولئك \"، أي وكان عددهم أقل من المبعوث إليهم وإنما أرسلهم إليهم ليعلموهم القرآن، وأحكام الإسلام، \" وكان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد \" فنقضوا العهد وغدروا بأولئك القراء وقتلوهم. \" فقنت رسول الله شهرًا يدعو عليهم \"، أي يدعو على أولئك الغادرين من رَعلٍ وذكوان ثلاثين صباحًا.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به المالكية والحنفية على أن القنوت قبل الركوع، لأن أنسًا لما سئل عن القنوت قبل الركوع أو بعده قال: قبله، كما في حديث الباب. وذهبت الشافعية والحنابلة (١) إلى أن القنوت بعد الركوع واستدلوا على ذلك بحديث ابن مسعود \" أن النبي - ﷺ - قنت بعد الركوع \"، أخرجه مسلم. ومما يدل على أن القنوت بعد الركوع حديث علي أنّ رسول الله - ﷺ - كان يقول في آخر وتره: \"اللهم إني أعوذ برضاك\n_________\n(١) واختلفوا هل هو في صلاة الصبح أو في الوتر؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه في صلاة الصبح، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أنه في الوتر. قال الترمذي: واختلف أهل العلم في القنوت فرأى عبد الله، بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع، وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة، وهو قول أبي حنيفة. وذهب الشافعي إلى أن القنوت سنّة في الصبح بعد الركوع، وكذلك يرى مالك القنوت في الصبح إلا أنه قبل الركوع. قال خليل: \" وَقنوت سِرًا بِصبحٍ فَقَطْ قَبلَ الركُوْعِ \" أي أن القنوت مستحب في صلاة الصبح، كما أفاده الحطاب.","vol":"2","page":284},{"text":"من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك \". ثانيًا: في الحديث دليل على مشروعية القنوت عند النوازل ويسمى هذا القنوت عند أهل العلم قنوت الحاجة أو قنوت النوازل. ويستعمل في أوقات مخصوصة، ولفترة محدودة عندما ينزل بالمسلمين مكروه من مرض أو خوف أو هزيمة أو عدوان عليهم، لقول أنس \" فقنت رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو عليهم \". وفي رواية أخرى عن أنس: \" قنت النبي - ﷺ - شهرًا يدعو على رِعل وذكوان \".\nتتمة وتكملة: اتفق الأئمة الأربعة على وجود دعاء مخصوص للقنوت، واختلفوا في هذا الدعاء، فاختار الشافعية والحنابلة ما رواه الحسن بن علي عن النبي - ﷺ - أنه علمه كلمات القنوت أن يقول: \" اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، ووقني شر ما قضيت، فإنّك تقضى ولا يقضى عليك.، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت \" رواه أحمد وأصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن، لا نعرف في القنوت عن النبي - ﷺ - شيئًا أحسن منه، هذا وزاد البيهقي بعد: \" ولا يذل من واليت \" ولا يعز من عاديت. واختار المالكية والحنفية ما روي عن عمر ﵁ وهو: \" اللهم إنّا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إيّاك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنّ عذابك الجد بالكافرين ملحق \"، رواه البخاري والبيهقي موقوفًا على عمر بألفاظ مختلفة، وأخرج سحنون عن عبد الرحمن بن سويد الكاهلي أن عليًا قنت في الفجر به. وأخرج الطحاوي عن ابن عباس أنّ لفظ القنوت هذا كان قرآنًاْ ثم نسخ كما أفاده في \" مسالك الدلالة \". مطابقة الحديث للترجمة: في كونه يدور حول القنوت، هل هو قبل الركوع أو بعده، وما إلى ذلك. اهـ.","vol":"2","page":285},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>(أبواب الاستسقاء)</span>\nالاستسقاء لغة: طلب السقيا، وهي أن يعطيه ما يشرب كما قال الراغب، إذن فمعنى الاستسقاء أن يطلب المرء من غيره أن يعطيه شرابًا، ماءً. كان أو سواه، ثم استعمل في طلب سقي الماء لنفسك أو لغيرك، كما قال الحافظ.\nوشرعًا: طلب سقي الماء من الله تعالى بنزول الأمطار، أو توفر مياه الأودية والأنهار، أو بزيادة منسوبها. وهو ثلاثة أنواع: أدناها: مجرد الدعاء فرادى أو جماعات، وقد استسقى رسول الله - ﷺ - عند أحجار (الزيت) بالدعاء بلا صلاة، قال الشافعي: وأحسنه ما كان من أهل الصلاح. وأوسطها: الدعاء عقب الصلوات فريضة أو نافلة، وفي كل خطبة مشروعة. وأعلاها: ما كان بالصلاة والخطبة. والحكمة فيه أنّ معظم الكوارث من قحط وجدب وغيرها إنما هي نتيجة حتمية للذنوب والخطايا. كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) فجعل الله الأدعية والصلوات والتوبة وسائل لتكفير السيئات وكشف البلاء. وشرع صلاة الاستسقاء لما فيها من الاستغفار والعودة إلى الله، والإِنابة إليه، وقد أخبرنا الله عن نوح أنه قال لقومه: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) ثم شرعت الصدقة عند الاستسقاء، لأنها تطفىء غضب الرب، كما سُنَّ الخروج بالعجائز والصبيان في هيئة رثة لقوله - ﷺ -: \"لولا صبيان رضع ومشايخ","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>٣٦٨ - \" بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ وَخرُوجُ النَّبِيِّ - ﷺ - إلى الِاسْتِسْقَاءِ </span>\"\n٤٣٣ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ بنِ عَاصِم المَازِنِي ﵁ قَالَ: خَرَج النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَسْقي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ.\nــ\nركع؛ وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صبًا \" أخرجه البيهقي وضعَّفه، ويغني عنه قوله - ﷺ -: \" ولولا البهائم لم يمطروا \" وقوله - ﷺ -: \"هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم \".\n٣٦٨ - \" باب الاستسقاء، وخروج النبي - ﷺ - إلى الاستسقاء \"\n٤٣٣ - معنى إلحديث: يقول عبد الله بن زيد بن عاصم المازني: \" خرج النبي - ﷺ - يستسقي \" أي خرج النبي - ﷺ - إلى المصلّى ليصلّي صلاة الاستسقاء كما جاء مصرحًا بذلك في رواية أخرى حيث قال: \" صلّى ركعتين \" وفي رواية أبي داود: \" خرج بالناس يستسقي \"، أي وشاركه في الخروج كل من يشرع له ذلك من الرجال والصبيان وعجائز النساء، دون الشابات منهن، \" وحوّل رداءه \" أي جعل ما على يمينه على يساره، والعكس بالعكس. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا،: مشروعية صلاة الاستستقاء، وكونها سنة مؤكدة، ولا خلاف في ذلك. وإنما اختلفوا هل يسن صلاة الاستسقاء جماعة، أو يستحب فقط، فقال الجمهور بالأول، وقال أبو حنيفة بالثاني لعدم مواظبته - ﷺ - عليها، ولأنه قال في حديث البخاري هذا: \" خرج النبي - ﷺ - يستسقي، ولم يذكر الصلاة \" وأجيب بأن عبد الله بن زيد روى هذا الحديث في رواية أخرى مفصلًا فقال فيها: \" قلب رداءه، وصلّى ركعتين \" والروايتان","vol":"2","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>٣٦٩ - \" بَابُ رَفْعِ الإِمَامِ يَدَهُ في الِاسْتِسْقَاءِ </span>\"\n٤٣٤ - عنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: \" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شَيءٍ منْ دُعَائِهِ إلَّا في الِاسْتِسْقَاءِ، وَإنَّهُ يَرْفَعُ حتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ \".\nــ\nمن مصدر واحد، فتكون الرواية الأخرى تفسيرًا لهذه الرواية ويكون معنى قوله \" خرج يستسقي \" أي يصلّي صلاة الاستسقاء. ثانيًا: أنه يسن الخروج إلى المصلّى في صلاة الاستسقاء كالعيدين. قال ابن رشد: أجمع العلماء على الخروج إلى الاستسقاء، والبروز عن المصر، والدعاء إلى الله تعالى، والتضرع إليه في نزول المطر، سنة سنّها رسول الله - ﷺ -. ثالثًا: استحباب تحويل الرداء للإِمام والناس، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. والمطابقة: في قوله: \"خرج النبي - ﷺ - يستسقي\".\n٣٦٩ - \" باب رفع الإِمام يده في الاستسقاء \"\n٤٣٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان النبي - ﷺ - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاّ في الاستسقاء \"، أي لا يبالغ في رفع يديه أثناء أيِّ دعاء من الأدعية كما يبالغ في دعاء الاستسقاء، وليس المراد نفي الرفع في الأدعية الأخرى لثبوته في الأحاديث الصحيحة، كما أفاده الحافظ \" وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه \" بكسر الهمزة وسكون الباء، أي يرفع يديه في دعاء الاستسقاء عاليًا، حتى يظهر البياض الذي تحت إبطيه.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء، والمبالغة فيه أكثر من الأدعية الأخرى، كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قول أنس ﵁: \" كان النبي - ﷺ - لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلاّ في الاستسقاء \".","vol":"2","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>٣٧٠ - \" بَابُ مَا يُقَالُ إِذَا أمْطَرَتْ </span>\"\n٤٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَأى الْمَطر قَالَ: \" صَيِّبًَا نَافِعًا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>٣٧١ - \" بَابٌ إِذَا هَبَّتِ الرِّيْحُ </span>\"\n٤٣٦ - عنْ أنَسِ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَتِ الرِّيْحُ الشَّدِيدَةُ إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ في وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - \".\nــ\n٣٧٠ - \" باب ما يقال إذا أمطرت \"\n٤٣٥ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: \" أنّ رسول الله - ﷺ - كان إذا رأى المطر قال: صَيِّبًا نافعًا \" أي: يسأل الله تعالى ويتضرع إليه أن يجعل هذا المطر كثيرًا غزيرًا نافعًا للإِنسان والحيوان سقيا رحمة، تُنْبتُ بها الأرض أعشابها، وتخرج من خيراتها، وتدر المواشى من ألبانها، لا سقيا عذاب تهدم وتغرق. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: استحباب الدعاء عند نزول الأمطار، كما كان - ﷺ - يدعو، لأن الدعاء عندها مستجاب. فقد روى الشافعي في \" الأم \" عن النبي - ﷺ - قال: \" اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث \"، وهو حديث مرسل. والمطابقة: في قولها: \" قال: صيبًا نافعًا \".\n٣٧١ - \" باب إذا هبت الريح\"\n٤٣٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كانت الريح الشديدة إذا هبت عُرف ذلك في وجه النبي - ﷺ - \" أي: أصابه فزع شديدٌ وظهرت آثار الخوف والقلق على وجهه الشريف، خشية أن تكون تلك الريح","vol":"2","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>٣٧٢ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - نصِرْتُ بالصَّبَا </span>\"\n٤٣٧ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" نُصِرْتُ بالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ \".\nــ\nإعصارًا مدمِّرًا، أو عقوبة سماوية، كتلك التي وقعت لقوم هود، فكانت عليهم عاصفة شديدة، قلعت أشجارهم وهدّمت ديارهم، كما قال تعالى في وصف ما أحدثته فيهم من كوارث (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) حتى أنها كانت ترفع المرأة بين السماء والأرض كأنها جرادة، وكانت ترميهم بالحجارة فتدق أعناقهم، ولهذا كان - ﷺ - إذا اشتدت الريح يخشى أن تصاب أُمَّتَهَ بما أصيب به أولئك. الحديث: أخرجه البخاري.\nويستفاد منه: أنه يستحب استشعار الخوف عند هبوب الرياح والعواصف الشديدة، وذلك من الفطنة، لأنّ الريح كثيرًا ما تكون دمارًا وتخريبًا وعذابًا، كما تدل عليه الحوادث المتكررة على مر العصور والأزمان. والمطابقة: في قوله: \" كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي - ﷺ - \".\n٣٧٢ - \" باب قول النبي - ﷺ - نصرت بالصَّبا \"\n٤٣٧ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - قال: \" نصرت بالصبا \" وهي الريح التي تهب من مشرق الشمس، وتكون باردة منعشة، يستريح إليها الشجي، ويحن لها الغريب، ولذلك تردد ذكرها على ألسنة الشعراء ومن ذلك قول الشاعر:\nألَا يَا صَبَا نَجْدٍ مَتَى هِجْتِ مِنْ نَجْدِ ... لَقَدْ زَادَني مَسْراكِ وَجْدًا عَلَى وَجْدِ\nويقول ابن زيدون:\nوَيَا نَسِيْمَ الصبَّاَ بَلِّغْ تَحِيَّتنا ... مَنْ لَوْ عَلَى البُعْدِ حَيَّا كانَ يُحْيينَا","vol":"2","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>٣٧٣ - \" بَابٌ لا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلَّا اللهُ </span>\"\n٤٣٨ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مِفْتَاحُ الْغَيْب خَمْسٌ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ، لَا يَعْلَمُ أحدٌ مَا يَكُونُ في غَدٍ، ولَا يَعْلَمُ أحدٌ مَا يَكُونُ في الأرحَامِ،\nــ\nومعنى الحديث: أن الله ﷿ قد نصر نَبِيَّهُ برج الصبا في غزوة الخندق، حيث سلطها الله على قريش وغطفان، فكفأت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأَنزلت في قلوبهم الرعب فعادوا خاسئين، \" وأهلكت عاد بالدبور \" وهي ريح تهب من الغرب سلطها الله على قوم هود سبع ليال وثمانية أيّام حسومًا فأهلكتهم وقضت عليهم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: أن بعض الرياح نصر ورحمة كالصَّبا، وبعضها عذاب كالدبور. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٣٧٣ - \" باب لا يدري متى يجيء المطر إلاّ الله \"\n٤٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" مفتاح الغيب خمس \"، وإنما وصف هذه الخمسة وسماها مفتاح الغيب، لأنها أهم الأمور الغيبية التي حجبها الله عن علم الإِنسان وإدراكه الحسي والعقلي، ولأن بعض الكهنة والعرافين يدّعي العلم بها، ولهذا ذكرها - ﷺ -، ونفى أن يعلم بها أحد، فقال: \" لا يعلمها إلّا الله \"، وهو مصداق قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) ... إلخ. قال قتادة: في الآية خمس من الغيب استأثر الله بهن، فلم يطلِع ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا \" لا يعلم أحد ما يكون في غد \" أي لا يعلم ما ينطوي عليه الغد من خير أو شر، ولو كان نبيًا إلاّ بواسطة الوحي المنزل عليه. \" ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام \" من ذكر أو أنثى، أسود","vol":"2","page":291},{"text":"ولا تَعْلَمُ نَفْسٌ ماذَا تَكْسِبُ غدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ، ومَا يَدْرِي أحَدٌ مَتَى يَجِيءُ الْمَطر\".\nــ\nأو أبيض، كاملًا أو ناقصًا أو نحوها، فهو المنفرد بعلم ذلك قبل التخلق، أما بعد تخلقه فإنه لم يعد غيبًا، وفي إمكان الكشف الطبي الوصول إلى معرفته \" ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا \" أي لا تدري نفس ما تأتي به من الأعمال غدًا، إن كان حسنًا أو قبيحًا، خيرًا أو شرًا، \" وما تدري نفس بأي أرض تموت \". قال ابن كثير: أي ليس يدري أحد من الناس أين مضجعه من الأرض \" وما يدري أحد متى يجيء المطر \" أي لا يدري متى يجيء المطر قبل ظهور علاماته.\nويستفاد منه: أن هذه الأمور الخمسة هي أمهات أمور الغيب التي استأثر الله بعلمها، أما معرفة الإِنسان بنزول المطر بواسطة الأرصاد الجوية فإن ذلك بعد ظهور العلامات، وليس غيبًا، وكذلك معرفة الطبيب بالجنين ذكرًا أو أنثى فإنه بعد التخلق وليس غيبًا. الحديث: أخرجه البخاري هنا. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n***","vol":"2","page":292},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-409> أبواب الكسوف </span>\"\nالكسوف والخسوف: ظاهرتان غريبتان مغايرتان للأحوال العادية خارقتان للسنن الكونية، تظهر إحداهما في الشمس والأخرى في القمر، وقد كثر استعمال الأولى في الشمس والثانية في القمر في لغة العرب (والكسوف لغة) التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس إذا اسودت (والخسوف لغة) الذهاب، يقال: خسف القمر إذا ذهب ضوءه. والمراد بهما شرعًا: احتجاب ضوء الشمس، أو ذهاب نور القمر، لسبب من الأسباب التي يخلقها الله فيهما، لفترة محدودة من الزمن، وفي الحديث: \" الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد، ولكنهما خَلقان من خلقه، وإن الله تعالى يحدث في خلقه ما شاء وإن الله ﷿ إذا تجلى لشيء من خلقه يخشع له \" أخرجه النسائي والطحاوي. قال ابن القيم: إسناد هذه الرواية لا مطعن فيه، ورواتها ثقات حفاظ، لكن لعل هذه اللفظة: يعني \" إن الله إذا تجلى لشيء من خلقه يخشع له \" مدرجة من بعض الرواة. قال السبكي: وهو لا يتنافى مع ما قاله الفلاسفة من أن خسوف القمر يتوسط الأرض بينه وبين الشمس، فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس فإنه لا يبعد أن يكون ذلك في وقت تجليه ﷾، فالتجلي سبب لكسوفهما. اهـ. بتصرف من شروح \" سنن النسائي \" (١).\n_________\n(١) كما أفاده في \" فيض الباري على صحيح البخاري \".","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>٣٧٤ - \" بَابُ الصَّلَاةِ في كُسُوفِ الشَّمْس </span>\"\n٤٣٩ - عن أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ، حتى دَخَلَ الْمَسْجدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حتى انْجَلَتِ الشَّْمسُ، فقالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" إِنَّ الشَّمْس والْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ، فَإذا رَأيتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ \".\nــ\n٣٧٤ - \" باب الصلاة في كسوف الشمس \"\n٤٣٩ - معنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁: \" كنا عند رسول الله فانكسفت الشمس، فقام النبي - ﷺ - يجرَّ رداءه \"، أي قام - ﷺ - مسرعًا فزعًا من ذلك الكسوف؛ حتى اضطربت حركته البدنيّة، فجرّ رداءه بسبب شدة الخوف الذي أصابه، كما في حديث أسماء حيث قالت: \" ففزع فأخطأ بدرع \"، أي فلبس الدرع بدلًا عن الثوب، بسبب انشغال خاطره، كما أفاده الحافظ \" فصلّى بنا ركعتين \"، أي: فصلى بنا صلاة الكسوف في المسجد ركعتين عاديتين، كل ركعة بركوع واحد كما في حديث النعمان بن بشير \" أن النبي - ﷺ - صلى حين كسفت الشمس مثل صلاتنا يركع ويسجد \".\n\"قال القاري: أي من غير تعدد الركوع، وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة \" فصلّى ركعتين وأربع سجدات \" أخرجه النسائي \" حتي انجلت الشمس \"، أي استمر يصلي حتى ظهرت. \" فقال: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد \" أي: لموت كبير أو حدوث أمر عظيم كما يزعمه الجاهليون \" فإذا رأيتموهما \" مكسوفين \" فصلوا \" أي: فعليكم بالصلاة والدعاء حتى ينجليا.\nالحديث: أخرجه أيضًا النسائي.","vol":"2","page":294},{"text":"٤٤٠ - عَنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ:\nكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ ولا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأيتُمْ فَصَلّوا وَادْعُوا اللهَ \".\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية صلاة الكسوف وهي سنة اتفاقًا وتصلّى في كسوف الشمس جماعة بلا خلاف، واختلفوا في خسوف القمر.\nفقال الشافعي وأحمد يجمع في خسوف القمر، كما يجمع في كسوف الشمس، وقال أبو حنيفة: لا يسن، ولكن يجوز، وقال مالك: لا جماعة في خسوف القمر. ثانيًا: أن صلاتي الكسوف والخسوف ركعتان عاديتان بركوع واحد وهو مذهب أبي حنيفة. وقال الجمهور: في كل ركعة ركوعان كما في حديث ابن عباس. واختلفوا هل يجهر فيها الإِمام بالقراءة. فقال أحمد يجهر بالقراءة خلافًا للجمهور. والمطابقة: في قوله: \" فصلى بنا ركعتين \".\n٤٤٠ - معنى الحديث: يقول المغيرة ﵁: \" كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - يوم مات إبراهيم \"، أي: انكسفت في زمن رسول الله - ﷺ - وفي نفس اليوم الذي توفي فيه إبراهيم ابن النبي - ﷺ - من مارية القبطية ﵄. وقد ولد ﵁ سنة ثمان من الهجرة وتوفي في آخر ربيع الأول من السنة العاشرة كما رجحه شيخ الإِسلام: ابن تيمية.\nقال ﵀: \" وأما ما يروى عن الواقدي من أن إبراهيم مات يوم العاشر من الشهر، وهو اليوم الذي صلى فيه النبي - ﷺ - صلاة الكسوف، فهو غلط، والواقدي لا يحتج بمسانيده، فكيف بما أرسله! وهذا فيما لم يعلم أنه خطأ.\nثم قال في موضع آخر: \"وكما أن العادة التي أجراها الله أن الشهر لا يكون","vol":"2","page":295},{"text":"إلّا ثلاثين أو تسعة وعشرين، فكذلك أجرى الله العادة أنّ الشمس لا تنكسف إلّا في وقت الاستسرار \" فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم \"، أي ربطوا بين الحادثة الأرضية والظاهرة السماوية التي هي كسوف الشمس، وظنوا أن موت إبراهيم كان سببًا في كسوف الشمس في ذلك اليوم، لأنّه ابن النبي - ﷺ - لما كان العرب يزعمون الجاهلية أنه إذا مات عظيم في الأرض حدث حادث عظيم في السماء \" فقال رسول الله - ﷺ -: \" إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته \" كما كانوا يزعمون أنّ الشمس تنكسف لموت كبير أو حدوث أمر عظيم \" فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله \"، أي فإذا رأيتم الكسوف فصلوا صلاة الكسوف والجأوا إلى ربكم بالتضرع والدعاء.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية صلاة الكسوف (١). وهي عند الجمهور ركعتان كل ركعة بركوعين لما في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: \" خسفت الشمس في عهد رسول الله - ﷺ -، فصلى بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام؛ وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى \" أخرجه الستة. ثانيًا: أن الحوادث الأرضية من ولادة كبير أو موت عظيم لا تكون أبدًا سببًا في الحوادث السماوية من كسوف أو خسوف، ولا تؤثر فيها. فموت العظماء مثلًا لا ينشأ عنه كسوف الشمس أو خسوف القمر، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته \". قال شيخ الإِسلام ابن تيميّة في قوله - ﷺ -: \" لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته \": أي لا يكون الكسوف معلّلًا بالموت، فهو نفي العلة الفاعلة، وأن موت بعض الناس وحياتهم لا يكون سببًا لكسوف الشمس والقمر \". ثم قال ﵀: \"وأما كون الكسوف\n_________\n(١) وهي سنة مؤكدة عند الجمهور.","vol":"2","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-411>٣٧٥ - \" بَابُ النِّدَاءِ بالصَّلَاةَ جَامِعَةً </span>\"\n٤٤١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرُو بن العَاص ﵄ قَالَ:\n\" لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ أنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً \".\nــ\nوغيره من الآيات والحوادث السماوية قد يكون سببًا لحادث في الأرض من عذاب يقتضي موتًا أو غيره، فذلك قد أثبته الحديث نفسه \". في قوله: \" ولكن الله تعالى يخُّوّف بها عباده \"، كما في حديث أبي بكرة ﵁ الذي تقدم لنا قبل هذا الحديث. قال ابن تيميّة: \" وإخباره (١) بأن الله يخوف عباده بذلك يبين أنه قد يكون سببًا لعذاب ينزل كالرياح العاصفة مثلًا \".\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" فصلّوا وادعوا \".\n٣٧٥ - \" باب النداء بالصلاة (٢) جامعة \"\n٤٤١ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن عمرو ﵄ \" لما كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - نودى أن الصلاة جامعة \" أي نادى المؤذن الصلاة جامعة بنصب الصلاة على المفعولية لفعل محذوف أي صلّوا الصلاة، وجامعة حال منصوب، يسكن للوقف. والتقدير احضروا الصلاة حال كونها جامعة للجماعة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nويستفاد منه: أن صلاة الكسوف بدون أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها بصيغة الصلاة جامعة. والمطابقة: في قوله: \" نودي أن الصلاة جامعة \".\n_________\n(١) \" الفتاوى الكبرى \" لابن تيمية ج ١ ص ٣٩١ طبعة دار المعرفة بيروت.\n(٢) بنصب الصلاة على الحكاية.","vol":"2","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>٣٧٦ - \" بَابُ التَعَوُّذِْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ في الْكُسُوفِ </span>\"\n٤٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأن يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْألهَا فَقَالَتْ لَهَا: أعاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أيعَذَّبُ النَّاسُ في قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" عَائِذًَا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ \" ثم ذَكَرَتْ حَدِيث الْكُسُوفِ، ثُمَّ قَالَتْ في آخِرِهِ: \" ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ \".\nــ\n٣٧٦ - \" باب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف \"\n٤٤٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: \" أن يهوديّة جاءت تسألها \" أي: تسألها عن عذاب القبر، فقالت لها كما في رواية أخرى \" سمعت رسول الله - ﷺ - يذكر شيئًا عن عذاب القبر، فقالت عائشة: وما عذاب القبر؟ \" \" فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر \" أي أجارك الله منه \" فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - أيعذب الناس في قبورهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: عائذًا بالله من ذلك \" أي فقال - ﷺ -: \" نعم هو حق \" كما جاء في رواية أخرى، واستعاذ بالله منه \" ثم ذكرت حديث الكسوف \" فقالت: ركب رسول الله - ﷺ - ذات غداة مركبًا فخسفت الشمس فرجع ضحى ثم قام يصلي ... إلخ \" ثم أمرهم \" بعد صلاة الكسوف \" أن يتعوذوا من عذاب القبر\" (١).\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب التعوذ من عذاب القبر بعد صلاة الكسوف اقتداءً به - ﷺ -. ثانيًا: ثبوت عذاب القبر في جميع الأديان السماوية.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: \"ثم أمرهم أن\n_________\n(١) اعتمدنا في اختصار هذا الحديث على مختصر الزبيدي.","vol":"2","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-413>٣٧٧ - \" بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ جَمَاعَةً </span>\"\n٤٤٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\"انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نحوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيْلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا\nــ\nيتعوذوا من عذاب القبر\".\n٣٧٧ - \" باب صلاة الكسوف جماعة \"\n٤٤٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄:\n\" انخسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فصلّى رسول الله - ﷺ - \"،\nأي فصلى بهم صلاة الكسوف جماعة. قال العيني: أي صلّى بالناس، وهذا لا يشك فيه، ولكن الراوي طوى ذكره، إمّا اختصارًا، أو اعتمادًا على القرينة الحالية، لأنه لم ينقل عنه أنه صلى صلاة الكسوف وحده. وقال القسطلاني: قوله \" فصلّى رسول الله - ﷺ - \" أي بالجماعة ليدل على الترجمة \" فقام قيامًا طويلًا \" أي: فوقف بعد تكبيرة الإِحرام وقوفًا طويلًا \" نحو قراءة (سورة البقرة) \"، أي مقدار الوقت الذي يكفي لقراءة (سورة البقرة)، \" ثم ركع ركوعًا طويلًا \" مقدار ما يكفي لمائة آية، \" ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا \" قدر ما يكفي لقراءة سورة آل عمران، \" ثم ركع ركوعًا طويلًا \"، قدر ما يكفي لثمانين آية. \" وهو دون الركوع الأول \"، أي وهو أقصر من الركوع السابق \" ثم سجد \"، أي ثم سجد سجدتين، \" ثم قام قيامًا طويلًا \". قال القسطلاني: نحوًا من النساء \" وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا","vol":"2","page":299},{"text":"طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامَ الأوَّلَ، ثم رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، ْ وهُوَ دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأولِ، ثمَّ سَجَدَ، ثم انصَرَفَ وقد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ\".\nــ\nطويلًا \" نحوًا من سبعين آية، \" وهو دون الركوع الأول، ثمِ رفع، فقام قيامًا طويلًا، نحوًا من المائدة، \" ثم ركع ركوعًا طويلًا \" نحوًا من خمسين آية، \" وهو دون الركوع الأول، ثم سجد \" أي سجد سجدتين، وتشهد وسلّم من صلاته \" ثم انصرف، وقد تَجَلَّتِ الشمس \" أي وقد ظهرت الشمس، وعاد إليها الضوء وزال الكسوف.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الجماعة في صلاة الكسوف كما ترجم له البخاري ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم بالنسبة إلى كسوف الشمس. واختلفوا في خسوف القمر، هل تصلى الصلاة جماعة، فقال: الشافعي وأحمد: يجمع فيها كما يجمع في كسوف الشمس تمامًا. وقال مالك: لا جماعة فيها، لأنه لم يرو عن النبي - ﷺ - أنه جمع في خسوف القمر. وقال أبو حنيفة: تجوز الجماعة فيها ولا تسن. ثانيًا: دل الحديث على أنّ صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين، لقول ابن عباس ﵄ في حديث الباب: \" فصلى رسول الله - ﷺ - فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا، ثم رفع فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد \" ثم ذكر ابن عباس أنه - ﷺ - صنع في الركعة الثانية مثل الأولى. وهذا نصٌ صريح على أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الكسوف ركعتين، في كل ركعة ركوعان، وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: صلاة الكسوف ركعتان","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>٣٧٨ - \" بَابُ مَنْ أحَبَّ الْعَتَاقَةَ في كُسُوفِ الشَّمْسِ </span>\"\n٤٤٤ - عَنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ:\n\" لَقَدْ أمرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْعتَاقَةِ في كُسُوفِ الشَّمْسِ \".\nــ\nعاديتان، في كل ركعة ركوع واحد. لحديث أبي بكرة ﵁: \" انكسفت الشمس، فقام النبي - ﷺ - يجر وراءه، حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلّى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس \". ثانيًا: دل هذا الحديث على مشروعية القراءة سرًا في صلاة الكسوف، لقول ابن عباس ﵄ \" فقام قيامًا طويلًا نحو قراءة سورة البقرة \" أي: قام قيامًا يكفي لقراءة (سورة البقرة) ولم يذكر أنه قرأ سورة البقرة ولا غيرها. ولو أنه - ﷺ - جهر في صلاته وسمعه ابن عباس لقال: وقرأ (سورة البقرة) أو غيرها، قال القسطلاني: وهو يدل على أن القراءة كانت سرًا، ولذا قالت عائشة في بعض الطرق عنها \" فحزرت قراءته فرأيت أنه قرأ سورة البقرة \"، ولهذا ذهب الجمهور إلى مشروعية القراءة فيها سرًا، وذهب أحمد إلى الجهر فيها، لحديث عائشة \" جهر رسول الله - ﷺ - في صلاة الخسوف بقراءته \". أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" صلّى بهم جماعة \".\n٣٧٨ - \" باب من أحب العتاقة في كسوف الشمس \"\n٤٤٤ - معنى الحديث: تقول أسماء بنت بكر ﵂: \" لقد أمر النبي - ﷺ - \" أمته \" بالعتاقة \" أي: بعتق الرقاب \" في كسوف الشمس \"، أي عند كسوف الشمس، ليرفع الله بهذا العتق البلاء عن عباده، لأنّ الأعمال الصالحة سبب في كشف البلايا، لما فيها من التقرب إلى الله واكتساب مرضاته.","vol":"2","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-415>٣٧٩ - \" بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ في الْكُسُوفِ </span>\"\n٤٤٥ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\"جَهَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - في صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ، وِإذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ\nــ\nولما يترتب عليها من محو الزلات، وتكفير السيئات.\nويستفاد منه: استحباب العتق عند حدوث الكسوف، لأنه - ﷺ - قد أمر به في كسوف الشمس، وأمرُه - ﷺ - به للندب والاستحباب، كما ترجم له البخاري، وهو قول أهل العلم. ولما كان الكسوف من التخويف، وأشد ما يتوقع من التخويف نار جهنم، جاء الندب على شيء تتقى به النار، وهو العتق لقوله - ﷺ -: \" من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار \". فمن لم يقدر على ذلك، فليعمل بالحديث العام، وهو قوله - ﷺ -: \" اتقوا النار ولو بشق تمرة \" فيأخذ من وجوه البر ما أمكنه، كما أفاده ابن أبي جمرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي بألفاظ. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أمر بالعتاقة عند الكسوف، والله أعلم.\n٣٧٩ - \" باب الجهر بالقراءة في الكسوف \"\n٤٤٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" جهر النبي - ﷺ - في صلاة الخسوف \"، أي قرأ النبي - ﷺ - فيها جهرًا \" فإذا فرغ من قراءته \" أي فكان إذا انتهى من قراءته \" كبّر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده \"، أي: كبر عند الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده، عند الرفع منه، كما يفعل في الصلوات الأخرى تمامًا، \" ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف \"، أي يكرر القراءة في الركعة الواحدة فيقرأ فيها","vol":"2","page":302},{"text":"الْحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ في صَلَاةِ الْكُسُوفِ أرْبَعَ رَكْعَاتٍ في رَكْعَتَيْنِ وأرْبَع سَجْدَاتٍ\".\nــ\nالفاتحة والسورة مرتيْن \" أربع ركعات في ركعتين \" أي: ويصلي أربع ركوعات في ركعتين. ويأتي في كل ركعة بركوعين \" وأربع سجدات \" أي ويأتي بأربع سجدات في الركعتين فيسجد في كل ركعة سجدتين كالصلوات الأخرى. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية الجهر بالقراءة في خسوف الشمس والقمر معًا. وهو قول بعض أهل العلم، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة. وقال الجمهور: إنما يجهر بالقراءة في خسوف القمر، لأنّها صلاة ليلية. أما كسوف الشمس فإنّه يُسن فيه الإِسرار بالقراءة، لأنّ الصلاة فيه نهارية، ولقول ابن عباس: \" قرأ نحوًا من قراءة (سورة البقرة) \" لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد كان ابن عباس (١) يصلّي إلى جنب النبي - ﷺ - في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا. كما أخرجه الشافعي تعليقًا، ووصله البيهقي. ثانيًا: أن صلاة الكسوف ركعتان، كل ركعة بركوعين، كما ذهب إليه الجمهور. والمطابقة: في قوله: \" جهر النبي - ﷺ - في صلاة الخسوف \".\n...\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني على البخاري \" ج ٢.","vol":"2","page":303},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-416> أبوابُ سُجُود القُرآنَ </span>\"\nأي أبواب المواضع التي يسن فيها سجود التلاوة، واتفقوا على أن في كل موضع منها سجدة واحدة. واختلفوا في كيفية سجدة التلاوة، فذهبت المالكية والحنفية إلى أنها سجدة بين تكبيرتين مسنونتين ليس فيها إحرام ولا تشهد ولا سلام. وقالت الحنابلة: هي سجدة بين تكبيرتين واجبتين وسلام (١). وندب الدعاء فيها بما شاء، ومن ذلك أن يقول: اللهم أكتب لي عندك أجرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. وقالت الشافعيَّة: إنْ كان في الصلاة، وكان إمامًا أو منفردًا سجد بنية قلبية، وإن كان مأمومًا سجد بدون نية، وإن كان في غير الصلاة، فلها خمسة أركان: النية وتكبيرة الإِحرام، وأن يسجد سجدة واحدة كسجدات الصلاة، والجلوس بعدها، والسلام. ويشترط لغير المصلّي أن يقارن بين النية وتكبيرة الإِحرام، ويسن له أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند السجود، وعند الرفع منه. ويندب له أن يَقُولَ فيها ما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجود القرآن في السجدة مرارًا: \" سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، وشَقَّ سمعه وبصره بحوله وقوته \" أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقى والدارقطني، وزاد الحاكم: \" فتبارك الله أحسن الخالقين \" ويدعو أيضًا بقوله: اللهم أكتب لي بها عندك\n_________\n(١) كذا في \" الإنصاف \" و\" الفروع \".","vol":"2","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>٣٨٠ - \" بَابُ مَا جَاءَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنَ </span>\"\n٤٤٦ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\n\"قَرَأَ النَّبيُّ - ﷺ - النَّجْمَ بِمَكَّةَ، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرَ شَيْخٍ أخذَ كَفًَّا مِنْ حَصىً أوْ تُرَابٍ فرفَعَهُ إلى جَبْهَتِهِ، وقَالَ: يَكْفِيني هَذَا، فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًَا\".\nــ\nأجرًا (١) ... إلخ. ويقوم مقام السجود لمن كان له عذر يمنعه منه ما يقوم مقام تحية المسجد، فلا بأس أن يقول بدلها: \" سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم \".\n٣٨٠ - \" باب سجود القرآن \"\nْ٤٤٦ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" قرأ النبي - ﷺ - النجم بمكة \" أي قرأ سورة النجم عندما كان بمكة على مرأى من كفار قريش ومسمع منهم \" فسجد في \" عند قوله تعالى: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) في نهاية السورة، \" وسجد من معه \" من المسلمين والمشركين كما في حديث ابن عباس ﵄ قال: \" سجد المسلمون والمشركون والجن والانس \" أخرجه البخاري، أي: سجد النبي - ﷺ - امتثالًا لأمر ربه، وسجد المسلمون اقتداءً بسنة نبيهم. وسجد المشركون إجلالًا وإكبارًا لبلاغة القرآن، وانبهارًا من إعجازه وفصاحته، \" غير شيخ \" أي رجل طاعن في السن، وهو أمية بن خلف، فإنه لم يسجد استعلاءً وتكبرًا، ولكنه \" أخذ كفًا من حصى \" أو تراب \" فرفعه إلى جبهته \" أي وضعه عليها \" فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا \" يوم بدر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٢.","vol":"2","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>٣٨١ - \" بَابُ سَجدَةِ (ص) </span>\"\n٤٤٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\" (ص) لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا \".\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية السجود سجدة واحدة عند قراءة أي آية من آيات السجود التي حددتها السنة النبوية. وهو واجب مطلقًا على القارىء والسامع عند أبي حنيفة، وسنة مؤكدة على القارىء والسامع إن كان قاصدًا عند مالك وأحمد، وقال الشافعي: سنة مؤكدة على القارىء واستدل أبو حنيفة على وجوبه بقوله تعالى: (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ) واستدل الجمهور على سنيته بقول عمر أمام الصحابة: إن الله لم يفرض علينا السجود إلاّ أن نشاء (١). ثانيًا: مشروعية السجود في (سورة النجم) وفي المفصل وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك، فلا سجود عنده فيه، لحديث ابن عباس \" أن النبي - ﷺ - لم يسجد في شيء من المفصل \" أخرجه أبو داود. والمطابقة: في قوله: \" قرأ النبي - ﷺ - النجم فسجد فيها \".\n٣٨١ - \" باب سجدة (ص) \"\n٤٤٧ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" قال (ص) ليست من عزائم السجود \" أي: أن السجدة المذكورة في (سورة ص) عند قوله: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) ليست من السجدات المسنونة \" وقد رأيت النبي - ﷺ - يسجد فيها \" أي رأيته - ﷺ - يسجد عندها شكرًا لله تعالى على قبول توبة داود، كما صرح بذلك في رواية النسائي حيث قال:\n_________\n(١) أخرجه البخاري.","vol":"2","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>٣٨٢ - \" بَابُ مَنْ قَرأ السَّجْدَةَ وَلَمْ يَسْجُدْ </span>\"\n٤٤٨ - عنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁:\n\"أنَّهُ قَرَأ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - (وَالنَّجْمَ) فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا\".\nــ\n\" إن النبي - ﷺ - سجد في (ص) فقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا \". الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضًا.\nما يستفاد منه: هذا الحديث استدل به الشافعي وأحمد على أنه لا يسن السجود في سورة (ص) لقول ابن عباس ﵄: \" ليست من عزائم السجود \". وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يسن السجود فيها (١)، وهو مذهب الجمهور، لما روي عن مجاهد، عن ابن عباس نفسه، أنه سئل عن السجدة في (ص) فقال: أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يسجد فيها \". أخرجه الطحاوى، وهذا يدل على أنّه - ﷺ - سجد في هذه السورة تشريعًا لأمته، ليقتدوا به، ويستنوا بسنته. وأما قول ابن عباس ﵄: \" ليست من عزائم السجود \" فهو اجتهاد شخصي له، وليس من قول النبي - ﷺ -، وكونه سجد شكرًا لا يمنع مشروعيته. والمطابقة: في قوله: وقد رأيت النبي - ﷺ - \" يسجد فيها \" كما أفاده العيني.\n٣٨٢ - \" باب من قرأ السجدة ولم يسجد \"\n٤٤٨ - معنى الحديث: يحدثنا زيد بن ثابت ﵁: \" أنه قرأ على النبي - ﷺ - (والنجم) فلم يسجد فيها \" أي: أن زيدًا قرأ على النبي - ﷺ - سورة النجم، - والنبي - ﷺ - يستمع إليه، فلما وصل إلى آخرها\n_________\n(١) أي يسن السجود فيها مطلقًا في الصلاة أو خارجها كما أفاده العيني. وروي عن أحمد روايتان كالمذهبين،\nوالمشهور منهما كمذهب الشافعي اهـ كما أفاده العيني.","vol":"2","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>٣٨٣ - \" بَابُ سَجْدَةِ (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ) </span>\"\n٤٤٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nْ \"أنَّهُ قَرَأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّت) فَسَجَدَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ أرَ النَّبِيَّ يَسْجُدُ لَمْ أسْجُد \".\nــ\nلم يسجد النبي - ﷺ - لسماع الآية الأخيرة منها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استدل به الجمهور على أن سجود التلاوة سنة لا واجب، وإنما تركه - ﷺ - لبيان جواز تركه. وقال أبو حنيفة: واجب وإنما تركه النبي - ﷺ - هذه المرة لأنه لم يكن على طهر، أو لأن الوقت وقت كراهة، أو أخّره، وهو جائز. ثانيًا: استدل به مالك على عدم مشروعية السجود في (النجم) والمفصل، لأنّه - ﷺ - جمع هذه الآية ولم يسجد فيها.\nوالمطابقة: في قوله: \" ولم يسجد فيها \".\n٣٨٣ - \" باب سجدة (إذا السماء انشقت)\n٤٤٩ - معنى الحديث: أن أبا هريرة ﵁ قرأ سورة الانشقاق فسجد فيها عند قوله تعالى: (وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون) \" فقيل له في ذلك \" أي: فأنْكَر عليه أبو رافع ﵁ السجود فيها، كما في رواية أخرى عن أبي رافع ﵁، قال: \" فقلت ما هذه السجدة؟ \" وإنما أنكر عليه لما روي عنه - ﷺ - أنّه لم يسجد في المفصل منذ تحوله إلى المدينة \" فقال أبو هريرة ﵁: \" لو لم أر النبي - ﷺ - يسجد لم أسجد \" أي وإنما سجدت اقتداءً به - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.","vol":"2","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>٣٨٤ - \" بَابُ مَنْ سَجَدَ لِسُجُودِ الْقَارِىءِ </span>\"\n٤٥٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرأ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِيهَا السَّجْدَةُ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ حَتَّى مَا يَجِدُ أحَدُنَا مَوْضِعِ جَبْهَتِهِ \".\nــ\nويستفاد منه: مشروعية السجود في الانشقاق، وهو مذهب الجمهور خلافًا لمالك. والمطابقة: في قوله: \" لو لم أر النبي - ﷺ - يسجد لم أسجد \".\n٣٨٤ - \" باب من سجد لسجود القارىء \"\n٤٥٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان النبي - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة \" أي يقرأ علينا السورة التي فيها آية السجدة في غير الصلاة - كما في رواية أخرى \" فيسجد ونسجد \" أي فإذا قرأ النبي - ﷺ - الآية التي فيها السجدة يسجد هو لتلاوتها، ونسجد نحن لسماعها، \" حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته \" أي نتزاحم على السجود، حتى لا يجد الساجد مكانًا يضع فيه جبهته من شدة الزحام، كما في حديث المسور بن مخرمة عن أبيه أنه قال: \"ما يستطيع بعضهم أن يسجد من الزحام \" أخرجه الطبراني، وفي رواية: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nويستفاد منه: أن سجود التلاوة مشروع للقارىء والمستمع، واختلفوا في حكمه فقال مالك وأحمد وغيرهم: هو سنة مؤكدة على القارىء والسامع إن كان قاصدًا. وقال أبو حنيفة: واجب على القارىء والسامع قصد أو لم يقصد، لحديث الباب وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \"فيسجد ونسجد\".","vol":"2","page":309},{"text":"تتمة وتكملة: اتفق أهل العلم على مشروعية سجود التلاوة في عشر سور وهي الأعراف والرعد، والنحل، والإِسراء، ومريم، والأولى من الحج، والفرقان، والنمل، وألم السجدة، وفصّلت. وأضاف إليها الشافعي في القديم ثانية الحج، فصارت إحدى عشرة سجدة. وأضاف إليها في الجديد ثلاثة من المفصل، وهي رواية عن أحمد، وهي الرواية المشهورة، وبها قال الليث وإسحاق وابن وهب وابن حبيب. وأضاف مالك في الرواية المشهورة عنه إلى العشرة سجدة (سورة ص) فصارت، إحدى عشرة سجدة. اهـ.\n***","vol":"2","page":310},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-422> أبواب تقصير الصلاة </span>\"\nهكذا ترجم البخاري وبعض الفقهاء، ومنهم من ترجم بقوله \" قصر الصلاة \". والقصر والتقصير: والاقتصار بمعنى واحد، وإن كانت تختلف من حيث الاشتقاق. فالقصر مصدر قَصَرْتُ الصلاة بتخفيف الصاد، والتقصير مصدر قصَّرت الصلاة بتشديد الصاد، والأول أشهر استعمالًا.\nومعنى القصر: كما قال الزرقاني: تخفيف الرباعية إلى ركعتين. ولا قصر في الصبح والمغرب إجماعًا. قال الجمهور وإنما تقصر الصلاة في السفر إذا كان سفر عبادة أو سفرًا مباحًا، لقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ). وأما سفر المعصية فالمشهور من مذهب مالك والشافعي (١) أنه لا تقصر فيه الصلاة (٢)، وقال أبو حنيفة: تقصر، وهى رواية زياد بن عبد الرحمن عن مالك. وأما السفر المكروه، فقد سئل عنه مالك فقال: أنا لا آمره بالخروج، فكيف آمره بالقصر. والحكمة في مشروعيه القصر: الرفق بالمسافر، ومراعاة ظروفه الصعبة، والتخفيف عنه لما يلاقيه في سفره من المشقة، والمعاناة، والمكاره، والأخطار، لقوله - ﷺ -: \" السفر قطعة من العذاب \"، وبالغ بعضهم فقال: العذاب قطعة من السفر (٣)، ولم تقصر الثلاثية لأنها لا تقبل القسمة، ولا الثنائية لأنها تصير\n_________\n(١) يفرق الشافعي بين المعصية بالسفر والمعصية في السفر، فإذا كانت المعصية هي الباعث على السفر فلا يجوز له القصر وأما إذا وقعت من المسافر سفرًا مباحًا معاص في سفره فلا يمنعه ذلك من قصر الصلاة. اهـ. المصحح.\n(٢) \" شرح الباجي على الموطأ \" ج ١.\n(٣) \" حكمة التشريع الاسلامي \".","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>٣٨٥ - \" بَابُ الصَّلَاةِ بِمِنى </span>\"\n٤٥١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: \" صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنى رَكْعَتَيْنِ وأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ومَعَ عُثْمَانَ صَدرًا مِنْ إِمَارَتِهِ، ثمَّ أتمَّهَا \".\nــ\nفذة. والشارع لا يأمر بالفذ، ولأنّها في ذات نفسها قصيرة، فلا حاجة إلى تقصيرها، والمصغّر لا يصغّر. ويستحب التخفيف في السفر من السنن والمستحبات، وعدم تطويل الصلاة، وتخفيف القراءة في صلاة الصبح، والله أعلم.\n٣٨٥ - \" باب الصلاة بمنى \"\n٤٥١ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" صليت مع النبي - ﷺ - بمنى ركعتين وأبي بكر وعمر \" أي قَصَرْتُ الصلاة مع النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر في مني فصليتها معهم ركعتين \" ومع عثمان صدرًا من إمارته \"، أي وكذلك قَصَرْتُ الصلاة بمنى مع عثمان ﵁ في أوّل خلافته، \" ثم أتمها \" أي ثم أتم عثمان الصلاة بمنى، فصار يصليها أربعًا كصلاة المقيم، وذلك لأنه تأهل بمكة، فصار مقيمًا، وأصبح يرى أنه لا يجوز له القصر بمنى، لأن القصر في رأيه للحاج المسافر فقط. أما المقيم فلا يقصر.\nويستفاد من الحديث: أن الحاج إذا كان مقيمًا بمكة لا يقصر الصلاة بمنى، وأن القصر في مني خاصٌّ بالمسافر فقط، لأن عثمان ﵁ لما أقام بمكة أتم الصلاة بمنى، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك رحمه الله تعالى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" صليت مع النبي بمنى ركعتين \".","vol":"2","page":312},{"text":"٤٥٢ - عنْ حارثةَ بْنِ وهْبٍ ﵁ قَالَ:\n\" صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - آمَنَ مَا كَانَ بِمِنى رَكْعَتَينَ \".\n٤٥٣ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\nلَمَّا قِيلَ لَهُ صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنى أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، استرجَعَ، ثُمَّ قَالَ:\nــ\n٤٥٢ - معنى الحديث: عن حارثة بن وهب (صحابي جليل) نزل الكوفة وروى ستة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة). \" قال: صلى بنا النبي - ﷺ - أحسن ما كان بمنى ركعتين \" يعني أن النبي - ﷺ - قصر بهم الصلاة أيام منى وهو في أحسن الأحوال وأكثرها أمنًا واستقرارًا.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nما يستفاد من الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية القصْرِ بمنى مطلقًا، سواء كان الحاج مسافرًا أو كان مقيمًا بمكة وما حولها لأنّ حارثة ابن وهب قصر الصلاة مع النبي - ﷺ - بمنى - وهو مقيم بمكة، فإنه كما قال أبو داود: من قبيلة خزاعة التي ديارها بمكة. ومعنى ذلك أنّه قصر الصلاة بمنى وهو مكيٌّ وأقرّه النبي - ﷺ - على ذلك، وقد أخذ بهذا الحديث الإِمامِ مالك ﵀ فقال: يسن للحاج قصر الصلاة بمنى مطلقًا سواء كان مسافرًا أو مقيمًا في مكة، لأنّ القصر بمنى للنسك لا للسفر. والمطابقة: في كون الحديث يدور حول الصلاة بمنى.\n٤٥٣ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ \" لما قيل له صلى عثمان بمنى أربع ركعات \" أي: لما سمع أنّ عثمان ﵁ صلى الظهر والعصر والعشاء في مني أربع ركعات، ولم يقصر الصلاة فيها، \" استرجع \" أي أنكر على عثمان ﵁ فعله هذا، وقال: إنّا لله وإنا إليه راجعون \". وذلك لأنه رأى أن عثمان قد فوّت على نفسه فضيلة القصر،","vol":"2","page":313},{"text":"صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِنى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ أبِي بَكْرٍ ﵁ بِمِنى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بِمِنى رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَع رَكَعَاتٍ رَكَعْتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.\nــ\n\" ثم قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين \" أي صليت خلف النبي - ﷺ - بمنى جميع الصلوات الرباعية قصرًا، ركعتين ركعتين \" وصليت مع أبي بكر ﵁ بمنى ركعتين وصليت مع عمر بمنى ركعتين \" أي فكان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر يقصرون الرباعية بمنى، فيصلونها ركعتين، \" فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان \" أي فليت نصيبي ركعتان مقبولتان عند الله، موافقتان لسنة رسول الله - ﷺ -، بدلًا عن أربع ركعات غير مقبولة.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: استحباب القصر بمنى مطلقًا لأنه سنة رسول الله - ﷺ - وصاحبيه، ويستوي في ذلك المسافر والمقيم معًا، لأن القصر للنسك لا للسفر. وهو مذهب مالك كما تقدم بيانه خلافًا للجمهور، وقد أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة فيها مع أنه قد اتخذ له بيتًا وأهلًا بمكة فأصبح مقيمًا. ثانيًا: استدل به الحنفية على وجوب القصر لأن ابن مسعود استرجع حين سمع أن عثمان لم يقصر، ولو كان القصر. رخصة لما فعل ذلك. وأجاب الجمهور بأنه إنما استرجع إظهارًا لكراهة مخالفة النبي - ﷺ - وصاحبيه لا لأن القصر واجب، كما أفاده القسطلاني. والمطابقة: في قوله: \" صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين \" ... إلخ.\n***","vol":"2","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>٣٨٦ - \" بَاب في كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةُ </span>\"\n٤٥٤ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم وَلَيْلَةٍ لَيسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ \".\nــ\n٣٨٦ - \" باب في كم يقصر الصلاة \"\n٤٥٤ - معنى الحديث: عن أبي هريرة ﵁ قال: \" قال النبي - ﷺ -: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ \" بضم الحاء وسكون الراء. يعنى: لا يجوز للمرأة المؤمنة أن تسافر المسافة التي تسمّى سفرًا، وهي يوم وليلة إلاّ ومعها محرم من أب أو أخ أو غيره من محارمها. ويلحق بذلك الزوج، لأن المقصود هو صيانتها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه: كما ذهب إليه بعض أهل العلم أنّ مسافة السفر الذي تقصر فيه الصلاة هو يوم وليلة، لأن النبي - ﷺ - نهى المرأة أن تسافر بغير محرم مسيرة يوم وليلة، فدل ذلك على أن أقل السفر يوم وليلة، وهو السفر الذي تقصر له الصلاة، وهو مذهب الأوزاعي وابن المنذر وبعض الحنفية ويقدر بثمانية فراسخ، وذهب الجمهور إلى أن أقله يومان أي ستة عشر فرسخًا (١) وفي الحديث أيضًا دليل على أنه لا يجوز للمسلمة السفر بغير محرم والله أعلم.\nوالمطابقة: في كون الحديث دل على أن أقل السفر يوم وليلة وهو ما تقصر فيه الصلاة.\n_________\n(١) والفرسخ ثلاثة أميال فتكون مسافة القصر ثمانية وأربعين ميلًا.","vol":"2","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>٣٨٧ - \" بَابٌ يَقْصُرُ إِذَا خرَجَ مِنْ مَوضِعِهِ </span>\"\n٤٥٥ - عنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\" صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بالمَدِينةِ أرْبعًا وبذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ \".\nــ\n٣٨٧ - \" باب يقصر إذا خرج من موضعه \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على أن المسافر يبدأ في قصر الصلاة الرباعية إذا خرج من بلدته التي يقيم فيها.\n٤٥٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" صليت الظهر مع النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا \" أي صليت معه صلاة الظهر بالمدينة فصلاها أربع ركعات \" وبذي الحليفة ركعتين \"، وفي رواية أخرى \" والعصر بذي الحليفة ركعتين \" يعني وصليت العصر مع النبي - ﷺ - بذي الحليفة ركعتين: فقصرنا الصلاة حين وصلنا ذا الحليفة. الحديث: أخرجه أيضًا مسلم وأبو داود، والترمذي، والنسائي.\nويستفاد منه: أن المسافر لا يقصر الصلاة حتى يفارق بلدته، وقد اختلف أهل العلم فيما تتحقق به هذه المفارقة، ويبدأ به السفر، ويباح القصر، فقال الشافعية: يبدأ ذلك بمفارقة سور البلدة (١) التي يقطنها إن كان لها سور، ولا تعد الدور الواقعة بعده من البلد كما صححه النووي: فإنْ لم يكن للبلدة سور فيبدأ القصر من مجاوزة العمران، حتى لا يبقى بيت متصل ولا منفصل، ولا تدخل فيه البساتين والمزارع. وقال الحنفية: يبدأ السفر والقصر إذا فارق بيوت المصر. وقال المالكية: يبدأ القصر إذا جاوز البلد والبساتين التي في حكمها على المشهور، وهو ظاهر \" المدونة \". وعن مالك إن كانت قرية\n_________\n(١) \" إرشاد السارى لشرح صحيح البخاري \" ج ٢ للقسطلاني.","vol":"2","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>٣٨٨ - \" بَابٌ يُصَلِّي الْمَغرِبَ ثَلَاثًا في السَّفَرِ </span>\"\n٤٥٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" رَأيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - إذا أعْجَلَهُ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ فَيُصَلِّيهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ثُمَّ قَلَّمَا يَلْبَثُ حَتَّى يقيمَ الْعِشَاءَ فَيُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ، ولا يُسَبَّحُ بَعْدَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَقُومَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ \".\nــ\n(جمعة) يبدأ القصر إذا جاوز ثلاثة أميال أو جاوز ساكن البادية حلته، وهي البيوت التي ينصبها من شعر أو غيره. اهـ. كما أفاده القسطلاني (١). والمطابقة: في قوله: \" وبذي الحليفة ركعتين \" لأن أنسًا يخبر في حديثه أن النبي - ﷺ - قصر صلاته بعد ما خرج من المدينة. اهـ. كما أفاده العيني. (٢)\n\n٣٨٨ - \" باب يصلي المغرب ثلاثًا في السفر \"\n٤٥٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" رأيت\nالنبي - ﷺ - إذا أعجله السير \" أي إذا احتاج - ﷺ - إلى الإسراع في سيره \" يؤخر\nالمغرب \" إلى مغيب الشفق، \" فيصليها ثلاثًا \" أي فيصليها ثلاث ركعات في سفره، كما يصليها في حضره، ولا يقصرها كما يقصر الرباعيّة \" ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين \"، أي لا يلبث إلّا قليلًا حتى يصلي العشاء ركعتين فقط، ومعنى ذلك أنه يجمع في السفر بين المغرب والعشاء جمع تأخير فيصلّي المغرب تامة، ويصلي العشاء قصرًا \" ولا يسبح حتى يقوم من جوف الليل \"، أي ولا يتنفل في السفر قبل الصلاة أو بعدها ولكنه يصلّي (٣) صلاة الليل فقط.\n_________\n(١) \" إرشاد السارى \" ج ٢.\n(٢) \" عمدة القاري شرح البخاري \" للعيني ج ٧.\n(٣) أي يقتصر على صلاة التهجد عند منتصف الليل فقط.","vol":"2","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>٣٨٩ - \" بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّوَابِ حَيْثمَا توَجَّهَتْ بِهِ </span>\"\n٤٥٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ في غَيْرِ الْقِبْلَةِ \".\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: مشروعية إتمام المغرب في السفر وأنها لا تقصر كالرباعيّة، وهو ما ترجم له البخاري، ونقل ابن المنذر الإِجماع على ذلك. ثانيًا: أنه يجوز الجمع في السفر بين المغرب والعشاء جمع تأخير كما يجوز الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم وتأخير معًا، وهو مذهب الجمهور. وقال الحسن البصري والنخعي، وابن سيرين وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز الجمع إلاّ في عرفة ومزدلفة، لقول ابن مسعود ﵁: \" والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله - ﷺ - صلاة قط إلّا لوقتها إلاّ صلاتين \" أخرجه الشيخان وحملوا حديث الباب على الجمع الصوري. الحديث: أخرجه الخمسة بألفاظ. والمطابقة: في كونه - ﷺ - صلى المغرب في السفر ثلاثًا.\n٣٨٩ - \" باب صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت به \"\n٤٥٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" كان النبي - ﷺ - يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة \"، أي: كان يصلي النافلة وهو راكب على دابته متوجهًا إلى غير القبلة، وفي رواية \" نحو المشرق \"، وكان ذلك في غزوة أنمار، وأرضُهم قِبَلَ المشرق. ومعنى ذلك أنه كان يتوجه في صلاته حيثما توجهت به دابّته. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" يصلّي التطوع وهو راكب على الدابّة في غير القبلة \".\nويستفاد منه: جواز التطوع على الدابة حيثما توجهت به، وأنه لا يلزمه في النافلة التوجه إلى القبلة إذا كان راكبًا على دابته. ولا خلاف في ذلك","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>٣٩٠ - \" بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ علَى الْحِمَارِ </span>\"\n٤٥٨ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّهُ صَلَّى عَلَى حِمَارٍ، وَوَجْهُهُ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقِيلَ لَهُ: تُصَلِّي لغَيْرِ الْقِبْلَةِ! فَقَالَ: لَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَهُ لَمْ أفْعَلْهُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>٣٩١ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعَ في السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبلَهَا </span>\"\n٤٥٩ - عن ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nْ \"صَحِبْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَلَمْ أرهُ يُسَبِّحُ في السَّفَرِ وَقَالَ اللهُ تَعَالى (لَقَدْ\nــ\nعند أهل العلم، غير أن الشافعي قال: يلزمه التوجه إلى القبلة عند تكبيرة الإِحرام، وهو رواية عن أحمد، أمّا في بقية النافلة فإنه يتوجه حيثما توجهت به دابته اتفاقًا.\n٣٩٠ - \" باب صلاة التطوع على الحمار \"\n٤٥٨ - معنى الحديث: أن أنس بن مالك ﵁ صلّى النافلة على الدابة متوجهًا إلى شرق القبلة فقال له ابن سيرين: أتصلي إلى غير القبلة! فقال: إنما صليت النافلة إلى غير القبلة لأني رأيت النبي - ﷺ - يفعل ذلك.\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله \".\nويستفاد منه: جواز النافلة على الحمار وغيره من الدواب، ولا خلاف في ذلك إلاّ أن الجمهور اشترطوا في ذلك السفر خلافًا لأبي حنيفة. وعن مالك لا يجوز التنفل عليها إلاّ في سفر قصر.\n٣٩١ - \" باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها \"\n٤٥٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \"صحبت","vol":"2","page":319},{"text":"كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>٣٩٢ - \" بَابُ مَنْ تطَوَّعَ في السَّفَرِ في غَيْرِ دُبُر الصَّلَوَاتِ وَقَبلَهَا </span>\"\n٤٦٠ - عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁:\n\" أنَّهُ رَأى النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى السُّبحَةَ بَاللَّيْلِ في السَّفَرِ على ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْث تَوَجَّهَتْ بِهِ \".\nــ\nرسول الله - ﷺ - فلم أره يسبّح في السفر \" أي لم أره طوال صحبتي له يصلّي السنن القبلية والبعدية في السفر، أما النوافل المطلقة فقد كان يصليها كما سيأتي.\n\" وقال الله (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أي وقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية باتباع نبينا، والاقتداء به، فينبغي أن نترك هذه السنن في السفر كما كان - ﷺ - يتركها اتباعًا لسنته، وعملًا بشريعته. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nويستفاد منه: عدم مشروعية السنن القبلية والبعدية في السفر، وهو مذهب ابن عمر ومن وافقه من أهل العلم. قال الزرقاني: والمشهور عند جميع السلف جوازها، وبه قال الأئمة الأربعة لحديث البراء ﵁ قال: \" سافرت مع رسول الله - ﷺ - ثمان عشر سفرًا، فما رأيته يترك الركعتين قبل الظهر \" أخرجه أبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" فلم أره يسبح في السفر \".\n٣٩٢ - \" باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها \"\n٤٦٠ - ترجمة الراوي: وهو عامر بن ربيعة العنزي هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، واستخلفه عثمان على المدينة حين حج، وتوفى سنة ٣٢ من الهجرة. الحديث: أخرجه البخاري.","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>٣٩٣ - \" بَابُ الجَمْعِ في السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغرِبِ والْعِشَاءِ </span>\"\n٤٦١ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ والْعَصْرِ، إِذَا كانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ الْمَغْرِبَ والْعِشَاءِ \".\nــ\nمعنى الحديث: يحدثنا عامر ﵁: \" أنه رأى النبي - ﷺ - صلى السُّبحة \" أي صلاة النافلة \" بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به \" أي مستقبلًا الجهة التي تتوجه إليها دابته. والمطابقة: في قوله ﵁: \" صلّى السبحة بالليل في السفر \".\nويستفاد منه: مشروعية النوافل المطلقة في السفر ولا خلاف في ذلك.\n٣٩٣ - \" باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء \"\n٤٦١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" كان رسول الله - ﷺ - يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير \" أي يجمع بينهما في السفر إذا أدركه الظهر أثناء سيره، \" ويجمع بين المغرب والعشاء \" في السفر جمع تأخير. الحديث: أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله البيهقي كما قال الحافظ في \" الفتح \".\nويستفاد منه: مشروعية الجمع في السفر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جمع تأخير كما يجوز الجمع بين الظهر والعصر، جمع تقديم، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز إلاّ في عرفة ومزدلفة لقول ابن مسعود ﵁: \" والذي لا إله غيره ما صلّى رسول الله صلاة قط إلاّ لوقتها إلاّ صلاتين جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع \" أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \"كان رسول الله","vol":"2","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>٣٩٤ - \" بَاب إِذَا لمْ يُطِقْ قَاعِدًَا صَلَّى عَلى جَنْبٍ </span>\"\n٤٦٢ - عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵁ قَالَ:\nكَانَت بِي بَوَاسِيرُ فَسَألتُ النَّبيَّ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: \" صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًَا، فَإِنْ لَمْ تَستَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ \".\nــ\n- ﷺ - يجمع بين صلاة الظهر والعصر\".\n٣٩٤ - \" باب إذا لم يطق قاعدًا صلّى على جنب \"\n٤٦٢ - معنى الحديث: يقول عمران بن حصين ﵁:\n\" كانت بي بواسير \" أي كان يشتد عليَّ ألمها فيضعفني، ويشق علي القيام، \" فقال: صل قائمًا \" إن استطعت ذلك، ولو معتمدا على شيء، لأن القيام ركن لا يسقط إلاّ عند العجز عنه، \" فإن لم تستطع \" أي فإن عجزت عن القيام أو خشيت زيادة المرض \" فقاعدًا \"، أي فصلِّ قاعدًا، \" فإن لم تستطع فعلى جنب \" أي فصل مضطجعًا على جنبك الأيمن، كما جاء في رواية الدارقطني. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.\nوالمطابقة: في قوله: \" فإن لم تستطع فعلى جنب \".\nويستفاد منه: أن المرء يصلّي قائمًا إن وجد المقدرة على القيام ولو مستندًا إلى شيء، فإن لم يقدر على ذلك بأن وجد مشقة شديدة، أو خاف حدوث مرض، أو مضاعفته، أو دوارًا، أو إغماء، أو خشى عدوًّا، أو غرقًا، صلّى قاعدًا. وأفضل هيئات القعود عند أبي حنيفة الافتراش وعند الجمهور التربع. فإن شق عليه القعود صلّى مضطجعًا على جنبه الأيمن، فإن لم يستطع فعلى الأيسر، فإن لم يستطع على جنبه صلى مستلقيًا على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، والترتيب بين الجنبين والظَّهر مستحب عند الجمهور، واجب عند","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>٣٩٥ - \" بَاب إِذَا صَلَّى قَاعِدًا، ثُمَّ صَحَّ أوْ وَجَدَ خِفَّةً تمَّمَ مَا بَقِيَ </span>\"\n٤٦٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّهَا لم تَرَ النَّبيَّ - ﷺ - يُصلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أسَنَّ، فكانَ يَقْرأُ قَاعِدًَا حتى إِذَا أرَادَ أنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأ نَحْوًَا مِنْ ثَلَاثِينَ آيةً، أو أرْبَعِيْنَ آيَةً، ثُم رَكَعَ \".\nــ\nالشافعية. وقالت الحنفية: إن تعذر القعود صلَّى مستلقيًا أو على جنبه، والاستلقاء أفضل فإن عجز عن هذه الهيئات كلِّها، فقال الجمهور: يجري الذكر والقرآن على لسانه، فإن لم يستطع فعلى قلبه ويومىء للركوع والسجود. وقالت الحنفية: إن عجز عن الاستلقاء سقطت عنه الصلاة.\n٣٩٥ - \" باب إذا صلّى قاعدًا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي \"\n٤٦٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂: \" أنها لم تر النبي - ﷺ - يصلّي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسنّ \" أي لم تره - ﷺ - يصلّي صلاة التهجد قاعدًا، بل كان يصليها أغلب حياته قائمًا، حتى كبر سنه، وشق عليه القيام \" فكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع قام \" أي فلما كبر سنه صار يبدأ الركعة قاعدًا ويقرأ معظم قراءته وهو قاعدٌ فإذا قارب الركوع قام \" فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع \"، ومعنى ذلك أنه يصلي بعض الركعة الأولى قاعدًا وبعضها قائمًا. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قولها: \" فكان يقرأ قاعدًا، فإذا أراد أن يركع قام \" إلخ.","vol":"2","page":323},{"text":"٤٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي رِوَايَة:\n\" يَفْعَلُ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثلَ ذَلِكَ، فإِذَا قَضَىَ صَلَاَتَهُ نَظرَ، فإِنْ كُنْتُ يَقْظى تَحَدَّثَ مَعِي، وِإنْ كُنْتُ نَائِمَةً اضْطَجَعَ \".\nــ\n٤٦٤ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تذكر في هذه الرواية أنّ النبي - ﷺ - كان يفعل في الركعة الثانية مثل ما يفعل في الركعة الأولى (١) يعني أنه يبدأ القراءة في الركعة الثانية قاعدًا، فإذا بقي عليه قدر ثلاثين أو أربعين آية قام فأتم قراءته، ثم ركع، قالت: \" فإذا قضى صلاته \" أي: فإذا سلّم من صلاته \" نظر، فإن كنت يقظى تحدث معي \"، أي: فإن وجدني مستيقظة قضى بعض الوقت في الحديث معي، \" وإن كنت نائمة اضطجع \" ليأخذ بعض الراحة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قولها: \" يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: أن المريض أو المسن الذي يشق عليه القيام إذا بدأ صلاته قاعدًا، ووجد نشاطًا وقدرة على القيام أتم قائمًا، ولا يجب عليه أن يستأنف صلاته، لأن النبي - ﷺ - لما أسن كان يصلي بعض الركعة قاعدًا، وبعضها قائمًا، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة، سواء قعد ثم قام، أو قام ثم قعد، الكل جائز. وحكى القاضي عياض عن الإِمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن: كراهية القعود بعد القيام، ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور. ثانيًا: حسن معاملته - ﷺ - لزوجاته ومؤانسته لهن.\n_________\n(١) أي كان يفعل في التهجد في الركعة الثانية كما يفعل في الأولى فيبدأ القراءة قاعدًا حتى إذا بقي عليه نحو ثلاثين آية قام، فأتم بقية القراءة قائمًا. اهـ.","vol":"2","page":324},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-434>كتابُ التَّهَجُّد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>٣٩٦ - \" بَابُ فضل قِيامِ اللَّيْلِ </span>\"\n٤٦٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nكَانَ الرَّجُل في حَيَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ - إذَا رَأى رُؤيَا قَصَّهَا على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَمَنيتُ أنْ أُرى رُؤيَا فَأقُصَّهَا علَى رسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكُنْتُ غُلامًا شَابًا أنامُ في الْمَسْجِدِ علَى عهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَرَأيْتُ في النَّوْمِ كأنَّ مَلَكَيْنِ أخذَانِي فذَهَبَا بِي إلى النارِ، فَإذَا هِيَ مَطْوِيَّة كَطي البِئرِ، وإذا لَهَا قرْنَانِ، وإذا فِيهَا أنَاسٌ قد عَرَفْتُهُمْ، فجعَلْتُ أقُولُ: أعوذُ باللهِ مِنَ\nــ\n٣٩٦ - \" باب فضل قيام الليل \"\n٤٦٥ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان الرجل في حياة رسول الله - ﷺ - إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله - ﷺ - \" أي أخبره برؤياه ليعبّرها له تعبيرًا صحيحًا فيستفيد منها في دينه ودنياه، لأن تعبير الأنبياء بوحي من الله تعالى كما قال يوسف ﵇: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية \" أي مبنية الجوانب كالبئر، \" وإذا لها قرنان \"، أي جداران في أعلاها مثل الجدارين اللذين يكونان فوق البئر، \"وإذا فيها أناس قد","vol":"2","page":325},{"text":"النَّارِ، قَالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَر، فقالَ لي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّتهَا حَفْصَةُ على رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ: \" نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلي مِنَ اللَّيْلِ \" فكانَ بَعْدُ لا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلًا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>٣٩٧ - \" بَابُ ترْكِ الْقِيَامِ لِلْمَرِيض </span>\"\n٤٦٦ - عَنْ جُنْدُبَ بْنِ عَبْد اللهِ البَجَلِي ﵁ قَالَ:\nــ\nعرفتهم\" ولم يذكر أسماءهم للستر عليهم، \" فلقينا ملك آخر فقال لي: لم ترع \" أي لا خوف عليك فلن يصيبك مكروه. \" فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على رسول الله - ﷺ - فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل \"، أي تمنى له النبي - ﷺ - أن يتوج أعماله الصالحة بقيام الليل، لأن في هذه الرؤيا تنبيه له على هذا القيام، وتحريض له عليه. قال المهلب: وإنما فسر النبي - ﷺ - هذه الرؤيا بقيام الليل، لأنه لم ير شيئًا يغْفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار، فعبر ذلك بأنه تنبيه له في هذه الرؤيا على قيام الليل.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل ابن عمر ﵄ وصلاحه وحسن سيرته، لأن النبي - ﷺ - أثنى عليه بقوله: \" نعم الرجل عبد الله \". ثانيًا: الترغيب في صلاة الليل، وبيان فضلها ومكانتها، وأنها من أشرف الطاعات، وأفضل العبادات. وأنّها سبب في النجاة من النار، والارتقاء في مقامات الصالحين الأخيار. والمطابقة: في قوله: \" لو كان يصلّى من الليل \".\n٣٩٧ - \" باب ترك القيام للمريض \"\n٤٦٦ - معنى الحديث: يقول جندب ﵁: \"اشتكى","vol":"2","page":326},{"text":"\"اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>٣٩٨ - \" بَابُ تحْرِيض النَّبيِّ - ﷺ - عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ والنَّوَافِل مِنْ غَيْرِ إيجاب </span>\"\n٤٦٧ - عَنْ عَلِي ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً فَقَالَ: \"ألا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أنفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِنْ شَاءَ أنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا (١)، فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْجِعْ إليَّ شَيئًا، ثم سَمِعْتُهُ\nــ\nالنبي - ﷺ -\" أي أصابه - ﷺ - مرض منعه من صلاة الليل، \" فلم يقم ليلة أو ليلتين \" أي فترك القيام لمدة ليلة أو ليلتين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فلم يقم \".\nفقه الحديث: دل الحديث على أنه ينبغي للمسلم أن لا يشدد على نفسه في قيام الليل. فإذا كان مريضًا فإنّه يترك القيام أثناء مرضه رفقًا بنفسه، واقتداءً بالنبي - ﷺ -، وسيكتب له ثواب ذلك القيام الذي تعوّد عليه.\n٣٩٨ - \" باب تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب \"\n٤٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا علي بن أبي طالب ﵁:\n\" أن النبي - ﷺ - طرقه وفاطمة \" أي: أتاهما ليلًا \" فقال: ألا تصليان؟ \"، أي فوجدهما نائمين، فحثهما على الصلاة، \" فقلنا: يا رسول الله أنفسنا يد الله \" أي: فاعتذرنا بأننا إنما تركنا الصلاة دون إرادتنا، لأنّا كنّا نائمين،\n_________\n(١) أي إن أراد أن يوقظنا من النوم أيقظنا.","vol":"2","page":327},{"text":"وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>٣٩٩ - \" بَابُ مَنْ نامَ عِنْدَ السَّحَرَ </span>\"\n٤٦٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" مَا ألْفَاهُ - ﷺ - السَّحَرُ عِنْدِي إلَّا نَائِمًَا \" تَعْنِى النَّبِيَّ - ﷺ -.\nــ\nوأرواحنا ليست بأيدينا حتى نستيقظ متى شئنا، \" فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع \" بفتح الياء \" إليّ شيئًا \" أي لم يرد على جوابًا، \" ثم سمعته وهو مولِّ يضرب على فخذه وهو يقول: \" وكان الإِنسان أكثر شيء جدلًا \"، وإنما ضرب - ﷺ - على فخذه، وذكر الآية الكريمة تعجبًا من تسرع عليٍّ ومبادرته إلى هذا الجواب، وتعبيرًا عن عدم موافقة النبي - ﷺ - له عليه، كما أفاده النووي.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية التحريض على قيام الليل والحث عليه وإيقاظ النائمين له. ثانيًا: أنه ينبغي للمسلم أن يجاهد نفسه في المواظبة على النوافل والطاعات من قيام وغيره، وأن لا يبادر إلى التماس الأعذار، وإنما يحاول التغلب عليها ما أمكن، لأنّ النبي - ﷺ - لم يوافق عليًا على الاعتذار بالنوم في ترك القيام، كما أفاده النووي. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ألا تصليان \".\n٣٩٩ - \" باب من نام عند السحر \"\n٤٦٨ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵄: \" ما ألفاه السحر عندي إلاّ نائمًا \"، أي لا أجد النبي - ﷺ - وقت السحر - إذا بات عندي إلاّ نائمًا. لأنه - ﷺ - كان يتهجد بعد نصف الليل إلى السحر، ثم ينام","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>٤٠٠ - \" بَابُ طُولِ الْقِيَامِ في صَلَاةِ اللَّيْلِ </span>\"\n٤٦٩ - عنِ ابْنِ مسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\n\" صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ ﷺ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأمْر سُوءٍ، قِيلَ، مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أقْعُدَ وَأذَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - \".\nــ\nحتى الفجر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنه يسن لمن يقوم الليل أن ينام عند السحر، كما ترجم له البخاري، لأن تقسيم الليل إلى وقت للعبادة، ووقت للراحة، أنشط للجسم والنفس وأدعى للاستمرار والدوام والمواظبة على قيام الليل دون سآمة أو ملل، وأفضل الأعمال ما داوم عليه فاعِلُهُ، لقول عائشة ﵂: \" كان أحب العمل إلى رسول الله - ﷺ - أدومه، ثم قيل لها: متى كان يقوم - ﷺ - كما قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ \" أي إذا سمع أصوات الديكة عند منتصف الليل، أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قولها: \" ما ألفاه السحر عندي إلاّ نائمًا \".\n٤٠٠ - \" باب طول القيام في صلاة الليل \"\n٤٦٩ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" صليت مع النبي - ﷺ - فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء \"، أي: حتى عزمت على فعل سيء قبيح، \" قيل ما هممت؟ قال: هممت أن أقعد \"، أي: فلما أطال النبي - ﷺ - القيام في الصلاة تعبت تعبًا شديدًا، وشق عليَّ طول الوقوف حتى عزمت على الجلوس. قال القسطلاني: وإنما جعله أمر سوء، وإن كان القعود في النفل جائزًا، لأن فيه ترك الأدب معه - ﷺ - وصورة من مخالفته.","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-440>٤٠١ - \" بَاب كَيْفَ صَلَاةُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَمْ كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ </span>\"\n٤٧٠ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\"كَانَتْ صَلاةُ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَعْنِى بالَّليْلٍ\".\nــ\nالحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة والترمذي في \" الشمائل \". والمطابقة: في قوله: \" فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء \".\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب طول القيام في صلاة الليل، وهو أفضل من كثرة الركوع والسجود عند الجمهور لحديث الباب، وحديث جابر ﵁ سُئلَ رسول الله - ﷺ - عن أي الصلاة أفضل؟ قال: \" طول القنوت \" أي القيام. أخرجه مسلم بهذا اللفظ وأبو داود بلفظ: \" طول القيام \". وقال الأوزاعي والشافعي في قول وأحمد في رواية: كثرة الركوع والسجود أفضل لحديث ثوبان أنه - ﷺ - قال: \" أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود \". أخرجه مسلم.\n٤٠١ - \" باب كيف صلاة النبي - ﷺ -، وكم كان النبي - ﷺ - يصلي من الليل \"\n٤٧٠ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" كانت صلاة النبي - ﷺ - ثلاث عشرة ركعة يعني بالليل \" أي: كانت صلاة النبي - ﷺ - الليلية التي يصليها ما بين صلاة العشاء وصلاة الصبحٍ لا تزيد عن ثلاث عشرة ركعة بما فيها الوتر وسنة الفجر، كما جاء موضحا في رواية الشعبي، حيث قال: سألت ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵃ عن صلاة رسول الله - ﷺ - فقالا: ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، ويوتر بثلاث،","vol":"2","page":330},{"text":"٤٧١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ ورَكْعَتَا الْفَجْرِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>٤٠٢ - \" بَابُ قِيامِ النَّبِيِّ - ﷺ - باللَّيْلِ وَنوْمُهُ وَمَا نسِخَ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ </span>\"\n٤٧٢ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُفطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظنَّ أنَّهُ لا يَصُومَ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَصُومُ حَتَّى نَظنَّ أن لا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وكانَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ\nــ\nوركعتين قبل الفجر. اهـ، كما أفاده ابن القيم. الحديث: أخرجه الشيخان.\nوالمطابقة: في قوله: \" كانت صلاة النبي - ﷺ - ثلاث عشرة ركعة \".\n٤٧١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان النبي - ﷺ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر \" أي كان مجموع صلاته - ﷺ - بالليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر وسنة الفجر.\nويوضح ذلك الرواية الثالثة التي رواها الشعبي عن ابن عمر وابن عباس، التي تقدم ذكرها في شرح الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان.\nوالمطابقة: في قولها: \" كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة \" إلخ.\nفقه الحديثين: دل الحديثان على أن عدد الركعات المسنونة في صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة بما فيها الوتر، وسنة الفجر، والله أعلم.\n٤٠٢ - \" باب قيام النبي - ﷺ - بالليل ونومه وما نسخ من قيام الليل \"\n٤٧٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \"كان النبي","vol":"2","page":331},{"text":"مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إلاّ رَأيتَهُ، ولا نَائِمًَا إلاّ رَأيْتَهُ\".\nــ\n- ﷺ - يفطر من الشهر حتي نظن أنه لا يصوم ويصوم حتى نظن أنه لا يفطر \" وفي رواية أبي داود عن ابن عباس أنه - ﷺ - \" كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم \". والمعنى: \" أنه - ﷺ - كان إذا صام صيام التطوع تابع الصيام حتى نظن أنه لا يفطر، وإذا أفطر تابع الإِفطار حتى نظن أنه لا يصوم. هكذا كانت حالته - ﷺ - في سائر شهور السنة، فقد يصوم من الشهر أيامًا كثيرة جدًا، حتى يخيل لأصحابه أنه سيستكمل الشهر كله، لكنه لا يستكمل الشهر كله صائمًا، كما قالت عائشة ﵂: \" وما صام رسول الله - ﷺ - شهرًا كاملًا إلاّ رمضان \" أخرجه الترمذي وذلك لئلا يظن وجوبه، كما أفاده النووي. \" وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلّا رأيته، ولا نائمًا إلاّ رأيته \" أي وكان - ﷺ - لا يتقيد في النوافل الليلية غير الراتبة (١) بوقت معين. بل يأتي بها تارة في أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة في آخره، بحيث لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلّا رأيته. قال الحافظ: \" أي من أراد أن يراه في وقت من أوقات الليل قائمًا فراقبه المرة بعد المرة، فلا بد أن يراه على وفق. ما أراد أن يراه، وكذلك من أراد أن يراه نائمًا، لأنه - ﷺ - لا يستوعب الليل كله قائمًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي بألفاظ.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - كان لا يتقيد في النوافل الليلية الزائدة على صلاة الليل بوقت محدد وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أنه يكره قيام الليل كله، لأنه خلاف سنته - ﷺ -.\nوالمطابقة: في قوله: \" وكنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلاّ رأيته \".\n_________\n(١) ويقصد بالنوافل الليلية الراتبة ما كان يواظب عليه - ﷺ - من القيام بإحدى عشرة ركعة فإن لهذه وقتًا معينًا من الليل من بعد منتصف الليل، أما غيرها فليس له وقت محدد.","vol":"2","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>٤٠٣ - \"بَابُ عَقْدِ الشيطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأس إذَا لَمْ يُصَلِّ بِالَّليْلِ </span>\"\n٤٧٣ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُول اللهَ - ﷺ - قَالَ: \" يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ على قَافِيةِ رَأس أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ.\nفَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلتْ عُقْدَةٌ، فإِنْ تَوَضَّأ انْحَلَّتْ عُقْدة فإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ فأصْبَحَ نَشِيطًا طيبَ النَّفْس، وإلّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ \".\nــ\n٤٠٣ - \" باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل \"\n٤٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد \" أي يربط الشيطان على مؤخرة رأس النائم ثلاث عقد، يتلو عليها بعض الكلمات، ويضرب عليها بيده، مخاطبًا نفس النائم بقوله: \" عليك ليل طويل \" أي قد بقي قدر طويل من الليل فنم ما شئت، فإنك إذا استيقظت وجدت الوقت الكافي لأداء صلاة الليل أو صلاة الصبح في وقتها، \" فارقد \" فإن الوقت لا زال مبكرًا. وإنما يربط على مؤخرة الرأس خاصة لأنَّها مركز القوى الواهمة، فإذا ربط عليها أمكنه السيطرة على روح الانسان، وإلقاء النوم عليه \" فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة \" بسبب ذكر الله تعالى، \" فإذا توضأ انحلت عقدة \" ببركة الوضوء، \" فإن صلّى انحلت عقده \" أي: فإذا صلى صلاة الليل أو صلاة الصبح انفكت العقدة الثالثة \" فأصبح نشيطًا طيب النفس \" أي: نشيط البدن، مرتاح النفس، \" وإلا أصبح خبيث النفس كسلان \" أي قلق النفس فاتر الحركة.\nالحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي.","vol":"2","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-443>٤٠٤ - \" بَابٌ إِذَا نامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيطَانُ في أذُنِهِ </span>\"\n٤٧٤ - عنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:\nذكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُل فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًَا حَتَّى أصْبَحَ، مَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: \" بَالَ الشيطَان في أذنِهِ \".\nــ\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: التحذير مما يفعله الشيطان من إرخاء النوم على المسلم، وحرمانه من صلاة الليل أو صلاة الصبح، بسبب هذه العقد، وأنه متى استيقظ وذكر الله انحلت العقدة الأولى، ثم تنحل الثانية بالوضوء، والثالثة بالصلاة. ومن أراد وقاية نفسه من ذلك، فعليه بقراءة آية الكرسي قبل نومه. ثانيًا: أن صلاة الصبح في وقتها سبب للنشاط الجسمي والراحة النفسية، وكذلك صلاة الليل. والمطابقة: في قوله: \" يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم \".\n٤٠٤ - \" باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه \"\n٤٧٤ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" ذكر عند النبي - ﷺ - رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح \" أي استمر نائمًا ولم يصلّ الصبح حتى طلعت عليه الشمس. \" فقال: بال الشيطان في أذنه \" حقيقة فَسَدَّ أذنيه عن سماع أذان الفجر، وأرخى عليه النوم، حتى فاتته صلاة الصبح. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن النوم عن صلاة الصبح غالبًا ما يكون من الشيطان، حيث يبول حقيقة في أذن العبد، فيرخي عليه النوم، وهذا غاية الإِذلال والِإهانة له، أن يتخذه الشيطان له كنيفًا، كما قال القرطبي.\nقال القسطلاني ولا مانع من ذلك، لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ويشرب","vol":"2","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-444>٤٠٥ - \" بَابُ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ </span>\"\n٤٧٥ - عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" يَنْزِلُ رَبُّنا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَمَاءِ الدُّنْيَا حينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسألنِي فَأعْطِيَهُ، من يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ \".\nــ\nوينكح، فلا مانع من أن يبول. والمطابقة: في قوله: - ﷺ - \" بال الشيطان في أذنه \".\n٤٠٥ - \" باب الدعاء والصلاة من آخر الليل \"\n٤٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أنّ رسول الله - ﷺ - قال: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر \" نزولًا يليق بعظمته وجلاله، نؤمن به ولا نكيفه، ولا نأوّله، قال البيهقي: أسْلَمُ الأقوال الإيمان بلا كيف والسكوت عن المراد، وهو مذهب السلف \" يقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه \" والفرق بينهما أن السؤال يختص بطلب المحبوب، والدعاء يعم طلب المحبوب ودفع المكروه، \" من يستغفرني فأغفر له \" أي من يسألني العفو عن ذنوبه فأعفو عنه. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله تعالى: \" من يدعوني فأستجيب له \".\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب الدعاء عند القيام لصلاة الليل (١) والاستغفار والسؤال، لأنه وقت إجابة الدعوات وقضاء الحاجات.\n_________\n(١) أما في الصلاة نفسها أو قبلها أو بعدها فإن الدعاء في هذا الوقت مستجاب، وظاهر الترجمة الدعاء في نفس الصلاة، والله أعلم.","vol":"2","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-445>٤٠٦ - \"بَابُ مَنْ نامَ أوَّلَ اللَّيْلِ وأحْيَا آخِرَهُ </span>\"\n٤٧٦ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - باللَّيْلَ قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أوَّلَهُ، وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْجِعُ إلى فِرَاشِهِ فإِذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَثَبَ، فإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ اغْتَسَلَ، وِإلّا تَوضَّأ وَخَرَجَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>٤٠٧ - \" بَابُ قِيامَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِاللَّيْلِ في رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ </span>\"\n٤٧٧ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:\nــ\n٤٠٦ - \" باب من نام أول الليل وأحيا آخره \"\nأي أنّ من عمل ذلك فقد عمل بسنة النبي - ﷺ - التي كان عليها - ﷺ -.\n٤٧٦ - معنى الحديث: كما تقول عائشة: أنّه - ﷺ - كان ينام النصف الأول من الليل، ويستيقظ بعد ذلك، فيصلي ثلث الليل، ثم يعود في السدس الأخير من الليل إلى فراشه كي يستريح ويؤانس أهله، \" فإذا أذّن المؤذن وثب، فإن كان به حاجة اغتسل \" أي فإذا سمع أذان الفجر نهض من فراشه، فإن كان جنبًا اغتسل، وإلّا ذهب لصلاة الصبح.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة تقسيم الليل إلى ثلاثة أقسام النصف الأول للنوم، والثلث الذي يليه للتهجد، والسدس الأخير للراحة والفراش. والمطابقة: في قولها: \" كان ينام أوله \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي في \" الشمائل \".\n٤٠٧ - \" باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره \"\n٤٧٧ - معنى الحديث: أن صلاة النبي - ﷺ - كما تقول عائشة رضي","vol":"2","page":336},{"text":"أنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ صَلاِتهِ - ﷺ - في رَمَضَانَ، فَقَالَتْ: \" مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبعًا فلا تَسألْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبعًا فلا تَسأل عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أتُنَامُ قبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولَا يَنَامُ قَلْبِي \".\nــ\nالله عنها: كانت متساوية في سائر شهور السنة، لا تزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، منها الوتر \" يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن \" فقد بلغن غاية الحسن والكمال في جودة القراءة وطول القيام والركوع والسجود، \" ثم يصلّي ثلاثًا \" ركعتين شفعًا وركعة وترًا. \" فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر \"، أي: كيف تنام قبل الوتر، لأن أباها كان لا ينام حتى يوتر، كما أفاده الزرقاني، \" فقال: يا عائشة إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي \"، أي إنما أؤخر الوتر إلى آخر الليل، وأنام قبله، لأنني لا أخشى على نفسي أن أغفل عنه فيفوتني، فإن قلبي لا ينام وإن نامت عيني، كما هو الشأن في سائر الأنبياء \". الحديث: أخرجه الخمسة ولم يخرجه ابن ماجة. والمطابقة: في قولها: \" ما كان يزيد في رمضان ولا غيره إلخ \".\nفقه الحديث: دل الحديث على أن صلاة النبي - ﷺ - الليلية كانت متساوية في جميع الليالي لا تزيد عن إحدى عشرة ركعة بالوتر.\n***","vol":"2","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>٤٠٨ - \" بَابُ مَا يَكْرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ في الْعِبَادَةِ </span>\"\n٤٧٨ - عن أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فإِذا حَبْلٌ مَمْدُود بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فقَالَ: \" ما هَذَا الْحَبْلُ؟ \" قَالُوا: هَذَا حَبْل لزَيْنَبَ، فَإِذا فَتَرَتْ، تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لا، حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>٤٠٩ - \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ ترْكِ قِيامِ اللَّيْلِ لِمَنْ كَانَ يَقُومُهُ </span>\"\n٤٧٩ - عن عبدِ اللهِ بْنِ عَمْرُو بْنِ العَاصِ ﵄ قَالَ:\nــ\n٤٠٨ - \" باب ما يكره من التشديد في العبادة \"\n٤٧٨ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" دخل النبي - ﷺ - فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل \" أي رأى النبي - ﷺ - حبلًا ممدودًا بين ساريتين في المسجد، فسأل عن صاحبه، \" فقالوا: هذا لزينب \" بنت جحش ﵂: \" فإذا فترت تعلقت به \" أي: تطيل القيام، فإذا غلب عليها التعب تعلقت به لتستعين به على القيام في صلاتها، \" فقال: لا، حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه \" أي وقت نشاطه، كما قال القاري.\nويستفاد منه: كراهية التشدد في العبادة، وتحميل النفس فوق طاقتها كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ليصل أحدكم نشاطه \".\n٤٠٩ - \" باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه \"\n٤٧٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - حذَّر عبد الله بن عمرو أن","vol":"2","page":338},{"text":"قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" يَا عَبْدَ الله! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلَان كانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْل \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>٤١٠ - \" بَابْ فضلِ مَنْ تعَارَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى </span>\"\n٤٨٠ - عنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّاِمت ﵁:\nأنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، الحمدُ الله، وسُبْحَانَ اللهِ، ولا إِلَهَ إِلَّا الله، وَاللهُ أكبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا\nــ\nيترك صلاة الليل كما فعل فلان من الناس، ولم يذكر - ﷺ - سترًا عليه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل الحديث على كراهية ترك ما تعود عليه الإنسان من قيام الليل وغيره من الأعمال الصالحة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لا تكن مثل فلان \" إلخ.\n٤١٠ - \" باب فضل من تعارّ من الليل فصلى \"\n٤٨٠ - معنى الحديث: - يقول النبي - ﷺ - \" من تعارّ من الليل \"، أي: من استيقظ من نومه ليلًا، \" فقال: لا إله، إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك \"، أي: فذكر الله تعالى بقوله: لا إله إلاّ الله وحده، لا شريك له، له الملك \"، أي: المنفرد وحده بالألوهيّة والملك الدائم دون سواه، لأن كل ملك لغيره إلى زوال، \" وله الحمد \"، أي المنفرد بالثناء الكامل، والشكر الحقيقي، لتفرده بالكمال المطلق والإِنعام الحقيقي، إذ هو مصدر كل النعم كما قال ﷿: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) \"وهو على شيء","vol":"2","page":339},{"text":"باللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أو دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ، فإنْ تَوَضَّأ وَصَلَّى قبِلَتْ صَلَاتُةُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٤١١ - \" بَابُ تعَاهُدِ رَكْعَتَي الْفَجْرِ وَمَنْ سَمَّاهَا تطَوُعًَا </span>\"\n٤٨١ - عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَاْ قَالَتْ:\n\" لَمْ يَكُن النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوافِل أشَدَّ مِنْهُ تَعَاهُدًا على رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ \".\nــ\nقدير، الحمد لله، وسبحان الله\"، أي إن الثناء المطلق والتنزيه الكامل لله ﷿، لأنه الموصوف بكل صفات الجلال والجمال، المنزه عن مشابهة المخلوقات (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) \" ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قوة إلاّ بالله \" أي لا تحوّل عن المعصية، ولا قدرة على الطاعة إلاّ بعصمته وتوفيقه \" (١)، \" ثم قال: \" اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له \" ونال طلبه ومراده.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: فائدة هذا الذكر المبارك له نفعه لمن قاله بيقين وإيمان بعد استيقاظه من نوم الليل ودعا، فإنه يستجاب له. ثانيًا: أن صلاة الليل بعد هذا الذكر مقبولة. الحديث: أخرجه أيضًا أصحاب السنن. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٤١١ - \" باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سمَّاها تطوعًا \"\n٤٨١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" لم يكن النبي - ﷺ - على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر \" أي\n_________\n(١) \" شرح القارى على مشكاة المصابيح \".","vol":"2","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>٤١٢ - \" بَاب مَا يقْرَأُ في رَكعتَيَ الفجْرِ </span>\"\n٤٨٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كَانَ النَّبِيّ - ﷺ - يُخَفِّف الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبحِ حَتَّى إِنِّي لأقول هَلْ قَرأ بِأُمِّ الْكِتَابِ \".\nــ\nلم يكن - ﷺ - يحافظ على شيء من السنن الراتبة أشد محافظة منه على ركعتي الفجر.\nفقه الحديث: دلَّ هذا الحديث على مداومته - ﷺ - على ركعتي الفجر، ومواظبته عليها، ولهذا قالت الشافعيّة: ركعتا الفجر سنة مؤكدة، وقالت الحنفية، هما آكد السنن، وقالت المالكية: ركعتا الفجر رغيبة، والرغيبة في اصطلاحهم أقل من السنة، وهي الصلاة التي فعلها النبي - ﷺ -، ولم يظهرها في جماعة. واختلفوا في قضائها. فقال الجمهور: تقضى إلى الزوال خلافًا للحنفية. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٤١٢ - \" باب ما يقرأ في ركعتي الفجر \"\n٤٨٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \" كان النبي - ﷺ - يخفف الركعتي اللتين قبل الصبح \"، أي أنه - ﷺ - كان يخفف ركعتي الفجر، ويسرع فيها \" حتى إني لأقول: هل قرأ بأم الكتاب \"، أي حتى أنني من شدة تخفيفه لها أشك فأقول في نفسي هل قرأ فيها بالفاتحة، أو لم يقرأ شيئًا.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب تخفيف القراءة في ركعتي الفجر. ولهذا قال مالك في المشهور عنه: يقتصر فيها على","vol":"2","page":341},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-452> أبوابُ التطوع </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>٤١٣ - \" بَابُ صَلَاةِ الضُّحَى فِي الحَضر </span>\"\n٤٨٣ - عنْ أبي هريْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" أوْصَانِى خَلِيلي بِثلاثٍ لا أدَعُهُنَّ حتى أمُوتَ، صْومِ ثَلَاثَةِ أيام مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلاةِ الضُّحَى، وَنَوْم عَلَى وِتْرٍ \".\nــ\nقراءة الفاتحة فقط، لقول عائشة ﵂: \" إني لأقول: هل قرأ بأم القرآن \". وقال أحمد وأبو حنيفة: يقرأ سورتي الكافرون والاخلاص، لقوله - ﷺ -: \" نعم السورتان يقرأ بهما في ركعتي الفجر \"، أخرجه الترمذي والنسائي. وقال الشافعي: يقرأ في الأولى (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ) التي في البقرة، وفي الثانية (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ) التي في آل عمران، لما في حديث ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - كان يقرأ بذلك. أخرجه مسلم. ثانيًا: الإسرار في ركعتي الفجر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قولها: \" إني لأقول هل قرأ بأم القرآن \".\n٤١٣ - \" باب صلاة الضحى في الحضر \"\n٤٨٣ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت \" أي أمرني حبيبي رسول الله - ﷺ - بثلاثة أشياء هي من أفضل الأعمال فلا أتركها مدى الحياة، ولا أزال أحافظ عليها","vol":"2","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-454>٤١٤ - \" بَابُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبلَ الظُّهْرِ </span>\"\n٤٨٤ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" حَفِظتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ في بَيْتهِ، ورَكْعتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ في بَيْتهِ، ورَكْعَتَيْنَ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبحَ \".\nــ\nحتى أموت. الأول: \" صوم (١) ثلاثة أيام من كل شهر \" وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر المعروفة بالأيام البيض. \" وصلاة الضحى \" أي: والثاني ركعتا الضحى، ووقتها عند حلّ النافلة. \" ونوم على وتر \" أي والثالث أن لا أنام حتى أصلّي صلاة الوتر فأقدم الوتر على النوم، وأصليه أوّل الليل.\nفقه الحديث دل الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب صلاة الضحى، وتصلى عند حل النافلة، وهو ما ترجم له البخاري، وأقلها ركعتان، وأوسطها أربع، وأكثرها ثمان. ثانيًا: صوم الأيام البيض من كل شهر، وهي من الأيام التي يستحب صيامها. ثالثًا: استحباب تقديم صلاة الوتر في أول الليل وأدائها قبل النوم. قال العيني: وهو محمول على من لم يستيقظ آخر الليل، فإن أمن فالتأخير أفضل، للحديث الصحيح \" فانتهى وتره إلى السحر \".\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أوصى بصلاة الضحى وهذا يدل على مشروعيتها واستحبابها كما ترجم له البخاري.\n٤١٤ - \" باب الركعتين قبل الظهر \"\n٤٨٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \"حفظت\n_________\n(١) قال العيني: يجوز في صوم الجرُ على ًان يكون بدلًا من ثلاث. ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر متبدأ محذوف، أي هي ثلاثة أيّام.","vol":"2","page":343},{"text":"من النبي - ﷺ - عشر ركعات\" أي أحصيت عدد الركعات التي كان النبي - ﷺ - يصليها من السنن الرواتب التي قبل الصلاة وبعدها، وعَدَدْتها فوجدنها عشر ركعات \" ركعتين قبل الظهر \"، أي: يصلي ركعتين قبل الظهر، \" وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته \" أي: ويصلي ركعتين بعد المغرب في بيته، \" وركعتين بعد العشاء في بيته \" أيضًا، \" وركعتين قبل صلاة الصبح \" وهما ركعتا الفجر، فهذه عشر ركعات.\nفقه الحديث دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية السنن الرواتب القبلية والبعدية، وكونها عشر ركعات، وهو مذهب الجمهور. وقال مالك: ليس هناك سنن رواتب ولا توقيت للنوافل صيانة للفرائض من أن تختلط بها سواها، ولا يمنع من التطوع بما شاء كما أفاده العيني. ثالمًا: أن السنة القبلية للظهر ركعتان كما رواه ابن عمر في حديث الباب، لكن جاء في رواية عائشة: \" أن النبي - ﷺ - كان لا يدع أربعًا قبل الظهر \" وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأنه - ﷺ - كان يصلي في المسجد ركعتين وفي البيت ركعتين، فرأت عائشة هذه وهذه، ولم ير ابن عمر سوى الركعتين التي كان يصليهما في المسجد.\nكما أفاده العيني، وعلى رواية عائشة تكون الرواتب اثنتي عشر ركعة.\nالحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" وركعتين قبل الظهر \".\n***","vol":"2","page":344},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>٤١٥ - \" كتَابُ فضلِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ والْمَدِينَةَ </span>\"\n٤٨٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" لا تُشَدّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثَلَاَثةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -، وَمَسْجِدِ الأقْصَى \".\nــ\n٤١٥ - \" باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة \"\nأي فضلها بزيادة ثوابها وأجرها فيهما ومضاعفته في الفرض والنفل معًا كما ذهب إليه الجمهور. وأما قوله - ﷺ -: \" أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة \" فيمكن الجمع بينه وبين أحاديث الباب بحمله على غير الحرمين الشريفين بأن تكون النافلة في البيت أفضل في غير الحرمين.\n٤٨٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد \"، أي لا يسن السفر إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة كما جاء مصرحًا بذلك في رواية مسلم، حيث قال - ﷺ -: \" إنما يسن السفر إلى ثلاثة مساجد، الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا \" وهي المساجد المذكورة في قوله - ﷺ -: \" المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى \"، وفي رواية أخرى عن جابر ﵁ مرفوعًا: \" خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق \" أخرجه ابن حيان والطبراني، وفي رواية البخاري: \" إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nوالمطابقة: في كون الاستثناء يفيد الأفضلية.","vol":"2","page":345},{"text":"٤٨٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \" صَلَاة في مَسْجِدِي هَذَا خَير منْ ألْفِ صلاةٍ فيما سِوَاهُ إلَّا المَسْجِدَ الْحَرَامَ \".\nــ\nفقه الحديث: دل الحديث: أولًا: على فضل الصلاة في الحرمين وزيادة ثوابها فيهما. فرضًا كانت أو نفلًا كما عليه الجمهور، لأنّ استثناءهما في قوله - ﷺ -: \" لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، يدل على أفضليتهما، ومضاعفة أجر الصلاة فيهما. قال الحافظ: في هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها، لأنها مساجد الأنبياء. اهـ. ولأن المسجد الحرام قبلة الناس، والمسجد النبوي أول مسجد أسس على التقوى، والأقصى قبلة الأمم السابقة.\nثانيًا: أنه لا يستحب ولا يسن السفر لقصد الصلاة. والتعبد إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة، كما جاء منصوصًا عليه في رواية مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا ينبغى للمطيّ أن يشد رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا \" رواه أحمد.\n٤٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: \" أنّ النبي - ﷺ - قال: صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه \" أي: أن الصلاة في المسجد النبوي، وفي أي بقعة منه على مر العصور، مهما كبر واتسع أفضل وأكثر ثوابًا من الصلاة في غيره ألف مرة \" إلاّ المسجد الحرام \" أي: لا يستثنى من هذه الأفضلية سوى المسجد الحرام، قال الكرماني: والاستثناء هنا يحتمل أمورًا ثلاثة: أن يكون المسجد الحرام مساويًا لمسجد الرسول - ﷺ - أو أفضل منه أو دونه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.","vol":"2","page":346},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الصلاة في المسجد النبوي على الصلاة في غيره ألف مرة، ومضاعفة ثوابها وأجرها ألف ضعف. واختلفوا في المسجد الحرام: هل الصلاة فيه أفضل، أو الصلاة في المسجد النبوي أفضل، فقال مالك: الصلاة في مسجد الرسول - ﷺ - أفضل.\nولكن الجمهور يرون أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، لأن الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة في غيره وذلك لما رواه أحمد عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله - ﷺ - قال: \" صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا \" يعني المسجد النبوي وغيره من النصوص، فتكون الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. وأما المسجد الأقصى، فقد سئل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة فيه، فقال: \" صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات \" أي في المسجد الأقصى ثانيًا: أن فضل الصلاة في مسجده - ﷺ - لا يختص بالبقعة التي كانت في زمنه، بل يدخل في ذلك كل بقعة أخرى تضاف إليه على مر العصور والأزمان، لأن الإشارة في قوله - ﷺ -: \" صلاة في مسجدى هذا \" إشارة معنوية لا حسية، فيدخل فيه كل توسعة وزيادة تضاف إليه، كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \" لو بلغ مسجدي إلى صنعاء فهو مسجدي \" رواه الزبير بن بكار في \" أخبار المدينة \" عن أبي هريرة ﵁. والمطابقة: في قوله: \" خير من ألف صلاة فيما سواه \".\n***","vol":"2","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>٤١٦ - \" بَابُ إتيانِ مَسْجِدِ قُباءَ رَاكِبًَا أوْ مَاشيًَا </span>\"\n٤٨٧ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأتِي قُبَاءَ مَاشِيًا وَرَاكِبًَا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ \".\nــ\n٤١٦ - \" باب إتيان مسجد قباء راكبًا أو ماشيًا \"\n٤٨٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان النبي - ﷺ - يأتي قباء \" كل سبت، أي: كان - ﷺ - يداوم ويواظب على زيارة مسجد قباء والذهاب إليه أسبوعيًا كل يوم سبت في وقت الضحى \" ماشيًا وراكبًا \" في محل نصب على الحال، أي: كان يحرص على هذه الزيارة في جميع الأحوال، فإن تيسر له الركوب ذهب إليه راكبًا، وإلّا فإنه يذهب إليه ماشيًا \" فيصلّي فيه ركعتين \" وفي رواية: \" فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلّي ركعتين \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: قال العيني: فيه دلالة على فضل قباء وفضل المسجد الذي فيها، وفضل الصلاة فيه. ثانيًا: استحباب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه يوم السبت عند الضحى اقتداءً به - ﷺ - (١). الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" ويأتي قباء ماشيًا وراكبًا \".\n...\n_________\n(١) وقد قال رسول الله - ﷺ - في فضل مسجد قباء \" من تطهر في بيته، ثم أَتى مسجد قباء، فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة \" رواه ابن ماجة عن سهل بن حنيف وهو حديث صحيح. (ع).","vol":"2","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>٤١٧ - \" بَابُ فضلِ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ والْمِنْبَرِ </span>\"\n٤٨٨ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ أللهُ عَنْهُ:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَا بَيْنَ بَيْتي ومِنْبَرِي رَوْضَة مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي \".\nــ\n٤١٧ - \" باب فضل ما بين القبر والمنبر \"\n٤٨٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ما بين بيتي ومنبري \" أى: إن البقعة الواقعة بين بيت عائشة ومنبره الشريف - ﷺ - \" روضة من رياض الجنة \" حقيقة بمعنى أنها قطعة منها كالحجر الأسود والنيل والفرات فتنقل إليها يوم القيامة، كما أفاده الزرقاني \" ومنبري على حوضي \" أي ويقع منبره الشريف على موضع حوضه المورود الذي يكرمه الله به يوم القيامة، ويكرم به أمته - ﷺ - وفي رواية النسائي: \" ومنبري على ترعة من ترع الجنة \"، وترجم البخاري بذكر القبر، وأورد الحديث بلفظه، لأن القبر صار في البيت، وقد دفن في بيت سكناه - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون ما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة، وهذا يدل على فضل ما بينهما كما ترجم له البخاري.\nفقه الحديث: دل الحديث على فضل الروضة المشرفة على سواها من بقاع الأرض حيث أخبرنا - ﷺ -: أنها من بقاع الجنة حقيقة لا مجازًا. قال ابن أبي جمرة: فيكون الموضع المذكور روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة في الجنة كما كان، وللعامل فيها روضة في الجنة. اهـ. وفيه استحباب الصلاة في الروضة لدلالة الحديث على أن للعامل فيها روضة من رياض الجنة، ولهذا قال الخطابي: من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت الطاعة به إلى روضة من رياض الجنة.","vol":"2","page":349},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-458> أبوابُ الْعَمَلِ في الصَّلَاةِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>٤١٨ - \" بَابُ مَا يُنْهَى من الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ </span>\"\n٤٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - وَهُوَ في الصَّلَاةِ فَيَرُدَّْ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِي سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ: \" إنَّ في الصَّلَاةِ شُغْلًا \".\nــ\n٤١٨ - \" باب ما ينهي من الكلام في الصلاة \"\n٤٨٩ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ يقول: \" كنا نسلم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فيرد علينا \" أي فيرد علينا بصريح اللفظ قائلا: وعليكم السلام، لأن الكلام والسلام لم يكونا ممنوعين أثناء الصلاة في صدر الإِسلام، \" فلما رجعنا من عند النجاشي \" أي: فلما رجعنا من هجرتنا إلى الحبشة \" سلمنا عليه فلم يرد علينا \" أي فلم يرد علينا السلام، لأن الكلام في الصلاة أصبح محرمًا مطلقًا سلامًا أو غيره، \" وقال: إن في الصلاة شغلًا \" أي: في الصلاة مانعًا من الكلام وفي رواية أخرى: \" إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة \" أخرجه أبو داود. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" إن في الصلاة شغلًا \".","vol":"2","page":350},{"text":"٤٩٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ (١) ﵁ قَالَ:\nإِنْا كُنَّا لِنَتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُكَلِّمُ أحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِه حَتَّى نَزَلَتْ (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.\nــ\n٤٩٠ - معنى الحديث: يقول زيد بن أرقم ﵁ \" إن كنا لنتكلم في الصلاة \" أي إن أحدنا يكلم صاحبه على قدر الحاجة كما يظهر من سياق الحديث، وكما أفاده الحافظ، \" حتى نزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) \" أي قوموا في صلاتكم ساكتين عن الكلام الدنيوي الذي لا يتعلق بمصلحة الصلاة، قال زيد بن أرقم، \" فأمرنا بالسكوت \"، ونهينا عن الكلام في الصلاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فأمرنا بالسكوت \".\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: تحريم الكلام في الصلاة لغير مصلحة الصلاة لأن النبي - ﷺ - كما في الحديث الأول لم يرد السلام فقال: \" إن في الصلاة الشغلًا \" أي مانعًا من الكلام ولأنه في الحديث الثاني أمرنا بالسكوت. لمّا نزل قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). ثانيًا: أن الكلام لغير مصلحة الصلاة يفسد الصلاة لأن النهي عن الشيء يقتضي فساده، ولا خلاف في أن من تكلم عمدًا بطلت صلاته، وقال مالك والشافعي: إذا تكلم يسيرًا لا تبطل، وعن أحمد إن نسى أنه في صلاة روايتان. وإن ظن أنه أتم صلاته وتكلم بشيء في غير أمور الصلاة بطلت صلاته. ثالثًا: أنّه لا يجوز رد السلام في الصلاة، وهو مذهب الجمهور، وحكى ابن المنذر عن أبي هريرة ﵁ وسعيد بن المسيب والحسن البصري: أنّه يُرَدُّ\n_________\n(١) زيد بن أرقم: هو أبو عمرو، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو حمزة، زيد بن أرقم بن زيد الأنصارى الخزرجي، يعد في الكوفيين، وسكنها، ومات بها أيام المختار سنة ست وستين، وقيل سنة ثمان وستين.","vol":"2","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-460>٤١٩ - \" بَابُ الْخصْرِ في الصَّلَاةِ </span>\"\n٤٩١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" نُهِيَ أن يُصَلِّي الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا \".\nــ\nالسلام نطقًا. واستحب المالكية والشافعية والحنابلة رد السلام بالإِشارة لما روي عن صهيب أنّه قال: \" مررت برسول الله - ﷺ - وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد إشارةً قال: ولا أعلمه إلاّ قال إشارة بأصبعه \" أخرجه أبو داود.\n٤١٩ - \" باب الخصر في الصلاة \"\n٤٩١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" نهي أن يصلي الرجل مختصرًا \" أي: نهى - ﷺ - أن يصلّي الرجل واضعًا يديه على خاصرته كما فسره ابن أبي شيبة. وجزم به أبو داود، وقاله ابن سيرين، لما في حديث سعيد بن زياد، قال: \" صليت إلى جنب ابن عمر ﵄ فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلّى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله - ﷺ - ينهى عنه \". الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه النسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - نهى عن الاختصار في الصلاة.\nفقه الحديث: دل الحديث على النهي عن الاختصار في الصلاة.\nوقد اختلفوا في حكمه، فحمل الجمهور النهي في هذا الحديث على الكراهة، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس ﵃ والنخعي ومجاهد وأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي. والحكمة في النهي عنه كونه من فعل اليهود، فنهينا عن التشبه بهم كما قالت عائشة ﵂: \" إنّ اليهود تفعله في الصلاة \".","vol":"2","page":352},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-462> أبْوَابُ السُّهْوِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>٤٢٠ - \" بَابٌ إِذَا صَلَّى خمْسًا </span>\"\n٤٩٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أزِيدَ في الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ \".\nــ\n\n\" أبواب السهو\"\nوالسهو هو الخطأ عن غفلة في الصلاة بزيادة أو نقص، أو الشك في أمرين لا يدري أيهما وقع منه، كأن يشك هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا.\n٤٢٠ - \" باب إذا صلى خمسًا \"\n٤٩٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن مسعود ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - صلّى الظهر خمسًا \" أي سها في صلاته فصلّى الظهر خمس ركعات \" فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ \" أي وماذا حدث مما يدعو إلى هذا السؤال، \" قال: صليت خمسًا \" أي صليت الظهر خمس ركعات، \" فسجد سجدتين بعدما سلّم \" أي بعد السلام.\nفقه الحديث دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية سجود السهو لمن سها في صلاته بأن يسجد سجدتين وسجود السهو واجب عند الحنفية يأثم المصلّى بتركه، ولا تبطل صلاته، فإن كان مأمومًا وسجد إمامه وجب عليه متابعته إن كان مدركًا لا مسبوقًا. وقالت الحنابلة: يُسَنُّ سجود السهو إذا أَتى بقول مشروع في غير محله، ويجب إذا زاد في الصلاة ركوعًا أو سجودًا","vol":"2","page":353},{"text":"أو قيامًا أو قعودًا أو غير ذلك من الأركان (١). وقالت الشافعية سنة لا يكون واجبًا إلاّ إذا كان مأمومًا وسجد إمامه للسهو فيجب عليه أن يسجد تبعًا لِإمامه (٢)، فإن لم يفعل عمدًا بطلت صلاته (٣)، وعليه الإِعادة إن لم يكن قد نوى المفارقة، أما فيما عدا ذلك فهو سنة. وقالت المالكية: سجود السهو سنة، فإن كان مأمومًا وسجد إمامه تابعه في السجود، فإن لم يتابعه لا تبطل صلاته إلاّ إذا تركه عمدًا في نقص ثلاث سنن، أما إذا تركه سهوًا، فإنه يسجد بعد السلام بشرط أن لا يطول الزمن، ولا يحصل مناف. ثانيًا: أن من زاد ركعة سهوًا لا تبطل صلاته. ويسجد بعد السلام وهو مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة إذا زاد ركعة ناسيًا بطلت صلاته، كما أفاده العيني.\nثالثًا: دل الحديث على أن الساهى في صلاته إن زاد سجد بعد السلام، وإن نقص سجد قبل السلام وهو مذهب مالك، وقال أبو حنيفة: سجود السّهو كله بعد السلام مطلقًا. وقال الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام مطلقًا. وقال أحمد بن حنبل: سجود السهو كله قبل السلام إلاّ في حالتين: الأولى: إذا سلّم من نقصان فإنه يقضي ما بقي عليه ويسجد بعد السلام.\nالثانية: إذا شكّ الإمام في صلاته، فإنه يتحرّى ويبني على غالب ظنه، وما ترجح لديه، ويسجد بعد السلام. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" فسجد سجدتين بعدما سلّم \".\n...\n_________\n(١) عن الأركان الفعلية كالرفع من الركوع مثلًا، أما إذا زاد شيئًا من الأركان القولية، فإنه يسن له سجود السهو، كما أفاده في \" كتاب الفقه على المذاهب الأربعة \" ج ١.\n(٢) \" كتاب الفقه على المذاهب الأربعة \" ج ١.\n(٣) وكذلك قالت الحنابلة.","vol":"2","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-463>٤٢١ - \" بَابٌ إِذَا كُلِّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فأشَارَ بِيَدِهِ واسْتَمَعَ </span>\"\n٤٩٣ - عن أمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَنهَى عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ رَأيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، وكَانَ عِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ الأنْصَارِ، فأرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ قُولي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللهِ سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وأراكَ تُصَلِّيهِمَا، فإِنْ أشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتْ الْجَارِيَةُ فَأشَارَ بِيَدِهِ فاسْتَأخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا ابْنَةَ أبِي أمَيَّةَ، سَألْتِ عنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْد الْعَصْرِ، وِإنَّهُ أتانِي نَاسٌ مِنْ بَنِي عَبْد الْقَيْسِ فَشَغلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ \".\nــ\n٤١٩ - \" باب إذا كلم وهو يصلّي فأشار بيده واستمع \"\n٤٩٣ - معنى الحديث: أن أم سلمة ﵂ سمعت النبي - ﷺ - ينهي عن صلاة النافلة بعد صلاة العصر، ثم رأته يومًا يصلي ركعتين بعد العصر، فأشكل عليها ما رأت، فأرسلت إليه جاريتها تسأله عن هذه المسألة التي أشكلت عليها. وقالت لها: قولي له: تقول لك أم سلمة سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين ثم رأيتك تصليهما، فإن أشار إليك بالسكوت فافعلي ما أمرك به، وابتعدي جانبًا حتى يتم صلاته، فذهبت إليه الجارية، وأشار إليها، فسكتت، فلما انتهى من صلاته، قال موجهًا الخطاب لأم سلمة: يا بنت أبي أمية (هي كنية أبيها) إن هاتين الركعتين هما سنة الظهر البعدية، وكنت قد شغلت عنهما بوفد عبد القيس، فقضيتهما الآن. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الإِشارة وغيرها من","vol":"2","page":355},{"text":"الأعمال اليسيرة لا تبطل الصلاة كما ترجم له البخاري. ثانيًا: استدل الشافعية بهذا الحديث على مشروعية قضاء السنن التي لها سبب في أوقات النهي، وقالت الحنابلة: لا يقضى شيء من النوافل في أوقات النهي مطلقًا، سواء كان لها سبب أو ليس لها سبب. وقالت المالكية والحنفيَّةُ: لا يقضي في أوقات النهي إلّا ركعتا الفجر خاصة. والمطابقة: في قول أم سلمة: \" فأشار بيده \".\n***","vol":"2","page":356},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-464> كتاب الجنائز </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>٤٢٢ - \"بَابُ فِي الجَنَائزِ وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا الَهَ إِلَّا اللهُ</span>\"\n٤٩٤ - عن أبي ذَرٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: أتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فأخْبَرَنِي -أو قَالَ-: \" بَشَرنِي أنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أمَّتِي لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ \" قُلْتُ: وَإنْ زَنى وِإنْ سَرَقَ! قَالَ: \" وإنْ زَنَى وِإنْ سَرَقَ \".\nــ\n٤٢٢ - \"باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله \"\nأي هذا كتاب تذكر فيه الأحاديث المتعلقة بأحكام الجنائز وهي جمع جنازة (بكسر الجيم) وتطلق على الميت، وعلى النعش الذي فوقه الميت. والمراد بها هنا الموتى لأنّ الأحاديث المذكورة ضمن هذا الكتاب إنما تدور حول الأحكام المتعلقة بالميت من غَسْله، وتكفينه، والصلاة عليه، وتشييعه إلى غير ذلك.\n٤٩٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" أتاني آت من ربي \" أي جاءني ملك من عند ربي \" فأخبرني أو قال بشرني \" وهو الأنسب لأن معناه جاءني الملك بالوحي الصريح، فأخبرني خبرًا سارًا، ابتهجت له، وتهلل له وجهي، وفرح به قلبي فرحًا عظيمًا، ظهرت آثاره عَليَّ حيث بلغني عن الله تعالى \" أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا \" ومعناه أن من مات على التوحيد الخالص، ولم يجعل لله شريكًا في عبادته ولا في ذاته وصفاته","vol":"2","page":357},{"text":"وأفعاله \"دخل الجنة \"، أي كان مصيره إلى الجنة، فلا يخلّد في النار ولو ارتكب الكبائر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: البشارة لهذه الأمة بأن من مات على توحيد الله والتصديق بما جاء به رسول الله فإن مصيره إلى الجنة، ولا يخلد في النار، ولا يسلب عنه اسم الإِيمان مهما اقترف من الكبائر، خلافًا للخوارج الذين يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافرٌ مخلد في النار. والحديث حجة عليهم لأنّ جبريل بشّر النبي - ﷺ - بأنّ من مات على التوحيد دخل الجنة وإن زنى وإن سرق، والجنة لا يدخلها إلاّ مؤمن، فكيف يقال بعد هذا إن مرتكب الكبيرة كافر مخلّد في النار، وفي هذا معارضة صريحة لهذا الحديث منطوقًا ومفهومًا. ثانيًا: أن الموت على التوحيد والإِيمان شرط في دخول الجنة. فالمشرك لا يدخل الجنة أبدًا، وإنما هو مخلد في النار، وذلك مصداق قوله تعالى: (وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).\nفائدة هامة: ذكر بعض أهل العلم أن هناك ستة أشياء من حافظ عليهما كان لها أثرها العظيم في حسن الخاتمة وهي البسملة في بداية الأعمال، والحمد لله في نهايتها، والحوقلة عند المكروه، وهي قول: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، والاسترجاع عند المصيبة، وإذا عزم على أمر قال: إن شاء الله، وإذا أذنب استغفر الله. والمطابقة: في قوله: \" من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة \".\n***","vol":"2","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-466>٤٢٣ - \" بَابُ الأمْرِ بإتباعَ الْجَنَائِزِ </span>\"\n٤٩٥ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:\n\" أمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِسَبْع، ونَهَانَا عَنْ سَبْع، أمَرَنَا بإتباعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيض، وِإجَابَةِ الدَّاعِي، ونَصْرِ المَظْلُومِ، وإبْرارِ الْقَسَمِ، ورَدِّ\nــ\n٤٢٣ - \" باب الأمر باتباع الجنائز \"\n٤٩٥ - معنى الحديث: يؤكد لنا النبي - ﷺ - في أحاديث كثيرة ما جاء به الإِسلام من الشرائع والأحكام التي تضمن تصرف الناس بعضهم مع بعض على وجه سليم يضمن لكل إنسان حياة سعيدة كريمة، ويحفظ له حقوقه، ويصون كرامته في حياته، وبعد مماته، وأصدق مثل على ذلك قول الراوي \" أمرنا النبي - ﷺ - بسبع \" فإن هذه الأعمال السبعة التي أمر بها - ﷺ - كلها تهدف إلى رعاية حقوق الإنسان، في حياته وتكريمه بعد وفاته، حيث قال الراوي: \" أمرنا باتباع الجنائز \" أي بتشييع موتى المسلمين وحملهم على أعناق الرجال إلى مثواهم الأخير، بعد القيام بحقوقهم الأخرى من غسل وتكفين، وصلاة عليهم تكريمًا؛ وتوديعًا؛ ودعاءً؛ وشفاعة لهم، فإنّ المشيعين في الحقيقة شفعاء عند الله تعالى. ثم قال الراوي: \" وعيادة المريض \" وهنا انتقل الحديث إلى بيان الحقوق الاجتماعية التي تجب على كل مسلم ويسن له أداؤها لغيره من المسلمين، أو من الناس مطلقًا حيث أمر النبي - ﷺ - بعيادة المريض أي زيارته أثناء مرضه، لتسليته والتخفيف عنه، وإشعاره بمنزلته، وأهميته، وهي من أقوى العوامل المؤدية إلى تحسين حالته النفسية والجسمية، ورفع معنويته، وزيادة مقاومته. ولا تختص عيادة المريض بالمسلم، بل تكون لكل من له صلة قرابة أو علاقة جوار ولو كان ذميًا. ثم قال البراء ﵁ \"وإجابة","vol":"2","page":359},{"text":"السَّلَامِ، وتَشْمِيتِ الْعَاطِس، ونَهَانَا عَنْ آنيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، والْحَرِيرِ، والدِّيبَاجِ، والقِسِّيِّ، والِإسْتَبْرَقِ\".\nــ\nالداعي\"، أي وأمر النبي - ﷺ - بإجابة الدعوة وهي ما يتخذ من الطعام عند المناسبات السعيدة من حدوث نعمة أو زوال نقمة ابتهاجًا وفرحًا وشكرًا لله تعالى، \" ونصر المظلوم \"، أي إغاثته، ودفع الظلم عنه ولو كان ذميًا، \" وإبرار القسم \" وهو فعل الشيء الذي أقسم عليه تحقيقًا لرغبته لئلا يحنث في يمينه \" ورد السلام \" على من بدأ بالسلام تجاوبًا معه وإشعارًا له بالمحبة وصادق الألفة والمودة، \" وتشميت العاطس \" أي الدعاء له بالخير إذا حمد الله، فيقال له: يرحمك الله. ثم انتقل الراوي إلى الحديث عن بعض المحرّمات التي نهى عنها النبي - ﷺ - فقال: \" ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب، والحرير والديباج \" وهو ما غلظ من الحرير \" والقسِّيّ \" (بفتح القاف وكسر السين المشددة) وهو الثياب المخلوطة بالحرير. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية المحافظة على هذه الأعمال السبعة التي أمرنا بها النبي - ﷺ - لأنهما تكفل لكل فرد رعاية حقوقه حيًا كان أو ميتًا. وتختلف هذه الأعمال في أحكامها الشرعية من حيث الوجوب والسنيّة. فأما تشييع الجنائز فهو فرض كفاية اتفاقًا، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وكذلك نصر المظلوم لمن كان قادرًا عليه ولم يخشَ ضررًا يصيبه منه، وكذلك رد السلام عند مالك والشافعي، وأما تشميت العاطس، وإبرار القسم، وعيادة المريض، فإنّها سنن مستحبة. وذهب بعض الفقهاء إلى أن عيادة المريض فرض كفاية، حكمها في ذلك حكم إطعام الجائع وفك الأسير، وقد رغّب النبي - ﷺ - فيها كثيرًا فقال - ﷺ -: \"إذا عاد المسلم أخاه","vol":"2","page":360},{"text":"يزل في خُرْفَةِ الجنة\" أي في روضة من رياضها. وفي الحديث القدسي: \" يقول الله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! وكيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدَّته لوجدتني عنده \". وإنما عني الإِسلام بعيادة المريض كل هذه العناية لما فيها من عظيم المواساة، وتجاوب العواطف والمشاعر الإِنسانية، ومشاركة المريض وجدانيًا، ولأن المريض يتأثر بهذه الزيارة تأثرًا نفسيًا عظيمًا يؤدي إلى تحسن صحته الجسمية، سيما إذا كان الزائر من الذين يحبهم ويرتاح إليهم، ويأنس بزيارتهم. قال ابن القيم: \" وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم لهم، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إيّاهم، وهذا أحد فوائد عيادة المرضى التي تتعلق بهم. وقد قال الشاعر:\nمَرضَ الحُبيْبُ فَعُدْتُهُ ... فَمَرِضْتُ إِشْفَاقًا عَلَيْه\nوأتى الحَبِيْبُ يَعُوْدُنِي ... فَشُفِيْتُ مِنْ نَظَرِيْ إلَيْه\nوبعض التجارب يدل على ما هو أعظم من ذلك وأبلغ. أما إجابة الدعوة فإنها فرض عين كما صرح به الحنابلة، ونص عليه مالك، وفرق الشافعية بين وليمة العرس وغيرها، فأوجبوها في الأولى واستحبوها في الثانية. فإجابة الدعوة واجبة إلاّ إذا كان طعامها مشبوهًا أو حرامًا أو فيها محرم، أو من يُتأذَّى به، فلا تجوز إجابتها. ثانيًا: استدل أبو حنيفة بقوله: \" أمرنا باتِّباع الجنائز \" على أن المشى خلف الجنازة أفضل حيث فسر الاتباع بالاتباع الحسي، وهو المشي خلف الشيء. وقالت الشافعية: المشي أمام الجنازة أفضل لما روي بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ أنه قال: \" رأيت النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة \" أخرجه أبو داود. ولأن المشيعين شفعاء للميت، ومن حق الشفيع أن يتقدم على مشفوعه. وأجابوا عن حديث الباب بأن","vol":"2","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>٤٢٤ - \" بَاب الدُّخولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أدرجَ في أكْفَانِهِ </span>\"\n٤٩٦ - عَنْ أمِّ الْعَلَاءِ إِمْرَاة مِنَ الأنصَارِ ﵂ بَايَعَتْ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَتْ:\nإنَّه اقْتسِمَ المهَاجِرونَ قرْعَةً، فطَارَ لَنَا عُثْمَان بْن مَظْعونٍ، فأنزلْنَاه في أبيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَة الَّذِي توفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا توفِّيَ وَغسِّلَ وكُفِّنَ في أثْوَابِهِ دَخَلَ رَسول اللهِ - ﷺ -، فَقلْت: رَحْمَة اللهِ عَلَيْكَ أبا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ الله تَعَالَى. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَمَا يُدْرِيكَ\nــ\nالمراد بالاتباع الاتباع المعنوي وهو تشييع الجنائز إلى مثواها الأخير. ثالثًا: تحريم آنية الفضة وخاتم الذهب والحرير بأنواعه لأن النبي - ﷺ - نهى عنها، والنهى هنا للتحريم عند الجمهور. والمطابقة: في قوله: \" أمرنا باتباع الجنائز \".\n٤٢٤ - \" باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج أكفانه \"\n٤٩٦ - معنى الحديث: تحدثنا أم العلاء الأنصارية (١) في هذا الحديث عن وفاة عثمان بن مظعون، وما وقع لها بعد غسله وتكفينه، فتقول: \" إنه اقتسم المهاجرون قرعة \" أي أن الأنصار استضافوا المهاجرين في منازلهم واقتسموهم فيما بينهم عن طريق القرعة، \" فطار لنا عثمان بن مظعون \"، أي فوقع عثمان في سهمنا، وصار من قسمنا، \" فلما توفي وغسّل وكفنّ دخل رسول الله - ﷺ - \"، أي دخل عليه النبي - ﷺ - وهو مدرج في كفنه، قالت ﵂: \"فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك\n_________\n(١) وهي أم خارجة بن زيد راوي الحديث.","vol":"2","page":362},{"text":"أنَّ اللهَ أكْرَمَهُ\"؟ قُلْتُ: بِأبِي أنت يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَنْ يُكرِمُهُ اللهَ تَعَالَى؟ فَقَالَ: \" أمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللهِ إِنِّي لأرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، واللهِ مَا أدْرِي وأنَا رَسُولُ اللهَ مَا يُفْعَلُ بِي، قَالَتْ: فوَاللهَ لا أزَكِّي أحَدًا بَعْدَهُ أبَدًا \".\n٤٩٧ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:\nلَمَّا قُتِلَ أبِي جَعَلْتُ أكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أبكي وَيَنْهُونَنِي عَنْهُ، والنَّبِيُّ - ﷺ - لا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:\nــ\nلقد أكرمك الله\"، قال القسطلاني: أي أقسم بالله لقد أكرمك الله يعنى بالجنة، \" فقال النبي - ﷺ -: وما يدريك أن الله أكرمه \"، أي فأنكر النبي - ﷺ - عليها قولها هذا لأنّها أقسمت على شيء في علم الغيب فقال لها ما معناه: ومن أعلمك أن الله أكرمه بالجنة والسعادة الأخروية، \" أما هو فقد جاءه اليقين \" أي فقد جاءه الموت ورأى مصيره، \" والله إني لأرجو في الخير \"، هذا ما يمكن أن أقوله أنا أو غيري، \" والله ما أدري وأنا رسول الله - ﷺ -، ما يفعل بي \"، أي لا أعلم علم اليقين ما يفعل بي في الدار الآخرة إلاّ ما أعلمني الله به وأطلعنى عليه. \" قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا \" أي لا أقطع لأحد بعده بالجنة مهما بلغ إلاّ الذين شهد لهم النبي - ﷺ -.\nالحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قولها: \" فلما توفي وغسّل وكفّن في أثوابه دخل رسول الله - ﷺ - \".\n٤٩٧ - معنى الحديث: عن جابر بن عبد الله ﵄: \" قال لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه \" أي لما استشهد أبي يوم أحد صرت أكشف الثوب عن وجهه لأودعه الوداع الأخير، \" فجعلت عمتي فاطمة تبكي \"، أي وصارت عمتي فاطمة بنت عمرو تبكي أخاها","vol":"2","page":363},{"text":"\"تَبكِينَ أو لا تَبْكِينَ، ما زَالَتِ الْمَلائِكَةُ تُظِلهُ بِأجْنِحَتِهَا حتى رَفَعْتُمُوهُ\".\nــ\nعبد الله بن عمرو، \" فقال النبي - ﷺ - \" مبشرًا ومواسيًا لها في مصابها: \" تبكين أو لا تبكين \"، فإن عزاءك فيه عظيم وبشراك كبيرة وحسبك عزاءً أنه \" ما زالت الملاثكة تُظلُّه بأجنحتها حتى رفعتموه \"، أي استمرت تظلله تكريمًا له حتى رفعتموه عن النعش إلى مثواه الأخير. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" جعلت أكشف الثوب عن وجهه \".\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: مشروعية الدخول على الميّت إذا أدرج في كفنه، كما ترجم له البخاري، لأن النبي - ﷺ - دخل على عثمان بن مظعون بعد غسله وتكفينه، كما في الحديث الأول، ولأن جابر ﵁ لما استشهد أبوه يوم أحد جعل يكشف الثوب عن وجهه، كما في الحديث الثاني، وثوب الشهيد بمنزلة كفنه. ثانيًا: أن التزكية القطعية لأي إنسان تجوز في الأمور الماضية لا في المستقبلة لأن المستقبل غيب، فلا يجوز القطع لأحد بالجنة إلاّ من شهد له النبي - ﷺ -، لقوله - ﷺ - لأم العلاء في عثمان بن مظعَون: \" وما يدريك أن الله أكرمه \". قال العيني: فيه دليل على أنه لا يجزم لأحد بالجنة إلاّ ما نص عليه الشارع، ويجوز أن نثني على الميت بالخير بأن نقول فيه كما قال رسول الله - ﷺ -: \" إني لأرجو له الخير \". قال في \" العقيدة الطحاوية \": \" ونرجو للمحسنين أن يعفو الله عنهم ويدخلهم الجنة \".\n***","vol":"2","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-468>٤٢٥ - \" بَابُ الرَّجُلِ يَنْعَى إلى أهْلِ الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ </span>\"\n٤٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\n\" أن النَّبِيَّ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إلى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أرْبعًا \".\nــ\n٤٢٥ - \" باب الرجل ينعى إلى الميت بنفسه \"\nقال ابن بطال في الترجمة خلل ومقصود البخاري باب الرجل ينعي إلى الناس الميت بنفسه.\n٤٩٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: \" أن النبي - ﷺ - نعى النجاشي \"، أي أخبر - ﷺ - الصحابة عن موت النجاشي. واسمه أصْحَمةُ الأبجري أو ابن الأبجري والنجاشي لقب له ولكل ملك من ملوك الحبشة، وقد نعاه النبي - ﷺ - \" في اليوم الذي مات فيه \" وذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة فلما توفي ﵁ نعاه النبي - ﷺ - في يوم وفاته، ثم \" خرج إلى المصلى فصف بهم \"، وصلى عليه صلاة الجنازة، \" وكبّر أربعًا \"، أي كبّر في صلاته أربع تكبيرات. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في قوله: \" أن النبي - ﷺ - نعى النجاشي \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية نعي الميت، أي إخبار الناس بموته ليحضروا لتشييعه. والنعي أنواع، منه ما هو سنة، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم. قال ابن العربي: أما إعلام الأهل والأقارب وأهل الصلاح فهذا سنة ودعوة الجهلة للمفاخرة مكروه، والإِعلام بالنياحة، وهو النعي الجاهلي محرم. ثانيًا: مشروعية صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية، ويكبّر فيها أربع تكبيرات وقد قال - ﷺ -: \"لا يموت","vol":"2","page":365},{"text":"٤٩٩ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فأصِيبَ، وِإنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَتَذْرِفَانِ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ \".\nــ\nأحد من المسلمين فيصلّي عليه أمة من الناس فيشفعون له إلاّ شفعوا فيه\".\nثالثًا: مشروعية صلاة الغائب، وبها قال الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وأبي حنيفة.\n٤٩٩ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" قال رسول الله - ﷺ -: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب \"، أي بينما كان النبي - ﷺ - يخطب الناس في مسجده بالمدينة، أطلعه الله تعالى على استشهاد هؤلاء القواد الثلاثة في غزوة مؤتة، التي هي بالبلقاء على أطراف الشام، فنعاهم إلى أصحابه، وأخبرهم عن استشهادهم جميعًا من فوق منبره الشريف، \" وإن عيني رسول الله - ﷺ - لتذرفان \" (١) أي والحال أن عينيه تفيضان بالدموع حزنًا عليهم. وبعد فراغه - ﷺ - من نعيهم قال: \" ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة \"، أي ثم أخذ الراية خالد ﵁ دون أن يعهد إليه بها حين رأى المصلحة في ذلك، \" ففتح له \"، أي فنصر الله المسلمين على يديه وبقيادته المظفرة.\nالحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" أخذ الراية زيد فأصيب \" ... إلخ.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية النعي، وقد تقدم الكلام عليه في الحديث السابق. ثانيًا: استدل به مالك وأبو حنيفة\n_________\n(١) بكسر الراء.","vol":"2","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>٤٢٦ - \" بَابُ فضلِ مَنْ مَات لَهُ وَلَدٌ فاحْتَسَبَ </span>\"\n٥٠٠ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" مَا مِنَ النَّاس مِنْ مُسْلِم يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا أدْخَلَهُ اللهُ الْجَنةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ \".\nــ\nعلى عدم مشروعية الصلاة على أبي الغائب، لأنه - ﷺ - نعي هؤلاء القواد الثلاثة، ولم يصل عليهم.\n٤٢٦ - \" باب فضل من مات له ولد فاحتسب \"\n٥٠٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث \" (بكسر الحاء) أي لا يموت لأي واحد من المسلمين ثلاثة أولاد صغار ذكورًا أو إناثًا قبل بلوغهم، \" إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم \"، أي بسبب شدة حزنه على فراقهم الناشىء عن قوة محبته لهم ورقة قلبه، وعطفه عليهم فيثيبه الله على هذه الآلام النفسية التي يقاسيها بسبب شدة وجده وصبره واحتسابه لهم عند الله بالجنة ونعيمها.\nالحديث: أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان أجر المصيبة في الأولاد ولو ماتوا صغارًا، فإنه لا جزاء لذلك إلاّ الجنة. ثانيًا: أن محبة الأبوين لولدهما ورقة قلبهما عليه، وإن كان غريزة طبيعية في النفس، إلاّ أن المرء يثاب عليها، ولذلك عوض عن فقد الأولاد بالجنة كما قال - ﷺ -: \" إلّا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم \" والمطابقة: في قوله: \" أدخله الله الجنة \".","vol":"2","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-470>٤٢٧ - \" بَابُ غَسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ والسِّدْرِ </span>\"\n٥٠١ - عن أمِّ عَطِيَّةَ الأنْصَارِيَة قَالَتْ: \" دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابنته فَقَالَ: اغسِلْنَهَا ثَلَالًا، أو خَمْسًا، أوْ أكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ واجعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا أو شَيئًا من الْكَافُورِ، فإذَا فَرَغْتُنَّ فآذِنَّنِي، فلما فَرَغْنَا آذَّناهُ، فَأعْطَانَا حِقْوَهُ، وقَالَ: أشْعِرْنَهَا إيَّاهُ. تَعْنِي إِزَارَهُ \".\nــ\n٤٢٧ - \" باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر \"\n٥٠١ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: \" دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين توفيت ابنته \" أي دخل علينا النبي - ﷺ - بعد وفاة ابنته زينب وفي أثناء غسلها وكانت وفاتها في أول السنة الثامنة من الهجرة، \" فقال: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتنِ \"، أي فوَّضَهن -في عدد مرات غسلها- إلى اجتهادهن حسب الحاجة، كما أفاده الزرقاني، \" بماء وسدر \"، بأن يجعل السدر في ماء ويخضخضه حتى تخرج رغوته ويدلك به جسد الميت، \" واجعلن في الآخرة كافورًا \"، أي واجعلن في الغسلة الأخيرة شيئًا من الكافور في الماء، \" فلما فرغنا آذناه \"، أي أعلمناه \" فأعطانا حقوه \" أي إزاره، \" وقال: أشعرنها إياه \"، أي اجعلنه شعارًا لها والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب غسل الميت وهو فرض كفاية عند الجمهور (١) قال أبو حنيفة ومالك: والأفضل أن يغسل\n_________\n(١) وقد نقل النووي الإجماع على ذلك.","vol":"2","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>٤٢٨ - \" بَاب يبدَأ بِمَيامِنِ الْمَيِّتِ </span>\"\n٥٠٢ - وعَن أم عَطِيَّة ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:\nــ\nمجردًا من ثيابه مع ستر عورته، خلافًا للشافعي حيث قال: الأفضل أن يغسل في قميص، والذى عليه الجمهور أن غسل الميت أمر تعبدي، لا لتطهيره، لأنّه لا ينجس بالموت. واتفقوا على أنّ للزوجة أن تغسل زوجها، واختلفوا في غسل الرجل زوجته، فأجازه الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. ثانيًا: مشروعية التثليث في غسله لقوله - ﷺ -: \" إغسلنها ثلاثًا \"، وهو واجب عند الظاهرية (١). سنة عند الجمهور. ثالثًا: غسل الميت بالماء والسدر، ثم بالماء والكافور، واختلفوا في كيفية ذلك، فقالت الشافعية يستحب أن تكون الغسلة الأولى بالماء والسدر والثانية بالماء الصافي، والثالثة يضاف إليها شيء من الكافور، كما أفاده في \" المنهل العذب \". وقالت المالكية: الأولى بالماء القراح، والثانية يضاف إليها السدر أو بالعكس والثالثة يضاف إليها الكافور، وقال: أحمد وأبو حنيفة: يسن غسله بالماء والسدر في كل مرة (٢)، لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \" اغسلوه بماء وسدر \". وقال الصنعاني: ظاهره أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة من مرات الغسل.\nقيل: وهو يشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير لأنّ الماء المضاف إليه لا يتطهر به. والمطابقة: في قولها: \" بماء وسدر \".\n٤٢٨ - \" باب يبدأ بميامن الميت \"\n٥٠٢ - معنى الحديث: تحدثنا أمّ عطية في هذه الرواية عن النبي\n_________\n(١) ويستحب الإِيثار بخمس أو سبع، قال العيني: وكره أحمد الزيادة على سبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع ..\n(٢) واتفق الجمهور على أنه يسن غسله بالماء والكافور في الأخيرة خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: إنما يجعل الكافور في الحنوط.","vol":"2","page":369},{"text":"\" ابْدَأنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الْوُضُوءِ مِنْهَا \" وفي رِواية قَالَتْ: وَمَشَطْنَاها ثَلَاَثةَ قُرُونٍ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>٤٢٩ - \" بَابُ الثيابِ البِيض لِلكَفَنِ </span>\"\n٥٠٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كُفِّنَ في ثَلَاَثةِ أثْوابٍ بيضٍ يَمَانِيَةٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهنَّ قَميصٌ ولا عِمَامَة \".\nــ\n- ﷺ - \" أنه قال ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها \"، أي: أبدأن في غسلها بالأعضاء اليمنى من جسدها وبمواضع الوضوء منها: \" قالت: ومشطناها ثلاثة قرون \"، أي وضفرنا شعرها ثلاث ضفائر.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب أن يوضأ الميت كوضوء الحي. فيمضمض وينشّق وهو مذهب المالكية والشافعية لقوله - ﷺ -: \" أنه قال ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها \" وقالت الحنابلة والحنفية: لا يمضمضن ولا ينشق، وإنما توضأ الأعضاء التي في كتاب الله. ثانيًا: أنه يستحب البدأ بميامنه، وهو ما ترجم له البخاري لقوله - ﷺ - \" وابدأن بميامنها \".\nثالثًا: أنه يستحب أن يسرَّح شعر المرأة، ويضفر ثلاث ضفائر لقولها: \" ومشطناها ثلاثة قرون \". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" ابدأن بميامنها \".\n٤٢٩ - \" باب الثياب البيض للكفن \"\n٥٠٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن رسول الله - ﷺ - كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (١) من كرسف (٢) \" أي في ثلاثة\n_________\n(١) سحولية أي يمنية نسبة إلى سحول قرية باليمن.\n(٢) أي من قطن.","vol":"2","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>٤٣٠ - \" بَابُ الْكَفَنِ في ثَوْبَيْنِ </span>\"\n٥٠٤ - عن ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nبَيْنَمَا رَجُل وَاقِف بعرفَةَ إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ، أوْ قَالَ: فَأوْقَصَتْه، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" اغسِلُوهُ بمَاءٍ وسِدْرٍ وكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْنِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رَأسَهُ، فإِنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ القِيَامَةِ مُلبيًا \".\nــ\nأثواب قطنية يمنية بيضاء إزار ورداء ولفافة كما رواه الشعبي \" ليس فيها قميص ولا عمامة \" أي أن هذه الثلاثة زيادة على القميص والعمامة أو بدون قميص ولا عمامة. الحديث: أخرجه الخمسة، ولم يخرجه الترمذي. والمطابقة: في قولها: \" كفن في ثلاثة أثواب بيض \".\nويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أنه يستحب بياض الكفن كما قال الزرقاني، لأن الله لم يكن ليختار لنبيه - ﷺ - إلاّ الأفضل. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال النبي - ﷺ -: البسوا الثياب البيض فإنّها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم، أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذي والحاكم.\nثانيًا: أنه يسن التكفين في ثلاثة أثواب. واختلفوا في القميص والعمامة، فقال مالك: يستحب أن يكفن الرجل في خمسة أثواب إزار ورداء ولفافة وقميص وعمامة. لقوله - ﷺ -: \" ليس فيها قميص ولا عمامة، أي ثلاثة أثواب زيادة على القميص والعمامة. وقال الجمهور: لا يستحب القميص والعمامة. لأن معنى قولها: \" ليس فيها قميص ولا عمامة \" أي بدون قميص ولا عمامة.\n٤٣٠ - \" باب الكفن في ثوبين \"\n٥٠٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" بينما رجل واقف مع رسول الله - ﷺ - بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته أو","vol":"2","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>٤٣١ - \" بَابُ الكَفَنِ فِي القَمِيص الَّذي يُكَفُّ أوُ لا يُكَفُّ </span>\"\n٥٠٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\n\" أتَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أبَي بَعْدَمَا دُفِنَ، فأخْرجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقهِ، وألبَسَهُ قَمِيصَهُ \".\nــ\nقال: أوقصته\" أي رمته فاندق عنقه، \" قال النبي - ﷺ - اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه \" لما في الحنوط من الطيب، \" ولا تخمروا رأسه \" لا تغطوه لأنه محرم، \" فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا \" أي على صورة الحاج الملبي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" كفنوه في ثوبين \".\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: قال ابن دقيق العيد (١) فيه دليل على أن المحرم يبقى في حقه حكم الإِحرام، فلا يحنط، ولا يغطى رأسه، ولا يكفن في ثلاثة أثواب كغيره، وإنما يكفن في ثوبي (٢) إحرامه، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، خلافًا لمالك وأبي حنيفة: فإنه يكفّن عندهم كغيره، وهو مقتضى القياس، لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، وهو الحياة، ولكن لا قياس مع النص. ثانيًا: جواز الكفن في ثوبين، أو ثوب واحد وهو الصحيح.\n٤٣١ - \" باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف \"\nأي هذا باب يذكر فيه الأحاديث التي تدل على مشروعية الكفن في القميص مطلقًا، سواء كان مكفوفًا، وهو الذي يُخَيَّطُ طرفه - أو غير مكفوف.\n٥٠٥ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \"أتي النبي - ﷺ -\n_________\n(١) \" شرح عمدة الأحكام \" لابن دقيق العيد.\n(٢) يكفن في ثوبي إحرامه - أي في إزاره وردائه اللذين أحرم بهما.","vol":"2","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>٤٣٢ - \" بَابٌ إذَا لَمْ يَجِدْ كَفَنًا إلَّا مَا يُوَارِي رَأسَهُ أوْ قَدَمَيْهِ غَطَّى بِهِ رَأسَهُ </span>\"\n٥٠٦ - عَنْ خَبَّابٍ ﵁ قَالَ: \"هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِي - ﷺ - نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأكلْ مِنْ أجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ، وَمِنَّا مَنْ أينَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فهُوَ يَهْدِبُهَا،\nــ\nعبد الله بن أبي\" أي: جاء إلى قبره، \" بعد ما دفن فأخرجه \" من قبره.\nقال القسطلاني: وكان أهله خشوا على النبي - ﷺ - المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه، قبل وصوله، فلما وصل وجدهم قد دَلُّوه في حفرته، فأمرهم بإخراجه، \" فنفث فيه \" أي فتفل من ريقه على جلده، \" وألبسه قميصه \"، لأنّه كان قد وعد بتكفينه في قميصه فأنجز وعده. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب القميص في الكفن، وهو مذهب مالك، وسيأتي تفصيله. والمطابقة: في قوله: \" وألبسه قميصه \".\n٤٣٢ - \" باب إذا لم يجد كفنًا إلّا ما يواري رأسه أو قدميه غطّى به رأسه \"\n٥٠٦ - معنى الحديث: يقول خباب ﵁: \" هاجرنا مع النبي - ﷺ - نلتمس وجه الله \"، أي هاجرنا بنيةٍ خالصة نطلب رضا الله وحده، \" فوقع أجرنا على الله \" أي فثبت أجرنا عنده بمقتضى وعده الذي لا يخلف، \" فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا \" أي فبعضنا مات قبل الفتوحات الإسلامية، ولم يكسب شيئًا من غنائمها \" منهم مصعب بن عمير \" أي مثل مصعب الذي لم ينل من الدنيا شيئًا \" ومنا من أينعت في ثمرته \"، أي وبعضنا","vol":"2","page":373},{"text":"قُتِلَ يَوْمَ أحِدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، وِإذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأسُهُ، فَأمَرنَا النَّبِيُّ - ﷺ - أنْ نُغَطِّي رَأسَهُ، وأنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيهِ مِنَ الإِذْخِرِ\".\nــ\nنضجت ثمرة الدنيا بين يديه فنال منها. وهو كناية عن المسلمين الذين أدركوا الفتوحات، فأثروا من الغنائم، ونالوا حظًا من الحياة ونعيمها \" فهو يهدبُها \" بفتح الياء أي يقتطف زهرة هذه الدنيا وثمرتها اليانعة \" قتل \" مصعب ﵁ \" يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة \" أي كساء غليظًا مخططًا قصيرًا، \" إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي - ﷺ - أن نغطي رأسه \" مع جسمه وعورته \" وأن نجعل على رجليه الِإذخر \" وهو نبت حجازي معروف.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الواجب في الكفن ثوب واحد يستر العورة، فإن قصر عن جسمه كله فيغطى به رأسه وعورته، وإن ضاق عنهما غطيت عورته، وجعل على الباقي الإذخر. ثانيًا: ما كابده الصحابة ﵃ في هجرتهم من المشاق والمتاعب وشدة الفقر والحاجة، فهذا مصعب بن عمير ﵁ الذي كان كما قال فيه النبي - ﷺ - \" لا أرقَّ حلة ولا أنعم نعْمة من مصعب \" فلما استشهد لم يترك سوى بُردة لم تتسع في كفنه لجسده كله. الحديث: أخرجه الخمسة. والمطابقة: في قوله: \" فأمر النبي - ﷺ - أن يغطي بها رأسه \".\n***","vol":"2","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-476>٤٣٣ - \" بَابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الكَفَنَ في زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يَنكرَ عَلَيْهِ </span>\"\n٥٠٧ - عَنْ سَهْل بْنِ سعْدٍ ﵄ قَالَ:\nجَاءَت امْرَأة إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِبُرْدَةٍ منسُوجَةٍ فِيها حَاشِيَتُهَا، أتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعم، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدي، فجِئْتُ لأكْسُوكَهَا، فأخَذَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إليْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وِإنَّهَا إزَارُهُ، فَحَسَنّها فُلَانٌ، فقالَ: اكُسُنِيها ما أحْسَنَهَا، قَالَ الْقَوْمُ: ما أحْسَنْتَ، لَبِسَها النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إليْهَا، ثُمَّ سألتَه وَعَلِمْتَ أنَّهُ لا يَرُدُّ، فَقَالَ: إني وَاللهِ ما سَألتُهُ لِأَلبَسَهَا، إنّمَا سَألتَهُ لِتَكونَ كَفَنِي، قال سَهْلُ: فكانَتْ كَفَنَهُ \".\nــ\n٤٣٣ - \" باب من استعد الكفن في زمن النبي - ﷺ - فلم ينكر عليه \"\n٥٠٧ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد الساعدي رضي الله\nعنهما: \" جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - ببردة منسوجة فيها حاشيتها \"، أي بكساء مخطط له طرف يسمى شملة لأنه يلتحف به، \" فخرج إلينا وإنها إزاره \" أي فخرج إلينا النبي - ﷺ - مؤتزرًا بها \" فحسنها فلان \" أي فأعجب بها رجل من الصحابة وهو عبد الرحمن بن عوف، واستحسنها وطلبها من النبي - ﷺ -، \" فقال القوم: ما أحسنت \" أي ما أصبت في طلبك لها مع علمك بحاجة النبي - ﷺ - إليها، \" فقال: والله ما سألته لألبسها، وإنما سألته لتكون كفني \" بعد مماتي، وفي رواية رجوت بركتها حين لبسها النبي - ﷺ - الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل الحديث على مشروعية إعداد الكفن في الحياة، لأن","vol":"2","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-477>٤٣٤ - \" بَابُ اتِّباعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ </span>\"\n٥٠٨ - عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِيْنَا عَنِ اتِّباعِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>٤٣٥ - \" بَابُ احْدَادِ الْمَرأةِ عَلى غَيْرِ زَوْجِهَا </span>\"\n٥٠٩ - عنْ أمِّ حَبيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" لَا يَحِل لامْرَأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا عَلَى زَوْج أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وَعَشْرًا \".\nــ\nالنبي - ﷺ - أقر ابن عوف على ذلك. والمطابقة: في قوله: \" وإنما سألته لتكون كفني \".\n٤٣٤ - \" باب اتباع النساء الجنائز \"\n٥٠٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى النساء ومنعهن عن تشييع الجنائز والخروج معها إلاّ أنه لم يشدد عليهن في ذلك. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل الحديث على كراهية تشييع النساء للجنائز تنزيهًا لا تحريمًا، وهو مذهب الجمهور حيث حملوا النهي على الكراهة لقول أم عطية: \" ولم يعزم علينا \". ورخص مالك في ذلك لغير الشابة، وقال أبو حنيفة: لا ينبغي كما أفاده القسطلاني. والمطابقة: في قولها: \" نهينا عن اتباع الجنائز \".\n٤٣٥ - \" باب حد المرأة على غير زوجها \"\n٥٠٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث \"، أي لا يجوز لامرأة مؤمنة أن تلبس","vol":"2","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-479>٤٣٦ - \" بَابُ زِيَارَةِ القُبُورِ </span>\"\n٥١٠ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nمَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِامْرأةٍ تبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: \" اتَّقِي اللهَ واصْبِرِي \" فَقَالَتْ: إليْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، ولَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا\nــ\nثياب الحزن، وتهجر الزينة لموت أحد أقاربها، سواء كان أبًا أو أخًا أو عمًا أو ولدًا، أكثر من ثلاثة أيام، \" إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشرًا \"، أي إلّا الزوج فإنها تحد عليه عند موته، وتترك الزينة لفقده مدة أربعة أشهر وعشرة أيام. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز إحداد المرأة على وفاة أحد أقاربها ما عدا الزوج مدة ثلاثة أيّام فقط، وما زاد على ذلك فهو حرام. ثانيًا: مشروعية إحداد المرأة على زوجها أربعة أشهر وعشرًا.\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث \".\n٤٣٦ - \" باب زيارة القبور \"\n٥١٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" مر النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر \"، وفي رواية أبي داود \" تبكي على صبي لها \" \" فقال: اتقي الله واصبري \"، أي فأمرها بالخوف من عقوبة الله لها على رفع صوتها بالبكاء، وأمرها بالصبر على القضاء، \" فقالت إليك عني \" أي دعنى وشأني فإنك لا تحس بما أحس به من ألم الفراق وإلا لعذرتني، \" فقيل لها: \" إنه النبي - ﷺ - \"، أي فأخبرها الفضل بن العباس ﵄ أنه النبي - ﷺ -، فذهبت إلى النبي - ﷺ - \" فقالت: لم أعرفك \" أي فاعتذرت إليه - ﷺ -. بأنها","vol":"2","page":377},{"text":"إنَّهُ النَّبِيّ - ﷺ -، فَأتَتْ بَابَ النَّبِيِّ - ﷺ - فلمْ تَجِدْ عِنْدَه بَوَّابينَ فَقَالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ، فَقَالَ: \" إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأولَى \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>٤٣٧ - \" بَاب مَا يكْرَة مِنَ النياحَةِ على الْمَيِّتِ </span>\"\n٥١١ - عَنِ الْمغِيرَةِ ﵁ قَالَ:\nــ\nلم تكن تعرفه، \" فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى \" أي إنما الصبر الكامل الذي يجازى عليه بغير حساب هو الصبر عند أول وقوع المصيبة ونزول البلاء، حين يكون وقعه على النفس أليمًا، ومرارته شديدة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية زيارة القبور للرجال والنساء معًا، قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور، وأما ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - \" لعن زوّارات القبور \" فقد كان قبل الترخيص لهن كما قال أهل العلم (١). ثانيًا: الترغيب في الصبر عند أول وقوع المصيبة، لما يترتب على ذلك من عظيم المثوبة والأجر عند الله تعالى، حيث يؤجر على ذلك بغير حساب. كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فالصبر عند أوّل نزول البلاء هو الذي يثاب عليه بغير حساب كما قال - ﷺ -: \" إنما الصبر عند الصدمة الأولى \". والمطابقة: في قول أنس ﵁: \" مر النبي - ﷺ - بامرأة تبكي عند قبر \" فإن إقراره - ﷺ - لزيارتها لقبر فقيدها دليل على مشروعية زيارتها. وإذا جازت زيارة القبور للنساء فجوازها للرجال من باب أولى.\n٤٣٧ - \" باب ما يكره من النياحة على الميت \"\n٥١١ - معنى الحديث: يقول المغيرة بن شعبة ﵁:\n_________\n(١) وأن اللعن للمكثرات من الزيارة، والإذن بالزيارة عام بعد المنع، إذا أمنت الفتنة. (ع).","vol":"2","page":378},{"text":"سَمِعْتُ النبِي - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ كَذِبًَا علَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلى أحَدٍ، مَنْ كَذَبَ علَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ نِيحَ عَليْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَليهِ\".\nــ\n\" سمعت النبي - ﷺ - يقول: إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد \"، أي إن الكذب على النبي - ﷺ - جريمة عظمى لا يساويه أي كذب على شخص آخر لما فيه من الافتراء على الله وعلى رسوله - ﷺ -، وتغيير ما أنزل الله، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، وقد قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، ولا شك أن من افترى على النبي - ﷺ - فقد افترى على الله: \" من كذب عليَّ متعمدًا \" أي قاصدًا الكذب، \" فليتبوأ مقعده من النار \" أي فليتخذ له منزلًا في نار جهنم، \" وسمعت النبي - ﷺ - يقول: من نيح عليه \"، أي من بكى عليه أهله عند موته بصوت مرتفع \" يعذب بما نيح عليه \"، أي فإنه يعذب بسبب بكائهم عليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه تحرم النياحة على الميت وهي رفع الصوت في البكاء عليه مع ذكر محاسنه وفضائله بصوت مرتفع لما فيه من تعذيب الميت. ثانيًا: أن الميت يعذب بالنياحة والبكاء عليه، بصوت مرتفع وهذا إذا كانت النياحة من عادته وسنته، أو أوصى بذلك قبل وفاته كما فعل طرفة بن العبد حيث قال:\nإذَا مِتُّ فَانْعِيْني بِمَا أنا أهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلىَّ الجَيْبَ يا ابْنَةَ مَعْبدِ\nأما إذا لم يكن هذا ولا ذاك، فإن الميت يعذب ببكائهم نفسيًا حيث يتألم ويحزن لحزنهم. كما روي عن صفية بنت مخرمة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صاحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم \" أخرجه ابن أبي شيبة وقد اختار هذا المعنى جماعة من الأئمة","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>٤٣٨ - \" بَاب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ </span>\"\n٥١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُود ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلَيَّةِ \".\nــ\nمنهم ابن جرير وابن تيميّة كما أفاده السيوطي. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" من نيح عليه يعذب \".\n٤٣٨ - \" باب ليس منا من شق الجيوب \"\n٥١٢ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" ليس منا \" قال الحافظ: أي ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه من الدين، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، \" من لطم الخدود \" أي من أظهر الجزع والحزن والسخط على قدر الله في أفعاله فلطم الخدود. قال الحافظ: وخص الخد بذلك لأنه الغالب، وإلّا فضرب الوجه داخل في ذلك، \" وشق الجيوب \" جمع جيب وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس. أي وشق ثيابه من شدة الجزع \" ودعا بدعوى الجاهلية \" أي وناح على الميت كما كانوا يفعلون في الجاهلية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم التعبير عن الحزن باستعمال اليد في شق الثياب، وضرب الوجوه، واستعمال اللسان في النياحة.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.","vol":"2","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-482>٤٣٩ - \" بَابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَف فِيهِ الْحُزْنُ </span>\"\n٥١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" لَمَا جَاءَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وأنا أنْظُرٌ مِنْ صَائِر الْبَابِ، فَأتَاهُ رَجُلٌ فقالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فأمَرَهُ أنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ، ثُمَّ أتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انْهَهُنَّ، فأتَاهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: وَاللهِ غَلَبنَنَا يَا رَسولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ أنَّه - ﷺ - قَالَ: فاحث في أفْوَاهِهِنَّ الترابَ \".\nــ\n٤٣٩ - \" باب من جلس عند المصيبة يعرف فيه الحزن \"\n٥١٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" لما جاء النبي - ﷺ - قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة \" أي لما جاء الخبر للنبي - ﷺ - عن استشهاد هؤلاء الثلاثة عن طريق الوحي، \" جليس يعرف فيه الحزن \" أي جلس للعزاء، وقد ظهر الحزن على وجهه الشريف - ﷺ -، \" وأنا أنظر من صائر (١) الباب \" أي من الموضع الذي ننظر منه إلى خارج البيت، \" فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن \" أي وأخبره أن زوجة جعفر أسماء بنت عميس، وبعض أقاربه قد رفعن أصواتهن بالبكاء عليه، \" فأمره أن ينهاهن \" عن رفع أصواتهن بالبكاء عليه، فمنعهن عن ذلك مرتين، \" فأتاه الثالثة \" أي في المرة الثالثة، \" فقال: والله غلبننا \" أي عصيننا حتى عجزنا عن إسكاتهن، \" قال: فاحث في أفواههن التراب \"، أي فخذ حفنة من تراب وألقها في أفواههن لكتم أصواتهن، والمراد بذلك المبالغة في الزجر.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n_________\n(١) صائر الباب هو الشق الذي في الباب الذي ينظر منه إلى داخله.","vol":"2","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-483>٤٤٠ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يظْهِر حُزْنهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ </span>\"\n٥١٤ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\nاشْتَكَى ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وأبو طَلْحَةُ خَارِجٌ، فَلمَا رَأتْ امْرَأتهُ أنَّهُ قدْ مَاتَ، هَيَأت شَيْئًا ونَحَّتْهُ في جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أبو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلامُ؟ قَالَتْ: هَدَأت نَفْسُهُ، وأرْجُو أن يَكُونَ قَدْ استَرَاحَ، وَظَنَّ أبُو طَلْحَةَ أنَّهَا صَادِقَة، قَالَ: فَباتَ، فلمَّا أصْبَحَ اغْتَسَل،\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز ظهور الحزن على الوجه لأنه أمر طبيعي لا قدرة للمرء على دفعه، وقد جلس النبي - ﷺ - يعرف الحزن في وجهه كما في الحديث وإنما الذي يحرم هو رفع الصوت بالبكاء، ولذلك أمر النبي - ﷺ - باسكات نساء جعفر ﵁. ثانيًا: مشروعية الجلوس لتقبّل العزاء كما ترجم له البخاري لقولها: \" جلس يعرف فيه الحزن \".\nوالمطابقة: في قولها ﵂: \" جلس يعرف فيه الحزن \".\n٤٤٠ - \" باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة \"\n٥١٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" مات ابن لأبي طلحة ﵁ \" وهو أبو عمير الذي كان النبي - ﷺ - يداعبه بقوله: \" يا أبا عمير ما فعل النغير \" \" فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئًا \" أي أحضرت طعامًا شهيًا ولبست وتهيأت لزوجها \" ونحته في جانب البيت \" أي وغسلت ابنها، وكفنته، وأخفته في جانب من البيت لئلا يراه، \" فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه وأرجو أن يكون قد استراح \" أي قد سكنت روحه عن الحركة في جسمه واستراح من مرضه بالموت. فظن أبو طلحة أن الصبي قد تحسنت صحته، وسكنت","vol":"2","page":382},{"text":"فَلَمَّا أرَادَ أنْ يَخْرُج أعْلَمَتْهُ أَنَّه قَدْ مَاتَ، فصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ أخْبَرَهُ بما كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَعَلَّ اللهَ أنْ يُبَارِكَ لَكُمَا في لَيْلَتِكُمَا \" قَالَ سُفيَان: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ، فَرَأَيْتُ لَهُ تِسْعَةَ أولادٍ كُلُّهُمْ قَد قَرأ الْقُرْآنَ.\nــ\nآلامه وأخلد إلى النوم \" فبات \" فبات في أسعد ليلة وأكل هنيئًا، ولاعب زوجته وباشرها، \" فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلّى مع النبي - ﷺ -، ثم أخبره بما كان بينهما، فقال رسول الله - ﷺ -: \" لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما \"، أي أرجو الله أن يبارك لكما في ليلتكما ويعوضكما عن فقيد كما بالخلف الصالح، فاستجاب الله دعوة نبيّه - ﷺ - \" قال سفيان بن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن \" جزاء لهما على صبرهما.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الحزن وإن كان أمرًا طبيعيًا إلاّ أنه يمكن التغلب عليه بالصبر والاحتساب، كما فعلت هذه الصحابية الجليلة حيث تملكت نفسها، وسيطرت على أحزانها، وكفت مدامعها، وأخفت آلامها النفسية عن زوجها، وهيأت له كل أسباب الراحة، وهي في أشد حالات الألم حتى باشرها، وبات هنيئًا سعيدًا، ولم تخبره حتى صبيحة تلك الليلة. وهكذا ضربت هذه المرأة أروع المثل في الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والتسليم لأمر الله في الضراء. ثانيًا: فضل الصبر وعاقبته الحميدة والتعويض العاجل لكل من صبر عند الصدمة الأولى، كما عوض الله هذه الصحابية الجليلة عن ولدها هذا بتسعة أولاد من أهل القرآن. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: ظاهرة في هذه القصة العجيبة، كما قال العيني.","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>٤٤١ - \" بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - \" إِنَّا بِك لَمَحْزُونونَ </span>\"\n٥١٥ - عن أنس ﵁ قَالَ:\nدَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - على أبِي سَيْفٍ القَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإبراهِيمَ، فأخَذَ - ﷺ - إبراهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وشَمَّهُ، ثم دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ عَوْفٍ: وأنتَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: \" يا ابْنَ عَوْفٍ إنها رَحْمَة \" ثُمَّ أتبعَهَا بأخْرَى فَقَالَ - ﷺ -: \" إنَّ الْعَيْنَ تَدمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنا، وإنَّا لِفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ \".\nــ\n٤٤١ - \" باب قول النبي - ﷺ -: \" إنا بك لمحزونون \"\n٥١٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ عن قصة وفاة إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ - من مارية القبطية، فيقول: \" دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف القين \" أي الحداد، واسمه البراء بن أوس، \" وكان ظئرًا لإبراهيم \" أي أبًا له من الرضاعة لأن زوجته خولة بنت المنذر قد أرضعت إبراهيم ﵁، \" ثم دخلنا عليه بعد \" أي بعد ذلك بمدة من الزمن، \" وإبراهيم يجود بنفسه \" أي وإبراهيم في حال النزاع على وشك أن تفيض روحه، \"فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان\" بكسر الراء أي تفيضان بالدموع \" فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله \" قال القسطلاني: العطف على محذوف تقديره: الناس لا يصبرون عند المصائب ويتفجعون، وأنت يا رسول الله تفعل كفعلهم مع حثك على الصبر ونهيك عن الجزع، \" فقال: يا ابن عوف إنها رحمة \" أي رقة في القلب تجيش في","vol":"2","page":384},{"text":"النفس عند فراق الأحبة، فتبعث على حزن القلب، وبكاء العين، وهي غريزة لا يلام عليها، وليست من الجزع في شيء \" ثم أتبعها بأخرى \" أي أتبع الدمعة الأولى بالدمعة الثانية، \" فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن \" بمقتضى الغريزة التي فطر الله عليها خلقه، \" ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا \" من الحمد والاسترجاع، وسؤال الخلف الصالح \" وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون \"، أي وليس الحزن من فعلنا، ولكنه أمر أودعه الله فينا وأوقعه في قلوبنا، فلا نلام عليه إلاّ إذا قلنا أو فعلنا ما لا يرضي ربنا. اهـ. كما أفاده القسطلاني. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز البكاء عند المصيبة لأنه ظاهرة طبيعية تنشأ عن غريزة الحزن التي فطر الله عليها الخلق، وعن رقة القلب التي خلقه الله عليها، كما قال - ﷺ - \" إنها رحمة \". وقد خلق الله في الإِنسان الضحك والبكاء، كما خلق فيه الموت والحياة، (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) وهما سر من أسرار التكوين البشري، لا يدري أحد كيف هما، ولا كيف يقعان في هذا الجهاز الجسمي المعقد، وتعقيده النفسي لا يقل عن تعقيده العضوي الذي تتداخل المؤثرات النفسية والعضوية فيه وتتفاعلان كما أفاده في \" في ظلال القرآن \" (١). ثانيًا: أن الواجب على المؤمن أن لا يقول عند المصيبة، ولا يفعل إلاّ ما يرضي الله ﷿، كما قال - ﷺ -: لا نقول إِلا ما يرضى ربنا \".\n...\n_________\n(١) \" في ظلال القرآن \" لسيد قطب المجلد السادس.","vol":"2","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>٤٤٢ - \" بَابُ البُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيض </span>\"\n٥١٦ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nاشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فأتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُه مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسعدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ وعبدِ اللهِ بْنِ مَسعُودٍ، فلمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ في غاشِيَةِ أهْلِهِ، فقَالَ: قَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لا يَا رَسُولَ اللهِ فبكَى النَّبِيُّ - ﷺ - فلمَّا رَأى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبي - ﷺ - بَكَوْا، فَقَالَ: \" ألا تَسْمَعُونَ إنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْع الْعَيْنِ، ولا بِحُزْنِ القَلْبِ، ولكنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا وأشَارَ إلى لِسَانِهِ أوْ يَرْحَمُ، وَإنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أهْلِهِ عَلَيْهِ \".\nــ\n٤٤٢ - \" باب البكاء عند المريض \"\n٥١٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" اشتكى سعد بن عبادة شكوى له \" أي اشتكى من مرض أصابه وألزمه الفراش \" فأتاه النبي - ﷺ - يعوده فلما دخل عليه، فوجده في غاشية أهله \" أي وجده مغمى عليه بين أهله، \" فقال: قضى؟ \"، أي هل مات، \" قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي - ﷺ - \" إشفاقًا وحزنًا عليه، \" فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب \" أي إن الله لا يعاقب الإِنسان ولا يجازيه على بكائه وحزنه، لأنهما خارجان عن إرادته \" ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم \" أي وإنما يحاسب الله الإنسان على ما يصدر من لسانه فيعذبه، أو يثيبه بسببه. فإن قال ما يغضب الله من النياحة أو الضجر والجزع عاقبه الله، وإن قال ما يرضي الله من الحمد والاسترجاع أنعم الله عليه في الدنيا بالخلف، وفي الآخرة بالجنة. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" فبكى النبي - ﷺ - \".","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-486>٤٤٣ - \" بَابُ مَا يُنْهَى عَنِ النَّوْحِ والبُكَاءِ والزَّجْرِ عَنْ ذَلِك </span>\"\n٥١٧ - عن أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" أخذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَ الْبَيْعَةِ أنْ لا نَنُوحَ، فَمَا وَفَّتْ مِنَّا امْرَأة غَيْرُ خَمس نِسْوَةٍ: أمُّ سُلَيْم، وأمُّ العَلاءِ، وابْنةُ أبي سَبْرَةَ امرأةُ مُعَاذٍ، وامْرَأتَانِ، أوْ ابْنَةُ أبِي سَبْرَةَ، وامرأةُ مَعَاذَ، وامْرَأة أُخْرَى.\nــ\nفقه الحديث: دل الحديث على جواز البكاء على المريض والميت في دون صوت ودون جزع أو سخط.\n٤٤٣ - \" باب ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك \"\n٥١٧ - معنى الحديث: تقول أم عطية ﵂: \" أخذ علينا النبي - ﷺ - \" أي أخذ علينا العهد عند البيعة، \" أن لا ننوح \" أي لا نرفع أصواتنا بالبكاء على الميت، \" فما وَفَتْ منا امرأة غير خمس \" أي فما وفى منّا أحدٌ بالعهد غير هؤلاء الخمسة (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على تحريم النياحة، لأن النبي - ﷺ - أخذ البيعة على النساء بتركها. ولهذا عدها العلماء من الكبائر (٢) ويؤكد ذلك حديث أبى سعيد قال: \" لعن رسول الله - ﷺ - النائحة والمستمعة \" أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي. والمطابقة: في قولها: \" أخذ علينا عند البيعة أن لا ننوح \".\n_________\n(١) المذكورات في آخر الحديث.\n(٢) \" المنهل العذب \" ج ٩.","vol":"2","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-487>٤٤٤ - \" بَاب مَتى يَقْعُدُ إذَا قَامَ لِلْجَنَازَةِ </span>\"\n٥١٨ - عَنْ عَامِرِ بْن رَبِيعَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا رَأى أحَدُكُمْ جِنَازَةً فَإِنْ لمْ يَكُنْ مَاشِيًَا مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى يُخَلِّفَهَا، أو تُخَلِّفَه، أو تُوضَعَ مِنْ قبلِ أنْ تُخَلِّفَهُ \".\n٥١٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\n\"أنَّهُ أخذَ بِيَدِ مَرْوَانَ وَهُمَا في جَنَازَةٍ، فَجَلَسا قَبْلَ أنْ تُوضَعَ، فَجَاءَ أبو سعِيدٍ ﵁ فأخَذ بيدِ مَرْوَان فقال: قمْ فوَاللهِ لقدْ عَلِمَ هَذا\nــ\n٤٤٤ - \" باب متى يقعد إذا قام للجنازة \"\n٥١٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشيًا معها فليقم حتى يخلّفها أو تخلِّفه \" (بضم الياء والتاء وتشديد اللام فيهما) أي حتى يفارقها أو تفارقه، \" أو توضع من قبل أن تخلفه \" سواء كان الميت مسلمًا أو كافرًا. الحديث: أخرجه أيضًا الجماعة.\nفقه الحديث: دل الحديث على مشروعية القيام للجنازة، وهو قول ابن عمر وابن مسعود وأحمد (١) وبعض المالكية، والجمهور على أنّه منسوخ لحديث علي ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - قام للجنازة ثم قعد بعد \": أخرجه مسلم والنسائي وأحمد والترمذي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" حتى يخلفها \".\n٥١٩ - معنى الحديث: أن أبا هريرة \" أخذ بيد مروان وهما في جنازة فجلس قبل أن توضع \" عن أعناق الرجال، \" فجاء أبو سعيد \" الخدري ﵁ \" فأخذ بيد مروان \" أي فأمسك بيده، \"فقال: قم، فوالله\n_________\n(١) \" هداية الباري \" للطهطاوي ج ١.","vol":"2","page":388},{"text":"أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَانَا عنْ ذَلِكَ، فقالَ أبو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>٤٤٥ - \" بَابُ مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ </span>\"\n٥٢٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nمَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - وقمْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقالَ: \" إذَا رَأيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا \".\nــ\nلقد علم هذا\" يعني أبا هريرة \" أنّ النبي - ﷺ - نهانا عن ذلك \" أي نهانا عن الجلوس قبل أن توضع الجنازة على الأرض. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\nفقه الحديث: دل الحديث على كراهية الجلوس قبل وضع الجنازة على الأرض وهو مذهب أبي حنيفة، خلافًا للشافعي ومالك حيث قالوا: إن هذه الأحاديث منسوخة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٤٤٥ - \" باب من قام لجنازة يهودي \"\n٥٢٠ - معنى الحديث: يقول جابر: \" مر بنا جنازة \" أي مرت بنا كما في رواية أخرى \" فقام لها النبي - ﷺ - \" عند مرورها، \" فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي \" أي فكيف تقوم وفي القيام تعظيم لها وهي جنازة يهودي، \" فقال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا \"، سواء كان مسلمًا أو كافرًا تعظيمًا لله تعالى، وفزعًا من الموت. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" إذا رأيتم الجنازة فقوموا \".\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب القيام للجنازة سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وهو مذهب ابن عمر وابن مسعود وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية، خلافًا للجمهور، والحكمة فيه تعظيم أمر الله وصفات قهره","vol":"2","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>٤٤٦ - \" بَابُ حَمْلِ الرِّجَالِ الْجَنَازَةَ دُونَ النِّسَاءِ </span>\"\n٥٢١ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أعْنَاقِهِمْ، فإنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وإنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أينَ تَذْهَبُونَ بِهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيءٍ إلَّا الإِنسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ لَصَعِقَ \".\nــ\nوجلاله، واحترام الروح الإنسانية التي أودع الله فيها سر الحياة من أمر الله تعالى، وقد نسخ القيام بعد ذلك. وفي الحديث أنه - ﷺ - قام لجنازة يهودي، وقال: \" أليست نفسًا \" أخرجه البخاري، وفي رواية \" إنما تقومون للذي يقبض النفوس \" أخرجه الحاكم.\n٤٤٦ - \" باب حمل الرجال الجنازة دون النساء \"\n٥٢١ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد الخدري ﵁:\n\" أن رسول الله - ﷺ - قال: - إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم \" أي حملوا النعش فوق أعناقهم، \" فإن كانت صالحة قالت: قدموني \" أي قالت أثناء سيرهم بها: أسرعوا بي، لما تراه أمامها من نعيم وسعادة، \" وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها \" أي يا هلاكها، وعذابها لما ترى من الخطر وسوء المصير، \" ويسمع صوتها كل شيء إلاّ الِإنسان، ولو سمعه لصعق \" أي ولو سمع الإِنسان صوت الميت وهو يصرخ بذلك لهلك.\nالحديث: أخرجه النسائي أيضًا. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" واحتملها الرجال \".\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الجنازة يحملها الرجال لقوله - ﷺ -: \" واحتملها الرجال على أعناقهم \"، فإن كلام الشارع كله تشريع","vol":"2","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>٤٤٧ - \" بَابُ السُّرْعَةِ بِالْجَنَازَةِ </span>\"\n٥٢٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" أسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فإنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَها إلَيْهِ، وإن تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>٤٤٨ - \" بَابُ فضل اتِّباعِ الْجَنَائِزِ </span>\"\n٥٢٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nــ\nولو كان خبرًا. ثانيًا: أن روح الميت تتكلم وهو فوق النَّعْش وترى مصيرها، فالسعيدة تقول: قدموني، والشقية تقول: يا ويلها. وقال مجاهد: إذا مات الميت فما من شيء إلاّ وهو يراه عند غسله وعند حمله حتى يصل إلى قبره.\n٤٤٧ - \" باب السرعة بالجنازة \"\n٥٢٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه \"، أي فإنما تسرعون بها إلى نعيمها وسعادتها وإلى روضة من رياض الجنة، \" وإن تك سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم \"، أي: فإن تلك الجنازة الشقية شر فوق أعناقكم فسارعوا إلى التخلص منه.\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب الإِسراع. بالجنازة لمصلحة الميت إن كان سعيدًا، أو لمصلحة المشيعين إن كان شقيًا، وحمل ابن حزم الأمر على الوجوب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \"أسرعوا بالجنازة \".\n٤٤٨ - \" باب فضل اتباع الجنائز \"\n٥٢٣ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ سمع أن أبا","vol":"2","page":391},{"text":"أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أُبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: \" مَنْ تَبعَ جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاط، فَقَالَ: أكْثَرَ أبو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا، فَصَدَّقَتْ عَائِشَةُ أُبا هُرَيْرَةَ، وَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرارِيطَ كَثِيرَةٍ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>٤٤٩ - \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ اتِّخاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ </span>\"\n٥٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فِيهِ: \"لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ\nــ\nهريرة يقول: \" من تبع جنازة فله قيراط \" أي من خرج معها، وصلى عليها فقط كان له من الأجر قيراط، وهو مثل أحد، أما من صلى عليها وتبعها حتى يفرغ -أي حتى يُنتهى من دفنها- فله قيراطان كما في الرواية الأخرى، \" فقال: أكثر أبو هريرة \" وذلك لأنه ظن أنه قال ذلك باجتهاده، \" فصدّقت عائشة أبا هريرة \" ورفعت حديثه هذا إلى النبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" من تبع جنازة فله قيراط \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنّ من شيع الجنازة من بيتها وصلى عليه له قيراط، وكذلك من خرج معها ولم يصل عليها إلّا أن الأول قيراطه أكبر، ومن صلى عليها وتبعها إلى مثواها الأخير فله قيراطان.\nثانيًا: استدل به الحنفية على تفضيل المشي خلف الجنازة، لأن الاتباع هو المشي خلف الشيء، وذهب الجمهور إلى تفضيل المشي أمامها، حيث حملوا الاتباع على المرافقة والمصاحبة.\n٤٤٩ - \" باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور \"\n٥٢٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ -","vol":"2","page":392},{"text":"والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ\" قَالَتْ: وَلَوْلا ذَلِكَ لأبرزُوا قَبْرَهُ، غَيْرَ أنَّي أخْشَى انْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>٤٥٠ - \" بَابُ الصَّلَاةِ على النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتتْ في نِفَاسِهَا </span>\"\n٥٢٥ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى امْرأةٍ ماتَتْ في نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وسَطَهَا.\nــ\n\" قال في مرضه الذي مات فيه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \" أي دعا عليهم بالطرد من رحمة الله لأنهم بنوا المساجد على قبور أنبيائهم \" ولولا ذلك لأبرز قبره \" أي لكشف قبر النبي - ﷺ -، ولم يُتَّخذ عليه الحائل. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه - ﷺ - لعنهم لأنّهم اتخذوا القبور مساجد.\nويستفاد منه: أنه لا يجوز البناء على القبر لأنه - ﷺ - لعن اليهود والنصارى على فعله. قال الشيخ حبيب الله الشنقيطي في \" شرح زاد المسلم \": والحكمة فيه \" أنه ربما يصير بالتدريج شبيهًا بعبادة الأصنام \".\n٤٥٠ - \" باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها \"\n٥٢٥ - معنى الحديث: يقول سمرة بن جندب ﵁:\n\" صليت وراء النبي - ﷺ - على امرأة ماتت في نفاسها \" أي على امرأة حديثة العهد بالولادة، \" فقام - ﷺ - في وسطها \" أي فوقف منها حذاء وسطها.\nالحديث: أخرجه الشيخان.\nدل الحديث على ما يأتي: أولًا: قال العيني: فيه إثبات الصلاة على النفساء وإن كانت شهيدة، كما ترجم له البخاري. ثانيًا: مشروعية وقوف","vol":"2","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-494>٤٥١ - \" بَابُ قِراءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ </span>\"\n٥٢٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ لِيَعْلَمُوا أنهَا سُنَّةٌ.\nــ\nالإِمام عند الصلاة على المرأة حذاء وسطها، نفساء أو غير نفساء، وهو مذهب أحمد والشافعي، وقال الحنفية: يقوم بحذاء صدر الميت رجلًا أو امرأة إشارة إلى الشفاعة، لأن الصدر موضع الإِيمان، وقال مالك: يقوم عند منكبي الرجل ووسط المرأة، كما أفاده في \" الرسالة \" وقال أحمد والشافعي: يقف عند رأس الرجل وحذاء وسط المرأة (١). والمطابقة: في قوله: \" صليت وراء النبي - ﷺ - على امرأة ماتت في نفاسها \".\n٤٥١ - \" باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة \"\n٥٢٦ - معنى الحديث: \" أنه \" أي ابن عباس ﵄ \" صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب \" أي فقرأ في صلاته على الجنازة بفاتحة الكتاب \" وقال: ليعلموا أنّها سنة \" أي ليعلموا أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سنة ثابتة عن النبي - ﷺ -. وبهذا أصبح الحديث مرفوعًا، لأنّ المراد بالسنة هنا فعل النبي - ﷺ -، فكأنه قال: إنما قرأ ابن عباس بفاتحة الكتاب في صلاة الجنازة ليعلموا أن النبي - ﷺ - قرأ الفاتحة فيها. ولا شك أن الصحابي إذا قال فعل النبي - ﷺ - كذا فإنه حديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - وكذلك إذا قال: السنة كذا، وأراد منها فعل النبي - ﷺ -.\nفقه الحديث: دلّ الحديث على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة\n_________\n(١) ورواية عن أبي حنيفة ﵀ كما في \" الهداية \" أن يقوم الرجل بحذاء رأسه ومن المرأة بحذاء وسطها، لأن أنسًا ﵁ فعل ذلك، وقال: هو السنة اهـ.","vol":"2","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-495>٤٥٢ - \" بَابُ المَيِّتِ يَسْمَعُ خفْقَ النِّعَالِ </span>\"\n٥٢٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى، وَذَهَبَ أصْحَابُهُ حتى إِنَّهُ لَيَسمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أتَاهُ مَلَكَانِ فأقْعَدَاهُ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحمَّدٍ - ﷺ -؟ فَيَقُولُ: أشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللهِ\nــ\nبعد تكبيرة الإِحرام لقوله: \" ليعلموا أنّها سنة \" أي ليعلموا أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سنة ثابتة عن النبي - ﷺ -. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة ومالك: لا يقرأ فيها بالفاتحة، وإنما يقتصر فيها على الثناء على الله (١) والصلاة على نبيه - ﷺ - لقوله - ﷺ -: \" إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء \". والمطابقة: في قوله: \" صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب \". الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي.\n١٩١ - \" باب الميت يسمع خفق النعل \"\n٥٢٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" عن النبي - ﷺ - أنه قال: العبد إذا وضع في قبره، وتولى، وذهب أصحابه \" أي إذا دفن وبدأ أصحابه ينصرفون عنه، \" حتى إنه ليسمع قرع نعالهم \"، أي في ذلك الوقت الذي يسمع فيه صوت نعال المشيعين، وهي تضرب الأرض أثناء مشيهم، \" أتاه ملكان فأقعداه فيقولان \" أي جاءه ملكان، وهما منكر ونكير فيجلسانه فيقولان له: \" ما كنت تقول في هذا الرجل محمد - ﷺ - \" ولم يقولا ما تقول في هذا النبي أو غيره من ألفاظ التعظيم، لقصد امتحان\n_________\n(١) فيقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى له العزة والكبرياء والملك والقدرة والثناء.","vol":"2","page":395},{"text":"وَرَسُولُه، فَيُقَالُ: انْظر إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبدَلَكَ اللهُ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ -قَالَ النَّبِيُّ (ﷺ): فَيَراهُمَا جَمِيعًا، وأما الكَافِرُ أوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ: لا أدْرِي! كُنْتُ أقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطرقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ مَنْ يَلِيهِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ \".\nــ\nالمسؤول، ولكن يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت \" فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله \"، أي فيقول المؤمن الصادق الإيمان: أشهد أن هذا الرجل - الذي تشيرون إليه هو عبد الله ورسوله، فيشهد لمحمد بالرسالة، بتوفيق وتثبيت من الله تعالى، وذلك لأنه كان في دنياه مؤمنًا موقنًا برسالته - ﷺ - \" فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله مقعدًا من الجنة \" أي فيكشف الله له عن منزله في النار الذي أبدله به منزلًا في الجنة \" وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري \" (١) أي ما كنت في الدنيا أجزم بشيء فيما يتعلق برسالة محمد - ﷺ -، لأن الكافر كان ينكرها، والمنافق يشك فيها، ولم يعرف اليقين سبيلًا إلى قلبيهما. \" فيقال: لا دريت ولا تليت \" أي لا عرفت الحق بنفسك، ولا اتبعت أهل الحق في إيمانهم به، \" ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه \" لو ضرب بها جبل لصار ترابًا كما في الأحاديث الأخرى \" فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلاّ الثقلين \" أي يسمع صوت صيحته كل الخلائق (٢) إلا الأنس والجن وذلك رحمة بهم، وابقاءً على حياتهم، لأنهم لو سمعوها لصعقوا.\n_________\n(١) أي أقول ما يقول أهل الكفر: -وهذا حال الكافر- وأقول بلساني فقط دون القصد من قلبي: وهو حال أهل النفاق في الدنيا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.\n(٢) أي كل الخلائق الذين هم بالقرب منه.","vol":"2","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-496>٤٥٣ - \" بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ في الأرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أوْ نحْوِهَا </span>\"\n٥٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\"أرْسِلَ مَلَكُ الْمَوتِ إِلى مُوسَى ﵉، فَلمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجِعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أرْسَلْتَنِي إلَى عَبْدٍ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ، فَرَدَّ اللهُ لَهُ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ فَقلْ لَه يَضَعُ يَدَة عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدهُ بِكلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ قَالَ: أيْ رَبِّ! ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ، قَالَ:\nــ\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الميت يسمع خفق نعال الشيعين كما ترجم له البخاري. وقد عقد السيوطي في \" شرح الصدور \" بابًا مستقلًا قال فيه: باب معرفة الميت من يغسله ويجهزه، وسماعه ما يقال فيه، وما يقال له، وأورد فيه الأحاديث المتعلقة بذلك. ثانيًا: إثبات عذاب القبر، وهو مذهب أهل السنة خلافًا لبعض المعتزلة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" حتى إنه ليسمع قرع نعالهم \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود وابن ماجة.\n٤٥٣ - \" باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها \"\nأي هذا باب يذكر فيه من أحب أن يدفن في بيت المقدس اقتداءً بموسى ﵊، كما أفاده القسطلاني والعيني.\n٥٢٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" أرسل ملك الموت إلى موسى \" أي أرسل إليه ليقبض روحه، \" فلما جاءه صكه \" أي ضربه على عينه ضربة عنيفة فقلعها، ولكن ملك الموت لم يتأثر بذلك لأن هذه العين التي اقتلعها عين صورية بمنزلة اللباس الذي يلبسه الشخص، وإنما لطمه لأنه لم يعرفه، أو أقدم على قبض روحه دون تخييره، والأنبياء","vol":"2","page":397},{"text":"فَالآنَ، فَسَألَ اللهَ أنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جَانِبِ الطرَّيقِ عِنْدَ الكَثِيْبِ الأحْمَرِ\".\nــ\nيخيّرون قبل موتهم، \" فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله له عينه قال: ارجع فقل له: يضع يده على متن ثور \" أي على ظهر ثور \" فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت \" أي ثم لا بد من الموت، لأنه مصير كل حي، \" قال: فالآن \" أي ما دام الموت هو النهاية المحتومة التي لا مفرّ منها، فتوفني إليك الآن.\n\" فسأل الله أن يدنيه \" أي يقربه \" من الأرض المقدسة \"، وهي بيت المقدس \" رمية بحجر \" قال العيني: أي سأل الله تعالى الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه، دنوًا لو رمى رام الحجر من ذلك الموضع الذي هو الآن موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس \" قال رسول الله - ﷺ - فلو كنتُ ثَمّ \" أي لو كنت موجودًا هناك \" لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر \" أي عند الرمل الأحمر المجتمع هناك. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة \".\nفقه الحديث: دل الحديث على فضل الدفن في الأرض - المقدسة، وأنه أمنية الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين، حيث سأل موسى ربه أن يدنيه من بيت المقدس رمية بحجر. وكان الفاروق ﵁ يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتًا في بلد نبيك - ﷺ -، وقد حقق الله أمنيته فاستشهد في محراب رسول الله - ﷺ - بالمدينة، وجمع الله له بين الحسنيين ﵁ وأرضاه.","vol":"2","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>٤٥٤ - \" بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ </span>\"\n٥٢٩ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أحُدٍ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أيّهُمْ أكْثَرُ أخذًا لِلْقُرآنِ، فَإِذا أشِيرَ لَهُ إلى أحَدِهِمَا قَدَّمه في اللَّحْدِ، وَقَالَ: أبردا شَهِيدٌ على هَؤُلاءِ يَومَ الْقِيَامَةِ، وَأمَرَ بِدَفْنِهِم في دِمَائِهِم وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ \".\nــ\n٤٥٤ - \" باب الصلاة على الشهيد \"\n٥٢٩ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - ويجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد \" أي يلفهما في ثوب واحدٍ ويفصل بينهما بالإذخر، \" ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن \"، أي ثم يسأل - ﷺ - عن أكثرهم حفظًا للقرآن وعلمًا به، \" فإذا أشير إليه \" أي فإذا أشار الصحابة إلى أكثرهما حفظًا \" قدمه في اللحد \" على غيره تكريمًا للقرآن وأهله، \" وأمر بدفنهم في دمائهم، لم يغسّلوا ولم يصلّ عليهم \"، أي بدون غسل ولا صلاة. الحديث: أخرجه أصحاب السنن أيضًا.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الشهيد لا يغسل ولا يصلّى عليه، وهو مذهب المالكية والشافعية (١) وقال أبو حنيفة: يصلى عليه، ولا يغسل، وقال أحمد: لا يغسل إلاّ إذا كان جنبًا لقوله - ﷺ - في حنظلة وقد قتل يوم أحد: \" ما شأن حنظلة؟ فإني رأيت الملائكة تغسله \". وذلك لأنه جامع أهله وخرج إلى المعركة فاستشهد فغسلته الملائكة ولا يصلّى عليه في أصح الروايتين عند أحمد. ثانيًا: جواز الجمع بين عدة أموات في ثوب واحد وقبر واحد، وهو مذهب الجمهور. والمطابقة: في قوله: \" ولم يغسلوا ولم يصل عليهم \".\n_________\n(١) \" الإفصاح \" لابن هبيرة الحنبلي.","vol":"2","page":399},{"text":"٥٣٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ﵁:\n\" أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًَا فَصَلَّى عَلَى أهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المِنْبَرِ فَقَالَ: \" إِني فَرَط لَكُمْ وإِنى شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وإنِّي وَاللهِ لأنْظر إلى حَوْضِي الآنَ، وِإنِّى أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأرْض أوْ مَفَاتِيحَ الأرْض، وِإنِّي وَاللهِ مَا أخَافُ عَلَيْكُمْ أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ أنْ تَنَافَسُوا فِيهَا \".\nــ\n٥٣٠ - معنى الحديث: يحدثنا عقبة بن عامر \" أن النبي - ﷺ - خرج يومًا فصلّى على أهل أحد صلاته على الميت \"، أي صلّى عليهم صلاة الجنازة كما يصلي على غيرهم من الموتى العاديين، \" ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم \" أي: سابقكم وأول واردٍ منكم على الحوض يوم القيامة، \" وأنا شهيد عليكم \"، أي وأنا شهيد لكم يوم القيامة بالشهادة في سبيل الله، \" وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض \" أشار بذلك - ﷺ - إلى اتساع الدولة الإِسلامية، وكثرة فتوحاتها، وتدفق الأموال عليها، لأنّ من فتح بلدًا فكأنما تسلم مفاتيح خزائنه، وامتلك ثرواته وأمواله، \" ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها \" أي ولكنني أخشى أن يحملكم التنافس على المال والجاه على التنازع فيما بينكم فيودي بكم ذلك إلى العداوة والبغضاء والتقاتل على الدنيا وخيراتها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الصلاة على الشهيد وهو مذهب أبي حنيفة خلافًا للجمهور، لقوله في الحديث: \" خرج - ﷺ - يومًا فصلى على أهل أحد صلاته على الميت \". ثانيًا: التحذير من إقبال الدنيا وفتنتها ومخاطرها، وسيأتي بيان ذلك في موضعه. والمطابقة: في قوله: في قول عقبة ﵁: \" خرج يومًا فصلّى على أهل أحد \".","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>٤٥٥ - \" بَابُ ثَنَاءِ النَّاسُ على المَيِّتِ </span>\"\n٥٣١ - عنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:\nأن النَّبِيَّ - ﷺقَالَ: \" أيَّمَا مُسْلِم شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللهِ الْجَنَّةَ \"، فَقُلْنَا: وثلاَثةٌ، قَال: \" وَثَلاثةٌ \"، فَقُلْنَا: واثْنَانِ، قَالَ: \" واثْنَانِ \" وَلَمْ نَسْأَلهُ عَنِ الْوَاحِدِ \".\nــ\n٤٥٥ - \" باب ثناء الناس على الميت \"\n٥٣١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة \"، يعني أن أي إنسان مات على الإِسلام وأثنى عليه أربعة من المسلمين بما يعرفونه عنه من الأعمال الصالحة التي كان يفعلها في حياته وزكّوه بالصلاح الذي يعلمونه عنه دون مداراة أو مجاملة، فإنه يرجى له الجنة، لأن عمله الصالح بشير سعادته إن شاء الله. فالمراد بالشهادة له الثناء عليه بالخير الذي يعلمونه عنه، كما فسره به البخاري، بدليل ما جاء في رواية أنس ﵁ أنه قال: \" مرُّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال: وجبت، ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت، قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض \" أخرجه البخاري. فإن هذا الحديث يدل على أن الشهادة للميت معناها الثناء عليه بالخير، وهي في معنى التزكية، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وليس المراد بقوله: \" شهد له أربعة بخير \" الشهادة له بدخول الجنة والنجاة من النار، فإن هذا غيبٌ لا يجوز الشهادة به لأحد، إلاّ لمن شهد لهم النبي - ﷺ - بالجنة، لأن النبي - ﷺ - نهى عن القطع لأحد بالجنة أو النار، بدليل ما جاء","vol":"2","page":401},{"text":"في الحديث الصحيح عن أم العلاء امرأة من الأنصار، أنه لما توفي عثمان بن مظعون، وغُسِّلَ وكفن في أثوابه، دخل رسول الله - ﷺ - قالت: فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله -أي لقد أكرمك الله بالجنة- فقال النبي - ﷺ -: \" وما يدريك أن الله أكرمه، أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي \". قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا \" أخرجه البخاري والنسائي \" فقلنا: وثلاثة؟ فقال: وثلاثة، فقلنا: واثنان، قال: واثنان \"، معناه وكذلك إذا شهد له ثلاثة، أو اثنان، فإنه ترجى له الجنة. \" ثم لم نسأله عن الواحد \" أي فلا ندري هل يكفي أم لا. الحديث: أخرجه الترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الثناء على الميت المسلم بما يعلم عنه من الصلاح والخير، وحسن السلوك في حياته، وأن من أثنى عليه اثنان فصاعدًا بالاستقامة على الأعمال الصالحة في دنياه، فإنه يرجى له الخير في الدار الآخرة، إن شاء الله، كما يرجى له الفوز بالجنة والنجاة من النار، وذلك لقوله - ﷺ -: \"وجبت له الجنة \". وليس المراد من الشهادة له أن نشهد له بالجنة، فإن هذا لا يجوز إلاّ لمن شهد له - ﷺ - بالجنة كما تقدم لنا في شرح الحديث. ثانيًا: أن المعتبر في الثناء على الميت ثناء أهل الفضمل والصدق، لما جاء في الشهادات: المؤمنون شهداء الله في الأرض.\nقال القسطلاني: فالمراد المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم في الإيمان، فالمعتبر شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة، لأنهم قد يثنون على من كان مثلهم. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة \"، فإن المراد به أن الثناء على الميت يبشر بالخير وهو ما ترجم له البخاري.","vol":"2","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-499>٤٥٦ - \" بَابُ ما جَاءَ في عَذَابِ الْقَبْرِ </span>\"\n٥٣٢ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فذكَرَتْ عذابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أعاذَكِ اللهُ من عذَابِ الْقَبْرِ، فسألَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عن عَذَابِ الْقَبْرِ، فَقَالَ: \" نَعَمْ عَذَابُ القبْرِ \" قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعدُ صَلَّى صَلَاةً إلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.\nــ\n٤٥٦ - \" باب ما جاء في عذاب القبر \"\n٥٣٢ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث \" أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر \" وفي رواية أبي وائل عن مروان عن عائشة ﵂: \" دخلت عجوزان من يهود المدينة فقالتا إن أهل القبور يعذبون في قبورهم \"، قال الحافظ: وهو محمول على أن إحداهما تكلّمت وأقرّتها الأخرى، قال: ولم أقف على اسم واحدة منهما. قالت عائشة في هذه الرواية فكذبتهما، وإنما كذبتهما لأنّها لم تسمع من النبي - ﷺ - ما يثبت ذلك، \" فسألت عائشة رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر \" هل هو حق أم لا، \" فقال: نعم عذاب القبر \" أي نعم عذاب القبر للكفار والمنافقين والعصاة حق ثابت لا شك فيه، كما جاء في رواية أخرى \" أن النبي - ﷺ - أجابها بقوله: \"عذاب القبر حق\"، وقد جاء ذلك مبينًا ومفصلًا في الأحاديث الصحيحة وسيأتي إيضاحه فيما يستفاد من الحديث. \" قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر \"، أي فكان بعد ذلك لا يصلّي صلاة فرضًا أو نفلًا إلَّا تعوذ في آخرها بعد التشهد من عذاب القبر.","vol":"2","page":403},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات عذاب القبر للكفار والمنافقين والعصاة، وكونه حقيقة ثابتة، وقضية معروفة مسلم بها في جميع الأديان السماوية، بدليل أن اليهودية ذكرته لعائشة، وأخبرتها عنه.\nوقد تكاثرت فيه الأحاديث والأخبار الصحيحة. فروي عن عائشة ﵂ \" أن النبي - ﷺ - قال: \" إن أهل القبور يعذّبون في قبورهم عذابًا تسمعه البهائم \" أخرجه الشيخان وابن أبي شيبة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينًا يلدغه حتى تقوم الساعة \" أخرجه أحمد وأبو يعلى (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: \" المؤمن في قبره في روضة ويرحب له قبرُه سبعون ذراعًا، وبنور له كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنّه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا ينفخون في جسمه ويلسعونه، ويخدشونه إلى يوم القيامة \" أخرجه أبو يعلى (٢). وعن يعلى بن مرة قال: \" مررت مع النبي على مقابر، فسمعت ضغطة في قبر فقلت: يا رسول الله سمعت ضغطة في قبر، قال: وسمعت يا يعلى: قلت: نعم، قال: فإنه يعذب في يسير من الأمر، قلت: وما هو؟ قال: كان يمشي بين الناس بالنميمة، وكان لا يتنزّه عن البول \" أخرجه البيهقي في \" دلائل النبوة \". وعن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: \" أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه أفاق، فقال: علام جلدتموني، قالوا: إنك صليت بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره \" أخرجه أبو الشيخ (٣) وعن أبي سعيد الخدري في حديث طويل جاء فيه: \"وإذا دفن\n_________\n(١) قال الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٣/ ٥٥) وأبو يعلى موقوفًا، وفيه دراج، وفيه كلام، وقد وثق (ع).\n(٢) انظر \" مجمع الزوائد \" (٣/ ٥٥) في سنده دراج أبو السمح، وهو صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعيف (ع)\n(٣) \" شرح الصدور للسيوطي \".","vol":"2","page":404},{"text":"العبد الفاجر أو الكافر يقول القبر له: لا مرحبًا ولا أهلًا، أما إنك كنت لمن أبغض من يمشي على ظهري إليّ، فإذ وُلِّيتُكَ اليوم، وصرت إلي فسترى صنيعي بك، فيلتئم عليه، حتى تلتقي وتختلف أضلاعه، وقال - ﷺ - بأصابع يديه فشبكهما: ثم يُقَيَّض له تسعون تنينًا، أو قال: تسعة وتسعون، لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا، فتنهشه وتخدشه حتى يبعث إلى الحساب، والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار \" (١). فهذه الأحاديث كلها أثبتت عذاب القبر للكافر والعاصي. وقد كثرت الأحاديث في عذاب القبر حتى قال غير واحد: إنها متواترة، ولا يصح عليها التواطؤ (٢). وقال ابن القيم (٣): عذاب القبر قسمان: دائمٌ، وهو عذاب الكفار وبعض العصاة. ومنقطع وهو عذاب من خفت جرائمهم من العصاة، فإنه يعذب بحسب جريمته، ثم يرفع عنه، وقد يرفع عنه بدعاء أو صدقة ونحو ذلك. اهـ. قال العلماء (٤): عذاب القبر هو عذاب البرزخ، أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت إذا أراد الله تعذيبه نَالَهُ ما أراد به، قُبِرَ أو يُقْبَر، ولو صلب. أو غرّق في البحر، أو أكلته الدواب، ْأو أحرق حتى صار رمادًا أو ذري في الريح، ومحله الروح والبدن جميعًا، باتفاق أهل السنة، وكذا القول في النعيم، كما أفاده السيوطي. ثانيًا: أنه يستحب التعوذ من عذاب القبر في آخر كل صلاة بعد التشهد، وقبل السلام، لقول عائشة ﵂ في حديث الباب: \" فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعدُ صلّى صلاةً إلاّ تعوذ من عذاب القبر \". أمّا الصيغة المأثورة في ذلك فهي كما جاء في حديث عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - يدعو:\n_________\n(١) \" جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد \" ج ١.\n(٢) \" شرح القسطلاني على البخاري \" ج ٢.\n(٣) \" شرح الصدور، للسيوطي.\n(٤) أيضًا \" شرح الصدور \" للسيوطي.","vol":"2","page":405},{"text":"٥٣٣ - عن أسمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ:\n\" قَامَ فينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَطِيبًا، فذكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِْ التي يُفتَتَنُ بِهَا المَرْءُ، فلَما ذَكَرَ ذَلكَ ضَج الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً \".\nــ\n\" اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال \" أخرجه الشيخان. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" نعم عذاب القبر \".\n٥٣٣ - معنى الحديث: تقول أسماء بنت أو بكر ﵂: \" قام فينا رسول الله - ﷺ - خطيبًا، فذكر فتنة القبر \"، يعني وقف رسول الله - ﷺ - يومًا يخطب في الناس ويعظهم ويذكرهم الدّار الآخرة، حتى تطرّق إلى القبر وأحواله، وذكر فتنة القبر، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين منكر ونكير للعبد عن ربه ونبيّه ودينه وسمي بذلك لأنه فتنة عظيمة يختبر بها إيمان العبد ويقينه، فمن وفق في هذا الاختبار فاز، ومن فشل هلك. قالت: \" فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة \" أي صاحوا صيحة عظيمة هلعًا وخوفًا من فتنة القبر. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على إثبات سؤال الملكين للعبد في قبره، وقد سمّاه النبي - ﷺ - فتنة \" لما ذكرناه في شرح الحديث \" ودل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ)، أي ويثبتهم عند سؤال الملكين، ويوفقهم إلى الجواب الصحيح ويكون السؤال لكل ميت مسلمًا كان أو كافرًا، طائعًا أو عاصيًا. قال ابن القيم: وفي الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ) قلت: ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها ما روي","vol":"2","page":406},{"text":"عن جابر ﵁ مرفوعًا: \" إذا وضع العبد في قبره أتاه ملكان فانتهراه، فقام يهب كما يهب النائم فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: الله ربي، والإسلام، ديني، ومحمد نبيي، فينادى منادٍ أن قد صدق فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، يقول: دعوني أخبر أهلي، فيقال له: اسكن \".\nأخرجه البيهقي. وفي رواية عن أنس ﵁: \" فإن كان كافرًا يقولان: من ربك قال: لا أدرى. قالا: من نبيك قال: لا أدرى قالا: من إمامك؟ قال: لا أدري، فيضربانه بعمود ضربة حتى يلتهب عليه القبر نارًا ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه \" أخرجه الديلمي. قال القسطلاني: وهل يسأل الطفل، الذي لا يميّز، جزم القرطبي في \" تذكرته \" أنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم به غير واحد من الشافعية. وقد صح أن المرابط في سبيل الله لا يفتتن، كما في حديث مسلم وغيره، وكذلك شهيد المعركة، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي وقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله، راجيًا صدق موعوده، لحديث البخاري والنسائي عن عائشة مرفوعًا: \" فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لا يصيبه إلاّ ما قد كتبه الله له إلاّ كان له مثل أجر شهيد \" ووجه الدليل أن الصابر في الطاعون نظير المرابط في سبيل الله، وقد صح أن المرابط لا يفتتن. والصحيح الذي رجحه ابن القيم أن سؤال القبر لا يختص بهذه الأمّة، وإنما هو لجميع الأمم، لأنه ليس في الأحاديث الصحيحة ما يقتضي ذلك. ولا شك أن سؤال القبر عذاب للكافر والمنافق، لأنهما إذا سئلا ولم يجيبا عُذِّبا أشد العذاب، وضربا بمطارق من حديد، كما في الحديث عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" وأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدرى، كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطارق من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين \". أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" فذكر فتنة القبر \"، أي سؤال الملكين.","vol":"2","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-500>٤٥٧ - \" بَابُ ما يُنْهى عنْ سَبِّ الأمْوَاتِ </span>\"\n٥٣٤ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لا تَسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهُمْ قد أفْضَوْا إلى ما قَدَّمُوا \".\nــ\nلأن هذا السؤال عذاب للكافر والمنافق.\n٤٥٧ - \" باب ما ينهي عن سب الأموات \"\n٥٣٤ - معنى الحديث: تحدثنا السيدة عائشة ﵂ في هذا الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا تسبوا الأموات \"، أي أن النبي - ﷺ - نهى عن سب أموات المسلمين نهيًا صريحًا، وذلك لأن أعراض المسلمين مصانة في الحياة وبعد الممات لعموم قوله - ﷺ -: \" كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه \"، بل إن عرض الميت أولى بالحرمة والصيانة لعجزه عن الدفاع عن نفسه، فالله يدافع عنه، \" فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا \" بفتح الهمزة من الإفضاء وهو الوصول إلى الشيء. أي ليس هناك أي مبرر لسبّهم، وإن أساءوا في حياتهم، لأنهم قد وصلوا إلى الجزاء العادل على أعمالهم إن كانت خيرًا أو شرًا، وانتهوا إلى أحكم الحاكمين، ولستم مسؤولين عن أعمالهم حتى تسبوهم بعد موتهم (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). الحديث: أخرجه أبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دلَ الحديث على تحريم سب أموات المسلمين، لأن عرض المسلم حرام حيًا كان أو ميتًا، وإذا كانت غيبة الحي حرام، فالميت أولى.\nومن أدب الإِسلام أن نشيد بمحاسن الميت، ونكف عن مساويه، ففي الحديث عن ابن عمر ﵄: \" اذكروا محاسن موتاكم، وكفّوا عن مساويهم \"، أخرجه الترمذي وأبو داود. وأما الكافر فلا حرج من ذكر مساويه ما لم يتأذّ بذلك المسلم، لقوله - ﷺ - لما سبّ أحد الأنصار عبد المطلب: \" لا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءنا \"، أخرجه النسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لا تسبوا الأموات \".","vol":"2","page":408},{"text":"منار القاري\nشرح مختصر\nصحيح البخاري\nتأليف حمزة محمد قاسم\nراجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط\nعني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون\nالجزء الثالث\nمكتبة دار البيان\nص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥\nدمشق - الجمهورية العربية السورية\nمكتبة المؤيد\nص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١\nالطائف - المملكة العربية السعودية","vol":"3","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nبيروت\n١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م","vol":"3","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-501> كتاب الزكاة </span>\"\nالزكاة لغة: كما قال الراغب (١): النمو الحاصل عنِ بركة الله تعالى، يقال زكا الزرع إذا حصل فيه نمو وبركة. وتطلق أيضًا على الطهارة، وزكاة النفس: تطهيرها، وتنسب إلى النبي - ﷺ - كما في قوله تعالى: (وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) لكونه تسبب في تطهير نفوسهم، وتنمية أموالهم بما شرعه لهم من الزكاة المفروضة. والزكاة شرعًا: اسم لما يخرجه الإنسان من حق (٢) مالي لله تعالى في زمن مخصوص على وجه مخصوص. وسميت زكاةً لما فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس، وتطهيرها من الآثام، والأمراض النفسية من شح وبخل وشره.\nشرعت في السنة الثانية من الهجرة. بعد زكاة الفطر. وهي خمسة أنواع: زكاة الحرث، وزكاة النقد، وزكاة الماشية، وزكاة التجارة، وزكاة الفطر.\nوالحكمة فيها: تطهير النفس، والتسامي بها، وتحريرها من الشحِ، وتمكينها من السيطرة على غريزة الحرص والشح الموجودة في البشر جميعًا. ومن ثَمَّ كان أفضل الصدقة ما يخرجه العبد أثناء صحته، عندما تكون هذه الغريزة في أقوى عنفوانها وسلطانها، كما يشير إليه قوله - ﷺ - عندما سئل أي الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: \" أن تَصَّدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى \" أخرجه الشيخان والنسائي، أي إن أفضل الصدقة ما كافح به الإِنسان\n_________\n(١) \" مفردات القرآن \" للراغب.\n(٢) \" فقه السنة \" لسيد سابق.","vol":"3","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>٤٥٨ - \" بَابُ وُجُوبِ الزَكَاةِ </span>\"\n٥٣٥ - عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا إلى الْيَمَنِ فَقَالَ: \" ادعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإن هُمْ أطاعُوا لِذَلِكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَوْم وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فأعْلِمْهُمْ أن اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً في أمْوَالِهِمْ تُؤخَذُ مِنْ أغنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ \".\nــ\nغريزة الشح في نفسه. أضف إلى ذلك ما تؤدي إليه الزكاة وتحققه من تضامن اجتماعي، فإن كل مجتمع تؤدى فيه الزكاة على وجهها الصحيع هو مجتمع تربط بين أفراده أواصر المودة والمحبة والرحمة، ولهذا فإنه يكون جديرًا برحمة الله وإفاضة نعمه عليه، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ). ولا شك أن في إخراج الزكاة مواساة للفقراء، وتطيبًا لنفوسهم، وكسبًا لمودتهم، وإزالةً للأحقاد من نفوسهم.\n٤٥٨ - \" باب وجوب الزكاة \"\n٥٣٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أن النبي - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن \"، أي أرسله سنة عشر من الهجرة قبل حجة الوداع واليًا أو قاضيًا، \" فقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله \"، أي: ادعهم قبل كل شيء إلى الإِقرار بوحدانية الله تعالى ورسالة نبيه محمد - ﷺ -، لأنه الشرط الأول في قبول الأعمال، وصحة جميع العبادات الشرعية، \" فإن هم أطاعوا لذلك \"، أي فإذا أقّروا بتوحيد الله ورسالة نبيّه - ﷺ - \" فأعلمهم أنّ الله افترض فعليهم خمس صلوات في اليوم والليلة \"، أي فأخبرهم أن الله","vol":"3","page":4},{"text":"٥٣٦ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن أعرابِيًَّا أتى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ: قَالَ: \"تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ به شَيْئًَا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المَكْتُوبَة،\nــ\nقد أوجب عليهم هذه الصلوات الخمس، وكتبها عليهم كل يوم وليلة، \" فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم \"، أي تؤخذ من كل فرد يملك النصاب الشرعي، \" وترد على فقرائهم \"، أي وتصرف على فقراء بلدتهم.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب الزكاة، وكونها ركنًا من أركان الإِسلام، لقوله - ﷺ -: \" فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة \"، وهذه الصدقة هي الزكاة، فمن جحدها قتل كافرًا، إلاّ أن يكون حديث عهد بالإِسلام، ومن امتنع عن دفعها ولم يجحدها فهو فاسق، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرًا مع تعزيره، وليس له أن يأخذ من ماله زيادة عليها، خلافًا لأحمد والشافعي في القديم حيث قالا: يأخذها ونصف ماله.\nثانيًا: أن الزكاة تجب على كل مسلم غني، وهو من يملك النصاب الشرعي، واتفقوا على أنّها تجب بخمسة شروط: الإِسلام، والغنى (وهو امتلاك النصاب)، والحرية، واستقرار الملك، وتمام الحول. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقةً \".\n٥٣٦ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة في حديثه هذا: \" أن أعرابيًا \" أي رجلًا من البادية، \" أتى النبي - ﷺ - فقال: دلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنة \"، أي دلّنى على عمل يترتب عليه دخول الجنة والنجاة من النار، فأجابه النبي - ﷺ - بأن دخول الجنة والنجاة من النار يتوقفان على أداء أركان الإِسلام حيث قال: \" تعبد الله لا تشرك به شيئًا \" وهو معنى","vol":"3","page":5},{"text":"وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ\" قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَا أزِيدُ عَلَى هَذَا. فَلَمّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظرُ إلى رَجُلٍ مِنْ أهْلٍ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظر إِلَى هَذَا \".\nــ\nشهادة أن لا إله إلاّ الله، التي هي الركن الأول من أركان الإِسلام، لأن معناها: لا معبود بحق إلاّ الله، ومقتضاها إفراد الله بالعبادة، وذلك بعبادة الله وحده، وأن لا تشرك به شيئًا \" وتقيم الصلاة المكتوبة \"، أي وتقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله وأوجبها على عباده في كل يوم وليلة \" وتؤدي الزكاة المفروضة \"، أي وتعطي الزكاة الشرعية التي أوجبها الله عليك، وتدفعها لمستحقها، وهو موضع الترجمة، \" وتصوم رمضان \"، أي وتحافظ على صيام رمضان في وقته. \" قال والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا \" أي لا أزيد على العمل المفروض الذي سمعته منك شيئًا من الطاعات، وزاد مسلم \" ولا أنقص منه \" \" فلما ولى قال النبي - ﷺ -: \" من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فينظر إلى هذا \"، أي فلينظر إلى هذا الأعرابي فإنه سوف يكون من أهل الجنة إن داوم على فعل ما أمرته به، لقوله في حديث أبي أيوب \" إن تمسك بما أمر به دخل الجنة \" أخرجه مسلم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان بعض أركان الإِسلام، وهي التوحيد والصلاة، والزكاة، والصوم، ولم يذكر الحج مع أنه الركن الخامس من أركان الإِسلام، لأنه لم يكن شرع بعد. ثانيًا: بيان مشروعية الزكاة ووجوبها وأنها ركن من أركان الدين الحنيف، لقوله - ﷺ -: \" وتؤدي الزكاة المفروضة \". ثالثًا: قال القسطلاني (١): فيه أن المبشر بالجنة أكثر من العشرة كما ورد النص في الحسن والحسين ﵄ وأمهما\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني على البخاري \" ج ٣.","vol":"3","page":6},{"text":"٥٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال:\nلما تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وكان أبو بَكْرٍ، وكفَرَ من كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فقال عُمَرُ: كيف تُقاتِلُ النَّاسَ وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أُمِرْتُ أن أقَاتِلَ النَّاسَ حتى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فمن قالَهَا فقدْ عَصَمَ منِّي مَالَهُ ونَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ على اللهِ تَعالى \" فَقَالَ: وَاللهِ لأقَاتِلَنَّ من فَرَّقَ\nــ\n﵂، وأمهات المؤمنين، فتحمل بشارة العشرة بأنهم بشروا دفعة واحدة، أو بلفظ بشره بالجنة، أو أن العدد لا ينفى الزائد. رابعًا: قال القرطبي (١): لا يقال إن مفهوم الحديث يدل على ترك التطوعات، أي النوافل، لأنا نقول لعلّ أصحاب هذه القصص كانوا حديثي عهد بالإِسلام فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم في تلك الحالة، لئلا يثقل عليهم فيملوا، فإذا انشرحت صدورهم للفهم عنه، والحرص على ثواب المندوبات، سهلت عليهم. والمطابقة: في قوله: \" وتؤدي الزكاة الفروضة \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٥٣٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة في هذا الحديث أنه: \" لما ْتوفي رسول الله - ﷺ - وكان أبو بكر \"، أي لما توفي النبي - ﷺ - وصار أبو بكر خليفة المسلمين \" وكفر من كفر من العرب \"، أي وارتد العرب عن الإِسلام، فبعضهم ادعى النبوة كبني حنيفة وأسد وغطفان، وبعضهم ترك الصلاة ومنع الزكاة، وبعضهم ترك الزكاة متأوّلًا أنها كانت واجبة في حياة النبي - ﷺ -، ولم يثبت على الإِسلام والطاعة سوى أهل مكة والمدينة والطائف وأسلم وغفار ومزينة وأشجع وهوزان وأهل صنعاء، فلما فعلوا ذلك عزم أبو بكر على قتالهم، \" فقال عمر: \" منكرًا عليه العزم على قتالهم: \"كيف\n_________\n(١) أيضًا \" شرح القسطلاني \" ج ٣.","vol":"3","page":7},{"text":"بَيْنَ الصَّلَاةِ والزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزكاةَ حَقّ المَالِ واللهِ لوْ مَنَعُونِي عنَاقًا كانوا يُؤَدُّونَهَا إلى رسُولِ اللهِ - ﷺ - لقاتَلْتُهُمْ على مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ فَواللهِ مَا هُوَ إلَّا أنْ قَدْ شَرحَ اللهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقّ.\nــ\nتقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلاّ بحقه؟ \" وهذا استفهام إنكاري معناه النفي أي: لا يجوز لك مقاتلة مانعي الزكاة بعد نطقهم بكلمة التوحيد، وقد جعلها النبي - ﷺ - سببًا في عصمة الدماء والأموال، فلا يقتل من قالها إلاّ في حق من الحقوق الشرعية \" وحسابه على الله \"، أي وحسابه على سريرته التي يضمرها في قلبه، إنما هي لله وحده، فهو الذي يجازيه على ما يخفيه في قلبه من كفر وإيمان، لأنه هو المطلع عليه وحده. أما نحن فإنا نحكم بإسلامه أو كفره بما يبدو لنا من ظاهره، والله أعلم بسريرته، \" فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة \" أي أقسم بالله تعالى لأقاتلن من فرق بين حكمهما، فقال الصلاة واجبة والزكاة غير واجبة، لأن وجوب الزكاة معلومٌ من الدين بالضرورة. ومن أنكر شيئًا معلومًا من الدين \" بالضرورة فإنه يقاتلِ. \" فإن الزكاة حق المال \"، كما أن الصلاة حق البدن، فمن أنكرها أنكر حقًا من حقوق الإِسلام يقاتل عليه كما يقاتل على الصلاة. \" والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها لقاتلتهم كل منعها \"، أي أقسم بالله لو منعوني أنثى من المعز كانوا يعطونها زكاةً في عهد النبي - ﷺ - لقاتلتهم على منعها \" فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق \" أي فعلمت أنه الحكم الشرعي الصحيح الثابت بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الزكاة حق المال","vol":"3","page":8},{"text":"كما أن الصلاة حق البدن، فهما عبادتان إسلاميتان واجبتان من أركان الإِسلام، فالصلاة عبادة بدنية والزكاة عبادة مالية وحكمهما واحد. ثانيًا: كما أفاده في \" كشف الشبهات \" (١) أن الرجل إذا أظهر الإِسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وهو مصداق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا). فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإِسلام قتل، وكذلك هذا الحديث وأمثاله. والدليل على هذا أن رسول الله - ﷺ - قال في الخوارج: \" أينما لقيتموهم فاقتلوهم \" أخرجه البخاري فلم تنفعهم (لا إله إلا الله) ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإِسلام لما ظهر منهم من مخالفة الشريعة، اهـ. ثالثًا: قال القشيري: أجمع العلماء على أن من منع الزكاة منكرًا لوجوبها تؤخذ منه قهرًا فإن نصب الحرب دونها قتل كما فعل أبو بكر بأهل الردة ووافق على ذلك جمع من الصحابة. ولا يشترط فيها البلوغ، ولا العقل خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا زكاة على مجنون ولا صبي. ثم إنه لا يجوز نقل الزكاة من بلدة المزكي إلى بلدة أخرى لقوله - ﷺ -: \" تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم \" \" ويستثنى من ذلك \" باتفاق أهل العلم ما إذا استغنى عنها أهل بلدها واختلفوا فيما عدا ذلك. فقال أبو حنيفة: يجوز نقلها لقرابة محتاجين إليها. وقالت الشافعية: إلّا إذا فقد من يستحقها في البلد. وقال مالك: يجوز نقلها إذا وقع في البلد الأخرى حاجة لها، قال: وذلك راجع إلى نظر الإمام واجتهاده. قال في تيسير العلام (٢): والصحيح جواز نقلها سيّما مع المصلحة، بأن يكون له أقارب فقراء في غير بلده، أو إعانة على جهاد أو علم. قال: وكان النبي - ﷺ - يبعث عماله على الصدقة فيأتون بها المدينة ليفرقها فيها، وهي إحدى الروايات عن الإِمام أحمد، والمشهور من مذهبه الأوّل. الحديث: أخرجه\n_________\n(١) لشيخ الإِسلام محمد بن عبد الوهاب.\n(٢) \" تيسير العلام \" ج ١.","vol":"3","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-503>٤٥٩ - \" بَابُ إِثْمَ مَانِعَ الزكَاةِ </span>\"\n٥٣٨ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤدِّ زكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يأخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنَا مَالُكَ أنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا (لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) الآيَةَ.\nــ\nالشيخان وأبو داود، والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فأعلِمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة \"، والله أعلم.\n٤٥٩ - \" باب إثم مانع الزكاة \"\n٥٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من آتاه الله مالًا \" أي من أعطاه الله مالًا بلغ النصاب الشرعي الذي تجب فيه الزكاة، \" فلم يؤد زكاته \"، أي فلم يخرج زكاته، \" مُثل له يوم القيامة شجاع أقرع \"، أي صُوِّر له ماله الذي بخل به، ولم يؤدّ زكاته بصورة ثعبان سامّ، أبيض الرأس.\nوهو من أخطر الثعابين، لأنه كلما كثر سم الثعبان ابيض رأسه، كما أفاده الفاكهي، \" له زبيبتان \" أي فوق عينيه نقطتان سوداوان، وهو من أخبث الحيات \" يطوقه \" (١) أي يهجم عليه ويلتف حول عنقه \" ثم يأخذ بلهزمتيه (٢) يعني بشدقيه \" أي يمسك بجانبي فمه ويعضهما، ويفرغ سمه فيهما، \" ثم تلا (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ\n_________\n(١) بضم أوّله، وفتح الواو المشددة، أي يصير له الثعبان طوقًا، كما أفاده الحافظ.\n(٢) بكسر اللام والزاى، كما أفاده الحافظ.","vol":"3","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>٤٦٠ - \" بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طيِّبٍ </span>\"\n٥٣٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمرَةٍْ مِنْ كَسْب طيَبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إلَّا الطيَبَ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بيمينه، ثُمَّ يُرَبيهَا لِصَاحِبهَا، كَمَا يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ \".\nــ\nهُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وإنما قرأ هذه الآية ليستدل بها على ما قال.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثم مانع الزكاة والوعيد الشديد المترتب على ذلك، وأن منع الزكاة كبيرة من الكبائر، وإلا لما ترتب عليه هذا الوعيد. ثانيًا: أن العبد إذا لم يشكر النعمة، ويؤدي حق الله فيها تكون نقمة ووبالًا عليه يوم القيامة، وتتمثل له في أبشع الصور التي تؤلمه وتؤذيه. والمطابقة: في قوله: \" من أتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل يوم القيامة شجاعًا أقرع ... إلخ \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\n٤٦٠ - \" باب الصدقة من كسب طيب \"\n٥٣٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" قال رسول الله - ﷺ -: من تصدق بعدل (١) تمرة من كسب طيب \"، أي بمقدار تمرة من مال حلال اكتسبه عن طريق مشروع بصفة مشروعة، وحصل عليه بوسيلة مشروعة من تجارة؛ أو صناعة؛ أو زراعة؛ أو وظيفة، \" ولا يقبل الله إلاّ الطيب \"، وهي جملة معترضة بين الشرط وجوابه \" معناها \" ولا يقبل الله صدقة إلَّا إذا كانت خالصة لله تعالى وكانت من مال حلال \"فإن الله\n_________\n(١) قوله: \" بعَدْلِ \" بفتح العين، وعَدْل الشيء ما يساويه قدرًا وحجمًا.","vol":"3","page":11},{"text":"يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها\"، أي فإن الله يتقبل الصدقة الطيبة بيمينه، كما يتقبل الأشياء الشريفة الكريمة، ثم \" يربيها \" أي ينميها، ويضاعف ثوابها لصاحبها \" كما يربي أحدكم فلوه \" (بفتح الفاء وضم اللام وفتح الواو المشددة)، وهو المهر، أي الصغير من الخيل، أي وما يزال الله ﷿ يضاعف ثواب الصدقة، ويكبر حجمها \" حتى تكون مثل الجبل \"، أي حتى تكون الصدقة عند وضعها في الميزان يوم القيامة مثل الجبل صورة وحجمًا وثقلًا. والحاصل أنّ من تصدق بصدقة قليلة خالصة من الرياء والسمعة من مال حلال، فإن الله يكبر صورتها، ويضاعف ثوابها، ويثقل وزنها في ميزانه يوم القيامة، حتى تكون كالجبل الضخم في صورتها ووزنها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الصدقة لا تقبل عند الله تعالى إلاّ إذا كانت طيبة. ومعنى كونها طيبة، أن يتوفر فيها شرطان:\nالأول: أن تكون خالصة لله تعالى ليس فيها رياء، ولا سمعة. والثاني: أن تكون من مال حلال. أما إذا كانت رياءً فإنها ترد على صاحبها لقول الله تعالى كما في الحديث القدسي \" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك في معي غيري -أي راءى فيه غيري- تركته وشركه \". وكذلك الصدقة من الحرام لا تقبل، لقوله - ﷺ - في حديث الباب: \" ولا يقبل الله إلا الطيب \" وقوله في حديث آخر: \" لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول \" أي ولا يقبل صدقة من مال حرام. ثانيًا: أن الصدقة، لا تُقَوَّمُ بحجمها، وإنما تقوم بإخلاص صاحبها، وبالمال الذي خرجت منه، حلالًا كان أو حرامًا. فإذا توفر فيها الجوهر الطيب، وهو المال الحلال، والنية الخالصة، كان لها حجم ووزن في ميزان الله وإن كانت قليلة. ثالثًا: أن الأعمال الصالحة تحول يوم القيامة إلى أجرام مادية لها صورة وحجم ووزن، فتوضع في ميزان العبد، وتوزن في كفه حسناته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ولا يقبل الله إلاّ الطيب \".","vol":"3","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>٤٦١ - \" بَابُ الصَّدَقَةِ قَبلَ الرَّدِّ </span>\"\n٥٤٠ - عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \" تَصَدَّقُوا فإِنَّهُ يَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بالأمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فأمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لي بِهَا \".\n٥٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيفِيضَ\nــ\n٤٦١ - \" باب الصدقة قبل الرد \"\n٥٤٠ - معنى الحديث: يقول حارثة بن وهب: \" سمعت النبي - ﷺ - يقول: تصدقوا فإنه يَأتِي عليكم زمان \"، أي بادروا بإخراج الزكاة وانتهزوا فرصة قبولها بوجود الفقراء قبل أن يأتي عليكم زمان يكثر فيه المال حتى أنه \" يمشي الرجل بصدقته \"، أي يمشى بزكاته يبحث عن فقير يعطيها له فلا يجده، \" يقول الرجل \" الذي يقدم له الصدقة. \" لو جئت بها بالأمس \" أي أاعتذر إليك عن قبول صدقتك ولو جئتني قبل هذا اليوم لأخذتها منك، أما اليوم فلا حاجة لي، لأنني غني. الحديث: أخرجه الشيخان.\nوالمطابقة: في قولة: \" يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها \".\n٥٤١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" قال رسول الله - ﷺ -. لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض \" المراد بالساعة هنا يوم القيامة أو المواد أنه لا ينتهي القرن الأول الهجري حتى يكثر المال، وتعم الثروة وينتشر الرخاء، وتتوفر السيولة النقدية في أيدي الناس جميعًا، فلا يحتاج أحد","vol":"3","page":13},{"text":"حَتَّى يُهِمَّ رَبُّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أرَبَ لِي فِيهِ\".\n٥٤٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ﵁ قَالَ:\nكُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، والآخَرُ يَشْكُو قَطع السَّبِيل، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أمَّا قَطع السَّبِيلِ فَإِنهُ لا يَأتِي عَلَيْكَ إلَّا قَلِيل حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إلى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ وَأما\nــ\nإلى الصدقة، \" حتى عم رب المال من يضل صدقته \" أي حتى يجتهد رب المال في البحث عن شخص فقير يقبل منه صدقته فلا يجده. \" فيقول الذي يعرضه عليه \" أي فيقول الشخص الذي يعرض عليه المال \" لا أرب في فيه \" أي لا حاجة في فيه. والمطابقة: في قوله: \" فيقول الذي يعرضه عليه لا حاجة في فيه \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٥٤٢ - ترجمة راوي الحديث: هو عدي بن حاتم الطائي ﵁. أسلم سنة تسع، وقال له عمر ﵁: آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وأول صدقة بيضت وجه رسول الله كانت صدقة جئت بها، شهد فتح العراق، وشارك فيه، وجاهد في سبيل الله، وتوفي سنة ثمان وستين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول عدي بن حاتم ﵁: \" كنت عند رسول الله - ﷺ - فجاءه رجلان يشكو أحدهما العيلة \" بفتح العين يعني الفقر والفاقة، \" ويشكو الآخر قطع السبيل \" أي قطع الطريق باللصوص، \" فقال رسول الله - ﷺ -: أمّا قطع السبيل فإنه لا يَأتِي عليك إلاّ قليل \" أي لا يمر عليك سوى زمن قصير وإذا به قد انتشر الإِسلام، واستتب الأمن في جزيرة العرب،","vol":"3","page":14},{"text":"الْعَيْلَةُ فَإن السَّاعَةَ لا تَقُومُ حَتى يَطُوفَ أحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَن أحدُكُمْ بَيْنَ يَدي اللهِ لَيْسَ بيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَاب، وَلَا تَرْجُمَان يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيقُولَنَّ لَهُ: ألَمْ أوتِكَ مالًا! فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: ألمْ أرْسِلْ إلَيْكَ رَسُولًا! فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظرٌ عَنْ يَمِينهِ فَلا يَرَى إلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أحدُكُمْ النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طيبةٍ\".\nــ\n\" حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير \"، أي حتى تسير القافلة التجارية إلى مكة دون حارس يحرسها. \" وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم \"، أي لا تقوم القيامة أو لا ينتهي القرن الأوّل الهجري حتى يعم الغنى والثراء \" حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها \" وذلك لتواجد المال في أيدي الناس، \" ثم ليقفن أحدكم بين يدى الله ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان \"، أي يقف أمام الله دون حائل، ويكلمه مباشرة بدون واسطة ترجمان، لأن الله عليم بكل اللغات، \" ثم ليقولن له: ألم أوتك مالًا، فيقول بلى، ألم أرسل إليك رسولًا \" أي ألم أرسل إليك رسولًا يبين لك أركان الإِسلام، ومنها الزكاة، \" فيقول: بلى \". أي فيقول مانع الزكاة: بلى قد أرسلت إلي رسولًا وأخبرني أن الزكاة من أركان الإِسلام، \" فينظر عن يمينه فلا يرى إلاّ النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلاّ النار \" فعند ذلك يتأكد أنه قد حاق به العذاب بسبب شحه وبخله \" فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة \" أي فليجعل بينه وبين النار حاجزًا من الصدقة، ولو أن يتصدق بنصف تمرة، فإن الصدقة تطفىء غضب الرب، \" فإن لم يجد \" ما يتصدق، \" فبكلمة طيبة \" أي فليرد ردًا جميلًا يطيب به نفس السائل. الحديث: أخرجه النسائي أيضًا. والمطابقة: في قوله: \" لا تقوم الساعة حتى يطوف أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها \".","vol":"3","page":15},{"text":"٥٤٣ - عَنْ أبي مُوسَى ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاس زَمَانٌ يَطُوفُ فِيهِ الرَّجُلُ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجِدُ أحدًا يَأخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أرْبَعُونَ امْرَأةٍ يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وكَثْرَةِ النِّسَاءِ \".\nــ\n٥٤٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" وليأتين على الناس زمان يطوف الرجل بالصدقة من الذهب \"، أي يطوف بزكاته من الذهب ويبحث عمن يعطيها له، \" ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه \" قيل إن ذلك كان في زمن عمر بن عبد العزيز، وقال المناوي، وقيل: إنه يقع في زمن عيسى.\n\" ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به \" أي يعرضن عليه الزواج منهن \" من قلة الرجال \" بسبب كثرة الحروب. الحديث: أخرجه الشيخان.\nوالمطابقة: في قوله: \" يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحد يأخذها منه \".\nفقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في المبادرة إلى إخراج الزكاة وانتهاز الفرصة المناسبة لِإخراجها، وعدم التباطؤ بها، والحرص على إخراجها عند مسيس الحاجة إليها، والتحذير من التسويف بها، لأنه قد يكون التأخير سببًا في عدم وجود من يقبلها، ولهذا قال الفقهاء: يجب إخراج الزكاة فورًا، ويحرم تأخيرها عن وقتها إلاّ لعذر شرعي لهذا الحديث، ولقوله - ﷺ -: \" ما خالطت الصدقة مالًا إلاّ أهلكته \" أخرجه البخاري، وزاد الحميدي: يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال. ثانيًا: أن من معجزاته - ﷺ - إخباره عن التطور الاقتصادي حيث أخبر عن انتشار الغنى بين أفراد المسلمين في آخر الزمان قرب الساعة، حتى لا يوجد من يقبل الصدقة ويحتمل أن يكون إشارة إلى","vol":"3","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>٤٦٢ - \" بَابٌ اتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تمْرَةٍ </span>\"\n٥٤٤ - عن أبي مَسْعُودٍ الأنصَارِيِّ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أمرَنَا بالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أحدُنَا إلَى السُّوْقِ فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وِإنَّ لبَعْضِهِمْ الْيَومَ لَمِائَةِ ألفٍ \".\n٥٤٥ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم (١) ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسوُلَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ \".\nــ\nما وقع في عهد عمر بن عبد العزيز، فقد أغنى عمر الناس حتى كان الرجل لا يجد من يأخذ زكاته. والمطابقة: في كونه - ﷺ - حث على الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها.\n٤٦٢ - \" باب اتقوا النار ولو بشق تمرة \"\n٥٤٤ - معنى الحديث: يقول أبو مسعود الأنصاري: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا أمرنا بالصدقة انطلق أحدنا إلى السوق فيحامل \" بضم الباء، أي يجهد نفسه في الكسب، ويكد وينصب \" فيصيب المد \" أي وبعد تعب وجهد يكسب مدًا من طعام، \" وهو رطل وثلث \" فيتصدق منه، \" وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف \" أي يمتلك مائة ألف، ولا يتصدق كما كنا نتصدق.\nالحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يتصدقون بكل ما يقدرون عليه، ولو كان قليلًا.\n٥٤٥ - معنى الحديث: يحدثنا عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ -: \" يقول: اتقوا النار \" أي اجعلوا بينكم وبين النار سترًا وحجابًا\n_________\n(١) عدي بن حاتم: هو أبو طريف وقيل أبو وهب عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي قدم على النبي - ﷺ - في شعبان سنة سبع ونزل الكوفة وسكنها وشهد صفين والنهروان ومات بالكوفة سنة سبع وستين هجرية.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-507>٤٦٣ - \" بَابٌ أيُّ الصَّدَقَةِ أفضلُ </span>\"\n٥٤٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَجُل إلى النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرًا؟\nقَالَ: \" أن تَصَّدَّقَ وأنت صَحِيحٌ شَحِيح تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأمَلُ الْغِنَى، ولا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، ولِفُلان كَذَا، وقَدْ كَانَ لِفُلانٍ \".\nــ\nبالصدقة، وتصدقوا بكل ما تستطيعون التصدق به مهما كان يسيرًا، \" ولو بشق تمرة \"، أي ولو لم تجدوا ما تتصدقون به إلاّ نصف تمرة، فتصدقوا به، ولا تحقروا من الصدقة شيئًا، ولو كان قليلًا، فإنّه ينفع المتصدِّق، وينفع المتصدق عليه، كما جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال لها: \" يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة \" أخرجه أحمد. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\nفقه الحديث: دل الحديثان على ما يأتي. أولًا: الترغيب في الصدقة واستحباب الحرص على فعلها مهما كانت يسيرة، لأنّها تسد مسدها، وهي وقاية لفاعلها من النار، مهما قلت، كما يدل عليه الحديث الثاني. ثانيًا: أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يكدون ويجدون في كسب المال من عرق جبينهم ليقوا أنفسهم مذلة السؤال، ويتصدقوا منه على إخوانهم.\n٤٦٣ - \" باب أي الصدقة أفضل \"\n٥٤٦ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: \" جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرًا \"، أي أكثر ثوابًا، \" قال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى \" أي أفضل الصدقة","vol":"3","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-508>٤٦٤ - \" بَاب إذَا تصَدَّقَ على غَنِي وَهُوَ لَا يَعْلمُ </span>\"\n٥٤٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"قَالَ رَجُل: لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقتِهِ فوضَعَهَا في يَدِ سَارِق، فأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ لأتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَها في\nــ\nأن تتصدق في حال صحتك واستكمال قواك الجسمية، وحرصك الشديد على تنمية ثروتك وطمعك في الغنى وخشيتك من الفقر، وحبك الشديد لمالك، فإذا تصدقت وأنت على هذه الحال كانت صدقتك أعظم أجرًا، لما في ذلك من مجاهدة النفس، ومقاومة غريزة الشح فيها، وقد أثنى الله تعالى على من فعل ذلك في قوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، \" ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم \" أي بلغت الروح الحلقوم وأوشكت على مفارقة البدن، \" قلت: لفلان كذا \"، أي أوصيت بجزء من مالك لفلان وفلان، فإن هذه الوصية وإن كانت مشروعة إلاّ أن الصدقة في حال الصحة أفضل، لأن مالك قد أصبح عند مفارقتك الحياة لورثتك.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن الصدقة في وقت صحة الإِنسان وسلامته أفضل من الوصية، وأن الوصية جائزة مشروعة أيضًا. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٤٦٤ - \" باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم \"\n٥٤٧ - معنى الحديث: يقول رسول الله - ﷺ -: \" قال رجل \" من بنى إسرائيل \" لأتصدقن بصدقة \" طيبةٍ نافعة أخرجها من مال حلال، وأدفعها لمن يستحقها، وأقسم على ذلك، والتزم به صدقته، \" فخرج بصدقته \"","vol":"3","page":19},{"text":"يَدَيْ زَانِيةٍ، فأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصدِّقَ اللَّيْلَةَ على زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيةٍ، لأتصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدَيْ غَنِيٍّ، فأصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ على غَنِي! فَقَال: اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ على سَارِق، وَعَلى زَانِيةٍ، وَعَلى غَنِي، فَأتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أما صَدَقَتُكَ\nــ\nيريد أن يضعها في يد رجل صالح يستحقها، \" فوضعها في يد سارق \"، أي فأخطأ عن غير قصد، فوضعها في يد رجل سارق، وهو يظن أنّه رجل صالح وإنسان شريف، \" فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق! \" أي يتكلمون في ذلك، ويتعجبون منه، لأن الصدقة كانت عندهم -فيما يبدو- لا تدفع إلاّ لأهل الخير والصلاح، كما أفاده العيني. \" فقال: اللهم لك الحمد \"، فحمد الله تعجبًا مما وقع له حيث إنه أراد أن يتصدق على رجل صالح، فوقعت صدقته في يد فاسق وحمد الله لكونه لم يقدر عليه ما هو أسوأ من ذلك، لأنه ما من بلية إلاّ وهناك أعظم منها، \" لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها \" خطأً ودون قصد \" في يد زانية \" وهو يظنها امرأة شريفة، \" فقال: اللهم لك الحمد على زانية \"، فحمد الله أيضًا، وهو الذي لا يحمد على مكروه سواه، \" لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غني \"، يعني فأعطى صدقته خطأً لرجل غني، والغني لا تحل له الصدقة، ولكنه لم يجزع، وإنما قال: \" اللهم لك الحمد على سارق! وعلى زانية، وعلى غني؟ \" أي فحمد الله على خطئه ثلاث مرات راضيًا بما قدره الله عليه، وابتلاه به، \" فأتي \" بالبناء للمجهول، أي فعامله الله ﷿ بحسب قصده، وكافأه على حُسِنْ نيته، فرأى في منامه، أو هاتفًا يخاطبه، \" فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته \"، أي فبشره أن الله قد قبل منه صدقاته كلها، فأمّا الصدقة الأولى فلعله أن ينتفع","vol":"3","page":20},{"text":"على سَارِق فَلَعَلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وأمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وأمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أعْطَاهُ اللهُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>٤٦٥ - \" بَاب إِذَا تصَدُّقَ عَلى ابْنِهِ وَهُو لَا يَشْعُرُ </span>\"\n٥٤٨ - عَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ:\nــ\nبها ذلك اللص، وتسد حاجته وفقره إن كان فقيرًا، وتغنيه عن السرقة، وكذلك الصدقة الثانية كما قال، \" وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها \"، أي أن تستعين بذلك المال على سد حاجتها وفقرها، وتستغني عن الزنا.\nوأمّا الصدقة الثالثة فقد تجعل من ذلك الغني البخيل رجلًا كريمًا كما قال: \" فأمّا الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله تعالى \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من أخطأ في صدقته أو زكاته فأعطاها إلى غني وهو يظنه فقيرًا صحت صدقته، وأجزأته، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد وأبي عبيد، وذهب مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري إلى أنها لا تجزئه، وعن أحمد روايتان. ثانيًا: أن الصدقة كانت عندهِم لا تعطى إلاّ لأهل الخير والصلاح، أما في شريعتنا فإنّها تعطى للفقير صالحًا أو فاسقًا. وفي الحديث إشارة إلى استحباب الصدقة على الفاسق إذا كانت تؤدّي إلى إعفافه عن جريمته، وإصلاح حاله. والمطابقة: في قوله: \" فخرج بصدقته فوضعها في يد غني \".\n٤٦٥ - \" باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر \"\n٥٤٨ - ترجمة الراوي: وهو \" مَعْنُ \" بفتح الميم وسكون العين \" ابن يزيد السلمي \" بضم السين. أسلم هو وأبوه وجده، وشهد فتح دمشق","vol":"3","page":21},{"text":"بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أنا وأبي وَجَدِّي وخَطَبَ عَلَي فأنْكَحَنِي، وخَاصَمْتُ إلَيْهِ، وكانَ أبي يَزِيدُ أخرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فوضَعَهَا عِنْدَ رَجُل في الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فأخَذْتُهَا فأتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أردْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \" لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أخَذْتَ يَا مَعْنُ \".\nــ\nوكان له عند الفاروق منزلة عظيمة، وقتل في مرج راهط سنة أربع وخمسين من الهجرة.\nمعنى الحديث: يقول معن ﵁: \" بايعت رسول الله - ﷺ - أنا وأبي وجدي \" وهو الأخنس بن حبيب السلمي، \" وخطب علي \" أي وخطب لي النبي - ﷺ - امرأة فزوجني إياها، \" وخاصمت إليه \" أي شكوت إليه أبي في قضية فحكم لي، \" وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها \" في الزكاة المفروضة \" فوضعها عند رجل \" ليصرفها لمن تجوز عليه الزكاة، \" فجئت فأخذتها فأتيته بها \"، أي فأخبرت والدي بأني أخذتها، \" فقال: والله ما إياك أردت \"، أي ما قصدت أن أعطي هذه الزكاة لك، لأنّها لا تحل للولد. وأراد أن يسترجعها مني، \" فخاصمته إلى رسول الله - ﷺ - فقال \" لأبي لا تستردها منه، فإن \" لك ما نويت \"، من إعطاء زكاتك لمن تحل له شرعًا، \" ولك ما أخذت \" لأنك فقير.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من أخطأ هو أو وكيله في الزكاة، فأعطاها لمن تحرم عليه من ولد أو غيره دون قصد، ثم تبين له خطؤه أجزأته، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد لما في حديث الباب، حيث إن النبي - ﷺ - أمضى زكاة يزيد حين وصلت إلى ولده خطأً، ولم يطالبه بأخرى، وقال مالك والشافعي: لا تجزئه، وهو مذهب أحمد في","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>٤٦٦ - \" بَابُ مَنْ أمَرَ خادِمَهُ بالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ </span>\"\n٥٤٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إذَا أنْفَقَتِ الْمَرأةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتهَا غَير مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، ولِزَوْجِهَا أجْرُه بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا \".\nــ\nرواية. ثانيًا: أنها لا تجوز الزكاة على الولد إذا كان يعوله، وكذلك كل من ينفق عليه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: كما قال العيني: من حيث إن يزيد أعطى دنانير ليتصدق عنه، فجاء ابنه فأخذها من الرجل فكأنه تصدق عليه وهو لا يشعر.\n٤٦٦ - \" باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول بنفسه \"\n٥٤٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة \"، أي إذا أعطت المرأة من طعام بيتها لعيال زوجها وأضيافه، غير مبذرة، ولا قاصدة إتلاف ماله، وإلحاق الضرر به، \" كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب \"، أي كان لها ثواب الإنفاق، وللزوج ثواب آخر مقابل كسبه وسعيه، \" وللخادم مثل ذلك \"، أَي ولمن عُهِدَ إليه بحفظ الطعام أجر آخر على الإِنفاق من طعام سيده، \" لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئًا \". قال العيني: منصوب بنزع الخافض، أي لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا، كما في رواية الترمذي، حيث قال فيها: \" لا ينقص كل واحد منهما من أجر صاحبه شيئًا \". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" وللخادم مثل ذلك \" أي مثل أجر سيده.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المسلم إذا أمر خادمه","vol":"3","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-511>٤٦٧ - \" بَابُ مَنْ أحَبَّ تعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا </span>\"\n٥٥٠ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ:\nصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العَصْرَ فأسْرَع، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أو قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: \" كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيْتِ تِبْرًا من الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أنْ أُبيِّته، فَقَسَمْتُهُ \".\nــ\nبالصدقة أو أذن له فيها وأخرجها عنه قبلت صدقته، وكان له ثوابها كما لو كان أخرجها بنفسه، لقوله: \" وللخازن مثل ذلك \" أي يكون للرجل أجر الصدقة، وللخادم أجر إخراجها، وهو ما ترجم له البخاري. ويؤكد ذلك صراحةً قوله - ﷺ - في رواية أخرى: \" الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به، فيدفعه إلى الذي أمر به أحد المتصدقين \" أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. ثانيًا: أن ظاهر الحديث يدل على أنه يجوز للزوجة الإِنفاق من طعام زوجها بإذنه، أو بغير إذنه، ما لم يكن هناك إسراف، لكن ليس على إطلاقه، وإنما هو محمولٌ على ما إذا أذن الزوج بالإِنفاق، أو عُلِمَ رضاه عنه، قال (محيي السنة): عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه؛ أو علمها برضاه، وكذلك الخادم، والحديث خرج على عادة أهل الحجاز، يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق.\n٤٦٧ - \" باب من أحب تعجيل الصدقة من يومها \"\n٥٥٠ - معنى الحديث: يقول عقبة ﵁: \" صلى بنا النبي - ﷺ - العصر فأسرع \" وفي رواية أخرى للبخاري \" صليت وراء النبي - ﷺ - بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه \"، \"ثم دخل البيت \" أي دخل أحد بيوت زوجاته، \" فقلت له: \"","vol":"3","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>٤٦٨ - \" بَابُ التَحْرِيض علَى الصَّدَقَةِ والشَّفاعَةِ فيهَا </span>\"\n٥٥١ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: \" اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ \".\nــ\nأي فسألته عن ممبب خروجه من المسجد مسرعًا \" فقال، كنت خلفت في البيت تبرًا من الصدقة \" وفي رواية أخرى: \" ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنّهم عجبوا من سرعته فقال: ذكرت شيئًا من تبر عندنا \".\nقال ابن دريد: التبر هو الذهب كله، أي سبب خروجي أني كنت تركت في بيتى شيئًا من ذهب الصدقة \" فكرهت أن أبيته \"، أي فرغبت وأحببت أن أبادر إلى قسمته في يومه، وكرهت أن أبيته إلى الغد خوفًا من العوائق والموانع. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nويستفاد من الحديث: فوائد كثيرة منها: استحباب المبادرة إلى إخراج الصدقة والزكاة في وقتها فورًا، وكراهية تأخيرها خوفًا من تغير الأحوال. والمطابقة: في قوله: \" فكرهت أن أبيته ... \" إلخ.\n٤٦٨ - \" باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها \"\n٥٥١ - معنى الحديث: يقول أبو موسى الأشعري ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا جاءه السائل \" المحتاج بطلب الصدقة \" أو طلبت \" بضم الطاء وكسر اللام \" إليه حاجة \" أي أو جاءه صاحب الحاجة يطلب منه - ﷺ - قضاءها له، ومساعدته عليها \" قال اشفعوا تؤجروا \" أي اسألوني واطلبوا مني قضاء حاجته ما لم تكن معصية أو إسقاط حدٍ من حدود الله تعالى، أما ما عدا ذلك من الحاجات كإنظار المعسر، وإعانة المدين والإِصلاح","vol":"3","page":25},{"text":"٥٥٢ - عَنْ أسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِي - ﷺ -: \"لا تُوكي فَيُوكَى عَلَيْكِ \".\nــ\nبين متخاصمين فبادروا إلى السعي عندي في ذلك. اهـ. والتحريض والشفاعة متقاربان، فهما يجتمعان غاية، لأنْ كلًا منهما يؤدي إلى إيصال الخير، أو دفع الشر عن المشفوع له؛ أو المحرض له، ويفترقان وسيلة، لأن التحريض يعتمد على الترغيب، والشفاعةُ تعتمد على السؤال (١). وقد أمر النبي - ﷺ - بالشفاعة في الخير وبيّن أن الشافع مأجور، سواء حصل المطلوب أم لا، فإن قضاء الأمور وتحقيقها ليست بأيديهم، كما قال - ﷺ -: \" ويقضي الله على لسان نبيه - ﷺ - ما شاء \"، وما أراد من قضاء ذلك الأمر أو عدمه. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها وفي سائر أعمال الخير، وأن الساعي مأجور وإن خاب سعيه. والمطابقة: في قوله: \" اشفعوا تؤجروا \".\n٥٥٢ - معنى الحديث: يقول - ﷺ - لأسماء: \" لا توكي \" بضم التاء وكسر الكاف يقال: أوكأ سقاءه إذا شده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة، أي لا تمنعي ما عندك، \" فيوكى عليك \" بفتح الكاف منصوب لاقترانه بالفاء في جواب النهي، أي لا تمنعي مالك عن الصدقة خشية (٢) نفاده فتنقطع عنك مادة الرزق.\nويستفاد منه: أن الصدقة تنمي المال، وأن البخل بالصدقة سيما الواجبة يؤدي إلى إتلافه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" لا توكي \" حيث حرضها على العطاء والصدقة، وحذرها من البخل.\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٣.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ٨.","vol":"3","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-513>٤٦٩ - \"بَاب عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةْ، فَمَنْ لَمْ يَجِد فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ</span>\"\n٥٥٣ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةْ \" فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: \" يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ \" قَالُوا: فَإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: \" يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ \" قَالُوا: فإنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: \" فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشر فَإنَّهَا لَهُ صَدَقَة \".\nــ\n٤٦٩ - \" باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف \"\n٥٥٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" على كل مسلم صدقة \"، أي: أن الصدقة بغير الزكاة المفروضة حق مطلوب من كل مسلم؟ أن يؤديه ندبًا واستحبابًا، فيستحب لكل مسلم أن يتصدق مهما كانت ظروفه وأحواله، فلما سمع الصحابة ذلك ظنوا أن الصدقة المطلوبة من كل مسلم هي \" الصدقة بالمال \" \" فقالوا: فمن لم يجد؟ \"، أي: فمن كان فقيرًا لا يملك مالًا يتصدق منه ماذا يصنع، فبين لهم النبي - ﷺ - أنه ليس المقصود من الصدقة صدقة المال فقط، وإنما هي شيء آخر أعم وأشمل، وهو \" صنع المعروف \" (١) سواء كان بالمال أو بالبدن واللسان، كما وضح ذلك النبي - ﷺ - في بقية الحديث حيث \" قال: يعمل بيده، لينفع نفسه ويتصدق \" أي إن لم يجد مالًا حاضرًا يتصدق منه. فعليه أن يسعى لتحصيله وكسبه بالعمل في أي مهنة شريفة يحصل منها على المال الحلال، فينفق على نفسه ويتصدق على غيره، \" قالوا: فإن لم يجد، قال يعين ذا الحاجة الملهوف \" أي قالوا:\n_________\n(١) أي القيام بأي عمل ينفع الناس ويعود عليهم بالخير سواء كان ماليًا أو بدنيًا أو لسانيًا.","vol":"3","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>٤٧٠ - \" بَابُ الْعَرْض في الزَّكَاةِ </span>\"\n٥٥٤ - عَنْ أَنسٍ ﵁:\nأنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - ﷺ -،\nــ\nفإن لم يقدر على العمل، أو لم يجد مهنة يكسب منها المال فيتصدق منه، قال: يعين ذوي الحاجات من عاجز أو مظلوم، بقوله أو فعله قدر استطاعته، فإنّ هذا العمل البدني وهذه الخدمة البدنية التي يقدمها لمن استغاث به تحتسب له صدقة \" قالوا: فإن لم يجد \" القدرة على مساعدة غيره ببدنه أو لسانه \" قال: فليعمل بالمعروف \"، أي فليأت بنوافل العبادات البدنية من صلاة وصيام وقراءة قرآن \" وليمسك عن الشر \" أي يتجنب المحرمات من غيبة ونميمة وكذب، \" فإنها في صدقة \" أي فإن فعل الخير والكف عن الشر له ثواب الصدقة.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الصدقة مطلوبة من كل مسلم غنيًا أو فقيرًا، فإن كان غنيًا فالصدقة بالنسبة إليه هي صدقة المال، وإن كان فقيرًا فإنّ عليه أيضًا صدقة مندوبة مستحبة وهي فعل الخير وصنع المعروف، سواء كان بالبدن أو باللسان. ثانيًاً: أن كل معروف صدقة فإغاثة الملهوف صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وقراءة القرآن صدقة، ونوافل العبادات البدنية كلها صدقة. ثالثًا: أن الإِمساك عن الشر واجتناب المحرمات صدقة لقوله - ﷺ -: \"وليمسك عن الشر فإنها له صدقة \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \"على كل مسلم صدقة \".\n٤٧٠ - \" باب العرض (١) في الزكاة \"\n٥٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا أنس في هذا الحديث \"أن أبا بكر\n_________\n(١) أي جواز أخذ العرض - بفتح العين وسكون الراء - والمراد به ما عدا النقدين.","vol":"3","page":28},{"text":"\" وَمَنْ بَلَغتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ، ولَيْسَتْ عِنْدَهُ، وعِنْدَهُ بِنْتُ لبونٍ، فإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، ويُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أو شَاتَيْنِ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لبونٍ، فإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ولَيْسَ مَعَهُ شَيءٌ \".\nــ\nالصديق ﵁ كتب له التي أمر الله رسوله\"، أي أن الصديق ﵁ كتب لأنس ﵁ كتابًا يبين له فيه فريضة زكاة الماشية التي أمر الله تعالى رسوله بأخذها، \" ومن بلغت صدقته بنت مخاض \"، أي ومما ذكره ﵁ في هذا الكتاب أن صاحب الماشية إذا أصبحت الفريضة الواجبة عليه بنت مخاض \" وهي التي أتمت حولًا ودخلت في الثاني، وتجب في خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين من الإِبل، فإذا وجبت عليه \" \" وليست عنده، وعنده بنت لبون \" وهي التي أتمت عامين ودخلت في الثالث \" فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين \"، أي فإنّ الساعي يأخذ من صاحب الماشية بنت اللبون، التي هيِ أكثر من الفريضة المطلوبة منه، ويدفع له الفرق بين السنين عشرين درهمًا، أو شاتين \" فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه، وليس معه شيء \" أي ولا يعطيه شيئًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استدل به البخاري على جواز أخذ العرض - وهو ما عدا النقدين - في الزكاة، أي استبدال زكاة الماشية بعرض آخر، ودفعه بدلًا عن الفريضة المطلوبة من صاحب الماشية، لأن النبي - ﷺ - أمر الساعي أن يأخذ من صاحب الماشية بنت اللبون، التي هي أكثر من الفريضة المطلوبة منه، وإعطاءه بدلًا عن الفرق بين السنين شاتين، والشاتان عرض آخر من غير الجنس الواجب، فدل ذلك على أنه","vol":"3","page":29},{"text":"يجوز للساعي أن يأخذ أكثر من الفريضة، ويدفع الفرق بين السنين عرضًا آخر، وكذلك العكس، وهو أن يأخذ أقل من الفريضة ويأخذ الفرق بين السِّنيْن عرضًا آخر، وفي هذا دليل على جواز استبدال زكاة الماشية بالعروض الأخرى، وهو مذهب أبي حنيفة. وأجاب الجمهور بأنه لو كان الأمر كذلك لكان الفرق يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل. وأجاب الحنفية بأنّ الشارع لم يقدر التفاوت بمقدار محدود لا يزيد ولا ينقص، وإنما نظر إلى قيمة الفرق بين السنين حسب اختلاف الزمان والمكان، وتفاوت الأسعار، بدليل ما روى عن علي ﵁ أنه قدر \" الجبران \" ما بين السنين في بعض الأحوال بشاة أو عشرة دراهم - أي بأقل مما قدره الصديق، وقد كان علي ﵁ مصدّق رسول الله - ﷺ - وساعيه على الزكاة، فلو كان الفرق دائمًا هو شاتان أو عشرون درهمًا لما عدل عنه وخالف الصديق في تقديره، فتقدير عليّ للفرق بهذا التقدير الذي يختلف عما جاء في كتاب أبي بكر يدل على أنّ هذا الفرق ما هو إلاّ قيمة تختلف حسب اختلاف الظروف والأسعار وأنّ من باب استبدال الزكاة المفروضة بغيرها من العروض، ولهذا قال البخاري: باب العرض في الزكاة، أي استبدال زكاة الماشية بغيرها من العروض، واستدل على ذلك أيضًا، بقول معاذ لأهل اليمن: إيتوني بعرض ثيابكم (خميص)، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي - ﷺ -. ثانيًاً: استدل الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنه إذا اختلف السن المطلوب فإن على رب الماشية أن يدفع أعلى منه، ويأخذ من الساعي عشرين درهمًا أو شاتين، أو يدفع أدنى منه ويعطى للساعي عشرين درهمًا أو شاتين، وأنّ التفاوت بين السنين محدد بذلك كما ذكر في الحديث فهو دائمًا عشرون درهمًا أو شاتين لا يزيد","vol":"3","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>٤٧١ - \" بَاب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرق وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع </span>\"\n٥٥٥ - عَنْ أنسٍ ﵁:\nأنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّق، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ \".\nــ\nولا ينقص. قال في \" المنهل العذب \" (١): وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن من لزمه سن ولم يوجد عنده، يدفع أدنى منه، والفرق بين السنين بالغًا ما بلغ أو يدفع أعلى من السن الواجب، ويأخذ الفرق بين السنين من الساعي إن شاء، لأنه في حكم البيع، وهو مبني على التراضي أو يدفع قيمة السن المطلوب، وقالوا: تقدير الفرق في الحديث بالشاتين أو العشرين درهمًا بناءً على أن ذلك كان قيمة التفاوت في زمنهم لا أنه تقدير لازم، فقد روي عن علي ﵁ أنه قدر \" الجُبْران \" ما بين السنين بشاة واحدة أو عشرة دراهم، وهو كان مصدق رسول الله - ﷺ - وما كان يخفى عليه مثل هذا، ولا يظن به مخالفة رسول الله، وقال مالك: يلزم رب المال بإحضار السن الواجب، وإنْ بشراء والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.\nوالمطابقة: في قوله: \" ويعطيه المصدق عشرين درهمًا أو شاتين \".\n٤٧١ - \" باب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع \"\n٥٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ في هذا الحديث \" أن أبا بكر كتب له التي فرض رسول الله - ﷺ - \" أي بعث إليه كتابًا بيّن له فريضة الزكاة التي فرضها النبي - ﷺ -، ومما جاء في كتابه هذا \" ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة \"، أي لا يجوز لأرباب\n_________\n(١) \" المنهل العذب \" ج ٩ للشيخ محمود خطاب السبكي.","vol":"3","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>٤٧٢ - \" بَابُ مَا كَانَ مِنْ خلِيطَيْنِ فإنهُمَا يَتَراجَعَانِ بالسَّوِيَّة </span>\"\n٥٥٦ - وفي روَايةٍ عَنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ التي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\nــ\nالمواشي أن يجمعوا المواشي المتفرقة بين عدة أشخاص، ويضموها إلى بعضها في مجموعة واحدة احتيالًا منهم لتنقيض الصدقة، كأن يكون هناك ثلاثة أشخاص لكل واحد منهم أربعون شاة، فلما عرفوا أنّ على كل واحد منهم شاة أرادوا جمعها معًا حتى تصير مائة وعشرين فتصبح عليهم شاة واحدة.\nفلا يجوز لهم جمعها لأنه احتيال لتنقيص فريضة الزكاة، كذلك لا يجوز لهم التفريق بين مجتمع من أجل تنقيص الزكاة كأن يكون للشريكين مائتا شاة فيكون عليهم ثلاث شياه فيريدان أن يفترقا حتى يكون لكل منهما مائة شاة، ولا تجب عليه سوى شاة واحدة، فلا يجوز لهما التفرق، لأنه حيلة لتنقيص الزكاة.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنّه لا يجوز الجمع بين متفرق أو التفريق بين مجتمع لتنقيص الزكاة، كما تقدم شرحه، لأنّه تهرُّبٌ عن أداء الحق الشرعي ولا يجوز أيضًا للساعي أن يفرّق المجتمع أو يجمع المتفرق لتكثير الصدقة، فقوله خشية الصدقة، وإن كان في الأصل يرجع إلى رب الماشية إلاّ أنه يرجع أيضًا إلى الساعي بضده، فإذا كان الأوَّل لا يجوز له الجمع والتفريق خوفًا من الصدقة فإنه لا يجوز ذلك للساعي أيضًا طمعًا في زيادتها، ومحل النهي عن ذلك في الجنس الواحد كالإِبل مثلًا. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود في حديث طويل. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٤٧٢ - \" باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية \"\n٥٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس في رواية أخرى \"أن أبا بكر","vol":"3","page":32},{"text":"\" ومَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّويَّةِ \".\nــ\nكتب له التي فرض رسول الله - ﷺ -: وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية \" أي أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب إلى أنس ﵁ فريضة الزكاة التي فرضها رسول الله - ﷺ -، فقال فيها ما معناه:\nأن الخليطين إذا اشتركا في المكان والمرعى والمورد والفحل والمراح دون الاشتراك في الملك، فإن المالين يصيران كالمال الواحد (١) فيهما زكاة واحدة، يأخذها الساعي من المجموع، ثم يتراجع الخليطان فيما بينهما، أي يتحاسبان فيما بينهما بنسبة ما لكل منهما من الماشية، فإذا كان المجموع مثلًا مائة وثلاث وعشرون شاة، لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث، فإن الساعي يأخذ شاة واحدة من المجموع ثم يتحاسبان فيرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بقيمة الثلث الذي دفعه زيادة عما عليه. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. والمطابقة:\nفي كون الترجمة من لفظ الحديث.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن الخليطين كالشريكين، مالهما كالمال الواحد، فتؤخذ منهما زكاة واحدة، ثم يتحاسبان بينهما، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإذا بلغت ماشيتهما معًا النصاب وجبت فيها الزكاة، وإن لم يكن لكل منهما نصاب (٢)؛ وقال مالك: لا أثر للخلطة إلاّ إذا كان كل منهما يملك نصابًا لقوله - ﷺ -: \" فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين \" يعني من الغنم - فليس فيها شيء، لأن هذا الحكم بعمومه يشمل الخليطين.\n...\n_________\n(١) \" المنهل العذب \" ج ٩.\n(٢) أيضًا \" المنهل العذب \".","vol":"3","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-517>٤٧٣ - \" بَابُ زَكَاةِ الإِبِلَ </span>\"\n٥٥٧ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:\nأنَّ أعْرَابِيًَّا سَألَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: \" وَيْحَكَ إنَّ شَأنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إبل تُؤَدِّي صَدَقَتَها؟ \" قَالَ: نَعَمْ: قَالَ:\n\" فَاعْمَلْ من وَرَاءِ الْبِحَارِ فإِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرِكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا \".\nــ\n٤٧٣ - \" باب زكاة الإِبل \"\n٥٥٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁: \" أن أعرابيًا سأل النبي - ﷺ - عن الهجرة \" أي عن حكمها بالنسبة إليه وهل تجب عليه الهجرة من البادية إلى المدينة أم لا؟ \" فقال له: ويحك إن شأنها شديد \" أي فأمره النبي - ﷺ - أمر إرشاد وتوجيه أن يصرف نظره عن الهجرة رفقًا به، وشفقة عليه، لأن الهجرة أمر شاق عليه، لما فيها من مفارقة الوطن والأهل والأحباب، \" فهل لك من إبل تؤدّي صدقتها \" أي تخْرِج زكاتها؟ \" قال: نعم \" لدي إبل أخرجُ زكاتها الشرعية \" قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا \" أي لن ينقصك من عملك شيئًا ما دمت تؤدي زكاة إبلك فما عليك بعد ذلك إلاّ أن تحافظ على بقية شعائر دينك وعباداتك البدنية، فإذا تمكنت من أداء ما افترض الله عليك في ديار قومك، فلا هجرة عليك وإن الله يثيبك على عملك وعبادتك، ولو كنت في أقصى المعمورة.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب زكاة الإِبل لقوله - ﷺ - \" فهل لك من إبل تؤدّي زكاتها \" وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًاً: أن الهجرة وإن كانت مشروعة مطلقًا لقوله - ﷺ - في حديث معاذ: \" ولا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة \" إلاّ أنها لا تكون واجبة إلاّ إذا كان المسلم","vol":"3","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>٤٧٤ - \" بَابُ زَكَاةِ الْغنَمَ </span>\"\n٥٥٨ - عن أنسٍ ﵁:\nأنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابِ لَمَّا وَجَّهَهُ إلَى الْبَحْرَيْنِ:\nــ\nلا يأمن على نفسه وماله ودينه ولا يتمكن من أداء شعائر الإِسلام في حرية تامة لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فإنّ هذا يدل على وجوبها على كل مسلم مضطهد، قال الإِمام محمد عبده: ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه أو يؤذى فيها إيذاءً لا يقدر على احتماله، وتكون الهجرة مندوبة فقط إذا كان المسلم في بلد يأمن فيه على نفسه وماله ودينه فلا تجب عليه الهجرة في هذه الحالة لحديث الباب حيث قال - ﷺ - للأعرابي لما سأله عن الهجرة: \" فاعمل من وراء البحار \". أي فإنك إذا تمكنت من أداء العبادات المفروضة عليك كما أمرك الله لا تجب عليك الهجرة. ولهذا قال الإِمام محمد عبده: وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع .. أي لا يمنع من أداء شعائر الدين وأركان الإِسلام، ولا يؤذي إذا عمل بدينه، فلا يجب عليه أن يهاجر، بل ربما كانت الإِقامة في دار الكفر سببًا لظهور محاسن الإِسلام وإقبال الناس عليه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فهل لك من إبل تؤدّي صدقتها \" فإنها تدل على وجوب زكاة الإِبل وهو ما ترجم له البخاري، والله أعلم.\n٤٧٤ - \" باب زكاة الغنم \"\n٥٥٨ - معنى الحديث: أن أبا بكر الصديق ﵁ عندما","vol":"3","page":35},{"text":"\" بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيم، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِى فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ، والَّتِي أَمرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ على وجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، ومنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلا يُعْطِ: في أرْبَع وعِشْرِينَ منَ الإِبِلِ فَمَاَ دُونَهَا مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْس شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَت خَمْسًَا وَعِشْرِين إِلَى خَمسٍ وَثَلاثِينَ ففِيهَا بِنْتُ مَخَاض أُنثى، فإِذَا بَلغَتْ سِتًَّا وثَلَاثِينَ إلى خَمسٍ وأرْبَعِينَ ففيهَا بِنْتُ لبون أُنثى. فإذا بَلَغَتْ سِتًا وأرْبَعِينَ إلى سِتِّينَ فَفيها حِقَّةٌ طروقَةُ الْجَملِ، فَإِذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وسِتِّينَ إلى خَمسٍ وسَبْعِينَ فِفيهَا جَذَعَةً، فَإِذا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًَّا وسَبْعِينَ إلى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لبونٍ، فَإذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتسْعينَ إِلى عشْرينَ وَمائَةٍ فَفيهَا حقَّتَان طروقَتَا\nــ\nأرسل أنس بن مالك إلى البحرين ليكون عاملًا عليها، وكلفه بأخذ الزكاة المفروضة (١) من أهلها كتب له هذا الكتاب ليعتمد عليه في معرفة فريضة الزكاة (٢)، وتطبيقها وتحصيلها ممن تجب عليه، وكتب له فيه أن من سئل مقدار هذه الفريضة فإنه يجب عليه دفعها، ومن سئل أكثر من ذلك فلا يجب عليه. وهي كما يلي:\nالفريضة في الإِبل:\nمن ٥ إلى ٢٤ في كل خمس شاة.\nمن ٢٥ إلى ٣٥ بنت مخاض وهي التي دخلت في السنة الثانية.\nمن ٣٦ إلى ٤٥ بنت لبون وهي التي دخلت في السنة الثالثة.\nمن ٤٦ إلى ٦٠ حقة وهي التي دخلت في السنة الرابعة.\n_________\n(١) وهي المقدار الذي فرضه الله في الزكاة، والذي يجب على رب المال أن يدفعه للساعي على الزكاة، والعامل عليها.\n(٢) فهو بمثابة وثيقة شرعية يعتمد عليها في الزكاة.","vol":"3","page":36},{"text":"الْجَمَلِ، فإذا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ففِي كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لبُونٍ، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا أرْبَع مِن الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةُ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فإذَا بَلَغَتْ خمسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاة.\nوفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إذَا كَانَتْ أرْبَعَيْنَ إلى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاة، فَإِذَا زَادَتْ على عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلى مِائَتَيْنِ شاتَانِ، فإِذَا زَادَتْ على مِائَتَيْن إلى ثَلَاِثمِائَةٍ فِفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذا زَادَتْ على ثَلَاِثمِائَةٍ ففي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أرْبَعِينَ شاةً واحدةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أنْ يَشَاءُ رَبُّهَا.\nوفي الرِّقَّةِ (١) رُبُعُ الْعُشْرِ، فإنْ لَمْ تَكُن إلَّا تِسْعِينَ ومِائَةٍ (٢)، فَلَيْسَ فِيهَا شَيءٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا \".\nــ\nمن ٦١ إلى ٧٥ جذعة وهي التي دخلت في السنة الخامسة.\nمن ٧٦ إلى ٩٠ فيها بنتا لبون.\nمن ٩١ إلى ١٢٠ فيها حقتان.\nوما زاد على ذلك، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولا زكاة في أقل من خمس من الإِبل، فإذا بلغت خمسًا ففيها شاة واحدة، ثم في كل خمس شاة، حتى تبلغ أربعًا وعشرين كما أوضحناه. وأما الغنم فلا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغت أربعين. فالفريضة فيها كما يأتي:\nمن ٤٠ إلى ١٢٠ فيها شاة واحدة.\n_________\n(١) أي الفضة.\n(٢) وهذا يوهم أنها إذا زادت على التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين أن فيها صدقة، وليس كذلك. وإنما ذكر التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين. (ع).","vol":"3","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>٤٧٥ - \" بَابٌ لَا تُؤْخذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تيْسٌ إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ </span>\"\n٥٥٩ - عَنْ أنسٍ ﵁:\nأنَّ أبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَب لَهُ الَّتى أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ: \" ولَا يُخْرَجُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تَيْسٌ إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ \".\nــ\nمن ١٢١ إلى ٢٠٠ فيها شاتان.\nمن ٢٠١ إلى ٣٠٠ فيها ثلاث شياه.\nوما زاد على ذلك في كل مائة شاة، ولا تجب الزكاة إلاّ في سائمتها أما فريضة الفضة فهي ربع العشر ونصابها مائتا درهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على بيان فريضة زكاة الغنم والإِبل والفضة كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \" وفي صدقة الغنم \" حيث بين زكاة الغنم، كما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.\n٤٧٥ - \" باب لا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلّا ما شاء الصدق \"\n٥٥٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" أن أبا بكر \" كتب له التي أمر الله رسوله: ولا يخرج في الصدقة هرمة \" أي أن الصِّدِّيق كتب لأنس كتابًا يبين له فيه فريضة زكاة الماشية التي أمر الله رسوله بأخذها من أصحاب المواشي، ومما كتب له في هذا الكتاب: \" أنه لا تؤخذ في الزكاة شاة كبيرة السن سقطت أسنانها. \" ولا ذات عوار \" أي ولا شاة معيبة بعيب شرعي واضح يمنع قبولها في الأضحية مثل الشاة المريضة أو الهزيلة أو","vol":"3","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>٤٧٦ - \" بَابٌ لَيْسَ فيمَا دُونَ خمْس ذَودٍ صَدَقَةٌ </span>\"\n٥٦٠ - عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ فيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسَقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أواقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ\nــ\nالعوراء \"ولا تيس\" أي ولا يؤخذ الذكر من المعز \" إلاّ ما شاء المصدق \" إلا إذا وافق الساعي على أخذه لكثرة لحمه أو سمنه فلا مانع من ذلك. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.\nفقه الحديث: دل الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا تؤخذ في الزكاة الشاة المعيبة الواضحة العيب كالمريضة والهزيل والهرمة التي لا تقبل في البيع ولا خلاف في ذلك، فإن كانت كلها معيبة أخذ الوسط عند الجمهور، وكلف بإحضار سليمة عند مالك. ثانيًاً: أنه لا تؤخذ في الزكاة سوى الأنثى وهو مذهب الجمهور، إلاّ إذا كانت كلها ذكورًا فيجزىء الذكر عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: يجزىء الذكر مطلقًا ولو كان فيها إناث.\nوالمطابقة: في قوله: \" ولا يخرج في الصدقة هرمة \".\n٤٧٦ - \" باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة \"\n٥٦٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة \"، أي لا زكاة في أقل من خمسة أوسق من الحبوب والثمار، والوسق ستون صاعًا، قال في \" تيسير العلام \": والصاع النبوي أقل من الكيلة الحجازيّة، والصاع النجدي بالخمس وخمس الخمس، فيكون النصاب بالصاع النبوي ثلاثمائة صاع، وبالصاع النجدي والكيلة الحجازية مائتي صاع وثمانية وعشرين صاعًا نجديًا أو كيلة حجازية. \" وليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق \" بكسر الراء وهي الفضة \"صدقة \" أي ولا تجب","vol":"3","page":39},{"text":"خَمسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَة\".\nــ\nالزكاة في أقل من خمس أواق من الفضة والأوقية الحجازية أربعون درهمًا فيكون نصاب الفضة مئتي درهم. \" وليس فيما دون خمس ذود من الِإبل صدقة \" أي ولا تجب الزكاة في أقل من خمس من الإبل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على بيان أنصبة الزكاة، فنصاب التمر والحبوب خمسة أوسق أي ثلثمائة صاع نبوي، وإليه ذهب أكثر أهل العلم (١) خلافًا لأبي حنيفة، حيث أوجب الزكاة في قليلها وكثيرها لعموم قوله: \" فيما سقت السماء العشر \". ونصاب الفضة: خمس أواق أي مائتا درهم، فإذا بلغت ذلك ففيها ربع العشر. وأما نصاب الذهب فهو عشرون دينارًا أو مثقالًا، قال في \" تيسير العلام \": فيكون اثني عشر جنيهًا سعوديًا أو انجليزيًا لأن وزنهما واحد. ونصاب الإِبل وهو ما ترجم له البخاري \" خمس ذوْد \" أي خمس من الإِبل، فإذا بلغت ذلك ففيها الزكاة شاة واحدة، فإذا زادت ففيها فريضة الزكاة المقررة في موضعها، ولا تجب الزكاة فيها إلاّ بثلاثة شروط (٢): أن تبلغ نصابًا وأن يحول عليها الحول، وأن تكون سائمة.\nوأوجب مالك الزكاة في المواشي مطلقًا سائمة أو غير سائمة، وقال الشافعي إن علفت قدرًا تعيش بدونه وجبت فيها الزكاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" وليس في خمس ذوْدٍ صدقة \".\n...\n_________\n(١) \" فقه السنة \".\n(٢) وهو قول الجمهور كما في \" فقه السنة \".","vol":"3","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-521>٤٧٧ - \" بَابُ الزَّكَاةِ على الزَّوْجِ والأيْتَامِ في الْحِجْرِ </span>\"\n٥٦١ - عَنْ زَيْنَبَ امرأة عبد اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ قَالَت:\nانْطَلَقْتُ إلى النَّبِيِّ - ﷺ - فَوَجَدْتُ امْرَأةً من الأنْصَارِ على البَابِ، حَاجَتُهَا مِثلُ حاجَتِي، فمرَّ علينا، بِلَالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيِّ - ﷺ - أيجْزِيءُ عَنِّي أن أنْفِقَ علَى زَوْجِي وأيتام لِي في حَجْرِي؟ فَقَالَ: \" نَعَمْ، ولَهَا أجْرَانِ، أجْرُ القَرَابَةِ وأجْرُ الصَّدَقَةِ \".\nــ\n٤٧٧ - \" باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر \"\n٥٦١ - معنى الحديث: تحدثنا الصحابية الجليلة السيدة زينب امرأة ابن مسعود ﵄ حديثها هذا عن النبي - ﷺ - فتقول: \" انطلقت إلى النبي - ﷺ - \"، أي ذهبْتُ إليه في منزله كما جاء في حديث خروج النبي - ﷺ - إلى المصلى يوم العيد حيث قال فيه: فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، قالت ﵂: \" فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي \" أي قضيتها التي تريد السؤال عنها مثل قضيتي تمامًا، لأنَّها كانت تريد السؤال عن الصدقة على الأقارب مثلها تمامًا \" فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي - ﷺ - أيجزى عنّي أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري \" أي أتجزىء الزكاة وتصح شرعًا إذا دفعتها لزوجي الفقير، وهؤلاء الأيتام الفقراء الذين قمت بتربيتهم. قال العيني: وفي رواية الطيالسي: \" وهم بنو أخيها وبنو أختها \" \" فقال: نعم، لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة \" قال الحافظ: أي أجر صلة الرحم وأجر منفعة الصدقة.","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>٤٧٨ - \" بَابُ الاسْتِعْفَافِ عن الْمَسْألَةِ </span>\"\n٥٦٢ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\nأنَّ ناسًا من الأنْصَارِ سَألوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فأعْطَاهُمْ، ثمَّ سَألوهُ فأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: \" مَا يَكُونُ عِنْدِي من خَيْرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، ومن يَسْتَعْفِفُ يعفَّهُ اللهُ، ومن يَستَغْن\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال الحافظ: واسْتُدل بهذا الحديث على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، وهو قول الشافعي والثوري وصاحبي أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد. اهـ.\nوقال مالك: إن كان يستعين بما يأخذه على نفقتها فلا يجوز. ثانيًا: جواز إعطاء الصدقة للأيتام في الحجر لما فيه من أجر القرابة، وأجر الصدقة كما جاء في الحديث. ثالثًا: جواز الزكاة على الأقارب الذين لا تلزمه نفقتهم، واستحباب ذلك شرعًا لما فيه من الصدقة والصلة معًا، ولهذا ترجم البخاري في باب آخر بقوله: \" باب الزكاة على الأقارب \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون امرأة ابن مسعود لما قالت للنبي - ﷺ -: أتجزىء عنّي أن أنفق على زوجي وأيتام في حجري قال: نعم \" إلخ.\n٤٧٨ - \" باب الاستعفاف في المسألة \"\n٥٦٢ - معنى الحديث: يحدثنا أبو سعيد ﵁: \" أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده \" بكسر الفاء أي حتى انتهى ما عنده من المال، \" فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم \" أي إنّي لا أمنع عنكم شيئًا من المال يكون عندي فأحتفظ به لغيركم، ثم حثهم على القناعة والتعفف","vol":"3","page":42},{"text":"يُغْنِهِ اللهُ، ومَنْ يَتَصَبَّرَ يُصَبِّرهْ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرًَا وأوْسَعَ من الصَّبْرِ\".\nــ\nعن السؤال وطرق الأسباب المشروعة لكسب المال، فقال: \" ومن يستعفف يعفه الله \" أي ومن يكف نفسه عن السؤال مرة بعد أخرى يمنحه الله العفة، ويجعلها طبيعة له راسخة في نفسه، فيأنف السؤال، ويكرهه بطبيعته، \"ومن يستغن يغنه الله \" أي ومن يعمل ويسعى ويطرق أسباب الكسب الشريف يهيىء الله تعالى له أسباب الغنى ويغنيه عن الناس \"ومن يتصبّر يصبره الله\" أي ومن يعود نفسه على الصبر مرة بعد أخرى يمنحه الله إياه حتى يصبح طبيعة له \" وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوْسَعَ من الصبر \" أي ما أعطى الله أحدًا نعمة ولا خلقًا كريمًا أفضل ولا أوسع من الصبر، لأنه يتسع لكل الفضائل، فكلها تصدر عنه، وتعتمد عليه من عفة، وشجاعة، وعزيمة، وإرادة، وإباء، وغيرها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في التعفف عن السؤال، لما فيه من إراقة ماء الوجه، وإهدار كرامة الإِنسان، فلا يجوز إلّا لحاجة ماسّة على قدر الكفاية عند العجز عن السعي، قال - ﷺ -: \" لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّةٍ سَوِي \". ثانيًا: أن الأخلاق الكريمة يمكن اكتسابها والوصول إليها عن طريق التعود عليها كما قال - ﷺ -: \" ومن يستعف يعفه الله \". والمطابقة: في قوله: \" ومن يستعف يعفه الله \".\n***","vol":"3","page":43},{"text":"٥٦٣ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأنْ يأخُذَ أحدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأتِيَ رَجُلًا فَيَسْألهُ أعْطَاهُ أو مَنَعَهُ \".\nــ\n٥٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده\" أي يقسم النبي - ﷺ - بالله الذي روحه بيده على أن العمل مهما يكن نوعه فهو أفضل من سؤال الناس وإراقة ماء الوجه لهم، وأنه مهما يكن شاقًّا عنيفًا فهو أرحم من مذلّة السؤال \" لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه \" أي لأن يذهب إلى الغابة فيقتطع الحطب من أشجاره، ويجمعه ويحمله على ظهره حتى يأتي السوق فيبيعه فيه، \" خير له \"، أي أشرف وأكرم وأرحم له من أن يمد يده لغيره، سواء أعطاه أو منعه، فإن منعه فقد كسر نفسه، وإن أعطاه فقد منّ عليه، وقد قال الشاعر:\nلَحَمْل الصَخْرِ مِنْ قِمَمِ الجِبَالِ ... أحبُّ إِلَيَّ مِنْ مِنَنِ الرجَالِ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في السعي والعمل وطرق الأسباب المشروعة لكسب الرزق بشرف وكرامة وعزّة نفسٍ، وليس في الإِسلام مهنة وضيعة إلَّا فيما حرمه الشرع كالمخدرات والقمار، والتسول إلَّا لضرورة. ثانيًاً: محاربة الإِسلام للتسول والبطالة، ولذلك أوجب السعي والعمل، ولو كان شاقًا \" كالاحتطاب \" مثلًا. ثالثًا: أن الفقير القادر على الكسب لا تحل له الزكاة، لأنّ النبي - ﷺ - دعاه في هذا الحديث إلى العمل، ولقوله تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) وهو مذهب الجمهور وقد نص الشافعية والحنابلة على أنّه لا تجوز الزكاة لقادر على الكسب، وكذلك المالكية، واستثنى الفقهاء من ذلك \"القادر على العمل","vol":"3","page":44},{"text":"٥٦٤ - عَنْ حكيم بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: سَألتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فأعْطَانِي، ثُمَّ سَألتُهُ فأعْطَانِي، ثُمَّ سَألتُهُ فَأعطَانِي، ثُمَّ قَالَ: \" يَا حَكِيمُ إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يأكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، واليَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى \" قَالَ حَكِيمُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ والَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ لا أرزَأُ احَدًا بَعْدَكَ شَيْئًَا حَتَّى أفَارِقَ\nــ\nإذا لم يجد من يستعمله\" أو طالب العلم إذا تفرغ له. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له \".\n٥٦٤ - معنى الحديث: يقول حكيم ﵁: \" سألت رسول الله - ﷺ - فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة \" بفتح الخاء وكسر الضاد \" حلوة \" أي شيء محبوب مرغوب ترغبه النفس وتحرص عليه بطبيعتها، كما تُحَبُّ الفاكهة النضرة، الشهية المنظر، الحلوة المذاق \" فمن أخذه بسخاوة نفس \" أي فمن حصل عليه عن طيب نفس، وبدون إلحاح وشره \" بورك له فيه \" أي وضع الله له فيه البركة فينمو ويتكاثر، وإن كان قليلًا، ورزق صاحبه القناعة، فأصبح غنيَّ النفس، مرتاح القلب، وعاش به سعيدًا، \" ومن أخذه بإشرافِ نفس \" أي بإلحاح وشره وبدون طيب نفس \" لم يبارك له فيه \" أي نزع الله منه البركة، وسلب صاحبه القناعة، فأصبح فقير النفس دائمًا ولو أعطي كنوز الأرض، \" وكان كالذي يأكل ولا يشبع \"، أي كالملهوف الذي لا يشبع من الطعام مهما يأكل منه. \" اليد العليا خير من اليد السفلى \" أي: اليد المتعففة خير من اليد السائلة لأنّها قد تعالت وترفعت بنفسها عن ذل السؤال، على عكس الأخرى","vol":"3","page":45},{"text":"الدُّنْيَا، فَكَانَ أبُو بكرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إلى الْعَطَاءِ، فَيَأبَى أنْ يَقبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فأبَى أنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًَا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ على حَكِيمٍ أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْه حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأبَى أنْ يَأخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأ حَكِيم أحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - حَتَّى تُوُفِّيَ \".\nــ\nالتي حطت من قدر نفسها وكرامتها بما عرضت له نفسها من المذلة. \" فقلت لا أرزأ أحدًا بعدك \" أي لا أسأل أحدًا شيئًا بعدك \" فكان أبو بكر يدعوه إلى العطاء فيأبى أن يقبل منه \" فلا يأخذ منه شيئًا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: \" إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم: أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه \" قال العيني: وإنما أشهد عمر على حكيم لأنه خشي سوء التأويل فأراد تبرئة ساحته بالإِشهاد عليه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في الاستعفاف عن السؤال والقناعة والرضا بالقليل، وأن اليد العفيفة المتعففة خير عند الله من اليد السائلة، لأنّها يد عليا صانت نفسها عن ذل السؤال. وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًاً: أن من أخذ المال من طرقه المشروعة عن سماحة نفس وقنع بما أعطاه الله منه بارك الله له فيه، وجعل له القليل كثيرًا، والعكس بالعكس. ثالثًا: أن سؤال السلطان لا عار فيه كما قال المهلب. والمطابقة: في قوله: \" اليد العليا خير من اليد السفلى \" لأن المراد باليد العليا اليد المتعففة.\n***","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-523>٤٧٩ - \" بَابُ مَنْ أعْطَاهُ اللهُ شيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْألةٍ ولا إِشْرَافِ نفْسٍ </span>\"\n٥٦٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِيني الْعَطَاءَ فَأقُولُ أعْطِهِ مَنْ هُوَ أفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: \" خُذْهُ، إِذا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيء وَأنْتَ غَيْرُْ مُشْرِفٍ ولا سَائِلٍ فَخُذْهُ، ومَالا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ \" (١).\nــ\n٤٧٩ - \" باب من أعطاه الله شيئًا من في مسألة ولا إشراف نفس \"\n٥٦٥ - معنى الحديث: يقول عمر ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - يعطيني العطاء \" أي: كان رسول الله - ﷺ - يعطي لعمر ﵁ شيئًا من مال الزكاة على أنه عمولة على عمله فيها، لا على أنه صدقة، لأنه ليس بفقير. \" فأقول: أعطه من هو أفقر مني \" لأنّه ظن أنه يعطيه إياه على أنه صدقة، \" فقال: خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف \" أي غير متطلع إليه ولا حريص عليه ولا ساع في سبيله، \" فخذه \" حلالًا.\nفقه الحديث: دل الحديث على مشروعية أخذ العطية بدون سؤال ولا إشراف نفس. فإنه يندب أخذها، وليس فيه دليل على إعطاء الزكاة من لا يستحقها، فإن ما أخذه عمر عمولة لا صدقة، أمّا إذا خالط المال حرام، فقد كرهه (٢) مالك والثوري، وأجازه ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n_________\n(١) أي لا تتطلع إليه، ولا تعلق به قلبك.\n(٢) أي كره أخذ العطية من المال المخلوط بالحرام.","vol":"3","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-524>٤٨٠ - \" بَابُ مَنْ سَألَ النَّاسَ تكَثُّرًا </span>\"\n٥٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأل النَّاسَ حَتَّى يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم، وقالَ: إِنَّ الشَّمسَ تَدْنُو يَومَ القِيَامَةِ حتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأذُنِ، فَبَيْنَما هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -\"\nــ\n٤٨٠ - \" باب من سأل الناس تكثرًا \"\n٥٦٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة (١) لحم \"، أي ما يزال الرجل المتسول يكثر من التسول ويلحّ في سؤال الناس عن غير عوز وفاقة، وإنما يسأل تكثرًا ويذل نفسه ويمتهن كرامته التي أوجب الله عليه صيانتها.\nفيغضب الله عليه فيذله ويهينه يوم القيامة كما أذل نفسه في الدنيا، ويفضحه على رؤوس الأشهاد، فيسلخ له وجهه كله، حتى يأتي أمام الناس وليس في وجهه قطعة لحم جزاءً وفاقًا لما فعله في الدنيا من إراقة ماء الوجه، \" وقال: إنّ الشمس تدنو يوم القيامة \" أي تقترب من رؤوس العباد، ويشتد حرها، فيعرقون \" حتى ييلغ العرق نصف الأذُن \" فإذا وقع ذلك كان أذاها لمن لا لحم في وجهه أشد وألمها أقوى وأعظم، كما أفاده القسطلاني، \" فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد \" أي ذهبوا إلى الأنبياء السابقين من آدم إلى نوح إلى عيسى يلتمسون منهم الشفاعة لفصل القضاء، فلم يشفعوا لهم، فذهبوا إلى سيدنا محمد - ﷺ -، فشفّعه الله في خلقه.\n_________\n(١) بضم الميم وسكون الزاي.","vol":"3","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-525>٤٨١ - \"بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وكَم الغِنَى</span>\"\n٥٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" لَيْس الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ والتَّمْرَةُ والتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الذي لا يَجِدُ غِنى يُغْنِيْهِ، وَلَا يُفْطنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأل النَّاسَ \".\nــ\nفقه الحديث: دل الحديث على تحريم السؤال على الغني تكثرًا، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على معصية، وقد توعد الله المتسول تكثرًا بسلخ وجهه يوم القيامة، كما أراق ماء وجهه في الدنيا، والجزاء من جنس العمل، لأن السؤال مذلة، والله لا يرضى للمسلم أن يعرّض نفسه لهذه المهانة إلاّ لضرورة.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم \".\n٤٨١ - \" باب قول الله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) وكم الغنى \"\nومعنى قوله: \" وكم الغنى \" أي وما مقدار المال الذي يكون به المسلم غنيًا لا تحل له الصدقة ولا الأخذ من الزكاة.\n٥٦٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - قال: ليس المسكين الذي يطوف \" أي ليس المسكين الأولى بأخذ الزكاة هو ذلك المتسول الذي يتجوّل في الأسواق، ويتكفف الناس، ويلح في التسول صباح مساء، \" ولكن المسكين \" الذي هو أحق بالصدقة والزكاة، هو ذلك الضعيف الحال، \" الذي لا يجد غنى يغنيه \" أي لا يملك","vol":"3","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-526>٤٨٢ - \" بَابُ خرْصِ التَّمرِ </span>\"\n٥٦٨ - عن أبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ:\nغزَوْنَا مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تَبُوكٍ، فلمَّا جَاءَ وَادِي القُرَى إِذَا امْرَأة في حَدِيْقَةٍ لهَا، فقالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأصْحَابِهِ: اخْرُصُوا وخَرَصَ رَسُولُ اللهِ\nــ\nإلّا قليلًا من المال، لا يكفي لنفقته ونفقة عياله، وهو مع ذلك صابر متعفف يستر حاله عن الناس \" ولا يُفطَنُ له \" بالبناء للمجهول، أي لا يشعر به أحد من الناس، ولا يتنبهون لفقره بسبب عفته، وشدة حيائه، وتجمُّلِهِ.\n\" ولا يقوم فيسأل الناس \" حتى يعلموا حاجته فيتصدقوا عليه، وفي رواية أخرى: \" ولكن المسكين الذي ليس له غنى، ويستحي، ولا يسأل الناس إلحافًا \". الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي. والمطابقة: في قوله: \" ولا يقوم فيسأل الناس \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحديد معنى الفقير الذي تحل له الزكاة بأنه هو الذي لا يجد غنى يغنيه، أي الذي لا يجد الكفاية من المال لنفقته ونفقة عياله، فإن وجد الكفاية فهو غني، لا يجوز له الأخذ من الزكاة، واختلفوا في الكفاية، فقالت المالكية والحنابلة كفاية السنة، وقالت الشافعية: كفاية العمر لأمثاله، وقالت الحنفية: امتلاك النصاب الشرعي للزكاة زائدًا عن حاجته وحاجة عياله. ثانيًاً: الثناء على الفقير المتعفف، وكونه أحق بالصدقة من المتسول.\n٤٨٢ - \" باب خرص التمر \"\n٥٦٨ - معنى الحديث: يقول أبو حميد ﵁: \" خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك \" وهي تلك الغزوة التي خرج فيها النبي - ﷺ - في شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة لقتال الروم، \"فلما جاء","vol":"3","page":50},{"text":"- ﷺ - عَشرَةَ أوْسُق، فَقَالَ لَهَا: أحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَلَمَّا أتيْنَا تَبُوكَ قَالَ: أمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ ريحٌ شَدِيدَةٌ، فلا يَقُومَنَّ أَحدٌ، وَمَنْ كانَ مَعَهُ بَعِير فَلْيَعْقِلْهُ، فَعَقَلْنَاهَا وهَبَّتْ ريح شَدِيدَةٌ، فقامَ رَجُل فألْقَتهُ بِجَبَل طيَءٍ، وأهدَى مَلِكُ أْيلَةَ للنَّبِيِّ - ﷺ - بَغَلَةً بَيضَاءَ، وكسَاهُ بُرْدًا، وكَتَبَ لَهُ ببحرِهِمْ، فَلَمَّا أَتى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأةِ: كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ، قَالَتْ: عَشرَةَ أوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: إنَّي مُتَعَجِّلٌ\nــ\nوادي القُرى إذا امرأة في حديقة لها\" أي: فلما وصلنا وادي القرى وجدنا امرأة في بستان لها يحتوي على بعض النخيل المثمرة، \" فقال النبي - ﷺ - لأصحابه: \" اخرصوا \" وخرص رسول الله - ﷺ - عشرة أوسق \" أي: وقدر النبي - ﷺ - أن تلك الثمرة التي على النخل إذا جفت تبلغ عشرة أوسق، أي ستمائة صاع من التمر، لأن الوسق ستون صاعًا، \" فقال لها أحصي ما يخرج منها \" أي كيليها إذا جفت، واعرفي كم صاعًا بلغت، واضبطي عدد كيلها، \" فلما أتينا تبوك قال: أما إنها ستهب الليلة ريح شديدة \"، أي عاصفة قويّة \" فلا يقومن أحدٌ، ومن كان معه بعير فليعقله \"، أي فليربطه لئلا تحمله \" العاصفة وتؤذيه \" وهبت ريح شديدة فقام رجل فألقته بجبل طيء \" (١) في ضواحي حائل. \" وأهدى ملك أيلة \" وهي العقبة \" للنبي - ﷺ - بغلة بيضاء \" تُسمَّى دلدل، واسم الملك يوحنا بن رُوبَة \" وكساه بُرْدًا \"، أي بعث إليه كسوة فاخرة \" وكتب له - ﷺ - ببحرهم \" أي وأمره النبي - ﷺ - على تلك المنطقة البحرية الواقعة على ساحل البحر الأحمر. \" فلما أتى - ﷺ - وادي القرى قال للمرأة: كم جاء حديقتك \" أي: كم صاعًا أثمرت حديقتك \" قالت: عشرة أوسق خرص رسول الله - ﷺ - \"، أي بلغت ثمرتها عشرة أوسق مثل\n_________\n(١) بتشديد الياء وكسرها.","vol":"3","page":51},{"text":"إلى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أراد مِنْكُمْ أنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلَ، فلَمَّا - قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا - أشْرَفَ علَى الْمَدِينَةِ قَالَ: \" هَذِه طَابَةُ \" فَلمَّا رَأَى أحُدًا قَالَ: \" هَذَا جُبَيْلٌ يُحبُنّاَ وَنُحِبَّهُ ألا أخْبِرُكُمْ بِخَيرِ دوُرِ الأنْصَارِ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أو دُورِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرجِ، وفي كُلِّ دُورٍ الأنْصَارِ يَعْنِي خَيْرًا.\nــ\nخرص النبي - ﷺ - تمامًا، \" فلما أشرف على المدينة \" ورأى مبانيها \" قال: هذهْ طابة \" أي هذه هي المدينة الطيبة التي سماها الله طابة لطيبها \" فلما رأى - ﷺ - أحدًا قال: هذا جُبَيْلٌ يحبنا \" حقيقة لا مجازًا كما أخبر النبي - ﷺ -، ولا حاجة إلى تأويله \" ألا أخبركم بخير دور الأنصار، قالوا: بلى، قال: دور بني النجار \": أي أفضلها قبائل بني النجار، كما أفاده العيني، \" وفي كل دور الأنصار \"، أي وجميع قبائل الأنصار لها مزية وشرف وفضل في الجاهلية والِإسلام.\nفقه الحديث: دل الحديث على فوائد وأحكام كثيرة \" منها \" مشروعية الخرص (بفتح الخاء، وقد تكسر) وهو تقدير ما على النخل من الرطب تمرًا، ليحصى على مالكه، فيتوصل به إلى تحديد فريضة الزكاة فيها، وهو مذهب الجمهور، عملًا بحديث الباب، وحديث عتاب بن أسيد \" أنّه - ﷺ - كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم \" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة. وفيه انقطاع، لأن ابن المسيب لم يسمع من عتّاب وعنه - ﷺ -: \" إذا خرصتم فخذوا (١) ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث\n_________\n(١) وفي نسخة لأبي داود: فجذوا، والجذاذ قطع ثمر النخل، وفي نسخة: فجدوا، بالدال بمعنى القطع أيضًا. (ع).","vol":"3","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>٤٨٣ - \" - بَابُ الْعُشُرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ أو بالْمَاءِ الْجَارِي </span>\"\n٥٦٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أوْ كَانَ عَثَرِيًا الْعُشْرُ، ومَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشُرِ \".\nــ\nفدعو الربع\" أخرجه الخمسة. قال مالك: فإذا أخطأ الخارص في التقدير، وكان مأمونًا وتحرى الصواب وجب دفع ما خرص. وقال ابن حزم: إذا غلط الخارص أو ظلم رُدَّ إلى الحق. وأنكر أبو حنيفه الخرص، وقال: إنه ظن وتخمين ورجم بالغيب لا يلزم به حكم شرعي. والمطابقة: في قوله: \" وخرص رسول الله - ﷺ - \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\n٤٨٣ - \" باب العشر فيما يسقى من ماء السماء أو الماء الجاري \"\n٥٦٩ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثريًا \" (١) وهو ما سقى بالأنهار والعيون والوديان الجارية \" العشر \" أي عشر غلته. \" وما سقي بالنضح \" بفتح النون وسكون الضاد (٢)، أي: وكل زرع سقي بسبب إخراج الماء من البئر بالبعير أو الآلة فإن فيه \" نصف العشر \" أي نصف عشر غلته. الحديث: أخرجه أيضًا أصحاب السنن. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فيما سقت السماء إلخ \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان فريضة زكاة الحبوب والثمار، وأنها العشر فيما سقى بالأمطار والعيون والأنهار دون آلة أو مؤنة، ونصف العشر فيما سقى بآلة من ساقية أو مضخة أو نحوهما.\nثانيًاً: دل الحديث بمفهومه على أنّ ما سقي نصف العام بآلة ونصفه بغيرها فيه ثلاثة أرباع العشر، قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافًا.\n_________\n(١) بفتح العين والثاء.\n(٢) من قولهم نضح البعير الماء إذا حمله من البئر ليسقى به الزرع.","vol":"3","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-528>٤٨٤ - \" بَابُ أخذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صرِامِ النَّخلِ، وَهَلْ يُتركُ الصَّبِيُّ فيمسُّ تمر الصَدَقَة </span>\"\n٥٧٠ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُؤتَى بالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَمِ النَّخْلِ، فَيَجِىءُ هذا بِتَمْرِهِ، وهَذَا مِنْ تَمْرِهِ، حتى يَصِير عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فجعَلَ الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بذَلِكَ التَّمْرِ، فأخَذَ أحَدُهُمَا تَمْرَةً فَجَعَلَهَا في فِيهِ، فَنَظر إِلَيْهِ رَسُولُ - ﷺ - فأخرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: \" أمَا عَلِمْتَ أنَّ آل مُحَمَّدٍ لَا يَأكلُونَ الصَّدَقَةَ \".\nــ\n٤٨٤ - \" باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل وهل يترك الصبي فيمس تمر الصدقة \"\n٥٧٠ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - يؤتى بالتمر عند صرام النخل \" أي يأتيه الناس بزكاة تمورهم عند قطع التمر عن النخل بعد إدراكه وتمام جفافه (١)، \" فجلس الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر فأخذ أحدهما \" وهو الحسن \" تمرة \" من تمور الزكاة فنظر إليه رسول الله \" نظرة نهي ولوم له على ما فعل، \" فأخرجها من فيه \"، أي فأخرج الحسن تلك التمرة من فمه، \" فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلوِن الصدقة \"، أي أما علمت أنّ بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة تكريمًا وتشريفًا لهم \" لأنها من أوساخ الناس \" كما قال - ﷺ - (٢).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن زكاة التمر تؤخذ\n_________\n(١) قال الإسماعيلي أراد بقوله عند صرام النخل: أي بعد أن يصير تمرًا.\n(٢) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.","vol":"3","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>٤٨٥ - \" بَابٌ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ صَدَقَةٌ </span>\"\n٥٧١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لَيْسَ على الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ في عَبْده ولا فَرَسِهِ \".\nــ\nعند جذاذه وتمام إدراكه وجفافه، لأن الصحابة كانوا يأتون بها عند صرام النخل، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًاً: أن الصدقة مطلقًا فريضة أو تطوعًا لا تحل لآل النبي - ﷺ - لحديث الباب، وحديث سلمان ﵁ قال: \" كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة \". أخرجه أحمد، أما آل النبي الذين لا تحل لهم الصدقة فهم عند مالك وأبي حنيفة بنو هاشم فقط، ويدخل فيهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب لقوله - ﷺ -: \" أنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد \" أخرجه البخاري وأحمد. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" يؤتى بالتمر عند صرام النخل \".\n٤٨٥ - \" باب ليس على المسلم في عبده صدقة \"\n٥٧١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسة \" أي: لا يجب على المسلم أن يُخْرج زكاةً عن عبده ولا عن فرسه وإن كانت من الأشياء المملوكة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا زكاة في العبيد والجواري وهو مذهب الظاهرية، وقال الجمهور: إن كانت للتجارة ففيها الزكاة. ثانيًاً: أن لا زكاة في الخيل، وهو مذهب الظاهرية، وقال","vol":"3","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-530>٤٨٦ - \" بَابٌ إذَا تحوَّلَتِ الصَّدَقَةُ </span>\"\n٥٧٢ - عنْ أَنَسٍ ﵁:\nأن النَّبِيَّ - ﷺ - أتِي بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَريْرَةَ فَقَالَ: \" هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّة \".\nــ\nالجمهور: إن كانت للتجارة ففيها الزكاة، وقال أبو حنيفة. إن كانت سائمة ففيها الزكاة.\n٤٨٦ - \" باب إذا تحولت الصدقة \"\n٥٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" أن النبي - ﷺ - أتي بلحم تصدق به على بِرَيْرَة \" مولاة عائشة، وكانت امرأة فقيرة يتصدق عليها الناس، فأتت يومًا بشيء من ذلك اللحم الذي تصدق به عليها إلى النبي - ﷺ - وأعطته إياه فتقبله منها \" فقال: هو عليها صدقة وهو لنا هدية \" أي فأكل منه - ﷺ - وقال: إن هذا اللحم الذي هو بالنسبة لبريرة صدقة، قد صار بالنسبة إلينا هدية وحل لنا الأكل منه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن الصدقة إذا وصلت إلى يد صاحبها وتسلّمها المتصدق عليه صارت ملكًا له، يحق له أن يهديها، ويبيعها، ويتصرف فيها كيف يشاء، فيحل للغني وللهاشمي أن يأخذها منه بيعًا أو هدية. ويؤخذ منه أيضًا جواز الهدية لآل بيت النبوة وتحريم الصدقة عليهم، والفرق بين الهدية والصدقة أن الهدية عطية يقصد بها ثواب الدنيا، والصدقة يقصد بها ثواب الآخرة. والمطابقة: من حيث إن الصدقة على بريرة صارت هدية منها بسبب تملكها لها، كما أفاده العيني.","vol":"3","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>٤٨٧ - \" بَابٌ في الرِّكازِ الخمس </span>\"\n٥٧٣ - عَنْ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، والبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدَنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>٤٨٨ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وَمُحَاسَبَةِ الْمُصَدِّقينَ مَعَ الإِمَامِ </span>\"\n٥٧٤ - عنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ:\nــ\n٤٨٧ - \" باب في الركاز الخمس \"\n٥٧٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"العجماء جبار\"، أي أن ما تحدثه البهيمة من تلف أو ضرر فهو هدر لا ضمان فيه، \" والبئر جبار، والمعدن جبار \" فإذا وقع إنسان في بئر ماء، أو منجم ذهب، فمات فلا ضمان فيه، \" وفي الركاز الخمس \" أي ويجب إخراج الخمس من كل كنز جاهلي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه إذا انفلتت الدابة فأتلفت مالًا أو نفسًا، ولم يكن صاحبها حاضرًا، فلا ضمان عليه، أما إن كان معها صاحبها فإنه يضمن ما حدث منها، وهو مذهب مالك. ومن وافقه من أهل العلم (١). ثانيًاً: أن من وقع في بئر أو منجم فمات فلا ضمان فيه.\nثالثًا: وجوب الخمس في الركاز وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الستة.\n٤٨٨ - \" باب قول الله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ومحاسبة المصدقين مع الإِمام \"\n_________\n(١) قال مالك: يضمن من يكون معها مالكًا أو أجيرًا أو مستعيرًا مطلقًا، وقال أحمد وأبو حنيفة: يضمن الراكب ما أتلفته بيدها، أما ما أتلفته برجلها فلا اهـ. شرح البخاري للشماعي.","vol":"3","page":57},{"text":"\" اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>٤٨٩ - \" بَابُ وَسْمَ الإِمَامَ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ </span>\"\n٥٧٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\"غَدَوْتُ إلى رَسُولِ - ﷺ - بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ\nــ\nأي هذا باب يذكر فيه الأحاديث المتعلقة بقوله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ومحاسبة الإِمام للمصدقين، جمع مصدّق، وهو الساعي والعامل الذي يجمع الزكاة من أصحابها.\n٥٧٤ - معنى الحديث: يقول أبو حميد ﵁: \" واستعمل رسول الله - ﷺ - رجلًا من الأسد \" بفتح الهمزة وسكون السين أي من: الأزد، وهي قبيلة عربية معروفة، أي أرسله ساعيًا وعاملًا لجمع الزكاة من أصحابها، \" فلما جاء حاسبه \" على الزكاة التي جمعها حرصًا منه - ﷺ - ومحافظة على حقوق المستحقين لها.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنه يجب على الإِمام أن يعيّن ساعيًا لجمع الزكاة، وأن يحاسبه عليها محافظة على حقوق ذويها والمستحقين لها، ويسمى هذا الساعي عاملًا، وجمعه عاملون، كما في قوله تعالى: (وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) ويسمى مصدقًا، وهو المعْنِيُّ بقول البخاري: ومحاسبة المصدق. أي محاسبة الإِمام للساعي كما فعل النبي - ﷺ - في هذا الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فلما جاء حاسبه \".\n٤٨٩ - \" باب وسم الإِمام إبل الصدقة \"\n٥٧٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \"غدوت إلى","vol":"3","page":58},{"text":"بِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبلَ الصَّدَقَةِ\".\nــ\nرسول الله - ﷺ - بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه\"، أي ذهبت صباحًا بعبد الله ابن أبي طلحة إلى رسول الله - ﷺ - من أجل أن يحنكه، والتحنيك: هو أن تمضغ تمرة ثم تجعل في حنك الصبي، وتحك فيه حتى تتحلل في فمه، وكانوا يفعلون ذلك تبركًا بريقه - ﷺ -. \" وافيته في يده الميسَمُ \" أي فوجدته في يده الميسم، وهو آلة من حديد يكوى بها البعير فتُحْدِثُ فيه علامة تميزه عن غيره، \" يسم إبل الصدقة \" أي يكوي بهذه الآلة إبل الصدقة لتحدث فيها \" وسمًا \" أي علامة خاصة بها تختلف عن سواها فتميزها عن غيرها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب وسم إبل الصدقة وبقرها وغنمها، فأما الإِبل والبقر فتوسم في أفخاذها أما الغنم فتوسم في آذانها. ثانيًا: أنه يستحب تحنيك الصبي وأن يقوم به أهل الخير والفضل والصلاح. والمطابقة: في قوله: \" يسم إبل الصدقة \".\n***","vol":"3","page":59},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-535> أبوابُ صدَقَةِ الْفِطْرِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>٤٩٠ - \" بَابُ فَرْض صَدَقَةِ الْفِطْرِ </span>\"\n٥٧٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زكَاةَ الْفِطر صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أو صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ والْحُرِّ، والذَّكَرِ والأنثى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وأمَرَ بِهَا أن تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاس إلى الصَّلَاةِ \".\nــ\n\n\" أبواب صدقة الفطر \"\nأي الأبواب التي نذكر فيها الأحاديث المتعلقة بزكاة الفطر. وصدقة الفطر: لفظ إسلامي لم يكن معروفًا قبل الإِسلام وإنما هو من الأداء الشرعية والمصطلحات الإِسلامية الخاصة بديننا الحنيف، كما أفاده العيني. والحكمة في مشروعيتها تهذيب النفس وإصلاح الطبيعة البشرية والتسامي بها، وهي طُهْرَةٌ للصائم، وطعمة للمساكين، وإغناء لهم عن السؤال يوم العيد.\n٤٩٠ - \" باب فرض صدقة الفطر \"\n٥٧٦ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر صاعًا من تمر \" أي شرع رسول الله - ﷺ - لهذه الأمة زكاة الفطر، وحدد حكمها، فجعلها فرض عين على كل مسلم ومسلمة. ثم بين رسول الله - ﷺ - أن مقدارها صاع وهو خمسة أرطال وثلث عند الجمهور، وثمانية أرطال عند أبي حنيفة. ثم بين الأصناف التي تخرج منها، وأنها من غالب قوت البلد كما قال ﵁: \"صاعًا من تمر","vol":"3","page":60},{"text":"أو صاعًا من شعير\" وفي رواية أخرى \" صاعًا من طعام \" وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر \". اهـ. فجعلها النبي - ﷺ - في هذه الأصناف لأنّها غالب قوت أهل المدينة، ثم بين - ﷺ - أنها تجب: \" على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير \" ويخرجها عنه وليه \" والكبير من المسلمين \" خاصة \" وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة \" أي بعد صلاة الفجر وقبل خروج الناس إلى صلاة العيد. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنّ زكاة الفطر فرض على كل مسلم يملك ما يزيد على قوته وقوت عياله، سواء كان ذكرًا أو أنثى عبدًا أو حرًا، صغيرًا أو كبيرًا، وقال أبو حنيفة: إنها واجبة وليست فرضًا وتجب على من يملك النصاب الشرعي، وليس عليه دليل. ثانيًاً: أنّ مقدارها صاع، وهو خمسة أرطال وثلث عند الجمهور، وثمانية أرطال عند أبي حنيفة. ثالثًا: أنها تخرج من غالب قوت البلد من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط (١) أو غيرها، وإنما ذكر النبي - ﷺ - هذه الأصناف، لأنها غالب قوت المدينة في العهد النبوي. رابعًا: قال أبو حنيفة: الواجب من القمح نصف صاع فقط، لقول معاوية على المنبر: -أي على منبر السجد النبوي- \" إني أرى مدين من حمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، وموافقة الصحابة على قوله هذا. وقد اختاره ابن تيمية (٢)، والجمهور على أن في البر صاعًا كغيره لعموم الأحاديث. خامسًا: أنه يستحب إخراجها قبل صلاة العيد وسيأتي تفصيله. والمطابقة: في قوله: \" فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر \".\n_________\n(١) وهو اللبن الحامض المجفف.\n(٢) \" الاختيارات الفقهية \" لابن تيمية.","vol":"3","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-536>٤٩١ - \" بَابُ الصَّدَقَةِ قَبلَ الْعِيدِ </span>\"\n٥٧٧ - عن ابنِْ عُمَرَ ﵄:\n\" أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ \".\n٥٧٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال:\n\" كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَام،\nــ\n٤٩١ - \" باب الصدقة قبل العيد \"\nأي هذا باب يذكر فيه حكم إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد وأن إخراجها في هذا الوقت بالذات مستحب لا واجب، وأن الواجب هو إخراجها في جميع نهار عيد الفطر سواء كان قبل الصلاة أو بعدها، قال الحافظ في \" الفتح \": وحمل الشافعي التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار.\n٥٧٧ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ يحدثنا: \" أن النبي - ﷺ - أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة \" أي أمر النبي - ﷺ - أصحابه وسائر المسلمين أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب.\nأن يخرجوا زكاة الفطر قبل خروج الناس لصلاة العيد، قال العيني: ظاهره يقتضي وجوب الأداء قبل صلاة العيد، لكنه محمول على الاستحباب، وذلك ليحصل الغناء للفقراء في هذا اليوم، ويستريحوا عن الطواف. الحديث:\nأخرجه الخمسة، أي ما عدا ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة \" وأقل مقتضيات الأمر الندب والاستحباب وهو ما ترجم له البخاري.\n٥٧٨ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد ﵁: \"كنا نخرج","vol":"3","page":62},{"text":"وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرُ والزَّبِيبُ والأقطُ والتَّمْرُ\".\nــ\nفي عهد رسول الله - ﷺ - يوم الفطر\" أي كان الوقت الذي نخرج فية زكاة الفطر في زمن النبي - ﷺ - هو يوم عيد الفطر \" صاعًا من طعام \" أي وكانت صدقة الفطر مقدار صاع من غالب قوت المدينة وطعامها الذي نأكله فيها، \" وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط \" (١) أي وكان غالب طعام المدينة من الأصناف المذكورة، ومنها الأقط. والمطابقة: في قوله: \" كنا نخرج في عهد رسول الله يوم الفطر \".\nويستفاد من الحديثين ما يأتي: أولًا: استحباب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وأن لها وقتين: وقت ندب واستحباب: وهو قبل الصلاة، لقول ابن عمر ﵄، كما في الحديث الأول: \" أمر - ﷺ - بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة \" وأقل مقتضيات الأمر الاستحباب.\nووقت وجوب: وهو يوم عيد الفطر سواء كان ذلك قبل الصلاة أو بعد الصلاة لقول أبي سعيد: \" كنا نخرج في عهد رسول الله يوم الفطر، فمن أخرجها في يوم العبد (٢) فقد أدّى ما عليه من زكاة الفطر \". وقد أخرج البخاري حديث أبي سعيد بعد حديث ابن عمر ليوضح أن الأمر في حديث ابن عمر للاستحباب فقط وهو مذهب الجمهور حيث قالوا: إنما يستحب إخراجها قبل الصلاة ولا يجب، وقال ابن حزم: يجب إخراجها قبل الصلاة متمسكًا بظاهر حديث ابن عمر، وقال: يحرم تأخيرها، واختلفوا في يوم الفطر الذي تجب الزكاة فيه فقال أبو حنيفة ومالك: من فجر اليوم إلى الغروب، والباقون على أنه من غروب شمس آخر رمضان. ثانيًا: أن الفطرة من غالب قوت البلد. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\n_________\n(١) بفتح الهمزة وكسر القاف، وقد تسكن، ويتخذ من اللبن المخيض، ويطبخ ثم يترك حتى يمصل اهـ. كما في (المصباح).\n(٢) أي اليوم الأول من أيام العيد.","vol":"3","page":63},{"text":"بِسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-537> كتابُ الْحَجِّ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>٤٩٢ - \" بَاب وجُوبِ الْحَجِّ وَفضلِهِ </span>\"\n٥٧٩ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nكَانَ الْفَضْلُ بْن الْعَبَّاس رَدِيفَ رسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَاءَتْ امْرَأةٍ من خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظرٌ إليهَا وتَنْطر إليْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ\nــ\n٤٩٢ - \" باب وجوب الحج وفضله \"\nأي هذا باب يذكر فيه الأحاديث الدالة على وجوب الحج ... إلخ. والحج لغة: كما قال الخليل هو \" كثرة القصد إلى من تعظمه \". وشرعًا: قصد البلد الحرام لأداء عبادة الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وسائر المناسك استجابة لأمر الله تعالى محرِمًا بنيّة الحج. والمختار عند الجمهور أنّه شرع في السنة السادسة من الهجرة لأنها هي السنة التي نزل فيها قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) بناءً على أن المراد بالإِتمام \" إقامة الحج \" ويؤيده قراءة علقمة، ومسروق والنخعي: \"وأقيموا الحج والعمرة لله \" رواه الطبراني بسند صحيح، ورجح ابن القيم افتراض الحج في السنة التاسعة أو العاشرة (١). أما حكمه وشروطه فسيأتي بيانها.\n٥٧٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \"كان\n_________\n(١) انظر \" زاد المعاد \" لابن القيم (٢/ ١٠١).","vol":"3","page":64},{"text":"وَجْهَ الْفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ على عِبَادِهِ في الْحَجِّ قَدْ أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عَنْهُ، قَالَ: \" نَعَمْ \"، وذلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ.\nــ\nالفضل بن العباس رديف رسول الله - ﷺ -\" أي راكبًا خلفه على الدابّة \" فجاءت امرأة من خثعم \" أي: فجاءت إلى النبي - ﷺ - امرأة جميلة من خثعم وهي قبيلة يمنية تسأل رسول الله عن الحج، \" فجعل الفضل ينظر إليها \" أي ينظر إلى جمالها وحسن صورتها \" وتنظر إليه \" أي وكانت هي أيضًا تبادله نظرة بنظرة، وتكرر النظر إلى وجهه لوسامته وملاحته وحسن صورته، لأنه ﵁ كان شابًا وسيمًا مليح الصورة كما في الرواية الأخرى حيث قال: وكان الفضل رجلًا وضيئًا \" وجعل النبي - ﷺ - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر \" أي فلما لاحظ النبي - ﷺ - عليهما تبادل النظرات صار يدير وجه الفضل إلى الجهة الأخرى، ليكف بصره عن النظر إليها، ولتقلع هي أيضًا عن النظر إليه \" فقالت: يا رسول الله إنّ فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت أبي شيخًا كبيرًا \" أي أن الله قد شرع الحج وفرضه على عباده عندما أصبح أبي شيخًا هرمًا طاعنًا في السن، أو أنه لم تتوفر فيه شروط الحج إلاّ في هذه السن المتأخرة من عمره التي أصبح فيها عاجزًا ضعيف الجسم منهوك القوى، حتى أنه \" لا يثبت على الراحلة \" أي لا يستقر جسمه على الدابة التي يركبها، ولهذا فقد أصبح عاجزًا عن الحج، \" أفأحج عنه؟ \" أي هل يجوز أن أنوب عنه في الحج، وهل يجزىء عنه ذلك في حج الفريضة.\nوتسقط عنه حجة الإِسلام وتبرأ ذمته منها. \" قال: نعم \" حُجِّي عنه، فإنه تصح النيابة عنه فِي الفريضة ما دام عاجزًا عنها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب الحج وكونه","vol":"3","page":65},{"text":"ركنًا من أركان الإِسلام لقولها: \" إن فريضة الله على عباده \" حيث سمّت الحج فريضة وأقرها النبي - ﷺ - على ذلك، ولأن الحديث دل على تأكيد الأمر بالحج حتى إن العاجز عنه لعارض بدني من شيخوخة، أو غيرها لا يعذر في تركه، ولا يسقط عنه، كما قال العيني، بل يحج عنه بدليل أن الخثعمية لما قالت للنبي - ﷺ -: أفأحج عنه؟ قال: \"نعم \" والحج واجب بالكتاب والسنة والإِجماع بشروطه المجمع عليها عند الفقهاء، وهي الإِسلام والبلوغ والعقل والحرية والاستطاعة. وتتحقق الاستطاعة عند الجمهور بثلاثة أمور:\nأمن الطريق، والزاد، والراحلة، ومعنى الزاد أن يملك المسلم ما يكفيه ويكفي من يعوله كفاية فاضلة عن حوائجه الأصلية من مسكن وملبس ومركب، أمّا الراحلة فمعناها في عصرنا هذا أن يجد أجرة الطائرة أو السيارة أو الباخرة التي تمكنه من الوصول والعودة. وقال مالك: لا يشترط في الحج الزاد والراحلة، وإنما معنى الاستطاعة عنده القدرة على الوصول راكبًا أو ماشيًا والتمكن من الحصول على الزاد ولو بالسؤال. والحج واجب في العمر مرة واحدة، لحديث الأقرع بن حابس ﵁ أنه قال: يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرّة واحدة؟ قال: \" بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع \" أخرجه أبو داود وابن ماجة والدراقطني والحاكم. ثانيًا: دل الحديث على جواز الاستنابة في حج الفريضة لعجز ميئوس من زواله وهو قول الجمهور وابن حبيب من المالكية، سواء وجب الحج حال صحته أو حال عذره، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا تجزىء النيابة عنه إلاّ إذا لزمه الحج حال عذره.\nوقال مالك والليث: لا يحج أحد عن أحدٍ إلاّ عن ميت لم يحج حجة الإِسلام (١) لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ\n_________\n(١) قال العثماني في \" رحمة الأمة \": وتجوز النيابة في حج الفرض عن الميت بالاتفاق، وفي حج التطوع عند أبي حنيفة وأحمد، وللشافعي قولان أصحهما المنع.","vol":"3","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>٤٩٣ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) </span>\"\n٥٨٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" رَأيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثم يُهِلُّ حِينَ تَسْتَوِي بِهِ قَائِمةً \".\nــ\nسَبِيلًا) والاستطاعة لا تكون إلا بالنفس، فمن لم يستطع بنفسه لا يلزمه الحج. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين: أولهما: أن هذا الحديث معارض للقرآن والعمل بالقرآن أرجح. وثانيهما: أن هذا الحكم خاص بالخثعمية لما في رواية ابن حزم التميمي حيث جاء فيها: \" وليس لأحد بعد \" رواه ابن حبيب في \" الواضحة \" بإسنادين مرسلين. ثالثًا: مشروعية كشف المرأة عن وجهها في الحج. والمطابقة: في قولها: \" إنّ فريضة الله على عباده في الحج \" حيث سمت الحج فريضة، وأقرها النبي - ﷺ - على ذلك، وأيضًا في قوله - ﷺ -: \" نعم \" في جواب قولها: \" أفأحج عنه؟ \". الحديث: أخرجه الستة.\n٤٩٣ - \" باب قول الله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) \"\nقال مجاهد: سبب نزول الآية أنهم كانوا لا يركبون، فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب، ولذلك ذكر البخاري هذه الآية.\n٥٨٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \"رأيت رسول الله - ﷺ - يركب راحلته\" أي بعيره \" من ذي الحليفة \" أي من آبار علي الذي هو ميقات أهل المدينة \" ثم يهل حين تستوي قائمة \" أي ثم يرفع صوته بالتلبية عندما تقوم به دابته وتعتدل في قيامها. الحديث: أخرجه","vol":"3","page":67},{"text":"الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الركوب في الحج لركوبه - ﷺ - على راحلته، كما في حديث الباب، ولا خلاف بين العلماء في جواز الركوب والمشي معًا، لقوله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجَالًا) أي مشاة (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) أي وركبانًا على الإِبل الضامرة، وإنما اختلفوا أيّهما أفضل في الحج، فذهب البخاري ومالك والشافعي (١) وغيرهم إلى تفضيل الركوب، لأنه - ﷺ - حج راكبًا، وذهب آخرون إلى أن المشي أفضل لأن الله تعالى قدم المشاة على الركبان، ولحديث ابن عباس ﵄: مرفوعًا: \" من حج إلى مكة ماشيًا كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم \" قيل: وما حسنات الحرم؟ قال: \" كل حسنة بمائة ألف حسنة \" أخرجه الحاكم \" وصححه وقال الحافظ الذهبي في \" التلخيص \": ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذبًا، وعيسى (يعنى ابن سوادة الذي في سنده) قال أبو حاتم: منكر الحديث. ثانيًا: أنه يستحب للحاج والمعتمر أن يبدأ الإِحرام والتلبية إذا استوت به راحلته قائمة، أو ركب سيارته متوجهًا لطريقه، كما فعل النبي - ﷺ - وبه استدل مالك وأكثر الفقهاء (٢) على أن يهل الراكب إذا استوت راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقب الصلاة. اهـ. فالأفضل للمحرم عند المالكية والشافعية أن يبدأ الإِحرام والتلبية إذا استوت به راحلته من ذي الحليفة لحديث الباب. ولما رواه مسلم عن جابر \" أمرنا رسول الله - ﷺ - لما أهللنا -أي لما أردنا أن نهل- أن نحرم إذا توجهنا \". وقال أبو حنيفة: الأفضل التلبية عقب الصلاة لأنه - ﷺ - \" لبى في دبر صلاته \" (٣) أخرجه الترمذي والنسائي كما في نصب الراية \". ويجوز\n_________\n(١) \" تفسير القرطبي \" ج ١٢.\n(٢) \" شرح العيني على البخاري \" ج ٩.\n(٣) \" الفقه الإسلامي وأدلته \".","vol":"3","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>٤٩٤ - \" بَابُ الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ </span>\"\n٥٨١ - عَنْ أنسٍ ﵁:\n\" أَنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - حَجَّ عَلَى رَحْلٍ، وكَانَتْ زَامِلَتَهُ \".\nــ\nعند الحنابلة على السواء الإِحرام عقب الصلاة أو إذا استوت به راحلته، أو بدأ السير، فإذا استوى على راحلته لبّى. والمطابقة: في قوله: \" رأيت رسول الله يركب راحلته \".\n٤٩٤ - \" باب الحج على الرحل \"\n٥٨١ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - حج على رحل \" وهو الشداد الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه صاحبه، بمنزلة السرج للفرس \" وكانت زاملته \" أي وكانت تلك الرحل وحدها هي حاملته، وحاملة أمتعته، وزاده: \" ولم يكن معه سواها اللهم إلّا بعيره \". والمطابقة: في قوله: \" وكانت زاملته \". الحديث: أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب الاقتصار في الحج على قدر الكفاية، والابتعاد عن كل مظاهر الإِسراف والبذخ، لأنه ليس رحلة سياحية للنزهة والاستجمام، وإنما هو عبادة وقربة، ورياضة روحية، وجهاد للنفس، وقد قال عمر ﵁: \" شدّوا الرحال في الحج فإنه أحد الجهادين (١)، فسماهِ جهادًا لأنه يجاهد فيه الإِنسان نفسه بالصبر على مشقة السفر، وترك الملاذ، ودرء الشيطان عن الشهوات (٢).\nثانيًا: جواز الركوب في الحج، بل هو الأفضل.\n_________\n(١) أخرجه البخاري.\n(٢) \" شرح العيني على البخاري \" ج ٩.","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>٤٩٥ - \" بَابُ فضلِ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ </span>\"\n٥٨٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nيا رَسُولَ اللهِ نَرَى الْجِهَادَ أفْضَلَ الأعْمَالِ أفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: \" لا، لَكُنَّ أفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌ مَبْرُورٌ \".\nــ\n٤٩٥ - \" باب فضل الحج المبرور \"\n٥٨٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ \" قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال \" أي: لقد سمعنا الكثير عن فضائل الجهاد حتى صرنا نظن أنه أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى \" أفلا نجاهد؟ \" الهمزة للاستفهام الاستخباري، وقد قُدِّمت على فاء العطف لما في الاستفهام من الصدارة في الكلام، كما أنها تقدم أيضًا على الواو، وثم (١) نحو أو لا يعلمون أثم إذا ما وقع والنية بها التأخير، وما عداها من حروف العطف لا تقدم عليه عند جمهور النحاة. \" والمعنى \" إذا كان هذا هو فضل الجهاد، فأخبرنا ألا يجوز لنا أن نجاهد فنشارك الرجال في هذا الفضل العظيم. \" قال: لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور \" والظاهر أن \" لا \" تفيد النهي والنفي معًا، ولكن (بفتح اللام وضم الكاف وتشديد النون). أي لا تقاتلن يا معشر النساء، لأن الجهاد المسلح لم يشرع لكنَّ، وليس هو أفضل الأعمال بالنسبة للمرأة، أمَّا إذا أردتن أن تعرفن أفضل الأعمال وأشرف الجهاد بالنسبة إليكن فإنه \" الحج المبرور \" أي المقبول عند الله تعالى المستوفي لأحكامه الخالي من الرياء والسمعة والإِثم والمال الحرام، وفي رواية \" لكِنّ \" بزيادة ألف بعد اللام، وكسر الكاف وتشديد النون، والرواية الأولى أنسب. الحديث:\n_________\n(١) \" حاشية الجمل على الجلالين \" ج ١.","vol":"3","page":70},{"text":"٥٨٣ - عَنْ أبِي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ حَجَّ لله فلَمْ يَرْفُثْ، ولم يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أمُّهُ \".\nــ\nأخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لكن أفضل الجهاد حج مبرور \".\n٥٨٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من حج لله فلم يرفث \" أي فلم يفعل شيئًا من الجماع أو مقدماته \" ولم يفسق \" أي: ولم يرتكب إثمًا أو مخالفة شرعية صغيرة أو كبيرة تخرجه عن طاعة الله تعالى \" رجع كيوم \" بالجر على الإِعراب (١)، وبالفتح على البناء \" ولدته أمه \" أي عاد بعد حجه نقيًا من خطاياه، كما يخرج المولود من بطن أمه، أو كأنه خرج حينئذ من بطن أمه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" رجع كيوم ولدته أمه \".\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: أن الحج المقبول الخالي من الرياء والسمعة والمال الحرام، ومن الجماع ومقدماته، ومن الآثام والسيئات صغيرها وكبيرها، لا يعدله شيء من القربات، لأنّه أفضل الأعمال بعد الإِيمان بالله تعالى. وقد اختلفت الروايات في الحج والجهاد أيُّهما أفضل، والتحقيق تفضيل الحج، لأنه ركن من أركان الإِسلامٍ الخمسة، وفرض عيني على كل مسلم، رجلًا كان أو امرأة إذا كان مستطيعًا، في حين أنّ الجهاد فرض كفاية إلّا في حالات استثنائية فقط، وذلك إذا تعرضت بلاد المسلمين لمداهمة العدو، فالأصل هو أفضلية الحج. أما تقديم الجهاد في حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: \" إيمان بالله ورسوله \"، قيل: ثم ماذا؟\n_________\n(١) \" شرح الشرقاوي على مختصر الزبيدي \" ج ٢.","vol":"3","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>٤٩٦ - \" بَابُ مُهَلِّ أهُلِ مَكَّةَ لِلْحَج وَالْعُمْرَةِ </span>\"\n٥٨٤ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\"إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وقَّتَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّام الْجُحْفَةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِل، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ\nــ\nقال: \" جهاد في سبيل الله \" قيل: ثم ماذا؟ قال: \" حج مبرور \" أخرجه البخاري. فإنما قدم الجهاد للحاجة إليه في أوّل الإِسلام، حيث كان الجهاد فرض عين على كل مسلم. ثانيًا: أن المرأة لم يشرع لها القتال وحمل السلاح، وإنما جهادها الحج فقط، لقوله - ﷺ - في الحديث الأول: \" لا لكن أفضل الجهاد حج مبرور \". وقال الشاعر:\nكتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا ... وَعَلَى الغَانِيَاتِ جَرُّ الذّيُوْلِ\nثالثًا: دل الحديث الثاني على أن الحج الخالي عن المخالفات الشرعيّة صغيرة أو كبيرة يكفر جميع الذنوب المتعلقة بحقوق الله تعالى حتى الكبائر بشرط التوبة، كما رجحه الأكثرون، لقوله - ﷺ -: \" رجع كيوم ولدته أمه \".\n٤٩٦ - \" باب مهل أهل مكة للحج والعمرة \"\n٥٨٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ عن مواقيت الحج فيقول: \" إن النبي - ﷺ - وقّت لأهلِ المدينة ذا الحليفة \" أي أن النبي - ﷺ - شرع لأهل كل جهة من بلاد المسلمين مكانًا معيّنًا يُحْرِمُونَ منه للحج أو العمرة، يسمى \" ميقاتًا مكانيًا \" فجعل ميقات أهل المدينة ذا الحليفة في الجنوب الغربي من المدينة على بعد ستة أميال، \" ولأهل الشام الجحفة \" وهي قرية بالقرب من \" رابغ \"، وضعت عندها لوحة باسمها \" ولأهل نجد قرن المنازل \" (بفتح القاف وسكون الراء) بين مكة والطائف","vol":"3","page":72},{"text":"أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أرَادَ الْحَجَّ والْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فمِن حَيْثُ أنْشَأ حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ\".\nــ\nيسمى حاليًا بالسيل الكبير، على بعد ستة عشر فرسخًا أو ٤٨ ميلًا من مكة، \" ولأهل اليمن يلملم \" جبل من جبال تهامة يبعد عن مكة ثمانين (كم) كما في \" تيسير العلام \" \" هن لهن ولمن أتى عليهن \" أي هذه المواقيت لأهل تلك البلاد، ولكل من مرَّ بها، فلا يجوز لأحد أن يتجاوزها بدون إحرام \" ممن أراد الحج والعمرة \" أما من لم يردهما فلا مانع من ذلك، \" ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ \" أي فإنه يحرم من المكان الذي بدأ منه الحج من منزله أو مسجد قريته \" حتى أهل مكة من مكة \" أي يحرمون من مكة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحديد المواقيت المكانيّة للإِحرام بالحج والعمرة، وهي خمسة، ذكر منها في الحديث أربعة، أما الميقات الخامس، فهو \" ذات عرق \" لأهل العراق، ويقع في الشمال الشرقي على بعد ٩٤ كم من مكة، والتحقيق أنه ثابت بالنص، وأن النبي - ﷺ - وقته كما يراه الجمهور لحديث عائشة \" أن النبي - ﷺ -، وقت لأهل العراق ذات عرق \" أخرجه أبو داود والنسائي. ثانيًاً: أنّ هذه المواقيت هي لأهل تلك الجهات، ولكل من مرّ عليها، ولو لم يكن من أهلها، فلا يجوز له مجاوزتها دون إحرام إذا كان حاجًا أو معتمرًا، فإن تجاوز الميقات فقد ترك واجبًا، وعليه دم، وأما من أراد دخول مكة لغير حج ولا عمرة فإنه يجوز له بغير إحرام كما يدل عليه مفهوم قوله: \" ممن أراد الحج والعمرة \"، وهو مشهور مذهب الشافعي (١)، وقال الجمهور: يجب الإِحرام على كل من يريد دخول مكة، ولو لغير نسك لقوله - ﷺ -: \" ولا يدخل أحد مكة إلاّ محرمًا \" أخرجه\n_________\n(١) وهي رواية عن أحمد اختارها ابن تيمية وابن عقيل مستدلين بحديث الباب اهـ. كما في \" تيسير العلام \".","vol":"3","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-544>٤٩٧ - \" بَابٌ </span>\" (١)\n٥٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أناخَ بالبَطْحَاءِ التي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُ ذَلِكَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>٤٩٨ - \" بَابُ خُرُوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ </span>\"\n٥٨٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\n\"أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرةِ وَيَدْخُلُ مِنْ\nــ\nالبيهقي بإسناد جيد. ثالثًا: أن ميقات أهل مكة منها، وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \" حتى أهل مكة من مكة \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n\n٤٩٧ - \" باب \"\n٥٨٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أن رسول الله - ﷺ - أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة \" قال العيني: ويعرفها أهل المدينة \" بالمعرس \" وقد أناخ بها - ﷺ - في رجوعه من مكة إلى المدينة، وكان يبيت بها، وهي أسفل من مسجد ذي الحليفة، وقد نزل به - ﷺ - \" فصلى بها \" أي فيها.\nويستفاد منه: استحباب النزول بالبطحاء عند العودة إلى المدينة، وليس من سنن الحج. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n٤٩٨ - \" باب خروج النبي - ﷺ - على طريق الشجرة \"\n٥٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \"أن\n_________\n(١) قال الحافظ ابن حجر في \" الفتح \" كذا في الأصول بغير ترجمة، وهو بمنزلة الفصل من الأبواب التي قبله ومناسبته لها من جهة دلالة حديثه على استحباب ركعتين عند إرادة الإحرام من الميقات. وقد ترجم عليه =","vol":"3","page":74},{"text":"طَرِيقِ المُعَرَّسِ وأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ يُصَلِّي في مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وِإذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي وبَاتَ حتَّى يُصْبِحَ\".\nــ\nرسول الله - ﷺ - كان يخرج\" إلى العمرة أو الحج \" من طريق الشجرة \" أي من طريق الشجرة التي عند مسجد ذي الحليفة \" ويدخل من طريق المعرس \" وهو بطحاء ذي الحليفة ويسمى \" المعرس \" لأن النبي - ﷺ - كان إذا رجع إلى المدينة نزل فيه آخر الليل، فسمي معرسًا من التعريس، وهو النزول آخر الليل، وكان - ﷺ - ينزل فيه ويصلي فيه، ويبيت فيه، ويقع أسفل من مسجد ذي الحليفة، قال ابن عمر: \" وكان إذا خرج إلى مكة \" أي إذا خرج لحج أو عمرة \" يصلي في مسجد الشجرة \" أي يصلى في مسجد ذي الحليفة، وكان يعرف في ذلك العصر بمسجد الشجرة \" وإذا رجع صلى ببطن الوادي \" أي وإذا رجع من سفره نزل آخر الليل في وسط وادي ذي الحليفة، وصلى فيه، وبات فيه إلى الصباح (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يسن للمحرم أن يصلّي ركعتين في مسجد ذي الحليفة، ينوي بها سنة الإِحرام، يقرأ في الأولى بالفاتحة والكافرون، وفي الثانية بالفاتحة والإِخلاص. ثانيًا: أنه يستحب النزول بالمعرس عند العودة إلى المدينة والمبيت فيه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" كان يخرج من طريق الشجرة \".\n_________\n= بعض الشارحين (نزول البطحاء) والصلاة بذى الحليفة). (ع).\n(١) ولذلك سمي المعرس من التعريس وهو النزول آخر الليل.","vol":"3","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-545>٤٩٩ - \" بَابُ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ - \" الْعَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ </span>\"\n٥٨٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: \" أتانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ في هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وقُلْ: عُمرَةً في حَجَّةٍ \".\nــ\n٤٩٩ - \" باب قول النبي - ﷺ -: \" العقيق واد مبارك \"\n٥٨٧ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ يقول: \" سمعت النبي - ﷺ - بوادي العقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي \" وهو جبريل كما في رواية البيهقي \" فقال: صل في هذا الوادي المبارك \" أي صل ركعتي الإِحرام في وادي العقيق، ووصفه بالبركة، لأن أهل المدينة يستبشرون به إذا سأل، ويستدلون به على غزارة الأمطار \" وقل: عمرةً في حجةٍ \" بنصب عمرة على حكاية اللفظ، أي قل جعلتها عمرة في حجة، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي هذه عمرة في حجة، و\" في \" إما بمعنى \" مع \" أي عمرة وحجة معًا، فيكون النبي - ﷺ - قد أحرم بهما معًا، أو تكون \" في \" على أصلها: أي عمرة مدرجة في حجة، فيكون النبي - ﷺ - قد أحرم أولًا مفردًا بالحج وحده، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:\nأولًا: فضل وادي العقيق وبركته ونفعه لأهل المدينة قاطبة وللمسلمين عامة، ومن مزاياه أنه إذا سال ارتفع منسوب المياه بالمدينة. ثانيًاً: مشروعية ركعتي الإِحرام في مسجد ذي الحليفة وهي سنة. لقول جبريل: \" صل في هذا الوادي المبارك \". ثالثًا: أنه - ﷺ - كان قارنًا، لأنه أمر أن يقول: \"عمرة","vol":"3","page":76},{"text":"٥٨٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أنَّهُ - ﷺ - رُئِيَ وهُوَ مُعَرِّسٌ بذي الْحُلَيْفَةِ بِبَطن الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: إنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>٥٠٠ - \" بَابُ غَسْلِ الْخلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثيابِ </span>\"\n٥٨٩ - عَنْ يَعْلَى بْنِ أمَيَّةَ ﵁:\nــ\nفي حجة \". والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" وقل: عمرة في حجة \".\n٥٨٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر في حديثه هذا \" عن النبي - ﷺ - أنه رُئي وهو مُعَرِّسٌ بذي الحليفة ببطن الوادي قيل له: إنك ببطحاء مباركة \" أي أن النبي - ﷺ - بينما كان نازلًا في آخر الليل بذي الحليفة، رأى وهو نائم في وسط الوادي جبريل ﵇، يقول له: إنك ببطحاء مباركة، أي في أرض رملية خصبة كثيرة الخيرات والبركات. والمطابقة: في قوله: \" إنك ببطحاء مباركة \".\nفقة الحديث: دل هذا الحديث على فضل وادي العقيق، وكثرة خيراته، لا سيما لأهل المدينة. وعلى أنه يستحب النزول والمبيت فيه، والصلاة به، اقتداءً به - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٥٠٠ - \" باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب \"\nأي هذا باب يذكر فيه مشروعية غسل الخلوق من الثوب ثلاث مرات، وهو نوع من الطيب مخلوط بالزعفران.\n٥٨٩ - ترجمة راوي الحديث: وهو يعلى بن أمية التميمي صحابي","vol":"3","page":77},{"text":"أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ ﵁: أرنِي النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - بالْجِعْرَّانَةِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرى في رَجُلٍ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَتَضَمِّخٌ بِطِيِبٍ؟\nفَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاعَةً، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ، فأشَارَ عُمَرُ ﵁ إِلَى يَعْلى، فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَأسِ رَسُولِ الله - ﷺ - ثَوْبٌ قَدْ أظلَّ بِهِ، فَأدْخَلَ رَأسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُحْمَرُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَغِطّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنهُ فَقَالَ: \" أينَ الَّذِي سَأل عَنِ الْعُمْرَةِ \"، فَأتِي بَرجُلٍ فَقَالَ: \" اغْسِلْ الطِّيبَ الذي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وانْزَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، واصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كما تَصْنعُ في حَجَتِكَ \".\nــ\nجليل (١)، روى عن النبي - ﷺ - ثمانية وعشرين، حديثًا اتفق الشيخان على ثلاثة، قتل بصفين سنة ٣٨ هـ.\nمعنى الحديث: أن يعلى بن أمية ﵁ \" قال لعمر: أرني النبي - ﷺ - حين يوحى إليه \" أي أخبرني عن النبي - ﷺ - إذا جاءه الوحي لأراه في أثناء ذلك وأتعرّف على كيفية نزوله عليه. \" فبينما النبي - ﷺ - بالجعرانة \" (بكسر الجيم وإسكان العين وفتح الراء المخففة) موضع بين مكة والطائف وهو أحد مواقيت العمرة لمن كان بمكة. \" جاءه رجل فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب \" أي: وهو متلطخِ بالطيب في ثوبه وبدنه \" فسكت النبي - ﷺ - \" عن إجابته، ولم يجبه فورًا\n_________\n(١) قال الحافظ في \" الفتح \" وهو المعروف بابن منية، بضم الميم وسكون النون، وهي أمه، وقيل جدته، وهو والد صفوان الذي روى عنه، وليست رواية صفوان عنه لهذا الحديث بواضحة، لأنه قال فيها: \" أن يعلى قال لعمر \" ولم يقل إن يعلى أخبره أنه قال لعمر، فإن يكن صفوان حضر مراجعتهما، وإلا فهو منقطع، لكن سيأتي في أبواب العمرة من وجه آخر عن صفوان بن يعلى عن أبيه. (ع).","vol":"3","page":78},{"text":"بعد سؤاله، \" فجاءه الوحي فأشار عمر \" أي فأشار إليَّ عمر بيده لكي أحضر لديه - ﷺ - وأرى كيفية نزول الوحي عليه، \" فجئت وعلى رأس رسول الله - ﷺ - ثوب قد أظل به، فأدخلت رأسي \" وراء الثوب، \" فإذا رسول الله - ﷺ - محمرّ الوجه وهو يغط \" بفتح الياء وكسر الغين، أي تتردد أنفاسه بصوت مسموع \" ثم سرِّي عنه \" أي: ثم انقطع عنه نزول الوحي فهدأت نفسه. وأخذت تنكشف عنه تلك الحالة \" فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات \" أي كَرِّرْ غسله ثلاث مرات، وفي رواية قال له: \" اغسل عنك أثر الخلوق \" بفتح الخاء، فأمره بإزالة أثر الطيب عن بدنه وثوبه \" وانزع عنك الجبة \" لأنها مخيط \"واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك\" أي اصنع إذا كنت معتمرًا ما تصنعه حاجًا من اجتناب الطيب وغيره، لأنّ محظورات الحج والعمرة واحدة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" اغسل الطيب \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم التطيب عند الإِحرام بالنسبة إلى الثياب، بكل ما يبقى أثره لونًا أو رائحة، لأنه - ﷺ - أمر الرجل بغسل الطيب ثلاث غسلات وأن ينزع الجبة، وهو ما ترجم له البخاري، والجمهور على أنه لا يكره الطيب على البدن عند الإِحرام، بل يستحب لقول عائشة: \" كنت أطيّب رسول الله - ﷺ - لِإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت \" أخرجه الجماعة وسيأتي إيضاحه. ثانيًا: أن من لبس مخيطًا أو أصاب طيبًا وهو محرم ناسيًا أو جاهلًا، ثم بادر بإزالته لا فدية عليه، وكذلك المحظورات الأخرى، وهو قول الشافعي وأحمد وداود، خلافًا لمالك وأبي حنيفة.\n***","vol":"3","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>٥٠١ - \" بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ </span>\"\n٥٩٠ - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ:\n\" كُنْتُ أطيَبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِإحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>٥٠٢ - \" بَابُ مَنْ أهَلَّ مُلبِّدًا </span>\"\n٥٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ مُلبِّدًا \".\nــ\n٥٠١ - \" باب الطيب عند الإِحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم \"\n٥٩٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كنت أطيّب رسول الله - ﷺ - لِإحرامه \" أي عند إحرامه \" ولحله \" أي وعند تحلله من الاحرام بعد رمي الجمرة.\nفقه الحديث: استدل الجمهور بهذا الحديث على استحباب الطيب عند الإِحرام خلافًا لمالك، حيث منع من ذلك مستدلًا بحديث يعلى بن أمية ﵁ المذكور في الباب السابق، وفيه أن رسول الله - ﷺ - قال للرجل المحرم المتطيب اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وأجابوا عنه بأنه منسوخ بحديث عائشة هذا، لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان، وحديث عائشة في حجة الوداع.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولها: \" كنت أطيب رسول الله لإِحرامه \".\n٥٠٢ - \" باب من أهل ملبدًا \"\n٥٩١ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \"سمعت","vol":"3","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-549>٥٠٣ - \" بَابُ الإِهْلالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ </span>\"\n٥٩٢ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدَ \" يَعْنِي مَسْجِدِ ذَي الْحُلَيفَةِ.\nــ\nرسول الله - ﷺ - يهل ملبدًا\" أي سمعته - ﷺ - يرفع صوته بالتلبية حال كونه واضعًا الصمغ على رأسه لحفظه من القمل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب رفع الصوت بالتلبية، وفي الحديث عن زيد بن خالد أن النبي - ﷺ - قال: \" جاءني جبريل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج \" أخرجه أحمد وابن ماجة، وهو قول الجمهور: إلاّ أن مالكًا استثنى مساجد الجماعات، فلا يرفع صوته فيها ما عدا المسجد الحرام. ثانيًا: استحباب التلبيد للمحرم وقاية للشعر من القمل، ولا خلاف في ذلك إلاّ أن المالكية خصصوه بالشعر اليسير الذي لا يؤدي تلبيده إلى ستر الرأس. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" يهل ملبِّدًا \".\n٥٠٣ - \" باب الإِهلال عند مسجد ذي الحليفة \"\n٥٩٢ - معنى الحديث: يقول ابن عمر: \" ما أهل رسول الله - ﷺ - إلّا من عند المسجد \" أي لم يبدأ الإِحرام والتلبية إلاّ من مسجد ذي الحليفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب ابتداء الإِحرام والتلبية من مسجد ذي الحليفة بعد الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وقالت المالكية والشافعية: الأفضل بدء الإِحرام والتلبية إذا استوت به الراحلة قائمة، وقد تقدم. ثانيًا: أن التلبية تبدأ مع الإِحرام. الحديث: أخرجه","vol":"3","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-550>٥٠٤ - \" بَابُ الرَّكُوبِ والارْتِدَافِ في الحَجِّ </span>\"\n٥٩٣ - عن ابْنِ عَبِّاسٍ ﵄:\n\" أن أُسَامَةَ ﵁ كَانَ رِدْفَ النَّبِي - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ إلى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلى مِنى، فَكِلاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلبَي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبةِ \".\nــ\nالخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" ما أهل رسول الله إلاّ من عند المسجد\".\n٥٠٤ - \" باب الركوب والارتداف في الحج \"\n٥٩٣ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أن أسامة كان ردف النبي - ﷺ - من عرفة إلى المزدلفة \" أي راكبًا خلفه \" ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النَّبِيُّ - ﷺ - يلبّي حتى رمى جمرة العقبة \" أي: استمر في التلبية إلى أن رمى جمرة العقبة، وهى الجمرة الكبرى غربي منى مما يلي مكة. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الركوب في الحج والارتداف على الدابة، وليس فيه تعذيب للحيوان، لأنه خلق لذلك.\nثانيًا: استمرار التلبية حتى رمي جمرة العقبة بأول حصاة، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أحمد وإسحاق: يلبّي حتى يُنهي الجمرات كلها، وقال مالك: حتى تزول الشمس من يوم عرفة، وأما المعتمر فيلبي حتى يستلم الحجر. والمطابقة: في قوله: \" كان ردف النبي - ﷺ - \".","vol":"3","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-551>٥٠٥ - \" بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثيابِ والأرْدِيَة والأُزُرِ </span>\"\n٥٩٤ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\"انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ ورِدَاءَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْه عَنْ شَيءٍ مِنَ الأرْدِيَة والأزُرِ تُلْبَسُ إلَّا المُزَعْفَرَةَ التي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ، فَأصْبَحَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى على الْبَيْدَاءِ أهلَّ هُوَ وأصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وذَلِكَ لِخَمْسِ بقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأرْبَعِ لَيَالٍ خَلَونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وسَعَى بِيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلَمْ يُحِلّ مِنْ أجْلِ بُدْنِهِ، لأنهُ قلَّدَهَا، ثُمَّ\nــ\n٥٠٥ - \" باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأُزر \"\n٥٩٤ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" انطلق النبي - ﷺ - من المدينة \" أي: خرج منها - ﷺ - في حجة الوداع يوم السبت ما بين الظهر والعصر لخمس بقين من ذي القعدة \" بعد ما ترجل \" أي سرح شعره، \" وادهن \" أي تطيب بالمسك، \" فلم ينه عن شيء من الأردية والأزرِ تلبس إلاّ المزعفرة \" أي المصبوغة بالزعفران \" التي تردع على الجلد \" أي تؤثر في بدن لابسها بلونها أو ريحها \" فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل \" أي حتى اعتدل بناقته على البيداء، رفع صوته بالتلبية، ولم يكن هذا الإِهلال بداية إحرامه، فإنه - ﷺ - أحرم من مسجد ذي الحليفة، وأهل إهلاله الأوّل من هناك، ثم أهل إهلاله الثاني حين استقلت به ناقته، ثم أهل للمرة الثالثة حين علا شرف البيداء، وهو ما ذكره هنا \" فقدم مكة لأربع ليال خلون من ذي الحجة \" أي أنه قدم صبيحة اليوم الرابع منه \" فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة \" أي طاف طواف القدوم","vol":"3","page":83},{"text":"نَزَلَ بأعلى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ، وهو مُهِلّ بالحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوافِهِ بِهَا حَتَّى رَجِعَ مِن عَرَفَة، وأمَرَ أصْحَابَهُ أن يَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ، وبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّروا مِنْ رُووسِهِم، ثُمَّ يُحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأتُهُ فهِي لَهُ حَلَال، والطِّيبُ والثَيابُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>٥٠٦ - \" بَابُ الْتَّلْبيَةِ </span>\"\n٥٩٥ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\"أنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: لَبَّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ\nــ\n\" ولم يحل من أجل بدنه \" أي ولم يتحلل من إحرامه من أجل أنه قد ساق الهدي \" ثم نزل بأعلى مكة عند الحجون \" وهو جبل مشرف على المحصب على بعد ميل ونصف من البيت \" ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة \" أي لشغلٍ منعه من ذلك \" وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة \" ثم يقصّروا من رؤوسهم \" أي أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ويتحللوا بالطواف والسعي، \" وذلك لمن لم يكن معه بدنة \" أي ولكن أمره - ﷺ - بفسخ الحج إلى العمرة خاص بمن لم يسق الهدي. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: \"دل هذا الحديث على جواز الإِحرام بكل إزار ورداء إلا الثياب المصبوغة بالزعفران، وهو نبت أصفر كالسمسم، له رائحة عطرية، فإنها تحرم، وهي تحرم مطلقًا عند المالكية، ولو لم يكن لها رائحة، وقال الجمهور: تجوز إذا ذهبت رائحتها. والمطابقة: في قوله: \" فلم ينه عن شيء من الأردية والأزُر إلاّ المزعفرة ... \" إلخ.\n٥٠٦ - \" باب التلبية \"\n٥٩٥ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \"أن تلبية","vol":"3","page":84},{"text":"لَبَّيكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>٥٠٧ - \" بَابُ الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ </span>\"\n٥٩٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى بِالْغَدَاةِ بذِي الْحُلَيْفَةِ أمَرَ برَاحِلَتِهِ فَرُحِّلَتْ، ثمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ استَقْبَلَ الْقِبْلَةَ قائمًا، ثُمَّ يُلبَي حتَّى يَبْلُغَ الْحَرَمَ، ثم يُمْسِكُ حتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوىً بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ\nــ\nرسول الله - ﷺ - لبيك\" أي أن الصيغة التي كان يلبي بها هي \" لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك \" أي أكرر إجابتي لك في امتثال أمرك بالحج، فأنت المستحق للشكر والثناء، لأنك المنفرد بالكمال المطلق، ولأنك المنعم الحقيقي، وما من نعمة إلّا وأنت مصدرها، وأنت المتفرد بالملك الدائم، وكل ملك لغيرك إلى زوال.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية التلبية في الحج، وهي سنة عند الجمهور، واجبة عند مالك، تجبر بالدم، شرط في الإِحرام عند أبي حنيفة. ثانيًا: بيان صيغة التلبية المشروعة المأثورة عن النبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" إن تلبية رسول الله - ﷺ - لبيك \" ... إلخ.\n٥٠٧ - \"باب الإِهلال مستقبل القبلة\"\n٥٩٦ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄: \" كان إذا صلى بالغداة بذي الحليفة \" أي إذا صلى الصبح بوقت الغداة \" بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت \" أي أمر بإعداد دابته فأعدّت، ووضع عليها الرحل","vol":"3","page":85},{"text":"اغتَسَلَ، وَزَعَمَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>٥٠٨ - \" بَابُ التَّلْبِيَةِ إِذَا انحَدَرَ في الوَادِي </span>\"\n٥٩٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n_________\n\" ثم ركب، فإذا استوت به \"، أي فإذا وقفت به \" استقبل القبلة قائمًا، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم \" أي حتى يصل إلى حدود الحرم \" ثم يمسك \" أي ينقطع عن التلبية \" حتى إذا جاء ذا طوى \" (بضم الطاء وفتحها وكسرها) وهو موضع عند باب مكة بأسفلها عند مسجد عائشة ويعرف ببئر الزاهر \" بات فيه حتى يصبح فإذا صلى الغداة \" أي الصبح \" اغتسل \" هناك \" وزعم أن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك \" أي وقال: إن رسول الله - ﷺ - فعل مثل ما فعلت. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استقبال القبلة عند الإِهلال بالتلبية عقب ركوب السيارة من الميقات، لقوله: \" فإذا استوت به استقبل القبلة، قائمًا ثم يلبي \" وهو مستحب للحاج إن أمكنه. ثانيًا: استحباب المبيت بذي طوى، وصلاة الصبح فيها، والاغتسال لدخول مكة وهو سنة، وإنما يستحب المبيت بها لمن كانت في طريقه، كما أفاده النووي. والمطابقة: في قوله: \" استقبل القبلة قائمًا ثم يلبي \".\n٥٠٨ - \" باب التلبية إذا انحدر في الوادي \"\nأي هذا باب يذكر فيه مشروعية التلبية إذا هبط واديًا كما تدل عليه الأحاديث المذكورة فيه\n٥٩٧ - معنى الحديث: لهذا الحديث بداية وسبب كما في الأصل من \" صحيح البخاري \" عن مجاهد قال: كنا عند ابن عباس ﵄","vol":"3","page":86},{"text":"قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أما مُوسى فكأني أنظر إليه إذَا انْحَدَر في الوَادِي يلبِّي \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>٥٠٩ - \" بَابُ قول اللهِ تعَالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) </span>\"\n٥٩٨ - ْ عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" أشهر الحجِّ شوَالٌ وذو القعدة، وعشرُ من ذي الحجة \".\nــ\nفذكروا الدجال أنه قال: مكتوب بين عينيه كافر، فقال ابن عباس: لم أسمعه، ولكنه قال: \" أما موسى فكأني أنظر إليه إذا انحدر من الوادي يلبي \" أي كأني أشاهده الآن، وأراه بعيني رؤيا حقيقية، وهو يهبط وادي الأزرق بين مكة والمدينة ملبيًا، وفي رواية مسلم: \" أن النبي - ﷺ - لما مر بوادي الأزرق قال: كأني أنظر إلى موسى واضعًا أصبعيه في أذنيه، مارًا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله تعالى بالتلبية \". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إذا انحدر في الوادي يلبّي \".\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب التلبية عند كل هبوط وصعود وفي بطون الأودية.\n٥٠٩ - \" باب قول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على تفسير قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) فإن الله قد أخبرنا في هذه الآية الكريمة أنه قد جعل للحج أشهرًا محددة معينة معروفة عند الناس، وجعل من هذه الأشهر ميقاتًا زمانيًا له، فما هي هذه الأشهر التي جعلها الله ميقاتًا زمانيًا للحج، هذا ما سنتعرف عليه في الأثر القادم.\n٥٩٨ - معنى الأثر: يقول ابن عمر ﵄: \"أشهر","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>٥١٠ - \" بَابُ التَّمَتُّعِ والإِقْرانِ والإِفْرَادِ بالحَجِّ وفسخِ الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَديٌ </span>\"\n٥٩٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" كَانُوا يَرَوْنَ أن الْعُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أفْجَرِ الْفُجُورِ في الأرْضِ،\nــ\nالحج\" التي شرع الله تعالى الحج فيها وجعلها ميقاتًا زمانيًا للحج هي \" شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة \" يريد رضي الله تعالى عنه أن الأشهر المعلومات، المذكورة في الآية الكريمة، هي الأشهر المعروفة عند العرب بأشهر الحج، وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، هذه هي الأشهر المعلومات للحج التي قال الله تعالى فيها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ). الأثر: أخرجه البخاري والدارقطني.\nفقه الأثر: دل هذا الأثر على ما يأتي: أولًا: دل هذا الأثر على تفسير الآية الكريمة وبيان الميقات الزماني للحج، وهي الأشهر المذكورة، فمن أحرم فيها فقد أحرم بالحج في وقته، واختلفوا فيمن أحرم قبلها، فقال الشافعي:\nالإِحرام فيها واجب، لا ينعقد الحج في غيرها، وقال غيره ينعقد في غيرها، ولا يصح شيء من أفعال الحج إلاّ فيها. ثانيًاً: دل الأثر على دخول يوم النحر وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، وقال الشافعي: لا يدخل، وقال مالك: يدخل في أشهر الحج شهر الحج كله. والمطابقة: ظاهرة.\n٥١٠ - \" باب التمتع والإِقران والإِفراد بالحج وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي \"\n٥٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" كانوا \" أي العرب في الجاهلية \" يرون أن العمرة في أشهر الحج \" أي","vol":"3","page":88},{"text":"وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وعَفَا الأَثَرْ، وانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بالْحَجِّ، فَأمرَهُمْ أن يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عنْدَهُمْ، فَقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: \" حِلٌّ كُلُّهُ \".\nــ\nيعتقدون أن الإِحرام بالعمرة فيها \" من أفجر الفجور \" أي من أعظم المعاصي، ويحرمون العمرة إلى نهاية محرم، \" ويجعلون المحرم صفرًا \" أي ويتلاعبون في الأشهر الحرم على حسب أهوائهم، فيؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، وهو النسيء الذي ذمه الله تعالى في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) إلخ \" ويقولون إذا برا (١) \" بفتح الباء والراء \" الدبر \" بفتح الدال والباء، وهو الجرح الذي يكون في ظهر الإِبل، بسبب اصطكاك الأقتاب، أي إذا شفيت الجراحات التي في ظهر الإِبل، والتي تحدث بسبب الحمل عليها، وكثرة احتكاكها في أسفارها الطويلة، \" وعفا الأثر \" أي اندرست آثار أقدام الإِبل التي تحدثها في سيرها، \" وانسلخ صفر \" (٢) أي وانتهى شهر صفر الذي هو في الحقيقة شهر محرم بسبب النسيء \" حلت العمرة لمن اعتمر \" أي فعند ذلك تجوز العمرة لمن أرادها \" قدم النبي - ﷺ - وأصحابه \" أي دخلوا مكة \" صبيحة رابعه \" أي صبيحة يوم الأحد الموافق لليوم الرابع من ذي الحجة.\n\" فأمرهم أن يجعلوها عمرة \" أي أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ويتحللوا بالطواف والسعي \" فتعاظم ذلك عندهم \" أي فتعاظم عندهم مخالفة العادة التي كانوا عليها من تأخير العمرة عن أشهر الحج كما قال العيني، وفي رواية: \" فكبر ذلك عندهم \"، وروي أنّهم قالوا: لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلّا خَمْسٌ أي إلاّ خمسة أيام أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا\n_________\n(١) بدون همزة.\n(٢) قال \" الحافظ في \" الفتح \": وهذه الأسماء تقرأ ساكنة الراء لإرادة السجع. (ع).","vol":"3","page":89},{"text":"٦٠٠ - عَنْ حَفْصَهً زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ﵂ أنهَا قَالَتْ:\nيَا رَسُولَ اللهِ مَا شَأنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أنت مِنْ عُمْرتَكِ! قَالَ - ﷺ -: \"إِنِّي لَبَّدْتُ رَأسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيي، فَلا أحلُّ حَتَّى أنْحَرَ\".\nــ\nالمني، فقال - ﷺ -: \" قد علمتم بأني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي لحللت كما تحلون \". اهـ. كما في حديث جابر. \" فقالوا: يا رسول الله أي الحل \" أي ما هي نوعية هذا الحل؟ هل هو تحلل خاص ببعض الأشياء، أو عام في جميعها؟ \" قال: حل كله \" أي بل هو تحلل عام فيحل لكم كل شيء من الأشياء التي كانت محرمة عليكم أثناء العمرة، بما في ذلك الجماع.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فأمرهم أن يجعلوها عمرة \".\n٦٠٠ - معنى الحديث: أن حفصة ﵂ \" قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل \" وسبب سؤالها هذا أن النبي - ﷺ - لما قدم مكة أمر من لم يسق الهدي أن يفسخ الحج ويجعلها عمرة، يتحلل منها بالطواف والسعي، ففعلوا ذلك، أما هو - ﷺ - ومن ساق الهدي فبقوا على إحرامهم، فسألته زوجته حفصة لِمَ حلّ الناس ولَمْ تحلل؟ \" قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا بعمرة ولم تحلل \" بفتح التاء أي ما المانع لك أن تفعل ما فعلوا، وأن تحل كما حلوا، ما دمت قد أمرتهم به؟ تريد أن تعرف السبب \" قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي \" أي أني كنت قارنًا -فلبدت رأسي- بالصمغ، وقلدت الهدي وسقته معي، وذلك يمنعني من التحلل قبل نحر الهدي \" فلا أحل (١) حتى أنحر \" أي فلا أتحلل من\n_________\n(١) بفتح الهمزة.","vol":"3","page":90},{"text":"٦٥١ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ الله ﵄:\nأنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: \" أحِلُّوا من إحْرَامِكُمْ بَطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةَ، وَقَصَروا، ثمَّ أقِيمُوا حَلالًا، حتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التروِية، فَأهِلُّوا بالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً \"، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ، فَقَالَ: \" افْعَلُوا مَا أمَرْتُكُمْ بِهِ، فَلَوْلا أنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذِّي أمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ \".\nــ\nإحرامي حتى أنحر الهدي بمنى. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي.\nوالمطابقة: في قولها: \" ما شأن الناس حلوا بعمرة \" حيث - ﷺ - ذلك على تمتعهم بالعمرة، وفي قوله - ﷺ - أيضًا: \" إني لبدت رأسي وقلدت هديي \". حيث دل ذلك على أنه كان قارنًاْ.\n٦٠١ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁: \" أنه حج مع النبي - ﷺ - يوم ساق البدن (١) معه \" من المدينة إلى مكة في حجة الوداع \" وقد أهلوا بالحج مفردًا \" أي أحرموا مفردين بالحج \" فقال لهم \" عند قدومهم إلى مكة \" أحلوا من إحرامكم \" أي افسخوا الحج إلى العمرة، وتحللوا من عمرتكم بالطواف والسعي، \" ثم أقيموا حلالًا \" يحل لكم كل شيء حتى الجماع \" حتى إذا كان يوم التروية \" وهو اليوم الثامن من ذي الحجة \" فأهِلوا \"، أي أحرموا \" بالحج \"، وتوجهوا إلى عرفة، \" واجعلوا التي قدمتم بها متعة (٢) \" أي تمتعًا بالعمرة، \" قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج \" أي كيف نجعلها تمتعًا وقد نوينا الحج مُفْردًا \"فقال: افعلوا ما أمرتكم\n_________\n(١) البُدْن بضم الباء وسكون الدال أي الإِبل المهداة أي الكعبة المشرفة.\n(٢) بضم الميم وسكون التاء.","vol":"3","page":91},{"text":"به، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم\" أي لفعلت مثل الذي أمرتكم، وفسخت الحج إلى العمرة. \" ولكن لا يحل مني حرام \" أي لا يحل في شيء من محظورات الإِحرام \" حتى يبلغ الهدي محله \" أي حتى يصل الهدي إلى المكان الذي ينحر فيه بمنى يوم النحر. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" أهلو بالحج مفردًا \" حيث دل على إفرادهم بالحج عند خروجهم من المدينة، وفي قوله - ﷺ -: \" أحلوا من إحرامكم بطوافٍ \" حيث دل أمره - ﷺ - لأصحابه بالتمتع عند دخولهم مكة.\nفقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على مشروعية الأنساك الثلاثة في الحج: الإِفراد، والقران، والتمتع.\nأما الافراد: فلقول عائشة ﵂: \" خرجنا مع النبي - ﷺ - لا نرى إلاّ أنه الحج، وقول جابر: \" وقد أهلوا بالحج مفردًا \"، وحديث ابن عباس ﵄: \"قدم النبي - ﷺ - وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج \".\nوأما القران: فلأن النبي - ﷺ - كان قارنًا، ولهذا قال لحفصة: \" إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر \". وهناك أحاديث أخرى صريحة في أنه - ﷺ - كان قارنًا، منها قول أنس \" حتى إذا استوت به على البيداء حمد الله، وسبح وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما \" أخرجه الشيخان وأبو داود، وحديث عمر أن النبي - ﷺ - قال: \" أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة في حجةٍ \". أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة.\nوأما جواز التمتع: فلأن النبي - ﷺ - حين قدموا مكة أمر من لم يسق منهم الهدي أن يجعلها عمرة، ويتحلل بالطواف والسعي، وأبطل ما كان يعتقده العرب في الجاهلية من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور كما في حديث","vol":"3","page":92},{"text":"ابن عباس ﵄. واختلفوا أيها أفضل؟ فقال أحمد في المشهور عنه وبعض الشافعية واللخمي من المالكية: التمتع أفضل، لأن النبي - ﷺ - أمر به أصحابه، ودعاهم عندما قدموا مكة إلى فسخ الحج إلى العمرة، وتمنى أنه لو يسق الهدي حتى يجعلها عمرة ويتحلل مثلهم، وهو لا يختار فيما يأمر به إلاّ الأفضل، وهو أفضل أيضًا لأنه آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - كما قال الإِمام أحمد. واختار مالك الإِفراد وهو المشهور من مذهب الشافعي وغيره من أهل العلم، واحتجوا على أفضليته بأدلة: أولها الأحاديث الصحيحة التي تدل على أنه كان مفردًا عن جابر وابن عمر وعائشة وابن عباس، ففي حديث عائشة \" وأهلَّ رسول الله - ﷺ - بالحج \" وهو لا يحتمل إلاّ الإفراد، وفي حديث جابر \" أنّه حج مع النبي - ﷺ - يوم ساق البدن معه. وقد أهلوا بالحج مفردًا \" كما رواه الشيخان، وفي حديث ابن عمر أنّ رسول الله - ﷺ - أهل بالحج مفردًا \" وفي حديث ابن عباس: \" أهل رسول الله - ﷺ - بالحج \" أخرجه مسلم فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي - ﷺ - أحرم مفردًا، ورواتها من أضبط الرواة وأصحهم، أضف إلى ذلك أن المفرد لا دم عليه وانتفاء الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران دليل أفضليته، لأن الكامل في نفسه الذي لا يحتاج إلى جبره بالدم أفضل من المحتاج إليه كما في \" أضواء البيان \"، ثم إن الافراد هو الذي عليه الخلفاء الراشدون وهم أفضل الناس وأتقاهم وأشدهم اتباعًا لسنته - ﷺ -. ومما يدل على أفضليته أيضًا إجماع الأمة على جوازه دون كراهة مع اختلافهم في غيره، فقد كره عمر وعثمان التمتع، كما كره بعضهم القران. اهـ. كما في \" أضواء البيان \" (١). وقال الثوري وأبو حنيفة: القران أفضل، واختاره ابن القيم، لأن النبي - ﷺ - حج قارنًا، وقال ابن تيمية: \" القِران أفضل من التمتع إن ساق هديًا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد \"\n_________\n(١) وقال النووي في \" الروضة \": تفضيل الإفراد على التمتع والقران، شرطه أن يعتمر تلك السنة يعني من بلده، فلو أخر العمرة عن سنته فكل من التمتع والقران أفضل منه. (ع).","vol":"3","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>٥١١ - \" بَابٌ مِنْ أيْنَ يَخرُجُ مِنْ مَكَّةَ </span>\"\n٦٠٢ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\"أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التي\nــ\nقال في \" تيسير العلام \": هذا هو الصحيح الذي يسهل رد الأدلة الصحيحة إليه، وقد ساق ابن القيم ما يزيد على عشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك وكثيرٌ منها في \" الصحيحين \". منها: حديث ابن عمر ﵄: \" أنه - ﷺ - قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا -ثم قال: - هكذا فعل رسول الله - ﷺ - أخرجه مسلم. \" وحديث عمر \" قال: سمعت رسول الله - ﷺ - بوادي العقيق يقول: \" أتاني الليلة آتٍ من ربي ﷿ فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة \" أخرجه البخاري.\nوحديث سراقة بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال: \" دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة \" (١) قال: وقرن النبي - ﷺ - في حجة الوداع \"، أخرجه أحمد، وإسناده ثقات. وحديث جابر: \" أن النبي - ﷺ - قرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافًا واحدًا \" أخرجه أحمد. قال النووي وأما ما جاء في بعض الروايات من أنه - ﷺ - أهل بالحج مفردًا فمعناه أنّه أحرم أولًا بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فصار قارنًا، فمن روى أنه كان مفردًا وهم الأكثرون اعتمدوا أوّل الإِحرام، ومن روى أنّه كان قارنًا اعتمد آخره. والمطابقة: في كون هذه الأحاديث تدل على مشروعية التمتع والقران والإِفراد.\n٥١١ - \" باب من أين يخرج من مكة \"\n٦٠٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة من كداء \" بفتح الكاف والمد والجر بالفتحة لأنه\n_________\n(١) وقد تقدم عن الإمام أحمد أن التمتع أفضل، وأنه آخر الأمرين منه - ﷺ -. (ع).","vol":"3","page":94},{"text":"بالبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَنِيَّةِ السُّفْلَى\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٥١٢ - \" بَابُ مَا ذُكِرَ في الْحَجَرِ الأَسْوَدِ </span>\"\n٦٠٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁:\nأنَّهُ جَاءَ إلى الْحَجَرِ الأسْودِ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: \" إِنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولولا إِنِّي رَأيْتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ \".\nــ\nاسم لا ينصرف \"من الثنية العليا \" وهي الطريق العالية التي ينزل منها الناس إلى المعلى \" التي بالبطحاء \" أي: الواقعة بجانب الأبطح أو المُحَصَّبِ \" وخرج من الثنية السفلى \" وهي التي عند باب الشبيكة قرب شعب الشاميين، وتسمى كُدَى (١). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وخرج من الثنية السفلى \".\nفقه الحديث: دل الحديث على استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج من السفلى لمن تيسر له ذلك اتباعًا للسنة.\n٥١٢ - \"باب ما ذكر في الحجر الأسود\"\n٦٠٣ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ \" جاء إلى الحجر الأسود فقبله \" اقتداء بالنبي - ﷺ - \" فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع \" وإنما أراد عمر بقوله هذا: أن تقبيله للحجر لم يكن عن اعتقاد أن له أي تأثير من نفع أو ضر، وإنما فعل ذلك تعظيمًا لأوامر الله، واتباعًا لسنة نبيه - ﷺ - \" ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك \" أي إنما قبلتك اقتداءً بفعل النبي - ﷺ -. قال الطبري: وإنما قال ذلك لأن الناس كانوا حديثي\n_________\n(١) بضم الكاف وفتح الدال والألف المقصورة.","vol":"3","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-559>٥١٣ - \" بَابُ مَنْ كَبَّرَ في نوَاحِي الْكَعْبَةِ </span>\"\n٦٠٤ - عن ابْنِ عِبَّاس ﵄:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَا قَدِمَ أبى أن يَدْخُلَ الْبَيْتَ وفيه الآلِهَةُ، فأَمَرَ\nــ\nعهد بعبادة الأصنام (١)، فخشى أن يظن الجهال أن استلام الحجر من باب تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن من سنن الطواف تقبيل الحجر الأسود أول الطواف بلا صوت بعد استلامه ولمسه بيده اليمنى أو بكفيه (٢)، فإن لم يستطع تقبيله قبَّل يده لقول نافع: \" رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده وقال ما تركته منذ رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله \" أخرجه مسلم، قال النووي: وهذا الحديث محمول على من عجز عن تقبيل الحجر، وإلا فالقادر يقبل الحجر، وهذا الذي ذكرناه من استحباب تقبيل اليد بعد الاستلام للعاجز هو مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال القاسم بن محمد التابعي المشهور ولا يستحب التقبيل، وبه قال مالك في أحد قوليه (٣). الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبلك ما قبلتك \".\n٥١٣ - \" باب من كبر في نواحي الكعبة \"\n٦٠٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أن رسول الله - ﷺ - لما قدم \" مكة يوم الفتح \" أبى \" أي كره \"أن يدخل البيت\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ٩.\n(٢) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٣.\n(٣) \" شرح النووي على مسلم \" ج ٩.","vol":"3","page":96},{"text":"بِهَا فأخْرَجَتْ، فأخْرجُوا صُورَةَ إبْراهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وفي أيدِيهِمَا الأزْلَامُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" قاتَلَهُمُ اللهِ أما وَاللهِ قد عَلِمُوا أنَّهُمَا لمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ \" فَدَخَلَ الْبَيْتَ فكَبَّرَ في نَوَاحِيهِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ \".\nــ\nوفيه الآلهة\" أي والأصنام معلقة على جدرانه، ومنصوبة عليه، \" فأمر بها فأخرجت. فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل \" أي ومن ضمنها تمثالان لإبراهيم وإسماعيل \" وفي أيديهما الأزلام \" أي أقداح الأزلام، قال القرطبي (١): ويقال: كانت في البيت عند سدنة البيت وخدام الأصنام، يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئًا، فإن كان عليه: أمرني ربي، خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره \" فقال رسول الله: قاتلهم الله أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط \" أي أن هذه الصور التي صوروا فيها إسماعيل وإبراهيم والأزلام في أيديهما صور كاذبة لا تمت إلى الواقع بصلة، لأنهم يعلمون علم اليقين أنهما لم يستقسما بالأزلام طول حياتهما. \" فدخل البيت وكبر في نواحيه \" أي في جهاته الأربع \" ولم يصل فيه \" هكذا يقول ابن عباس ﵄: إن النبي - ﷺ - لم يصل في الكعبة عندما دخلها، لكن ثبت في حديث بلال ﵁ أنه - ﷺ - صلى في الكعبة، وهو مقدم عليه، لأنه دخل مع النبي - ﷺ - الكعبة، وشاهد ما فعله النبي - ﷺ - فيها، ولم يدخل معه ابن عباس ﵄. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب لمن دخل الكعبة أن يكبر في جهاتها الأربع. ثانيًاً: أنه يستحب دخول الكعبة للحاج وغيره، وليس من المناسك عند الجمهور. ثالثًا: نفى ابن عباس رضي\n_________\n(١) \" تفسير القرطبي \" ج ٦.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>٥١٤ - \" بَابٌ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ </span>\"\n٦٠٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\"قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأصْحَابُهُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَتْهُمُ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - أنْ يَرْمُلُوا الأشْواطَ الثَّلَاثةَ، وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يَأمُرَهُمْ انْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الإِبقَاءُ عَلَيْهِمْ\".\nــ\nالله عنهما أن يكون النبي - ﷺ - قد صلى في الكعبة، لكن المعتمد أنّه صلى فيها لحديث بلال الذي ذكرناه، والجمهور على صحة الصلاة فيها فرضًا أو نفلًا، واستحب الشافعية الصلاة فيها. والمطابقة: في قوله: \" فكبر في نواحيه \".\n٥١٤ - \" باب كيف كان بدء الرمل \"\n٦٠٥ - معنى الحديث: أن قريشًا أطلقت الشائعات الكاذبة على أن أصحاب النبي - ﷺ - قد أضعفتهم حمى المدينة، فأراد النبي - ﷺ - أن يثبت للناس كذب هذه الإشاعات، فأمر النبي - ﷺ - أصحابه في عمرة القضاء (١) أن يرملوا أي يسرعوا في الثلاثة الأشواط الأولى من الطواف، ما عدا ما بين الركنين \" ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلاّ الإبقاء عليهم \" أي إلاّ الشفقة عليهم والرفق بهم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن من سنن الطواف (٢) للرجال الرملُ\n_________\n(١) وكانت في السنة السابعة من الهجرة سميتْ عمرة القضاء، لأنها كانت قضاء لعمرة الحديبية التي صدتهم عنها قريش في السنة التي قبلها.\n(٢) قال في \" تيسير العلام \": يؤخذ منه استحباب الرمل في كل طواف وقع بعد قدوم، سواء كان لنسك أو لا.","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-561>٥١٥ - \" بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الأسْوَدِ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ أوَّلَ مَا يَطُوف وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا </span>\"\n٦٠٦ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقدَمُ مَكَّةَ إِذَا استلَمَ الرُّكْنَ الأسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>٥١٦ - \" بَابُ الرَّمَلِ في الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ </span>\"\n٦٥٧ - عَنْ عُمَرَ ﵁:\nأَنَّهُ قالَ: \"فَمَا لَنَا ولِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أهْلَكَهُمُ\nــ\nفي الأشواط الثلاثة الأولى. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٥١٥ - \" باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة أول ما يطوف ويرمل ثلاثًا \"\n٦٠٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان إذا قدم مكة بدأ طوافه باستلام الحجر الأسود وتقبيله، ثم يرمُل في الأشواط الثلاثة الأولى. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنن الطواف: استلام الحجر وتقبيله (١) وكذلك الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى. والمطابقة: في قوله: \" استلم الركن الأسود \".\n٥١٦ - \" باب الرمل في الحج والعمرة \"\n٦٠٧ - معنى الحديث: يقول عمر ﵁: \"فما لنا\n_________\n(١) أي استلام الحجر الأسود وتقبيله عند بدء الطواف، وسيأتي الكلام على تقبيل الحجر الأسود قريبًا في باب تقبيل الحجر.","vol":"3","page":99},{"text":"اللهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَا نُحِبُّ أن نَتْرُكَهُ\".\nــ\nوللرمل\" قال العيني: ويروى والرَّمل بغير لام، والنصب فيه على الأفْصَح، وفي رواية عن زيد بن أسلم: \" فيم الرمل والكشْفُ عن المناكب \" \"إنما كُنا راءينا به المشركين\" أي إنما شرع الرَّمل في الأصل بسبب وهو أن المشركين أشاعوا أن النبي وأصحابه قد أضعفتهم حمي يثرب فأمر النبي أصحابه في عمرة القضاء أن يرملوا في الطواف ليظهروا لهم سلامتهم وصحتهم وقوة أجسامهم تكذيبًا لِإشاعتهم الباطلة، أما الآن فقد هزم الله الشرك وأهله، وفتحت مكة وزال السبب الداعي إلى الرمل، ولكنَّهُ بقي سنة مشروعة سنها رسول الله - ﷺ -، فنفعلها اقتداءً به، وعملًا بسنته، وإحياءً لهذه الذكريات الإِسلامية الخالدة، وهو معنى قوله: \" ثم قال: - شيء صنعه النبي - ﷺ - فلا نحب أن نتركه \" أي فنحن الآن وقد أهلك الله تعالى المشركين ولا حاجة لنا بالرمل (١)، ولكنه شيء صنعه النَّبِيُّ - ﷺ - فلا نحب أن نتركه، اتباعًا له، لأنه - ﷺ - ثبت أنه رمل في حجته ولا مشرك يومئذ، فعلم أنَّه من مناسك الحج.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" شيء صنعه النَّبِيُّ - ﷺ - \".\nفقه الحديث: دل الحديث على أن الرمل في الطواف من السنن المشروعة فيه، وأن مشروعيته باقية رغم زوال سببه، وهو من الأعمال التي زال سببها وبقى حكمها ومشروعيتها، قال الخطابي (٢): وقد يحدث شيء من أمر الدين بسبب من الأسباب، فيزول ذلك السبب ولا يزول حكمه، كالعرايا والاغتسال للجمعة. وقال الطبري (٣): ثبت أن النَّبِيَّ - ﷺ - رمل في حجته ولا\n_________\n(١) أي لا حاجة لنا بالرمل لزوال سببه فقد زال سببه وبقي حكمه، كما أفاده العيني.\n(٢) \" شرح العيني على البخاري \" ج ٩.\n(٣) أيضًا \" شرح العيني \" ج ٩.","vol":"3","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>٥١٧ - \" بَابُ استِلَامِ الرُّكْنِ بالْمِحْجَنِ </span>\"\n٦٥٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - في حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>٥١٨ - \" بَابُ تقْبِيلِ الْحَجَرِ </span>\"\n٦٠٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنهُ سَألهُ رَجُل عَنِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فَقَالَ: \"رَأيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -\nــ\nمشرك يومئذ يراه، فعلم أنه من مناسك الحج، غير أنا لا نرى على من تركه عامدًا أو ساهيًا قضاءً ولا فدية، لأن من تركه فليس بتارك العمل، إنما هو تارك لهيئته وصفته كالتلبية التي فيها رفع الصوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيع لها. اهـ.\n٥١٧ - \" باب استلام الركن بالمحجن \"\n٦٠٨ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ - ﷺ - طاف في حجة الوداع راكبًا على بعيره يشير إلى الحجر الأسود بمحجنه وهي عصا محنية الرأس مكتفيًا بذلك عن استلام الحجر.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنه يجوز عند الزحام استلام الحجر بعصا ونحوها، وكذلك تجوز الإِشارة إليه باليد وتقبيلها عند الجمهور. وقال مالك: إن لم يصل إليه بعود كبر إذا حاذاه ومضى ولا يشير إليه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" يستلم الركن \".\n٥١٨ - \" باب تقبيل الحجر \"\n٦٠٩ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي \"أن ابن عمر سأله رجل","vol":"3","page":101},{"text":"يَسْتَلِمُهُ ويُقَبِّلُهُ، فَقَالَ: أرأيْتَ إِنْ غُلِبْتُ قَالَ: اجْعَلْ أرأَيْتَ بِالْيَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمهُ ويُقَبِّلُهُ\".\nــ\nعن استلام الحجر\" الأسود، وهو وضع اليد عليه عند بداية الطواف \" فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمه ويقبله \" وهذا يقتضي أنّ استلامه وتقبيله سنة \" فقال: أرأيت إن غلبت \" أي أخبرني إن زاحمني الناس عليه، وحاولت الوصول إليه فعجزت عنه، هل أعذر في ترك استلامه وتقبيله \" قال: اجعل أرأيت باليمن \" أي عليك باتباع سنة نبيك، ودع الرأي هناك، وظاهره أنه لا يرى في الزحام عذرًا. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنن الطواف استلام الحجر وتقبيله وأن ابن عمر لا يرى في الزحام عذرًا، لكن الجمهور على أنه إذا عجز عن تقبيله يكفيه أن يضع يده عليه ويقبلها، ومالك قال لا يقبلها، وإنما يضعها على فمه فقط، أما إن عجز عن استلامه بيده، فإنه يستلمه بشيء في يده كالعصا فإن عجز أشار بيده (١) لأن النبي - ﷺ - كما قال ابن عباس: \" طاف على بعير، كلما أَتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده \"، وإن لم يشر إليه استقبله مهلِّلًا مكبرًا. والمطابقة: في قوله: \" رأيت النَّبِيُّ - ﷺ - يستلمه ويقبله \".\n...\n_________\n(١) أي فإنه يشير إِلى الحجر بيده.","vol":"3","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-565>٥١٩ - \" بَابُ مَنْ طَاف بالْبَيْتِ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبلَ أنْ يَرْجِعَ إلى بَيْتهِ </span>\"\n٦١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّ أَوَّلَ شَيء بَدَأ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أنَّهُ - ﷺ - تَوَضَّأ ثُمَّ طَافَ ثُمَّ لَمْ تَكنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أبو بَكْرٍ ﵁ وَعمَر ﵁ مِثْلَهُ \".\nــ\n٥١٩ - \" باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته \"\n٦١٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم - ﷺ - مكة \" أي أنّ أول عمل فعله النَّبِيُّ - ﷺ - عند وصوله إلى مكة \" أنه توضأ ثم طاف \" أي بدأ بالوضوء والطواف بالبيت، فبدأ النبي - ﷺ - بالطواف قبل أن يذهب إلى بيته الذي يريد النزول فيه كما قال البخاري \" ثم لم تكن عمرة \" أَي: ولم يفسخ النبي - ﷺ - نفسه (١) الحج إلى العمرة لأنه كان قارنًا، وساق الهدي فلم يتمتع بالعمرة كما فعل غيره، \" ثم حج أبو بكر وعمر ﵄ مثله \" أي مثل حج النبي - ﷺ -، كما أفاده العيني.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنّ من السنة لمن قدم مكة أن يبدأ بالطواف أولًا، سواء كان حاجًا أو معتمرًا أو لم يكن أحدهما، فإن كان قارنًا فطوافه طواف قدوم، وهو سنة، أو طواف ركن على أن عليه طوافين، وسعيين، وهو مذهب أبي حنيفة، وإن كان مفردًا فطوافه طواف قدوم، وهو سنةٌ\n_________\n(١) هكذا فسره القاضي عياض كما أفاده العيني.","vol":"3","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>٥٢٠ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخرُجَ إلَى عَرَفَةَ </span>\"\n٦١١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ فَطَافَ وسعى بين الصَّفا والْمَرْوَةَ، ولم يقرب الكَعْبَةَ بعد طَوافِهِ بها حتى رَجِعَ من عَرَفَةَ \".\nــ\nوإن كان متمتعًا فطوافه طواف عمرة، وهو ركن من أركانها، وإن لم يكن شيئًا من ذلك فطوافه تطوع وتحية للمسجد. وفي الحديث دليل على أن الوضوء شرط في صحة الطواف، لقولها \" أنه توضأ ثم طاف \"، وقوله - ﷺ -: \" الطواف صلاة إلاّ أنّ الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلّا بخيرٍ \" أخرجه الترمذي والدارقطني وصححه الحاكم، قال العثماني الشافعي: ومن شرط الطواف الطهارة وستر العورة عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: ليس بشرط في صحته (١). الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها ﵂: \" إن أوّل شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف إلخ \".\n٥٢٠ - \" باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج إلى عرفة \"\nْ٦١١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث عن عدد المرات التي طافها النَّبِيُّ - ﷺ - بالبيت قبل طلوعه إلى عرفة في حجة الوداع، فيقول: \" قدم النبي - ﷺ - مكة \" يعني في حجة الوداع \" فطاف \" مرة واحدة، أو طوافًا واحدًا \" وسعى بين الصفا والمروة \" سعيًا واحدًا، واكتفى بطواف واحد، وسعى واحد قبل طلوعه إلى عرفة، لأنه انشغل بأمور أخرى \" ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها \" هذه المرة \"حتى\n_________\n(١) \" رحمة الأمة في اختلاف الأئمة \".","vol":"3","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-567>٥٢١ - \" بَابُ مَا جَاءَ في زَمْزَمَ </span>\"\n٦١٢ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\" سَقَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - من زمزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ \".\nــ\nرجع من عرفة\" وعند ذلك طاف طواف الإفاضة. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن الحاج ليس عليه قبل عرفة سوى طواف واحد، فإن كان مفردًا كان طوافه طواف قدوم اتفاقًا وهو سنة، وإن كان متمتعًا فطوافه طواف العمرة، وهو ركن من أركانها اتفاقًا، وإن كان قارنًا فطوافه طواف قدوم عند الجمهور، وهو سنة، وليس عليه من أركان الحج سوى طواف واحد وهو طواف الإِفاضة، وقال أبو حنيفة: إن كان قارنًا فطوافه ركن، لأن على القارن طوافين وسَعْيَين. والمطابقة: في قوله: \" لم يقرب الكعبة بعد طوافه بها \".\n٥٢١ - \" باب ما جاء في زمزم \"\n٦١٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄ سقيت رسول الله من ماء زمزم فشرب من ذلك الماء حال كونه قائمًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال القسطلاني: فيه الرخصة في الشرب قائمًا. ثانيًا: دل الحديث على فضل بئر زمزم وشرفها، لأنه - ﷺ - ذهب إليها ووقف عليها، وشرب منها، وعلى استحباب الشرب من ماء زمزم والتضلع منه اقتداءً بنبينا - ﷺ -. قال ابن المنير: وكأنه عنوان عن حسن العهد، وكمال الشوق، فإن العرب اعتادت الحنين إلى مناهل الأحبة، وموارد أهل المودة، وروي عن ابن عباس ﵄ قال:","vol":"3","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>٥٢٢ - \" بَابُ وُجُوبِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ \" وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ الله </span>\"\n٦١٣ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنهَا سَألهَا ابْنُ أخْتِهَا عُرْوَةُ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﷿ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فَقَالَ: فَوَاللهِ ما عَلَى أحدٍ جُنَاح أن لا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَتْ:\nــ\nصلّوا في مصلى الأخيار، واشربوا من شراب الأبرار، قيل: وما مصلى الأخيار؟ قال: تحت الميزاب، قيل: وما شراب الأبرار؟ قال: زمزم.\nويستحب استقبال الكعبة عند شربه، والدعاء بصالح الدعاء، وقد كان ابن عباس ﵄ إذا شرب منه قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كل داءٍ. وهو ماء مبارك يستفيد الناس منه في قضاء حاجاتهم بإذن الله تعالى، فعن جابر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \" ماء زمزم لما شرب له \". قال ابن القيم: وقد جربت أنا وغيري (١) من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله تعالى، وشاهدت من يتغذى به لأيام ذوات العدد قريبًا من نصف الشهر أو أكثر، وأخبرني أنّه ربما بقي عليه أربعين يومًا، وكان له قوة يجامع أهله ويصوم ويطوف مرارًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" سقيت رسول الله - ﷺ - من زمزم \".\n٥٢٢ - \" باب وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله \"\n٦١٣ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ \" سألها ابن أختها عروة عن قول الله ﷿ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ\n_________\n(١) \" الطب النبوى \" لابن القيم.","vol":"3","page":106},{"text":"بِئْسَ مَا قُلْتُ يا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أولْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ في الأنْصَارِ، كانُوا قَبْلَ أن يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيةِ التي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أنْ يَطوفَ بالصَّفَا والْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أسْلَمُوا سَألوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّج أنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فأنزلَ اللهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآيَة قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا.\nــ\nالْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) \"، أي أنّ عروة سأل خالته عائشة عن معنى هذه الآية، وقال: إني فهمت من قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أن السعي غير واجب على الحاج \" قال: فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما \" أي لا إثم على من ترك السعي بينهما، \" قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي \" أي لقد أخطأت فيما قلت: ولم توفق في فهمك هذا \" إن هذه \" الآية \" لو كانت كما أوّلتها \" أي كما فسرتها \" كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما \" أي لكان لفظها كما قالت عائشة لأنّها لا تدل على عدم وجوب السعي إلاّ إذا اقترنت بلا النافية، ثمَّ بينت سبب نزول الآية الكريمة في قولها: \" لكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة \" أي يحجون لصنم يسمى مناة عند المُشلَّلِ \" بضم الميم، وهي ثنية بين مكة والمدينة تشرف على قديد \" فكان من أهل \" أي فكان من حج من الأنصار \" يتحرجٍ أن يطوّف بالصفا والمروة \" أي كان يرى في السعي بين الصفا والمروة إثمًا عظيمًا، لأنّه كان فيهما صنمان يعبدهما غيرهم، وهما","vol":"3","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-569>٥٢٣ - \" بَابُ مَا جَاءَ في السَّعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ </span>\"\n٦١٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\"كَانَ رَسُولُ - ﷺ - إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا، وَمشى\nــ\n\" أساف \" و\" نائلة \"، وكانوا يكرهونهما \" فلما أسلموا سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك \" أي عن السعي بينهما هل فيه إثم كما يظنون \" فأنزل الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فبين لهم أن لا إثم عليهم في السعي بين الصفا والمروة كما كانوا يظنون، لأن السعي بينهما من شعائر الله، أي من مناسك الحج والعمرة \"وقد سنّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما\" أي وقد شرع النبي - ﷺ - لنا السعي بينهما.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية السعي بين الصفا والمروة، وهو ركن من أركان الحج والعمرة عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: هو واجب يجبر بالدم، وذهب ابن عباس وابن الزبير وابن سيرين وأحمد في رواية إلى أنّه سنة، لما جاء في مصحف ابن مسعود (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) ورجح ابن قدامة وجوبه، لأن الدليل الذي ورد فيه إنما يدل على مطلق وجوبه لا على أنه لا يتم الواجب إلاّ به. وقد قال عبد الله بن عباس ﵄: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله قد كتب عليكم السعي فاسعُوا \" رواه الطبراني وهو حديث حسن. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها: \" وقد سنَّ رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما \".\n٥٢٣ - \" باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة \"\n٦١٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا طاف الطواف الأول \" أي طواف القدوم أو العمرة","vol":"3","page":108},{"text":"أرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بَطنَ الْمسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>٥٢٤ - \" بَابُ تقضي الْحَائِضُ الْمَنَاسِك كُلَّهَا إلَّا الطَّوَاف بِالبَيْتِ </span>\"\n٦١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مكَّةَ وأَنا حَائِضٌ، ولَمْ أطُفْ بالْبَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ: فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أن لا تَطُوفِي بالْبَيْتِ حتى تطهُرِي \".\nــ\n\" خبَّ ثلاثًا \" أي أسرع في الأشواط الثلاثة الأولى، وهو ما يسمى بالرمل \" وكان يسعى بطن المسيل \"، أي وكان يفعل ذلك الإِسراع المسمى بالرمل أو الخبب وسط المسعى بين الميل الأخضر المعلق بجوار المسجد، والميلين الأخضرين المعلق أحدهما بجوار المسجد، والثاني بدار العباس ﵁.\nالحديث: أخرجه الخمسة إلا الترمذي.\nويستفاد منه: بيان كيفية السعي، وأنه كله مشي إلاّ ما بين الميلين فيستحب الرمل للرجال. والمطابقة: في كون الحديث مبينًا لكيفية السعي.\n٥٢٤ - \" باب تقضي الحائض المناسك إلا الطواف \"\n٦١٥ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" قدمت مكة \" أي وصلت إلى مكة \" وأنا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة \" أي وكنت حائضًا فلم أطف بالكعبة، ولم أسع بين الصفا والمروة، لأنّ الطهارة شرط في الطواف، ولتوقف السعي على الطواف \" فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ - \" أي شكوت إليه استمرار الحيض وخشيت أن يمنعني من أداء جميع المناسك \" قال: افعلي كما يفعل الحاج \" من الوقوف بعرفة","vol":"3","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>٥٢٥ - \" بَابٌ أيْنَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَروية</span>؟ \"\n٦١٦ - عَنْ أنسٍ ﵁:\nأَنَّهُ سَألهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أخبِرْنِي بِشَيءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: أينَ صَلَّى الظهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ التروِيَة؟ قَالَ: بِمِنَى، قَالَ: فَأيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ\nــ\nومزدلفة والمبيت بمنى وغير ذلك \" غير أن لا تطوفي بالبيت \" أي غير أنّك لا تطوفين بالكعبة طواف الإفاضة \" حتى تطهري \" من الحيض.\nويستفاد منه ما يأتي: أَولًا: أن الحيض يفسد الحج، لقوله - ﷺ - لها: \" افعلي كما يفعل الحاج \" حيث أمرها - ﷺ - بالاستمرار في أداء مناسك الحج، وهذا يدل على صحة حجها، وعدم فساده بالحيض. ثانيًاً: أن الحيض يفسد الطَّواف، لأن من شروط الطواف الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، والحيضُ حدث أكبر، والحائض غير طاهرة فلا يصح طوافها. ولذلك فإن الحائض تفعل كل مناسك الحج غير الطواف والسعي، وهو ما ترجم له البخاري حيث قال: \" تقضي الحائض - أي تفعل المناسك كلها إلّا الطواف بالبيت \" أي فلا تطوف لأنّه لا يصح طوافها، ولا تسعى، لأن السعي يتوقف على الطواف. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٥٢٥ - \" باب أين يصلي الظهر يوم التروية؟ \"\n٦١٦ - معنى الحديث: أن أنسًا ﵁ \" سأله رجل فقال: أخبرني بشيء عقلته عن النَّبِيُّ - ﷺ - أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ \" أي أخبرني عن شيء كنت قد أدركته مع النَّبِيُّ - ﷺ - وحضرته معه، وعلمته من النَّبِيُّ - ﷺ - مباشرة دون واسطة أو رواية شخص آخر عنه \"أين صلى","vol":"3","page":110},{"text":"النَّفْرِ؟ قَالَ ﵁: بِالأبْطَحِ، ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يفعَلُ أُمَرَاؤُكَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>٥٢٦ - \" بَابُ صَوْمَ يَوْمَ عَرَفَةَ </span>\"\n٦١٧ - عَنْ أُمِّ الْفَضْل ﵂ قَالَتْ: \"شَكَّ النَّاسُ يَوْمَ عَرَفَةَ\nــ\nالظهر والعصر؟ \" أي في أي مكان صلى النَّبِيُّ - ﷺ - صلاة الظهر وصلاة العصر \" يوم التروية \"؟ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة \" قال: بمنى \" أي صلاهما في منى لا في مكة. \" قال: أين صلّى العصر يوم النفر؟ \" أي: يوم النفر من منى إلى مكة \" قال بالأبطح \" أي صلّى العصر يوم النفر في الأبطح بين مكة ومنى. وسيأتي بيانه في موضعه \" ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك \" في هذه الأعمال. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب صلاة الظهر والعصر يوم التروية بمنى والخروج إليها بعد صلاة الصبح والمبيت بها ليلة التاسع من ذي الحجة، وأداء المغرب والعشاء والصبح بها، والخروج إلى عرفة بعد طلوع الشمس، لقول ابن عباس ﵄: \" صلى النبي - ﷺ - الظهر يوم التروية، والفجر يوم عرفة بمنى \" أخرجه مسلم. ثانيًاً: أنه يستحب للحاج أن يصلي العصر بالمحصب يوم النفر بين الحجون وجبل النور إن تيسر، وإلّا فعليه أن يراعي الظروف، لقول أنس ﵁: افعل كما يفعلُ أمراؤك. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٥٢٦ - \" باب صوم يوم عرفة \"\n٦١٧ - ترجمة راوية الحديث: وهي لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العباس ﵄ تعرف بلبابة الكبرى أول امرأة أسلمت بعد خديجة ﵂، وكانت من المنجبات أنجبت ستة لم تلد امرأة مثلهم: الفضل،","vol":"3","page":111},{"text":"في صَوْمِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَبَعَثْتُ إلى النَّبِيِّ - ﷺ - بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>٥٢٧ - \" بَابُ التَّهجِير بالرَّوَاحِ إلى عَرَفَةَ </span>\"\n٦١٨ - عَنْ سَالِم بْنُ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ المَلِك إِلَى الحَجَّاجِ أن لا يُخَالِفَ ابن عُمَر فِي الحَجِّ، فَجَاءَ ابنُ عُمَرَ ﵄ وَأنا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرادِقِ الْحَجَّاجِ، فخَرَجَ\nــ\nوعبد الله، وعبيد الله، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن.\nمعنى الحديث: تقول أم الفضل ﵂: \" شك الناس يوم عرفة في صوم النبي - ﷺ - \" أي شك الصحابة هل صام ذلك اليوم، لكثرة ما ورد في فضل صيامه من الأحاديث أو أفطر، لأن للحاج ظرفه الاستثنائي قالت: \" فبعثت إلى النَّبِيُّ - ﷺ - بشراب \" أي بقدح من لبن \" فشربه \"، وعند ذلك تأكدت ﵂ من إفطاره. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل الحديث على أنه يندب للحاج الإِفطار يوم عرفة اقتداءً بالنَّبِيُّ - ﷺ - وعملًا بسنته، فهو الأفضل، وصيامه خلاف الأولى (١). والمطابقة: في كونه - ﷺ - لم يصم يوم عرفة فِي حجة الوداع.\n٥٢٧ - \" باب التهجير بالرواح إلى عرفة \"\nأي هذا باب يذكر فيه أن من السنة التعجيل بالذهاب إلى عرفة في الهاجرة بعد الزوال، وعقب أداء الظهر والعصر في مسجد نمرة ببطن عرنة.\n٦١٨ - معنى الحديث: أن ابن عمر \" أتى يوم عرفة حين زالت الشمس عند سرادق الحَجَّاج \" أي صاح مناديًا عليه عند مخيمه لأن عبد الملك لما وَلَّى الحجَّاج إمارة مكة أمره أن لا يخالف ابن عمر في المناسك فحج\n_________\n(١) ويسن صيامه لغير الحاج. (ع).","vol":"3","page":112},{"text":"وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ: مَالَكَ يا أبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! فَقَالَ: الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأنْظِرْنِي حتى أُفِيضَ عَلَى رَأسِي ثم أخْرُجَ، فَنَزَلَ حتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ، فسَارَ، فَقَالَ لَهُ سَالِمُ بن عَبْدِ الله وَكَانَ مَعَ أبيهِ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظرٌ إلى عبدِ اللهِ، فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ عبد اللهِ قَالَ: صَدَقَ.\nــ\n\" الحَجَّاجُ \" ذلك العام، فلما توجه من مني إلى عرفة نزل في نمرة ونصب سرادقه هناك كما كان يفعل غيره من الأمراء اقتداءً بسنة النبي - ﷺ -، فلما حان وقت الزوال ذهب إليه ابن عمر ليبين له المناسك، فصاح به مناديًا عليه \" فخرج وعليه ملحفة معصفرة فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ \" يعني ابن عمر \" فقال: الرواح إن كنت تريد السنة \" أي عجّل بالذهاب إلى عرفة بعد الزوال. عقب أداء صلاتي الظهر والعصر قصرًا وجمعًا ببطن عُرَنة إن كنت تريد العمل بسنته - ﷺ - \" قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجّاج فسار فقال له سالم وكان مع أبيه: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة \" أي فاختصر الخطبة وأدِّ صلاتي الظهر والعصر ببطن عرنة قصرًا وجمعًا وخففهما \" وعجل بالوقوف \" أي وسارع إلى الوقوف بعرفة عقب الصلاة مباشرة لتقف بها في الهاجرة عند منتصف النهار لما في حديث جابر ﵁ قال: \" لما زاغت الشمس أَتى - ﷺ - بطن الوادي، أي وادي عرنة، فخطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ثم ركب القصواء (بفتح القاف) وهي ناقته المشهورة، حتى أتى الموقف \" إلخ. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من السنة أن","vol":"3","page":113},{"text":"يصلي الإِمام الظهر والعصر قصرًا وجمعًا في مسجد نمرة (بفتح النون وكسر الميم) ويقع هذا المسجد ببطن وادي عُرنَة، ومن السنة أيضًا أن يخفف الخطبة والصلاة ويسارع بالذهاب إلى الموقف فيقف هناك في الهاجرة كما فعل النبي - ﷺ - وهو ما ترجم له البخاري، فالتهجير سنة مستحبة، أما الانتقال من عُرنَةَ إلى الموقف من عرفة فهو أمر لا بد منه، ولا يتحقق الوقوف بدونه، لأنّ عُرنة ليست من عَرفة عند الجمهور، فمن اقتصر على الوقوف فيها لا يجزئه ذلك، فهي واد بين العلمين اللذين هما على حد عرنة، والعلمين اللذين هما على حد الحرم فليست من عرفة ولا من الحرم (١). اهـ. كما ذكره الفاسي في \" تاريخه \"، وحكى ابن المنذر عن مالك أن عُرَنَةَ من عرفات، وفي صحة ذلك عنه نظر على مقتضى ما ذكره الفقهاء المالكية في كتبهم، ولعل ما حكاه ابن المنذر عن مالك رواية غير مشهورة في المذهب. فقد نص خليل في \" مختصره \" على أن من وقف في بطن عرنة لا يصح وقوفه بها ولا يجزئه.\nوإنما اختلف المالكية في \" مسجد نَمِرَةَ \" هل هو من عَرَفَةَ أو من عُرنَة؟ فمن قال إنه من عرفة قال يجزىء الوقوف به ومن قال إنه من عُرنة، قال لا يجزىء.\nولذلك اختلفوا في حكمه على خمسة أقوال: الإِجزاء وعدمه والإِجزاء مع وجوب الدم (٢)، والتوقف في حكمه، فقد روى القرافي عن مالك أنه قال: لم يصب (٣) من وقف به، فمن فعل لا أدري (٤) وخامسها: الإِجزاء مع الكراهة، وهو ما حكاه خليل في \" مختصره \" حيث قال: \" وأجزأ \" أي الوقوف \" بمسجدها بكُرْهٍ \" قال الحطاب يعني أن من وقف بمسجد نمرة فإنه يجزئه وقوفه مع الكراهة، وعند غيرهم لا يجزىء. إذن فالمعتمد عندهم أن\n_________\n(١) هذا ما ذكره الفاسي عُرنَةِ وحدودها في \" تاريخه \" كما نقله عنه الحطاب في \" شرح الخليل \".\n(٢) \" مواهب الجليل لشرح مختصر خليل \" للحطاب ج ٣.\n(٣) \" التاج والإكليل للمواق على هامش مواهب الجليل \" ج ٣.\n(٤) أي لا أدري هل يجزئه ذلك الوقوف أم لا؟ وهذ النص صريح على توقفه في حكمه.","vol":"3","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-574>٥٢٨ - \" بَابُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ </span>\"\n٦١٩ - عَنْ جُبَيْرِ بْن مُطْعِم ﵁ قَالَ:\n\" أضْلَلْتُ بَعِيرًا، فَذَهَبْت أطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأيتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَاقِفًَا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ مِنَ الْخمْسِ فما شَأنُة هَا هُنَا \".\nــ\nالوقوف بمسجد نمرة يجزىء مع الكراهة (١). ثانيًاً: أن من دخل عرفة قبل الصلاة فقد خالف سنة النَّبِيُّ - ﷺ - لأن السنة في ذلك اليوم أن تؤدّى الصلاة ببطن عرنة، ثم يعجل بعد ذلك بالرواح إلى الموقف في عرفة، لقوله: \" إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل بالوقوف \" وفي حديث جابر الطويل \" حتى إذا زاغت الشمس أمر - ﷺ - بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس -إلى أن قال- ثم أذن بلال، ثم أقام، فصلّى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئًا ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات (بفتح أوَّلِهِ وثانِيه وثالِثه) وهي الأحجار المغروسة في أسفل جبل الرحمة \" ومعنى ذلك أنه - ﷺ -: لم يذهب إلى عرفة إلاّ بعد الصلاة، إذن فهذا هو السنة. والمطابقة: في قوله: \" الرواح إن كنت تريد السنة \".\n٥٢٨ - \" باب الوقوف بعرفة \"\n٦١٩ - معنى الحديث: يقول جبير ﵁: \" أضللت بعيرًا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة \" أي أضعت بعيري في الجاهلية فذهبت أبحث عنه يوم عرفة، حتى وصلت إلى عرفات \" فرأيت النَّبِيُّ - ﷺ - واقفًا بعرفة \" كسائر القبائل العربية الأخرى غير قريش وما شابهها. \" فقلت: هذا والله من الحمس \" وهم قريش وكنانة وجديلة حموا بذلك لتحمسهم في دينهم، ومحمد - ﷺ - منهم لأنه قرشي. \" فما شأنه ها هنا \" أي فما باله يقف ها\n_________\n(١) وعند غيرهم لا يجزىء.","vol":"3","page":115},{"text":"هنا (١) في عرفات وهو من الحمس، والحصر إنما يقفون بمزدلفة ولا يتجاوزونها إلى عرفة، لئلا يخرجوا عن حدود الحرم، قال الحافظ (٢): والمعتمد أن هذه القصة كانت في الجاهلية عن قبل الإِسلام وأن النبي - ﷺ - قد حج في ذلك العهد، فخرج جبير يبحث عن بعيره الضائع، فلقيه مصادفة في عرفة، فتعجب لذلك واستنكره، لما رواه اسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم قال: كانت قريش إنما تدفع من المزدلفة، ويقولون: نحن الحمس، فلا نخرج من الحرم، فرأيت رسول الله - ﷺ - في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على حمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة، فيقف معهم، ويدفع إذا دفعوا وفي رواية: فلما أسلمت علمت أن الله وفقه لذلك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الوقوف بعرفة، وهو رُكن من أركان الحج لا يتم الحج إلاّ به، ولا يجزىء ولا يصح إلّا بفعله إجماعًا لما رواه عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي - ﷺ - بعرفة، فجاء نفر من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال: \" الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جَمْع - بفتح الجيم وسكون الميم. فقد تم حجه \" أخرجه أبو داود وابن ماجة (٣). أي فمن وقف على أرض عرفة ليلة العاشر من ذي الحجة فقد أدرك الحج وأدرك الوقوف بعرفة.\nوقد اختلفوا في وقت الوقوف بعرفة، فقال الجمهور: وقت الوقوف بعرفة هو ما بين الزوال، زوال الشمس يوم عرفة وطلوع فجر يوم النحر. وقال أحمد (٤): وقت الوقوف بعرفة ما بين فجر يوم عرفة وفجر يوم النحر. واتفق الجمهور \" الحنفية والحنابلة والشافعية \" على أن من وقف في أي جزء من هذا\n_________\n(١) \" إرشاد الساري \" للقسطلاني ج ٣.\n(٢) \" فتح الباري \" ج ٣.\n(٣) \" شرح المقدسي على عمدة الفقه \".\n(٤) \" تكملة المنهل العذب على سنن أبي داود \" ج ٢.","vol":"3","page":116},{"text":"الوقت من ليل أو نهار فقد أدّى هذا الركن، وحجه صحيح. إلاّ أنهم قالوا: يجب عليه الوقوف بعرفة إلى الليل ليجمع بين الليل والنهار، فإن النَّبِيُّ - ﷺ - وقف بعرفة حتى غابت الشمس - كما في حديث جابر، فإن دفع قبل الغروب فعليه دم لقول ابن عباس: \" من ترك نُسكًا عليه دم \" (١). ومشهور مذهب الشافعي أن مدَّ الوقوف إلى الليل سنة فقط ولا دم على من دفع قبل الغروب. وإن لم يعد إليها بعده، لما في الخبر الصحيح \" من أَتى عرفة قبل الفجر ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه \" ولو لزمه دم لكان حجه ناقصًا، وإنما (٢) يسن له \" الدم \" خروجًا من خلاف من أوجبه. وقالت المالكية: لا يتحقق هذا الركن إلاّ بالوقوف جزءًا من الليل بعد الغروب، فإن مشهور مذهب مالك أنه لا بد من الوقوف جزءًا من الليل، فلو فاته بطل حجه ولا يكفي الوقوف نهارًا فقط، لقول ابن عمر: \" من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج \" أخرجه مالك (٣)، ولهذا قال في \" القوانين الفقهية \" (٤): \" لا يدفع من عرفة إلاّ بعد غروب الشمس فإن دفع قبل الغروب فعليه العود ليلًا وإلّا بطل حجه. وأجاب الجمهور بأن مراد ابن عمر أن الحج يفوت بعدكم الوقوف بعرفة في وقته قبل طلوع فجر يوم النحر لا أنه يفوته بعدم الوقوف ليلًا لأنه أراد بذلك بيان آخر وقت الوقوف، لقول النَّبِيُّ - ﷺ -: \" من شهد صلاتنا ووقف معنا حتى ندفع، ووقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى نسكه \" قال: الترمذي حديث\n_________\n(١) \" شرح عمدة الفقه \" للمقدسي.\n(٢) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.\n(٣) أيضًا \" تكملة المنهل العذب \".\n(٤) \" القوانين الفقهية \" لابن جُزَيّ.","vol":"3","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-575>٥٢٩ - \" بَابُ السيرِ إذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ </span>\"\n٦٢٠ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄:\n\" أنَّهُ سُئِلَ عَنْ سَيْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في حِجَّةِ الْوَدَاع حِينَ دَفَعَ - ﷺ - قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ \".\nــ\nصحيح (١). واستدل أحمد على أن الوقوت بعرفة يبدأ من طلوع فجر ذلك اليوم بعموم قوله - ﷺ -: \" ووقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا \" قال أحمد فإن لفظ الليل والنهار مطلق يشمل كل النهار والليل، وأجاب الجمهور عنه أن المراد بالنهار ما بعد الزوال لأن النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين لم يقفوا إلّا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف ذلك (٢). والمطابقة: في قوله: \" رأيت النبي واقفًا بعرفة \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٥٢٩ - \" باب السير إذا دفع من عرفة \"\n٦٢٠ - معنى الحديث: أن أسامة ﵁ \" سئل عن سير رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع حَين دفع - ﷺ - \" أي عندما أفاض من عرفات، \" قال: كان يسير العنق \" بفتح العين، أي: يسير سيرًا متوسطًا، ولا يسرع، لئلا يضايق الناس، ويؤذيهم، وليكون قدوة لغيره، \" فإذا وجد فجوة \" أي طريقًا واسعًا فسيحًا \" نصّ \" أي أسرع في سيره، قال أبو عبيد: \" النص تحريك الدابة حتى تستخرج أقصى ما عندها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل الحديث على مشروعية الالتزام بالهدوء والسكينة عند\n_________\n(١) \" شرح عمدة الفقه \" للمقدسي.\n(٢) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-576>٥٣٠ - \" بَابُ أمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفَاضَةِ وِإشارَتِهِ إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ </span>\"\n٦٢١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًَا وَضَرْبًَا للإِبِلِ، فَأشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وَقَالَ: \" أيّهَا النَّاس عَلَيْكمْ بالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بالإِيضَاعِ \".\nــ\nالإِفاضة من عرفة، والمحافظة على السير المتوسط والابتعاد عن السرعة وأن على إدارة المرور أن تقوم بواجبها في ذلك، وعلى الإِمام أن يسير أمام الناس ليكون قدوة لهم. والمطابقة: في قوله: \" كان يسير العنق \".\n٥٣٠ - \" باب أمر النَّبِيُّ - ﷺ - بالسكينة عند الإِفاضة وإشارته إليهم بالسوط \"\n٦٢١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أنه دفع مع النَّبِيُّ - ﷺ - يوم عرفة \" أي أفاض مع النَّبِيُّ - ﷺ - من عرفة إلى مزدلفة، وشاهد حركة سيره بينهما قال: \" فسمع النبي - ﷺ - وراءه زجرًا شديدًا \" أي فبينما النبي - ﷺ - ينظم حركة السير بين عرفة والمزدلفة، ويسير بينهم ويشرف عليهم إذا به يسمع خلفه ضجة وأصواتًا عاليةً \" وضربًا للإِبل \" أي ويرى الناس يضربون الإِبل لتسرع في سيرها \" فأشار بسوطه إليهم \" إشارة ينهاهم فيها عن السرعة الشديدة \" وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة \" أي بالهدوء وتخفيف السرعة، والتزام الرفق وعدم مزاحمة الآخرين ومسابقتهم، \" فإن البِرَّ ليس بالإيضاع \" أي فليست طاعة الله في سرعة السير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" عليكم بالسكينة \".","vol":"3","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>٥٣١ - \" بَابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِلَيْل فَيَقِفُونَ بالْمُزْدَلِفَةِ، وَيَدْعُونَ ويُقَدِّمُ إذَا غَابَ الْقَمَرُ </span>\"\n٦٢٢ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْير ﵄:\n\"أنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْع عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ فَقَامَتْ تُصَلِّي فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: فارْتَحِلُوا، فارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا حَتَّى\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من السنة الالتزام عند الإِفاضة من عرفات بالهدوء والسكينة، وتخفيف السرعة، وتنفيذ قواعد المرور محافظة على سلامته وسلامة الآخرين. ثانيًاً: مشروعية تنظيم حركة المرور، لا سيما عند الإِفاضة من عرفات، وإشراف المسؤولين عليها، فقد كان - ﷺ - يتولى ذلك بنفسه، كما في حديث الباب.\n٥٣١ - \" باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم إذا غاب القمر \"\n٦٢٢ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن كيسان مولى أسماء ﵂ \" عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة \" أي أنّها نزلت ليلة العيد بعد الإِفاضة من عرفات في مزدلفة فأحيت بعض الليل بالعبادة والصلاة، وهو معنى قوله: \" فصلت ساعة \" أي: بعض الوقت من الليل، \" ثم قالت \" لمولاها عبد الله بن كيسان: \" هل غاب القمر؟ \" تريد أن تتعرف بغياب القمر على أنّها قد صارت في الثلث الأخير من الليل، لأن غياب القمر ليلة العاشر من الشهر يكون فيه كما هو معروف \"قال: لا، فصلت ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قال: نعم،","vol":"3","page":120},{"text":"رَمَتِ الْجَمْرةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتْ الصُّبْحَ في مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهُ مَا أَرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا، أَتالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أذِنَ لِلْظُّعُنِ\".\n٦٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\"نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فاسْتَأذَنت النَّبِيِّ - ﷺ - سَوْدَةُ أن تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاس، وكانت امْرَأةٍ بطيئَةً فَأذنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاس، وأقَمْنَا\nــ\nقالت فارتحلوا\" أي فلما علمت بغياب القمر، وعرفت من ذلك أنهما صارت في الثلث الأخير من الليل أمرته بالنزول معها إلى مني \" قال: فارتحلنا ومضينا حتى رمت الجمرة \" أي رمت جمرة العقبة في آخر الليل قبل الفجر \" ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتاه \" بفتح الهاء وسكون النون أي يا هذه \" ما أرانا إلّا قد غلسنا \" أي تسرعنا في الرحيل من مزدلفة ورمي الجمرة بالليل، \" قالت: يا بني إن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن \" بضم الظاء والعين، أي رخص لضعفه النساء مثلي في النزول من مزدلفة في آخر الليل قبل الفجر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود ومالك وأحمد والطبراني \". والمطابقة: في قولها ﵂: \" أن رسول الله - ﷺ - أذن للظعن \".\n٦٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي - ﷺ - سودة أن تدفع قبل حطمة (١) الناس، وكانت امرأة بطيئة \" أي بطيئة الحركة لسِمَنِها وضخامة جسمها كما جاء ذلك في رواية أخرى للبخاري عن عائشة حيث قالت فيها: \" وكانت ثقيلة ثبْطَةً \" (بفتح الثاء وسكون الباء) أي: وكانت سودة امرأة ضخمة سمينة (٢) ثقيلة\n_________\n(١) بفتح الحاء وسكون الطاء.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٠.","vol":"3","page":121},{"text":"حَتَّى أصْبَحنَا نَحْنُ، ثمَّ دفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فلان أكونَ اسْتَأذَنْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا اسْتَأذَنَتْ. سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَّي مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ\".\nــ\nالحركة، بطيئة السير، فاستأذنت النبي - ﷺ - أن تنزل من مزدلفة آخر الليل قبل حطمة الناس - أي قبل شدة الزحام، لأن الزحام يشتد بعد الفجر، فأرادت أن تخلص من شدة الزحام بالنزول قبل الفجر، لأنّها من ضعفة النساء وأهل الأعذار. فلا تقدر على مزاحمة الناس لها، \" فأذن لها \" بالنزول في آخر الليل فنزلت قبل الفجر، \" وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه \"، أي نزلنا عند الإِسفار \" فلأن أكون استأذنت رسول الله - ﷺ - كما استأذنت سودة أحبُّ إلي من مفروح به \" أي فلما رأيت شدة الزحامِ تمنيت لو كنت فعلت كما فعلت سودة، ولو أني استأذنت مثلها لسررت كثيرًا ولفرحت فرحًا عظيمًا بالتخلص من ذلك التعب الذي عانيناه من شدة الزحام. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها: \" وكانت امرأة بطيئة فأذن لها \".\nفقه الحديثين: دل هذان الحديثان على ما يأتي: أولًا: أنه يرخُصُ لأهل الأعذار من النساء والصبيان والشيوخ بالنزول من مزدلفة بعد منتصف الليل، لقول أسماء ﵂: \" أنّ رسول الله - ﷺ - أذن للظعن \"، ولأنه - ﷺ - أذن لسودة بالنزول آخر الليل قبل الفجر. ثانيًاً: مشروعية الوقوف بمزدلفة لقول عائشة \" نزلنا المزدلفة \" ومشروعية المبيت فيها حتى الصباح لقولها: \" وأقمنا حتى أصبحنا \" أي حتى صلينا الصبح فيها: وهذا المبيت واجب يجبر بالدم، عند أحمد وأبي حنيفة وقالت الشافعية: الواجب التواجد فيها ولو لحظة في النصف الثاني من ليلة النحر، وقالت المالكية: الواجب النزول بمزدلفة ليلة النحر، قبل الفجر بمقدار حط الرحال، سواء كان ذلك أوّل الليل أو آخره. أما المبيت فهو سنة عند المالكية والشافعية. وسيأتي تفصيل ذلك في","vol":"3","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>٥٣٢ - \" بَابُ صَلَاةِ الْفَجْرِ في الْمُزْدَلِفَةِ </span>(١) \"\n٦٢٤ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\nأَنَّهُ قَدِمَ جَمْعًَا فَصَلَّى الصَّلَاَتيْنِ، كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بأذانٍ وِإقَامة، والْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثم صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجْرُ وقائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلَع الْفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: إِنّ\nــ\nالباب القادم فراجعه هناك. ثالثًا: قال العيني: استدل بحديث أسماء قوم على جواز الرمي قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر للذين يتقدمون قبل الناس، وهو قول عطاء وطاووس بن كيسان وسعيد بن جبير والشافعي، وقال عياض: مذهب الشافعي رمي الجمرة من نصف الليل، ومذهب مالك أن الرمي يحل بطلوع الفجر، ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد أنها لا ترمى إلاّ بعد طلوع الشمس (٢) فإن رموها قبل ذلك أجزأهم وأساءوا.\n\n٥٣٢ - \" باب صلاة الفجر في المزدلفة \"\n٦٢٤ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الرحمن بن يزيد \" عن عبد الله \" ابن مسعود ﵁ \" أنه قدم جمعًا \" (بفتح الجيم وسكون الميم) اسم لمزدلفة سميت به لاجتماع الناس فيها، أي أنه وصل إلى مزدلفة، فنزل بها \" فصلى الصلاتين \" أي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، \" كل صلاة وحدها بأذان وإقامة \" أي كل واحدة منهما بأذان وإقامة مستقلة \" والعَشاء بينها \" أي وتناول ﵁ طعام العشاء بينهما، \" ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع \" أي صلّى الفجر\n_________\n(١) في نسخ: باب متى يصلي الفجر بجمع.\n(٢) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٠.","vol":"3","page":123},{"text":"هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا في هَذَا الْمَكَانِ الْمَغْرِبَ والْعِشَاءَ، فلا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًَا حَتَّى يُعْتِمُوا وَصَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ، ثمَّ وَقَفَ حتَّى أسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لو أنَّ أمِيرَ الْمُؤمِنِينَ أفَاضَ الآنَ أصَابَ السُّنَّةَ، فما أدْرِي أقَوْلُهُ: كَانَ أسْرَعَ أمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁؟ فلم يَزَلْ يُلبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ \".\nــ\nفي وقت الغلس (١) حتى أن الناس - من شدة الظلام اختلفوا في طلوع الفجر وعدمه \" ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب (٢) والعشاء \" أي أن المغرب والعشاء غيرتا عن وقتهما، وذلك بتأخير المغرب إلى وقت العشاء \" وصلاة الفجر هذه الساعة \" أي بعد طلوع الفجر مباشرة، وقبل ظهوره للعامة لشدة الظلام، \" ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين \" عثمان ﵁ \" أفاض الآن أصاب السنة \" أي لو نزل الآن في وقت الإِسفار وقبل طلوع الشمس إلى مني لوافق سنة النبي - ﷺ -، قال الراوى \" فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان \" أي فبادر عثمان ﵁ بالنزول حتى كأن نزوله سبق قول ابن مسعود ﵁. الحديث: أخرجه أيضًا أحمد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية المبيت في مزدلفة، والوقوف بها إلى الإِسفار، وهو واجب عند أحمد وأبي حنيفة (٣)\n_________\n(١) عند أول طلوع الفجر ولا زالت ظلمة الليل موجودة منتشرة في الجو.\n(٢) منصوب على أنه عطف بيان للصلاتين.\nتنبيه: قوله: \" فلا يقدم \" بفتح الذال. \" حتى يعتموا \" بضم الياء من الإعتام وهو الدخول في وقت العشاء الآخر، كما أفاده العيني.\n(٣) \" شرح العيني \" ج ١٠ و\" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":124},{"text":"والثوري يجب الدم على من تركه، وقال مالك: المبيت بمزدلفة سنة لا واجب، والواجب النزول بها بقدر حط الرحال وصلاة العشاءين، وتناول شيء من الأكل والشرب فيها، فإذا لم ينزل بها فعليه دم. وقالت الشافعية: الواجب هو الحصول بها لحظة أو المرور بها وإن لم يمكث بها بعد نصف الليل (١)، وقضاء بقية الليل بها سنة فقط. ثانيًاً: أنه يسن الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة جمع تأخير، وقد اختلفوا في الأذان والإِقامة لهما، فقال أبو حنيفة: يجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، لقول ابن عمر: \" جمع رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة \" أخرجه مسلم، وقال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية: يقام لهما إقامتين ولا يؤذن لهما، لما جاء في حديث أسامة ﵁ \" أنه - ﷺ - لما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئًا \" أخرجه البخاري وأبو داود ومالك في \" الموطأ \" وقال مالك: يجمع بينهما بأذانين وإقامتين، لحديث الباب، والله أعلم. ثالثًا: أداء صلاة الفجر بالمزدلفة في وقت الغلس، وأنه يسن التبكير بها أوّل الوقت، وهو متفق عليه، وهذا ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \" صلى الفجر حين طلع الفجر - وقائل يقول: لم يطلع \".\n...\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٣.","vol":"3","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-579>٥٣٣ - \" بَابٌ مَتَى يَدفَعُ مِنْ جَمْعٍ </span>\"\n٦٢٥ - عَنْ عُمَرَ ﵁:\nأنَّهُ صَلَّى بِجَمْعِ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ، أشْرِقْ ثَبِيرُ، وَأن النَّبِيَّ - ﷺ - خَالَفَهُمْ ثم أفاضَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ \".\nــ\n٥٣٣ - \" باب متى يدفع من جمع \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على وقت النزول من جمع - يعني من مزدلفة.\n٦٢٥ - معنى الحديث: يحدثنا عمرو بن ميمون \" عن عمر ﵁ أنه صلى بجمع الصبح \" فيقول كما في البخاري: شهدت عمر ﵁ صلّى بجمع الصبح، أي حضرت مع عمر ﵁، ورأيته بعيني وقد صلى في مزدلفة صلاة الصبح، \" ثم وقف \" أي ثم إنه لم يسارع بالنزول من مزدلفة بعد صلاة الصبح مباشرة، ولكنه وقف إلى وقت الإِسفار.\n\" فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس \" أي فلما حان وقت الإِسفار قال: إن المشركين كانوا لا ينزلون من مزدلفة إلى منى إلاّ بعد طلوع الشمس والتأكد من طلوعها وإشراقها \" ويقولون: أشرِق \" (بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الشين) فعل أمر \" ثبير \" بفتح الثاء وكسر الباء جبل في مزدلفة على يسار الذاهب إلى منى، قيل: إنه أعظم جبال مكة وهو منادى بياء محذوفة \" والمعنى \" لتطلع عليك الشمس يا ثبير \" وأن النَّبِيَّ - ﷺ - خالفهم \" أي خالفهم في بقائهم بمزدلفة إلى طلوع الشمس فكان - ﷺ - ينزل في الإِسفار، \" ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس \" يحتمل أن يكون الفاعل","vol":"3","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-580>٥٣٤ - \" بَابُ التَّلْبِيَةِ والتكبير غُدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يرمِي الْجمْرَةَ </span>\"\n٦٢٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nــ\nعمر، أي ثم نزل عمر من مزدلفة في وقت الإِسفار وقبل طلوع الشمس، ويحتمل أن يكون الفاعل رسول الله - ﷺ - فيكون العطف على قوله خالفهم، وهو ما يقتضيه التركيب والسياق، وهو المعتمد ويؤكده ما جاء في رواية الثوري حيث قال فيها: \" لمخالفتهم النَّبِيُّ - ﷺ - فأفاض \" وفي رواية الطبري \" وأن رسول الله - ﷺ - كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس \". الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الإِفاضة من مزدلفة قبل طلوع الشمس من يوم النحر. قال العيني: واختلفوا في الوقت الأفضل للإِفاضة، فذهب الشافعي إلى أنه إنما يستحب بعد كمال الإِسفار، وهو مذهب الجمهور لحديث جابر الطويل، حيث قال فيه: \" فلم يزل - ﷺ - واقفًا حتى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس \". وذهب مالك إلى استحباب الإِفاضة من المزدلفة قبل الإِسفار (١) ولكن قال خليل: \" ووقوفه بالمشعر يكبر ويدعو للإِسفار \" قال في \" التوضيح \": ظاهر كلامه جواز التمادي بالوقوف إلى الإِسفار، وقال في \" المدونة \": وإذا أسفر فلم يدفع الإِمام دفع الناس وتركوه. اهـ. ومعنى ذلك أن حد الوقوف بمزدلفة إلى الإِسفار، فإذا أسفر نزل فورًا. اهـ. هذا هو تحرير مذهب المالكية في المسألة، كما أفاده الحطاب. والمطابقة: في قوله: \" ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس \".\n٥٣٤ - \" باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة \"\nقال العيني: \" أي هذا باب في بيان التلبية والتكبير غداة يوم النحر \"\n_________\n(١) هذا ما ذكره العيني، ولكن الموجود في كتب المالكية هو ما ذكرناه من قول خليل ومالك في \" المدونة \" والله أعلم.","vol":"3","page":127},{"text":"أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأخبَرَ الْفَضْلُ أنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَزَلْ يُلبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.\nــ\nحتى يرمي جمرة العقبة، وفي رواية الكشميهني \" حين يرمي جمرة العقبة \".\n٦٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أن النَّبِيَّ - ﷺ - أردف الفضل \"، أي أنه - ﷺ - صلى الفجر في مزدلفة، وبقى بها حتى الإِسفار، ثم ركب راحلته متوجهًا إلى منى، وأردف الفضل بن العباس، أي أركبه خلفه بين مزدلفة ومنى، \" فأخبر الفضل \" أي: فحدثه الفضل عن تلبية الرسول - ﷺ - حديث شاهد عيان، وأخبره عما أبصره بعينه، وسمعه بأذنه، فذكر \" أنه لم يزل \" النبي - ﷺ - \" يلبي حتى رمى جمرة العقبة \"، أي أن النبي - ﷺ - استمر في التلبية ليلة عيد النحر وصبيحة يوم النحر إلى أن رمى جمرة العقبة، فلم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ مختلفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّه يطلب من الحاج أن يستمر ملبيًا حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم يقطع التلبية، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النَّبِيُّ - ﷺ - وغيرهم أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمي الجمرة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والجمهور، أن الحاج مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا يقطع التلبية مع أول حصاة يَرْميها من جمرة العقبة لقول ابن مسعود ﵁: \" رمقت النَّبِيَّ - ﷺ - فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة \" أخرجه البيهقي وفيه شريك وعامر بن شقيق، وقد وثقهما بعض المحدثين وضعفهما البعض الآخر، لكن جاء في رواية أخرى عن الفضل بن العباس \" أن رسول الله - ﷺ - لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة \" أخرجه الشيخان من حديث طويل. وقال مالك وسعيد بن","vol":"3","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>٥٣٥ - \" بَابُ رُكُوبِ الْبُدنَ </span>\"\n٦٢٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: \" اركَبْهَا \"، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةُ، فَقَالَ: \" ارْكَبْهَا \"، فَقَالَ: أنَّهَا بَدَنَة، فَقَالَ: \" ارْكَبْهَا وَيْلَكَ! \" في الثَّالِثَةِ أوْ فِي الثَّانِيةِ \".\nــ\nالمسيب: يلبي الحاج إلى زوال شمس يوم عرفة، وهو مروي عن علي وابن عمر وعائشة وجمهور فقهاء المدينة، لما رواه القاسم بن محمد عن عائشة \" أنّها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف \" أي بعرفة بعد الزوال، وما رواه جعفر بن محمد عن أبيه \" أن علي بن أبي طالب كان يلبي في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية \" أخرجهما مالك في \" الموطأ \" (١) وقال: ذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. وأجيب بأن ترك علي وعائشة التلبية عند زوال الشمس يوم عرفة يحتمل أنه كان لاشتغالهما بالدعاء، والاستغفار، وأنهما عادا إلى التلبية بعد ذلك. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث تقريبًا.\n٥٣٥ - \"باب ركوب البدن \"\nالبدن: جمع بدنة وهي الواحد من الإِبل ذكرًا كان أو أنثى، والمراد به الهدي (١).\n٦٢٧ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة ﵁ \" أنّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يسوق بدنة \" أي يسوق أمامه بعيرًا وهو ماش على قدميه \" قال: اركبها \" أي فأمره النَّبِيُّ - ﷺ - بركوبها، \" قال: إنها بدنة \" أي\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ١.","vol":"3","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>٥٣٦ - \" بَابُ من أشْعَرَ وقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ </span>\"\n٦٢٨ - عن المِسْوَرِ بْنِ مِخْرَمَةَ ومَرْوَانَ ﵄ قَالا:\n\"خَرَجَ النَّبِيَّ - ﷺ - مِنَ الْمَدِينَةِ في بِضْعَ عَشْرةَ مِائَةٍ حتى إِذَا كانُوا بذِي الْحُليْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ وأَحرَمَ بِالْعُمْرَةِ \".\nــ\nإنها بدنة مهداة إلى الكعبة فكيف أركب الهدي، \" قال: اركبها ويلك \" وأصل الويل العذاب الشديد، وهو غير مقصود، وإنما أراد النبي - ﷺ - أن يغلظ له في القول ليركبها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز ركوب الهدي مطلقًا لحاجة أو لغير حاجة وهو مذهب مالك. وقال أحمد والشافعي: يجوز عند الحاجة لحديث أنس \" أن النَّبِيَّ - ﷺ - رأى رجلًا يسوق إبله وقد جهده المشي، قال: اركبها \" أخرجه النسائي، وهو رواية عن مالك وقال أبو حنيفة: لا يركب الهدي إلاّ لضرورة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود النسائي. والمطابقة: في قوله: \" قال: اركبها \" حيث أمره - ﷺ - بركوب الهدي.\n٥٣٦ - \" باب من أشعر وقلد بذي الحليفة \"\n٦٢٨ - \" عن المِسْوَر بن مِخرَمة \" بكسر الميم وسكوِن الخاء وفتح الراء بن نوفل بن عبد مناف القرشي، ولد بعد الهجرة بسنتين، وروى اثنين وعشرين حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد كُلٌّ منهما بواحد، وتوفي سنة أربع وستين من الهجرة. \" ومروان بن الحكم \" ابن أبي العاص، ولد بعد الهجرة بسنتين، وروى عن عثمان وعمر وعلي، ولم يصح له سماع من النبي - ﷺ -، وقد كان من الفقهاء، تولى الخلافة نصف سنة، وتوفي سنة خمس وستين من الهجرة.","vol":"3","page":130},{"text":"ومعنى الحديث: أن النَّبِيَّ - ﷺ - خرج من المدينة في عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من أصحابه، وهو معنى قولهما: \" في بضع عشرة مائة \" والبضع ما بين الثلاث إلى التسع، \" حتى إذا كانوا بذي الحليفة \" ميقات أهل المدينة، وكل من أتى إلى الحج ومرّ بالمدينة، فإنها كذلك ميقات له، يعني فلما وصل النَّبِيَّ - ﷺ - إلى الميقات المحدد شرعًا لأهل المدينة ومن مر عليها \" قلّد النبي - ﷺ - الهدي \" أي جعل في أعناق الهدي قلادة تميزه عن غيره، من جلد أو نعلين أو نحوها، قالوا: والحكمة في تعليق النعلين في عنقها أن العرب تعد النعل مركوبة للإنسان، لكونها تقي صاحبها، وتحمل عنه وعر الطريق. فكأن الذي أهدي خرج عن مركوبه لله تعالى، كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثَمَّ استحب نعلين لا واحدة عند الجمهور، واشترطه الثوري، وقال الجمهور تجريء الواحدة أو قطعة جلد، \" وأشعره \" أي شق الإبل المعدة للهدي من جانب سنامها الأيمن لتعرف أنها هدي. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يسن تقليد الهدي، مطلقًا، وكره مالك وأبو حنيفة تقليد الغنم كما يسن إشعاره بأن تشق البدنة من جانب سنامها الأيمن لتعرف أنّها هدي، وهو مذهب الجمهور، وكرهه أبو حنيفة لأنّه مثلة. ثانيًا: أنّه يستحب تقليد الغنم في الاشعار من الميقات اتباعًا للنبي - ﷺ -، قال الزرقاني: وفائدته الإعلام بأنّها هدي ليتبعها من يحتاج إلى ذلك. والمطابقة: في قوله: \" حتى إذا كان بذي الحليفة قلّد الهدي وأشعره \".\n***","vol":"3","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>٥٣٧ - \" بَابُ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَاِئدَ بِيَدِهِ </span>\"\n٦٢٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّهُ بَلَغَهَا أنَّ ابْنَ عَبَّاس ﵄ يَقُولُ مَنْ أهدَى هَدْيًَا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ على الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْس كَمَا قَالَ ابن عَبَاس، أنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيهِ، ثُمَّ بَعَثَ بَهَا مَعَ أبي، فَلَمْ يَحرُمْ على رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ \".\nــ\n٥٣٧ - \" باب من قلد القلائد بيده \"\n٦٢٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - وأصحابه كانوا يهدون إلى البيت من غير أن يحجوا، فسمعت عائشة أنّ ابن عباس ﵄ يقول: من قدم إلى البيت هديًا ولم يحج، يحرم عليه ما يحرم على الحاج من الطيب والنساء وحلق الشعر ونحوه حتى ينحر هديه بمنى، فنفت ذلك، وأكدت أنّه لا يحرم عليه شيء من ذلك، لأنّ النبي - ﷺ - أهدى إلى البيت ولم يحرّم على نفسه شيئًا، وقالت: مبالغة في تأكيد ذلك \" أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي، ثم قلدها رسول الله - ﷺ - بيديه، ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله - ﷺ - شيء \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قولهم: \" ثم قلدها بيده \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يستحب للحاج أن يقلد هديه بيده، كما يستحب لغيره أن يهدي ولا يحرم عليه شيء.","vol":"3","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-584>٥٣٨ - \" بَابُ تقْلِيدِ الْغنَمِ </span>\"\n٦٣٠ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كُنْتُ أفْتِلُ الْقَلَائِدَ للنَّبِيَّ - ﷺ - فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ ويقيمُ في أهْلِه حَلَالًا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>٥٣٩ - \" بَابُ الْقَلَاِئدِ مِنَ الْعِهْنِ </span>\"\n٦٣١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت:\n\" فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْن كَانَ عِنْدِي \".\nــ\n٥٣٨ - \" باب تقليد الغنم \"\n٦٣٠ - معنى الحديث: أن عائشة تقول: \"كنت أفتل (١) القلائد للنبي - ﷺ -\" أي أضم خيوطها بعضها إلى بعض \" فيقلد الغنم \" أي يعلق القلائد في أعناق الغنم كما يقلد غيرها \" ويقيم في أهله حلالًا \" أي فلا يحرم على نفسه شيئًا من محظورات الإِحرام.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية تقليد الغنم، وأنّها تُقَلَّد كما يُقَلَّدُ غيرها من الإِبل والبقر وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة ومالك في المشهور عنه، حيث قالا بكراهته. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قولها: \" فيقلد الغنم \".\n٥٣٩ - \" باب القلائد من العهن \"\n٦٣١ - معني الحديث.: أن عائشة ﵂ تحدثنا أنّها فتلت قلائد هدي النَّبِيَّ - ﷺ - من \" العهن \" أي من الصوف المصبوغ ألوانًا.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n_________\n(١) بكسر التاء كما أفاده القسطلاني.","vol":"3","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-586>٥٤٠ - \" بَابُ الجلالِ لِلْبُدنِ </span>\"\n٦٣٢ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ:\n\" أمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ أتَصَدَّقَ بِجِلَالِ الْبُدْنِ الَّتي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>٥٤١ - \" بَابُ ذَبْحِ الرَّجْلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ </span>\"\n٦٣٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لا نُرَى\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب القلائد من الصوف، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك وربيعة (١): الأولى أن تكون من نبات الأرض من الحلفاء وغيرها. والمطابقة: في قولها: \" من العهن \".\n٥٤٠ - \" باب الجلال للبدن \"\n٦٣٢ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ - ﷺ - كسا البُدْنَ التي أهداها في حجة الوداع، فلما نحرها أمر عليًا أن يتصَدَّقَ بهذه \" الجلال \" التي كساها بها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يسن تجليل البدن بكساءٍ فوق ظهرها من أفخر الثياب وأغلاها، ثم التصدق به على الفقراء، كما يتصدق بجلودها ولحومها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" أمرني أن أتصدق بجلالها \".\n٥٤١ - \" باب ذبح الرجل البقر عن نسائه \"\n٦٣٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - خرج في حجه من المدينة في\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٠.","vol":"3","page":134},{"text":"إلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ، أَمرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ أن يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: ما هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أزْوَاجِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>٥٤٢ - \" بَابُ النَّحْرِ في منحر النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنَى </span>\"\n٦٣٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ في الْمَنْحَرِ يَعْنِي مَنْحَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - \".\nــ\nاليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وكان الصحابة محرمين بالحج، فأمرهم النبي - ﷺ - عند دخول مكة بالتمتع بالعمرة، فلما كان يوم النحر أهدى النبي - ﷺ - عن نسائه البقر. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز البقر في الهدي، وأنه يجوز للحاج أن يذبح عن نسائه كما يذبح عن نفسه دون أمرهن.\nثانيًا: أن نحر البقر جائز، وإن كان الذبح أفضل، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً). ثالثًا: جواز الاشتراك في هدي التمتع والقران خلافًا لمالك، فقد ثبت ذلك في حديث الباب وغيره، فإن رسول الله - ﷺ - نحر عن آل محمد في حجة الوداع بقرة واحدة، وهي رواية تفرد بها يونس إلّا أنه ثقة، وقد أخرجها أبو داود وأحمد وابن ماجة، وفي رواية عن أبي هريرة \" أن رسول الله - ﷺ - ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرة بينهن \" أخرجه أبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قولها: \" نحر عن أزواجه أي نحر عنهن البقر \".\n٥٤٢ - \" باب النحر في منحر النبي - ﷺ - بمنى \"\n٦٣٤ - معنى الحديث: كما قال الراوي عن ابن عمر: \"أنه كان","vol":"3","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-589>٥٤٣ - \" بَابُ نحْرِ الإبِلِ مُقَيَّدَةً </span>\"\n٦٣٥ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً (١) سُنَّةَ مُحَمَّدٍ \".\nــ\nينحر في المنحر\" أي كان ابن عمر ﵄ يحرص كل الحرص على أن ينحر هديه في الموضع الذي نحر فيه النبي - ﷺ -، ويواظب على ذلك ويداوم عليه كعادته ﵁ في جميع الأماكن التي لها علاقة بالنبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية نحر الهدي في منحر النبي - ﷺ - بمنى وهو مستحب لمن أمكنه ذلك، وليس بواجب لقوله - ﷺ -: \" نحرت ها هنا ومنى كلها منحر \" (٢). والمطابقة: في قوله: \"كان ينحر في منحر النبي - ﷺ -\".\n٥٤٣ - \" باب نحر الإِبل مقيدة \"\n٦٣٥ - معنى الحديث: كما قال الراوي: \" أن ابن عمر ﵄ رأى رجلًا أناخ بدنته \" أي رأى رجلًا أقعد بعيره على الأرض لكي\n_________\n(١) يجوز في \" سنة \" الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي سنة محمد - ﷺ - ويجوز فيه النصب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره اتبع سنة محمد - ﷺ - كما أفاده العيني.\n(٢) قال النووي في قوله - ﷺ -: \" نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجَمْعٌ كلها موقف \" في هذه الألفاظ بيان رفق النَّبِيَّ - ﷺ - بأمّته، وشفقته عليهم \" فإنه ذكر لهم الأكمل والجائز، فالأكمل موضع نحره ووقوفه، والجائز كل جزء من أجزاء منى للنحر، وكل جزء من أجزاء عرفات ومزدلفة للوقوف، قال الشافعي وأصحابه: أفضل موضع للحاج موضع نحر النبي - ﷺ - بمنى أو الأفضل في حق المعتمر في المروة. اهـ.","vol":"3","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>٥٤٤ - \" بَاب لَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنَ الْهَديِ شيْئًَا </span>\"\n٦٣٦ - عَنْ عَلِي ﵁ قَالَ:\n\" أمَرَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - أنْ أقُومَ عَلَى الْبُدْنِ، وَلَا أعْطِي عَليْهَا شَيْئًَا فِي جِزَارَتهَا \".\nــ\nينحره \" فقال: ابعثها قيامًا مقيدة \" أي أوقفها مقيدة مربوطة اليد اليسرى، ثم انحرها قائمة \" سنة محمد - ﷺ - \" أي فإن تلك هي سنة محمد رسول الله - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة نحر الإِبل قائمة معقولة اليد اليسرى كما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \" ابعثها قيامًا \".\n٥٤٤ - \" باب لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا \"\n٦٣٦ - معنى الحديث: يقول علي ﵁: \" أمرني النبي - ﷺ - أن أقوم على البدن \" أي وكّلني النبي - ﷺ - وأنابني عنه في القيام بنحر البدن التي أهداها إلى البيت وأن أتولى نحرها، وأقوم بتوزيع لحمها وكانت مائة \" ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها \" أي ولا أعطي الجزار شيئًا من لحمها على أنه أجرة له على ذبحها وسلخها، وفي رواية أبي داود \" ونحن نعطيه من عندنا \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز أن يُعطى الجزار أجرة عمله من الهدي، أما إذا أُعطي أجرته كاملة وكان فقيرًا فتصدق عليه فلا بأس. والمطابقة: في قوله: \" ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها \".\n***","vol":"3","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-591>٥٤٥ - \" بَابُ مَا يَأكُلُ مِنَ الْبُدنِْ وَما يَتَصَدَّقُ </span>\"\n٦٣٧ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا لا نَأكلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنىً، فَرَخَّصَ لنَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \" كُلُوا وَتَزَوَّدُوا، فَأكلْنَا وَتَزَوَّدْنَا \".\nــ\n٥٤٥ - \" باب ما يأكل من البدن وما يتصدق \"\n٦٣٧ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى \" أي كانت قد نزلت بالناس \" دافة \" أي قحط ومجاعة فأمرهم النبي - ﷺ - أن لا يأكلوا من لحوم الهدي والأضاحي سوى أيّام منى الثلاث، وما زاد عن ذلك يوزع على الفقراء لسد حاجتهم ومواساتهم في محنتهم، ومد يد المعونة لهم، \" فرخص لنا النبي - ﷺ - فقال: كلوا وتزودوا \" أي فلما زالت تلك المجاعة، وتحسنت أحوال الناس، أجاز لنا - ﷺ - أن نتصرف في الهدي والأضاحي بالأكل والتزود والادخار منها، فقال: \" كلوا وتزودوا \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الأكل من الهدي، وهو مصداق قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ). واختلفوا فيما يؤكل منه من الهدي، فقال مالك: يؤكل ما عدا الفدية وجزاء الصيد وما نذر للمساكين، وما عطب من هدي التطوع. وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز الأكل من هدي التمتع والقران والتطوع، وهو المعتمد، وقال الشافعي: لا يؤكل إلاّ من هدي التطوع. ولا حد لما يؤكل اتفاقًا. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" وتزودوا \".","vol":"3","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>٥٤٦ - \" بَابُ الذَّبْحِ قَبْلَ الْحَلْقِ </span>\"\n٦٣٨ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nقَالَ رَجُل للنَّبِيِّ - ﷺ -: زُرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قَالَ: \" لَا حَرَج \"، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ! قَالَ: \" لا حَرَجَ \"، قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي: قَالَ: \" لا حَرَج \".\nــ\n٥٤٦ - \" باب الذبح قبل الحلق \"\n٦٣٨ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" قال رجل للنبي - ﷺ -: زرت قبل أن أرمي \" أي طفت طواف الإِفاضة قبل رمي جمرة العقبة فقدَّمت الطواف على الرمي، \" قال: لا حرج \"، أي لا مانع من تقديم بعض المناسك على بعض ولا إثم ولا فدية \" قال: حلقت قبل أن أذبح \" أي قدمت الحلق على الذبح وخالفت الترتيب الشرعي المطلوب الذي يقتضي تقديم الذبح على الحلق \" قال: لا حرج \" عليك في مخالفة هذا الترتيب ما دمت قد فعلت ذلك ناسيًا أو جاهلًا، \" قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: لا حرج \" فبين النَّبِيَّ - ﷺ - للسائل أنه لو خالف الترتيب الشرعي بين هذه الأعمال، وقدم بعضها على بعض ناسيًا أو جاهلًا لا إثم عليه ولا فدية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الترتيب الشرعي بين أعمال يوم النحر على النحو الآتي: رمي جمرة العقبة، فالنحر، فالحلق، فطواف الإِفاضة أو الزيارة كما سماه في الحديث، وعلى أن النحر أو الذبح قبل الحلق كما ترجم له البخاري، وقد اتفق فقهاء الإِسلام على مشروعية هذا الترتيب، إلاّ أنهم اختلفوا في حكمه، هل هو واوجب أو مستحب. فذهب النخعي والحسن البصري وقتادة إلى أن الترتيب بينها واجب (١) فمن قدم وأخر شيئا ناسيًا أو\n_________\n(١) وهو قول أبي حنيفة كما أفاده العيني.","vol":"3","page":139},{"text":"عامدًا فقد ترك واجبًا، ولزمه دم (١) لحديث أنس \" أن النبي - ﷺ - رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى، فدعا فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه، ثم أخذ بشقه الأيسر فحلقه فدفعه إلى أبي طلحة \". أخرجه مسلم وأبو داود والبيهقي، ولقول ابن عباس ﵄: \" من قدم شيئًا من حجه، أو أخر فليهرق لذلك دمًا \"، أخرجه الطحاويُّ وابن أبي شيبة بسند صحيح على شرط مسلم (٢).\nوقال الشافعي وأحمد وعطاء وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق: الترتيب بين أعمال يوم النحر سنة فقط فإن قدّم وأخّر فلا شيء عليه، سواء فعل ذلك عالمًا أو جاهلًا ناسيًا أو عامدًا، واستدلوا بحديث الباب، لأنه - ﷺ - لما سئل عن الطواف قبل الرمي، والحلق قبل الذبح، والذبح قبل الرمي، قال: \" لا حرج \" فإنه صريح في أنه لا حرج في ترك الترتيب، ولا دم، ولا إثم فيه (٣)، ولا شيء على من خالفه مطلقًا في عموم الأحوال قال الطبري: لم يسقط النبي - ﷺ - الحرج إلاّ وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء لأمره بالإعادة. اهـ. وأيضًا لو كان الترتيب واجبًا لأمره بالفدية. ومما يؤكد أيضًا عدم وجوبه ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" من قدم من نسكه شيئًا أو أخره فلا شيء عليه \" أخرجه البيهقي. وفي رواية عن الإِمام أحمد. أنّه فرق بين الناسي والجاهل وغيرهما فقال: إن ترك الترتيب ناسيًا أو جاهلًا فلا شيء عليه، وإن تركه عامدًا عالمًا وجب عليه دم (٤)، وهذا القول وإن كان مخالفًا للقياس والقاعدة العامة، لأن من ترك واجبًا وجب عليه دم مطلقًا ناسيًا كان أو عامدًا، جاهلًا أو عالمًا، ولأن الجهل والنسيان\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.\n(٢) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢ و\" شرح العيني على البخاري \" ج ١.\n(٣) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.\n(٤) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":140},{"text":"لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه (١) في الحج إلاّ أنه يدعمه الحديث النبوي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: \" سمعت النَّبِيَّ - ﷺ - يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألونه فقال رجل لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال ارم ولا حرج \" أخرجه الشيخان. فإن قوله: \" ولم أشعر فحلقت قبل أن أذبح \" معناه أن السائل قدم وأخر ناسيًا، فقال له النبي - ﷺ - \" لا حرج عليك \" فيما فعلت، لأنه فعله ناسيًا ولم يشعر بما وقع منه فعلَّق النبي - ﷺ - حكمه برفع الحرج عنه على كونه لم يشعر بما وقع منه، ومفهومه أنه لو شعر بذلك وتعمده لكان عليه الحرج ولو جبت عليه الفدية فهذا نص صريح على أن الفدية لا تجب على من خالف الترتيب ناسيًا، ومفهومه أنّه لو خالفه -عامدًا- لوجبت عليه وما دام قد ورد النص بذلك، فإنه لا يلتفت إلى القياس، لأنّه لا قياس مع النص. \" أما المالكية \" فإنّهم فرقوا بين هذه الأعمال فقالوا: الترتيب واجب بين رمي جمرة العقبة وبين الحلق والإِفاضة، فلو قدم أحدهما على الرمي لَوَجَبَ عليه دم (٢)، ومستحب بين الرمي والنحر، وبين النحر والحلق وبينها -أي بين النحر والحلق- وبين طواف الإفاضة، فمن نحر قبل الرمي أو حلق قبل النحر، أو طاف قبل الحلق، أو طاف قبل النحر فقد ترك مستحبًا ولا دم عليه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في إجابته للسائل عن الحلق قبل الذبح، بقوله: \" لا حرج \" فإنه يدل على أن تقديم الذبح على الحلق مستحب وإلّا لترتب الحرج على من حلق قبل أن يذبح، وهو ما ترجم له البخاري.\n...\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.\n(٢) أيضًا \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-593>٥٤٧ - \" بَابُ الْحَلْقِ والتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ </span>\"\n٦٣٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" حَلَقَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - في حَجَّتِهِ \".\n٦٤٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ \"، قَالُوا: والْمُقَصِّرينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \" اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ \"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \" والْمُقَصِّرينَ \".\n٦٤١ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا أنَّهُ قَالَ:\n\" اغْفِرْ بَدَلَ ارْحَمْ، قَالَهَا ثَلَاثًا، قال: ولِلْمُقَصِّرينَ \".\nــ\n٥٤٧ - \" باب الحلق والتقصير عند الإِحلال \"\n٦٣٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" حلق رسول الله - ﷺ - \" شعر رأسه كله بعد أن انتهى من الرمي والنحر \" في حجته \" أي: في حجة الوداع، كما جاء في رواية أخرى عن أنس \" أنه - ﷺ - أتى جمرة العقبة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، ونحر، وقال للحلاق: \" خذ \" وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس \" أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" حلق رسول الله - ﷺ - \".\n٦٤٠ - معنى الحديث: أنّ النَّبِيَّ - ﷺ - دعا بالرحمة للمحلقين مرتين، وللمقصرين مرة واحدة، وذلك دليل على فضل الحلق على التقصير. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\n٦٤١ - معنى الحديث: أن النَّبِيَّ - ﷺ - دعا بالمغفرة للمحلقين ثلاثًا،","vol":"3","page":142},{"text":"٦٤٢ - عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ:\nقصرت عنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بمِشْقَصٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>٥٤٨ - \" بَابُ رَمْي الجِمَارِ </span>\"\n٦٤٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أنَهُ سَألهُ رَجُلٌ: مَتَى أرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارمِهْ، فَأعَادَ عَلَيْهِ الْمَسْألةَ، قَالَ: كُنَّا نتحيَّنُ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا \".\nــ\nوللمقصرين مرة. الحديث: أخرجه الشيخان. ومطابقة الحديثين للترجمة: في كونه - ﷺ - دعا للمحلقين والمقصرين معًا.\n٦٤٢ - معنى الحديث: يقول معاوية ﵁: \" قصرت عن رسول الله - ﷺ - \" أي قصرت له شعره وذلك عند تحلله من عمرة الجعرانة \" بمشقص \" وهو نصل عريض يرمى به الوحش. والمطابقة: في قوله: \" قصرت عن رسول الله - ﷺ - \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nفقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على مشروعية الحلق والتقصير، وكونهما من واجبات الحج التي تجبر بالدم، كما دلت على أنّ الحلق أفضل لكونه - ﷺ - دعا للمحلقين بالرحمة مرتين، وبالمغفرة ثلاثًا ودعا للمقصرين مرة واحدة.\n٥٤٨ - \" باب رمي الجمار \"\n٦٤٣ - معنى الحديث: أن رجلًا سأل ابن عمر ﵄: عن وقت رمي الجمار الثلاث عدا جمرة العقبة \" قال: إذا رمى إمامك فارمه \" بهاء السكت أي إذا رمى أمير الحج فارم جمارك، وذلك لأنه خشي أن يخالف، فتحدث فتنة مع أن الأمر واسع \"وأعاد عليه المسألة قال: كنا نتحين فإذا","vol":"3","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-595>٥٤٩ - \" بَابُ رَمْي الْجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي </span>\"\n٦٤٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\nأنَّهُ رَمَى مِنْ بَطنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ: أنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا، فَقَالَ: \" وَالَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أنزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ \".\nــ\nزالت الشمس رمينا\" أي نترقب زوال الشمس فنرمي عند الزوال. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فإذا زالت الشمس رمينا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية رمي الجمار الثلاث، وهي واجبة عند الجمهور، وأن وقتها من الزوال إلى الغروب، لقوله: \" فإذا زالت الشمس رَمَيْنا \" وعن ابن عباس ﵄ \" أن النَّبِيَّ - ﷺ - رمى الجمار عند زوال الشمس أو بعد زوال الشمس \" أخرجه أحمد وابن ماجة والترمذي، وتأخيره إلى الليل جائز مع الكراهة اتفاقًا، أما تقديمه قبل الزوال فلا يجوز عند الجمهور، فإن رماها قبله أعادها، فإذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فات الرمي اتفاقًا، ويجبر بالدم، كما أفاده العيني، فإنْ تركها كلها أو بعضها أو واحدة منها عليه دم، وقال أبو حنيفة: إن تركها كلها عليه دم، وإن ترك واحدة فصاعدًا فعلى كل جمرة إطعام مسكين نصف صاع حنطة إلى أن تبلغ دمَّا يترك الجميع، إلاّ جمرة العقبة، فمن تركها فعليه دم، وقال الشافعي: في الحصاة مد، وفي الحصاتين مدان.\n٥٤٩ - \" باب رمي الجمار (١) من بطن الوادي \"\n٦٤٤ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ كان يرمي جمرة العقبة من أسفل الوادي فيجعل مكة عن يساره ويستقبل الجمرة، فقيل\n_________\n(١) قال القسطلاني: أي جمار العقبة يوم النحر.","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-596>٥٥٠ - \" بَابُ رَمْي الْجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ </span>\"\n٦٤٥ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁:\n\" أنَّهُ انتهَى إلى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَل الْبَيْتَ عَنْ يِسَارِهِ، ومِنىً عَنْ يَمِينهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ - ﷺ - \".\nــ\nله: إن بعض الناس يصعد الجبل ويرميها، فأقسم على أنّ هذا المكان هو الذي رمى منه رسول الله - ﷺ -، وهو معنى قوله: \" هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة \" وخصها بالذكر لتضمنها معظم أحكام الحج. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية رمي جمرة العقبة وهو واجب اتفاقًا، من تركه فعليه دم، ووقتها المستحبُّ من طلوع الشمس إلى الزوال، وإن أخّرها إلى الليل، فقال مالك: عليه دم، وإن أخّرها إلى الغد فعليه دم عند مالك وأبي حنيفة خلافًا للشافعي، وأما تقديمها فقد أجاز أحمد والشافعي رميها بعد نصف ليلة النحر خلافا لمالك وأبي حنيفة، كما أفاده ابن رشد. ثانيًا: أن السنة رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، سواء كان ذلك من أعلاها أو أسفلها أو وسطها فالأمر واسع. والمطابقة: في قوله: \" رمى من بطن الوادي \".\n٥٥٠ - \" باب رمي الجمار بسبع حصيات \"\n٦٤٥ - معنى الحديث: أنّ ابن مسعود ﵁ \" انتهى إلى الجمرة الكبرى \" أي بلغ جمرة العقبة ووصل إليها فوقف عن يمين الكعبة المشرفة \" جعل البيت عن يساره \" أي جعل الكعبة عن يساره \" ورمى بسبع \" أي","vol":"3","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>٥٥١ - \" بَابُ إذَا رَمَى الْجَمْرَتيْنِ يَقُومُ مُسْتقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيُسْهِلُ </span>\"\n٦٤٦ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄:\n\"أنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيا بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبر على إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمَ حَتَّى يُسهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، ويدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيه، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطىَ، ثم يَأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ،\nــ\nبسبع حصيات، \" وقال: هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة \" أي هكذا رمى نبينا - ﷺ - الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وإنما ذكر هذه السورة بالذات لاشتمالها على معظم أحكام الحج.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن عدد حصيات الرمي سبع حصيات. ولا تجزىء ست، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأحمد وعطاء، كما يستفاد منه استحباب جعل الكعبة عن يسار الحاج عند رمى جمرة العقبة، أما عند رمي بقية الجمرات، فإنه يستحب استقبال القبلة. واختلفوا فيمَنْ ترك حصاة فأكثر، فقال مالك: عليه دم، وقال الشافعي: في الواحدة مدٌ، وفي الاثنتين مدين، وفي الثلاثة دم. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" رمي بسبع \".\n٥٥١ - \" باب إذا رمى الجمرتين يقوم مستقبل القبلة ويسهل \"\n٦٤٦ - معنى الحديث: يحدثنا سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه \" أنه كان يرمي الجمرة الدنيا \" أي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، \" ثم يكّبر على إثر كل حصاة \" أي بعد كل حصاة \" ثم يتقدم حتى يسهل \" بضم الياء وسكون السين، أي يتقدم حتى ينزل إلى السهل من بطن الوادي \" فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه \" أي فيقف وقوفًا","vol":"3","page":146},{"text":"فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو، ويَرْفَعُ يَدَيْه، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطنِ الْوَادِي، ولا يقفُ عِنْدَهَا، ثمَّ ينْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأيْتُ النَّبِي - ﷺ - يَفْعَلُهُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٥٥٢ - \" بَابُ طَوافِ الْوَدَاعَ </span>\"\n٦٤٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\" أمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالْبَيْت، إلَّا أنَّهُ خُفِّفَ عنِ الحَائِضِ \".\nــ\nطويلًا في بطن الوادي متوجهًا إلى القبلة ضارعًا إلى الله بخالص الدعاء، \" ثم يرمي الوسطى \" أي الجمرة الوسطى، \" ثم يأخذ ذات الشمال \" أي يتقدم قليلًا إلى الجانب الأيسر، \" ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا فيدعو ويرفع يديه \"، أي: فيصنع عند الجمرة الوسطى كما صنع عند الأولى من الوقوف واستقبال القبلة؛ والدعاء؛ ورفع اليدين عند الدعاء \" ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها \" كما صنع عند الجمرتين السابقتين، \" ويقول: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل \" أي مثل هذا الفعل رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل في رمي الجمرات الثلاث. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب الوقوف عند الجمرة الأولى والوسطى مستقبلًا القبلة، ضارعًا بالدعاء رافعًا يديه.\nثانيًاً: أن الرمي يكون بسبع حصيات. ثالثًا: استحباب التكبير إثر كل حصاة. والمطابقة: في قوله: \" فيقوم مستقبل القبلة \".\n٥٥٢ - \" باب طواف الوداع \"\n٦٤٧ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \"أمر","vol":"3","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>٥٥٣ - \" بَاب مَنْ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بالأبْطَحِ </span>\"\n٦٤٨ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\n\" أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ والْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بالْمحَصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ \".\nــ\nالناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت\" أي أمر النَّبِيَّ - ﷺ - الحجاج أن يكون آخر نسكهم بمكة الطواف بالكعبة طواف الوداع، وفي رواية: \" لا ينصرف أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت \"، \" إلاّ أنه خفف عن الحائض \"، أي: إلاّ أن الله أراد التخفيف والتيسير على الحائض فرفع عنها طواف الوداع، ورخَّصَ لها في تركه وفي مغادرة مكة بدونه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: استدل به الجمهور على وجوب طواف الوداع على الحاج، قالوا: ويؤكد ذلك قول عمر ﵁: \" فإن آخر النسك الطواف بالبيت، فهو واجب يلزم من تركه الدم إلاّ أنه يسقط عن الحائض والنفساء، وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء على تاركه. والمطابقة: في قوله: \" أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت \".\n٥٥٣ - \" باب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح \".\n٦٤٨ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه صلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمُحَصَّبِ \" وهو الأبطح أو البطحاء التي بين مكة ومنى \" والمعنى \" أنّ النبي - ﷺ - عجَّل برمي الجمار في اليوم الثالث فرمى عند الزوال مباشرة، ونفر إلى مكة، فنزل بالمحصب أو الأبطح وصلّى به الظهر والعصر المغرب والعشاء \"ثم ركب إلى البيت","vol":"3","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-600>٥٥٤ - \" بَابٌ إِذَا حَاضَتِ الْمَرأةُ بَعْدمَا أفَاضَتْ </span>\"\n٦٤٩ - \" عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال:\n\"رخِّصَ للْحَائِضِ أن تَنْفِرَ إذَا أفَاضَتْ، قالَ: وسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: إِنَّهَا لا تَنْفِرُ، ثُمَّ سَمعتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ لَهُنَّ\".\nــ\nفطاف به \" طواف الوداع. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" إنه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب النزول بالمحصب يوم النفر وهو مذهب الجمهور، والحكمة فيه شكر الله تعالى على نصر نبيّه - ﷺ - على أعدائه الذين حاصروه فيه مع بني هاشم قصدًا لإظهار شعائر الإِسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، كما أفاده ابن القيم.\n٥٥٤ - \" باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت \"\n٦٤٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - رخص للحائض، إذا حاضت بعد طواف الإفاضة، ولم تطف طواف الوداع أن تسافر دون طواف الوداع، وقد كان ابن عمر يفتي بأنه لا يجوز لها أن تسافر حتى تظهر وتطوف، ثم رجع عن ذلك حين بلغه هذا الحديث.\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إن النَّبِيَّ - ﷺ - رخص للحائض أن تنفر \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك حيث، قال: إنه سنة لا دم فيه.","vol":"3","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>٥٥٥ - \" بَابُ الْمُحَصَّبِ </span>\"\n٦٥٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵁ عَنْهُمَا قَالَ:\n\" لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِل نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>٥٥٦ - \" بَابُ مَنْ نزَلَ بِذِي طُوَى إذَا رجَعَ مِنْ مَكَّةَ </span>\"\n٦٥١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أنَّهُ كَانَ إذَا أقْبَلَ باتَ بِذِي طَوَى، حَتَّى إذَا أصْبَحَ دَخَلَ، وإذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طَوَى، وباتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وكانَ. يَذْكُرُ أن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ \".\nــ\n٥٥٥ - \" باب المحصب \"\n٦٥٠ - معنى الحديث: أن النزول بالمحصب أو ما يسمى الأبطح -كما يرى ابن عباس ﵄- ليس من مناسك الحج ولا من السنن.\nالحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" ليس التحصيب بشيء \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن النزول بالمحصب عند النزول من منى ليس من المناسك، ولا من السنن، وهو مذهب ابن عباس وعائشة وعروة ﵃، حيث قالوا: \" إن النبي - ﷺ - نزل به اتفاقًا، وقال الأئمة الأربعة النزول به سنة اقتداءً بالنبي - ﷺ -، وقد كان أبو بكر وعمر وابن عمر ينزلون به \". اهـ. كما في \" تكملة المنهل العذب \" ج ١.\n٥٥٦ - \" باب من نزل بذي طوى (١) إذا رجع من مكة \"\n٦٥١ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ كان ينزل بذي\n_________\n(١) ويجوز في الطاء الحركات الثلاث، والأفصح فتحها، ويجوز صرف طوى ومنعه، والله أعلم.","vol":"3","page":150},{"text":"طوى ويبيت فيها عند قدومه إلى مكة وخروجه منها، وهو موضع في الزاهر غربي مكة، وقد كان ابن عمر يحدث أن النَّبِيَّ - ﷺ - كان يفعل ذلك.\nالحديث: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. والمطابقة: في قوله: \" وإذا نفر مر بذي طوى \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب النزول بذى طوى والمبيت به عند القدوم إلى مكة وعند الخروج منها، وهو ما ترجم له البخاري. كما يستحب أداء صلاة الصبح فيه وليس ذلك من مناسك الحج اتفاقًا. أما الغسل عند دخول مكة فقد استحبه الجمهور مطلقًا حتى للحائض والنفساء، وقال مالك: إنما يستحب لغيرهما.\n***","vol":"3","page":151},{"text":"بسمْ الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-604> أبوَابُ الْعُمْرَةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>٥٥٧ - \" وُجُوبُ الْعُمْرَةِ وَفضلُهَا </span>\"\n٦٥٢ - وقال ابْنُ عُمَرَ ﵄:\n\" لَيْسَ أحَدٌ إلَّا وعَلَيْهِ حَجَّة وعُمْرَة \".\nــ\n\n\" أبواب العمرة \"\nأي هذه أبواب أحكام العمرة وأركانها ومواقيتها، وكل ما يتعلق بها ثم قال:\n٥٥٧ - \" وجوب العمرة وفضلها \"\nوذكر بعض الآثار والأحاديث الدالّة على وجوبها وفضلها منها.\n٦٥٢ - \" قول ابن عمر ﵄: ليس أحدٌ إلاّ وعليه حجة وعمرة \".\nومعنى هذا الأثر: ما من مسلم بالغ قادر مستطيع إلاّ وتجب عليه العمرة كما يجب عليه الحج، وقد جاء التصريح بالوجوب في رواية أخرى عن ابن عمر أنه كان يقول: \" ليس من خلق الله تعالى أحدٌ إلاّ وعليه حجة (١) وعمرة واجبتان \" أخرجه ابن أبي شيبة، وقيد الوجوب بالاستطاعة في رواية ابن جريج عن نافع فقال: من استطاع إليه سبيلًا، فمن زاد على هذا فهو\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٠.","vol":"3","page":152},{"text":"٦٥٣ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" الْعُمْرَةُ إلى الْعُمْرَةِ كَفَّارَة لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ المبرورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الجَنَّةُ \".\nــ\nتطوع وخير\" أخرجه ابن خزيمة والحاكم، وفي رواية: \" الحج والعمرة فريضتان \". أخرج هذا الأثر: أيضًا ابن أبي شيبة والحاكم وابن خزيمة بألفاظ مختلفة متقاربة.\nفقه هذا الأثر: دل هذا الأثر على وجوب العمرة مرة واحدة في العمر، وأنها فرض كالحج، وهو مذهب الشافعي وأحمد لما في هذا الأثر من الدلالة على وجوبها، ولأن الله عطفها على الحج (١) في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) والمعطوف على الفرض فرض، وهو المعتمد. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة لحديث جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: \" لا، وأن تعتمروا هو أفضل \"، أخرجه أحمد والترمذي وفي سنده الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف كما قال الحافظ في \" الفتح \". والمطابقة: في قوله: \" إلاّ وعليه حجة وعمرة \".\n٦٥٣ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما \" أي إذا تكررت العمرة فجاءت عمرة أخرى بعد العمرة الأولى كانت العمرتان سببًا في تكفير السيئات والذنوب التي تقع بينهما، ومحوها من كتاب الحفظة، وإسقاط العقوبة عليها، وعدم المؤاخذة بها يوم القيامة. ثم بين - ﷺ - فضل الحج فقال: \" والحج المبرور ليس في جزاء إلاّ الجنة \"، يعني أن الحج الكامل المستوفي لشروطه وأركانه وسننه ومستحباته، الخالص لوجه الله تعالى، المنفق عليه من مال حلال، ليس له ثواب عند الله يوم القيامة إلاّ الفوز بالجنة\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ١ دار الفكر.","vol":"3","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-605>٥٥٨ - \" بَابُ مَنِ اعْتَمَرَ قبْلَ أنْ يَحُجَّ </span>\"\n٦٥٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ قبْلَ الحَجِّ، فَقَالَ: لا بَأسَ، وقَالَ: \" اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْلَ أن يَحُجَّ \".\nــ\nوالنجاة من النار. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما \"، حيث دل على فضل العمرة، وهو الجزء الثاني من الترجمة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث: أولًا: على فضل العمرة وأثرها العظيم في تكفير السيئات، ومحوها من كتاب الحفظة، وقد رجح الباجي أنها تكفر الصغائر والكبائر لعموم قوله: \" كفارة لما بينهما \". ثانيًا: استحباب مواصلة الاعتمار مرة بعد أخرى لما في قوله: \" كفارة لما بينهما \" من الترغيب في الإكثار منها ليتكرر الغفران بتكررها، واختلفوا هل يجوز تكرارها في العام الواحد، فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه، وقد اعتمر عبد الله (١) بن عمر عمرتين في كل عام، واعتمرت عائشة في سنة ثلاث مرات ولم يعب عليها أحد، وكره مالك تكرارها في العام أكثر من مرة.\n٥٥٨ - \" باب من اعتمر قبل أن يحج \"\n٦٥٤ - معنى الحديث: أن ابن عمر سئل عن حكم من أَتى بعمرة قبل أن يؤدي فريضة الحج التي عليه، وقبل أن يحج حجة الإِسلام هل يجوز له ذلك؟ وهل تصح عمرته \" فقال: لا بأس \" أي لا مانع من ذلك، وعمرته صحيحة مقبولة واستدل على ذلك بأن النَّبِيَّ - ﷺ - اعتمر عدة مرات\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ١ دار الفكر.","vol":"3","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-606>٥٥٩ - \" بَاب كَمَ اعْتَمَرَ النبي - ﷺ </span>- \"\n٦٥٥ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّهُا سئِلَ كَمِ اعْتَمَرَ النبي - ﷺ -؟ قَالَ: \"أرْبَعًَا، عُمْرةُ الْحُدَيْبِيَّةِ في ذِي القَعدَةِ حيث صدَّهُ المُشْرِكُونَ، وَعُمْرَة منْ الْعَامِ المُقْبِلِ في ذي\nــ\nقبل أن يحج الفريضة وهو معنى قوله: \" اعتمر النبي - ﷺ - قبل أن يحج \"، وذلك لأنه - ﷺ - اعتمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة كل ذلك قبل أن يحج حجة الوداع. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. والمطابقة:\nفي قوله: \"اعتمر النبي - ﷺ - قبل أن يحج \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من اعتمر قبل أن يحج حجة الإِسلام صحت عمرته. لأن النبي - ﷺ - اعتمر قبل أن يحج حجة الوداع. وعن عكرمة بن خالد: قدمت المدينة في نفر من أهل مكة، فلقيت ابن عمر، فقلت: إنا لم نحج قط أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم فقد اعتمر رسول الله - ﷺ - عمره كلها من المدينة قبل حجه؟.\n٥٥٩ - \" باب كم اعتمر النبي - ﷺ - \"\n٦٥٥ - معنى الحديث: \" أن أنسًا سئل عن عدد عمرات النبي - ﷺ - قال: أربعًا \" أي اعتمر أربع عمرات، وهي عمرة الحديبية، وعمرة القضاء في السابعة من الهجرة، وعمرة الجعرانة -بكسر الجيم وسكون العين وفتح الراء المخففة، وقد تشدَّد- هي موضع بين مكة والطائف، وسمَّيت عمرة الجعرانة لأن النبي - ﷺ - دخل مكة ليلًا وأدّى مناسك العمرة، ثم خرج منها ليلًا، فبات بالجعرانة حتى أصبح وزالت الشمس من اليوم التالي فتوجه إلى المدينة، وكان ذلك في السنة الثامنة من الهجرة، وأما العمرة الرابعة فهي التي","vol":"3","page":155},{"text":"القَعْدَةِ حَيثُ صَالَحَهُمْ، وعُمْرَةُ الجِعْرَّانَة إذ قَسمَ غنيمةَ أرَاهُ حُنَيْنٍ، قُلْتُ: كم حَجَ؟ قَالَ: وَاحِدةً\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>٥٦٠ - \" بَابُ عُمْرَةِ التَّنْعِيمَ </span>\"\n٦٥٦ - عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ (١) ﵄:\n\" أنَّ النبي - ﷺ - أمَرَهُ أن يُرْدِفَ عَائِشَةَ ويُعمِرَهَا من التنعِيم \" وأنَّ سُرَاقَةَ\nــ\nكانت مع حجته - ﷺ - ولم يذكرها الراوي في هذا الحديث إلاّ أنها ذكرت في روايات أخرى، ثم قال الراوي: \" قلت: كم حج؟ قال: واحدة \"، أي حج حجة واحدة بعدما فرض الحج، لم يحج غيرها، وهي حجة الوداع. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على عدد عمرات النبي - ﷺ - وأسمائها، قال في \" فيض الباري \": واختلف الرواة في عددها، فبعضهم لم يعدوا عمرة الحديبية لعدم تمامها، وبعضهم لم يعدوا عمرة الجعرانة لكونها في سواد الليل، وبعضهم لم يعد العمرة التي مع حجته لعدم تميزها.\n٥٦٠ - \" باب عمرة التنعيم \"\n٦٥٦ - معنى الحديث: أن عائشة لما حجت مع النبي - ﷺ - حجة الوداع فاتتها العمرة قبل الحج بسبب الحيض الذي أصابها في \" سرف \" بالقرب من مكة، فأفسد عليها عمرتها، فلما طهرت وطافت طواف الإِفاضة قالت: يا رسول الله أتنطلقون بعمرة وحجة وأنطلق بالحج؟. أي أتعودون إلى المدينة\n_________\n(١) هو أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأمه أم رومان أم عائشة، أسلم عام الحديبية، وكان اسمه عبد الكعبة، فغيره النبي - ﷺ - وسماه عبد الرحمن، وكان أسن ولد أبي بكر مات سنة ثلاث وخمسين، على بريد من مكة وحمل إلى مكة ودفن بها.","vol":"3","page":156},{"text":"ابْنَ جُعْشم لَقِىَ النبي - ﷺ - وهو بالْعَقَبَةِ وهو يَرْمِيهَا فَقَالَ: ألكُمْ خاصةً يا رَسُول اللهِ؟ قَال: \" لا، بَلْ لِلأبَدِ \".\nــ\nبعمرة وحجة معًا، وأعود بالحج وحده دون عمرة، فأمر النبي - ﷺ - أخاها عبد الرحمن ﵁ أن يذهب بها إلى \" التنعيم \" موضع على طريق المدينة على بعد ستة كيلو من مكة، وأمرها أن تحرم بالعمرة من هناك. لأنه بالحل خارج الحرم، ثم ذكر في الحديث أن سراقة بن مالك قال للنبي - ﷺ - عند جمرة العقبة \" ألكم خاصة يا رسول الله؟ \" إلخ وهذه مسألة أخرى سببها أن النبي - ﷺ - لما أمر أصحابه عند قدومهم مكة بفسخ الحج إلى العمرة شك سراقة في جواز ذلك، هل هو حكم استثنائي خاص بالنبي - ﷺ - وأصحابه، أو هو عام للمسلمين جميعًا، وباق إلى قيام الساعة، فسأله عن ذلك بقوله:\n\" ألكم خاصة؟ \" يعني جواز فسخ الحج إلى العمرة خاص بكم في تلك الحجة فقط \" قال: بل للأبد \" أي بل يجوز هذا الفسخ لعموم المسلمين إلى قيام الساعة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ويعمرها من التنعيم \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث: أولًا: على أنّه يستحب لمن حج مفردًا أن يعتمر بعد حجه فيخرج إلى الحل خارج الحرم، ويحرم منه، ولا يختص ذلك بالتنعيم وإنما أمر - ﷺ - عائشة بالإِحرام منه مصادفة، أو لأنه أقرب الحل. ثانيًا: أن المعتمر أن كان مكيًا أو خارج مكة وداخل الميقات فميقاته الحل، وإن كان خارج الميقات فميقاته ميقات حجه. ثالثًا: جواز فسخ الحج إلى العمرة، وهو مذهب أحمد وأهل الظاهر خلافًا للجمهور.\n***","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>٥٦١ - \" بَابُ أجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدرِ النَّصَبِ </span>\"\n٦٥٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ لَهَا في الْعُمْرَةِ: \" ولكنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكَ أو نَصَبِكَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>٥٦٢ - \" بَابٌ عُمْرةٌ في رَمَضانَ </span>\"\n٦٥٨ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لامْرَأة مِنَ الأنْصَارِ: \"مَا مَنَعَكِ أن تَحُجِّي\nــ\n٥٦١ - \" باب أجر العمرة على قدر النصب \"\n٦٥٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قال لعائشة حين أمرها أن تحرم بالعمرة من الحل \" ولكنها على قدر نفقتك أو نصَبك \" أي أحرمي بالعمرة من التنعيم ولا تأسفي على ما وقع لك من فوات العمرة قبل الحج، فإن تعبك ومجهودك الذي تبذلينه الآن في عمرتك هذه لن يضيع سدى، ولكن أجر العمرة وثوابها يزيد ويتضاعف بقدر زيادة النفقة وكثرة المشقة والتعب.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن فضل العمرة بحسب ما أنفق فيها من مال حلال وما بذل فيها من جهد خالص لوجه الله تعالى. والمطابقة: فِى قوله - ﷺ -: \" ولكنها على قدر نفقتك ونصبك \".\n٥٦٢ - \" باب عمرة في رمضان \"\n٦٥٨ - معنى الحديث: يحدثَنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث: \" أن رسول الله - ﷺ - قال لامرأة من الأنصار \" وهي أم سنان","vol":"3","page":158},{"text":"مَعَنَا؟ قالَتْ: كان لَنَا نَاضِح فرَكِبَهُ أبو فلان وابنُهُ لِزَوْجِهَا وابْنِهَا، وتركَ ناضحًاْ ننْضَحُ عَلَيْهِ، قال: \" فإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعتمرِي فِيهِ، فإِنَّ عُمْرَة في رَمَضَانَ حَجَّةٌ \" أوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ.\nــ\nرضي الله، عنها كما جاء في رواية أخرى للبخاري ومسلم في باب حج النساء: \" ما منعك أن تحجين معنا؟ \" على رواية كريمة والأصيلي بإثبات نون الرفع مع سبق أن الناصبة على خلاف القواعد النحوية، قال القسطلاني: وهو قليل، ويُنْقَلُ أنها لغة لبعض العرب، وفي رواية لأبي ذر وابن عساكر: \" ما منعك أن تحجي، \" بحذف نون الرفع، وهي أفصح من جهة النحو. \" والمعنى \": ما هو المانع لك من الحج معنا في حجة الوداع، وما عذرك في ذلك \" قالت: كان لنا ناضح \" أي بعيرٌ نستقي عليه \" فركبه أبو فلان وابنه \" أي فركبه زوجي أبو سنان وابني سنان، ولم يبق لي ما أركب عليه \" قال: فإذا كان رمضان فاعتمري فيه \" أي فإذا جاء رمضان القادم فأت بعمرة في رمضان تعوضين بها عن هذه الحجة التي فاتتك معنا، \" فإنّ عمرة في رمضان حجة \" أي كحجة أو تعدل حجة في الأجر والمثوبة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل العمرة في رمضان، وأن ثوابها كثواب حجة، ولكنها لا تسقط الحجة المفروضة، بل لا بد من الإِتيان بها، وأنّ ما فات من الحج تطوعًا فالعمرة في رمضان تقوم مقام حج التطوع (١) وهذا فضل من الله ونعمه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فإن عمرة في رمضان حجة \".\n...\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-610>٥٦٣ - \" بَابُ متى يَحِلُّ الْمُعْتَمِرُ </span>\"\n٦٥٩ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ ﵄:\n\" أنَّها كَانَتْ كُلَّمَا مَرَّتْ بالْحَجُونِ تَقُولُ صَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، لقد نَزَلْنَا مَعَهُ ها هُنَا وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَليلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَة أزوادُنَا، فاعْتَمَرْتُ أنا وأختي عَائِشَةُ والزُّبَيْرُ وفلانٌ، فلما مَسَحْنَا البَيْتَ، أحْلَلْنَا ثم أهْلَلْنَا مِنَ الْعشِىِّ بِالْحَجِّ \".\nــ\n٥٦٣ - \" باب متى يحل المعتمر؟ \"\n٦٥٩ - معنى الحديث: أن أسماء ﵂ كانت كلما مرت بالحجون وهو جبل بالمعلى مقبرة مكة على يسار الذاهب إليها تصلّي على النبي - ﷺ - وتذكره لأن الشيء بالشيء يذكر، وتقول: \" قد نزلنا ها هنا ونحن يومئذ خفاف \" أي خفاف الأجسام \" قليل ظهرنا \" أي وليس معنا. من الدواب التي نمتطيها إلاّ عدد قليل، ثم قالت: \" فاعتمرت أنا وعائشة والزبير \" أي ففسخنا الحج إلى العمرة بأمر رسول الله، وذلك عند قدومنا مكة، وإنما ذكرت عائشة مع أن عمرتها قد فسدت بالحيض، لأنّها كانت معهم، ثم طرأ عليها الحيض \" فلما مسحنا البيت أحللنا \" يعني فلما طفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة. تحللنا من إحرامنا \" ثم أهللنا من العشي بالحج \" أي: ثم أحرمنا يوم التروية بالحج.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: على أن المعتمر يتحلل من إحرامه بالطواف والسعي، وعلى أن أركان العمرة ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي، وهو مذهب المالكيّة والحنابلة. وقالت الشافعية (١): أركانها خمسة:\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢ وكتاب \" الفقه على المذاهب الأربعة \" ج ١.","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-611>٥٦٤ - \" بَابُ استِقْبَالِ الْحَاجِّ الْقَادِمِينَ </span>\"\n٦٦٠ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" لَما قَدِمَ النَّبِي - ﷺ - مَكَّةَ اسْتَقْبَلَهُ أُغيلمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ واحِدًا بَين يَدَيْه وآخَرَ خَلْفَهُ \".\nــ\nالإحرام من الميقات والطواف والسعي والحلق أو التقصير والترتيب بين الأركان. وقالت الحنفية: لها ركن واحد فقط: الوقوف بعرفة، وأكثر طواف العمرة، وأما الحلق والتقصير والترتيب فهو واجب عند الجمهور خلافًا للشافعية. ثانيًا: فسخ الحج إلى العمرة وقد تقدم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" فلما مسحنا البيت أحللنا \".\n٥٦٤ - \" باب استقبال الحاج القادمين \"\n٦٦٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما دخل مكة يوم الفتح استقبله غلمان أسرته الهاشمية من بني عبد المطلب مهلّلين فرحين مستبشرين بمقدمه الميمون، فحمل - ﷺ - عبد الله بن جعفر أمامه وقثم بن العباس خلفه. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة استقبال الحاج، بل استقبال القادم من السفر، والحفاوة به، سيَّما إذا كان قريبًا أو صديقًا تقديرًا له، وإكرامًا لشخصه. والمطابقة: قي قوله: \" استقبله أغيلمة بني عبد المطلب \".","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>٥٦٥ - \" بَابٌ: لا يَطْرُقُ أهْلَهُ إِذَا بَلَغ الْمَدِينَةَ </span>\"\n٦٦١ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\n\"نَهَى النبي - ﷺ - أن يَطرقَ أهلَهُ لَيْلًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>٥٦٦ - \" بَابُ مَنْ أسْرَعَ ناقتهُ إِذَا بَلَغ الْمَدِينَةَ </span>\"\n٦٦٢ - عنْ أنَس ﵁ قَالَ:\n\" كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأبصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أوْضَعَ نَاقَتَهُ وإن كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا \".\nــ\n٥٦٥ - \" باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة \"\n٦٦١ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى القادم من السفر أن يفاجىء أهله بالدخول عليهم ليلًا لئلا يراهم على حال يكرهها، لأنّهم ربما قصروا في تقديم الخدمات اللازمة له عن غير قصد لعدم استعدادهم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة أن يتحين المسافر عند قدومه الوقت المناسب لدخول بلده، والقدوم على أهله فلا يأتيهم ليلًا لئلا يكونوا على غير استعداد لاستقباله والقيام بخدمته وحسن ضيافته، والنهي في الحديث محمول على كراهة التنزيه بمعنى أن الأفضل والأولى له أن لا يفاجئهم ليلًا، وأن يأتيهم نهارًا ليستعدوا لمقابلته. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٥٦٦ - \" باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة \"\n٦٦٢ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا قدم من سفر \" أي كان إذا وصل من سفره وأشرف على المدينة","vol":"3","page":162},{"text":"واقترب منها \" فأبصر درجات المدينة \" أي رأى أشجارها الطويلة ومبانيها العالية \" أوضع ناقته \" أي دفع ناقته إلى الإِسراع في سيرها \" وإن كانت دابّة حركها \" بيده الشريفة أو بعصاه ليحثها على السير السريع، أي وإنما كان يفعل ذلك بسبب شدة حبه للمدينة وشوقه إليها. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على شدة حبه - ﷺ - للمدينة ذلك الحب الذي يتجلى في كل عمل من أعماله، أو قول من أقواله، أو حركة من حركاته - ﷺ -، فهو - ﷺ - يسرع بدابته عند قدومه إلى طيبة، واقترابه منها، شوقًا إليها، حتى إنه - ﷺ - في بعض أسفاره طرح رداءه، وقال: هذه أرواح طيبة، كما جاء في بعض الروايات الصحيحة، وفي بعضها \" أنه - ﷺ - كان إذا قدم المدينة يسير أتمَّ السير، ويقول: \" اللهم اجعل لنا بها قرارًا ورزقًا حسنًا وإذا دخل مكة قال: اللهم لا تجعل منايانا بمكة \" أخرجه أحمد في \" مسنده \"، وما ذلك إلاّ لأنه - ﷺ - كان يحب الموت بالمدينة، فمن السنة أن يستشعر المسلم عند اقترابه من المدينة مشاعر الفرحة والبهجة وأن يسرع بسيارته، فإنها المدينة التي تحن إليها قلوب المؤمنين، ورحم الله الشاعر إذ يقول في الحنين إلى طيبة:\nدَارُ الحَبِيْبِ أحقُّ أن تَهْوِاهَا ... وَتَحِنُّ مِنْ طَرب إلَى ذِكْرَاهَا\nوالمطابقة: في قوله: \" أوضع ناقته \".\n***","vol":"3","page":163},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-614> أبواب المحصر </span>\"\nوهو اسمٍ مفعول لمن وقع عليه إحصار شرعي منعه عن حجه أو عمرته.\nوالإحصار لغة المنع، وشرعًا ينقسم إلى إحصار عن العمرة وسيأتي، وإحصار عن الحج. وهو ما سنوضحه هنا: فالإحصار عن الحج: اختلف الفقهاء في معناه وفي سببه.\nأما معناه: فإن الفقهاء فيه على مذهبين: الأول: مذهب مالك وأبي حنيفة ومن وافقهم: وهم يرون أن الإِحصار هو أن يمنع الحاج عن الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة، فمن لم يتمكن من الركنين فهو محصر يتحلل من إحرامه ويحلق رأسه في المكان الذي أحصر فيه، وإن قدر على أحد الركنين فليس بمحصر (١) ولا سبيل إلى تحلله، ويبقى محرمًا أبدًا حتى يطوف للزيارة، قال في \" الإِفصاح \": وعليه دم (٢) لترك الوقوف بالمزدلفة إن لم يكن وقف بها، وعليه دم لرمي الجمار إن لم يكن رماها، وكذلك لتأخير الحلق، وعليه دم لتأخير طواف الزيارة عن أيّام النحر عند أبي حنيفة، وعند مالك يجب عليه دم لتأخير طواف الزيارة إلى محرم (٣). الثاني: مذهب الشافعي وأحمد ومن وافقهم من أهل العلم يرون أن الإِحصار هو أن يمنع الحاج عن إتمام مناسك الحج مطلقًا سواء وقع له هذا المنع قبل الوقوف بعرفة أو بعد الوقوف بعرفة، وسواء طاف بالبيت أو لم يطف، فإن هذا كله سواء، لقوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) حيث أطلق الحكم ولم يقيده قال في \" الافصاح \" (٤) والصحيح عندي في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعي\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٣.\n(٢) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ١ لأبي المظفر الحنبلي.\n(٣) أيضًا \" الإفصاح \" ج ١.\n(٤) \" الصحاح \" لأبي المظفر الحنبلي ج ١٠.","vol":"3","page":164},{"text":"في قوله الجديد وأحمد، فإن قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) محمول على العموم في حق كل من أحصر، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، بمكة أو بغيرها، وسواء كان طاف بالبيت أو لم يطف، فإن له أن يتحلل كما قال تعالى، لأنه سبحانه أطلق ذلك ولم يخصصه. اهـ. حيث قال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وفيه إضمار.، ومعناه (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) عن إتمام الحج والعمرة وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي.\nوأما سبب الإحصار: فإن الجمهور يرون أن الِإحصار لا يكون إلاّ بسبب العدو خاصة، وهو بذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية، لأن الآية نزلت في حصر النبي - ﷺ - وأصحابه في الحديبية من العدو، قال الشافعي (١): فمن حال بينه وبين البيت مرض حابس فليس بداخل في معنى الآية، لأنها نزلت في الحائل من العدو، ذكره البيهقي، بدليل قوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) والأمن لا يكون إلاّ من العدو، وقال عبد الله بن عمر: \" المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة \" أخرجه مالك في \" الموطأ \". وذهب ابن مسعود وزيد بن ثابت وسفيان الثورى وأبو حنيفة وأحمد في رواية، إلى أن الإحصار يتحقق بكل سبب يمنع من الاستمرار في موجب الإِحرام من مرض ولدغ وجراحة وذهاب نفقة، وعطل سيارة، أو موت محرم، أو زوج، لأنّ الإِحصار في أصل اللغة هو المنع (٢) من الشيء بسبب المرض، أما المنع بسبب العَدوِّ فهو حصرٌ، تقول العرب: أحصره المرض إحصارًا فهو محصرٌ، وحصره العدُوُّ حصرًا فهو محصور، ولكن لما كان سبب نزول الآية العدو عدل عن لفظ الحصر المختص بالعدو إلى الإحصار المختص بالمرض فدل ذلك على أنه أريد باللفظ ظاهره، وهو المرض، ويدخل\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ١.\n(٢) أيضًا \" تكملة الجهل العذب المورود وشرح سنن أبي داود \" ج ١.","vol":"3","page":165},{"text":"فيه العدو بالمعنى، لأن (١) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما تَمَسُّكَ الفريق الأول بقوله تعالى: في الآية: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) واستدلالهم بذلك على أن المراد بالإِحصار إحصار العدو خاصة، لأن الأمن لا يكون إلاّ من العدو، فإنه غير مسلم به لأن الأمن كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره من الموانع. ومما يدل دلالة صريحة على أن الإِحصار يكون بأيّ مانع من مرض أو كسر أو جرح أو نحوه، حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من كُسِر أو عَرَجَ أو مرض فقد حَل وعليه الحج من قابل \" أخرجه الأربعة (٢)، وقال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق، قال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري.\nأما الأحكام المترتبة على الإِحصار فهي: أولًا: فسخ الإِحرام والخروج منه، وهو المسمى شرعًا \" بالتحلل \" وأما ما يتحلل به، فإن أمكنه الوصول إلى البيت تحلل بعمل عمرة، وإن تعذر عليه ذلك ذبح الهدي -عند الجمهور- حيث أُحصر في حل أو حرم وقت حصره، لأن النبي - ﷺ - لما منعه كفار قريش نحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية قبل يوم النجز، فله النحر في موضعه كما فعل النبي - ﷺ - وقالت الحنفية: لا يذبح الهدي إلاّ في الحرم فيبعث شاة تذبح هناك. ثانيًاً: أن كُلَّ مَنْ أحْصر وجب عليه أن يتحلل بهدي، سواء كان حاجًا أو معتمرًا أو قارنًا، لأن النبي - ﷺ - لما صده المشركون عن البيت وكان معتمرًا، نحر، ثم حلق، وقال لأصحابه: \" قوموا فانحروا ثم احلقوا \" واختلفوا في القارن، فقال الشافعية والحنابلة: عليه دم واحد، وقال الحنفية: عليه دمان بناءً على أنه محرم بإحرامين فلا يحل إلاّ بدمين عندهم،\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب المورود وشرح سنن أبي داود \" ج ١.\n(٢) وأخرجه أيضًا أحمد والبيقهي والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري.","vol":"3","page":166},{"text":"وعند الآخرين محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام العمرة في الحجة فيكفيه دم واحد (١). فإن لم يكن مع المحصر هدي، وعجز عنه، انتقل عند الحنابلة إلى صوم عشرة أيّام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، لأنه دم واجب للإِحرام، فكان له بدل، كدم التمتع، والطيب واللباس، ويبقى على إحرامه حتى يصوم أو ينحر الهدي، لأنهما أقيما مقام أفعال الحج فلا يحل قبلهما وانتقل عند الشافعية على الأصح إلى الإِطعام، فتقوّم الشاة دراهم، ويخرج بقيمتها طعامًا، فإن عجز صام عن كل مد يومًا، وإذ انتقل إلى الصوم فله التحلل في الحال في الأظهر (٢) وقال الحنفية: ليس للهدي الواجب بالإِحصار بدل، لأنّه لم يذكر في القرآن، فالمحصر عندهم لا يجزئه شيء عن الهدي (٣).\nثالثًا: أنه لا بد من الحلق عند التحلل في قول أكثر أهل العلم فالتحلل عند الشافعية والحنابلة يكون بثلاثة أشياء، ذبح، ونية التحلل بالذبح، وحلق أو تقصير، والحلق شرط أيضًا عند المالكية، وقال الإِمام أبو حنيفة ومحمد: لا يشترط الحلق في التحلل، وإنما يحل المحصر بالذبح بدون الحلق لِإطلاق نص الآية حيث قال: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ولم يشترط الحلق، ولم يذكره، قالوا: فمن أوجب الحلق فقد جعله بعض الواجب وهذا خلاف النص، ولأن الحلق للتحلل من أفعال الحج، والمحصر لا يأتي بأفعال الحج، فلا حلق، والحديث في الحلق بالحديبية محمول على الندب (٤). رابعًا: اختلفوا في قضاء المحْصَر لحجه وعمرته من العام القابل على أقوال ومذاهب.\nالأول: مذهب الحنفية: وهم يقولون: إذا كان المحرم مفردًا بالحج وتحلل\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٣.\n(٢) \" الفقه الإسلامي \" ج ٣.\n(٣) وقال المالكية: المحصر بعدو أو فتنة ينتظر ما رجا كشف ذلك، فإذا يئس تحلل بموضعه ولا هدى عليه. اهـ. كما أفاده في \" فتح المبدى \" ج ٢ وفي \" وفي كتاب الفقه الإسلامي \" ج ٣.\n(٤) الفقه الأسلامي وأدلته ج ٣ للدكتور وهبة الزحيلي.","vol":"3","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-615>٥٦٧ - \" بَاب إذَا أحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ </span>\"\n٦٦٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" قَدْ أحْصِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ - ﷺ - حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا \".\nــ\nمن إحصاره، فإن عليه حجة وعمرة: قضاء عما فاته، لأنه في معنى فائت الحج الذي يتحلل بأفعال العمرة، فإن لم يأت بها قضاها، هذا إذا لم يحج من عامه، فإن حج منه فلا عمرة عليه. لأنّه ليس في معنى فائت الحج، وإذا كان المحصر محرمًا بالعمرة فإنه يجب عليه قضاء ما شرع فيه، وإذا كان المحصر قارنًا فعليه حجة وعمرتان، أمّا العمرة الأولى فلأنه في معنى فائت الحج وأما الثانية فلأنه خرج منها بعد صحة الشروع فيها. قالوا: وقضاء الحج من قابل واجب مطلقًا، سواء كان فريضة أو تطوعًا. الثاني: مذهب المالكية وهم يقولون يجب على المحصر إذا تحلل من إحرامه قضاء حجه من قابل إن كان فرضًا أو تطوعًا تحلل منه لمرض أو خطر أو حبس بحق، فإن كان تطوعًا آخر فلا قضاء عليه. الثالث: مذهب الشافعية والحنابلة: أنّهُ يجب على المحصر قضاء الفرض دون النفل، وأما العمرة فلا يجب قضاؤها عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة.\n٥٦٧ - \" باب إذا أحصر المعتمر \"\n٦٦٣ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" قد أحصر رسول الله - ﷺ - فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه \" أي مُنع رسول الله - ﷺ - عن أداء العمرة التي قدم إليها في صلح الحديبية سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن دخول مكة ذلك العام، فلما أحصر، ومنع عن","vol":"3","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-616>٥٦٨ - \" بَابُ الإِحْصَارِ في الْحَجِّ </span>\"\n٦٦٤ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ:\nــ\nعمرته، تحلل منها في الموضع الذي أحصر فيه، وهو الحديبية، فأتى بالأعمال المشروعة في التحلل. فنحر هديه أولًا، ثم حلق رأسه، ثم جامع نساءه، هذا هو الترتيب الشرعي الذي وقع منه، ولا عبرة بتقديم الحلق في نص الحديث.\nلأن الواو لمطلق الجمع، لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا \" حتي اعتمر عامًا قابلًا \" أي واستمر - ﷺ - متحللًا من إحرامه يلبس الثياب ويتطيب، ويحلق رأسه، ويباشر النساء، حتى كان العام القادم فقضى عمرته التي أحصر عنها بعمرة أخرى في السنة السابقة سميت بعمرة القضاء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المعتمر إذا أحصر ومنع عن أداء عمرته تحلل منها، ونحر هديه، وحلق رأسه حيث أحصر وهو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا ينحر إلاّ في الحرم. ثانيًا: مشروعية قضاء العمرة على من أحصر عنها، لأن النبي - ﷺ - قضاها، وهو واجب عند أبي حنيفة، مستحب عند الجمهور، حيث يرون أنه لا قضاء على المحصر إلّا في حج الفريضة (١). الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٥٦٨ - \" باب الإِحصار في الحج \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على الأحكام المترتبة على الإحصار في الحج. والإحصار في الحج: معناه أن يواجه المحرم بالحج بعد\n_________\n(١) قالوا: وأما قضاؤه صلى الله عليه لعمرة الحديبية فهو على وجه الندب والاستحباب.","vol":"3","page":169},{"text":"\"أليْسَ حَسْبُكُمْ سنَّة رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِنْ حُبِسَ أحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بالبَيْتِ وَبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، ثم حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أو يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا\".\nــ\nإحرامه به من الأسباب والأعذار ما يمنعه عن إتمام مناسك الحج، سواء وقع له ذلك قبل الوقوف بعرفة أو بعده.\n٦٦٤ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" أليس حسبكم سنة النبي - ﷺ - \" أي ألا يكفيكم ما جاء في سنة نبيكم - ﷺ - \" إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل \" أي إن أحصر أحدكم، ومنع عن الوقوف بعرفة لعذر من الأعذار الشرعية ولكنه تمكن من دخول مكة، فإنه يجب عليه أن يتحلل بعمرة فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يخلع ثياب إحرامه فيصبح حلالًا يحل له كل شيء حتى النساء كما قال - ﷺ -: \" ثم حل من كل شيء \" أي تحلل من جميع محظورات الإِحرام وأصبحت له حلالًا يلبس الملابس، ويتطيب، ويحلق الشعر، ويباذر النساء \" حتى يحج عامًا قابلًا \" أي يشتمر. متحللًا من إحرامه حتى يقضي حجه من العام القادم \" فيهدي \" أي يذبح هديًا مع الحلق والنية قال العيني: أي يذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلاّ بنية التحلل والذبح والحلق \" أو يصوم \" أي وإن لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: ظاهرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المحصر عن الوقوف بعرفة إذا بلغ مكة وتمكن من الطواف والسعي فإنه يترتب عليه الأحكام الآتية: الأول: أن يتحلل بعمرة لا تجزئه عن عمرة الإِسلام، وهو مذهب","vol":"3","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>٥٦٩ - \" بَابُ النَّحْرِ قَبلَ الْحَلْقِ في الْحَصْرِ </span>\"\n٦٦٥ - عَنْ الْمِسْوِرِ بْنِ مَخْرَمَةٍ ﵁:\n\" أن رسول الله - ﷺ - نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وأمرَ أَصْحَابَهُ بذَلِكَ \".\nــ\nالجمهور، وقال الشافعية: لا ينوي بها العمرة. الثاني: أن يقضي حجه الذي أحصر عنه في العام القابل، وهل يقضيه مطلقًا، فريضة أو تطوعًا، أو يقضي الفريضة فقط. قال أبو حنيفة يقضيه مطلقًا، سواء كان الحج فريضة أو تطوعًا، وقال الجمهور: إنما يقضي الفريضة فقط. الثالث: أنّه يجب عليه الهدي لقوله - ﷺ -: \" فيهدي \" وهو مذهب الجمهور، وقال: أبو حنيفة: لا هدي عليه، ولا يعد محصرًا، لأن المحصر عنده من منع الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي (١)، وأما من بلغها، فحكمه عنده كحكم من فاته الحج، يحل بعمرة ويحج من قابل، ولا هدي عليه (٢).\nثانيًا: أن من بلغ مكة وتمكن من البيت وحبس عن الوقوف يعد محصرًا خلافًا لأبي حنيفة.\n٥٦٩ - \" باب النحر قبل الحلق في الحصر \"\n٦٦٥ - معنى الحديث: يحدثنا المسور ﵁: \" أن رسول الله - ﷺ - نحر قبل أن يحلق \" أي أنّ النبي - ﷺ - عندما أحصر عن أداء العمرة في صلح الحديبية، نحر هديه قبل أن يحلق شعره، فقدم النحر على الحلق، \" وأمر أصحابه بذلك \"، أي بأن يفعلوا كفعله. الحديث: أخرجه البخاري.\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٠.\n(٢) وقال مالك: المحصر بعدو أو فتنة لا هدي عليه، كما أفاده في \" فتح المبدي \" ج ٢ وفي \" كتاب الفقه الإسلامي \" ج ٣.","vol":"3","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>٥٧٠ - \" بَاب قَوْلِ اللهِ تعَالَى (أَوْ صَدَقَةٍ) وَهِيَ إطْعَام سِتَّةِ مَسَاكِينَ </span>\"\n٦٦٦ - عَنْ كَعْبِ بْنِ عجْرَةَ ﵁ قَالَ:\nوَقَفَ عَلَيَّ رَسول اللهِ - ﷺ - بالْحدَيْبِيَةِ ورأسِي يَتَهَافَت قَمْلًا فقالَ:\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب الهدي على المحصر بالعدوِّ وهو مذهب الشافعي وأحمد في أصح الروايتين، قال ابن تيمية: والمحصر يلزمه دم في أصح الروايتين، ولا يلزمه قضاء حجه إن كان تطوعًا، وهو إحدى الروايتين، وقالت المالكية: لا هدي عليه في حصر العدو، وهو مذهب ابن القاسم، وإنما ينتظر مدة من الزمن مَا رَجا كشفَ الإِحصار عنه، فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره، ولا هدي عليه، والمعتمد عندهم أنّه لا يتحلل إلاّ بحيث لو سار إلى عرفة من مكانه لم يدرك الوقوف، فان ظن أو شك (١) في زوال المانع قبل الوقوف فلا يتحلل حتى يفوت، فإن فات الوقوف فعل عمرة، والحديث صريح في وجوب الهدي، لأن النبي - ﷺ - لما حصره العدوُّ عن عمرته لم يتحلل حتى نحر الهدي، ولكن المالكية يحملون حديث الباب على من ساق الهدي معه، ويقولون: إن كان مع المحصر هدي نحره، وإلّا فلا هدي عليه. ثانيًا: تقديم النحر على الحلق في التحلل. والمطابقة: في قوله: \" نحر - ﷺ - قبل أن يحلق \".\n٥٧٠ - \" باب قول الله تعالى: (أَوْ صَدَقَةٍ) وهي إطعام ستة مساكين \"\n٦٦٦ - معنى الحديث: يقول كعب ﵁: \"وقف علي\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي \" للدكتور وهبة ج ٣.","vol":"3","page":172},{"text":"\" يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \" فاحْلِقْ رَأَسْكَ \" قَالَ: فيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) إلَى آخِرها، فَقَالَ النبي - ﷺ -: \" صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ أو تَصَدَّق بِفَرْقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ أو انْسُكْ بمَا تَيَسَّرَ \".\nــ\nرسول الله بالحديبية ورأسي يتهافت\" أي يتساقط \" قملًا فقال: يؤذيك هوامك \" أي قملك \" قلت نعم قال فاحلق رأسك \" أي فأمره بحلق رأسه \" قال في نزلت هذه الآية \" وهو قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فقال النبي - ﷺ - مبينًا الفدية المطلوبة: \" صم ثلاثة أيام \" أي إن شئت صم ثلاثة أيام \" أو تصدق بفرق \" بفتح الفاء والراء أو سكونها، وهو ثلاثة آصع، \" أو أنسك بما تيسر \" أي اذبح ما تيسّر لك من الذبائح، وأقلها شاة. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب الفدية على من ارتكب محظورًا من محظورات الإِحرام، لأن كعب بن عجرة لما ارتكب بحَلْقِ رأسه محظورًا أمره النبي - ﷺ - بالفدية، وكذلك سائر المحظورات. ثانيًا: أن الفدية الواجبة ثلاثة أنواع: أولها: صيام ثلاثة أيام غير مقيدة بزمان، ولا بالتوالي كما يدل عليه ظاهر الحديث، لأن النبي - ﷺ - لم يذكر شيئًا من ذلك وإنما يُسْتَثْنَى من ذلك العيدان عند الجمهور، وقال أبو حنيفة، والشافعي: يستثنى من ذلك العيدان وأيّام التشريق، فلا يجوز صومها في الفدية. الثاني: التصدق بفرق، وهو ثلاثة آصع على ستة مساكين. الثالث: ذبح ذبيحة أقلّها شاة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أو تصدق بفرق \"","vol":"3","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>٥٧١ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ ﷿ (فَلَا رَفَثَ) </span>\"\nــ\n٥٧١ - \"باب قول الله ﷿ (فَلَا رَفَثَ) \"\nمعنى الآية: أن الله تعالى قال: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) فنفى عن المحرم هذه الأمور الثلاثة، ومعنى ذلك أن الله تعالى حرم عليه هذه الثلاثة، ومنعه منها، وحظر عليه ارتكابها وهي: ١ - الجدال والمخاصمة مع الرفقاء والخدم، ٢ - والفسوق، وهو ارتكاب المعاصي التي تخرج العبد عن طاعة الله، ٣ - والرفث وهو الجماع ومقدماته ودواعيه من التقبيل واللمس بشهوة، ومخاطبة المرأة فيما يتعلق بوطئها. واتفقوا على أن الجماع عمدًا قبل الوقوف بعرفة يفسد الحج عليهما واجبًا أو تطوعًا، طوعًا أو كرهًا، وأن عليهما أن يمضيا في حجهما الفاسد، وعليهما القضاء أنزل أو لم ينزل، وعليه الكفارة وهي شاة عند أبي حنيفة، وهدي عند مالك، وبدنة عند الشافعي وأحمَد. وإن كان الجماع بعد الوقوف وقبل التحلل الأول فإنه يصح حجه عند أبي حنيفه (١) وعليه بدنة، ويفسد عند مالك، ويفسد وعليه بدنة عند الشافعي وأحمد. وإن كان جماعه بعد التحلل الأول: وقبل طواف الإِفاضة، فقال مالك وأحمد: يمضي في الإِحرام الذي أفسده، ويحرم بعد ذلك من التنعيم يتم الطواف والسعي بإحرام صحيح، وقال الشافعي في قول وأبو حنيفة في رواية: يتم حجه ولا يستأنف، وعليه بدنة، أما إذا لمس بشهوة أو قبل فإنه يفسد حجه عند مالك (٢) إذا أنزل، ولا يفسد عند الشافعيّة، ويلزمه شاة (٣) فقط، هذا إذا أنزل وأما إذا لمس\n_________\n(١) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ١.\n(٢) \" الإفصاح \" ج ١.\n(٣) \" فقه السنة \" ج ١ دار الفكر.","vol":"3","page":174},{"text":"٦٦٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أمُّهُ \".\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-620> جَزَاء الصيد </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-621>٥٧٢ - \" بَاب إِذَا صَادَ الحلالُ فأهْدَى لِلْمُحْرِمِ الصَّيدَ أكَلَهُ </span>\"\n٦٦٨ - عن أبِي قَتَادَةَ، مِنْ حَدِيثٍ طَوِيل:\n\"أنَّهُ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَامَ الْحُدَيْبِيَّةِ فأحْرَمَ أصْحَابُهُ ولَمْ يُحْرِمْ، قَالَ فَنَظرتُ فَإذا أنا بِحِمَارِ وَحش، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فطَعَنْتهُ فأثْبَتُّهُ، واسْتَعَنْتُ بِهِمْ فأبَوْا أن يُعِينُونِي فأكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وخَشِينَا أنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النبي\nــ\nأو قبل ولم ينزل فعليه شاة عند مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية، وقال أحمد في رواية أخرى: عليه بدنة، وإن جامع المعتمر فسدت عمرته وعليه القضاء عند الجمهور.\n٦٦٧ - أما شرح الحديث: فقد تقدم في \" في باب الحج المبرور \" فراجعه هناك.\n٥٧٢ - \" باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله \"\n٦٦٨ - معنى الحديث: يحدثنا أبو قتادة ﵁ \" أنه انطلق النبي - ﷺ - عام الحديبية \" أي سافر معه إلى مكة عام صلح الحديبية \" ولم يحرم \" أي وكان حلالًا غير محرم \" قال: فنظرت فإذا أنا بحمار وحش، فحملت عليه \" أي عدوت خلفه بفرس فطعنته \" فطعنته فأثبته \" أي فأرديته قتيلًا","vol":"3","page":175},{"text":"- ﷺ - قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قد خَشُوا أنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فانتظِرْهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ\".\nــ\n\" واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني \" أي وكنت قبل أن أتوجه إلى ذلك الحمار الوحشي لأصيده قد طلبت من أصحابي أن يعينوني على صيده فرفضوا أن يعينوني \" وخشينا أن نقتطع \" أي خفنا أن يحاصرنا العدو ويحول بيننا وبين النبي - ﷺ -، \"فطلبت النبي - ﷺ - \" أي فذهبت إليه \" قلت: يا رسول الله أصبت حمار وحش وعندي منه فاضلة \" أي بقية من لحمه \" فقال - ﷺ - للقوم: كلوا، وهم محرمون \" أي فأمرهم النبي - ﷺ - بالأكل من ذلك الصيد.\nالحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز للمحرم أن يعين الحلال على قتل الصيد أو يأمره به، أو يشير إليه لقوله في الحديث: \" واستعنت بهم فأبوا أن يعينوني \"، فإن أعان المحرم على الصيد أو أمر به أو أشار إليه حرم عليه الأكل منه، ومما يؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى عن أبي قتادة أيضًا - ﷺ - قال لهم: \" أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا: لا، قال: فكلوا من لحمها \". ثانيًا: أنه يجوز للمحرم الأكل من الصيد الذي لم يُعن عليه ولم يأمر ولم يشر إليه كما دل عليه حديث االباب.\nثالثًا: استدل به أبو حنيفة على أنّه يجوز له الأكل من الصيد الذي صاده له غيره ومن أجله (١)، لأن أبا قتادة إنما صاد هذا الحمار الوحشي له ولمن معه، وقال الجمهور: يحرم عليه ما صاده غيره من أجله لحديث جابر قال:\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-622>٥٧٣ - \" بَابُ مَا يَقْتَلُ المُحْرِمُ من الدَّوَابِّ </span>\"\n٦٦٩ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" خَمْسٌ من الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقتَلْنَ في الْحَرَمِ: الغُرَابُ، والْحِدَاة، والْعَقْرَبُ، والفَارَةُ، والكَلْبُ الْعَقُورُ \".\nــ\nسمعت النبي - ﷺ - يقول: \" صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم \" أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وأحمد وقال الشافعي عنه: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" كلوا، وهم محرمون \".\n٥٧٣ - \" باب ما يَقْتِلُ المحرم من الدواب \"\n٦٦٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ -: سمى بعض الحيوانات والحشرات \" فاسقًا \" أي مؤذيًا للإنسان مضرًَّا له بطبعه، وهي خمس: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور - أي الجارح، لأن بعضها يضر الإِنسان في نَفْسِهِ بما يحمله من مادة سامة يفرغها في جسمه كالعقرب وبعضها يؤذيه في ماله كالغراب والحدأة فإنهما طائران يختلسان أطعمة الناس، وبعضها يضر الإِنسان في نفسه وماله كالفأرة فإنها تنقل جراثيم الطاعون الفتاكة، وتفسد المال وتتلفه، ولذلك أباح النبي - ﷺ - قتل هذه الحيوانات في الحل والحرم للمحرم وغيره في قوله - ﷺ -: \" يقتلن في الحرم \" وعن ابن عمر ﵄ قال: سئل النبي - ﷺ - عما يقتل المحرم من الدواب فقال: \" خمس لا جناح في قتلهن على من قتلهن في الحل والحرم، العقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور \" أخرجه أبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز قتل هذه الأصناف المذكورة","vol":"3","page":177},{"text":"في الحل والحرم للمحرم وغيره، وهي: أ - الغراب: وظاهر الحديث جواز قتله مطلقًا، وهو مذهب مالك، وذهب بعض الحنفية ومنهم صاحب \" الهداية \" إلى أنه لا يقتل إلاّ الغراب الأبقع، وهو الذي يأكل الجيف، وهو قول أحمد ويشمل غراب البين، كما قال ابن قدامة. ب - الحدأة: وهو قول الجمهور خلافًا لمالك في رواية حيث قال: إذا قتلها المحرم تؤدى كغيرها من أنواع الصيد، والمشهور من مذهب مالك جواز قتل الغراب والحدأة. وألحق الشافعي بالحدأة كل الطور الجارحة كالبازي والصقر. ج - العقرب: وألحق بها الشافعية جميع الحشرات المؤذية كالبق والبعوض ونحوه، وألحق بها مالك الزنبور فقط. د - الفأرة. هـ - الكلب العقور: وهو عند الجمهور كل ما عدا على الناس وأخافهم من الأسد والذئب ونحوه. أو بعبارة أخرى، قال الجمهور: المراد بالكلب العقور كل (١) ما عقر الناس وعدا عليهم من السباع والحيوانات المفترسة، أما أبو حنيفة فإنه فسر الكلب العقور بالكلب المعروف، إلَّا أنه ألحق به سائر السباع، وبهذا اتفقوا على جواز قتل السباع كلها. أما الوزغ فالجمهور على جواز قتله للمحرم، لقوله - ﷺ -: \" الوزغ فويسق \" أخرجه البخاري ونقل ابن عبد البر الاتفاق على جواز قتله في الحل والحرم، أما الحية فتقتل اتفاقًا لقول ابن مسعود ﵁: بينما نحن مع النبي - ﷺ - بغار بمنى إذ وثبت علينا حية، فقال النبي - ﷺ -: \" اقتلوها \" فابتدرناها فذهبت، فقال النبي - ﷺ - \" وقيت شركم ووقيتم شَرَّها \". والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة. الحديث: أخرجه الخمسة إلا أبا داود.\n...\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٢.","vol":"3","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-623>٥٧٤ - \" بَابُ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ </span>\"\n٦٧٠ - عن ابْنِ بُحَيْنَة ﵁ قَال:\n\" احْتَجَمَ النبي - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِم بلحْي جَمَل في وَسَطِ رَأْسِهِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>٥٧٥ - \" بَابُ تزْوِيجَ الْمُحْرِمَ </span>\"\n٦٧١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\n\" أن النبي - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ ﵂ وَهُوَ مُحْرِم \".\nــ\n٥٧٤ - \" باب الحجامة للمحرم \"\n٦٧٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - احتجم في حجة الوداع وهو محرم في وسط رأسه \" بلحي جَمَل \" (١) موضع بين مكة والمدينة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقًا سواء كان في موضع يحتاج إلى حلق الشعر كالرأس، أو في غيره، وسواء كان لضرورة أو لغيرها، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فأما أهل الظاهر فقالوا: تجوز الحجامة للمحرم مطلقًا ولا فدية عليه إلاّ أن يحلق رأسه، وقال الجمهور: تجوز ما لم يقطع شعرًا، فإن قطع أي شعر من رأسه أو من جسده، فعليه الفدية، وقال مالك: لا يحتجم المحرم إلاّ لضرورة لما في بعض الروايات \" أن النبي - ﷺ - احتجم لضرر كان به \". والمطابقة: في قوله: \" احتجم النبي - ﷺ - وهو محرم \".\n٥٧٥ - \" باب تزوج المحرم \"\n٦٧١ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \"أن\n_________\n(١) بفتح اللام وسكون الحاء.","vol":"3","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>٥٧٦ - \" بَابُ الاغتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ </span>\"\n٦٧٢ - عن أبِي أيُّوبٍ الأنْصَارِيِّ ﵁:\n\" أنَّهُ قِيلَ لَهُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْسِلُ رَأسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أبو أيوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأطَأهُ حتى بَدَا لِي رَأسُهُ ثُمَّ قَالَ لإنْسَان\nــ\nالنبي - ﷺ - تزوج ميمونه \" أي أنه - ﷺ - عقد عليها عقد زواجه منها أثناء سفره في الطريق إلى مكة \" وهو محرم \" بعمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة.\nفقه الحديث: استدل الإمام أبو حنيفة بهذا الحديث على أنه يجوز للمحرم أن ينكح حال إحرامه، أي أن يعقد على زوجته وهو محرم، على شرط أن لا يدخل بها إلاّ بعد تحلله من إحرامه، وهو قول ابن عباس وابن مسعود مستدلين بهذا الحديث، وقال الجمهور: لا يجوز النكاح للمحرم وإن نكح فنكاحه باطل، لقول النبي - ﷺ - كما في حديث عثمان ﵁ \" إن المحرم لا ينكح ولا يُنكح \" أخرجه الترمذي، وقال حسن صحيح، وأما حديث الباب فتعارضه أحاديث أخرى فقد روت ميمونة نفسها أسنها كانت حلالًا، ومثله عن أبي رافع، وهو الرسول إليها، فترجح روايتها على رواية ابن عباس، لقول الأصوليين إن رواية من له مدخل في الواقعة مقدمة على رواية الأجنبي. الحديث: أخرجه الخمسة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قوله: \" تزوج ميمونة وهو محرم \".\n٥٧٦ - \" باب الاغتسال للمحرم \"\n٦٧٢ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن حُنَين في هذا الحديث أنه قال لأبي أيوب الأنصاري: \"كيف كان رسول الله - ﷺ - يغسل رأسه وهو","vol":"3","page":180},{"text":"يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأسَهُ بِيَدَيْهِ، فأقْبَلَ بِهِمَا وأدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأيْتُهُ - ﷺ - يَفْعَلُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>٥٧٧ - \" بَابٌ دخولِ الحَرَمِ ومكة بِغيرِ إِحْرَام </span>\"\n٦٧٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁:\n\"أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ وعَلَى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فلما\nــ\nمحرم\" أي أنه سأله عن كيفية غسل النبي - ﷺ - لرأسه أثناء إحرامه وطلب منه أن يبين له ذلك عمليًا \" فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا في رأسه \"، أي فأمسك أبو أيوب الثوب بيده، فأرخاه حتى ظهر لي رأسه \" ثم قال لِإنسان يصبب عليه: اصبب فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه لأقبل بهما وأدبر \" أي أمر رجلًا أن يصب على رأسه الماء، فصب الماء عليه، ودلك شعره وحركه بيديه، فذهب بهما إلى آخر الرأس، ثم رجع بهما إلي أوله، \" ثم قال: هكذا رأيته - ﷺ - يفعل \" أي على هذه الكيفية كان - ﷺ - يغتسل. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الغسل للمحرم، ودلك رأسه بيده إذا أمن سقوط الشعر منه، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك حيث قال بكراهته، لأنه قد يسقط بعض الشعر. والمطابقة: في قوله: \" هكذا رأيته - ﷺ - يفعل \".\n٥٧٧ - \" باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام \"\n٦٧٣ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أنّ رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح \"، أي أن النبي - ﷺ - خل مكة يوم الفتح بغير إحرام","vol":"3","page":181},{"text":"نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَل مُتَعَلِّق بَأستارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ\".\nــ\n\" وعلى رأسه المغفر \" أي وقد غطى رأسه بالمغفر، وهو قلنسوة من حديد، توضع على الرأس، \" فلما نزعه \" أي فلما نزع النبي - ﷺ - المغفر \" جاءه رجل \" وهو أبو برزة، \" فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة \" أي لجأ إلى الكعبة، واحتمى بأستارها، \" فقال: اقتلوه \" ولو كان متعلقًا بأستار الكعبة لأنه كان قد أسلم، وسماه النبي - ﷺ - عبد الله بعد أن كان اسمه عبد العزى، فارتد، وانضم إلى المشركين في غزوة الفتح، وخرج يقاتل في صفوفهم، فلما رأى خيل الله دخله الرعب وارتعدت فرائصه، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها فأمر النبي - ﷺ - بقتله، وضربت عنقه بالسيف بين زمزم والمقام.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يكن حاجًا ولا معتمرًا، كما ترجم له البخاري. لأن النبي - ﷺ - دخلها يوم الفتح كما في حديث الباب، وعلى رأسه المغفر، وعن جابر ﵁ \" أنه - ﷺ - لم يكن محرمًا \" أخرجه مسلم وهو مذهب الشافعي، حيث قال: يجوز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يكن حاجًا ولا معتمرًا، والجمهور على أنّه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام، لحديث ابن عباس ﵄: \" لا يدخل أحد مكة إلَّا محرمًا \" أخرجه البيهقي، وقال ابن حجر: إسناده جيد. ثانيًا: مشروعية إقامة القصاص والحدود بمكة خلافًا لأبي حنيفة.\nثالثًا: استدل به القاضي عياض وغيره من المالكيّة على قتل من آذى النبي - ﷺ - وأنه لا تقبل توبته. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" دخل - ﷺ - عام الفتح وعلى رأسه المغفر \".","vol":"3","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-627>٥٧٨ - \" بَابُ حَجَّ الصبيَانَ </span>\"\n٦٧٤ - عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيد ﵄ قَالَ:\n\" حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأَنا ابْنُ سَبْع سِنينَ \".\nــ\n٥٧٨ - \" باب حج الصبيان \"\nأي هذا باب يذكر فيه حكم حج الصبيان الصغار الذين هم دون البلوغ كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة.\n٦٧٤ - معنى الحديث: يقول السائب ﵁: \" حج \" بضم الحاء وفتح الجيم للمجهول \" بي مع رسول الله - ﷺ - \" أي حج بي والدي مصاحبًا لرسول الله - ﷺ - ومرافقًا له، كما في رواية الفاكهي عن محمد بن يوسف عن السائب قال: \" حج بي أبي \"، في رواية الواقدي \" حجت بي أمي \" ويجمع بين الروايتين بأنه قد حج مع أبويه، كما أفاده العيني، \" وأنا ابن سبع سنين \" أي وأنا صبي صغير لا أتجاوز السابعة من عمري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية حج الصبي وصحته وانعقاده، وهو مذهب جمهور العلماء لقول السائب بن يزيد في حديث الباب \" حج بي مع رسول الله - ﷺ - وأنا ابن سبع سنين \" حيث سمى فعله حجًا، ولو لم يكن حجًا شرعيًا صحيحًا لما قال ذلك، ومما يؤكد ذلك ما رواه جابر ﵁ أن امرأة رفعت صبيًا لها إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: \" نعم ولك أجر \" واختلفوا هل يجزئه حجه هذا عن الفريضة، فقال الظاهرية وبعض أهل الحديث: إن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفاه ذلك عن حجة الإِسلام، والجمهور على أنه يصح منه ويثاب عليه، ولا يكفيه عن الفريضة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الصبي لا حج له، لأن البلوغ شرط في قبول حجه وصحته. ثانيًاً: جواز تحمل","vol":"3","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>٥٧٩ - \" بَابُ مَنْ نذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ </span>\"\n٦٧٥ - عنْ أنسٍ ﵁:\nأن النبي - ﷺ - رَأى شَيْخًَا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: \" مَا بَالُ هَذَا؟ \" قَالُوا: نَذَرَ أنْ يَمْشِي قَالَ: \" إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌ \" وَأَمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ.\nــ\nالصبي للحديث إن كان مميزًا، لأن السائب تحمل حديثه هذا وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، أي أنه تحمل هذا الحديث وهو في هذه السن، وقبله منه المحدثون. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في كونه حج مع النبي - ﷺ - وعمره سبع سنين.\n٥٧٩ - \" باب من نذر المشي إلى الكعبة \"\n٦٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن النبي - ﷺ - رأى شيخًا يُهادى (١) بين ابنيه \" أي أنه - ﷺ - رأى رجلًا كبيرًا طاعنًا في السن قد وهن عظمه وضعفت قواه، وأصبح لا يستطيع السير إلاّ مستعينًا بغيره، فهو يمشي معتمدًا على ولديه، \" قال: ما بال هذا؟ \" أي ما شأنه لا يتمالك نفسه ويكاد يسقط على الأرض من شدة الإِعياء والتعب \" قالوا: نذر أن يمشي \" أي أن يحج ماشيًا \" قال: إن الله عن تعذيب هذا \" الرجل \" نفسه \" وتكليفها ما تعجز عنه ولا تقدر عليه \" لغني \" أي إن الله تعالى غني عن الوفاء بهذا النذر الذي يؤدّي بالإِنسان إلى تعذيب نفسه وتكليفها ما لا تقدر عليه، فهو القائل ﷿: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) \" وأمره أن يركب \" لعجزه.\n_________\n(١) بضم الياء وفتح الدال والبناء للمجهول.","vol":"3","page":184},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من نذر أن يحج ماشيًا وعجز عن المشي وجب عليه الركوب، وهل عليه هدي إذا ركب أم لا؟ اختلف في ذلك الفقهاء، فقال الظاهرية: لا هدي عليه، وليس المشي مما يوجب نذرًا، وقال أبو حنيفة وعطاء والحسن البصري: يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة، وقال الشافعي: يهدي احتياطًا، وقال مالك في \" الموطأ \" يعود، ثم يحج مرة أخرى فيمشي ما ركب ولا هدي عليه (١). الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة كما أفاده العيني.\n...\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٠.","vol":"3","page":185},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-629> كتاب فضائل المدينة </span>\"\nأي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالة على فضائل المدينة.\nوالفضائل: جمع فضيلة، مأخوذة من قولهم: أفضل عليه أي زاد عليه، فهى إذن زيادة شيء على شيء آخر في فعل خير أو صفة حميدة، ثم أطلقت على الخصوصية التي ينفرد بها الشيء عن غيره.\nوفضائل المدينة: هي المزايا والمحاسن الخاصة التي انفردت بها عن غيرها وامتازت بها عن سواها. ومن فضائلها كثرة أسمائها فإن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى قال السمهودي (١): وأجمعوا على تفضيل مكة والمدينة على سائر البلاد، واختلفوا أيهما أفضل، فذهب عمر بن الخطاب وابنه ومالك ابن أنس وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة واستثنى بعضهم فقال: محل الخلاف في غير الكعبة المشرفة، واستدلوا على تفضيل المدينة بقوله - ﷺ -: في الحديث الصحيح: \" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد \" أي: بل أشد، وقد استجاب الله دعوة نبيه - ﷺ - فصارت أحب بقاع الأرض إلى نفسه، وهو - ﷺ - لا يحب إلاّ ما أحبه الله، ولا يفضل إلاّ ما فضله الله، ثم إن الله قد اختارها مهاجرًا لنبيه - ﷺ - وجعلها له مسكنًا وقرارًا، وافترض عليه المقام بها، وحث النبي - ﷺ - على سكناها ووصفها بالأفضلية المطلقة على سائر بلاد الله، فقال: \" المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون \" وتمنى الموت بها فقال:\n\" اللهم لا تجعل منايانا بمكة \" أخرجه أحمد (٢)، وقال - ﷺ -: \"ما على الأرض\n_________\n(١) \" وفاء الوفاء \" ج ١.\n(٢) من حديث سعيد بن هند عن ابن عمر، وسعيد لا يروي عن ابن عمر. (ع)","vol":"3","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-630>٥٨٠ - \" بَابُ حَرَمِ الْمَديْنَةِ </span>\"\n٦٧٦ - عَن أنَسِ ﵁:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \"الْمَدِينَةُ حَرَمٌ من كَذَا إلى كَذَا لا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، ولا يُحْدَثُ فِيها حَدَث، من أحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلْيهِ لَعْنَةُ اللهِ\nــ\nبقعة أحَبُّ إلي أن يكون قبري بها منها\" أي من المدينة رواه مالك مرسلًا (١).\n٥٨٠ - \" باب حرم المدينة \"\n٦٧٦ - معنى الحديث: أن رسول الله - ﷺ - جعل المدينة حرمًا بأمر الله تعالى له بذلك كما في حديث جابر ﵁ حيث قال - ﷺ -: \" إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها \" أخرجه مسلم. وقوله - ﷺ -: \" من كذا إلى كذا \" بيان لحدود حرم المدينة، وأنه يمتد من عير إلى ثور لما في حديث عليّ ﵁: \" المدينة حرم ما بين عير إلى ثور \" أخرجه الستة فأمَّا عير أو عاثر.\nفهو الجبل المعروف في جنوب المدينة، وأما جبل ثور فقد قال ابن النجار: هو جبل صغير وراء أحد، يعرفه أهل المدينة، ولا ينكرونه، وقال ابن تيمية: عير جبل عند الميقات يشبه العير وهو الحمار، وقال الطبري: ثور جبل خلف أحد من شماليه صغير مدور يعرفه أهل المدينة، ومعنى كون المدينة حرمًا.\nأنه جعل لها حرمة وتشريفًا وتعظيمًا في نفوس المسلمين ومشاعرهم، كما جعلها محرمة الصيد والشجر كمكة، بدليل قوله - ﷺ -: \" لا يقطع شجرها \" أي لا يقطع نباتها الطبيعي الذي ينبت نبته دون سقي، وعن علي عن النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وإسناده ضعيف لإرساله. (ع).","vol":"3","page":187},{"text":"والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أجمَعِينَ\".\nــ\n\" لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطها \" والنفي بمعنى النهي، أي لا يجوز قطع شجرها، ولا صيد الصيد في حدودها \" من أحدث فيها حدثًا \" أي ابتدع فيها بدعة أو ارتكب كبيرة، وفي رواية \" أو آوى محدثًا \" بفتح الدال وكسرها، أي أعان على بدعة أو معصية \" فعليه لعنة الله \" أي غضبه وطرده من رحمته وجنته \" والناس أجمعين \" أي وعليه دعاء الناس باللعنة وفي رواية \" لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا \" أي لا يقبل الله منه فرضًا ولا نفلًا. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث: أولًا: على تحريم شجر المدينة وصيدها لقوله - ﷺ - \" المدينة حرم \" وتحريم المدينة يشمل تحريم شجرها وصيدها معًا، وإذا كان لم يذكر الصيد في حديث الباب نصًا، فقد ورد في حديث علي ﵁ حيث قال: \" ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها \" فإذا حَرُم تنفيره حرم قتله من باب أولى، وتحريم المدينة صيدًا ونباتًا هو ما عليه أكثر أهل العلم وجماهير الفقهاء، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يحرم صيد المدينة ولا نباتها الطبيعي، وأن الحرمة في حديث الباب حرمة تعظيم وتقديس وتشريف. وقال صاحب \" فيض الباري \": نهيه - ﷺ - عن قطع أشجارها كان لغرض الابقاء على زينتها وبهجتها وجمالها الطبيعي لا لأنها محرمة تحريم مكة، قالوا: والدليل على ذلك أنه لا يترتب على قطع أشجارها جزاءٌ شرعي كأشجار مكة وأنه أمر النبي - ﷺ - بقطع الأشجار عند بناء مسجده. وفي استدلالهم بذلك نظر، فأما استدلالهم على عدم تحريمه بكونه لا يترتب عليه جزاء شرعي، فهو غير مسلم، لأن المسألة خلافية، وقد قال أحمد وفي رواية للشافعي في قول إن فيه الجزاء، وأما قطعه - ﷺ - للأشجار عند بناء مسجده - ﷺ - فلا دليل فيه، لأن الأشجار التي قطعها لم تكن من الأشجار الطبيعية التي يحرم","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>٥٨١ - \" بَابُ فضلَ الْمَدِينَةِ وأنَّها تَنْفِي الْخبَثَ </span>\"\n٦٧٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أُمِرْتُ بِقَرْية تأكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ يَثْرِب وهي الْمَدِينَةُ، تَنْفي النَّاسَ كمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ \".\nــ\nقطعها، وإنما كانت نخيلًا في حائط، وهي خارجة عن موضوع الخلاف، وأما كونه - ﷺ - نهي عن قطعها لتجميل المدينة، فلا مانع من اجتماع هذه العلة مع التحريم، وقد ذكر مالك هذه العلة حيث قال في سبب النهي إنما نهى عن قطع سدر المدينة لئلا توحش وليبقى فيها شجرها ليستأنس ويستظل به من هاجر إليها، وقد قال الشافعي في القديم: يؤخذ سلب من فعل شيئًا من ذلك لأنّ سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة فسلبه ثيابه فجاءه مواليه فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \" من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه ثيابه \" أخرجه أبو داود والبيهقي وهو مذهب بعض المالكية خلافًا للجمهور. ثانيًاً: التحذير الشديد من الابتداع في المدينة أو انتهاك حرمات الله فيها وأنه كبيرة. المطابقة: في قوله: \" المدينة حرم \".\n٥٨١ - \" باب فضل المدينة وأضها تنفي الخبث \"\n٦٧٧ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: أمرني الله تعالى أن أسكن مدينة عظيمة تفتح كل بلاد، الدنيا شرقًا وغربًا، وتبسط عليها سلطانها، قال ابن وهب: قلت لمالك: ما تأكل القرى: قال تفتح القرى، \" يقولون: يثرب، وهي المدينة \" أي يسمونها يثرب واسمها الإِسلامي الذي يليق بها هو المدينة \" تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد \" الكير هو الجلد الذي ينفخ به الحداد على النار، وقال أكثر أهل اللغة، هو حانوت الحداد نفسه \" والمعنى \"","vol":"3","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-632>٥٨٢ - \" بَابُ الْمَدِينَةِ طَابَة </span>\"\n٦٧٨ - عَنْ أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي ﵁ قَالَ:\nأقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - من تَبُوكَ حتى أشْرَفْنَا على الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: \" هَذِهِ طَابَةٌ \".\nــ\nأنّ المدينة تخرج شرار الناس كما يخرج الكير الوسخ من الحديد، وقال بعضهم: المراد به إخراج المنافقين منها عند ظهور المسيح الدجال، وقال بعضهم: تنفي الناس أي تصلحهم وتهذب نفوسهم وتخرج الشر والخبث منهم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل المدينة على سائر البلاد بل على مكة نفسها لقوله: \" تأكل القرى \" أي تفتحها، وقد فتحت المدينة كل المدن بما فيها مكة. قال المهلب: هذا الحديث حجة لمن فضل المدينة على مكة لأنّها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإِسلام (١). والمطابقة: في قوله: \" تنقي الناس \".\n٥٨٢ - \" باب المدينة (٢) طابة \"\n٦٧٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما عاد من تبوك وقارب دخول المدينة قال - ﷺ - تنويهًا بشأنها وثناءً عليها بحسن أسمائها: \" هذه طابة \"\n_________\n(١) ولكن حديث رسول الله - ﷺ - عن مكة حيث قال فيها \" والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت \" رواه الترمذي وابن ماجة، وهو حديث صحيح، وقد قال ملا علي القاري: فيه تصريح بأن مكة أفضل من المدينة، كما عليه الجمهور. وحديث \" اللهم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي، فأسكني في أحب البلاد إليك \" ضعيف. (ع).\n(٢) قال القسطلاني \" باب المدينة بالإضافة وفي نسخة \" بابٌ \" بالتنوين المدينة طابةُ ولأبي ذر طابة بالتنوين وأصل طابة طيبة فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها أي من أسمائها طابة.","vol":"3","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>٥٨٣ - \" بَابُ من رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَةِ </span>\"\n٦٧٩ - عَنْ سُفْيَانَ بن أبي زُهَيْرٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"تُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ،\nــ\nأي هذه هي المدينة الطيبة التي سماها الله طابة، كما في حديث جابر بن سمرة ﵄ \" إن الله سمّى المدينة طابة \" أخرجه مسلم، وذلك لطيب سكناها وطيب العيش بها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل المدينة وشرف أسمائها وتسميتها بأسماء كريمة ذات معان حميدة، ومن ذلك تسميتها طابة وطيبة (١) بتسكين الياء وطيبة - بتشديد الياء، وطائب ككاتب والطبة والمُطَيَّبة (٢) وبعض هذه الأسماء سماها الله بها. وما سميت بذلك إلاّ لوجود هذه الصفات فيها حقيقة. قال ابن بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة.\nوقال ياقوت: من خصائصها طيب ريحها. وقال البكري:\nلَا تَحْسَب المِسْكَ الذكي كنُز بِهَا ... هَيْهَات أيْن المِسْكُ مِنْ رَيَّاهَا\nوَابْشِر فَفِي الخَبَرِ الصَحيع مُقَرَّر ... أنّ الإلهَ بِطَابَةٍ سَمّاهَا\nوالمطابقة: في قوله: \" هذه طابة \".\n٥٨٣ - \" باب من رغب عن المدينة \"\n٦٧٩ - راوي الحديث: سفيان بن أبي زهير الشنوي، وقال بعضهم: النمري، وهو من أزْدِ شنوءة، له صحبة، روى حديثين عن النبي - ﷺ - كما أفاده ابن عبد البر.\n_________\n(١) \" وفاء الوفاء \" ج ١.\n(٢) وليس فيه ما يدل على أنها لا تسمى بغير ذلك، ولها أسماء كثرة، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، كما أفاده القسطلاني.","vol":"3","page":191},{"text":"فَيَتَحمَّلُونَ بأهْلِيهِمْ ومن أطَاعَهُمْ، والمدينَةُ خِيْر لهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ الشَّامُ فيأتِي قوم يَبُسُّونَ فَيتَحمَّلونَ بأهْلِيهِمْ ومن أطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وتُفْتَحُ العِرَاقُ فَيَأتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ فيتحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ ومن أطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْر لَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ\".\nــ\nمعنى الحديث: أن من معجزاته - ﷺ - أنه أخبر عن فتح اليمن، وقد فتحت في آخر حياته كما أخبر عن فتح الشام والعراق وقد فتح بعضها في عهد الصديق، وبعضها في خلافة الفاروق، ثمَّ أخبر - ﷺ - أنه إذا فتحت هذه البلدان يترك بعض الناس المدينة، ويسارعون في الذهاب إليها لخصبها ورخائها، وكثرة خيراتها وثرواتها، طمعًا في الدنيا، ورغبة في لذاتها، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" فيأتي قوم ييسون \" بفتح الياء وضم الباء وتشديد السين أي يسوقون إبلهم ويسرعون في الذهاب إليها، \" فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم \" أي فينتقلون إلى اليمن أو الشام أو غيرها بأهليهم ومن اتبعهم من أصحابهم \" والمدينه خير لهم لو كانوا يطمون \" أي لو كان لديهم شيء من العلم الصحيح، والإِدراك السليم، لعلموا أن طيبة الطيبة خير لهم من تلك البلاد التي انتقلوا إليها لما يتوفر فيها من الخيرات الدنيوية والأخروية التي لا توجد في غيرها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير من ترك المدينة والانتقال إلى غيرها لمجرد هوى النفس وأن من تركها زهدًا فيها فإنه يخسر الحياة الطيبة التي كان - يعيشها ولا يجد مثلها في البلاد التي انتفل إليها لعموم قوله - ﷺ -: \" والمدينة خير لهم \" أمّا المدينة فسيبدلها الله خيرًا منه كما في الحديث \" لا يخرج أحد رَغْبَةً عنها إلاّ أخلف الله فيها خيرًا منه \" فإذا كان الخروج لغرض ديني أو عذر شرعي فإنه غير مذموم لأن أصحاب النبي - ﷺ - تفرقوا في الأمصار.\nالحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.","vol":"3","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>٥٨٤ - \" بابُ الإيمَانِ يَأرِزُ إلى الْمَدِينَةِ </span>\"\n٦٨٠ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إنَّ الإيمَانَ لَيَأرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الْحَيَّةُ إلى حُجْرِهَا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>٥٨٥ - \" بَابُ إثْمَ مَنْ كَادَ أهْلَ الْمَدِينَةِ </span>\"\n٦٨١ - عَنْ سَعْدٍ بنِ أبِي وَقَّاص ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَكِيدُ أهْلَ الْمَدِينَةِ أحَد إلَّا أنمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ في الْمَاء\".\nــ\n٥٨٤ - \" باب الإِيمان يأرز إلى المدينة \"\n٦٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إن الإِيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها \" أي أن المؤمنين كلما شعروا بالخوف على دينهم وأحسّوا بالخطر على إسلامهم لجأوا إلى المدينة وآووا إليها كما تأوي الحية عندما تحس بالخطر إلى جحرها لتأمن فيه على نفسها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المدينة قلعة الإِيمان وحصنه الحصين الذي يأوي إليه المسلمون عند اشتداد الفتن حفاظًا على دينهم، وفيه دليل على وجوب الهجرة على من خاف الفتنة على دينه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٥٨٥ - \" باب إثم من كادَ أهل المدينة \"\n٦٨١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"لا يكيد أهل المدينة","vol":"3","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-636>٥٨٦ - \" بَابٌ لا يَدخلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ </span>\"\n٦٨٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" على أنقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ ولا الدَّجَّالُ \".\nــ\nأحد إلاّ انماع كما ينماع الملح في الماء\" أي لا يمكر أحد بأهل المدينة، وينوي إلحاق الشر بهم ويدبر لهم الأذى في الخفاء إلاّ أهلكه الله فورًا وأزاله من الوجود سريعًا، كما يذوب الملح في الماء. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: ظاهرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن إيذاء أهل المدينة والسعي في الإِضرار بهم كبيرة من الكبائر لأن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلّا على جريمة نكراء. ثانيًاً: تعجيل العقوبة في الدنيا لمن أراد بأهل المدينة شرًا وإنذاره بالهلاك السريع، وفي الحديث عن السائب بن خلاد: \" من أخاف أهل المدينة ظالمًا لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله \" أخرجه النسائي ثالثًا: الترغيب في حب أهل المدينة والإِحسان إليهم لأن التحذير من الشيء ترغيب في ضده، فيكون مفهوم الحديث أن من أراد الخير لأهل المدينة وسعى فيه كانت له البشري بالحياة السعيدة، سيما إذا كان حبه لهم ناشئًا عن حبه للنبي - ﷺ - كما قال الشاعر:\nفَيَا سَاكِني أكْنافَ طِيْبَةَ كُلُّكُمْ ... إِلَى القَلْبِ مِنْ أجْلِ الحَبِيْبِ حَبِيْبُ\n٥٨٦ - \" باب لا يدخل الدجال المدينة \"\n٦٨٢ - معنى الحديث: أن الله حفظ المدينة وصانها من شرين","vol":"3","page":194},{"text":"عظيمين وجعل على أبوابها ومداخلها ملائكة يحرسونها ويمنعون عنها الدجال والطاعون، على كل باب ملكان، كما في حديث أبي بكرة حيث قال - ﷺ -: \" لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان \" أخرجه البخاري. فالدجال لا يدخل مكة ولا المدينة لأنّها محرمة عليه، ممنوعة عنه، ويدخل سائر المدن الأخرى سواهما كما في حديث أنس ﵁، عن النبي - ﷺ -: \" ليس من بلد إلاّ سيطؤه الدجال إلاّ مكة والمدينة \" أخرجه الشيخان والنسائي، ولكنه يصل إلى ضواحي المدينة، وينزل ببعض السباخ التي بها كما في حديث أبي سعيد حيث قال - ﷺ -: \" فينزل ببعض السباخ التي بالمدينة \" أخرجه الشيخان، وفي بعض الروايات: \" ينزل في هذه السبخة التي بِمَمَرِّ قناة \"، أخرجه أحمد، وفي رواية أن النبي - ﷺ - ركب إلى مجتمع السيول، وقال: \" هذا منزله \" ويقع مجتمع السيول هذا في الشمال الغربي من المدينة \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: على أن المدينة محروسة محفوظة من الدجال والطاعون معًا لهذا الحديث، ولقوله - ﷺ - كما في حديث أبي بكرة \" لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال \" فإذا كانت في مأمن من إرهابه والخوف منه، فهي في مأمن من دخوله من باب أولى، لأن الملائكة يقفون على مداخلها فيمنعونها عنه، ويحرسونها منه كما قال - ﷺ -: \" على أنقاب المدينة ملائكة \". ومعنى ذلك أن حدود المدينة كلها محاطة بسور منيع من الملائكة، فلا يتجاوزها الرجال، ولهذا جاء في الأخبار الصحيحة أنه ينزل في السبخة التي تجتمع بها السيول في الشمال الغربي من المدينة، فإذا وصل إلى هناك وقع زلزال بالمدينة، وخرج إليه المنافقون منها، كما في حديث أنس عن النبي - ﷺ -، حيث قال: \" ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق \" أخرجه الشيخان والنسائي، ويقيض الله للاسلام في ذلك الموقف الخطر، وتلك الظروف الصعبة من يناضل عن الدين، ويقف","vol":"3","page":195},{"text":"في وجه المسيح الدجال، ويصمد أمام جبروته وطغيانه، فيقول كلمة الحق أمام ذلك الطاغية، ويكدبه ويتحداه أمام الناس كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ حيث قال - ﷺ - \" فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس \" أي من أفضل أهل المدينة دينًا وصلاحًا وثباتًا على الحق \" فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله - ﷺ - حديثًا فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر \" أي يقول للناس: أخبروني إن أنا قتلت هذا الرجل الذي واجهني بالتكذيب، وأحييته مرة أخرى، هل تشكون في ربوبيتي \" فيقولون: لا \" أي فيقول المنافقون: لا \" فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشد بصيرة \" أي أشد يقينًا بأنّك الدجال منّي اليوم \" لأنه انطبقت عليك صفات الدجال التي أخبرنا بها نبينا - ﷺ - كما في ها الحديث وأمثاله \" فيقول الدجال \" لرجل من أتباعه \" اقتله فلا يسلط عليه \" ولا يقدر على قتله. ثانيًا: أن المدينة محمية من الطاعون، ولم ينقل في التاريخ قط أنه دخل المدينة أصلًا. والطاعون أورام دموية ودمامل خبيثة، قال السمهودي: وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة مع أنه يقع بالحجاز، ودخل جدة وينبع والفرع والصفراء والخبت وغير ذلك من الأماكن القريبة من المدينة، ولم يدخلها كما شاهدنا ذلك في طاعون سنة إحدى وثمانين وثمانمائة فإنه عم أكثر الأماكن القريبة من المدينة وكثر بجدة وهي محفوظة منه أتم الحفظ، فلله الحمد والمنة. والمطابقة: في قوله: \" لا يدخلها الطاعون \".\n***","vol":"3","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-637>٥٨٧ - \" باب </span>\"\n٦٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت:\nلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبو بَكْرٍ وَبِلال، فَكَانَ - ﷺ - أبو بَكْرٍ إِذَا أخَذَتْهُ الْحُمَّىْ يَقُولُ:\nكُلُّ امْرِىءٍ مُصَبَّح في أهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أدنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ\nوَكَانَ بِلالُ إِذَا اقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ وَيَقولُ:\nألا لَيْتَ شعْرِي هَلْ أبِيْتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِى إذْخِر وَجَلِيلُ\nوهلْ أرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِيَ شَامَة وَطَفِيلُ\nــ\n٥٨٧ - \" باب \"\n٦٨٣ - معنى الحديث: أن المدينة كانت قبل هجرته - ﷺ - موبوءة كثيرة الحميات والأمراض المعدية، فلما قدم إليها - ﷺ - ومعه أصحابه المهاجرون انتشرت فيهم الحمى فأصابت أبا بكر وبلالًا وغيرهم، فأحسوا بالغربة واشتاقوا إلى مكة، واستوحشت نفوسهم من المرض الذي أصابهم \" كان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:\nكلُّ امرىءٍ مُصَبّح في أهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أدْنَى مِنْ شِرَاكِ نعْلِهِ \"\nيريد ﵁ أنّ المرض قد أخذ منه كل مأخذ، وكابد من آلام الحمى وتجرع كؤوس مرارتها حتي أصبح في حالة سيئة، تتراى له أشباح المنون بين حين وآخر يقال له عند الصباح: \" أنعِمْ صباحًا وهو في غاية القرب من الموت بل هو أقرب إليه من شراك نعله \" والشراك بكسر الشين أحد سيور النعل. أما بلال فإنه كلما أفاق من غشيته حن إلى مكة وربوعها، وأخذ","vol":"3","page":197},{"text":"وَقَالَ - ﷺ -: \" اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَة بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأُمَيَّةَ ابْنَ خَلَفٍ، كَمَا أخرَجُونَا مِنْ أرضِنَا إِلَى أرضِ الْوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إليْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبنا مَكَّةَ، أو أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في صَاعِنَا وَفي مُدِّنَا، وصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ، قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ أوبَأ أرْضِ اللهِ فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِيْ نَجْلًا يَعْنِي مَاءً آجِنًَا \".\nــ\nيترنم في شعره بضواحيها ومغانيها، ويذكر طيب لياليها \" وكان بلال إذا أقْلِعَ (١) عنه الحمى \" أي إذا أفاق من الحمى \" يرفع عقيرته \" أي صوته\n\" ويقول:\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل\nوهل أردن يومًا مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل\nوهكذا يتمنى بلال أن يبيت ليلة واحدة في ضواحى مكة ويطفىء أشواقه الحارة من مياه مجنة (٢) وأن يمتع ناظريه بمشاهدة إذخر وجليل وغيرها من النباتات الخلوية التي حولها، وأن يشاهد \" شامة وطفيل \" (٣) وغيرهما من جبال مكة الشامخة، فلما رأى النبي - ﷺ - ما أصاب أصحابه دعا على الذين أخرجوهم من مكة \" وقال: اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة \" وغيرهم ثم قال - ﷺ -: \" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد \" وذلك لكي يتغلب حبهم لوطنهم الثاني على حبهم لوطنهم الأول، ثم قال: \" اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة \"\n_________\n(١) بضم الهمزة وكسر اللام والبناء للمجهول.\n(٢) بفتح الميم وكسرها وتشديد النون موضع على أميال يسيرة من مكة، كما أفاده القسطلاني.\n(٣) بفتح الطاء وكسر الفاء جبلان على نحو ثلاثين ميلًا من مكة، كما أفاده القسطلاني.","vol":"3","page":198},{"text":"فدعا - ﷺ - ربه أن يغير حال المدينة إلى أحسن حال من الناحية المعيشية والصحية. أما من الناحية المعيشية فإنّه دعا لها بالبركة في مكاييلها المختلفة من مد وصاع وغيرها، فلا يكال بها الطعام حتى يتضاعف وينمو ويتكاثر، ويجزىء منه القليل، ويكفي عن الكثير، وتتغذى به الأجسام غذاءً جيدًا فتتحسن الحالة المعيشية، وتتوفر المواد الغذائية. وأما من الناحية الصحية فقد دعا - ﷺ - ربه أن يصحح لهم المدينة، وأن ينقل ميكروب الحمى منها إلى الجحفة ويقضي على الجراثيم والأوبئة التي كانت فيها فيتمتع أهلها بماء صحي وجو نقي وتطيب بها الحياة. \" قالت \" عائشة ﵂ \" وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله \" أي أكثرها وباءً ثم بينت عائشة ﵂ سبب وبائها وكثرة وجود الحميات فيها حيث قالت: \" فكان بطحان يجري نجلًا \" بفتح النون وسكون الجيم، قال الراوي: \" يعني ماء آجنًا \" قال العيني: \" الآجن \" بالمد الماء المتغير الطعم واللون. اهـ، أي وكان وادي بطحان في جنوب المدينة يجري طول العام وعلى مدار السنة بالمياه المتغيرة المتعفنة التي تتركد فيه كثيرًا، فتتعفن فينشأ عن ذلك البعوض والميكروبات الضاّرة وتتفشى الأمراض، وتكثر الحميات، وينتشر الوباء، كما يحدث عادة في البلاد التي تكثر فيها المستنقعات دون أن تتواجد فيها رعاية صحية كافية للقضاء على تلك الميكروبات التي تنجم عنها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المدينة المنورة كانت قبل الإِسلام \" أوبأ أرض الله \" فلما هاجر إليها - ﷺ - طهرها الله من الوباء وصححها من الأدواء استجابة لدعوة نبيه - ﷺ -. ثانيًاً: أن الله بارك لأهل المدينة في ثمارهم وأقواتهم، ووضع البركة في مكاييلهم بحيث يكفي فيها من الطعام ما لا يكفي في غيرها استجابة لدعوة نبيه - ﷺ -، وفي الحديث الصحيح \" كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه \" أو كما قال - ﷺ -. ثالثًا: أشار","vol":"3","page":199},{"text":"الحديث إلى وجوب العناية بالناحية الصحية والاهتمام بجودة الهواء، ونقاء الماء والتحذير من المياه الراكدة المتغيرة، لأن المياه المتغيرة الملوثة يتولد فيها البعوض والجراثيم التي تؤدي إلى تفشي الحميات والأمراض المختلفة، كما يدل على ذلك قول عائشة ﵂ في سبب انتشار الحميات، بالمدينة قبل الهجرة:\n\" وكان بطحان يجري نجلًا - يعني ماءً آجنًا \" تريد ﵂ أن الماء المتعفن الذي كان في وادي بطحان هو سبب انتشِار الحميات بالمدينة والله أعلم.\n***","vol":"3","page":200},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-639> كتابَُ الصَّوْمَ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>٥٨٨ - \" بَابُ فضلِ الصَّوْمِ </span>\"\n٦٨٤ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسولَ الله - ﷺ - قَالَ:\n\"الصيامُ جُنَّة فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، وِإنِ امْرُؤ قَاتَلَهُ أوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِني صَائِم مرَّتَيْنِ، والذي نَفْسِي بِيَد لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ\nــ\n\nكتاب الصوم\nالصوم لغة الامتناع عن أي شيء كلامًا أو طعامًا وشرعًا الإمساك عن شهوتي البطن -وهي الأكل والشرب- والفرج \" وهي مباشرة النساء من الفجر إلى المغرب \" وفرض في الثانية من الهجرة في شهر شعبان، وهو فرض على كل مكلف قادر عليه.\n٥٨٨ - \" باب فضل الصوم \"\n٦٨٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - وصف الصوم وصفًا دقيقًا يبين فيه فائدته بالنسبة للصائم فقال: \" الصوم جنة \" أي وقاية للإنسان من المعاصي، لأنه يكسر الشهوة ويسد مسالك الشيطان إلى النفس البشرية فيحميها من الخسران، ويصونها من النيران، ولذلك أمر النبي - ﷺ - الصائم أن يحافظ","vol":"3","page":201},{"text":"اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ من أجْلِي، الصيامُ لي وَأَنَا أُجْزِي بِهِ، والْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا\".\nــ\nعلى وقاية نفسه من مباشرة النساء، وصيانة لسانه من اللغو والفحش فقال: \" فلا يرفث \" أي لا يباشر النساء ولا يتلفظ بالكلمات القبيحة \" وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم \" أي فإن تعرض له أحد بالإِساءة فضاربه أو خاصمه أو شتمه فليقل في نفسه إني صائم وليكف عن مجاراته في انتهاك حرمة الصوم، فإن دفعته نفسه للرد عليه فليقل في نفسه مرة أخرى إني صائم، ثم أقسم - ﷺ - بربه الذي روحه بيده على أن خلوف الصائم وتغير رائحة فمه أجمل رائحة عند الله من رائحة المسك الذي هو أطيب الطيب \" يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي \" يعني يقول الله تعالى: إن هذا الصائم ترك شهوة بطنه وفرجه طاعة لي وامتثالًا لأمري \" الصيام لي \"، أي الصيام أخلص العبادات لي وأبعدها عن الرياء والسمعة \" وأنا أجزي به \" أي ولذلك فإني أجزي عليه من الأجر والمثوبة ما لا أجزي على غيره، أو أتولى المثوبة عليه بنفسي، قال الشرقاوي: وقد علم أن الكريم إذا تولّى الإِعطاء بنفسه كان ذلك إشارة إلى عظم العطاء \" والحسنة بعشر أمثالها \" أي وإذا كات الجزاء على الحسنات العادية الحسنة بعشر أمثالها، فما بالك بالصوم الذي تولى الله بنفسه الجزاء عليه فإنه يجزي عليه بغير حساب. قال الزرقاني قوله: وأنا أجزي به \" أي بلا عدد ولا حساب، كقوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ). الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا عليها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضائل الصوم ومزاياه فمن فضائله إصلاح الغريزة، وترويضها على الوقوف عند حدود","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>٥٨٩ - \" بَابُ الرَّيَّانِ للصَّائِمِينَ </span>\"\n٦٨٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ\nــ\nالشرع والعقل، والالتزام بمنهج الدين وتقوية الإِرادة وسد مداخل الشيطان، مما يؤدي إلى تحقيق السعادة النفسية في الدنيا والنجاة من النار في الآخرة كما في رواية أخرى عن أبي هريرة \" الصوم جنة من النار \" أي وقاية منها أخرجه الترمذي، وفي رواية عنه \" الصوم جنة من عذاب الله \" أخرجه البيهقي قال في \" الإكمال \": معنى الصوم جنة أنه يستر من الآثام أو من النار، أو من جميع ذلك، وبه جزم النووي. ومن مزاياه مضاعفة حسنات الصائمين بغير حساب، وهو معنى \" وأنا أجزي به \" أي أضاعف الثواب عليه بلا حدود لما في رواية \" الموطأ \" \" كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلاّ الصيام فهو لي وأنا أجزي به \" فالاستثناء يدل على أن مضاعفة أجر الصيام لا حد له. ثانيًاً: أن للعبادات روائح زكية يختلف بعضها عن بعض يوم القيامة فريح الصيام بين العبادات كالمسك، وطيب فم الصائم كرائحة المسك الذي هو أجمل الطيب. ثالثًا: أن الصيام الذي تضاعف له الحسنات هو الذي يجمع بين الكف عن الطعام والشراب والمحرمات. قال أحمد بن قدامة المقدسي: للصوم ثلاث مراتب، صوم العموم وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وصوم الخصوص: وهو كف النظر واللسان والجوارح من اليد والرجل والسمع والبصر عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص: وهو صوم القلب عما سوى الله (١).\n٥٨٩ - \" باب الريان للصائمين \"\n٦٨٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"من أنفق زوجين في\n_________\n(١) \" مختصر منهاج القاصدين \".","vol":"3","page":203},{"text":"مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْر، فمنْ كَانَ مِنْ أهلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ من بَاب الصَّلَاةِ، ومنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كانَ مِنْ أهلِ الصيام، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، ومَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصًّدَقَةِ \" فقالَ أبو بَكْرٍ ﵁ بأبِي أنتَ وَأمِّي يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأبوَابِ مِن ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَال: \" نَعَمْ وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ \".\nــ\nسبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير\" أي من تصدق بعدد اثنين من أي شيء من المأكولات أو الملبوسات أو النقود، فأعطى درهمين، أو رغيفين، أو ثوبين لمن هو في حاجة إليهما ابتغاءً لرضوان الله نادته الملائكة من أبواب الجنة مرحبة بقدومه إليها، وهي تقول: لقد قدَّمت خيرًا كثيرًا تثاب عليه اليوم ثوابًا كبيرًا، \" فمن كان منْ أهل الصلاة دعي من باب الصلاة \" أي وقد جعل لكل عبادة في الجنة بابًا مخصوصًا لها، فالمكثرون من الصلاة ينادون من باب الصلاة، ويدخلون منه، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر العبادات، \" ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان \"، أي والمكثرون من الصوم تستقبلهم الملائكة عند باب الريان داعية لهم بالدخول منه، وسمي بذلك، لأنه كما في رواية الترمذي \" من دخله لم يظمأ أبدًا \" \" فقال أبو بكر ﵁ \" طامعًا في فضل الله تعالى: \" فهل يدعى أحد من تلك الأبواب \" ومعناه أنه تساءل قائلًا \" فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم \" أي يوجد من المؤمنين من يُدعى من أبواب الجنة الثمانية لكثرة عباداته وتنوعها واختلافها، \"وأرجو أن تكون منهم \" لاجتهادك في كل العبادات وحرصك على جميع الخيرات. الحديث:","vol":"3","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>٥٩٠ - \" بَاب هَلْ يُقَالُ رَمَضانُ أو شَهْرُ رَمَضَانَ</span>؟ \"\n٦٨٦ - وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبوَابُ السَّمَاءِ وغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتِ الشَيّاَطِينُ \".\nــ\nأخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن للجنة أبوابًا متعددة بتعدد الأعمال لكل عبادة باب يختص بأهلها المتفوقين فيها. ثانيًاً: أن من بين هذه الأبواب باب الصائمين، ويقال له: الريان، لأن من دخل منه يرتوي فلا يظمأ أبدًا كما في رواية الترمذي: \" ومن دخله لم يظمأ أبدًا \". والمطابقة: في قوله: \" من كان من أهل الصيام دعى من باب الريان \".\n٥٩٠ - \" باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان \"\n٦٨٦ - معنى الحديث: أن أبواب السماء تفتح عند قدوم رمضان حقيقة لا مجازًا إحتفاءً بهذا الشهر الكريم. وترحيبًا به في الملأ الأعلى، وتنويهًا بفضله وشرفه، وإعلامًا للملائكة بدخوله، كما تفتح أبوابها لكل من مات فيه صائمًا قائمًا بواجباته غير مفسد له بالمحرمات والآثام استقبالًا له وترحيبًا بمقدمه، وتبشيرًا له بما أعدَّ الله له في دار الكرامة \" وغلقت أبواب جهنم \" حقيقة عن الصائمين، فمن مات منهم كان من عتقاء رمضان \" وسلسلت الشياطين \" أي وربطت الشياطين بالسلاسل، حقيقة أيضًا وحمله بعضهم على شياطين الوسوسة والإِغواء، وهو أنسب. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل شهر رمضان، حيث تفتح فيه أبواب السماء وأبواب الجنة كما في رواية أخرى في","vol":"3","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-642>٥٩١ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ </span>\"\n٦٨٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقالَ رَسوُلُ اللهَ - ﷺ -: \" مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ في أن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ \".\nــ\nالبخاري، \" وتغلق أبواب النار \" وفيه بشارة عظيمة لمن مات فيه قائمًا بحقوقه، والواجبات التي عليه، وأنه تربط فيه الشياطين عن الناس وتمنع عن الوسوسة لهم، ولا يقال كيف تربط ونحن نرى الناس يذنبون في رمضان؟ فالجواب أن هذا لا يتعارض مع الحديث، فإن الإِنسان توسوس له نفسه أيضًا، فالمعاصي التي يرتكبها في رمضان نتيجة لغرائزه وشهواته النفسية. ثانيًاً: أنه لا مانع من أن يقال رمضان. والمطابقة: في قوله: \" إذا دخل رمضان \".\n٥٩١ - \" باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم \"\n٦٨٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من لم يدع قول الزور والعمل به \" أي من لم يترك القول الباطل والكلام المحرّم أثناء صومه من الكذب وشهادة الزور، والغيبة والنميمة والقذف والشتيمة \" والعمل به \" أي ولم يترك الأعمال الباطلة من الظلم والغش والخيانة وأكل الربا وغيرها \" فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه \"، أي فإن صيامه لا يكون مرضيًا عنه، ولا يقبل قبولًا كاملًا، ولا يثاب عليه ثواب الصائمين الذين يوفَّون أجرهم بغير حساب، وإن كان الصوم في حد ذاته صحيحًا مسقطًا للفرض الذي عليه.\nفقوله: \" وليس لله حاجة \" إلخ مجاز يراد به عَدمُ القبول الكامل من إطلاق السبب وإرادة المُسَبِّبِ، قال ابن المنير: هو كناية عن عدم قبول الصوم،","vol":"3","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-643>٥٩٢ - \" بَابُ الصَّوْمِ لِمَنْ خاف عَلَى نفْسِهِ الْعُزُوبَةَ </span>\"\n٦٨٨ - عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا مَعَ النبي - ﷺ - فَقَالَ: \"مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أغَضُّ\nــ\nكما يقول الغضبان لمن رد عليه شيئًا طلبه منه فلم يقم به: لا حاجة في به. الحديث: أخرجه أيضًا الأربعة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحذير الصائم من الأقوال الباطلة والأفعال المحرمة، لأنّها تسخط الله وتنقص من ثواب الصوم فلا يجازى الصائم على صومه بغير حساب، إلاّ إذا صام عن المحرمات، أما إذا اقترفها فإنه لا يستفيد منه إلا إسقاط الفرض فقط. ثانيًا: أنه ليس الغرض من الصيام الحرمان من الطعام والشراب، بل ما يترتب عليه من تهذيب النفس، وتقويم السلوك الإِنساني، قال البيضاوي في قوله - ﷺ -: \" فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه \" أي ليس المقصود من شرعية الصيام نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر قبول. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٥٩٢ - \" باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة \"\n٦٨٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من استطاع الباءة \" وهي لغةً الجماعُ والمراد بها هنا مؤونة النكاح والقدرة عليه \" فليتزوج \" أي: أنَّ النبي - ﷺ - يأمُرُ بالزواج كلَّ من كان قادرًا عليه جسميًا وماديًا إحصانًا لنفسه ودينه، لأنه في حاجة إليه بمقتضى غريزته الجنسية التي أودعها الله فيه فإنّها إذا لم تجد لها مصرفًا شرعيًا صرفت قواها في الفواحش والموبقات،","vol":"3","page":207},{"text":"لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>٥٩٣ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِّي - ﷺ - إِذَا رَأيْتُمْ الْهِلالَ فَصُومُوا </span>\"\n٦٨٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" الشَّهر تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ، فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاِثين \".\nــ\nوالزواج هو المصرف الشرعي لها، وهو الوقاية والحماية لها من الخبائث، كما قال - ﷺ -: \" فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج \" أي فإن النكاح أمنع للبصر والفرج من اقتراف الخطايا \" ومن لم يستطع فعيه بالصوم فإنه له وجاء \" أي فإن الصوم يكسر الشهوة. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في الزواج لكل من يقدر عليه ماليًا ونفسيًا وجسميًا. ثانيًاً: استحباب الصوم لمن خاف على نفسه من العزوبة، وخشي الفاحشة لأنّ الصوم يضعف الشهوة. والمطابقة: في قوله: \" ومن لم يستطع فعليه بالصوم \".\n٥٩٣ - \" باب قول النبي - ﷺ - إذا رأيتم الهلال فصوموا \"\n٦٨٩ - معنى الحديث: أن الشهر يكون أحيانًا تسعة وعشرين يومًا كما يكون أحيانًا ثلاثين، الكل جائز وواقع، ولكن الاعتماد في الصيام والإفطار على الرؤية، أو إكمال ثلاثين يومًا وهو معنى قوله: \" فلا تصوموا حتى تروه \" أي حتى تروا الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان وكذلك الحكم في الإِفطار، لا تفطروا حتى تروا الهلال بعد غروب اليوم التاسع والعشرين من رمضان، \" فإن غم عليكم \" أي فإن لم تروا الهلال ولم يظهر","vol":"3","page":208},{"text":"لكم لأي سبب من الأسباب، \" فأكملوا العدة ثلاثين \" أي فأتموا عدة أيام الشهر ثلاثين يومًا، سواء كان ذلك في الصيام كما نص عليه حديث الباب، أو في الإِفطار من رمضان كما في الأحاديث الأخرى، فقد جاء في رواية أخرى للبخاري عن ابن عمر \" إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا \" أخرجه البخاري، ومعنى ذلك أن هذا الحكم في الصيام والإِفطار معًا، وفي رواية أخرى عن ابن عمر أيضًا: \" الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له \" أخرجه أبو داود والشيخان وأحمد بن حنبل. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن ثبوت رمضان يكون برؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من شعبان بشهادة شاهدي عدل أنهما رأيا الهلال، ولا يثبت بعدل واحد، عند مالك وأحمد في رواية، وقال أكثر أهل العلم: يثبت بعدل واحد لحديث ابن عمر ﵄ قال: \" تراءى الناس الهلال (١) فأخبرت رسول الله - ﷺ - أني رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه \" أخرجه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي في قول: وأحمد في رواية، قال النووي: وهو الأصح. فإن لم ير الهلال فيثبت بإكمال شعبان ثلاثين يومًا. ثانيًا: أن الإفطار كالصيام يثبت أيضًا بالرؤية أو بإكمال ثلاثين يومًا. إلاّ أنه لا يثبت عند عامة الفقهاء إلاّ برؤية عدلين، خلافًا للظاهرية.\n...\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ١ دار الفكر.","vol":"3","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-645>٥٩٤ - \" بَابُ قَوْلَ النبي - ﷺ - لَا نكْتُبُ ولا نحْسِبُ </span>\"\n٦٩٠ - عنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّا أمَّة أمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ، وَمَرَّة ثَلاِثينَ \".\nــ\n٥٩٤ - \"باب قول النبي - ﷺ - لا نكتب ولا نحسب \"\n٦٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إنا أمة أمية \" أي تغلب علينا الأميّة، وهي البقاء على أصل ولادة الأم، بمعنى أننا لا نعرف القراءة والكتابة، والحساب، وقيل المراد بالحساب حساب النجوم والمنازل والفلك، وذلك باعتبار ما غلب عليهم، وإلّا فقد كان في العرب من يعرف ذلك، ولكنهم قلة \" الشهر هكذا وهكذا \" يعني أن النبي - ﷺ - أشار بأصابع يديه أولًا ثلاث مرات عقد في الثالثة أصبعًا واحدًا يعني تسعة وعشرين يومًا، ثم أشار بأصابع يديه ثانيًا ثلات مرات ولم يعقد شيئًا، يعني ثلاثين يومًا، فبين أن الشهر يكون تسعة وعشرين ويكون ثلاثين يومًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الصيام والإِفطار لا يثبتان كما قال أهل العلم إلاّ بالرؤية، وأما ما نسب إلى الشافعي من أنه. قال: من تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغُمَّ عليه، جاز له أن يُبيته (١) ويجزئه، فقد رده ابن عبد البر، وقال: الذي عندنا في كتبه -أي في كتب الشافعي- أنه لا يصح رمضان إلاّ برؤية أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث جزءًا من الترجمة.\n_________\n(١) أي جاز له أن ينوي الصيام ليلًا، ويصوم من الغد، ويصح صيامه.","vol":"3","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>٥٩٥ - \" بَاب لا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْم وَلا يَوْمَيْنِ </span>\"\n٦٩١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \" لا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوْم أوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أن يَكُونَ رَجُل كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ \".\nــ\n٥٩٥ - \" باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم أو يومين \"\n٦٩١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين \" أي لا يجوز لأحد أن يستقبل رمضان بصيام آخر شعبان، فيصوم قبله يومًا أو يومين، بنية كونهما من رمضان (١)، لاحتمال كونهما منه، سواء كان الجو صحوًا أو غائمًا، وإنما ذكر اليومين (٢) لأنه قد يحصل الشك في يومين لوجود غيم أو ظلمة في شهرين أو ثلاثة، وإنما، نهى عن ذلك لأن الصيام بنية رمضان قبله مخالفة لحكم الشارع الذي علق الصيام على الرؤية ثم قال: \" إلاّ أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم \" وهذا استثناء منقطع \" معناه \" لكن إذا كان للصائم أيّام معتادة يصومها آخر الشهر تطوعًا، أو كان نذرًا أو قضاءً فصادف آخر شعبان، فلا مانع من صيامه إذن، لأن ذلك ليس من جنس الصيام المنهي عنه شرعًا. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: كراهية صيام آخر يوم من شعبان المسمى بيوم الشك مطلقًا. سواء صامه وحده أو مع يوم قبله لحديث الباب، ولقول عمار ﵁: \"من صام اليوم الذي يشك\n_________\n(١) \" فتح المبدي \" ج ٢.\n(٢) \" تحفة الأحوذي \" ج ٣ المكتبة السلفية.","vol":"3","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>٥٩٦ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) </span>\"\n٦٩٢ - عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم ﵁ قَالَ:\nلَمَّا نَزَلَتْ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) عَمَدْتُ إلى عِقَال أسْوَدَ، وِإلَى عِقَال أبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تحتَ وِسَادَتي،\nــ\nفيه فقد عصى أبا القاسم\"، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول (١) سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق كرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم أنّه إن صامه وكان من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه، وعند الحنفية (٢) إن ظهر أنّه من رمضان أجزأ عنه. ثانيًا: أنه يجوز صيام يوم الشك في أيّام معتادة أو نذر أو قضاء صادف ذلك اليوم، قال الحافظ: والحكمة في النهي عن صيامه بنية أنه من رمضان أنّ الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم (٣).\n٥٩٦ - \" باب قول الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) \"\n٦٩٢ - معنى الحديث: يقول عدى بن حاتم ﵁: \" لما نزلت (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) عمدت (٤) إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي \" أي\n_________\n(١) \" جامع الترمذي \" وتحفة الأحوذي \" ج ٣.\n(٢) \" فقه السنة \" ج ١ دار الفكر.\n(٣) \" فتح الباري \" ج ٤.\n(٤) بفتح العين والميم.","vol":"3","page":212},{"text":"فجعَلْتُ أنْظُرُ في اللَّيْلِ، فَلا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: \" إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ \".\nــ\nظننت أن المراد بالخيط الأبيض والأسود معناهما الحقيقي، وأن المقصود بهما حبلان أحدهما أبيض والثاني أسود، وفهمت من الآية أن المسلم لا يزال مفطرًا يأكل ويشرب حتى يتجلى النهار، ويظهر له الحبل الأبيض من الحبل الأسود، فأحضرت الحبلين، ووضعتهما تحت وسادتي لأتعرّف منهما على أوّل وقت الصيام، \" فجعلت أنظر في الليل \" أي فلما طلع الفجر صرت أنظر في الحبلين فلا أميز الأبيض من الأسود، وهو معنى قوله: \" فلا يستبين لي \" أي لا أعرف هذا من هذا، \" فغدوت على رسول الله - ﷺ - \" فذكرت له ذلك فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار \" أي ليس المقصود بالخيط الأبيض والخيط الأسود حقيقتهما ومعناهما الظاهرى، وإنما المقصود بالخيط الأسود سواد الليل، وبالخيط الأبيض بياض النهار، ونوره وضياؤه، وفي رواية ابن جرير (١) أن النبي - ﷺ - قال له: \" إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال ففتلت خيطين من أبيض وأسود فنظرت فيهما عند الفجر، فرأيتهما سواء، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: وما منعك يا حاتم، وتبسم، كأنه قد علم ما فعلت، قلت: فتلت خيطين من أبيض وأسود، فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى رؤي نواجذه، ثم قال: ألم أقل لك من الفجر إنما هو ضوء النهار وظلمة الليل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث تفسيرًا للآية.\n_________\n(١) \" المنهل العذب \" ج ١٠.","vol":"3","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-648>٥٩٧ - \" بَابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيْجَابٍ </span>\"\n٦٩٣ - عن أنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>٥٩٨ - \" بَابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًَا </span>\"\n٦٩٤ - عن عَائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ ﵄:\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير الآية الكريمة كما ترجم له البخاري. ثانيًا: على أن الصيام والإِمساك يبدأ من طلوع الفجر.\n٥٩٧ - \" باب بركة السحور من غير إيجاب \"\n٦٩٣ - معنى الحديث: أن الله أودع في السحور خيرًا كثيرًا، ونفعًا عظيمًا لأنه ينشط البدن، ويقوي الجسم، ويعين على الصيام الذي هو من أفضل القربات وأعظم الطاعات، ولذلك أمر به - ﷺ - في هذا الحديث، ورغب فيه، وبين - ﷺ - أنه الفارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، كما في حديث عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ - قال: \" إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر \" (١) أخرجه الخمسة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن السحور سنة مستحبة، لأن النبي - ﷺ - أمر به وأقل مقتضيات الأمر الندب، وقد نقل ابن المنذر الإجماع عليه، وبين أنه بركة، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والمطابقة: ظاهرة.\n٥٩٨ - \" باب الصائم يصبح جنبًا \"\n٦٩٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان أحيانًا يجامع أهله في ليالي\n_________\n(١) أيضًا \" المنهل العذب \" ج ١٠.","vol":"3","page":214},{"text":"\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ويصُومُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>٥٩٩ - \" بَابُ الْمُبَاشَرةِ للصَّائِمِ </span>\"\n٦٩٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كَانَ النبي - ﷺ - يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أمْلَكَكُمْ لِإرْبِهِ \".\nــ\nرمضان ولا يغتسل بعد جماعه بل يبيت وهو جنب من أهله أي وهو جنب من جماع أهله لا من احتلام، ويطلع عليه الفجر وهو على حال الجنابة، فيصوم، ثم يغتسل ولا يرى في ذلك بأسًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي بألفاظ مختلفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّه يجوز للصائم أن يصبح جنبًا كما ترجم له البخاري، وهو مذهب جمهور العلماء والفقهاء، قال النووي: وقد أجمع أهل هذه الأمصار على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع، وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحكى عن أبي هريرة إبطاله، والصحيح أنّه رجع عنه كما صرح به في رواية مسلم، وحكي عن طاووس وعروة: إن علم بجنابته لم يصح، وعن الحسن البصري أنه يجزئه في صوم التطوع دون الفرض، قال النووي: ثم ارتفع هذا الخلاف وأحمع العلماء بعد هؤلاء على صحته. اهـ. وقال ابن دقيق العيد: صار ذلك إجماعًا أو كالإِجماع (١). اهـ. والمطابقة: في قوله: \" كان يدركه الفجر وهو جنب \".\n٥٩٩ - \" باب المباشرة للصائم \"\n٦٩٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يستمتع بنسائه بالتقبيل\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٣.","vol":"3","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-651>٦٠٠ - \" بَابُ الصَّائِمِ إِذَا أكَلَ أوْ شَرِبَ ناسيًا </span>\"\n٦٩٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا نَسِيَ فَأكَلَ وَشَرِبَ فَلْيُتمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ \".\nــ\nوالملامسة والمعانقة وسائر أنواع المباشرة عدا الجماع وهو صائم، ولكنه - ﷺ - كان أقدر على امتلاك نفسه، والسيطرة على شهوته، فهو بالرغم من هذه المباشرة في مأمن من الجماع، وهو معنى قولها: \" وكان أملككم لأربه \" بفتح الهمزة والراء، على ما رواه أكثر المحدثين أي: لحاجته وشهوته ويروى بكسر الهمزة وسكون الراء، ويطلق على الذكر خاصة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود وأحمد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّه يجوز للصائم المباشرة (١) غير الفاحشة والقبلة إذا أمن على نفسه، أما من لم يأمن على نفسه فإنه يكره له ذلك، كما تكره المباشرة الفاحشة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وقال مالك يكره التقبيل (٢) إن علمت السلامة، فإذا لم تعلم فهو حرام، وقال الشافعي: تجوز المباشرة والقبلة للشيخ دون الشاب. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا عليها.\n٦٠٠ - \" باب الصائم إذا أكل وشرب ناسيًا \"\n٦٥٦ - معنى الحديث: أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا فإن عليه\n_________\n(١) والمراد بها لمس بشرة الرجل بشرة المرأة والاستمتاع بها بالتقبيل والمعانقة والملامسة والمداعبة، والمباشرة أعم من التقبيل فعطفها عليه من عطف العام على الخاص.\n(٢) قال النووي: ولا خلاف أن القبلة لا تبطل الصوم إِلا إذا أنزل بها، وقال ابن قدامة: أن قبّل فأنزل أفطر بلا خلاف. اهـ.","vol":"3","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>٦٠١ - \" بَابٌ إِذَا جَامَعَ في رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ فتصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّره </span>\"\n٦٩٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\"بَينَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبي - ﷺ - إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ\nــ\nأن يتم بقية نهاره، ولا يفسد صومه، ولا يوجب عليه ذلك الأكل أو الشرب إثمًا ولا قضاءً، فقد روي عن أبي هريرة أنه نسي صيام أول يوم من رمضان فأصاب طعامًا قال: فذَكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: أتم صيامك، فإن الله أطعمك وسقاك ولا قضاء عليك \" أخرجه الدارقطني، إلاّ أن أحد رواته وهو الحكم بن عبد الله ضعيف الحديث. وإنما لم يترتب على الناسي شيء لأنه أكل وشرب دون إرادته واختياره، وهو معنى قوله: \" أطعمه الله وسقاه \".\nنسب الإِطعام والإِسقاء إلى الله تعالى، لأن العبد لم يكن له اختيار لنسيانه، فلا يعد إفطاره جناية على صومه. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: استدال به الجمهور على أن من أكل أو شرب ناسيًا لا يفسد صومه ولا يلزمه قضاء لقوله - ﷺ -: \" فليتم صومه \"، ولا تلزمه كفارة من باب أولى، وقال مالك: يفسد صومه ويلزمه القضاء، ولا إثم عليه ولا كفارة، وحمل المالكية حديث الباب على إسقاط الإثم والمؤاخذة عليه دون القضاء (١)، ولكن قد جاء التصريح بإسقاط القضاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة \" ذكره الحافظ في \" الفتح \" وقال فيه: أقل درجات هذا الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا فيصلح للاحتجاج به. والمطابقة: في قوله: \" فليتم صومه \".\n٦٠١ - \" باب إذا جامع في رمضان \"\n٦٩٧ - معنى الحديث: أنه بينما كان أصحاب رسول الله - ﷺ - في\n_________\n(١) فقالوا: من أفطر ناسيًا فعليه القضاء ولا إثم عليه ولا كفارة، ومن أفطر عامدًا فقد أثم وعليه القضاء والكفارة.","vol":"3","page":217},{"text":"اللهِ هَلَكْتُ، قَالَ: \" مَا لَكَ؟ \" قَالَ: وَقَعْتُ على امْرَأتِي وأنَا صَائِم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا؟ \" قَالَ: لا، قَالَ: \" فَهَلْ تَسْتَطِيْعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتَابِعَيْنِ؟ \" قالَ: لا، قَالَ: \" فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًَا؟ \" قَالَ: لا، فَمَكَثَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فبينا نَحْنُ على ذَلِكَ أُتِيَ النَّبيُّ - ﷺ - بعَرَقٍ فيهِ تَمْرٌ، والعَرَقُ المِكْتَلُ، قَالَ: \" أينَ السَّائِلُ؟ \" فَقَالَ: أنا، قَالَ: \" خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ \" فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَواللهِ مَا بَيْنَ لابتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أهلُ بَيْتٍ أفقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيتي، فَضَحِكَ النبي - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ أَنيابُهُ، ثُمَّ قَالَ أطعِمْهُ أهلَكَ \".\nــ\nمجلسه فوجئوا برجل يدخل عليهم وهو سلمان بن صخر البياضي جاء يسأل النبي - ﷺ - عن فعلة وقع فيها فقال: هلكت يا رسول الله، أي وقعت في المعصية التي تؤدّي إلى الهلاك، فسأله - ﷺ - عما وقع له، فأجاب بأنه جامع أهله في رمضان، وفي مرسل ابن المسيب عن سعيد بن منصور أصبت امرأتي ظهرًا في رمضان، فقال له النبي - ﷺ -: \" هل تملك رقبة \" عبدًا أو أمة فتعتقه فيكون كفارة لك، أو هل لديك من المال ما تشتري الرقبة فتعتقها قال: لا، \" قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين \" أي متواليين \" قال: لا \" وفي رواية للبخاري \" قال: لا أقدر \" وفي رواية ابن اسحاق: \" وهل لقيت ما لقيت إلاّ من الصيام \" \" قال فهل تجد إطعام ستين مسكينًا، قال: لا \" وهكذا ذكر له النبي - ﷺ - أنواع الكفارة الثلاثة فأجاب بأنه لا يقدر على شيء منها، فأمره النبي - ﷺ - بالجلوس عنده، لينظر في أمره فبينما هو عنده جاء إلى النبي رجل من الأنصار بعرق قال: والعرق المكتل أي الزنبيل","vol":"3","page":218},{"text":"الكبير، فسأل عنه النبي - ﷺ -، ثم قال له: خذ هذا المكتل من التمر، فتصدق به على ستين مسكينًا يكون كفارة لك، \" فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي \" أي ليس هناك داخل حدود المدينة التي بين الحرتين من هو أفقر من أهل بيتي، فأنا أولى بهذه الصدقة من غيري، \" فضحك النبي - ﷺ - \" من حال هذا الرجل الذي جاءه خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها، فلما وجد الرخصة طمع أن يأكل ما أُعطيه من الكفارة \" ثم قال: أطعمه \" أهلك \" فأذن له أن يأكل كفارته وأن يتصدق بها نفسه. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب الكفارة على من جامع في رمضان عامدًا وهو قول عامة إلّا ما حكي عن الشعبي وابن جبير والنخعي أن عليه القضاء، أما المجامع ناسيًا فلا يفطر ولا كفارة عليه عند الجمهور لمفهوم حديث الباب، وقال أحمد: يفطر وعليه الكفارة، وقال مالك: يفطر وعليه القضاء. والحديث حجة لمن خصص الكفارة بالجماع عمدًا لقول السائل \" هلكت \" أي عصيت الله ولا معصية في النسيان.\nواختلفوا في المرأة، فقال مالك وأبو حنيفة عليها القضاء والكفارة، وعن الشافعي قولان وعن أحمد روايتان. ثانيًاً: أن الكفارة تكون بأحد الأنواع الثلاثة على الترتيب وجوبًا وهو مذهب الجمهور، خلافًا لمالك وأحمد في رواية، ولا تسقط بالإعسار وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافًا للجمهور والحديث حجة على عدم سقوطها، فإن تكرر الجماع في يوم واحد فالكفارة واحدة إجماعًا وإذا تكرر في يومين أو أيّام فلكل يوم كفارة. ثالثًا: أن من أنواع الكفارة إطعام ستين مسكينًا، لكل مسكين مد (١) عند المالكية والشافعية، وقال أحمد: مدٌّ من بُرّ أو نصف صاع من تمر أو شعير وقالت\n_________\n(١) \" المنهل العذب \" ج ١٠.","vol":"3","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-653>٦٠٢ - \" بَابُ الْحِجَامَةِ والْقَيءِ لِلصَّائِمِ </span>\"\n٦٩٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ:\n\"إِذَا قَاءَ فلا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ ولا يُوْلِجُ\".\n٦٩٩ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\n\"أن النبي - ﷺ - احْتَجَمَ، وهُو مُحْرِم، واحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ\".\nــ\nالحنفية: يجب لكل مسكين ما يجب في الفطرة وهو نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير. والمطابقة: في كون الحديث دل على كفارة الجماع وهو ما ترجم له البخاري.\n٦٠٢ - \" باب الحجامة والقيء للصائم \"\n٦٩٨ - تمهيد: هذا الحديث رواه البخاري موقوفًا على أبي هريرة ﵁ ورواه الأربعة كما قال العيني مرفوعًا من حديث هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \" من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض \" إلاّ أن الترمذي قال: إنه حديث حسن غريب (١) لا نعرفه إلاّ من حديث عيسى بن يونس، قال الحافظ في \" بلوغ المرام \" وقد قواه الدارقطني.\nمعنى الحديث: أن الصائم إذا غلبه القيء فخرج منه دون اختياره فإنه لا يفسد صومه لأن الصوم إنما يبطل بما يدخل إلى الجوف لا بما خرج منه، وهذا الذي وقع منه القيء \" إنما يخرج ولا يولج \" أي ولا يدخل شيئًا. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" إذا قاء فلا يفطر \".\n٦٩٩ - معنى الحديث: ظاهر، وهو أن النبي - ﷺ - احتجم حال إحرامه في حجة الوداع واحتجم حال صيامه أيضًا. الحديث: أخرجه\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١١.","vol":"3","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>٦٠٣ - \" بَابُ الصَّوْم في السَّفَرِ والإِفْطَار </span>\"\n٧٠٠ - عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ورضي الله عنهَا أن حَمزَةَ بْنَ عَمْروٍ الأسْلَمِيَّ قَالَ للِنَّبِيِّ - ﷺ -: أأصُومُ في السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصَيَّاَمِ، فَقَالَ: \" أن شِئْتَ فَصُمْ، وَإنْ شِئْتَ فَأفطِرْ \".\nــ\nالشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \"واحتجم وهو صائم\".\nفقه الحديثين: دل الحديث الأول على أن من غلبه القيء لا يفسد صومه، ولا قضاء عليه، وقد قام الإجماع على ذلك، أما الاستقاء فإنه مفطر بالإِجماع كما نقله ابن المنذر، ودل الحديث الثاني على جواز الحجامة للصائم، وهو مذهب الجمهور. والحديث دليل على نسخ الفطر بالحجامة، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة.\n٦٠٣ - \" باب الصوم في السفر والإفطار \"\n٧٠٠ - معنى الحديث: أن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ سأل رسول الله - ﷺ - هل أصوم رمضان في السفر أو أفطر فخيره النبي - ﷺ - بين الصيام والإِفطار معًا، قال له: \" إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر \"، أي فيجوز لك هذا وهذا. قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان، أي لم يصرح في حديث الباب أنه سأله عن صوم رمضان، فلا يكون فيه حجة على من منع صيام رمضان في السفر. وهذا صحيح بالنسبة إلى حديث الباب ولكن ورد التصريح بأنه سأله عن صوم رمضان في رواية أخرى حيث قال: \" قلت يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكرمه وأنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان، وأنا أجد القوة، وأنا شاب، فأجد بأن أصرم يا رسول الله أهون علي من أن أأخره فيكون دينًا،","vol":"3","page":221},{"text":"أفأصوم أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: \" أي ذلك شئت يا حمزة \" أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي. الحديث: أخرجه أيضًا الجماعة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث كما قال النووي على أن الصوم والفطر جائزان (١) في السفر لقوله - ﷺ - للسائل: \" إن شئت فصم وإن شئت فأفطر \" وأما احتمال أن يكون ذلك في غير صوم رمضان فإنه قد انتفى بالرواية الأخرى التي جاء فيها النص الصريح على أنّه سأله عن رمضان، حيث قال في سؤاله: ربما صادفني هذا الشهر -يعني رمضان- كما تقدم في الشرح، ولهذا قال الجمهور يجوز في السفر صوم رمضان وإفطاره معًا لحديث الباب، والصوم أفضل لمن يقوى عليه، لأن النبي - ﷺ - وابن رواحة صاما مع مشقة السفر وشدة الحرارة، كما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: \" خرجنا مع النبي - ﷺ - في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلاّ ما كان من النبي - ﷺ - وابن رواحة \" أخرجه الشيخان وأبو داود، فالحديث دليل على أن الصيام في السفر أفضل لمن قوي عليه والإِفطار أفضل لمن لم يقو عليه، ولا يقال: إن ذلك كان تطوعًا لما في رواية أخرى عن أبي الدرداء قال فيها: \" خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في بعض غزواته في شهر رمضان في حر شديد \" وقال بعض الظاهرية والشيعة: لا يجوز الصوم في السفر ولا يصح لقوله - ﷺ -: \" ليس من البر الصيام في السفر \" أخرجه الشيخان وأبو داود والبيهقي وحمل الشافعي نفي البر فيه على من أبى قبول الرخصة عند الشدة والمشقة وعدم القدرة على الصوم، وقال أحمد والأوزاعي: يجوز الأمران والفطر أفضل عملًا بالرخصة، كما في الحديث \" إن الله يجب أن تؤتي رخصة \" والمطابقة: في قوله: \" إن شئت فصم وإن شئت فافطر\".\n_________\n(١) أي إن صوم رمضان وفطره جائزان في السفر.","vol":"3","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-655>٦٠٤ - \" بَابٌ مَنْ مَات وعَلَيْهِ صَوْمٌ </span>\"\n٧٠١ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ مَاتَ وَعَليْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُْ وَلِيُّهُ \".\nــ\n٦٠٤ - \" باب من مات وعليه صوم \"\n٧٠١ - معنى الحديث: أن من لم يصم رمضان أو أيامًا منه لعذر من الأعذار الشرعية، ثم مات ولم يقض ما عليه من صوم ذلك الشهر أو أيام منه، فإنه يجوز لقريبه أن يصوم عنه، ويصح صيامه عنه، ويجزؤه، ويسقط عن الميت ذلك الفرض الذي عليه، يكون قضاؤه عنه بمنزلة قضائه هو عن نفسه كما جاء ذلك موضحًا في حديث، ابن عباس ﵄، قال: \" جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنّ أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدين الله أحق أن يُقضى \" أخرجه الستة، فقد جعل النبي - ﷺ - قضاء الصوم عن الميت بمنزلة قضاء الدين عنه، وقاسه عليه قياسًا أولويًا، حيث قال: \" فدين الله أحق أن يقضى \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز قضاء الصوم عن الميت بالصوم عنه، وهو مذهب الشافعي القديم (١)، وصوبه النووي، وقال الجمهور لا يصوم عنه وإنما يطعم عنه. والمطابقة: في قوله: \" صام عنه وليه \".\n_________\n(١) وعند الإمام أحمد لا يصام عن الميت إلا في النذر، لقول سعد بن عبادة: \" يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر \". فقيده بالنذر. (ع).","vol":"3","page":223},{"text":"٧٠٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nجَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أفأقْضِيَهِ عَنْهَا؟ قَالَ: \" نَعَمْ فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أن يُقْضَى \".\nــ\n٧٠٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر \" أي وفي ذمتها صوم شهر واجب عليها لم تصمه، يحتمل أنه من رمضان أو غيره، ويحتمل أنه نذر فقد جاء في رواية أخرى أنه قال: \" وعليها صوم نذر \" \" أفأقضيه عنها \" أي هل يجزىء القضاء عنها؟ وهل إذا صمت بدلًا عنها ينفعها ذلك ويسقط عنها الصوم الذي لم تصمه؟ \" قال: نعم \" اقض عنها صومها، فإنك إن فعلت ذلك سقط عنها، ثم ضرب له النبي - ﷺ - على ذلك مثلًا بالدين وقضائه عن الميت، فقال - كما في رواية مسلم: \" لو كان على أمّك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم \" \" قال: فدين الله أحق أن يقضى \" أي إذا كان دين الناس يمكن قضاؤه ويجزى عن الميت فدين الله الذي هو الصوم أولى بالقضاء وقبوله. قال العيني: تقدير الكلام حق العبد يقضى فحق الله أحق. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز قضاء الصوم عن الميت، وقبوله عنه، وانتفاعه بذلك الصوم، وقد تقدم شرحه. ثانيًا: ترغيب أقارب الميت وحثُّهم على قضاء الحقوق التي عليه سواء كانت من حقوق الله كالصوم والحج وغيره، أو من حقوق الناس كالديون، لأن الرجلَ عندما سأل عن قضاء الصوم عن أمه قال: نعم، فحثه على قضائه، ثم ضرب له مثلًا بقضاء الديون عن الميت، وفيه ترغيب في قضائه، وقد قيده الإِمام أحمد بالنذر. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" نعم \".","vol":"3","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>٦٠٥ - \"بَابٌ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ</span>؟ \"\n٧٠٣ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِذَا أقْبَلَ اللَّيْلُ منْ هَا هُنَا، وأدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أفْطر الصَّائم \".\nــ\n٦٠٥ - \" باب متى يحل فطر الصائم \"\n٧٠٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس \" أي إذا جاء الليل (١) من جهة المشرق، وذهب النهار (٢) من جهة المغرب، وغابت شمس ذلك اليوم بسقوطها في الأفق، \" فقد أفطر الصائم \" أي، فقد حان وقت الإِفطار من الصوم، قال ابن خزيمة: لفظهُ خبر، ومعناه الأمر، أي فليفطر الصائم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الإِفطار من الصوم عند غروب الشمس، وأن غروبها يتحقق بأحد أمور ثلاثة يُعْرَفُ انقضاء النهار برؤية بعضها (٣)، وهي رؤية ظلام الليل بالمشرق، وذهاب ضوء النهار بالمغرب، ومشاهدة مغيب الشمس، ورؤية قرصها يحتجب وراء الأفق وهو أقواها ولا يحتاج بعده لدليل آخر. ثانيًا: أمر النبي - ﷺ - للصائمين بالإِفطار فورًا عند غروب الشمس مباشرة، وهذا يدل على استحباب تعجيل الفطر، وسيأتي بيانه. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة.\n_________\n(١) أي جاءت ظلمة الليل.\n(٢) أي وذهب ضوء النهار.\n(٣) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١١.","vol":"3","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>٦٠٦ - \" بَابُ تعْجِيلِ الإِفْطَارِ </span>\"\n٧٠٤ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄:\nأن رسول الله - ﷺ - قَالَ: \" لا يَزَالُ النَّاس بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطر \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>٦٠٧ - \" بَاب إِذا أفْطَرَ في رَمَضَانَ ثُمَّ طَلعَتِ الشَّمْسُ </span>\"\n٧٠٥ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ:\n\"أفْطرنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ غَيْم ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ قِيلَ\nــ\n٦٠٦ - \" باب تعجيل الإِفطار \"\n٧٠٤ - معنى الحديث: يحدثنا سهل بن سعد ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - قال: \" لا يزال الناس بخير \" أي لا يزال المسلمون على خير وحق وهدى من الله متمسكين بسنة نبيهم، واقفين عند حدوده، غير مبدلين ولا مغيّرين \" ما عجلوا الفطر \" أي مدة تعجيلهم بالإفطار من صومهم عند غروب شمس يومهم مباشرة، لما في ذلك من المبادرة إلى قبول الرخصة من الله تعالى. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب تعجيل الفطر عند تحقق غروب الشمس مباشرة، لئلا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى في قبول الرخصة، وشكر النعمة. قال الشافعي في \" الأم \" تعجيل الفطر مستحب، ولا يكره تأخيره إلاّ لمن تعمد ذلك، ورأى الفضل فيه. والمطابقة: في تعليق الخير وارتباطه بتعجيل الفطر.\n٦٠٧ - \" باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس \"\n٧٠٥ - معنى الحديث: تقول أسماء ﵂: \"أفطرنا على","vol":"3","page":226},{"text":"لِهِشَام: أفَأمِرُوا بِالْقَضَاء؟ قَال: لَا بُدَّ مِنْ قَضاءٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>٦٠٨ - \" بَابُ التَّنكِيلِ لِمَنْ أكْثرَ الْوِصَالَ </span>\"\n٧٠٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nنَهَى النبي - ﷺ - عنِ الوِصَالِ في الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنَ\nــ\nعهد النبي يوم غيْم\" أي احتجبت الشمس بالغيوم فظنوا أنّه قد غربت الشمس لانتشار الظلام فأفطروا، \" ثم طلعت الشمس \" أي ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس فعلمنا أننا أفطرنا قبل الغروب، \" قيل لهشام \" أي فسئل هشام \" فأمروا بالقضاء \" أي: هل أمروا بقضاء ذلك اليوم؟ \" قال: لا بد من قضاء \" أي نعم أمروا بالقضاء ولا سبيل لتركه. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من أفطر قبل الغروب ظنًا منه أنّ الشمس قد غربت يجب عليه القضاء دون الكفارة، وهو مذهب الجمهور حيث قالوا: يمسك بقية يومه، ويقضي يومًا آخر مكانه، وعن شعيب بن عمرو الأنصاري قال: أفطرنا أنا وأبي مع صهيب في شهر رمضان في يوم غيم فبينما نحن نتعشى إذ طلعت الشمس، فقال صهيب: طعمة الله أتموا صيامكم واقضوا يومًا مكانه، وروي ابن أبي شيبة عن عمر ترك القضاء مكانه. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٦٠٨ - \" باب التنكيل لمن أكثر الوصال \"\n٧٠٦ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: \" نهى النبي - ﷺ - عن الوصال \" أي نهى أمته رحمة ورفقًا بهم عن مواصلة الصوم يومين بترك الطعام ليلًا ونهارًا قصدًا وعمدًا فإن أمسك اتفاقًا فلا يعد وصالًا \"فقال له رجل:","vol":"3","page":227},{"text":"الْمُسْلِمينَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: \" وأيكُمْ مِثْلِي إِنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ \" فَلَمَّا أبَواْ أنْ يَنْتَهُوا عن الْوِصَالِ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًَا ثُمَّ يَوْمًا، ثمَّ رَأوا الْهِلالَ فَقَالَ: \" لَوْ تَأخرَ لَزِدْتُكُمْ \" كالتنكِيل لَهُمْ حِينَ أبوا أن يَنْتَهُوا.\nــ\nإنك تواصل\" أي فكيف تنهانا عن شيء تفعله وقد أمرتنا باتباع سنتك؟ \" قال: وأيكم مثلي؟ \" وهو استفهام بمعنى النفي، أي ليس الأمر كما تظنون، فإن الوصال لم يشرع لكم، وإنما هو خصوصية من خصوصيات نبيكم، فلا تقيسوا أنفسكم عليَّ، فإنكم لستم مثلي، ولا تقدرون على ما أقدر عليه، وفي رواية \" إني لست كهيئتكم \" \" إني أبيت يطعمني ربي ويسقين \" أثناء الليل ويمدني بالطعام والشراب فيه، أو يعطيني قوة الأكل والشرب فيه، وبذلك يمكنني من مواصلة الصيام دون إعياء، ويُحتمل أنه أراد به حقيقة الأكل والشرب. وأنه - ﷺ - كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله تعالى كرامة له في ليالي صيامه، ولا يقال إن هذا الاحتمال يضعفه قولهم: إنك تواصل، وكونه يؤتى بالطعام والشراب ليلًا ينافي الوصال، لأنّ هذا الإِطعام والاسقاء من باب الكرامة، ولا تجري عليه أحكام المكلفين. \" قال \" \" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال \" أي تمادوا عليه \" واصل بهم \" أي استمر النبي - ﷺ - بهم على مواصلة الصوم يومين \" ثم رأوا الهلال \" أي هلال شوال، \" فقال - ﷺ -: لو تأخر لزدتكم \" أي ليته تأخر هلال شوال حتى أزيد في عدد أيام الوصال، \" كالتنكيل لهم \" أي قال ذلك زجرًا وتأديبًا لهم، حيث كلفوا أنفسهم ما لا يطيقون، ولذلك قال لهم كما في رواية أخرى: \" فاكْلَفُوا من العمل ما تطيقون \". الحديث: أخرجه الشيخان.\nويستفاد منه: كراهية الوصال، وهو مذهب الجمهور حيث حملوا النهي","vol":"3","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-660>٦٠٩ - \" بَابُ صَوْمِ شَعْبَانَ </span>\"\n٧٠٧ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \" كانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطرُ، وَيُفْطِرُ حتى نَقوْلَ لا يَصُومُ، فما رَأيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صيامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأيتُهُ أكْثَرَ صِيامًا مِنْهُ في شَعْبَانَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>٦١٠ - \" بَابُ حَقِّ الْجِسْمِ في الصَّوْمِ </span>\"\n٧٥٨ - عَنْ عَبْدِ الله بْن عَمْرِو بْنِ العَاص ﵄ قَال:\nقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا عَبْدَ اللهِ ألمْ أُخْبَرْ أنكَ تَصُومُ النَّهَارَ\nــ\nعلى الكراهة لأن النبي - ﷺ - واصل بالصحابة كما في حديث الباب، ولو كان حرامًا لما واصل بهم، ذهب ابن حزم إلى أن النهي للتحريم، وصححه ابن العربي من المالكية. والمطابقة: في قوله: \" كالمنكل لهم \".\n٦٠٩ - \" باب صوم شعبان \"\n٧٠٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يصوم أحيانًا أيامًا كثيرة من الشهر حتى نظن أنه سيصوم الشهر كله، أحيانًا يفطر أيامًا كثيرة حتى نظن أنه لن يصوم منه شيئًا، ولكنه - ﷺ - لم يصم شهرًا كاملًا سوى رمضان، وما رأيته صام في شهر من السنة أكثر من شعبان \" باستثناء رمضان طبعًا \" الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يستحب الإكثار من الصوم في شعبان. والمطابقة: في قولها: \" وما رأيته أكثر منه صيامًا في شعبان \".\n٦١٠ - \" باب حق الجسم في الصوم \"\n٧٠٨ - معنى الحديث: أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يصوم","vol":"3","page":229},{"text":"وَتَقُومُ اللَّيْلَ\" فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \" فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وأفْطِرْ، وَقُمْ ونَمْ، فَإِنْ لِجَسَدِكَ عَلَيكَ حَقًَّا، وِإنْ لِعَيْنكَ عَلَيْكَ حَقًا، وِإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيكَ حَقًَّا، وِإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًَّا، وِإن بحسبك أن تَصُومَ من كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيَّام، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثَالِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ \" فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَليَّ، قْلْتُ: يا رسُولَ اللهِ إني أجِدُ قوةً، قَالَ: \" فَصُمْ صِيَامَ نِبِّي اللهِ دَاوُدَ ﵇، ولا تَزِدْ \" قُلت: وَمَا كَانَ صِيَام نَبيِّ اللهِ دَاود؟ قَالَ: \" نِصْفَ الدَّهْرِ \" وكان عَبْدُ اللهِ يَقُولُ بَعْدَمَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِى قَبِلْت رخْصَةَ النَّبِيِّ - ﷺ - \".\n_________\nالدهر ويقوم الليل كله، وكان أبوه قد زوجه بامرأة ذات حسب، وكان يتعاهدها فيسألها عن زوجها، فتقول، نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا كناية عن أنه لا يباشرها، وذلك لانشغاله طول حياته بالصيام والقيام، فذهب أبوه إلى النبي - ﷺ - وأخبره بحاله، فاستدعاه النبي - ﷺ - وقال: لقد سمعت وأُخبرت بأنك تصوم الدهر وتقوم الليل كله، قال: نعم، فعلت ذلك، فنهاه النبي - ﷺ - عن ذلك، لأن الله قد أوجب عليه حقوقًا جسمية واجتماعية لا بد أن يؤديها، فحق الجسم أن يعطيه نصيبه من النوم والراحة، وحق الزوجة أن يجعل لها وقتًا لمعاشرتها ومباشرتها، وحق الزائر أو الضيف أن يستقبله ويكرمه، ويؤانسه فإذا أعطى للعبادة وقته كله قصر في أداء هذه الحقوق الأخرى، وهي واجبة، ولذلك نصحه أن يقتصر في الصوم على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وله عن كل حسنة عشر أمثالها، فالثلاثة الأيام تحسب عند الله ثلاثين يومًا، فيكون قد صام الدهر والأيام كلها، فقال عبد الله: إني أستطيع أكثر من ذلك، فقال له النبي: صم صيام داود ﵇، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأثنى النبي - ﷺ - على هذا النوع","vol":"3","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-662>٦١١ - \" بَاب مَنْ زارَ قَوْمًا لَمْ يُفطِرْ عِنْدَهُمْ </span>\"\n٧٠٩ - عن أنَس ﵁ قَالَ:\nدَخَلَ النبي - ﷺ - عَلَى أمِّ سُلَيم فأتَتْهُ بِتَمرٍ وَسَمْن، قَالَ: \" اعِيدُوا سَمْنَكُمْ في سِقَائِهِ، وتَمْرَكُمْ في وعَائِهِ فإِنِّي صَائِمٌ \"، ثُمَّ قَامَ إلى نَاحِيَةٍ\nــ\nمن الصيام فقال كما في رواية أخرى: \" وهو أعدل الصيام، قال فقلت إني أطيق أفضل من ذلك: فقال رسول الله - ﷺ -: لا أفضل من ذلك \" (١) أخرجه الستة وإنما وصفه - ﷺ - بالأفضلية لأنّه يمكن صاحبه من أداء حق الله وحق نفسه وحق المجتمع عليه. والمطابقة: في قوله: \" إن لجسدك عليك حقًا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الواجب على المسلم أن يراعي في صيام التطوع جسمه ونفسه، ولا يسترسل في الصيام فَيُقْصِّرُ في حقوق أخرى دينية ونفسية واجتماعية ولهذا رغبه - ﷺ - أن يقتصد في صيامه وقيامه، وبين له أن أفضل الصيام وأعدله صيام داود، ويليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقد تبين لعبد الله بن عمرو قدر هذه النصيحة الغالية عندما كبر سنه، ووهن جسمه، وعجز عن الصيام الذي كان يصومه والقيام الذي كان يقومه أثناء شبابه، وتمنى لو قبل رخصة النبي - ﷺ - واستجاب لنصيحته. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي بألفاظ.\n٦١١ - \" باب، من زار قومًا فلم يفطر عندهم \"\n٧٠٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - زار يومًا أم سليم، فقدمت له طعامًا من سمن وتمر تكريمًا له، فاعتذر لها أنه كان صائمًا صيام تطوع، ثم تنحى إلى جهة من البيت فصلى ركعتين تطوعًا، ودعا لها ولأهل بيتها،\n_________\n(١) \" سنن أبي داود وشرحه المنهل العذب \" ج ١٠.","vol":"3","page":231},{"text":"مِنَ البيتِ فَصَلَّى غَيرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لأم سُلَيمْ وأهْلِ بَيْتهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْم: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّ لي خُوَيْصةً، قَالَ: \" مَا هِيَ؟ \" قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ فما تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلا دُنيا إِلَّا دَعَا لي بِهِ، قَالَ - ﷺ -: \" اللهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ \" فإِنِّي لَمِنْ أكْثَرِ الأنصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنتِي أمَيْنَةُ أنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ الحَجَّاجِ بِضْع وَعِشْرُونَ وَمِائَة.\nــ\nفقالت يا رسول الله: لي إليك حاجة خاصة أسألك قضاءها، فسألها عن حاجتها، فقالت له: \" خادمك أنس \" تريد استعطافه عليه، ثم سألته أن يدعو له، فدعا له - ﷺ - دعاء يجمع بين خير الدنيا والآخرة فقال: \" اللهم ارزق مالًا وولدًا، وبارك له \" وفي رواية ابن سعد: \" اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره واغفر ذنبه \" \" قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالًا وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج \" أي عند قدوم الحجاج إلى البصرة، وذلك سنة خمس وسبعين \" بضع وعشرون ومائة \" هؤلاء الذين ماتوا من أولاده، وأما الذين بقوا ففي رواية اسحق بن أبي طلحة عن أنس \" أن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة \" ولهذا قال ﵁: \" فدعا في رسول الله - ﷺ - بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة \" (١) أخرجه مسلم، ولم يبين الثالثة وهي المغفرة كما تقدم لنا في حديث ابن سعد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنّ الصائم المتطوع إذا حلّ ضيفًا على أحد، فقدم له طعام له أن يفطر، وله أن يستمر بالصوم، وإنما يندب ويستحب له أن يصلي ويدعو لهم، فإن أفطر فعليه القضاء كما قال مالك\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٤.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-663>٦١٢ - \" بَاب صوْم الْجمعَةِ فَإذَا أصْبَحَ صَائِمًَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فعَلَيْهِ أن يفْطِرَ </span>\"\n٧١٠ - عن جوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (١) ﵂:\n\" أنَّ النبي - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهي صَائِمَة، فَقَالَ: أصُمْتِ أمْسِ؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: ترِيدينَ أنْ تَصومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: فأفْطرِي \".\nــ\nوأبو حنيفة، خلافًا لغيرهم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٦١٢ - \" باب صوم الجمعة، فإذا أصبح صائمًا يوم الجمعة فعليه أن يفطر \"\n٧١٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - دخل يوم الجمعة على أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، ﵂ وهي صائمة صيام تطوع، فسألها ْهل صمت يومًا قبله؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي اليوم الذي بعده؟ قالت: لا، فأمرها - ﷺ - بالإِفطار، لأن إفراد يوم الجمعة وتخصيصه بالصيام منهي عنه شرعًا، كما في حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلّا أن يصوم قبله أو يصوم بعده\" أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي والترمذي، والحكمة في النهي عن صيامه وحده على أرجح الأقوال، كونه يوم عيد والعيد لا يصام كما جاء مصرحًا بذلك\n_________\n(١) جويرية: هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سباها النبي - ﷺ - في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق، وكانت قبله تحت مسافح بن صفوان المصطلقي، وقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى عنها النبي - ﷺ - ثم أعتقها وتزوجها، وكان اسمها برة، فغيره النبي - ﷺ - وسماها جويرية. ماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ولها خمس وستون سنة.","vol":"3","page":233},{"text":"٧١١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" لا يَصُومَنَّ أحَدكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ \".\nــ\nفي رواية أخرى عن أبي هريرة مرفوعًا: \" يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده \" (١) أخرجه الحاكم.\nالحديث: أخرجه أيضًا أحمد وأبو داود (٢) مطابقة الحديث للترجمة: في قوله: \" فأفطري \".\n٧١١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة: \" سمعت النبي - ﷺ - يقول: لا يصومن \" بنون التوكيد، وفي رواية لا يصوم بدون نون، وهو نَفْي المراد به النهي لا يصومن \" أحدكم يوم الجمعة إلاّ يومًا قبله أو بعده \" أي لا يجوز لأحد من المسلمين سواء كان ذكرًا أو أنثى أن يصوم يوم الجمعة تطوعًا إلاّ أن يصوم (٣) يومًا قبله أو يومًا بعده، وقد ورد الحديث بلفظ النهي الصريح في رواية أخرى حيث قال - ﷺ -: \" لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلّا أن يصوم قبله أو يصوم بعده \" أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة. مطابقة الحديث للترجمة: في كونه دليلًا عليها.\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز إفراد يوم الجمعة وحده بالصيام، لأنه - ﷺ - نهى المسلمين عن صومه إلاّ إن يصوموا يومًا قبله أو بعده، وأمر جويرية بالإِفطار حين أفردته بالصوم، وقد ورد النهي الصريح عن تخصيصه بالصوم في حديث أبي هريرة ﵁ حيث\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٣.\n(٢) أيضًا \" تحفة الأحوذي \" ج ٣.\n(٣) أي إلا بشرط أن يصوم يوم الخميس قبله أو يوم السبت بعده.","vol":"3","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>٦١٣ - \" \"بَابٌ هَلْ يَخُصُّ شيئًا مِنَ الأيَّامِ </span>\"\n٧١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّهَا سُئِلَتْ هَلْ كانَ رسُولُ اللهِ - ﷺ - يَخُصُّ مِنَ الأيَّامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لا، كَانَ - ﷺ - عَمَلُهُ دِيمَةً، وأيُّكُمْ يُطِيقُ مَاَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُطِيقُ \".\nــ\nقال - ﷺ -: \" لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا يوم الجمعة بصوم من بين الأيّام إلاّ أن يكون، في صوم يصومه أحدكم \" أخرجه مسلم، ولهذا ذهب ابن حزم إلى تحريم صيامه وحده، وقال الشافعية والحنابلة يكره، وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز صومه مطلقًا، لما جاء في حديث ابن مسعود ﵁: \" أنه - ﷺ - قلما كان يفطر يوم الجمعة \" أخرجه الترمذي (١)، وقال مالك في \" الموطأ \": لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن. اهـ.\n٦١٣ - \" باب هل يَخصُّ شيئًا من الأيّام \"\nأي هذا باب نذكر فيه هل من المشروع أن يخص الشخص شيئًا من الأيّام بالصيام، ويواظب عليه دائمًا، ويلتزم به التزامه بالفرائض بحيث لا يتركه أبدًا أم لا؟\n٧١٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ \" سئلت \" أي سألها علقمة راوي الحديث، فقال لها: \" هل كان رسول الله - ﷺ - يخص من الأيّام شيئًا؟ قالت: لا \" قال العيني: معناه، أنه كان - ﷺ - لا يخصُّ شيئًا من الأيام دائمًا، ولا راتبًا، إلاّ أنه كان أكثر صيامه في شعبان وقد\n_________\n(١) قال الحافظ: وليس بحجة، لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعًا بين الحديثين. (ع).","vol":"3","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>٦١٤ - \" بَابُ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ </span>\"\n٧١٣ - عَنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنَ أزْهَرَ قَالَ:\nشَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: \"هَذَانِ\nــ\nحَضَّ على صوم الإِثنين والخميس، لكن صومه على حسب نشاطه، فربما وافق الأيام التي رغب، وربما لم يوافقها \" كان عمله ديمه \" بكسر الدال وسكون الياء، أي دائمًا لا ينقطع، ومن ذلك قيل للمطر الذي يدوم ولا ينقطع أيامًا الديمة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ظاهر هذا الحديث أن النبي - ﷺ - ما كان يخص بعض الأيام من الشهر بالصيام، قال الشرقاوي: ويشكل عليه (١) صوم الاثنين والخميس الوارد عند أبي داود والترمذي والنسائي، وصححه ابن حبان، وأجاب في \" فتح الباري \" باحتمال أن يكون المراد بالأيّام المسؤول عنها الثلاثة من كل شهر، فكان السائل لم سمع أنه - ﷺ - كان يصوم ثلاثة أيام سأل عائشة هل كان يخصها بالبيض قالت: لا. \" ويحتمل \" أنه - ﷺ - كان لا يواظب على صيام شيء من الأيام دائمًا وأبدًا، أو يلتزم بصيامه التزام الفرائض، بحيث لا يتركه أبدًا، وإنما كان يصوم بعض الأيّام غالبًا، ويترك صيامه أحيانًا وهو ما أشار إليه العيني. ثانيًاً: استدل به بعض أهل العلم على أنّه يكره أن يتحرى بصيامه يومًا معينًا من الأسبوع قلت: ولكن يستثنى من ذلك الاثنين والخميس، لورود النص فيها. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٦١٤ - \" باب صوم يوم الفطر \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حكم صيام اليوم الأوّل\n_________\n(١) \" فتح المبدي شرح مختصر البخاري \" للزبيدي ج ٢.","vol":"3","page":236},{"text":"يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ صِيَامِهِمَا، يَوْمُ فِطركُمُ مِنْ صِيَامِكُمْ، واليَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>٦١٥ - \" بَابُ صِيَامَ أَيام التَّشْرِيقَ </span>\"\n٧١٤ - عَنْ عَائِشَةَ وابنِ عُمَرَ ﵃ قَالا:\n\" لَمْ يُرَخِّصِ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ \".\nــ\nمن عيد الفطر، قال العيني: ولم يصرح بالحكم اكتفاءً بالحديث.\n٧١٣ - معنى الحديث: يقول أبو عبيد مولى ابن أزهر. \" شهدت العيد \" أي حضرت صلاة عيد الأضحى، لما جاء في الرواية الأخرى \" يوم الأضحى \" \" مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: \" أي قال في خطبته كما يدل عليه السياق \" هذان يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما \" نَهيَ تحريم \" يوم فطركم من صيامكم واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم \" أي واليومان اللذان حرم عليكم صومهما أحدهما يوم عيد الفطر \" وثانيهما \" اليوم الأول من أيام عيد النحر الذي تأكلون فيه من ضحاياكم. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم صومهما يوم الفطر ويوم الأضحى، لأن الأول منهما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس، من صيامهم، فيجب عليهم إفطاره، ويحرم عليهم صيامه، وأمّا الثاني فيحرم صيامه لأن الله قد شرع للناس ضحاياهم، وسن لهم نبيه - ﷺ - الأكل منها في هذا اليوم، فكيف يعارضون ذلك بالصوم. والمطابقة: في قوله: \" هذان يومان نهى رسول الله - ﷺ - عن صيامهما \".\n٦١٥ - \" باب صيام أيام التشريق \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حكم صيام أيام التشريق","vol":"3","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-667>٦١٦ - \" بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ </span>\"\n٧١٥ - عنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَالَ:\n\"قَدِمَ النبي - ﷺ - الْمَدينَةَ، فَرَأى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ:\nــ\nاستنادًا إلى ما يذكر في الحديث.\n٧١٤ - معنى الحديث: تقول عائشة وابن عمر ﵃:\n\" لم يرخص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ \" أي لم يأذن النبي - ﷺ - لأحد من المسلمين ذكرًا أو أنثى في صيام أيام التشريق \" وهي الثلاثة الأيام التي تلي يوم النحر \" \" إلاّ لمن لم يجد الهدي \" أي لم يأذن في صيامهما إلاّ لمتمتع أو قارن لم يقدر على هدي النُّسُك، ولم يستطع الذبح، فإن له أن يصوم أيام التشريق ضمن الأيام العشرة التي عليه لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ). الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز صيام أيّام التشريق إلّا لمتمتع لم يجد الهدي، ولم يصم الثلاثة الأيام في عشر ذي الحجة، فيجوز له صيامها ضمن العشرة التي عليه، وهو مذهب مالك والأوزاعي والشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز صيامها مطلقًا: وهو مشهور مذهب الشافعية لحديث سعد بن أبي وقاص، قال: \" أمرني النبي - ﷺ - أن أنادي أيام منى أنها أيام أكل وشرب ولا صوم فيها \" أخرجه أحمد. وأجاز أصحاب الشافعي صيامها فيما له سبب من نذر أو كفارة أو قضاء، وهو نظير الأوقات المنهي عنها. اهـ. كما نقله المحاملي والسرخسي. والمطابقة: في قوله: \" لم يرخص النبي - ﷺ - في أيام التشريق \".\n٦١٦ - \" باب صيام يوم عاشوراء \"\n٧١٥ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \"قدم","vol":"3","page":238},{"text":"مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هذَا يَوْم نَجى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى: قَالَ: فَأنَا أحَقُّ بموسى (١) مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأمَرَ بِصِيَامِهِ\".\nــ\nالنبي - ﷺ - المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء\" أي لما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، وهو اليوم العاشر من محرم \" فقال: ما هذا؟ \" أي فسأل عن سبب صيامهم لهذا اليوم، \" قالوا: هذا يوم صالح \"، أي هذا يوم مبارك مليء بالأحداث والذكريات التاريخية العظيمة أنعم الله علينا فيه بنعمة كبرى حيث \" نجّى الله بني إسرائيل \" في هذا اليوم \" من عدوهم \": فرعون وقومه، فأغرقهم في البحر، كما قال تعالى في سورة الشعراء: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ) \" فصامه موسى \" وفي رواية مسلم: \" فصامه موسى شكرًا لله تعالى \" وفي رواية أبي داود \" ونحن نصومه تعظيمًا له \" \" فصامه \" النبي - ﷺ - شكرًا لله تعالى على نجاة موسى من الغرق ومن عدوه \" وأمر بصيامه \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فصامه وأمر بصيامه \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل يوم عاشوراء، وأنه يوم مبارك يُسَنُّ صيامه لأن النبي - ﷺ - صامه وأمر بصيامه، وأقل مقتضيات الأمر السنية والاستحباب وعن أبي قتادة ﵁ مرفوعًا: \" صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله \" أخرجه مسلم.\n...\n_________\n(١) أي أنا أقرب إلى موسى منكم.","vol":"3","page":239},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-668> كتاب صلاة التراويح </span>\"\nوصلاة التراويح: إنما سميت بذلك لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وأطلق عليها ذلك في عصر الخلفاء الراشدين، وقد كانت تعرف في عصر النبوة بقيام الليل. قال في \" فقه السنة \": قيام رمضان أو صلاة التراويح سنة للرجال والنساء، تؤدَّى بعد صلاة العشاء، وقبل الوتر ركعتين ركعتين، وليس في القراءة فيها شيء محدود، وقد ورد عن السلف أنهم كانوا يقرأون المئين، ويعتمدون على العصي من طول القيام، ولا ينصرفون إلاّ قبل بزوغ الفجر، فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطَّلع عليهم، وكانوا يقرأون بسورة البقرة في ثماني ركعات. وقال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفّ على الناس ولا يشق عليهم، وقال القاضي: لا يستحب النقصان عن ختمة ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة عليهم. أما عدد ركعاتها التي كان النبي - ﷺ - يصليها فقد قالت في أصح الروايات عنها \" كان يصلي عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة \" أخرجه مسلم فإذا استثنينا الوتر وركعتي الفجر، يكون ما يصليه النبي - ﷺ - ثماني أو عشر ركعات. وأما ما رواه ابن أبي شيبة من أنه كان يصلي عشرين ركعة فإسناده ضعيف (١). وهكذا كان القيام على عهد النبي - ﷺ - فلما كان عهد عمر وعثمان صاروا يصلونها عشرين ركعة كما في\n_________\n(١) \" المنهل العذب \" ج ٧.","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>٦١٧ - \" بَابُ فضلِ قِيامِ رَمَضَانَ </span>\"\n٧١٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ \" قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، فَتُوفِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ - والأمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثمَّ كَانَ الأمْرُ عَلَى ذَلِكَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ، وَصَدْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ ﵄.\nــ\nحديث السائب بن يزيد، قال: \" كانوا يقومون على عهد عمر بعشرين ركعة، وعلى عهد عثمان وعلي مثله \"، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما. اهـ. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية.\n٦١٧ - \" باب فضل من قام رمضان \"\n٧١٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا \" قال النووي: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. اهـ. أي من أحيا ليالي رمضان بالعبادة وأهمها صلاة التراويح إيمانًا وتصديقًا بما وعد الله به القائمين وانتظارًا للأجر والمثوبة عند الله تعالى وابتغاءً لمرضاته \" غفر له ما تقدم من ذنبه \" أي: كان قيامه هذا سببًا في غفران ذنوبه السابقة واللاحقة، لما جاء في رواية أخرى \" غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر \" (١) \" فتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك \" أي والصحابة طيلة حياته - ﷺ - يصلون التراويح فرادى، لا يجمعهم إمام، \" ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر \" أي وما زالوا يصلّون متفرقين في عهد أبي\nــ\n(١) انظر ما قاله الحافظ في الفتح حول هذا الحديث. (ع).","vol":"3","page":241},{"text":"بكر، وأول خلافة عمر، ثم جمعهم عمر ﵁ على إمام واحد.\nالحديث: أخرجه الجماعة والبيهقي ومالك في \" الموطأ \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - شرع للناس صلاة التراويح، وحثهم عليها، فاستجابوا لدعوته، وأدوها في عهده متفرقين منفردين في بيوتهم -غالبًا- قال الحافظ: في قوله \" والأمر على ذلك \" أي على ترك الجماعة. اهـ. ولم يكن النبي - ﷺ - جمع الناس على القيام كما في رواية أحمد عن الزهرى واستمر الأمر على ذلك إلى أول خلافة عمر ﵁، ثم جمعهم عمر ﵁ على أبي بن كعب، فصلّى بهم في المسجد جماعة، فخرج ليلة والناس يصلون خلفه فَسُرَّ بذلك. وقال: \" نِعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون \" يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله كما في البخاري. ثانيًاً: الترغيب في إحياء ليالي رمضان بالعبادة وقراءة القرآن، والتأكيد على استحباب صلاة التراويح، لأن النبي - ﷺ - جعل قيام رمضان سببًا في غفران الذنوب، والمراد بقيام رمضان كما قال النووي: صلاة التراويح، قال ابن قدامة: وهي سنة مؤكدة، وأول من سنّها رسول الله - ﷺ -، قال أبو هريرة: كان رسول الله - ﷺ - يرغِّب في صلاة الليل من غير أن يأمر بعزيمة وهي سنة ثابتة عن النبي - ﷺ -، وقد فعلها أصحابه في حياته، وأثنى عليهم، وصوب ما صنعوا كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: \" خرج رسول الله - ﷺ - فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء قوم ليس معهم قرآن وأُبي بن كعب يؤمهم وهم يصلون بصلاته، فقال النبي - ﷺ -: أصابوا، ونعم ما صنعوا \" أخرجه أبو داود وفي إسناده مسلم بن خالد وهو صدوق كثير الأوهام (١) وفيه دليل على أن الأفضل لغير القارىء أن يصلي التراويح\n_________\n(١) وأخرجه البيهقي أيضًا عن ثعلبة بن أبي مالك وقال: إسناده جيد. انظر \" التقريب \" لابن حجر.","vol":"3","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>٦١٨ - \" بَابُ فضلِ لَيلةِ الْقَدرِ </span>\"\n٧١٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ\nــ\nمأمومًا بخلاف القارىء، فإن الأفضل في حقه الانفراد (١). وقال الجمهور: صلاة التراويح جماعة في المسجد أفضل منها في المنازل (٢) وقالت المالكية أداء صلاة التراويح في البيت أفضل من أدائها في المسجد، وهو قول بعض الحنفية، وذلك لقوله - ﷺ - في حديث زيد بن ثابت \" فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة \" فدل ذلك على أن صلاة التراويح في البيت أفضل إلا أن يكون آفاقيًا أو لا ينشط لفعلها في بيته فأداؤها في المسجد أفضل، قال مالك في \" المدونة \": قيام الرجل في بيته في رمضان أحب إليّ لمن قوي عليه، وليس كل الناس يقوى على ذلك (٣) وقال أبو يوسف وبعض الشافعية: الأفضل صلاتها فرادى. واستدل الجمهور على أن الجماعة فيها أفضل بأن ذلك هو ما فعله عمر ووافقه عليه أصحاب رسول الله، واستمر عمل المسلمين عليه، فكان ذلك إجماعًا من الصحابة على أفضلية الجماعة في صلاة التراويح، ولذلك قال أحمد: يعجبني أن يصلي مع الإِمام ويوتر معه. الحديث: أخرجه أيضًا الجماعة والبيهقي ومالك في \" الموطأ \". والمطابقة: في قوله: \" غفر له ما تقدم من ذنبه \".\n٦١٨ - \" باب فضل ليلة القدر \"\n٧١٧ - معنى الحديث: أشاد النبي - ﷺ - في هذا الحديث بفضل ليلة\n_________\n(١) وهو مذهب الشافعي، قال: الترمذي واختار الشافعي أن يصلّي وحده إذا كان قارئًا.\n(٢) \" شرح المنهل العذب على سنن أبي داود \" ج ٧.\n(٣) \" شرح الإكليل \" للعبدري على \" متن خليل \".","vol":"3","page":243},{"text":"مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ\".\nــ\nالقدر ونوّه بشأنها، وهي الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن الكريم إلى السماء الدنيا كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وسمّاها ليلة القدر لعظم شأنها وعلو قدرها، ولأنها ليلة مباركة ذات منزلة عظيمة، وقدر رفيع، شرفها الله بنزول القرآن، فكانت أشرف الليالي، لأن الأزمنة تشرف وتعظم بما يقع فيها من أحداث جليلة، وقد أنعم الله على عباده في هذه الليلة بنزول القرآن الذي هدى الله به البشرية إلى ما فيه سعادتها وخيرها ونجاتها، فكان أعظم نعمة في أشرف ليلة، ولهذا سماها ليلة القدر. ويقال سميت بذلك لما يقدر فيها وما يكتبه الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في (١) تلك السنة كما أفاده النووي، وفي هذا الحديث يبين النبي - ﷺ - أن من أحيى هذه الليلة المباركة بالصلاة وتلاوة القرآن غفر الله له ذنوبه السابقة واللاحقة على أن يفعل ذلك \" إيمانًا واحتسابًا \" أي تصديقًا بفضل هذه الليلة وفضل العمل - فيها ابتغاءً لوجه الله في عبادته.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على شرف ليلة القدر وفضل إحيائها بالعبادة، وأن قيامها لمن وافقها سبب للغفران، وإن لم يقم غيرها، فإن كانت له ذنوب كفرتها، وإن لم تكن له ذنوب فإنه يكتب له بها حَسنات، ويرفع بها درجات. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي \" والمطابقة: في قوله: \" غفر له ما تقدم من ذنبه \".\n...\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٤.","vol":"3","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>٦١٩ - \" بَابُ تحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدرِ فِي الوِتْرِ مِن العَشْرِ الأوَاخِرِ </span>\"\n٧١٨ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ: \" التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ الْقَدْرِ في تَاسِعَةٍ، تبقى في سَابِعَةٍ تَبْقَى، في خَامِسَةٍ تَبْقَى \".\n٧١٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" هِيَ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ هي في تِسْع يَمْضِين، أوْ في سَبْعٍ يَبقَيْنَ، يَعْنِي، لَيْلَةَ الْقَدْرِ \".\nــ\n٦١٩ - \" باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر \"\n٧١٨ - معنى الحديث: أن الله أخفى عنا ليلة القدر، ولم يحدد لنا وقتها، ولكنها لا تخرج عن الليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان التي ذكرها النبي - ﷺ - بقوله: \" في تاسعه تبقى \" أي في ليلة الحادي والعشرين من رمضان \" في سابعه تبقى \" وهي ليلة الثالثة والعشرين منه \" في خامسه تبقى \" وهي ليلة الخامس والعشرين. والمعنى اطلبوها وتحرّوها في ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان كليلة الحادي والعشرين، وليلة الثالث والعشرين، وليلة الخامس والعشرين، ويقاس عليها ليلة السابع والعشرين، وليلة التاسع والعشرين، لأنها أوتار. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والبيهقي وأحمد.\n٧١٩ - معنى الحديث: أن ليلة القدر الموجودة في العشر الأواخر من رمضان وفي الأوتار منها دون تحديد بليلة معينة، فيحتمل أن تكون \" في تسع يمضين \" أي في ليلة التاسع والعشرين \" أو في سبع يبقين \" أي في ليلة الثالث","vol":"3","page":245},{"text":"والعشرين وفي رواية \" أو في سبع يمضين \" فتكون ليلة السابع والعشرين من الشهر والنبي - ﷺ - عندما ذكر هذه الليالي أراد بها التمثيل لا الحصر، فيقاس عليها بقية ليالي الوتر من العشر الأواخر.\nفقه الحديثين: دل هذان الحديثان على أن ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان دون تعيين، وهو مذهب مالك، قال في \" الإِفصاح \" واتفقوا على أنها تطلب في شهر رمضان إلاّ أبا حنيفة، فإنه قال في جميع السنة، ثم اختلف المتفقون على انها في شهر رمضان في آكد لياليه، فقال الشافعي ليلة إحدى وعشرين، وقال مالك في ليالي الأفراد من العشر الأواخر وقال أحمد: ليلة سبع وعشرين. اهـ. وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر مرفوعًا: \" من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين \" أخرجه أحمد بإسناد صحيح. فائدة هامة: هل هناك ظاهرة خاصة خارقة للعادة تقع في هذه الليلة المباركة، قال الحافظ بخصوص هذا الموضوع: واختلفوا هل لها علامة تظهر لمن وقعت له أم لا؟ فقيل: يرى كل شيء ساجدًا، وقيل: يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في المواضع المظلمة، وقيل: يسمع سلامًا وخطابًا من الملائكة، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وقعت له، واختار الطبري أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه. الحديث الأخير أخرجه البخاري. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أمر بالتماسها ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين الخ. وهي الوتر من العشر الأواخر.\n***","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-672>٦٢٠ - \" بَابُ الْعَمَلِ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ من رَمَضَانَ </span>\"\n٧٢٠ - عن عَائِشَةَ رَضِيَ، اللهُ عَنْهَا قَالَتْ:\n\" كَانَ النبي - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيَا لَيْلَهُ، وأيْقَظَ أهْلَهُ \".\nــ\n٦٢٠ - \" باب العمل في العشر الأواخر من رمضان \"\n٧٢٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يجتهد في الليالي العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها، فإذا كانت ليلة الحادي والعشرين \" شد مئزره \" أي جد واجتهد في العبادة وقيام الليل، واعتزل النساء، وهو مأخوذ من قول الشاعر:\nقَوْمٌ إِذَا حَارَبُوْا شَدُّوْا مآزِرَهُمْ ... عنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأطْهَارِ\n\" وأحيا ليله \" أي قام معظم ليله في الصلاة والذكر وتلاوة القرآن، وليس معناه أنه أحيا الليل كله، لقول عائشة ﵂: \" ما علمته قام ليلة حتى الصباح، ولا صام شهرًا كاملًا سوى مضان \" أخرجه البخاري \" وأيقظ أهله \" أي نبههم من نومهم ليقضوا فترة منه في الصلاة وقيام الليل، كما في حديث أمّ سلمة ﵂ أنه لم يكن يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلاّ أقامه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه - ﷺ - كان يخصُّ العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في غيرها، منها إحياء الليل وإيقاظ الأهل واعتزال النساء. ثانيًاً: استحباب الاجتهاد في العبادة وإحياء الليل وايقاظ الأهل في هذه العشر اقتداءً به - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة من حيث إنَّ شدَّ المئزر وإحياء الليل، وإيقاظ الأهل كلها من العمل في القسم الأواخر كما أفاده العيني.","vol":"3","page":247},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-673> كتاب الاعتكاف </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>٦٢١ - \" بَابُ الاعْتِكَافِ في الْعَشْرِ الأوَاخِرِ </span>\"\n٧٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ النبي - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأوَاخِرَ من رَمَضَانَ حتى تَوَفَّاهُ\nــ\n\" كتاب الاعتكاف \"\nالاعتكاف لغة: الإِقبال على الشيء وملازمته خيرًا كان أو شرًا، فمن الأول قوله تعالى: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) ومن الثاني قوله تعالى: (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ) أما الاعتكاف شرعًا فهو إقامة المسلم في بيت من بيوت الله بنية حبس النفس على طاعة الله وعبادته بنية، تدريبًا لنفسه على تذوق الطاعات، والبعد عن المغريات، قال تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) وهو شريعة قديمة معروفة في الأديان السابقة والمسجد ركن (١) في صحة الاعتكاف، ولهذا قال البخاري: والاعتكاف في المساجد كلها، ولا بد من النية، وهي ركن عند المالكية والشافعية، وشرط عند الحنفية والحنابلة، وشروطه الإِسلام والتمييز والطهارة الكبرى، وزاد المالكية شرطًا وهو الصوم، واشترط الحنفية الصوم في الاعتكاف الواجب.\n٦٢١ - \" باب الاعتكاف في العشر الأواخر \"\n٧٢١ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يداوم على الاعتكاف في\n_________\n(١) قال أحمد وأبو حنيفة: لا يكون إلا في مسجد تقام به الجماعة، وقال مالك: يصح الاعتكاف في كل مسجد كما أفاده في \" المنهل العذب \" ج ١٠.","vol":"3","page":248},{"text":"اللهُ، ثم اعتَكَفَ أزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>٦٢٢ - \" بابٌ لا يَدخلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ </span>\"\n٧٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" إِنْ كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - ليدْخِلُ عَليَّ رَأسَهُ وَهُوَ في الْمَسْجِدِ فَأرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُل الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَة إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًَا \".\nــ\nالعشر الأواخر من رمضان كل عام طيلة حياته، فلما مات \" اعتكف أزواجه من بعده \" أي واظب أزواجه على هذه السنة بعد وفاته اقتداءً به - ﷺ - الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث: أولًا: على مشروعية الاعتكاف وعلى أنه سنة مؤكدة في رمضان، قال ابن عبد السلام: ومقتضى الأحاديث أنه - ﷺ - داوم على فعله، فيكون سنة وقالت المالكية: حكمه الاستحباب مطلقًا، وفي رمضان آكد، وفي العشر الأواخر آكد. والذي عليه الجمهور أنه سنة مؤكدة في رمضان وفي العشر الأواخر آكد. ثانيًا: مشروعية الاعتكاف للمرأة، ولا خلاف في ذلك عند أهل العلم، قال الشافعي: للمرأة أن تعتكف في كل مسجد، وقال أبو حنيفة والثوري: لها الاعتكاف في مسجد بيتها واعتكافها فيه أفضل وقالت المالكية: لا يصح اعتكافها إلاّ في المسجد.\nوالمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٦٢٢ - \" باب لا يدخل البيت إلّا لحاجة \"\n٧٢٢ - معنى الحدايث: أنه - ﷺ - كان من سنته المعروفة عنه إذا اعتكف أن يدخل رأسه إلى بيت عائشة الذي كان ملاصقًا لمسجده لتسرحه له وهو معنى قولها: \"إن كان رسول الله - ﷺ - ليدخل علي رأسه وهو في","vol":"3","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>٦٢٣ - \" بَابُ الأخبِيَةِ في الْمَسْجِدِ </span>\"\n٧٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأن النبي - ﷺ - أرادَ أنْ يَعْتَكِفَ، فلمَّا انْصَرَفَ إلى الْمَكَانِ الذي أرَادَ أن يَعْتَكِفَ فِيهِ إِذَا أخْبِيَةٌ، خِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقالَ: آلبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ، ثَمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ\".\nــ\nالمسجد فأرجّله\" فكلمة \" إنْ \" مخففة من \" إنَّ \" الثقيلة المشددة التي هي حرف توكيد ونصب، واسمها ضمير الشأن محذوف، والمعنى: إن الأمر الذي اعتاد عليه النبي - ﷺ - وكان يفعله دائمًا إذا اعتكف أن يدخل رأسه إلى السيدة عائشة ﵂ لتسرح له شعره، \" وكان لا يدخل البيت إلّا لحاجة \" أي لا يخرج من معتكفه إلى بيته إلاّ لعذر شرعي من قضاء حاجة أو وضوء أو نحوه. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المعتكف لا يجوز له الخروج إلاّ لعذر شرعي كقضاء حاجة، أو وضوء، أو غسل جنابة أو حيض أو نفاس أو نحوه، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وأجاز الشافعي وأحمد الخروج لعيادة المريض وتشييع الجنازة لمن شرط ذلك. ثانيًاً: أنه يجوز للمعتكف تنظيف بدنه وتسريح شعره، والغسل والطيب كما يجوز له إخراج رأسه من المسجد لتنظيفه وتسريحه. والمطابقة: في قوله: \" لا يدخل البيت إلا لحاجة \".\n٦٢٣ - \" باب الأخبية في المسجد \"\n٧٢٣ - معنى الحديث: \" أن النبي - ﷺ - أراد أن يعتكف \" في رمضان وذهب إلى خبائه من المسجد، فرأى أخبية كثيرة منصوبة في المسجد","vol":"3","page":250},{"text":"لنسائه \" والخباء خيمة صغيرة من صوف \" فقال النبي - ﷺ - مخاطبًا من معه: أتظنون أنّ هؤلاء النسوة قد صنعن بفعلهن هذا خيرًا؟ ثم انصرف غاضبًا، ولم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاعتكف في شوال قضاءً لما تركه بعد الاعتكاف في رمضان. اهـ. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية نصب الأخبية للاعتكاف فيها في المسجد، لأن النبي - ﷺ - عندما انصرف إلى المسجد إنّما ذهب إلى خبائه الذي نُصبَ له هناك، كما جاء في رواية أخرى عن عائشة قالت: \" كان النبي - ﷺ - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباءً، فيصلي الصبح، ثم يدخله \" والروايات يفسر بعضها بعضًا.\nثانيًا: استدل به أبو حنيفة - ﷺ - أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة، وأجازه الجمهور، وأما استدلال أبي حنيفة على عدم صحة اعتكافها بإنكاره عليهن في قوله: \" آلبرِّ تقولون \" فإنما أنكر التضييق على المصلين بتلك الأخبية، لا نفس الاعتكاف، لأن المسجد كان صغيرًا. ثالثًا: قال الترمذي: اختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه، فقال بعضهم: وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي: إن كان تطوعًا ليس عليه أن يقضي إلا أن يحب ذلك. وحمل قضاءه - ﷺ - الاعتكاف في شوال على الاستحباب. والمطابقة: في قوله: \" فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه \" أي إلى خبائه.\n***","vol":"3","page":251},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-677> كتاب البيوع </span>\"\nمقدمة وتمهيد\nمن مزايا التشريع الإِسلامي عنايته بتنظيم الحياة الإِنسانية من جميع نواحيها المختلفة، فإن بعض الأديان اقتصر على الجانب الروحي للانسان من العقائد والعبادات والطقوس الدينية دون حياة الإِنسان المعيشية والاجتماعية، فلم تعن بمعاملاته مع الآخرين من أبناء جنسه (١) أو تضع القوانين اللازمة لهذه المعاملات عدا بعض النصائح التي تدعو إلى التسامح والمسالمة دون تحديد المسؤوليات والحقوق والواجبات، ولم تعنَ بوضع القوانين التفصيلية لحماية حقوق الإِنسان، ولهذا اضطر أصحاب هذه الديانات إلى استعمال القوانين الوضعية لتنظيم العلاقات الإِنسانية واعتبروا الدين علاقة روحية بين العبد وربه فقط، لأنهم لم يجدوا في دينهم القوانين الكفيلة بتنظيم حياتهم ومعيشتهم. وإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة إلى الأديان الأخرى، فإنه لا ينطبق على شريعة الإِسلام الشاملة لحياة الإِنسان الدينية والدنيوية، وهذه هي النصوص الإِسلامية في الكتاب والسنة والفقه الإسلامي لم تدع حكمًا يحتاج إليه البشر في الأحوال الشخصية والاجتماعية والقضائية والمعاملات والجنايات والسياسة والاقتصاد إلّا بينته للناس، ففي المعاملات وضع الإِسلام أحكام البيع والشراء والإِيجار\n_________\n(١) نعم توجد في التوراة أحكام عملية فقهية ولكن بعضها يتسم بالقسوة والعنف والشدة ومن محاسن الإسلام انه جاء بنسخ هذه الأحكام وإلغائها وإبدالها بأحكام أخرى هي أرحم وأرفق بهذا العالم البشري من تلك الأحكام السابقة كما قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).","vol":"3","page":252},{"text":"والوكالة والكفالة وغيرها لضبط تصرفات الناس في هذه الحياة على وجه يضمن لهم الأمن والاستقرار والسعادة الحقيقية. ولو دققنا النظر في هذه الأحكام من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية لوجدنا فيها كل ضمان للملكية الفردية السليمة والحرية الشخصية الصحيحة فإن كل أحكام المعاملات في الإسلام قائمة على عدم أكل أموال الناس بالباطل ولا شك أن في مقدمة ذلك أَبواب المعاملات \" البيوع وما يتعلق بها \" وقد عُني الإسلام بالبيع ووضع له الشروط والأحكام لتحقيق الكسب الحلال والحيلولة دون أكل أموال الناس بالباطل، وحماية الإِنسان من أكل الحرام، ولهذا قال - ﷺ -: \" أفضل أنواع الكسب البيع المبرور، وعمل اليد \" ولا يكون البيع مبرورًا إلاّ إذا كان بيعًا شرعيًا صحيحًا. قال القاري: والكسب بقدر الكفاية واجب لنفسه وعياله عند عامة العلماء، وما زاد عليه فهو مباح، وإنما عني الإِسلام بالبيع لحاجة الناس إليه، فالبيع والنكاح كما قال ابن العربي المالكي: عقدان يتعلق بهما قوام العالم، لأن الله خلق الإِنسان محتاجًا إلى الغذاء مفتقرًا إلى النساء، وخلق له ما في الأرض جميعًا، ولم يتركه له سدى يتصرف باختياره كيف يشاء، فيجب على كل مكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه، وأن لا يفعل شيئًا حتى يعلم حكم الله فيه. وقول بعضهم: يكفي ربع العبادات ليس بشيء إذ لا يخلو مكلف من بيع وشراء. والبيع لغة: تمليك المال بالمال مطلقًا، سواء كان مبادلة سلعة بنقد، أو سلعة بسلعة، ويقال لأحد البدلين مبيع وللثاني ثمن، أما الشراء فهو تملك المال بالمال. أما البيع شرعًا فهو مبادلة مال بمال على سبيل التراضي، ووجه التأبيد، والمراد بالمال: المال الذي له قيه: شرعية، وهو المال الحلال الذي ينتفع به شرعًا، فيخرج بذلك المال الحرام كالخمر مثلًا، فإن مبادلته بالنقد لا يسمى بيعًا، وكذلك يُقالُ في الحشرات التي لا ينتفع بها، والمراد بقولهم على سبيل التراضي أن تكون المبادلة برضا الطرفين فيخرج بذلك كل مبادلة بالإكراه، فإنها لا تسمى بيعًا، ويخرج بقولهم على وجه التأبيد الإِيجار،","vol":"3","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>٦٢٤ - \" بَابُ مَا جَاءَ في قَوْلِ اللهِ تعَالَى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) </span>\"\n٧٢٤ - عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ:\n\" لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْني وَبَيْنَ سعْدِ بْنِ الرَّبِيع فَقَالَ سعْدُ بْنُ الرَّبيع: إِنِّي أكْثَرُ الأنْصَارِ مَالًا، فَأقْسِمُ لَكَْ نِصْفَ مَالِي، وانْظرُ أيَّ زَوْجَتَي هَوِيْتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لا حَاجَةَ لي في ذَلِكَ هَلْ مِنْ سُوقٍ فيه تَجَارَةٌ، قَالَ:\nــ\nلأنه مؤقت فلا يسمى بيعًا.\n٦٢٤ - \" باب ما جاء في قول الله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) \"\n٧٢٤ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد الثمانية السابقين إلى الإِسلام وأحد أصحاب الشورى وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. ومن كبار الأثرياء المحسنين في الإِسلام تصدق بأربعين ألفًا وله عدة أحاديث في البخاري وغيره، وقد شهد المشاهد كلها، وتوفي سنة واحد وثلاثين من الهجرة.\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة أراد أن يقيم بين المهاجرين والأنصار رابطة وعلاقة أقوى من النسب، وهي رابطة الأخوة في الإِسلام، فجعل لكل مهاجر أخًا من الأنصار وأقام بينهما علاقة تنزل منزلة أخوة النسب تقتضي المناصرة والمواساة والمشاركة في السراء والضراء، حتى إنهم كانوا يتوارثون في أوّل الإِسلام إلى أن نزل قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) فاقتصر الإِرث على أصحاب المواريث الشرعية المعروفة","vol":"3","page":254},{"text":"سُوقُ قَيْنُقَاعَ، قَالَ: فَغدا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمنِ ﵁ فَأَتَى بَأَقِطٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ، فَما لَبِثَ أنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنَ عَلَيْهِ أثر صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" تَزَوَّجْتَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَ: امْرَأةٍ مِنَ الأنْصَارِ، قَالَ: \" كَمْ سُقْتَ لَهَا؟ \" قَالَ: زِنَةُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أو نُوَاةً مِنَ ذَهَب، فَقَال لَهُ النبي - ﷺ -: \" أَوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ \".\nــ\nوكان من ضمن هؤلاء المهاجرين عبد الرحمن بن عوف، فقد آخى النبي - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع، فعرض عليه سعد أن يختار إحدى زوجاته، فيطلقها ويزوجها له ويعطيه نصف ماله فأبت، عليه مروءته وعزة نفسه أن يكون عبئًا على غيره، وعالة على سواه، فقال لسعد: \" لا حاجة لي في ذلك \" لأنني شاب سليم قويّ قادر على العمل، وفي رواية أنه قال له: \" بارك الله لك في أهلك ومالك \"، ثم سأل عن سوق المدينة التجاري، فدله على سوق بني قينقاع ويقع عند جسر بطحان، وكان يقام عدة مرات في السنة، يجتمع فيه التجار العرب الوافدون إلى المدينة، فصار عبد الرحمن بن عوف يتردد عليه كل يوم صباحًا ليتاجر في السمن والأقط وغيره من المواد الغذائية، والأقط هو اللبن المجفف المعروف في عصرنا هذا (بالمضِير) فلم يمض عليه إلّا زمن قليل، حتى جمع شيئًا من المال، فتزوج منه وأتى إلى النبي - ﷺ -، وعليه أثر الصُّفْرَة، أي صفرة الطيب الذي تطيب به في زفافه \" فقال رسول الله - ﷺ -: تزوجت؟ قال: نعم، قال: ومن؟ قال: امرأة من الأنصار \" وهي بنت أنس بن رافع من بني عبد الأشهل \" قال: كم سقت لها؟ \" أي كم دفعت لها من الصداق \" قال: زنة نواة من ذهب \" وهي وزن ثلاثة دراهم وثلث كما قال أحمد بن حنبل \" فقال له النبي - ﷺ -: أولم ولو بشاة \" أي فأمره - ﷺ - بالوليمة وهي الطعام الذي يصنع في العرس، والمعنى اصنع","vol":"3","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-679>٦٢٥ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ أيْنَ كَسِبَ الْمَالَ</span>؟ \"\n٧٢٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النبي - ﷺ - قَالَ: \" يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أخَذَ مِنهُ، أَمِنَ الْحَلالَ أمْ مِنَ الْحَرَامَ؟ \".\nــ\nبمناسبة عرسك طعامًا، واذبح فيه ولو شاة واحدة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث: أولًا: على تفسير الآية الكريمة، وبيان معنى التجارة الصحيحة التي شرعها الإِسلام، ودل عليها قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)، وأنها هي البيع والشراء في الأسواق التجارية كما دل على مشروعية البيع، وأنه من أشرف الوسائل لكسب المال الحلال، فقد مارسه أصحاب رسول الله - ﷺ - كما فعل عبد الرحمن بن عوف حيث قال هَل من سوق تجارة، فلما دلّه عليه تابع الغُدوَّ إليه حتى جمع مالًا، فتزوج، ثم واصل البيع والشراء حتى أصبح من أثرياء الصحابة الأجواد.\nفقد بلغ ما تصدق به على عهد النبي - ﷺ - أربعين ألفًا، بالإِضافة إلى ما حمل عليه. ثانيًا: ما كان عليه المهاجرون والأنصار في عهد النبي - ﷺ - من مودة ومحبة وإيثار بالمال وغيره، مما دفع سعد بن الربيع أن يعرض على ابن عوف نصف ماله إلخ. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" هل من سوق؟ \".\n٦٢٥ - \" باب من لم يبال من أين كسب المال \"\n٧٢٥ - معنى الحديث: أن الناس تتغير بهم الأحوال، وتتبدل الأزمان، ويأتي عليهم زمان يضعف فيه الدين، وتفسد الضمائر والذمم، ويتكالب الناس فيه على جمع المال من حلال أو حرام، فالغاية تبرر الوسيلة عندهم،","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-680>٦٢٦ - \" بَابُ شِرَاءِ النَّبي - ﷺ - بِالنَّسِيئَةِ </span>\"\n٧٢٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁:\nأنَّهُ مَشَى إلى النَّبِي - ﷺ - بِخُبْزِ شَعِيرٍ وِإهَالَةِ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِرْعًَا لَهُ بالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودي، وأخذَ مِنْهُ شعيرًا لِأهْلِهِ، ولقدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \" مَا أمْسَى عِنْدَ آل مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ، ولا صَاعُ حَبٍّ \" وإنْ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ.\nــ\nوالحلال ما حل في أيديهم كما قال - ﷺ - \" لا يبالي المرء ما أخذ منه \" أي لا تهمه الوسيلة التي اكتسب بها المال، والطريق الذي أخذه منه \" أمن الحلال \" أي سواء كان من، كسب حلال كالبيع المبرور وعمل اليد \" أم من الحرام \" كالاختلاس والربا والقمار والرشوة، لأن المصلحة المادية هي الهدف الوحيد، والغاية الرئيسية لكل معاملاته.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير الشديد من اكتساب المال من الطرق غير المشروعة، لأنّ النبي - ﷺ - إنما ذكر ذلك في موضع الذم والإنكار على من يصنع هذا. ثانيًا: إخباره - ﷺ - ببعض الأمور في المستقبل، وهذا من معجزاته - ﷺ -. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" لا يبالي المرء ما أخذ منه \".\n٦٢٦ - \" باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة \"\n٧٢٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - دُعي مرة على خبز من شعير وإهَالة سنخة أي ألية متغيرة الرائحة، فأجاب الدعوة، وأكل من ذلك الطعام، كما أنه - ﷺ - اشترى مرة من يهودي شعيرًا بثمن مؤجل، ورهن عنده درعه مقابل ذلك، لأنه لم يبق في بيته أي شيء من المواد الغذائية كما قال أنس \"ولقد","vol":"3","page":257},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-681>٦٢٧ - \" بَابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ في الْبَيْعِ </span>\"\n٧٢٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًَا إِذَا بَاعَ، وِإذَا اشْتَرَى، وِإذَا اقْتَضَى \".\nــ\nسمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع بر ولا صاع حب \" أي سمعته - ﷺ - يقول: دخل علينا المساء، ولا يوجد في بيت آل محمد صاع من قمح أو شعير \" وإن عنده لتسع نسوة \" أي في حين أن لديه تسع زوجات هن في أمسِّ الحاجة إلى الغذاء ولذلك اضطر إلى شراء الشعير من اليهودي نسيئة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز بيع الطعام وغيره وشرائه نسيئة، لأنه - ﷺ - فعل ذلك، ولكن بشرطين: الأول: أن يختلف الجنسان، فلا يجوز (شعير بتمر) نسيئة. الثاني أن لا يكون صرفًا فلا تجوز النسيئة في الصرف، وفيه دليل على جواز التعامل مع أهل الكتاب. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي والترمذي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - اشترى الشعير من اليهودي نسيئة.\n٦٢٧ - \" باب السهولة والسماحة في البيع \"\n٧٢٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - دعا لكل مسلم يلتزم بالسماحة والرفق وحسن المعاملة في بيعه وشرائه أن يسبغ الله عليه رحمته ونعمته وفضله وكرمه، وكذلك كل من تسامح من إخوانه في اقتضاء ديونه، والمطالبة بحقوقه، فتجاوز عن الموسر، وأنظر المعسر.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن حسن المعاملة والتسامح في البيع والشراء واقتضاء الديون سبب في نجاح الإِنسان في تجارته وأعماله، وفوزه بكل ما يصبو إليه من مال وصحة وولد، لأنّ النبي - ﷺ - دعا له بالرحمة،","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-682>٦٢٨ - \" بَابٌ إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ وَلَمْ يكْتُمَا وَنصَحَا </span>\"\n٧٢٨ - عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَام ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \" البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لَمْ يتفرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وإنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا \".\nــ\nودعوته مستجابة، فهو ولا شك مشمول برحمة الله ونعمته وعنايته.\nوَإذَا العِنايَةُ لَاَحَظتْكَ عُيُوْنُهَا ... نَمْ فالحَوَادِثُ كُلُّهُنَّ أمَانُ\nوالمطابقة: في دعائه - ﷺ - لأهل السماحة.\n٦٢٨ - \" باب إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا \"\n٧٢٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" البيعان بالخيار ما لم يتفرقا \" أي أن لكل منهما الحق في أن يختار ما يريد من إمضاء البيع أو فسخه ما داما لم يتفرقا، فإذا تفردا وجب البيع، وانتهى الخيار، كما في حديث ابن عباس ﵄ أنه - ﷺ - قال: \" فإن فارقه فلا خيار له \"، \" فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما \"، أي فإن صدق البائع وبين العيب الذي في سلعته، وصدق المشتري وبين العيب الذي في الثمن حلت البركة في ذلك البيع فكان مربحًا، وكثر نفعه لهما، \" وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما \"، أي رفعت البركة من ذلك البيع، فكان خسارة لهما.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث دلالة صريحة على ثبوت الخيار للمتبايعين في إمضاء البيع وفسخه حتى يتفرقا، واختلف أهل العلم في التفرق الذي يسقط الخيار، ويوجب البيع، فذهب الشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه التفرق بالأبدان، وأثبتوا خيار المجلس، وقال مالك وأبو حنيفة: هو التفرق بالأقوال عند انتهاء العقد، ووقوع الإِيجاب والقبول، فإذا قال البائع: بعت والمشتري","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-683>٦٢٩ - \" بَابُ بَيْعِ الْخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ </span>\"\n٧٢٩ - عَنْ أبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا نرزَقُ تَمْرَ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْخَلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وكنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لَا صَاعَيْنِ بِصَاع، ولا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ \".\nــ\nاشتريت لزم البيع، واستدل مالك على ذلك بقوله - ﷺ -: \" ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله \" فلو كان خيار المجلس مشروعًا لم يحتج للاستقالة، لأن من حقه الخيار ما دام في المجلس. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فإن صدقا وبينا بورك لهما \".\n٦٢٩ - \" باب بيع الخلط من التمر \"\nأي هذا باب في بيان حكم بيع الخلط، وهو التمر المخلوط المشكل من أنواع مختلفة بتمر من نوع واحدٍ.\n٧٢٩ - معنى الحديث: أن الصحابة ﵃ كانوا يأخذون من الزكاة التمر المشكل من أنواع مختلفة فيبيعونه بالتمر الذي من نوع واحد كل صاعين بصاع لرداءة هذا وجودة ذاك، فأنكر عليهم النبي - ﷺ -، ونهاهم عن هذا البيع وقال: \" لا صاعين بصاع \" أي لا يجوز بيع صاعين من التمر بصاع من التمر، وإن اختلف النوعان في الجودة والرداءة، لاتحادهما في النوع، ولا يحل التفاضل بين البدلين من نوع واحد، فلا يجوز بيع التمر بالتمر، أو البر بالبر أو الشعير بالشعير إلاّ سواء بسواء، يدًا بيد، وإلا كان عين الربا.\n\" ولا درهمين بدرهم \" أي ولا يجوز أيضًا بيع درهمين من الفضة بدرهم من الفضة لاتحاد النوع.","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>٦٣٠ - \" بَابُ مُوكِل الرِّبَا </span>\"\n٧٣٠ - عن أبي جُحَيْفَةَ ﵁:\nأَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا حَجامًا فأمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ، وَقَالَ: \" نَهَى النبي - ﷺ - عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، ونَهَى عَن الوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ وآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، ولَعنَ الْمُصَوِّرَ \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز بيع التمر المشكل من أنواع مختلفة بالتمر الذي من نوع واحد متفاضلًا، لأنه ربا، وكذلك الطعام كله من بر وشعير ونحوه، لا يجوز بيعه بشيء من نوعه متفاضلًا، فإذا احتاج صاحب التمر الرديء إلى شراء تمر جيد فإنه يبيع تمره بأحد النقدين، ويشتري بثمنه تمرًا جيدًا كما أرشدنا إلى ذلك النبي - ﷺ - في بعض الأحاديث الأخرى. ثانيًاً: أنه لا يجوز التفاضل في بيع الفضة بالفضة أو الذهب الذهب. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في نهيه - ﷺ - بيع التمر بالتمر متفاضلًا، وهو ما ترجم له البخاري.\n٦٣٠ - \" باب موكل الربا \"\n٧٣٠ - معنى الحديث: أن أبا جحيفة (وقد تقدمت ترجمته) اشترى عبدًا كان يعمل في الحجامة، فأمره بكسر الآلة التي كان يحجم بها، ولما سئل عن ذلك قال: (نهى النبي - ﷺ - عن ثمن الكلب) أي عن بيع الكلب وأخذ ثمنه \" وثمن الدم \" أي ونهى أيضًا عن ثمن إخراج الدم، وأجرة الحجامة، فكسر أبو جحيفة المحاجم، لأنه فهم أنّ النهي عن ذلك على سبيل التحريم، فأراد حسم المادة، وكأنه فهم أنّ ذلك العبد لا يطيع النهي، ولا","vol":"3","page":261},{"text":"يترك التكسب بالحجامة إلاّ إذا كسرت محاجمه. اهـ. كما أفاده الحافظ. قال: \" ونهى عن الواشمة والموشومة \" الكلام على حذف مضاف أي ونهى عن فعل الواشمة والموشومة، وما تقوم به الواشمة من وشم غيرها وما تفعله الموشومة من وشم نفسها، أو تكليف غيرها بوشمها، والوشم غرز جلدة البشرة بالإِبرة، وحشوها بالكحل أو النيل فيسودّ ذلك الموضع، أو يزرق، أو يخضر، وتظهر فيه أشكال وألوان مخالفة للون البدن، وكانوا يرون أن ذلك من التجميل.\n\" وآكل الربا وموكله \" وهو على حذف مضاف أيضًا تقديره ونهى عن فعل آكل الربا، وعن فعل موكله \" والمعنى \" أنه نهى عن التعامل بالربا، ومنعه على الطرفين معًا، فمنع آكل الربا أن يأخذه من غيره ومنع موكل الربا أن يدفعه ويعطيه لغيره. \" ولعن المصور \" أي الصور الحيوانية. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: على أن موكل الربا \" وهو كل من يدفع لغيره فائدة ربوية \" عاص وآثم، ومرتكب لكبيرة لأن النبي - ﷺ - نهى عن إعطاء الربا، كما نهى عن أخذه فآكل الربا وموكله في ارتكاب الكبيرة سواء، حيث إن النبي - ﷺ - سوّى بينها في النهي، فكلاهما مرتكب للكبيرة. ثانيًا: تحريم بيع الكلب لنجاسته، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، وفي رواية عن مالك جواز بيع كلب الحراسة والصيد. ثالثًا: النهي عن أجرة الحجامة، وعن الوشم وسيأتي. والمطابقة: في قوله: \"وآكل الرِّبا وموكله\".\n***","vol":"3","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-685>٦٣١ - \" بَابُ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْحَلِفِ في الْبَيعِ </span>\"\n٧٣١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن أبِي أوْفَى ﵁:\n\" أنَّ رَجُلًا أقَامَ سِلْعةً وهُوَ في السُّوقِ، فَحَلَفَ باللهِ لَقَدْ أَعْطي بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ، لُوقِعَ فِيهَا رجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فنَزَلَتْ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) \".\nــ\n٦٣١ - \" باب ما يكره من الحلف في البيع \"\n٧٣١ - معنى الحديث: كما يرويه ابن أبي أوفى ﵁ \" أنّ رجلًا أقام سلعة وهو في السوق \" أي عرض في السوق سلعة يعني بضاعة للبيع، \" فحلف بالله لقد أعطى بما ما لم يعط \" أي فأراد أن يروج سلعته بأي وسيلة من الوسائل، ولو كانت محرمة، فلجأ إلى الأيمان الكاذبة، فحلف بالله -وهو كاذب، في يمينه- أنه أعطي بها بدل سلعته ما لم يعط \" ليوقع فيها رجلًا من المسلمين \"، أي ليخدع بأيمانه هذه بعض المشترين، ويوقعه في سلعته بالسعر الذي يريده طمعًا وجشعًا ورغبة في جمع المال عن أي طريق، حلالًا أو حرامًا، من باب الغاية تبرر الوسيلة \" فنزلت (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) \" أي إن الذين يتخذون من الأيمان الكاذبة وسيلة لاكتساب الأموال المحرّمة، وينالون بها عوضًا يسيرًا من الدنيا، أولئك لا نصيب لهم من الجنة ونعيمها، ولا يكلمهم الله كلمة رضا، ولا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يثني عليهم يوم القيامة، وليس لهم إلاّ العذاب الشديد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم ترويج السلع التجارية بالأيمان","vol":"3","page":263},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>٦٣٢ - \" بَابُ ذِكْرِ الْحَجَّامَ </span>\"\n٧٣٢ - عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" احْتَجَم النبي - ﷺ - وأعطَى الذِي حَجَمَهُ، ولو كَانَ حَرامًا لَمْ يُعْطِهِ \".\nــ\nالكاذبة، وكونه من الكبائر، لأنّ هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة. الحديث: أخرجه البخاري والمطابقة: في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ) إلخ.\n٦٣٢ - \" باب ذكر الحجام \"\nأي هذا باب تذكر فيه الأحاديث الدالة على جواز عمل الحجام وأخذ الأجرة على الحجامة.\n٧٣٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" احتجم النبي - ﷺ - \" أي عالج - ﷺ - نفسه بالحجامة وأمر أبا ظبية أن يحجمه، \" وأعطى الذي حجمه \" أي وأعطاه أجرته، فأمر له بصاع تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه، وكان يعمل، ويدفع لسيده ثلاثة آصع، فوضع عنه صاعًا، ثم قال ابن عباس تعليقًا على حديثه هذا: \" ولو كان حرامًا لم يعطه \" أي ولو كان أجر الحجامة وثمنها حرامًا لم يعط النبي - ﷺ - الحجام أجرة عليها. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز أجرة الحجام، وهو مذهب الجمهور، قالوا: هو كسب فيه دناءة، ولكنه غير محرم، والنهي عنه في بعض الأحاديث للتنزيه فقط، وقال بعضهم: كان حرامًا ثم نسخ، وهذا يحتاج إلى معرفة التاريخ، وذهب أحمد وآخرون إلى أنه يكره للحرِّ احتراف","vol":"3","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-687>٦٣٣ - \" بَابُ التجَارَةِ فيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ والنِّسَاءِ </span>\"\n٧٣٣ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nأرْسَلَ النبي - ﷺ - إلى عُمَرَ ﵁ بِحُلَّةِ حَرِيرٍ أو سيَرَاءَ، فرآهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"إِنِّي لَمْ أرْسِلْ بِهَا إليكَ لِتَلْبِسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لتسْتَمْتِعَ بِهَا\" يَعْنِي تَبِيعُهَا.\nــ\nالحجامة، ويحرم عليه الإِنفاق على نفسه منها، وله أن ينفق منها على دوابه ورقيقه فقط، واستدلوا بقوله - ﷺ -: \" كسب الحجام خبيث \" أخرجه مسلم، قال ابن الجوزي: كُرهت لأنَّها من الأشياء التي يجب على المسلم إعانة أخيه بها دون أجر. ثانيًا: جواز التداوي بإخراج الدم. والمطابقة: في قوله: \" وأعطى الذي حجمه \".\n٦٣٣ - \" باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء \"\nأي هذا باب في بيان جواز بيع ما يكره لبسه للرجال، وكذلك ما يكره لبسه للنساء، لأن ما لا يصلح لهذا يصلح لهذا وما جاز بيعه جاز شراؤه.\n٧٣٣ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" أرسل النبي - ﷺ - إلى عمر ﵁ بحلة حرير \" والحلة لباس من ثوبين \" أو سيراء \" (بكسر السين) وهي نوع من الثياب يخالطه حرير كالسيور، أي أن تلك الحلة كانت من الحرير الخالص، أو مخلوطة بالحرير \" فرآها عليه، فقال: إنّي لم أرسل إليك لتلبسها \" أي لم أهدها إليك لتلبسها \" إنما يلبسها من لا خلاق له \" أي إنما يلبس ثياب الحرير من الرجال في الدنيا الكفار الذين لا نصيب لهم من الحرير أو غيره في الآخرة، أو إنما يلبس الحرير من الرجال من فسدت أخلاقه من المتشبهين بالنساء. \"إنما بعثت إليك لتستمتع","vol":"3","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>٦٣٤ - \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ في الْبَيْعِ </span>\"\n٧٣٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَجُلًا ذُكِرَ للنَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ فَقَالَ: \" إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ \".\nــ\nبها \" أي لتنتفع بها \" يعني تبيعها \" أو تلبسها لنسائك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث كما قال الحافظ على جواز بيع ما يكره لبسه للرجال. اهـ. وذلك لقوله - ﷺ -: \" إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها \" يعنى تبيعها، وفي رواية أخرى في باب اللباس \" إنما بعثت بها إليك لتبيعها أو لتكسوها \" وأما ما يكره لبسه للنساء فبالقياس عليه كما أفاده الحافظ.\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إنما بعثت إليك لتستمتع بها \" يعني تبيعها \".\n٦٣٤ - \" باب ما يكره من الخداع في البيع \"\n٧٣٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄: \" أن رجلًا ذكر للنبي - ﷺ - أنه يُخدع في البيوع \" أي أن رجلًا يدعى \" حبان \" (بفتح الحاء) بن منقذ (بفتح القاف) أخبر النبي - ﷺ - بأنه مغفل لا يحسن البيع والشراء، ويغشه الناس لقلة رشده، حتى إن أهله سألوا النبي - ﷺ - أن يحجر عليه، فنهاه النبي - ﷺ - عن ذلك، فقال: يا رسول الله لا أصبر عن البيع فأذن له، ولكنه أراد أن يحميه من الخداع \" فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة \" (بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام) أي لا خديعة، وإنما أمره أن يقول ذلك لمن يتعامل معه تنبيهًا له بوجوب الصدق والأمانة والنصح في المعاملة، أي لا تخادعني فإن الإِسلام لا يبيح الخديعة ولا يقرّ","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-689>٦٣٥ - \" بَابُ مَا ذُكِرَ في الأسْوَاقَ </span>\"\n٧٣٥ - عَنْ أنسِ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَالَ:\nكَانَ النبي - ﷺ - في السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يا أبا الْقَاسِمِ فالْتَفَتَ إلَيْهِ\nــ\nبيع الخديعة، وفي رواية أخرى أنه قال له \" ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد \" فبقى ذلك الرجل حتى أدرك زمن عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة. فكان إذا اشترى شيئًا فقيل له إنك غبنت فيه رجع فيشهد له رجل من الصحابة أن النبي - ﷺ - قد جعل له الخيار ثلاثًا فيردوا له دراهمه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم الخداع في البيع والغبن فيه وهو الزيادة في ثمن السلعة زيادة فاحشة على من لا يعرف قيمتها، لقوله - ﷺ -: \" إذا بايعت فقل: لا خلابة \" أي لا خديعة في البيع شرعًا، وهو نفي بمعنى النهي يقتضي تحريم المنهى عنه. ثانيًاً: ثبوت الخيار بالغبن، فمن غبن في ثمن السلعة، وزيد عليه في الثمن وهو يجهل قيمتها كان له الخيار في ردها، وهو مذاهب مالك وأحمد على شرط أن يكون الغبن فاحشًا والزيادة كثيرة، واختلفوا في تقدير الغبن الفاحش الذي يتحقق به الخيار فقيده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة أما القليل فيتسامح فيه. وذهب الجمهور إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن وغيره. وأجابوا عن حديث الباب بأنه حكم استثنائي خاص بهذا الرجل لضعف عقله وقلة رَشَده، مما جعل حكم تصرفه كتصرف الصبي المأذون له في التعامل مع الناس. الحديث: أخرجه الستة إلا الترمذي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فقل لا خلابة \".\n٦٣٥ - \" باب ما ذكر في الأسواق \"\n٧٣٥ - معنى الحديث: أنه - ﷺ - بينما كان يسير في سوق من أسواق","vol":"3","page":267},{"text":"النبي - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّمَا دعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النبِيُّ - ﷺ -: \"سَمُّوا باسمي ولا تَكَنَوْا بِكُنْيتِي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>٦٣٦ - \" بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ </span>\"\n٧٣٦ - عن الْمِقْدَام بْن مَعْدِي كَرِبَ:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"كيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ \".\nــ\nالمدينة التجارية إذا به يسمع صوتًا ينادي يا أبا القاسم فالتفت وهو يظن أنه يناديه، فقال له صاحب الصوت: إنما ناديت هذا، وأشار إلى رجل آخر، فقال النبي - ﷺ -: \" سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي \" بفتح التاء والنون المشدّدة على حذف إحدى التاءين، وإنما نهى عن التكني بكنيته في حياته خشية الالتباس.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الأسواق التجارية في الإِسلام، وجواز دخول المسلم إليها لقضاء حاجاته المعيشية، وشراء المواد الغذائية والمنزلية الموجودة فيها، لأنها كانت موجودة منذ عهد النبي - ﷺ - وكان يدخلها لقوله في حديث الباب \" كان النبي - ﷺ - في السوق \" وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: النهي عن التكني بكنيته - ﷺ - المشهورة وهي أبو القاسم، قال القسطلاني: والنهى ليس للتحريم، وقد جوّزه مالك مطلقًا، وقصر النهي على زمنه للالتباس. وقال جمع من السلف: النهي خاص بمن اسمه محمد وأحمد، لحديث النهي عن الجمع بين اسمه وكنيته، ومذهب الجمهور جوازه مطلقًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" كان النبي - ﷺ - في السوق \".\n٦٣٦ - \" باب ما يستحب من الكيل \"\n٧٣٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - أمر باستعمال الكيل في جميع","vol":"3","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>٦٣٧ - \" بَابُ مَا يُذْكَرُ في بَيْعِ الطَّعَامِ وَالحُكْرَةِ </span>\"\n٧٣٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" رَأيتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مجَازَفَةً يُضْرَبُونَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أن يَبِيعُوهُ حتى يُؤْووهُ إلى رِحَالِهِمْ \".\nــ\nالمواد التموينية من قمح وشعير وتمر وزبيب وغيرها عند بيعها وشرائها وإحصائها وإخراج زكاتها، فقال - ﷺ -: \" كيلو طعامكم يبارك لكم \" أي: تُوضَعُ لكم فيه البركة والخير الكثير والنفع العظيم، فينتفع به بائعه ومشتريه، وآخذه ومعطيه، لأن النبي - ﷺ - دعا لأهل المدينة في مدهم وصاعهم. الحديث: أخرجه البخاري وابن حبان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب الكيل في بيع المواد التموينية وشرائها لقوله - ﷺ -: \" كيلو طعامكم \" فإن هذا أمرٌ وأقل مقتضيات الأمر الاستحباب والندب. ثانيًاً: أن البركة تحل في الطعام المكيل سيما بالمدينة المنورة، فينمو ويتكاثر ويعظم نفعه الغذائي، فيكفي القليل منه العدد الكثير من الناس، وتقوى به الأجسام، وتصح الأبدان، وتخلو من الأمراض والأسقام وتهنأ، به النفوس لقوله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق: \" كيلو طعامكم يبارك لكم \" ولا شك أن الطعام المبارك غذاء وشفاء وقوة وصحة وهناء. والمطابقة: في قوله: \" كيلو طعامكم \".\n٦٣٧ - \" باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة \"\n٧٣٧ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: رأيت الذين كانوا يشترون المواد الغذائية من قمح وشعير وتمر \" جزافًا \" بدون كيل ولا وزن في زمن النبي - ﷺ - يمنعون من بيعها قبل قبضها واستلامها، ويضربون","vol":"3","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>٦٣٨ - \" بَاب لا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أخِيهِ، ولا يَسُومُ على سوْمِ أخِيهِ حتى يَأذَنَ لَهُ أوْ يَتْرِك </span>\"\n٧٣٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\"نَهَى النبي - ﷺ - أن يَبِيعَ حَاضِرٌ لبَادٍ، ولا تَنَاجَشُوا، ولا يَبِيعُ الرَّجُلُ\nــ\nلئلا يبيعوا الطعام \" حتى يؤوه إلى رحالهم \" أي حتى ينقلوه إلى منازلهم، فمن حاول منهم بيعه قبل استيفائه ونقله إلى منزله، منع من ذلك، ولو بالضرب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم بيع الطعام قبل استلامه ونقله إلى المستودع، لأن النبي - ﷺ - كان يضربهم على ذلك.\nثانيًا: استدل به البخاري على جواز الحكرة، وهي احتكار الطعام انتظارًا لغلاء سعره، وهو غير ظاهر، لأنه ليس في أحاديث الباب للحكرة ذكر، كما أفاده الحافظ. والذي عليه أكثر أهل العلم: تحريم احتكار المواد الغذائية لقوله - ﷺ -: \" من احتكر فهو خاطىء \" أخرجه مسلم، وفي رواية لمسلم أيضًا \" لا يحتكر إلا خاطىء \" وقد خصه بعضهم بالطعام والقوت الضروري للناس والبهائم نظرًا إلى الحكمة المناسبة للتحريم. والمطابقة: في كونه - ﷺ - كان يضربهم على بيع الطعام قبل إيوائه إلى مخازنهم.\n٦٣٨ - \" باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سومه حتى يأذن له أو يترك \"\n٧٣٨ - معنى الحديث: أنّ النبي - ﷺ - نهى عن أنواع من البيع لما فيها من ضرر محقق منها \" أن يبيع حاضر لباد \" وقد فسره ابن عباس ﵄ بأن يكون له سمسارًا، ومعناه كما قال بعضهم: أن يجيء الغريب","vol":"3","page":270},{"text":"على بَيْع أخِيهِ، ولا يَخْطبُ عَلَى خِطبَةِ أخِيْهِ، وَلا تَسْأل الْمَرأة طلاقَ أخْتِهَا لِتَكْفَأ مَا فِي إِنَائِهَا\".\nــ\nإلى البلد بسلعته، يريد بيعها في الحال، فيقول له الحضري: دعها عندي لأبيعها لك على التدريج بأعلى من سعرها الحالي، وهو قول الشافعي ولهذا قال: لا يجوز ذلك، وذلك أبو حنيفة إلى جوازه والله أعلم. ومنها بيع النجش حيث قال - ﷺ -: \" ولا تناجشوا \" أي لا يزد أحدكم على غيره في السلعة التي لا يريد شراءها ليدفعه إلى شرائها بثمن أغلى مخادعة له واحتيالًا عليه. ومنها بيع الرجل على بيع أخيه، حيث قال - ﷺ -: \" ولا يبيع الرجل على بيع أخيه \" بالجزم على أن (لا) ناهية، وبالرفع على أنها نافية، وصورة ذلك أن يقع البيع مع الخيار، فيأتي آخر في مدة الخيار، فيقول للمشتري: افسخ هذا البيع، فأنا أبيعك بأرخص من ذلك، وكذلك شراء الرجل على شراء غيره منهي عنه. ثم إنّ النبي - ﷺ - بعد ذلك نهى عن أعمال أخرى خارج البيوع فقال: \" ولا يخطب على خطبة أخيه \" أي لا يأتي رجل بعد الاتفاق على الزواج والتراضي بين الطرفين وركون كل منهما إلى الآخر فيخطب تلك المرأة لنفسه، ويُرغب أهلها في تزويجها له، \" ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها \" أي ولا تطلب المرأة المخطوبة طلاق الزوجة الأولى لتسلبها ما كانت تنعم به من معاشرة ونفقة ونحوها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم بيع الحاضر للبادي وهو أن يتولى الحضري بيع السلعة للبدوي في المستقبل، منتظرًا ارتفاع سعرها، قال العيني: وهو قول أكثر أهل العلم، وقول مالك والليث والشافعي وأحمد، وحكى مجاهد جوازه وهو قول أبي حنيفة وآخرين (١) وقالوا: النهي\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١١.","vol":"3","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>٦٣٩ - \" بَابُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ </span>\"\n٧٣٩ - عَنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:\n\" أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَأخَذَهُ النبي - ﷺ - فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي، فاشتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِكَذَا وَكَذَا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ \".\nــ\nمنسوخ، وهل النهي يقتضي الفساد أم لا؟ ذهب مالك وأحمد إلى أن البيع لا يصح، وذهب الجمهور إلى أنّه يصح مع الحرمة. ثانيًاً: تحريم النجش (١) فإن تواطأ البائع والمشتري أثما معًا، والبيع صحيح عند الشافعية والحنفية، خلافًا للحنابلة، وقالت المالكية: له الخيار. ثالثًا: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه بعد الركون والتراضي، ولا خلاف في ذلك. رابعًا: تحريم خطبة الرجل على خطبة أخيه المسلم ما لم يأذن له وإلا كان عاصيًا وصح نكاحه عند الجمهور، خلافًا لداود الظاهري ومالك في رواية. وقال مالك في المشهور عنه يفسخ النكاح قبل الدخول، ويلحق الذمي بالمسلم عند الجمهور. خامسًا: أنه لا يجوز للمخطوبة أن تسأل طلاق الزوجة الأولى. والمطابقة: هي: \" في كون الحديث جزءًا من الترجمة \".\n٦٣٩ - \" باب بيع المزايدة \"\n٧٣٩ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁: \" أن رجلًا أعتق غلامًا عن دبر \" أي أن رجلًا أنصاريًا يدعى أبا مدكور أعتق عبدًا قبطيًا بعد وفاته يسمى يعقوب، \" فأخذه النبي - ﷺ - فقال: من يشتريه \" أي فأصابت الرجل ضائقة مالية فعرض النبي - ﷺ - عبده للبيع عن طريق المزايدة\n_________\n(١) وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليرفع من سعرها.","vol":"3","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>٦٤٠ - \" بَابُ بَيْعِ الْغرَرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ </span>\"\n٧٤٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\n\"أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًَا يتبَايَعَهُ\nــ\n\" فاشتراه نعيم (١) بن عبد الله \" بأغلى ثمن وصل إليه \" بكذا \" أي بثمانمائة درهم. الحديث: أخرجه الخمسة غير أبي داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز بيع المزايدة وهو مذهب الجمهور، وكرهه بعضهم وعدوه من النجش، والحديث حجة عليهم: وعن أنس ﵁ \" أن النبي - ﷺ - باع حلسًا وقدحًا وقال: من يشتري هذا الحلس (٢) والقدح؟ فقال رجل: آخذهما بدرهم فقال النبي - ﷺ -: من يزيد على درهم \" الخ أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. ثانيًاً: جواز بيع المدير وهو مذهب، الشافعي وأحمد خلافًا لمالك وغيره.\n٦٤٠ - \" باب بيع الغرر وحبل الحبلة \"\nأي هذا باب تذكر فيه الأحاديث المتعلقة بتحريم بيع الغرر وبيع حَبَلِ الحبلة بفتح الباء فيهما، قال العيني: وهو الصواب. وبيع الغرر، هو كل بيع يجهل فيه الثمن أو المبيع، أو يجهل فيه سلامة المبيع، أو أجله، ومنه بيع حبل الحبلة، فإنه نوع من أنواع بيع الغرر، وعطفه عليه من باب عطف الخاص على العام، وبيع حبل الحبلة كما قال مالك والشافعي: أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه الناقة، ثم تنتج الذي في بطنها وهو باطل لأنّه بيع غرر لجهالة الأجل: وهناك أقوال أخرى في معناه تأتي\n_________\n(١) بضم النون وفتح العين وسكون الياء.\n(٢) بكسر الخاء كساء يوضع على ظهر البعير.","vol":"3","page":273},{"text":"أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إلَى أن تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ الَّتِي في بَطْنِهَا\".\nــ\nفي شرح الحديث.\n٧٤٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع حبل الحبلة بفتح الباء في الكلمتين، وهو بيع من البيوع التي كان يمارسها العرب في الجاهلية، فحرمها الإسلام، ونهى عنها الرسول - ﷺ -. ومعنى بيع حبل الحبلة الذي كانوا يتعاملون به في الجاهلية كما قال راوي الحديث أن الرجل كان يشتري البعير بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ناقة، وتكبر تلك الناقة التي ولدتها، وتلد أيضًا مثل أمها، وإنما نهى النبي - ﷺ - عن هذا البيع لأن الأجل فيه مجهول، فهو بيع غرر.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم بيع حبل الحبلة، واختلف الفقهاء في معناه، فقال مالك والشافعي وغيرهما: هو أن يقول البائع بعتك هذه السلعة بثمن مؤجل إلى أن تنتج هذه الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، وهو بيع حرام وباطل وبيع غرر لأن الأجل فيه مجهول، وقال أحمد: هو بيع ولد الناقة، وهو بيع غرر أيضًا، لأنه بيع شيء مجهول إلى أجل مجهول، وهو محرم وباطل، لما ذكرنا، ولأنه غير مقدور على تسليمه إلا أن راوي الحديث قد فسر بيع حبل الحبلة بالأول وتفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر. ثانيًاً: استدل البخاري بنهيه - ﷺ - عن بيع حبل الحبلة على تحريم بيع الغرر، وهو كل بيع احتوى على جهالة، أو كان المبيع غير مقدور على تسليمه، أو غير تام الملكية، كالعبد الآبق، والسمك في الماء الكثير، لأن العلة في النهي عن بيع حبل الحبلة هي الغرر، فيدخل في ذلك جميع بيوع الغرر. والحكمة في تحريمه - كما أفاده الزرقاني (١) أنه أكلٌ لأموال\n_________\n(١) \" شرح الزرقاني على الموطأ \" ج ٣.","vol":"3","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>٦٤١ - \" بَابُ إِنْ شَاء رَدَّ المصراة وفي حلبتها صاع من تمر </span>\"\n٧٤١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ اشْتَرى غَنَمًَا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا، وَإنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاع مِنْ تَمْرٍ \".\nــ\nالناس بالباطل إذا لم يحصل المبيع، وقد نبه النبي - ﷺ - على هذه العلة في بيع الثمار قبل صلاحها، فقال: \" أرأيت إن منع الله الثمرة، فبم يأكل أحدكم مال أخيه \". وقد ورد النهي عن بيع الغرر نصًا وتصريحًا في حديث، سعيد ابن المسيب أن رسول الله - ﷺ - \" نهى عن بيع الغرر \" أخرجه مالك في \" الموطأ \" ثم قال مالك رحمه (١) الله والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإِناث، من النساء والدواب (٢)، لأنه لا يدري أيخرج أم لا، فإن خرج لم يدر أيكون حسنًا أم قبيحًا؟ تامًا أم ناقصًا؟ ذكرًا أم أنثى، وذلك كله يتفاضل، إن كان كذا فقيمته كذا وإن كان على كذا فقيمته كذا.\nالحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" نهى عن بيع حبل الحبلة \".\n٦٤١ - \" باب إن اشاء رد المصراة وفي حلبتها صاع من تمر \"\n٧٤١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها \" أي أن كل من غُرِّر به أو خدع في البيع، فاشترى غنمًا قد حبس اللبن في ضرعها، وترك حَلْبُها مدة من الزمن ليكثر اللبن فيه فيظنَّ أنها حلوب كثيرة اللبن، فلما اشتراها وحلبها، ظهر له قلة لبنها، فإنّ له\n_________\n(١) \" موطأ مالك \".\n(٢) قال الزرقاني: وهذا لا خلاف فيه لأنه غرر مجهول. اهـ. كما في \" شرح الزرقاني \" ج ٣.","vol":"3","page":275},{"text":"الحق في إبقائها أو ردها لبائعها لمدة ثلاثة أيام \" فإن رضي أمسكها \" أي فإن أحبها ورضي بها فله الحق في إبقائها \" وإن سخطها \" أي وإن كرهها فله الحق في ردها إلى صاحبها لمدة ثلاثة أيام، كما ذكرنا فإن ردها \" ففي حلبتها صاع تمر \" أي فإن عليه أن يدفع لصاحبها صاعًا من تمر عوضًا عن الحليب الذي شربه منها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم تصرية الغنم، ولو كان ذلك جائزًا لما كان للمشتري الحق في رد الشاة المصراة، وكذلك الإبل والبقر فإنه يحرم تصريتها لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \" لا تصرُّوا الإِبل والغنم ... \" إلخ متفق عليه، وفي رواية \" لا تُصَرُّ \" بالنفي وهو أبلغ، وقد جاء في الحديث الصحيح \" أن النبي - ﷺ - نهى عن تصرية الحيوان إذا أريد بيعه \". ثانيًاً: أن للمشتري الحق في رد المصراة لمدة ثلاثة أيام على أن يدفعٍ لصاحبها صاعًا من تمر مقابل ما شربه من لبنها، سواء كانت غنمًا أو إبلا أو بقرًا، لما جاء في رواية أخرى عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \" لا تصروا الإِبل والغنم، فمن ابتاعها بعد، فإنه بخير النظرين بين أن يحتلبها، إن شاء أمسك وإن شاء ردّها وصاعَ تمرٍ \" متفق عليه وهو مذهب الجمهور، وقالت الحنفية: ليس له أن يردها وإنما يرجع على البائع بنقصان المبيع، وأجابوا عن حديث الباب وغيره بأنه مضطرب، لأنه ذكر التمر مرة، والقمح أخرى، وقالوا: إن هذا الحكم منسوخ، وأجيب بأن الطرق الصحيحة لا اختلاف ولا اضطراب فيها، وأما النسخ فإنه لا يثبت بالاحتمال. اهـ. كما أفاده الصنعاني. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" ففي حلبتها صاع من تمر \".\n***","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-696>٦٤٢ - \" بَابُ مَنْ كَرِهَ أنْ يبيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ </span>\"\n٧٤٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" نَهَى رَسُولُ اللهَ - ﷺ - أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ \"، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄.\nــ\n٦٤١ - \" باب من كره أن يبيع حاضِرٌ لباد بأجر \"\n٧٤٢ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" نهي رسول الله - ﷺ - أن يبيع حاضر لباد \" أي نهي النبي - ﷺ - الحضري أن يتولى بيع السلعة للبدوي، فيصير له سمسارًا، كما فسره بذلك ابن عباس ﵄، فقد روى البخاري بسنده المتصل عن ابن عباس أنّ طاووسًا قال: قلت لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد قال: لا يكون له سمسارًا. الحديث: أخرجه الخمسة، غير الترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز للحضري أن يبيع للبدوي سلعته، وهو قول بعض أهل العلم منهم الشافعي وغيره، قال النووي: هذه الأحاديث تتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي، وبه قال الشافعي والأكثرون، قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدي: اتركه عندي لأبيعه على التدرج بأغلى. قال أصحابنا: وإنما يحرم بهذه الشروط وأن يكون عالمًا بالنهي، وبه قال جماعة من المالكية، وقال بعض المالكية: يفسخ البيع (١) ما لم يفت، وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقًا لحديث \" الدين النصيحة \" قالوا: وحديث \" النهي عن بيع حاضر لباد \"\n_________\n(١) وقال الشافعي وإن باع فالبيع جائز أي صحيح كما أفاده الترمذي.","vol":"3","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-697>٦٤٣ - \" بَابُ بَيعِ الشعير بالشعير </span>\"\n٧٤٣ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أوْسٍ ﵁:\nأنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًَا بمائةِ دِينَارٍ قَالَ: فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطرفَ مِنِّي، فَأخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا في يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأتِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذلك، فَقَالَ: وَاللهِ لا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ والبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وهَاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وهَاءَ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبًا إلَا هَاءَ وَهَاءَ \".\nــ\nمنسوخ. اهـ. واختلف قول مالك في الشراء له، فمرة قال: لا يشتري له ولا يشتري عليه، ومرة أجاز الشراء له وهو قول الليث والشافعي (١).\nالحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" فهي أن يبيع حاضر لباد \" حيث أنّ النهي يدل على التحريم أو الكراهة على الأقل.\n٦٤٣ - \" باب بيع الشعير بالشعير \"\n٧٤٣ - معنى الحديث: يحدثنا مالك بن أوس ﵁ \" أنه التمس صرفًا بمائة دينار \" أي بحث عمن يصرفها له \" قال: فدعاني طلحة \" أي ناداني \" فتراوضنا \" أي فتساومنا عليها \" حتى اصطرف مني \" أي صرفها \" ثم قال: \" حتى يأتي خازني من الغابة \" أي أمهلني في ثمنها حتى يأتي خازني من الغابة \" وعمر يسمع ذلك فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه \" الثمن \" قال رسول الله - ﷺ -: الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء \" بفتح الهمزة\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي شرح الترمذي \" ج ٤.","vol":"3","page":278},{"text":"أي إلاّ خُذْ وهات. قال العيني: والمراد أنهما يتقابضان في المجلس قبل التفرق منه، يعني أنّه لا يجوز بيع الذهب بالذهب إلاّ يدًا بيد، فيتناول المشتري السلعة ويتناول البائع الثمن في وقت واحد ومجلس واحد، أما إذا تأخّر أحد البدلين عن الآخر فلا يجوز البيع، لأنه ربا النسيئة \" والبر بالبر ربا إلاّ هاء وهاء \" الخ أي وكذلك لا يجوز أن يتأخر أحد البدلين في البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، لأنه ربا النسيئة، وهو محرم شرعًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز بيع الذهب بالذهب والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، يدًا بيد، أي بشرط أن يستلم البائع الثمن والمشتري السلعة قبل أن يتفرقا. ثانيًاً: أنه لا يجوز أن يتأخر أحد البدلين عن الآخر في بيع الذهب بالذهب، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، لأنه ربا النسيئة المحرم شرعًا. وكما لا تجوز النسيئة في بيع هذه الأصناف بنفسها، كذلك لا يجوز التفاضل، أما تحريم النسيئة فيدل عليه حديث الباب وأما تحريم التفاضل فتدل عليه أحاديث أخرى. وقد وردت هذه الأحكام مجتمعة في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \" الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد \" أخرجه مسلم فقد دل حديث عبادة هذا على أن بيع هذه الأصناف تعتريه أحكام ثلاثة:\nالأول: يحرم بيعها نسيئة وتفاضلًا إذا كان البدلان من نوع واحد، كبُرٍّ ببُرٍّ، وشعير بشعير (١) الثاني: يحرم بيعها نسيئة ويجوز تفاضلًا، إذا اختلف النوعان كبيع الشعير بالتمر (٢). الثالث: يجوز بيعها نسيئة وتفاضلًا إذا بيعت هذه\n_________\n(١) لقوله - ﷺ -: \" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد \" لدلالته بالنصِّ على وجوب التماثل والتقابض في المجلس بين البدلين المتحدين في النوع ولدلالة مفهومه على تحريم التفاضل والنسيئة بينهما.\n(٢) وذلك لقوله - ﷺ -: \" فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد \" حيث يدل بنصه =","vol":"3","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>٦٤٤ - \" بَابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ </span>\"\n٧٤٤ - عنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَواءٍ، والفِضَّةَ بالفِضَّةِ إلَّا سَوَاءً بِسَواءٍ، وبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ \".\nــ\nالأصناف بأصناف أخرى غير الأشياء المذكورة في الحديث، وهذا الحكم وإن كان غير منصوص عليه، إلاّ أنه يؤخذ من مفهوم الحديث، والله أعلم.\nالحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" الشعير بالشعير ربا إلاّ هاء وهاء \".\n٦٤٤ - \" باب بيع الذهب بالذهب \"\n٧٤٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء \"، أي أنه - ﷺ - ينهانا عن بيع الذهب بالذهب إلّا إذا كانا متماثلين متساويين في مقدارهما ووزنهما. \" والفضة بالفضة إلا سواء بسواء \" أي وكذلك لا تبيعوا الفضة بالفضة إلاّ متماثلين \" وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم \" أي سواء كانا متماثلين أو متفاضلين أما النسيئة فلا تجوز لما جاء في الحديث السابق.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وهو ربا الفضل، وكذلك لا يجوز بيع البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والزبيب بالزبيب، والملح بالملح متفاضلًا، كما جاء النهي عن ذلك في حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرناه في شرح الحديث\n_________\n= ومنطوقه على أنه إذا اختلف النوع جاز التفاضل وحرمت النسيئة. اهـ.","vol":"3","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>٦٤٥ - \" بَابُ بَيْعِ الدِّينَارِ بالديْنَارِ نسَاءً </span>\"\n٧٤٥ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ الله \" عَنْهُ قَالَ: \"الدِّينَارُ بالدِّينَارِ، والدِّرْهَمُ بالدِّرْهَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ\nــ\nالسابق. وقد اتفق الفقهاء على تحريم ربا الفضل في السبعة الأصناف المذكورة في الحديث، واختلفوا فيما عداها (١)، فطائفة قصرت التحريم عليها وهم الظاهرية، وطائفة حرمت، التفاضل في كل مكيل أو موزون بجنسه، وهذا مذهب أحمد في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة وطائفة خصته بالنقدين والطعام مطلقًا، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، سواء كان قوتًا أو فاكهة أو دواء، وطائفة خصته بالطعام مكيلًا أو موزونًا وهو قول للشافعي، ورواية عن أحمد، وطائفة خصته بالقوت وما يُصلحه وهو قول مالك، واعتبره ابن القيم أرجح الأقوال (٢). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّ سواء بسواء \".\n٦٤٥ - \" باب بيع الدينار بالدينار نساءً \"\n٧٤٥ - معنى الحديث: أن أبا سعيد الخدري \" قال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم \" أي لا يجوز بيع الدينار الواحد إلاّ بدينار واحد مثله في القدر والوزن، وكذلك لا يجوز بيع الدرهم من الفضة إلاّ بدرهم يساويه في وزنه، فلا يجوز التفاضل في بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، وفي رواية أخرى عنه: \" الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم مثلًا بمثل، من زاد وازداد فقد أربى \" أخرجه مسلم، \" فقيل له: \" أي قال أبو صالح\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٤.\n(٢) \" إعلام الموقعين \" ج ٢ كما أفاده في \" الفقه الإسلامي وأدلته \" ج ٤.","vol":"3","page":281},{"text":"لا يَقُولُهُ فَقَالَ أبو سَعِيدٍ سَألتُهُ، فقُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - أوْ وَجَدْتَهُ في كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: كُل ذلِكَ لا أقُولُ وأنتُمْ أعْلَمُ برَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنِّى، ولَكِنَّنِي أخْبَرنِي أُسَامَةُ أن النبي - ﷺ - قَالَ: \" لا رِبَا إِلَّا في النَّسِئَةِ\".\nــ\nالزيات راوي الحديث لأبي سعيد: \" إن ابن عباس لا يقوله \" أي لا يقول بربا الفضل، ولا يحرمه في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والشعير بالشعير الخ. \" فقلت: سمعته من النبي - ﷺ - \" أي فقال أبو سعيد أتيتُ ابن عباس فسألته: هل سمعت جواز التفاضل بين المتماثلين من هذه الأصناف السبعة من النبي - ﷺ - \" أو وجدته في كتاب الله \" منصوصًا عليه فيه \" قال: كل ذلك لا أقول \" أي لم أجده في القرآن، ولا سمعته بنفسي من النبي - ﷺ - \" ولكن أخبرني أسامة أن النبي - ﷺ - قال: لا ربا إلاّ في النسيئة \" وهذا يدل على جواز التفاضل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم ربا الفضل، لقول أبي سعيد: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وأبو سعيد لا يقوله من عنده، وقد جاء هذا الحديث في رواية أخرى مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - بلفظ \" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى \" أخرجه أحمد والبخاري. ثانيًاً: تحريم ربا النسيئة بقوله - ﷺ -: \" لا ربا إلاّ في النسيئة \" ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. ثالثًا: ذهب ابن عباس ﵄ إلى جواز بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والشعير بالشعير، وكل شيء بمثله متفاضلًا، وحصر الربا في بيع النسيئة فقط، وحجته في ذلك حديث أسامة \" لا ربا إلاّ في النسيئة \" وقد اتفقوا على صحته كما أفاده الحافظ، واختلف أهل العلم في الإِجابة عنه، فقال بعضهم: معنى قوله - ﷺ -: \" لا ربا إلا في النسيئة \" أن غيره","vol":"3","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-700>٦٤٦ - \" بَابُ بَيْعِ الْوَرِقِ بالذَّهَبِ نسِيئَةً </span>\"\n٧٤٦ - عنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵃:\nأنَّهُمَا سُئِلا عَنِ الصَّرْف فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هَذَا خَيرٌ مِنِّي\nــ\nمن أنواع الربا بالنسبة إليه لا يُعَدُّ شيئًا (١)، لأن الخطر الأشد، والضرر الأعظم إنما هو في ربا النسيئة، فإنه متى وقع في أمة استشرى فيها وتمكن منها تمكن السرطان من الجسم الذي يحل فيه، ولأنه لا يكاد يقع ربا الفضل إلّا كان ربا النسيئة سببًا فيه، فلا تكاد ترى أحدًا يقبل شراء التمر بالتمر متفاضلًا إلّا إذا كان الثمن مؤجلًا، وكذلك بيع الدراهم بالدراهم متفاضلًا سببه النسيئة كما نرى في الديون الربوية والمعاملات البنكية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" الدينار بالدينار \" يعني يدًا بيد فلا تجوز النسيئة.\n٦٤٦ - \" باب بيع الورق بالذهب نسيئة \"\n٧٤٦ - معنى الحديث: أنه سئل البراء بن عازب وزيد بن أرقم\n_________\n(١) بل هناك جوابان أصح مما ذكر الأول للشافعي فقد قال: قد يكون أسامة جمع رسول الله - ﷺ - يسأل عن الصنفين المختلفين مثل الذهب بالورق والتمر بالحنطة، أو ما اختلف جنسه متفاضلًا يدًا بيد فقال: إنما الربا في النسيئة فأدرك الجواب ولم يحفظ المسألة أو شك فيها. الجواب الثاني: أن حديث أسامة منسوخ فقد ذكر الحازمي في \" الاعتبار \" عن البراء بن عازب قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وتجارتنا هكذا فقال: ما كان يدًا بيد فلا بأس به (أي ولو كان متفاضلًا من جنس واحد) وما كان نسيئًا فلا خير فيه، قال الحميدى: هذا منسوخ لا يؤخذ به. اهـ. \" الاعتبار \" ص ٣١٦. وهناك جواب ثالث: وهو إذا اختلف حديثان صحيحان وجب المصير إلى ترجيح أحدهما بأحد وسائل الترجيح وإلا تساقطا ورجعنا إلى الاستصحاب كما هو مبين في علم أصول الفقه. وفي هذه المسألة نرجح حديث أبي سعيد على حديث أسامة لأن تحريم ربا الفضل ثبت بأحاديث كثيرة صحيحة لا شك فيها ولأن تحريم ربا الفضل هو الذي عليه جماهير الصحابة والتابعين ومن تبعهم من فقهاء الأنصار إلى يوم الناس هذا ولم يذهب مذهب ابن عباس في ربا الفضل إلا أفذاذ من الناس. اهـ. (حسن السماحي).","vol":"3","page":283},{"text":"وكلاهُمَا يَقُولُ: \" نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيع الذَّهَبِ بالْوَرِقِ دَيْنًا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>٦٤٧ - \" بَابُ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ </span>\"\n٧٤٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" لا تَبيعُوا الثَّمَرَ حتى يَبْدُو صَلَاحُهُ، ولا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بالتَّمْرِ قَالَ: وأخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، ْ أو بالتَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غَيْرِهِ.\nــ\n﵃ عن صرف الذهب بالفضة أو بالعكس هل يجوز فيه الدين أم لا، فكان كل واحد منهما يدفع الفتوى عن نفسه، ويقول عن الآخر: إنه خير منه، ثم قالا: \" نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الذهب بالورق \" يعنى بالفضة \" دينًا \" أي بالدين، وهو بيع ذهب حاضر بفضة مؤجلة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم الدين في الصرف، لأنه يلزم منه بيع أحد المتماثلين في العلة الواحدة بالآخر مؤجلًا، وهو ربا النسيئة. والمطابقة: في قوله: \" نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الذهب بالورق دينًا \".\n٦٤٧ - \" باب بيع المزابنة \"\nوهو أي بيع المزابنة بيع الرطب بالتمر:\n٧٤٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الثمار عامة حتى تنضج، ويظهر صلاحها، وتصبح على الصفة التي يرغبها الناس فيها، وعلامة ذلك أن تحمرّ وتصفرّ، كما في الرطب مثلًا، ونهى - ﷺ - أيضًا عن بيع الرطب بالتمر وهو ما يسمى عند العرب ببيع المزابنة، وبيع الزبيب بالعنب، وبيع العرايا، وسيأتي تفسيره، إلاّ أن النبي - ﷺ - استثنى من هذا النهي بيع","vol":"3","page":284},{"text":"العرايا، فأجازه ورخص فيها كما روى الزهري في هذا الحديث عن زيد بن ثابت \" أنّ رسول الله - ﷺ - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره \" ومعناه أن النبي - ﷺ - استثنى من هذا بيع العرية فأجازه، وهو بيع الرطب على النخل من التمر بعد معرفة خرصه عند جفافه بشروط معينة. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم بيع الثمار قبل نضجها وسيأتي في موضعه. ثانيًاً: تحريم بيع المزابنة، وهو بيع الثمار الرطبة الناضجة بالثمار الجافة، كبِيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب، لأنه يؤدي إلى التفاضل بين المتماثلين نوعًا وعلة، وهو ربا الفضل، ويستثنى من ذلك بيع العرية أو العرايا، وهو أن يبيع رطبًا على النخل لا يبلغ خمسة أوسق بخرصه من التمر لمن يأكله رطبًا، وقد رخص فيه النبي - ﷺ - وأجازه، قال ابن قدامة وهو قول أكثر أهل العلم منهم مالك وأهل المدينة والأوزاعي والشافعي وإسحاق. وقال أبو حنيفة (١) لا يحل بيعها لأن النبي - ﷺ - نهى عن بيع المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر متفق عليه. قال ابن قدامة: ولنا ما روى أبو هريرة \" أن النبي - ﷺ - رخص في العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق \" \"قال\" ورواه زيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة وغيرهما، وخرجه أئمة الحديث في كتبهم وفي سياقه \" إلا العرايا \" كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. اهـ. ثالثًا: قال في حديث الباب: \" وأخبرني زيد ابن ثابت أن رسول الله - ﷺ - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر \" وظاهره يدل على جواز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض ولكن الشراح تأوّلوا هذه الرواية كما قال القسطلاني بأن \" أو\" للشك وأكثر الروايات على أنه إنما قال بالتمر، فلا يعول على غيره. هذا وقد حمل بعض أهل العلم\n_________\n(١) \" المغني \" ج ٤.","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-702>٦٤٨ - \" بَابُ إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أنْ يبدُوَ صَلَاحُهَا ثُمَّ أصَابَتْهَا عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ </span>\"\n٧٤٨ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ:\n\" نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْع الثِّمَارِ حتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي، قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، أرَأيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأخُذُ أحَدُكُمْ مَالَ أخِيهِ؟ \".\nــ\nالحديث على ظاهره فأجازوا بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض، قال القسطلاني: وهو وجه عند الشافعية وقد روى النسائي والطبراني من طريق الأوزاعي عن الزهري ما يؤيّد أن \" أو\" للتمييز لا للشك حيث قال: بالرطب أو بالتمر. والمطابقة: في قوله: \" ولا تبيعوا الثَّمرَ بالتمر \" أي الرطب بالتمر.\n٦٤٨ - \" باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو مِنَ البائع \"\n٧٤٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهانا عن بيع الثمار التي على رؤوس النخل منفردة وحدها عن النخل حتى تنضج، ويظهر صلاحه - ﷺ -، وهو معنى قوله: \" حتى تُزْهي \" قال الخليل: أزهى النخل بدا صلاحه، وفي رواية تزهو، وصوّبها بعضهم، وأنكر الياء، وصوب الخطابي الياء، ونفى تزهو بالواو، وقال ابن الأثير: والصواب الروايتان على اللغتين، يقال: زها يزهو إذا ظهرت ثمرته وأزهى يزهي إذا احمرّ واصفرّ كما جاء تفسيره بذلك في حديث الباب حيث قال: \" فقيل لى: يا رسول الله وما تزهي؟ فقال:\nحتى تحمرّ \" وفي رواية \" أو تصفَرّ \"، لأنه إذا احمرت أو اصفرت كان ذلك علامة على تمام نضوجها ثم بين أن العلة الشرعية في تحريم بيع الثمار قبل نضوجها","vol":"3","page":286},{"text":"هي ما يحتوي عليه هذا البيع من الضرر والمخاطرة، لأنها قد تتلف الثمرة فيخسر المشتري، فيؤدي ذلك إلي أكل أموال الناس بالباطل لاحتمال حدوث العاهة قبل أخذها \" فقال - ﷺ -: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه \" \" والمعنى \" أنه إنما نهى - ﷺ - عن هذا البيع لأنه لا ينبغي لأحد أن يأخذ مال أخيه باطلًا، وبيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها قد يؤدي إلى ذلك، لأنه إذا تلفت الثمرة لا يبقى للمشتري في مقابل ما دفعه شيء. قال القسطلاني: واختلف في هذه الجملة هل هي مرفوعة (١) أو موقوفة فصرح مالك بالرفع، حيث قال في \" الموطأ \": وقال رسول الله - ﷺ -: \" أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه \" وقال الدارقطني: خالف مالكًا جماعة، منهم ابن المبارك يعني فقالوا إنها موقوفة على أنس ﵁، قال الحافظ: وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قولَ من رفعه. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه والحديث صريح في ثمار النخل، حيث نهى عن بيعها حتى تزهي أي حتى تحمرّ أو تصفرّ، ويتم نضجها، ويظهر صلاحها، وكذلك الحكم في بيع العنب والحبوب، لما جاء في حديث أنس \" أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحب حتى يشتد \" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ويعرف صلاح البلح بالاحمرار والاصفرار وصلاح العنب بظهور الماء الحلو اللين والسواد في بعضه والاصفرار في البعض الآخر، وصلاح الحبوب ببياضها واشتدادها وصلاح الفواكه بطيب الأكل، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، كرهوا بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، قال الزرقاني: وبه قال الجمهور:\n_________\n(١) أي اختلفوا هل هي مرفوعة إلى النبي - ﷺ - أو أنها موقوفة على أنس ﵁.","vol":"3","page":287},{"text":"أما حكم هذا البيع من حيث الصحة والفساد فقد قال ابن قدامة: لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام. أحدها: أن يشتريها بشرط التبقية فلا يصح البيع إجماعًا، لأنّ النبي - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها والنهى يقتضي فساد المنهي عنه. الثاني: أن يبيعها بشرط القطع في الحال، فيصح بالإِجماع، لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها. والثالث: أن يبيعها مطلقًا ولم يشترطا قطعًا ولا تبقية فالبيع باطل عند الحنابلة وبه قال مالك والشافعي، وأجازه أبو حنيفة، لأن إطلاق العقد يقتضي القطع، فهو كما لو اشترطه. اهـ. والمراد ببيع الثمار قبل بدو صلاحها الذي تجري فيه هذه الأحكام هو بيعها لغير مالك الأصل، أما بيعها مع الأصل فإنه يجوز في جميع الأحوال إجماعًا. فإن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها: بشرط القطع، ثم أبقاها حتى بدا صلاحها فالبيع صحيح عند أكثر الفقهاء، وهو رواية عن أحمد. ثانيًاً: استدل ابن شهاب الزهري بهذا الحديث على أنه إذا باع البائع الثمرة منفردة عن الأصل قبل أن يبدو صلاحها، فأصابتها جائحة يعني عاهة (١) فأهلكتها كانت في ضمان البائع، فعليه أن يعوّض المشتري عما تلف من الثمرة، وفي هذا يقول الزهري كما رواه عنه البخاري: \" ولو أن رجلًا ابتاع تمرًا قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه \" أي كان ذلك التلف محسوبًا على مالك الثمرة \" وهو البائع، والظاهر أن هذا هو مذهب البخاري. أمّا مذهب الفقهاء في هذه المسألة فقد قال ابن قدامة: \" ما تهلكه الجائحة من الثمار من ضمان البائع \" وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث. وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري لما روي أنّ امرأة أتت النبي - ﷺ - فقالت:\n_________\n(١) أي من ضمانه مطلقًا، سواء كان المبيع قبل نضوج الثمرة أو بعده.","vol":"3","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>٦٤٩ - \" بَابُ بَيْعِ الْمُخاضَرَةِ </span>\"\n٧٤٩ - عَنْ أنسٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ:\n\" نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، والْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، والمُنَابَذَةِ، والْمُزَابَنَةِ \".\nــ\nإن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتها الجائحة فسألته أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل فقال النبي - ﷺ -: \" تألى فلان أن لا يفعل خيرًا \" متفق عليه ولو كان واجبًا لأجبره عليه. قال ابن قدامة: ولنا ما روى مسلم في \" صحيحه \" عن جابر \" أن النبي - ﷺ - أمر بوضع الجوائح \"، وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن بعت من أخيك تمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، لم تأخذ مال أخيك بغير حق \" رواه مسلم وأبو داود. قال ابن قدامة: وفي رواية أخرى أن ما كان دون الثلث فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم. اهـ. ويتلخص لنا من ذلك أن ما أتلفته الجائحة فيه \" ثلاث أقوال: الأول: أنه في ضمان المشتري مطلقًا قليلًا كان أو كثيرًا: وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي في الجديد.\nالثاني: أنه في ضمان البائع مطلقًا، لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها وهو مذهب أحمد وجماعة من أهل الحديث وأكثر أهل المدينة. الثالث: أنه في ضمان المشتري إذا كان دون الثلث، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" بم يأخذ أحدكم مال أخيه \".\n٦٤٩ - \" باب بيع المخاضرة \"\n٧٤٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى عن أنواع من البيوع. منها بيع المحاقلة: وهو بيع الزرع من البُرِّ والشعير في سنبله، والفول في غلافه","vol":"3","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-704>٦٥٠ - \" بَابُ بيعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ، ومَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ </span>\"\n٧٥٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّهُ أتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ\nــ\nبحبٍ خالص من نوعه كيلًا (١) ومنها المخاضرة: وهي بيع الثمار قبل أن يظهر صلاحها، وقد تقدم، ومنها الملامسة: وهو أن يبيعه الشيء إذا لمسه بيده دون مشاهدته والمنابذة: وهي أن يقول له أي ثوب نبذته إليّ فقد اشتريته بكذا، والمزابنة: وقد تقدم شرحها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم هذه البيوع المذكورة وبطلانها أما المخاضرة فهي بيع الحبوب والثمار قبل أن يبدو صلاحها، وهو بيع محرم وباطل، وقد تقدم شرحه في الباب السابق، كما ترجم له البخاري. أما المحاقلة فهي عند الجمهور بيع الحنطة والشعير في سنبله، والفول في غلافه بحب من نوعه كيلًا، وقال مالك: هي كراء الأرض ببعض ما ينبت منها. أما الملامسة والمنابذة فقد تقدم شرحهما في شرح الحديث على حسب قول الجمهور فيهما. الحديث: أخرجه البخاري.\n٦٥٠ - \" باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك \"\n٧٥٠ - معنى الحديث: أن رجلًا قال لابن عباس ﵄: إنني أعمل في رسم الصور الحيوانية من ذوات الأرواح وأبيعها وأعيش من\n_________\n(١) وذلك كأن يبيع الشعير في سنبله بعشرين صاعًا من الشعير الجاف. قال الصنعاني: والعلة في النهي عن ذلك هو الربا لعدم العلم بالتساوي. اهـ. وهي العلة أيضًا في تحريم المزابنة.","vol":"3","page":290},{"text":"يَدِي، وإِنِّي أصْنَعُ هَذِه التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا أحَدِّثُكَ إلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \" مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيها الرُّوحَ، وليْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أبَدًا \" فَرَبا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، واصْفَرَّ وَجهُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أبيْتَ إلَّا أن تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كلِّ شَيءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ.\nــ\nكسبها، وأنفق على عيالي منها، فهل يجوز ذلك؟ فقال له ابن عباس ﵄: إنني لا أريد أن أجيبك على سؤالك هذا إلاّ بحديث سمعته بنفسي من رسول الله - ﷺ - حيث قال: \" من صوّر صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ في الروح، وليس بنافخ \" أي من رسم هذه الصور الحيوانية لذوات الأرواح، فإن الله تعالى سيعذبه يوم القيامة عذابًا شديدًا طويلًا حتى ينفخ فيها الروح، وهذا أمر لا يقدر عليه، ولا يتمكن منه، فيطول عذابه إذن، \" فربا الرجل ربوة شديدة واصفر \" أي فلما سمع الرجل هذا الوعيد الشديد الذي يترتب على تصوير الصور الحيوانية فزع فزعًا شديدًا حتى اصفرّ لونه من شدة الخوف: \" فقال: ويحك إن أبيت إلاّ أن تصنع فعليك هذا الشجر \" أي فلما رأى ابن عباس ما أصاب هذا الرجل من الفزع والخوف الشديد من هذا الوعيد، وأدرك الحرج الذي وقع فيه، وأن الرجل بين أمرين أحلاهما مر، أشفق عليه، ورثا لحاله، وعبر عن ذلك بقوله: \" ويحك \" فهي كلمة ترحم وعطف وإشفاق، ثم أشار عليه بعمل من جنس مهنته لا إثم فيه، فقال: إذا كنت لا بد لك من التصوير، ولا غنى لك عنه، لأنه مهنتك التي لا غنى لك عنها في حياتك، وصنعتك التي لا بد لك منها، ولا تعرف غيرها، وتجارتك التي تتعيش منها، فإن في إمكانك أن ترسم الصور النباتية والطبيعية كالأشجار والأزهار والجبال والأنهار، وتتكسسب منها، ولا يكون عليك في","vol":"3","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>٦٥١ - \" بَابُ تحْرِيمِ التِّجَارَةِ في الْخمْرِ </span>\"\n٧٥١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nلَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ الْبَقَرةِ عنْ آخِرِهَا خَرَجَ النبي - ﷺ - فَقَالَ: \" حُرِّمَتْ التِّجَارَةُ في الْخَمْرِ \".\nــ\nرسمها وبيعها أي حرج من الناحية الدينية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم رسم الصور الحيوانية وتصوير ذوات الأرواح من إنسان ودابّة وطير وبيعها واقتنائها. ثانيًا: جواز تصوير الصور النباتية والطبيعية من غير ذوات الأرواح وبيعها، والتكسب منها، كما أفتى بذلك ابن عباس ﵄: وهو ما ترجم له البخاري استنادًا إلى قول ابن عباس ﵄. والمطابقة: بين قول ابن عباس ﵄ في الحديث \" إن أبيت إلاّ أن تصنع فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس فيه روح \" وبين قوله في الترجمة: \" باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح \".\n٦٥١ - \" باب تحريم التجارة في الخمر \"\n٧٥١ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" لما نزلت آيات سورة البقرة \" ولفظه في رواية أخرى: \" لما نزلت الآيات من سورة البقرة في الربا \" \" خرج النبي - ﷺ - فقال: حرمت التجارة في الخمر \" أي أنّه لما نزلت آيات تحريم الربا خرج النبي - ﷺ - من بيته إِلى المسجد، فأعلن تحريم التجارة في الخمر والبيع والشراء فيها، لأن كل ما لا يجوز تناوله من المشروبات تحرم التجارة فيه، لما في ذلك من ترويج المشروبات المحرمة بين","vol":"3","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>٦٥٢ - \" بَابُ إِثْمَ مَنْ بَاعَ حُرًا </span>\"\n٧٥٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \" قَالَ اللهُ: ثَلَاثَة أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُل أعطى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًَّا فأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أجْرَهُ \".\nــ\nالناس وتشجيع الناس على تعاطيها وشربها. الحديث: أخرجه الخمسة إلا الترمذي. فقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم بيع المسكرات وأشباهها من المشروبات التي تحجب العقول وتغيبها وكذلك سائر المخدرات، لما في ذلك من ترويج السموم الفتاكة بين الناس، وشلّ حركتهم الجسمية والعقلية والنفسية، والقضاء على إرادتهم وتحطيم شخصيتهم، وانتشار الجنون فيهما. والمطابقة: في قوله: \" حرمت التجارة في الخمر \".\n٦٥٢ - \" باب إثم من باع حرًا \"\n٧٥٢ - معنى الحديث: يحدثنا رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث عن ربه ﷿ فيقول: \" قال الله: ثلاثه أنا خصمهم \" أي ثلاثة أنواع من البشر هم أعداء الله، والله خصمهم الشديد الخصومة لهم، ومن كان الله خصمه فقد هلك لا محالة. \" رجل أعطى بي ثم غدر \" قال العيني: فيه حذف المفعول (١)، تقديره أعطى العهد باسمي، واليمين بي، ثم نقض العهد، ولم يف به. وقال ابن الجوزي: معناه حلف في قوله، ثم غدر ونقض العهد الذي حلف عليه، واجترأ على الله تعالى. \" ورجل باع حرًا فأكل ثمنه \" أي باع حرًا عالمًا بحريته، عامدًا متعمدًا، ثم أخذ ثمنه، وأدخله على نفسه.\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١١.","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-707>٦٥٣ - \" بَابُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ </span>\"\n٧٥٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: \" بَاعَ النبي - ﷺ - المُدَبَّرَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>٦٥٤ - \" بَابُ ثَمَنِ الْكَلْبِ </span>\"\n٧٥٤ - عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁:\nــ\n\" ورجل استأجر أجرًا \" أي عاملًا \" فاستوفى منه \" عمله \" ولم يعطه أجرته \" أي وأكل عليه أجرة عمله. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم بيع الحر وكونه من الكبائر، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة. ثانيًاً: أن من الكبائر الجرأة على الأيمان الباطلة، ونقض العهود، وأكل أجرة الأجير، لأنه استخدمه بغير عوض، وأكل حقه بالباطل، وهو من أقبح المظالم وأشدها. والمطابقة: في قوله: \" رجل باع حرًا \".\n٦٥٣ - \" باب بيع المدبَّر \"\n٧٥٣ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" باع النبي - ﷺ - المدبر \" وهو العبد الذي أعتقه سيده بعد موته. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز بيع المدبر، قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، لم يروا في بيع المدبر بأسًا وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وكره قوم بيع المدبر، وهو قول سفيان الثوري ومالك. والمطابقة: في قوله: \" باع النبي - ﷺ - المدبَّر \".\n٦٥٤ - \" باب ثمن الكلب \"\n٧٥٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى عن ثلاثة أشياء.","vol":"3","page":294},{"text":"\" أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الْكَاهِنَ \".\nــ\nالأول: أنه - ﷺ - \" نهى عن ثمن الكلب \" أي عن بيع الكلب، وأخذ ثمنه مطلقًا، سواء كان معلَّمًا على الصيد أو غير معلّم، أو كان مما يجوز اقتناؤه مثل كلب الماشية والحرث، أو مما لا يجوز اقتناؤه. الثاني: أنه - ﷺ - نهى عن \" مهر البغي \" وهو الثمن الذي تتقاضاه الزانية مقابل تسليم نفسها للرجل الأجنبي وسماه مهرًا مجازًا. الثالث: أنه نهى - ﷺ - عن \" حلوان الكاهن \" وهو ما يأخذه الكاهن أو الكاهنة مقابل تنبأهما بالغيب. والكاهن الذي يدعي علم الغيب، ويخبر الناس بزعمه عن الكائنات الغيبية والأشياء المستقبلية، وهو شامل لكل من يدعي ذلك من منجم وضراب بالحصا ونحوه، وسمّى ما يتقاضاه الكاهن حلوانًا تشبيهًا بالشيء الحلو، لأنه يؤخذ سهلًا بلا كلفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم هذه الأشياء الثلاثة المذكورة، وقد أجمع العلماء على تحريم مهر البغي، ثم اختلفوا فيما يصنع فيه، واختار ابن القيم أنه يجب التصدق به، ولا يرد إلى الدافع، لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكن استرجاعه، فهو كسب خبيث يجب التصدق به، ولا يعان صاحب المعصية بحصول غرضه، ورجوع ماله. وأجمعوا أيضًا على تحريم حلوان الكاهن وأنه لا يحل له ما يأخذه، ولا يحل لأحد تصديقه.\nأما بيع الكلب وأخذ ثمنه فإن ظاهر الحديث يدل على تحريم بيعه وأكل ثمنه مطلقًا، مأذونًا فيه أو غير مأذون، وهو مذهب أحمد والشافعي والأوزاعي وداود، وعلة تحريم بيعه نجاسته: وجوّز أبو حنيفة بيع الكلب الذي فيه منفعة، وعن مالك ثلاث روايات: الأولى: لا يجوز، وتجب القيمة، والثانية: يجوز بيع ما فيه منفعة: والثالث كالجمهور. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: ظاهرة.","vol":"3","page":295},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-710> كتابُ السَّلَمِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>٦٥٥ - \" بَابُ بَيْعِ السَّلَمِ في كَيْل مَعْلُومٍ </span>\"\n٧٥٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ والنَّاسُ يُسْلِفُونَ في التَّمْرِ السَنّتيْنِ والثَّلَاثَ فَقَالَ: \" مَنْ أسْلَفَ في شَيْءٍ ففِي كيْل مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلِ مَعْلُوم \".\nــ\n\n\" كتاب السلم \"\nالسلم بفتح السين واللام معناه لغة: تسليم رأس المال في مجلس البيع، ويسمى سلفًا أيضًا، إلاّ أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، أما السلم شرعًا فهو بيع شيء مؤجل موصوف في الذمة بثمن معجّل مقبوض في مجلس العقد كبيع عشرين أردبًا من القمح مؤجلة، إلى عام أو عامين بأربعة آلاف معجلة نقدًا في مجلس العقد، وهو بيع شرعه الإِسلام لمنفعة البائع بتوسعه في الثمن ومنفعة المشتري بشراء السلعة بأقل من قيمتها الحاضرة.\n٦٥٥ - \" باب بيع السلم في كَيْل معلوم \"\n٧٥٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة وجد الأنصار يتعاملون بالسلم، فيبيعون التمر مؤجلًا إلى عام أو عامين أو ثلاثة أعوام بثمن معجل مقبوض حالًا في مجلس العقد، فأقرهم - ﷺ - على بيع السلم","vol":"3","page":296},{"text":"-هذا- لما فيه للمتبايعين من مصلحة ظاهرة، ولكنه ضبطه بشروط معينة فقال - ﷺ -: \" من أسلف في شيء \" أي من اشترى شيئًا من تمر أو بُرّ أو شعير مؤجلًا إلى عام أو عامين بثمن حاضر مقبوض في مجلس العقد، \" فيسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم \"، أي فليكن الشيء الذي اشتراه شيئًا معينًا، معلوم المقدار، محدود الكمية كيلًا ووزنًا، مضبوطًا بأجل معلوم، ومدة معينة معروفة محددة كسنة أو سنتين مثلًا، لا بأجل مجهول المدة غير محدد الزمن.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز بيع السلم، لأن النبي - ﷺ - أقر أهل المدينة عليه، وضبطه لهم بشروط معينة، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أنه يشترط في صحة السلم شروطًا لا بد منها:\nالأول: أن يكون المبيع محدود الكمية، معلوم المقدار كيلًا أو وزنًا أو ذرعًا أو عددًا، فلا يصح السلم في مجهول القدر، لما فيه من الغرر والضرر، وفتح باب النزاع والشقاق. الثاني: أن يكون المبيع مؤجلًا أجلًا معلومًا مؤقتًا بفترة معينة وزمن محدود لا يختلف، لقوله - ﷺ - \" إلى أجل معلوم \" فإذا كان مما يختلف كالجذاذ والحصاد، فلا يجوز، وهو قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة، وقال أحمد في رواية: أرجو أن لا يكون به بأس، وهو مذهب مالك وأبي ثور. قال ابن قدامة: (١) ولنا ما روي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تبايعوا إلاّ إِلى شهر معلوم، واستدل المالكية بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: \" إن رسول الله - ﷺ - بعث إلى يهودي أن ابعث إليَّ بثوبين إلى الميسرة \" ولكن قال أحمد: رواه (حربي) بن عمارة وفيه (غفلة) وهو صدوق. الثالث: أن يقبض الثمن فورًا في مجلس العقد لقوله - ﷺ -: \" فليسلف \" والإِسلاف تسليم الثمن مقدمًا، وإعطاءه حالًا في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل قبض الثمن فالعقد باطل عند\n_________\n(١) \" المغني \" ج ٤.","vol":"3","page":297},{"text":"أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز أن يتأخر يومين أو ثلاثًا أو أكثر ما لم يكن ذلك شرطًا. والرابع: أن يكون السلف في الذمة لا في الأعيان، فلا يجوز في ثمرة بستان بعينه، لأنه لا يؤمن من تلفه، قال ابن المنذر: إبطال السلف في ذلك كالإِجماع من أهل العلم. الخامس: أن يكون المبيع مستوفيًا لشروط البيع كلها، لأنّ السلم نوع من أنواعه. السادس: أن يكون المبيع مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها، فيصح في الحبوب والثمار والدقيق والثياب والحديد والرصاص والكبريت، وكل مكيل أو موزون أو مزروع أو معدود، قال ابن قدامة: واختلفت الرواية في السلف في الحيوان، فروي: لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، قال: وظاهر المذهب يصح السلم فيه، قال ابن المنذر (١): وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والأوزاعي والشافعي، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: \" أمرني رسول الله - ﷺ - أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة \". اهـ. واستدل الحنفية وأهل الكوفة على عدم جوازه بما أخرجه الحاكم في \" المستدرك \" أنّ (٢) النبي - ﷺ - نهى عن السلف في الحيوان \"، قال الزيلعي في \" نصب الراية \": قال الحاكم: حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. إلاّ أن من رواته إسحاق بن إبراهيم، وقد قال فيه ابن حبان: منكر الحديث جدًا يأتي عن الثقات بالموضوعات. السابع: أن يضبط المبيع بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهرًا من جنس ونوع وجودة ورداءة ولون وبلد، قال ابن قدامة: ولا يجب استقصاء كل الصفات، لأن ذلك متعذر، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها ظاهرًا، فيصف التمر بأربعة أوصاف: النوع برني أو معقلي، والبلد إن كان يختلف، فيقال: بغدادي أو بصري، فإنّ البغدادي أحلى لعذوبة\n_________\n(١) \" المغني \" ج ٤.\n(٢) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.","vol":"3","page":298},{"text":"الماء، وأقل بقاءً، والبصري بخلاف ذلك، والقدر \" يعني الحجم \" كبار أو صغار، وحديث أو عتيق، فأما اللون، فإن كان النوع الواحد مختلفًا كالطبرز يكون أحمر ويكون أسود ذكره: ثم ذكر أن البُرَّ يوصف بأربعة أوصاف النوع والبلد والحجم وحديث أو عتيق. اهـ. الثامن: قال الصنعاني: واختلفوا أيضًا في شرطية المكان الذي يسلم فيه فأثبته جماعة، وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه، وفصلت الحنفية فقالت: إن كان لحمله مؤونة فيشترط، وإلّا فلا، وقالت الشافعية: إن عقد حيث لا يصح التسليم كالطريق يشترط وإلا فقولان.\nهذا وقد اختلفوا هل يشترط في المبيع أن يكون موجودًا عند بائعه حال العقد، فذهب الشافعي ومالك إلى أنّه لا يشترط، واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن أبزى \" بفتح الهمزة وسكون الباء \" قال: \" كنا نصيب الغنائم مع رسول الله - ﷺ - وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنستلفهم في الحنطة والشعير والزبيب قيل: أكان لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك \" أخرجه البخاري، قال الصنعاني وهو استدلال بفعل الصحابي أو تركه ولا دليل على أنه - ﷺ - علم بذلك، وأقره. قال الصنعاني: (١) ويعارض ذلك حديث ابن عمر عند أبي داود: \" ولا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه \" فإن صح ذلك كان مقيدًا لتقريره لأهل المدينة \"على سلم السنة والسنتين، وأنه - ﷺ - أمرهم أن لا يسلفوا حتى يبدو صلاح النخل، وهذا يؤيد ما ذهب إليه أبو حنيفة من أنه يشترط في المسلم فيه أن يكون موجودًا عند العقد إلى الحلول (٢).\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فليسلف في كيل معلوم \".\n_________\n(١) \" سبل السلام شرح بلوغ المرام \" الصنعاني.\n(٢) ولكن هذا الشرط يتنافى مع الغرض الشرعي المقصود من السلم بالنسبة إلى البائع، لأن الشارع إنما شرع السلم لمنفعة مقصودة للبائع، وهي أن يتوسع في الثمن، فإذا كان المبيع موجودًا فلا معنى لتأخير تسليمه ولا فائدة في ذلك، بل المنفعة في أن يبيعه بثمنه الحالي في الأسواق التجارية بدل أن يبيعه بثمن أقل من سعره، والله أعلم.","vol":"3","page":299},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-711> كتابُ الشُّفْعَةِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>٦٥٦ - \" بَابُ عَرْض الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبلَ الْبيْعِ </span>\"\n٧٥٦ - عَنْ أبِي رَافِع مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ -:\nأنَّهُ جَاءَ إِلِى سَعْد بْنِ أبِي وَقَّاصٍ ﵁ فَقالَ لَهُ: ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ في دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدُ: وَاللهِ لا أزِيدُكَ على أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أو\nــ\n٦٥٦ - \" باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع \"\nالشفعة: مأخوذة من شفع الشيء إذا ضمَّه إليه، لأن صاحبها يضم مال غيره إلى ماله. وهي شرعًا كما قال ابن قدامة: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه إلى غيره من يد من انتقلت إليه بثمنها، فإذا أراد أحد الشريكين أن يبيع نصيبه، فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه لشريكه، فإذا باعه لأجنبي فقد سلط الشريك على صرف ذلك لنفسه.\n٧٥٦ - معنى الحديث: أن البخاري يروي بسنده عن أبي رافع \" أنه جاء إلى سعد بن أبي وقاص فقال له ابتع مني بيتي في دارك \"، أي أن أبا رافع مولى النبي - ﷺ - كان يملك غرفتين. في دار سعد بن أبي وقاص، فأراد بيعهما لحاجة عرضت له، فعرضهما على سعد، لأن له حق الشفعة \" فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة \" أي فسامهما منه سعد بأربعة آلاف","vol":"3","page":300},{"text":"مَقَطَّعَةٍ، فَقالَ أبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أعْطِيْتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دينَار ولَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُول: \" الْجَارُ أحقُّ بسَقَبِهِ، ما أعطَيْتُكَهَا بأرْبَعَةِ آلافٍ، وَأنا أُعْطى بِهَا خمْسمِائَةِ دينَارٍ، فأَعطَاهَا أيَّاهُ.\nــ\nدرهم فقط مقسمة على أقساط معينة، وأقسم أن لا يزيده على ذلك \" فقال أبو رافع: لقد أُعطيت بها خمسمائة دينار \" أي لقد سيمت منّي بأكثر من هذا الثمن حيث أعطيت فيها خمسمائة دينار \" ولولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الجار أحق بسقبه \" بفتح السين والقاف، ويجوز إبدال السين صادًا وهو القُرب \" ما أعطيتكها بأربعة آلاف \" يريد أبو رافع أن يقول: لا بد لي من أن أبيعهما لك، ولو بسعر أقل، وإن الذي يدفعني إلى بيعهما لك بأربعة آلاف مع أنني أعطيت فيهما أكثر هو هذا الحديث الذي سمعته من النبي - ﷺ - والذي قرّر فيه حق الجار في شراء نصيب جاره، وتفضيله في البيع على غيره، وتقديمه على سواه، لما بينهما من علاقة قوية وقرابة وثيقة، ولولا ذلك لما بعتها لك بهذا الثمن الأقل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه ينبغي للجار إذا أراد أن يبيع ما يخصه من الأرض أو الدار أن يعرضها على جاره كما فعل أبو رافع، وكذلك الشريك، وهو أولى لقوله - ﷺ - \" من كان له شريك في حائط فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه \" أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، لكن يؤيده ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال فيه: \" لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به \". قال النووي: وهذا محمول عندنا على الندب على إعلامه، وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه (١) وليس\n_________\n(١) أما بالنسبة إلى الجار فيحتمل أن يكون إعلامه بالبيع مستحبًا ومندوبًا وأن ترك اعلامه مكروه فقط: أما =","vol":"3","page":301},{"text":"بحرام، ويصدق على المكروه أنّه ليس بحلال ويكون الحلال بمعنى المباح، وهو مستوى الطرفين والمكروه ليس بمستوى الطرفين، بل هو راجح الترك. ثانيًاً: إثبات حق الشفعة للجار لقوله - ﷺ - في حديث الباب \" الجار أحق بسقبه \" وبهذا قال أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العلم، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث الباب، ومنها حديث أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \" جار الدار أحق بالدار \" أخرجه النسائي وصححه ابن حبان. وذهب الجمهور إلى أنه لا شفعة للجار، وإنما الشفعة للشريك فقط، قالوا: والمراد بالجار في هذه الأحاديث الشريك (١) ويدل على ذلك حديث أبي رافع، لأنه سمّى الخليط جارًا، والقول بأنه لا يعرف في اللغة تسمية الشريك جارًا غير صحيح. وأجيب بأن أبا رافع لم يكن شريكًا لسعد، وإنما كان جارًا له، لأنه كان يملك بيتين في دار سعد. واستدل الجمهور على أن الجار لا شفعة له بما جاء في حديث جابر ﵁ حيث قال: \" قضى رسول الله بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة \" متفق عليه، وفي رواية مسلم \" الشفعة في كل شرك في أرض أو رَبع \" قالوا: وهذه الأحاديث تدل على حصر الشفعة فيما لم يقسم ولم تحدَّد حدوده، ومفهومه أن كل ما قسم وحددت حدوده لا شفعة فيه، والجار داخل في ذلك كما يقول الجمهور. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" ابتع مني بيتي في دارك \".\n...\n_________\n= بالنسبة إلى الشريك فظاهر الأحاديث يدل على وجوب إعلامه، وأن له حق الشفعة، وأنه أولى من غيره بشراء الحصة التي يراد بيعها، والله أعلم.\n(١) \" سبل السلام شرح بلوغ المرام \" ج ٣.","vol":"3","page":302},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-713> كتَابُ الإِجَارَة </span>\"\nالإِجارة تكاد تكون من البديهيات التي هي ليست بحاجة إلى من يعرفها، ولكن العلماء عنوا بذلك لتحديدها تحديدًا دقيقًا مطابقًا للوجه الشرعي الصحيح، فقالوا: الإِجارة لغة: بكسر الهمزة وفتحها وضمها، والكسر أشهر، مصدر سماعي لفعل أجر على وزن ضرب، ومعناها الجزاء على العمل، وقال بعضهم: ليست مصدرًا ولكنها اسم لما يعطى على العمل، والتحقيق أنها تأتي على الوجهين. وشرعًا: تمليك منفعة معلومة مقصودة من العين المستأجرة بعوض، كتمليك منفعة الدار سكنًا واستغلالًا مقابل العوض والأجرة التي تؤخذ من المستأجر، ويخرج بذلك البيع والهبة، لأنه تمليك للذات لا للمنفعة، وقولنا \" معلومة \" هذا شرط لا بد منه فيجب أن تكون المنفعة معروفة عند الفريقين. ولا بد أن تكون المنفعة مقصودة، أي معتبرة شرعًا وعقلًا. وأركان الإِجارة كالبيع: عاقد: وهو المؤجر والمستأجر ومعقود عليه: وهو الأجر والمنفعة وصيغة: وهي الإِيجاب والقبول، وتنعقد بأي لفظ يوضّح غرض المتعاقدين.","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>٦٥٧ - \" بَابُ اسْتئجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وقول الله تعَالى (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أرَادَهُ </span>\"\n٧٥٧ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nأقْبَلْتُ إلى النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأشْعرِيِّينَ، فَقُلتُ: ما عَلِمْتُ أنهما يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَقَالَ: \" لَنْ - أوْ لا نَسْتَعْمِلُ على عَمَلِنَا مَنْ أرَادَهُ \".\nــ\n٦٥٧ - \" باب استئجار الرجل الصالح \"\nأي هذا باب في بيان مشروعية استئجار الرجل الصالح للعمل الذي يسند إليه من ناحية دينه وأمانته، ومن ناحية كفاءته وأهليته.\n٧٥٧ - معنى الحديث: أن أبا موسى الأشعري ﵁ ذهب إلى رسول الله - ﷺ - يشفع في رجلين من الأشعريين يطلبان أن يوليهما رسول الله - ﷺ - عملًا من الأعمال الهامة التي تتعلق بها مصالح المسلمين، كالجباية أو القضاء أو نحو ذلك \" فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده \" أي لا نولّي على هذه الأعمال من حرص عليها وسعى إليها، لأنه ينبغي أن يُحْترَسَ من الحريص على الولاية ولأن من طلبها وكل إليها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الأعمال الهامة التي تتعلق بها مصالح المسلمين من أمارة وقضاء وجباية وشرطة، إنما تسند إلى من تتوفر فيه الصلاحية والكفاءة والأهلية لها لا لمن يطلبها ويحرص عليها، لأن الحرص عليها مظنة التهمة، ولأنه إن طلبها وُكِلَ إليها، ولا يعان عليها، قال ابن بطال: لما كان طلب العمالة دلالة على الحرص وجب أن يحترز من الحريص عليها. اهـ. ثم إن النبي - ﷺ - أعرض عن الرجلين الذين سألا الإِمارة","vol":"3","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>٦٥٨ - \" بَابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أجْرَ الأجِيرِ </span>\"\n٧٥٨ - عن أبي هُريْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \" قَالَ اللهُ تَعَالى: ثَلَاثَةٌ أنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ أعطى بي ثمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاع حرًا فَأكلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجيرًا فاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أجرَهُ \".\nــ\nولم يولهما، وولَّى أبا موسى الذي لم يسألها. ثانيًا: أنه لا ينبغي طلب الأعمال الهامة في الدولة والسعي إليها من إمارة وحسبة وقضاء وشرطة، لأن النبي - ﷺ - أنكر عليهما طلبهما للولاية، وأعرض عنهما، ولم يولهما إيّاها لحرصهما عليها وقد جاء النهي عن ذلك (١) وظاهره التحريم. ثالثًا: أنه ينبغي لولي الأمر أن لا يولّي العمل من أراده وطلبه وسعى إليه حرصًا على مصالح المسلمين، لأنه مظنة التهمة، وهو ما ترجم له البخاري بقوله: \" لن أو لا نستعمل من أراده \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" لا نستعمل من أراده \".\n٦٥٨ - \" باب إثم من منع أجر الأجير \"\n٧٥٨ - معنى الحديث: هذا حديث قدسي يرويه نبينا - ﷺ - عن ربه ﷿ أنه \" قال ثلاثة أنا خصمهم \" قال ابن التين: وهو سبحانه خصم لجميع الظالمين إلاّ أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح. اهـ. وذلك لأن الخصم عدو لخصمه، قوي العداوة له، شديد الكراهة له، والمعنى: أن هؤلاء الثلاثة من أهل الكبائر في يتعرضون يوم القيامة لأشد العقوبة، لأنّهم أعداء لله، خصوم له، والخصم مكروه مبغوض عند خصمه، إذا ظفر به عاقبه\n_________\n(١) أي وقد جاء النهي في حديث آخر عن سؤال الإمارة وطلبها، وظاهر النهي التحريم، كما قال القرطبي.","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-716>٦٥٩ - \" بَابُ ما يُعْطَى في الرُّقْيةِ </span>\"\nــ\nأشد العقوبة، فكيف بمن كان الله خصمه ولهذا قال: \" ومن كنت خصمه خصمته \" كما في بعض الروايات \" لأنه العزيز القهار المنتقم الجبار إذا أخذ الظالم لم يفلته \" أمّا هؤلاء الثلاثة فأولهم: رجل عاهد عهدًا وحلف بالله على الوفاء به، ثم غدر بالرجل الذي عاهده، وخانه ونقض العهد الذي بينه وبينه. والثاني: رجل اغتصب رجلًا حرًا أو جحد عتقهُ له، ثم باعه وأكل ثمنه، قال الخطابي: يقع ذلك بأمرين (١) إمّا أن يعتقه ثم يكتم ذلك أو يجحده، وإمّا بأن يستخدمه كرهًا بعد العتق، وإنما كان الله خصمه كما قال ابن الجوزي، لأن الحر عبد لله، فمن جنى عليه فخصمه سيده. والثالث: رجل استخدم غيره في عمل له مقابل أجر معين، فاستوفى منه عمله، ومنعه أجرته. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ما ترجم في البخاري وهو إثم من منع أجر الأجير، وأنه كبيرة من الكبائر، ولولا أنه كبيرة لما ترتب عليه هذا الوعد الشديد. ثانيًاً: أن هذه الجرائم الثلاثة المذكورة كلها كبائر. والمطابقة: في قوله: \" ورجل استأجر أجيرًا \".\n٦٥٩ - \" باب ما يعطى في الرقية \"\nوالمراد بهذا الباب ذكر الأحاديث الدالة على جواز أخذ الأجرة على الرقية وهي كما أفاده العيني \" كل كلام استشفي به من مرض أو خوف أو شيطان أو نحوه، والمراد بها الرقية بالقرآن والأذكار والأدعية المأثورة كما يدل عليه حديث الباب.\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٤.","vol":"3","page":306},{"text":"٧٥٩ - عنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أصحَاب النَّبِيِّ - ﷺ -، في سَفْرَةٍ سافَروهَا، حتى نَزَلوا على حٍّي من أحْيَاءِ العَرَبِ، فاسْتَضَافوفمْ، فَأبَوْا أنْ يضَيِّفوهُمْ، فَلدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسعَوْا لَه بِكلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعه شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لو أتَيْتمْ هؤلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلوا، لَعَلَّة أنْ يكونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيءٌ فأَتوْهُمْ، فَقالُوا: يَا أيُّهَا الرَّهْط إِنَّ سَيِّدَنَا لدِغَ وسعَيْنَا لَة بِكلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعه، فهلْ عِنْدَ أحَدٍ مِنْكُم مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعْم واللهِ إِني لأرْقِي، ولكِنْ واللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكمْ فَلَمْ تضَيِّفُونَا، فما أنَا بِرَاق لَكمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جعْلًا، فصَالَحوهم عَلى قَطِيع من الغَنَمِ، فانْطَلَقَ يَتْفُل\nــ\n٧٥٩ - معنى الحديث: أن جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد ﵁ مروا أثناء سفرهم على قبيلة، فسألوهم الضيافة المعتادة، فامتنعوا عن ضيافتهم لشدة بخلهم، فبينما هم في ديارهم، إذا برئيس القبيلة تلسعه عقرب فيتسمم جسمه وتشتد عليه آلامه، فيحاولون علاجه بشتى الوسائل، فيفشلون في ذلك، فيلجؤون إلى هؤلاء الجماعة من الصحابة فيسألونهم معالجة رئيسهم إن كان لديهم شيء ينفعه ويخلصه مما هو فيه، ويشفيه من آلامه الشديدة، التي تكاد تقضي عليه، فقال أحدهم: أنا أعالجه بالرقية بشرط أن تعطونا أجرة على علاجه، لأنكم بخلتم علينا بالضيافة، فاتفقوا معه على قطيع من الغنم يدفع إليهم مقابل علاجهم لمريضهم، فذهب إلى المريض، وأخذ يتفل عليه، ويرقيه بفاتحة الكتاب، أي يتفل عليه من ريقه مصحوبًا بالقراءة. قال أبو سعيد: \" فكأنما نشط من عقال \" أي فشفي المريض في الحال، وانقطعت آلامه فورًا كأنما كان مربوطًا بحبل وأطلق منه، فأعطوهم قطيعًا من الغنم","vol":"3","page":307},{"text":"عَلَيْهِ وَيَقْرأ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَال، فانْطَلَقَ يَمْشِي وما بِهِ قَلَبَة، قَالَ: فَأوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الذي صَالَحُوهُم عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فقَالَ الَّذِى رَقَى: لا تَفْعَلُوا حتَّى نَأتِيَ النبي - ﷺ -، فَنَذْكُرَ لَهُ الذي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يأمُرُنَا، فَقَدِمُوا علَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: \" وَمَا يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقِيّة؟ \" ثم قَالَ: \"قد أصَبْتُمْ اقسِمُوا واضْرِبُوا لي مَعَكُمْ سَهْمًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \".\nــ\nالذي تعاقدوا معهم عليه، فقال بعض الصحابة، نقسم هذا القطيع بيننا، ونأكله، فقال أبو سعيد: لا تتصرفوا فيه حتى نصل إلى رسول الله - ﷺ - ونخبره بما وقع لنا، ونسأله عن حكمه، ونفعل ما يأمرنا به. فلما قدموا إليه، أخبروه بالقصة فقال له النبي - ﷺ -: \" وما يدريك أنها رقية \" أي أن الفاتحة رقية عظيمة وشفاء من الأدواء والأسقام، ولكن كيف عرفت هذا، وفي رواية الدارقطني: \" وما علمك أنّها رقية \" قال: \" حق ألقي في روعي \" أي فراسة وإلهام من الله تعالى ألقى في قلبي فأحسست به إحساسًا داخليًا وعملت بمقتضاه. وهذا توفيق من الله تعالى، حيث ألقى إليه في قلبه بهذا الإلهام الرباني الصادق، فجاء موافقًا للواقع، وهو معنى قوله - ﷺ - له: \" قد أصبتم \" أي قد وفقتم فيما ألهِمْتُم به وفي علاجكم لهذا الرجل اللديغ حيث كنتم سببًا في نجاته، ثم أمرهم أن يقسموا تلك الأغنام، وشاركهم فيها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي. والمطابقة: في إقراره - ﷺ - لهم على أخذ الأجرة على الرقية\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الرقية الصحيحة، وثبوت نفعها بإذن الله تعالى، لأن أبا سعيد قال: \"والله إني","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-717>٦٦٠ - \" بَابُ عَسْبِ الْفَحْلِ </span>\"\n٧٦٠ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" نَهَى النبي - ﷺ - عن عَسْبِ الْفَحْلِ \".\nــ\nلأرقي\" ثم رقى الملدوغ، فشفي في الحال، واستجمع قواه \" وانطلق يمشي، وما به قلبة \" بفتح القاف واللام أي وليست به أي علة أو مرض. \" قال الشوكاني \": وفي الحديث دليل على جواز الرقية بكتاب الله، ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور، وكذا غير المأثور مما لا يخالف المأثور. اهـ.\nويدل على ذلك حديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة. ثانيًاً: جواز أخذ الأجرة على الرقية الصحيحة كما تؤخذ على سائر المنافع، وهو ما ترجم له البخاري، وهو قول جمهور أهل العلم. ثالثًا: فضل سورة الفاتحة. وكونها شفاء ودواء ورقية عظيمة، وعن أبي سعيد مرفوعًا: \" إنها شفاء من كل سقم \". قال ابن بطال: وموضع الرقية منها \" إياك نستعين \". وعن ابن مسعود ﵁ قال: مرض الحسن أو الحسين فنزل جبريل ﵇، فأمره أن يقرأ الفاتحة على إناء من الماء أربعين مرة فيغسل يديه ورجليه ورأسه أخرجه أبو داود.\n٦٦٠ - \" باب عسب الفحل \"\nقال العيني: واختلف أهل اللغة: هل هو \" الضراب \" أو الكراء الذي يؤخذ عليه، أو ماء الفحل.\n٧٦٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى عن الأجرة التي تؤخذ على الفحل مقابل تلقيحة وضرابه للناقة أو البقرة أو الشاة. قال في \" النهاية \" لم ينه عن واحد منهما أي عن ماء الفحل، ولا عن ضراب الفحل، وإنما أراد","vol":"3","page":309},{"text":"النهي عن الكراء الذي يؤخذ عليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب إعارة الفحل من حمل أو ثور أو تيس لينتفع به أصحاب المواشي في ضرابها وتلقيحها دون مقابل، لأنّه لما نهى عن كرائه دل ذلك على استحباب إعارته، وقد جاء التصريح بذلك في قوله - ﷺ -: \" من حقها إطراق فحلها \" أي إعارة الفحل للناس ليطرق مواشيهم. ثانيًا: النهي عن كراء الفحل وأخذ الأجرة عليه، وقد حمل النهي على التحريم، وهو قول أكثر الفقهاء، كما حكى عنهم الخطابي، قال العيني: وجزم الشافعي بتحريم البيع، لأن ماء الفحل غير متقوّم ولا معلوم. وذهب أبو هريرة إلى جواز الإِجارة عليه إذا استأجره على نزوات معلومة وعلى مدة معلومة، فإن آجره على الطرق حتى تحمل لم يصح، وهو قول مالك، وأجاز مانعو الأجرة أن يعطي صاحبه شيئًا على سبيل الهدية خلافًا لأحمد، والعلة في تحريم عسب الفحل لأنه ليس من مكارم الأخلاق، ولما فيه من جهالة وغرر، لأنه تسليم أجرة إزاء منفعة غير محققة حيث إنّه لا يعلم أتحمل أم لا؟ والعلة في إباحته عند من يجيزه قياسه على جواز أخذ الأجرة على تلقيح النخل. الحديث: أخرجه أيضًا الأربعة. والمطابقة: في نهيه - ﷺ - عن عسب الفحل، وهو ما ترجم له البخاري.\n***","vol":"3","page":310},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-719> كتَابُ الْحَوَالَاتِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>٦٦١ - \" بَابُ الْحَوَالَةِ وَهَلْ يَرْجِعُ في الْحَوَالَةِ </span>\"\n٧٦١ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قال: \" مَطل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ \".\nــ\n٦٦١ - \"\n\nكتاب الحوالات \"\nالحوالة لغة: النقل من محل إلى محل آخر، سواء كان المنقول عينًا أو شيئًا في الذمة، كنقل الدين من شخص لآخر. وشرعًا: نقل الدين من ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر نظير دين مماثل له عليه، فتبرأ الذمة الأولى وتشغل الذمة الثانية. وأركانها أربعة: محيل، ومحال به، وهو الدين، ومحال عليه، وصيغة، في لا تنحصر في الإحالة بل تصح بكل ما يدل على نقل الدين، كقوله: \" خذ حقك من فلان \" فإن كان أخرس أجزأته الإِشارة. هذا وقد اتفقوا على صحة الحوالة وبراءة الذمة الأولى بها إذا كان للمحيل دين على المحال عليه.\n٦٦١ - \" باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة \"\n٧٦١ - معنى الحديث: أنه يحرم على المدين أن يتهرّب عن تسديد","vol":"3","page":311},{"text":"الدين الذي عليه عند حلول الأجل إذا كان قادرًا على الدفع في حينه، فإذا تأخر عن التسديد مع قدرته عليه كان ظالمًا للدائن، متعديًا عليه، مستحقًا للعقوبة في الدنيا بالسجن (١) ونحوه، وفي الآخرة بعقوبة الله التي تنال الظالمين من أمثاله، سواء توفر لديه المال بالفعل، أو استطاع الحصول عليه من تجارة أو صناعة أو نحوها. وهو معنى قوله - ﷺ -: \"مطل الغني ظلم \" فإن المطل في اللغة المدافعة، والمراد به هنا: تأخير ما وجب أداؤه لغير عذر من قادر على الأداء، قال الصنعاني: والمعنى على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. اهـ.\nفإذا جاء الدائن لاستلام حقه فأحاله المدين على شخص غني فعليه أن يقبل هذه الإحالة لما في ذلك من مصلحة الطرفين، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" فإذا اتبع على مليء \" أي إذا أحيل الدائن على شخص غني قادر على الدفع \" فليتبع \" أي فليقبل الحوالة لما فيه من السماحة وحسن المعاملة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يحرم تأخير تسديد الدين عند حلول أجله على من كان قادرًا عليه، بأن كان المال المطلوب موجودًا لديه بالفعل، أو كان قادرًا على تحصيله من جهة ما وذلك إذا طلبه الدائن بلفظ صريح أو إشارة أو تلميح أو قرينة ظاهرة، فلا يحرم التأخير إلّا بهذين الشرطين: القدرة على الدفع ومطالبة الدائن بالسداد فإذا تأخر في هذه الحالة، جاز الحجر عليه وبيع أملاكه لتسديد دينه. ثانيًاً: مشروعية الحوالة بمعناها الشرعي الصحيح، وأن على الدائن إذا أحاله المدين على شخص غني يسهل عليه أخذ حقه (٢) منه أن يقبل هذه الحوالة، ولا يعارض فيها، وأنه\n_________\n(١) وأجاز الجمهور الحجر عليه، وبيع الحاكم عنه ماله، وفي الحديث دليل على أنه يفسق بذلك، ولو كان الدين يسيرًا، وهو مذهب المالكية والشافعية، وقال الجمهور: يفسق بمطل عشرة دراهم. اهـ. كما أفاده في \" سبل السلام \".\n(٢) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"3","page":312},{"text":"لا ينبغي له أن يرفضها لقوله - ﷺ -: \" إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع \" أي فليقبل هذه الحوالة، هو أمر بقبول الحوالة، والأمر للوجوب عند الظاهرية، وحمله الجمهور على الندب والاستحباب، فقالوا: لا يجب على المحال قبول الحوالة، وإنما يستحب له ذلك فقط خلافًا للظاهرية، ومن ثم اختلفوا هل يعتبر في الحوالة رضا الشخص المحال أو لا يعتبر، قال في \" الإِفصاح \" (١) اختلفوا إذا لم يرض المحال، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يعتبر رضاه، عن أحمد روايتان، والحديث بظاهره حجة لمن يقول لا يعتبر رضاه، وهو مذهب الظاهرية وأبي ثور وابن جرير وأحمد في رواية، حيث إن الأصل في الأمر الوجوب. ثالثًا: أن المحال إذا لم يتمكن من أخذ حقه من المحال عليه لسبب ما كالفلس مثلًا، فإنه لا يرجع على المحيل، وهو مذهب أكثر أهل العلم، لأن قوله \" فليتبع \" معناه قبول الحوالة ندبًا، أو وجوبًا، والحوالة عقد لازم يجب الالتزام به مهما تغيرت الظروف والأحوال فليس من حق المحال أن يرجع على المحيل بحال من الأحوال. قال ابن رشد: فإن جمهور العلماء أنه إذا أفلس المحال عليه لم يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء (٢). اهـ. وهو ما ترجم له البخاري بقوله: \" وهل يرجع في الحوالة. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا عليها.\n_________\n(١) \" الإفصاح \" ج ١.\n(٢) وقال أحمد: يرجع عليه إذا لم يعلم بإفلاس المحال عليه، وقال مالك: يرجع عليه إذا علم المحيل بإفلاس المحال عليه أو لم يعلمه، كما أفاده في \" فتح الباري \". وقال ابن قدامة: متى رضي بها المحال ولم يشترط اليسار لم يعد الحق إلى المحيل أبدًا، سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذر لمطل أو مفلس، وهذا ظاهر كلام الخرقي وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد، وعن أحمد ما يدل على أنّه إذا كان المحال عليه مفلسًا ولم يعلم المحال بذلك، فله الرجوع إلاّ أن يرضى بعد العلم. اهـ.","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>٦٦٢ - \" بَابٌ إِذَا أحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ على رَجُلٍ جَازَ </span>\"\n٧٦٢ - عن سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ ﵁ قَالَ:\n\" كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أتِىَ بِجَنَازَةٍ فقالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنُ؟ قَالُوا: لا، قَال: فَهَلْ تَرَكَ شيْئًا؟ قَالُوا: لا، فَصَلَّى عَلَيْهِ. ثُمَّ أتِي بِجَنَازَةٍ أخْرَى فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قال: فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَليْهَا، ثم أُتِي بالثَّالِثَةِ، فَقالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ قَالُوا: لا، قال: فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ؟ قَالَ: صَلُّوا على صَاحِبِكُمْ، قَالَ أبو قُتادة: صَلِّ عَليْهِ يا رَسُولَ اللهِ وعليَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ \".\nــ\n٦٦٢ - \" باب إذا أحال دين الميت على رجل جاز \"\nأي إذا أحال أحد دين الميت على رجل وقبل الحوالة جازت الحوالة.\n٧٦٢ - معنى الحديث: أن سلمة بن الأكوع ﵁ يروي لنا في هذا الحديث أنهم بينما كانوا جالسين مع النبي - ﷺ - في مسجده قدمت بين يديه جنازة ليصلي عليها فقال - ﷺ -: \" هل ترك هذا الميت مالًا \" وهل عليه دين؟ فقالوا: لا، فصلى على جنازته لبراءة ذمته من حقوق الناس.\nثم جيء بجنازة أخرى ليصلي عليها، فسأل: هل على هذا الميت دين؟ فقالوا: نعم عليه دين، قال: هل خلّف مالًا، قالوا ثلاثة دنانير، فصلى عليه - ﷺ -، لأنه ترك سداد دينه، فبرأت ذمته من حقوق الناس وتبعاتهم. ثم قدمت بين يديه جنازة ثالثة فقال: هل ترك مالًا قالوا: لا، قال: فهل عليه دين،","vol":"3","page":314},{"text":"قالوا: عليه دين مقداره ثلاثة دنانير فتوقف عن الصلاة عليه، وأمرهم أن يصلوا عليه، \" قال أبو قتادة صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينه \" يعني فتكفل أبو قتادة بتسديد ذلك الدين الذي عليه \" فصلى عليه \" النبي - ﷺ - عند ذلك. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير من الدين، والتوقي منه، والإِسراع في تسديده، لأن النبي - ﷺ - لم يصل على من ترك دينًا لم يترك سداده، لتعلق حق الناس بذمته، قال الصنعاني: ويدل هذا الحديث على شدة أمر الدين، فإنه - ﷺ - ترك الصلاة عليه لأنها شفاعة، وشفاعته مقبولة لا ترد، والدين لا يسقط إلا بالتأدية. وقال البيضاوي: لعله امتنع عن الصلاة على المدين الذي لم يترك وفاءً تحذيرًا عن الدين، وزجرًا عن المماطلة، وكراهة أن يوقف دعاؤه عن الإِجابة بسبب ما عليه من مظلمة الخلق. وقد كان - ﷺ - في أوّل هجرته وقبل فتح الفتوحات لا يصلي على المدين، فلما كثرت الفتوحات، وزاد: رأس المال الإسلامي، وتضاعف الدخل العام، تحمّل رسول الله - ﷺ - ديون هؤلاء، فقال - ﷺ - كما في حديث أبي هريرة، \" أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم \" فمن توفي من المؤمنين فترك دينًا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته \" أخرجه البخاري ولهذا قال بعض أهل العلم: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداءً بالنبي - ﷺ -، فإنه - ﷺ - صرح بوجوب ذلك عليه في قوله \" فعليّ قضاؤه \". اهـ. كما أفاده العيني. ثانيًا: جواز الحوالة في دين الميت، وأن الوارث إذا أحال دين الميت على غني، وقبل هذه الإحالة، صحت الحوالة شرعًا، وهو ما ترجم له البخاري واستدل عليه بحديث الباب، مع أنّه في الضمان والكفالة لا في الحوالة لتقاربهما، لأنهما ينتظمان في كون كل منهما نقل ذمة إلى ذمة أخرى، وقال أبو ثور: الكفالة والحوالة سواء، وكلاهما ينقل الحق عن ذمة المضمون عنه والمحيل، وحكي","vol":"3","page":315},{"text":"ذلك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود كما أفاده ابن قدامة، ويرى الحنفية أن لا كفالة ولا حوالة عن الميت إذا لم يترك شيئًا، ونصَّ في \" الهداية \" على أن دين الميت لا يقبل الحوالة. ثالثًا: جواز ضمان دين (١) الميت الذي لم يترك شيئًا وكفالته، ولا رجوع للكفيل عندئذٍ في مال الميت إن ظهر للميت مال، وهو مذهب الشافعي والصاحبين محمد وأبي يوسف، وقال مالك: له أن يرجع (٢) في ماله إن ظهر له مال. وقال أبو حنيفة لا يجوز إذا لم يترك الميت مالًا. والمطابقة: في: \" في كفالته لدين الميت والحوالة والكفالة سواء.\n...\n_________\n(١) هكذا قال ابن بطال كما نقله عنه العيني ج ١٢ وقال ابن قدامة: صحة الضمان عن كل من وجب عليه حق: حيًا كان أو ميتًا، مليئًا أو مفلسًا، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يصح ضمان دين الميت إلا أن يخلف وفاء، قال: ولنا حديث أبي قتادة وعلي فإنهما ضمنا دين ميت لم يخلف وفاء والنبي - ﷺ - حثهم على ضمانه في حديث أبي قتادة بقوله: ألا قام أحدكم فضمنه.\n(٢) يشرط أن يكون قد قال: ضمنت لأرجع.","vol":"3","page":316},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-722> كتابُ الْوَكَالَةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>٦٦٣ - \" بَابُ وَكَالة الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ في القِسْمَةِ وَغَيْرِهَا </span>\"\n٧٦٣ - عن عُقْبَةَ بْنِ عَامرٍ ﵁:\nأنَّ النبي - ﷺ - أعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا على صحَابَتِهِ فَبَقِيَ عَتُودٌ فذكَرَهُ\nــ\n\n\" كتاب الوكالة \"\nالوكالة لغة: بكسر الواو وفتحها، معناها الحفظ والكفاية والضمان، يقال: فلان وكيل فلان، بمعنى أنه حافظ لأمواله، أو نائب عنه في تدبير أعماله وكافيه فيها، قال الراغب: التوكيل أن تعتمد على غيرك، وتجعله نائبًا عنك. وهو فعيل بمعنى المفعول. أما الوكالة شرعًا فهي كما يعرفها الفقهاء \" استنابة شخص جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة عنه شرعًا من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين \". وقولهم: \" جائز التصرف \" يخرج به كل من لا حقّ له في التصرف من صبي أو سفيه أو مجنون أو متخلف عقليًا، فإن استنابتهم لغيرهم لا تعد وكالة شرعية. أما الحقوق التي تجري فيها الوكالة فهي كثيرة، منها المعاملات كالبيع والشراء والإِجارة والمساقاة والهبة والوقف وغيرها، ومنها النكاح والطلاق والخلع والعتاق، ومنها المطالبة بالحقوق والمحاكمة فيها، ويجوز التوكيل في إقامة الحدود، وفِي العبادات المالية كالزكاة، والحج إذا آيس من الحج بنفسه، ولا يصح التوكيل في الشهادة والأيمان، ولا فِي العبادات البدنية المحضة. إلخ.\n٦٦٣ - \" باب وكالة الشريكِ الشريكَ في القسمة وغيرها \"\n٧٦٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - وهب مجموعة من غنم","vol":"3","page":317},{"text":"للنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \" ضَحِّ بِهِ أنْتَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>٦٦٤ - \" بَابُ الْوَكَالَةِ في قضاءِ الدُّيُونَ </span>\"\n٧٦٤ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَجُلًا أتى النَّبيَّ - ﷺ - يَتَقَاضَاهُ فأغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أصْحَابُهُ، فَقَالَ\nــ\nالضحايا لفقراء الصحابة، وأمر عقبة بن عامر ﵁ أن يتولّى قسمتها عليهم، فقبل هذه الوكالة، وقسم هذه الأغنام عليهم، قال: \" فبقي عتود \" بفتح العين وهو الصغير من ولد المعز \" فقال: ضح وبه أنت \" أي فأعطاه النبي له ليضحي به.\nفقه الحديث: استدل به البخاري على جواز وكالة الشريك لشريكه، لأنه فهم من الحديث أن عقبة كان وكيلًا عن أولئك النفر من الصحابة الذين شاركهم في الغنم وناب عنهم في استلامها وقسمتها. أما نفس القضية فجائزة اتفاقًا، وأما الاستدلال عليها بهذا الحديث، فهي مسألة فيها نظر لجواز أن يكون عقبة وكيلًا عن رسول الله - ﷺ - في هذه القسمة وهو الأقرب، لأنه هو الذي أمره بها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته \" حسب مفهوم البخاري.\n٦٦٤ - \" باب الوكالة في قضاء الديون \"\n٧٦٤ - معنى الحديث: أن بعض الناس كان قد أسلف النبي - ﷺ - بعيرًا إلى أجل معين، فلما حان الأجل حضر إلى النبي - ﷺ - يطلب منه تسديد الدين الذي عليه وذلك بأن يعطيه بعيرًا مثل البعير الذي استدانه منه، قال أبو هريرة ﵁: \" فأغلظ \" يعني فاشتد الرجل في طلبه، وأعنف","vol":"3","page":318},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحبِ الْحَقِّ مقَالًا \"، ثُمَّ قَالَ: \" أعْطُوهُ سِنًَّا مِثْلَ سِنِّهِ، قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لا نَجِدُ إلَّا أمثَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: أعْطُوهُ، فَإِنَّ خَيْركم أحْسَنُكُمْ قَضَاءً \".\nــ\nفي مقاله واستعمل بعض العبارات الجافة، والكلمات القاسية، إما لكونه كان يهوديًا، أو لأنه كان جافًا بطبعه دون أن يقصد الإِساءة إلى النبي - ﷺ - قال: \" فهمّ به أصحابه \" أي أرادوا الانتقام من هذا الرجل ولكنهم منعوا أنفسهم أدبًا معه - ﷺ -، \" فقال رسول الله - ﷺ -: دعوه، فإن لصاحب الحق مقالًا \" أي اتركوه، ولا تتعرضوا له بشيء، فإن الله قد جعل لصاحب الحق -سواء كان دائنًا أو مؤجرًا أو أجيرًا- الحق في المطالبة بحقه شريطة عدم التعدي على غيره، \" ثم قال: أعطوه سنًا مثل سنه \" أي ثم أمر النبي - ﷺ - بعض الصحابة أن يعطيه بعيرًا من إبل الصدقة مساويًا لبعيره في السن \" قالوا: يا رسول الله إنا لا نجد إلا أمثل من سنه \" أي لم نجد إلاّ بعيرًا أكبر من بعيره \" قال أعطوه \" أي أعطوه بعيرًا أكبر من بعيره، وسددوا له الدين بأفضل منه، وأكثر قيمة، \" فإن خيركم أحسنكم قضاء \" أي فإن أفضلكم في معاملة الناس، وأكثركم ثوابًا أحسنكم قضاءً للحقوق التي عليه دينًا أو غيره.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز التوكيل في قضاء الدين وهو ما ترجم له البخاري، لأن النبي - ﷺ - وكّل بعض الصحابة وهو أبو رافع أن ينوب عنه في قضاء الدين الذي عليه، بإعطاء الدائن بعيرًا أمثل من بعيره من إبل الصدقة، كما يدل عليه حديث الباب. وعن أبي رافع ﵁ أن النبي - ﷺ - استلف من رجل بكرًا \" بفتح الباء وسكون الكاف \" أي بعيرًا صغيرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَةً قال: لا أجد إلا خيارًا رباعيًا \"بفتح الراء، وهو","vol":"3","page":319},{"text":"البعير الذي دخل في السنة السابعة من عمره\" فقال: \" أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم قضاء \" رواه مسلم. لهذا قال الجمهور: يجوز (١) الوكالة في قضاء الدين استدلالًا بهذه الأحاديث، ولأن الدين من الحقوق المالية التي يصبح التوكيل فيها. ثانيًا: قال العيني: فيه حجة لمن (٢) قال بجواز قرض الحيوان، وهو قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي وأحمد واسحاق.\nوأجاز استقراض الجواري الطبري والمزني، وعن مالك إن استقرض أمة لم يطأها، وإن حملت ردها بعد الولادة وقيمة ولدها. اهـ. وقال أحمد والشافعي: لا يجوز قرض الإِماء كما أفاده ابن عبد البر وابن قدامة. ثالثًا: قال الصنعاني: في الحديث دليل (٣) على أنه يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود من الذي عليه (٤)، وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة عرفًا وشرعًا، ولا يدخل في القرض الذي يجرّ نفعًا، لأنه لم يكن مشروطًا من المقرض، وإنما ذلك تبرع من المستقرض، وظاهره العموم للزيادة عددًا أو صفة وقال مالك: الزيادة في العدد لا تحل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n...\n_________\n(١) \" فتح المبدي \" للشرقاوي ج ٢.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٢.\n(٣) \" سبل السلام \" ج ٣.\n(٤) أي أفضل من الدين الذي عليه.","vol":"3","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-724>٦٦٥ - \" بَاب إِذَا وَكَّلَ رجُلًا فتركَ الْوَكِيلُ شَيْئًَا فَأجَازَهُ الموَكِّلُ فهو جَائِز </span>\"\n٧٦٥ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَْ ﵁ قَالَ:\n\" وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأتَانِي آتٍ، فجَعَلَ يَحثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُةْ، وَقُلْتُ لأرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وعَليَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَة شَدِيدَة، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فأصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: يا أبَا هُرَيْرَةَ ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شكا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا فَرحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: إِمَّا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ\nــ\n٦٦٥ - \" باب إذا رجلًا فترك شيئًا فأجازه الموكل فهو جائز \" (١)\n٧٦٥ - معنى الحديث: أن رسول الله - ﷺ - وكل أبا هريرة على حفظ الزكاة أو الخراج فجاءه شخص مجهول \" فجعل يحثو من الطعام \" أي يأخذ منه ملء كفه مرة بعد أخرى، ويفرغه في وعائه، ليذهب به، فأمسك به أبو هريرة وتهدده بشكواه إلى رسول الله - ﷺ - فجعل الرجل يستعطفه، ويرجوه أن يترفق به ويتركه ويعطيه من تمر هذه الزكاة وبُرِّها، لأنه بائس مسكين فقير الحال، كثير العيال، ولولا حاجته الشديدة لما مد يده إلى هذا الطعام فرثى لحاله، وأطلقه، فلما: أصبح من تلك الليلة \" قال النبي - ﷺ -: ما فعل أسيرك البارحة \" يعني سأل، عن قصته مع ذلك الرجل الذي لقيه ليلة البارحة وأمسك به ثم أطلقه، ولم يكن أبو هريرة قد أخبر النبي - ﷺ - عن شيء من\n_________\n(١) هذا الحديث رواه البخاري معلقًا، فقال: وقال عثمان بن الهيثم، ولم يصرح فيه بالتحديث، وقد وصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان بن الهيثم. (ع).","vol":"3","page":321},{"text":"- ﷺ -: إِنَّهُ سيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأخذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتاجٌ، وعليَّ عِيَالٌ، لا أعُودُ فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ فقَال لِي رسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أسِيرُكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا فرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أمَا إِنَّهُ قد كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثالثة فجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخذْتُهُ فَقُلْتُ: لأرْفَعَنَّكَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وهذَا آخِرُ ثَلاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قَال: دَعْنِي أُعْلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ينْفَعُكَ اللهُ بِهَا، قُلْتُ: ما هُوَ؟ قَال: إِذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فاقرأ آيَةَ الْكُرْسِيِّ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)\nــ\nذلك، ولكنّ الله أطلعه على ما وقع له، وأخبره به عن طريق الوحي \" قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته، فخليت سبيله، قال: أما إنه قد كذبك \" أي كذب عليك فيما حدثك به، وأخبرك بخلاف الواقع، ثم أخبره النبي - ﷺ - بأنه سيعود إليه مرة ثانية، فعاد إليه في الليلة الثانية ووقع لهما ما وقع في الليلة الأولى، ولقي أبو هريرة النبي - ﷺ - وسأله عنه، وأخبره بأنه أطلقه، وقال له النبي - ﷺ -: قد كذبك، فانتظره أبو هريرة في الليلة الثالثة وجاء وصنع ما صنعه في الليلة السابقة، فقبض عليه أبو هريرة وقال: لن تفلت منّي هذه المرة أبدًا لأنّها ثالث مرة تأتيني فيها وفي كل مرة تقول: إنك لن تعود ولا توفي بوعدك، وهو معنى قول أبي هريرة \" فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأدفعنك إلى رسول الله - ﷺ - وهذه آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود \" عند ذلك \" قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)","vol":"3","page":322},{"text":"حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، ولا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: ما فَعَلَ أسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ زعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمَنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لي: إِذَا أَوَيْتَ إِلى فِراشِكَ فاقْرَأْ، آية الْكُرْسِيِّ مِنْ أوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ، اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ، وَقَال لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيءٍ علَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: أمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كذوب، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثَ لَيَالٍ يا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لا، قَالَ: ذاكَ شَيْطَانٌ.\nــ\nحتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله \" أي اتركني وأطلق سراحي، وأنا أعلمك هذه الكلمات النافعة، وهي أن تقرأ إذا ذهبت إلى فراش نومك قبل أن تنام آية الكرسي، فإنك إذا فعلت ذلك، وكّل الله بك ملكًا يحرسك من شر الجن والإِنس، والإِنسان والحيوان طول ليلك، فلما أصبح أبو هريرة أخبر النبي - ﷺ - بذلك \" فقال النبي - ﷺ - أما إنه قد صدقك وهو كذوب \" أي قد صدقك فيما حدثك به عن آية الكرسي مع أنّه يغلب عليه الكذب بطبعه، لخبثه وشره، ثم قال له: \" تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال: قلت: لا، قال: ذاك شيطان \" أي ذاك أحد الشياطين.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الوكيل إذا تصرف في الشيء الذي وكل عليه، فمكن غيره من الأخذ منه، أو أقرض، وأسلف منه، بدون إذن موكله، فإن ذلك يجوز بموافقة موكله. وإجازته له، فإن","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>٦٦٦ - \" بَابُ الْوَكَالَةِ في الْحُدُود </span>\"\n٧٦٦ - عن عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ:\n\" جِيءَ بالنُّعَيْمَانِ -أوْ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِبًا، فَأمرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ كَانَ في الْبَيْتِ أنْ يَضْرِبُوهُ، قَالَ ﵁: فَكُنْتُ أنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ فَضَرَبْنَاهُ بالنِّعَالِ والْجَرِيدِ \".\nــ\nلم يجزه، لا يجوز تصرفه هذا ولا يصح شرعًا، وهو ما ترجم له البخاري، أمّا دليل جوازه إذا أجازه موكله وأمضاه فهو حديث الباب، حيث إن هذا الشخص المجهول. كان يأخذ كل ليلة من طعام صدقة الفطر الذي كان أبو هريرة وكيلًا عليه، ولم ير أبو هريرة في ذلك حرجًا ما دام رسول الله - ﷺ - قد أجازه وأمضاه بعد علمة به. ثانيًا: فضل آية الكرسي، وأنها حصن منيع لقارئها تصونه من كل مكروه وتحفظه من جميع الآفات والمخاوف والأرواح الشريرة من الجن والشياطين طوال تلك الليلة حتى الصباح لقوله في الحديث: \" فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان \" فقد صدّق رسول الله - ﷺ - هذه المقالة حيث قال: \" أما إنه قد صدقك \". ثالثًا: أن الحكمة ضالة المؤمن، وأن كلمة الحق مقبولة من قائلها سواء كان صالحًا أو فاسقًا، فإن العبرة بالقول لا بقائله، قال العيني: وفيه جواز تعلم العلم ممن لم يعمل بعلمه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٦٦٦ - \" باب الوكالة في الحدود \"\n٧٦٦ - معنى الحديث: يقول عقبة بن الحارث ﵁: جاء أصحاب رسول الله - ﷺ - برجل شارب للخمر. شك فيه عقبة هل هو النعيمان","vol":"3","page":324},{"text":"أو ابنه، والتحقيق أنه النعيمان نفسه، فوكل النبي الصحابة الذين كانوا في البيت على ضربه وإقامة الحد عليه نيابة عنه، قال عقبة: وكنت من بين هؤلاء فضربناه بالنعال والجريد حتى استوفى الحد الذي عليه. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على صحة الوكالة وجوازها شرعًا في إقامة الحدود الشرعية، وهو ما ترجم له البخاري، لأنّ هؤلاء الذين أقاموا الحد على نعيمان كانوا وكلاء عن النبي - ﷺ - في إقامة الحد عليه. وقد وكل النبي - ﷺ - أُنَيْسًا بإقامة الحد على المرأة الزانية، فقال له: \" اغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها \" أخرجه البخاري في نفس الباب، وقال الحافظ في \" الفتح \": فإن الإمام لما لم يتول إقامة الحد بنفسه، وولاه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته، أما الوكالة في إثبات الحدود والقصاص فإنها لا تصح عند أكثر أهل العلم، ولا بد من حضور المدعي، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف، وذهب ابن أبي ليلى وجماعة إلى جوازها والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" فأمر رسول الله - ﷺ - من كان في البيت أن يضربوه \".\n***","vol":"3","page":325},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-727> كتابُ المُزَارَعَة </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>٦٦٧ - \" بَابُ فضلِ الزَّرْعَ والْغرْس إِذَا أكِلَ مِنْهُ </span>\"\n٧٦٧ - عن أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْسًا، أو يَزْرَعُ زَرْعًَا،\nــ\n\n\" كتاب المزارعة \"\nوالمزارعة لغة مفاعلة من الزرع، ومعناها الشركة في زراعة الأرض وإنتاجها بين المالك والعامل. وشرعًا هي: دفع أرض وحب لمن يزرعها ببعض ما يخرج منها كثُلث غلتها أو نصفها، سواء كانت غلتها طعامًا كالقمح أو الشعير، أو غير طعام كالقطن والكتان، شريطة أن تكون البذور على المالك.\nقال في \" فقه السنة \": هي إعطاء الأرض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب مما يخرج منها كالنصف أو الثلث أو الأكثر، حسب ما يتفقان عليه. وقال في \" الإِفصاح \": واختلفوا في المزارعة وهي أن يدفع أرضه البيضاء إلى آخر ليزرعها ببعض ما يخرج منها بشرط أن تكون البذور على المالك فمنعها على هذه الصفة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأجازها أحمد وحده، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد، ثم اختلفوا في الأرض فيها نخل هل تجوز المزارعة فيها، فمنعها أبو حنيفة على الإِطلاق، وقال مالك: إن كان تبعًا للأصول جاز، وأجازها الشافعي وأحمد، إلاّ أن الشافعي اشترط أن يكون البياض فيها يسيرًا. اهـ.\n٦٦٧ - \" باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه \"\n٧٦٧ - معنى الحديث: أنه لا أحد من المسلمين يغرس أي نوع من","vol":"3","page":326},{"text":"فَيَأكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أو إِنْسَانٌ أو بَهِيمَةٌ إلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>٦٦٨ - \" بَابُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ </span>\"\n٧٦٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أمسَكَ كلْبًَا فَإِنَّه يَنْقصُ كُلَّ يَوْم مِنْ\nــ\nالنخيل والأشجار المثمرة أو يزرع شيئًا من الحبوب الغذائية فيأكل منه أي مخلوق من الكائنات الحية، إنسان أو بهيمة أو طير إلاّ كان له أجر الصدقة وثوابها، وفي حديث جابر: \" وما سرق منه فهو له صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزأه أحد إلاّ كان له صدقة، أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" إلَّا كان له به صدقة \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل الزراعة والفلاحة، وما يناله المزارع عند الله من الأجر والمثوبة عن كل ما أكل من ثماره وحاصلاته الزراعية لأن الزراعة هي قوام الحياة للبشرية جمعاء. قال العيني: واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب، واختلف في أفضل المكاسب، فقال النووي: أفضلها الزراعة، وقيل أفضلها الكسب باليد وهي الصنعة، وقيل أفضلها التجارة وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد، منها حديث أبي بردة قال: سئل رسول الله - ﷺ - أي الكسب أطيب؟ قال: \" عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور \" أخرجه الحاكم في \" المستدرك \" وصححه والتحقيق أن ذلك يختلف باختلاف حاجة الناس وظروفهم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٦٦٨ - \" باب اقتناء الكلب للحرث \"\n٧٦٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - حذّر من اقتناء الكلاب","vol":"3","page":327},{"text":"عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أو مَاشِيَةٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>٦٦٩ - \" بَابُ اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ </span>\"\n٧٦٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ راكبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ\nــ\nتحذيرًا شديدًا حتى إنه - ﷺ - أخبرنا وهو الصادق المصدوق، بأن من اقتنى كلبًا لأيّ غرض من الأغراض فإنه ينقص من ثواب عمله كل يوم قيراط، وفي رواية مسلم فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان، قال الشرقاوي: والحكم للزائد، لأنه حفظ ما لم يحفظه الآخر، ولم يستثن - ﷺ - من ذلك سوى ثلاثة أنواع من الكلاب رخص في اقتنائها لحاجة الناس إليها ولما فيها من مصلحة معتبرة شرعًا، وهي كلب الحرث الذي يتخذ لحراسة الحقول الزراعية، وكلب الماشية، وكلب الصيد (١). والمطابقة: في قوله: \" إلّا كلب صيد \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز اقتناء الكلب إلاّ لحاجة معتبرة شرعًا، لأنّ ذلك يؤدي إلى نقصان الحسنات يوميًا.\nثانيًا: أنه يرخّص في الكلب لمصلحة من المصالح الشرعية كحراسة الماشية أو الزرع أو الصيد، قال مالك: أما ما جعل في الدور فلا يعجبني، ولا يعجبني أن يتخذ المسافر كلبًا يحرسه. الحديث: أخرجه الشيخان.\n٦٦٩ - \" باب استعمال البقر للحراثة \"\n٧٦٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - وهو الصادق المصدوق،\n_________\n(١) لما جاء في رواية أخرى: \" إلا كلب غنم أو حرث أو صيد \".","vol":"3","page":328},{"text":"فَقالَت: لَمْ أخْلَقْ لِهَذَا، خلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ\"، قَالَ - ﷺ -: آمَنتُ بِهِ أنَا وأبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ.\nوَأخَذَ الذِّئبُ شَاةً فَتَبِعهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُع يَوْمَ لا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي، قَالَ - ﷺ -: آمَنْت بِهِ أنا وَأبو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَ الرَّاوِي، عَنْ أبي هُرَيرَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ في الْقَوْمِ \".\nــ\nيخبرنا عن حادثتين خارقتين للعادة وقعتا في الأزمان الماضية، أما الأولى: فإنه بينما كان رجل راكبًا على بقرة، وإذا بالبقرة تتكلم حقيقة، وتقول بلغة الناس ولسان البشر: كيف تركبني مع أنّ الله لم يخلقني للركوب، وإنما خلقني لحرث الأرض. وأما الثانية: فقد اختطف الذئب شاة من الغنم فتبعها الراعي ليأخذها منه، فقال الذئب: إن كنت الآن قد حميت هذه الشاة مني، فسيأتي اليوم الذي لا تجد فيه الغنم راعيًا يحميها من الذئاب، وذلك قرب قيام الساعة.\nوهو معنى قوله \" فقال الذئب: من لها يوم السبع \" أي من يحميها مني في ذلك اليوم الذي تخلو فيه الأرض من البشر، ولا يبقى فيها سوى السباع حيث تخرب البلاد، ويهلك العباد ويفنى البشر، فلا يبقى للغنم راع يحميها من السباع والذئاب. وهكذا نطقت البقرة وتكلم الذئب بإذن الله وقدرته، \" قال - ﷺآمنت به أنا، وأبو بكر وعمر \" أي قال النبي - ﷺ - تعليقًا على هاتين الحادثتين: أما أنا وأبو بكر وعمر فإنا قد صدقنا بهاتين الحادثتين وإن كانتا من الأشياء الغريبة الخارقة للعادة المخالفة للنظم الكونية، لأن الذي خلق هذه النظم قادر على خرقها (١) والقدرة الإلهية لا يستعصي عليها شيء.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n_________\n(١) فإن لله خرق العوائد.","vol":"3","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>٦٧٠ - \" بَابٌ إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَؤُونةَ النَّخلِ أو غَيْرِهِ، وتُشْرِكُنِي في الثَّمَرِ </span>\"\n٧٧٠ - عنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁ قَالَ:\n\"قَالَتِ الأَنْصَارُ للنَّبِيِّ - ﷺ -: اقسِمْ بَيْنَنَا وبَيْنَ إخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ:\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الدواب لا تستعمل إلاّ فيما جرت العادة باستعمالها فيه -كما قال القاري- لأن الله قد هيأ هذه الكائنات وسخّرها لما خلقت له، فإذا استعملت في غير ما خلقت له، كان ذلك ظلمًا لها، وقد قالت البقرة: لم أخلق لهذا -يعني الركوب-، وأقر النبي - ﷺ - ذلك، فأصبح حجة لما ذكرنا. ثانيًا: أن من الإِيمان التصديق بكل ما أخبر به - ﷺ - مطلقًا، ولذلك آمن الصديق والفاروق بهاتين الحادثتين رغم غرابتهما لأنه أخبر عنهما النبي - ﷺ - وهو الصادق المصدوق. ثالثًا: أن البقر للحرث لا للركوب. والمطابقة: في قولها: \" خلقت للحراثة \".\n٦٧٠ - \" باب إذا قال أكفني مؤونة النخل أو غيره وتشركني في الثمر \"\nأي إذا أعطى المالك للفلاح أرضًا مغروسة بالنخل أو الشجر، وقال له: اكفني سقيها وخدمتها والإِشراف عليها، ولك جزءٌ من الثمرة، ولي الباقي، فتكون شريكًا في في ثمارها مقابل عملك فيها، فإن ذلك يجوز شرعًا وهو ما يسمى عند الفقهاء بالمساقاة.\n٧٧٠ - معنى الحديث: أن الأنصار كانوا يملكون البساتين التي في المدينة فلما هاجر النبي - ﷺ - إليها عرضوا عليه - ﷺ - أن يقسم النخيل التي","vol":"3","page":330},{"text":"لا، فَقَالُوا: تُكْفُونَنَا المَؤونَةَ ونُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وأَطَعْنَا\".\nــ\nيملكونها بينهم وبين المهاجرين. فقالوا: يا رسول الله هذه نخيلنا بين يديك، اقسمها بيننا وبين إخواننا من المهاجرين، فأبى النبي - ﷺ - أن يفعل ذلك. فاقترحوا شيئًا آخر \" فقالوا: تكفوننا المؤونة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا \" أي فقالوا: ما دام رسول الله - ﷺ - لم يوافق على مشاركتكم لنا في هذه النخيل، فإنا نعرض عليكم مشاركتكم لنا في ثمارها مقابل أن تكفونا مؤونتها، وتقوموا بسقيها وخدمتها، وكل ما تحتاج إليه، فتكون منا النخيل ومنكم العمل فيها، ونشترك معًا في ثمرتها، فوافق النبي - ﷺ - على ذلك، وقال المهاجرون: سمعنا وأطعنا. وهكذا تمت بينهم هذه المعاملة التي تعرف عند الفقهاء بالمساقاة. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية \" المساقاة \" لقول الأنصار: \" تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر \" قال القسطلاني: أي ويكون الحصيل من الثمر بيننا وبينكم، وهو ما يعرف عند الفقهاء بالمساقاة. قال في \" تيسير العلام \": وهي دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه بجزء معلوم من ثمره، قال: والمساقاة والمزارعة من عقود المشاركات التي مبناها العدل بين الشريكين فإن صاحب الشجر والأرض كصاحب النقود التي يدفعها للمضارب (١) في التجارة، فالغنم بينهما، والغرم عليهما، وبهذا يعلم أنّها أبعد عن الضرر والجهالة من الإِجارة. وأقرب إلى القياس والعدل. اهـ. وقد أجازها مالك والشافعي وأحمد والظاهرية وأكثر أهل العلم. وذهب أبو حنيفة إلى أنّها لا تجوز بحال، لأنها إجارة بثمره لم تخلق، أو بثمرة مجهولة فهي راجعة إلى التصرف بالثمرة قبل بدو صلاحها، أو راجعة إلى جهالة العوض -أي\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"3","page":331},{"text":"المبيع وكلاهما ممنوع شرعًا. وقد اتفق الجمهور على جوازها إجمالًا لما جاء في حديث الباب من اتفاق المهاجرين والأنصار عليها. قال العيني: ثم ظاهر الحديث يقتضي عملهم على النصف مما يخرج من الثمرة. لأن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها حد معلوم كانت نصفين، والحديث حجة للجمهور على جواز المساقاة شرعًا. وأما قول من قال: إنها لا تجوز لأنها إجارة بثمرة لم تخلق ولما فيها من جهالة العوض، فالجواب عنه من وجهين الأول: أنه لا اجتهاد مع النص، والنص موجود، وهو حديث الباب. الثاني: أن المساقاة ليست إجارة حتى تطبق عليها أحكامها، وإنما هي شركة مضاربة والشريكان يشتركان في الغرم والغنم معًا. واختلفوا هل تختص بالنخيل التي ورد الحديث فيها فقط، أو تقاس عليها الأشجار الأخرى، فذهب الظاهرية إلى أنها لا تجوز إلّا في النخيل خاصة وقال الشافعي: تجوز في النخل والكرم خاصة، وقال: أحمد تجوز في كل ما له ثمر مأكول (١)، بل ألحق كثير من أصحابه كل ما له ورق أو زهر ينتفع به. وقال مالك: تجوز في كل ما له أصل ثابت فهي رخصة عامة، قال مالك في \" الموطأ \": السّنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك (بكسر الفاء) وهو الخوخ، أو الخوخ الأحمر الأجرد \" أو ما أشبه ذلك من الأصول جائز لا بأس به، على أن لرب المال نصف الثمر أو ثلثه أو ربعه أو أكثر من ذلك أو أقل، وقال مالك: والمساقاة أيضًا تجوز في الزرع إذا خرج واستقل، فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه. والمطابقة: في قولهم: \" تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر \" وإقراره - ﷺ - ذلك.\n_________\n(١) لأن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر بالشطر.","vol":"3","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-731>٦٧١ - \" بَابُ المزَارَعَةِ بالشَّطْرِ وَنحْوِهِ </span>\"\n٧٧١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" عَامَلَ النبي - ﷺ - خيْبَرَ بِشَطر مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أزوَاجَهُ مائَةَ وَسْقٍ، ثمانونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعُشْرُونَ وسقَ شَعِيرٍ \".\nــ\n٦٧١ - \" باب المزارعة بالشطر ونحوه \"\nأي هذا باب يذكر فيه، الأحاديث الدالة على مشروعية المزارعة بنصف ما يخرج من الأرض ونحوه.\n٧٧١ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما فتح خيبر أقرَّ اليهود على البقاء في البساتين والحقول الزراعية، واتفق معهم على المشاركة في إنتاجها، مقابل أن يقوموا بمؤونتها وخدمتها وسقيها، ويكون لهم نصف ما يخرج منها من الثمر وهذا هو المساقاة. ونصف ما يخرج منها من الحبوب - وهذا هو المزارعة، وفي رواية سعيد بن المسيب أن النبي - ﷺ - لما فتح خيبر قال لهم: \" أقركم فيها على ما أقركم الله ﷿، على أن الثمر بيننا وبينكم \" فكان رسول الله - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه \" أخرجه مالك في \" الموطأ \" وعن جابر ﵁ قال: خرص ابن رواحة أربعين ألف وسق، ولما خيرهم أخذوا الثمرة وأدّوا عشرين ألف وسق. قال ابن عمر ﵄: \" وكان يعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسق تمرًا وعشرون وسق شعير \" والوسق ستون صاعًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية المساقاة،","vol":"3","page":333},{"text":"لأنّ النبي - ﷺ - عامل يهود خيبر بشطر ما يخرج من الثمر، وهذا هو عين المساقاة، وهو مذهب الجمهور. قال ابن قدامة: وهذا (١) -الأمر- عمل به الخلفاء الراشدون في مدة خلافتهم، واشتهر ذلك فلم ينكره منكر، فكان إجماعًا، وقال أبو حنيفة: لا تجوز المساقاة، لأنها إجارة بثمرة مجهولة، والحديث حجة عليه ولا اجتهاد مع النص. ثانيًا: استدل البخاري بهذا الحديث على مشروعية المزارعة مطلقًا، سواء كانت الأرض المزروعة بين النخيل والأشجار، أو كانت أرضًا بيضاء يعني: سواء كانت تبعًا للمساقاة، أو كانت وحدها، لأن النبي - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر كما في حديث الباب، وهو مذهب الإِمام أحمد وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلاّ ويزرعون على الثلث والربع، وزارع علي، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وابن سيرين، وممن رأى ذلك سعيد بن المسيب، وطاووس، والزهري، وابن أبي ليلى. اهـ. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا تجوز المزارعة في الأرض البيضاء (٢) واستدلوا بحديث ابن عمر أنه قال: \" ما كنا نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عنها \"، وبحديث رافع بن خديج عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" من كانت له أرض فليزرعها، أو فليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمّى \". أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة. وأجاب القائلون بجواز المزارعة بأجوبة: منها كما قال ابن قدامة: أن أحاديث رافع مضطربة جدًا، مختلفة اختلافًا كثيرًا يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف تقدم على مثل حديثنا، أي على حديث الباب. قال الإِمام أحمد: حديث رافع\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة ج ٥.\n(٢) أمّا المزارعة على ما بين النخيل والشجر تبعًا للمساقاة فقد أجازها مالك والشافعي إذا كانت أقل ومنعها أبو حنيفة مطلقًا.","vol":"3","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-732>٦٧٢ - \" بَابُ مَنْ أحَيَا أرْضًَا مَوَاتًا </span>\"\n٧٧٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ أَعْمَرَ أرضًَا لَيْسَتْ لأحدٍ فهُوَ أَحَقُّ \".\nــ\nألوان، وقال أيضًا: حديث، رافع ضروب، وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لذلك. ثالثًا: أن المساقاة والمزارعة لا تجوز إلاّ على نسبة معينة مما تنتجه الأرض من الثمر أو الزرع، لأن هذه هي صيغة المساقاة والمزارعة التي عامل بها النبي - ﷺ - أهل خيبر، حيث عاملهم على النصف مما يخرج منها. وهي نفس المعاملة التي تمّت بين المهاجرين والأنصار، أما المساقاة أو المزارعة على جهة محددة من الأرض بأن يكون إنتاج هذه الجهة للمالك وإنتاج الجهة الأخرى للفلاح والعامل فهذا لا يجوز، لما فيه من مضرة للمالك وحده أو للعامل وحده إذا أصيبت إحدى الجهتين بآفة سماوية، وقد جاء النهي عن ذلك في الحديث الصريح عن رافع بن خديج ﵁ قال: \" كنا نكري الأرض بالناحية منها مسَمَّى لسيد الأرض فمما يصاب ذلك وتسلم الأرض فنهينا \" أخرجه الخمسة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا عليها.\n٦٧٢ - \" باب من أحيا أرضًا مواتًا \"\n٧٧٢ - معنى الحديث: أن مَنْ عَمر أرضًا بيضاء أو أرضًا خالية من العمران، فأحياها بزراعتها أو بنائها، ولم يعرف لها مالك قبله، فهو أحق بملكيتها من غيره. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحقاق ملكية الأرض الموات لمن أحياها بالزراعة والعمران، وظاهر الحديث أنها تعتبر ملكه مطلقًا، سواء أذن به الإِمام أو لم يأذن، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا بد من","vol":"3","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>٦٧٣ - \" بَابُ </span>\"\n٧٧٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\n\"أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَوْمًَا يُحَدِّث -وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أهلَ البَادِيَة- أَنَّ رَجُلًا من أَهلِ الْجَنَّةِ استَأذَنَ رَبَّهُ في الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: ألسْتَ فيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلى، ولكني أُحِبُّ أَنْ أَزرَعَ، قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطرفُ نَبَاتُهُ واسْتِوَاؤهُ واستِحْصَادُهُ فَكَانَ أمثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: دُونَكَ\nــ\nإذنه، وقال مالك: إذا كانت مما لا يستأنس فيها الناس له تملكها ولا حاجة إلى إذن الإِمام وإلا فلا. والمطابقة: في كون الترجمة من معنى الحديث.\n٦٧٣ - \" بابُ \"\nهكذا بدون عنوان ولا تنوين، لأن التنوين يتبع الإِعراب، ولا إعراب إلّا في التركيب، اللهم إلاّ إذا قدرنا له مبتدأ محذوف تقديره هذا بابٌ فينون، كما أفاده العيني.\n٧٧٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يومًا يحدّث أصحابه عن الدار الآخرة واستطرد إلى الجنة والنار، فذكر أن رجلًا من أهل الجنة اشتهت نفسه أن يمارس الزراعة التي كان يهواها في الدنيا، فاستأذن ربه في ذلك، فقال الله ﷿: ألست تعيش في هذه الجنة التي تنعم فيها بكل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من ثمار يانعة، وقطوف دانية، وقصور وحور، وأنهار من عسل مصفى، وأخرى من خمر لذة للشاربين، والتي تجد فيها كل ما تريده وتحبه نفسك. دون مشقة أو عناء، فما حاجتك إلى الزراعة الذي تكد فيها وتكدح \" قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته، واستواؤه وحصاده \" أي فأذن الله له أن يمارس هوايته في الجنة فما كاد يبذر بذره حتى نبت الزرع ونضج واستحصد في أسرع من","vol":"3","page":336},{"text":"يا ابْنَ آدَمَ فَإِنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ، فَقَالَ الأعْرَابِيُّ: واللهِ لا تَجدُهُ إِلَّا قُرَشِيًَّا (١) أو أَنْصَارِيًَّا، فَإِنَّهُمْ أصْحَابُ زَرْعٍ وأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بأَصْحَابِ زَرْعٍ، فضحِكَ النبيُّ - ﷺ -\".\nــ\nطرفة عين ولمحة بصر \" فكان أمثال الجبال \" أي فجُمع القمح الذي زرعه فصار أكوامًا ضخمة كالجبال، عند ذلك قال الله تعالى له: تلك هي طبيعتك أيها الإِنسان لا يمكن أن يغنيك شيء عن هوايتك المفضلة لديك، وكان بين الحاضرين أعرابي \" فقال الأعرابي والله لا تجده، إلاّ قرشيًا أو أنصاريًا \" لأن الأنصار هم الذين يعملون في الزراعة. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن لكل إنسان هوايته المفضلة التي لا يشغله ولا يغنيه عنها شيء مهما عظم قدره حيث إن الجنة بما فيها لم تنس هذا الرجل حبه للزراعة، فسأل ربه ذلك.\n***","vol":"3","page":337},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-734> كتاب المساقاة </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>٦٧٤ - \" بَابٌ في الشِّرْبِ وَمَنْ رَأى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَتّهَ جَائِزَةً مَقْسُومًَا أوْ غَيْر مَقْسوم </span>\"\n٧٧٤ - قَالَ عُثْمَانُ ﵁:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيكُونُ دَلْوُهُ مِنْهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ \" فَاشْتَراهَا عُثْمَانُ ﵁.\nــ\n٦٧٤ - \" باب في الشرب، ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة، مقسومًا كان أو غير مقسوم \" (١)\nقال القسطلاني: \" الشرب النصيب والحظ من الماء \" والظاهر أن المراد بهذا الباب بيان أحكام الماء من حيث الملكية وعدمها، فمنه ما يملكه صاحبه ويتصدق به ويهبه ويوصي به إن شاء، ومنه ما لا يُمْلك. قال العيني: الماء على أقسام: قسم منه لا يملك أصلًا وكل الناس فيه سواء في الشرِب وسقي الدواب، كالأنهار العظام. وقسم منه يملك وهو الماء الذي يدخل في قسمة أحد أو يكون بئرًا موجودًا في أرض مملوكة له، فالناس فيه شركاء في الشرب، وسقى الدواب دون ري الأرض، وقسم منه يكون مُحْرَزًا في الأواني ونحوها، وهذا مملوك لصاحبه بالإِحراز وانقطع حق غيره منه.\n٧٧٤ - معنى الحديث: كما قال ابن بطال: أن بئر رومة -وهي في الشمال الغربي من المدينة- كانت ليهودي يقفل عليها، ويغيب\n_________\n(١) رواه البخاري معلقًا على عثمان ﵁، وقد وصله الترمذي والنسائي وابن خزيمة. (ع).","vol":"3","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>٦٧٥ - \" بَابُ مَنْ قَال: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أحَقُّ حَتَّى يَرْوَى </span>\"\n٧٧٥ - عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \" لا يُمْنَعُ (١) فَضْلُ الْمَاءِ ليَمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ \".\nــ\nفيأتي المسلمون ليشربوا منها، فلا يجدونه حاضرًا، فيرجعون بغير ماء فشكا المسلمون ذلك، فقال - ﷺ -: \"من يشتريها ويمنحها المسلمين، ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدكم فله الجنة\" فاشتراها عثمان ﵁ بخمسة وثلاثين ألف درهم فوقفها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الماء يملك ما لم يكن من المياه العظيمة كمياه الأنهار ونحوها، لأن النبي - ﷺ - أمر عثمان بشراء بئر رومة من اليهودي، ومنحها للمسلمين، فاشتراها عثمان ﵁، وأوقفها، ومالا يُملك، لا يشترى ولا يوقف، فدل الحديث على أنّ الماء يملك ويوهب ويتصدق به لأنّ الوقف صدقة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" من يشتري بئر رومة \".\n٦٧٥ - \" باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى \"\n٧٧٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى من كان لديه ماء من بئر أو غيره يزيد عن حاجته وحوْلَهُ عُشْبٌ ترعاه ماشية أن يمنع تلك الماشية من الشرب منه، فيضطر راعيها إلى منعها عن الأكل من ذلك الكلأ، لأنّها لو أكلت منه لظمأت ولا تجد ماءً فتهلك. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث كما قال الحافظ: على أنه يجب على صاحب\n_________\n(١) \" يمنع \" بضم الياء وفتح النون على صيغة المجهول كما أفاده العيني.","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-737>٦٧٦ - \" بَابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِن الْمَاءِ </span>\"\n٧٧٦ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" ثَلَاثَة لا يَنْظُرُ اللهِ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب ألِيم: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءِ بِالطرَّيقِ فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُل بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إلَّا لِدُنيا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وِإنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُل أقامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أعطَيْتُ بِهَا كَذَا أَو كَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُل، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةِ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) \".\nــ\nالبئر أن يبذل ما يفضل عن حاجته من الماء لسقي الماشية وأنه يحرم عليه منعها من الشرب كما ذهب إليه أكثر أهل العلم، وهو مذهب مالك والأوزاعي والجمهور، إلاّ أن مالكًا ألحق بالماشية الزرع خلافًا للجمهور. مطابقة الحديث للترجمة في قوله - ﷺ -: \" لا يُمنَعُ فضل الماء ليمنع به الكلأ \".\n٦٧٦ - \" باب إثم من منع ابن السبيل الماء \"\n٧٧٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم \" أي أنّهم محرومون يوم القيامة من رحمة الله فلا ينظر الله إليهم نظرة رضا، ولا يغفر لهم ذنوبهم، ولهم عذاب موجع شديد. \" رجل له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل \" أي رجل قاسي القلب له ماء على قارعة الطريق، زائد عن حاجته وحاجة عياله، فمنع المسافر الغريب أن يشرب منه. \" ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلاّ لدنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعط سخط \" يعني والصنف الثاني - من بايع إمامه، وعاهده على السمع والطاعة لمنفعة وغرض دنيوي، إن حقق له تلك","vol":"3","page":340},{"text":"المنفعة أحبه ورضي عنه، وإلا كرهه ونقم عليه. والصنف الثالث: \" رجل أقام سلعته بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل \" أي رجل عرض سلعته وبضاعته للبيع بعد صلاة العصر، فأقسم بالله كذبًا أنه اشتراها بسعر كذا ليروجها بأيمانه الكاذبة \" ثم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) \" أي إن الذين ينقضون العهد ويحلفون الأيمان الكاذبة لكي ينالوا بذلك عوضًا يسيرًا من حطام الدنيا من مال أو مركز أو جاه (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ) أي لا نصيب لهم من نعيمها (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) بما يسرهم (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نظر رحمة (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي شديد الإِيلام والإِيجاع لهم وإنما تلا النبي - ﷺ - هذه الآية ليستدل بها، على أن الذين ينفقون سلعهم، ويروجون تجارتهم بالأيمان الكاذبة داخلون في هذا الوعيد الشديد ضمن الأصناف الثلاثة المذكورة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يحرم على صاحب الماء أن يمنع ما زاد عن حاجته عن المسافر، لأن هذا الوعيد الشديد المذكور في الحديث لا يترتب إلّا على ارتكاب محرم، وفيه حجة لمالك على أنّه لا يجوز منع فضل الماء عن كل من يحتاج إليه. سواء كان إنسانًا أو ماشية أو زرعًا كما يقول: ثانيًا: وجوب السمع والطاعة لولي الأمر فيما أحبه المسلم أو كرهه من أمور الدنيا. ثالثًا: تحريم الأيمان الكاذبة والوعيد الشديد عليها.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ متعددة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة حيث عدَّ - ﷺ - من الأصناف الثلاثة المحرومين من رحمة الله وغفرانه رجلًا له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل، وهذا الوعيد لا يترتب إلا على من ارتكب إثمًا ومعصية، وهو ما ترجم له البخاري.\n***","vol":"3","page":341},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-738> كتَابٌ فِي الِاسْتِقْرَاضِ وَأدَاءِ الدُّيُونِ والْحَجْرِ والْتَّفْلِيس </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>٦٧٧ - \" بَابُ مَنِ اشْتَرَى بالدَّيْنِ ولَيْس، عِنْدَهُ ثَمَنُهُ </span>\"\n٧٧٧ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضي اللهُ عَنْهُماَ قالَ:\nغَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - \" قَالَ: \" كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ، أتَبيعُهُ؟ \"، قُلْتُ: نَعَمْ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، غَدَوْتُ إِلَيْهِ بالبَعِيرِ، فَأعْطَانِي ثَمَنَهُ.\nــ\n٦٧٧ - \" كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس \"\nوالاستقراض: طلب القرض، وهو شرعًا: دفع مال لمن ينتفع به ويَرُد بدله، وأما الحجر والتفليس فسيأتي بيانهما.\n\" باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه وليس بحضرته \"\n٧٧٧ - معنى الحديث: أن جابرًا ﵁ يقول: \" غزوت مع رسول الله - ﷺ - \" أي خرجت معه - ﷺ - في غزوة الفتح \" قال: كيف ترى بعيرك \"؟ أي فأبطأ به جمله، فسأله النبي - ﷺ - قائلًا كيف ترى بعيرك؟ قال جابر: قلت: يا رسول الله قد أعيا، أي اشتد عليه التعب والضعف حتى عجز عن السير، قال: فنزل رسول الله يحجنه بمحجنه \" أي يجره بعصى معوجة الرأس، ثم قال: اركب فركبته فلقد رأيته أكفه عن رسول الله - ﷺ - \" أي فرأيته يجري بسرعة شديدة وأنا أمنعه عن السرعة، لئلا يتقدم على رسول الله - ﷺ - ثم \" قال: أتبيعه؟ قلت: نعم، فبعته إياه \" أي فبعت له ذلك البعير دينًا \" فلما قدم المدينة غدوت إليه بالبعير فأعطاني ثمنه \" أي فلما وصل","vol":"3","page":342},{"text":"إلى المدينة ذهبت إليه بالبعير صباحًا، فأعطاني ثمنه، وفي رواية: فاشتراه مني بأوقية وهي أربعون درهمًا، وفي رواية أخرى: \" بأربعة دنانير \" وفي رواية أخرى قال: \" قدم النبي - ﷺ - قبلي وقدمت بالغداة -أي صباحًا- فجئنا إلى المسجد، فوجدته على باب المسجد قال: الآن قدمت؟ قلت: نعم، قال: فدع جملك وادخل فدخلت، وصليت، فأمر بلالًا أن يزن لي فوزن بلال فأرجح لي في الميزان، فانطلقت حتى وليت، فقال: ادعو لي جابرًا، فقلت: الآن يردّ علي الجمل ولم يكن شيء أبغض إلي منه، قال: خذ جملك ولك ثمنه \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الشراء بالدين، وقد أجمعوا على جوازه لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). ثانيًاً: مشروعية الدين عامة سواء كان في البيوع أو دينًا خالصًا - إذا كان مستوفيًا لشروطه الشرعية، ولم يكن في الأشياء الربوية، كالصرف، أو بيع التمر بالشعير نسيئة، أو كان قرضًا جرَّ نفعًا، فإنه لا يجوز. ثالثًا: استدل به الإِمام أحمد على جواز بيع دابة يشترط البائع (١) ركوبها لنفسه إلى موضع معلوم، وأجازه مالك بشرط أن تكون المسافة قريبة، وقالت الشافعية والحنفية: لا يصح، سواء بعدت المسافة، أو قربت، لحديث النهي عن بيع وشرط، وأجابوا عن حديث الباب بأنه واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال.\nالحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في كونه - ﷺ - اشترى بعير جابر بالدّين.\n_________\n(١) واختلف العلماء: هل يجوز للبائع أن يشترط نفعًا معلومًا في المبيع؟ كسكنى الدار المبيعة شهرًا، فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم صحة العقد والشرط، وذهب أحمد إلى جواز شرط واحد فقط. اهـ. كما في \" تيسير العلام شرح عمدة الأحكام \".","vol":"3","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-740>٦٧٨ - \" بَابُ مَنْ أَخذَ أمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أو إِتْلَافَهَا </span>\"\n٧٧٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ أخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أدَاءَهَا أدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ \".\nــ\n٦٧٨ - \" باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها \"\n٧٧٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"من أخذ أموال الناس يريد أداءها \" أي من أخذ شيئًا من أموال الناس دينًا أو وديعة يريد قضاء الدين وتسديده لصاحبه عند أوّل فرصة سانحة، كما يريد المحافظة على تلك الوديعة حتى يعيدها إلى صاحبها سالمة كاملة \" أدّى الله عنه \" أي يسّر الله له قضاء الدين في الدنيا وهيأ له من أسباب الرزق ما يقضي به ذلك الدين، وإن مات ولم يتيسّر له قضاء ذلك الدين مع حسن نية، وصدق عزيمة وشدة رغبة في قضائه ومات والدين باق عليه، فإن الله يؤدي عنه ذلك الدين في الآخرة بإرضاء غريمه عنه بما شاء أن يرضيه به، كما جاء في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" ما من مسلم يدان دينًا يعلم الله أنه يريد أداه إلاّ أداه الله عنه في الدنيا والآخرة \" أخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم. ثم قال - ﷺ -: \" ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله \" أي ومن أخذ شيئًا من أموال الناس دينًا أو وديعة يريد تضييع ذلك المال على صاحبه، ولا ينوي إعادته إليه أو حفظه له، وإنما ينوي أن يضيعه على شهواته ومصالحه الشخصية، فإنّ الله سيجازيه من جنس نيته وعمله، فيصيبه بالتلف والهلاك والشقاء في نفسه وصحته وماله وولده وكل ما يحبه ويهواه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنّ النية الصالحة تيسر قضاء الديون، وتسهل أداءها، على عكس النية السيئة، وكذلك الحال","vol":"3","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-741>٦٧٩ - \" بَابُ أَدَاءِ الدُّيُونَ </span>\"\n٧٧٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَوْ كانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًَا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لا يَمُرَّ عَليَّ ثَلَاثٌ وعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا شَيْءٌ أرْصُدُهُ لِدَيْنٍ \".\nــ\nبالنسبة إلى من كانت لديه عُهَدٌ مالية، فإنه إذا حَسُنَتْ نيته، وتعرض لظروف خارجة عن إرادته، أعانه الله تعالى، وأدّى عنه ما عليه في الدنيا والآخرة لعموم الحديث. ثانيًا: قال ابن بطال: فيه الحث على حسن التأدية عند المداينة وأن الجزاء من جنس العمل. الحديث: أخرجه أيضًا أحمد وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٦٧٩ - \" باب أداء الديون \"\n٧٧٩ - معنى الحديث: يقول رسول الله - ﷺ -: \" لو كان لي مثل أحد ذهبًا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث \" أي ما يسرني: أن يمر علي ثلاثة أيام \" و(لا) زائدة كما قال بعض أهل العلم \" وعندي منه شيء إلّا شيء أرصده لدين \" أي لو كنت أملك من المال مقدار جبل أحد من الذهب الخالص لأنفقته كله في سبيل الله، ولم أُبْقِ منه إلاّ الشيء الذي أحتاج إليه في قضاء الحقوق، وتسديد الديون التي عليَّ، وما زاد على ذلك فإنه لا يسرني أن يمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه شيء، والمطابقة: في قوله: \" إلاّ شيءٌ أرصده لدين \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب الاهتمام بالدين، والحرص على قضائه والمسارعة إلى تسديده وتقديمه على الإِنفاق والصدقة في سبيل الله، لأن تسديد الديون أولى من الصدقة. الحديث: أخرجه الشيخان.","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>٦٨٠ - \" بَابُ حُسْنِ التَّقَاضِي </span>\"\n٧٨٠ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَاتَ رَجُلٌ فَقِيْلَ لَهُ، قَالَ: كُنْتُ أبَايع النَّاسَ فأتَجَوَّزُ عنِ الْمُوسِرِ، وأُخَفِّفُ عَنِ الْمُعْسِرِ فَغُفِرَ لَهُ \".\nــ\n٦٨٠ - \" باب حسن التقاضي \"\n٧٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي: \" مات رجل فقيل له \" أي فسئل عما قدم في دنياه من أعمال صالحة، \" قال: كنت أبايع الناس فأتجوّز عن الموسر \" أي كنت تاجرًا أبايع الناس بالدين فأيسّر عليهم في قضاء ديونهم، فمن كان غنيًا تساهلت معه في تسديد ما عليه، ولم ألزمه بدفعه عند حلول الأجل. \" وأخفف عن المعسر \" أي وإن كان المدين غير قادر على الدفع خففت عنه بتأجيل الدين حتى يتيسر له أو بإعفائه من بعض الدين أو كله. قال النبي - ﷺ -: \" فغفر له \" أي فغُفِرَتْ ذنوبه مكافأة له على رحمته بالناس، ورفقه بهم، وتيسيره عليهم. وفي رواية النسائي: \" إن هذا الرجل لم يعمل خيرًا قط، وكان يداين الناس \" وفي رواية الحاكم أنه كان يقول لرسوله: \" خذ ما تيسر، ودع ما تعسّر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا، فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فأتجوَز عن الموسر، وأخفف عن المعسر فغفر له \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب التسامح والتساهل مع الناس عند تقاضي الحقوق والديون منهم بانظار المعسر، والتجاوز عن الموسر، فإنّه سبب في مغفرة الله تعالى، والجزاء من جنس العمل.","vol":"3","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-743>٦٨١ - \" بَابُ حُسْنِ الْقَضَاءِ </span>\"\n٧٨١ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nأتَيْتُ النبي - ﷺ - وَهُمَ في الْمَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرُ: أرَاهُ قَالَ: ضُحَى- فَقَالَ - ﷺ -: \" صَلِّ رَكْعَتَيْنِ \" وكانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وزَادَنِي.\nــ\n٦٨١ - \" باب حسن القضاء \"\n٧٨١ - معنى الحديث: يقول جابر ﵁: \" أتيت النبي - ﷺ - وهو في المسجد \" أي أن النبي - ﷺ - كان قد اشترى من جابر ﵁ في غزوة الفتح بالدين، فلما قديم المدينة ذهب - إلى النبي - ﷺ - في مسجده ليسلم عليه، فأحسن النبي - ﷺ - استقباله، وأمره بتحية المسجد، \" فقال: صل ركعتين \" لأن تحية المسجد مقدمة على كل عمل، \" وكان لي عليه دين \" وثمن البعير الذي اشتراه منه بالدين \" فقضاني وزادني \" أي فأعطاني الدين الذي عليه، وزادني عن حقي فأعطاني أكثر منه، وفي رواية: \" زادني: قيراطًا، قال جابر: قلت هذا القيراط الذي زادني رسول الله - ﷺ - لا يفارقني، فجعلته في كيس، فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوه فيما أخذوا \". الحديث: أخرجه الستة بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في حسن قضاء الدين، وأقله أن يقضي عند حلول الأجل دون تسويف أو مماطلة. ثانيًاً: أن من حسن القضاء أن يَرُدَّ الدين بأجود أو أكثر منه، فيزيد الدائن عما أخذه منه، قال الصنعاني: ولا يدخل ذلك في القرض الذي يجر نفعًا، لأنه لم يكن مشروطًا من المقرض، وإنما ذلك تبرع، وظاهره جواز الزيادة","vol":"3","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-744>٦٨٢ - \" بَابُ إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ في الْبَيْعِ والْقَرْضِ والوَدِيعَةِ فَهُو أحَقُّ بِهِ </span>\"\n٧٨٢ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ أدرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أفلَسَ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ \".\nــ\nعددًا وصفة وقال مالك: لا تجوز في العدد. والمطابقة: في قوله: \" فقضاني وزادني \".\n٦٨٢ - \" باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحقُّ به \"\n٧٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحقُّ به من غيره \" أي من وجد ماله بعينه دون زيادة أو نقصان أو تغيير أو تبديل عند إنسان مفلس لا تتسع أمواله لسداد ديونه، فإنه أحق باسترداد ماله من بقية الغرماء. قال الحافظ: فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلًا، أو في صفة من صفاتها فهو أسوة بالغرماء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من وجد ماله عند مفلس دون تغير في ذاته أو في صفة من صفاته، فإن له الحق في استرداده، سواء كان متاعًا أو سلعة تجارية، ولا يكون أسوة بالغرماء، وهو مذهب الشافعي مطلقًا حيث قال: المقرض أحق باسترداد ماله من البائع كما أفاده الصنعاني. وذهب غيره إلى أن هذا الحكم يختص بالبائع دون المقرض، للتصريح بذلك في قوله - ﷺ -: \" أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من الثمن شيئًا، فوجد متاعه فهو أحق به \" أخرجه أبو داود. لكن حديث الباب","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>٦٨٣ - \" بَابُ مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِس أو الْمُعْدِمِ فقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَأعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نفْسِهِ </span>\"\n٧٨٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nأعتَقَ رَجُلٌ غُلامًا لَهُ عنْ دُبُرٍ فَقَالَ النبي - ﷺ -: \"مَنْ يَشْتَرِيْهِ مِنِّي \" فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأخذَ ثَمَنَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.\nــ\nعام في كل من له مال على آخر بقرض أو بيع إن وجد ما له بعينه فهو أحق به، ولا يلزم أن تكون أحاديث البيع مخصصة له كما أفاده الصنعاني. وذهب أبو حنيفة إلى أن من وجده ماله بعينه عند مفلس فهو أسوة بالغرماء مطلقًا.\nوذهب الشافعية إلى أن الميت، كالمفلس، فمن وجد ماله بعينه عند ميت فهو أحقُّ به، وفرق المالكية بين الفلس والموت، فقالوا: لا حق في حال الموت.\nالحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة متضمنة لمعنى الحديث.\n٦٨٣ - \" باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء وأعطاه حتى ينفق على نفسه \"\nأي هذا باب في بيان حكم من باع من الحكام مال المفلس ليقسم ثمنه على غرمائه بنسبة ديونهم، وأعطاه منه ما يحتاج إليه يوميًا من نفقته ونفقة عياله.\n٧٨٣ - معنى الحديث: أن رجلًا من الأنصار أعتق عبدًا له بعد وفاته، وهو معنى قوله: \" عن دُبُر \" ثم افتقر وأفلس، وركبته الديون، فعرض النبي - ﷺ - غلامه للبيع في طريق المزايدة، حتى رسى على نعيم بن عبد الله، فاشتراه بثمانمائة درهم، كما في رواية أخرى للبخاري، قال جابر: \" فأخذ - ﷺ - ثمنه فدفعه إليه \" أي سلمه إليه ليأخذ منه قدْر نفقته، ويقضي بالباقي","vol":"3","page":349},{"text":"دينه ويقسمه على غرمائه، فقد جاء في رواية النسائي: \" أن الرجل كان مدينًا، وباع النبي - ﷺ - الغلام الذي دبره، فدفعه إليه وقال له: اقض دينك \" الحديث: أخرجه أيضًا النسائي بألفاظ مختلفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المدين إذا أفلس فإن للحاكم الشرعي أن يبيع ماله، ويقسمه على غرمائه ويعطيه منه قدر نفقته اليومية، كما يفيد هذا الحديث برواياته المختلفة. قال الحافظ: وذهب (١) الجمهور إلى أن من ظهر فلسه فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله حتى يبيعه عليه، ويقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم، وخالف الحنفية، واحتجوا بقصة جابر حيث قال في دين أبيه: فلم يعطهم الحائط، قال: ولا حجة فيه، لأنه أخّر القسمة ليحضر فتحصل البركة في الثمرة بحضوره. اهـ. \" فإن قلت \" ليس في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - قسم المال بنفسه بين الغرماء، وإنما المذكور في الحديث أنّه دفع إليه ماله، فالجواب كما قال العيني: أنه لما أمره - ﷺ - بقضاء دينه من ثمنه، فكأنه هو الذي تولى قسمته بين غرمائه، لأن البيع لم يكن إلّا لأجلهم (٢). اهـ. ومن الأحاديث الصحيحة الصريحة في الحجر على المفلس وتقسيم ماله على غرمائه ما روي عن كعب بن مالك \" أن النبي - ﷺ - حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه \" رواه الدارقطني (٣) وصححه الحاكم وأخرجه أبو داود مرسلًا، ورجح إرساله، قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الصلاح: هو حديث ثابت كان ذلك سنة تسع، وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم، فقالوا: يا رسول الله بعه لنا فقال: ليس لكم إليه سبيل. قال الصنعاني: والحديث دليل على أنه يحجر الحاكم على المدين التصرف في ماله ويبيعه عنه لقضاء غرمائه، والقول بأنه حكاية فعل\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٥.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٢.\n(٣) \" سبل السلام \" ج ٣.","vol":"3","page":350},{"text":"غير صحيح. فإن هذا فعل لا يتم إلاّ بأقوالٍ تصدر عنه - ﷺ - يحجر بها تصرفه، وألفاظ يباع بها ماله، وألفاظ يقضى بها غرماؤه، وما كان بهذه المثابة لا يقال إنه حكاية فعل: اهـ. واختلفوا هل يختص الحجر بالمدين المفلس أم أنه يشمل كل مدين لم يقض الدين الذي عليه عند حلول الأجل ولو كان غنيًا، فقال الجمهور: يدخل في ذلك الغني إذا ماطل في تسديد الدين، فيبيع الحاكم عليه ماله لينصف منه غريمه أو غرماءه، ومما يدل على ذلك قوله - ﷺ -: \" ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبتهِ \" فإنْه يدل على أنه يحجر عليه، ويباع عنه ماله، لأنه داخل تحت مفهوم العقوبة. وقال بعضهم: لا يحجر على المدين إن كان غنيًا وإنما يجب حبسه حتى يقضي دينه قالوا: وليس في حجره - ﷺ - على معاذًا أي دليل على أنه يحجر - على الغني إذا لم يقض الدين الذي عليه، لأن معاذًا كان في الحقيقة مفلسًا لما في رواية أبي داود عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك مرسلًا قال: \" وكان معاذ بن جبل رجلًا سخيًا، وكان لا يمسك شيئًا، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي - ﷺ - فكلمه ليكلم غرماءه، فباع رسول الله - ﷺ - لهم ماله حتى قام معاذ بغير شيء (١) \" وأما قوله - ﷺ - \" ليُّ الواجد بحل عرضه وعقوبته \" فمعناه أن الغني إذا ماطل في قضاء الدين حلت عقوبته بسجنه لا بالحجر عليه. أما كيف يقسم مال المفلس على الغرماء؟ فقد اتفق أهل العلم على أن المفلس الذي له مال لا يفي بديونه يَحْجُرُ الحاكم عليه إذا طلب غرماؤه أو بعضهم ذلك، ويكف يده عن التصرف فيه ويبيع عليه ماله \" عند الجمهور \" (٢) ويقسمه بالحصص على غرمائه الحاضرين المطالبين بحقوقهم الذين حلّت آجالهم فقط، دون الحاضرين الذين لم يطالبوا بحقوقهم، أو الغائبين الذين لم يوكّلوا أحدًا عنهم، أو الدائنين\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ٢.\n(٢) إذا منع عن بيعه بنفسه كما في \" فقه السنة \" ج ٢.","vol":"3","page":351},{"text":"الذين لم تحل آجالهم، كما ذهب إليه أحمد والشافعي، خلافًا لمالك حيث قال: يحل الدين بالحجر وإن لم يحضر أجله. أما الميت المفلس: فإنه يقضي من الموجود من ماله لكل حاضر أو غائب طلب أو لم يطلب، حل أجله أو لم يحل، بعد قضاء حق الله تعالى من زكاة أو كفارة لقوله - ﷺ - \" فإن دين الله أحقُّ أن يقضى \" ولا بد أن يترك الحاكم للمفلس ما يقوم بمعيشته من مسكن يؤويه، ومال يتجر فيه، وآلة حرث، وأجرة خادم، وذهب مالك والشافعي إلى أنه تباع داره في هذه الحالة. وأما البالغ السفيه الذي يسيء التصرف في ماله، ويصرفه فيما لا مصلحة فيه، فقد قال ابن المنذر: أكثر العلماء على أن من بلغ عاقلًا لا يحجر عليه إلا أن يكون مفسدًا لماله، فإذا كان كذلك حجر عليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم المال إليه بكل (١) حال، واستدل الجمهور على أنه يحجر على السفيه بما في الحديث الصحيح من النهي عن إضاعة المال (٢) والسفيه يضيعه بسوء تصرفه، أما الصغير فإنه يحجر عليه حتى يبلغ الحلم ويؤنس منه الرشد. والمطابقة: في كونه - ﷺ -: دفع إليه ثمن العبد ليقسمه بين غرمائه.\n...\n_________\n(١) أيضًا \" فقه السنة \" ج ٢.\n(٢) \" سبل السلام \" ج ٣.","vol":"3","page":352},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\" \"<span data-type=\"title\" id=toc-747>كتابُ الخُصُومَاتِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>٦٨٤ - \" بَابُ ما يُذْكَرُ فِي الأشْخاص والخُصُومَةِ </span>\"\n٧٨٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ آيَةً سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ (١) خِلافَهَا فأخذْتُ بِيَدِهِ فأتيْتُ بِهِ - ﷺ - فَقَالَ: \" كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ فلا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا \".\nــ\n\n\" كتاب الخصومات \"\nالخصومات: جمع خصومة، وهي المنازعة بين شخصين أو أكثر يدّعى أحدهما أو أحدهم ما ينكره الطرف الآخر، فيتشاجران، ولا يلزم أن تكون على حق مالي يدعيه أحد الطرفين على الآخر، بل قد تنشأ عن اختلاف في قضية علمية، فإنها كما تكون في حق شخصيٍّ أو تعد جنائي، فإنها تكون كذلك في مسائل علمية أو دينية أو أمور أخرى.\n٦٨٤ - \" باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة \"\n٧٨٤ - معنى الحديث: أن ابن مسعود سمع رجلًا يقرأ آية من القرآن قراءة تختلف عما سمعه من رسول الله - ﷺ -، وكان هذا الرجل هو عمر ﵁، قال ابن مسعود: \" فأخذت بيده فأتيت به رسول الله - ﷺ - \" أي فأمسكت بيده وذهبت به إلى النبي - ﷺ - أشكوه إليه، \"فقال: كلاكما\n_________\n(١) هكذا لفظ الحديث كما في \" مختصر الزبيدي \" وفي نسخة العيني سمعت النبي - ﷺ - خلافها، والمعنى واحد.","vol":"3","page":353},{"text":"محسن\" أي فسمع - ﷺ - قراءة كل منهما فقال: \" كلاكما محسن \" أي مصيب في قراءته \" لا تختلفوا \" أي لا تتنازعوا وتتخاصموا في مثل هذه الأمور التي لها أصل شرعي، لأنها جاءت عن النبي - ﷺ - بأوجه مختلفة كلها صحيحة كالأحرف السبعة فإنها ثابتة عن رسول الله - ﷺ - \" فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا \"، يعني فإن بني اسرائيل لما اختلفوا كان اختلافهم سبب هلاكهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير عن الخصومة في الأمور التي لها أصل شرعي من الكتاب والسنة كالأحرف السبعة الثابتة عن رسول الله - ﷺ -، أو الاختلافات الفقهية، فإن المسلمين قد اختلفوا في الأحكام التشريعية منذ عهد الصحابة والتابعين، وتغايرت فتاوى الصحابة فيها، ولا ينبغي النزاع والخصومة فيها، فإن هؤلاء المجتهدين جميعًا على هدى من الله، ويؤجرون على كل حال، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد. ثانيًا: أن اختلاف أهل العلم من أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين لهم بإحسان، وكذلك اختلاف فقهاء الإِسلام، والأئمة الأعلام في المسائل الفقهية والأحكام الشرعية لا يدخل ضمن الاختلاف المذموم شرعًا (١) فقد قال الإِمام ابن قدامة في أول كتابه \" المغني \" وهو يتحدث عن أئمة المذاهب الإِسلامية: إن الله مَهَّد بهم قواعد الإِسلام، وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجةٌ قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، تحيا القلوب بأخبارهم، وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم، ثم اختصّ منهم نفرًا أعلى قدرهم ومناصبهم، وأبقى ذكرهم ومذاهبهم، فعلى أقوالهم مدار الأحكام، وبمذاهبهم يعتني فقهاء الإِسلام. اهـ. وقال في \" شرح الطحاوية \" فإذا وُجِدَ لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلا بد له في تركه من عذر، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف. أحدها: عدم اعتقاده أنّ النبي - ﷺ - قاله:\n_________\n(١) وإنما هو اختلاف محمود يدخل في قوله - ﷺ -: كلاكما محسن.","vol":"3","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>٦٨٥ - \" بَابُ كَلَامِ الخصُومِ بَعضِهِمْ في بَعْضٍ </span>\"\n٧٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nقَاَلَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهوَ فِيهَا فَاجِر، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ \"، قَالَ: فَقَالَ\nــ\nالثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة. الثالث: اعتقاده أن ذلك منسوخ. ثم قال: \" فلهم الفضل علينا، والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا. اهـ. فهذا الاختلاف الفقهي لا حرج فيه، وإنما الاختلاف المذموم المنهي عنه شرعًا هو اختلاف التضاد وهو كما قال في \" شرح الطحاوية \" الذي تُحمدُ فيه إحدى الطائفتين وتذم الأخرى كما في قوله تعالى: (وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ). اهـ. ويدخل في ذلك الاختلاف العقائدي كاختلاف أهل البدع والأهواء الذي يؤدّي إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء بين المسلمين، كما وقع من الخوارج الذين حاربوا أهل السنة، وكما وقع من المعتزلة الذين عذبوا أئمة الهدى ونكلوا بهم. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي في الكبرى. والمطابقة: في قوله: \" فلا تختلفوا \" إلخ.\n٦٨٥ - \" باب كلام الخصوم بعضهم في بعض \"\n٧٨٥ - معنى الحديث: قال عبد الله ابن مسعود ﵁ يومًا وهو يتحدث عن رسول الله - ﷺ -: \" قال رسول الله - ﷺ -: من حلف على يمين وهو فيها فاجر \" أي من أقسم بالله تعالى على شيء وهو كاذب في يمينه، متعمد الكذب، عالم بأنه غير محق في قوله ودعواه \" ليقتطع بها مال امرىء مسلم \" أي ليأخذ حقًا لغيره، أو يسقط عن نفسه حقًا لغيره، مسلمًا كان أو ذميًا، قال القسطلاني: والتقييد بالمسلم جرى على الغالب، فلا فرق","vol":"3","page":355},{"text":"الأشْعَثُ: فيَّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْني وَبَيْنَ رَجُل مِنَ الْيَهُودِ أرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" ألكَ بَيَنة؟ \" قُلْتُ: لا، قَالَ: فَقَالَ لِليَهُودِيِّ: \" احْلِفْ \"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَنْ يَحْلِفُ وَيَذْهَبُ بِمَالِي! فَأنزَلَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) إِلى آخِرِ الآيَة.\n_________\nبين المسلم والذمي والمعاهد وغيرهم. اهـ. وذلك لأن الناس بالنسبة إلى الحقوق الإِنسانية سواء لا فرق بين مسلم وكافر، فكما تحرم هذه تحرم هذه، فمن حلف يمينًا كاذبة ليأخذ بها حق إنسان مهما كان دينه أو ملته \" لقي الله وهو عليه غضبان \" قال الصنعاني: وإذا كان الله. . . . . . جنته، وأوجب عليه عذابه، \" فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض \"، أي فلما سمع الأشعث هذا الحديث من ابن مسعود ﵁ قال: إنما قال النبي - ﷺ - هذا الحديث بسببي، وذلك لأنه كان بيني وبين يهودي خصومة على أرض فجحدني، أي فأنكر حقي فيها \" فقدمته إلى النبي - ﷺ - \" أي شكوته إليه، \" فقال لي رسول الله - ﷺ -: ألك بينة \"، أي شهود، \" قلت: لا فقال لليهودي: احلف قال: قلت يا رسول الله إذن يحلف ويذهب بمالي \"، أي إذن يحلف كذبًا، ويأكل مالي بالباطل، \" فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) \" وقد تقدمت هذه الآية مع شرحها في باب \" إثم من منع ابن السبيل \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز كلام الخصوم بعضهم في بعض، لأن الأشعث طعن في اليهودي، ووصفه بالكذب واليمين الغموس.\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إذن يحلف \".","vol":"3","page":356},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-750> كتابُ اللُّقَطَةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>٦٨٦ - \" بَابٌ إِذَا لَمْ يُوجَد صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فهِيَ لِمَنْ وَجَدَهَا </span>\"\n٧٨٦ - عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فسَألهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: \" اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفها سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وِإلَّا فَشَأنَكَ بِهَا \"،\nــ\n\n\" كتاب اللقطة \"\nبفتح القاف على المشهور، وقال الخليل: بسكون القاف وهو القياس إلّا أنه غير مستعمل، وهي لغة: المال الملتقط، وشرعًا: ما وجد من مال ضائع غير ممتنع بقوته.\n٦٨٦ - \" باب إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها \"\n٧٨٦ - معنى الحديث: أن رجلًا وهو عقبة بن سويد سأل النبي - ﷺ - عن حكم اللقطة \" أي المال الضائع \" إذا وجده المسلم ماذا يصنع به؟ \" فقال: اعرف عفاصها (١) ووكاءها \"، أي تعرّف على جميع مميزاتها وعلاماتها من شكل الوعاء والحبل ولونهما، \" ثم عرفها سنة \"، أي أعلن للناس عن وجود متاع ضائع عندك لمدة سنة كاملة، ويكون ذلك في أوّل الأمر مرتين يوميًا أول (٢) النهار وآخره، ثم مرة واحدة في اليوم، ثم مرة في\n_________\n(١) العقاص الوعاء، والوكاء الحبل.\n(٢) \" شرح القسطلاني على البخاري \".","vol":"3","page":357},{"text":"قَالَ فَضَالَةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: \" هِيَ لَكَ أو لأخيكَ، أو للذِّئْبِ \" قَالَ فَضَالَةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: \" مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤهَا وحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ، وتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا \".\nــ\nالأسبوع، وإنما أمر - ﷺ - بتعريفها لمحاولة إيصالها إلى صاحبها \" فإن وجد صاحبها وإلا فشأنك بها \" أي فإن حضر صاحبها خلال السنة فسلمها له، \" وإلا فشأنك بها \" (١) أي وإن لم يحضر صاحبها بعد سنة فتصرف فيها، وفي رواية أخرى: ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه يعني فإن جاء ربها بعد السنة، وذكر علاماتها المميزة لها من شكل ولون ووعاء ونحوه، وكانت موجودة لديك بعينها فسلمها له، وادفعها إليه، وإن تصرفت فيها فعليك ضمانها، فادفع إليه قيمتها وثمنها \" قال: فضالة الغنم \" أي فما حكم الشاة الضائعة هل ألتقطها أيضًا؟ \" قال: لك، أو لأخيك، أو للذئب \" أي فأمره - ﷺ - ضمنًا بأخذها لأنه إن لم يأخذها هو أخذها غيره من الناس، فإن لم يأخذها هو ولا غيره كانت طعامًا للذئاب والسباع. \" قال: فضالة الإِبل؟ \" أي فسأله عن الجمل الضائع أو الناقة الضائعة \" قال: ما لك ولها؟ \" وهذا استفهام إنكاري، أي لِمَ تأخذها وهي لا حاجة لها بك \" معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر \" أي لا داعي لأخذها أبدًا، لأنها توفرت لها كل أسباب المعيشة من حذاء قوي صلب تسير عليه، وهو خفها، وسقاء ضخم تحفظ به الماء وهو بطنها ثم هذا هو العشب بين يديها، والماء موجود ترده ولو بعد أيام فتختزنه في بطنها فيرويها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية التقاط اللقطة واستحبابه حفظًا لمال المسلم، وصيانة له عن الضياع، وهو مذهب\n_________\n(١) بالنصب أي إلزم شأنك بها، والشأن الحال، أي تصرف فيها كما أفاده القسطلاني.","vol":"3","page":358},{"text":"أبي حنيفة والشافعي وقال مالك وأحمد: ترك التقاطها أفضل لحديث: \" ضالة المسلم حرق النار \" ولما يخشي، من الضمان والدين، وذهب قوم إلى أن الالتقاط واجب، وتأوّلوا حديث الوعيد بمن أخذها للانتفاع بها من أول الأمر، وهو رواية عن الشافعي، واستدل على وجوبه بقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وولاية المؤمن للمؤمن تقتضي التقاط ماله، واختار أبو الخطاب الحنبلي أنه إذا وجدها بمضيعة وأمن نفسه عليها، فالأفضل أخذها. ثانيًا: أنه ينبغي التعرف على جميع مميزات اللقطة من شكل الوعاء والحبل ولونهما، وأن يقوم بتعريفها، والإِعلان عنها لمدة سنة وجوبًا، لحديث الباب، حيث إن إمساكها دون تعريف لها وأكلها والتصرف فيها دون ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، ومعنى التعريف لها الإِعلان عنها أولًا في مكان التقاطها ثم في المجتمعات القريبة منه، ثم في المجتمعات العامة كالمساجد (١) والأسواق ونحوها، أو بتبليغ الجهات المسؤولة عنها. ثالثًا: أنه إذا حضر صاحبها قبل انقضاء السنة، وذكر العلامات المميزة لها سلّمها إليه، لقوله - ﷺ -: \" اعرف عفاصها ووكاءها \" فإنه لم يأمر الملتقط بمعرفة الوعاء والحبل ونحوه إلاّ ليسأل من يزعم أنّه صاحبها عن هذا العلامات التي تميزها. رابعًا: أنه إذا لم يحضر صاحبها بعد سنة، فله أن ينتفع بها، ويتصرف فيها شريطة ضمانها لصاحبها عند حضوره، فيدفع إليه ثمنها. قال ابن قدامة (٢): وترد اللقطة بمجيء صاحبها، ويضمن له بدلها إن تعذر ردها، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وقال الشوكاني: \" ذهب الجمهور (٣) إلى وجوب الرد إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت \" وأجاز أبو حنيفة تملكها لمن كان فقيرًا. خامسًا: أنه ينبغي أخذ ضالة الغنم لضعفها وعدم تمكنها من المعيشة\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٢) \" المغني \" لابن قدامة.\n(٣) نيل الأوطار للشوكاني.","vol":"3","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-751>٦٨٧ - \" بَابٌ إِذَا وجَدَ تمْرَةً في الطَّرِيقِ </span>\"\n٧٨٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنِّي لأنْقَلِبُ إِلى أهْلِي فأجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً على فِرَاشِيِ فَأرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أخشَى أنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلقِيهَا \".\nــ\nدون صاحبها، فإن أكلها هل يضمنها؟ قال مالك: يأكلها ولا يضمنها لقوله - ﷺ -: \" لك أو لأخيك أو للذئب \"، قال الجمهور: يضمنها. سادسًا: أن ضالة الإبل لا تؤخذ لاستغنائها بنفسها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله \" فإن وجد صاحبها وإلّا فشأنك بها \".\n٦٨٧ - \" باب إذا وجد تمرة في الطريق \"\n٧٨٧ - معنى الحديث: أنّ النبي - ﷺ - يقول: والله إني لأجد التمرة على فراشي بعد رجوعي إلى بيتي. فتميل نفسي إليها، فأرفعها إلى فمي لآكلها، فأخشى أن تكون من تمر الزكاة فأتركها وأردها إلى مكانها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الأشياء التافهة إذا التقطها المسلم يملكها بمجرد التقاطه لها، ولا يحتاج ولا يجب عليه تعريفها، لأن النبي - ﷺ - لما وجد التمرة على فراشه رفعها ليأكلها دون تعريف لها، فدل ذلك على أنّ اللقطة إذا كانت من الأشياء التي يعلم بداهة أن صاحبها لا يطلبها فإنها لا يجب تعريفها، وقد روي عن عمر ﵁ أنّه مر على أعرابي يعرف تمرًا - أي تمرًا يسيرًا فخفقه بالدرّة وقال: كل يا بارد الزهد. ثانيًا: أنه يستحب من باب الورع التوقف عن تناول الأشياء التافهة حرصًا على سلامة الدين لقوله - ﷺ -: ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها \" فإن النبي - ﷺ - قد امتنع عن أكلها تورعًا واحتياطًا، مخافة أن تكون من تمر الصدقة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.","vol":"3","page":360},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-753> كتابُ الْمَظَالِمِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>٦٨٨ - \" بَابُ قِصَاصِ الْمَظَالِمِ </span>\"\n٧٨٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\nعَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا خَلُصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بقَنْطرةٍ بَيْنَ الْجَنةِ والنَّار، فيتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كانَتْ بَيْنَهُمْ في الدُّنيا، حَتَّى\nــ\n٦٨٨ - \"\n\nكتاب المظالم باب قصاص المظالم \"\nالمظالم لغة جمع مظلمة بكسر اللام وفتحها، حكاه الجوهري وغيره، والكسر أكثر، حتى أن صاحب \" القاموس \" اقتصر عليه حيث قال: المظلمة بكسر اللام ما يظلمه الرجل لغيره، فلم يذكر غير الكسر، وهي مشتقة من الظلم. والظلم كما قال الراغب: \" وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته ومكانه \" ومنه أخذت المظلمة، وهي في اللغة كما قال الحافظ: \" اسم لما أخذ بغير حق \". أمّا المظلمة شرعًا فإنها التعدي على حقوق الآخرين، سواء كان ذلك بأخذ أموالهم بالباطل، أو بانتهاك أعراضهم، ويدخل في المظالم كل الاعتداءات المالية والجسمية والأخلاقية وغيرها، وكل الجنايات وجميع المخالفات الشرعية والذنوب، وإن لم تتعد إلى الغير، لأن فاعلها يظلم نفسه، ويتعدى عليها بتعريضها للعقوبة الإلهية.\n٧٨٨ - معنى الحديث: أن المؤمنين يوم القيامة إذا تجاوزوا الصراط المنصوب على متن جهنم أوقفتهم الملائكة عند جسر آخر، ليقتص المظلوم من ظالمه حقه الذي اعتدى عليه فيأخذه من حسناته، أي فيأخذ من حسناته بقدر تلك المظلمة وهو معنى قوله: \" فيتقاصون مظالم كانت بينهم \"","vol":"3","page":361},{"text":"إِذَا نُقُّوا وهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ في الْجَنَّةِ أدلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ في الدُّنيا\".\nــ\n(بالصاد) أي فيقتص المظلوم من حسنات الظالم بقدر المظلمة التي أصابته منه، وفي رواية \" فيتقاضون \" (بالضاد) أي فيتحاكمون في هذه المظالم إلى رب العزة والجلال \" حتى إذا نقوا وهذبوا أُذن لهم بدخول الجنة \" أي فإذا طُهّروا وتخلصوا من حقوق الناس أدخلوا الجنة \" فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا \" أي أن أهل الجنة أعرف بمنازلهم فيها من أهل الدنيا بمنازلهم. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير الشديد من ارتكاب المظالم والتعدي على حقوق الآخرين سواء كانت بدنية أو مالية أو أخلاقية أو غيرها، لأن المظلوم يوم القيامة يأخذ من حسنات ظالمه، حتى يستوفي حقّه منه، وإذا كان هذا الحديث قد دل على أن القصاص في الحقوق والمقاضاة فيها تكون بعد المرور على الصراط فقد أكد المحققون على أن هذا القصاص الذي بعد الصراط إنما هو في المظالم الخفيفة، فذكر ابن بطال بأنه يختصُّ بالذين لا تستغرق مظالمهم حسناتهم، لأنهم لو استغرقت مظالمهم حسناتهم لما جاز أن يقال فيهم خلصوا من النار. إذن فهؤلاء الذين يحاكمون في حقوق العباد بعد الصراط هم الذين عليهم تبعات يسيرة، ولكل واحد منهم على أخيه مظلمة، وله مظلمة، ولم يكن في شيء منه ما يستحق النار.\nفالجميع يدخلون الجنة إلاّ أنهم يتفاوتون في المنازل. ثانيًاً: أن أهل الجنة يعرفون منازلهم أكثر من معرفة أهل الدنيا بمنازلهم. والمطابقة: في قوله \" فيتقاصون مظالم \".","vol":"3","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>٦٨٩ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمينَ </span>\"\n٧٨٩ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَليْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفْ ذَنْبَ كَذَا؟ أتَعْرِفْ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حَتَّى إذَا قَرَّرَهُ بذُنُوبِهِ، وَرَأى في نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وأَنا أغفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فيُعْطى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وأَمَّا الكَافِرُ والْمُنَافِقُ فَيَقُولُ الأشْهَادُ: هَؤُلاءِ الَّذِيْنَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، ألا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ \".\nــ\n٦٨٩ - \" باب قول الله تعالى ألا لعنة الله على الظالمين \"\n٧٨٩ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ يحدثنا عن النبي - ﷺ - أنّه سمعه بنفسه يقول: \" إن الله يدني المؤمن \" أي يقربه إليه يوم القيامة ليكلمه ويعرض عليه ذنوبه فيما بينه وبينه، \" فيضع عليه كنفه (١) ويستره \" أي فيشمله بعنايته ورعايته ولطفه ورحمته، ويستر عليه ذنوبه، ويكلمه فيها سرًا، \" فيقول له \" فيما بينه وبينه دون أن يطلع على ذلك أحد ويعرض عليه ذنوبه سرًَّا قائلًا له في لطف \" أتعرف ذنب كذا \" هكذا يذكره بما فعله في الدنيا في لطف وخفاء \" حتى إذا قرره بذلك \" واعترف بذنوبه \" ورأى في نفسه أنه هلك \" أي وتيقن أنه دخل النار إِلا محالة إلاّ أن يتداركه عفو الله، \" قال: سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم \" أي أغفرها لك في هذا اليوم كما سترتها عليك في الدنيا \" أما الكافر أو المنافق \" في عقيدته\n_________\n(١) قال القسطلاني: أي حفظه وستره.","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-755>٦٩٠ - \" بَاب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ </span>\"\n٧٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ \".\nــ\n\" فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم \" أي فيقول الحاضرون من الملائكة والنبيين والجن والإِنس: هؤلاء الذين كفروا ونسبوا إلى الله ما لا يليق به من الشريك والولد والزوجة \" ألا لعنة الله على الظالمين \" أي ألا إن هؤلاء الكفار هم الذين اختصهم الله باللعنة والطرد من رحمته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الظالمين المستحقين للعنة هم الكفار والمنافقون لقوله في الحديث: \" وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين \" أما المؤمنون فلا يلعنون ولو كانوا عصاة، لأن مصيرهم إلى الجنة، ولأن رحمة الله لا بد أن تنالهم، فلا يلعن العاصي بعينه، أما اللعن بدون تعيين فلا مانع منه لقوله - ﷺ -: \" لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده \". ثانيًا: سعة رحمة الله وعفوه على عباده، وأنه لا يأس مع الإيمان. والمطابقة: في قوله \" وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين \".\n٦٩٠ - \" باب الظلم ظلمات يوم القيامة \"\n٧٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" الظلم ظلمات \" قال القاضي عياض: هو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه فلا يهتدي يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، فربما وقعت قدمه في ظلمة ظلمه فهوت في حفرة من حفر النار، كما أفاده القسطلاني.","vol":"3","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-756>٦٩١ - \" بَابُ مَنْ كَانتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ فَحَلَّلَهَا لَهُ هَلْ يُبَيِّنُ لَهُ مَظْلَمَتَهُ </span>\"\n٧٩١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أو شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أن لَا يَكُونَ دِينَارٌ ولا دِرْهَمٌ، إِنْ كَان لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ من سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير من عواقب الظلم الوخيمة لأنه يتحول يوم القيامة إلى ظلمات تغشى بصر فاعله، وتحجب عليه طريقه.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة هي لفظ الحديث.\n٦٩١ - \" باب من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له هل ييين له مظلمته \"\n٧٩١ - معنى الحديث: أن من أخذ من أخيه شيئًا بالباطل، أو تعدى على حق من حقوقه المالية أو البدنية أو غيرها \" فيتحلله منه اليوم \" أي فليبادر إلى استرضائه والاستسماح منه (١) في الدنيا وليُعِدْ إليه حقه من ماله، \" قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم \"، أي قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي لا يملك فيه نقودًا يستطيع بها أن يرد للمظلوم حقه المالي الذي ظلمه فيه فيحاكمه إلى ربه ﷿، فإن كان له عمل صالح فإنه يؤخذ من حسناته\n_________\n(١) ويكفيه ذلك إذا كان التعدي بدنيًا. أو أخلاقيًا مثلًا، فإن كان ماليًا فلا بد من إعادة حقه إليه أو سؤاله التنازل عنه.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>٦٩٢ - \" بَابُ إِثْمِ من خاصَمَ في بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ </span>\"\n٧٩٢ - عن أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَضِيَ اللهُ عَنْهَا:\nأَنَّهُ - ﷺ - سَمِعَ خُصَومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَج إِلَيْهِمْ فَقَالَ: \"إِنَّمَا أنا بَشَرٌ وِإنَّه يَأتِيني الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أن يَكُونَ أبلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأحسِبُ\nــ\nوأعماله الصالحة بقدر تلك المظلمة، ويضاف إلى حسنات خصمه، فيزيد المظلوم في حسناته، ويخسر الظالم من حسناته، وإن لم يكن للظالم حسنات، فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم، وتضاف إلى الظالم، وربما تضاعفت سيئاته وتراكمت وألقي به في النار، فيهلك الظالم، ويربح المظلوم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الظالم إذا أراد أن يتوب إلى الله توبة صادقة وكانت عليه حقوق مالية للمظلومين أن يتحلل منهم قبل كل شيء، ويبرىء ذمته من حقوقهم بإعادة حقوقهم إليهم، أو استسماحهم بعد أن يبين لهم الشيء الذي ظلمهم فيه حتى يكونوا على معرفة تامة به، ولتبرأ ذمته من تلك المظلمة المعينة، لأن صحة البراءة والتحلل يتوقفان على إعادة الحق إليهم أو مسامحتهم في الشيء المعين الذي ظلموا فيه وذلك أمر قام الإِجماع عليه، كما أفاده الحافظ. أما البراءة والتحلل من المجهول فهو محل خلاف بين أهل العلم. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: \"فليتحلله منه\".\n٦٩٢ - \" باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه \"\n٧٩٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - سمع مشاجرة بين اثنين، من الصحابة رضوان الله عليهم فخرج من بيته إليهم ليتعرف على الخصومة التي بينهما، ويقضي فيها، فقال لهم قبل أن يقضي بينهما محذرًا لكل واحد منهما من المخاصمة في الباطل \" إنما أنا بشر مثلكم \" قال العيني: أي لا أعلم الغيب","vol":"3","page":366},{"text":"أنَّهُ صَدَقَ، فَأقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فإِنَّما هِيَ قِطْعَة مِنَ النَّارِ، فَلْيَأخُذْهَا أوْ لِيَتْرُكْهَا\".\nــ\nوبواطن الأمور كما هو مقتضى الحالة البشرية، وإنما أحكم بالظاهر \" من البينة أو اليمين \" والله يتولى السرائر \" وإنه يأتيني الخصم \" أي يأتيني الخصمان المدعي والمدعى عليه \" فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض \" يعني فقد يكون أحد الخصمين أقدر على إثبات دعواه بالحجة والبينة من الآخر \" فأحسب أنه قد صدق \" أي فيغلب على ظني أنّه صادق محقٌّ \" فأقضي له بذلك \" أي فأحكم له بالقضية لما معه من الحجة والبينة \" فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها \" أي فمن حكمت له بحق أخيه المسلم وسلمته له فلا يستحله فإنه إذا أخذ ذلك الحق وهو يعلم أنه باطل وظُلْمٌ لغيره فإنه يأخذ مالًا حرامًا يؤدي به إلى النار. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير الشديد عن الدعوى الباطلة التي يراد منها أكل أموال الناس بالباطل، لما تؤدي إليه من النار وبئس القرار، وأن المخاصمة في الباطل إثم ومعصية، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن النبي - ﷺ - كان يحكم بين الناس بالحجة الظاهرة من بينة أو يمين تشريعًا للقضاة والحكام في كل العصور والأزمان، فإن أساس القضاء في الإِسلام يعتمد على أصول ثلاث: البينة، اليمين، الإِقرار، أي إقرار الشخص على نفسه بالحق الذي عليه، وهو سيّد الأدلة، ولا يجوز الحكم بغيرها حتى قال بعض أهل العلم: إن القاضي لا يحكم بعلمه، فلو علم حقيقة الأمر في القضية المعروضة عليه في مجلس القضاء لا يحكم بعلمه، وإنما يحيل القضية إلى قاض آخر، ويأتي شاهدًا فيها. والدليل على أن القاضي يحكم","vol":"3","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>٦٩٣ - \" بَابٌ لا يَمْنَعُ جَار جَارَهُ أنْ يَغرِزَ خشبَةً في جِدَارِهِ </span>\"\n٧٩٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في\nــ\nبما يظهر له. قوله - ﷺ -: \" فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له \"، وإنما حكم النبي - ﷺ - بذلك ليكون الحكم بالظاهر قاعدة من قواعد القضاء الشرعي في الإِسلام، لأن الحكم باليقين ليس في مقدور البشر، وحقيقة الأمر في صدق أحد الخصمين وكذب الآخر غيب لا يعلمه إلاّ الله، فلا يصلح أن يكون أساسًا للقضاء. ثالثًا: أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا ولا يبيح مظلمة، فمن حكم له بشيء من حق غيره فإنه يحرم عليه أخذه ما دام يعلم أنّه حق غيره، لقوله - ﷺ -: \" فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار \" وبهذا أخذ الجمهور فقالوا: إن حكم الحاكم لا يحلل الحرام للمحكوم له، سواء كان ذلك في الأموال أو الأعراض، وذهب أبو يوسف ومن وافقه من أهل العلم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو طلاق أو ما أشبه ذلك، فهو على ما حكم (١)، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، كما أفاده العيني، ولكن حديث الباب حجة عليه. والمطابقة: في قوله \" فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار\".\n٦٩٣ - \" باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره \"\n٧٩٣ - قوله - ﷺ -: \" لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره \" يجوز فيه الرفع على أن لا نافية، والجزم على أنها ناهية.\nومعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يقول: لا ينبغي للمسلم إذا كان له\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ٣.","vol":"3","page":368},{"text":"جِدَارِهِ\"، ثُمَّ قَالَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁: ما لي أراكُمْ عنهَا مُعْرِضينَ، واللهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أكتَافِكُمْ.\nــ\nبناء أن يمنع جاره الملاصق لداره من أن يغرز خشبة في جداره وعلى أن \" لا \" جازمة، يكون معناه أن النبي - ﷺ -: ينهى كل مسلم له بناء أن يمنع جاره من غرز خشبة في جداره، هكذا روى أبو هريرة هذا الحديث. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة أنه - ﷺ - قال: \" إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه، قال: فلما حدث أبو هريرة طأطأوا رؤوسهم \" أي نكسوا رؤوسهم \" فقال: ما في أراكم عنها معرضين، والله لأرمينّ بها بين أكتافكم، أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة، وهو معنى قوله - ﷺ - في حديث الباب \" ثم قال أبو هريرة ﵁: ما لي أراكم عنها معرضين \" أي ما لي أراكم منصرفين عن سماع مقالتي هذه، أو معرضين عن سنة رسول الله - ﷺ - وإنما وجّه إليهم هذه الملامة حين طأطأوا رؤوسهم ثم اشتد عليهم بكلامه فقال: \" والله لأرمين بها بين أكتافكم \"، أي لأشيعن (١) هذه المقالة فيكم ولأقرّعنكم بها كما يُضْرَب الإِنسانُ بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. وقال الخطابي: معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلن الخشبة على رقابكم كارهين.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من حق الجار أن يمد خشبة في الجدار، ولهذا قال أحمد والشافعي وإسحاق: يجب عليه أن يمكنه من ذلك عند احتياجه، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد يستحب له ذلك.\nالحديث: أخرجه الشيخان والجماعة عدا النسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>٦٩٤ - \" بَابُ النُّهْبَى بِغيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ </span>\"\n٧٩٤ - عن عبدِ اللهِ بْنِ يَزِيْدٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: \" نَهَى النبي - ﷺ - عن النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ \".\nــ\n٦٩٤ - \" باب النُّهبى بغير إذن صاحبه \"\nالنهبى (١) على وزن فعلى من النهب، وهو أخذ الشيء من أحد عيانًا، والمراد به بيان حكم أخذ الشيء من صاحبه عيانًا عنوة واقتدارًا وهو ما يسمى بالغصب.\n٧٩٤ - قوله ﵁: \" نهى النبي - ﷺ - عن النهبى والمثلة \".\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى عن أمرين من الكبائر، الأولى \" النهبى \" وهي أخذ الشيء من صاحبه بدون إذنه عيانًا عنوة واقتدارًا. والنهبى والغصب بمعنى واحد. الثاني: المثلة بضم الميم وسكون الثاء، وهي العقوبة بقطع الأعضاء كجدع الأنف والأذن وفقىء العين وغيره.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب احترام الملكية الفردية في الإِسلام، والنهي عن الغصب والنهب، وتحريم ذلك تحريمًا شديدًا، سواء كان المنهوب مسلمًا أو كافرًا، لأن الحقوق الإِنسانية من نفس ومالٍ وعرضٍ وغيره يستوي فيها المسلم والكافر، وقد دل الحديث على أن الاعتداء على الأموال باغتصابها من الكبائر، وإلّا لما ترتب عليه هذا الوعيد الشديد، وكذلك كل اعتداء على مال الغير سواء كان بالغصب أو بالسرقة أو بالخيانة كبيرة، ولا شك لأنه أكل لأموال الناس بالباطل. ثانيًا: تحريم المثلة بالإِنسان، أو الحيوان، وهي قطع بعض الأعضاء إمعانًا في التشفي\n_________\n(١) بضم النون وسكون الهاء.","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-760>٦٩٥ - \" بَابُ مَنْ قَاتلَ دُونَ مَالِهِ </span>\"\n٧٩٥ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ \".\nــ\nوالإِنتقام، والمثلة جريمة وحشية حرمها الإِسلام أشد التحريم لما فيها من العنف والقسوة وإهدار كرامة الإِنسان. والمطابقة: في قوله \" نهي النبي - ﷺ - عن النهبى \". الحديث: أخرجه البخاري.\n٦٩٥ - \" باب من قاتل دون ماله فهو شهيد \"\n٧٩٥ - قوله \" سمعت النبي - ﷺ - يقول: من قتل دون ماله \".\nمعنى الحديث: يروي لنا ابن عمرو في هذا الحديث أنه سمع النبي - ﷺ - بنفسه \" يقول: من قتل دون ماله فهو شهيد \" أي من تعرّض له لص أو غاصب وحاول أخذ ماله منه غصبًا قوة واقتدارًا بغير حق شرعي، فإنّ عليه أن يقاتله دفاعًا عن ماله، فإن قتل في الدفاع عن ماله فهو شهيد في حكم الله تعالى، وكذلك من قُتل دفاعًا عن نفسه، وقد جاء هذا المعنى الذي ذكرناه مصرحًا به نصًا في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء (١) رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، قال: \" فلا تعطه مالك \" قال: أرأيت إن قاتلني قال: \" قاتله \" قال: أرأيت إن قتلني، قال: \" فأنت شهيد \" قال: أرأيت إن قتلته، قال: \" هو في النار \" أخرجه مسلم. وفي لفظ أحمد، قال: يا رسول الله أرأيت إن عدى على مالي قال: \" انشد الله \" قال: فإن أبوا عليّ قال: \" انشد الله \" قال: فإن أبوا علي قال: \" قاتل فإن قتلت ففي الجنة، وإن قَتَلْتَ ففي النار \".\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.","vol":"3","page":371},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الدفاع عن المال ومقاتلة من يريد اغتصابه أو سرقته، لأن ذلك حق مشروع في جميع الأديان السماوية، إلا أنه يبدأ بالمدافعة عنه دفاعًا خفيفًا، فإن رجع عنه فبها وإلا دافعه بالأشد فالأشد حتى يصل ذلك إلى درجة المقاتلة، فإن قُتِلَ المعْتدي من غاصب أو سارق فدمه هدر، وإن قتل المعتدى عليه فهو شهيد. قال الشوكاني: وأحاديث الباب فيها دليل على أنها تجوز مقاتلة من أراد أخذ مال إنسان من غير فرق بين القليل أو الكثير إذا كان الأخذ بغير حق، وهو مذهب الجمهور كما حكاه النووي والحافظ في الفتح، وقال بعض العلماء: إن المقاتلة واجبة، وقال بعض المالكية: لا تجوز إذا طلب الشيء الخفيف، ولعل مستمسك من قال بالوجوب ما في حديث أبي هريرة من الأمر بالمقاتلة كما في رواية مسلم. وأما القائل (١) بعدكم الجواز في الشيء الخفيف فعموم أحاديث الباب ترده، ولكنه ينبغي تقديم الأخف فالأخف فلا يعدل المدافع إلى القتل مع إمكان الدفع بدونه. ويدل على ذلك أمره - ﷺكما في رواية أحمد- بانشاد الله قبل المقاتلة، وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله المقاتلة وليس عليه عقل ولا دية، ولا كفارة، وقال أبو حنيفة في رجل خرج (٢) بالسرقة فاتبعه الرجل فقتله فلا شيء عليه. قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل يدفع عما ذكر إذا أريد ظلمًا بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث أجمعوا على استثناء السلطان للآثار الواردة في الأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه. اهـ. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله \" من قتل دون ماله فهو شهيد \" لأن تقدير الترجمة \"من\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.\n(٢) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٣.","vol":"3","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>٦٩٦ - \" بَابٌ إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أوْ شَيْئًا لِغيْرِهِ </span>\"\n٧٩٦ - عَنْ أنسٍ ﵁:\n\" أن النبي - ﷺ - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَصْعَةٍ فيهَا طَعَام، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ فَضَمَّهَا، وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: كُلُوا: وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ \".\nــ\nقاتل دون ماله فقتل فحكمه أنه شهيد\" قال العيني واقتصر في الحديث على لفظ قتل لأنه يستلزم المقاتلة، وبهذا تتضح المطابقة.\n٦٩٦ - \" باب إذا كسر قصعة أو شيئًا لغيره \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على حكم من كسر قصعة يعنى إناءً من الخشب، أو شيئًا آخر غيره لشخص آخر، هل يضمن المثل أو القيمة أم لا؟.\n٧٩٦ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان عند بعض نسائه \"، أي كان في بيت عائشة ﵂ \" فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام \" أي فبينما كان في بيت عائشة أهدت إليه إحدى زوجاته الأخريات، وهي زينب بنت جحش قصعة فيها طعام (١) من حيس، \" فضربت بيدها فكسرت القصعة \" أي فضربت عائشة ﵂ القصعة بيدها فكسرتها غيرة منها على رسول الله حيث تملكتها الغيرة من تلك الزوجة الأخرى، فأثارت غضبها ولم تتمالك نفسها فكسرت القصعة انتقامًا منها، لأنها اغتاظت من ضرتها كيف ترسل تلك الهدية\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٣.","vol":"3","page":373},{"text":"إلى النبي - ﷺ - وهو في بيتها فدفعتها الغيرة إلى الانتقام منها بكسر قصعتها. \" فضمها \" أي فجمع النبي - ﷺ - أطراف تلك القصعة التي انكسرت. \" وجعل فيها الطعام وقال: كلوا \" أي وأمر النبي - ﷺ - من كان معه من الصحابة بالأكل منها، وكان الطعام الذي فيها من الحيس وهو طعام يصنع من التمر والأقط والسمن، قال العيني: وقد يجعل عوض الأقط الدقيق. اهـ.\nقال الشاعر:\nوإذا تَكُوْنُ كَرِيْهَة أدْعَى لَهَا ... وَإذَا يحَاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ\nقال الراوي: \" وحبس الرسول والقصعة \" أي وأبقى النبي - ﷺ - الرسول والقصعة المكسورة عنده وأخرهما \" حتى فرغوا \" أي حتى انتهوا من أكل طعامهم، \" فدفع القصعة الصحيحة \" أي فغرّم السيدة عائشة مثل القصعة التي كسرتها، وأخذ قصعة صحيحة من أوانيها فدفعها إلى زينب بدل قصعتها التي كسرتها عائشة، وهكذا ألزم النبي - ﷺ - عائشة ﵂ بالضمان بالمثل، لأن \" من أتلف شيئًا فعليه ضمانه \" كما في الحديث الصحيح والمطابقة: في قوله \" فدفع القصعة (١) الصحيحة \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية ضمان المتلفات من العروض والحيوان بالمثل، قال ابن التين (٢): احتج بهذا الحديث من قال: يقضى في العروض بالأمثال، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك، وفي رواية ما صنع الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط ونحو ذلك، وكل ما كان من صنع الله ﷿ مثل العبد والدابَّة ففيه القيمة، والمشهور من مذهبه أن كل ما كان ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة، وما كان مكيلًا أو موزونًا فيقضى بمثله يوم استهلاكه. قال العيني: ومذهب أبي حنيفة أن\n_________\n(١) أي في قوله: \" فدفع القصعة الصحيحة \".\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٣.","vol":"3","page":374},{"text":"كل ما كان مثليًا يجب عليه مثله، والمثلي كالمكيل مثل الحنطة والشعير والموزون كالدراهم والدنانير وغير المثلي كالعدديات المتفاوتة كالبطيخ والرمان والثياب، والعددي المتقارب كالجوز والبيض ففيه القيمة. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجة.\n***","vol":"3","page":375},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-762> كتاب الشركة </span>\"\nالشركة لغة: بكسر الشين، وسكون الراء على الأفصح، وقد تفتح الشين وتكسر الراء، هي خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يتميّزان عن بعضهما أو يتميزان. أمّا الشركة شرعًا: فهي ثبوت الحق الشرعي في شيء لاثنين فصاعدًا، وهي نوعان: شركة ملك، وشركة عقد، فالأولى أن يملك الاثنان عينًا، والثانية أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا ويقبل الآخر.\nوتنقسم شركة العقود إلى خمسة أقسام: الأولى: شرح العنان: وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بمالين أو أموال على الاتجار فيها، واقتسام الربح بينهما أو بينهم على ما اصطلحا عليه واشترطا، أو يشترك اثنان بمالهما على أن يعمل أحدهما فقط، بشرط أن يكون للعامل جزء أكثر من الربح مقابل عمله، وهي جائزة صحيحة عند الجمهور. الثانية شركة المضاربة: وهي أن يدفع صاحب المال قدرًا معينًا من ماله إلى من يتجر فيه مقابل جزء مشاع معلوم النسبة من الربح شريطة أن يكون نقدًا، وهي جائزة عند الجميع إلاّ أن أبا حنيفة لا يسميها شركة. الثالثة شركة الأبدان: وهي أن يشترك عاملان أو أكثر، ويتَّفقا على العمل بأبدانهما وما يرزقانه من الأجر بينهما، وهي جائزة صحيحة عند الجمهور خلافًا للشافعي، إلا أن مالكًا اشترط الاتفاق في العمل الواحد، والصناعة الواحدة، كحداد وحداد. الرابعة شركة المفاوضة: وهي الاشتراك في استثمار المال مع تفويض كل واحد منهما أو منهم لصاحبه في البيع والشراء والتوكيل، وهي جائزة صحيحة عند مالك وأبي حنيفة، إلاّ أن أبا حنيفة اشترط أن تكون بين مسلمين حرّين جائزي التصرف، وأن يكون المالان متساويين والتصرف متساويًا والربح متساويًا، وأن لا يبيعا من جنس مال الشركة شيئًا إلاّ ويُدْخِلانه في الشركة، وأن يضمن كل منهما","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-763>٦٩٧ - \" بَابُ الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ والنَّهْدِ والعُروضِ </span>\"\n٧٩٧ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الأشْعَرِيينَ أَذَا ارمَلُوا في الْغَزْوِ أوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحدٍ، ثم اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ في إِنَاءٍ وَاحِدٍ بالسَّوِية، فَهُمْ مِنِّي وَأنا مِنْهُمْ\".\nــ\nصاحبه في البيع والشراء، وأن يكون كل ما يشتريانه على الشركة عدا طعام أهلهم وأولادهم. الخامسة شركة الوجوه: وهي اشتراك اثنين أو أكثر في شراء تجارة في ذمتهما - أي بثمن مؤجل متعلق بالذمة اعتمادًا على وجاهتهما على أن يكون الربح بينهما، وهي جائزة عند أحمد وأبي حنيفة خلافًا لمالك والشافعي.\n٦٩٧ - \" باب الشركة في الطعام والنهد والعروض \"\n\" والنهد \" بفتح النون وكسرها هي أن ينثر الرفقة زادهم على سفرة واحدة ليأكلوا جميعًا منه. \" والعروض \" بضم العين جمع عرض (بسكون الراء) وهو المتاع، ويقابل النقد، وتجوز فيه شركة العنان والمفاوضة عند مالك إذا اتحد الجنس، وقال الشافعي: تجوز في العروض المثلية، وقال أبو حنيفة: لا تجوز مطلقًا (١) ولا تكون إلاّ بالنقدين.\n٧٩٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن الأشعريين إذا أرملوا \" أي إذا قلّ زادهم في السفر \" أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة \" أي: أو قل طعامهم في الحضر وخافوا أن لا يسد حاجتهم \"جمعوا ما كان عندهم\n_________\n(١) وهو مذهب الجمهور، وقال ابن قدامة: فأمّا العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، نص عليه أحمد، وكره ذلك ابن سيرين والشافعي وأصحاب الرأي.","vol":"3","page":377},{"text":"في ثوب واحد\" أي جمعوا الطعام الذي كان متفرقًا بعضه عند هذا وبعضه عند ذاك، واشتركوا فيه جميعًا ووضعوه في ثوب واحد، \" ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية \"، أي بالتساوي بينهم.\nفقه الحديث: استدل البخاري بهذا الحديث على جواز الشركة في النهد أو في الطعام، والنهد كما قلنا أن ينثر الرفقة زادهم على سفرة فيأكلوا جميعًا، أو يجمعوه ويقتسموه بينهم قسمة متساوية، كما في هذا الحديث أو غير متساوية.\nقال العيني: وذلك جائز في جنس واحد أو في الأجناس. وإن تفاوتوا في الأكل، وليس هذا من الربا في شيء وإنما هو من باب الإِباحة. وقال في \" فيض الباري \": ليست هذه من باب المعاوضات التي تجري فيها المماكسة أو تدخل تحت الحكم، وإنما هي من باب التسامح، وقد جرى بها التعامل من لدن عهد النبوة. وأما الشركة في الطعام وكل ما يملك فقد قال الحافظ: والجمهور على صحة الشركة في كل ما يتملك -يعني من طعام وغيره- والأصح عند الشافعية اختصاصها بالمثلي، وعند المالكية تكره الشركة في الطعام. هذا ومما يستفاد من الحديث استحباب خلط الطعام والمشاركة فيه حضرًا وسفرًا، لأن النبي - ﷺ - أثنى على الأشعريين ومدحهم بعملهم هذا، لما يترتب عليه من حلول البركة في الطعام، وكفايته للعدد الكثير من الناس، وانتفاع الأبدان به، وغير ذلك من المؤانسة والمباسطة أثناء تناوله، ولهذا كان هذا العمل من سنته - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله \" جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد \".\n***","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>٦٩٨ - \" بَابُ تقْوِيمِ الأشْيَاءِ بَيْنَ الشُرّكَاءِ بِقِيمَةِ عَدل </span>\"\n٧٩٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ أعتَقَ شَقِيْصًا مِنْ مَمْلُوكه فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ في مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ \".\nــ\n٦٩٨ - \" باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل \"\n٧٩٨ - قوله: \" من أعتق شَقِيْصًا من مملوكه فعليه خلاصه \"\n\" الشقيص \" بفتح الشين المشددة هو نصيب المالك من العبد، أو نصيب الشريك من العبد المشترك.\nومعنى الحديث: أنه إذا كان المملوك \" عبدًا أو أمة \" مشتركًا بين شخصين وأعتق أحدهما نصيبه منه، سواء كان نصفه أو أكثر أو أقل، فإنّ عليه أن يشتري بقية العبد من شريكه، ويأخذ ثمن ذلك من مال العبد إن كان له مال \" فإن لم يكن في مال قوّم المملوك \"، أي سئل أهل الخبرة عن ثمنه، ثم جعلت له قيمة مثله، وهو معنى قوله: \" قيمة عدل \" أي قيمة مناسبة له، وهي ثمن أمثاله، \" ثم استسعي غير مشقوق عليه \" أي ثم كلف المملوك بالعمل في صناعة أو زراعة أو نحوها حتى يجمع المال الكافي لتحرير بقيته، وتخليص رقبته من الرق، ودفع القيمة العادلة للشريك حتى يتم عتقه كله. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه إذا أعتق أحدُ الشريكين نصيبه من العبد فإن على ذلك العبد إذا كان غنيًا أن يشتري ما تبقى منه لسيده الآخر من ماله الخاص، ويعتق نفسه من ماله كما قال - ﷺ -: \" فعليه خلاصه في ماله \" وكما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:","vol":"3","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>٦٩٩ - \" بَابُ مَشَارَكَةِ الذِّمِيِّ وَالْمُشْرِكينَ في الْمُزَارَعَةِ </span>\"\n٧٩٩ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\"أَعْطى رَسوُلُ اللهِ - ﷺ - خَيْبَرَ اليَهُودَ أن يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ\nــ\n\" من أعتق شقصًا من رقيق كان عليه أن يعتق نفسه فإن لم يكن له مال يستسعى العبد \". اهـ. أي وإن كان العبد فقيرًا كلف بالعمل حتى يجمع ما يخلص به بقيته. وهناك صورة ثالثة لم تذكر في الحديث وهي أن يضمن المعتق نصيب شريكه من ماله إن كان موسرًا، دون الرجوع على مملوكه بشيء كما جاء منصوصًا عليه في حديث ابن عمر: \" من أعتق شركًا له من عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد \" وبهذه الأحكام الثلاثة أخذ أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العلم فقالوا: إن كان المعتق موسرًا ضمن نصيب شريكه من ماله، وإن كان فقيرًا والعبد موسرًا اشترى بقية العبد من مال العبد نفسه، وإن لم يكن هذا ولا ذاك استسعى على المملوك حتى يخلص رقبته. وذهب الجمهور إلى أن من أعتق نصيبه إن كان موسرًا غرّم نصيب صاحبه. وعتق العبد كله، وإن لم يكن له مال أعتق من العبد ما عتق لحديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -: \"من أعتق شركًا من عبد وكان له مال يبلغ ثمنه قيمة عدل فهو عتيق وإلّا فقد عتق منه ما عتق \". ثانيًاً: تقويم الأشياء بين الشركاء قبل قسمتها بالقيمة العادلة المعروفة في الأسواق التجارية، ومن ذلك الرقيق لا تجوز قسمته على الشركاء إلاّ بعد تقويمه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة خلافًا لمالك وأبي يوسف: يجوز عندهما قسمة الرقيق قبل تقويمه، أما بقية الأشياء فلا بد من تقويمها اتفاقًا. والمطابقة: في قوله \" قوم المملوك قيمة عدل \".\n٦٩٩ - \" باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة \"\n٧٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \"أعطى","vol":"3","page":380},{"text":"شَطر مَا يَخْرُجُ مِنْهَا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>٧٠٠ - \" بَابُ الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ </span>\"\n٨٠٠ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ ﵁:\nوَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النبي - ﷺ - وذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْهُ، فَقَالَ: هُوَ صَغِيرٌ، فَمَسحَ رَأْسَهُ، ودَعَا لَهُ، وَكَانَ يَخْرُجُ إلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ\nــ\nْرسول الله - ﷺ - خيبر لليهود\" أي سلمهم أراضيها الزراعية، وعقد معهم عقد مزارعة ينص هذا العقد \" على أن يعملوها ويزرعوها \" أي أن يقوموا بزراعتها وسقيها والعمل فيها وحرثها \" ولهم شطر \" أي نصف \" ما يخرج منها \" وللنبي - ﷺ - النصف الآخر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" ولهم شطر ما يخرج منها \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز مشاركة المسلمين للكفار، سواء كانوا من أهل الذمة أو غيرهم في استثمار الأراضي الزراعية بأن يدفع المسلم الأرض للكافر ليقوم بزراعتها وخدمتها مقابل مشاركته في انتاجها الزراعي بنسبة معينة، ويسمى ذلك بالمزارعة، وقد تقدم في أوائل كتاب المزارعة.\n٧٠٠ - \" باب الشركة في الطعام وغيره \"\n٨٠٠ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبد الله بن هشام التيمي ولد سنة أربع من الهجرة، وسكن المدينة ودعا له - ﷺ - بالبركة، ليس له سوى هذا الحديث وحديث آخر.","vol":"3","page":381},{"text":"وَابْنُ الزُّبَيْرِ ﵃ فَيَقُولانِ لَهُ: أشْرِكْنَا فَإِنَّ النبي - ﷺ - قَدْ دَعَا لَكَ بالبَرَكَةِ، فيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أصَابَ الرَّاحِلَةَ كما هِيَ (١) فَيَبْعَثُ بِهَا إِلى المَنْزِلَ.\nــ\nمعنى الحديث: أن عبد الله بن هشام ﵁ \" ذهبت به أمه زينب إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله بايعه فقال: هو صغير \" أي صغير السن لم يبلغ سن التمييز بعد، لأنه ولد في السنة الرابعة وذهبت به أمه إلى النبي - ﷺ - وهو لم يتجاوز السابعة \" فمسح رأسه ودعا له \" بالبركة \"وكان يخرج إلى السوق فيشتري الطعام \" أي يتاجر في المواد الغذائية من بُرّ وشعير ونحوه، \" فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵃ فيقولان له: أشركنا \" في تجارتك، وذلك أملًا في الربح، لأنه دعا له - ﷺ - بالبركة فكان كما جاء في آخر هذا الحديث ربما ربح راحلة محملة بالطعام من صفقة واحدة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز الشركة في الطعام، وهو مذهب الجمهور خلافًا لمالك. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والمطابقة: في قوله \" فيقولان له أشركنا \".\n...\n_________\n(١) أي كثيرًا ما يربح راحلة كاملة محمّلة بالطعام في صفقة واحدة.","vol":"3","page":382},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-767> كتابُ الرَّهْنِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>٧٠١ - \" بَاب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ </span>\"\n٨٠١ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" الظَّهْرُ (١) يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كانَ مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَرِّ يُشْرَبُ بَنَفَقَتِهِ إِذا كَانَ مَرْهُونًا، وعلى الذي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَفَقَةُ \".\nــ\n٧٠١ - \" باب الرهن مركوب ومحلوب \"\nالرهن لغة: الثبوت والدوام. \" ماء راهن \" أي راكدٌ \" ونعْمة راهنة \" يعني دائمة، ومن معانيه الحبس أيضًا كما في قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) أي محبوسة في موقف الحساب حتى تسأل عن أعمالها في الدنيا.\nوشرعًا: كما قال الراغب: ما يوضع وثيقة للدين، وقال ابن قدامة: الرهن في الشرع المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه، أي حتى يكون ضمانًا ماليًا للدين فإذا لم يسدده المدين عند حلول الأجل كان له الحق في بيع ذلك المرهون واستيفاء حقه من ثمنه، أما قبل حلول الأجل فإن الرهن يكون وديعة لديه وأمانة عنده لا يحق له التصرف فيه.\n٨٠١ - معنى الحديث: قوله - ﷺ -: \" الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا \". إلخ أي أن المرتهن له أن يركب ظهر الدابة المرهونة لديه من فرس أو جمل أو نحوه وأن يحلب البقرة والشاة وينتفع بلبنها مقابل إنفاقه عليها، وقال بعضهم: معنى قوله \" يُركَب ويُشرب \" أن الظهر المرهون يركبه الراهن\n_________\n(١) وفي رواية: \" الرهن يركب بدل الظهر \".","vol":"3","page":383},{"text":"ويشربه. بمعنى أن الراهن هو الذي ينفق على الرَّهن أثناء رهنه، وهو الذي يركبه ويشرب لبنه. وينتفع به. والمسألة خلافية كما سيأتي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استدل به بعض أهل العلم على أن الرهن إذا كان له منفعة، ويحتاج إلى نفقة كالدواب المركوبة أو المحلوبة فإن على المرتهن نفقته مقابل انتفاعه به وهو مذهب أحمد وإسحاق.\nوقال الجمهور: نفقة الرهن ومنفعته للراهن، فهو الذي يركبه ويشربه مقابل نفقته ولا ينتفع المرتهن بشيء كما أنه لا نفقة عليه. وأجابوا عن حديث الباب بجوابين الأول قال الشافعي: المراد بقوله: \" الظهر يركب بنفقته \" الخ أنه لا يمنع الراهن من ظهره ودره - أي لا يمنع من ركوبة وشرب لبنه إن كان محلوبًا، قال الصنعاني: وَرُدَّ بأنه وَرَدَ بلفظ المرتهن فتعين الفاعل \" الثاني: أن هذا الحديث كما أفاده ابن عبد البر ترده أصول مجتمعة وأنه منسوخ بحديث ابن عمر ﵄ \" لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه \" قال الصنعاني أما النسخ (١) فلا بد له من معرفة التاريخ ولا يحمل عليه إلا إذا تعذر الجمع ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي بالمرهون. الثالث: أن هذا الحديث خالف القياس في تجويز الركوب والشرب لغير المالك بدون إذنه وتضمينه بالنفقة لا بالقيمة، وأجاب عن ذلك الصنعاني بأن الأحكام الشرعية ليست مطردة على نسق واحد، بل الأدلة تفرق بينها والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه وجعله قيمة النفقة، كما حكم ببيع الحاكم عن المدين المتمرد وجعل صاع التمر عوضًا عن اللبن في المصراة. ثانيًا: أن ما لا يحتاج إلى نفقة لا يجوز الانتفاع به كالثوب والأرض، فلا يلبس الثوب المرهون مثلًا ولا ينتفع من الأرض المرهونة بزراعتها أذن له الراهن أو لم يأذن له وهو قول الجمهور.\nالحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n_________\n(١) \" سبل السلام \" ج ٣ للصنعاني.","vol":"3","page":384},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-769> كتاب العتق </span>\"\nالعتق لغة: كما قال ابن قدامة الخلوص، ومنه عتاق الخيل وعتاق الطير أي خالصها. وسمّى البيت الحرام عتيقًا لخلوصه (من أيدي الجبابرة) لعبادة الله وحده.\nوالعتق شرعًا: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، يقال: عتق العبد وأعتقه وهو عتيق ومعتق. اهـ. ولا شك أن هذه الأبواب من عتق وتدبير ومكاتبة تظهر بوضوح موقف الإِسلام من (١) الأرقاء، ومدى تشوفه إلى تحريرهم، وتكشف زيف المتهمين له بأنه يهدر كرامة الإِنسان، فالإِسلام لم يكن أول من شرع الرق، بل كان مشروعًا في معظم قوانين العالم ودياناته، وفي اليونان أقره أفلاطون وأرسطو، وكذلك القانون الروماني حتى أنه أباح استرقاق المدين إذا لم يف بدينه واسترقاق الأسرى والتلهي بقتلهم وتعذيبهم، وأقر الفرس والإِسرائيليون الرق، واستباحوا استرقاق أهل المدن المفتوحة من النساء والأطفال، أما الرجال فليس لهم سوى القتل، كما هو موجود في كتبهم، والنصارى أقروا الرق، وأوصوا بالأرقاء خيرًا، وجاء الإِسلام فنظّم الرق، وألغى كثيرًا من أسبابه فقد كان الرجل قبل الإِسلام يبيع ولده بل يبيع نفسه، فوضع الإِسلام للرق حدودًا، واشترط في الأسرى أن يكون أسرهم في حرب شرعية ينظمها الإِمام لسبب مشروع، وأجاز له أن يمن على الأسير وللأسير أن يفتدي من ماله، ثم أكثر الإِسلام بعد ذلك من أسباب العتق فجعله كفارة للظهارِ والقتل وفطر رمضان، وشرع المكاتبة إلى غير ذلك مما يدل على حرص الإِسلام على تحرير الإِنسان.\n_________\n(١) هذه خلاصة لما قاله الأستاذ فايد في تعليقه على \" المغني \" ج ١٠ ص ٢٠ - ٣٩٢ مكتبة القاهرة.","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-770>٧٠٢ - \" بَابُ مَا جَاءَ في الْعِتْقِ وَفضلِهِ </span>\"\n٨٠٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أيُّمَا رَجُلٍ أعْتَقَ امرءًا مُسْلِمًَا اسْتَنْقَذَ اللهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًَا مِنَ النَّارِ \".\nــ\n٧٠٢ - \" باب ما جاء في العتق وفضله \"\n٨٠٢ - قوله - ﷺ -: \" أيما رجل أعتق امرءًا مسلمًا إلى آخره \" .. إلخ.\nمعنى الحديث: أنه ما من عبد مسلم يخلّص رقبة مسلم من الرق ويحرره من العبودية لغيره، ويشتريه ويعتقه أو يكون مملوكًا له فيعتقه لوجه الله تعالى ويجعله حرًا بعد أن كان عبدًا مملوكًا، أو جارية مملوكة، إلا \" استنقذ الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار \" أي إلاّ خلّص الله بكل عضو من تلك النفس البشرية التي أعتقها عضوًا من جسمه من النار، وبذلك ينجو من العذاب، ويفوز بالجنة مع السابقين الأولين، لأن من نجا من النار دخل الجنة لا محالة، وفي رواية: \" من أعتق رقبة مسلمة \" والمراد بالرقبة ذات الإِنسان كلها، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، فهو مجاز مرسل، وقال في \" النهاية \" الرقبة في الأصل العتق، جعلت كناية عن جميع ذات الإِنسان تسميةً للشيء ببعضه، فإذا قال: أعتق رقبة، فكأنما قال: أعتق عبدًا أو أمةً. وقوله: \" أيما رجل \" كلمة أيما مركبة من \" أي \" الشرطية \" وما \" الزائدة للتأكيد، ورجل مجرور بالإِضافة، أو مرفوع بالبدلية، وفي رواية: \" أي مسلم \" وقوله: \" استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا من النار \" يشعر بأن الله ينجيه من النار بعد استحقاقه لها: الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.","vol":"3","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-771>٧٠٣ - \" بَابٌ أيُّ الرِّقَابِ أفضَلُ </span>\"\n٨٥٣ - عَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ:\nسَأَلْتُ النبي - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \" إِيمَان باللهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِ اللهِ \"، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"أَغْلاهَا ثَمَنًَا،\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل العتق في الإِسلام، وأن عتق الرقبة المسلمة من الرق سبب في النجاة من النار لمن استحق دخولها. \" قال الصنعاني \" (١): في تقييد الرقبة المعتقة بالإِسلام أيضًا دليل على أن هذه المثوبة لا تنال إلا بعتق المسلمة، وإن كان في عتق الكافرة فضل، لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من الأجر. ثانيًاً: قال الخطابي: يستحب أن لا يكون العبد المعتق ناقص العضو بالعور أو الشلل أو نحوهما بل يكون سليمًا، ليكون معتقه قد نال الموعود في عتق أعضائه. ثالثًا: أن هذا الفضل يترتب على عتق الذكور والإِناث معًا لأن قوله: \" من أعتق امرءًا مسلمًا \" يتناول الجنسين (٢) معًا إلاّ أن عتق الذكور أفضل على الأصح كما أفاده العيني. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٧٠٣ - \" باب أي الرقاب أفضل \"\n٨٠٣ - قوله ﵁: \" سألت النبي - ﷺ - أي العمل أفضل إلخ \".\nمعنى الحديث: أن أبا ذر ﵁ سأل النبي - ﷺ - عن أفضل\n_________\n(١) \" سبل السلام \" ج ٤.\n(٢) ومما يؤكد ذلك قوله - ﷺ -: أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار أخرجه أبو داود وإلّا أن بعضهم فضل عتق الذكور لأنّ المنفعة بهم أكثر، وقال بعضهم الأنثى أفضل لأنه يكون ولدها حرًا سواء تزوجها حر أو عبد. اهـ. كما في \" سبل السلام \".","vol":"3","page":387},{"text":"وأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا\" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: \" تُعِينَ صَانِعًَا أو تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ \"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ: \" تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَة تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ \".\nــ\nالأعمال فأجابه - ﷺ - أن أفضل الأعمال وأكثرها ثوابًا على الإِطلاق الإِيمان بالله ويدخل فيه التصديق بكل ما جاء به الرسول - ﷺ - واعتقاد أنه حق لا شك فيه ويليه في المرتبة كما قال - ﷺ -: \" الجهاد في سبيل الله \" لنشر دينه، وإعلاء كلمته، لا لقومية ولا عصبية، ولا رياء ولا سمعة، قال أبو ذر: \" قلت: فأي الرقاب أفضل \": يعني أي الرقاب في العتق أفضل وأعظم أجرًا \" قال: أغلاها ثمنًا \" أي أرفعها قيمة وسعرًا في الأسواق التجارية \" وأنفسها عند أهلها \" اسم تفضيل، أي وأفضلها أيضًا: أحبها وأكرمها عند أصحابها، وأكثرها رغبة عند أهلها، وأعزها في نفوس مالكيها، لأن عتق العبد أو الجارية النفيسة دليل على قوة إخلاص سيدها \" قال: فإن لم أفعل \" أي فإن لم أقدر على عتق الرقاب لأني لا أملك مالًا \" قال: تعين صانعًا \" أي تعين صاحب مهنة على مهنته، أو أي عامل على عمله \" أو تصنع لأخرق \" وهو الذي لا يحسن العمل، ومعنى تصنع لأخرق أي ترشده وتوجهه أو تعمل له العمل الذي لا يقدر عليه، وروى الدارقطني ضائعًا \" بالضاد المعجمة \" قال الحافظ: وقد وجهت بأن المراد بالضائع ذو الضياع من فقر أو عيال (١) قال أبو ذر: \" قلت: فإن لم أفعل \" أي فإن لم أستطع مساعدة العامل على عمله لعجز بدني أو مهني أو لم أستطع مساعدة الفقير لأني فقير مثله، \" قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة \" أي تكف شرك وأذاك عن الناس فيحسب لك ذلك عند الله، وتؤجر عليه أجر الصدقة وثوابها. الحديث: أخرجه الشيخان\n_________\n(١) أي تعين الإنسان الفقير كثير العيال.","vol":"3","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-772>٧٠٤ - \" بَابٌ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ أو أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ </span>\"\n٨٥٤ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"مَن أَعْتَقَ شِرْكًَا لَهُ في عَبْدٍ فكانَ لَهُ مَالٌ\nــ\nوالنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن أفضل الرقاب في العتق وأكثرها ثوابًا أغلاها ثمنًا وأحبها إلى نفس سيدها، لأن المعتق في هذه الحالة يفارق أعز الناس عنده، وذلك من أصعب الأمور وأشقها على النفس البشرية، وأعظمها جهادًا لها، فإذا تغلب عاد نفسه وهواه، وأعتق من يحبه ويهواه دل ذلك على قوة دينه وإيمانه ويقينه. ثانيًاً: أن أفضل الأعمال على الإِطلاق الإِيمان بالله عقيدة وقولًا وعملًا، لأنه أساس كل خير ومصدر كل سعادة، وشرط في قبول جميع الأعمال الشرعية، وصحتها شرعًا، ويليه الجهاد، لما فيه من حماية الدين، سواء كان جهادًا للنفس أو جهادًا للعدو. ثالثًا: الترغيب في الأعمال المهنية والدعوة إلى ممارستها ولو على سبيل المشاركة للصانع والمعاونة له، لقوله - ﷺ -: \" تعين صانعًا \". رابعًا: الحث على حسن المعاملة والمعايشة السلمية مع الناس ما أمكن وكف الشر عنهم، فإن ذلك حسنة عظيمة يثاب عليها ثواب الصدقة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة بل هو جواب لها بالفعل حيث قال البخاري في الترجمة: \" أي الرقاب أفضل \" وهذا سؤال جوابه من الحديث \" أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها \".\n٧٠٤ - \" باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين الشركاء \"\n٨٠٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"من أعتق شركًا له في عبد\" أي من أعتق حصته ونصيبه من عبد مشترك بينه وبين غيره \"فإن","vol":"3","page":389},{"text":"يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأعطى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وِإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ\".\nــ\nكان له مال يبلغ ثمن العبد\" أي فإن كان غنيًا موسرًا يمكنه ماله من شراء بقية العبد من شريكه أو شركائه \" قوِّم عليه قيمة عدل، فأعطي شركاءه حصصهم، وعتق عليه \" أي عتق عليه العبد، يعني فإن كان موسرًا، فإنه يضمن لشركائه حصصهم، فيقوّم العبد بالقيمة العادلة التي يقدّرها أهل الخبرة حسب أمثاله في الأسواق التجارية، فيدفع قيمة بقية العبد إلى شركائه، ويعتق العبد كله كما جاء مصرحًا به في قوله - ﷺ -: \" فعليه عتقه كله \" أخرجه البخاري وكما في رواية شعبة عن قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \" من أعتق مملوكًا بينه وبين آخر فعليه خلاصه \" أخرجه أبو داود، وعن أبي هريرة ﵁ \" أن رجلًا أعتق شقيصًا له من غلام \" أي أعتق نصيبًا له في عبد، فأجاز النبي - ﷺ - عتقه، وغرّمه بقية ثمنه \" وإلا فقد عتق منه ما عتق \" بفتح التاء في الفعل الأول والثاني، أي وإن كان المعتق معسرًا لا يستطيع شراء بقية العبد، فإنه يعتق من العبد ما أعتق، ويبقى الباقي مملوكًا، قال البخاري: في هذه العبارة لا أدري أشي قاله نافع أو من الحديث، أي هل هي مدرجة موقوفة على نافع أو مرفوعة موصولة إلى النبي - ﷺ - ولكن مالكًا ﵀ رفعها إلى النبي - ﷺ - وهو الأرجح لأن أهل مكة أدرى بشعابها، قال الشافعي: لا أحسب عالمًا بالحديث يشك في أنّ مالكًا أحفظ لحديث نافع من أيوب، لأنه ألزم له منه. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من أعتق نصيبًا له في مملوك وكان موسرًا فإنّه يضمن حصة شريكه أو شركائه، ويدفع إليهم قيمة حصصهم، ويعتق العبد كله وإن كان معسرًا أعتق من العبد ما أعتق،","vol":"3","page":390},{"text":"وبقي الباقي مملوكًا، فأصبح بعضه حرًا وبعضه عبدًا، وكذلك الحكم في الأمة، وهو مذهب الجمهور. قال ابن رشد: فأمّا العبد بين الرجلين يعتق أحدهما حظه منه، فإن الفقهاء اختلفوا في حكم ذلك، فقال مالك والشافعي وأحمد: إن كان المعتق موسرًا قوّم عليه نصيب شريكه قيمة عدل، فدفع ذلك إلى شريكه أو شركائه، وعتق الكل عليه، وإن كان المعتق معسرًا لم يلزمه شيء، وبقي المعتق بفتح التاء - بعضه حرًا وبعضه عبدًا. وقال: أبو يوسف ومحمد: استسعى العبد في قيمته للسيد الذي لم يعتق حظه منه، وهو حر يوم أعتق حظه منه، ويكون ولاؤه للأوّل، وبه قال الأوزاعي وجماعة الكوفيين. قال: وعمدة مالك والشافعي حديث ابن عمر وهو حديث الباب، وعمدة محمد وأبي يوسف صاحبي أبي حنيفة حديث أبي هريرة أنّ النبي - ﷺ - قال: \" من أعتق شقيصًا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه \" قال: وكلا الحديثين خرجه أهل الصحيح البخاري ومسلم. اهـ. واختلفوا على أي أساس يقوّم العبد هل يقوم على أنه عبد كله أو يقوم على أن بعضه حر وبعضه عبد. قال القرطبي: وظاهره أي الحديث أنّه يقوم كاملًا لا عتق فيه، وهو معروف المذهب - أي مذهب المالكية، وقيل يقوم على أن بعضه حرٌ والأول أصح لأن سبب التقويم جناية المعتق بتفويته نصيب شريكه فيقوم على ما كان عليه يوم الجناية. اهـ. كما أفاده الزرقاني. ثانيًاً: أن نصيب المعتق يعتق في نفس وقت الإِعتاق حالًا لقوله - ﷺ -: \" وإلّا فقد عتق منه ما عتق \" وقد أجمع العلماء كما قال الصنعاني على (١) أن نصيب المعتق يعتق بنفس الاعتاق. اهـ.\nهذا وقد تقدم الكلام على هذه المسألة، واختلاف المذاهب فيها في \" باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل \" من كتاب الشركة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n_________\n(١) \" سبل السلام \" ج ٤.","vol":"3","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>٧٠٥ - \" بَابُ كَرَاهِيَّةِ التَّطَاوُلِ على الرَّقِيقِ وقولِهِ: عَبْدِي وأَمَتِي </span>\"\n٨٠٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَال رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" لا يَقُلْ أحَدُكُمْ أطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّىءْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ، ولْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي أمَتِي ولْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي \".\nــ\n٧٠٥ - \" باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي \"\n٨٠٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يقل أحدكم أطعم ربّك وَضِّىء ربك \" أي أنه - ﷺ - نهي عن المغالاة في الكلام واستعمال الألفاظ التي فيها شبهة في العقيدة تنافي التوحيد، كقول السيد لعبده: \" أطعم ربك \" فإن كلمة الرب وإن كانت تطلق بمعنى السيد إلاّ أنها تطلق أيضًا بمعنى الخالق، ولذلك ينبغي له أن لا يقول: أطعم ربك، لئلا يظن السامع أنه أراد أطعم خالقك، فتكون عليه هذه الكلمة شبهة في عقيدته وتوحيده. \" وليقل سيدي ومولاي \" وهذا خطاب للمماليك، أي وليقل العبد أو الجارية سيدي ومولاي بدل ربي حرصًا على سمعة عقيدته \" ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي \" أي لا يستعمل هذه الألفاظ التي تكسر خاطر مملوكه، وتجرح شمعوره، والتي فيها شبهة عقائدية أيضًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على النهي عن التطاول على المملوك والترفع عليه، واستعمال الألفاظ التي تشعره بضعفه وذلته، وإظهار الاستعلاء والتعاظم عليه أثناء مخاطبته، مثل اسق ربّك فإنه منهي عنه لأمرين أولهما: الحرص على مراعاة شعور المملوك، وعدم إيذائه، وثانيهما: البعد عن كل شبهة تؤدّي إلى تشويه سمعة العقيدة لئلا يسيء الناس الظن في عقيدته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله \" لا يقل أحدكم عبدي أمتي \".","vol":"3","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-774>٧٠٦ - \" بَابٌ إِذَا أَتاهُ خادِمُهُ بطَعَامِهِ </span>\"\n٨٠٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أو لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أكْلَةً أو أكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ \".\nــ\n٧٠٦ - \" باب إذا أتاه خادمه بطعامه \"\n٨٠٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا أَتى أحدكم خادمه بطعامه \" أي إذا وضع له خادمه الطعام على سفرته \" فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين \" بضم الهمزة وهي اللقمة، أي فالأفضل له أن يجلسه على طعامه، فإن لم يفعل ذلك، فليعطه من ذلك الطعام لقمة أو لقمتين. \" فإنّه ولي علاجه \" أي فإن ذلك الخادم المسكين هو الذي قام بعمل ذلك الطعام، وتولى إعداده وإحضاره بين يدي سيده، فإن كان جارية فقد تكون هي التي تولت طهيه، وباشرت صنعه، ولذلك فإن الأولى إطعامها شيئًا منه تطبيبًا لنفسها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على الترغيب في مكارم الأخلاق، وحسن معاملة الخدم، وتطييب نفوسهم، ومواساتهم، ومشاركتهم في الطعام على مائدة واحدة، أو إعطائهم شيئًا منه، ويستحب إجلاسهم على المائدة، ولا يجب، ويتأكد استحباب ذلك في حق من صنع الطعام، وحمله وشم رائحته، وتعلقت به نفسه. قال المهلب: هذا الحديث يفسر حديث أبي ذر في التسوية بين العبد والسيد على سبيل الندب (١) الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزل الجواب للترجمة.\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٣.","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>٧٠٧ - \" بَابٌ إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ </span>\"\n٨٠٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا قَاتَل أحَدُكُمْ فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ \".\nــ\n٧٠٧ - \" باب إذا ضرب العبد فليجتنب الوجه \"\n٨٠٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إذا قاتل أحدكم \" وفي رواية مسلم: إذا ضرب أحدكم \" فليجتنب الوجه \" أي إذا ضرب أحدكم شخصًا تأديبًا أو تعزيرًا له، أو في حد من حدود الله تعالى فليحذر أن يضربه على وجهه، وليبتعد عن ذلك كل البعد، ولو في إقامة حد من حدود الله، فقد روى أبو بكرة في قصة المرأة التي زنت، فأمر رسول الله - ﷺ - برجمها وقال: \" ارموا واتقوا الوجه \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الضرب وجوازه كوسيلة وعقوبة إسلامية مشروعة لتأديب الأولاد عند الضرورة إذا لم تنفع معهم الوسائل الأخرى من نصح، وتوجيه، وعتاب، وتقريع، وتوبيخ، فيلجأ إلى الضرب من باب (آخر الدواء الكي) وكذلك جواز الضرب في التعزير والحدود الشرعية كما دل عليه هذا الحديث إجمالًا، ودلت عليه النصوص الشرعية تفصيلًا. ثانيًا: الابتعاد عن ضرب الوجه في أي عقوبة، سواء كانت حدًا أو تعزيرًا أو تأديبًا لعموم حديث الباب، ولأن النبي - ﷺ - لما أمر برجم المرأة التي زنت قال: \" ارموا واتقوا الوجه \" أخرجه الشيخان وأبو داود. قال العيني: فإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه","vol":"3","page":394},{"text":"فمن دونه أولى (١)، وذلك لأن الوجه، لطيف يجمع الحواس كلها فيخشى من ضربه تعطيل حاسة منها، أو تشويه صورته، كما أفاده (٢) النووي. والمطابقة: في قوله \" فليجتنب الوجه \" فإن هذا عام في ضرب أي إنسان ولو كافرًا، فكيف إذا كان المضروب مسلمًا.\n...\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٣.\n(٢) \" شرح النووي على مسلم \".","vol":"3","page":395},{"text":"منار القاري\nشرح مختصر\nصحيح البخاري\nتأليف حمزة محمد قاسم\nراجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط\nعني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون\nالجزء الرابع\nمكتبة دار البيان\nص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥\nدمشق - الجمهورية العربية السورية\nمكتبة المؤيد\nص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١\nالطائف - المملكة العربية السعودية","vol":"4","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nبيروت\n١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م","vol":"4","page":2},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-777> بَابٌ فِي الْمُكَاتبِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>٧٠٨ - \" بَابُ ما يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ الْمُكَاتبِ ومن اشترَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ </span>\"\n٨٠٨ - عن عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ بريرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا في كِتَابَتِهَا ولمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًَا، (١)\nــ\n\n\" باب في المكاتب \"\nقال الحافظ: \" والمكاتب \" بالفتح من تقع له الكتابة، وبالكسر من تقع منه. والمكاتبة لغة: اشتقاقها -كما قال الراغب- من كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أو بمعنى كتب الخط، وعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثاني تكون مأخوذة من الخط الموجود عند عقدها غالبًا. والمكاتبة شرعًا: وتسمى الكتابة كما قال ابن قدامة: والكتابة إعتاق السيد عبده على مال في ذمته يؤدَّى مؤجلًا، سميت كتابة لأن السيد يكتب بينه وبينه كتابًا بما اتفقا عليه، وقيل سمّيت كتابة من الكتب، لأن المكاتب يضم بعض النجوم - أي يجمع بعض الأقساط التي يدفعها إليه العبد إلى بعض. قال البخاري:\n٧٠٨ - \" باب ما يجوز من شروط المكاتِب ومن اشترط شيئًا ليس في كتاب الله \"\n٨٠٨ - قول عائشة ﵂: \" إن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها \" إلخ.\n_________\n(١) قوله \" ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا \" أي ولم تكن سددت شيئًا من قيمها.","vol":"4","page":3},{"text":"قَالَت لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِى إلى أهْلِكِ إنْ أحَبُّوا أنْ أقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ ويَكُونُ وَلاؤكِ لي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأهلِهَا فَأبَوْا، وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، ويَكُونَ وَلاؤكِ لَنَا، فذكرَتْ ذَلِكَ لِرَسوُلِ اللهِ - ﷺ - فقالَ لها رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ابْتَاعِي فَأعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ\"، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \" مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ ﷿ فَلَيْسَ لَهُ، وِإنْ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللهِ أحقُّ وَأَوْثَقُ \".\nــ\nمعنى الحديث: أن بريرة كانت أمة مملوكة لبعض الأنصار، فكاتبها أهلها على أن تجمع ثمنها، وتدفعه إليهم على أقساط مؤجلة، تنتهي كلها في زمن محدد، فإذا أدت ما عليها كانت حرة، فأتت إلى عائشة تسألها معونة مالية تساعدها على هذه المكاتبة، فطلبت منها عائشة أن ترجع إلى أهلها وتعرض عليهم موافقة عائشة على أن تدفع لهم جميع المال الذي كاتبوها عليه، على أن يكون الولاء لها والولاء هو وراثة العبد أو الأمة بعد وفاتهما فرفضوا ذلك \" وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا \" أي إن أرادت أن تعينك تفضلًا وتكرمًا وتحتسب أجرها ومثوبتها عند الله، ويكون ميراثك لنا، فلتفعل، وإلّا فلا \" فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال لها رسول الله - ﷺ -: ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق \" أي فقال لها النبي - ﷺ - اشتري بريرة وأعتقيها ولا تبالي بالشرط الذي اشترطوه لأنفسهم، فإنه شرط باطل غير نافذ شرعًا، لأن ميراث العبد أو الأمة لسيده الذي أعتقه ولسيدها الذي أعتقها \" ثم قام رسول الله - ﷺ - \" أي قام في الناس خطيبًا","vol":"4","page":4},{"text":"\" فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله \" أي ليست موافقة لأحكام الله تعالى، \" من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله ﷿ فليس له، وإن اشترط مائة شرط \" أي من اشترط شرطًا مخالفًا لحكم الله فإنه باطل لا ينفذ شرعًا، \" شرط الله أحق وأوثق \" أي شرط الله أولى بتنفيذه والعمل به من شروط الناس، لأنه لا يُقَدَّم على حكم الله شيء، وهو الصواب لما يتضمنه من العدل والحكمة، ولأنه حكم العليم الحكيم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية المكاتبة، لأن هؤلاء الأنصار كاتبوا بريرة وأقرهم النبي - ﷺ - على ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم في ذلك، واختلفوا هل كانت معروفة قبل الإِسلام؟ والصحيح كما قال الحافظ: أنها كانت في العصر الجاهلي (١)، قال ابن خزيمة: \" وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية \" وأقرها الإِسلام، قال ابن خزيمة: وأوّل من كوتب في الإِسلام سلمان، كما أفاده الحافظ، واختلفوا فيما إذا بقي على المملوك شيء، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: \" المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم \" أخرجه أبو داود والنسائي وصححه (٢) الحاكم، قال مالك (٣) في \" الموطأ \" وهو رأيي. وهو مذهب الجمهور أيضًا.\nقال الزرقاني: وكان فيه خلاف عن السلف، فعن علي: إذا أدى الشطر فهو غريم \" وعنه يعتق منه بقدر ما أدّى، وعن ابن مسعود: لو كاتبه على مائتين وقيمته مائة فأدّى المائة عتق، وعن عطاء: إذا أدى المكاتب ثلاثة أرباع كتابته عتق، وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعًا: \" المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى \" ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله. اهـ. كما أفاده الزرقاني. ثانيًا: أنه لا يجوز للمكاتب أن يشترط شرطًا مخالفًا لأحكام الله\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٥.\n(٢) \" شرح الزرقاني \" ج ٤.\n(٣) \" موطأ مالك \".","vol":"4","page":5},{"text":"تعالى وإن فعل ذلك فالشرط باطل، ولو مائة شرط، كما في الحديث، وهو ما ترجم له البخاري لأن حكم الله أولى بالتنفيذ. ثالثًا: مشروعية الولاء للمعتق، فهو صاحب الحق الشرعي فيمن أعتقه يرثه بعد موته، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ من أعتق عبدًا أو أعتق عليه أن له عليه الولاء، وأجمعوا أيضًا على أن السيد يرث عتيقه إذا مات جميع ماله إذا اتفق دينهما، ولم يُخَلِّف وارثًاَ سواه، وذلك لقول النبي - ﷺ -: \" الولاء لحمة كلحمة النسب \" ويقدم المولى على الرد وذوي الأرحام في قول جمهور العلماء، فمن خلف بنتًا ومولاة فلبنته النصف والباقي لمولاه ولا يرد على الوارث شيء.\nرابعًا: الحديث دل على مشروعية المكاتبة، وهل هي واجبة أو مستحبة؟ قال ابن رشد (١) ﵀: اختلفوا في عقد الكتابة هل هو واجب أو مندوب؟ قال أهل الظاهر: هو واجب واستدلوا بظاهر قوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، وأما الجمهور فإنهم لما رأوا أن الأصل أن لا يُجبر أحد على عتق مملوكه حملوا هذه الآية على الندب. اهـ. وقال مالك في \" الموطأ \" ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدًا من الأئمة أكره رجلًا على مكاتبة عبده. اهـ. والمطابقة: في قوله \" كل شرط ليس في كتاب الله فليس له \". الحديث: أخرجه الستة.\n...\n_________\n(١) \" بداية المجتهد \" ج ٢.","vol":"4","page":6},{"text":"بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>٧٠٩ - \" كتابُ الهِبَةِ وَفضلِهَا والتَّحْرِيض عَلَيْهَا </span>\"\n٨٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: \" ابْنَ أخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظر إِلى الْهِلالَ ثُمَّ الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ ثلاثَة أهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وما أوقِدَتْ في أبيَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ، فَقُلْتُ: يا خالةُ مَا كَانَ يَعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جيرَانٌ مِنَ الأنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺَ مِنْ ألبَانِهِمُ فَيَسْقِيْنَا \".\nــ\n٧٠٩ - \" كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها \"\n٨٠٩ - قول عائشة ﵂: \" يا ابن أختي: إنْ كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله - ﷺ - نار \" إلخ.\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - بلغ من زهده وتقشفه أنه كان يمضي عليه وعلى آل بيته شهران يرون فيهما ثلاثة أهلة لا يوقد في أبياتهم نار، ولا يطبخ طعام، علمًا بأنهم كانوا تسع نسوة، هكذا قالت عائشة لعروة ﵂، فلما سمع عروة منها هذا الحديث، تملكته الدهشة، فسألها على أي شيء كانوا يعيشون، وأي طعام يأكلون، قالت: كنا نعيش على \" التمر والماء \" إلاّ أنه كان لنا جيران من الأنصار، لديهم بعض الشياه والنياق التي وهبت لهم، فكانوا يعطوننا من ألبانها. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الهبة،","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>٧١٠ - \" بَابُ الْقَلِيلِ مِنَ الْهِبَةِ </span>\"\n٨١٠ - عن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" لَوْ دُعِيتُ إلى ذِرَاعً أو كُراعٍ لأجَبْتُ، ولو أهْدِيَ إِليَّ ذِرَاعٌ أو كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ \".\nــ\nولها معنيان معنى عام وهي ما تعطيه لغيرك في حياتك تقصد من ورائه بدلًا، فإن كان منفعة دنيوية فهو الهدية وإن كان ثوابًا أخرويًا فهو الصدقة، أو لا تقصد بذلك العطاء بدلًا، بل لمجرد المحبة والمساعدة للغير وهو المنحة والعطية، ومعنى خاص: وهو ما يدفع إلى الغير لا يقصد من ورائه بدلًا، ويسمى منحة، أيضًا وهذا النوع يثاب عليه، ويؤجر على فعله، لا سيما إذا كان للجيران وأمثالهم (١) لقوله - ﷺ -: \" لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة \". ثانيًا: ما كان عليه النبي - ﷺ - وآل بيته من التقشف والزهد والقناعة بالقليل مع أن في إمكانه أن يملك الدنيا بحذافيرها. والمطابقة: في قولها \" وكانوا يمنحون رسول الله - ﷺ - من ألبانها \" فإن المنحة نوع من أنواع الهبة.\n٧١٠ - \" باب القليل من الهبة \"\nقال العيني: ١ - أراد به أن المهدي إليه بشيء قليل لا يستقله ولا يرده لقلته قلت: ولهذا ساق الحديث الآتي ليستدل به على ما ترجم له.\n٨١٠ - قوله - ﷺ -: \" لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت \" الذراع هو ساعد الشاة، والكراع ما دون الركبة من الشاة أو البقرة، وهو ما تسميه العامة (بالمقدم).\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان لا يتأخر عن إجابة أي دعوة\n_________\n(١) كالأقارب مثلًا.","vol":"4","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>٧١١ - \" بَابُ ما لا يُرَدُّ مِنَ الْهَدِيَّة </span>\"\n٨١١ - عن أنَس ﵁ قَالَ:\n\"كَانَ النبي - ﷺ - لا يَرُدُّ الطِّيْبَ\".\nــ\nوحضورها والأكل من الطعام الذي يقدم له، سواء كان هذا الطعام كثيرًا أو قليلًا، وسواء كان هذا الطعام طعامًا فاخرًا نفيسًا أو لم يكن كذلك، وكان - ﷺ - لا يرفض أي هدية تقدم إليه ولو كانت يسيرة. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد.\nفقه الحديث: أن من السنة إجابة الدعوة، والأكل من طعامها وقبول الهدية، ولو كان الطعام والهدية لا قيمة لهما. وهذا معنى تمثيله - ﷺ - بالكراع والذراع، قال الحافظ: وخصَّ الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير، لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له، وفي المثل: أعط العبد كراعًا يطلب منك ذراعًا، قال ابن بطال: أشار - ﷺ - إلى الحض على قبول الهدية، ولو قلت. اهـ. وذلك لما فيه من التواضع وجبر خاطر المهدي ومراعاة شعوره حتى لا يتألم نفسيًا بالرفض فيكون ذلك إيذاءً له. والمطابقة: في قوله \" ولو أهدي إليه ذراع أو كراع لقبلت \".\n٧١١ - \" باب ما لا يرد من الهدية \"\n٨١١ - قوله: \" كان النبي - ﷺ - لا يرد الطيب \". إلخ.\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان إذا أهدي إليه الطيب يقبله، ولا يرده على صاحبه، لأنه - ﷺ - كان يحب الروائح الزكية والعطور الشذية، ويرغبها كثيرًا لأنه يناجي الملائكة، وهي تحبها بطبيعتها، وقد أوصى - ﷺ - أمته بقبول هدية الطيب، فقال - ﷺ -: \" من عرض عليه طيب فلا يرده لأنه خفيف المحمل، طيّب الرائحة \" أخرجه أبو داود والنسائي، وفي حديث آخر: \"ثلاثة","vol":"4","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-781>٧١٢ - \" بَابُ الْمُكَافَأةِ في الْهِبَةِ </span>\"\n٨١٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كَانَ النبي - ﷺ - يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيثيْبُ عَلَيْهَا \".\nــ\nلا ترد الوسائد والدهن واللبن\" أخرجه الترمذي، وقال: يعني بالدهن الطيب. اهـ. كما أفاده الشرقاوي وأخرجه أيضًا الترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب قبول الهدية عامة، والطيب خاصة لحسن رائحته وخفة مؤونته، لأنه لا تكليف فيه على مهديه، والطيب كما قال ابن القيم: غذاء الروح، وله تأثير في حفظ الصحة، ودفع كثير من الآلام. والمطابقة: في قوله \" لا يرد الطيب \".\n٧١٢ - \" باب المكافأة في الهبة \"\n٨١٢ - قولها ﵂: \" كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها \".\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يراعي مشاعر الناس، ويقدر عواطفهم فلا يرد أي هدية تقدم إليه مهما كانت يسيرة، كما قال - ﷺ -: \" لو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت \"، لأنه يعلم أن صاحبها لم يهدها إليه إلاّ تعبيرًا عما يكنه له من محبة ومودة فكيف يردها إليه، أليس من مقابلة الإِحسان بالإِحسان ومواجهة المشاعر الطيبة بمثلها قبول الهدية تطييبًا لنفس مهديها، ْفهو - ﷺ - يقبل الهدية جبرًا لخاطر صاحبها ولئلا يسيء إليه بردها مع أنه عبر له عن محبته بإهدائها. \" ويثيب عليها \" أي يكافىء عليها بأعظم منها، ليقابل المعروف بأكثر منه، وتلك شيمة الكرام.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يستحب قبول الهدية، والمكافأة عليها لهذا الحديث، حيث قال: \" ويثيب عليها \" أي يقبلها ويكافىء عليها،","vol":"4","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-782>٧١٣ - \" بَابُ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ، وِإذَا أعْطَى بَعضَ وَلَدِهِ شَيْئًَا لَمْ يَجُزْ حتى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ويُعْطِيَ الآخرِيْنَ مِثلَهُ </span>\"\n٨١٣ - عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِير ﵄:\nأن أَبَاهُ أتى بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا، فَقَالَ: \" أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فارْجِعْهُ \".\nــ\nوفي رواية ابن أبي شيبة: \" ويثيب ما هو خير منها \". قال الخطابي: من العلماء من جعل أمر الناس في الهدية على ثلاث طبقات. (أ): هدية الرجل من دونه كالخادم ونحوه، إكرامًا له، وذلك غير مقتض ثوابًا (ب): هدية الصغير للكبير رفدٌ ومنفعة، والثواب فيها واجب. (ج): هدية النظير للنظير، والغالب فيها التودد والتقرب، وقد قيل: إن فيها ثوابًا. واستدل بعض المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق الواهب، ممن يطلب مثله الثواب. كالفقير للغني، وبه قال الشافعي في القديم: وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: الهدية للثواب باطلة لا تنعقد، لأنها بيع بثمن مجهول. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود. والمطابقة: في قوله \" ويثيب عليها \".\n٧١٣ - \" باب الهبة للولد، وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله \"\n٨١٣ - \" عن النعمان بن بشير ﵁ أن أباه أتى به رسول الله - ﷺ - فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا \" إلخ.\nمعنى الحديث: أن بشير بن سعد الأنصاري كان له عدة أبناء، وكان ابنه النعمان محظوظًا عنده، فوهب له غلامًا من غلمانه، وخصه بهذه العطية","vol":"4","page":11},{"text":"دون بقية إخوانه، فأرادت أمه عمرة بنت رواحة أن توثق وتؤكد هذه الهبة وتثبتها بالبينة والشهود، حتى لا يستطيع أحد إبطالها، فقالت لزوجها كما في رواية أخرى للبخاري: \" لا أرضى حتى يشهد رسول الله - ﷺ - \" وغرضها من ذلك تثبيت العطية، عند ذلك \" أتى به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني نحلت ابني هذا \" أي أعطيت ابني هذا وهو النعمان \" غلامًا \" أي عبدًا من عبيدي، وفي الرواية الأخرى قال: \" إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله \" فقال: \" أكل ولدك نحلت مثله؟ \" وفي رواية مسلم: \" كلهم وهبت لهم مثل هذا \" \" قال: لا، قال: فأرجعه \"، أي فاسترجع هبتك هذه لما فيها من ظلم الآخرين من أبنائك، وأبى - ﷺ - أن يتم هذه المعاملة، أو يشهد عليها وعد ذلك جورًا، كما جاء مصرحًا به في رواية ابن حبان والطبراني أنه - ﷺ - قال: \" لا أشهد على جور \"، وفي رواية لمسلم: \" فإني لا أشهد على جور \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب المساواة بين الأبناء في جميع الحقوق المالية، وعدم تخصيص بعضهم بهدية أو هبة أو عطية دون الآخرين، لما يترتب على ذلك من زرع العداوة والبغضاء في نفوسهم، وقطع الصلات الودية بينهم، ولما في ذلك من الظلم والإِجحاف بحقوق الآخرين، وقد تمسك بهذا الحديث من أوجب التسوية في العطية بين الأولاد، وبه صرح البخاري، وهو مذهب طاووس والثوري وأحمد بن حنبل وبعض المالكية، وقالوا: إن التفضيل بينهم باطل، وجورٌ، واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء \" وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة (١) والتفضيل مكروه فقط، وإن فعل\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ٢ دار الفكر.","vol":"4","page":12},{"text":"ذلك نفذ، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة منها: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال أبيه، حكاه ابن عبد البرّ. وتعقب بأن الكثير من طرق الحديث مصرحة بالبعضية كما في حديث مسلم حيث قال: \" تصدق علي أبي ببعض ماله \". ومنها: أن قوله: \" ارجعه \" دليل الصحة، ولو لم تصح الهبة لما صح الرجوع، قالوا: وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهب لولده، وتعقبه \" الحافظ \" بأن معنى قوله: \" ارجعه \" أي لا تمض الهبة المذكورة ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. ومنها: أنه قد ثبت عن الصديق أنه نحل ابنته عائشة، وروى الطحاوي عن عمر أنه نحل ابنه عاصمًا دون سائر ولده، ولو كان التفضيل غير جائز لما وقع من الخليفتين، وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوانها كانوا راضين، قال الحافظ: ويجاب بمثل ذلك في قصة عاصم. ومنها: أن الإِجماع انعقد. على جواز عطية الرجل لغير ولده فجوازه للولد أولى، وأجاب عنه الحافظ بأنه قياس مع النص وهو باطل. قال ابن قدامة: يجب (١) على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية إذا لم يختص أحدهم بمعنى يفيد التفضيل، فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم فيها أثم، ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين: إما ردّ ما فضل به البعض، وإما إتمام نصيب الآخر. قال طاووس: لا يجوز ذلك ولا رغيف محترق، وبه قال ابن المبارك. وروي معناه عن مجاهد وعروة، وكان الحسن يكرهه ويجيزه في القضاء. وقال مالك والليث والثوري والشافعي وأصحاب الرأي: ذلك جائز لأن أبا بكر ﵁ نحل عائشة جذاذ عشرين وسقًا دون سائر ولده. واحتج الشافعي بقول النبي - ﷺ -: \" أشهد على هذا غيري \" حيث أمره بتأكيدها دون الرجوع فيها، ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو ساوى بينهم. قال ابن قدامة: ولنا ما روى النعمان بن بشير\n_________\n(١) \" المغني \" ج ٦.","vol":"4","page":13},{"text":"﵄ قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله - ﷺ -، فجاء أبي رسول الله - ﷺ - ليشهده على صدقته، فقال: \" أكل ولدك أعطيت مثله \"، قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم \" قال فرجع أبي فردّ تلك الصدقة، وفي لفظ \" فاردده \" وفي لفظ \" فارجعه \" وفي لفظ \" لا نشهد على جور \" وفي لفظ \" سوِّ بينهم \" وهو حديث صحيح متفق عليه، وفيه دليل على التحريم، لأنّه سماه جورًا وأمر بردّه وامتنع عن الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضى الوجوب - وتفضيل بعضهم على بعض يورث العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه كتزوج المرأة على عمتها أو خالتها، وفعل أبي بكر لا يعارض قول النبي - ﷺ - ولا يحتجُّ به معه، ويحتمل أنّ أبا بكر ﵁ خصها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله - ﷺ - وغير ذلك، ويحتمل أنه قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها فأدركه الموت قبل ذلك، ويتعين حمل هديته على هذه الوجوه، لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من أبي بكر اجتناب المكروهات وقول النبي - ﷺ - \" فاشهد على هذا غيري \" ليس بأمر، لأن أدنى أحوال الأمر الندب والاستحباب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده (١) مع أمره برده وتسميته جورًا، وحمل الحديث على هذا حملٌ لحديث النبي - ﷺ - على التناقض والتضاد. قال ابن قدامة: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة أو عمى أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم أو نحوه من الفضائل، أو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه\n_________\n(١) أي بتأكيده بالإشهاد عليه.","vol":"4","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-783>٧١٤ - \" بَابُ هِبَةِ الْمَرأةِ لِغيْرِ زَوْجِهَا وَعِتْقِهَا إِذَا كَانَ لَهَا زوْجٌ فَهُوَ جَائِز إذَا لَمْ تكُنْ سَفِيهَةً </span>\"\n٨١٤ - عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂:\nــ\nفيها، فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، لقوله في تخصيص بعضهم بالوقوف لا بأس به إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة، والعطية في معناه. قال ابن قدامة: ويحتمل ظاهر لفظه المنع من التفضيل والتخصيص على كل حال، لكون النبي - ﷺ - لم يستفصل بشيرًا في عطيته والأوّل أولى إن شاء الله لحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، وحديث بشير قضية في عين لا عموم لها، وترك النبي - ﷺ - الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال (١). اهـ. ثانيًا: مشروعية الإِشهاد في الهبة لاثباتها وتوثيقها وتأكيدها قال العيني: وفيه أن الإِشهاد (٢) في الهبة مشروع وليس بواجب ولا تتوقف عليه صحة الهبة شرعًا، لأنه ليس ركنًا من أركانها، والإِشهاد وإن لم يصرح به في حديث الباب، فقد صرح به في الروايات الأخرى، وكلها حول قصة واحدة، وقد قال في حديث الباب \" إنّ أباه أتى به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: \" إني نحلت ابني هذا غلامًا \" ومعناه أنه أخبره - ﷺ - بإعطاء الغلام له لِيُشْهِدهُ على ذلك كما جاء في الروايات الأخرى، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا عليها.\n٧١٤ - \" باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة \"\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة ج ٦ مكتبة القاهرة.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٣.","vol":"4","page":15},{"text":"أنَّهَا أعتقت وَلِيدَةً ولمْ تَسْتَأذِنْ النبي - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذي يَدُورُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: أشَعَرْتَ يا رَسُولَ اللهِ أَني أعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: \" أَوَفَعَلْتِ؟ \" قَالَت: نَعَمْ، قَالَ: \" أمَا إِنَّكِ لَوْ أعطَيْيهَا أخْوَالَكِ كانَ أعْظَمَ لأجْرِكِ \".\nــ\nيعني أن هبة المرأة لغير زوجها بدون إذنه صحيحة نافذة، وكذلك عتقها جاريتها إذا كانت رشيدة، أما إذا كانت سفيهة فلا يصح ذلك منها.\n٨١٤ - قولها ﵂: \" أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي - ﷺ - \".\nمعنى الحديث: أن أم المؤمنين ميمونة أعتقت جارية لها دون أن تخبر النبي - ﷺ - أو تستأذنه في عتقها، فلما كان يوم نوبتها \" قالت: أشعرت أني أعتقت وليدتي قال: أوفعلت؟ \" أي قالت له: أعلمت أني أعتقت جاريتي، فقال لها: هل أعتقتيها؟ ولم ينكر عليها أنها أعتقت بدون إذنه إلّا أنه \" قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك \" ومعناه: حسنًا ما فعلت، إلاّ أنك لو وهبتها لأخوالك من بني هلال لكان ذلك أفضل وأكثر ثوابًا لما فيه من صلة الرحم. وهذه الجملة الأخيرة هي موضع الترجمة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجوز للمرأة\nإذا كانت رشيدة أن تتصرف في مالها بالهبة لغير زوجها، وبالعتق ولو بدون\nإذنه، لأن ميمونة تصرفت في وليدتها - فأعتقتها بدون إذنه - ﷺ -، ولأنه - ﷺ -\nقال لها: \" لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك \"، فدل ذلك على أنّها لو وهبت جاريتها لغيره لكانت هبتها جائزة صحيحة، ولو بغير إذنه، وهو مذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجوز لها أن تتصرف بدون إذنه إلاّ في ثلث مالها، كما أفاده العيني. أما هبة الرجل لزوجته أو الزوجة لزوجها فإنها صحيحة نافذة","vol":"4","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>٧١٥ - \" بَابُ قَبولِ الْهَدِيَّة مِنَ الْمُشْرِكِينَ </span>\"\n٨١٥ - عَنْ أنَس ﵁:\n\" أنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ أهْدَى إِلى النَّبِيِّ - ﷺ - \".\nــ\nلا يجوز الرجوع فيها عند الجمهور، وقالت المالكية: إذا ادّعت الزوجة: أن الزوج خدعها أو أكرهها على هذه الهبة رجعت في هبتها لما رواه عبد الرزاق والطحاوي عن محمد بن سيرين أن امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها فاختصما إلى شريح فقال للزوج: شاهداك أنّها وهبت لك من غير إكراه وهوان، وعن عبد الرزاق بسند منقطع عن عمر: أنه كتب أن النساء يعطين رغبة فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت. ثانيًا: أن الأعمال تتفاضل في الثواب بحسب ما يترتب عليها من المنفعة، ولهذا قال لميمونة: \" لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك \"، ففضل - ﷺ - هبة هذه الأمة على العتق الذي فيه تحرير النفس، لما يترتب على الهبة من انتفاع أقاربها \" الفقراء \" بها، ولما فيه من صدقة وصلة رحم. والمطابقة: في كونه - ﷺ - أقرّ ميمونة على عتق جاريتها بدون إذنه، وقال لها: \" لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك \". وهذا يدل على جواز عتق المرأة جاريتها أو هبة شيء من مالها لغيره بدون إذنه، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٧١٥ - \" باب قبول الهدية من المشركين \"\n٨١٥ - قوله: \" إن أكيدر دومة أهدى إلى النبي - ﷺ - \" (١) إلخ.\nمعنى الحديث: أن أكيدر بضم الهمزة وكسر الدال، ابن عبد الملك كان ملكًا نصرانيًا على دومة الجندل بضم الدال \"وهي مدينة بقرب تبوك، بها نخل فأرسل إليه النبي - ﷺ - خالد بن الوليد في سرية فقاتله وقتل أخاه،\n_________\n(١) ذكره البخاري معلقًا، فقال: وقال سعيد (يعني ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس) وقد وصله أحمد. (ع).","vol":"4","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-785>٧١٦ - \" بَابُ الْهَدِيَّة لِلْمُشْرِكِينَ </span>\"\n٨١٦ - عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ:\n\"قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ مُشْرِكَة في عِهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فاسْتَفْتَيْتُ\nــ\nوقدم به إلى المدينة أسيرًا، فصالحه النبي - ﷺ - وأهدى أكيدر للنبي - ﷺ - جبَّة من سندس، وهو مارقّ من الديباج، فعجب الناس منها فقال النبي - ﷺ -: \" والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا \"، وفي رواية أنه لما قدم أخرج قباءً من ديباج منسوجًا بالذهب فرده النبي - ﷺ - عليه، ثم إنه وجد في نفسه (١) من رد هديته فقال له النبي - ﷺ -: ادفعه إلى عمر، وفي رواية مسلم \" أن أكيدر دومة أهدى للنبي - ﷺ - ثوب حرير، فأعطاه عليًا فقال شققه خمرًا بين الفواطم \". الحديث: أخرجه أيضًا مسلم وأحمد موصولًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز قبول هدية الكافر، لأن أكيدر كان نصرانيًا، وقد قبل منه - ﷺ - هديته، وعن علي ﵁ أن كسرى أهدى لرسول الله - ﷺ - فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها، أخرجه الترمذي وأحمد، وعن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي أنه قال: لما قدم وفد ثقيف قدموا معهم بهدية فقال النبي - ﷺ -: \" أهدية أم صدقة، قالوا: بل هدية فقبلها منهم \" أخرجه النسائي. وعن أنس \" أن ملك ذي يزن أهدى إلى النبي - ﷺ - حلة فقبلها \" أخرجه أبو داود. والمطابقة: في كونه - ﷺ - قبل هدية أكيدر وهو نصراني، فدل على قبول هدية المشركين.\n٧١٦ - \" باب الهدية للمشركين \"\n٨١٦ - معنى الحديث: \" تقول أسماء بنت أبي بكر ﵂:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" ج ٥ \"إرشاد الساري\" ج ٤.","vol":"4","page":18},{"text":"رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قُلْتُ: إِنَّ أمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغبَةٌ أفَأَصِلُ أمِّي؟ قَالَ: \" نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ \".\nــ\n\" قدمت عليَّ أمي وهي مشركة \" أي جاءت إليَّ أمي من النسب والولادة على الأصح لا من الرضاعة، وذلك لما رواه عبد الله بن الزبير في حديثه قال: قدمت قتيلة على بنتها أسماء بنت أبي بكر من مكة -وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية- بهدايا وزبيب وحسن وقرظ فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو أن تدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة سلي رسول الله - ﷺ - فقال: لتدخلها، واختلفوا في اسمها فقيل قُتيلة بضم القاف وفتح التاء وقال الزبير بن بكار: قَتْلة بفتح القاف وسكون التاء والصحيح الأول \" في عهد رسول الله - ﷺ - \" أي في المدة التي ما بين صلح الحديبية وفتح مكة، أو في زمن النبي - ﷺ - \" فاستفتيت رسول الله - ﷺ - قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي \" أي فسألت رسول الله - ﷺ - عنها فقلت: قدمت عليَّ أمي وهي لا تزال على كفرها، وهي راغبة، أي راغبة في بر ابنتها، أو مؤملة طامعة في أن أصلها وأحسن إليها بالهبات والهدايا وحسن الضيافة والقِرى \" أفأصل أمي \" بضيافتها وإهدائها \" قال: نعم صليها \" ولو كانت كافرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الهدية للمشركين لا سيما إذا كانوا من ذوي القربى. ثانيًا: مشروعية صلة الرحم الكافرة كالرحم المسلمة (١). ثالثًا: استدل به بعضهم على وجوب النفقة للأب الكافر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله \" نعم صلي أمك \".\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٣.","vol":"4","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>٧١٧ - \" بَابُ لَا يَحِل لِأحَدٍ أنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ </span>\"\n٨١٧ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: قَالَ النبي - ﷺ -: \" لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ في قَيْئهِ \".\nــ\n٧١٧ - \" باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته \"\n٨١٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ليس لنا مثل السوء \" أي لا ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نرتضي لأنفسنا مثل السوء، بأن نتصف بتلك الصفة الذميمة التي لا توجد إلا في أخس الحيوانات وأقذرها وهو الكلب \" الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه \" أي فإن الشخص الذي يرجع في هبته التي يعطيها لغيره، هو كالكلب الذي تسمح له نفسه الدنيئة، وطبيعته القذرة في استرجاع قيئه، فالإنسان الذي يعود في هديته كأنما استعاد قيئه، وزاد أبو داود قال همام: قال قتادة: \" ولا نعلم القيء إلاّ حرامًا \" أي ولا نعلم عودة المرء في قيئه إلا حرامًا. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله \" ليس لنا مثل السوء \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الأفعال الذميمة والتصرفات الدنيئة التي تنافي المروءة ولا يرتضيها الطبع السليم أن يرجع المرء في هبته، وقد احتج به الشافعية والحنابلة على تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضها، لأن النبي - ﷺ - سمى ذلك مثل سوء، وقال: \" ليس لنا مثل السوء \" أي لا ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نتصف بهذه الصفة الذميمة، ولهذا قال ابن بطال: جعل النبي - ﷺ - الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء، وهو حرام، فكذا الرجوع في الهبة. وقال أبو حنيفة: للواهب الرجوع في هبته ما دامت قائمة، وكان الموهوب أجنبيًا ولم يعوضه منها لحديث ابن عمر أنّ","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>٧١٨ - \" بَابُ مَا قِيلَ في الْعُمْرَى والرُّقْبَى </span>\"\n٨١٨ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\n\"قَضَى النبي - ﷺ - بِالْعُمْرَى أنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ\".\nــ\nالنبي - ﷺ - قال: \" من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها \" (١) وأجاب عن حديث الباب بأن التشبيه من حيث أن الرجوع في الهبة أمر ظاهر القبح مروءة وخلقًا لا شرعًا، لأن الراجع في القيء هو الكلب لا الرجل والكلب غير متصف بتحريم أو تحليل.\n٧١٨ - \" باب ما قيل في العمرى والرقبى \"\nوالعمرى: نوع من الهدية، وهي أن يهب الإِنسان إنسانًا آخر شيئًا مدى عمره أي على أنه إذا مات الموهوب له عاد الشيء للواهب، وتكون بلفظ أعمرتك هذا الشيء - أي جعلته لك مدة عمرك، ويسمى القائل مُعْمِرًا، والقول له مُعْمَرًا، والرقبى: أن يقول لصاحبه أرقبتك داري إن مت قبلي رجعت إليَّ وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك، وسميت رقبى لأنّ كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، قال الحافظ: ترجم البخاري بالرقبى ولم يذكر إلّا الحديثين الواردين في العمرى، وكأنه يرى أنهما متحدا المعنى، وهو قول الجمهور. اهـ.\n٨١٨ - قول جابر ﵁: \" قضى النبي - ﷺ - بالعمرى أنها لمن وهبت له \".\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - حكم في العمرى أنها تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، لا تعود إلى المعمر بحال من الأحوال، وإنما تكون ملكًا للمُعْمَرِ في حياته وملكًا لورثته من بعده. الحديث: أخرجه الستة.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم.","vol":"4","page":21},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية العمرى وجوازها، وصحتها ونفاذها شرعًا، لقوله ﵁: قضى في العمرى، وقضاؤه فيها دليل مشروعيتها وصحتها، وأنها من المعاملات والعقود الشرعية.\nقال الحافظ: وذهب الجمهور إلى صحة العمرى إلاّ ما حكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الناس وما روي عن داود، لكن ابن حزم قال بصحتها، وهو شيخ الظاهرية، قال الحافظ: ومنع الرقبى مالك وأبو حنيفة ومحمد، ووافق أبو يوسف الجمهور، وقد روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ موقوفًا العمرى والرقبى سواء، والجمهور على أن العمرى والرقبى جائزان. ثانيًا: أن العمرى تكون هبة مملوكة لمن أعمرت له، ولعقبه من بعده، فمن أعمر بستانًا لشخص فقد وهبه إياه وملكه له ولأولاده من بعده، لأن النبي - ﷺكما في حديث الباب- قضى بأنها لمن وهبت له، وفي رواية مسلم: لا ترجع إلى الذي أعطاها، لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث، وفي رواية أخرى له عن الزهري، فقد قطع قوله حقه، وهي لمن أُعْمِر ولعقبه، فلو قال: إن مت عاد إليَّ أو إلى ورثتي صحت الهبة (١) وألغي الشرط، لأنه فاسد لِإطلاق الحديث، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، يرون أن العمرى تمليك للرقبة خلافًا لمالك. قال في \" الإفصاح \" واختلفوا في العمرى فقال أبو حنيفة (٢) والشافعي وأحمد: العمرى تملك الرقبة، فإذا أعمر رجلًا دارًا فقال: أعمرتك داري هذه، أو قال: جعلتها لك عمرك أو عمري سواء، قال: المعمر للمعمر هي لك ولعقبك أو أطلق، فإن لم يكن له وارث فلبيت المال، ولا يعود إلى المعمر شيء وقال مالك: هي تمليك المنافع، فإذا مات المعمر رجعت إلى المعمر، وإن ذكر في الإِعمار عقبه رجعت\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني \" ج ٤.\n(٢) \" الإفصاح \" ج ٢.","vol":"4","page":22},{"text":"إليهم، فإن انقرض عقبه رجعت إلى المعْمرِ، فإن أطلق لم ترجع إليهم، بل إلى المعمر، فإن لم يكن المعمر موجودًا عادت إلى ورثته، وحاصل ما ذكر في العمرى أنها ثلاثة أنواع: إما أن تؤبد كقولك: لك ولعقبك، أو تطلق كقولك: هي لك عمري أو عمرك، وجمهور العلماء على صحة هذين النوعين وأن كلًا منهما هبة مؤبدة، وقال مالك إن أطلقها عادت إليه، وإن أبّدها كانت هبة مؤبّدة، والصورة الثالثة أن يشترط الواهب الرجوع إليه بعد موت المُعْمَرِ فالشرط نافذ صحيح عند جماعة من العلماء (١) منهم الزهري ومالك وداود وأحمد في رواية اختارها ابن تيميّة، وذهب الباقون إلى إلغاء الشرط ولزوم الهبة، واستدل المالكية على رجوع العمرى إلى صاحبها بعد وفاة المعمر بأدلة: منها: ما رواه مالك في \" الموطأ \" عن نافع أن حفصة كانت قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب دارها ما عاشت، فلما توفيت بنت (٢) زيد قبض عبد الله بن عمر المسكن ورأى أنّه له، والإِسكان معناه هنا العمرى، ومنها: القياس، قال الباجي (٣): ودليلنا من جهة القياس أن تعليق الملك بوقت معين يقتضي تمليك المنافع دون الرقبة لأن تعليق الملك يمنع ملك الرقبة. وأجابوا عن حديث الباب بأن معناه: إذا قال في العمرى هي لك ولعقبك، فإنها لمن وهبت له، لما جاء في رواية \" الموطأ \" عن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: \" أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذى يعطاها، لا ترجع إلى الذى أعطاها أبدًا لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث \" أخرجه مسلم، ومالك في \" الموطأ \" والأحاديث يفسر بعضها بعضًا. ثالثًا: أن البخاري ذكر في الترجمة \" الرُّقبى \" مع أنه ليس في الأحاديث التي أخرجها أي ذكر لها، ولكنه يرى أن العمرى والرقبى يرجعان إلى معنى واحد، وهو الهبة المؤبدة، كما\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٢) \" موطأ مالك \".\n(٣) \" شرح الباجي على الموطأ \" ج ٧.","vol":"4","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-788>٧١٩ - \"بَابُ الاسْتعَِارَةِ لِلْعَرُوس عِنْدَ الْبِنَاءِ </span>\"\n٨١٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا دَخَلَ عَلَيهَا أيْمَنُ وعَليْهَا دِرْعُ قِطرٍ ثَمَنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إلى جَارِيتي انْظرُ إِلَيْهَا فَإِنَّها تُزْهَى أنْ تَلْبَسَهُ في الْبَيْتِ، وَقَدْ كانَ لي مِنْهُنَّ دِرْعٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَمَا كَانَتْ امْرَأة تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أرْسَلتْ إِليَّ تَستَعِيرُهُ.\nــ\nعليه أكثر أهل العلم، وعن الحنفية أن التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة، وفي الرقبى إلى المنفعة، وقال في \" الإِفصاح \" (١) قال أبو حنيفة: تبطل الرقبى المطلقة، وصفتها أن يقول: هذه الدار رقبى. اهـ. أما مالك، فإن صفة الرقبى الحائزة عنده أن يقول: هي لك حياتك، قال الزرقاني (٢): فهي جائزة، وهي بهذا التفسير بمعنى العمرى - أي أنها تمليك للمنافع مدة حياة الشخص. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n٧١٩ - \" باب الاستعارة للعروس عند البناء \"\n٨١٩ - قولها ﵂: \" أنه دخل عليها أيمن وعليها درع من قطن \".\nمعنى الحديث: أن أيمن الحبشي ﵁ راوي الحديث دخل على عائشة ﵂ وعليها ثوب يمني غليظ خشن، فقالت له: إن هذا الثوب الذي تتكَبَّرُ وتتَرَفَّعُ جاريتي أن تلبسه اليوم في البيت كان في ثوب مثله في حياة رسول الله - ﷺ - (يفتخر) النساء بلبسه في أعراسهن حتى أنه \"ما\n_________\n(١) \" الإفصاح \" ج ٢.\n(٢) \" شرح الزرقاني على الموطأ \" ج ٤.","vol":"4","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>٧٢٠ - \" بَابُ فضلِ المنِيْحَةِ </span>\"\n٨٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أرْبَعُونَ خَصْلَةً أعْلاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، ما مِنْ عَامِل يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوابِهَا، وتَصْدِيْقَ مَوْعُودِهَا إلَّا أدخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ \".\nــ\nكانت امرأة تُقيَّن\" بضم التاء وتشديد الياء المفتوحة أي ما كانت امرأة تلبسُ وتُزَيَّنُ وَتُزَفُّ عروسًا لزوجها \" إلاّ وأرسلت إليّ تستعيره \" لتلبسه في عرسها لما كانوا عليه من التقشف وضيق المعيشة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية إعارة الثياب، واستعارتها، وكذلك غيرها من الحلي والجواهر النفيسة للعروس وغيرها. ثانيًا: ما كان عليه أصحاب رسول الله من فقر وضيق وتقشف في الطعام واللباس والسكنى حتى أن أقل الملابس قيمة كان عندهم من الثياب النفيسة التي يتجملون بها في أعراسهم، ثم إنهم سرعان ما أقبلت عليهم الدنيا حتى إنّه لم ينته القرن الأول الهجري إلاّ وقد أصبحت هذه الملابس يأنف الإماء لبسها في البيوت فضلًا عن السيدات. والمطابقة: في قول عائشة: \" ما كان امرأة تُقَيَّنُ إلاّ وأرسلت إلي تستعيره \".\n٧٢٠ - \" باب فضل المنيحة \"\n٨٢٠ - قوله - ﷺ - \" أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز \". إلخ.\nمعنى الحديث: أن هناك أربعين خصلة من خصال الإِيمان والبرِّ والإحسان، ما من مسلم يحافظ على خصلة منها، ويداوم عليها مبتغيًا من وراء ذلك رضا الله تعالى، راغبًا في ثوابه، موقنًا كل اليقين بما وعد الله العاملين","vol":"4","page":25},{"text":"بها من عظيم المثوبة والأجر، مخلصًا في عمله، إلاّ أدخله الله الجنة مع السابقين الأولين. ومن هذه الخصال إطعام الجائع، وسقي الظمآن، وبدء السلام، وطلاقة الوجه، وستر المسلم، وإعانة المحتاج، والتفسح في المجالس، وتفريج هموم الناس، وإدخال السرور على نفوسهم، وغرس الشجر وعيادة المريض، وقد أخبرنا النبي - ﷺ - في هذا الحديث عن أفضل هذه الخصال وأرفعها درجة عند الله فقال: \" أعلاهن منيحة العنز \" أي أفضل هذه الأعمال وأكثرها ثوابًا \" منيحة العنز \" أي إعارة العنز للمسلم ليشرب من لبنها مدة وجود اللبن فيها، فإذا انقطع لبنها أعادها إلى صاحبها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية منيحة العنز واستحبابها. قال في \" المنهل العذب \": والمراد بها ذات اللبن من العنز تعار ليؤخذ لبنها، ثم ترد على صاحبها، ويقاس عليها منيحة الإِبل والبقر، ثانيًا: الترغيب في منيحة العنز وكونها من أفضل أعمال الخير التي تبلغ أربعين خصلة، قال في \" المنهل العذب \": فقد أبلغها بعضهم أربعين فأكثر منها، وقال ابن المنير، الأولى أن لا يعتنى بعدها لعدم عدِّ النبي - ﷺ - لها. والمطابقة: في قوله: \" أعلاها منيحة العنز \". الحديث: أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود.\n***","vol":"4","page":26},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-790> كتاب الشهادات </span>\"\nالشهادة: عُرفت بتعريفات كثيرة ترجع أكثرها إلى أن الشهادة هي الإخبار بخبر قاطع عن شيء معين، أي عن صحة ذلك الشيء أو بطلانه وعن وقوعه أو عدمه، بشرط أن يستند ذلك الإِخبار إلى علم يقيني من مشاهدة ومعاينة أو سماع، أو استفاضة فيما يتعذر علمه، فلا يحل لأحد أن يشهد إلّا عن علم يستند إلى ما ذكر. وتصح الشهادة بالاستفاضة عند الشافعية في النسب والولادة والموت والعتق والولاية والوقف والعزل والنكاح والولاية والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسن والملك. وقال أبو حنيفة: تجوز في خمسة أشياء النكاح، والدخول، والنسب، والموت، وولاية القضاء.\nوقال أحمد وبعض الشافعية: تصح في سبعة: النكاح، والنسب والموت والعتق والولاء والوقف والملك. وشروط الشهادة سبعة: الأول: الإِسلام فلا تجوز شهادة الكافر إلاّ في الوصية أثناء السفر عند أبي حنيفة، وشهادة الذمي على المسلم في الوصية أثناء السفر عند أحمد والشافعي ومالك، وشهادة الكفار بعضهم على بعض عند الحنفية. الثاني: العدالة بحيث لم يجرب عليه الكذب ولا الخيانة ولا الفسق، ولم يتصف بشيء يخل بالمروءة (١). الثالث والرابع: البلوغ والعقل، والخامس: الكلام، وقال مالك: تصح شهادة الأخرس إذا كان له إشارة مفهومة. السادس: الحفظ والضبط، فلا تقبل شهادة كثير النسيان والسهو والغلط. السابع: نفي التهمة، فلا تقبل شهادة المتهم بمحبة أو عداوة، خلافًا للشافعي ولا تقبل شهادة الوالد لولده، ولا الولد لأبيه عند الجمهور، خلافًا لأحمد في رواية.\n_________\n(١) والمروءة ترك ما يشين من الأقوال والأفعال.","vol":"4","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>٧٢١ - \" بَابُ مَا قِيلَ في شَهادَةِ الزُّورِ </span>\"\n٨٢١ - عَنِ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" ألا أُنَبِّئُكُمْ بَأكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ \" ثَلاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \" الإِشْرَاكُ باللهِ، وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ \" وَجَلَسَ، وَكَانَ مُتَّكِئًَا، فَقَالَ: \" أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ \" فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ.\nــ\n٧٢١ - \" باب ما قيل في شهادة الزور \"\n٨٢١ - قوله - ﷺ -: \" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا \". إلخ الكبائر: جمع كبيرة وهي كل معصية ترتب عليها حد في الدنيا أو عقوبة شديدة في الآخرة. و\" ألا \" استفهام، وتكرار لسؤال ثلاثًا للمبالغة في تنبيه السامعين إلى إلقاء السمع والإِصغاء لما يلقيه إليهم لأهميته.\nومعنى الحديث: أن النبي حرصًا منه على نجاة أمته وسلامتهم وسعادتهم أراد أن يحذرهم عن أخطر المعاصي وأعظمها عند الله تعالى ليجتنبوها فيسلموا من غضب الله ويسعدوا بطاعته ورضاه، فقال لهم: \" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا \" وإنما وجه إليهم النبي - ﷺ - هذا السؤال أولًا وكرره عليهم ثلاث مرات، ليوجه أسماعهم إليه، ويحضّر قلوبهم لاستماع ما يلقيه إليهم حتى يكون أشد وقعًا على نفوسهم، وأعظم تأثيرًا فيها، ولهذا قال لهم: ألا ترغبون أن أخبركم عن أعظم المعاصي عقوبة عند الله تعالى وكرر هذا السؤال ثلاث مرات \" قالوا: بلى يا رسول الله \" نريد أن تخبرنا عنها لنتجنبها وننجو من شرها، فأخبرهم أن أكبر الكبائر على الإطلاق ثلاثة أعمال \" قال: الإشراك بالله \" أي أولها الإِشراك بالله بأن يجعل لله شريكًا في ربوبيته أو ألوهيته أو صفاته، وهو الكبيرة الأولى التي لا تغتفر، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ","vol":"4","page":28},{"text":"بِهِ) ومن مات عليها كان مخلدًا في النار كما قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) \" وعقوق الوالدين \" أي وثانيها عقوق الوالدين. أي الاساءة إليهما بالقول أو الفعل، لأنهما السبب الظاهري في وجود الإِنسان. وقد قرن الله تعالى حقهما بحقه في قوله تعالى: \" (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) فالإِساءة إليهما من أعظم أنواع الجحود ونكران الجميل، لأن إحسانهما وفضلهما لا يماثله أي إحسان في هذا الوجود، ولهذا جعل النبي - ﷺ - عقوق الوالدين من أعظم الكبائر \" وجلس وكان متكئًا فقال: \" ألا وقول الزور \" فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت \" أي ولما أراد النبي - ﷺ - أن يخبر أمته عن المعصية الثالثة التي هي من أكبر الكبائر وهي \" شهادة الزور \" اعتدل في جلسته بعد أن كان معتمدًا على وسادة اهتمامًا بما سيقوله من التحذير عنها \" فقال: ألا وقول الزور \" أي وانتبهوا فإن من أكبر الكبائر شهادة الزور وهي أن تشهد شهادة كاذبة مخالفة للواقع، قال الشرقاوي: وإضافة القول إلى الزور من إضافة الموصوف إلى صفته، والمراد به شهادة الزور، وفي رواية \" ألا وقول الزور، وشهادة الزور \" والعطف للتأكيد، ومعناه أن قول الزور وشهادة الزور شيء واحد.\n\" قال: وما زال يكررها \" أي يكرر قوله: ألا وقول الزور حتى قلنا ليته سكت \" يعني تمنينا سكوته شفقة عليه. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحذيره - ﷺ - الشديد لأمته عن شهادة الزور حيث لم يكتف بعدها من أكبر الكبائر، وإنما أضاف إلى ذلك مبالغته - ﷺ - في الاهتمام بها، فاعتدل في جلسته، وكرر التحذير منها مرات كثيرة حتى قالوا: ليته سكت، وهو - ﷺ - لم يفعل ذلك إلاّ لشدة خطورتها، وعظم جُرْمِها وسهولة وقوعها، والتهاون بأمرها، وتعدي ضررها، وتطاير شررها حتى قالوا شهادة الزور تقضي على صاحبها في الدنيا","vol":"4","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>٧٢٢ - \" بَابُ شَهَادَةِ الأعْمَى </span>\"\n٨٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" تَهَجَّدَ النبي - ﷺ - في بَيْتي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي في الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: \" يا عَائِشَةُ أصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \" اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا \".\nــ\nوالآخرة. ثانيًا: أن الذنوب ثلاثة أنواع: صغائر، وكبائر، وأكبر الكبائر كما يدل عليه هذا الحديث: والمطابقة: في قوله \" ألا وقول الزور \".\n٧٢٢ - \" باب شهادة الأعمى \"\n٨٢٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" تهجد النبي - ﷺ - في بيتي، فسمع صوت عباد يصلي في المسجد \" أي فسمع صوت عباد بن بشر ﵁ وهو يتلو القرآن في صلاة التهجد \" فقال: يا عائشة أصوت عباد \" أي فغلب على ظنه أنه صوت عباد، وأراد أن يتأكد من ذلك، فسأل عائشة عنه قالت: \" قلت: نعم \" هو صوت عباد \" قال: اللهم ارحم عبادًا \" فدعا له - ﷺ - بالرحمة الإِلهية التي تقتضي كثرة الإِحسان والإِنعام عليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز شهادة الأعمى وصحتها اعتمادًا على جماعه في كل ما يعرف بالسماع، لأن النبي - ﷺ - سأل عائشة عن الصوت الذي سمعه هل هو صوت عباد؟ واعتمد على إخبارها بأنه صوته، فدل ذلك على قبول شهادة الأعمى في المسموعات، وبه أخذ مالك وأحمد فقالوا: تجوز شهادته في النكاح والطلاق والبيع والإِجارة والنسب والوقف والإقرار سواء كان تحملها وهو أعمى، أو كان بصيرًا ثم عمي، قال ابن القاسم: قلت لمالك: فالرجل يستمع من وراء الحائط، ولا يراه،","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>٧٢٣ - \" بَاب تعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضهِنّ علَى بَعضٍ: - حَدِيث الإِفْكِ </span>\"\n٨٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" كَانَ رَسول اللهِ - ﷺ - إذَا أرَادَ أنْ يَخْرجَ سَفَرًا أقْرَعَ بَيْنَ أزْوَاجِهِ، فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأقْرَعَ بَيْنَنَا في غَزَاةٍ غزَاهَا، فخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجت مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأنَا أحْمَلُ في هَوْدَج وَأُنزل فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، وَقَفَلَ،\nــ\nيسمعه يطلق امرأته فيشهد عليه، وقد عرف الصوت، قال مالك: شهادته جائزة. وقالت الشافعية: لا تقبل شهادته إلاّ في النسب، والموت، والملك المطلق. وقال أبو حنيفة: لا تقبل مطلقًا. ثانيًا: أن الدعاء بالرحمة لا يختص بالأموات. والمطابقة: في كون النبي - ﷺ - قبل شهادة عائشة أن الصوت صوت عباد وهي لم تره. الحديث: أخرجه البخاري.\n٧٢٣ - \" باب تعديل النساء بعضهن على بعض: حديث الإفك \"\nأي هذا باب في بيان تعديل النساء بعضهن لبعض، أي تزكيتهن لبعضهن، والمراد بحديث الإِفك هذا، الحديث الذي تحدثت فيه السيدة عائشة ﵂ عن تلك التهمة الباطلة والإِشاعة الكاذبة التي أشاعها الناس عنها فبرأها الله منها.\n٨٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه \" أي أجرى بينهن قرعة، فأيتهن خرج سهمها صحبها معه، \" فأقرع بيننا في غزاة \" وهي غزوة بني المصطلق في رمضان سنة خمس من الهجرة \" فخرج سهمي فخرجت معه \" إليها \"حتى","vol":"4","page":31},{"text":"وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيلَةً بالرَّحِيل، فَقمْت حِينَ آذَنوا بالرحِيل فَمَشَيْت حَتَّى جَاوَزْت الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيت شَأنِي أقْبَلْت إِلَى الرَّحْل، فَلَمَسْت صَدْرِي فَإِذا عِقدٌ لي مِنْ جَزْعِ أظَفَارَ قَدِ انْقَطَعَ، فَرَجَعْت فالتمسْت عِقْدِي فحبَسَنِي ابتغَاؤُهُ، فَأقبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلونَ لي، فاحْتَمَلوا هَوْدَجِي، فَرَحَلوه عَلَى بَعِيري الذي كُنْت أرْكَبُ، وَهُمْ يَحْسَبونَ أنِّي فِيه، وكانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَثْقُلْنَ، ولمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْم، وِإنَّما يَأكلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ\nــ\nإذا فرغ رسول الله - ﷺ - من غزوته تلك وقفل\" أي عاد من غزوته، \" ودنونا من المدينة \" أي اقتربنا منها \" آذن بالرحيل \" أي أعلن عن رحيله \" فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني \" أي فلما انتهيت من قضاء حاجتي \" فإذا عقد لي من جزع أظفار \" بالفتح، الخرز اليماني، اشتهرت بهذه العقود المنظومة من الخرز الأسود الذي فيه عروق بيضاء، \" قد انقطع \" أي فلما لمست صدري وجدت عقدي هذا قد انقطع \" فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه \" أي فعدت أبحث عن عقدي فأخّرني التفتيش عنه عن العودة إلى هودجي \" فأقبل الذين يُرَحلون \" (بضم الياء، وفتح الراء) أي فجاء الذين يشدون رحلي على بعيري \" فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه \" أي يظنون أنني موجودة داخل الهودج، ولم يشعروا بعدكم وجودي، لأن وجودي أو عدمه لا يؤثر في ثقل الهودج أو خفته بشيء ثم بينت سبب ذلك فقالت: \" وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن \" أي كن خفاف الأجسام، لم يثقلهن الشحم الكثير، والسمن الفاحش لأنهن لم يكن يأكلن كثيرًا، ولا يتناولن الأطعمة الدهنية الدسمة إلاّ نادرًا \" وإنما يأكلن العُلقة من الطعام \" بضم العين وسكون اللام، وهو القليل من الطعام، حيث كن يرين ثلاث","vol":"4","page":32},{"text":"الطَّعَامٍِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْم حِينَ رَفَعوة ثِقَلَ الْهَوْدَجِ، فاحْتَمَلوة، وكنْت جَارِيَة حَدِيْثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثوا الْجَمَلَ وَسَاروا، فَوَجَدْت عِقْدِي بَعْدَ ما اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فجِئْت منْزِلَهمْ وَلَيْسَ فِيهِ أحَدٌ، فَأمَمْت مَنْزِلي الَّذِي كُنْت فِيهِ، فَظَنَنْت أنَّهُمْ سَيَفْقِدونَنِي فيَرْجِعونَ إليَّ، فَبَيْنَا أنَا جَالِسَةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْت، وكَانَ صَفْوَان بْن الْمَعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ من وَرَاءِ الْجَيش، فَأصبَحَ عِنْدَ مَنْزلي، فَرَأى سَوَادَ إِنْسَان نَائِم فَأتانِي، وَكَانَ\nــ\nأهلة في شهرين، ولا يوقد في بيوتهن نارٌ \" فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج \" أي لم يلاحظوا خفة وزنه \" وكنت جارية حديثة السن \" أي صغيرة السن لم أكمل خمسة عشر عامًا \" فبعثوا الجمل وساروا \"، أي فأوقفوا الجمل وساروا به، وهم يظنون أني بداخله، \" فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، أي بعدما قطع الجيش مسافة طويلة، \" فجئت منزلهم، وليس فيه أحدًا، أي فلما عدت إلى المكان الذي كان فيه الجيش إذا بي أفاجأ برحيلهم، وإذا هو بقعة خالية \" فأممت منزلي الذي كنت فيه \" أي فقصدت المكان الذي فيه هودجي \" وظننت \" أي علمت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ \" فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي \" أي غلبني النعاس، \" وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني \" بضم السين وفتح اللام، وبالذال المعجمة، وكان صحابيًا فاضلًا سأل النبي - ﷺ - أن يجعله على الساقة، فكان إذا رحل القوم قام يصلي، ثم اتبعهم فمن سقط له شيء أتاه به. أخرجه الطبراني، وكان يتخلف عن الناس فيصيب القدح والجراب والأزواد، فيحمله ويقدم به فيفرقه في أصحابه \" من وراء الجيش \"، أي يتفقد مخلفاتهم بعد رحيلهم، فيوصلها إليهم \" فأصبح عند منزلي \" أي فكان في الصباح عند المكان الذي أنا فيه \" فرأى سواد إنسان نائم \" أي فأبصر شخص إنسان نائم، \"فأتاني وكان","vol":"4","page":33},{"text":"يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ باستِرْجاعِهِ حينَ أناخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِأ يَدَهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُعَرِّسِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْن أُبَيِّ بْنُ سَلُولٍ، فقدِمْنَا المَدِينَةَ فاشْتَكَيْتُ بها شَهْرًا والنَّاسُ يفيضُونَ مِنْ قَوْلِ أصْحَابِ الإِفْكِ، وَيَرِيبُنِي في وَجَعِي أَنِّي لا أرَى مِنَ النَّبيَّ - ﷺ - اللُّطْفَ الذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أمرَضُ، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ\nــ\nيعرفني قبل الحجاب\"، أي فلما نظر إليَّ عرف أني عائشة، لأنه كان يعرفني قبل الحجاب، \" فاستيقظت باسترجاعه \" أي فاستيقظت من نومي على صوته وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، \" حين أتاني في راحلته فوطأ يدها \" أي داس على يدها ليقعدها \" فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة \" أي بعد ما نزلوا وقت الظهيرة ليستريحوا \" فهلك من هلك \" يعني فتورط من تورط في هذه القضية، وخاض في هذه التهمة الباطلة من حديث الإِفك. \" وكان الذي تولى الإِفك عبد الله ابن أُبي بن سلول \" أي وكان رأس هذه الجماعة الذي تبنى هذه التهمة الكاذبة على عائشة ودعمها وروج لها، وأشاعها هو عبد الله بن أُبي رئيس المنافقين، أما بقية أهل الإِفك فهم كما أفاده النسفي: يزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش ومن ساعدوهم \" فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا \"، أي مرضت شهرًا \" والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك \" أي يتحدثون في هذه الإِشاعة الكاذبة قالت: \" ويرييني في وجعي أني لا أرى من النبي - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض \" أي ومما بعث في نفسي الريبة والشك والإحساس الداخلي بأن هناك أمرًا قد حدث، هو هذا التغير في معاملة النبي - ﷺ - لي حيث لم أعد أجد منه تلك المعاملة","vol":"4","page":34},{"text":"فَيَقُولُ: كيْفَ تِيْكُمْ، لا أشْعُرُ بِشَيْءٍ من ذلكَ، حتَّى نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ أنَا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِع مُتَبَرَّزُنَا، لا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلى لَيْل، وذلكَ قَبْلَ أنْ نَتَّخِذَ الكُنُفُ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وأمْرُنَا أمْرُ الْعَرَبِ الأوَلِ في البَرِّيَّةِ أو في التَّنزَهِ فَأقْبَلْتُ أنَا وأمُّ مِسْطَح بنتُ أبي رُهْم نَمْشِي، فَعَثَرَتْ في مِرْطِهَا، ْ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٍ، فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَمَا قُلْتِ: أتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا! فَقَالَتْ: يا هَنْتَاهْ، ألمْ تَسْمَعِي مَا قَالُوا؟ فَأخْبَرَتْنِي بقولِ أهْلِ الإِفْكِ فازْدَدْتُ مَرَضًا إلى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إلى بَيْتي، دَخَلَ عَليَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَسلَّمَ، فَقَالَ: كَيفَ تِيْكُمْ، فقُلْتُ: إِئْذَنْ لي إلى\nــ\nالرقيقة التي كنت أجدها منه إذا مرضت \" ولا أشعر بشيء \" أي ولا أعلم بسبب ذلك \" حتى نقهت \" أي حتى تماثلت للشفاء من مرضي، \" فخرجت أنا وأم مسطح قِبل المناصع متبرزنا \" (١) وهو موضع شرقي المدينة كانوا يتبرزون فيه \" قبل أن تتخذ الكنف \" أي قبل أن نتخذ المراحيض \" وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه \" أي وشأننا في قضاء الحاجة شأن العرب القدامى الذين يتبرزون في الخلاء، لا في البنيان \" فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مرطها \" بكسر الميم كساء من صوف \" فقالت تعس مسطح \" دعت عليه بالتعاسة والخيبة \" فقلت بئسما قلت \" أي لقد قلت قولًا سيئًا ذميمًا، لأن بئس من أفعال الذم \" أتسبين رجلًا شهد بدرًا!! \" استفهام تعجبي إنكاري أي كيف تسبين رجلًا من أهل بدر، وهم الذين أثنى عليهم رسول الله - ﷺ -، ووصفهم بالفضل والعاقبة الحميدة. \" فقالت: يا هنتاه \" أي يا هذه \" ألم تسمعي ما قالوا: \" من التهمة لك، ثم أخبرتها عما دار حولها من حديث الإفك قالت: \" فأخبرتني بقول أهل الإفك \"\n_________\n(١) قال القسطلاني: أي هي متبرزنا، أي موضع قضاء الحاجة.","vol":"4","page":35},{"text":"أبَوَيَّ، قَالَتْ وَأنَا حِينَئِذٍ أرِيدُ أنْ أسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، فَأذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، َ فَأتَيْتُ أبوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي على نَفْسِكِ الشَّأنَ، فَوَاللهِ لقَلَّمَا بهَانَتْ امْرَأة قَط وَضيئَةٌ عِنْدَ رَجُل يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إلَّا أكْثَرْنَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا، قَالَتْ: فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى أصبَحْتُ لا يَرْقَأ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\nــ\nأي بما تكلموا به في عرضي. قالت عائشة: \" فازددت مرضًا على مرضي \" عندما علمت بما قذف الناس في عرضي، \" فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله - ﷺ - فسلم، فقال: كيف تيكم \" أي كيف حال تلك يشير إلى عائشة، فسأل عنها بلهجة جافة فاترة، تختلف عن لهجته التي كان يتحدث بها سابقًا مع زوجته الحبيبة \" فقلت ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر \" أي وإنما ذهبت إلى بيت أبي لأتعرّف من أبوي على حقيقة ما دار حولي من حديث الإِفك \" فقلت لأمي: ما يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية هوّني على نفسك الشأن \" أي فأرادت أمها \" أم رُومَان \" تسليتها والتخفيف عنها، فقالت لها: لا تهتمي بالإِشاعة كل هذا الاهتمام، ولا تحزني كل هذا الحزن، وخففي عن نفسك من همومها وأحزانها، فلست أوّل امرأة حسناء قيل عنها ما قيل، بل قلما كانت امرأة جميلة محبوبة عند زوجها لها ضرائر يغرن منها إلاّ تحدثن عنها بما تكره، وهو معنى قولها \" لقلما كانت امرأة قط وضيئة \" أي جميلة لا عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها \" أي إلاّ أكثرن عليها الأحاديث بما يسيء إليها \" فقلت: سبحان الله \" تعجبًا مما سمعت \" قالت: فبت تلك الليلة لا يرقأ لي دمع \" أي فبت تلك الليلة كلها أبكي لا يكف لي دمع وقضيتها كلها ساهرة، لا أذوق طعم النوم","vol":"4","page":36},{"text":"عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْي يَسْتَشِيرهمَا في فِرَاقِ أهْلِهِ، فَأمَّا أسَامَة فَأشَارَ عَلَيْهِ بالَّذِي يَعْلَم في نَفْسِهِ مِنَ الْودِّ لَهمْ، فَقَالَ أسَامَة: أَهلُكَ يَا رَسولَ اللهِ ولا نَعْلَم وَاللهِ إِلَّا خَيْرًا، وأمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ الله \"عَلَيْكَ، وَالنِّسَاء سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا رَسول اللهِ - ﷺ - بَرِيرَةَ فَقَالَ: يَا بَرِيرَة هَلْ رَأيْتِ فِيهَا شَيْئًا يرِيبُكِ؟ فَقَالَتْ بَرِيرَة: لا وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ إِنْ رَأيْت\nــ\nمن شدة ما أقاسيه من الهموم والأحزان، وكنت في حالة نفسية سيئة جدًا لهول تلك الصدمة العنيفة التي فاجأتني. وفي رواية أخرى عن أم رومان، أن عائشة قالت لها: سمع رسول الله - ﷺ -؟ قالت: نعم، وأبو بكر؟ قالت: نعم، فخرت مغشيًا عليها، فما أفاقت إلاّ وعليها نافض أي مصحوبة برجفة ورعشة بدنية، وهو ما يسمى \" النفاضة \" \" فدعا رسول الله - ﷺ - علي بن أيى طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي \" أي عندما تأخر الوحي \" يستشيرهما في فراق أهله \" أي في طلاق عائشة \" فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم \" أي أما أسامة فتحدث عنهم بما يشعر به نفسيًا من المودة لهم \" فقال أهلك \" أي فقال له: احفظ أهلك \" ولا نعلم إلاّ خيرًا \" أي ولا نعلم عن سيرتها وسلوكها إلاّ الخير والصلاح، وأما علي فقال: يا رسول الله \" لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير \" وفي رواية قال له مسليًا له، مخففًا من همومه وأحزانه، قد أحل الله لك غيرها وأطاب، طلقها فانكح غيرها، قال ذلك لما رأى ما عنده - ﷺ - من الغم والقلق \" فدعا رسول الله - ﷺ - بريرة فقال: \" يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا يريبك؟ \" أي هل رأيت في سلوكها وتصرفاتها ما يبعث على الشك والريبة فيها؟ \" فقالت: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت فيها أمرًا أغمصه عليها \"","vol":"4","page":37},{"text":"مِنْهَا أَمْرًَا أغمِصُهُ عَلَيْهَا أكْثَرَ مِنْ أنَّهُّا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنِ الْعَجِين فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلْولَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُل بَلَغَنِي أذَاهُ في أهْلِي، فوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أهْلِي إِلَّا مَعِي، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مَعَاذٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أنَا وَاللهِ أعْذِرُكَ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِنَ الأوْس ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُو سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلكنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ والله لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ\nــ\nأي ما رأيت منها شيئًا يعيبها \" أكثر من أنها جارية حديثة السن \" أي فتاة صغيرة السن تغفل عن بعض الأمور \" تنام عن العجين، تأتي الداجن فتأكله \" أي فتأتي الشاة فتأكله \" فقال رسول الله - ﷺ -: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي \" أي من ينصرني عليه \" وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلاّ خيرًا \" أي وقد اتهموا أهلي برجل صالح، حسن السيرة والسمعة بين الناس \" فقام سعد فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه \" أي آخذ لك الحق منه \" إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك \" أي فنفذنا فيه أمرك، وعاقبناه بالعقوبة التي تريدها، \" فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا \" غير متهم في عقيدته \" ولكن احتملته الحمية \" أي غلبت عليه الأنفة والعصبية لقبيلته فعارض سعد بن معاذ \" فقال: كذبت لَعَمْرُ الله والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك \" لأنه رأى أنه ليس من حق سعد بن معاذ أن يتدخل في أمر يتعلق","vol":"4","page":38},{"text":"عَلى ذَلِكَ: فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ: كَذَبتَ لَعَمْرُ الله، وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِق تُجادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الأوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتَّى سَكَتُوا، وَسكَتَ وَبَكَيْتُ يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ ولا أكْتَحِلُ بِنَوْم، فأصْبَحَ عِنْدِي أبوَايَ قَدْ بَكَيْتُ لَيلَتَيْنِ ويَوْمًا حَتَّى أظُنُّ أنَّْ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَما هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وأنا أبْكِي، إذ استأذَنَتِ امْرأةَ بن الأنْصَارِ فأذنتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَكَ إِذ دَخَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَجَلَس وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فِيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًا لا يُوِحَى إلَيْهِ في شَأنِي شَيءٌ، قَالَتْ: فتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ فَإنهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَان كُنْتِ بَرِيْئَةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإنْ كُنْتِ\nــ\nبالخزرج، وأن ذلك من اختصاصه هو، أو أن معنى لا تقتله لا تجد إلى قتله سبيلًا لمبادرتنا إلى قتله قبلك كما أفاده في \" بهجة النفوس \" \" فقام أسيد ابن حضير فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه \" أي تأكد وتحقق أنه لو أمرنا رسول الله بقتله قتلناه ولا نبالي ما يكون \" فإنك منافق تجادل عن المنافقين \" ولم يقصد بذلك وصفه بالنفاق حقيقة، وإنما قال ذلك للمبالغة في زجره، ثم إن هذا السباب لا يقام له وزن، لأنه صدر في حالة غضب، والغضب من الشيطان \" فثار الحيان حتى هموا \" بالقتال \" فخفضهم \" أي فهدأ النبي - ﷺ - من غضبهم وثائرتهم \" وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم \" وقد تقدم شرحه \" حتى أظن أن البكاء فالق كبدي \" أي حتى غلب على ظني أن البكاء يشق كبدي \" فبيما نحن كذلك إذ دخل رسول الله - ﷺ - فجلس \" أي جلس عندي \" ثم قال: يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا \"","vol":"4","page":39},{"text":"ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِرِي اللهَ وتُوبِي إِلَيْه، فإِنَّ الْعَبْدَ إِذا اعْترفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطرةً، وَقُلْتُ لِأبِي: أجب عَنِّي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: وَاللهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: لأمي أجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِيمَا قَالَ، قَالَتْ: واللهِ ما أدْرِي ما أقُولُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَتْ: وأنَا جَارِيَة حَدِيثَةُ السِنِّ لا أقْرَأ كَثِيرًا مِنَ القُرآنِ، فَقُلْتُ: إِني وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّكُمْ سَمِعْتُمْ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ، وَوَقَر في أنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِني بَريئَة وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَبَرِيئَة لَا تُصَدِّقُونِي بذَلِكَ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بَأمْر، واللهُ يَعْلَمُ أني بَرِيئَة لتصَدِّقُنِّي، واللهِ مَا أجَدُ لِي وَلَكُمْ\nــ\nأي لقد أشاع عنك بعض الناس أنك فعلت كذا وكذا مع صفوان بن المعطل \" وإن كنت ألممت \" أي وإن كنت فعلت ذنبًا، واقترفت خطيئة حقًا \" فاستغفري الله وتوبي \" أي فاعترفي بالذنب واستغفري الله وتوبي إليه \" فإن العبد إذا اعترف بذنبه فتاب تاب الله عليه \" لأنّ التوبة توجب المغفرة، ويتوب الله على من تاب. \" فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته قلص دمعي \" أي فلما انتهى رسول الله - ﷺ - من حديثه هذا جف دمعي لهول ما سمعت، وعند ذلك التفت إلى أبويّ استنجد بهم في الدفاع عني \" قلت لأبي أجب عني رسول الله - ﷺ - قال: والله ما أدرى ما أقول \" لأن الصدمة النفسية كانت قاسية عنيفة غلبت عليه وعلى تفكيره، وأعجزت لسانه عن الإجابة، فهو في موقف يحار فيه أعظم الرجال ماذا يقول، وبماذا يجيب، إذا نظر هنا وجد رسول الله - ﷺ - ومقامه فوق كل مقام، وإذا نظر هناك وجد عائشة ابنته الكريمة الشريفة الطاهرة المطهرة تتعرض لهذه التهمة الشنيعة، أمران يحق","vol":"4","page":40},{"text":"مَثَلًا إِلَّا أبَا يُوسُفَ إِذْ قَالَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَأنا أرجُو أن يُبَرِّئَنِي اللهُ، وَلَكِنْ واللهِ مَا ظَنَنْتُ أنْ يُنْزِلَ في شَأنِي وَحْيًا، ولأنَا أحْقَرُ في نَفْسِي مِنْ أنْ يَتَكَلَّمَ بالْقُرْآنِ في أمْرِي، وَلَكِنِّي كُنْتُ أرْجُو أنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في النَّوْمِ رُؤيَا تُبَرِّئُنِي، فَوالله مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى\nــ\nللمرء أن يقول أمامهما لا أدري ما أقول \" قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن \" أي لا أحفظ الكثير منه، ولكنني أفقه معانيه، فقارنت بين حالي وحال يعقوب، فقلت \" والله: لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم \" أي واستقر حديث الناس في نفوسكم وأثر في قلوبكم \" ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك \"، لأنكم تظنون أني كذبت عليكم خشية العار \" والله ما أجد في ولكم مثلًا إلاّ أبا يوسف إذ قال: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) \" أي لا يسعني في هذا الموقف إلاّ الصبر والتسليم لأمر الله وانتظار الفرج والبراءة منه ﷿، فهو الذي يبرئني وحده دون غيره، وهو الذي يدافع عني دون سواه \" ثم تحولت إلى فراشي وأنا أرجو أن ييرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا تبرئني \" أي ما كنت آمل أن ينعم الله علي بمثل ما أنعم، وأن يكرمني بمثل هذا التكريم، فينزل الوحي الصريح، والآيات القرآنية التي تتلى على مر العصور في تبرئتي، لأني في نظري أقل شأنًا من ذلك، ولكن من تواضع لله رفعه كُلُّ ما كنت آمله وأتوقعه أن يبرئني الله تعالى من هذه التهمة الباطلة برؤيا مناميّة تثبت براءتي فوقع ما هو أعظم من ذلك \"فوالله","vol":"4","page":41},{"text":"أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْىَ فَأخَذَهُ مَا كَانَ يَأخُذُهُ مِنَ البُرحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ في يَوْم شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أنْ قَالَ لِي: يا عَائِشَةُ احْمَدِي اللهَ فَقَدْ بَرَّأكِ الله\"، فَقَالَتْ لِي أمِّي: قُومِي إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أقومُ إِلَيْهِ، ولا أحْمَدُ إِلَّا اللهَ، فَأنزلَ اللهُ ﷿ (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآيَاتِ، فلمَّا أنزلَ اللهُ ﷿ هَذَا في بَرَاءَتِي\nــ\nما رام مجلسه\" أي ما فارق النبي - ﷺ - مجلسه \" حتى أُنزِلَ عيه الوحي فأخذه ما كان يأخذه \" أي فأصابه ما كان يصيبه أثناء نزول الوحي \" من البرحاء \" أي من ارتفاع الحرارة وشدة العرق \" حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان \" أي حتى صار العرق يتساقط منه كما تتساقط اللآلىء المتناثرة \" في يوم شات \" أي حال كونه - ﷺ - قد حدث له ذلك في يوم شتوي شديد البرودة \" فلما سرّي عن رسول الله \" بضم السين وكسر الراء المشددة أي فلما انكشف عنه الوحي \" وهو يضحك \" أي حال كونه ضاحكًا متهلل الأسارير، مشرق الوجه من شدة السرور والفرح ببراءة زوجته الحبيبة الصديقة بنت الصديق ﵂ \" فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله - ﷺ - \" أي قومي إليه واشكريه على بشراه لك بهذه البراءة \"، \" فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله \" لأنه هو الذي برأني مما نسب إليَّ بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، أما أنتم فقد شككتم في أمري \" فأنزل الله ﷿ (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآيات \" إلى آخر قوله تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فأثبت الله تعالى بالوحي الصريح براءة عائشة حيث قال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وسمى الله تلك التهمة الشنيعة \" إفكًا \" فقال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ","vol":"4","page":42},{"text":"قَالَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وكانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أثَاثَةَ لِقَرَابتهِ مِنْهُ: وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطحٍ شَيْئًَا أبَدأً بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنزلَ اللهُ ﷿ (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى -إلى قَوْلِهِ- وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَقَالَْ أبو بَكْرٍ ﵁: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأحِبُّ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إلى مِسْطِحٍ الَّذِي كانَ يُجْرِي عَلَيْهِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسأل زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْش عَنْ أمرِي، فَقَالَ: يَا زَيْنَبُ مَا عَلِمْتِ مَا رَأيتِ، فَقالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أحْمِى سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِيني فَعَصَمَهَا اللهُ بالْوَرَعِ.\nــ\nمِنْكُمْ) إعلانًا عن كذبهم وافترائهم فيها، ثم هددهم بالعقوبة عليها في الدنيا والآخرة، حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) \" قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه \" وذلك أن أم مسطح سلمى كانت بنت خالة أبي بكر الصديق، فغضب وقال: \" والله لا أنفق على مسطح شيئًا \" بعد ما فعل الذي فعل \" فأنزل الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) \" أي لا يحلف أصحاب المال والغنى \" أن يؤتوا أولي القربى \" أي لا يحلفوا على أن لا يعطوا أقاربهم من أموالهم، لأنهم أساؤوا إليهم، قال تعالى: \" (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) \" يعني ألا تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم مقابل عفوكم عنهم \" فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه \" أي فأعاد إلى مسطح ما كان يعطيه، وكفّر عن يمينه. \" فقال: يا زينب ما علمت وما رأيت \" أي ما الذي تعلمينه عن عائشة وما هي مرئياتك عنها فيما يتعلق","vol":"4","page":43},{"text":"بسلوكها \" فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري \" أي أصون سمعي من أن أقول سمعت ولم أسمع أو بصرى عن أن أقول رأيت ولم أر \" فعصمها الله بالورع \" أي فمنعها الورع من الوقوع فيما وقع فيه غيرها، وهو خُلقٌ في النفس يمنع صاحبه من الوقوع في المحرمات والشبهات. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأحمد.\nما يستفاد من الحديث: ويستفاد منه فوائد كثيرة نعجز عن استقصائها ونكتفي ببعضها. أولًا: صحة القرعة بين النساء في السفر وغيره، وبه استدل مالك وغيره في العمل بالقرعة في القسم بين الزوجات في السفر وغيره والعتق والوصايا والقسمة ونحو ذلك، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجماهير العلماء. وحكي عن أبي حنيفة إبطالها، وحكي عنه إجازتها، قال العيني (١): وليس المشهور عن أبي حنيفة إبطال القرعة وأبو حنيفة لم يقل ذلك وإنما قال القياس يأباها، لأنه تعليق الاستحقاق بخروج القرعة، وذلك قمار، ولكن تركنا القياس للآثار، وللتعامل الظاهر من لدن رسول الله - ﷺ - إلى يومنا هذا من غير نكير. ثانيًا: جواز الغزو بالنساء، وخدمة الرجال لهن في الأسفار، لقول عائشة فأقبل الذين يُرَحلون لي فاحتملو هودجي. ثالثًا: فضيلة الاقتصاد في الأكل، وعدم الإِسراف فيه صحيًا ودينيًا، لقول عائشة ﵂ في وصف نساء الصحابة رضوان الله عليهن في العهد النبوي: \" وإنما يأكلن العلقة من الطعام \".\nرابعًا: أنه يستحب أن يُسَرَّ عَنِ الإِنسان (٢) ما يقال فيه إذا لم يكن في ذكره فائدة كما كتموا عن عائشة ما يدور حولها من إشاعات كاذبة شهرًا، ولم تسمعه بعد ذلك إلا بعارض عرض. خامسًا: أن المرأة مهما كانت الأسباب لا تذهب إلى بيت أبويها إلاّ بإذن زوجها لأن عائشة ﵂ قالت:\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٣.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٣.","vol":"4","page":44},{"text":"\" فقلت ائذن لي إلى أبوي \" فاستأذنته وهي في أسوأ الأحوال بدنيًا ونفسيًا، وهكذا يجب أن تكون المرأة الصالحة لأن سيرة هؤلاء الأبرار إنما ندرسها لنتأسى بها في حياتنا ونطبقها عملًا في سلوكنا، لا نستعرضها كما تستعرض التحف القديمة الثمينة، حتى إذا ما تحدث أحدٌ عن تطبيقها، قالوا: ذلك عصر وهذا عصر، أين نساؤنا من نساء رسول الله - ﷺ -، وأين نحن منه، كلمة حق أريد بها باطل. نعم أين نحن منه في عصمته ومكانته عند ربه، أما في الواجبات والفرائض فإننا يجب علينا أن نتبعه فيها، لأنها يستوي فيها المسلمون جميعًا، لا فرق بين طبقة وطبقة، وكذلك نساؤنا يجب عليهن أن يتبعن أمهات المؤمنين في الواجبات التي لا بد منها، كالحجاب واستئذان الزوج في خروجهن، وطاعة أمره، والمحافظة على ماله وعرضه، هذه كلها واجبات لا يجوز لمسلم أو مسلمة إذا أمر باتباع سيرة المصطفى أو الصحابة أو الأسرة النبوية الكريمة أن يقول: أين نحن من أولئك حتى تطالبنا باتباعهم فالواجب واجب، والحق حق، والفرض فرض في كل قرن وعصر. نعم فيما يتعلق بالفضائل والمستحبات والمندوبات الأمر فيها واسع بعض الشيء، أما الواجبات، أو المحرمات فلا نقاش فيها \" ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم \" هذا هو أساس التشريع الإِسلامي في كل عصر ومصر. سادسًا: لُبابُ هذا الحديث وجوهره والعنصر الأساسي فيه هو بيان فضل السيدة عائشة وتبرئتها القاطعة من التهمة الباطلة التي نسبت إليها بوحي صريح منزل على رسول الله - ﷺ -، وقرآن يتلى على مر العصور والأزمان يقطع ألسنة المرجفين، ويقضي على إشاعات المغرضين والملحدين، وأدلة براءتها من حديث الباب والآيات المنزلة في شأنها كثيرة، وأهمها ثلاثة الأول: التبرئة الصريحة الحاسمة في قوله تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) قال البغوي يعنى عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع (١). الثاني: شهادة القرآن لعائشة\n_________\n(١) \" تفسير البغوي \" سورة النور.","vol":"4","page":45},{"text":"بأنها الطاهرة المطهرة حيث قال فيها (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ) قال ابن كثير أي ما كان (١) الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله - ﷺ - إلاّ وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيّب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعًا ولا قدرًا. الثالث: أن الله سمي هذه التهمة الباطلة إفكًا حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) والإفك أبلغ الكذب (٢)، وأشنع الافتراء والبهتان الذي لا تشعر به حتى يفجأك. وقد افتخرت عائشة ﵂ بهذه الفضائل التي ميزها الله بها، وأنعم بها عليها، قال البغوى: روي (٣) أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطتها لم تعط امرأة مثلها، وهي أن جبريل أتى بصورتها في قطعة من حرير، وقال: هذه زوجتك، وأن النبي - ﷺ - لم يتزوج بكرًا غيرها، وقبض رسول الله - ﷺ - ورأسه في حجرها، ودُفِن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله - ﷺ - وصدِّيقه، وخلفت طيبة ووعدت مغفرة ورزقًا كريمًا. سابعًا: ما ترجم له البخاري من جواز تعديل النساء للنساء، وتزكية بعضهن لبعض، لأنّه - ﷺ - سأل بريرة وزينت عن عائشة فزكتاها، وتحدثتا عن صلاحها وكمال دينها، حيث قالت: زينب والله ما علمت عنها إلّا خيرًا. وقالت بريرة: إن رأيت منها أمرًا أغمضه عليها، أي ما رأيت منها أمر قبيحًا أعيبها عليه من أجله، وفي رواية أن بريرة لما سئلت عن عائشة قالت: سبحان الله، ما علمت عليها إلا كما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر (٤) وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة حيث قال: بجواز تعديل النساء بعضهن (٥) بعضًا، وقبول تزكية المرأة للمرأة إذا شهد امرأتان ورجل في\n_________\n(١) \" مختصر تفسير ابن كثير \" للصابوني ج ٢.\n(٢) \" تفسير أبي السعود \" ج ٦.\n(٣) \" تفسير البغوي \" سورة النور.\n(٤) \" تفسير البغوي \" سورة النور.\n(٥) \" شرح العيني \" ج ١٣.","vol":"4","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-794>٧٢٤ - \" بَاب إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ </span>\"\n٨٢٤ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:\nأثْنَى رَجُل عَلى رَجُلٍ - ﷺ - عِنْدَ النَّبِي - ﷺ - فَقَالَ: \" وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ \" مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: \" مَنْ كان مِنْكُمْ مَادِحًا أخَاهُ لَا مَحَالَةَ \" فَلْيَقُلْ أحْسِبُ فُلانًا واللهُ حَسِيبَهُ، ولا أُزَكِّي عَلى اللهِ أحَدًا، أحسِبُهُ كَذَا وَكَذا إنْ كان يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ \".\nــ\nقضية، وهو مذهب البخاري، لأن النبي - ﷺ - سأل بريرة عن حال عائشة ولما أجابت ببراءتها اعتمد النبي - ﷺ - قولها، فخطب واستعذر من ابن أُبيّ.\nوقال مالك والشافعي ومحمد (١) بن الحسن: لا تقبل تزكية المرأة للمرأة، وأجاب القاضي عياض عن حديث الباب بأن قضية عائشة ليست من باب الشهادات، وإنما هي من باب التحقيق الشرعي لإظهار براءة المتهم أو إدانته (٢) والله أعلم. ثامنًا: قال ابن بطال: من سَب عائشة ﵂ بما برأها الله تعالى منه يقتل لتكذيبه بالله ورسوله - ﷺ -. مطابقة الحديث للترجمه: في كونه - ﷺ - سأل زينب وبريرة عن عائشة فعدلتاها، وزكتاها، فدل ذلك على مشروعية تعديل النساء بعضهن لبعض كما ترجم له - البخاري.\n٧٢٤ - \" باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه \"\nأي تكفي في تزكية الشاهد المزكي الواحد والمسألة فيها خلاف قوله ﵁: \" أثنى رجل على رجل عند النبي - ﷺ - فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك \" إلخ.\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني على البخاري \" ج ٤.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٣ هـ.","vol":"4","page":47},{"text":"معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - جمع رجلًا يثني على رجل آخر ويطريه، ويبالغ في مدحه ويصفه بما ليس فيه، فحذره من ذلك \" فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك \" أي أهلكته وأضررت به، حيث وصفته بما ليس فيه، فربما جره ذلك إلى العجب والغرور والشعور بالكمال، فلا يزداد من الفضائل، فيصبح كالمقطوع الرأس المتوقف عن الحركة، أو كالمشلول العاجز عن العمل.\n\" ثم قال - ﷺ -: من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة \" أي إذا كان لا بد من مدحه لأن المقام يقتضي الثناء عليه اقتضًاء شرعيًا كتزكية الشاهد مثلًا \" فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه \"، أي إن كان لا بد من الثناء عليه لمصلحة مشروعة فليقتصر على وصفه بما يعلم فيه من خصال الخير الموجودة، ويقول أثناء وصفه له: أحسبه رجلًا عدلًا، أو صالحًا، أو كريمًا مثلًا، أو شجاعًا، أو ماهرًا في صنعته إن كان يعلم أن هذه الصفة موجودة فيه، لا أن يثني عليه جزافًا، ثم يقول: \" والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا \" أي ولا أقطع لأحد بشيء في المستقبل ولا أقطع له بشيء في ضميره، لأنه لا يعلم الغيب إلاّ الله، وإنما أظن أنه على هذه الصفة: والله أعلم به. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وأحمد وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية تزكية المسلم بما يعلم فيه عند الشهادة أو غيرها لقوله - ﷺ -: \" فليقل أحسبه كذا أو كذا إن كان يعلم ذلك منه \" أي يصفه بما يعلم عنه دون إسراف في الثناء أو مبالغة فيه. ثانيًا: استدل أبو حنيفة بهذا الحديث على جواز الاكتفاء في التزكية برجل واحدٍ وهو مذهب البخاري كما تدل عليه الترجمة، وبه قال أبو يوسف، وقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: لا بد في التزكية من اثنين. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة حسب مفهوم البخاري.","vol":"4","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-795>٧٢٥ - \" بَاب إِذَا تسَارَعَ قَوْمٌ في اليَمِينَ </span>\"\n٨٢٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\n\" أن النبي - ﷺ - عَرَضَ على قَوْم الْيَمِينَ فأسْرَعُوا، فَأمرَ أن يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في اليَمِينِ أيُّهُمْ يَحْلِفُ \".\nــ\n٧٢٥ - \" باب إذا تسارع قوم في اليمين \"\n٨٢٥ - قوله \" إن النبي - ﷺ - عرض على قوم اليمين \" الخ.\nمعنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كما أفاده الحافظ تخاصم إليه اثنان تنازعا عينًا ليست في يد واحدٍ منهما، ولا بينة لواحد منهما، وكانت تلك العين في يد شخص ثالث غيرهما، فعرض عليهما النبي - ﷺ - اليمين، فتسارعا إليه، وبادر كل منهما لأدائه، قال: \" فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف \" أي فأجرى - ﷺ - بينهما قرعة، فأيهم خرج سهمه وجه إليه اليمين.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه إذا تداعى رجلان متاعًا في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة، أو لكل منهما بينة، وقال الثالث: لا أعلم إن كان هذا المتاع لهذا أو ذاك، فالحكم أن يقرع بين المتداعيين، فأيهما خرجت له القرعة يحلف ويعطى له، وهو قول علي ﵁، وقال الشافعي: يترك في يد الثالث، وقال أبو حنيفة: يجعل بين المتداعيين، وقال أحمد والشافعي في قول: يقرع بينهما في اليمين كقول على. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله \" فأمر أن يسهم بينهم \".\n***","vol":"4","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-796>٧٢٦ - \" بَاب كَيْفَ يسْتَحْلَفُ </span>\"\n٨٢٦ - عن ابْنِ عمَرَ رَضِيَ الله \"عَنْهمَا:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ كَانَ حَالِفًَا فَلْيَحْلِفْ باللهِ أوْ لِيَصْمتْ \"\nــ\n٧٢٦ - \" باب كيف يستحلف \"\nأي إذا وجهت اليمين إلى أحد الخصمين فبأي شيء يحلف.\n٨٢٦ - قوله - ﷺ -: \" من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت \" إلخ.\nمعنى الحديث: هذا الحديث رُوِيَ في هذه الرواية مختصرًا من حديث آخر عن ابن عمر ﵄ أنه أدرك عمر بن الخطاب ﵁ في ركب، أي في جماعة راكبين على الإبل أكثر من عشرة \" وعمر يحلف بأبيه \" فناداهم رسول الله - ﷺ -: \" ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت \" بضم الميم، ومعناه من احتاج إلى القَسَم لتأكيد خبر من الأخبار، أو للوصول إلى حقه، أو للدفاع عن نفسه أمام الحاكم الشرعي، فليقسم بالله تعالى، أو بأحد أسمائه وصفاته \"، كما كان - ﷺ - يقول: \" لا، ومقلب القلوب \" وإلا فليسكت ولا يقسم بشيء من مخلوقات الله أبدًا، لأن النبي - ﷺ - نهى عن ذلك صريحًا، الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز الحلف بغير الله تعالى، وهو ما أجمع عليه أهل العلم، كما أفاده ابن عبد البرّ، وقال الصنعاني: لا يخفى أن الأحاديث واضحة في التحريم لما سمعت، ولما أخرجه أبو داود، والحاكم واللفظ له من حديث ابن عمر أنه قال - ﷺ -: \"من حلف بغير الله كفر \" ثانيًا: أن اليمين التي يستحلف بها هي اليمين بالله تعالى، وهي التي توجّه إلى المدعى عليه. والمطابقة: في قوله: \" فليحلف بالله \".","vol":"4","page":50},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-798> كتابُ الصُّلْحِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>٧٢٧ - \" بَاب لَيْسَ الْكَاذِبُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ الناس </span>\"\n٨٢٧ - عَنْ أمِّ كُلْثُوم بنْتِ عُقْبَةَ ﵂ قَالَتْ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" لَيْس الكَذابُ الذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاس فَيَنْمِي خَيرًا، أوْ يَقُولَ خَيْرًا \".\nــ\n\n\" كتاب الصلح \"\nوالصلح لغة: حسم الخصام بين المتخاصمين، بإنهاء الخلاف بينهم بالوسائل السلمية. وشرعًا: عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين، ويسمى كل منهما مصالحًا، والحق المتنازع عليه مصالحًا عنه، وما يؤديه أحدهما لخصمه بدل الصلح. وهو نوعان: (أ) عام: ويشمل كل اتفاقية بين طرفين متنازعين تؤدي إلى إنهاء النزاع بينهما، سواء كانا زوجين أو متداعيين، فردًا أو جماعة (ب) خاص: وهو الصلح بين المتداعيين أمام الحاكم الشرعي.\nوخلاصة القول ما ذكره ابن رشد حيث قال: \" واتفق المسلمون على جواز الصلح على الإِقرار، واختلفوا في جوازه على الإنكار، فقال مالك وأبو حنيفة: يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز، لأنه منَ أكل أموال الناس بالباطل.\n٧٢٧ - \" باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس \"\n٨٢٧ - راوية الحديث: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط الأموية، أخت عثمان بن عفان لأمه ﵄، أسلمت قديمًا، وهاجرت إلى المدينة عام الحديبية، فجاء أخواها يطلبانها من النبي - ﷺ - فأبى أن يردها إليهما، روت حديثين، أحدهما هذا الحديث.\nمعنى الحديث: أن الذي يكذب ويخبر بخلاف الواقع ليصلح بين شخصين","vol":"4","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-799>٧٢٨ - \" بَابُ قَوْلِ الإمَامِ لأصْحَابِهِ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِح </span>\"\n٨٢٨ - عن سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄:\nأنَّ أهلَ قُبَاءَ اقْتَتَلُوا حتَّى تَرَامَوْا بالحِجَارَةِ، فأخْبِرَ النبي - ﷺ - بِذلِكَ\nــ\nمتنازعين ليس هو الكذاب المذموم شرعًا ما دام يريد أن يصلح بين رجلين من المسلمين، ويزيل ما في قلبيهما من العداوة والبغضاء والكراهية \" فينمي (١) خيرًا \" أي فينقل كلام الخير، ويروي لأحدهما أن صاحبه أثنى عليه ومدحه، وذكره بالأوصاف الجميلة، وهو كاذب في قوله ليقارب بين قلبين متباعدين، ويزيل ما فيهما من نفور ووحشة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في الاصلاح بين الناس، وإزالة الخصومات فيما بينهم، سواء كانت في القضايا المالية، أو في الأحوال الشخصية، أو بين أعضاء الأسرة فإنه مندوب إليه شرعًا.\nثانيًا: جواز الكذب للإصلاح بين المتخاصمين بأن ينقل بينهم من كلام الخير ما لم يقولوه ليلين قلوبهم، كما في هذا الحديث، وفي رواية أخرى عن أم كلثوم ﵂ أنها قالت: \" لم أسمعه - ﷺ - يرخص في شيء مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث، وهي الحرب، وحديث الرجل لامرأته، والإصلاح بين الناس \" أخرجه مسلم والنسائي، وقال آخرون: لا يجوز الكذب مطلقًا، وحملوا الكذب هنا على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك أمس، وهو يريد اللهم اغفر للمسلمين. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله \" ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس \".\n٧٢٨ - \" باب قول الإِمام: اذهبوا بنا نصلح \"\n٨٢٨ - معنى الحديث: يحدثنَا سهل بن سعد ﵄ \"أن\n_________\n(١) بفتح الياء وسكون النون كما أفاده القسطلاني.","vol":"4","page":52},{"text":"فَقَالَ: \" اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ (١) بَيْنَهُمْ \".\nــ\nأهل دماء اقتتلوا\" أي وقعت بينهم خصومة شديدة أدّت إلى الاشتباك بالأيدي والضرب بالحجارة، حتى ترامت أخبارهم إلى النبي - ﷺ - بالمدينة \" فقال: اذهوا بنا نصلح بينهم \" أي فخرج إليهم النبي - ﷺ - في جماعة من أصحابه، وروي في سبب ذلك أن امرأة من الأنصار يقال لها \" أم زيد \" كان بينها وبين زوجها شيء فحبسنها في عُلِّيَّةِ بيته، فبلغ ذلك قومها، فجاءوا وجاء قومه، واقتتلوا بالأيدي والنِّعال، فأنزل الله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث. على مشروعية خروج الإمام عند حدوث النزاع والخصام، وتفاقم الأمر، للإصلاح بين الطرفين المتنازعين، وهو مصداق قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) قال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مدارأة -أي خصومة- في حق بينهما، فقال أحدهما: لآخذن حقي عنوة لكثرة عشيرته، ودعاه الآخر أن يحاكمه إلى رسول الله - ﷺ -، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما حتى تواقعا وتناول بعضهم بعضًا بالأيدي والنِّعال والسيوف (٢)، فنزلت هذه الآية. قال أهل العلم: لا يخلو الأمر إما أن يقع البغي منهما جميعًا فالواجب حينئذ السعي بينهما بما يصلح ذات البين، ويؤدي إلى المكافّة والموادعة، فإن لم يصطلحا قوتلا، وإما أن يقع البغي من إحداهما، فالواجب أن تقاتل فئة البغي حتى تكف وتتوب، فإن التحم القتال بينهما\n_________\n(١) يجوز فيه الجزم لأنه جواب الأمر، ويجوز الرفع على تقدير نحن نصلح كما أفاده العيني.\n(٢) \" تفسير القرطبي \" ج ١٦.","vol":"4","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-800>٧٢٩ - \" بَابٌ كَيْف يَكْتُبُ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ فُلانُ بنُ فُلان، وفلانُ بْنُ فلان، وإنْ لَمْ يَنْسُبهُ إلى قبيلَتِهِ أو نسَبِهِ </span>\"\n٨٢٩ - عنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:\n\"اعْتَمَرَ النبي - ﷺ - في ذِي الْقَعْدَة، فأبَى أهْلُ مَكَّةَ أنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حتَّى قَاضَاهُمْ علَى أنْ يقيمَ بِهَا ثَلَاَثةَ أيَّامٍ، فَلَمَّا كتبُوا الْكِتَابَ\nــ\nلشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند نفسها محقة، فالواجب إزالة الشبهة فإن أصرتا على القتال، ولم ترجعا إلى الحق، فهما باغيتان يجب قتالهما (١). اهـ. كما أفاده القرطبي في \" تفسيره \". والمطابقة: في قوله \" اذهبوا بنا نصلح بينهم \".\n٧٢٩ - \" باب كيف يكتب هذا ما صالح عليه فلانُ بن فلان فلانَ بن فلان \"\n٨٢٩ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: \" اعتمر النبي - ﷺ - في ذي القعدة \" أي خرج - ﷺ - في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة إلى مكة معتمرًا، \" فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة \" أي فلما وصل - ﷺ - الحديبية صده كفار قريش. ومنعوه من دخول مكة، وحالوا بينة وبين العمرة في تلك السنة، فعقد معهم النبي - ﷺ - صلحًا وهدنة لمدة عشر سنوات على شروط معينة، منها أن يعود إلى المدينة ذلك العام دون عمرة على أن يعتمر من العام القابل، وأن يدخلوا مكة وسلاح كل واحد منهم في قرابه، أي في جعبته، وأن لا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام وهو معنى قوله: \" حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام \" أي: حتى صالحهم النبي - ﷺ - على أن يعتمر من العام القابل، ولا يقيم بمكة أكثر من ثلاثة أيام، وأن لا\n_________\n(١) \" تفسير القرطبي \" ج ١٦.","vol":"4","page":54},{"text":"كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: لا نُقِرُّ بِهَا، فلوْ نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا مَنَعْنَاكَ، لَكِنْ أنتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُ اللهِ، فَقَالَ: أُنا رَسُولُ اللهِ، وأُنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبدِ اللهِ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ، امْحُ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: لا واللهِ لا أمْحُوكَ أبَدًا، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، لا يَدْخُلُ مَكَّةَ سِلَاحٌ إلا في القِرَابِ، وأنْ لا يَخْرُجَ مِنْ أهلِهَا بأحَدٍ إِنْ أرادَ أن يَتَّبِعَهُ، وأن لا يَمْنَعَ أحَدًا مِنْ أصْحَابِهِ أرادَ أنْ يُقِيمَ بِهَا، فلمَّا دَخَلَهَا ومضى الأجَلُ، أتَوْا\nــ\nيأتيه أحد منهم أثناء الهدنة إلا رده إليهم، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه يريد الإِقامة بمكة أن يقيم بها، \" قال البراء: فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه \" أي هذا هو العهد الذي صالح عليه وعقده \" محمد رسول الله، فقالوا: لا نقر بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك \" أي لو كنا نعلم ونؤمن برسالتك ما منعناك عن البيت، \" ولكن أنت محمد بن عبد الله \" أي: ولكن الذي نعرفه عنك أنك محمد بن عبد الله - الذي هو اسمك واسم أبيك المعروف عندنا، \" فقال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله \"، فلا مانع من استبدال هذا بذاك، \" ثم قال لعلي: امح رسول الله، فقال: لا والله لا أمحوك \" أي لا أمحو عنك صفة الرسالة، فأنت رسول الله حقًا وصدقًا \" فأخذ رسول الله - ﷺ - الكتاب فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله \" أي ما صالح عليه \" لا يدخل مكة سلاح إلّا في القراب \"، أي إلا في جعبته، \" وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه \"، وفي رواية وعلى أن لا يأتيك منا رجل هو على دينك إلا رددته إلينا، \" وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها \" أي بمكة، \"فلما","vol":"4","page":55},{"text":"عَلِيًَّا، فقالُوا: قُلْ لصاحِبِكَ: اخْرُجْ عنَّا فَقَدْ مَضَى الأجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَتَبِعَتْهُمْ ابنَةُ حَمْزَةَ: يا عَمِّ يا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عليُّ ﵁، فأخَذَ بِيَدِهَا، وقَالَ لِفَاطِمَةَ: دونَكِ ابنةَ عَمِّكِ احمِلِيهَا، فاخْتَصَمَ فيها عَلِيٌّ وزيْدٌ وجَعْفَرُ، فقالَ عَلِى: أنَا أحَقُّ بِهَا وهي ابنةُ عَمِّي، وقال جَعْفَرُ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالتهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: ابْنَةُ أخِي، فقَضَى بِهَا النبي - ﷺ - لخَالَتِهَا، وَقَالَ: \" الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأمِّ \" وَقَالَ لِعَلِي: أنتَ مِنِّي وَأنَا مِنْكَ، وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: أشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَقَالَ لِزَيْدٍْ: أنْتَ أخونَا وَمَوْلَانا\".\nــ\nدخلها ومضى الأجل أتوا عليًا، فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا، فقد مضى الأجل \"، أي فلما دخلها - ﷺ - في عمرة القضاء، وانتهت ثلاثة أيام جاءوا إلى علي بن أبي طالب وطلبوا منه أن يبلغ صاحبه بالرحيل، \" فتبعتهم ابنة حمزة \" بن عبد المطلب واسمها أمامة تريد أن ترحل معهم، \" فتناولها علي بن أبي طالب، فأخذها بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك \" أي خذيها، \" فاختصم فيها علي وزيد وجعفر \" وأراد كل واحد منهم أن يأخذها، فأمّا زيد فلأن النبي - ﷺ - قد آخى بينه وبين حمزة، وأما علي فلأنها ابنة عمه، وأما جعفر فهي بنت عمه وزوجته خالتها. قال البراء: \" فقضى النبي - ﷺ - لخالتها، وقال: \" الخالة بمنزلة الأم \" أي فحكم النبي - ﷺ - بحضانتها لخالتها أسماء بنت عميس زوجة جعفر ﵄، لأن الخالة بمنزلة الأم في المحبة \" وقال لعلي أنت مني \" في النسب والمحبة والأسبقية إلى الإِسلام إلى غير ذلك من الفضائل \" وقال لجعفر: أشبهت خلقي \" بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الصورة الظاهرة \" وخلقي \" بضم الخاء واللام، وهو الصورة الباطنة من الأخلاق والفضائل \" وقال لزيد أنت أخونا ومولانا \" أي أخونا","vol":"4","page":56},{"text":"في الإِسلام وعتيقنا، والولاء لحمة كلحمة النسب.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الصلح مع الكفار، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات السياسية والعسكرية. معهم لصالح المسلمين، كما فعل النبي - ﷺ - في صلح الحديبية حيث صالحهم هذا الصلح الذي كان فتحًا عظيمًا للمسلمين على الرغم مما وقع فيه من تنازلات عظيمة ثم إن هذا الصلح كان بأمر إلهي لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، فلا يحق لأحد أن يقول كيف فعل كذا. ثانيًا: أن عقد الصلح يكون بصيغة المصالحة الصريحة كقوله: هذا ما صالح فلان بن فلان فلان بن فلان، وهو ما ترجم له البخاري، أو بما يدل على المصالحة كما في نص الحديث. ثالثًا: جواز المصالحة مع المحاربين لمدة محدودة، وهو ما يسمى في التعبير الحديث بالهدنة المؤقتة، قال العيني: واختلفوا في المدة، فقيل لا تتجاوز عشر سنين، وبه قال الشافعي والجمهور.\nرابعًا: قال القسطلاني: واستنبط منه أن الخالة مقدمة في الحضانة على العمة، لأنّ النبي - ﷺ - قضى بها لخالتها مع وجود عمتها صفية بنت عبد المطلب.\nهذا وقد اختلف العلماء في الخالة والأخت أيهما أولى بالحضانة، فقال أبو حنيفة: الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب ومن الخالة، والخالة أولى من الأخت من الأب، وقال الشافعي وأحمد: الأخت من الأب أولى من الأخت من الأم ومن الخالة، وقال مالك: الخالة أولى من الأخت مطلقًا.\nوالأخت من الأم أولى من الأخت من الأب (١). والمطابقة: في قوله \" ما قاضي عليه محمد بن عبد الله \" الحديث: أخرجه الشيخان.\n...\n_________\n(١) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" لابن هبيرة الحنبلي ج ٢.","vol":"4","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>٧٣٠ - \" بَابٌ هلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بالصُّلْحَ </span>\"\n٨٣٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" سَمِعَ النبي - ﷺ - صوْتَ خُصُوم بِالبَابِ، عَالِيةً أصْوَاتُهُمَا، وَإذَا أحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ في شَيءٍ وهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أفْعَلُ، فخرجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: أينَ المُتَألِّي علَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟ فَقَالَ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ وَلَهُ أيَّ ذَلِكَ أحًّب \".\nــ\n٧٣٠ - \" باب هل يسير الإِمام بالصلح \"\n٨٣٠ - قولها: \" سمع النبي - ﷺ - صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم \" إلخ. معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - سمع صوت خصمين يتنازعان في قضية مالية، وقد ارتفعت أصواتهما حتى وصلت إلى مسامع النبي - ﷺ - في بيته، فأصغى النبي - ﷺ - إلى هذه الأصوات، وإذا به يسمع أحد الرجلين \" يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء \". أي يطلب منه أن يضع عنه شيئًا من دينه أو يتنَازل \" وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله - ﷺ - فقال أين المتألي على الله أن لا يفعل المعروف؟ \" أي أين الحالف بالله على عدم فعل المعروف \" فقال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب \" أي أنا الذي حلفت، ولكن حيث شفعت فيه فإني أجيبه إلى ما يطلب.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب تدخل الإِمام للإصلاح بين الخصمين، والشفاعة لدى صاحب الحق بالتنازل عن بعض حقه.\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.","vol":"4","page":58},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-802> كتاب الشروط </span>\"\nالشروط جمع شرط، والشرط شرعًا -كما قال العيني- هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، ولم يكن داخلًا فيه، وقيل: ما يلزم من انتفائه انتفاء المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. وقد قسم الأصوليون الشرط شرعًا إلى ثلاثة أقسام الأول: شرط مكمل لحكمة المشرع، ملائم لها كاشتراط الرهن، والحميل، والنقد في الثمن، وهذا لا خلاف في صحته.\nالثاني: شرط غير ملائم لمقصود الشارع، بل هو على الضد من ذلك، كشرط إسقاط النفقة على الزوجة أو عدم الانتفاع بالبيع، وهذا لا خلاف في بطلانه لقوله - ﷺ - لعائشة: \" ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله - ﷺ - فقال: ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله ﷿ فليس له وإن اشترط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق \" فقد أبطل النبي - ﷺ - هذا الحديث كل شرط مخالف لأحكام الشريعة، مناقض لمقصود الشارع، فمقصود الشارع مثلًا من البيع الانتفاع بالمبيع، فإذا اشترط البائع عدم الانتفاع فقد ناقض (١) مقصود الشارع، وشرطه فاسد غير نافذ لمناقضته للحكمة التشريعية المقصودة من البيع. ومن أغراض الشارع في النكاح الإِنفاق على الزوجة وكفايتها مؤونة معيشتها، فإذا اشترط الزوج عدم الإِنفاق فقد ناقض غرض الشارع من النكاح، وشرطه باطل، وقس على هذه المسائل غيرها من الشروط. الثالث: الشرط الذي لا يظهر فيه منافاة لمقصود الشارع، ولا ملاءمة له، وهذا ما دام في باب المعاملات فإنه يكتفى فيه بعدم المنافاة، والأصل فيه الجواز حتى يدل الدليل على خلافه.\n_________\n(١) \" أصول الفقه \" للخضري.","vol":"4","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-803>٧٣١ - \" بَابُ الشُّرُوطِ في الْمَهْرِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ </span>\"\n٨٣١ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" أحَقُّ الشروطِ أنْ تُوُفُوا بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوج \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>٧٣٢ - \" بَابٌ إِذَا اشْتَرَطَ في الْمُزَارَعَةِ إذَا شِئْتُ أخرَجْتُكَ </span>\"\nــ\n٧٣١ - \" باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح \"\n٨٣١ - معنى الحديث: يقول رسول الله - ﷺ - \" أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج \" أي أولى الشروط بالوفاء شروط النكاح، سواء تعلقت بالمهر، أو بالنفقة وحسن العشرة، أو غير ذلك، ما لم تكن محظورة، أو منافية لعقد النكاح. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الشروط التي تشترط في النكاح هي شروط صحيحة واجبة التنفيذ، فما هي هذه الشروط المقصودة والتي تصح شرعًا؟ الشروط ثلاثة أقسام: الأول ما يقتضيه العقد من مقاصد النكاح، كاشتراط المهر، وحسن العشرة، والنفقة، والكسوة، والسكنى، والقَسم، ونحو ذلك، وهذا صحيح يجب الوفاء به اتفاقًا. الثاني: ما يخالف مقتضى العقد، كاشتراط عدم النفقة، أو اشتراطها أن لا يطأها، وهذا الشرط باطل، ويصح العقد عند أكثر أهل العلم، ويبطل عند الشافعي في قول. الثالث: ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه كاشتراطها أن لا يتزوج عليها، فالشرط باطل، والعقد صحيح عند الجمهور، وقال الأوزاعي وأحمد: الشرط صحيح ويجب الوفاء به عملًا بحديث الباب والله أعلم. والمطابقة: كما قال العيني تؤخذ من معنى الحديث.\n٧٣٢ - \" باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك \"","vol":"4","page":60},{"text":"٨٣٢ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\"لَمَّا فَدَعَ أهْلُ خَيْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ علَى أمْوَالِهِمْ، وقَالَ: نُقِرُّكُمْ ما أقَرَّكُمْ اللهُ، وإنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إلى مَالِهِ هُنَاكَ، فعُدِيَ عَلَيْه مِنَ اللَّيْلِ فَفُدِعَتْ (١) يَدَاهُ ورِجْلَاهُ، ولَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُو غَيرَهُمْ، هُمْ عَدُوُّنَا وتُهْمَتُنَا، وقدْ رَأيْتُ إجْلَاءَهُمْ، فَلَمَّا أجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أتَاهُ أحَدُ بني أبِي الحُقَيقِ فَقَالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أتُخْرِجُنَا وَقَدْ أقَرَّنَا مُحَمَّدٌ - ﷺ -، وعَامَلَنَا على الأمْوَالِ، وشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا؟ فَقَالَ عُمَرُ: أظَنَنْتَ أنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: كَيْفَ بِكَ إذَا أخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، فقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ هُزَيْلَةً مِنْ أبِي القَاسِمِ،\nــ\n٨٣٢ - معنى الحديث: أن يهود خيبر غدروا بابن عمر فدفعوه وأسقطوه من مكان عال، فاعوجت يداه ورجلاه، وانقلبت كفاه وقدماه، فخطب عمر ﵁ وأخبر الناس بما وقع لولده من أشخاص مجهولين في خيبر، وأنه ليس له أعداء سوى اليهود فإن التهمة تتوجه إليهم، \" وقد رأيت إجلاءهم \" يعني إخراجهم من خيبر، \" فلما أجمع عمر على ذلك، أتاه أحد بني أبي الحقيق \" وهو رئيسهم، \" فقال: تخرجنا وقد أقرنا محمد \"، أي اتفق معنا على البقاء في خيبر، وعاهدنا عليه، \" وعاملنا على الأموال \" أي وتعاقد معنا على العمل في مزارع خيبر على طريقة المزارعة والمساقاة، \" فقال عمر: أظننت أني نسيت قول رسول الله - ﷺ -: كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك \" أي لا تظن أني نسيت إخبار رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) قال في \" القاموس \" الفدَع \" محركة اعوجاج الرسغ من اليد والرجل حتى ينقلب الكف أو القدم.","vol":"4","page":61},{"text":"فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ، فأجْلَاهُمْ عُمَرُ، وأعطَاهُمْ قيمَة مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وإبلًا وعُرُوضًا مِنْ أقتَابٍ وحِبَالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.\nــ\nإخراجكم من خيبر حيث قال لك: كيف يكون حالك إذا أخرجت أنت وقومك من خيبر \" تعدو بك قلوصك \" بفتح القاف أي تسرع بك نياقك، \" فقال: كانت هذه هزيلة \" (بضم الهاء) أي إنما قال ذلك مازحًا لا جادًا، \" فقال: كذبت يا عدوَّ الله. فأجلاهم عمر، وأعطاهم ما كان لهم من الثمر مالًا \" الخ أي وأعطاهم قيمة الثمار التي لهم دراهم وإبلًا وأمتعة، \" من أقتاب وحبال وغير ذلك \" والأقتاب هي جمع قتب وهو ما يوضع فوق ظهر الجمل لوقايته عند الحمل عليه. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه إذا اشترط مالك الأرض في عقد المزارعة أو المساقاة أن يخرج العامل عليها متى شاء كان له ذلك، كما ترجم له البخاري، لأن رسول الله - ﷺ - قد اشترط ذلك بقوله كما في حديث الباب \" نقركم على ما أقركم الله \" وفي رواية أخرى للبخاري أنه قال لهم: \" نقركم على ذلك ما شئنا \" وثانيًا: بهذا الحديث أخذ أهل الظاهر، فقالوا بجواز المساقاة على مدة مجهولة خلافًا للجمهور. قال ابن رشد: وأما الوقت الذي هو الشرط في مدة المساقاة فإن الجمهور على أنه لا يجوز أن يكون مجهولًا، وأجاز طائفة أن يكون إلى مدة غير مؤقتة، منهم أهل الظاهر، وعمدةُ الجمهور ما يدخل في ذلك من الغرر قياسًا على الإِجارة، والمطابقة: في قوله \" نقركم على ما أقركم الله \".\n***","vol":"4","page":62},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-805> كتاب الوصايا </span>\"\nالوصايا جمع وصية. والوصية لغة: إيصال شيء لِإنسانٍ ما غائبًا أو حاضرًا، مالًا أو غيره، فيدخل في ذلك. إيصال السلام والنصيحة والعقاب، والأمر والنهي، والمال والطعام، مأخوذة من وصيته وأوصيته إذا أوصلته إليه.\nوالوصية شرعًا لها معنيان: (أ) معنى عام (ب) ومعنى خاص.\n(أ) فأما الوصية بالمعنى العام: فهي كل ما تقدمه لغيرك لكي ينتفع به، سواء كان علمًا أو أدبًا أو أخلاقًا أو مالًا، قال القاري: وقد (١) تستعمل الوصية بمعنى النصيحة، ومنه قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) وقال الحافظ في \" الفتح \": \" وتطلق على ما يقع به الزجر عن المنهيات، والحث على المأمورات (٢). (ب) وأما الوصية بالمعنى الخاص فإنها تأتي لمعنيين: الأول أن يعين الميت قبل موته وصيًا على أولاده القاصرين، يشرف عليهم، ويحفظ لهم أموالهم بعد وفاته. الثاني: أن يهب لإنسان ما عينًا أو دينًا أو منفعة يملكها بعد وفاته، وهي ثابتة بالكتاب والسنة، أمَا الكتاب فقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) حيث جعل الوصية مقدمة على قسمة المواريث. وأما السنة: فإن أول حديث يأتينا يحثُّ على الوصية. ويدخل في النوع الثاني من الوصية ما يهبه الإِنسان بعد وفاته من المال لجهة من الجهات الخيرية كبناء مسجد، أو إنشاء مستشفى، أو غير ذلك من أعمال البر. ومن الملاحظ أن البخاري قد أدخل في كتابه هذا \" كتاب الوصايا \" جميع أنواع الوصايا، سواء كانت بالمعنى العام أو الخاص حيث نجد فيه كثيرًا من المواعظ والزواجر والنصائح البليغة.\n_________\n(١) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري.\n(٢) \" فتح الباري \" ج ٥.","vol":"4","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-806>٧٣٣ - \" بَابُ الوَصَايَا وقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَصِيَّةُ الرَّجُلِ مَكتوبَة عِنْدَه </span>\"\n٨٣٣ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَا حَقُّ امْرِىء مُسْلِم لَهُ شَيْء يُوصِي فِيهِ يَبِيْتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوصِيتُهُ مكْتوبَة عِنْدَهُ \".\nــ\n٧٣٣ - \" باب الوصايا وقول النبي - ﷺ - وصية الرجل مكتوبة عنده \"\n٨٣٣ - قوله - ﷺ -: \" ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه إلخ \"\nمعنى الحديث: قال الشافعي: معناه: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلّا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، لأنه لا يدري متى تأتيه منيته، فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك. وقوله \" يبيت ليلتين \" هذا القيد تأكيد لا تحديد، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان، وإن كان قليلًا إلا أن يبيّت وصيته مكتوبة عنده، ولا يكتفي بمجرد الحديث عنها، بل لا بد من كتابتها لضمانها وتوثيقها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الوصية لمن له ورثة يخشى ضياعهم، أو مال يريد أن يهب منه بعد وفاته لشخص. قال داود وغيره: الوصية واجبة. اهـ. والذي عليه أكثر أهل العلم أنها إذا كانت بمعنى هبة بعض المال بعد الوفاة لجهة معينة فهي مندوبة، أما إذا كانت لبيان حق متعلق بالذمة، كدين، أو وديعة فهي واجبة. ولا بد من كتابة الوصية مطلقًا لضبطها وضمانها وتوثيقها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.","vol":"4","page":64},{"text":"٨٣٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي أوفى ﵄:\n\" أنه سُئِل هلْ كَانَ النبي - ﷺ - أوْصَى؟ فَقَالَ: لا، فَقِيْلَ لَهُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أوْ أمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أوْصَى بِكِتَابِ اللهِ \".\nــ\n٨٣٤ - قوله: \" أنه سئل هل كان النبي - ﷺ - أوصى؟ فقال: لا \" إلخ معنى الحديث: أن بعض الناس سأل ابن أبي أوفى هل أوصى رسول الله - ﷺ - في شيء من ماله بعد وفاته؟ فقال: لا، قال النووي: لعله أراد أنه لم يوص بثلث ماله، لأنه لم يترك بعده مالًا، وأما السلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر بأنها لا تورث، بل جميع ما يخلفه صدقة، وأما الوصايا بغير ذلك، فلم يرد ابن أبي أوفى نفيها: اهـ. وإنما قصد أنه - ﷺ - لم يترك مالًا موروثًا حتى يحتاج إلى الوصية \" فقيل له: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية \" أي كيف شرعَ - ﷺ - للناس الوصية، وأمرهم بها، ولم يفعلها النبي - ﷺ - وهو إمامنا وقدوتنا، \" قال: أوصى بكتاب الله \" أي لم يوص بأي وصية مالية، لأنه لا يملك مالًا، ولكنه أوصى لأمته بكنز أعظم من كنوز الدنيا جميعًا وهو القرآن الكريم والسنة النبوية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الوصية المالية إنما تندب لمن ترك (١) مالًا يحتاج إليه، ولذلك لم يوص النبي - ﷺ - أي وصية بهذا المعنى، لأنّه لم يترك بعده مالًا موروثًا، وإنما تنحصر وصيته في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وما أعظمها من وصية تتحقق بها سعادة الدنيا والآخرة. أخرج هذا الحديث: الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله \" كيف كتب على الناس الوصية \".\n_________\n(١) وذهب ابن حزم إلى أنها واجبة على من ترك مالًا قليلًا كان أو كثيرًا.","vol":"4","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-807>٧٣٤ - \" بَابُ الْوَصيَّةِ بِالثلُثِ </span>\"\n٨٣٥ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nلَوْ غَضَّ النَّاسُ إلى الرُّبُع، لأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِير أوْ كَبِيرٌ \".\nــ\n٧٣٤ - \" باب الوصِية بالثلث \"\n٨٣٥ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" لو ينقِّص الناس إلى الربع \" يحتمل أن تكون \" لو \" للِتمني، والمعنى: أتمنى أن يُنقِّص الناس في وصاياهم عن الثلث فيكتفوا في الوصية بالربع فقط، ويحتمل أن تكون \" لو \" شرطية، وجوابها محذوف (١) تقديره لو غض الناس إلى الربع في الوصية لكان أولى وأفضل، \" لأن رسول الله - ﷺ - قال \" لسعد بن أبي وقاص لما أراد الوصية: \" الثلث \" أي الوصية تكون بالثلث ولا تزيد عنه، \" والثلث كبير \" أي والوصية بالثلث كثيرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الوصية بالثلث. قال ابن رشد: \" وأما القدر فإن العلماء اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية في أكثر من الثلث لمن ترك ورثة. واختلفوا فيمن لم يترك ورثة، وفي القدر المستحب منها هل هو الثلث، أو دونه؟ وإنما صار الجميع إلى أن الوصية لا تجوز في أكثر من الثلث لمن له من وارث لما ثبت عنه - ﷺ -: أنه - ﷺ - عاد سعد بن أبي وقاص، فقال له: يا رسول الله قد بلغ مني الوجع ما ترى، ولا يرثني إلا ابنة لي، فأتصدق بثلثي مالي؟ فقال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٤.","vol":"4","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-808>٧٣٥ - \" بَابٌ لا وَصِيةَ لِوَارِثٍ </span>\"\n٨٣٦ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\" كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ ما أحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأنثيينِ، وجَعَلَ لِلأبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ، وجَعَلَ لِلْمَرْأةِ الثمُنَ والربُعَ، وَلِلْزَوْجِ الشَّطر والربُعَ \".\nــ\n\" لا \" فقال سعد. فالشطر، قال: \" لا \" ثم قال رسول الله - ﷺ -: \" الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس \" وأما اختلافهم في جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له (١) فإن مالكًا لا يجيز ذلك، وكذلك الأوزاعي، واختلف فيه قول أحمد، وأجاز ذلك أبو حنيفة وإسحاق، وهو قول ابن مسعود، وسبب الخلاف هل هذا الحكم خاص بالعلة التي علله بها الشارع؟ أم ليس بخاص؟ وهو أن لا يترك ورثته عالة يتكففون الناس كما قال ﵊، فمن جعل هذا الحكم خاصًا بما فيه هذه العلة وجب أن يرتفع الحكم بارتفاعها، ومن جعل الحكم عبادة -أي حكمًا تعبديًا- وإن كان قد علل بعلة أو جعل جميع المسلمين بمنزلة الورثة، قال: لا تجوز الوصية إطلاقًا بأكثر من الثلث. ثانيًا: أن الوصية بأقل من الثلث أفضل، وقد قال بهذا كثير من السلف كما أفاده ابن رشد.\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ - \" الثلث، والثلث كثير \".\n٧٣٥ - \" باب لا وصية لوارث \"\n٨٣٦ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" كان المال للولد \". أي كان مال الميت كله لولده لا يشاركه فيه زوجة ولا غيرها،\n_________\n(١) \" بداية المجتهد \" لابن رشد ج ٢.","vol":"4","page":67},{"text":"ولا أب ولا أمّ لا وكانت الوصية للوالدين \" أي وكانت الوصية في أوّل الإِسلام مشروعة للأبوين دون الأولاد، \" فنسخ الله من ذلك ما أحب \" أي فلما نزلت آية المواريث، نسخ الله ما شاء من الأحكام السابقة، فنسخت الوصية للورثة من الوالدين وغيرهم بقوله - ﷺ -: \" لا وصية لوارث \" ونُسِخَ أيضًا تخصيص الولد بالميراث دون البنت، وأشركها مع الولد بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) فجعل لها سهمًا، وللولد سهمين، \" وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس \" أي وفرض لكل واحد من الأبوين السدس عند وجود الولد من الصلب، أو ولد الولد، واحدًا، أو متعددًا، فإن كان للميت بنت أو بنت ابن فإن للأم السدس أيضًا لا يزيد ميراثها عنه لوجود الفرع الوارث، وأما الأب فإنه في هذه الحالة يكون له السدس فرضًا وما تبقى عن أصحاب الفرائض تعصيبًا، وقد لا يبقى له شيء، فلا يرث إلاّ سدس الفرض، \" وجعل للمرأة الثمن \" كما أي وفرض للزوجة عند وجود الفرع الوارث ذكرًا أو أنثى الثمن كما قال تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) \" والربع \" أي وفرض للزوجة الربع عند عدم الفرع الوارث ذكرًا كان أو أنثى فقال سبحانه: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) \" وللزوج الشطر \"، أي وفرض للزوج النصف عند عدم الفرع الوارث ذكرًا أو أنثى، فقال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ)، \" والربع \" عند وجوده فقال: (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الميراث كله كان خاصًا بالولد لا يشاركه فيه غيره، ولا يرث معه سواه، فنسخ الله ذلك، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فأشرك معه البنت في الميراث، فجعل لها سهمًا وجعل له سهمين. وأشرك معه الزوجة والزوج أيضًا. ثانيًا: أن الأم ترث السدس عند وجود الفرع الوارث ذكرًا كان أو أنثى، سواء كان ولدًا","vol":"4","page":68},{"text":"أو بنتًا وولد ولد أو بنت ولد، لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ)، وسواء كان واحدًا أو أكثر. مثال ذلك: إذا كان للميت بنت، وبنت ابن، وأخت شقيقة، وأم، فللأم السدس لوجود الفرع الوارث وهو البنت، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس (١)، وللأخت الشقيقة الباقي. ويختلف ميراث الأم بحسب اختلاف الأحوال، فترث السدس في حالتين: الأولى عند وجود الفرع الوارث كما تقدم. الثانية عند وجود الأخوة اثنان فصاعدًا، ذكورًا أو إناثًا أو مختلفين، وقد أجمع الأئمة الأربعة على أن الأخوين أو الأختين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، خلافًا لابن عباس ﵄، فإنه كان يرى أنه لا يحجبها إلى السدس إلا ثلاثة فأكثر لقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) واتفق أهل العلم ما عدا ابن عباس ﵄ على أن للأم السدس عند وجود الإِخوة أو الأخوات اثنين فصاعدا أشقاء أو لأب وأم، أو مختلفين. مثال ذلك: إذا خلّف الميت أختين وأمًا وعمًا. فإن للأختين الثلثين، وللأم السدس فرضًا، وللعم الباقي تعصيبًا. وترث الأم الثلث عند عدم الفرع الوارث والأب والإِخوة والزوجين، لقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) مثال ذلك: إذا خلّف الميت أبوين فقط، فإن للأم الثلث فرضًا وللأب الباقي تعصيبًا، لأن الله تعالى قد أضاف المال لهما، ثم جعل للأم الثلث فكان الباقي للأب تعصيبًا (٢). وترث الأم ثلث الباقي بعد الفرض إذا كانت مع الأب وأحد الزوجين ولم يكن له إخوة، ولا فرع وارث. مثال ذلك: إذا خلّف الميت أبًا وأمًا وزوجة، فللزوجة الربع فرضًا، وللأم ثلث ما بقى بعد فرض الزوجة\n_________\n(١) تتمة للثلثين، أي للبنت وبنت الابن ثلثان، فلما استحقت البنت النصف بقي لبنت الابن السدس تتمة الفرض.\n(٢) \" شرح عمدة الفقه \" للمقدسي.","vol":"4","page":69},{"text":"فرضًا، وللأب الباقي تعصيبًا. ثالثًا: أن الأب يرث السدس إذا كان للميت ولد ذكر، أو ولد ولد واحدًا كان أو أكثر، لقوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ولقوله في حديث الباب: \" وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس \"، ويختلف ميراث الأب باختلاف الأحوال، فيرث السدس عند وجود الولد. ويكون عصبة فقط عند عدم الفرع الوارث ذكرًا كان أو أنثى. مثال ذلك: إذا خلّف الميت أبًا وزوجة فقط، فللزوجة الربع فرضًا، وللأب الباقي تعصيبًا. ويرث الأب فرضًا وتعصيبًا معًا: إذا اجتمع مع إناث الولد - أي إذا كان للميت بنت أو بنات أو بنت ولد أو بنات ولد. فيكون له السدس فرضًا والباقي تعصيبًا، مثال ذلك: إذا خلّف الميت أبًا وبنتًا فقط، فللبنت النصف فرضًا، وللأب السدس فرضًا والباقي تعصيبًا لقوله - ﷺ -: \" ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر \" متفق عليه، فالأب أولى رجل ذكر بعد الابن وابنه (١).\nرابعًا: أن للزوج الربع عند وجود الفرع الوارث \" وهو أولاد الميت ذكورًا وإناثًا وإن نزلوا (٢) وله النصف عند عدمه، وللزوجة الثمن عند وجود الفرع الوارث، والربع عند عدمه. خامسًا: دل الحديث على أن لا وصية لوارث، قال ابن المنذر: \" تبطل الوصية للوارث عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنّها لا تجوز، ولو أجازها الورثة، وهو قول أهل الظاهر، واتفق مالك (٣) والثوري والكوفيون والشافعي على أن الورثة إذا أجازوا ذلك بعد وفاته لزمهم. والمطابقة: في قوله \" كانت الوصية للوالدين فنسخ الله من ذلك ما أحب \" الحديث: أخرجه البخاري.\n_________\n(١) \" شرح عمدة الفقه \" للمقدسي.\n(٢) \" الرائد في الفرائض \" للدكتور الخطراوي.\n(٣) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٤.","vol":"4","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>٧٣٦ - \" بَابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ المَوْتِ </span>\"\n٨٣٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَجُل للنَّبِيِّ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: \" أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأمُلُ (١) الغِنَى وتَخشَى الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ حتى إذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَان كذَا، ولِفُلَان كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ \".\nــ\n٧٣٦ - \" باب الصدقة عند الموت \"\nأي هذا باب يذكر فيه جواز الصدقة، أي الوصية عند الموت وصحتها ونفاذها إذا كانت على الوجه الشرعي الصحيح.\n٨٣٧ - معنى الحديث: أن أحد الصحابة سأل النبي - ﷺ - عن أفضل أوقات الصدقة، وأعظمها أجرًا، وأكثرها مثوبة، فقال: \" أن تصدّق وأنت صحيح حريص \" أي في وقت صحتك، واستكمال قواك الجسمية، حيث يكون قلبك متعلقًا بالمال، حريصًا عليه، متطلعًا إلى تنميته وزيادته، فإذا سارعت إلى الصدقات، في وجوه الخير، وبادرت إلى قضاء ما عليك من الديون وأنت على هذه الحال، كان أفضل لك من أن تمسك مالك في حال صحتك وقوتك، \" حتى إذا بلغت الحلقوم \" أي حتى إذا دنت المنيّة ووصلت الروح إلى مجرى الطعام وأوشكت على الخروج \" قلت: لفلان كذا ولفلان كذا \" أي تبرعت من مالك بعد وفاتك لفلان وفلان، \" وقد كان لفلان \" أي وبينت الدين الذي عليك لفلان ليسدد من تركتك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي. أولًا: جواز الوصية لأنه\n_________\n(١) بسكون الهمزة وضم الميم، أبي تطمع في الغنى كما أفاد القسطلاني \" وتخشى الفقر \" أي تخاف الفقر، وهو مصداق قوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) الخ.","vol":"4","page":71},{"text":"- ﷺ - كما في حديث الباب: لما سئل أي الصدقة أفضل؟ قال: \" أن تصدَّق وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا. ثانيًا: أن الوفاء بالدين والمبادرة إلى قضائه في حال الحياة أفضل من وصية الورثة بقضائه بعد الموت، لقوله - ﷺ -: \" ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان \" فإن المراد بقوله: \" وقد كان لفلان \" الإِقرار بالدين كما أفاده الحافظ ﵀. ثالثًا: أن الوصية - كما قال في \" تيسير العلام \" (١) مشروعة بالسنة وإجماع المسلمين في جميع الأعصار والأمصار، وهي من محاسن الإِسلام حيث جعل لصاحب المال جزءًا من ماله يعود عليه عند الموت، سواء كانت هذه الوصية تبرعًا أو كانت بيانًا لدين على الميت، أما الأول: فدليله قوله - ﷺ -: \" حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا \" فإن المراد به الوصية، وأما الثاني فدليله قوله - ﷺ -: \" وقد كان لفلان \" فإن المراد به الدين كما أفاده الحافظ ﵀. والحاصل أن الوصية في جميع الأوقات مشروعة جائزة نافذة المفعول على شرط أن يكون الموصي كامل الأهلية بالعقل (٢) والبلوغ والحرية والاختيار غير سفيه ولا مغفل، فإن كان صغيرًا أو مجنونًا، أو عبدًا، أو مكرهًا، أو محجورًا عليه، فلا تصح وصيته ولا تنفذ، وأن يكون الموصى له غير وارث، وإلّا فلا تنفذ الوصية إلاّ برضا الورثة لقوله - ﷺ -: \" لا وصية لوارث \" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، رابعًا: أن الصدقة في الحياة وفي حال الصحة أفضل من الوصية والتبرع بشيء من المال يعود إليه بعد الموت ثوابه وأجره. وهي من لطف الله بعباده ورحمته بهم، ولهذا جاء في بعض الأحاديث القدسية يقول الله تعالى:\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٢) \" فقه السنة \" للسيد سابق ج ٣.","vol":"4","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-810>٧٣٧ - \" بَاب هَلْ يَدخل الْوَلَد والنِّسَاءُ في الأقَارِبِ </span>\"\n٨٣٨ - عَنْ أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَامَ رَسُول اللهِ - ﷺ - حِينَ أنزلَ الله \"﷿ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فَقَالَ: \" يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أو كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَروا أنفسَكُمْ لا أغْنِي عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا بَني عَبْدِ مَنَافٍ لا أغْنِي عَنْكمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لا أغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا صَفِيَّة عَمَّةَ رَسولِ اللهِ - ﷺ - لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا فَاطِمَة بِنْتَ محَمَّدٍ سَلِيني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًَا \".\nــ\n\" يا ابن آدم جعلت لك نصيبًا من مالك حين أخذتُ بكظَمك لأطهرك (١) به وأزكيك \" (٢). الحديث: أخرجه. البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود.\nوالمطابقة: في قوله \" حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت لفلان كذا \".\n٧٣٧ - \" باب هل يدخل الولد والنساء في الأقارب \"\nأي إذا أوصى للأقارب ببعض ماله هل يدخل فيهم النساء والأولاد؟\n٨٣٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما نزل عليه قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) وأمره الله تعالى بإنذار عشيرته وأقاربه، سمع الناس وقام فيهم خطيبًا على الصفا، فعمم بخطابه أولًا قريشًا كلها وقال: \" يا معشر قريش \" أي يا جماعة قريش أو يا قبيلة قريش، \" اشتروا أنفسكم \" أي خلّصوا أنفسكم من عقاب الله بتوحيده، والدخول في دينه، \"لا أغني\n_________\n(١) الكَظَم: بفتح الكاف والظاء: مخرج النفَس من الحلق، أي عند خروج روحه. والحديث أخرجه ابن ماجة رقم (١٢١٠) قال البوصيري في الزوائد: في إسناده تعال. (ع).\n(٢) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"4","page":73},{"text":"عنكم من الله شيئًا\" أي فإني لا أدفع عنكم من عذاب الله شيئًا إن لم تؤمنوا به وتوحدوه وتتركوا عبادة آلهتكم الباطلة \" يا (١) بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله - ﷺ - لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي \" أي اطلبي من مالي ما تريدين فإنني لا أبخل به عليك، أما في الآخرة \" فإني لا أغني عنك من الله شيئًا \" إن لم تؤمني بالله وتوحديه. الحديث: أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من أوصى للأقارب دخل فيهم الذكور والإِناث معًا، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، سواء كانوا من قبل أبيه أو من قبل أمه، وقال أحمد: تدخل الأنثى من قبل الأب خاصة، ولا تدخل الأم ولا ما تفرع منها كما أفاده العيني وأبو المظفر في \" الافصاح \"، وهو مذهب مالك في رواية، وحاصل مذهب أحمد في أظهر الروايتين عنه \" أنه ينظر من كان يصله في حال حياته ينصرف إليه ذلك، وإلَّا فالوصية لقرابته من قبل أبيه، وهم أباؤه وأجداده وأولاده لصلبه وأولاد البنين، وإخوته وأخواته، وأعمامه وعماته، ولا تدخل الأم في ذلك بحال \" وهكذا فإنّ الأنثى تدخل في الوصية للأقارب إذا كانت من قبل الأب، أما من كان من قبل الأم فإنه لا يدخل في الوصية عند أحمد مطلقًا، سواء كان ذكرًا أو أنثى. أما الآباء والأولاد، فقد اختلف الفقهاء فيهم، فذهب أبو حنيفة إلى عدم دخولهم في الوصية للأقارب، وقال الشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: يدخل الآباء والأجداد والأولاد، إلاّ أن أحمد اشترط في ذلك أن لا يكون له من يصله في حال حياته، وإلّا رجعت الوصية إليه خاصة. اهـ. كما أفاده أبو المظفر في \" الإفصاح \" والعيني في \" شرح البخاري \" (٢). ثانيًا:\n_________\n(١) أي ثم وجه الخطاب إلى بني عبد مناف فخصص بعدما عمم\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٤ و\" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ٢.","vol":"4","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>٧٣٨ - \" بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُتَوَفَّى فَجْأةً أنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُ، وَقضَاءِ النُّذُورِ عَن الْمَيْتِ </span>\"\n٨٣٩ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْنَبِيِّ - ﷺ - إِنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وأرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَأتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ: \" نَعَمْ تَصَدَّقْ عَنْهَا \".\nــ\nأن قرابة النسب من الأنبياء والصالحين لا تنفع الكافر في النجاة من دخول النار. مطابقة الحديث ترجمة أن الحديث بمنزلة الجواب عنها.\n٧٣٨ - \" باب ما يستحب لمن يتوفّى فجأة أن يتصدقوا عنه وفاء النذور عن الميت \"\n٨٣٩ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن رجلًا \" قال بعضهم: \" هو سعد \" بن أبي وقاص ﵁ \" قال للنبي - ﷺ - إن أمي أفتلتت نفسها \" بالرفع على أنه نائب فاعل، وبالنصب على أنّه مفعول ثاني، أي بادرتها المنية وماتت فجأة \" وأراها لو تكلمت تصدقت \" بضم الهمزة أي وأظنها لو تمكنت من الكلام لتصدقت في حياتها، كما جاء في رواية أخرى في الجنائز، قال فيها: \" إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت \" \" فأتصدق عنها؟ قال: نعم تصدق عنها \" فأمره النبي - ﷺ - أن يتصدق عن أمه بعد وفاتها. الحديث: أخرجه الخمسة (١). والمطابقة: في قوله \" نعم تصدق عنها \".\n_________\n(١) وأخرجه البخاري والترمذي بلفظ: \" أن رجلًا قال: يا رسول الله إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: \" نعم \" من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":75},{"text":"٨٤٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ﵁ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ أمِّي مَاتَتْ وَعَلْيْهَا نَذْرٌ، فَقَالَ: \" اقْضِهِ عَنْهَا \".\nــ\n٨٤٠ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄: \" أنّ سعد بن أبي وقاص استفتى رسول الله - ﷺ - \" أي سأل رسول الله - ﷺ - عن حكم قضاء النذر عن أمه بعد وفاتها \" فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر \" لم توفه، لوجود بعض الأعذار الشرعية أو لأنها ماتت فجأة، كما يدل عليه الحديث السابق - أما النذر فقد جاء في بعض الآثار أنّه كان عتقًا، وفي بعضها كان صومًا، وفي بعضها صدقة. \" فقال: اقضه عنها \" أي فأمره النبي - ﷺ - بقضاء النذر عنها بعد وفاتها. الحديث: أخرجه أيضًا مالك والنسائي بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" اقضه عنها \".\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب لقريب الميت أن يتصدق عنه، قال الترمذي: وبه يقول أهل العلم (١)، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميت إلاّ الصدقة والدعاء. اهـ. أي إن وصول نفعهما إلى الميت مجمع عليه، واختلفوا في العبادات البدنية، كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. اهـ. كما أفاده القاري في \" شرح الفقه الأكبر \" ونقله عنه في \" تحفة الأحوذي \" (٢). ثانيًا: أن موت الفجأة ليس بمكروه، لأن النبي - ﷺ - لم تظهر منه كراهة حين أخبره الرجل أن أمه افتلتت نفسها وإن كان مستعاذًا منها، لما يفوت بها من خير الوصية، والاستعداد\n_________\n(١) \" جامع الترمذي \".\n(٢) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.","vol":"4","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-812>٧٣٩ - \" بَابُ الْوَقْفِ كَيْفَ يُكْتَبُ </span>\"\n٨٤١ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nأصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أرْضًَا، فَأتَى النبي - ﷺ - فَقَالَْ: أصَبتُ أرْضًا لم أصبْ مَالًا قَطُّ أنفَسَ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَأمُرَنِي بِهِ؟ قَالَ: \" إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أنّهُ لا يباعُ أصْلُهَا، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ، في الفُقَرَاءِ والْقُرْبَى والرِّقَابِ وفي سَبِيلِ اللهِ والضَّيفِ وابْن\nــ\nللمعاد بالتوبة، وغيرها من الأعمال الصالحة، كما أفاده القسطلاني (١). ثالثًا: دل الحديث الثاني على استحباب قضاء النذر عن الميت من صوم أو صدقة أو نحو ذلك وأنه ينفعه ذلك ويبرىء ذمته من ذلك النذر ويسقطه عنه وهو قول الجمهور، وقال الظاهرية يجب قضاء النذر عن الميت تعلقًا بظاهر (٢) الأمر سواء كان ماليًا أو غيره. اهـ. والله أعلم.\n٧٣٩ - \" باب الوقف كيف يكتب \"\nأراد البخاري بهذه الترجمة بيان مشروعية كتابة الوقف لضبطه وتوثيقه.\n٨٤١ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ اشترى قطعة أرض من خيبر كما في رواية النسائي: أنه كان لعمر مائة رأس، فاشترى بها مائة سهم من خيبر فجاء إلى النبي - ﷺ - راغبًا في أن يتصدق بها في سبيل الله، لأنها أغلى أمواله وأحبها إلى نفسه، وسأله أن يأمره - ﷺ - بما يفعل فيها، فعرض عليه النبي - ﷺ - أن يوقفها على الفقراء والأقارب، وعتق الرقاب وتجهيز الغزاة وإعانة المسافرين حيث \" قال: إن شئت حبست أصلها \" أي أوقفت الأرض وأصول الشجر الموجودة فيها \" لا يباع ولا يوهب ولا يورث \" أي فلا يتصرف\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني على البخاري \" ج ٢.\n(٢) \" شرح الزرقاني على الموطأ \" ج ٣.","vol":"4","page":77},{"text":"السبيلِ، لا جُنَاحَ على مَنْ وَلِيَهَا أنْ يَأكلَ منها بالْمَعْرُوفِ، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّل فِيهِ.\nــ\nأحد في أصلها ببيع ولا هبة ولا ميراث \" في الفقراء والرقاب الخ \" وتصدقت بها على الفقراء وغيرهم فيكون أصلها موقوفًا غير قابل للتصرف فيه، ويكون الريع والدخل السنوي صدقة، تصرف في الجهات المذكورة \" ولا جناح على من وليها \" أي ولا حرج على من تولى النظارة عليها \" أن يأكل منها بالمعروف \" أي أن يأخذ منها بقدر أجرة عمله \" أو يطعم صديقًا \" من ثمرها \" غير متمول فيه \" أي غير متملك لها. الحديث: أخرجه الخمسة إلا ابن ماجة بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الوقف والترغيب فيه، وكونه من أفضل الصدقات، ولذلك أشار به النبي - ﷺ - على عمر، فقال له - ﷺ -: \" إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها \" الخ وذلك لأن الوقف يدخل في الصدقة الجارية التي يستمر بها عمل العبد، ويتجدد ثوابه بعد وفاته، لأن العلماء قد فسروا الصدقة الجارية بالوقف، وكان أول وقف في الإِسلام كما أخرجه ابن أبي شيبة وأشار الشافعي إلى أنه من خصائص الإسلام، ولا يعرف في الجاهلية، وهو لغة الحبس، وشرعًا: حبس مال يمكن الانتفاع به على مصرف مباح مع بقاء عينة، وقطع التصرف في رقبته كما أفاده الصنعاني. وقال بعضهم: هو حبس الأصل وتسبيل الثمرة، أي وصرف منافعه فِي الأقارب ويسمّى بالوقف الأهلي (١)، أو في جهة من جهات الخير ويسمّى بالوقف الخِيري. ثانيًا: مشروعية كتابة الوقف في كتاب يكتب فيه هذه الشروط المذكورة، وغيرها من الشروط المشروعة، والجهة الموقف عليها، كما فعل عمر ﵁. ثالثًا: مشروعية تعيين ناظر للوقف بأجر\n_________\n(١) أو الوقف الذري.","vol":"4","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>٧٤٠ - \" بَابُ قَولِ اللهِ تعَالَى:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) إلى قوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) </span>\"\nــ\nمعين، ونسبة محددة يتقاضاها من غلته، لقوله في حديث الباب: \" ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف \" ولقوله - ﷺ - كما في حديث أبي هريرة: \" ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: \" كما قال العيني في قوله. \" إن شئت حبست أصلها \" الخ.\n٧٤٠ - \" باب قول الله تعالى:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ ...) \"\nمعنى هذه الآية: أن الله جلّت حكمته، شرع لعباده الوصية في الحضر، وأكدها في هذه الآية في السفر حفظًا لحقوق الناس، فقال: \" يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت \" الخ أي أن الله أمر المسافر إذا أحس بدنو أجله أن يوصي ويشهد على وصيته عدلين من المسلمين إن وجدا، وإلّا أشهد اثنين كافرين ويدفع لهما ما معه من مال ليوصلاه إلى ورثته قال تعالى: \" فيقسمان بالله إن ارتبتم \" أي فإن شك الورثة في الرجلين فإنهما يوقفان، ويستحلفان بعد العصر أنّهما ما كذبا، ولا خانا قائلين \" لا نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين \" فإذا ظهرت بعد ذلك خيانتهما، كما قال تعالى: \" (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) \" أي فإن ظهر كذبهما في يمينهما وشهادتهما، ردت اليمين إلى ورثته، فيقوم رجلان من أوليائه وورثته فيقسمان","vol":"4","page":79},{"text":"٨٤٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" خَرَجَ رَجُل مِنْ بَنِي سَهْم مَعَ تَمِيم الدَّارِي وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فماتَ السَّهْمِي بأرْضٍ لَيْسَ بها مُسْلِم، فَلَمَّا قَدِمَا بتَرِكَتِهِ فَقَدوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فأحْلَفَهمَا رَسولُ اللهِ - ﷺ -، ثمَّ وجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيم وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلانِ مِنْ أوْلِيَاءِ السَهْميِّ فحلَفَا لَشَهَادَتنَا أحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وِإنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) \".\nــ\nبالله إنه قد كان معه كذا وكذا، وأن شهادتهما ويمينهما على ذلك أحق وأصدق من شهادة الذين حضروا الوصية التي شرعها الإِسلام في قوله: \" ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها \" أي إنما أمركم الله بما أمرم به، لاتخاذ أقوى الوسائل التي تدفع الشهود إلى الصدق في شهادتهم خوفًا من الفضيحة، وتهمة الخيانة.\n٨٤٢ - معنى الحديث: أن \" بزيل السهمي \" بضم الباء وفتح الزاي وفي رواية \" بديل \" بضم الباء وفتح الدال سافر مع تميم الداري وعدي بن بَدَّاءٍ، فمات غريبًا بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، فلما حضرته الوفاة، أوصى بمتاعه وماله لأهله وأشهد على ذلك هذين الرجلين، ودفع إليهما ما كان معه من مال ومتاع، ليوصلاه إلى ورثته، فلما قدما بتركته على أهله وورثته وتفقدوها، وجدوا أن هناك كأسًا فضيًا مزخرفًا بالذهب، مثبتًا في وصية الميت بخط يده غير موجود في التركة، فطالبوهما به، فأنكرا، فاحتكموا إلى رسول الله - ﷺ -، وكان عدي وتميم قد أسلما، فاستحلفهما رسول الله - ﷺ - أنهما لم يجدا الكأس المذكورة في تركته، فحلفا، ثم وجد الكأس بمكة","vol":"4","page":80},{"text":"عند بعض الناس، فلما سئلوا عنه أجابوا بأنهم اشتروه من تميم وعدي، وظهرت خيانتهما، وهو معنى قوله في الحديث: \" ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي \" عند ذلك قام رجلان من أقارب الميت، فشهدا وأقسما على أن هذه الكأس هي كأس الميت المفقودة، وأن شهادتهما ويمينهما أصدق من شهادة الرجلين ويمينهما، فنزلت الآية المذكورة. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: سبب نزول الآية الكريمة، وهو ما تضمنته هذه القصة المذكورة في الحديث، وهذا ما ترجم له البخاري. ثانيًا: تأكيد الوصية والإِشهاد عليها في السفر. ثالثًا: تكليف الشاهدين باليمين عند ارتياب الورثة فيقسمان بالله قائلين \" نقسم بالله على كذا، وعلى أننا لم نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين. رابعًا: أنه إذا ظهر ما يدل على خيانتهما، ردت اليمين إلى أقرب الورثة، \" فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين. خامسًا: قال الحافظ: استدل بهذا الحديث على جواز شهادة الكفار بناءً على أن المراد بالغير الكفار، وبذلك قال أبو حنيفة ومن تبعه، وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية، منهم ابن عباس والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وأحمد وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية، وحديث الباب والله أعلم. والمطابقة: في كون القصة المذكورة سببًا في نزول هذه الآية.\n***","vol":"4","page":81},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-814> كتاب الجهاد والسير </span>\"\nللجهاد معنيان (أ) جهاد أصغر وهو مكافحة النفس والشيطان (ب) وجهاد أكبر وهو مقاتلة الكفار إعلاءً لكلمة الله تعالى، ونشرًا لدينه وهل الجهاد أفضل أو طلب العلم أفضل مسألة اختلف فيها العلماء؟ قال في \" فيض الباري \": واعلم أن شغل العلم أفضل الأشغال عند أبي حنيفة ومالك، وعند أحمد الجهاد أفضل، كذا في \" منهاج السنة \" لابن تيمية، وفي كتاب السفاريني: عند أحمد رواية نحو أبي حنيفة ومالك، وهذا كله إذا لم يكن الجهاد فرض الوقت، لأن الكلام في باب الفضائل دون الفرائض \". اهـ.\nوأما السير: فإن المراد بها هنا أبواب الجهاد أيضًا لأنها متلقاة من سيرة النبي - ﷺ - كما أفاده القسطلاني. هذا وقد شرع الجهاد، في السنة الثانية من الهجرة، حيث نزل قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وحكمه في الأصل فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، حيث قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) فإن الآية تدل على أن الجهاد ليس فرضًا عينيًا واجبًا على كل فرد من المسلمين، إنما هو فرض كفائي، يجب أن يقوم به طائفة من المسلمين، فإذا قامت به سقط وجوبه عن بقيتهم، ومما يؤكد ذلك ما رواه الكلبي عن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى لما شدد على المتخلفين (١) قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدًا، ففعلوا ذلك، وبقي رسول الله - ﷺ - وحده، فنزل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ\n_________\n(١) \" تفسير الآلوسي \" ج ١١.","vol":"4","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-815>٧٤١ - \" بَابُ فضلِ الْجِهَادِ والسيرِ </span>\"\n٨٤٣ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَجُل إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: دُلَّنِي على عَمَل يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: \" لا أجِدُهُ: قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ ولا تَفْتُرَ (١)، وتَصُومَ ولا تفْطِرَ، قَالَ: ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ \".\nــ\nالْمُؤْمِنُونَ) الآية، ولكن هناك ظروف خاصة يتعين فيها الجهاد على كل مسلم، وذلك إذا هاجم العدو البلد الذي يقيم به المسلمون فإنّه يجب عليهم جميعًا أن يخرجوا لقتاله، وكذلك إذا استنفر الحاكم أحدًا من المكلفين لقوله - ﷺ -: \" وإذا (٢) استنفرتم فانفروا \".\n٧٤١ - \" باب فضل الجهاد والسير \"\n٨٤٣ - معنى الحديث: أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - سأل النبي - ﷺ - أن يدله على عمل يساوي الجهاد في منزلته وقدره، وعظم أجره ومثوبته، فقال له النبي - ﷺ -: لا أجد عملًا يماثل الجهاد أو يساويه، لأن رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا كما في الحديث الصحيح \" والروحة يروحها أحدكم في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها. وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها \" ثم قال - ﷺ -: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك وتعتكف فيه للعبادة دائمًا، فتقوم في الصلاة دون انقطاع، وتواصل الصوم دون إفطار، إذا كان هذا ممكنًا فإنه هذا وحده هو الذي\n_________\n(١) قوله \" ولا تفتر \" بفتح التاء الأولى، وإسكان الفاء، وضم التاء الثانية، وفتح الراء، بالنصب على أنه معطوف على \" تدخل \".\n(٢) \" فقه السنة \" ج ٣.","vol":"4","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-816>٧٤٢ - \"بَابُ أفضلَِ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللهِ </span>\"\n٨٤٤ - عَنْ أبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:\nقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ \" قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \" مُؤْمِن في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ \".\nــ\nيعدل الجهاد، عند ذلك قال الرجل: \" ومن يستطيع ذلك \" يعني ومن يستطيع مواصلة الصلاة والصيام دائمًا وأبدًا لا شك أن ذلك أمر فوق مقدور البشر. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الجهاد أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن الأعمال قسمان: مقاصد كالحج والصلاة، ووسائل، وأفضلها إطلاقًا الجهاد، لأنه وسيلة إلى إعلاء الدين. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٧٤٢ - \" باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله \"\n٨٤٤ - معنى الحديث: أن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - سأل النبي - ﷺ - أي الناس أفضل إيمانًا، وأعلى درجة، وأعظم مثوبة وأجرًا عند الله تعالى، فأجابه - ﷺ -: أن أفضل المؤمنين رجل مؤمن قام بما يجب عليه نحو دينه وأدى حقّ الله عليه، ثم جاهد بنفسه وماله لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، فقال بعض الصحابة: ثم من؟ أي من يليه في الأفضلية، فأجاب - ﷺ -: بأنه يليه في الأفضلية رجل مؤمن رأى فساد المجتمع وانتشار المنكرات فيه، وشعر بأنه لا يستطيع أداء شعائر دينه، وخاف الفتنة، فاعتزل الناس، فعاش في شعب من الشعاب \" وهو ما انفرج بين الجبلين \" والمراد أنه ابتعد عن الناس ليسلم من شرهم وفتنتهم حيث يتقي الله ويتمكن من طاعته وعبادته،","vol":"4","page":84},{"text":"٨٤٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَثَلُ الْمُجَاهِدِ في سَبيلِ اللهِ -واللهُ أعلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ في سَبِيلِهِ- كَمَثَل الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبِيلهِ بأنْ يَتَوَفَّاهُ أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أو يَرْجِعَهُ (١) سَالِمًا مَعَ أجرٍ أوْ غَنِيْمَةٍ \".\nــ\nوعن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \" يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلاّ أن يهرب بدينه من شاهق إلى شاهق \" أخرجه البيهقي. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٨٤٥ - معنى الحديث: أن المجاهد في سبيل الله لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه يساوي ويماثل القائم الدائم القيام، والصائم الدائم الصيام الذي لا يفتر ولا ينقطع عن صلاته وصيامه طول حياته، كما في رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، أخرجه مسلم. وإنما كان المجاهد كذلك لأنه لا تفوته ساعة دون أجر كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) وقوله - ﷺ -: \" والله أعلم بمن يجاهد في سبيله \" جملة اعتراضية معناها: ولا يعلم بالمجاهد الحقيقي إلاّ الله تعالى، لأنه وحده هو المطلع على نيته، \" وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالمًا مع أجر وغنيمة \" أي ضمن له إحدى الحسنيين، الشهادة والجنة، أو العودة بالسلامة والأجر والغنيمة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n_________\n(١) هكذا بفتح الياء ونصب الفعل عطفًا على يتوفاه كما أفاده العيني.","vol":"4","page":85},{"text":"٧٤٣ - \" بَابُ الغدوَةِ (١) والرَّوْحَةِ في سَبيلِ اللهِ \"\n٨٤٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لقَابُ قَوْسٍ في الْجَنَّةِ خَيْر مما تَطْلُعُ عليه الشَّمْسُ وتَغْرُبُ \" وقالَ: \" لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سبيلِ اللهِ خَيْرٌ مما تَطْلَعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ \".\nــ\nوالمطابقة: في قوله \" يدخله الجنة \" الخ\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: أن أفضل المؤمنين من أضاف إلى إيمانه الجهاد في سبيل الله. ثانيًا: أن المجاهد لِإعلاء كلمة الله يساوي العابد الدائم العبادة طول حياته، الذي لا يفتر عن الصيام والقيام في فضله، ويزيد عليه بأن الله ضمن له الجنة أو العودة بأجر وغنيمة. ثالثًا: فضل العزلة عند تفاقم الفتن والخوف على الدين منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>٧٤٣ - \" باب الغدوة والروحة في سبيل الله </span>\"\n٨٤٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب \" أي لو خير المجاهد بين الفوز بجزءٍ يسير من الجنة لا تزيد مساحته على طول قوس واحد، أو امتلاك هذه الدنيا وما تصل إليه أشعة الشمس من رحابها وكائناتها العلوية والسفلية لاختار هذا الجزء اليسير من الجنة، وفضله على الدنيا بأسرها، ثم قال - ﷺ -: \" ولغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب \" أي مشاركة يسيرة في الجهاد أوّل النهار أو آخره يزيد ما يفوز به صاحبها من النعيم الأخروي على ما يفوز به من يمتلك الدنيا كلها بما فيها من كنوز ونفائس وذخائر،\n_________\n(١) بفتح الغين \" الغَدْوة \".","vol":"4","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>٧٤٤ - \" بَاب من يُجْرَحُ في سَبِيلِ اللهِ ﷿ </span>\"\n٨٤٧ - عَنْ أبي هرَيرةَ ﵁:\nأنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" والَّذِي نَفْسِي بِيَده لا يكْلَمُ أَحَدٌ في سَبِيلِ اللهِ -وَالله أَعْلَم بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إلَّا جَاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ والَّلْون لَوْن الدَّمَ والرِّيْحُ رِيْحُ الْمِسْكِ \" (١).\nــ\nأو يزيد ثواب هذه المشاركة اليسيرة على ثواب من امتلك الدنيا بأسرها وأنفقها في سبيل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على عظيم فضل الجهاد، والترغيب في المساهمة فيه بأي مشاركة ولو قليلة، لأن المشاركة اليسيرة تعدل الدنيا بأسرها، والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٧٤٤ - \" باب من يجرح في سبيل الله ﷿ \"\n٨٤٧ - معنى الحديث: أقسم النبي - ﷺ - بربه وخالقه المالك لروحه المتصرف فيها كيف يشاء على أنه ما من أحد يجرح وهو يقاتل حقيقة لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، لا لقومية ولا عصبية \" إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك \" أي أن دمه الزكي وان كان يشارك الدماء في لونها إلا أنه تفوح منه رائحة المسك. قال القسطلاني: والظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يتصبب من فارق الدنيا وجرحه كذلك، وقوله: \" والله أعلم بمن يكلم في سبيله \" جملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى، قال القسطلاني: ومعناه والله أعلم تعظيم شأن من يكلم في سبيل الله ويجوز أن يكون تتميمًا وتنبيهًا على الإِخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور لمن\n_________\n(١) وقد ثبت ذلك في الدنيا وظهر للناس، وتواترت الأخبار أن دماء الشهداء الأفغان تفوح مها رائحة المسك. أهـ.","vol":"4","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-819>٧٤٥ - \" بَاب مَنْ أتاه سَهْم غَرْبٌ فَقَتَلَه </span>\"\n٨٤٨ - عنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ الله \"عَنْه:\nأنَّ أُمَّ حَارِثَةَ بْنَ سُرَاقَةَ أتَتِ النبي - ﷺ - فَقَالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ، ألا تحَدِّثُنِي عن حَارِثَةَ، وكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أصَابَة سَهْمٌ غَرْبٌ، فإن كَانَ في الْجَنَّةِ صَبَرْت، وِإنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْت عَلَيْهِ في الْبُكَاء، قَالَ: \" يَا أُمَّ حَارِثَةَ إنها جِنَانٌ في الْجَنَّةِ وإنْ ابْنَكِ أصَابَ الْفِرْدَوْسَ الَأعْلَى \".\nــ\nأخلص فيه وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الشهداء والإِعلان عنهم يوم القيامة، حيث يبعث الشهيد يسيل جرحه دمًا، ويفوح طيبًا كأنما قتل في تلك اللحظة، والحكمة في ذلك كما قال القسطلاني: أن يكون معه شاهد على بذل نفسه في طاعة الله. ثانيًا: ترغيب المجاهدين في إخلاص النية وتجريد القصد لله كما يدل عليه قوله: \" والله أعلم بمن يكلم في سبيله \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n٧٤٥ - \" باب من أتاه سهم غرب فقتله \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على شهادة من أصابه سهم طائش لا يعرف راميه.\n٨٤٨ - معنى الحديث: أن حارثة بن سراقة كان قد استشهد يوم بدر بسهم طائش لا يعرف مصدره، فجاءت أمه إلى النبي - ﷺ - تسأله عن مصيره، لأنه قتل برمية غير مقصودة، لهذا قالت: \" فإن كان في الجنة صبرت عليه \" أي صبرت على فقده، واحتسبته عند الله، مستبشرة بقتله في سبيل","vol":"4","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>٧٤٦ - \" بَابُ مَنْ قَاتلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا </span>\"\n٨٤٩ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَجُلٌ إلى النبي - ﷺ - فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمَ، والرَّجُلُ يُقَاتِلُ للذِّكْرِ، والرَّجُلُ يُقَاتِل لِيُرى مَكَانُهُ، فمنْ في سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: \" مَنْ قَاتَلَ لَتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ \".\nــ\nالله، وفوزه بالشهادة \" وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء \" لأني خسرته، وخسر حياته دون فائدة، \" قال: يا أم حارثة إنّها جنان \" متعددة \" وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى \" وهي أفضل الجنان وأعلاها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن كل من خرج في سبيل الله فقتل فهو شهيد، ولو برمية طائشة من سهم، أو رصاصة.\nثانيًا: أن منازل الشهداء في الفردوس الأعلى. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n٧٤٦ - \" باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا \"\n٨٤٩ - معنى الحديث: أن رجلًا من الصحابة يسمى لاحق بن ضميرة الباهلي قال للنبي - ﷺ -: إن المقاتلين تختلف نواياهم ومقاصدهم، فمنهم من يقاتل طمعًا في الغنيمة، ومنهم من يقاتل ليتحدث الناس عنه بالبطولة والفروسية، ومنهم من يقاتل لينال مكانة مرموقة، ومنزلة عالية في المجتمع، فمن هو المجاهد في سبيل الله الذي إذا مات مات شهيدًا، وإن سلم عاد إلى أهله بأجر وغنيمة؟ فقال - ﷺ -: \" المجاهد الحقيقي الذي يحقق لنفسه كل هذه المزايا هو من قاتل لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه دون أي دافع من الدوافع النفسية الأخرى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الجهاد الحقيقي","vol":"4","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>٧٤٧ - \" بَابُ ظِلِّ الْمَلاِئكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ </span>\"\n٨٥٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ:\nجِيءَ بأبي إلى النَّبِيِّ - ﷺ - وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَذَهَبْتُ أكشِفُ عَنْ وَجْهِهِ فنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ، فَقِيلَ: ابْنَةُ عَمْرو أوْ أخْتُ عَمْرو، فقَالَ: \" لِمَ تَبْكِي؟ أوْ لا تَبْكِي، ما زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا \"، قُلْتُ لِصَدَقَةَ: أفِيهِ \" حَتَّي رُفِعَ؟ \" قَالَ: رُبَّمَا قَالَهُ.\nــ\nالذي تنال به الشهادة أو الأجر والغنيمة هو الجهاد لإعلاء كلمة الله. ثانيًا: أن كل غرض من الأغراض الدنيوية تفسد على المسلم جهاده، لأن إخلاص النية شرط في صحة جميع الأعمال وقبولها. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة.\n٧٤٧ - \" باب ظل الملائكة على الشهيد \"\n٨٥٠ - معنى الحديث: أن جابر بن عبد الله يحدثنا عن استشهاد والده فيقول لما استشهد والده عبد الله بن عمرو مَثّل به المشركون وقطعوا أنفه وأذنه، وبعض أطرافه، فأراد ولده أن يكشف الثوب عن وجهه فمنعه قومه عن ذلك لئلا يرى وجه أبيه على تلك الحالة فيشتد حزنه عليه، فسمع النبي - ﷺ - صوت امرأة تبكي عليه بصوت مرتفع، فقال: من هذه؟ قالوا: إنها أخته فاطمة بنت عمر، فقال النبي - ﷺ -: \" ولم تبكي، أولا تبكي، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها \" أي لا تبكي أخته عليه، فإن من حقها أن تفرح وتستبشر وتسر بما لقيه أخوها من الحفاوة والكرامة، فإن الملائكة قد غشيته بعد استشهاده، وما زالت تظلله بأجنحتها حتى رفع.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يلقاه الشهيد من الكرامة وحسن","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-822>٧٤٨ - \"بَابُ تمَنِّي الْمُجَاهِدِ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا </span>\"\n٨٥١ - عَنْ أنَس بْنَ مَالِكٍ:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَا أحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّة يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا ولَهُ ما عَلَى الأرض منْ شَيْءٍ إلَّا الشَّهِيدُ (١) يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لما يَرَى من الْكَرَامَةِ\".\nــ\nالاستقبال، حيث تظلله الملائكة منذ استشهاده، احتفاءً به، وترحيبًا بمقدمه، وتكريمًا له. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٧٤٨ - \" باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا \"\n٨٥١ - معنى الحديث: أنه ليس هناك أحد يتمنى ويرغب أن يفارق الجنة بعد دخولها، ويعود إلى الدنيا مرة أخرى. ولو أعطي الأرض كلها بما فيها من كنوز ونفائس، وما عليها من قصور عالية وحدائق غناء، ثم استثنى من ذلك الشهيد، فإنه يحب العودة إلى الدنيا عشر مرات لكي يجاهد كل مرة في سبيل الله ويستشهد فيفوز بالشهادة عشر مرات بدل مرة واحدة، وذلك لما يرى من الكرامة التي يلاقيها الشهداء، الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: قال ابن بطال: هذ الحديث أجلُّ ما جاء في فضل الشهادة. اهـ. وحسبك في ذلك أن الشهداء يتمنون العودة إلى الدنيا ليستشهدوا عشر مرات كما في حديث الباب. وفي رواية أخرى \"أن الله يقول للرجل منهم سل وتمن، فيقول: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك\n_________\n(١) قال القسطلاني: \" إلا الشهيد \" بالرفع، ولأبي ذر بالنصب.","vol":"4","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>٧٤٩ - \" بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ وما يَجِبُ مِنَ الْجِهَادِ والنيةِ </span>\"\n٨٥٢ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: \" لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ولكِنْ جِهَاد ونِيَّة، وِإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا \".\nــ\nعشر مرات\". والمطابقة: ظاهرة.\n٧٤٩ - \" باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية \"\nأي باب في بيان وجوب النفير، وهو الخروج إلى الجهاد لمن استنفره الإِمام.\n٨٥٢ - معنى الحديث: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل فتح مكة، لأنها كانت دار كفر، فلما فتحت نسخ وجوبها، وهو معنى قوله: \" لا هجرة بعد الفتح \" أي لم تعد الهجرة واجبة من مكة بعد فتحها \" ولكن جهاد \" أي ولكن الفريضة الباقية الدائمة إلى يوم القيامة هي الجهاد في سبيل الله \" ونيّة \" أي وبقيت أيضًا الهجرة بنية الفرار بالدين من الفتن، والخروج في طلب العلم كما أفاده الطيبي، ثم قال - ﷺ -: \" وإذا استنفرتم فانفروا \" قال النووي: يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة (إلى المدينة) يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإِمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه. الحديث: أخرجه الستة.\nوالمطابقة: في قوله \" وإذا استنفرتم فانفروا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل الفتح، لأن مكة كانت دار كفر وحرب، فلما فتحت انقطع وجوب الهجرة منها، كما قال - ﷺ -: \" لا هجرة بعد الفتح \" فإنه ليس المراد نفي وجوب الهجرة بجميع أنواعها. قال ابن العربي: الهجرة","vol":"4","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>٧٥٠ - \" بَابُ من اختارَ الغزْوَ على الصَّوْمِ </span>\"\n٨٥٣ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\n\"كَانَ أبُو طَلْحَةَ ﵁ لا يَصومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ أجْلِ الْغَزْوِ، فلمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَم أرَهُ مُفْطِرًا إلَّا يَوْمَ فِطر أوْ أضْحَى\".\nــ\nمن دار الحرب كانت (١) فرضًا في عهده - ﷺ - واستمرت بعده لمن خاف على نفسه، والتي انقطعت أصلًا هي القصد إلى النبي - ﷺ - حيث كان. ثانيًا: أن الجهاد يتعين عند استنفار الإِمام.\n٧٥٠ - \" باب من اختار الغزو على الصوم \"\nأي هذا باب من فضَّل الغزو على الصوم فترك صوم التطوع لئلا يضعف عن الغزو.\n٨٥٣ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" كان أبو طلحة \" وهو زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس ﵁ \" لا يصوم على عهد النبي - ﷺ - \" أي لا يصوم صيام التطوع في زمن النبي - ﷺ - أو يقلل منه \" من أجل الغزو \" أي من أجل الاستعداد للغزو والتقوي عليه، عملًا بقوله - ﷺ -: \" تقووا لعدوكم \" يعني بالإِفطار. \" فلما قُبض النبي - ﷺ - لم أره مفطرًا إلاّ يوم فطر أو أضحى \" أي فلما مات النبي - ﷺ -، وانتشر الدين، وقوي الإِسلام ورأى أن الجهاد قد أصبح فرض كفاية لا فرض عين بدأ يأخذ بحظه من الصوم، ليجمع بين الحسنيين، ويأتي بالعبادتين، فحرص على الإكثار من الصيام، حتى أنني لم أعد أراه مفطرًا إلا في العيدين اللذين حرم الله صومهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، وكذلك أيام التشريق لورود النهي عن صيامها.\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٦.","vol":"4","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>٧٥١ - \" بَابُ حَفْرِ الْخنْدَقِ </span>\"\n٨٥٤ - عَنِ الْبَراء ﵁ قَالَ:\nرَأيتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الأحزَابِ يَنْقُلُ التُّراَبَ وقدْ وارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وهوَ يَقُولُ:\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الجهاد على الصوم وأنه يستحب للمجاهد أن يترك الصوم وأن يفطر ليستعد للجهاد، ويقوي جسمه عليه، كما كان يفعل أبو طلحة وإن تأكد من قدرته على الجمع بينهما دون ضعف أو وهن أو إرهاق، فالصوم أفضل لقوله - ﷺ -: \" من صام يومًا في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا \" أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. ولا تعارض بين حديث الباب وهذا الحديث، بل يمكن الجمع بينهما بأن يحمل حديث الباب على من خشي على نفسه أن يضعف عن الجهاد بسبب الصوم، ويحمل الحديث الآخر على من لا يضعفه الصوم عن القتال، فيستحب له الجمع بينهما. ثانيًا: مشروعية كثرة الصيام وفضله، وحرص أصحاب النبي - ﷺ - عليه، كما دل عليه حديث الباب، حيث كان أبو طلحة بعد وفاة النبي - ﷺ - لا يرى مفطرًا إلاّ في العيدين، وهو كناية عن كثرة الصيام. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله \" كان أبو طلحة لا يصوم على عهد رسول الله - ﷺ - من أجل الغزو \".\n٧٥١ - \" باب حفر الخندق \"\n٨٥٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يشارك أصحابه في حفر الخندق، ويعمل معهم بيده الشريفة فيحمل التراب كما يحملون، وينقله كما ينقلون، حتى ستر التراب بياض بطنه، وكان - ﷺ - يشجعهم ويبعث الحماس","vol":"4","page":94},{"text":"لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا\nفَأنْزِلِ السَّكِيْنَةَ عَلَيْنَا ... وَثبَتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا\nإنَّ الأُلَى قد بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا\nــ\nفي نفوسهم بما ينشده من الشعر الإِسلامي الذي يقوّي العزائم ويشحذ الهمم \"فيقول - ﷺ -:\n\" لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا \"\nفيحمد الله ويثني عليه على ما أنعم به عليهم من الهداية والتوفيق إلى جميع الأعمال الصالحة التي لولا الله ما اهتدوا إليها، ثم يقول:\n\" فأنزل السكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا \"\nفيسأل الله أن يملأ قلوبهم طمأنينة وأمنًا، وأن يثبت أقدامهم عند ملاقاة أعدائهم ثم يقول:\n\" إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنةً أبينا \"\nيعنى أن هؤلاء الذين يحاربوننا اليوم، ويريدون هزيمتنا وفتنتنا، والقضاء علينا لن يتمكنوا منا، لأننا نجاهد لِإعلاء كلمة الله، والله معنا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الخطط الحربية الناجحة في هذه الغزوة حفر الخندق (١)، قال ابن إسحاق: وكان الذي أشار على رسول الله - ﷺ - بالخندق هو سلمان، وكانت أول مشهد شهده مع رسول الله - ﷺ - بعد تحرره، فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حصرنا خندقنا علينا، ويشكل الخندق نصف دائرة، طرفها الغربي غربي مسجد المصلى، والشرقي عند مبتدأ حرة واقم في الشمال الشرقي، قال المطري من علماء القرن الثامن الهجري بالمدينة: وقد عفا أثر الخندق اليوم، ولم يبق منه شيء يعرف\n_________\n(١) يعني حفر الخندق في غزوة الأحزاب.","vol":"4","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>٧٥٢ - \" بَابُ فضلِ الصَّوْمِ في سَبِيلِ اللهِ </span>\"\n٨٥٥ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ صَامَ يَوْمًَا في سبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا \".\nــ\nإلا ناحيته، لأن وادي بطحان استولى على موضع الخندق، وصار موضعه في الخندق. ثانيًا: مشروعية اتخاذ أنجح الوسائل الدفاعية لمكافحة العدو كما فعل النبي - ﷺ - في هذه الغزوة. ثالثًا: استحباب إنشاد الشعر الحماسي الذي يقوِّي النفوس والعزائم، ويشجع العاملين على مواصلة أعمالهم، كما فعل - ﷺ - عند حفر الخندق. علمًا بأن هذا الشعر الذي أنشده النبي - ﷺ - ليس من نظمه هو، ولكنه من شعر عبد الله بن رواحة، وإنما تمثل به النبي - ﷺ - ولمِ ينطق به موزونًا، لأن الله أبعده عن مجرد النطق بالشعر الموزون، تصديقًا لقوله ﷿: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). مطابقة الحديث للترجمة: في كونه - ﷺ - أمر بحفر الخندق وشارك فيه. الحديث: أخرجه الشيخان.\n٧٥٢ - \" باب فضل الصوم في سبيل الله \"\n٨٥٥ - معنى الحديث: أن من صام يومًا واحدًا أثناء جهاده لِإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، فإن الله يباعد بينه وبين نار جهنم مدة سبعين عامًا، وإذا باعد الله بينه وبين النار كل هذه المسافة، فإن معناها أنه قد حَرمَ جسده على النار وأدخله الجنة مع السابقين الأبرار. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الصيام أثناء الجهاد ومقاتلة الأعداء، وأنه سبب في النجاة من النار. ثانيًا: جواز الصيام في السفر خلافًا لمن حرم ذلك. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل","vol":"4","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>٧٥٣ - \" بَابُ فضلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًَا أوْ خلفَهُ بِخيْرٍ </span>\"\n٨٥٦ - عن زَيْدِ بْن خَالِدٍْ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ جَهَّزَ غَازِيًَا فِي سَبِيْلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، ومَنْ خَلَفَ غَازِيًَا في سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا \".\nــ\nالصيام في سبيل الله وهو ما ترجم له البخاري والله أعلم.\n٧٥٣ - \" باب من جهز غازيًا \"\n٨٥٦ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" من جهز غازيًا \" أي هيأ له أسباب سفره وأعد له وسائل قتاله، من مال وطعام وسلاح وعتاد حربي قدر استطاعته \"فقد غزا\" أي فقد فاز بأجر المجاهد، وثبت له ثوابه ثم قال - ﷺ -: \"ومن خلف غازيًا في سبيل الله \" أي ناب عنه في الإِنفاق على أسرته، وقضاء مصالحهم والقيام بخدمتهم \" فقد غزا \" أي فقد حقق لنفسه بهذا العمل أجر الجهاد في سبيل الله، لأنه لولا قيامه بأمر عياله لما تمكن من الغزو.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن كل من شارك في مساعدة الغزاة، ومد يد المعونة للمجاهدين بإمدادهم بالمال، وتجهيزهم بالسلاح، أو بكفالة أهلهم وأولادهم، فإن الله يمنحه مثل أجر المجاهد كما في هذا الحديث، وكما جاء في حديث زيد بن ثابت ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" من جهز غازيًا في سبيل الله فله مثل أجره \" أخرجه الطبراني في \" الأوسط \".\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.","vol":"4","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-828>٧٥٤ - \" بَابُ التَّحَنُّطِ عِنْدَ القِتَالِ </span>\"\n٨٥٧ - عن أنسٍ ﵁:\n\" أنَّهُ أتَى يَوْمَ الْيَمَامَةِ إلى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيه وَهُوَ يَتَحَنَّطُ، فقالَ: يَا عَمِّ ما يَحْبِسُكَ أنْ لا تَجِيءَ؟ فَقَالَ: الآنَ يا ابْنَ أخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ، ثم جَاءَ فَجَلَسَ فَذَكَرَ في الْحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حتى نُضَارِبِ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِئْسَ مَا عودْتُمْ أقْرَانَكُمْ \".\nــ\nثم هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية استعمال الحنوط استعدادًا للموت.\n٧٥٤ - \" باب التحنط عند القتال \"\n٨٥٧ - معنى الحديث: أن أنس بن مالك ﵁ جاء يوم اليمامة إلى ثابت بن قيس خطب رسول الله - ﷺ - وهو يضع الحنوط على جسده تأهبًا للاستشهاد في سبيل الله، وكان قد كشف عن فخذيه بسبب اشتغاله بتحنيط جسمه \" فقال: يا عم ما يحبسك أن لا تجيء \" أي ما الذي أخرك عن خوض المعركة حتى الآن؟ \" فقال: الآن يا ابن أخي \" ولم يكن \" ثابت \" عمه، ولكن العرب تتوسع في هذه الكلمات تلطفًا وتوددًا، وتعبيرًا عن إنزاله منزلة الابن أو ابن الأخ - أي الآن أخوض المعركة \" فذكر في الحديت انكشافًا \" أي فذكر الراوي أنها وقعت في الجيش هزيمة وتقهقرٌ \" فقال: هكذا عن وجوهنا \" أي فلما رأى ثابت ما وقع في الناس من هزيمة بلغ به الحماس مبلغًا عظيمًا، وكبُر عليه ما رأى، فقال للناس: ابتعدوا عن وجهي وافسحوا لي الطريق لكي أقاتل هؤلاء، \" ما هكذا كنا نفعل \" أي ما كنا نتقهقر هكذا في حياة النبي - ﷺ - \" بئسما عودتم أقرانكم \" أي بئس","vol":"4","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-829>٧٥٥ - \" بَابُ مَنِ احْتَبَسَ فرسًا في سَبِيلِ اللهِ </span>\"\n٨٥٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللهِ إيمَانًا بالله، وتصديقًا بِوَعْدِهِ، فَإنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ \".\nــ\nهذا التقهقر الذي يجعل أعداءكم يطمعون فيكم ويستهينون بكم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية التحنط عند القتال تعبيرًا عن الاستعداد للشهادة واستحباب تشجيع المحاربين. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله \" وهو يتحنط \".\n٧٥٥ - \" باب من احتبس فرسًا في سبيل الله \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على فضل من أوقف فرسًا للجهاد.\n٨٥٨ - معنى الحديث: أن من أوقف فرسًا للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته لكي يحارب عليه الغزاة، ابتغاءً لوجه الله تعالى، وتصديقًا بوعده الذي وعد به، حيث قال: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) فإن الله يثيبه عن كل ما يأكله أو يشربه أو يخرجه من بول أو روث حتى يضعه له في كفة حسناته يوم القيامة. وعن تميم الداري أن النبي - ﷺ - قال: \" من ارتبط فرسًا في سبيل الله، ثم عالج علفه كان له بكل حبة حسنة \" أخرجه ابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في اقتناء الخيل وتوقيفها في سبيل الله ليجاهد عليها الغزاة، فإن العبد إذا فعل ذلك يثاب حتى على أرواثها وأبوالها، فقد جاء في الحديث: \" المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها \" رواه أحمد وأبو داود. ثانيًا: قال ابن عبد البر: هذه الأحاديث فيها تفضيل الخيل على سائر الدواب، لأنه لم يرو عنه - ﷺ - في غيرها مثل هذا. ثالثًا: في الحديث كما قال ابن عبد البر الحث على","vol":"4","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>٧٥٦ - \" بَابُ ما يُذْكَرُ من شُؤْمِ الفَرسِ </span>\"\n٨٥٩ - عن عبد اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّمَا الشُّؤْمُ في ثَلَاثَةٍ: في الفَرَسِ والمَرْأةِ والدَّارِ \".\nــ\nاقتناء كل ما يساعد على الجهاد والعناية بكل ما فيه قوة الأمة وهيبتها. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٧٥٦ - \"باب ما يذكر من شؤم الفرس \"\n٨٥٩ - معنى الحديث: تعددت الآراء حول هذا الحديث وحول معناه حتى أن بعضهم أنكره على هذه الصيغة فقد جاء في رواية مكحول عن عائشة أنه قيل لها إن أبا هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" الشؤم في ثلاثة \" فقالت: لم يحفظ، إنه دخل وهو - ﷺ - يقول: \" قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوّله، إلَّا أن حديث عائشة هذا منقطع، لأن مكحولًا لم يسمع من عائشة، وعن أبي حسان أن رجلين من بني عامر دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \" الطيرة في الفرس والمرأة والدار \" فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك. اهـ. كما أفاده الحافظ. وإنما أنكر بعض الصحابة هذا الحديث وعلى رأسهم عائشة لأنه يدل بظاهره على وجود الشؤم في هذه الثلاثة، -أي وجود النحس والشر فيها- وذلك يتعارض مع ما أنكره الإِسلام من التطير والتشاؤم، ونفي وجوده في أي شيء من الأشياء حيث قال - ﷺ -: \" لا عدوى ولا طيرة \" فكيف ينفي التشاؤم في بعض الأحاديث ويثبته في أحاديث أخرى، لذلك فقد وقف علماء الإِسلام من حديث الباب ثلاثة مواقف، فمنهم من خطأ","vol":"4","page":100},{"text":"أبا هريرة، وقال: إنه لم يحفظ الحديث بلفظه الصادر من النبي - ﷺ - كما قالت عائشة ﵂، ومنهم من قبل هذا الحديث على ظاهره وقال بوجود النحس في هذه الأمور الثلاثة، ومنهم ابن قتيبة، ومنهم من تأوله بأن المراد بالشؤم عدم ملاءمة الشيء وموافقته، أو سوء طبعه، فشؤم الدار ضيقها، لأنها إذا كانت ضيقة لا تلائم الإِنسان، ولا تريحه في حياته، وشؤم المرأة عدم الوفاق بينها وبين زوجها وعدم التفاهم، وتمردها عليه، وخروجها عن طاعته، وشؤم الفرس سوء طباعها (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن لهذه الأشياء الثلاثة، المرأة، والدار، والفرس، أهمية عظمى، وأثر كبير في حياة الإِنسان، فإن كانت المرأة ملائمة لزوجها خلقيًا، متفاهمة معه نفسيًا، مخلصة له، مطيعة وفية، وكانت الدار صحية واسعة، مناسبة له ولأسرته، وكانت الفرس أو السيارة التي يركبها قوية مريحة، ارتاح الإِنسان في حياته، وشعر بالسعادة وأحس بالاطمئنان والاستقرار النفسي، أما إذا كانت الزوجة غير صالحة، أو الدار غير مناسبة، أو الفرسِ أو السيارة غير مريحة، فإن الإِنسان يشعر بالتعاسة والقلق، ويتعب جسميًا ونفسيًا معًا، وهذا هو المقصود بالحديث، حيث إنه عبارة عن التعب النفسي الذي يعانيه الإنسان بسبب عدم ملاءمة هذه الأشياء وصلاحيتها (١). ثانيًا: أنه ينبغي للمرء إذا أراد أن يتزوج امرأة أو يسكن دارًا أو يقتني فرسًا، أو سيارة أن يتحرى كل التحري في اختيارها، وأن يتحقق من صلاحيتها وملاءمتها له، ليتمكن من الاستفادة من الاستمتاع بها، لا سيما المرأة الصالحة، فإن لها دورًا كبيرًا في نجاح زوجها وصلاحه\n_________\n(١) وقد جاء الحديث في أكثر الروايات وهي في الصحيحين \" إن كان الشؤم في شيء، ففي المرأة، والدار والفرس \" وهي تبين المراد من الحديث، وجاء في رواية لابن ماجه \" لا شؤم، وقد يكون اليمن في ثلاثة: في المرأة، والفرس، والدار \" وهذا نفي للشؤم. والإسلام جاء ينفي الشؤم، ولم يثبته كما تقدم قبل قليل في الأحاديث الصحيحة. (ع).","vol":"4","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-831>٧٥٧ - \" بَابُ ناقةِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\n٨٦٠ - عَنْ أنَس ﵁ قالَ:\n\" كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - نَاقَة تُسَمَّى العَضْبَاءَ، لَا تُسْبَقُ، فجاءَ أعْرَابِي علَى قَعُودٍ فَسَبَقَهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلىَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى عَرَفَهُ - ﷺ - فَقَالَ - ﷺ -: \" حَقٌّ عَلَى اللهِ أنْ لا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنيا إلَّا وَضَعَهُ \".\nــ\nفي الدنيا والآخرة، أما ما روي أو ما نسب إلى مالك رحمه الله تعالى من وجود النحس في هذه الأشياء أو في بعضها استنادًا إلى ما رواه ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن هذا الحديث فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا، فإن قوله هذا ليس نصًا على وجود النحس فيها، لاحتمال أنه أراد أن موت الناس في ديارهم ظاهرة عامة، فقلما يوجد بيت لم يمت فيه جماعة من الناس فكأنه يقول للسائل: لماذا تتشاءم من دار معينة ما دام أكثر البيوت قد مات فيها أناس من البشر، وهو الأقرب والأنسب بمالك ﵀. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" إنما الشؤم في ثلاثة في الفرس \".\n٧٥٧ - \" باب ناقة النبي - ﷺ - \"\n٨٦٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كانت له ناقة سريعة لا يسبقها غيرها. وكانت تسمى العضباء (بفتح العين وسكون الضاد) والعضباء في الأصل المقطوعة الأذن، قال في \" المصباح \" (١): وكانت ناقة النبي - ﷺ - تلقب العضباء لنجابتها لا لشق أذنها .. قال الراوي \" فجاء أعرابي على قعود \" أي على جمل صغير بدأ يُركب، وأقله سنتان \"فسبقها فشق ذلك على\n_________\n(١) \" المصباح المنير \".","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>٧٥٨ - \"بَابُ مُدَاوَاةِ النساءِ الْجَرْحَى في الغزْوِ </span>\"\n٨٦١ - عَنِ الرُّبَيِّع بنْتِ مُعوِّذٍ ﵂ قَالَتْ:\n\" كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - نَسْقِي وَنُدَاوِي الْجَرْحَى، ونَرُدُّ القَتْلَى إلى الْمَدِينَةِ \".\nــ\nالمسلمين\" أي صعب ذلك عليهم، وعز على نفوسهم وأحزنهم \" حتى عرفه \" أي حتى عرف النبي - ﷺ - ما أصابهم من حزن شديد ظهرت آثاره على وجوههم \" فقال: حق على الله أن لا يرتفع لشيء من الدنيا إلا وضعه الله \" أي أن هذه هي سنة الله في خلقه، ما بعد الصعود إلاّ الهبوط، وما بعد الطلوع إلّا النزول. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - كانت له دواب مختلفة، فكانت له ناقة تسمى العضباء، كما كان له فرس يدعى اللحيف وفرس أخرى يقال له: مندوب، وحمار يدعى \" عُفير \" بضم العين.\nثانيًا: أن دوام الحال من المحال، فما بعد الصعود إلاّ الهبوط، وما بعد الارتفاع إلا الانخفاض، وما بعد الطلوع إلا النزول، هذه هي سنة الله في خلقه، وقد قال الشاعر:\nما طَارَ طَيْرٌ وَارْتَفَعْ ... إلاّ كَمَا طَارَ وَقَعْ\nوالمطابقة: في قوله: \" كان للنبي - ﷺ - ناقة تسمى العضباء \".\n٧٥٨ - \" باب مداواة النساء الجرحى في الغزو \"\n٨٦١ - راوية الحديث: هي الربيع بنت معوذ النجارية الأنصارية، كانت من المبايعات تحت الشجرة، قالت ﵂: جاء النبي - ﷺ - فدخل علي غداة بُني بي، أي صبيحة عرسها، فجلس على فراشي فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر. قالت إحداهن:","vol":"4","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-833>٧٥٩ - \" بَاب مَنِ اسْتَعَانَ بالضُّعَفَاءِ والصَّالِحِينَ في الْحَرْبِ </span>\"\n٨٦٢ - عن سَعْدِ بْنِ أبي وَقاص ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: \" هَلْ تنْصَرونَ وتُرزَقونَ إلَّا بِضعَفَائِكمْ \".\nــ\nوفينا نبي يعلم ما غد، فقال: \" دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين \" أخرجه البخاري والترمذي. روت عن النبي - ﷺ -. عدة أحاديث ﵂.\nمعنى الحديث: أنها ﵂ كانت هي وبعض الصحابيات الجليلات يخرجن مع رسول الله - ﷺ - في غزواته فيقمن بحمل الماء ونقله إلى المجاهدين وسقيهم، كما كانت أم سليط تزفر القرب يوم أحد (بضم التاء وسكون الزاي) أي تملأ القرب بالماء، وتحملها، وتسقي المجاهدين يوم أحد، وكان هؤلاء النسوة يقمن بمداواة الجرحى وتمريضهن، فيقدمن لهم كل ما يستطعنه من خدمات طبية، كما كن يقمن بنقل القتلى إلى المدينة. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية مشاركة المرأة للرجال في الخروج إلى الغزو لكي تقوم بما تستطيعه من سقي المجاهدين، وتقديم الخدمات الطبية لهم، ونقل الموتى إلى بلادهم، أما مشاركة المرأة في الجهاد المسلح وقتال العدو فقد جاء في الحديث عن عائشة ﵂ أنها استأذنت النبي - ﷺ - في الجهاد فقال: \" جهادكن الحج \". ثانيًا: قال الحافظ: وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة. والمطابقة: في قولها: \" ونداوي الجرحى \".\n٧٥٩ - \" باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب \"\n٨٦٢ - معنى الحديث: أن الله يرزق المسلمين بدعاء ضعفائهم، كما يحقق لهم به النصر في الحرب، والتغلب على العدو، وكسب المعركة، قال","vol":"4","page":104},{"text":"في \" هداية الباري \" تأويل ذلك أن الضعفاء هم أشد إخلاصًا، وأكثر خشوعًا، لخلو قلوبهم من التعلق بزخارف الدنيا، وصفاء ضمائرهم من القواطع عن الله جل شأنه، فبذلك زكت أعمالهم، واستجيب دعاؤهم، لكرامتهم على ربهم، وفي الحديث الصحيح: \" ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبرّه \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الاستعانة بدعاء الضعفاء على النصر على الأعداء، إذا كانوا صالحين، وهو ما ترجم له البخاري، لأن النصر إنما هو من عند الله، فلا ينبغي الاعتماد فيه على مجرد القوة العسكرية، أو البطولة والشجاعة، وإنما ينبغي الاعتماد على الله، والإكثار من التضرع والاجتهاد في الدعاء، والتماس دعاء الضعفاء والصالحين، لما له من عظيم الأثر في مثل هذه المواقف، فقد جاء في رواية البخاري عن سبب هذا الحديث، أن سعد بن أبي وقاص رأى أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي - ﷺ -: \" هل تنصرون وترزقون إلاّ بضعفائكم \"، وفي رواية أنه قال: يا رسول الله أرأيت رجلًا يكون حامية القوم، ويدفع عن أصحابه أيكون نصيبه كنصيب غيره؟ فقال - ﷺ -: \" ثكلتك أمك، وهل ترزقون وتنصرون إلاّ بضعفائكم \" فلما رأى سعد أنه هو وأمثاله من الفرسان هم الذين كسبوا المعركة قال له النبي - ﷺ - لا تظن أن المسلمين لم ينتصروا إلا بسواعد أبطالهم، وقوة فرسانهم، بل إنما انتصروا بدعاء ضعفائهم، وفي رواية أخرى \" إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائهم، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم \". الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n***","vol":"4","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>٧٦٠ - \" بَابُ التَّحرِيضِ على الرَّميْ </span>\"\n٨٦٣ - عن أبي أسَيْدٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ حينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: \" إِذَا أكثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بالنَّبْلِ \".\nــ\n٧٦٠ - \" باب التحريض على الرمي \"\n٨٦٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قال في غزوة بدر لأصحابه حين قام بترتيبهم، وتنظيم صفوفهم \" إذا أكثبوكم \" أي إذا دنوا منكم \" فعليكم بالنبل \" أي فارموهم بالسهام. والمعنى: إذا قاربوم بحيث تنالهم السهام، فعليكم أن ترموهم بها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحريض على الرمي والحثّ عليه بأي وسيلة من وسائله، سواء كان ذلك بالسهام كما في العصور السالفة، أو بالرصاص والقذائف النارية والقنابل اليدوية كما في العصر الحديث، لأن الرمي أحد عناصر القوة التي أمرنا الله تعالى بها في قوله ﷿: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ويفسر في كل عصر بحسب ذلك العصر، وما جد فيه من آلات حربية، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: المحافظة على الذخيرة الحربية (١)، واستعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب، فإنه إنما أمرهم بالرمي عند القرب فقط أنهم إذا رموهم على بعد قد لا تصيبهم السهام، فتضيع دون فائدة، فاستبقاؤها أولى، وليس المراد بالقرب التلاحم الذي لا ينفع فيه إلاّ السلاح الأبيض، وهو السيوف. والمطابقة: في قوله: \" إذا أكثبوم فعليكم بالنبل \". الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود.\n_________\n(١) وعدم تضييعها دون فائدة.","vol":"4","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-835>٧٦١ - \" بَابُ مَا قِيلَ في قِتالَ الرُّومَ </span>\"\n٨٦٤ - عَنْ أمِّ حَرَام ﵂:\nأنهَا سَمِعَتْ النبي - ﷺ - يَقولُ: \" أوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قدْ أوْجَبُوا \" قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أنا فِيهِم؟ قَالَ: \" أنتِ فيهِمْ \" قَالَتْ: ثُمَّ، قَالَ النبي - ﷺ -: \"أوَّلُ جَيْش مِنْ أمَّتِي يَغْزُون مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ \" فَقُلْتُ: أنَا فيهمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \" لا \".\nــ\n٧٦١ - \" باب ما قيل في قتال الروم \"\nأي هذا باب يذكر فيه ما جاء من الأحاديث في غزو الروم في عقر دارهم، ومحاربتهم على أبواب عاصمتهم القسطنطينية.\n٨٦٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - بشر أصحابه في هذا الحديث بغزو الامبراطورية الرومانية مرتين، وفي معركتين: الأولى: معركة بحرية أخبر عنها - ﷺ - بقوله: \" أوّل جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا \" أي أوّل معركة بحرية يغزو فيها المسلمون دولة الروم يكونون قد فازوا فيها بالشهادة، واستحقوا الجنة. وهذه المعركة هي غزوة قبرس التي غزى فيها عثمان بن عفان في السنة الرابعة والعشرين من الهجرة جزيرة قبرس في البحر الأبيض المتوسط.\n\" قالت \" أي أم حرام ﵂: \" قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم \" فبشر النبي - ﷺ - أمّ حرام بالاشتراك في هذه الغزوة البحرية، وقد تحققت هذه البشري فاشتركت أم حرام في هذه المعركة، فلما رجعت وقعت من دابتها، فاندقت عنقها، وماتت شهيدة في سبيل الله. أما المعركة الثانية فهي معركة القسطنطينية، وهي أول غزوة غزا فيها المسلمون هذه المدينة، وفي هذا يقول - ﷺ -: \" أوّل جيش يغزو مدينة قيصر \" أي يغزو","vol":"4","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>٧٦٢ - \" بَابُ قتالِ الْيَهُودِ </span>\"\n٨٦٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ: يا مُسْلِمْ هَذَا يَهودِي ورائي فاقْتُلْهُ \".\nــ\nالقسطنطينية التي هي أكبر مدن الروم، وعاصمة ملكهم لأول مرة، وذلك في خلافة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، واشترك في هذه الغزوة بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين شهد لهم النبي - ﷺ - بالمغفرة في قوله \" مغفور لهم \" قالت أم حرام \" فقلت أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا \" لأنها ماتت في غزوة قبرس. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إخبار النبي - ﷺ - عن غزو المسلمين للروم في معركة بحرية تدور رحاها في البحر الأبيض المتوسط (١) وهى غزوة قبرس، وتبشيره لمن قتل فيها بالشهادة والجنة، ومنهم أم حرام ﵂. ثانيًا: تبشيره - ﷺ - للمسلمين بأول غزوة يقومون بها لمدينة القسطنطينية وقتالهم للروم في عقر دارهم، وعاصمة امبراطوريتهم، وقد تحقق ذلك في عهد يزيد بن معاوية، حيث غزا المسلمون عاصمة الروم بجيش يضم جماعة من أعلام الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيّوب الأنصاري وتوفي أبو أيوب في القسطنطنية ودفن عند سورها ﵃ أجمعين. والمطابقة: في قوله: \" أول جيش من أمتي يغزو مدينة قيصر مغفور لهم \".\n٧٦٢ - \" باب قتال اليهود \"\n٨٦٥ - معنى الحديث: أخبر النبي - ﷺ - في هذا الحديث عن محاربة\n_________\n(١) أي وهذه المعركة هي غزوة قبرس.","vol":"4","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-837>٧٦٣ - \" بَابُ مَنْ أرَادَ غَزْوَةً فوَرَّى بِغيْرِهَا </span>\"\n٨٦٦ - عن كَعْبِ بْنِ مالِكٍ ﵁ قَال:\n\" كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا. إلَّا ورَّى بِغَيْرِهَا، حتى كَانَتْ غزْوَةُ تَبُوكٍ، فغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في حَر شَديدٍ، واسْتَقْبَلَ\nــ\nالمسلمين لليهود في آخر الزمان، وانتصارهم عليهم قبل قيام الساعة، فيهزمون حتى يختبىء أحدهم ويختفي وراء الحجر، فيقول الحجر: \" يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله \" ويحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجازًا، فيكون كناية عن انكشاف اليهودي وظهوره، وهزيمته قال القسطلاني قوله: \" حتى تقاتلوا اليهود \" أي الذين يكونون مع الدجال عند نزول عيسى ﵇.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: محاربة المسلمين لليهود في آخر الزمان، وانتصارهم عليهم، وتلك حقيقة ثابتة لا بد من وقوعها ما دام قد أخبر عنها الصادق المصدوق - ﷺ - وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن هؤلاء اليهود يقضى عليهم في هذه الحرب، ولا تقوم لهم بعدها قائمة بدليل قوله: \" حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله \". والمطابقة: في قوله: \" لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٧٦٣ - \" باب من أراد غزوة فورَّى بغيرها \"\n٨٦٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان في أكثر غزواته وأغلبها إذا أراد غزو جهة أخفاها، وأظهر أنه يريد غزو جهة أخرى، ليباغت العدو، إلّا في غزوة تبوك، فإنه قد أعلنها للناس وبين لهم الجهة التي يريدها، لأن النبي - ﷺ - قد خرج إليها في حرّ شديد، وواجه فيها سفرًا طويلًا، واستقبل عدوًا كثير العدد والعدة كما قال الراوي \"فغزاها رسول الله - ﷺ - في حرّ","vol":"4","page":109},{"text":"سَفَرًا بَعِيدًا ومَفَازًا، واسْتَقبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ فجلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ لِيَتأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذي يُرِيدُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>٧٦٤ - \" بَابُ التَّودِيعَ </span>\"\n٨٦٧ - عَنْ أبِي هريْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ:\nبَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في بعثٍ وَقَالَ لَنَا: \"إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلانًا لِرَجُليْنِ مِنْ قريش سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بالنَّارِ \" قَالَ: ثُمَّ أتيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أردْنَا\nــ\nشديد، واستقبل سفرًا ومفازًا\" قال في \" المصباح \": المفاز الموضع المهلك، مأخوذ من فوّز بالتشديد إذا مات، لأنّها مظنة الموت، \" واستقبل غزو عدد كثير، فجلَّى للمسلمين أمرهم \" أي فأعلن لهم عن هذه الغزوة \" ليتأهبوا أهبة عدوهم \" أي يستعدوا له.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب التورية في الحرب، وإخفاء الجهة المقصودة تعمية على العَدُوّ سيما في الحروب الخاطفة للتمكن منه والله أعلم. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجه بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" قلما كان رسول الله - ﷺ - يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها \".\n٧٦٤ - \" باب التوديع \"\n٨٦٧ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁: \" بعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث \" أي في جيش لقتال العدو، وكان أمير هذا الجيش حمزة بن عمرو الأسلمي كما رواه أبو داود \" وقال لنا: إذا لقيتم فلانًا وفلانًا لرجلين من قريش \" وهما هبار بن الأسود ورفيقه \" فحرقوهما بالنار \" جزاء لهما على تعديهما على زينب بنت رسول الله - ﷺ -، ومحاولتهما قتلها، وذلك أن النبي - ﷺ - لما أطلق زوجها أبا العاص بن الربيع من الأسر، وجهزها وأرسلها","vol":"4","page":110},{"text":"ْالْخُروجَ، فَقَالَ: \" إنِّي كُنْت أمَرْتُكمْ أن تحَرِّقُوا فُلانًا وفُلانًا بالنَّارِ، وإنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِهَا إِلا اللهُ، فإنْ أخَذْتمُوهمَا فَاقْتلُوهُمَا \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>٧٦٥ - \" بَاب يُقَاتلُ مِنْ وَرَاءِ الإمَامِ </span>\"\n٨٦٨ - عَنْ أبي هريْرَةَ ﵁:\nأنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقول: \"مَنْ أطَاعَنِي فَقَدْ أطَاعَ اللهَ، ومَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِع الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَنِي، ومَنْ يَعْصِ الأمِيرَ\nــ\nإليه، تبعها هبار بن الأسود ورفيقه، فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت، \" ثم أتينا نودعه \" قبل سفرنا \" فقال: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذّب بها إلاّ الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما \" أي أنه - ﷺ - ندم، ورجع عن رأيه، ونهاهم عن قتلهما حرقًا، لأن الحرق لله وحده.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يسن التوديع عند السفر فيستحب للمسافر أن يودع أكابر أهل بلده،. وأقاربه وأصحابه.\nثانيًا: النهي عن القتل حرقًا في الحدود، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وعطاء وغيرهم (١)، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن من حرق يحرّق.\nالحديث: أخرجه أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" أتيناه نودعه \".\n٧٦٥ - \" باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به \"\n٨٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"من أطاعني فقد أطاع الله \" أي من نفذ أحكامي أمرًا أو نهيًا، فقد فاز بطاعة الله ورضوانه وجنته، \" ومن عصاني فقد عصا الله \" كما قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\n_________\n(١) قالوا: لا يقتل إلا بالسيف كما في \" شرح العيني \" ج ١٤.","vol":"4","page":111},{"text":"فَقَدْ عَصَانِي، وإنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ، وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أجْرًا، وإنْ قَالَ بِغَيرِهِ فإنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>٧٦٦ - \"بَابُ البَيْعَةِ في الْحَرْبِ على أنْ لا يَفرُّوا، وَقَالَ بَعضهُمْ: عَلَى الْمَوْتِ</span>\"\n٨٦٩ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nــ\nفَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) \" ومن يطع الأمير فقد أطاعني \" أي ومن يطع ولي الأمر أيًا كان أميرًا أو قاضيًا أو مدير شرطة فقد أطاع النبي - ﷺ -، \" ومن يعص الأمير فقد عصاني \" قال القرطبي: وهو عام في كل أمير عدل للمسلمين \" وإنما الإِمام جنة \" بضم الجيم، وتشديد النون، أي وقاية للمسلمين وحماية لهم، من الأعداء ينفذ فيهم أحكام الشريعة، التي تحقق الأمن والاستقرار، \" يقاتل من ورائه \" أي يجب على المسلمين أن يقاتلوا معه الكفار والبغاة \" فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه \" أي أنه لا يجوز الخروج عليه ولو عصى فإن ذلك بينه وبين ربه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب طاعة ولي الأمر ولو فاسقًا لأن فسقه يعود عليه، ما لم يأمر بمعصية فلا طاعة له. ثانيًا: وجوب القتال من ورائه. والمطابقة: في قوله: \" إنما الإِمام جنة يقاتل من ورائه \".\n٧٦٦ - \" باب البيعة في الحرب على أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت \"\nقال العيني: والمراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا ولو ماتوا، وليس","vol":"4","page":112},{"text":"رَجَعْنَا مِن العَامِ المُقْبِلِ، فما اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ على الشَّجَرَةِ التي بايَعْنَا تَحْتَهَا كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: على أيِّ شيءٍ بَايَعَهمْ، عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: لا، بَلْ بَايَعَهُمْ على الصَّبرِ\".\nــ\nالمراد به أن يقع الموت ولا بد. اهـ. وعلى هذا فالصيغتان بمعنى واحد.\n٨٦٨ - معنى الحديث: أن عبد الله بن عمر ﵄ يقول: \" رجعنا من العام المقبل \" أي رجعنا إلى مكة معتمرين عمرة القضاء في العام الذي يلي عام الحديبية، وذلك في السنة السابعة من الهجرة \" فما اجتمع منا اثنان على الشجرة \" أي فإذا شجرة الرضوان قد اختفت آثارها، ولم يبق منها شيء، واختلفنا في تحديد موضعها، فلم يتفق منا اثنان على تحديد مكانها، \" وكانت رحمة من الله \" أي وكانت موضع رحمة لنا ورضوان من الله تعالى حيث قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) \" فقيل له: على أي شيء بايعهم \" يعني بأي صيغة بايعهم رسول الله - ﷺ - \" على الموت؟ \" بحذف همزة الاستفهام تقديره أعلى الموت - يعني هل بايعهم على الموت، \" قال: لا على الصبر \" يعني بايعهم على الصبر على الأعداء، والثبات في الحرب، والاستمرار فيها، وأن لا يفروا من المعركة. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية المعاهدة في الحرب، سيما في المعارك الخطيرة والمبايعة على الصبر، وعدم الفرار، وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في قوله: \" بايعهم على الصبر \".\n***","vol":"4","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>٧٦٧ - \" بَابُ كَرَاهِيَّةِ السَّفَرِ بالمصَاحِفِ إلى أرْضِ الْعَدُوِّ </span>\"\n٨٧٠ - عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أنْ يُسَافَرَ بالقُرْآنِ إلى أرْض العَدُوِّ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>٧٦٨ - \" بَابُ يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإِقامة </span>\"\n٨٧١ - عَنْ أبي موسى ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إذا مَرِضَ العَبْد أو سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ\nــ\n٧٦٧ - \" باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو \"\n٨٧٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نهى المسلمين عن السفر بالمصاحف إلى أرض المشركين خوفًا من أن يتمكنوا من الحصول عليها، فيعبثوا بها، ويهينوها. قال مالك: إنما ذلك مخافة أن يناله العدو، أي خوفًا من أن يتمكن الكفار من القرآن متمثلًا في المصاحف فيعبثوا به، وهو معنى قوله: \" نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو \" قال الباجي (١): يريد والله أعلم بالقرآن المصحف، لما كان القرآن مكتوبًا فيه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على النهي عن السفر بالمصحف الشريف إلى أرض العدو، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز ذلك في العسكر الصغير الذي يخاف عليه، أما الكبير فقد أجاز السفر إليه بالمصحف أبو حنيفة، ومنعه مالك مطلقًا كما أفاده الباجي، وأدار الشافعية الكراهية مع الخوف وجودًا وعدمًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كونه - ﷺ - نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو.\n٧٦٨ - \" باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإِقامة \"\n٨٧١ - معنى الحديث: أن المؤمن الصالح إذا مرض أو سافر سفر\n_________\n(١) \" المنتقى شرح الموطأ \" ج ٣.","vol":"4","page":114},{"text":"يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>٧٦٩ - \" بَابُ الْجِهَادِ بِإذْنَ الأبَوَيْنَ </span>\"\nــ\nطاعة فمنعه سفره ومرضه عن عبادات وطاعات وأعمال صالحة، كان معتادًا لها، محافظًا عليها أثناء صحته وإقامته، فإن الله يكتب له أثناء مرضه وسفره من الأجر والمثوبة ما يوازي ثواب تلك الأعمال التي كان يفعلها عندما كان مقيمًا صحيحًا وهو مصداق قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. والمطابقة: في قوله: \" كتب له مثل ما كان يعمل إلخ \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المسافر والمريض يكتب لهما ما كانا يعملانه من الطاعات حال إقامتهما وصحتهما، ويوضع في كفة حسناتهما، قال في \" هداية الباري \" (١) هذا في حق من دأب على عمل صالح، فعرض عليه من الملّمات الجسمانية ما أخرجه عن الاعتدال، وأدخله في دائرة الاعتلال، أو سافر في غير معصية، وعَضَلَهُ سفره عن ذلك العمل، ونيته لولا العارض لثابر عليه. قال ابن المنير (٢): وتدخل في ذلك الفرائض التي شأنها أن يعمل بها وهو صحيح إذا عجز عن جملتها أو بعضها بالمرض كتب له أجر ما عجز عنه حتى صلاة الجالس في الفرض لمرضه يكتب له عنها أجر صلاة القائم.\n٧٦٩ - \" باب الجهاد بإذن الأبوين \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين.\n_________\n(١) \" هداية الباري \" للطهطاوى ج ١.\n(٢) \" شرح القسطلاني على البخاري \" ج ٥.","vol":"4","page":115},{"text":"٨٧٢ - عن عبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ:\nجَاءَ رَجُل إلى النبِيِّ - ﷺ - فاسْتَأذَنَهُ في الْجِهَادِ فَقَالَ: \"أحَيٌّ وَالِدَاك؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \" فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ \".\nــ\n٨٧٢ - معنى الحديث: أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - وهو جاهمة ابن العباس بن مرداس جاء إلى النبي - ﷺ - يستأذنه في الجهاد، فسأله النبي - ﷺ - عن أبويه هل هما لا يزالان على قيد الحياة، قال: نعم \" قال ففيهما فجاهد \" الفاء الأولى واقعة في جواب شرط محذوف، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط، أي إذا كان الأمر كما قلت فاختص المجاهدة في خدمتهما، وفي رواية عنه أنه قال أتيت النبي - ﷺ - أستشيره في الجهاد، فقال: \" ألك والدة؟ \" قلت: نعم، قال: \" اذهب فأكرمها \" فإن الجنة تحت رجلها \" أخرجه أحمد والنسائي: قال الصنعاني: سمّى إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين وبذل المال في قضاء حوائجهما جهادًا من باب المشاكلة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز الجهاد إلّا بإذن الأبوين، لقوله - ﷺ -: \" ففيهما فجاهد \" حيث أمره بببرهما وجهاد النفس في القيام بخدمتهما وإرضائهما وطاعتهما، وأصرح منه في وجوب استئذانهما حديث أبي سعيد عن النبي - ﷺ - أنه قال له: \" ارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلّا فبرهما \" أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان.\nقال الصنعاني (١): وذهب الجماهير من العلماء إلى أنّه يحرم الجهاد على الولد إذا منعه الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد، فإنه يقدم على طاعة الوالدين. ثانيًا:\n_________\n(١) \" سبل السلام \" ج ٤.","vol":"4","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>٧٧٠ - \" بَابُ قتْلِ النِّسَاءِ في الْحَربِ </span>\"\n٨٧٣ - عن عبْد اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أن امْرَأةً وُجِدَتْ في بَعْض مَغَازِي النَّبِيِّ - ﷺ - مَقتُولَةً، فنَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْ قَتْل النِّسَاء والصبيَانِ \".\nــ\nقال الحافظ: استدل بهذا الحديث (١) على تحريم السفر بغير إذن الوالدين، لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان السفر لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقًا إليه فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. ثالثًا: قال الحافظ وفي الحديث فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب على برهما. اهـ. وقد صرح في حديث آخر بأن بر الوالدين أفضل من الجهاد كما جاء في رواية عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن أفضل الأعمال فقال: \" الصلاة \" قال: ثم مه: قال: \" الجهاد \" قال: فإن لي والدين، فقال: \" برك بوالديك خير \" أخرجه ابن حبان. فقد دل هذا الحديث على أن بر الوالدين أفضل اللهم إذا كان الجهاد فرض عين، فإنه يقدم عليه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة \".\n٧٧٠ - \" باب قتل النساء في الحرب \"\n٨٧٣ - معنى الحديث: أن امرأة من المشركين وجدت مقتولة في غزوة الفتح، فلما رأى ذلك رسول الله - ﷺ - أنكر عليهم هذا الفعل، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان، ومنع المسلمين أن يقتلوا امرأة أو صبيًا عامدين متعمدين ذلك إلاّ في حالات استثنائية، كأن تقاتل المرأة أو الصبي المراهق مثلًا. الحديث: أخرجه الشيخان.\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٦.","vol":"4","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>٧٧١ - \" بَابُ حَرْقَ الدُّورِ والنَّخِيلَ </span>\"\n٨٧٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" حَرَّقَ النبي - ﷺ - نَخْلَ بني النَّضِيرِ \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، وهو أمر مجمع عليه فيما إذا لم يقاتلوا أو يختلطوا بالرجال. أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي، أو اختلطوا بالرجال، فيجوز قتلهم عند الجمهور لما جاء في حديث ابن عمر أنه - ﷺ - لما دخل مكة أتي بامرأة مقتولة فقال: \" ما كانت هذه تقاتل \" أخرجه الطبراني، قال الصنعاني: قوله: \" ما كانت هذه تقاتل \" يدل على أنها إذا قاتلت قتلت، وإليه ذهب الشافعي (١) وأبو حنيفة أيضًا. اهـ. وأما جواز قتل المرأة إذا اختلطت بالرجال المقاتلين فيدل عليه حديث البخاري عن الصعب بن جثامة أن النبي - ﷺ - سئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم قال: \" هم منهم \" أخرجه الستة، فدل ذلك على جواز قتل النساء والصبيان إذا لم يمكن الوصول إلى الرجال إلا بقتلهم وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتلهم حتى لو تترس أهل الحرب بهم. والمطابقة: في قول ابن عمر: \" نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء \" وهو ما ترجم له البخاري.\n٧٧١ - \" باب حرق الدور والنخيل \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على جواز إحراق دور المشركين وأشجارهم ونخيلهم إذا كان لا يمكن استسلامهم والظفر بهم إلّا بذلك.\n٨٧٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان قد تعاهد مع قبيلة بني\n_________\n(١) \" سبل السلام \" ج ٤.","vol":"4","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-846>٧٧٢ - \"بَاب الْحَرْبُ خدعَة </span>\"\n٨٧٥ - عَنْ أبي هرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"هَلَكَ كِسْرَى، ثم لَا يَكُون كِسْرَى بَعْدَهُ،\nــ\nالنضير من اليهود فنقضوا العهد الذي بينه وبينهم، وحاولوا قتله غيلة، فأخبره الله بذلك، فغزا ديارهم في جنوب المدينة سنة أربع من الهجرة، وطلب منهم الاستسلام فرفضوا فشدد الحصار عليهم، وخرب ديارهم، وحرق نخيلهم وأشجارهم بعد أن حاصرهم خمسة عشر يومًا، فنزلوا على حكمه، واستسلموا، فأجلاهم عن المدينة. والمطابقة: في قوله: \" حرق النبي - ﷺ - نخل بني النضير \".\nفقه الحديث: قال القسطلاني: استدل الجمهور بذلك على جواز التحريق والتخريب في بلاد العدو إذا تعين طريقًا في نكاية العدو، وخالف بعضهم فقال: لا يجوز قطع الثمر، وحمل ما ورد من ذلك إِما على غير المثمر، وإما على أن الشجر الذي قطع في قصة بني النضير كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الليث والأوزاعي وأبي ثور. اهـ. واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا من ذلك، وأجاز ذلك الكوفيون ومالك والشافعي وأحمد (١) وإسحاق والثوري وابن القاسم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\n٧٧٢ - \" باب الحرب خدعة \"\nروى بسكون الدال وضم الخاء وفتحها وكسرها، خُدْعة خَدْعة خِدْعة، وبضم الخاء وفتح الدال خُدَعة، قال القزاز: وفتح الخاء وسكون الدال لغة النبي - ﷺ - وهي أصح.\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٥.","vol":"4","page":119},{"text":"وَقَيْصَر لَيَهْلَكَن، ثُم لا يَكُونُ قَيْصَر بَعْدَهُ، وَلتقْسَمَن كُنُوزُهُمَا في سَبِيل اللهِ\" وسَمَّى الحَرْبَ خُدْعَةً.\nــ\n٨٧٥ - \"معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - بشر أصحابه باتساع نطاق الفتح الإسلامي شرقًا وغربًا حتى يفضى على دولتي الفرس والروم، فقال - ﷺ -: \" هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده \" فعبر عنه بصيغة الماضي للدلالة على أن هلاكه في حكم الشيء الذي وقع وانتهى، وذلك لقرب وقوعه حيث هلك آخر ملوكهم في عهد الفاروق ﵁، أما القضاء على الامبراطورية الرومانية فأخبر عنه - ﷺ - بقوله: \" وقيصر ليهلكن \" فعبر عنه بصيغة المضارع، لأن القضاء على الامبراطورية الرومانية في المشرق قد تم على مراحل، حيث أخذت تتقلص ولم يقض عليها نهائيًا إِلا على يد السلطان المظفر محمد الفاتح عندما فتح القسططينية سنة ٨٥٧ هـ \" وسمى الحرب \" في غزوة الخندق \" خدعة \" ومعناه أن النصر فيها لا يعتمد على العدد والعدة بقدر ما يعتمد بعد الله على حسن التدبير والحيل الحربية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: البشارة بزوال الدولة الفارسية في أقرب وقت، كما يدل عليه التعبير بصيغة الماضي في قوله - ﷺ -: \" هلك كسرى \". ثانيًا: بشارته - ﷺ - بزوال الامبراطورية الرومانية من المشرق بعد مدة من الزمن كما يدل عليه التعبير بصيغة المضارع في قوله - ﷺ -: \" وقيصر ليهلكن \" وهذا ما وقع بالفعل؛ لأنّ الدولة الرومانية أخذت تتقلص على يد الفاتحين شيئًا فشيئًا، فجلت عن بلاد الشام في عهد الفاروق ﵁، وتوالت الفتوحات حتى فتحت عمورية في عهد الخليفة العباسي المعتصم، ثم تمَّ القضاء عليها في الشرق نهائيًا بفتح القسطنطينية على يد الخليفة المظفر محمد الفاتح. حيث غزاها بجيش يبلغ مائتين وخمسين ألفًا، وحاصرها بحرًا","vol":"4","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-847>٧٧٣ - \" بَابُ فكاك الأسير </span>\"\n٨٧٦ - عَنْ أبي مُوسى ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" فُكوا الْعَانِيَ -يعني الأسير- وأطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعوُدُوا الْمَرِيضَ \".\nــ\nبمائة وثمانين ألفًا، غير أنه لم تتمكن السفن العثمانية من الوصول إلى القسطنطينية بسبب السلاسل الحديدية التي حالت بينهم وبينها من جهة البحر، فلما رأى السلطان ذلك أمر بوضع ألواح خشبية على البر، وصب عليها الزيت، ونقل عليها السفن البحرية التي تبلغ نحو سبعين سفينة إلى الجانب الآخر من البحر على طريق برّي يبلغ ستة أميال، وتم ذلك في ليلة واحدة، فلم يطلع الصباح حتى رآها الروم قائمة على البحر تحاصر عاصمتهم، فأيقنوا بالهزيمة، واقتحم السلطان المدينة بمائة وخمسين ألفًا مكبرين مهللين، ودخلوا القسطنطينية في ٢٠ جمادى الأولى سنة ٨٥٧ هـ. واقتحم المسلمون كنيسة القديسة صوفيا حيث كان يصلي البطريق، فخرج منها، وقاتل حتى قتل، وأحال المسلمون تلك الكنيسة إلى مسجد إسلامي. ثالثًا: أن الحرب تدبير واحتيال، وكثيرًا ما كان - ﷺ - يعتمد في حربه على الخطط العسكرية والحيل الحربية. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٧٧٣ - \" باب فكاك الأسير \"\n٨٧٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - أمر بفك الأسير وتخليصه من يد المشركين، وفدائه بالمال، كما أمر أيضًا بإطعام الطعام لكل من يحتاج إليه من إنسان أو حيوان، وبعيادة المريض وزيارته أثناء مرضه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية فكاك","vol":"4","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>٧٧٤ - \"بَابُ فِدَاءِ الْمُشْرِكين </span>\"\n٨٧٧ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁:\nأنَّ رِجَالًا من الأنْصَارِ استَأذَنُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إئْذَنْ فَلْنَتْرُكْ لابنِ أُخْتِنَا عَبَاسٍ فِدَاءَهُ، فَقَالَ: \" لا تَدَعُونَ مِنْهَا دِرْهمًا \".\nــ\nالأسير ومفاداته من يد العدو بالمال، وهو فرض كفاية عند الجمهور، قال إسحاق ومالك في رواية: فكاكه من بيت المال، وقال أحمد: يفادى بالرؤوس، أما بالمال فلا أعرفه. ثانيًا: مشروعية إطعام الجائع وهو فرض كفاية وعيادة المريض وقد تقدم. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فكوا العاني \" أي الأسير.\n٧٧٤ - \" باب فداء المشركين \"\nأي هذا باب يذكر فيه مشروعية فداء المشركين بمال يؤخذ منهم.\n٨٧٧ - معنى الحديث: أن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله - ﷺ - ورضي عنه وقع أسيرًا في أيدي المسلمين يوم بدر، فعرض بعض الأنصار على رسول الله - ﷺ - أن يمنَّ عليه بإطلاق سراحه، وفك أسره دون أي فداء مالي لما بينه وبينهم من قرابة، لأنهم أخوال أبيه، وهو معنى قولهم: \" ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه \" قال القسطلاني: وقالوا: ابن أختنا ليكون له المنة عليهم بخلاف ما لو قالوا: ائذن لنا فلنترك لعمك. \" فقال: لا تدعون منها درهمًا \" أي لا بد أن تأخذوا منه الفداء كاملًا دون أن يتبقى منه درهم واحد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية فداء الأسير","vol":"4","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>٧٧٥ - \" بَابُ الحْربِيّ إذَا دَخلَ دَارَ الإسْلامِ بِغيْرِ أمَانٍ </span>\"\n٨٧٨ - عن سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعْ ﵁ قَالَ:\nأتى النبي - ﷺ - عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَهُوَ في سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثم انْفَتَلَ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: \" اطْلُبُوهُ واقتُلُوهُ \" فقَتَلَهُ، فَنَفَّلَهُ سَلَبَهُ.\nــ\nالمشرك، وهو أخذ المال من الأسير المشرك مقابل إطلاق سراحه، أو إطلاق أسير مسلم بدلًا عنه، قال في \" الإفصاح \": اتفقوا على أن الإِمام مخير في الأسارى بين القتل والاسترقاق، واختلفوا هل هو مخير فيهم بين الفداء، والمن، وعقد الذمة، فقال مالك والشافعي وأحمد: هو مخير فيهم أيضًا بين الفداء بالمال وبالأسارى وبين المن عليهم، وقال أبو حنيفة: لا يمن ولا يفادي، وأما عقد الذمة فقال مالك وأبو حنيفة: هو مخير في عقد الذمة عليهم، وقال الشافعي وأحمد: ليس له ذلك لأنهم قد ملكوا. ثانيًا: أنه لا محاباة في الأحكام الشرعية، ولذلك ساوى النبي - ﷺ - بين عمه العباس وغيره في أخذ الفداء. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٧٧٥ - \" باب الحربي إذا دخل دار الإِسلام بغير أمان \"\n٨٧٨ - معنى الحديث: أن المشركين أرسلوا إلى النبي - ﷺ - جاسوسًا في غزوة حنين، جاء يركض على جمل أحمر أناخه ثم انتزع حبلًا من جعبته فقيد به الجمل، ثم تقدم وجلس مع أصحاب رسول الله - ﷺ - وتحدث إليهم، وأكل معهم ليطمئنوا إليه ويتعرف على أحوالهم، قال الراوى: \" ثم انفتل \" أي ثم انصرف على هيئة مريبة تبعث على الشك حيث خرج يشتد أي يسرع في سيره، فأتى جمله فأطلق قيده، ثم قعد عليه، فاشتد به، أي أسرع في سيره، فشخصت إليه الأبصار وتنبه له الرسول - ﷺ - وتأكد من جاسوسيته،","vol":"4","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-850>٧٧٦ - \" بَابُ استقْبَالَ الْغزَاةِ </span>\"\n٨٧٨ م - عَن السَّائِبِ بْنِ يَزيدَ قَالَ:\n\" ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَعَ الصبيَانِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ \".\nــ\n\" فقال النبي - ﷺ -: اطلبوه فأقتلوه \" أي فأمر النبي - ﷺ - بإلقاء القبض عليه وقتله \" فقتله فنفله سلبه \" أي فقتله سلمة بن الأكوع فأعطاه النبي - ﷺ - سلبه، أي أعطاه ما وجده عليه من ثياب وسلاح ونحوها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استدل به مالك على مشروعية قتل الحربي إذا دخل دون أمان، وقال أبو حنيفة يكون فيئًا للمسلمين، وهو قول أحمد أيضًا وقال الشافعي: إذا ادعى أنه رسول قُبِلَ منه. ثانيًا: قال النووي: فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر، وهو محل اتفاق، وأما المعاهد والذمي، فقال مالك والأوزاعي ينقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" اطلبوه فاقتلوه \".\n٧٧٦ - \" باب استقبال الغزاة \"\n٨٧٨ م - معنى الحديث: يقول السائب بن يزيد ﵁ \" ذهبنا نتلقى رسول الله - ﷺ - مع الصبيان \" أي خرجت وأنا غلام صغير مع غلمان المدينة نستقبل رسول الله - ﷺ - \" إلى ثنية الوداع \" الواقعة في شمال المدينة بجوار جبل سلع، وعند مفرق طريق العيون وسلطانة، كما جاء في رواية الترمذي حيث قال: \" لما قدم (١) رسول الله - ﷺ - من تبوك خرج الناس يتلقونه إلى ثنية الوداع، فخرجت مع الناس، وأنا غلام \" قال الترمذي حسن\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٥.","vol":"4","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>٧٧٧ - \" بَابُ مَا يَقُولُ إذَا رَجَعَ مِنَ الْغزْوِ </span>\"\n٨٧٩ - عن ابنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ النبي - ﷺ - كَانَ إذَا قَفَلَ كَبَّرَ ثَلَاثًا قال: \" آيِبُونَ إنْ شَاءَ اللهُ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، حَامِدُونَ، لِربَّنا سَاجِدُونَ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ \".\nــ\nصحيح. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية استقبال القادمين من الجهاد والحج بالحفاوة والترحيب، فهو سنة من سنن سيد المرسلين، وفيه جواز رواية الصبي لأن السائب كان غلامًا. والمطابقة: في قوله: \" ذهبنا نتلقى رسول الله - ﷺ - \".\n٧٧٧ - \" باب ما يقول إذا رجع من الغزو \"\n٨٧٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن النبي - ﷺ - كان إذا قفل كبّر ثلاثًا \" أي كان - ﷺ - إذا رجع من السفر قادمًا من غزو أو جهاد كبّر ثلاث تكبيرات ثم قال: \" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده \" ومعنى هذا القول المبارك: أننا عدنا إلى بلدنا الحبيب، وقد عقدنا العزم على العودة إلى الله والتوبة الصادقة المقترنة بالأعمال الصالحة من الشكر لله، والمواظبة على عبادته، والتقرب إليه بالصلاة، وكثرة السجود. الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ مختلفة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب هذا القول عند الوصول","vol":"4","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-852>٧٧٨ - \" بَابُ الصَّلَاةِ إذَا قَدِمَ مِنْ سفَر </span>\"\n٨٨٠ - عَنْ كَعْبٍ ﵁:\nأنَّ النبِيَّ - ﷺ - \" كَانَ إذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً، دَخَلَ المَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَجْلِسَ \".\nــ\nإلى الوطن لما فيه من التعبير عن مقابلة نعمة السلامة بالشكر لله تعالى، والعزم على التوبة (١) والرجوع إليه. والمطابقة: في قوله: \" كان إذا قفل كبّر ثلاثًا إلخ \".\n٧٧٨ - \" باب الصلاة إذا قدم من سفر \"\n٨٨٠ - معنى الحديث: يحدثنا كعب بن مالك ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان إذا قدم من سفر \" أي من أي سفر كان، جهادًا أو حجًا أو غيره، \" ودخل المسجد \" أي دخل مسجده الشريف، لأنه أشرف البقاع \" فركع فيه ركعتين \" تحية المسجد، شكرًا لله على نعمة الوصول بالسلامة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب صلاة ركعتين للمسافر عند وصوله في أقرب مسجد لبيته، لما في ذلك كما قال العيني (٢) من معنى الحمد لله على السلامة، والتبرك. والمطابقة: في قوله: \" كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد فصلّى ركعتين \".\n...\n_________\n(١) \" نزهة المتقين شرح رياض الصالحين \" للدكتور مصطفي الخن وشركاؤه.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ١٥.","vol":"4","page":126},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-853> كتاب فَرْضُ الْخمُس </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-854>٧٧٩ - \" بَابُ فَرْضُ الْخمُس </span>\"\n٨٨١ - عن علِي ﵁ قَالَ:\n\" كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبي من الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أعْطَانِي شارِفًا مِنَ الْخُمُس، فلما أردْتُ أنْ أبتني بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، واعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا من بنِي قَيْنُقَاع أنْ يَرْتَحِلَ معي، فَنَأتِيَ بإذْخِرٍ أردْتُ أنْ أبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ وأستعِينَ بِهِ في وَلِيمَةِ عُرْسِي، فَبَيْنَا أنا أجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا من الأقْتَابِ والغَرائِرِ والْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إلى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُل من الأنْصَارِ، رَجَعت حينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ، فإذَا\nــ\n٧٧٩ - \" باب الخمس \"\n٨٨١ - معنى الحديث: أن الإمام علي كرّم الله وجهه يحدثنا في حديثه هذا عن قصة غريبة وقعت له مع عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ فيقول: \" كانت لي شارف \" وهي المسنة من النوق كما أفاده العيني \" من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي - ﷺ - وأعطاني شارفًا من الخمس \" أي أنه ﵁ كان قد حَصَلَ على ناقتين كبيرتين من غنائم وخمس بدر \" فلما أردت أن أبتني بفاطمة \" أي أن أدخل بها \" واعدت رجلًا صوّاغًا من بني قينقاع \" من اليهود \" أن يرتحل معي فنأتي بإذخر \" وهو نبت طيب الرائحة \" أردت أن أبيعه الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي \" بضم العين،","vol":"4","page":127},{"text":"شَارِفَايَ قدْ أجِبَّتْ أسْنِمتُهمَا، وبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وأُخِذَ مِنْ أكْبَادِهمَا فَلَم أمْلِكْ عَيْنَّي حِينَ رَأيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظرَ مِنهُما، فقُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هَذا؟ فَقَالُوا: فَعَلَ حمزةُ بنُ عبدِ المطَّلِبِ: وهو في هَذَا الْبيتِ في شَرْبٍ من الأنْصَارِ، فانْطَلقْتُ حتى أدْخُلَ على النَّبِيِّ - ﷺ - وعِنْدَهُ زيدُ بنُ حَارثَةَ، فَعَرَفَ النبي - ﷺ - في وَجْهِي الَّذِي لَقِيْتُ، فقالَ النبي - ﷺ -: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما رَأيْتُ كاليْومِ قَطُّ، عدَا حَمْزَةُ على نَاقَتَيَّ فَجبَّ أسْنِمَتَهما، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُما، وهَا هُو ذَا في بَيْتٍ مَعه شَرْب، فدَعَا النبيُّ - ﷺ - بِرِدَائهِ، فارْتَدَى، ثم انْطَلَقَ يَمْشِي، واتبَّعْتُهُ أنا وَزَيْدُ ابنُ حَارثَةَ حتى جاءَ الْبَيْتَ الذي فِيهِ حمزةُ، فاسْتَأذَنَ فأذِنُوا لهم، فَإذَا هُمْ شَرْبٌ، فَطَفِقَ رَْسُولُ اللهِ - ﷺ - يَلُومُ حَمْزَةَ فيما فَعَلَْ، فَإذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةً\nــ\nأي أستعين بثمنه على شراء طعام العرس، \" فبينا أنا أجمع لشارفي متاعًا من الأقتاب \" جمع قتب وهو ما يوضع على ظهر البعير \" والغرائر \" أي الأكياس جمع غرارة بكسر الغين وهم ما يوضع فيه الشيء \" رجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد أجِبَّتْ أسنمتهما \" بضم الهمزة وكسر الجيم، وتشديد الباء، أي قطعت \" وبقرت خواصرهما \" أي شقت \" فلم أملك عيني \" أي فلم أستطع أن أمنع عيني عن البكاء \" فقالوا: فعل حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار \" بفتح الشين وسكون الراء أي جماعة يشربون الخمر \" فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم قط أي ما رأيت أشد على نفسي منه \" عدا حمزة على \" أي اعتدى عليهما \" فدعا النبي - ﷺ - بردائه فارتدى، ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا لهم، فإذا هم شرب،","vol":"4","page":128},{"text":"عَيْنَاهُ، فنظرَ حَمْزَةُ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، ثم صَعَّدَ النَّظر، فَنَظر إلى رُكْبَتِهِ، ثم صَعَّدَ النَّظر فنَظر إلى سُرَّتِهِ، ثم صَعَّدَ النَّظر، فَنَظر إلى وَجْهِهِ، ثم قالَ حَمْزَةُ: هَلْ أنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِأبِي، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَنَكَص رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرىَ، وخَرَجْنَا مَعَهُ.\nــ\nفطفق رسول الله - ﷺ - يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة قد ثمل \" أي فبدأ رسول الله - ﷺ - يلوم حمزة على ما فعله بناقتي علي، فإذا هو قد شرب وسكر \" محمرة عيناه \" أي حال كونه قد احمرت عيناه من السكر \" فنظر حمزة إلى رسول الله - ﷺ - ثم صعّد النظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه \" أي فجعل يصوب نظره أولًا إلى ركبة النبي - ﷺ - ثم إلى سرته ثم إلى وجهه \" ثم قال حمزة: هل أنتم إلاّ عبيد لأبي \" قال القسطلاني: يريد والله أعلم أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته، وأنه أقرب إليه منهما \" فعرف رسول الله - ﷺ - أنه قد ثمل، فنكص \" أي فعرف أنه في حالة سكر لا يعي ما يقوله: ولا يلام على ما يصدر منه، فعاد وتركه. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله ﵁: \" وكان النبي - ﷺ - أعطاني شارفًا من الخمس \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية فرض الخمس من الغنيمة، وأنه يجب أخذه منها، وصرفه في مصارفة كما قال تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ويقسم الخمس على خمسة أسهم: (أ) سهم لله ورسوله: وينفق منه على الفقراء والسلاح والجهاد، ونحو ذلك من المصالح العامة (ب) سهم ذوي القربى: أي أقرباء النبي - ﷺ - من بني هاشم وبني المطلب الذين آزروه وناصروه، ويستوي فيهم الغني والفقير، والقريب والبعيد، والذكر والأنثى،","vol":"4","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-855>٧٨٠ - \" بَابُ مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِيِّ - ﷺ - وعَصَاهُ وَسَيفهِ وقَدَحِهِ وخاتمِهِ وَمَا استَعْمَلَ الخلَفَاءُ بَعْدَهُ مِن ذَلِك، مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، وَمِنْ شَعْرِهِ وَنعْلِهِ وآنِيَتهِ، ممَّا يتَبرَّكُ بِهِ أصْحَابُهُ وَغَيْرُهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ </span>\"\n٨٨٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\n\" أنَّ أبَا بَكْر ﵁ لما اسْتُخْلِفَ بَعَثَهُ إلى الْبَحْرَيْنِ، وَكَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ وخَتَمَهُ بِخَاَتمِ النبِيِّ - ﷺ -، وكانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاَثةُ أسْطُرٍ: مُحَمَّدُ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، واللهِ سَطْرٌ \".\nــ\nللذكر مثل حظ الأنثيين، وهو مذهب الشافعي وأحمد (ج) سهم اليتامى من أطفال المسلمين ويختص بفقرائهم. (د) سهم المساكين. (و) سهم ابن السبيل وهو المسافر. ثانيًا: مساوىء الخمر ومضارها وما تؤدي إليه من العداوة والبغضاء. تكملة: اختلفوا في سهمه - ﷺ - فقال أبو حنيفة: يسقط بعد موته، وقال الشافعي: يصرف في مصالح المسلمين من إعداد السلاح، وإنشاء القناطر والمساجد كالفيء، وهو قول أحمد في رواية، وقال في رواية أخرى: يصرف إلى الذين نصبوا أنفسهم للقتال، وانفردوا (بالثغور). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\n٧٨٠ - \" باب ما ذكر من درع النبي - ﷺ -، وعصاه وسيفة وقدحه وخاتمه وما استعملة الحلفاء بعده من شعره ونعله مما يتبرك أصحابه وغيرهم بعد وفاته \"\n٨٨٢ - معنى الحديث: أن أبا بكر لما أرسل أنسًا إلى البحرين وكتب له كتاب الزكاة ختمه بخاتم النبي - ﷺ - الذي انتقل إليه، وقد كُتب عليه \" محمد \" في السطر الأول، ورسول في الثاني، والله في الثالث.","vol":"4","page":130},{"text":"٨٨٣ - حَدَّثَنَا عِيسى بْن طَهْمَانَ قَالَ:\n\" أخْرَجَ إليْنَا أنَسٌ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ لَهما قِبالانِ، فحدَّثَنِي ثَابِث البنَّانِي بَعْدُ عَنْ أنَسٍ أنَّهمَا نَعْلا النَّبِيِّ - ﷺ - \".\n٨٨٤ - عَنْ أبِي بُرْدَةَ رَضِيَ الله \"عَنْه قَالَ:\n\" أخْرَجَتْ إلَيْنَا عَائِشَةُ ﵁ كِسَاءً ملَبَّدًا، وَقَالَتْ: في هَذَا نزِعَ روح النبي - ﷺ - \".\n٨٨٥ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\n\" أن قَدَح النَّبِيِّ - ﷺ - انْكَسَرَ، فاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ \" قَالَ عَاصِم: رَأيْتُ الْقَدَحَ وشَرِبْتُ فِيهِ.\nــ\nالحديث: أخرجه الترمذي.\n٨٨٣ - معنى الحديث: يحدثنا عيسى بن طهمان راوي الحديث فيقول \" أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين \" بفتح الجيم وسكون الراء أي قديمين مجردين عن الشعر \" لهما قبالان \" أي زمامان يدخلهما من يلبسهما بين أصبعيه \" قال ابن طهمان: فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي - ﷺ - قال القسطلاني: كأنه رأى النعلين مع أنس ولم يعلمه أنهما نعلاه - ﷺ -، فحدثه بذلك ثابت عن أنس. الحديث: أخرجه البخاري.\n٨٨٤ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ \" أخرجت كساء ملبدًا \" أي مربعًا \" وقالت: في هذا نزع روح النبي - ﷺ - \" أي فاضت روحه. الحديث: أخرجه الخمسة غير النسائي.\n٨٨٥ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن قدح النبي - ﷺ - \" الذي كان يشرب فيه \" انكسر فاتخذ مكان الشعب \" أي فوضع","vol":"4","page":131},{"text":"٨٨٦ - عَنْ عَلِيّ بْنِ حسين أنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يزيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ حُسَيْنِ بْنِ عَلي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لَقِيَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إليَّ مِنْ حَاجَةٍ تَأمُرني بِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: لَا، فَقَالَ لَهُ: فَهَلْ أنت مُعْطِيَّ سَيْف رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإنِّي أخَافُ أن يَغْلِبَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وأيْمُ اللهِ لئن أعْطَيْتَنِيْهِ لا يُخْلَصُ إليْهِمْ أبَدًا حَتَّى تبلَغَ نَفْسِي.\nــ\nالنبي - ﷺ - في موضع الشق والكسر \" سلسلة من فضة \" ليربط بها الإناء \" قال عاصم \" الأحول \" رأيت القدح \" عند أنس ﵁. الحديث: أخرجه البخاري.\n٨٨٦ - معنى الحديث: يحدثنا الراوي \" أنهم \" أي آل بيت النبي - ﷺ - ومعهم الحسين بن علي الملقب بزين العابدين ﵃ \" حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين \" في شهر عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة \" لقيه المسور بن مخرمة \" أي استقبله بما يليق به من حفاوة. ثم قال له: \" هل أنت معطيَّ سيف رسول الله - ﷺ - \" أي وددت أن تسلمني سيف النبي - ﷺ - لأحفظه لك عندي \" وايم الله لئن أعطيتنيه \" أي سلمته إلي \" لا يخلص إليهم أبدًا \" أي أقسم بالله لئن سلمته لي لا يصدون إليه \" حتى تبلغ (١) نفسي \" أي حتى تفارقني روحي. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون هذه الأحاديث اشتملت على الأشياء المذكورة.\nفقه أحاديث الباب: اشتملت هذه الأحاديث على ذكر الأشياء التي خلفها\n_________\n(١) بضم التاء وفتح اللام أي حتى تقبض روحي وفي \" مرآة الزمان \" أنه - ﷺ - وهبه لعلي قبل موته ثم انتقل إلى آله.","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-856>٧٨١ - \" بَابُ ما كَانَ الرَّسُولُ - ﷺ - يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وغَيرَهُمُ مِنَ الْخمُس ونَحْوِهِ </span>\"\n٨٨٧ - عن أنس ﵁ قَالَ:\n\" قَالَ النّبِيُّ - ﷺ - أنَّي أُعْطِي قُرَيْشًا أتألفُهُمْ لأنهُمْ حَدِيْثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ \".\nــ\nالنبي - ﷺ - وانتقل بعضها إلى خلفائه كالخاتم، أو إلى أصحابه كقدحه ونعليه، أو إلى زوجاته كالكساء المربع -عند عائشة- أو إلى آل بيته كسيفه الذي وهبه لعليّ ثم انتقل إلى عترته الطاهرة، والله أعلم.\n٧٨١ - \" باب ما كان الرسول - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس \"\n٨٨٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يختص قريشًا بإعطائهم من الغنيمة أكثر من غيرهم، إما بأن يعطيهم من الخمس، أو من خمس الخمس تأليفًا لقلوبهم، لأنهم حديثوا عهد بجاهلية، وأيضًا كان يزيدهم ترغيبًا لنظرائهم من أشراف القوم في اعتناق هذا الدين.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن النبي - ﷺ - كان يختص المؤلفة قلوبهم بقدر زائد من الغنيمة، قال الحافظ: واختلف من أين كان يعطي المؤلفة، فقال مالك وجماعة: من الخمس، وقال الشافعي وجماعة: من خمس الخمس. اهـ. أما البخاري فقد استدل بالأحاديث التي أخرجها في هذا الباب على أن النبي - ﷺ - كان يعطيهم من الخمس ونحوه، كالخراج والفيء والجزية والزكاة، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي بألفاظ. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة كما فهم البخاري.","vol":"4","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>٧٨٢ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يُخمِّس الأسْلَابَ </span>\"\n٨٨٨ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ ﵁ قَالَ:\nبَيْنَا أنَا وَاقِف في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظرتُ عَن يَمِيني وَشِمَالِي، فَإِذَا أنَا بِغُلَامَيْنِ من الأنْصَارِ حَدِيثَةٍ أسْنَانُهُمَا، تَمَنيتُ أنْ أكُونَ بَيْنَ أضْلَعَ مِنْهُمَا، فغَمَزَنِي أحَدُهُمَا فَقاَل: يا عَمِّ هَلْ تَعْرِفْ أبَا جَهْل؟ قُلْتُ. نَعَمْ مَا حَاجَتُكَ إلَيْهِ يا ابْنَ أخِي؟ قَالَ: أخْبِرْتُ أنهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لا يُفَارِقُ سَوادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذلِكَ، فغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لي مِثْلَهَا، فلَمْ أنشَب أنْ نَظرتُ إلى أبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: ألا إِنَّ هذا صَاحِبُكمَا الذِي\nــ\n٧٨٢ - \" باب من لم يخمس الأسلاب \"\n\" والأسلاب \" جمع سلب وهو ما يوجد على المقتول من السلاح وعدة الحرب، وما يتزين به المحارب، أما ما كان معه من جواهر ونقود ونحوها إنما هو غنيمة.\n٨٨٨ - معنى الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف بينما كان واقفًا في الصف يوم بدر رأى غلامين صغيرين يقاتلان قتال الأبطال، ويصارعان صراع الفرسان، حتى أنه تمنى أن يكون مثل أعظمهما فروسية ونضالًا، قال ﵁: \" فغمزني أحدهما \" أي همزني بيده \" فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم ما حاجتك إليه \" أي ماذا تريد منه \" قال: أخبرت أنه يسب النبي - ﷺ -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، الخ \" أي لا يفارق شخصي شخصه حتى يقتك أسرعنا منية، قال \" فغمزني الآخر، فقال مثلها \" أي مثل مقالة صاحبه \"فلم أنشب أن نظرت إلى","vol":"4","page":134},{"text":"سَألتُمَانِي فابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَربَاهُ حتَّى قَتَلاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأخْبَراهُ، فَقَالَ: \" أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ \" قَال كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: \" هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ \" قَالا: لا، فَنَظر في السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: \" كِلاكُمَا قَتَلَهُ، فَأَعطى سَلَبَهُ لِمُعَاذِ بنِ عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاء ومُعَاذَ بْنَ عَمْرو بْنِ الجَمُوحِ.\nــ\nأبي جهل يجول في الناس\" أي فلم ألبث إلاّ قليلًا حتى رأيت أبا جهل يجول ويصول، وينتقل من مكان لآخر \" فقلت: ألا إن هذا صاحبكما \" أي فدللتهما عليه \" فابتدراه بسيفيهما \" أي فأسرعا إليه، فقتلاه بسيفيهما \" ثم انصرفا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: هل مسحتهما سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتله \" أي شارك في قتله، وذلك لوجود الدم على السيفين معًا \" فأعطى سلبه \" أي ثيابه وسلاحه \" لمعاذ بن عمرو بن الجموح \" لأنه هو الذي أثخنه وأعمق سيفه فيه \" وكانا معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح \" أي وكان هذان الفارسان اللذان قتلاه هما هذان الفتيان. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" فأعطى سلبه لمعاذ بن عمرو \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن السلب لا يخمّس دائمًا، بل يعطى للقاتل، وقد اختلف في ذلك الفقهاء، فذهب الشافعي وأحمد وطائفة من أهل الحديث: إلى أنه لا يخمّس، واحتجوا بحديث الباب، لأن النبي - ﷺ - أعطى معاذ بن عمرو سلب أبي جهل، ولم يخمسه، وقضى في السلب للقاتل كما في رواية أبي داود. وقال مالك في رواية: يخمس، وفي رواية: الإِمام مخير فيه. ثانيًا: إثبات الحقوق المالية بالقرائن، لأن النبي - ﷺ - استدل بالدم الذي على السيف على من قتل أبا جهل، وحكم له بالسلب والله أعلم.","vol":"4","page":135},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-859> كتابُ الجِزْيَة والمُوَادَعَةِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ والحَرْبِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>٧٨٣ - \" بَابُ مَا جَاء في أخذِ الجِزْية مِن الْيَهُودِ والنَّصَارَى والمَجوسِ </span>\"\n٨٨٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:\nأنَّهُ كَتَبَ إلى عَامِلِهِ بالأهْوَازِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فرِّقُوا بَيْنَ كلِّ ذِي مَحْرَم مِنَ الْمَجُوسِ، ولم يَكُنْ عُمَرُ ﵁ أخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوس حتى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁: \" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أخذَهَا مِنْ مَجُوس هَجَرَ \".\nــ\n٧٨٢ - \"\n\nكتاب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس \"\nوالجزية: هي ما يؤخذ سنويًا ممن كان تحت حكم المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم.\n٨٨٩ - معنى الحديث: أن الفاروق ﵁ كتب لعامله على الأهواز جزء بن معاوية \" بفتح الجيم وسكون الزاي \" كتابًا قال فيه: \" فرقوا بين كل ذي مَحْرَم من المجوس \" أي فرقوا بين كل مجوسي وزوجته التي تزوج بها وهي محرم له إذا ظهر لكم ذلك عنهما \" ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هجر \" أي وكان عمر ﵁ قد توقف في أوّل الأمر عن أخذ الجزية من المجوس، لأنه ظن أنها خاصة بأهل الكتاب، حتى حدثه عبد الرحمن","vol":"4","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>٧٨٤ - \" بَاب إذا غَدَرَ المُشْرِكونَ بالمُسلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ </span>\"\n٨٩٠ - عن أبِي هُرَيرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \" اجْمعُوا إلي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ، فَجُمِعُوا له، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ؟ فَهَلْ أنتُم صَادِقيَّ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ: مَنْ أبُوكُمْ؟ قَالُوا: فُلَان، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ، بل أبُوكمْ فُلَانٌ، قالوا: صَدَقْتَ، قَالَ: فَهَلْ أنْتُمْ صَادِقِيَّ فِي شَيْءٍ إنْ سَألتُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ يا أبَا القَاسِمْ وإنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كما عَرَفْتَهُ في أبِينَا،\nــ\nابن عوف، وشهد عنده أن النبي - ﷺ - أخذها من مجوس هجر. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي ..\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية أخذ الجزية من أهل الذمة عامة، سواء كانوا يهودًا أو نصارى، أو مجوسًا وهم عبدة النار، لشهادة عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي - ﷺ - أخذ الجزية من مجوس هجر، وقد اختلف في ذلك أهل العلم، فذهب أبو حنيفة إلى أنها تؤخذ من كل كافرٍ إلاّ مشركي العرب، وقال مالك: تؤخذ من كل كافر مطلقًا، وقال أحمد والشافعي: تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس، وهو ما يدل عليه حديث الباب. وأقل الجزية عند الجمهور في كل عام دينار، والله أعلم. والمطابقة: في قوله: \" حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله - ﷺ - أخذها من مجوس هجر \" والله أعلم.\n٧٨٤ - \" باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم \"\n٨٩٠ - معنى الحديث: أنه - ﷺ - لما فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وأهدت إليه - ﷺ - امرأة يهودية شاة مشوية مسمومة، فأخذ الذراع","vol":"4","page":137},{"text":"فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا: نَكُون فِيهَا يَسِيرًا، ثم تَخْلُفُونَا فيها، فَقَالَ النبي - ﷺ -: اخْسَؤوا فِيهَا، وَاللهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أبدًا، ثمَّ قَالَ: هَلْ أنتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْء إِنْ سَألتُكُمْ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ يا أبَا الْقاسِمْ، قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سُمًَّا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ على ذَلِكَ؟ قَالُوا: أردنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًَا نَسْتَرِيحُ، وإن كُنْتَ نَبِيًَّا لَمْ يَضُرَّكَ \".\nــ\nمنها وأكله، وحذر أصحابه منها، فقال لهم: ارفعوا أيديكم، وكان اسم هذه المرأة زينب بنت الحارث، فجمع النبي - ﷺ - من كان هناك من اليهود، ووجه إليهم أولًا أسئلة أخرى ليكشف عن كذبهم، ثم سألهم عن أهل النار فزعموا أنهم يدخلونها فترة من الزمان، ثم يخلفهم فيها المسلمون من بعدهم، فكذبهم النبي - ﷺ - قائلًا: \" اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا \" وتقول العرب: خَسَأتُ الكلبَ يعني زجرته مستهينًا به، والمعنى كفوا عن هذه الدعوى الكاذبة الباطلة، فأنتم أولى بالذل والهوان، وعذاب النار وبئس القرار، ولن نخلفكم أبدًا لأنكم مخلّدون فيها أبدًا، أما عصاتنا، فإن بقاءهم في النار مؤقت محدود، ولا يخلدون فيها، ثم ختم حديثه - ﷺ - بسؤالهم عن الشاة، وهل وضعوا له السم فيها، فأقروا بالحقيقة، واعترفوا بأنهم وضعوا له السم فيها، \" قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح \" أي أردنا أن نتأكد من نبوتك، فإن كنت كاذبًا تموت بذلك السم فنستريح منك، وإن كنت صادقًا لا يضرك ذلك السم، ولا يؤذيك، الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المعاهد إذا نقض العهد فإن الإِمام مخير فيه إن شاء قتله وإن شاء لم يقتله، لأن النبي - ﷺ -","vol":"4","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>٧٨٥ - \" بَابُ إثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ </span>\"\n٨٩١ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nكَيْفَ بِكُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا، فقَيلَ لَهُ: وَكَيْفَ\nــ\nلم يأمر بقتل اليهودية من أول الأمر حين اكتشف أنّها وضعت له السم ونقضت العهد، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه (١)، وقال ابن قدامة (٢): ومن حكمنا بنقض عهده منهم خير الإِمام بين أربعة أشياء، القتل والاسترقاق، والفداء، والمنّ كالأسير الحربي، لأنه كافر قدرنا عليه في دارنا بغير عهد ولا عقد ولا شبهة ذلك، فأشبه اللص الحربي. اهـ. وقال مالك في رواية ابن وهب وابن نافع وهو المشهور عنه: أنهم يقتلون ويسبون كما فعل رسول الله ببني أبي الحقيق، وهو مذهب أبي حنيفة. ثانيًا: استدل مالك بهذا الحديث على أن القتل بالسم (٣) كالقتل بالسلاح يوجب القصاص لأنه لما مات بشر ابن البراء من هذه الشاة المسمومة سلم اليهودية لأوليائه فقتلوها قصاصًا، وقال الكوفيون: لا قصاص فيه، ولكن فيه الدية. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - لم يأمر بقتل اليهودية (٤) لأنها نقضت العهد.\n٧٨٥ - \" باب إثم من عاهد ثم غدر \"\n٨٩١ - معنى الحديث: أن أبا هريرة يحذر المسلمين من نقض عهد الذمة وينذر من سوء عاقبته فيقول: \"كيف بكم إذا لم تجتبوا دينارًا ولا\n_________\n(١) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ٢.\n(٢) \" المغني \" لابن قدامة ج ٩.\n(٣) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٥.\n(٤) فإن قيل: إنه قتلها أخيرًا، فالجواب إنّه لم يقتلها لنقض العهد، وإنما قتلها قصاصًا حين مات بشر بن البراء متأثرًا بسمها.","vol":"4","page":139},{"text":"تَرَى ذَلِكَ كَائِنًَا يَا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إيْ وَالَّذِي نَفْسُ أو هُرَيْرةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكَ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ - ﷺ -، فَيَشُدُّ اللهُ ﷿ قُلُوبَ أهْل والذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أيدِيهِمْ \".\nــ\nدرهمًا\" أي كيف تكون حالكم إذا انقطعت عنكم الأموال من جزية أو خراج. \" فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا؟ \" أي فقالوا متعجبين: وكيف تظن أن ذلك يمكن أن يكون، وأنت ترى أموال الخراج والجزية تتدفق على المسلمين من كل جانب، \" قال: إي \" بكسر الهمزة أي نعم يحدث هذا \" والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق \"، أي وأقسم بالله الذي روحي بيده أنني لم أقل ذلك من عندي وإنما أرويه عن رسول الله - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق فإنني سمعته منه، \" قالوا: عم ذلك؟ \" أي فما سبب انقطاع الجبايات المالية عن المسلمين، \" قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله \" أي سببه أن المسلمين ينقضون عهد الله وعهد رسوله الذي يتعلق بحقوق أهل الذمة، ويعاملونهم بالظلم والعدوان، فيعاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة \" فيشد الله قلوب أهل الذمة فيمنعون ما في أيديهم من الأموال \" أي فيقوّي الله قلوب أهل الذمة على المسلمين، ويمنعون عنهم الأموال.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن لأهل الذمة حقوقًا يجب على إمام المسلمين رعايتها والمحافظة عليها وأن لهم عهدًا وذمة يجب الوفاء بها، وهو ما يسمى عند الفقهاء \"عقد الذمة \" ومعناه أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب أو غيرهم على كفرهم بشرطين: الشرط الأول: أن يلتزموا بأحكام الإِسلام في الجملة، الشرط الثاني: أن يدفعوا","vol":"4","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>٧٨٦ - \" بَابُ إِثْمِ الْغادِرِ لِلبَرِّ والْفَاجِرِ </span>\"\n٨٩٢ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولٌ: \"لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ\nــ\nالجزية، ويسري هذا العقد على الشخص الذي عقده ما دام حيًا، وعلى ذريته من بعده، ما لم يوجد ما ينقضه، ويترتب عليه تحريم قتالهم، والمحافظة على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرياتهم، والكف عن أذاهم، لما روى عن علي ﵁ أنّه قال: \" إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا \". أما الأحكام التي يجب عليهم الالتزام بها فهي أحكام المعاملات المالية، فلا يجوز أن يتصرفوا في هذه المعاملات بما يخالف أحكام الإِسلام، كعقد الربا مثلًا، كما أنهم تقام عليهم الحدود، إذا فعلوا ما يوجب ذلك، وقد رجم النبي - ﷺ - يهوديين زنيا بعد إحصانهما، أما ما يتصل بالشعائر الدينية من عقائد وعبادات أو ما يتصل بالزواج والطلاق فلهم الحرية في ذلك.\nوقد دل الحديث على أن المسلمين إذا انتهكوا عقد الذمة هذا عاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، ونزع هيبتهم من قلوب أهل الذمة، فاستهانوا بهم. ثانيًا: أن المسلمين يجب عليهم الوفاء بالعهد، وأن الغدر ونقض العهود كبيرة من الكبائر، وسبب في ضعف المسلمين، وزوال هيبتهم وقلة مواردهم المالية، وتدهور اقتصادهم. الحديث: أخرجه البخاري والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n٧٨٦ - \" باب إثم الغادر للبر والفاجر \"\nأي هذا باب يذكر فيه عقوبة الله للغادر، سواء غدر بطائع أو عاص.\n٨٩٢ - معنى الحديث: أن الله يعاقب الغادر يوم القيامة بفضيحته، وهتك ستره، فينصب لكل غادر لواءً يكشف به عن غدره وخيانته إمعانًا","vol":"4","page":141},{"text":"لِغَدْرَتِهِ \" (١).\nــ\nفي التشهير به أمام الملأ إلحاقًا للخزي والعار به. وذلك أشد العقوبة وأنكاها لما فيه من إهانته وإذلاله وإهدار كرامته مقابل استخفافه بعهود الناس وغدره بهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الغدر كبيرة من الكبائر، وإلا لما ترتب عليه هذا الوعيد الشديد من فضح الغادر، والتشهير به يوم القيامة أمام الخلائق، وإهدار كرامته، وذلك أشد العقوبة وأنكاها. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة. الحديث: أخرجه الشيخان.\n...\n_________\n(١) قال القسطلاني قوله: \" لغدرته \" باللام وفتح الغين المعجمة أي لأجل غدرته في الدنيا، أو بقدرها، ولأبي ذر وابن عساكر بغدرته بالموحدة بدل اللام، أي بسبب غدرته، والمراد شهرته في القيامة بضعة القدر ليذمه أهل الموقف. اهـ.","vol":"4","page":142},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-863> كتاب بدء الخلق </span>\"\nوالمراد من هذا الكتاب بيان أمرين: الأول: كما قال القاري ذكر الأحاديث الصحيحة التي تتعلق بظهور الخليقة، ومبدأ وجود الكائنات، الأول فالأول.\nالثاني: ذكر أحوال الخليقة من المبدأ إلى المحشر، وما ورد من الأخبار عن عجائب المخلوقات من العرش والسموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والرياح والملائكة وصفة الجنة والنار، والعوالم غير المنظورة من الجن والشياطين والملائكة، أما الأخبار الواردة عن بدء الخليقة فإن فيها الكثير من الإسرائيليات المروية عن وهب بن منبه وكعب الأحبار والسدي وغيرهم، وأغلبها لا يعتد به، ولا تقوم به حجة، فما يوجد منها في \" صحيح البخاري \" فإن كان من الأحاديث المرفوعة إلى النبي - ﷺ - فهو من الحقائق الثابتة والأخبار المقبولة، أما ما نقله من الأخبار عن الصحابة والتابعين ولم يرفعه إلى النبي - ﷺ - فإنه موضع بحث ونظر، لأن الصحابة والتابعين قد أخذوا عن حسن نية الكثير من الأخبار الإسرائيلية، وتحدثوا بها، وحكم الإِسلام بالنسبة إلى الإسرائيليات أنّها تعرض على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو حق لا شك فيه، وما خالفهما فباطل لا شك فيه، وما سكت عنه الكتاب والسنة فهو خبر عادي يحتمل الصدق والكذب، وهو المقصود بقوله - ﷺ -: \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم \" والحاصل أن جميع الأخبار المتعلقة بالموجودات وسنن الكائنات ينظر فيها، فإن كانت قرآنًا أو سنة صحيحة فعلى الرأس والعين، وإن كانت خلاف ذلك، فإنها تخضع للبحث العلمي والنقد الصحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-864>٧٨٧ - \" بَابُ ما جَاءَ في قَوْلِ اللهِ تعَالَى:\n(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) </span>\"\n٨٩٣ - عن عمران بن حُصَيْن ﵁ قَالَ:\n\"دَخَلْتُ على النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بالبَاب، فَأتَاهُ نَاسٌ من بني تَمِيم فَقَالَ: اقبَلُوا البُشرى يا بني تَمِيم، قَالُوا: قد بَشِّرتَنَا فأعْطِنَا مَرَّتَيْنِ، ثم دَخَلَ عَلَيْهِ نَاس مِن أهلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اقْبَلُوا البُشرْى يا أهلَ\nــ\n٧٨٧ - \" باب ما جاء في قول الله تعالى:\n(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يتعلق بتفسير قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) معناه أنه تعالى هو الذي بدأ خلق هذه الكائنات أول مرة على غير مثال سابق، وهو الذي يعيدها مرة أخرى عند بعثها، والإِعادة أهون من البداية، وإن كان الله تعالى يستوي أمام قدرته كل شيء.\n٨٩٣ - معنى الحديث: أن عمران بن حصين يقول: \" دخلت على النبي - ﷺ - وعقلت ناقتي \" أي ربطت ناقتي، ثم دخلت على النبي - ﷺ - قالوا والواو المطلق الجمع، لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا \" فأتاه ناس من بني تميم، فقال: اقبلوا البشري يا بني تميم \" بما أتحدث به إليكم \" قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين \" أي فقال الأقرع بن حابس: قد بشرتنا أن تعطينا فأعطنا، قال ذلك مرتين، لأن جُلَّ اهتمامهم كان بالدنيا، فلم يفهموا من البشرى إلّا العطاء المادي فقط، بينما كان النبي - ﷺ - يقصد بالبشرى أن يخبرهم عن وجود الله تعالى قبل كل موجود، وخلقه لكل موجود، وسماه بشرى لأنه يتعلق بتوحيد الربوبية الذي هو أصل من أصول العقيدة الإِسلامية التي يترتب عليها الفوز بالجنة والنجاة من النار. قال: \"ثم دخل عليه ناس من أهل","vol":"4","page":144},{"text":"اليَمَنِ إذ لَمْ يَقْبَلْهَا بنو تَمِيم، قالوا: قَدْ قبِلْنَا يا رَسُولَ اللهِ، قَالُوا: جِئْنَا نَسْألُكَ عن هذا الأمْرَ قال: \" كَانَ اللهُ ولَمْ يَكُنْ شيءٌ غَيْرُهُ، وكان عرشُهُ على المَاءِ، وَكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيءٍ، وخلقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، فَنَادَى مُنادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يا ابْنَ الْحُصَيْنِ، فانْطَلَقْتُ فإذا هِيَ يَقطعُ دونَهَا السَّرَابُ، فواللهِ لَوَدِدتُ أنِّي تَرَكْتُهَا \".\nــ\nاليمن\" وهم الأشعريون \" فقال: اقبلوا البشرى \"، أي اقبلوا مني هذا الخبر \" قالوا: قبلنا يا رسول الله \" أي قبلنا منك ذلك، فهات ما عندك \" فإنما جئناك نسألك عن هذا الأمر \" وفي رواية أخرى في البخاري \" فقالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أوّل هذا الأمر \" فما هو أول هذا الأمر الذي سألوا عنه. قال ابن تيميّة: إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات، وسواء كان السؤال عن الأوّل أو الثاني، فإن الذي يظهر لنا من مجموع الروايات أن رسول الله قد أجابهم عن بدء الخليقة عامة، لما جاء في رواية أخرى عن عمران بن حصين نفسه قال فيها: \" فأخذ النبي - ﷺ - يحدّث عن بدء الخلق والعرش \" أخرجه البخاري، فهذا نص صريح على أن النبي - ﷺ - قد أجابهم عن بدء الخليقة.\nفإن كانوا قد سألوا عن بدء هذا العالم، فيكون النبي - ﷺ - إنما أجابهم عنه ببدء الخليقة، لأنه أعم وأشمل، وهو متضمن لجواب سؤالهم وزيادة، وإن كانوا قد سألوا عن بدء الخليقة. فالجواب والسؤال متطابقان. \" قال: كان الله، ولم يكن شيء \" وفي رواية: \" ولا شيء قبله \" وروي: \" معه \" لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيها دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى، وكلمة \" كان \" في قوله - ﷺ - \" كان الله \" إلخ أزلية كما أفاده الحافظ، ومعناها أن الله تفرد بالوجود","vol":"4","page":145},{"text":"الأزلي دون غيره، فهو الأوّل بلا ابتداء، المنفرد بالأوليّة، وكل ما سواه حادث مخلوق له، بما في ذلك العرش. قال - ﷺ -: \"وكان عرشه على الماء \" والمراد بكان هنا الحدوث بعد العدم، كما أفاده الحافظ، ومعناه، كما قال الحافظ: أنه خلق الماء سابقًا، ثم خلق العرش على الماء، قال ابن تيميّة: فالعرش (١) مخلوق أيضًا فإنه تعالى يقول: (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) أي وهو خالق كل شىء: العرش وغيره، ورب كل شيء العرش وغيره، وفي حديث أبي رزين \" العقيلي \" أخبر النبي - ﷺ - بخلق العرش \". اهـ. وفي رواية أخرى للبخاري عن عمران بن حصين قال فيها: \" فجاء أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن، اقبلوا البشري إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قبلنا \" فأخذ النبي - ﷺ - يحدث عن بدء الخلق والعرش \" أي يحدث عن بدء الخليقة، ومنها العرش، فهو من ضمن المخلوقات. قال القسطلاني وأشار بقوله - ﷺ -: \" وكان عرشه على الماء \" إلى أن الماء والعرش - كانا مبدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء \" وكتب في الذكر كل شيء \" أي كتب في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة. \" وخلق السموات والأرض \" قال ابن تيميّة: وبعض الرواة ذكر فيه خلق السموات والأرض بثم، وبعضهم ذكرها بالفاء، فأما الجمل الثلاث المتقدمة، فالرواة متفقون على ذكرها بلفظ الواو، قال ابن تيمية: \" وسواء كان قوله: وخلق السموات والأرض \" أو \" ثم خلق السموات والأرض \" فعلى التقديرين أخبر بخلق ذلك، وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن. وإن كان قد خلق من مادة. فإن كان لفظ الرسول - ﷺ - \" ثم خلق \" فقد دل على أنه خلق السموات والأرض بعد ما تقدم ذكره وهذا اللفظ أولى بلفظ رسول الله - ﷺ -، لما فيه من تمام البيان، وحصول المقصود الذي يدل على الترتيب الزمني في خلق هذه الكائنات. اهـ. خلاصة معنى\n_________\n(١) رسالة لابن تيمية في شرح هذا الحديث نشر دار الكتب العلمية ببيروت.","vol":"4","page":146},{"text":"الحديث: أن الله كان قبل كل شيء ولم يكن أي شيء غيره موجودًا، ثم خلق الماء أولًا والعرش ثانيًا، أو خلق العرش في الجهة العليا والماء في السفلى، ثم خلق القلم واللوح المحفوظ، ثم خلق السموات والأرض، هذا هو الترتيب الزمني لخلق هذه الكائنات العلوية والسفلية. \" فنادى منادٍ ذهبت ناقتك \" أي هربت \" فانطلقت \" أي فذهبت خلفها \" فإذا هي يقطع دونها السراب \" أي فإذا هي قد ابتعدت كثيرًا حتى حال دونها السراب \" فوالله لوددت أني تركتها \" أي تمنيت أني تركتها تذهب وبقيت في مجلس النبي - ﷺ -. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الله هو الأول بلا ابتداء كما قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) وكما قال - ﷺ -: \" اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء \" وهو معنى قوله - ﷺ - في حديث الباب: \" كان الله ولم يكن شيء غيره \" والإِيمان بهذه الصفة أمر تقتضيه الفطرة السليمة ويدل عليه المنطق الصحيح، لأن خالق الكائنات لا بد أن يكون موجودًا قبلها، وإلّا لما خلقها. فهو سبحانه أزلي أبدي لم يسبقه عدم، ولا يلحقه فناء، لأنه واجب الوجود. ثانيًا: بيان حدوث العالم وبدء الخليقة، وأن لهذا الوجود خالقًا هو الله تعالى، لا كما يقول الطبيعيون إنه وجد هذا العالم بمحض الصدفة، مما يرفضه العقل والتفكير السليم، لأن كل حادث لا بد له من محدث، وكل مصنوع لا بد له من صانع، وهذا يقتضى أن الكائنات كلها مخلوقة، والله هو خالقها ومبدعها، وأوّل هذه المخلوقات الماء في الجهة السفلى، والعرش في الجهة العليا. ثالثًا: أن القلم أوّل المخلوقات المعنوية لقوله - ﷺ -: \" وكتب في الذكر كل شيء \". رابعًا: أن وجود اللوح المحفوظ من الحقائق الإِيمانية الثابتة التي يجب الإِيمان بها. خامسًا أن الكلام في حدوث العالم وعجائب المخلوقات من صميم الدين","vol":"4","page":147},{"text":"٨٩٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَال النبي - ﷺ -: \" قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ، ومَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَشْتِمَنِي، ويُكَذِّبَنِي، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، أمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِيَ وَلدًا، وَأمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأني \".\nــ\nلما فيه من الدلالة على وجود الله وتوحيده في ربوبيته. والمطابقة: في كون الحديث يدل على بدء الخلق.\n٨٩٤ - معنى الحديث: أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي يتجرأ عليَّ هذا الإنسان بما لا أستحقه منه، وقد خلقته ورزقته، وأنعمت عليه بشتى النعم، فلم يقابل ذلك بالإيمان بالله وتوحيده، وتقديسه وتنزيهه عما لا يليق به، وإنما قابل هذه النعم العظيمة بالشرك والكفر والنكران، فبعض هؤلاء البشر شتمني، والبعض منهم كذبني. فأما الذين شتموا الله ﷿ فقد نسب إليه اليهود والنصارى وبعض المشركين الولد، وهو لا يليق به ﷿ حيث إنه يقتضي المجانسة والمشابهة، وهو ﷿ الواحد الأحد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأما الذين كذبوا بالله فقد أنكروا البعث، واستبعدوه مع علمهم بأن الله هو الذي خلقهم على غير مثال سابق، فكيف يخلقهم ابتداءً، ثم يعجز عن إعادتهم مرة أخرى، مع أن الإعادة أسهل كما قال تعالى: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن نسبة الولد إلى الله تعالى شتيمة وإنكار لوحدانيته، وتشبيه له بغيره، وهو شرك به، لأن الولد يشبه أباه، وهو ﷿ واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فكيف يكون له ولد يشبهه. ثانيًا: أن إنكار البعث تكذيب لله ولوعده. ثالثًا: أنّ الله هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده، وفي ذلك إثبات لحدوث العالم وإعادة","vol":"4","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>٧٨٨ - \" بَاب مَا جَاءَ في سَبْعِ أرَضِينَ، وَقَوْلِ اللهِ تعَالَى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) </span>\"\n٨٩٥ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: \" مَنْ أخَذَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ به يَوْمَ القِيَامَةِ إلى سَبْعِ أرضِينَ \".\nــ\nالإِنسان بعد موته، وأن الله هو الذي يعيده يوم القيامة لمجازاته على أعماله.\nالحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني \".\n٧٨٨ - \" باب ما جاء في سبع أرضين، وقول الله: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) \"\n٨٩٥ - معنى الحديث: أن من أخذ شيئًا من أرض غيره اختلاسًا أو اغتصابًا، فإنه يخسف به يوم القيامة فتنشق الأرض، ويطوق بها إلى سبع أرضين لما جاء في الرواية الأخرى: \" من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن هذه الأرض التي نعيش عليها تتكون من سبع أرضين، وذلك يتفق مع قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، قال الآلوسي (١): والمثلية تصدق بالاشتراك في بعض الصفات، فقال الجمهور: المثلية في كونها سبعًا، وكونها طباقًا بعضها فوق بعض، بين كل أرض وأرض كما بين كل سماء وسماء، وقال الضحاك: المثلية في كونها سبعًا بعضها فوق بعض، لا في وجود مسافة بين أرض وأرض، بمعنى أن كل أرض تلي الأخرى مباشرة، وهو ما يسمى في\n_________\n(١) \" تفسير الآلوسي \" ج ٢٨.","vol":"4","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>٧٨٩ - \" بَابُ صِفَةِ الشَّمْسِ والْقَمَرِ بُحُسْبَانٍ </span>\"\n٨٩٦ - عنْ أبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ لِي النبي - ﷺ - حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: \" تَدْرِي أينَ تَذْهَبُ؟ \" قُلْثُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: \" فَإِنَّها تَذْهَبُ حتى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ فَتَسْتَأذِنَ فَيُؤْذَنَ لها، وَيُوشِكُ أن تَسْجد فلا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأذِنَ فلا يُؤذَنَ لَهَا، يُقَالَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئَت، فَتَطْلِعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) \".\nــ\nعصرنا الحديث بطبقات الأرض. قال في \" فيض الباري \": وقد ثبت اليوم عند ماهري علم الطبقات أن لها طبقات. ثانيًا: التحذير الشديد من السطو على أرض الغير وأخذ شيء منها ظلمًا، والوعيد الشديد لمن فعل ذلك بالخسف به يوم القيامة. والمطابقة: في قوله: \" إلى سبع أرضين \". الحديث: أخرجه البخاري.\n٧٨٩ - \"باب صفة الشمس والقمر بحسبان \"\nأي هذا باب في تفسير قوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) وبيان كيفية ذلك.\n٨٩٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قال يومًا لأبي ذر عندما غربت الشمس: أتدري أين تذهب هذه الشمس بعد اختفائها عنا عند الغروب؟ فقال أبو ذر: الله ورسوله أعلم. وإنما وجه إليه هذا السؤال مع علمه بأنه لا يستطيع الإِجابة عليه ليستثير في نفسه الاهتمام بجوابه، لأن المعرفة إذا جاءت بعد الحوار والمناقشة كانت أوقع في النفس \"قال: فإنها تذهب","vol":"4","page":150},{"text":"حتى تسجد تحت العرش\" أي تسجد لربها حقيقة لا مجازًا، وهي أينما سجدت سجدت تحت العرش \" تستأذن فيؤذن \" أي تستأذن ربها في الطلوع من المشرق ومعاودة سيرها مرة أخرى، فيؤذن لها في ذلك \" ويوشك أن تسجد \" أي وسيأتي قريبًا الوقت الذي تسجد وتستأذن فيه في الطلوع من المشرق \" فلا يقبل منها \" سجودها، ولا يؤذن لها في الطلوع من المشرق \" فتطلع من مغربها \" وذلك من علامات الساعة \" فذلك قوله تعالى \": أي فذلك هو معنى قوله تعالى: \" (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) \" أي تتحرك وتسير في طريقها المحدد لها، ولا تزال تجري في مسيرتها هذه حتى ينتهي العالم، \" (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) \" أي أنها إنما تتحرك حركتها هذه بنظام دقيق محكم، يدل على وجود الله تعالى وتقديره وتدبيره لهذا العالم تدبيرًا يليق بعلمه وعزته وحكمته. لا كما يزعم الملحدون أن حركة الكون كلها إنما هي بمحض الصدفة، لأن الصدفة عمياء لا يمكن أن تقوم بتدبير هذه الحركة المنظمة (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال القسطلاني: وظاهر هذا الحديث أن -الشمس- تجري في كل يوم وليلة بنفسها كقوله تعالى في الآية الأخرى: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) قال \" في ظلال القرآن \": وكان من المظنون أنها -أي الشمس- ثابتة في موضعها الذي تدور فيه حول نفسها، ولكن عرف أخيرًا أنها ليست مستقرة في مكانها، إنما هي تجري فعلًا في اتجاه واحد في الفضاء الكوني الهائل بسرعة حسبها الفلكيون باثني عشر ميلًا في الثانية. اهـ. ثانيًا: ثبوت سجودها تحت العرش عند طلوعها، ويتعين الإِيمان به عن يقين ما دام قد أخبر عنه الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. مطابقة الحديث للترجمة: في كونه يدل على معنى الآية الكريمة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.","vol":"4","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-867>٧٩٠ - \" بَابُ ذِكْرِ الْمَلاِئكَةِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ </span>\"\n٨٩٧ - عن عبد الله ﵁ قَالَ:\nحَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وهو الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قال: \" إِنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطنِ أمِّهِ أربَعِينَ يَوْمًا، ثم يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثم يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بأربع كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ\nــ\n٧٩٠ - \" باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم \"\n٨٩٧ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن مسعود ﵁: أخبرنا رسول الله وهو الصادق فيما يخبر به المصدوق في كل ما يوحى إليه من عند ربه: أن الجنين في بطن أمه يمرُّ في تكوينه بأربعة أدوار، فيكون في الدور الأوّل لمدة أربعين يومًا نطفة، أي حيوانًا منويًا يجتمع ببويضة الأنثى فيلقحها، وتحمل المرأة بإذن الله تعالى، ثم يتحول في الدور الثاني لمدة أربعين يومًا إلى علقة، أي نقطة دموية جامدة تعلق بالرحم، ثم يتحول في الدور الثالث لمدة أربعين يومًا مضغة، أي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغ الإنسان في الفم، ثم في الدور الرابع يبدأ تشكيله وتصويره، ويكون قد أكمل أربعة أشهر، فيرسل الله إليه الملك الموكل بالأرحام وكتابة الأقدار ويأمره بكتابة أقداره الأربعة فيكتب أعماله التي يفعلها طيلة حياته خيرًا أو شرًا، ورزقه ماديًا، كالمال والطعام والشراب واللباس والسكن والصحة، أو معنويًا كالعلم والذكاء والمهارة وغيرها ويكتب أجله، وعمره، ومدة حياته ومتى تنتهي، وفي أي مكان تنقضي. ويكتب خاتمته ومصيره الذي ينتهي إليه إن كان من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة، من أهل الجنة أو النار، فكم من رجل يعمل طول حياته - في نظر الناس بعمل أهل الجنة حتى يكون منها في غاية القرب، فإذا دنا أجله ختم له بالشقاوة لأنه سبق عليه الكتاب في بطن أمه.","vol":"4","page":152},{"text":"لَه: اكْتبْ عَمَلَه، ورِزْقَه، وأجَلَه، وشَقِي أو سَعِيدٌ، ثمَّ ينْفَخ فِيهِ الرُّوحَ، فَإنّ الرَّجلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَل حَتَّى مَا يَكون بَيْنَه وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِق عَلَيْهِ كِتَابه فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، ويَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكونَ بَيْنَه وَبَيْنَ النَّارِ إلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِق عَلَيْهِ الكِتَاب فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ\".\nــ\nفيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعكس بالعكس، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" فإن الرجل منكم ليعمل \" أي يعمل بعمل أهل الجنة \" حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلاّ ذراع \" وهو كناية عن غاية القرب \" فيسبق عليه كتابه \" أي فيكون قد كتب عليه سابقًا في بطن أمه أنه شقي، فيختم له بالشقاوة \" فيعمل بعمل أهل النار \" فيدخلها كما سبق به القدر \" ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلاّ ذراع \" أي وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار حتى يقترب منها غاية القرب \" فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل الجنة \" فيدخلها (١). والمطابقة: في قوله: \" ثم يبعث الله ملكًا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان مراحل تكوين الجنين في بطن أمه، حيث يمرّ بأربعة مراحل. الأولى: مرحلة التلقيح المنوي وهو المشار إليه بقوله: \" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا \" أي يجمع الله هذا الحيوان التناسلي المنوي بالبويضة فيحصل التلقيح والحمل، وقد ثبت علميًا أن النقطة الواحدة من ماء الرجل تحمل ألوف الحيوانات المنوية، وحيوان واحد منها هو الذي يلقح البويضة، وتوجد فيه كل خصائص الأب\n_________\n(١) والذي يحل الإشكال في هذا الحديث، ما جاء في \" الصحيحين \" من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة \". فهناك أشياء لا يطلع عليها إِلا الله تعالى الذي يعلم أعمال العباد ونياتهم، فعلى حسب ذلك تكون خواتيمهم. (ع).","vol":"4","page":153},{"text":"وصفاته الجسمية، كالطول والقصر ونحوها، وصفاته العصبية والعقلية والنفسية من ميول واتجاهات وانحرافات واستعدادات. الثانية: مرحلة العلقة: وهي التيِ تتحول فيها الخلية إلى نقطة دموية جامدة عالقة بالرحم، ومدتها أربعون يومًا أيضًا. الثالثة: مرحلة المضغة، التي يصبح فيها الجنين قطعة لحم صغيرة، ومدتها أربعون يومًا. الرابعة: مرحلة التكوين العضوي حيث تتحول قطعة اللحم الصغيرة بعد أن يكون الجنين قد أتم أربعة أشهر إلى جسم بشري مكون من هيكل عظمي، ولحم ودم، وقلب وأمعاء، ورأس وحواس وأعضاء، وبذلك يكمل تصويره وتشكيله، وتتكامل أعضاؤه وحواسه الجسمية. ثانيًا: كتابة أقدار كل إنسان وهو ما زال جنينًا في بطن أمّه بعد استكمال تشكيله وتصويره، وتكامل أعضائه وحواسه، حيث دل الحديث على كتابة عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ولذلك فإن خاتمة الإِنسان مرتبطة \" قدرًا \" بما كتب عليه في بطن أمه، فالسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، ولا شك أن هذه المقادير تكتب مرتين، مرة في اللوح المحفوظ قبل خلق الخلائق لما في حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \" إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة \" أخرجه مسلم، والمرة الثانية في بطن أمه قال ابن رجب: وقد روي عن ابن مسعود أن الملك إذا سأل عن النطفة أمر أن يذهب إلى الكتاب السابق، ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة. ثالثًا: وجوب الإيمان بالقدر، سواء تعلق بالأعمال أو بالأرزاق والآجال لأن الرسول - ﷺ - أخبرنا في هذا الحديث أن كل إنسان يكتب عليه قدره في بطن أمه، والقدر نوعان: (أ) قدر حتمي ليس للعبد فيه كسب واختيار، وهو ما يتعلق بالأرزاق والآجال، والصحة والمرض، ونحوها، وكذلك الاستعدادات الفطرية، والمواهب والقدرات البشرية، من ذكاء وفطنة ونحوها، فإنها كلها حتمية لا حيلة فيها للإنسان ولا اختيار له فيها، ولا يقع تحت مسؤوليته، وقدر للإِنسان فيه كسب","vol":"4","page":154},{"text":"واختيار: وهو ما يتعلق بالأعمال من طاعة ومعصية، وكفر وإيمان، فهذه الأعمال التي قدرها الله على الإِنسان، وعلم بوقوعها منه ليست حتمية عليه، ولا هو مجبور عليها، وإنما يفعلها بمحض إرادته واختياره، ولذلك كان مسؤولًا عنها، مثابًا على الخير، معاقبًا على الشر. قال الخطابي: \" قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون، وإنما معنى القدر الإِخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من اكتسابات العبد. اهـ. وقد أمر الله الخلق بالإِيمان والطاعة، ونهاهم عن الكفر والمعصية، وفي هذا حجة الله البالغة على عباده، لأنهم إنما كلفوا بالأمر والنهي، أما القضاء والقدر فإنما أمروا بالإِيمان به دون الاحتجاج به في ارتكاب المعاصي \". وقد سئل فضيلة الأستاذ الشعراوي (١): عن القدر الذي هو علم الله بالأشياء قبل وقوعها هل هو صفة جبر فأجاب: بأن العلم ليس صفة جبر، إنما هي صفة انكشاف فقط يكشف الأشياء على ما هي عليه، وضرب لذلك مثلًا بسيطًا فقال: أنت جئت تزورني وعندي خادم، فأرسلته ليحضر كازوزة من البقال فتأخر فقلت لك: هل تعرف لماذا أبطأ، هناك ولد آخر على ناصية الشارع مستولٍ على هذا الولد حينما يراه خارجًا لشراء حاجة يلعب معه، ويأخذ نقوده، والنقود ضاعت من الولد وهو خائف أن يأتي، فلما جاء الخادم سألناه ما الحكاية، فقال: كما قلت أنا، فهل ترى عندما قلت إنه سيحصل منه كذا وكذا أرسلت معه قوة لترغمه على فعل ما قلته لك. فكيف قلت أنا هذا الكلام؟ قلته: لأنني أعرف سوابقه، ومعرفتي لسوابقه للعلم فقط، كذلك ولله المثل الأعلى علم الله تعالى أزلًا ما يكون من عبده المختار، فقال: سيكون من عبدي كذا وكذا، فهو ﷿ كتب لا ليلزم، ولكنه كتب لأنه عالم بما يكون من العبد، والفرق\n_________\n(١) \" القضاء والقدر \" لفضيلة الشيخ الشعراوي.","vol":"4","page":155},{"text":"٨٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \" إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كانَ على كُلِّ بَابٍ من أبوَابِ الْمَسْجِدِ المَلَاِئكَةُ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وجاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ \".\nــ\nبين الصورتين أن العلم في البشر قد يتخلف فيه شيء لكن الحق لا خطأ عنده في علمه، فالحق كتب قديمًا، لأنه علم ما يكون من عبده باختياره، فهو لا يكتب ليلزم، لأن العلم صفة انكشاف وليس صفة تأثير كالقدرة. اهـ.\nرابعًا نفخ الروح في الجنين بعد استكمال تكوينه، وقد اختلفت الأحاديث هل نفخ الروح أولًا أو كتابة المقادير أولًا؟ فدلت رواية البيهقي على أن نفخ الروح أولًا، حيث جاء فيها ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات إلخ، ودلت رواية البخاري هذه على أن كتابة المقادير أولًا. خامسًا: إثبات وجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم. وهم مخلوقات لطيفة نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة.\n٨٩٨ - معنى الحديث: أن الملائكة يقفون يوم الجمعة على جميع أبواب المسجد، على كل باب طائفة لكتابة الوافدين إلى صلاة الجمعة، وتسجيل أسمائهم الأول فالأول، مع كتابة الوقت الذي حضروا فيه، ولا يزالون وقوفًا على الأبواب حتى يصعد الإِمام إلى المنبر، فإذا جلس الجلسة الأولى طووا تلك الصحف، وأوقفوا التسجيل، ودخلوا المسجد ليستمعوا إلى الخطبة. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الملائكة كما تقدم بيانه في الحديث السابق، وهم عالم غير منظور من عالم الغيب لا يظهرون","vol":"4","page":156},{"text":"٨٩٩ - عَنْ أبِي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبيل اللهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ: أيْ فُلُ هَلُمَّ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: ذَاكَ الَّذِي لا تَوى عَلَيْهِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" أرْجُو أن تَكُونَ مِنْهُمْ \".\nــ\nإلا لمن اصطفاه الله للنبوة، أو لمن شاء من عباده، كما ظهر جبريل لمريم ﵍، وقد كلف الله الملائكة بمهام مختلفة، فمنهم السفراء بين الله ورسله كجبريل ﵇، ومنهم الحفظة، ومنهم كتبة الأعمال، كهؤلاء الملائكة الذين يكتبون الوافدين لصلاة الجمعة. ثانيًا: أن الناس يتفاضلون في المثوبة يوم الجمعة بحسب تبكيرهم إلى الصلاة، فكلما بكّر العبد إلى صلاة الجمعة كان ثوابه أكثر، كما يدل عليه قوله: \" يكتبون الأول فالأول \" أي يكتبون في هذه الصحف درجات السابقين الأول فالأول، ويسجلون أوقات حضورهم. والمطابقة: في قوله: \" كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة \".\n٨٩٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من أنفق زوجين في سبيل الله \" أي من تصدق بشيئين من صنف واحد درهمين أو دينارين أو ثوبين ابتغاء مرضاة الله سواء كان ذلك صدقة على فقير، أو معونة لمحتاج، أو علاجًا لمريض، أو تجهيزًا لمجاهد في سبيل الله، أو معونة لأهله \" دعته خزنة الجنة: أي فُلُ \" أي نادته خزنة الجنة من الملائكة \" يا فلان \" باسمه الذي يعرف به في الدنيا \" هلم \" أي تعال إلى الجنة ونعيمها، فإنها مفتحة الأبواب لك، \" فقال أبو بكر: ذاك الذي لا ثوى عليه \" أي ذلك الذي تفتح له أبواب الجنة وتستقبله ملائكتها هو السعيد حقًا الذي نجا من الهلاك وأمن من الخسران. \" فقال النبي - ﷺ -: إني لأرجو أن تكون منهم \" ورجاؤه","vol":"4","page":157},{"text":"٩٠٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ لَهَا: \" يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرأ عَلَيْكِ السَّلَامَ، فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لا أرَى، تُرِيدُ النَّبِيَّ - ﷺ - \".\nــ\n- ﷺ - محقق إن شاء الله.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الملائكة، ومنهم خزنة الجنة هؤلاء، وعلى رأسهم رضوان. كما أن منهم خزنة جهنم وعلى رأسهم \" مالك \". ثانيًا: فضل الإِنفاق في سبيل الله، وبذل المال في وجوه البر، وأنه سبب في دخول الجنة واستقبال الملائكة على أبواب الجنة (١).\nالحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" دعته خزنة الجنة \".\n٩٠٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن النبي - ﷺ - قال لها: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام \" وفي رواية \" يقرئك السلام \" أي يهديك السلام، ويحييك بتحية الإِسلام \" فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته \" فردّت التحية بأحسن منها، ثم قالت \" ترى ما لا أرى، تريد النبي - ﷺ - \" أي إنك يا رسول الله ترى جبريل الذي لا أراه فهنيئًا لك بالوحي والنبوة، ورؤية الملائكة الكرام البررة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات وجود الملائكة وأنهم أصناف متعددة مكلفون بأعمال مختلفة فمنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم الحفظة، ومنهم جبريل الأمين سفير الله إلى أنبيائه. ثانيًا: فضل عائشة ﵂ ومكانتها، وعلو منزلتها حتى إن جبريل أمين الله على\n_________\n(١) أي أن الملائكة تستقبل هؤلاء المنفقين على أبواب الجنة كما يستقبل الملوك بالحفاوة والترحيب قائلين لهم: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ).","vol":"4","page":158},{"text":"٩٠١ - عَن سَعِيدٍ بن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِجِبْرِيلَ: \" أَلا تَزُورُنا أكثرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ \" قَالَ: فَنَزَلَتْ (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا) الآية.\nــ\nوحيه وسفيره إلى أنبيائه يهديها السلام، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والمطابقة: في قوله: \" هذا جبريل يقرأ عليك السلام \".\n٩٠١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" قال رسول الله - ﷺ - لجبريل: ألا تزورنا أكثر مما تزورنا \" قال العيني: كلمة ألا هنا للعرض والحض ويجوز أن تكون للتمني. قلت: ويحتمل أن تكون لجميع المعاني والمعنى أننا نعرض عليك الإكثار من زيارتنا ونحضك عليها ونتمنى لو أجبتنا إلى ذلك، لنستأنس بك، \" فنزلت \" الآية الكريمة \" (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) \" فإذا أمرنا بالنزول نزلنا \" (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) \" أي وما كان الله لينسى رسوله وحبيبه محمدًا - ﷺ - وإن تأخر عنه الوحي، فإن للوحي أوقات محددة، يرسله إن شاء، ويوقفه إن شاء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الملائكة، وعلى رأسهم جبريل ملك الوحي. ثانيًا: أن للوحي أوقات محددة ولا ينزل إلّا بأمر الله تعالى. ثالثًا: أن النبي - ﷺ - كان ينقطع عنه الوحي أحيانًا فيشتاق إلى جبريل، فإذا حضر إليه عرض عليه أن يكثر من زيارته، فيعتذر له جبريل بأنه عبد مأمور لا ينزل إلاّ بأمر إلهي. والمطابقة: في قوله: \" قال رسول الله - ﷺ - لجبريل \" الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي.\n***","vol":"4","page":159},{"text":"٩٠٢ - عَنْ أبِي ذَر ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" قَالَ لِي جِبْرِيلُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، أوْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ، قَالَ: وإنْ زَنَى وِإنْ سَرَقَ قَالَ: وإنْ \".\n٩٠٣ - عن أبي طَلحَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" لا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًَا فيهِ كَلْبٌ ولا صُورَة تَمَاثِيلَ \".\nــ\n٩٠٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" قال لي جبريل من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا \" أي من مات مؤمنًا موحدًا لله تعالى \" دخل الجنة، أو لم يدخل النار \" أي كان مصيره إلى الجنة، ولا يخلد في النار \" قال: وإن زنى وإن سرق \" قال: وإن \" أي قال جبريل: وإن زنى وإن سرق، وهو من باب حذف فعل الشرط والاكتفاء بأداة الشرط عنه.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المؤمن الموحد مصيره إلى الجنة، فإن ارتكب كبيرة فعوقب عليها في الدنيا فهو كفارة له، وإن لم يعاقب عليها في الدنيا فهو إلى الله إن شاء عاقبه وأدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه، ولا يخلد في النار خلافًا للخوارج. ثانيًا: وجود الملائكة.\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" قال لي جبريل \".\n٩٠٣ - معنى الحديث: أن الملائكة وهم مخلوقات طاهرة شريفة، وعباد مكرمون أصفياء، سخرهم الله لخدمة البشر، فهم يدخلون البيوت لخدمة من فيها من الناس والعناية بهم، ولكنهم يمتنعون عن دخول بيت فيه","vol":"4","page":160},{"text":"٩٠٤ - وعنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتَهُ إِلى فِرَاشِهِ فَأبَتْ فبَاتَ غَضْبَان عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حتى تُصْبِحَ \".\nــ\nكلب غير مأذون فيه شرعًا، أو صورةٌ لِإنسان أو حيوان - لأنها محرمة، والملائكة تكره المحرمات (١). الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الملائكة لقوله - ﷺ - \" لا تدخل الملائكة بيتًا \" إلخ. ثانيًا: تحريم الصور الحيوانية، وتحريم اقتناء الكلاب عدا المأذون فيها شرعًا، مثل كلاب الصيد والماشية والحرث، لأن الملائكة إنما تمتنع من دخول البيت الذي فيه صورة أو كلب لأن الصورة محرمة، والكلب نجس قذر (٢) محرّم شرعًا إلا لحاجة مشروعة. والمطابقة: في قوله: \" لا تدخل الملائكة بيتًا \".\n٩٠٤ - معنى الحديث: أن المرأة إذا دعاها زوجها للمباشرة وتمنعت عليه، وبات ساخطًا عليها \" لعنتها الملائكة حتى تصبح \" أي تدعو عليها بالطرد من رحمة الله حتى الصباح، لأنها عصت زوجها ومنعته حقه الشرعي، وفي بعض روايات البخاري \" لعنتها الملائكة حتى ترجع \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الملائكة لقوله - ﷺ -: \" لعنتها الملائكة حتى تصبح \". ثانيًا: أنه يحرم عصيان المرأة لزوجها، سيما فيما يتعلق بالفراش والمعاشرة الزوجية، وكونه كبيرة، وإلّا لما ترتب\n_________\n(١) قال في \" هداية الباري \": في إطلاق الملائكة شمول للحفظة واستظهره فريق، وقصره غير واحد على غيرهم.\n(٢) قال في \" هداية الباري \": والمعنى المانع ما يتعلق بالأوّل من النجاسة، والصورة معصية فاحشة لما فيها من مضاهاة خلق العلي الكبير المتفرد بالايجاد والتصويت.","vol":"4","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>٧٩١ - \" بَابُ ما جَاءَ في صِفَةِ الْجَنَّةِ وأنهَا مَخلُوقَة </span>\"\n٩٠٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ على صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، والَّذِينَ عَلَى إثْرِهِمْ كأشَدِّ كَوْكَبٍ إضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ على قَلْبِ رَجُل وَاحَدٍ، لا اخْتِلافَ بَيْنَهُمْ، ولا تَبَاغضَ، لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهم\nــ\nعليه هذا الوعيد الشديد، وهو لعن الملائكة. ثالثًا: قال الصنعاني: في الحديث إخبار بأنه يجب على المرأة إجابة زوجها إذا دعاها للجماع، لأن قوله \" إلى فراشه \" كناية عن الجماع، ودليل الوجوب لعن الملائكة لها، على امتناعها، إذ لا يلعنون إلاّ عن أمر الله، ولا يكون إلاّ عقوبة، ولا عقوبة إلّا على ترك واجب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لعنتها الملائكة \".\n٧٩١ - \" باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة \"\n٩٠٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يصف لنا أهل الجنة جميعًا بالحسن والجمال، وأنهم يتفاوتون في ذلك حسب درجاتهم وأعمالهم، فأول طائفة تدخل الجنة كالقمر ليلة الرابعٍ عشر حين تكمل استدارته، ويتم نوره، فيكون أكثر إشراقًا، وأعظم حسنًا وبهاءً، وفي رواية \" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر \" أما الطائفة الثانية فإنها تشبه في صورتها أقوى الكواكب نورًا وضياءً. أما صفاتهم النفسية والخلقية فهم كما وصفهم النبي - ﷺ - \" على قلب رجل واحد \" أي في غاية الاجتماع والاتفاق، حتى كأن قلوبهم جميعًا قلب واحد، كما في الرواية الأخرى حيث قال في وصفهم: \" قلوبهم قلب رجل واحد \" وهو من التشبيه الذي حذفت","vol":"4","page":162},{"text":"زَوْجَتَانِ، كلّ وَاحِدَةٍ مِنْهمَا يرَى مخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ من الْحسْنِ، تسَبِّحُونَ اللهَ بكْرَةً وَعشِيًَّا، لا يَسْقَمونَ، ولا يَمْتَخِطُونَ، ولا يَبْصقُونَ، آنيتُهُمْ الذَّهَب والفِضَّةُ، وأمْشَاطهُمُ الذَّهَبُ، وَقودُ مَجَامِرِهِمْ الألوّة، ورَشْحهُم الْمِسْك\".\nــ\nأداته، أي كقلب رجل واحد، كما أفاده الحافظ. \" لا اختلاف بينهم ولا تباغض \" أي إن نفوسهم صافية نقية خالية من العداوة والبغضاء، عامرة بالحب والمودة. \" لكل امرىء منهم زوجتان \" أي لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا بالإِضافة إلى عشرات الحور من نساء الجنة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال في وصف أدنى أهل الجنة منزلة: \" وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا \" أخرجه أحمد في \"مسنده \" (١). أما صفة هؤلاء النساء فقد قال - ﷺ - في وصفهن: \" كل واحدة منهما \" أي من الزوجتين المذكورتين من نساء الدنيا \" يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن \" فهي لصفاء جسدها ورقة بشرتها جسم شفاف يكشف عما بداخله، فيرى الناظر إليها مخ ساقها من وراء لحمها، كما يرى الماء الصافي داخل الكأس الزجاجي. \" يسبحون الله بكرة وعشيًا \" أي في أول النهار وآخره، والمراد أنهم يسبحون في وقتهما، وإلّا فلا بكرة ثمة ولا عشية. أمّا هذا التسبيح فإنه ليس عن تكليف، وإنما يلهمون به كما يلهمون النفس. \" لا يسقمون \" أي لا يمرضون فيها \" ولا يمتخطون ولا يبصقون \" لأن الله طهر أهل الجنة من هذه الأقذار \" آنيتهم الذهب والفضة \" أي بعض أوانيهم فضية، وبعضها ذهبية كما أفاده القاري. \" وأمشاطهم الذهب \" أي من الذهب الخالص \" وقود مجامرهم الألوّة \" بفتح الهمزة وضمها وبضم اللام\n_________\n(١) وفي سنده شهر بن حوشب، وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. (ع).","vol":"4","page":163},{"text":"٩٠٦ - عَن أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ في الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا \".\nــ\nوتشديد الواو كما أفاده القسطلاني \" يعني \" أن بخورهم الذي تتقد به مجامرهم هو العود الهندي الذي هو من أطيب الطيب وأزكى البخور.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الجنة التي خلقها الله تعالى لتكون دار النعيم لأوليائه. ثانيًا: جمال أهل الجنة، وحسن وجوههم، حيث وصفهم النبي - ﷺ - بقوله: \" أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر \" ثم وصفهم بالطهارة والنقاء من جميع العيوب والنقائص الجسمية والنفسية. أما سلامتهم من الأقذار الجسمية، فإنهم كما في الحديث \" لا يمتخطون ولا يبصقون، ولا يتغوطون \" فالطعام يرشح عرقًا من أجسامهم تفوح منه رائحة ذكية كرائحة المسك، كما جاء في حديث زيد بن أرقم حيث قال - ﷺ -: \" تكون حاجة أحدهم رشحًا يفيض من جلودهم كرشح المسك \" أخرجه النسائي. أما سلامتهم نفسيًا واجتماعيًا فإن مجتمع أهل الجنة يقوم على الود الخالص، فلا عداوة بينهم ولا بغضاء، كما في حديث الباب. ثالثًا: أن أهل الجنة يتنعمون بكل مظاهر النعيم والترف، فيأكلون في آنية الذهب والفضة، ويمتشطون بالأمشاط الذهبية، ويتطيبون بالعود الفاخر، وينعمون بأجمل النساء وأعظمهم صفاءً ورقة وشفافية. يسبحون الله ويحمدونه، كما في الحديث عن أبي هريرة مرفوعًا \" أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس \" أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" أول زمرة تدخل الجنة \".\n٩٠٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن في الجنة لشجرة \" أي إن فيها شجرة كبيرة مترامية الأطراف \" يسير الراكب \" المسرع في سيره","vol":"4","page":164},{"text":"٩٥٧ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ: \" إِنَّ لَهُ مُرْضِعًَا في الْجَنَّةِ \".\nــ\n\" في ظلها مائة عام لا يقطعها \" أي يسير تحتها الراكب المجد مائة سنة فلا ينتهي منها، وفي الحديث عن عتبة السلمي مرفوعًا \" شجرة طوبى تشبه الجوزة، لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تتكسر ترقوتها هرمًا \" أخرجه ابن حبان في صحيحه. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على عظمة الجنة، وضخامة أشجارها، حتى إن بعض أشجارها تمتد أغصانها وفروعها إلى مسافات بعيدة تزيد عن مسيرة مائة عام. ثانيًا: أن أهل الجنة يتفيئون أشجارها تنعمًا وتلذذًا، لا من أجل أن يستظلوا بها من حرارة الشمس، فإن الجنة لا حر فيها ولا برد، وذلك هو مصداق قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) فالجنة كلها ظل لا شمس معه، ونور لا حرَّ فيه، كأنما هم يعيشون دائمًا في وقت الإِسفار الذي يسبق طلوع الشمس (١). والمطابقة: في قوله: \" إن الجنة لشجرة \".\n٩٠٧ - معنى الحديث: يحدثنا البراء ﵁ \" عن النبي - ﷺ - قال: لما مات ابراهيم \" أي قال - ﷺ - يوم وفاة إبراهيم ابن رسول الله من مارية القبطية، ولد في ذي الحجة سنة ثمان، وتوفي يوم الثلاثاء، لعشر خلون\n_________\n(١) روى ابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس ﵄ قال: الظل الممدود، وشجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها، فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم اللهو، فيرسل الله ريحًا، فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. (ع).","vol":"4","page":165},{"text":"٩٠٨ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ أهلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ في الأفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أوِ الْمَغْرِبِ،\nــ\nمن ربيع الأول سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا (١) \" إن له مرضعًا \" بضم الميم وكسر الضاد \" في الجنة \" أي إن الله قد أعد له في الجنة من يقوم بإرضاعه حتى يتم رضاعته، كما قال - ﷺ -: \" إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين - تكملان إرضاعه في الجنة \" أخرجه مسلم (٢).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل إبراهيم ﵇، وأنه يحيى في الجنة حياة برزخية كالصديقين والشهداء، ويرزق كما يرزقون، ويتمثل رزقه في ذلك اللبن الذي يرضعه من مرضعته في الجنة، ثانيًا: قال النووي: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة، وتوقف فيه بعضهم لحديث عائشة أخرجه مسلم بلفظ \" توفي صبي من الأنصار فقلت: طوبى له - \" أي له الجنة \" لم يعمل سوءًا، ولم يدركه، فقال النبي - ﷺ -: \" أو غير ذلك يا عائشة. إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا \" الحديث، وأجيب عنه بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على وجود الجنة، وبعض ما فيها.\n٩٠٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق \" أي أنهم يشاهدون عن بعد أهل المنازل العالية في الجنة كما كانوا يشاهدون في الدنيا\n_________\n(١) الواقدي.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ٨.","vol":"4","page":166},{"text":"لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: \" بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>٧٩٢ - \"بابُ صِفَةِ أْبوَابِ الْجَنَّةِ </span>\"\n٩٠٩ - عَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" في الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبوَاب، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِمُون \".\nــ\nالكوكب البعيد في أفق السماء، \" لتفاضل ما بينهم \" أي لأن أهل الجنة يتفاضلون في مساكنهم ومنازلهم ودرجاتهم \" قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم \" الظاهر أنه سؤال واستفهام، والمعنى، هل تلك المنازل العالية هي منازل الأنبياء التي لا يصل إليها سواهم، \" قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين \"، أي أنها ليست خاصة بالأنبياء، ولكنها للصديقين من هذه الأمة المحمدية. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن أهل الجنة يتفاضلون في منازلهم ودرجاتهم ومساكنهم، وأن منهم من يبعد عن غيره بعد الكوكب الغابر في الأفق عن أهل الأرض. والمطابقة: في قوله: \" إن أهل الجنة \" (١).\n٧٩٢ - \" باب صفة أبواب الجنة \"\n٩٠٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إن في الجنة ثمانية أبواب \" كما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ٨.","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>٧٩٣ - \" بَابُ صِفَةِ النَّارِ وأنهَا مَخلُوقَة </span>\"\n٩١٥ - عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ \".\nــ\nوَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) لأن الواو إنما تأتي بعد (سبعة) \" فيها باب يسمّى الريان \" بفتح الراء، وهو ضد العطشان، سمى بذلك لما في رواية الترمذي \" من دخله لم يظمأ أبدًا \". \" لا يدخله إلاّ الصائمون \" خاصة دون غيرهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن عدد أبواب الجنة ثمانية، وفيه تفسير وبيان لقوله تعالى: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) ثانيًا: أن الله خص الصائمين بباب يسمى الريان لا يظمؤون بعد دخولهم منه، لأنهم ظمئوا في الدنيا فأدخلهم الله منه تبشيرًا لهم بانقطاع ظمئهم نهائيًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" ثمانية أبواب \".\n٧٩٣ - \" باب صفة النار وأنها مخلوقة \"\n٩١٠ - معنى الحديث: كما أخبر النبي - ﷺ - أن الحمى طاقة حرارية منشأها من نار جهنم. فاللهب الحاصل في جسم المحموم -كما قال الزرقاني- قطعة من نار جهنم، قدر الله ظهورها ليعتبر العباد بذلك، فقوله - ﷺ -: \" الحمى من فيح جهنم \" كما قال الطيبي: إما أن تكون (من) ابتدائية، أي الحمى نشأت وحصلت من فيح جهنم، أو تبعيضية أي بعض منها، \" فابردوها بالماء \" بهزة وصل وضم الراء على المشهور (١)، وحكي كسر الراء (٢)، أي خففوا من حرارتها باستعمال الماء البارد شربًا وغسلًا للأطراف. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n_________\n(١) الصحيح، وهو الفصيح. (ع).\n(٢) مع همزة قطع في أولها، وهي لغة رديئة. (ع).","vol":"4","page":168},{"text":"٩١١ - عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - قَالَ: \" نَاركُمْ جزْء من سَبْعِينَ جزْءًَا منْ نَارِ جَهَنَّمَ \" قِيلَ: يَا رَسولَ اللهِ إنْ كَانَتْ لكَافِيَةً، قَالَ: \" فضِّلَتْ عليهَا بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جزْءًا كُلُّهنَّ مِثْلُ حَرِّهَا \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن معظم الحميات نارية ناشئة عن حرارة جهنم، مباشرة، أو عن حرارة الصيف التي هي نَفَس من أنفاسها. فالحمى نفس من أنفاس جهنم، يصيب المحموم، فتصيبه تلك الحرارة الشديدة التي تشتعل في قلبه وتنتشر في دمه وعروقه وسائر أعضاء بدنه. ثانيًا: تخفيف الحمى بالماء البارد، وذلك بشربه وغسل الأطراف به (١) قال ابن القيم: خطاب النبي - ﷺ - في هذا الحديث خاص بأهل الحجاز ومن والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية الحادثة من شدة حرارة الشمس، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا، وذكر أن أصحاب هذه الحمى ينفعهم الماء كثيرًا، وقد يغنيهم عن العلاجات الأخرى. ثالثًا: في الحديث وصف لنار جهنم وشدة حرارتها، وكونها مخلوقة الآن لأنّها لو لم تكن موجودة الآن كيف تكون الحمّى نفس من أنفاسها. والمطابقة: في قوله: \" الحمى من فيح جهنم \" حيث دل على أن جهنم موجودة الآن خلافًا للمعتزلة.\n٩١١ - معنى الحديث: أن نسبة الطاقة الحرارية الموجودة في نار الدنيا كنسبة جزء إلى سبعين جزءًا من حرارة نار جهنم في الدار الآخرة، قال الحافظ: والمراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخاص، فلما سمع ذلك بعض الصحابة قال: إن نار الدنيا كافية في الإحراق، مجزئة في الإِيلام، فهي محرقة\n_________\n(١) وقد نصح الطب الحديث المحموم بالحمام البارد لتخفيض الحرارة، أو بكمادات بالماء البارد.","vol":"4","page":169},{"text":"للجماد، فضلًا عن الأجسام البشرية. \" قال - ﷺ -: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا \" أي أن نار الآخرة تزيد قوة حرارتها عن حرارة نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، \" كلهن مثل حرها \" أي كل جزء منها يعادل حرارة نار الدنيا كلها، ولهذا قال ابن عباس: لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها الآدميون لكانت جزءًا من أجزاء نار جهنم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن نار جهنم تزيد طاقتها الحرارية على نار الدنيا بتسعة وستين ضعفًا، وأن نسبة الحرارة الموجودة في نار الدنيا كنسبة واحد إلى سبعين من نار الآخرة. ثانيًا: أن نار الدنيا مخلوقة من نار الآخرة، إلا أنها خُفِّفت عنها مرات كثيرة جدًا، وفي هذا يقول ابن عباس ﵄، وقد سئل عن نار (١) الدنيا. قال: من نار الآخرة، غير أنها أُطفأت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد.\nأخرجه ابن عيينة. ثالثًا: أن النار مخلوقة الآن قال الزرقاني (٢): النار والجنة مخلوقتان الآن كما دلت عليه أحاديث كثيرة أصرحها قوله - ﷺ -: \" لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلاّ دخلها ثم حفها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: يا رب، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، فلما خلق الله النار قال: يا جبريل إذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها فقال: أي رب في عزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلاّ دخلها \" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الحاكم عن أبي هريرة. والمطابقة:\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٥.\n(٢) \" شرح الزرقاني على الموطأ \".","vol":"4","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>٧٩٤ - \" بَابُ صِفَةِ إبْلِيس وَجُنُودِهِ </span>\"\n٩١٢ - عَنْ أبي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \" يَأتِي الشيطَانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَق كذَا؟ من خلَقَ كَذَا؟ حتى يَقُولَ: من خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ \".\nــ\nفي قوله - ﷺ -: \" ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم \". الحديث: أخرجه الشيخان ومالك في \" الموطأ \".\n٧٩٤ - \" باب صفة إبليس وجنوده \"\nوصفه ابن عباس ﵄ في حديث له: بقبح الصورة، وبشاعة المنظر فقال عنه: \" جسده جسد خنزير، ووجهه وجه قرد، وعيناه مشقوقتان طولًا، وأسنانه كلها عظم واحد .. إلى آخره\n٩١٢ - معنى الحديث: أن الشيطان، وهو أعدى أعداء البشر على الإِطلاق لا همَّ ولا شغل له أبدًا إلاّ العمل الدائب على إغواء الإِنسان وإضلاله حتى يهلك ويشقى، فيوسوس له شتى الوساوس، ويأتيه من كل جانب، وأهمها أن يأتيه من جهة العقيدة لأنها أساس دينه وإيمانه، وعليها تتوقف نجاته وسعادته في الدار الآخرة فيبعث في نفسه الشكوك حولها، ويثير فيه التساؤلات العديدة عن حدوث الأشياء، ومن أحدثها \" فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ \" يعني من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ من خلق الجبال؟ من خلق الإِنسان؟ فيجيبه نفسيًا وعقليًا بقوله: \" الله \"، وجوابه هذا صحيح وحق وواقع وتوحيد وإيمان، ولكن الشيطان لا يقف عند هذا الحد من الأسئلة، بل يتجاوزها إلى أسئلة ضالّة مضّلة فينتقل من سؤال إلى سؤال \" حتى يقول: من خلق ربك \" وهنا تبدأ المحاولة الشيطانية لتشكيك الإِنسان في","vol":"4","page":171},{"text":"توحيده وإيمانه بصفات الله ﷿، لأن الله تعالى لا خالق له، فهو الأول بلا ابتداء، والسابق لكل موجود، لم يسبقه عدم، حتى يكون مخلوقًا لغيره، تعالى الله علوًا كبيرًا \" فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته \" أي فإذا وصل معه الشيطان إلى هذا الحد من الأسئلة فليستعذ بالله منه، وليكف عن الاستجابة له، قال الحافظ: أي ولينته عن الاسترسال معه في ذلك، ويعلم أنه يريد إفساد دينه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير عن الاستجابة للوساوس الشيطانية، سيما ما يتعلق بعقيدة الإِنسان المتعلقة بالله وصفاته ووحدانيته، فإن هذا النوع من الوسوسة أخطر ما يكون عليه، لأن الشيطان عندما يسأله: \" من خلق ربك \" إنما يريد بذلك أن يوحي إليه نفسيًا بأن الله مخلوق كسائر الكائنات، فإذا استجاب لذلك، والعياذ بالله، كفر بالله، وإذا تنبه لذلك واستعاذ بالله سلم من الشرك بالله، وهذا هو اليقين وصريح الإِيمان. ثانيًا: أن هذه الوساوس الشيطانية كثيرة، فمنها ما يتعلق بصفات الباري ﷻ، أو صفات رسوله - ﷺ -، ومنها ما يتعلق بالقرآن، ومنها ما يتعلق بالغيبيات كالبعث وعذاب القبر، والجنة والنار، والملائكة إلى غير ذلك من عقائد الإِيمان فيجب الاستعاذة منه عند محاولته التشكيك في هذه العقائد، قال الخطابي: إن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص منه، وكف عن مطاولته اندفع، وإن الاسترسال معه ولو بقرع الحجة بالحجة غير مأمون، لأن الشيطان ليس لوسوسته انتهاء. ثالثًا: إثبات وجود الشياطين، وبقاؤهم إلى يوم القيامة، وهم كثيرون وإبليس هو أبوهم وأصلهم الأول. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" يأتي الشيطان أحدكم \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.","vol":"4","page":172},{"text":"٩١٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا استَجْنَحَ (١) اللَّيْلُ -أو كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- فَكُفُّوا صبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَيّاَطِينَ تَنْتَشِر حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ من الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وأغلق بَابَكَ، واذكُرْ اسْمَ اللهِ، وَأطْفِىءْ مِصْبَاحَكَ، واذكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأوْكِ سقَاءَكَ، وَاذكُرِ اسْمَ اللهِ، وخَمِّرْ إِنَاءَكَ، واذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًَا \".\nــ\n٩١٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يأمرنا أمر إرشاد وتوجيه أن نمنع أطفالنا عن الخروج من البيوت عند أول غروب الشمس وإقبال ظلمة الليل، لأن الشياطين والأرواح الخبيثة المؤذية تنتشر في أوّل الليل محاولة الشر والإِفساد والإِضرار بالناس، لا سيما الأطفال لضعفهم، فإذا مضت ساعة بعد الغروب سمح لهم بالخروج. ثم هو - ﷺ - يأمرنا أيضًا بإغلاق بيوتنا، وقفل أبوابها، لا سيما بالليل، لمنع اللصوص والمعتدين من دخولها، وإطفاء مصابيحنا عند النوم احتياطًا وحذرًا من الحريق. ووضع جميع المشروبات التي نتناولها في أوان مغلقة محكمة خوفًا من أن يتسرب إليها بعض الحشرات والميكروبات، وتغطية الأطعمة حتى لا تتلوّث بسقوط الأقذار والجراثيم فيها.\nوأن نذكر اسم الله تعالى عند كل عمل من أعمالنا هذه أو غيرها نستعيذ به ونعتمد عليه في حمايتنا (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود الشياطين، وكونها مخلوقات شريرة مؤذية للإِنسان وأطفاله. ثانيًا: أنه ينبغي حفظ الأطفال في المنازل، ومنعهم من الخروج منها بعد غروب الشمس مباشرة لمدة ساعة، لأن الشياطين تنتشر في ذلك الوقت فتؤذيهم جسميًا ونفسيًا لضعفهم وسرعة\n_________\n(١) استنجح الليل أي أقبل ظلامه بعد مغيب الشمس.","vol":"4","page":173},{"text":"٩١٤ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ:\nكُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرَجُلانِ يَسْتَبَّانِ، فأحَدُهُمَا احْمَرَّ وجْهُهُ، وانتفَخَتْ أوْداجُهُ، فَقَالَ النبِيُّ - ﷺ -: \"إِنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالهَا\nــ\nتأثرهم. ثالثًا: يرشدنا - ﷺ - إلى اتخاذ كل الوسائل المادية لحفظ النفس والمال والصحة، فمن ذلك إغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح وتغطية الإِناء، وربط السقاء كما قال - ﷺ -: \"وأوك سقاءك، واذكر اسم الله \" صيانة للماء من التلوث في أي وعاء كان، وقال - ﷺ -: \" وخمر إناءك \" فأمر بتغطية وعاء الطعام لحفظه من الحشرات والميكروبات. رابعًا: مشروعية الجمع بين اتخاذ الأسباب والتحصن بذكر الله تعالى وأسمائه، والتوكل عليه، حيث قال: \" وأغلق بابك، واذكر اسم الله \" أي اجمع بين الوقاية المادية والوقاية الروحية لتشملك العناية الإلهية. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر \" أخرج هذا الحديث: الشيخان وأبو داود والنسائي.\n٩١٤ - راوي الحديث: هو سليمان بن صرد - بضم الصاد وفتح الراء ابن الجون بن الجون بن أبي الجون بن منقذ الخزاعي، كان من خيار الصحابة، شهد وقعة صفين مع علي ﵁، وعمل كاتبًا للحسن بن علي ﵄، وقتل سنة خمس وستين من الهجرة، وعمره ثلاث وسبعون سنة ﵁ وأرضاه.\nمعنى الحديث: أن رجلين من أصحاب النبي - ﷺ - تخاصما وتشاتما وسب كل منهما الآخر واشتد بأحدهما الغضب، وظهرت آثاره عليه، فاحمر وجهه من شدة فوران الدم وغليانه، وانتفخت عروق عنقه، ورأى النبي - ﷺ - ما وقع له من شدة الغضب فقال لأصحابه: لو قال كلمة واحدة لاستراح وهدأت","vol":"4","page":174},{"text":"ذَهَبَ عنه ما يَجِدُ، لو قَالَ: أعُوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: تَعَوَّذْ باللهِ مِنَ الشيطَانِ، فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ!\nــ\nنفسه وهي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأن الغضب نزعة شيطانية (١) تخرج الإِنسان عن حالته العادية، ويأتي ببعض الأعمال الجنونية، كتقطيع ثوبه، وكسر آنيته، وشتم من أغضبه. أو ضربه أو قتله فإذا استعاذ العبد بالله واعتصم به، حماه من الشيطان، ومنعه من التسلط عليه \" قال النبي - ﷺ -: إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان \" \" فقالوا له: إن النبي - ﷺ - قال: \" تعوذ بالله من الشيطان، فقال: وهل بي جنون \" قال النووي: هذا كلام من لم يفقه في دين الله، ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجانين، ولم يعلم أن الغضب من نزعات الشيطان، والاستعاذة تذهب الغضب وهي أقوى سلاح على دفع كيده. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن أقوى علاج لتسكين الغضب والقضاء عليه الاستعاذة بالله من الشيطان بنية صادقة، وعزيمة قوية، ويقين وإخلاص، لأن الغضب نزعة شيطانية شريرة، والاستعاذة أقوى سلاح لمحاربة الشيطان فإذا لٍم يستعمل هذا السلاح سخّره في كل ما يغضب الله من أعمال إجرامية إشباعا لغريزة التشفي والانتقام، ولهذا جاء في الحديث عن أبي الدرداء ﵁ قال: قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: لا تغضب ولك الجنة، رواه الطبراني في الكبير والأوسط لأنه يولّد الحقد (٢) والحسد، وإضمار السوء، وهجر المسلم\n_________\n(١) أي نزعة شيطانية تدفع صاجها إِلى الانتقام، وارتكاب الأفعال الاجرامية.\n(٢) شرح الزرقاني على \" الموطأ \" ج ٤.","vol":"4","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-872>٧٩٥ - \" بَاب إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغمِسْهُ، فَإِنَّ في إحْدى جَنَاحَيْهِ دَاءً وفي الأخرَى شِفَاءً </span>\"\n٩١٥ - عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أحدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثمَّ لِيَنْزِعْه، فَإِنَّ في إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفي الأخرى شِفَاءً \".\nــ\nلأخيه المسلم، ومنع الحقوق، وتظهر آثار الغضب على سلوك الإِنسان وتصرفاته الشخصية من ضرب وقتل ونحوه، فإن فاته ذلك، رجع إلى نفسه فمزّق ثيابه، ولطم خده، وربما سقط صريعًا، وربما أغمي عليه. وقد حكي أن بعض الملوك كتب في صحيفة: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ثم دفعها إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فادفعها إليّ، فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه، فنظر فيها فيسكن غضبه (١). ثانيًا: وجود الشيطان وتسلطه على الإِنسان بإثارة غرائزه، ولذلك أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة منه. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لو قال أعوذ بالله من الشيطان \".\n٧٩٥ - \" باب إذا وقع الذباب (٢) في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء \"\n٩١٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه \" أي يأمرنا النبي - ﷺ - في هذا الحديث - إذا وقعت الذبابة في مائع من المائعات أن ندخلها كلها في الإِناء، ثم نخرجها منه \"فإن\n_________\n(١) شرح الزرقاني على \" الموطأ \" ج ٤.\n(٢) قال العسكرى: الذباب واحد والجمع ذبان والعامة تقول ذبابة، وهو خطأ.","vol":"4","page":176},{"text":"في إحدى جناحيه داء\" أي لأن إحدى الجناحين يحمل جرثومة المرض، والثاني يحمل الدواء الذي يقضي عليها وهو معنى قوله: \" وفي الأخرى شفاء \" ومن طبيعة الذبابة أنها إذا سقطت في مائع وقعت على الجناح الذي يكمن فيه الداء، وأفرزته فيه، فإذا غمس الجناح الآخر خرج منه الدواء الذي يقضي على ذلك الداء، لأن الذباب كما في حديث ابن حبان: \" يقدم السم ويؤخر الشفاء \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أمرين، أمر فقهي وهو أن الذباب إذا مات في ماء أو مائع لا ينجسه (١)، وهو قول الجمهور، ثم عدّى هذا الحكم إلى كل ما لا دم له كالنحلة والزنبور، وأمر طبي وهو غمس الذباب كله، وإدخاله في الإناء ليخرج الشفاء الموجود في جناحه الآخر، فيقضي ذلك الترياق الشافي على ذلك السم الذي وقع في الإناء، قال في \" هداية الباري \" (٢) وهذا طب لا يهتدي إليه الأطباء وأئمتهم، فالطيب العالم الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية. والمطابقة: في كون الترجمة هي لفظ الحديث نفسه. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود وابن ماجة في الطب.\n...\n_________\n(١) \" الطب النبوي \" لابن القيم.\n(٢) \" هداية الباري في ترتيب أحاديث البخاري \" ج ١.","vol":"4","page":177},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-874> كتابُ أحَادِيث الأنبِيَاءِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>٧٩٦ - \" بَابُ خلْقِ آدَمَ - ﷺ - وذرِّيَّتهِ </span>\"\n٩١٦ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَطُولُهُ ستُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولئِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيتكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ على صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ \".\nــ\n\nكتاب أحاديث الأنبياء (١)\n٧٩٦ - \" باب خلق آدم \"\n٩١٦ - معنى الحديث: أن الله تعالى خلق الإِنسان الأوّل وهو آدم أبو البشر طويل القامة، بحيث يبلغ طوله ستين ذراعًا، وكان خلقه يوم الجمعة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة. وبعد أن تم خلقه وتكوينه، ونفخ فيه الروح، ودبت فيه الحياة، وأصبح بشرًا سويًا، أمره الله أن يذهب إلى الملائكة فيحييهم بالسلام، ويستمع إلى إجابتهم عليه، فتكون تلك التحية المتبادلة بينه وبينهم هي التحية المشروعة له ولذريته من بعده، وهو معنى قوله: \" فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك \" أي فإنها تحيتك وتحية المؤمنين من ذريتك، \"فقال السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه\n_________\n(١) وعدد الأنبياء ١٢٤٠٠ والرسل ٣١٣ رسولًا كما في حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان.","vol":"4","page":178},{"text":"٩١٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعود ﵁ قالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًَا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ من دَمِهَا، لأنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ \".\nــ\nورحمة الله\" فأصبح ذلك هو الصيغة المشروعة في الرد على السلام. \" فكل من يدخل الجنة على صورة آدم \" أي على صورته في الحسن والجمال وطول القامة .. \" فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن \" فلم تزل تقصر قامة بني آدم حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان خلق آدم ﵇، وطول قامته، وأنها كانت ستين ذراعًا، وأن المؤمنين حين يدخلون الجنة يكونون على صورة أبيهم آدم وطول قامته. ثانيًا: أن الأجيال السابقة كانوا طوال القامة، وأن قامتهم أخذت تقصر شيئًا فشيئًا، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن. قال في \" هداية الباري \": ولا يشكل عليه ما يوجد الآن من آثار الأمم الخالية كديار ثمود في الجبال، فإنها تدل على عدم إفراط طولهم لأن تلك البيوت الجبلية اتخذوها مأمنًا مما يحيق بهم، لا مساكن للتمتع حتى يشيدوها، ويرفعوا سقوفها كما يرشد إليه قوله تعالى: (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ). المطابقة: في قوله: \" خلق الله آدم وطوله ستون ذراعًا \" الحديث: أخرجه الشيخان.\n٩١٧ - معنى الحديث: أنه لا ترتكب جريمة قتل في هذه الأرض فتقتل نفس بشرية بغير حق إلاّ كان على القاتل الأول وهو قابيل بن آدم وولده البكر نصيب من وزرها، لأنه أوّل من سن القتل، وتجرأ عليه ظلمًا وعدوانًا، كما قال الله تعالى: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) أي فطاوعته نفسه أن يقتل أخاه \" هابيل \" فخسر الدنيا والآخرة","vol":"4","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-875>٧٩٧ - \" بَابُ قِصَّةِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ </span>\"\n٩١٨ - عَنْ زَيْنَبَ بنْتِ جَحْش ﵂:\nأنَّ النبي - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًَا يَقُولُ: \" لا إلهَ إلَّا اللهُ، وَيْل لِلْعَربِ مِنْ شَر قَدْ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ -وَحَلَّقَ بأُصْبُعِهِ الإبهَامَ والتي تَلِيهَا- قالَتْ زَيْنَبُ بنْتُ جَحْشٍ: أنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: \" نَعَمْ إذَا كَثُرَ الْخَبَثُ \".\nــ\nوكان عليه دم أخيه، ونصيب من دم كل نفس تقتل إلى يوم القيامة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن قابيل هو أوّل أولاد آدم ﵇، وأول ذريته وهو ما ترجم له البخاري كما يدل عليه قولى - ﷺ -: \" إلاّ كان على ابن آدم الأول كفل من دمها \". ثانيًا: أن أوّل جريمة قتل وقعت على هذه الأرض هي جريمة قابيل حين قتل أخاه هابيل، فكان أوّل من سن القتل، ولهذا ما من جريمة قتل تحدث إلاّ وعليه كفل من دمها، والمطابقة: في قوله: \" إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n٧٩٧ - \" باب قصة يأجوج ومأجوج \"\nوهما جنسان متوحشان من البشر يتكونان من قبائل كثيرة تبلغ اثنتين وعشرين قبيلة كما أفاده محيي السنة،\n٩١٨ - معنى الحديث: تحدثنا زينت بنت جحش ﵂ \" أن النبي - ﷺ - دخل عليها فزعًا يقول: لا إله إلاّ الله \" أي دخل عليها خائفًا مضطربًا، يلهج لسانه بكلمة التوحيد -كما هي عادتهﷺ - عند الخوف من شيء ما، إيذانًا بتوقع أمر مكروه يحدث في هذا العالم لا نجاة","vol":"4","page":180},{"text":"منه إلا بالالتجاء إلى الله، والاستجارة بسلطانه. \" فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعيه الإِبهام والتي تليها \" أي فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج الذي بناه ذو القرنين ليكون مانعًا لهما من غزو الشعوب المجاورة ثغرة صغيرة مثل الحلقة التي تُرى عند إيصال طرف السبابة بأصل الإِبهام، قال القسطلاني: والمراد بالتمثيل التقريب لا حقيقة التحديد، قالت زينب: \" فقلت: أنهلك وفينا الصالحون \" أي كيف يسلّط الله علينا هذه الشعوب المتوحشة فتهلكنا وتقضى علينا وفينا المؤمنون الصالحون، وكأنها أخذت ذلك من قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) \" فقال - ﷺ -: نعم إذا كثر الخبث \" أي نعم يهلك العامة بفساد الخاصة، ولو كان فيهم الصالحون إذا انتشرت الفواحش، وفشت المنكرات، ولم ينكرها أحد، كما قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجود يأجوج ومأجوج، واختراقهم للسد في آخر الزمان قرب الساعة. كما تحدَّث عنهم القرآن في سورة الكهف، وذكر أنهم شعوب مخربة حمى الله البشريّة من شرهم بذلك السد، وكما ورد ذكرهم في بعض الأحاديث الصحيحة كحديث الباب، وحديث النواس بن سمعان حيث قال فيه: \" فبينما هو كذلك إذا أوحى الله تعالى إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لا يدان لأحد بقتالهم -أي لا يقدر أحد على حربهم- فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها.\nثم قال: ويحصر نبي الله عيسى حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار، فيرغب نبي الله، فيرسل الله عليهم النغف -أي الدود- فيصبحون فرسى -أي قتلى- كموت نفس واحدة \" أخرجه مسلم.\nوأرجح ما وصل إليه الباحثون في شأنهم أن يأجوج هم التتر ومأجوج هم المغول أي أنهما من هذين الشعبين وأصلهما من أب واحد يسمى \" ترك \"","vol":"4","page":181},{"text":"وقد كانوا يسكنون الجزء الشمالي من آسيا، وتمتد بلادهم ما بين التيبت والصين إلى المتجمد الشمالي شمالًا، وتركستان الشرقية غربًا، ويذكر المؤرخون أن هذه الأمم المتوحشة كانت تغير على الأمم المجاورة لها كثيرًا حتى وصل غزوهم الوحشي في العهد القديم إلى أوربة، وكثيرًا ما أغاروا على بلاد الصين وآسيا الغربية التي كانت مقر الأنبياء، وقد تحدث القرآن عنهم كما تحدث أيضًا عن \" سد يأجوج ومأجوج \" وجاء ذكره في حديث الباب كما جاء ذكرهم أيضًا.\nوقد تسربت بعض هذه الشعوب المتوحشة إلى الشرق الأوسط وتحقق ذلك بغزو التتار للمسلمين والعرب، وتخريبهم لبلادهم، وقضائهم على الدولة العباسية، واستيلائهم على بغداد وقد ذكر النبي - ﷺ - اقتحامهم لهذا السد في قوله - ﷺ -: \" فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعه الإِبهام والتي تليها \". أما هذا السد ومكانه، وأين هو؟ فليس في ذلك نص صريح عليه، وقد دلت الكشوفات العلمية على وجود سدين عظيمين \" أوّلهما \" شرقي البحر الأسود بالقرب من (١) مدينة باب الأبواب، وقد اكتشف في القرن الحالي. والثاني وراء نهر جيحون في عمالة بلخ واسمه باب الحديد بمقربة من مدينة ترمذ، والذي تدل عليه الدلائل التاريخية والكشوفات العلمية أن سد يأجوج ومأجوج هو هذا السد الأخير الذي وراء نهر جيحون والمسمى بسد باب الحديد، لأنه هو الذي اخترقه التتار والمغول أثناء زحفهم على البلاد الاسلامية، وهو الذي اجتازه هولاكو بجيوشه الغازية لغزو الخلافة العباسية في عهد الخليفة المستعصم بالله، حيث استولى على بغداد في أواسط القرن السابِع الهجري، ووقعت فريسة للسلب والنهب سبعة أيام سالت فيها الدماء أنهارًا، وطرحوا كتب العلم في نهر دجلة وجعلوها جسرًا يمرون عليه. وقد مر بهذا السد المسمى \" بسد باب الحديد \" والذي يترجح أنه سد يأجوج\n_________\n(١) \" تفسير المراغي \" ج ١٦.","vol":"4","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>٧٩٨ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) </span>\"\n٩١٩ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أكْرَمُ النَّاس؟ قَالَ: \" أتْقَاهُمْ \"، فَقَالُوا: لَيْسَ عن هذَا نَسْألكَ؟ قَال: \"فَيوسفُ نَبِيُّ اللهِ ابْنُ نَبِيِّ اللهِ ابْنِ نَبِيِّ\nــ\nومأجوج العالم الألماني \" سيلد بليجر \" في القرن الخامس (١) عشر الميلادي وسجله في كتابه، كما ذكره المؤرخ الإِسباني \" كلافيجو \" في رحلته التي قام بها عام ١٤٠٣ م وذكر أنه بين سمرقند والهند. ثانيًا: أن الأمة إذا نشأ فيها الفساد هلكت ولو كان فيها الصالحون، وكذلك إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، أو جهروا بالمنكرات، فقد روى مالك في \" الموطأ \" عن إسماعيل ابن أبي حكيم أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: كان يقال إن الله ﵎ لا يعذّب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا استحقوا العقوبة كلُّهم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج \".\n٧٩٨ - \" باب قول الله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) \"\n٩١٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - سئل \" من أكرم الناس \" أي من أفضل الناس وأعلاهم منزلةً عند الله تعالى \" قال: أتقاهم \" أي أكثرهم طاعة لله، وامتثالًا لأمره، وعملًا بشريعته \" فقالوا: ليس عن هذا نسألك \" أي لسنا نسألك عن أفضل الناس من جهة الأعمال الصالحة \" قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله \" أي إن كنتم تريدون أن تتعرفوا على أفضل الناس عامة من جهة النسب الصالح فهو يوسف ﵇\n_________\n(١) \" في ظلال القرآن \" المجلد الرابع.","vol":"4","page":183},{"text":"اللهِ بْنِ خَلِيل اللهِ\" قَالُوا: لَيْس عَن هَذَا نَسْألكَ، قَال: \" فعن مَعَادِنِ العَرَبِ تَسألونَ؟ خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إذَا فَقُهُوا \".\nْ٩٢٠ - عن أبي هُرَيَرةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلاثَ\nــ\nلأنه جمع بين نبوة نفسه ونبوة أبيه يعقوب ﵇ ونبوة جده الأول إسحاق ﵇، وخلة جده الثاني إبراهيم ﵇، فهو نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله إبراهيم ﵇. الذي وصفه الله تعالى بقوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) لشدة محبته لله تعالى، وإفراده بها دون سواه \" قالوا: ليس عن هذا شألك \" أي لا نسألك عن أشرف الناس نسبًا \" قال: فعن معادن العرب تسألون \" أي فهل تسألون عن أشرف العرب نسبًا وأفضلهم حسبًا إن كنتم تريدون ذلك فالعرب \" خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا \" أي أشرفهم قبل الإِسلام نسبًا وحسبًا هو أشرفهم بعد الإِسلام إذا جمع إلى شرف النسب شرف الإِسلام والتفقه في الدين.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على وصف إبراهيم ﵇ بالخلة، وهي إفراد الله تعالى دون غيره بالمحبة الخالصة، كما قال ﷿: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ابن خليل الله \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٩٢٠ - معنى الحديث: أن خليل الله إبراهيم ﵇ كان المثل الأعلى في الصدق، لم يكذب طول حياته سوى ثلاث كذبات كلها جائزة مشروعة، لأنها ليست كذبًا في الحقيقة، وإنما سماها بذلك لمخالفتها الواقع في الظاهر، فهي ثلاثة أقوال صحيحة تخالف الواقع ظاهرًا، وتوافقه حقيقة وهو","vol":"4","page":184},{"text":"كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْون مِنْهُنَّ في ذَاتِ اللهِ ﷿، قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ) وقَوْلُهُ: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) وقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْم وَسَارَةُ،\nــ\nمعنى قوله: \" لم يكذب إبراهيم ﵊ إلاّ ثلاث كذبات \" قال أبو البقاء: الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة بسكون الذال تقول كذب كذبة، كما تقول ركع ركعة، قال: وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولًا يعتقده السامع كذبًا، لكنه إذا حقق لم يكن كذبًا لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين. اهـ: ثم قال - ﷺ -: \" ثنتان منهن في ذات الله ﷿ \" أي ثنتان من الثلاث كانتا لأجل الله تعالى وحده دون أن يكون فيهما أي حظ لنفسه وهما قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) لأنه قال ذلك ليتخلص من الخروج معهم إلى معبدهم، ومشاركتهم في عبادتهم الباطلة، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) لأنه قاله ليستدل به على ضعف آلهتهم، فهاتان الكذبتان في ذات الله تعالى، بخلاف الثالثة، فإنها كانت للتخلص من ذلك الجبار، ثم ذكر النبي - ﷺ - هذه الكذبات الثلاث: الأولى: \" قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) \" وسماها \" كذبة \" لأنّه قول يخالف الواقع في ظاهره، حيث إنه لم يكن مريض الجسم، ولكنه أراد أنه سقيم القلب، فهو باعتبار هذا المعنى الذي قصده إبراهيم ليس كذبًا، وإنما هو عين الصدق. والثانية: \" قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) \" وقد سماه \" كذبة \" باعتبار الظاهر الذي فهموه من أن الصنم الأكبر غضب من عبادتهم للأصنام الأخرى فكسرها في حين أنه أراد - كما قال بعضهم: إن هذا الصنم الكبير هو السبب الذي دفعني إلى تحطيم الأصنام الأخرى لأني لما رأيتها مصطفة حوله تعظيمًا وتقديسًا له حطمتها كلها إمعانًا في إذلاله، واستدلالًا على ضعفه ومهانته، وعجزه عن الدفاع عنها، ولو كان ربًا قادرًا عزيزًا لدافع عنها وحماها، \"وقال بينا","vol":"4","page":185},{"text":"إِذْ أتَى على جَبَّار مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا معهُ امْرَأةٌ من أحْسَنِ النَّاسِ، فأرْسَلَ إلَيْهِ، فَسَألهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أخْتِي، فَأتَى سَارَةَ، فَقَالَ: يا سَارَةُ لَيْسَ على وجْهِ الأرْضِ مُؤمِن غَيْرِي وَغيْرُكِ، وِإن هَذا سَألنِي فأخْبَرْته أنَّكِ أُخْتِي فلا تُكَذبِيني، فأرْسَل إليهَا، فلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ لي ولَا أضرٌّكِ، فَدَعَتِ اللهَ فأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأخِذَ مِثْلَهَا، أو أشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِى اللهَ لي ولا أضُرُّكِ، فدَعَتِ اللهَ فأطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إنَّكُمْ لَمْ تَأتُونِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أرتيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ، فَأخْدَمَهَا هَاجَرَ،\nــ\nهو ذات يوم وسارة إذا أتي على جبار \" أي قال - ﷺ - في بيان الكذبة الثالثة لما قدم إبراهيم أرض مصر التي كان يحكمها جبار من الجبابرة، وبصحبته زوجته سارة \" فقيل له \" أي للجبار \" إن ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس \" صورة \" فأرسل إليه، فسأله عنها قال: من هذه قال: أختي \" وسماه كذبةً باعتبار الظاهر حيث فهم منه الجبار أنّها أخته نسبًا في حين أنه أراد أنها أخته في الدين، فجوابه صدق مطابق للواقع بهذا المعنى، \" فلما دخلت عليه \" أي على جبار مصر \" ذهب يتناولها بيده فأخذ \" وفي رواية مسلم: \" فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة \" وفي رواية: \" فقامت تتوضأ وتصلى فَغُطَّ (بضم الغين) حتى ركض برجله، أي اختنق، حتى صار كأنه مصروع \" فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق \" وزالت عنه الحالة التي كان عليها، ولكنه لم يعتبر بما حدث له، بل طمع فيها مرة أخرى كما قال: \" ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها \" أي فأصيب بمثل ما أصيب في المرة الأولى \" فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق \" ورجع إلى حالته العادية، فكف نفسه عنها،","vol":"4","page":186},{"text":"فَأتَتْهُ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، فَأوْمَأ بِيَد مَهْيَمُ، قَالَتْ: رَدَّ اللهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أو الفَاجِرِ في نَحْرِهِ، وأخْدَمَ هَاجَرَ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أمُّكُم يا بني مَاءِ السَّمَاءِ\".\nــ\nويئس منها \" فدعا بعض حجبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، وإنما أتيتموني بشيطان \" وفي رواية ما أرسلتم إلي إلاّ شيطانًا، ارجعوها إلى إبراهيم، قال الحافظ: وهذا يناسب ما وقع له من الصرع، \" فأخدمها هاجر \" أي فوهب لها هاجر - بفتح الجيم لتخدمها، وهو اسم سرياني \" فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده \" مهيم \" بفتح الميم وسكون الهاء أي ما حالك وما شأنك \" قالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره \" وهو مَثَل تقوله العرب لمن أراد أمرًا باطلًا فلم يصل إليه: أي خيَّب أمله وحال بينه وبين مقصوده \" وأخدم هاجر \" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء \" أي فتلك المرأة التي هي هاجر هي أمكم أيها العرب، لأنها أم إسماعيل، وهو جد العدنانيين من العرب ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وإنما نسب العرب إلى ماء السماء نسبة إلى الفلوات التي بها مواقع القطر، وقيل أراد بماء السماء زمزم قال ابن حبان في صحيحه: \" كل من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء السماء، لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل إبراهيم ﵇، وذكر بعض أخباره، وأن تصرفاته وأعماله وأقواله كانت لله وفي الله كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \" ثنتان منهن في ذات الله ﷿ \" ثانيًا: أن إبراهيم لم يكذب في حياته سوى هذه الثلاث، وهي ليست كذبًا في الحقيقة، وإنما هي \" تورية \"، ومعناها أن يأتي المتكلم بكلمة لها معنى قريب يتبادر إلى ذهن","vol":"4","page":187},{"text":"٩٢١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\"أوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطق مِنْ قِبَلِ أمِّ إسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعْفِّيَ أثرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وبابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ، وهيَ ترضِعُهُ حَتَّى وَضَعْهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاء، فوضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وسِقَاءٌ فِيهِ مَاء، ثُمَّ قَفَّى (١) إبْراهِيمُ مُنْطَلِقًَا، فَتَبِعَتْهُ أمُّ\nــ\nالسامع، ومعنى بعيد لا يخطر بباله، فيقصد المعنى البعيد ليخفي عن المخاطب أمرًا تقضي الحاجة أو الضرورة إلى إخفائه، وهو ما أراده إبراهيم ﵇، كما وضحناه أثناء شرحنا للحديث. وليس هناك كذاب حقيقي، فالأنبياء لا يكذبون، لأنهم معصومون، وأطلق عليه الكذب تجوزًا لكونه على صورته، وإلّا فهو من باب المعاريض وهي فسحة ووقاية من الكذب كما في الخبر \" إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب \". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون هذه الأشياء المذكورة في هذا الحديث تدل على خُلَّة إبراهيم وكمال محبته.\n٩٢١ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" أوّل ما اتخذ النساء المنطق \" بكسر الميم وفتح الطاء، وهو قطعة من قماش تشد بها المرأة وسطها، وتجر أسفله على الأرض \" من قبل أم إسماعيل \" أي من جهة هاجر أم إسماعيل، وبسببها، فهي أوّل امرأة فعلت ذلك، وسببه أن سارة كانت قد وهبت هاجر لإبراهيم ﵇، فلما ولدت إسماعيل غارت منها، فشدت المنطق، وصارت تجر أسفله على الأرض، لتخفي آثار أقدامها، ثم أمره الله تعالى أن يذهب بها إلى مكة ففعل، ولم يكن هناك بيت ولا بناء ولا زرع ولا ماء، فوضعها تحت شجرة هناك فوق مكان زمزم، وكان إسماعيل رضيعًا، ومكة\n_________\n(١) قفى بتشديد الفاء يعني ولى راجعًا إِلى الشام كما أفاده العيني.","vol":"4","page":188},{"text":"إسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يا إِبْرَاهِيمُ أينَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الذي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ ولا شَيْءٌ، فَقَالَتْ لَهُ: ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ آللهُ الَّذِي أمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إبْراهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْثَّنِيَّةِ حَيْث لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دعَا بَهُؤلاءِ الكَلَمَاتِ، ورَفَعَ يَدَيه فَقَالَ (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ -حَتَّى بَلَغَ- يَشْكُرُونَ) وجَعَلَتْ أمُّ إسْمَاعِيلَ ترضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ، حَتَّى إذَا نَفِذَ ما في السِّقَاءِ عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وجَعَلَتْ تَنْظر إليْهِ يَتَلَوَّى، أوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ، فانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ،\nــ\nصحراء قاحلة، وترك لها جراب تمر وسقاء ماء، وعاد راجعًا إلى الشام فقالت له: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي المقفر؟ وأعادت السؤال مرارًا، ثم قالت: هل أمرك الله بذلك؟ قال: نعم، قالت: ما دام قد أمرك بذلك، فلن يضيّعنا، وحسبي الله حافظًا ورازقًا، ثم عادت، وسار إبراهيم متضرعًا إلى الله تعالى أن يحفظ ولده، وأن يرزقه وذريته وأن يحوّل هذه الصحراء إلى مدينة عامرة، يأتيها الناس من كل فج عميق \" فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ \" أي لا نبات فيه \" عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ \" أي إنما فعلت ذلك ليصبح هذا البيت قبلة للناس في صلاتهم \" (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) \" أي فاجعل جماعات من الناس تأتيهم \" (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) \" قال في التفسير المنير: إنما طلب تيسير المنافع لأولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلاة، وأداء الواجبات. اهـ. وقال الزمخشري: فأجاب الله دعوة خليله، فجعله حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل","vol":"4","page":189},{"text":"فَوَجَدَتِ الصَّفَا أقْرَبَ جَبَل في الأرْضِ يلِيهَا، فَقَامت عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظرُ هَلْ تَرَى أحدًا، فَلَمْ تَرَ أحدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثمَّ سَعَتْ سَعْي الإنْسَان الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أتت المَرْوَةَ، فَقَامت عَلَيْهَا وَنَظرَتْ هلْ تَرَى أحَدًا، فَلَمْ تَرَ أحَدًا، ففعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النبي - ﷺ -: \" فلذَلِك سَعْيُ النَّاس بَيْنَهُمَا (١)، فلمَّا أشْرَفَتْ على الْمَرْوَةِ سَمِعتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ (٢) تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثم تَسَمَّعَت (٣) فَسَمِعَتْ أيضًا، فَقَالَتْ: قدْ أسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ، فَإِذَا هِى بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعِقْبِهِ -أو قَالَ بِجَنَاحِهِ- حتى ظَهَرَ\nــ\nشيء رزقًا من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل قرية وعلى أخصب البلاد وأكثرها نماءً، قال ابن عباس: \" وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال: يتلبط \" أي يحرك لسانه، ويكاد يموت من شدة العطش، فلم تطاوعها نفسها أن تراه على تلك الحالة، وذهبت تبحث عن الماء \" فأنطلقت كراهية أن تنظر إليه \" وهو على وشك أن يموت من العطش \" ثم سعت سعي الإِنسان المجهود \" تبحث عن الماء بين الصفا والمروة سبع مرات، فشرع الله للناس السعي في الحج من أجل ذلك، كما قال ابن عباس ﵄، \" فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه \" بالبناء على الكسر اسم فعل أمر بمعنى اسكتي \" تريد نفسها \" أي طلبت من نفسها السكوت لكي تتعرف عن مصدر\n_________\n(١) أي وكان ذلك سبب مشروعية السعي بين الصفا والمروة.\n(٢) بفتح الصاد وسكون الهاء أو بكسرها منونةً أي اسكتي كما أفاده العيني.\n(٣) أي اجتهدت في الاستماع.","vol":"4","page":190},{"text":"الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيدِهَا هَكَذَا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ من الْمَاءِ في سِقَائِهَا، وهو يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: قَالَ النبي - ﷺ -: \" يَرْحَمُ اللهُ أمَّ إِسْمَاعِيلَ لوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أو قَالَ: لَوْ لَمْ تَغرِفْ مِنَ الْمَاءِ- لَكَانَت زَمْزُمُ عَيْنًَا مَعِينًا، قَالَ: فَشَرِبَتْ وأرضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَال لَهَا الْمَلَكُ: لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتُ اللهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلامُ وأبوهُ، وِإنَّ الله لا يُضِيعُ أهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًَا مِنَ الأرْضِ كالرَّابِيَةِ تَأتِيهِ السُّيولُ، فَتَأخُذُ عن يَمِينهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حتى مَرَّتْ بِهِمْ\nــ\nالصوت، ومن أين أَتى \" ثم تسمّعت فسمعت أيضًا \" الصوت مرة أخرى \" فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث \" يعني قد سمعت صوتك، فإن كان عندك ما يغيثني فأغثني، \" فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا \" أي فصارت تحيطه بالتراب وتجعله حوضًا \" لو تركت زمزم \" ولم تحِّوضها \" لصارت عينًا معينًا \" أي عينًا جاريةً على وجه الأرض \" فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة \" أي لا تخافوا الضياع والهلاك لأنكم تحت رعاية الله تعالى \" وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية \" أي مرتفعًا قليلًا، ثم ذكر بقية الحديث أنه مرَّ بذلك المكان أو بالقرب منه جماعة مسافرون من جرهم مروا بأعلى مكة، فرأوا طيرًا حائمًا على الماء، فعرفوا أن بهذا الوادي ماء، وكان عهدهم به أنّه واد مقفر، فأرسلوا رسولًا من قبلهم، أو رسولين ليكشف لهم عن الحقيقة، فرجع إليهم رسلهم يخبرونهم عن وجود ماء في تلك البقعة، فأقبلوا على أم إسماعيل، واستأذنوا منها بالنزول في جوارها، فأذنت لهم بذلك، على أن لا يكون لهم حق التملك في ذلك الماء، وإنما لهم أن يشربوا منه فقط، وسكنت جرهم مكة منذ ذلك العهد، واستأنست بسكناهم معها، وشب الغلام في هذه","vol":"4","page":191},{"text":"رُفْقَة مَنْ جُرْهُمَ، أوْ أهل بَيْتٍ مِنْ جُرْهُم مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيق كَدَاءَ، فَنَزَلُوا في أسْفَلِ مكةَ، فرأوْا طَائِرًَا عَائِفًا (١)، فَقالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ على مَاءٍ، لعَهَدُنَا بهَذَا الْوَادِي ومَا فِيهِ مَاءٌ، فأرْسَلُوا جَرِيًَّا (٢) أوْجَرِيينِ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فأخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فأقْبَلُوا وأمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: أتُأذَنِينَ لَنَا أنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَلَكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ في الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: قَالَ النبي - ﷺ -: فألْفَى ذَلِكَ أمَّ إسْمَاعِيلَ وهيَ تُحِبُّ الأنْسَ، فَنَزِلُوا وأرْسَلُوا إلى أهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حتى إِذَا كَانَ بِهَا أهْلُ أبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وشَبَّ الْغُلامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وأنفَسَهُمْ وأعجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أمُّ إِسْمَاعِيلَ، فجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ، يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فلم يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأل امْرَأتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَألهَا عن عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نحنُ بِشَر، نَحْنُ في ضِيق وشِدَّةٍ، فشكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فإذَا جَاءَ زَوْجُكِ فاقْرَئِي ﵇، وقولي لَهُ يُغَير عَتَبَةَ بَابِهِ، فلما جاءَ اسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أحَدٍ؟\nــ\nالقبيلة، وتعلم منهم اللغة العربية، ثم لما بلغ الرشد زوجوه امرأة منهم اسمها عمارة بنت سعد، قال الراوي: \" وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته \" أي يتفقد حال أهله وولده \" فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا \" أي يطلب لنا الرزق \" ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم \" أي حالتهم \"فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة،\n_________\n(١) وهو الذي يحوم حول الماء.\n(٢) جريًا أي رسولًا.","vol":"4","page":192},{"text":"قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فسألَنَا عَنْكَ فأخْبَرْتُهُ، وسألَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فأخْبَرْتُهُ أنَّا في جَهْدٍ وشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أوْصَاكِ بِشَيءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، أمَرَنِي أن أقْرأ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: غَيِّر عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أبِي، وقد أمَرَنِي أنْ أفَارِقَكِ، الْحَقِي بأهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فلَبِثَ عَنْهُمْ إبراهِيمُ ما شَاءَ الله، ثم أَتَاهُمْ بعدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَل على امْرأتهِ فسألَهَا عَنْهُ قَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أنتُمْ؟ وسألها عن عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسِعَةٍ، وَأثْنَتْ عَلى اللهِ، فَقَالَ: ما طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَما شَرَابُكُمْ، قَالَتْ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ في اللَّحْمِ والْماءِ، قَال النبي - ﷺ -: ولم\nــ\nفشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ \" أي فلما جاء إسماعيل وكان قد أحس في نفسه أنه جاءها أحدٌ، فسألها قائلًا: هل جاءكم من أحدٍ؟ \" قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا \" أي صفته كذا، وأخبرته بكل ما دار بين أبيه وبينها، وبقوله غيّر عتبة بابك، \" قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك \" أي أن أطلقك \" الحقي بأهلك \" أي أنت طالق فاذهبي إلى أهلك، وهو من كنايات الطلاق \" وتزوج منهم امرأة أخرى \" وهي رعلة بنت مضامن بن عمرو الجرهمية \" فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله \" يعني مدة من الزمن \" ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، قالت: خرج يبتغي لنا \" أي يسعى في طلب الرزق \" قال: كيف أنتم، وسألها عن عيشهم وهيئتهم \" أي سألها عن معيشتهم وأحوالهم \" فقالت: نحن بخير وسعة \" أي نحن في نعمة من الله وسعة في الرزق \" وأثنت على الله \" أي حمدت ربها","vol":"4","page":193},{"text":"يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، ولو كان لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ، قَالَ: فهما لا يَخْلُو عَلَيْهِما أحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ، فاقْرَئي ﵇، ومُرِيه يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فلما جَاءَ إسْمَاعِيلُ قال: هَلْ أتَاكُمْ مِنْ أحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أتانا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ وأثْنَتْ عَلَيْهِ، فسألَنِي عَنْكَ، فأخْبَرْتُهُ، فسَألنِي كَيْفَ عَيشُنَا فأخْبَرْتُهُ أنَّا بِخَيْرٍ، قال: فأوصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، هو يَقْرأ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَأمُرُكَ أن تُثْبِتَ عتبةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أبِي وأنتِ العَتَبَةُ، أمَرَنِي أنْ أمْسِكَكِ، ثم لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثم جاء بَعْد ذَلِكَ، وإسْماعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا له تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا من زَمْزَمَ، فلمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كما يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إنَّ اللهَ أمَرَنِي بأمْرٍ، قَالَ: فاصْنَعْ مَا أمَرَ رَبُّكَ، قَالَ: وتُعِينُنِي عَلَيْهِ، قَالَ: وَأعِينُكَ قَال: فَإنَّ الله أمَرَنِي أن أبْنِي\nــ\nوشكرته، لأنها كانت راضية بما قسم لها شأن المرأة الصالحة \" فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء \" أي فسألها عن طعامهم وشرابهم الذي يعيشون عليه، فذكرت أنّ طعامهم اللحم، وشرابهم الماء. \" قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء \" فدعا لهم بالبركة في اللحم والماء، فكانوا يقتصرون عليهما دون أن يتضرروا منهما، وأصبح ذلك خاصًا بمكة دون غيرها من البلاد، فإنه لا يقتصر أهل بلد عليهما إلاّ تضرر منهما كما قال: \" فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلاّ لم يوافقاه \" ومعناه كما في حديث أبي جهم \" ليس أحد يخلو (١) على اللحم والماء بغير مكة إلاّ اشتكى بطنه،\n_________\n(١) أي يعتمد ويداوم.","vol":"4","page":194},{"text":"هَا هُنَا بَيْتًا وأشَارَ إلى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ على مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِد مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأتِي بِالْحِجَارِةِ وإبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حتى إِذَا ارْتَفعَ الْبِنَاءُ، جَاءَ بِهَذا الْحَجَرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيهِ وَهُوَ يَبْنِي وإسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وهُمَا يَقُولانِ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) \".\nــ\n\" قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم أحد \" فأخبرته عن الشيخ الذي جاءها في غيابه، وبأوصافه وما دار بينه وبينها \" قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك \" أي أن أبقيك في عصمتي \" ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلًا \" أي ينحت سهمًا ويصلحه \" فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد \" أي فعانقه معانقة الوالد لولده. \" ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر \" أي أمرني أن أقوم بعمل في هذا المكان، ثم طلب من ولده إسماعيل أن يعينه، عليه ثم \" قال: إن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا وأشار إلى أكمة مرتفعة \" أي إلى ربوة مرتفعة قليلًا عن سطح الأرض ليبين له المكان الذي أمر ببناء الكعبة فيه، وهو فوق تلك الأكمة \" قال: فعند ذلك رفعا القواعد \" أي شرعا في البناء حتى رفعا الأسس التي يقوم عليها البيت \" فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء \" أي علا وأصبح لا تطوله يده \" جاء بهذا الحجر \" الموجود حاليًا في المقام \" فقام عليه، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم \" فيدعوان الله بقبول في بنائهما هذا، والرضا عنهما فيه، لأنه السميع لدعائهما، العليم ببنائهما.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن في هذه القصة","vol":"4","page":195},{"text":"٩٢٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\nكَانَ النبي - ﷺ - يُعَوِّذُ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: \"إِنَّ أباكُمَا كَانَ\nــ\nالعجيبة ما يدل على أن إبراهيم ﵇ خليل الله حقًا، وأن محبته لله قد تغلبت على كل مشاعره فأطاعه في كل شيء حتى في مفارقة ولده الوحيد لأنه يحبه فوق كل شيء، ويؤثره على كل موجود، فأي مقام في الخلة أعظم من هذا المقام الذي جعله يفادي بولده في سبيل مرضاة ربه، وهو ما عناه الله تعالى بقوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). ثانيًا: أن إبراهيم دعا لمكة أن يسوق الله تعالى إليها وفود الحجاج والمعتمرين وأن تأتيها الأرزاق من كل حدب وصوب، حيث قال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فاستجاب الله دعوته، وشرع للناس حج بيته في الأديان الحنيفية كلها. ثالثًا: أصل مشروعية السعى بين الصفا والمروة وأن هاجر كانت أوّل من سعى بينهما. رابعًا: ظهور بئر زمزم وسبب ظهورها حيث أظهرها الله تعالى رحمة بهاجر وولدها إسماعيل حيث حفر جبريل الأرض بمؤخر قدميه فظهر الماء. خامسًا: بداية عمران مكة، ومتى سكنتها جرهم، ونشأة إسماعيل في هذه القبيلة وتعلمه العربية منهم. سادسًا: أن العرب ليسوا جميعًا من نسل إسماعيل لأن قبيلة جرهم العربية كانت قبل إسماعيل كما يدل عليه حديث الباب، ولهذا قال الحافظ: وهذا لا يوافق من قال: إن العرب كلها من ولد إسماعيل. سابعًا: أن المرأة الكثيرة الشكوى والتبرم من عيشها، والجاحدة لنعمة الله عليها، هي في الحقيقة امرأة سوء، ولذلك أمر إبراهيم إسماعيل بطلاق زوجته الأولى. ثامنًا: خصوصية مكة المكرمة في الجمع بين اللحم والماء وحدهما. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون ما فعله إبراهيم أعلى مقامات الخلة.\n٩٢٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان كثيرًا ما يعوذ الحسن","vol":"4","page":196},{"text":"يَعَوِّذُ بِهَا إسْمَاعِيلَ وِإسْحَاقَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنً لامَّةٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>٧٩٩ - \" بَابُ قَوْلِهِ تعَالى:\n(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) </span>\"\n٩٢٣ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: \"نَحْنُ أحقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إذ قَالَ:\nــ\nوالحسين ويحصنهما بهذه التعويذة المأثورة، وهي قوله: \" أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة \" أي ألجأ إلى الله تعالى وأستجير به، وأسأله أن يحصّن الحسن والحسين بكلماته الجامعة لكل خير، المانعة من كل شر، أن يصونهما \" من كل شيطان وهامة \" بالتشديد واحدة الهوام وهي ذوات السموم \" ومن كل عين لامّة \" أي ومن كل عين شريرة تلم بالإِنسان فتصيبه بمكروه، وقد أخبرنا - ﷺ - أن إبراهيم الخليل ﵇ كان يعوذ ولديه بهذه التعويذة النافعة. الحديث: أخرجه أيضًا الأربعة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية هذه التعويذة المباركة التي كان إبراهيم ﵇ يعوذ بها ولديه، وكان نبينا - ﷺ - يعوذ بها الحسن والحسين. ثانيًا: ثبوت وجود الأرواح الخفيّة، والعوالم غير المنظورة.\nثالثًا: تأثير العين فيمن تصيبه لقوله - ﷺ -: \" ومن كل عين لامّة \" قال ابن القيم: ومن التعوذات النافعة الإِكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي. والمطابقة: في قوله: \" إن أباكما -أي إبراهيم الخليل- كان يعوّذ بهما \"\n٧٩٩ - \" باب قوله تعالى:\n(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) \"\n٩٢٣ - معنى الحديث: روي في سبب قول النبي - ﷺ - لهذا الحديث","vol":"4","page":197},{"text":"(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) ويَرْحَمُ اللهُ لُوطًا، لقد كَانَ يَأوِي إلى رُكْن شَدِيدٍ، ولوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُوْلَ ما لَبِثَ يُوسُفُ لأجَبْتُ الدَّاعِيَ \".\nــ\nأنه لما نزل قوله تعالى: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال بعض الناس: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله - ﷺ -: \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \" أراد بذلك - ﷺ - المبالغة في نفي الشك عن إبراهيم، أي إذا كنا نحن لا نشك في قدرة الله على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بعدم الشك، وإنما سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى عيانًا ومشاهدة ليطمئن قلبه كما قال: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي ليجمع إلى العلم النظري العلم الحسي، لأنه أبلغ في اليقين، ثم تذكر النبي - ﷺ - لوطًا عندما جاءه أضيافه فخاف عليهم من قومه فقال: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) فتعجب النبي - ﷺ - من قوله هذا وقال: \" ويرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد \" أي كيف يتمنى أن يجد معينًا وناصرًا يحمي أضيافه من قومه، وقد كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله العزيز المقتدر ثم تحدث عن يوسف ﵇، فوصفه كما قال البغوي بالأناة والصبر حيث قال: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) فإنه أرادْ أن لا يخرج من السجن حتى تظهر براءته فقال - ﷺ - في مدحه والثناء عليه: \" ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي \" أي لأسرعت إلى الإِجابة، قال ذلك إعجابًا بصبر يوسف وقوة عزيمته. وهو من باب تواضع العظماء الذين لا يزيدهم تواضعهم إلاّ رفعة وعلوًا وإلا فهو - ﷺ - المثل الأعلى في الصبر والثبات.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: نفي الشك عن\nإبراهيم ﵇، ودفع ما توهمه بعض الناس من أن إبراهيم قال: (رَبِّ","vol":"4","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>٨٠٠ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) </span>\"\n٩٢٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أَنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أمرَهُمْ أنْ لا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا ولَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا واسْتَقَيْنَا، فأمَرَهُمْ أنْ يَطرَحُوا ذلكَ الْعَجِينَ وَيُهْرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ \".\nــ\nأَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) شكًا منه في قدرة الله. ثانيًا: صبر يوسف وأناته.\nالحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" نحن أحق بالشك من إبراهيم \".\n٨٠٠ - \"باب قول الله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) \"\n٩٢٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما نزل الحجر، وهي منازل ثمود في غزوة تبوك، أمر أصحابه أن لا يشربوا من آبارها، فأخبروه أنهم عجنوا بمائها وسقوا دوابهم منها، فأمرهم النبي - ﷺ - بإلقاء ذلك العجين وإراقة ما تبقى من الماء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن ديار ثمود كانت بالحجر في شمال الحجاز. ثانيًا: قال النووي في الحديث النهي عن استعمال آبار الحجر، إلا بئر الناقة، ولو عجن منه عجينًا لم يأكله بل يعلفه الدواب. اهـ. والمطابقة: في قوله: \" لما نزل الحجر \" الحديث: أخرجه الشيخان.\n***","vol":"4","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-879>٨٠١ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ -إِلى قوله- وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) </span>\"\n٩٢٥ - عَنْ أبي مُوسَى ﵁ قَال:\nقَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: \" كَمُلَ مِنَ الرِّجَالَ كَثِير، ولَمْ يَكْمَلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ومَرْيم بنْتُ عِمْرَانَ، وِإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ على سَائِرِ الطَّعَامِ \".\nــ\n٨٠١ - \" باب قول الله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ -إِلى قوله- وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) \"\n٩٢٥ - معنى الحديث: أن الذين بلغوا مرتبة الكمال في الفضائل الدينية والأخلاقية من الرجال كثيرون، منهم من بلغ مرتبة الكمال العادي كالعلماء والصلحاء والأولياء، ومنهم من بلغ أسمى مراتب الكمال كالأنبياء، أما اللواتي كملن من النساء فهن قليلات جدًا، وعلى رأسهن آسية امرأة فرعون، وهي آسية بنت مزاحم التي ضرب الله بها المثل في كمال الإِيمان، فقال: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ) وذلك لأنها آمنت بموسى حين تغلب على سحرة فرعون، فلما علم فرعون بإيمانها أوتد يديها (١) ورجليها بأربعة أوتاد، وألقاها في الشمس وأمر بصخرة عظيمة ألقيت عليها، فلما رأت الصخرة (قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) فأبصرت بيتها في الجنة من دُرَّةٍ بيضاء، وانتزع الله روحها فألقيت الصخرة عليها بعد وفاتها، ولم تجد ألمًا. وأما الثانية: \" فهي مريم بنت عمران التي ضرب الله بها المثل في حصانتها لنفسها، وكمال عبادتها ثم قال - ﷺ -: \"وإن فضل عائشة\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٥.","vol":"4","page":200},{"text":"على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام \" قال التوربشتي: الثريد أشهى الأطعمة عند العرب شبهت به عائشة لأنها أعطيت من حلاوة المنطق وعذوبة الحديث، والتحبّب إلى رسول الله - ﷺ - ما لم يُعْطَ غيرها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن عظماء الرجال والكاملين منهم كثيرون على مر العصور والأزمان، منهم الرسل والأنبياء، أما الكاملات من النساء وفضلياتهن فإنهن قليلات جدًا، منهن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران. ثانيًا: استدل بعضهم بهذا الحديث على نبوة آسية ومريم ﵉ لأن أكمل الناس الأنبياء ثم الأولياء فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة. اهـ. إلاّ أن الحافظ ابن حجر أجاب عنه بأن فائدة ذكرهما بطريق الحصر اختصاصهما بكمال لم يشركهما فيه أحد من نساء زمانهما فهو دون مقام النبوة، قال: وذلك لما نقله العلماء من الإِجماع على عدم نبوة النساء لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ). ثالثًا: فضل آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وكونهما أفضل الفضليات وأكمل الكاملات في عصرهن أو في سائر العصور. رابعًا: قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفرهم، فوالله ما ضر امرأته كفر زوجها حين أطاعت ربها. والمطابقة: في كون الحديث يدل على كمال آسية ومريم، وهو معنى الآية الكريمة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n***","vol":"4","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-880>٨٠٢ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) </span>\"\n٩٢٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" خُففَ على دَاوُدَ الْقُرآنَ فَكَانَ يَأمُرُ بِدَوَابِهِ فَتُسْرَجُ فَيَقْرَأ الْقُرآنَ قَبْلَ أن تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، ولا يَاكلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَده \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>٨٠٣ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى:\n(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) </span>\"\n٩٢٧ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nــ\n٨٠٢ - \" باب قول الله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)\n٩٢٦ - معنى الحديث: قال - ﷺ -: \"خفف على داود القرآن \" وقرآن كل نبي الكتاب الذي أنزل عليه. معناه: أن داود ﵇ يُسِّر له قراءة الكتاب السماوي الذي أنزل عليه من ربه، وهو الزبور، فكان يأمر بوضع السرج على دابته ودواب أتباعه، فلا ينتهي خدمه وعماله من وضع السرج على ظهورها إلاّ وقد قرأ الزبور من أوّله إلى آخره، وأنّ الله علّمه صناعة الحديد، فكان لا يأكل إلاّ من كسب يده.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تخفيف الزبور على داود. ثانيًا: فضل الصناعة واستحبابها، وكونها من أعمال الأنبياء. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" خفف على داود القرآن \".\n٨٠٣ - \" باب قول الله تعالى:\n(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) \"\n٩٢٧ - معنى الحديث: كانت امرأتان من بني إسرائيل قد خرجتا إلى","vol":"4","page":202},{"text":"أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" كَانَتْ امْرَأتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إنما ذَهَبَ بابْنِكِ، وقَالَتِ الأخْرَى: إنما ذَهَبَ باْبِنكِ، فَتَحَاكَمَا إلى دَاودَ فَقَضَى بِهِ للكُبْرَى، فَخَرَجَتَا على سُلَيْمَانَ ابْنِ دَاوُدَ فأخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بالسِّكِّيْنِ أشُقه بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصغْرَى: لا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللهُ هُوَ ابْنُهَا فقضَى بِهِ لِلصُّغْرَى \".\nــ\nالبرية وبصحبتهما ابناهما الصغيران، فعدا الذئب على أحد الطفلين وافترسه، وبقي الآخر، فادّعت كل واحدة منهما أن الطفل الموجود هو ابنها، وأن الذئب إنما افترس ابن الأخرى، فتحاكما إلى داود ﵇، فحكم به للكبرى منهما، لأنه كان في يدها بينة ولا بينة للصغرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود وأخبرتاه بقضيتهما، فأراد أن يتوصل إلى معرفة أمه الحقيقية بما يتكشف له من مشاعرها وعواطفها، \" فقال ائتوني بالسكين أشقه بينهما \" فأمّا الكبرى فسكتت، وأما الصغرى فقد تحركت فيها مشاعر الأمومة وآثرت أن تسلمه للكبرى، وأن تضحي بنفسها إبقاءً على حياته، وهو معنى قوله: \" فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها فقضى به للصغرى \" لما رآه من عظيم جزعها الدال على وجود عاطفة الأمومة فيها، ولم يكترث بإقرارها لأنّه علم أنّها آثرت حياته، فظهر له من وجود الشفقة في الصغرى وعدمها في الكبرى الدليل القاطع على صدقها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال ابن الجوزي: إنما حكما بالاجتهاد (١) إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه، وفي الحديث دليل على اجتهاد الأنبياء، وأنهم قد يخطئون في اجتهادهم، ولكنهم لا يقرهم الله\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٦.","vol":"4","page":203},{"text":"على الخطأ، بل ينزل الوحي ببيانه كما في هذه القضية حيث قال ﷿: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) والمراد بالخطأ مخالفة الواقع ونفس الأمر، لا مخالفة الدليل والبينة الظاهرة، إذ لو كان الخطأ الاجتهادي هو مخالفة الظاهر لما كان صاحبه معذورًا ومأجورًا، كما يدل عليه قوله - ﷺ -: إذا اجتهد الحاكم وأخطأ فله أجر واحد. فإنّ من خالف الدليل الظاهر، وحكم بخلاف البينة الثابتة أثم ولا شك، وقد حكم داود وسليمان بحكمين متناقضين، فلا بد أن يكون أحدهما خطأ وهو حكم داود ﵇، والثاني صواب، وهو حكم سليمان ﵇ كما قال تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). ثانيًا: مشروعية استعمال الحيل في الأحكام، فإن سليمان فعل ذلك، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما تحيلًا على إظهار الحق، ولم يعزم على ذلك في الباطن وإنما أراد استكشاف الأمر، فحصل على مقصوده، وظهر له من قرينة شفقة الصغرى وعدمها في الكبرى أنها الأم الحقيقية، ويحتمل أن تكون الكبرى اعترفت بالحق لمّا رأت الجد ودلالة القرائن على كذبها، فحكم عليها سليمان بإقرارها، والإِقرار سيّد الأدلة. ثالثًا: فضل سليمان ﵇ في العلم والفقه ومعرفة الأحكام الذي اقتضى ثناء الله عليه بقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ). رابعًا: أن سليمان هو ابن داود ﵉ لقوله - ﷺ -: \" فخرجتا على سليمان ابن داود \" وهو مطابق للآية الكريمة التي ترجم لها البخاري حيث قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ) الآية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فخرجتا على سليمان بن داود \".\n***","vol":"4","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>٨٠٤ - \" بَاب (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) </span>\"\n٩٢٨ - عَنْ عَلي ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيْجَةُ \".\nــ\n٨٠٤ - \" باب (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) \"\n٩٢٨ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" خير نسائها \" أي أفضل نساء الأرض في عصرها، \" وخير نسائها خديجة \" أي خير نساء العرب خديجة ﵂.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استدل بهذا الحديث من يقول بنبوة مريم ﵍ لقوله - ﷺ -: \" خير نسائها \" قالوا: والمراد بقوله: \" خير نسائها \" أي خير نساء الأرض قاطبة في كل الأزمان والعصور هي مريم العذراء كما يؤكد ذلك ما جاء في الرواية الأخرى حيث قال: \" خير نساء العالمين، مريم كقوله تعالى: (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) قالوا: وهذا الاصطفاء والخيرية المطلقة، والأفضلية العامة على نساء العالمين تدل على نبوتها، وبه جزم الزجاج وجماعة من أهل العلم، واختاره القرطبي (١). ثانيًا: فضل السيدة خديجة ﵂ لقوله - ﷺ -: \" وخير نسائها خديجة \" فذهب بعضهم على أنها أفضل نساء هذه الأمة، ورجحه القاضي أبو بكر ابن العربي.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -:\n_________\n(١) والصحيح أنه اختصاص بكمال، دون مقام النبوة، كما تقدم. (ع).","vol":"4","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-883>٨٠٥ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى:\n(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) </span>\"\n٩٢٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - يَقولُ: \" أنا أَوْلَى النَّاسِ بابْنَ مَرْيَمَ، والأَنْبِيَاءُ أوْلَادُ عَلَّاتٍ، لَيْسَ بَيني وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ \".\nــ\n\" خير نسائها مريم \" فإن الخيرية تدل على الاصطفاء المذكور في الآية التي ترجم بها البخاري، والله أعلم.\n٨٠٥ - \" باب قول الله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا) \"\n٩٢٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" أنا أولى الناس بابن مريم \" أي أنا أقربهم إلى عيسى ﵇ وأعظمهم له حبًا، وأعلمهم بقدره ومنزلته، ولكن مع ذلك لا أقول عيسى بن الله كما قالت النصارى، وإنما أقول هو عبد الله ورسوله كما نطق بذلك في المهد فقال: \" إني عبد الله \" \" والأنبياء أولاد علات \" بفتح العين وتشديد اللام، قال العيني: وهم الإِخوة لأب من أمهات شتى. كما أن الإخوة من الأم فقط أولاد أخياف، والأخوة من الأبوين أولاد أعيان. ومعناه أن أصول الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء واحدة، وفروعها مختلفة متعددة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن نبينا محمدًا - ﷺ - أعلم بقدر المسيح، وأشد له حبًا من النصارى الذين يزعمون أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ولكنه لا يقول فيه إلاّ كلمة الحق، وهي أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم الخ. ثانيًا: أن الأديان السماوية متفقة","vol":"4","page":206},{"text":"٩٣٠ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"رَأى عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللهِ الذِي لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ عَيْني\".\nــ\nعلى أصول الإيمان، من الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والمحافظة على حقوق الإنسان وإن كانت مختلفة في أحكامها الفقهية. والمطابقة: في كون الحديث يتعلق بعيسى الذي انتبذت به أمه مكانًا شرقيًا.\n٩٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق \" أي شاهده بعينه وهو متلبس بالسرقة، \" فقال له: سرقت \" أي فأنكر عليه وقال له: لقد ارتكبت يا هذا جريمة السرقة، واقترفت كبيرة من الكبائر \" قال: كلا والله الذي لا إلا هو \" أي فأنكر الرجل، ونفى عن نفسه السرقة بشدة، وأكد ذلك بالقسم \" فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني \" أي صدقت من حلف بالله، وكذبت ما ظهر لي من كون ما أخذه هذا الرجل سرقة لاحتمال أنه أخذ شيئًا له فيه حق، أو أخذ مالًا أذن له فيه صاحبه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يتعلق بعيسى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل المسيح ﵇ وشدة تعظيمه لله. ثانيًا: درء الحدود بالشبهات، لأن عيسى تراجع عن حكمه على الرجل بالسرقة لما ظهرت له بعض الشبهات والاحتمالات. ثالثًا: أن القاضي لا يحكم بعلمه، وإنما يحكم بالبينة أو اليمين، وهو مذهب الحنابلة، والراجح عند المالكية، وأجازه الشافعية في غير الحدود.","vol":"4","page":207},{"text":"٩٣١ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" لَا تُطرونِي كما أطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أرنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ \".\nــ\n٩٣١ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - حرصًا منه على توحيد الله تعالى، وخوفًا على أمته من الشرك الذي وقعت فيه الأم السابقة، حذَّرها عن الغلو فيه، ومجاوزة الحد في مدحه بنسبة أوصاف الله تعالى وأفعاله الخاصة به إليه. كما غلت النصارى في المسيح بوصفه بالألوهية والبنوة لله تعالى، فوقعت في الشرك كما قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). \" فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله \" أي فصفوني بالعبودية والرسالة كما وصفني الله تعالى بذلك، ولا تتجاوزوا بي حدود العبودية إلى مقام الألوهية أو الربوبية كما فعلت النصارى، فإن حق الأنبياء العبودية والرسالة، أما الألوهية فإنها حق الله وحده.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير من الغلو والإِسراف في المدح، ومجاوزة الحد، والمدح بالباطل، لأن ذلك قد يفضي إلى الشرك، وإنزال العبد منزلة الرب، ووصفه بصفاته، ولذلك قال - ﷺ -: \" لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم \". ثانيًا: أن كفر النصارى إنما كان بسبب غلوهم في المسيح والقديسين والقديسات من بعده، وقولهم في عيسى إنه ابن الله، حتى أدى بهم ذلك إلى تحريف الكتب المقدسة، لكي يستدلوا بها على صحة مزاعمهم الباطلة، حتى إن بعضهم تجرأ فاستدل بآية من القرآن الكريم على فهمه السقيم، فقد روي أن عظيمًا من النصارى ناظر علي بن الحسين بن واقد المروزي في مجلس الرشيد ذات يوم فقال له: إن في كتابكم ما يدل على","vol":"4","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>٨٠٦ - \" بَابُ نزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉ </span>\"\n٩٣٢ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" كَيْفَ أنتمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وإمامُكم منكم \".\nــ\nأن عيسى جزء من (١) الله، وتلا قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) زعم أن قوله تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ) يدل على أن عيسى جزء من الله تعالى بناء على أن \" من \" للتبعيض فقرأ المروزي قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) وقال: إذن يلزم أن تكون جميع تلك الأشياء جزءًا من الله تعالى فانقطع النصراني، واقتنع بحجة المروزي وهداه الله للإسلام فأسلم، وحسن إسلامه وفرح الرشيد بذلك فرحًا عظيمًا، وكافأ المروزي مكافأة عظيمة. ثانيًا: أن في هذا الحديث علاقة متينة بقوله تعالى حكاية عن قول عيسى: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) فوصف نفسه بالعبودية والنبوة، وفي هذا حجة قاطعة على كذب النصارى في دعواهم أن عيسى ابن الله. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي في \" الشمائل \" والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" كما أطرت النصارى ابن مريم \".\n٨٠٦ - \" باب نزول عيسى بن مريم ﵉ \"\n٩٣٢ - معنى الحديث: يحدثنا النبي - ﷺ - في هذا الحديث عن نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، حيث ينزل كما رواه مسلم عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، واضعًا كفيه على أجنحة ملَكين، إذا طأطأ رأسه\n_________\n(١) التفسير المنير ج ١ للشيخ محمد نووي الجاوي.","vol":"4","page":209},{"text":"قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ\" وهو معنى قوله - ﷺ - في حديث الباب: \" كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم \" أي كيف حالكم إذا نزل فيكم عيسى بن مريم في آخر الزمان، وأنتم تصلون، وإمامكم في الصلاة هو أميركم -المهدي- فيصلي عيسى خلف إمامكم، ويكون تابعًا لملتكم، حاكمًا بشريعتكم، وفي حديث جابر: \" فيقال لعيسى تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم \" أخرجه أحمد، وفي رواية مسلم: \" فيقال له -أي لعيسى- صل لنا! فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة \" وقال الهروي: معنى قوله: \" وإمامكم منكم \" يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإِنجيل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان كما قال - ﷺ -: \" كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم \" وكما يدل عليه قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا)، وهي قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس، وقتادة، وابن محيصن وغيرهم (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ) بفتح العين واللام بمعنى العلامة، أي إن نزول عيسى من الأشراط القريبة للساعة، والعلامات الكبرى لها، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ليوشكن أن ينزل ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية \" أخرجه الشيخان فلا يقبل إلاّ الإِسلام وتظهر فيه الكنوز، وترتفع الشحناء (١) والبغضاء من النفوس، ويعم الأمن والسلام حتى يرعى الذئب مع الشاة فلا يضرها وتمتلىء الأرض سلمًا، ويرتفع القتال منها، وتكثر الخيرات، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم وكذا الرمانة.\nأما مكان نزوله ووقته، فقد اختلفت الروايات فيه، وهي بمجموعها تفيد بأنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وهي موجودة اليوم، واضعًا كفيه على\n_________\n(١) \" الإشاعة لأشراط الساعة \" للسيد محمد بن عبد الرسول الحسيني البرزنجي المدني ..","vol":"4","page":210},{"text":"أجنحة ملكين. ثانيًا: أن عيسى ﵇ يقتدي بإمام المسلمين وهو (١) المهدي ويصلّي خلفه في بيت المقدس صلاة الصبح، ويحكم بالقرآن وشريعة الإِسلام ويكون من أمة محمد ﵊. قال في \" الإِشاعة \": يكون عيسى مقرّرًا للشريعة النبوية لا رسولًا إلى هذه الأمّة، فهو من أمة محمد - ﷺ - وصحابي، لأنه اجتمع به - ﷺ - ليلة الإِسراء، وحينئذ فهو أفضل الصحابة أما مدة بقاء عيسى في الأرض، ووفاته، فقد جاء في حديث أبي هريرة أنه يمكث في الناس أربعين سنة، وفي رواية الطبراني: \" يخرج الدجال فينزل عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا \" وفي رواية عن أبي هريرة مرفوعًا: \" وينزل الروحاء فيحج منها، أو يعتمر أو يجمعهما \" والروحاء مكان بين المدينة ووادي الصفراء في طريق مكة، وأخرج البخاري في \" تاريخه \" والطبراني وابن عساكر عنه، قال: يدفن عيسى ابن مريم مع رسول الله - ﷺ - وصاحبيه فيكون قبره رابعًا. والله أعلم. مطابقة الحديت للترجمة: في قوله - ﷺ -: \" كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم \" حيث دل ذلك على نزول عيسى، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. تتمة وتكملة: استدل بهذا الحديث بعض أهل العلم على ثبوت ظهور المهدي، وأنه خليفة المسلمين عند نزول عيسى، حيث إن المراد بقوله: \" وإمامكم منكم \" كما في \" فيض الباري \" (٢): الإِمام المهدي، لما جاء في حديث ابن ماجة أنهم قالوا: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل وجُلُّهم ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم فصلى بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإِمام يمشي\n_________\n(١) قال الحافظ في \" الفتح \": وقال أبو الحسن السجستاني الآبري \" في مناقب الشافعي \": تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلّي خلفه، ذكر ذلك في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس، وفيه \" لا مهدي إلا عيسى \".\n(٢) \" فيض الباري \" للشيخ محمد أنور الكشميري.","vol":"4","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-885>٨٠٧ - \" بَاب مَا ذكِرَ عنْ بَنِي إسْرَائِيلَ </span>\"\n٩٣٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵁:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ: بَلِّغوا عَنِّي ولَوْ آيةً، وحَدِّثوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ولَا حَرَجَ، ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَة مِنَ النَّارِ \".\nــ\nالقهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس\" قال: فهذا صريح في أن مصداق ما في الأحاديث هو الإمام المهدي.\n٨٠٧ - \" باب ما ذكر عن بني إسرائيل \"\n٩٣٣ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" بلغوا عنّي ولو آية \" وهذا أمر صريح لكل من وصل إلى مسامعه شيء من حديث رسول الله أن يبلغه، وينقله لغيره، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، ولو آية واحدة من القرآن، لأن تلك الآية مع قلة ألفاظها قد تحمل من المعاني والأحكام ما يستفيد منه العلماء الشيء الكثير. وإنما قال: \" ولو آية \" ولم يقل ولو حديثًا، لأنه إذا كانت الآية القرآنية التي تكفّل الله بحفظها واجبة التبليغ، فتبليغ الحديث من باب أولى كما نقله العيني عن البيضاوى (١) ثم قال - ﷺ -: \" وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج \" وإنما قال - ﷺ - ذلك، لأنه - ﷺ - لما هاجر إِلى المدينة نهى أصحابه في أوّل الأمر أن ينظروا في كتبهم أو يتحدثوا بأحاديثهم خشية أن يكون في بعض هذه الأحاديث من الأخبار الكاذبة التي قد يضل بها قارئها، ويفتتن بها سامعها، وهم لا زالوا حديثي عهد بهذا الدين، فمنعهم عن ذلك وقاية لهم، وحرصًا على سلامة عقيدتهم، فلما تمكن الإِسلام من النفوس، ورسخت العقائد، وأصبح لديهم من العلم الإسلامي ما يميزون به الصحيح منها، أذن لهم في سماعها والتحدث\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٦.","vol":"4","page":212},{"text":"بها فقال: \" وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج \" وهو أمر ترخيص لهم بسماع الأحاديث الإِسرائيلية وروايتها، وليس هو أمر وجوب، لأن الأمر إذا جاء بعد النهي اقتضى الإِباحة، ولهذا قال: \" ولا حرج \" قال الحافظ: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار.\nقال (١): وقيل: لا حرج في أن لا تتحدثوا عنهم، لأن قوله أولًا حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب، فأشار إلى عدم الوجوب، وأن الأمر فيه للإِباحة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب تبليغ كلِّ ما تَحَمَّله العالم من كلام رسول الله - ﷺ - على قدر ما عنده، كثيرًا كان أو قليلًا، ولو آية واحدة، أو حديثًا واحدًا، لقوله - ﷺ -: \" بلغوا عني ولو آية \". ثانيًا: أنه لا مانع من رواية الأخبار، وأخذها عن بني إسرائيل من اليهود والنصارى، للموعظة والاعتبار. فيما لم نتأكد من أنه كذب وباطل لمخالفته للقرآن أو الحديث، أما الإِسرائيليات التي نقطع بكذبها فإنه لا يجوز لنا روايتها إلاّ لتكذيبها وبيان بطلانها، قال الشافعي: من المعلوم أن النبي - ﷺ - لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه وهو نظير قوله: \" إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم \". والحاصل أن الأخبار الإِسرائيلية ثلاثة أنواع: الأول: ما وافق القرآن والسنة موافقة صريحة، فهذا مما ينبغي روايته وتبليغه لأنه حق وصدق لا شك فيه. الثاني: ما لم يرد في ذلك في الكتاب أو السنة ولا يعارضهما، فهذا يحتمل الصدق والكذب كسائر الأخبار العادية، ويجوز روايته للموعظة والاعتبار، شريطة أن لا يؤخذ على أنه قضية مسلمة، أو يستدل به على حكم شرعي، أو يقدَّم على حقيقة من الحقائق العلمية الثابتة. الثالث: ما عارض الكتاب أو السنة، فهو كذب محض، لا تجوز روايته إلاّ لتفنيده وتكذيبه، وذلك لما فيه من تكذيب لله ورسوله. مطابقة\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٦.","vol":"4","page":213},{"text":"٩٣٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ الْيَهُودَ والنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ \".\nــ\nالحديث للترجمة: في قوله - ﷺ -: \" وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج \" الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي.\n٩٣٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن اليهود والنصارى لا يصبغون \" شعر رؤوسهم ولحاهم، يل يتركون الشيب فيها على حاله، \" فخالفوهم \" بصبغ شعوركم، وخضب اللحية والرأس.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن قوله - ﷺ - فخالفوهم كما قال الحافظ يقتضي مشروعية الصبغ، والمراد به صبغ اللحية والرأس، ولا يعارضه ما ورد من النهي عن إزالة الشيب، لأن الصبغ لا يقتضي الإِزالة، واختلفوا في حكم خضاب الشعر، فذهب مالك إلى أنه جائز، وليس مستحبًا، حيث قال في \" الموطأ \" وترك الصبغ كله واسع، وليس على الناس فيه ضيق، وذهب آخرون إلى سنيته لحديث الباب، لأنه - ﷺ - أمر بمخالفة اليهود والنصارى، وذلك بصبغ الشعر الذي لا يصبغونه، وأقل مقتضيات الأمر السنية. والاستحباب، وقد تعددت الأحاديث في الأمر بالخضاب وتغيير الشيب، ففي حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \" غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود \" أخرجه أحمد والنسائي والترمذي. وعن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \" غيروا الشيب ولا تقربوا السواد \" أخرجه أحمد وجاء في مسلم بلفظ \" واجتنبوا \" بدل \" ولا تقربوا \" فهذه الأحاديث تؤكد أن خضاب الشعر سنة، أضف إلى ذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من أن النبي - ﷺ - خضب شعره كما في حديث ابن عمر ﵄ أنّه رأى النبي - ﷺ - يصبغ بالصفرة،","vol":"4","page":214},{"text":"قال ابن القيم: فإن قيل: قد ثبت في الصحيح عن أنس ﵁ أنه قال: لم يخضب النبي - ﷺ -، قيل: أجاب أحمد بن حنبل عن هذا وقال: قد شهد غير أنس ﵁ على النبي - ﷺ - أنه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد. اهـ. ثانيًا: أن الأمر بخضاب الشعر في حديث الباب عام في جميع الألوان لأنه - ﷺ - أمر بمخالفة اليهود والنصارى، بتغيير الشيب وخضاب الشعر مطلقًا دون تقييد بلون مخصوص أو استثناء لون معين، لكن جاء في حديث جابر: أن النبي - ﷺ - قال: \" غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد \" أخرجه مسلم، ولهذا ذهب قوم إلى تحريم الخضاب بالسواد، واختاره النووي، وذهب أحمد والشافعي في المشهور عنهما إلى أنه يكره الصبغ بالسواد، وأجازه مالك وغيره من أهل العلم، إلاّ أنه يرى أن الخضاب بالسواد خلاف الأولى كما في \" الموطأ \" قال يحيى، سمعت مالكًا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أجمع في ذلك شيئًا معلومًا، وغير ذلك من الصبغ أحب إليَّ، بمعنى أن الصبغ بالسواد خلاف الأولى فقط، وليس بمحرم، ولها قال في \" المحلى \": يكره عند مالك صبغ الشعر بالسواد من غير تحريم. اهـ. وفي السواد عن أحمد كالشافعية روايتان، المشهورة يكره، وقيل: يحرم (١) وقد أجاز الخضاب بالسواد جماعة من أهل العلم وكثير من السلف من الصحابة والتابعين. قال ابن القيم في \" زاد المعاد \": صح عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كانا يخضبان بالسواد، ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب \" تهذيب الآثار \" وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله ابن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص، ﵃ أجمعين، وحكاه عن جماعة من التابعين، منهم عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، ﵃ أجمعين، وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دينار، وأبي يوسف ﵃\n_________\n(١) \" أوجز المسالك شرح موطأ مالك \" للشيخ زكريا الأنصاري.","vol":"4","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-886>٨٠٨ - \" حَدِيثُ أبْرَصَ وأقْرعَ وأعمَى في بنِي إِسْرَائِيلَ </span>\"\n٩٣٥ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ ثَلَاَثةً فِي بني إسْرَائِيلَ أبرَصَ وأقْرَعَ وَأعْمَى، بَدَا للهِ أنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فبعث إلَيْهِمْ مَلَكًا، فأتَى الأبرَصَ فَقالَ:\nــ\nأجمعين. اهـ. وذهب مالك إلى أن الخضاب بغير السواد أولى وأفضل فقد روى أشهب عن مالك أنه قال: ما علمت أن فيه النهي، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي \" (١) أي إنما قال مالك: وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، لأن الصبغ بالسواد لم يستعمله النبي - ﷺ - فغيره أولى. كما أفاده الباجي. ثالثًا: قال شيخ الإِسلام (٢) ابن تيمية: أمر - ﷺ - بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن مخالفتهم أمرٌ مقصود للشارع، لأنه إذا كان الأمر \" في الحديث \" بجنس المخالفة حصل القصد، وإن كان الأمر بها في تغيير الشيء فهو لأجل ما فيه من المخالفة.\nالحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم \" حيث ذكر اليهود والنصارى، وهم من بني إسرائيل.\n٨٠٨ - \" حديث أبرص وأقرع وأعمى في بني إسرائيل \"\n٩٣٥ - معنى الحديث: أن ثلاثة من بني إسرائيل، وقعت لهم قصة عجيبة قصَّها علينا النبي - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق، لما فيها من الموعظة والاعتبار التي نستفيد منها في حياتنا، كان كل واحد من هؤلاء الثلاثة مصابًا بعاهة في جسده، فأراد الله أن يمن عليهم بالسلامة من عاهاتهم، وبالغنى بعد فقرهم ابتلاءً لهم، ليجازي من شكر النعمة بزيادتها، ومن كفرها بزوالها، فأما\n_________\n(١) وأما قوله - ﷺ -: \" وجنبوه السواد \" فقد أجاب عنه ابن القيم في \" زاد المعاد \" بأن الخضاب بالسواد المنهي عنه هو خضاب التدليس، وأجاب عنه الباجي بأن الحديث ليس بثابت لأنه رواه ليث بن أبي سليم. اهـ.\n(٢) \" فيض القدير شرح الجامع الصغير \" ج ٤.","vol":"4","page":216},{"text":"أيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْن حَسَن، وَجِلْدٌ حَسَن، قَدْ قَذَرَني النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا، وجِلْدًا حَسَنًا، فقالَ: أيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشراءَ، فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا، وأتى الأقْرَعَ، فَقَالَ: أي شَىءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ، فَقَالَ:\nــ\nالأوّل فهو رجل أبرص بعث الله إليه الملك في صورة إنسان: فقال له: \" أي شيء أحب إليك؟ \" وسأله عن أمنيته المفضلة \" قال: لون حسن وجلد حسن \" أي تمنى أن يعود إلى جسمه لونه الصافي الجميل وبشرته النقية السليمة \" قد قذرني الناس \" قال الحافظ: قذرني بفتح القاف والذال أي اشمئزوا مني \" قال: فمسحه فذهب عنه \" أي فمسحه الملك بيده فزال عنه داء البرص، وأصبح نقي اللون والبشرة، فسأله عن أحب المال إليه، فقال: الإبل، \" فأعطي ناقة عشراء \" بضم العين وفتح الشين وهي الحامل التي أَتى عليها في حملها عشرة أشهر. \" وأما الثاني \" فهو رجل أقرع، أتاه الملك في صورة إنسان من البشر فسأله كما سأل صاحبه الأول عن أمنيته في الحياة، فقال إنه يتمنى أن يعود إليه شعر رأسه، لأن الناس اشمأزوا منه، ومن منظر رأسه البشع، وصورته القبيحة، وهو معنى قوله: \" وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا \" أي القرع \" قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب وأعطي شعرًا حسنًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملًا، وقال: يبارك لك فيها \" بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية بارك الله لك فيها. \" وأما الرجل الثالث \" فهو رجل أعمى، أتاه الملك على صورة البشر، فسأله عن أمنيته في الحياة، فقال: أن يعود إلي بصري، فإنه لا شيء أحب إلي من أن أبصر النور وأرى الأشياء حولي، فأعاد إليه الملك بإذن الله بصره، وسأله عن أحب المال عنده فقال: الغنم، فأعطاه ما يحب،","vol":"4","page":217},{"text":"شَعْر حَسَن، ويَذْهَبُ عني هَذَا، قدْ قَذَرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ، وأعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًَا، قَالَ: فأيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، قَالَ: فأعْطَاهُ بَقَرةً حَامِلًا، وَقَالَ يُبَارَكْ لَكَ فِيهَا، وأتى الأعْمَى، فَقَال: أيُّ شَيْءٍ أحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فأبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فأعْطَاهُ شَاةً وَالدًا، فأنتجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فكان لهَذَا وَادٍ مِنْ إبلٍ، وَلِهَذا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ الْغَنَمِ، ثم إنَّهُ أتَى الأبرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلْ مِسْكِين تَقَطَّعَتْ بي الْحِبالُ في سَفَرِي فلا بَلاغَ اليَوْمَ إلَّا باللهِ ثم بِكَ، أسْالكَ بالَّذِي أعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَن، والْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أتبَلَّغُ عَلَيْهِ في سَفَرِي، فَقَالَ لهُ،\nــ\nوهو معنى قوله - ﷺ -: \" وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال فأي المال أحب إليك، قال: الغنم، فأعطاه شاة والدًا \" قال الحافظ: أي ذات ولد، ويقال حامل. وقد بارك الله تعالى لهؤلاء الثلاثة فيما أعطاهم، \" فأنتج هذان \" أي صاحب الإِبل والبقر \" وولّد هذا \" أي صاحب الغنم، وهو بتشديد اللام. ثم إن الله تعالى قدر على هؤلاء أن يختبرهم وإن كان ﷿ عالمًا بحقيقة حالهم، لا يخفي عليه شكرهم وكفرهم ولكن إنما ابتلاهم بذلك.\nليظهر لخلقه أحوالهم ويجازيهم بحسب أعمالهم، فيكونوا عبرة لغيرهم وهو معنى قوله: \" ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطعت بي الحبال \" أي ابتلاني الله بهذا الداء العضال ويئست من الشفاء ولم يبق لي أمل في العافية حيث تقطعت بي حبال الآمال، وسدت أمامي أبواب المعيشة وأسباب","vol":"4","page":218},{"text":"إنَّ الْحُقُوقَ كَثيرة، فَقَالَ لَهُ: كَأنِّي أعْرِفُكَ، ألَمْ تَكُنْ أبْرَصَ، يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأعْطَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: لقدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى مَا كُنْتَ، وأتى الأقْرَعَ في صورَتِهِ وهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَه مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى ما كُنْتَ، وأتى الأعْمَى في صورَتِهِ فَقَالَ: رَجل مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيل، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بَلَاغَ الْيَوْمَ إلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أسْألكَ بالذي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شاةً أتبَلَّغ بِهَا في سَفَرِي، فَقَال: قَدْ كنْت أعمَى، فَرَدَّ اللهُ بَصَرِي، وفَقِيرًا فقد أغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللهِ لا أجْهِدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْء أخَذْتَه لله، فَقَالَ: أمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتلِيْتمْ، فَقَد رَضِيَ الله عَنْكَ، وَسَخِطَ على صَاحِبَيْكَ \".\nــ\nالرزق، وأصبحت فقيرًا بائسًا مسكينًا \" فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثم بك \" أي فلا أحد يوصلني إلى تفرج كربتي إلاّ الله، ثم أنت \" أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن، والمال بعيرًا أتبلغ به \" أي يوصلني إلى بلدي \" فقال له: إن الحقوق كثيرة \" أي إن النفقات التي تلزمني كثيرة، وهي أولى منك، \" فقال له: إني أعرفك: ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله \" أي فأعطاك الله الصحة والمال. \" فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر \" وفي رواية كابرًا عن كابر، أي ورثت هذا الغنى والعز والشرف أبًا عن جد \" فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت \" أي إلى ما كنت عليه من داء البرص والفقر \" وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قاله لهذا \" أي للأبرص، \" فرد عليه مثل ما رد عليه هذا \" أي الأبرص \" فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت \" عليه من الفقر وسوء الحال، والقرع وسوء","vol":"4","page":219},{"text":"المنظر. \" وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين إلخ \" يعني فقال له الملك. مثل ما قال لصاحبه، ولكن الأعمى لم يكن مثل صاحبيه كافرًا النعمة، \" فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرًا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء \" أي لا أشق عليك برد شيء تطلبه مني \" فقال له: أمسك مال فإنما ابتليتم \" أي امتحنتم \" فقد رضي عنك \" لأنك شكرت نعمة الله وأديت حقها عليك \" وسخط على صاحبيك \" لأنهما كفرا بنعمة الله.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير من كفران النعم، لأنه يؤدي إلى زوالها، والترغيب في شكرها، لأنه يؤدي إلى دوامها وزيادتها، فالحديث مصداق قوله تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). ثانيًا: أن شكر النعمة واجب، وكفرها معصية، ولولا ذلك لما غضب على الأبرص والأقرع وعاقبهما في الدنيا قبل الآخرة. ثالثًا: أنه لا مانع من تذكير الإِنسان بحالته السيئة التي كان عليها إذا كان ذلك لنصحه ودعوته لشكر الله تعالى، أما إذا كان ذلك لتعييره بماضيه أو التشهير به فإنه لا لا يجوز شرعًا. رابعًا: الحث على الصدقة، والرفق بالضعفاء، ومد يد المعونة لهم. خامسًا: أن على الإِنسان أن يذكر إذا صار في نعمة ما كان عليه سابقًا من فقر أو مرض أو عاهة، لأن ذلك يدفعه لمزيد الشكر والامتنان. سادسًا: الزجر عن البخل، والتحذير من عواقبه السيئة، لأنه رأس كل رذيلة. سابعًا: أن هذه قصة من قصص بني إسرائيل العجيبة التي فيها الكثير من المواعظ والعبر، ولهذا حدثنا بها رسول الله - ﷺ - لكي ننتفع بها في حياتنا وسلوكنا. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إن ثلاثة من بني إسرائيل \".\n***","vol":"4","page":220},{"text":"٩٣٦ - عن أبي سَعِيدٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" كَانَ فِي بني إسْرَائِيلَ رَجُل قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْألُ، فَأتَى رَاهِبًا، فسألَهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَجَعَل يَسْأل، فَقَالَ لَهُ رَجُل: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فأدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلَاِئكَةُ الْعَذَابِ، فأوْحَى اللهُ إلى هَذِهِ أنْ تَقَرَّبِي وأوْحَى إلى هَذِهِ أنْ تَبَاعَدِي، وقالَ: قِيسُوا ما بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إلى هَذِهِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ \".\nــ\n٩٣٦ - معنى الحديث: أن رجلًا من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفسًا ظلمًا وعدوانًا فسأل عن أعلم أهل الأرض كما في رواية مسلم ليستفتيه في قضيته، فدُل على راهب - أي على عابد من عُبّاد النصارى، فجاء إليه واستفتاه، هل تقبل توبته إذا تاب؟ فقال له: لا توبة لك بعد أن قتلت تسعة وتسعين نفسًا، فقتل ذلك الراهب، وأكمل به المائة، ثم صار يسأل عن عالم آخر، فدلوه على رجل من أهل العلمٍ غير الأول، حتى وجده، فقال له ذلك الرجل (١) ائت قرية كذا فإنّ بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فذهب من عنده حتى إذا انتصف الطريق أدركه الموت، فمال بصدره بجهد ومشقة إلى جهة القرية الصالحة، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأوحى الله إلى القرية الصالحة، وهي قرية \" نصرة \" أن تقترب منه، وأوحى إلى القرية التي خرج منها أن تبتعد، وأمرهم أن يقيسوا المسافة بين القريتين فوجدوه أقرب إلى\n_________\n(١) وفي رواية فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إِلى أرض كذا الخ.","vol":"4","page":221},{"text":"٩٣٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهْ، فوجَدَ الرَّجُلُ الذي اشْتَرَى الْعَقَارَ في عَقَارِهِ جرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الذي اشْتَرى\nــ\nالقرية الصالحة بشبر، فغفر له. والمطابقة: في قوله: \" كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانًا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن التوبة تكفّر الكبائر كلها مهما بلغت، بما في ذلك القتل، لأن الله تعالى قبل توبة هذا الرجل الذي قتل مائة نفس، ولا يقال: إن القتل من حقوق الآدميين التي لا تقبل فيها التوبة إلا باستحلال أصحاب الحقوق ومسامحتهم وإرضائهم، لأن الله إذا قبل توبة العبد أرضي عنه خصمه كما أفاده القسطلاني (١). ثانيًا: قال الحافظ: في هذا الحديث فضل العالم على العابد، لأن الذي أفتاه أولًا بأن لا توبة له غلبت عليه العبادة فاستعظم وقوع ما وقع من ذلك القاتل من جرأته على قتل هذا العدد الكثير، وأما الثاني: فغلب عليه العلم فأفتاه بالصواب (٢). اهـ. وهذا يدل على قيمة العلم، وأن العالم مقدم على العابد. ثالثًا: أنه ينبغي لمن تاب من ذنب ولا سيما إذا كان من الكبائر أن يعقبه بالإكثار من العبادات والأعمال الصالحة، ومعاشرة الصالحين، ولهذا أفتاه هذا العالم الواعي أن يذهب إلى تلك القرية الصالحة، ليعايش الصالحين من أهلها، فيقتدي بهم في عبادتهم، فإنّ الحسنة تكفر السيئة، فإذا أضيفت الحسنات إلى التوبة الصادقة كانت خيرًا على خير، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.\n٩٣٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"اشترى رجل من رجل\n_________\n(١) \" إرشاد السارى شرح صحيح البخاري \" للقسطلاني.\n(٢) \" فتح الباري \" للحافظ ابن حجر العسقلاني.","vol":"4","page":222},{"text":"الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إنما اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ، ولم أبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وقَالَ الَّذِي لَه الأرْضَ: إنَّمَا بِعْتُكَ الأرْضَ وما فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إلى رَجُل، فَقَالَ الَّذِي تحاكَمَا إلَيْهِ: ألَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أحَدُهُمَا: لِيَ غُلامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِيَ جَارِيَةٌ، قَالَ: أنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ وأنفِقُوا على أنفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا\".\nــ\nعقارًا\" أي أرضًا أو دارًا \" فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب \" أي فوجد المشترى جرة في داخلها نقود وحلي وسبائك ذهبية \" فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض \" أي فذهب المشتري إلى البائع، ودفع الجرة إليه قائلًا خذ ذهبك. فإنني لا حق لي فيه، لأنني إنما اشتريت الأرض فقط، ولم أشتر منك هذا الذهب الذي وجدته فيها، فهو حقك \" وقال الذي باع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها \" فكلُّ ما وجدته فيها من ذهب أو غيره فهو ملكك، ورزق ساقه الله إليك \" فتحاكما إلى رجل \" وهل هذا الرجل هو الحاكم الشرعي نفسه، أو رجل آخر، في هذا خلاف بين العلماء \" فقال \" لهما: \" ألكما ولد، قال أحدهما: \" وهو المشتري \" لي غلام، وقال الآخر \" وهو البائع \" لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية \" أي زوجوا ولد المشتري على بنت البائع \" وأنفقوا على أنفسهما منه \" أي وأنفقوا عليهما من هذا الكنز \" وتصدقا منه \" أي وتصدقا ببعضه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: صلاح هذين الرجلين وورعهما وعفتهما وزهدهما في هذا الكنز النفيس الذي يتمثل في تدافعهما له، ومحاولة كل منهما التخلص منه، فهما نوع نادر من البشر. ثانيًا: قال الحافظ في قوله - ﷺ -: \" فتحاكما إلى رجل \" ظاهره أنهما حكَّماه أي حكما رجلًا غير الحاكم الشرعي المنصوب من قبل ولي الأمر وعلى ذلك، فإن هذا الحديث يصلح","vol":"4","page":223},{"text":"حجة على أنه يجوز للمتداعيين أن يحكّما غير الحاكم الشرعي، وبهذا قال مالك والشافعي بشرط أن يكون أهلًا للحكم، وأن يحكم بينهما بالحق، سواء وافق رأي القاضي أم لا، واستثنى الشافعي الحدود، واشترط أبو حنيفة أن لا يخالف قاضي البلد، إلاّ أن الروايات الأخرى دلت على أنّهما حكَّما الحاكم الشرعي الذي هو داود ﵇، أو قاضيًا من قضاة ذي القرنين، وعلى هذا فليس في الحديث حجة على تحكيم غير الحاكم. ويرى القرطبي ﵀ أن ما أجراه هذا الرجل بينهما ليس حكمًا عليهما، وإنما هو إصلاح بينهما. قال الحافظ: وجزم القرطبي بأنه لم يصدر منه حكم على أحدٍ منهما، وإنما أصلح بينهما لما ظهر له أن حكم المال المذكور حكم المال الضائع، فرأى أنهما أحق بذلك من غيرهما. الحديث: أخرجه الشيخان والمطابقة: في قوله: في كون هذه القصة من أخبار بني إسرائيل.\n***","vol":"4","page":224},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-888> بَابُ الْمَنَاقِبِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>٨٠٩ - \" بَابُ قَوْلِ الله تعَالَى:\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى </span>...) \"\n٩٣٨ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإِسْلامِ إِذا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاس في هَذَا\nــ\n\n\" باب المناقب \"\nومعظم النسخ في البخاري بلفظ \" باب المناقب \" \"والمناقب \" جمع منقبة، بمعنى الشرف والفضيلة، وفي \" القاموس \": المنقبة المفخرة، والمناقب المكارم، واحدها منقبة، كأنها تنقب الصخر لقوتها، وتثقب قلب الحسود لشدة وقعها عليه.\n٨٠٩ - \" باب قول الله تعالى:\n(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ...) \"\n٩٣٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - شبّه الناس في أنسابهم وأصولهم بالمعادن المختلفة المتفاوتة في قيمتها وجوهرها. قال الحافظ: وجه التشبيه أن المعدن لما كان إذا استخرج ظهر ما اختفى منه. ولا تتغير صفته، فكذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفًا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمر شرفه، وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية. وهو قوله: \" خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا \" أي فمن جمع بين النسب والحسب والإِسلام والفقه في الدين فهو أعلى المراتب،","vol":"4","page":225},{"text":"الشَّأنِ أشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وتَجِدُونَ شَرَّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ، الذي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، ويَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ\".\nــ\nوأفضلها في نظر الإِسلام. ثم قال - ﷺ -: \" وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية \" ومعناه أن أصلح الناس وأكفأهم لولاية الأمور من إمارة أو قضاء أو شرطة أو حسبة، أو غيرها أزهدهم فيها، وأشدهم كراهية لها، لأن شدة كراهيته للولاية تدل على شدة ورعه، وقوة شعوره بالمسؤولية \" وتجدون شر الناس ذا الوجهين \" أي أبغضهم إلى الله تعالى وأكثرهم ضررًا للمسلمين، وخطرًا عليهم \" المنافق \" سواء كان منافقًا في العقيدة يظهر الإسلام ويبطن الكفر، أو منافقًا في سلوكه وأعماله يظهر المودة ويبطن الحقد والعداوة، كما قال تعالى في وصف هؤلاء المنافقين: (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل النسب إذا اقترن بالدين والصلاح والعلم في دين الله والفقه في شريعته، وهذا هو أعلى المقامات وأسماها بعد مقام النبوة والصحبة، فإن الناس في نظر الإِسلام تختلف مراتبهم ومقاماتهم (١) على حسب الترتيب الآتي. المرتبة الأولى: من جمع بين النسب والدين والصلاح والفقه في الشريعة، وهذا هو أعلى المقامات. المرتبة الثانية: من جمع بين الدين والصلاح والفقه وكان خامل النسب. المرتبة الثالثة: من جمع بين النسب والدين والصلاح ولم يكن فقيهًا. المرتبة الرابعة: من جمع بين الدين والصلاح، ولم يكن شريفًا ولا فقيهًا. المرتبة الخامسة: من جمع بين الإِسلام والنسب ولم يكن صالحًا ولا فقيهًا. المرتبة السادسة: من كان مسلمًا فقط، ولا توجد فيه أي مزية من المزايا وهذا هو أدنى الدرجات. ثانيًا: اعتبار الكفاءة\n_________\n(١) لأنه دل على أن الناس يتفاضلون بحسب مناقبهم وفضائلهم الدينية والاجتماعية.","vol":"4","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-889>٨١٠ - \" بَابُ مَنَاقِبِ قُريش </span>\"\n٩٣٩ - عن مُعَاوِيَةَ ﵁:\nوقد بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنَ الْعَاصِ ﵄ يُحَدِّثُ\nــ\nفي النسب بالنسبة إلى الزواج. لقوله - ﷺ -: \" تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة \" قال في \" زهر الأدب في مفاخر العرب \": الكفاءة عندنا معاشر الحنابلة معتبرة، وكذا عند الشافعية، وفي إحدى الروايتين عن مالك، ثم قال: ومن الجهل أن يعتقد أحد عدم التفاضل، والتفاضل واقع في أنواع الموجودات، فضل الله السماء السابعة على سائر الموجودات، ومكة على باقي البلاد، وجبريل وميكائيل وإسرافيل على غيرهم من الملائكة. وروى الدارقطني عن عمر ﵁ أنه قال: \" لأمنعن تزوج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء \" وفي حديث رواه ابن ماجه والدارقطني عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \" تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم \" ثم قال: وقوله: \" ليس لعربي فضل على عجمي \" \" والمؤمنون تتكافأ دماؤهم \" إنما المعنى في هذا كما قال ابن قتيبة أن الناس من المؤمنين كلهم سواء في الأحكام والمنزلة والكفاءة إنما هي في الدين والخلق. ثالثًا: أن أصلح الناس للولاية أزهدهم فيها، لما يدل عليه ذلك من شدة أمانته وتقديره للمسؤولية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية (١) خيارهم في الإسلام.\n٨١٠ - \" باب مناقب قريش \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما جاء في فضل قريش ومفاخرهم.\nوقريش: هي القبيلة العربية الأصيلة المشهورة، التي أنجبت سيد المرسلين وخاتم\n_________\n(١) والراجح أن الكفاءة إنما هي في الدين والخلق. (ع).","vol":"4","page":227},{"text":"أنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ، فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ فَقَامَ فَأثْنَى على اللهِ بما هُوَ أهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أمَا بَعْدُ: فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أن رِجَالًا مِنْكُمْ يَتَحَدَّثُونَ أحَادِيثَ لَيْسَتْ في كِتَابِ اللهِ، ولا تُؤْثر عَنْ رَْسُولِ اللهِ، فَأولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ والأمَانِيَّ التي تُضِل أهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ هَذَا الأمْرَ في قُرَيْش لا يُعَادِيْهِمْ أحَدٌ إلَّا أكبَّهُ اللهُ علَى وَجْهِهِ مَا أقَامُوا الدِّيْنَ\".\nــ\nالنبيين، والتحقيق أنها تبدأ من فهر بن مالك بن النضر، فمنه كما قال ابن قتيبة تفرقت قبائل قريش، وتفرعت فروعها وهذا هو الأظهر لأن فهر هو الجد المباشر لقريش الذي تفرعت عنه قبائلها كما قال ابن سعد في \" الطبقات \" \" وما كان فوق فهر فليس بقرشي بل هو كناني. ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في \" مختصر سيرة الرسول (١) - ﷺ - \": وفهر هذا: هو أبو قريش كلها، فكل من كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس قرشيًا، ثم \" قال \": وقد قيل: إن النضر بن كنانة هو قريش، والصحيح أنه فهر بن مالك.\n٩٣٩ - معنى الحديث: أن معاوية ﵁ سمع عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يحدث الناس عن ظهور ملك قحطاني تدين له العرب، ويخضع له المسلمون، ويلتفون حوله، فأنكر ذلك الخبر أشد الإنكار، وقال: \" فإنه بلغنى أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله \" أي أن هذه الأخبار التي يتحدث بها عبد الله بن عمرو. عن ظهور ملك قحطاني ليست صحيحة، لأنّها لا تستند إلى كتاب الله، ولا يرويها عن النبي - ﷺ - وإنما هي مجرد خبر إسرائيلي\n_________\n(١) \" مختصر سيرة الرسول - ﷺ - \" للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.","vol":"4","page":228},{"text":"- سمعه من اليهود، أو قرأه في التوراة. \" فإياكم والأماني التي تضل صاحبها \" أي فاحذروا أن تستمعوا إلى هذه الأخبار الكاذبة التي لا أساس لها من الصحة.\nولكن ما تحدث به عبد الله ليس مجرد خبر إسرائيلي، وإنما هو خبر صحيح يستند إلى حديث رسول الله - ﷺ - فقد روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنّه قال: \" لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه \" أخرجه الشيخان. قال الحافظ: هو كناية عن المُلْكِ شبهه بالراعي. قال أرطاة بن المنذر أحد التابعين من أهل الشام: إن القحطاني يخرج بعد المهدي ويسير على سيرته، ثم قال معاوية: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن هذا الأمر \" أي إن الخلافة \" في قريش \" فهم أحق الناس بها، \" لا يعاديهم أحد إلاّ أكبه الله \" أي لا ينازعهم فيها أحدٌ إلاّ ألقاه الله على وجهه في النار، \" ما أقاموا الدين \" أي مدة إقامتهم للدين، وتمسكهم بسنة سيد المرسلين.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الخلافة حق شرعي لقريش مدة إقامتهم لدين الله، فإذا انحرفوا عن العدل والصواب، وحادوا عن منهج السنة والكتاب، زالت الخلافة من أيديهم، وانتقلت إلى غيرهم فلا وجه لإنكار معاوية لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، لأنه لا يتعارض مع قوله - ﷺ -: \" وإن هذا الأمر في قريش \" لأنه مشروط بإقامة الدين. قال الحافظ: وقد وجد ذلك، فإن الخلافة لم تزل في قريش والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين، فضعف أمرهم إلى أن لم يبق لهم من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار، وفي تاريخ بني العباس أقوى شاهد على ذلك حتى قال بعض خلفائهم:\nأليْسَ مِنَ العَجَائِبِ أن مِثْلِي ... يَرى مَا قَلّ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ\nوتُؤخَذُ بِاسْمِهِ الدُّنْيا جَمِيعًا ... وَمَا مِنْ ذاكَ شيء في يَدَيْهِ\nوغزاهم التتار فقضوا على الخلافة في بغداد. وفتكوا بالبلاد والعباد. ثانيًا: أن","vol":"4","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>٨١١ - \" بَابُ قِصَّةِ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ ﵁ </span>\"\n٩٤٠ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ أبو ذَرٍّ ﵁: كُنْتُ رَجُلًا من غِفَارٍ، فَبَلَغَنَا أنَّ رَجُلًا قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيُّ، فَقُلْتُ لأخِي: انْطَلِقْ إِلى هَذَا الرَّجُلِ كَلِّمْهُ، وائْتِني بِخَبَرِهِ، فانْطَلَقَ فلَقِيَه، ثُمَّ رَجَعَ، فَقُلْتُ: مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: واللهِ لَقَدْ رَأيْتُ رَجُلًا يَأمُرُنَا بالْخَيْرِ، وَيَنْهَى عَن الشَّرِّ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تُشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فأخَذْتُ جرَابًا وعصى، ثم أقْبَلْتُ إلى مَكَّةَ، فَجَعَلْتُ لا أعْرِفُهُ، وأكْرَه أنْ أَسْأل عَنْهُ، وأشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وأكونُ في\nــ\nفي هذا الحديث منقبة عظيمة لقريش، وهي استحقاقهم للخلافة ما أقاموا الدين، واتبعوا سنة سيد المرسلين. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" إن هذا الأمر في قريش \" فإنه منقبة عظيمة لهم.\n٨١١ - \" باب قصة إسلام أبي ذر \"\n٩٤٠ - معنى الحديث: يروي لنا ابن عباس ﵄ هذا الحديث عن أبي ذر الغفاري ﵁ وهو يتحدث عن قصة إسلامه، فيذكر لنا أنه لما ظهر النبي - ﷺ - انتشرت أخباره في قبائل العرب، حتى وصلت إلى قبيلة غفار التي ينتسب إليها أبو ذر، فلما سمع بخروجه - ﷺ - أرسل أخاه إلى مكة، ليأتيه بخبره، فلما رجع قال له: ما عندك؟ أي ما الذي عرفته من أخبار محمد وحقيقة دينه، فأقسم بالله أنه رأى رجلًا يأمر بكل خير وينهى عن كل شر، وفي رواية: \" رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامٍ ما هو بالشعر \" قال: \" فقلت له: لم تشفني \" أي لم تأتني بالجواب الكافي الشافي. قال: \" ثم أقبلت إلى مكة، فجعلت لا أعرفه \" أي فجعلتُ نفسي كأني لم آت مكة للتعرف","vol":"4","page":230},{"text":"الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: كأنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَانْطَلَقَ إلى الْمَنْزِلِ، قَالَ: فانْطَلَقْتُ مَعَهُ، لا يَسْألنِي عَنْ شَيْءٍ ولا أخْبِرُهُ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ، غَدَوْتُ إلى الْمَسْجِدِ، لأسْألَ عَنْهُ، ولَيْسَ أحَدٌ يُخْبِرُنِي عَنْهُ بِشَيْءٍ، قَالَ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فقالَ: أمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ، قَالَ قُلْتُ: لا، قالَ: فانْطَلَقَ مَعِي، قَالَ فَقَالَ: ما أمْرُكَ؟ وما أقْدَمَكَ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ، إِنْ كَتَمْتَ عَلَيَّ أخبَرْتُكَ، قَالَ: فَإنِّي أَفعَلُ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَأرْسَلْتُ أخِي لِيُكَلِّمَهُ، فَرَجِعَ ولَمْ يُشْفِنِي مِنَ الْخَبَرِ، فأرَدْتُ أن ألْقَاهُ، فَقَالَ لهُ، أما إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فاتَّبِعْنِي، ادخُلْ حيثُ أدْخُلُ، فَإِنِّي إِنْ رَأيْتُ أحَدًا أخَافُهُ عَلَيْكَ قُمْتُ\nــ\nعلى النبي - ﷺ - \" وأكره أن أسأل عنه \" أي ولا أريد أن أسأل عنه أحدًا خشية أن تعلم قريش \" وأشرب من ماء زمزم \" أي أكتفي في طعامي وشرابي بماء زمزم، لأني لا أجد غيره كما في رواية مسلم عن عبد الله بن الصامت، أنه قال: \" ما كان في طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني \" \" قال: فمر بي علي \" بن أبي طالب صدفة \" فقال: كأن الرجل غريب \" أي أظنك غريبًا \" قلت: نعم، فذهب بي إلى المنزل لا يسألني عن شيء \" على عادة العرب لا يسألون الضيف عن أمره حتى يخبرهم بنفسه \" فلما أصبحت، غدوت إلى المسجد، فمر بي عليٌ \" مرة أخرى \" فقال: أما نال للرجل يعرف منزله \" أي أما آن لك أن تعرف مسكنك الذي تريد النزول فيه، يريد إرشاده إلى ما قدم إليه وقصده \" قال: قلت: لا \" أي لم أصل إلى شيء حتى الآن \" فقال: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة \" أي فسأله عن أمره وقصته، فأخبره أبو ذر","vol":"4","page":231},{"text":"إلى الْحَائِطِ كَأنَّي أُصْلِحُ نَعْلِي، وَامْض أنْتَ، فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ على النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلامَ، فَعَرَضَهُ فَأسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: \"يَا أبَا ذَر، اكْتُمْ هذَا الأمْرَ، وارْجِعْ إلى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظهُورُنَا فأقبِلْ \"، فَقُلْتُ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لأصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فجاءَ إِلى الْمَسْجِدِ وقُرَيْش فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْش إِني أشْهَدُ أن لَا إِلَه لَّا اللهُ، وأشْهَدُ أن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالُوا: قُومُوا إِلى هَذَا الصَّابِىءِ، فَقَامُوا، فَضُرِبْتُ لأمُوتَ، فأدْرَكَنِي الْعَبَّاسُ فأكَبَّ علَيَّ، ثمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رَجُلًا مِنْ غِفَارٍ، ومَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ على غِفَارٍ، فأقْلَعُوا عَني، فَلَمَّا أن أصْبَحْتُ\nــ\n﵁ بقصته بعد أن وثق به، وهو معنى قوله: \" قلت له: بلغنا أنه خرج ها هنا رجل يزعم أنه نبي \" إلخ أي يدعى النبوة فأردت أن أتعرف على حقيقته \" قال: أما إنك قد رشدت \" بفتح الراء والشين أي اهتديت ووصلت إلى مقصودك \" هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل \" أي إني متوجه إليه، فاتبعني وسر معي حيث سرت قال: \" ودخلت معه على النبي - ﷺ - فقلت له: اعرض عليّ الإِسلام \" أي بين لي أركانه وشرائعه \" فعرضه فأسلمت مكاني \" أي فأسلمت حالًا \" فقال لي: يا أبا ذر أكتم هذا الأمر \" يعني فأمره النبي - ﷺ - بإخفاء إسلامه خوفًا عليه من إيذاء قريش له، وحرصًا على سلامته منهم \" فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم \" أي لأرفعن صوتي بالشهادتين عاليًا في وسطهم \" فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأعلن إسلامه أمامهم \" فقالوا: قوموا إلى هذا الصابىء \" أي الخارج عن","vol":"4","page":232},{"text":"الْغَدَ، رَجَعْتُ فَقُلْتُ مِثْلَ ما قُلْتُ بالأمْس، فَقَالُوا: قُومُوا إلَى هَذا الصَّابِىءِ، فصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بالأمْس، وأدْرَكَنِي الْعَبّاسُ فَأكَبَّ عَلَيَّ وَقَالَ مِثْل مَقَالَتِهِ بالأمْسِ، قالَ: فَكَانَ هَذَا أوَّلَ إِسْلامِ أبِي ذَرٍّ ﵀\".\nــ\nدينه، المفارق لملة آبائه وأجداده \" فضربت لأموت \" أي فضربوني ضربًا شديدًا قاصدين بذلك قتلي والقضاء علي \" فأدركني العباس \" يعني فأنقذني منهم العباس ﵁ \" فأكب عليَّ \" أي ألقى بنفسه عليَّ ليحول بينهم وبيني، وحذرهم من قبيلتي، فقال: \" ويلكم تقتلون رجلًا من غفار، ومتجركم وممركم على غفار \" أي كيف تقتلون هذا الرجل وهو من غفار فتعرضون قوافلكم التجارية للخطر، حيث أن تجارتكم إنما تمر عليها \" فأقلعوا عني \" أي تركوه \" فلما أصبحت الغد رجعت، فقلت مثل ما قلت بالأمس \" الخ. أي فعاودت مقالتي هذه في صبيحة اليوم الثاني، وعاودت قريش ضربها لي، وأدركني العباس فأنقذني منهم، كما فعل في اليوم الأوّل \" قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر \" أي كانت هذه قصة دخوله في الإِسلام.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قصة إسلام أبي ذر وهو الصحابي الجليل جندب بن جنادة بن السكن بن قيس، وقيل: جندب ابن جنادة بن سفيان بن عبيد، ينتهي نسبه إلى غفار، كان من السابقين إلى الإِسلام وكان طويلًا أسمر اللون نحيفًا أحبه رسول الله - ﷺ - كثيرًا، وكان يبدأه بالحديث إذا حضر، ويتفقده إذا غاب، وهو من أزهد الصحابة ﵃ قال فيه رسول الله - ﷺ -: \" أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته فيها، وإنه والله ما منكم من أحد إلاّ وقد نشب فيها بشيء غيره \" أخرجه أحمد في مسنده. ثانيًا: فضل ماء زمزم وما أودع الله فيها من","vol":"4","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-891>٨١٢ - \" بَابُ مَنْ أحَبَّ أن لا يُسَبَّ نسَبُهُ </span>\"\n٩٤١ - عَن عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ:\nاسْتَأذَنَ حَسَّانُ ﵁ النبي - ﷺ - في هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: \" كَيفَ بِنَسَبِي \"، قَالَ حَسَّانُ: لأسُلَّنَّك مِنْهُمْ كمَا تُسَل الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِين.\nــ\nالخصائص حيث جعلها الله رواءً وغذاء وشفاء، حتى أن أبا ذر ﵁ عاش عليها خمسة عشر يومًا كما في رواية مسلم حيث قال: فاختبأت بين الكعبة وبين أستارها خمس عشرة يوم وليلة مالي طعام ولا شراب إلاّ ماء زمزم. والمطابقة: في كون أبي ذر ﵁ تحدث في هذا الحديث عن قصة إسلامه، وهو ما ترجم له البخاري والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان.\n٨١٢ - \" باب من أحب أن لا يسب نسَبُه \"\n٩٤١ - معنى الحديث: أن حسان بن ثابت ﵁ شاعر رسول الله - ﷺ - الأول استأذن النبي - ﷺ - في هجاء كفار قريش، وذكر عيوبهم ومساوئهم، فقال النبي - ﷺ - كيف تسب أنسابهم ونسبي يلتقي بأنسابهم، فإذا عبتهم عبتني، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" كيف بنسبي \" قال العيني: أي كيف تهجو قريشًا مع اجتماعي معهم في النسب، عند ذلك \" قال حسان: لأسُلنَّك منهم كما تُسل الشعرة من العجين \" وفي رواية: \" والذي أكرمك لأسلنّك منهم \" أي أهجوهم هجاءً يختص بهم، ولا يلحقك منه شيء، فتخرج من هذا الهجاء سليمًا نقيًا كما تخرج الشعرة من العجين. وقد فعل ﵁ فقال فيهم شعرًا يجمع بين مدح النبي - ﷺ - وهجوهم، وهو قوله:\nوإنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنْتِ مَخْزُوْم وَوَالِده العَبْدُ","vol":"4","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>٨١٣ - \" بَابُ مَا جَاءَ في أسْمَاءِ رَسُولَ اللهَ - ﷺ </span>- \"\n٩٤٢ - عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لِي خَمْسَةُ أسْمَاءٍ، أنا مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ،\nــ\nأي أن مجد بني هاشم انحصر كله في أبناء فاطمة المخزومية وما تفرع من نسلها. وكانت فاطمة زوجة عبد المطلب، فولدت له ثلاثًا عبد الله وأبا طالب والزبير، والنبي - ﷺ - من نسل عبد الله، فهو من هذا النسل المبارك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الدين والمروءة أن يحرص الإِنسان على سمعة آبائه وأجداده، وأن يغار على نسبه ويحميه من أن يعيبه أحد، لأن النبي - ﷺ - قال لحسان لما استأذنه في هجاء المشركين: \" كيف بنسبي \". ثانيًا: فضل حسان وقدرته الشعرية العجيبة على حسن التصرف في المديح والهجاء، حيث استطاع أن ينظم شعرًا جمع فيه بين مدح النبي - ﷺ - وهجو غيره من بني هاشم مع أنه يشترك معهم في أصل واحد، وجد واحد. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" كيف بنسبي \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٨١٣ - \" باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - \"\n٩٤٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" لي خمسة أسماء \" وليس معنى ذلك أن هذه الأسماء لم يسمَّ بها غيره، أو لم يسم بها أحد قبله، فقد سمّي بها في الجاهلية، قال الحافظ: وقد جمعت أسماء من تسمى بمحمد في جزء مفرد فبلغوا نحو العشرين، وأشهرهم محمد بن عدي بن ربيعة. قال عياض (١): وإنما سمّى بعض العرب أبناءهم محمدًا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيًّا يبعث في ذلك الزمان يسمى محمدًا، فرجوا أن يكونوا، فسمّوا أبناءهم بذلك، وليس معنى ذلك أيضًا: أن أسماءه تنحصر في خمسة أسماء فقط، فإن\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٦.","vol":"4","page":235},{"text":"وأنَا الْمَاحِي الذي يَمْحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ، وأنَا الْحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاس على قَدَمِي وأنَا الْعَاقِبُ\".\nــ\nله أسماء غيرها، وإنما المراد بقوله: \" في خمسة أسماء \" أن هذه الخمسة هي أسماؤه المشهورة في الأم الماضية المذكورة في الكتب السابقة وهي كما بينها - ﷺ - في قوله: \" أنا محمد \" وهو علم وصفة معًا كما قال ابن القيم: ومعناه أنه - ﷺ - الموصوف بالمحامد الكثيرة العظيمة، المحمود من الله ﷿ مرة بعد أخرى، لأن محمدًا لغة كما قال الزرقاني: هو الذي حُمِدَ مرّةً بعد أخرى، وعن علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:\nوَشَقَّ لَهُ من اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُوْ العَرْشِ مَحْمُوْدٌ وَهذَا مُحَمَّدُ\nقال الزرقاني: وهذا البيت في قصيدة لحسان فأما أنه توارد مع أبي طالب، أو ضمنه شعره، وسمّي بهذا الاسم بإلهام من الله تعالى لجده عبد المطلب، أو رؤيا رآها فقصها على كاهنة قريش فعبرتها بمولود من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السموات والأرض، رواه أبو نُعيم وغيره، وأخرج ابن عبد البر في \" الاستيعاب \"، عن ابن عباس ﵄ قال: \" لما ولد النبي - ﷺ - عَقَّ عنه عبد المطلب، وسماه محمدًا، فقيل له يا أبا الحارث: ما حملك على أن سميته محمدًا، ولم تسمه باسم آبائه، قال: أردت أن يَحْمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض \". \" وأحمد \" وهذا هو الاسم الثاني من أسمائه الشريفة، وهو علم منقول من صفة أفضل التفضيل المنبئة عن الانتهاء إلى غاية ليس وراءها منتهى، فهو - ﷺأحمد الحامدين لله تعالى، لما في \" الصحيح \" أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، هذا على أنّه بمعنى الفاعل، وقيل: (أحمد) بمعنى المفعول أي أنه - ﷺ - أحق الناس بالثناء والحمد. قال: \" وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر \"، يعني يزيله من الأرض \"وأنا الحاشر","vol":"4","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-893>٨١٤ - \" بَابُ خاتمَ النَّبِيِّينَ - ﷺ </span>- \"\n٩٤٣ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ\nــ\nالذي يحشر الناس على قدمي\" أي يحشر الناس أمامي، ويجتمعون إلي يوم القيامة، وقال الخطابي: القدم (١) ها هنا الدين، بمعنى أن زمن دينه آخر الأزمنة، وعليه تقوم الساعة \" وأنا العاقب \" يعني آخر الأنبياء، وخاتم المرسلين. الحديث: أخرجه الشيخان، و\" الموطأ \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن هذه الخمسة هي أشهر أسمائه - ﷺ -، وإن كان له أسماء غيرها. قال ابن القيم: وأسماؤه - ﷺ - كما سماه الله تعالى: أعلام دالة على أوصاف مدح، فلا تضادد فيها العملية الوصفية فمحمد صفة في حقه، وإن كان علمًا محضًا في حق غيره. اهـ. وقد دل بعض هذه الأسماء على أن دين الإِسلام هو الدين الغالب المهيمن على جميع الأديان، الناسخ لشرائعها بشرائعه ولأحكامها بأحكامه، وأنه الدين الخالد الباقي إلى يوم القيامة، فالحديث هو مصداق قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) الخ. والمطابقة: في كون هذا الحديث يشتمل على أسماء النبي - ﷺ -.\n٨١٤ - \" باب خاتم النبيين \"\nقال الحافظ أن المراد بالخاتم في أسمائه أنه خاتم النبيين، ولمح بما وقع في القرآن - يعني أشار إلى قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).\n_________\n(١) \" شرح الباجي على الموطأ \" ج ٧.","vol":"4","page":237},{"text":"رَجُل بَنَى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وَأجمَلَهُ إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ من زَاوِية، فَجَعَلَ الناسُ يَطُوفُونَ بهِ، ويَعْجَبونَ لَهُ، ويقولُونَ: هَلَّا وُضعتْ هذِهِ اللَّبِنَّةُ، قَالَ: فَأنا اللبِنَةَ وأنا خَاتَم النَّبِيِّين\".\nــ\n٩٤٣ - معنى الحديث: كما قال في \" شرح صفوة البخاري \" (١) أن النبي - ﷺ - شبه حال الأنبياء وتتابعهم لِإصلاح البشر واحدًا بعد واحد، حتى تكوَّنَ مما جاءوا به مجموعة إرشادات وتعاليم نافعة، وما شعر به الناس قبل مبعثه من الحاجة إلى مكمل لهذه المجموعة، متمم لمقاصدها بحال بيت وضعت فيه لبنة على لبنة حتى أوشك على التمام وهو معنى قوله - ﷺ -: \" إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وجمّله إلاّ موضع لبنة من زاوية \" أي ولم يبق من ذلك البيت سوى لبنة واحدة بقي موضعها فارغًا \" فجعل الناس يطوفون بالبيت \" أي يدورون حول جدرانه \" ويعجبون له \" أي يستحسنونه، ويمدحونه، ويعجبهم بناؤه، وحسن منظره، \" ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة \" وهلّا هنا للتحضيض، والمعنى: ولكننا نحضك ونحثك على وضع هذه اللبنة التي لا يزال مكانها خاليًا ليصبح هذا البناء في غاية الكمال والجمال، كما في رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - فيقولون: \" ألا وضعت هذه هنا لبنة فيتم بنيانك \" أخرجه أحمد وفي رواية \" أكمل موضع اللبنة \" قال - ﷺ -: \" فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين \" أي فهو - ﷺ - بالنسبة إلى الأنبياء السابقين كاللبنة المتممة لذلك البناء، لأن به - ﷺ - كمال الشرائع (٢) السابقة، وليس معنى هذا أن الأديان السابقة كانت ناقصة وإنما المراد أنه وإن كانت كل شريعة كاملة بالنسبة إلى عصرها إلاّ أن الشريعة المحمدية هي الشريعة الأكمل والأتم ومعنى كونه - ﷺ -\n_________\n(١) \" شرح صفوة البخاري \" للشيخ عبد الجليل عيسى.\n(٢) \" هداية الباري \" ج ١ للطهطاوي.","vol":"4","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>٨١٥ - بَابُ صِفَةِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\nــ\n\" خاتم النبيين \" أنها لا تحدث نبوة في أحد من البشر بعد ظهوره - ﷺ - وتحليه بها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن شريعة الإسلام هي أكمل الشرائع، لأن الله تعالى قد شرع فيها من الأحكام ما لم يكن موجودًا في الشرائع السابقة، ووضع فيها من التشريعات ما يتلاءم مع حاجة الناس ومصلحة البشر منذ بعثة النبي - ﷺ - إلى قيام الساعة، في حين أن الشرائع السابقة وإن كانت ملائمة لعصرها، إلاّ أنها غير ملائمة للبشرية في العصور الأخرى، بخلاف دين الإِسلام فإنه الدين المتكامل الذي اشتمل على جميع الأحكام في العبادات والمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية والشؤون القضائية والسياسية والعسكرية، ولهذا أوجب الله على أهل الأديان السابقة جميعًا اعتناق هذا الدين، وأخذ عليهم الميثاق باتباع محمد - ﷺ - عند ظهوره، وبين - ﷺ - أنه لا دين إلاّ دينه، ولا شريعة إلاّ شريعته حيث قال - ﷺ -: \" لو كان موسى حيًا ما وسعه إلاّ اتباعي \". ثانيًا: أن نبينا - ﷺ - هو خاتم النبيين، فلا يمكن أن يظهر نبي بعده - ﷺ - أو تحدث نبوة لأحد من البشر بعد (١) تحليه بها، ولا ينافي ذلك ظهور عيسى في آخر الزمان، لأنه كان نبيًا قبل أن يظهر محمد - ﷺ -، ثم إنه حين ينزل يتعبد بشريعة الإِسلام التي نسخت كل الشرائع. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله - ﷺ -: \" وأنا خاتم النبيين \" الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٨١٥ - \" باب صفة النبي - ﷺ - \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على صفاته الجسمية والأخلاقية وغيرها.\n_________\n(١) \" هداية الباري \" ج ١ للطهطاوي.","vol":"4","page":239},{"text":"٩٤٤ - عَن أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\n\"كَانَ النبِيُّ - ﷺ - رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَيْس بالطَّوِيلِ، ولا بالقَصِيرِ، أزهَرَ اللَّونِ، لَيس بأبيَضَ أمْهَقَ ولا آدَمَ، لَيْس بِجَعْدٍ قَطِطِ، ولا سَبْطٍ رَجِلٍ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ وهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وبالمَدِينَةِ عَشْر سِنينَ، وقُبِضَ وليس في رَأسِهِ ولِحْيَتهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ\".\nــ\n٩٤٤ - معنى الحديث: أن أنسًا ﵁ يحدثنا عن بعض صفات نبينا - ﷺ - الجسمية، فيقول: \" كان النبي - ﷺ - ربعة من القوم \" بسكون الباء وقد تفتح أي مربوع القامة، متوسط الطول بين الطويل المفرط في الطول، والقصير الشديد القِصر، أما لون بشرته فقد كان \" أزهر اللون \" أي أبيض مشربًا بحمرة \" ليس بأبيض أمهق \" أي لم يكن خالص البياض كلون الجير \" ولا آدم. \" أي ولا أسمر اللون. أما شعره فإنه كان \" ليس بجعد قطط \" بفتح الطاء أي ليس شعره خشنًا شديد الخشونة كشعر الحبشة \" ولا سَبط \" بفتح السين وكسر الباء أي ولا ناعم الشعر شديد النعومة \" رَجلٌ \" قال الحافظ: رجل بكسر الجيم، ومنهم من يسكنها، وهو مرفوع على الاستئناف، أي هو رَجل يعني منسرح الشعر، والمعنى، أن شعره - ﷺ - لم يكن ناعمًا شديد النعومة كشعور الأعاجم ولا خشنًا شديد الخشونة كشعر الأحباش، وإنما هو مسترسل فيه بعض التكسر، ثم قال: \" أنزل عليه، وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين \"، والصحيح أنه مكث بمكة ثلاثة عشر عامًا. \" وبالمدينه عشر سنين وقبض، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء \" وفي رواية عن أنس ﵁ \" ولم يبلغ ما في لحيته من الشيب عشرين شعرة \" أخرجه ابن سعد بإسناد صحيح. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي و\" الموطأ \".","vol":"4","page":240},{"text":"٩٤٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"بُعِثْتُ من خَيْرِ قُرُونِ بَني آدَمَ قرْنًا فقرْنًا، حتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الذي كُنْتُ فِيهِ\".\n٩٤٦ - عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَسدُلُ شَعْرَهُ، وكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُؤسَهُمْ، وَكَانَ أهْلُ الكِتَابِ يَسْدُلُونَ رُؤسَهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أهلِ، الكِتَابِ فيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَأسَهُ \".\nــ\n٩٤٥ - معنى الحديث: أن الله اختار نبيه - ﷺ - من خير طبقات البشر طبقة بعد طبقة، فكان - ﷺ - ينتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة، حتى ظهر أخيرًا من البيت الهاشمي أشرف بيوتات العرب، وأعرقها نسبًا، وأعلاها منزلة في جزيرة العرب كلها. الحديث: أخرجه البخاري.\n٩٤٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة كان في أوّل هجرته \" يسدل شعره \" بفتح الياء وسكون السين وكسر الدال وضمها أى يرخي شعر ناصيته ويرسله على جبهته، ويتركه مجتمعًا دون أن يفرقه: وكان المشركون \" يفرقون رؤوسهم \" بضم الراء وكسرها أي يلقون شعر رأسهم إلى جانبيه ولا يتركون منه شيئًا على جبهتهم كما أفاده العيني. \" فكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم \" أي يرسلون شعر رؤوسهم على جبهتهم \" وكان رسول الله - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء \" هذا تعليل وبيان للسبب الذي من أجله سدل رسول الله - ﷺ - شعره عند أول هجرته إلى المدينة، أي إنما سدَل رسول الله شعره في ذلك الوقت موافقة لأهل الكتاب، لأنه - ﷺ - كان","vol":"4","page":241},{"text":"٩٤٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ:\nلَمْ يَكنْ رَسول اللهِ - ﷺ - فَاحِشًَا ولا مُتَفَحِّشًَا، وَكَانَ يَقولُ: \" إِنَّ مِنْ خِيَارِكمْ أحسَنَكمْ أخْلاقًا \".\nــ\nيحب موافقتهم في الأعمال التي لم يؤمر بضدها، وهو معنى قوله: \" وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء \" قال الحافظ: أي فيما لم يخالف شرعَهُ، لأن أهل الكتاب في زمانه كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل، فكانت موافقتهم أحب إليه من موافقة عباد الأوثان قال: \" ثم فرّق رسول الله - ﷺ - \" أي ثم لما أسلمت قريش وغيرها من قبائل العرب، أحب النبي - ﷺ - مخالفة أهل الكتاب - كما قال الحافظ. فألقى شعر رأسه على جانبيه ورفعه عن جبهته. الحديث: أخرجه الستة.\n٩٤٧ - معنى الحديث: أن ابن عمرو ﵄ يصف لنا أدب رسول الله - ﷺ - في حديثه، وكيف كان مهذبًا في كلامه مع الناس فيقول: \" لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا \" أي لا يصدر منه الكلام القبيح طبعًا ولا تطبعًا ومجاراة لغيره، فلا يستفزه السفهاء فيجاريهم في سفههم، لأنه أملك الناس لغرائزه وانفعالاته النفسية، فإذا تجرأ عليه سفيه بالشتيمة لا يرد عليه بمثلها امتثالًا لأمر ربه الذي أدّبه بقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) قال: \" وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا \" أي من أهل المؤمنين إيمانًا أكثرهم تمسكًا بفضائل الأخلاق ومحاسن الشيم، قال الحافظ. وأفضل مكارم الأخلاق بشاشة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، فهذه هي أمهات الفضائل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.","vol":"4","page":242},{"text":"٩٤٨ - عن أنس ﵁ قَالَ:\n\" مَا مَسِسْتُ حَرِيرًا ولا دِيبَاجًا ألْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ - ﷺ - ولا شَمِمْتُ رِيحًا أو عَرْفًا قَطُّ أطْيَبَ مِنْ رِيحِ أو عَرْفِ النَّبِيِّ - ﷺ - \".\n٩٤٩ - وعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" مَا عَابَ النبي - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، إِنْ اشْتَهَاهُ أكَلَهُ، وِإلَّا تَرَكَهُ \".\nــ\n٩٤٨ - معنى الحديث: أن أنسًا ﵁ يصف لنا نعومة بشرته - ﷺ - وطيب رائحته - ﷺ - فيقول: \" ما مسست حريرًا ولا ديباجًا \" بكسر السين الأولى، ويجوز فتحها \" ألين من كف النبي - ﷺ - \" أي ما لمست من الأشياء الناعمة حريرًا أو ديباجًا، أو غيرها مما يضرب به المثل في الرقة والنعومة شيئًا أرق ولا أنعم من كف النبي - ﷺ - ونعومة بشرتها. ولا يتعارض ذلك مع حديث هند ابن أبي هالة أنه - ﷺ - كان شثن الكفين والقدمين، أي غليظهما في خشونة الذي أخرجه الترمذي فإن المراد بحديث الباب، كما قال الحافظ: اللين، في الجلد، وبحديث الترمذي الغلظ في العظام، ثم قال: \" ولا شممت ريحًا أو عرفًا \" بفتح العين (١) ومعناه ريحًا أيضًا \" أطيب من ريح أو عرف النبي - ﷺ - \" أي ولا شممت رائحة زكية أجمل من رائحته - ﷺ - وفي رواية عن أنس: ما شممت عنبرًا قط ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان.\n٩٤٩ - معنى الحديث: أن أبا هريرة ﵁ يصف لنا كيف كان رسول الله - ﷺ - يقدر نعمة الله تعالى فيقول: \" ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا قط \" أي أنه - ﷺ - لم يذم طول حياته أي طعام من الأطعمة المباحة، سواء كان من الأطعمة الفاخرة أو الأطعمة البسيطة، وسواء أحبته نفسه أو لا، لأن الطعام\n_________\n(١) عَرْفًا بفتح العين وسكون الراء.","vol":"4","page":243},{"text":"٩٥٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّ النبي - ﷺ - كانَ يحَدِّث حَدِيثًا لَوْ عَدَّة الْعَادُّ لأحْصَاهُ \".\n٩٥١ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ:\n\" إِنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَكنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكمْ \".\nــ\nنعمة من نعم الله يجب تقديرها، وشكر الله تعالى عليها \" إن اشتهاه أكله وإلّا تركه \" دون أن يعيب فيه. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي.\n٩٥٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ -: كان إذا تكلم تكلم كلامًا واضحًا. بينًا مفصلًا لفظًا لفظًا، وكلمة كلمة، بحيث لو أراد المستمع إليه أن يعد كلماته كلمة كلمة لفعل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي بألفاظ.\n٩٥١ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يتأنى ويتمهل في كلامه، فلا يسرع في النطق بالكلمات ليتمكن السامع من فهمه واستيعابه لأن الإسراع في الحديث يؤدي إلى خفاء معانيه، وهو معنى قول عائشة ﵂: \" لم يكن يسرد كسردكم \"، قال العيني: أي لم يكن - ﷺ - يتابع الحديث استعجالًا، لئلا يلتبس على المستمع. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nفقه أحاديث الباب: دلت هذه الأحاديث على ما يأتي: أولًا: أنها بينت لنا صفات النبي - ﷺ - البدنية والخلقية فمن هذه الصفات ما يتعلق بجسمه وصورته الظاهرة، من لون وبشرة وشعر وقامة إلى غير ذلك، وكلها قد بلغت غاية الكمال والجمال باتفاق المؤرخين والمحدثين. فقد كان - ﷺ - مربوع القامة أبيض اللون، مشربًا بحمرة، ليس بالأشقر الخالص البياض كلون الجير، ولا بأسمر اللون، ورد في بعض الروايات وصفه بالسمرة وجمع الخطابي بين حديثي السمرة والبياض بأن السمرة فيما برز للشمس من جسمه الشريف والبياض فيما تواريه الثياب، ويؤيده ما جاء في رواية ابن أبي هالة ﵁ أنه قال: \"كان","vol":"4","page":244},{"text":"أنور التجرد\" وقال ابن حجر الهيتمي: الأولى حمل السمرة على الحمرة التي تخالط البياض، والعرب تطلق على من كان كذلك أنه أسمر لأن الحمرة إذا اشتدت حكت السمرة وشابهتها، أي أنه - ﷺ - \" كان أبيض مشربًا بحمرة حتى أنه لشدة حمرته يخيّل للناظر إليه أنّه أسمر اللون \" والله أعلم. أما بقية صفاته الجسمية: فقد كان شعره - ﷺ - أسود مسترسلًا ليس بشديد النعومة كشعور الأعاجم، ولا بالشديد الخشونة كشعور الأحباش، وإنما كان مسترسلًا فيه بعض التثني والتكسر، وتلك هي سمات الشَّعرِ العربي. وكان ناعم البشرة ذكي الرائحة كما قال أنس ﵁ في وصفه: ما شممت عنبرًا قط ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله - ﷺ - وليست هذه الرائحة الشذية صادرة عن الطيب الذي يتطيب به، وإنما هي رائحته الذاتية المنبعثة من جسده الشريف - ﷺ - كما أفاده الشهاب الخفاجي. أما بقية صفاته التي لم تذكر في أحاديث الباب، أو في الأحاديث التي سقناها فهي أنه - ﷺ - كان مشرق الصورة، مستدير الوجه في إشراقة البدر واستدارة القمر، وكان كما في حديث كعب: \" إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر \" وكان كما وصفه ابن أبي هالة: \" يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر، وكان - ﷺ - واسع العينين شديد سواد الحدقة، أهدب الأجفان \" أي كثير شعر الأجفان \" أبلج الوجه \" أي مشرق الوجه بالأنوار البهيّة \" أزج الحاجبين (١)، كث اللحية. واسع الفم من غير إفراط \" والعرب تتمدح بذلك، لدلالته على الفصاحة \" يبلغ شعر رأسه شحمة أذنيه، ويتجاوزها إلى منكبيه \" قال البراء بن عازب: \" ما رأيت من ذي لمّة في حلة حمراء أحسن من رسول الله - ﷺ - \" وكان - ﷺ - واسع الصدر عريض الظهر، غليظ الكتفين، بين كتفيه خاتم النبوة وهو غدة حمراء مثل بيضة النعامة، كما كان - ﷺ - رحب الكفين، واسع القدمين \". \" وكان - ﷺ - إذا افترّ ضاحكًا افترّ عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام (٢)، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من ثناياه \" أما صفاته الخلقية\n_________\n(١) أي دقيق شعر الحاجبين.\n(٢) أي ابتسم عن أسنان تشبه البرَد المتساقط عن السحاب.","vol":"4","page":245},{"text":"فقد جمع الله فيه كل مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، إذ كان - ﷺ - المثل الأعلى في سلوكه الخلقي قولًا وفعلًا، فلا يصدر منه القول القبيح طبيعة ولا تطبعًا لأنّه - ﷺ - حليم النفس، يحافظ على مشاعر غيره، حتى لو أساء إليه فلا يواجه إنسانًا بما يكره وكان - ﷺ - مهذبًا في معاملته للناس، متواضعًا لين الجانب، رقيق المشاعر، مرهف الإِحساس، يحسن إلى الناس، ويتودد إليهم، ويعود مرضاهم، ويشيع جنائزهم، يعطي ولا يبخل بالعطاء، ولا يرد سائلًا، أما أدبه في الحديث: فقد كان بليغ المنطق، فصيح الكلام واضح البيان، إذا نطق تأنى في نطقه وأتى بكلامه بينًا مفصلًا جملة جملة، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا يفهمه السامع ويعيه وهذا من فصاحته وحرصه على إفهام الخاطب وقد نزه الله منطقه - ﷺ - عن التمتمة (١) والفأفأة (٢) والتنطع (٣) والتمطق (٤) والتفيهق (٥) وجعله جاريًا على السليقة العربية الأصيلة (٦) - لا تصنع فيه ولا تكلف. أما نسبه فهو من أشرف الأنساب، وأكرم بيوتات العرب، صانه الله من سفاح الجاهلية، ونقله من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرة جيلًا بعد جيل، فاصطفي من ولد إسماعيل كنانة، ومن كنانة قريش، ومن قريش بني هاشم فهو - ﷺ - خيار من خيار من خيار. ثانيًا: أن في هذه الأحاديث من الأحكام جواز فرق شعر الرأس وسدله إلاّ أن الفرق أفضل، لأنه آخر الأمرين من فعله - ﷺ - فهو سنة مستحبة لما في رواية ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄ قال: سدل رسول الله - ﷺ - ناصيته ما شاء الله، ثم فرق بعد ذلك، فكان الفرق\n_________\n(١) وهي رد الكلام إلى التاء والميم.\n(٢) وهي ترديد الفاء.\n(٣) وهي التعمق في إخراج الحروف.\n(٤) وهو رفع الشفتين ورفع اللسان إلى الأعلى.\n(٥) وهو ملء الفم بالألفاظ.\n(٦) \" محمد المثل الكامل \" للأستاذ محمد أحمد جاد المولى.","vol":"4","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-895>٨١٦ - \" بَابُ علامات النبوة </span>\"\n٩٥٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ: \" هَلَاكُ أُمَّتِي علي يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْش \" فَقَالَ مَرْوَانُ: غِلْمةٌ!! فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: \" إِنْ شِئْتَ أنْ أسَمِّيَهُمْ بَنِي فُلانٍ وبَنِي فُلانٍ \".\nــ\nآخر الأمرين حين أسلم غالب الوثنيين وغلبت الشقوة على اليهود، ولم ينفع فيهم الاستئلاف فخالفهم، وأمر بمخالفتهم في أمور كثيرة \" قال الزرقاني (١): \" والصحيح جواز الفرق والسدل، لكن الفرق أفضل لأنه الذي رجع إليه - ﷺ - لكن لا وجوب (٢) لأن من الصحابة من سدل بعده، فلو كان الفرق واجبًا ما سدلوا قال مالك: فرق الرأس أحب إلي. والمطابقة: في كون هذه الأحاديث مبينة لصفات النبي - ﷺ -.\n٨١٦ - \" باب علامات النبوة \"\nالعلامات جمع علامة، والعلامة والمعجزة كلاهما أمر خارق للعادة، يدل على ثبوت النبوة، وصدق الرسالة، إلاّ أن المعجزة لا تأتي إلاّ في مقام التحدي، أما العلامة فلا يشترط فيها ذلك بل هي أعم، ولما كانت الخوارق المذكورة في هذا الباب ليست كلها للتحدي عبر عنها بالعلامات حتى تشملها جميعًا لعمومها.\n٩٥٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يحدثنا عن فتية من شباب قريش يتولون أمر هذه الأمة، ويصلون إلى الملك والسلطان عنوة واقتدارًا، فيظلمون ويتجبرون، ويحاربون أصحاب رسول الله - ﷺ - ويسفكون دماءهم، ويهلكون\n_________\n(١) \" شرح الزرقاني على الموطأ \" ج ٤.\n(٢) أي لكن رجوعه - ﷺ - إلى الفرق لا يدل على وجوبه، لأن بعض الصحابة سدلوا بعد ذلك.","vol":"4","page":247},{"text":"الكثير منهم في حروبهم الدامية وقد روى أبو هريرة ﵁ هذا الحديث على مسمعٍ من مروان بن الحكم \" فقال مروان \" وكأنه لم يفهم ما عناه النبي - ﷺ - بحديثه هذا \" غلمة \" قال الكرماني: فعجب مروان من وقوع ذلك من غلمةٍ \" فقال أبو هريرة إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان \" أي إن أردت أن أذكر لك أسماءهم الصريحة وأسماء آبائهم، فعلت.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إخباره - ﷺ - عن هلاك كثير من الصحابة وآل بيته الأطهار في المعارك الدامية التي قام بها ضدهم الملوك الجبابرة من شباب قريش وعلى رأسهم يزيد بن معاوية الذي وقعت في عصره وقعة الحرّة واستباحة المدينة. ثانيًا: أن إخباره - ﷺ - عن هذه المآسي الدامية من علامات نبوته كما ترجم له البخاري، فقد أوحى تعالى بها إليه قبل وقوعها يقظة أو منامًا، وقد قتل في وقعة الحرة أكثر من سبعمائة (١) من وجوه قريش كما قتل من عامة الناس رجال ونساء أكثر من عشرة آلاف، وسبوا الذرية، واستباحوا الفروج، وأمروا بقتل كل من لم يبايع يزيدًا، ودخلت طائفة بيت أبي سعيد الخدري فأخذوا ما فيه من المتاع، ولم يتعرضوا لعلي بن الحسين، لأن يزيد أوصاهم به، وفي \" الموطأ \" لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب فيقذي على بعض سوارى المسجد - أي يبول عليها، قال القاضي عياض، هذا قد جرى فإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، وذكر الأخباريون أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة، ثم تراجعوا (٢) قال السمهودي: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأوّل وسببه كائنة (٣) الحرة، كما في حديث أبي هريرة. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \"هلاك أمتي على يدي غلمة\n_________\n(١) \" الإشاعة لأشراط الساعة \" للشريف محمد بن عبد الرسول الحسيني البرزنجي.\n(٢) \" الإشاعة لأشراط الساعة \".\n(٣) أي وسبب هذا الخراب الذي أصاب المدينة هو وقعة الحرّة.","vol":"4","page":248},{"text":"٩٥٣ - عن خَبَّابِ بْنَ الأرَت من حديثٍ طَوِيل:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِيهِ: \" وَاللهِ ليتمَّنَّ هذَا الأمْرَ حتى يَسِيرَ الرَّاكِب من صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إِلَّا اللهَ ﷿، أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ \".\n٩٥٤ - عَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ:\nأَخرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ يَوْم الْحَسنَ فَصَعِدَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ:\nــ\nمن قريش \" فإن إخباره بذلك من علامات نبوته.\n٩٥٣ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" والله ليتمن الله هذا الأمر \" المقصود بهذا الأمر الإِسلام حيث يمكنه الله في الأرض \" حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ الله والذئب \" أي والله ليكملن الله سلطان هذا الدين بنصره وإظهاره على الدين كله، وتقوية شوكته وبسط نفوذه فتطبق أحكامه، فينتشر الأمن والأمان في الأرض ببركة تطبيق الشريعة، حتى يسير الراكب هذه المسافة البعيدة الموحشة آمنًا مطمئنًا لا يخشى لصًا، ولا يخاف قاطع طريق. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: هذه البشارة العظيمة باستتباب الأمن والأمان، كنتيجة حتمية لظهور الإِسلام، والحكم بما أنزله الله، ْوقد تحقق ذلك في آخر عهد الرسول - ﷺ - وصاحبيه، ثم في بعض الدول الإسلامية التي نفّذت فيها حدود الله. ثانيًا: أن هذه البشارة من علامات نبوته - ﷺ -. والمطابقة: في قوله: \" ليتمن الله هذا الأمر \".\n٩٥٤ - معنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁ \" أخرج النبي - ﷺ - ذات يوم الحسن \" أي أخرجه معه إلى المسجد وهو غلام صغير \"فصعد","vol":"4","page":249},{"text":"\" ابْنِي هَذَا سَيّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ \".\n٩٥٥ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" هَلْ لَكُمْ مِنْ أنْمَاطٍ \" قُلْتُ: وأنَّى يَكُونُ لَنَا الأنْمَاطُ؟ قَالَ: \" أمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكُمْ الأنْمَاطُ \" فأنَا أقُولُ لَهَا يَعْنِي\nــ\nبه على المنبر\" أي على منبر مسجده الشريف \" فقال: ابني هذا سيد \" أي كريم الأصل، شريف النسب، ينتمى إلى أشرف بيت وجد على وجه الأرض.\nقال ابن تيمية: وأفضل أهل بيته عليٌ وفاطمة والحسن والحسين الذي أدار - ﷺ - عليهم الكساء، وخصهم بالدعاء (١) \" ولعل الله أن يصلح به بين فئتين \" أي طائفتين متخاصمتين \" من المسلمين \" فيجمع الله به بين الطائفتين خاصة، ويلتئم بذلك شمل المسلمين عامة.\nفقه الحديث: لا شك أن في هذا الحديث الشريف علامة من علامات نبوته - ﷺ - حيث أخبر فيه - ﷺ - على ما يقوم به هذا السيد الكريم، الحسن بن علي ﵄ من جمع كلمة المسلمين، والإِصلاح بينهم، ورفع النزاع بين الطائفتين بتنازله عن الخلافة لمعاوية، مما أدى إلى التئام الشمل، وحقن الدماء. والمطابقة: كما قال العيني من حيث إنه أخبر بأن الحسن ﵁ يصلح الله به بين الفئتين من المسلمين، وقد وقع مثل ما أخبر، فإنه ترك الخلافة لمعاوية، وارتفع النزاع بين الطائفتين. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجه.\n٩٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال لهم يومًا: \" هل لكم من أنماط \" (٢) أي هل يوجد لديكم في منزلكم هذا الذي\n_________\n(١) \" التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية \".\n(٢) جمع نمط بفتحات، وهو بساط له خمل كما أفاده العيني أي أنه عبارة عن السجاد الفاخر.","vol":"4","page":250},{"text":"امرأتَهُ: أخِّرِي عَنَّا أنمَاطَكِ، فَتَقُولُ: ألَمْ يَقُلْ النَّبِي - ﷺ -: \" إِنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ الأنْمَاطُ \" فَأدَعُهَا.\n٩٥٦ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"رَأيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ في صَعِيدٍ، فَقَامَ\nــ\nسكنتموه بعد زواجكم شيء من الأنماط أي البسط الفخمة، وهل أثثتموه بالفرش الفاخرة وهو - ﷺ - يعلم أنه لا يوجد لديه شيء من ذلك، وإنما أراد بسؤاله هذّا أن يمهد لما سيخبرهم به من الأمور التي تقع في المستقبل قال ﵁: \" قلت: وأنى يكون لنا الأنماط؟ \" أي من أين يكون لنا الأنماط وهي بعيدة عنا كل البعد؟ فكيف نقتنيها ونحن لا نملك من النقود ما نشتري به الطعام فضلًا عن أن نشتريها \" قال \": الصادق المصدوق: \" أما إنه سيكون لكم الأنماط \" أي لا تستبعد ما سألتك عنه، فعن قريب من الزمن تمتلكون الفرش الفاخرة، وتزينون بها قصوركم، حيث تكثر الفتوحات والغنائم، قال جابر: \" فأنا أقول لها: أميطي عني أنماطك \" أي أبعديها عني \" فتقول: ألم يقل النبي - ﷺ -: إنها ستكون لكم الأنماط \" فأدعها لأنها من النعم واللذات المباحة التي أخبرنا عنها - ﷺ -. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nفقه الحديث: في الحديث علامة من علامات النبوة حيث أخبر - ﷺ - عن اقتناء أصحابه لهذه البسط الغالية في المستقبل. والمطابقة: في قوله: \" أما إنه ستكون لكم الأنماط \".\n٩٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا النبي - ﷺ - في هذا الحديث عن رؤيا رآها في منامه تتعلق بالصاحبين أبي بكر وعمر ﵄، ورؤياه - ﷺ - كلها حق، يقول - ﷺ - في حديثه عن هذه الرؤيا: \" رأيت الناس \" في منامي","vol":"4","page":251},{"text":"أبو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أو ذَنُوبَيْنِ، وَفِى بَعْض نَزْعِهِ ضَعْفٌ، واللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثم أخَذَهَا عُمَرُ، فاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا، فلم أر عَبْقَرِيًَّا في النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حتى ضَرَبَ النَّاسُ بعَطنِ\".\nــ\n\" مجتمعين في صعيد واحد \" أي في أرض واسعة \" فقام أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين \" أي فلما اجتمعوا واحتاجوا إلى الماء، قام أبو بكر ليخرجه لهم، فأخرج دلوًا أو دلوين، وفي رواية: \" رأيتني على قليب \" أي على بئر، فنزعت منها ما شاء الله إذ جاء أبو بكر وعمر، فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني، فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، الخ الحديث \" وفي نزعه ضعف \" يعني فكان الماء الذي أخرجه الصديق قليلًا، وهو إشارة إلى قصر مدته وعدم تفرغه لفتح الأمصار بسبب اشتغاله بقتال أهل الردة \" يغفر الله له \" وليس معناه أن الصديق ارتكب ذنبًا، ولكنها كلمة شائعة في استعمالات العرب يرون (١) في بعض الكلام لزومها، ولا يرون ملزومها، ويأتون بها إجلالًا للمخاطب، وإكرامًا لحرمته، كقولك: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ومنه قوله تعالى لنبيه - ﷺ -: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) قال: \" ثم أخذها عمر فاستحالت بيده غربًا \" أي ثم أخذ عمر ذلك الدلو فانقلبت في يده دلوًا عظيمة وفي هذا إشارة إلى طول مدة خلافته، وكثرة فتوحاته، لأن الذنوب التي استحالت غربًا هي كناية عن خلافته كما أفاده العيني \" فلم أر عبقريًا في الناس يفري فريه \" قال العيني: العبقري الحاذق (٢) في عمله، وهذا عبقري في قومه أي سيدهم والمعنى: فلم أر في الناس سيدًا عظيمًا، ورجلًا قويًا وإنسانًا حاذقًا يعمل عمله \" حتى ضرب الناس بعطن \" بفتح العين والطاء وهو مبرك الإِبل حول الماء، أي ما زال يخرج للناس الماء حتى\n_________\n(١) \" هداية الباري \" للطهطاوى ج ١.\n(٢) شرح العيني ج ١٦.","vol":"4","page":252},{"text":"نصب الناس خيامهم، وأقاموا إبلهم حول الماء، قال ابن الانباري (١): وقد ضرب النبي - ﷺ - ذلك مثلًا (٢) لاتساع الناس زمن الفاروق، وما فتح عليهم من الأمصار والغنائم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الصديق ﵁، وقيامه بالخلافة على الوجه الأكمل، لقوله - ﷺ - فقام أبو بكر فنزع، ويؤكد ذلك ما جاء في الرواية الأخرى حيث قال: \" فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني \" فإن ذلك يدل على أن سياسته الرشيدة كانت مرضية مريحة، وكذلك قوله - ﷺ -: \" فنزع ذنوبًا \" فإنه يدل على أنه ﵁ قام بخدمة هذه الأمة، وهيأ لها كل مقومات الحياة التي تتعلق بالدين والدنيا معًا، لأن الماء هو العنصر الأساسي للحياة. ثانيًا: أن مدة خلافة الصديق ﵁ قصيرة، كما يشير إليه قوله - ﷺ -: \" فنزع ذنوبًا أو ذنوبين \" وأن مدة الفاروق طويلة بعض الشيء، كما يشير إليه قوله - ﷺ -: \" فاستحالت بيده غربًا \". ثالثًا: عبقرية الفاروق ﵁ وتفوقه على غيره، وقدرته على الأعمال العظيمة التي يعجز عنها سواه، كما قال - ﷺ -: \" فلم أر عبقريًا يفري فريه \". رابعًا: أن إخباره - ﷺ - عن حال الخليفتين من بعده علامة من علامات نبوته وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في إخباره - ﷺ - عن هذه الغيبيات التي وقعت بعده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\n...\n_________\n(١) أيضًا شرح العيني ج ١٦.\n(٢) \" هداية الباري \" للطهطاوي ج ١.","vol":"4","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-896>٨١٧ - \" بَابُ سؤَالِ الْمُشركِينَ أن يُرِيَهُمُ النبي - ﷺ - آيَةً فأرَاهُمْ انشِقَاقَ الْقَمَرِ </span>\"\n٩٥٧ - عن عبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nانْشَقَّ الْقَمَرُ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شِقَّتَيْنِ فَقَالَ النبي - ﷺ -: \" اشْهَدُوا \".\nــ\n٨١٧ - \" باب سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر \"\n٩٥٧ - معنى الحديث: أن القمر انشق في زمنه - ﷺ -، فكان نصفين، نصفًا من وراء حراء، ونصفًا أمامه، ليكون معجزة له - ﷺ - على صدق نبوته، لأن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - كما في حديث أنس أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر، أخرجه البخاري، فلما وقع ذلك \" قال النبي - ﷺ -: اشهدوا \" أي انظروا ماذا حدث، لأنها معجزة عظيمة (١) لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من أعظم المعجزات المادية الكونية التي وقعت للنبي - ﷺ - هي معجزة انشقاق القمر التي حدثت للنبي - ﷺ - بمكة قبل الهجرة، والتي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) وسببها أن كفار قريش سألوا النبي - ﷺ - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر كما قال البخاري فلما حدث ذلك قالوا: هذا سحر ابن أبي كبشة، فانظروا ما يأتيكم السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإلّا فهو سحر،\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني على البخاري \".","vol":"4","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>٨١٨ - \" بَاب </span>\"\n٩٥٨ - عن عُرْوَةَ الْبَارِقي ﵁:\n\" أنَّ النبي - ﷺ - أعْطَاهُ دِينارًا يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، فاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَين، فباعَ إِحْدَاهُمَا بدِينَار، وجاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ في بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى الترابَ لَرَبِحَ فِيهِ \".\nــ\nفقدم السفار، فسألوهم، فقالوا: رأيناه قد انشق. أخرجه البيهقي. والمطابقة: في قوله: \" انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - \" لأن هذا من علامات النبوة.\n٨١٨ - \" باب \" (١)\n٩٥٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - رأى جلبًا من الغنم كما في الرواية الأخرى، فأعطى عروة البارقي دينارًا وقال: \" ائت لنا الجلب، فاشتر لنا شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة \" يعني فكسب النبي - ﷺ - دينارًا \" فدعا له بالبركة بيعه \" فقال: \" اللهم بارك له في صفقة يمينه \"، كما في رواية أخرى \" فكان لو اشترى التراب لربح فيه \" ببركة دعاء النبي - ﷺ - له.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: معجزة النبي - ﷺ - الظاهرة التي تتجلى في استجابة دعائه - ﷺ - لهذا الصحابي الجليل الذي أصبح محظوظًا في التجارة بفضل هذا الدعاء النبوي المبارك، حتى أنه قال: \" لقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي. ثانيًا: جواز بيع الفضولي، لأن عروة كان وكيلًا في الشراء لا في البيع. وهو مذهب أبي حنيفة\n_________\n(١) هذا الباب ملحق بباب علامات النبوة.","vol":"4","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-898>٨١٩ - \" بَاب في فضائِلِ أصحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\nــ\nومالك وإسحاق والشافعي في قول. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" فكان لو اشترى التراب لربح فيه \".\n٨١٩ - \" باب في فضائل أصحاب النبي - ﷺ - \" والفضائل كما قال العيني (١) هي الخصال الحميدة، والخلال الرضية التي ينال بها صاحبها شرفًا ورفعة، وعلو منزلة عند الله، أو عند الخلق، والعبرة في نظر الشرع بالأولى، فإذا قيل في لسان الشرع: هذا رجل فاضل، فمعناه أنّ له منزلة عند الله تعالى، وكل ما ذكره البخاري في هذا الباب من هذا النوع.\nوالصحابي: كما عرفه البخاري: من صحب النبي - ﷺ - أو رآه من المسلمين وقول البخاري: (من المسلمين) هذا قيد يخرج به من صحب النبي - ﷺ - أو رآه من غير المسلمين ولو أسلم على المعتمد بعد موته. وزاد بعض أهل العلم قيدًا آخر، وهو \" ومات على ذلك \" ليخرج المرتدون، فإنهم ليسوا أصحابه، والله أعلم. وفضائل الصحابة على نوعين: (أ) فضائل عامة تشملهم جميعًا، مثل امتيازهم بعد الأنبياء بالفضل على سائر الخلق كما قال - ﷺ -: \" لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدكم ولا نصيفه \" (ب) وفضائل خاصة ينفرد فيها بعضهم بصفة من الصفات الكريمة من فقه أو أمانة أو زهد أو كثرة رواية، كما لقب أبو عبيدة بأمين الأمة، أما ترتيب الصحابة ﵃ في الفضل، فقد قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن فضل الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور. قال ابن تيميّة: وأهل السنة يقرّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمّة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلّثون بعثمان، ويربعون بعلي\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ١٦.","vol":"4","page":256},{"text":"٩٥٩ - عن عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعود ﵁:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" خَيْرُ النَّاس قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ، ثم يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أحَدِهم يَمِينَهُ، وَيَمِينَهُ شَهَادَتَهُ \".\nــ\n﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة قد اختلفوا في عثمان وعلي (١) ﵄ \". اهـ. فروي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه على خلافه، وقال مالك في \" المدونة \": لا يفضل (٢) أحدهما على الآخر، والذي عليه جمهور أهل السنة تقديم عثمان على علي ﵄، وفي سنن أبي داود عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله - ﷺ - حي: أفضل أمة النبي - ﷺ - بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وفي رواية - للطبراني: \" يسمع ذلك النبي - ﷺ - فلا ينكره \" قال في \" الطحاوية \": وحبهم دين، إيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. اهـ.\n٩٥٩ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" خير الناس قرني \" أي أن جيل النبي - ﷺ - وأهل زمانه من الصحابة الأبرار هم أفضل الأجيال، وخير الناس على الإِطلاق بعد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ثم يليهم في الفضل الذين أدركوا أصحاب رسول الله - ﷺ - من المسلمين، ثم يليهم في الفضل أتباع التابعين. قال - ﷺ -: \" ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته \" أي يحرصون على الشهادة ويروجونها بالأيمان الكاذبة فتارة يحلفون (٣)\n_________\n(١) \" العقيدة الواسطية \".\n(٢) \" التنبيهات السنية شرح العقيدة الواسطية \" للشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد.\n(٣) \" هداية الباري \" ج ١.","vol":"4","page":257},{"text":"قبل أداء الشهادة، وتارة يشهدون ثم يحلفون لعدم مبالاتهم بالدين، الحديث أخرجه البخاري ومسلم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال الحافظ: استدل بهذا الحديث على تعديل أهل القرون: الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية، فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذمومة، لكن بقلة. وقال القسطلاني: هذا صريح في أن الصحابة أفضل من التابعين، وأن التابعين أفضل من تابعي التابعين، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وقد روى أبو أمامة أنه - ﷺ - قال: \" طوبى لمن رآني وآمن بي مرة، وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي \" قال القسطلاني: والحق ما عليه الجمهور، لأن الصحبة لا يعدلها شيء. ثانيًا: استدل به بعض أهل العلم على أن من الصفات الذميمة المبادرة إلى الشهادة وترويجها بالأيمان دون حاجة أو ضرورة وفي رواية أخرى للبخاري قال فيها \" ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون \" قال النووي: وهذا مخالف في الظاهر للحديث الآخر، \" خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل \" والجمع بينهما إما بأن يحمل الذم على من بادر بالشهادة في حق من هو عالم بها قبل أن - يسألها صاحبها، ويكون المدح في قوله - ﷺ -: \" خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل \" لمن كانت عنده شهادة لأحد لا يعلم بها، فيخبره ليستشهد به عند القاضي، وهو قول الجمهور، أو يحمل الذم على الشهادة الباطلة التي هي شهادة الزور، أما المبادرة إلى الشهادة الصحيحة من أجل إظهار الحق، وإعانة المظلوم، ودفع الظلم عنه، فإنها عمل صالح يؤجر ويثاب عليه صاحبه، والأحاديث يفسّر بعضها بعضًا، ولهذا قال الصنعاني في حديث عمران ابن حصين الذي جاء فيه: \" ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون \" إما أنه محمول على شهادة الزور حكاه","vol":"4","page":258},{"text":"الترمذي عن بعض أهل العلم، أو المراد إتيانهم بالشهادة بلفظ الحلف نحو أشهد بالله ما كان إلاّ كذا، وهذا جواب الطحاوي. أو المراد به الشهادة بما سيكون من الأمور المستقبلة، فيشهد على قوم بأنهم من أهل الجنة من غير دليل، حكاه الخطابي، قال الصنعاني: والأول أحسنها. والمطابقة: في قوله: \" خير القرون قرني \".\n***","vol":"4","page":259},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-899> مَنَاقِبُ الْمُهَاجِرِينَ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>٨٢٠ - \" بَابُ فضلِ أبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\n٩٦٠ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" كُنَّا نُخَير بَيْنَ النَّاس في زَمَانَ رَسُولَ اللهَ - ﷺ -، فَنُخَير أبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ﵃ \".\nــ\n٨٢٠ - \" باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ - \"\n٩٦٠ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" كنا نخير بين الناس في زمن النبي - ﷺ - \" أي كنا نفضل بعض الصحابة على بعض في زمن النبي - ﷺ -، فنقول: فلان خيرٌ من فلان \" فنخيِّرُ أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان \" أي فنقول: أفضل الناس بعد النبي - ﷺ - أبو بكر، ويليه عمر، ويليه عثمان، وفي رواية: فيسمع رسول الله - ﷺ - ولا ينكره. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل أبي بكر الصديق على جميع الخلفاء، وعلى جميع الصحابة، بل على البشر جميعًا بعد الأنبياء، وهذا هو مذهب أهل السنة لقول ابن عمر: \" فنخيّر أبا بكر ثم عمر \" والنبي - ﷺ - يسمع ذلك فيقره، ولا ينكره، وإقراره - ﷺ - حجة شرعية، لأنه نوع من أنواع حديثه - ﷺ - وسننه، وعن ابن عمر ﵄، قال: \" كنا في زمن النبي - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدًا \" وعنه ﵁ أنه قال: \" أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله - ﷺ - أخرجه الترمذي قال أبو منصور البغدادي (١) من أكابر أئمة الشافعية: أجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة أبو\n_________\n(١) \" شرح الفقه الأكبر \" لملا على القاري.","vol":"4","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-901>٨٢١ - \" بَاب مَنَاقِبِ عمَرَ بْنِ الْخطَّابِ أبي حَفْصٍ القرَشِيِّ العَدَوَيِّ </span>(١) \"\n٩٦١ - عن أبي هرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ من بَنِي إسْرَائِيلَ رِجَال يكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أن يَكونوا أنبِيَاءَ فَإِنْ يَكنْ من أمَّتِي مِنْهمْ أحَد فَعمَر \".\nــ\nبكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر، فيأتي أهل أحد، فيأتي أهل بيعة الرضوان بالحديبية، فيأتي بقية الصحابة ﵃. وقال القاري (٢): ولعله أراد بالإجماع إجماع أكثر أهل السنة والجماعة، لأن الاختلاف واقع بين علي وعثمان ﵃ عند بعض أهل السنة، والمطابقة: في قول ابن عمر ﵄: \" فنخير أبا بكر \".\n٨٢١ - \" باب مناقب عمر بن الحطاب أبي حفص القرشي \"\n٩٦١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لقد كان فيمن قبلكم من بني اسرائيل رجال يكلمون \"، أي قد وجد في الأمم السابقة رجال ملهمون تلقى في قلوبهم العلوم والمعارف الربانية، وتتكلم الملائكة على ألسنتهم بالحق والصواب، \" من غير أن يكونوا أنبياء \" أي مع كونهم ليسوا بأنبياء \" فإن بك من أمتي أحد منهم فعمر \" أى فإن عمر ﵁ هو من هؤلاء المكلمين الذين يلهمون الحق والصواب وتتكلم الملائكة على ألسنتهم، فقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري أنه قيل: يا رسول الله وكيف يحدث؟ قال: تتكلم الملائكة على لسانه، ومعنى ذلك أن تكلمه الملائكة في نفسه وإن لم ير مكلمًا في الحقيقة فيرجع إلى الإِلهام \" الصادق \"، كما أفاده الحافظ. والنبي - ﷺ - لم يقصد\n_________\n(١) سبقت ترجمته ﵁.\n(٢) أيضًا \" شرح الفقه الأكبر \".","vol":"4","page":261},{"text":"بقوله: \" فإن يك من أمتي أحد منهم فعمر \" الشك والتردد في وجودهم، كما قال الحافظ (١): فإن أمته أفضل الأمم وإذا وجد ذلك في غيرهم من الأمم المفضولة، فوجوده فيهم وهم خير الأمم أولى وأحرى، وإنما أورد هذه الجملة مورد التأكيد لا الترديد كما يقول الرجل إن يكن في صديق فإنه فلان، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الصداقة. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل عمر بن الخطاب ﵁، وكونه من أول الملهمين في هذه الأمة المحمدية كما قال - ﷺ - في حديث الباب: \" فإن يك من أمتي أحد منهم فعمر \" لأن الله ألهم قلبه الصواب، وأجراه على لسانه، كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إنَّ الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه \" أخرجه الترمذي وصححه، وكذلك رواه أحمد، ويؤيده ما جاء في الحديث عن عقبة بن عامر قال: قال النبي - ﷺ -: \" لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب \" أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب ورواه أيضًا أحمد في \" مسنده \" والحاكم في \" مستدركه \" والطبراني. ثانيًا: أن الإِلهام موجود في البشر عامة، وفي هذه الأمة خاصة، قال الحافظ: إذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى. اهـ. ولا يختص الإِلهام بالأنبياء بل يكون لغيرهم، ولكن هناك فرق بين الأنبياء وغيرهم لأن إلهام الأنبياء وحي وتشريع إلهي، وحجة يستند إليها في الأحكام بخلاف إلهام غيرهم. والمطابقة: في قوله: \" فإن يك من أمتي أحد منهم فعمر \".\n...\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٧.","vol":"4","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-902>٨٢٢ - \" بَابُ مَنَاقِبِ عُثمَانَ ﵁ </span>\"\n٩٦٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّهُ جَاءَهُ رَجُل مِنْ أهْلِ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ \" تَعْلَمُ أنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللهُ أكبَرُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنُ لَكَ، أمَّا فِرَارَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فأشْهَدُ أنَّ اللهَ عَفَا عَنْهُ، وَغَفَرَ لَهُ، وأمَّا تَغَيبهُ عَنْ بَدْرٍ، فَإنهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ\nــ\n٨٢٢ - \" باب مناقب عثمان ﵁ \"\n٩٦٢ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر \" أنه جاءه رجل من أهل مصر \" المتعصبين ضد عثمان ﵁ وهو يزيد بن بشر جاء حاجًا، والتقى بعبد الله بن عمر ﵄، \" فقال: هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد \" أي فر من القتال في غزوة أحد، والفرار كبيرة من الكبائر \" قال: نعم \" فعل ذلك \" قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد \" أي ولم يحضرها ففاتته تلك الغزوة الكبرى \" قال: نعم \" حدث ذلك \" قال: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم \" وقع ذلك منه. وعند ذلك \" قال \" السائل: \" الله أكبر \" أي كبَّر فرحًا وسرورًا بهذا الجواب الذي ظفر به، لأنه ظن أنه أقام الحجة البالغة، والدليل القاطع على نقص عثمان وسوء عمله \" قال ابن عمر: تعال أبين لك \" أي: ليس في شيء مما ذكرت دليل واحدٌ على سوء عمل عثمان ولكن تعال أفسر لك هذه الأمور تفسيرًا صحيحًا \" أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له \" وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) فلا وجه للطعن فيه بعد عفو الله تعالى","vol":"4","page":263},{"text":"رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ لَكَ أجْرَ رَجُل مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ، وأمَّا تَغَيبهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلْو كَانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَان إلى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عثمانَ، فَضَرَب بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَاَنَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ \".\nــ\nعنه \" وأما تغيبه عن بدر، فإنه كانت تحته بنت رسول الله وكانت مريضة \" أي فإن عذره في تغيبه عن بدر أن زوجته رقية بنت رسول الله - ﷺ - كانت مريضة أثناء ذلك، \" فقال له رسول الله - ﷺ -: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه \" أي فأمره - ﷺ - أن يبقى معها في المدينة ليقوم بتمريضها، وقال له: إن الله سيكتب لك أجر من شهد هذه الغزوة، وأسهم - ﷺ - له بسهم من الغنيمة، ففاز بأجرها وغنيمتها ثم قال: \" أما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله - ﷺ - عثمان \" لمكانته فيهم \" فقال رسول الله: بيده اليمنى هذه يد عثمان \" أي فأشار - ﷺ - إلى يده اليمنى وقال: هذه يد عثمان \" فضرب بها على يده \" اليسرى \" فقال: هذه \" البيعة \" لعثمان \" فبايع عنه - ﷺ - وهو غائب، وهذا أشرف فضيلة له \" اذهب بها الآن معك \" أي اذهب بهذه الأجوبة الصحيحة إلى قومك لتكشف لهم عن شبهاتهم الباطلة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل عثمان ﵁ الذي يتجلى واضحًا في مبايعة النبي - ﷺ - عنه وهو غائب في بيعة الرضوان، وهذا يدل على عظيم منزلته عنده، وثقته به - ﷺ -، ثانيًا: بيان عذر عثمان في الأمور الثلاثة، أما الفرار فبالعفو، وأما التخلف فبالأمر وأما البيعة","vol":"4","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-903>٨٢٣ - \" بَابُ مَنَاقِبِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ ﵁ </span>\"\n٩٦٣ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ - لِعَلِيٍّ: \" أما تَرْضَى أن تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى \".\nــ\nفبإرساله سفيرًا إلى أهل مكة. الحديث: أخرجه البخاري والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" فقال رسول الله بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان \".\n٨٢٣ - \" باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ \"\n٩٦٣ - معنى الحديث: أنّ النبي - ﷺ - لما خرج إلى تبوك خلّف عليًا على أهله، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالًا له، فأخذ عليّ سلاحه، وخرج حتى أَتى النبي - ﷺ - بالجرف فقال: يا رسول الله زعم المنافقون كذا وكذا، فقال: كذبوا إنما خلفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلفني في أهلي \" \" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى \" أي ألا يرضيك أن أجعلك بمنزلة هارون حيث كان يستخلفه موسى، ويجعله نائبًا عنه على أهله وقومه إذا ذهب إلى مناجاة ربه، لما بينهما من القربى والمناصرة، فكذلك أنت.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الإمام علي ﵁، ومكانته العالية عند رسول الله - ﷺ حيث جعله النبي - ﷺ - بمنزلة هارون من موسى، وشبهه به في القربى والمناصرة وعلو المرتبة في الدار الآخرة، ويوضح ذلك حديث البراء عن النبي - ﷺ - أنّه قال لعلي ﵁: \" أنت مني وأنا منك \" أخرجه البخاري. ثانيًا: أن هذا الحديث قد تعلقت به الشيعة في أن الخلافة كانت حقًا لعلي أوصى بها إليه في قوله: \" أنت مني بمنزلة هارون من موسى \" وليس في الحديث أي دلالة على استخلاف علي بعده، لأن المشبه به","vol":"4","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>٨٢٤ - \" بَابُ مَنَاقِبِ جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالِبٍ </span>\"\n٩٦٤ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلى ابْنِ جَعْفَرَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنَ.\nــ\nوهو هارون لم يخلف موسى بعد وفاته، حيث توفي قبله بأربعين سنة، فأين الدليل على خلافة علي إذن (١)؟. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" أما ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى \".\n٨٢٤ - \" باب مناقب جعفر بن أبي طالب \"\n٩٦٤ - معنى الحديث: أن جعفر بن أبي طالب ﵁ كان قد قطّعت يداه في غزوة مؤتة فعوضه الله عنهما بجناحين يطير بهما بين الملائكة، فكان ابن عمر ﵄: \" إذا سلم على ابن جعفر \" أي على عبد الله ابن جعفر \" قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين \" أي يمدحه ويثني عليه بذلك لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفرًا يطيرُ مع الملائكة \". الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل جعفر بن أبي طالب ﵁ حيث لقب بذي الجناحين، لأن الله عوضه عن يديه اللتين فقدهما في مؤتة بجناحين يطير بهما في الجنة، وفي الملأ الأعلى، قال عياض: ولذلك سمى طيّارًا! \". والمطابقة: في قوله: \" يا ابن ذي الجناحين \".\n_________\n(١) انظر \" مؤتمر النجف \" للعلامة السويدي المطبوع في المطبعة السلفية بعناية محب الدين الخطب. اهـ حسن السماحي.","vol":"4","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-905>٨٢٥ - \" بَابُ مَنَاقِب أبي عُبَيدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ </span>\"\n٩٦٥ - عَنْ أنَسِ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ لِكُلِّ أمَّةٍ أمِينًا، وإِنَّ أمِيْنَنَا أيَّتُهَا الأمَّةُ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ \".\nــ\n٨٢٥ - \" باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ \"\n٩٦٥ - معنى الحديث: أن في كل أمة من الأمم رجل أمين اشتهر بالأمانة أكثر من غيره، وأشهر هذه الأمة بالأمانة أبو عبيدة عامر بن الجراح، فإنه وإن كانت الأمانة صفة مشتركة بينه وبين (١) الصحابة عليهم الرضوان، لكن سياق الحديث يشعر بأنه يزيد عليهم في ذلك، قال القاضي عياض: قوله: \" وإن أميننا أيتها الأمة \" هو بالرفع على النداء، والأفصح أن يكون منصوبًا على الاختصاص وعلى الرفع فالمراد الاختصاص، وإن كانت صورته صورة النداء، أي أخص هذه الأمة بأن أمينها أبو عبيدة. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل أبي عبيدة، وتفوقه على غيره بقدر زائد من الأمانة، لأنه - ﷺ - لقبه بهذا اللقب العظيم، وخصه به دون غيره، ولا يلزم من وجود فضيلة في شخص عدم وجودها في شخص آخر، ولكن النبي - ﷺ - كما قال العيني: خص كل واحد من كبار الصحابة بفضيلة وصفة كما روى عن أنس أن رسول الله - ﷺ -: قال: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين\n_________\n(١) \" هداية الباري \" ج ٢.","vol":"4","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>٨٢٦ - \" بَابُ مَنَاقِبِ الْحَسَنِ والْحُسَيْنِ ﵄ </span>\"\n٩٦٦ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\" لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أشْبَهَ بالنَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ \".\n٩٦٧ - عن ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nوسَألهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الذُّبَابَ؟ فَقَالَ: أهْلُ الْعِرَاقِ يَسْألونَ عن الذُّبَابِ، وقَدْ قَتَلُوا ابْنَ ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وقَالَ النبي - ﷺ -: \" هُمَا رِيحَانَتَايَ مِنَ الدُّنيا \".\nــ\nوأمين هذه الأمة أبو عبيدة\". والمطابقة: في قوله: \" وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة \".\n٨٢٦ - \" باب مناقب الحسن والحسين ﵄ \"\n٩٦٦ - معنى الحديث: أن أشبه الناس جميعًا بالنبي - ﷺ - أو أشبه أقاربه به - ﷺ - حفيده الحسن بن علي ﵁، وعن علي ﵁ أنه قال: الحسن أشبه رسول الله - ﷺ - فيما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه النبي - ﷺ - فيما كان من أسفل من ذلك. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي.\n٩٦٧ - معنى الحديث: أن رجلًا من أهل العراق سأل ابن عمر ﵄: هل يجوز للرجل إذا كان محرمًا أن يقتل الذباب أم لا؟ فقال متعجبًا مستغربًا من اهتمام أمثال هذا الرجل بتوافه الأمور، مع جرأتهم على ارتكاب الكبائر، فقال: \" يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول الله - ﷺ - \" أي يرتكبون الموبقات ويجرؤون على قتل حفيد رسول الله - ﷺ -، ثم بعد ذلك","vol":"4","page":268},{"text":"يظهرون كمال التقوى والورع في نسكهم، فيسألون عن قتل الذباب، ثم قال \" قال النبي - ﷺ -: هما ريحانتاي من الدنيا \" قال القاري: الأولاد يشمون ويقبلون، فكأنهما من جملة الرياحين، وكل نبت طيب الريح من المشموم فهو ريحان، وبه سمي الولد كما في \" النهاية \". الحديث: أخرجه البخاري والترمذي.\nفقه الحديثين: دل هذان الحديثان على ما يأتي: أولًا: أن من فضائل الحسن ﵁ مشابهته للنبي - ﷺ - في الجزء الأعلى من جسده الشريف، كما أن الحسين كان يشبهه في الجزء الأسفل من جسده. قال الحافظ: الذين كانوا يشبهون النبي - ﷺ - غير الحسن والحسين \"، هم جعفر بن أبي طالب، وابنه عبد الله، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والذين كانوا يشبهونه من غير بني هاشم السائب بن يزيد الجد الأعلى للإِمام الشافعي، وعبد الله بن عامر العبشمي وغيره. ثانيًا: أن من فضائل الحسن والحسين شدة محبته - ﷺ - لهما، وتعلقه بهما، حتى أنه قد قال فيهما: \" هما ريحانتاي \" لما يجده من الراحة النفسية في تقبيلهما وضمهمها إلى صدره، وشمهما كما يجد الإِنسان راحته عند شم الزهور والرياحين، لأنهما بمثابة أولاده، والولد الصالح ريحانة من رياحين الجنة، وعن أنس ﵁ \" أن النبي - ﷺ -: كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إليه \" أخرجه الترمذي. والمطابقة: في الحديث الأول في قول أنس ﵁: \" لم يكن أحدٌ أشبه بالنبي - ﷺ - من الحسن ابن علي ﵄. وفي الحديث الثاني في قوله - ﷺ -: عن الحسن والحسين ﵄: \"هما ريحانتاي \" من الدنيا.\n***","vol":"4","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-907>٨٢٧ - \" بَاب مَنَاقِبِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ﵁ </span>\"\n٩٦٨ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\nأنَّ النبي - ﷺ - نَعَى زَيْدًا وجَعْفَرًا وابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أنْ يَأتِيَهمْ خَبَرهمْ، فَقَالَ: \" أخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأصِيبَ، ثم أخَذَ جَعْفَر فَأصِيبَ، ثُمَّ أخَذَ ابْن رَوَاحَةَ فَأصِيبَ، وَعَيْنَاه تَذْرِفَانِ حتَّى أخَذَهَا سيف مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فتح الله عَلَيْهِمْ \".\nــ\n٨٢٧ - \" باب مناقب خالد بن الوليد \"\n٩٦٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان قد أرسل سرية في جمادى الأولى سنة ثمان لغزوة مؤتة - موضع بالبلقاء من أطراف الشام، وأمر عليها زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد الله بن رواحة، فقتل هؤلاء الثلاثة على الترتيب المذكور، فنعاهم النبي - ﷺ - على منبر المدينة قبل أن يؤتى الرسول بخبرهم، وكانت عيناه آنذاك تسيلان بالدموع ثم قال: \" حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه \" أي حتى لم يبق من هؤلاء الثلاثة أحد فقاد الجيش خالد بن الوليد من غير تأمير له، لكنه رأى المصلحة في ذلك لكثرة العدو، فرضي - ﷺ - بما فعل وأثنى عليه، وبين أنه \" سيف من سيوف الله \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على هذه المنقبة العظيمة التي اختص بها خالد ﵁، حيث لقبه النبي - ﷺ - بسيف الله، ومعنى كونه سيفًا من سيوف الله، أنه القائد المظفر الذي يحالفه النصر دائمًا، لأنه يقع كالسيف على رؤوس الأعداء. والمطابقة: في قوله: \" سيف من سيوف الله \" الحديث: أخرجه البخاري والنسائي.","vol":"4","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-908>٨٢٨ - \" بَاب مَنْقَبَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِي - ﷺ - ﵍ </span>\"\n٩٦٩ - عن المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁:\nأنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" فَاطِمَة بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَنْ أغْضَبَهَا أغْضَبَنِي \".\nــ\n٨٢٨ - \" باب منقبة فاطمة بنت النبي - ﷺ - ﵍ \"\n٩٦٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يحدثنا في هذا الحديث عن شدة محبته \" لفاطمة \" ﵂، ومكانتها من نفسه فيقول: \" فاطمة بضعة مني \" أي جزء مني، وقطعة من كبدي فهي مهجة القلب، وثمرة الفؤاد، وذلك أمر طبيعي يشعر به كل إنسان نحو أولاده، و\" من \" الاتصالية في قوله: \" مني \" تفيد اتصال مشاعره بمشاعرها، وأحاسيسه بأحاسيسها، ولهذا قال: \" فمن أغضبها أغضبني \" وذلك لما بينهما من تجاوب نفسي، ومشاركة وجدانية في الانفعالات والمشاعر. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل السيدة فاطمة ﵂، ومكانتها عند النبي - ﷺ -، لكونها بضعة منه، ولشدة تعلقه بها نفسيًا، ومشاركته لها وجدانيًا وعاطفيًا، وهذه منقبة عظيمة لها، وفضيلة ومزية لها على غيرها كما ترجم له البخاري، ولهذا قال مالك ﵀: لا أفضّل أحدًا على بضعة رسول الله - ﷺ -. ثانيًا: أن أولاد السيدة فاطمة بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة من النبي - ﷺ - كما أفاده السمهودي: قال الحافظ: فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء فتأذت به فالنبي - ﷺ - يتأذى به بشهادة هذا الخبر، ولا شيء أعظم من إدخال الأذى عليها من قبل ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد، ومصداق ذلك ما وقع لابن زياد قاتل الحسين، فقد روى الترمذي وقال حديث","vol":"4","page":271},{"text":"حسن صحيح أن رأس عبيد الله بن زياد لما قتل إذا حية عظيمة قد جاءت، تتخلل الرؤوس حتى جاءت ابن زياد فجعلت تدخل في منخريه، فمكثت هنيهة، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا قد جاءت قد جاءت، فعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. ثالثًا: استدل به بعض أهل العلم على أن فاطمة أفضل، ثم خديجة ثم عائشة لقوله - ﷺ -: \" فاطمة بضعة مني \" قال مالك: لا أفضل أحدًا على بضعة رسول الله - ﷺ -. قال الحافظ: فأفضلهن فاطمة فخديجة فعائشة، وظاهر الأحاديث أفضليتها على أخواتها، لكونه خصها بالبضعة منه دونهن لتجرعها ألم فقده دونهن لموتهن في حياته، نعم ينبغي أن يلحق بها أخواتها في تفضيلهن أيضًا على أمّهن، قال الحافظ في \" الفتح \": أقوى ما استدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها، ومن بعدهن خبر أن فاطمة سيدة نساء العالمين إلاّ مريم، وأنها رزئت بالنبي - ﷺ - دون غيرها من بناته، فكن في صحيفته، ومات في حياتها، فكان في صحيفتها. قال الحافظ: وكنت أقول ذلك استنباطًا إلى أن وجدته منصوصًا في \" تفسير الطبري \" عن فاطمة: \" أنه ناجاها فبكت ثم ناجاها فضحكت -فذكر في الحديث- أنه - ﷺ - قال: \" أحسب أني ميّت في عامي هذا، وأنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين مثل ما رزئت فلا تكوني دون امرأة منهن صبرًا \" فبكت، فقال: \" أنت سيدة نساء أهل الجنة فضحكت \". رابعًا: أخذ بعض أهل العلم من حديث الباب وغيره تحريم التزوج على بنات النبي - ﷺ - لأنهن يتأذين بذلك، فيتأذى النبي بإيذائهن، ويستاء لاستيائهن، ولهذا قال المحب (١) الطبري في كتابه \" ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى \": في هذه الأخبار تحريم نكاح علي على فاطمة في حياتها، حتى تأذن، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ). مطابقة الحديث للترجمة: في قوله - ﷺ -: \" فاطمة بضعة مني \" فهي جزء منه، والجزء يشرف بالكل.\n_________\n(١) \" فيض القدير شرح الجامع الصغير \" ج ٤.","vol":"4","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>٨٢٩ - \" بَابُ فضلِ عَائِشَةَ ﵂ </span>\"\n٩٧٠ - عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" فَضْلُ عَائِشَةَ عَلى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى الطَّعَامِ \".\nــ\n٨٢٩ - \" باب فضل عائشة ﵂ \"\n٩٧٠ - معنى الحديث: شبه النبي - ﷺ - السيدة عائشة ﵂ بالثريد، وهو من أفخر الأطعمة العربية التي تجمع بين جودة الغذاء، وتمام اللذة، فشبهها به لأنها مثله تجمع بين حسن الخلق، وجمال الصورة، وحسن الحديث وجودة القريحة ورصانة العقل، والتحبب إلى البعل، ومن ثم أخذت منه ما لم تأخذ سواها (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: امتياز السيدة عائشة عن بقية أمهات المؤمنين بقدر زائد من الحظوة والمحبة عند رسول الله - ﷺ -، ولذلك شبهها بالثريد، لأنه أحب الأطعمة إلى نفوس العرب، فإنهم يحبونه أكثر من غيره، قال ابن القيم: تشبيه النبي - ﷺ - لعائشة بالثريد تعبير منه عن شدة محبته لها ﵂. ثانيًا: استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على تفضيل عائشة على غيرها وأكدوا استدلالهم هذا بقوله - ﷺ - \" يا أمّ سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله مما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها \". قال الحافظ: وليس ذلك بلازم. فلا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق. وقال السبكي: الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، والخلاف شهير، ولكن الحق أحق أن يتبع. وقال ابن تيمية:\n_________\n(١) \" فيض القدير شرح الجامع الصغير \" للمناوي.","vol":"4","page":273},{"text":"جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف. وقال ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله تعالى فذلك أمر لا يُطَّلَع عليه، وإن أريد كثرة العلم فعائشة لا محالة، وإن أريد شرف الأصل ففاطمة لا محالة، وهي فضيلة لا يشاركها فيها أحد غير أخواتها، وإن أريد شرف (١) فقد ثبت النص لفاطمة وحدها، وقال الحافظ: أما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله، وهي أنها أوّل من أجاب النبي - ﷺ - إلى الإِسلام، ودعا إليه، وأعان على نبوته بالنفس والمال وقيل: انعقد الإِجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام \".\n...\n_________\n(١) سقطت هذه الجملة من هذا الموضع ولعل شرف فاطمة وفضلها المذكور هنا أنها سيدة نساء العاملين، وأنها رزئت بوفاة النبي - ﷺ - حيث مات في حياتها، فكان في صحيفتها، والله أعلم. المؤلف.","vol":"4","page":274},{"text":"بِسمِ الله الرِّحمْنِ الرَّحيمِ\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-911> مَنَاقِبِ الأنصَارِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>٨٣٠ - \" بَابُ حُبِّ الأنصَارِ مِنَ الإِيمَانِ </span>\"\n٩٧١ - عن الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \"الأنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِن، ولا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أحَبَّهُمْ أحَبَّهُ اللهُ، ومَنْ أبْغَضَهُمْ أبغَضَهُ اللهُ\".\nــ\n\" كتاب\n\nمناقب الأنصار \"\n٨٣٠ - \" باب حب الأنصار من الإِيمان \"\n٩٧١ - معنى الحديث: أن الأنصار لا يحبهم في الجملة لأجل مناصرتهم لرسول الله - ﷺ - إلا مؤمن كامل الإِيمان، ولا يبغضهم في الجملة من أجل محبتهم للنبي - ﷺ - ومناصرتهم له إلاّ منافق في عقيدته. فمن أحبهم لله ورسوله أحبه الله ورضي عنه، ومن كرههم جميعًا لنصرتهم لرسول الله أبغضه الله، وسخط عليه، فخذله في الدنيا والآخرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من علامات كمال الإِيمان حب الأنصار من أجل مناصرتهم لرسول الله - ﷺ -، ومن علامات النفاق بغضهم: من هذه الناحية، لحديث الباب، ولقوله - ﷺ - في رواية أخرى: \" آية الإِيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار \" وقد صار اسم الأنصار علمًا على الأوس والخزرج سماهم النبي - ﷺ - الأنصار، فصار علمًا لهم ولأولادهم وحلفائهم ومواليهم، وإنما فازوا بهذه المنقبة لأجل إيوائهم للنبي - ﷺ -، ونصرته فكان ذلك موجبًا لمعاداة العرب والعجم، فلذا جاء الترهيب عن بغضهم،","vol":"4","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>٨٣١ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِلأنصَارِ أنتُمْ أحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ </span>\"\n٩٧٢ - عن أنَس ﵁ قَالَ:\nرَأى النبي - ﷺ - النِّسَاءَ والصبيَانَ مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ النبي - ﷺ - مُمَثِّلًا فَقاَل: \" اللَّهُمَّ أنْتُمْ مِنْ أحَبِّ النَّاسِ إِليَّ \" قَالَهَا ثَلاثَ مَرَارٍ.\nــ\nوالترغيب في حبهم، فمن أحبهم، فذلك من كمال إيمانه. ثانيًا: فضل الأنصار ومكانتهم عند النبي - ﷺ -، وعلو منزلتهم في الإسلام، حيث جعل النبي - ﷺ - حبهم إيمانًا، وبغضهم نفاقًا، وهذه منقبة عظيمة. ثالثًا: دل هذا الحديث دلالة عامة على أن من الإِيمان محبة أهل الدين والفضل والصلاح، ومن النفاق بغضهم. وإن من الإِيمان بغض أهل الكفر والفسق والفساد، ومن النفاق حبهم، كما يدل عليه قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n٨٣١ - \" باب قول النبي للأنصار أنتم أحب الناس إلي \"\n٩٧٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - رأى نساء الأنصار وصبيانهم مقبلين من عرس وهو طعام وليمة الزفاف فانتصب قائمًا، وهو معنى قوله: \" فقام النبي - ﷺ - ممثلًا \" بضم الميم الأولى وفتح الثانية، وكسر الثاء، أي منتصبًا قائمًا، كما أفاده العيني، \" فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إلي، قالها ثلاث مرات \" أي فقال: الله يشهد أني لا أفضل عليكم في المحبة أحدًا من الناس. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الأنصار من أعز الناس عند رسول","vol":"4","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-913>٨٣٢ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى:\n(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) </span>\"\n٩٧٣ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَجُلًا أتَى النبي - ﷺ - فَبَعَثَ إلى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ يَضُمُّ هَذَا أوْ يُضِيفُ هَذَا؟ \" فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا، فانْطَلَقَ بهِ إِلى امْرأتِهِ، فَقَالَ أكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: ما عِنْدَنا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئي طَعَامَكِ وَأصْبِحِي سِرَاجَكِ، ونَومِي صِبْيَانَكِ إِذَا أرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأتْ طَعَامَهَا،\nــ\nالله - ﷺ -، وأقربهم إلى نفسه، وأحبهم إليه. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٨٣٢ - \" باب قول الله تعالى:\n(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)\n٩٧٣ - معنى الحديث: أن رجلًا -من الأنصار- جاء يشكو إلى النبي - ﷺ - ما يعانيه من الجوع الشديد، فقال: يا رسول الله أصابني الجهد أي غلب علي الجوع حتى أضناني، وبذلت كل جهدي في احتماله حتى نفذ صبري، ولم تعد لدي قدرة ولا طاقة على تحمله، فأراد النبي - ﷺ - أن يستضيفه في بيته، فلم يجد في بيته - ﷺ - إلاّ الماء فعرض على أصحابه أن يضمه أحدهم إليه في طعامه، فاستضافه أبو طلحة الأنصاري، وذهب به، وقال لامرأته: \" أكرمي ضيف رسول الله \" وفي رواية \" لا تدخريه شيئًا \" أي لا تبقي شيئًا من الطعام الموجود عندنا إلاّ قدميه بين يديه \" فقالت ما عندنا إلاّ قوت صبياننا فقال: هيئي طعامك \" أي أحضري هذا الطعام الموجود لديك \" وأصبحي سراجك \" يعني","vol":"4","page":277},{"text":"وأصْبَحَت سِرَاجَهَا، ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كأنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأطْفَاتْهُ، فجعلا يُرِيَانِهِ أنَّهُمَا يَأكلانِ، فَباتا طَاوِيَيْن، فلَمَّا أصبَحَ غَدا إِلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ أو عَجبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فأنزلَ اللهُ ﷿ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) \".\nــ\nوأشعلي مصباحك \"ونوّمي صبيانك\" دون عشاء، \" فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها \" أي فعلت كل ما أمرها به زوجها \" ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته \" أي ثم قامت إلى المصباح، وهي تظهر للضيف أنها تريد إصلاحه، فأطفأته ليصبح البيت مظلمًا، فلا يرى الضيف ما تفعله \" فجعلا يريانه أنهما يأكلان \" أي يحركان أسنانهما ويظهران للضيف أنهما يأكلان وهما لا يأكلان شيئًا \" فباتا طاويين \" أي جائعين، \" فلما أصبح غدا إلى رسول الله - ﷺ - \" أي ذهب أبو طلحة صباحًا إلى النبي - ﷺ - \" فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما \" التي بلغت الغاية في الجود والكرم والإيثار \" فأنزل الله ﷿ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) \" أي فأنزل الله تعالى في وصف الأنصار هذه الآية التي أثنى عليهم فيها بالتضحية والإِيثار وتفضيل مصلحة غيرهم من المسلمين على مصلحة أنفسهم ولو كانوا في أشد حالات الفقر والحاجة، ثم قال: \"ومن يوق شح نفسه، فأولئك هم المفلحون \" أي ومن يتغلب على غريزة الشح والحرص الموجودة في نفسه ابتغاء وجه الله تعالى فأولئك هم الفائزون في الدنيا والآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ما كان عليه الأنصار رضوان الله عليهم من الجود والسخاء والبذل والعطاء، وإكرام الضيف، وإيثاره على أنفسهم، وأولادهم في حالة الضيق والشدة والفقر، وبذل كل ما يملكونه","vol":"4","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>٨٣٣ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - اقْبَلُوا من مُحْسِنِهِم وتجاوَزُوا عن مُسِيئهِمْ </span>\"\n٩٧٤ - عن ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وعَلَيْهِ مِلْحَفَة مُتَعَطفًَا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وعليْهِ عِصَابةٌ دَسْمَاءُ حتى جَلَس على الْمِنْبَرِ فَحَمَدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:\nــ\nلِإخوانهم المسلمين حتى قوتهم، وقوت عيالهم وصبيانهم. ثانيًا: بيان سبب نزول قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وأنها نزلت بسبب ما فعله الأنصاري وزوجته مع ضيفهما، وأن الذين وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الكريمة هم الأنصار، قال الحافظ: وعند ابن مردويه من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر، أهدي لرجل رأس شاة فقال: إن أخي وعياله أحوجٍ منا إلى هذا فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى آخر حتى رجعت إلى الأوّل بعد سبعة، فنزلت هذه الآية \" قال: ويحتمل أن تكون نزلت بسبب ذلك كله، فإنها كلها صور ونماذج للتضحية والإِيثار وإنكار الذات. ثالثًا: أن من أعظم وأفضل البر والإِحسان البذل والعطاء في حال الفقر وضيق ذات اليد، كما فعل الأنصاري وزوجته رضوان الله عليهم. والمطابقة: في كون هذه القصة التي تضمنها الحديث سببًا في نزول الآية الكريمة.\n٨٣٣ - \" باب قول النبي - ﷺ -: اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم \"\n٩٧٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لمّا مرض مرض موته وأحس الأنصار بدنو أجله عز عليهم فراقه - ﷺ - فمر أبو بكر ﵁ بهم في بعض مجالسهم، فوجدهم يبكون، فأخبر النبي - ﷺ - بذلك، فخرج - ﷺ - يتحامل على نفسه، وعليه ثوب قد التحف به، ووضعه على منكبيه، وعلى جبينه عصابة","vol":"4","page":279},{"text":"\" أمَّا بَعْدُ أيّهَا النَّاسُ فَإِنَّ النَّاسَ يَكثُرُونَ وَتَقِلُّ الأنْصَارُ حتى يكونُوا كالْمِلْح في الطَّعَامِ، فمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أمرًا يَضُرُّ فِيهِ أحدًا أو يَنْفَعُهُ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئهِمْ \".\nــ\nسوداء، فصعد المنبر، وخطب في الناس يوصيهم بالأنصار خيرًا، فقال: \" أما بعد: أيها الناس، فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار \" لأنه يقتل منهم الكثير في الفتوحات الإسلامية وحروب الردة، والمعارك الدامية التي تقع بين المسلمين أنفسهم كمعركة الحرّة \" حتى يكونوا كالملح في الطعام \" أي حتى يكونوا في قلتهم كالملح القليل في الطعام الكثير، فإن الملح في الطعام يكون عادة قليلًا جدًا ولذلك ضرب به المثل في قلته، كما ضرب به المثل أيضًا في إصلاحه لغيره قال الشاعر:\nيَا مَعْشَر القُّرّاءِ يَا مِلْحَ البَلَدْ ... هَلْ يَصْلُحُ الأكْلُ إذَا المِلْحُ فَسَدْ\n\" فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه \" أي من ولي منكم ولاية أصبحت له فيها سلطة تنفيذية من إمارة أو شرطة أو غيرها، وصار في استطاعته معاقبة المسيء، ومكافأة المحسن \" فيقل من محسنهم \" أي فليعاملهم بالحسنى، فيكافىء محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - أوصى ولاة الأمور بالأنصار أن يبالغوا في حسن معاملتهم بمكافأة محسنهم، والعفو عن مسيئهم، والتجاوز عنهم، وعدم مؤاخذتهم على زلّاتهم ما عدا الحدود الشرعية (١) فليس لولاة الأمور التجاوز عنها، وإنما خص ولاة الأمور بهذا الخطاب لأنهم أقدر من غيرهم في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، وإن كان غيرهم لا يخرج عن ذلك، فإنّ على كل مسلم أن يعامل الأنصار وأبناء\n_________\n(١) \" هداية الباري في ترتيب صحيح البخاري \" ج ١.","vol":"4","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>٨٣٤ - \" بَابُ مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ </span>\"\n٩٧٥ - عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" اهتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْن مُعَاذٍ \".\nــ\nالأنصار بهذه المعاملة قدر استطاعته. ثانيًا: إخباره - ﷺ - لنا عن تناقص عدد الأنصار شيئًا فشيئًا على مرور الزمن بسبب استشهاد أكثرهم في الفتوحات وحروب الردة، والمعارك التي وقعت بين المسلمين كمعركة الحرة وغيرها. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٨٣٤ - \" باب مناقب سعد بن معاذ ﵁ \"\nوهو سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي (١) الأوسي رئيس قبيلة الأوس من الأنصار، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية وبإسلامه أسلم بنو عبد الأشهل، ودارهم أوّل دار أسلمت من الأنصار، سماه النبي - ﷺ - سيد الأنصار، وكان مقدمًا مطاعًا شريفًا في قومه من أجلة الصحابة وأكابرهم وخيارهم، شهد بدرًا وأحدًا، ورمي يوم الخندق في أكحله، فلم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهو ابن سبع وثلاثين، ودفن بالبقيع.\n٩٧٥ - معنى الحديث: أنه لما مات سيد الأنصار \" سعد بن معاذ \" ﵁، تحرك عرش الرحمن استبشارًا وسرورًا بمقدمه، والتحاقه بالملأ الأعلى لأن أرواح السعداء والشهداء مستقرها تحت العرش. قال النووي: واختلفوا في تأويله، فقالت طائفة: هو على ظاهره ولا مانع منه كما قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) وهذا القول: هو المختار، وقيل المراد اهتزاز\n_________\n(١) \" شرح المرقاة على المشكاة \" ج ٥.","vol":"4","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>٨٣٥ - \" بَابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَام </span>\"\n٩٧٦ - عَنْ سَعْدِ بْن أبِي وَقَّاص ﵁ قَالَ:\n\"مَا سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ لأحَدٍ يَمْشِي على الأرْض إنَّهُ مِنْ أَهْلِ\nــ\nأهل العرش وهم حملته من الملائكة وغيرهم، فحذف المضاف، والمراد بالاهتزاز الاستبشار، كقول العرب: فلان يهتز للمكارم. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث بأي معنى من معانيه وأي وجه من وجوه تفسيره على فضل سعد بن معاذ ومكانته السامية، ومنزلته العالية عند الله ورسوله - ﷺ - قال في \" هداية الباري \" (١) وعلى أي تفسير فالاهتزاز منقبة جميلة لذلك الصحابي الكبير. اهـ. وهو ما ترجم له البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على منقبة عظيمة لسعد وهو ما ترجم له البخاري.\n٨٣٥ - \" باب مناقب عبد الله بن سلام \"\n٩٧٦ - معنى الحديث: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ لم يسمع النبي - ﷺ - يشهد لأحد من الذين يمشون على وجه الأرض بالجنة سوى عبد الله بن سلام، ولا شك أن قول سعد هذا يبعث على التساؤل إذ كيف يكون ذلك مع أن النبي - ﷺ - قد شهد لغيره بالجنة، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة، ولهذا قال الحافظ: وقد استشكل هذا الحديث، بأنه - ﷺ - قال لجماعة إنهم من أهل الجنة غير عبد الله بن سلام، ثم قال الحافظ حلًا لهذا الإِشكال: فالظاهر أن ذلك بعد موت المبشرين بالجنة، لأن عبد الله بن سلام قد عاش بعدهم، قال ﵁ \" وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) \" أي: وفي عبد الله بن سلام نزل قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ\n_________\n(١) \" هداية الباري \" ج ١.","vol":"4","page":282},{"text":"الْجَنَّةِ إلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلام، قَالَ: وفِيهِ نَزَلَتْ (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) الآيَة\".\nــ\nفَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وإنما أنزل الله فيه هذه الآية الكريمة ووصفه بأنه الشاهد العدل الذي شهد من بني إسرائيل على مثله، لأنه شهد على أن محمدًا رسول الله حقًا، وأنه موصوف بذلك في التوراة، فآمن بالنبي، وشهد له بالرسالة، وأنكر بنو إسرائيل ذلك وكذبوه، فأنزل الله هذه الآية تنويهًا بشأنه وإقامةً للحجة على غيره من اليهود، بشهادة عالم من أجلّ علمائهم. وروي أن النبي - ﷺ - لما خاصمته اليهود أرسل إلى عبد الله بن سلام فقال: أتشهد أني رسول الله مكتوبًا في التوراة والإِنجيل \" قال: نعم فأعرضت اليهود وأسلم عبد الله، فهو الذي قال الله جل ثناؤه (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) ومعناها كما قال الطبري وآمن عبد الله بن سلام، وصدق بمحمد - ﷺ - وبما جاء به من عند الله، واستكبرتم أنتم على الإِيمان بما آمن به عبد الله بن سلام يا معشر اليهود. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن عبد الله بن سلام من المبشرين بالجنة كما ينص عليه هذا الحديث، لأن النبي - ﷺ - قد بشره بذلك، وشهد له بها. ثانيًا: أن الله وصفه في الآية الكريمة بأنه الشاهد العدل الذي انفرد دون بني إسرائيل بأداء الشهادة الحق لمحمد - ﷺ - حيث شهد بأنه رسول الله - ﷺ -، وكتابه حق، وأنه موصوف بذلك في التوراة والإِنجيل. والمطابقة: في قوله: \" وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) وفي شهادة النبي - ﷺ - لابن سلّام بالجنة، والله أعلم.\n***","vol":"4","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-917>٨٣٦ - \" بَابُ تزْويجِ النَّبِيِّ - ﷺ - خدِيجَةَ وفضلُهَا ﵂ </span>\"\n٩٧٧ - عن عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ:\nما غِرْتُ على أحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِي - ﷺ - ما غِرْتُ على خَدِيجَةَ، وما رَأيْتُهَا، ولكِنْ كَانَ النبي - ﷺ - يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، ورُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ، ثم يُقَطِّعُهَا أعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فربمَا قُلْتُ لَهُ: كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدنيا امْرَأة إِلَّا خَدِيجَةَ، فَيقُولُ: \" كَانت وكانت وكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ \".\nــ\n٨٣٦ - \" باب تزويج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها ﵂ \"\nقال الحافظ: ذكر المصنف في الباب أحاديث لا تصريح فيها بما في الترجمة ولكن جميع أحاديث الباب يتعلق بالجزء الثاني من الترجمة وهو قوله: وفضلها.\nأما خديجة وقصة زواجها فهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي أقرب نساء النبي - ﷺ - إليه نسبًا، تزوجها سنة خمس (١) وعشرين من مولده، زوجه إياها أبوها خويلد، وتزوجها ثيبًا بعد زوجها الأول أبي هالة، وكان - ﷺ - قد سافر في تجارة لها إلى الشام، فرأى منه غلامها ميسرة ما رغّبها فيه، فتزوجته، وعاش معها حياة سعيدة، حتى توفيت في رمضان في السنة العاشرة من البعثة، وقد عاشت معه خمسًا وعشرين سنة على الصحيح.\n٩٧٧ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ كانت شديدة الغيرة من خديجة وذلك أمر طبيعي لأن من أبرز صفات المحبة في المرأة المحبة لزوجها أنها تغار عليه أشد الغيرة، وتكره أن تشاركها أي امرأة أخرى في حبه لها، أو تشغل باله وتفكيره، فيكثر من ذكرها، أما إذا سبق لهذه المرأة أنها كانت زوجة\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ٧.","vol":"4","page":284},{"text":"له، وأنه لا زال يعيش على ذكراها، فإن الغيرة تشتد، وهذا ما وقع للسيدة عائشة ﵂ بالنسبة إلى السيدة خديجة، حيث قالت \" ما غرت على أحد من نساء النبي - ﷺ - ما غرت على خديجة ﵂، وما رأيتها \" أي مع كوني لم أرها ولم ألتق بها في عصمة النبي - ﷺ - \" ولكن كان النبي - ﷺ - يكثر من ذكرها \" أي ولكن السبب في شدة غيرتي منها أن النبي - ﷺ - كان يكثر الحديث عنها \" وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة \" أي وكان يكرم صديقاتها، ويهدي إليهن الهدايا من أجلها، فكثيرًا ما كان يذبح الشاة ويقسمها أقسامًا، فيهدي إلى كل واحدة من صديقاتها قسمًا منها، وفاءً لخديجة، وذلك من شدة محبته لها، ومحافطه على ودها، والعيش على ذكراها. \" فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلاّ خديجة \" أي فكثيرًا ما كنت أخاصمه إذا ذكرها، وتحدث عنها فأقول له: كأن خديجة أنستك النساء جميعًا، فأصبحت لا ترى غيرها في هذه الدنيا \" فيقول: إنها كانت وكانت \" أي فيعدد فضائلها ومحاسنها، ويقول: إنها كانت صوامة قوامة محسنة إلى غير ذلك كما سيأتي. \" وكان لي منها ولد \" بفتح الواو وسكون اللام أي وبالإضافة إلى هذه المزايا كلها فقد رزقني الله منها أكثر ذريتي ذكورًا وإناثًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل السيدة خديجة ﵂ الذي يتجلى في شدة محبته - ﷺ - لها، وتعلقه بها، وعيشِهِ على ذكراها (١)، وإكرام صديقاتها، كما قالت عائشة ﵂ وما رأيتها، ولكن كان النبي - ﷺ - يكثر ذكراها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة، وكان - ﷺ - إذا استأذنت عليه أختها هالة، وسمع صوتها اهتز فرحًا وسرورًا وانتعشت نفسه، وأسرع للقائها، لأن صوتها يشبه صوت خديجة\n_________\n(١) قال النووي: وفي هذا الحديث ونحوه دلالة لحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب.","vol":"4","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>٨٣٧ \" بَابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\n٩٧٨ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ:\n\" أنْزِلَ علَى النَّبيِّ - ﷺ - وهُوَ ابْنُ أرْبَعِينَ، فَمَكَثَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثم أُمِرَ بالهِجْرَةِ إلى الْمَدِينَةِ، فمكث بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوِفِّيَ - ﷺ - \".\nــ\n﵂ قالت عائشة، فقلت: \" ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين أي ساقطة الأسنان \" هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرًا منها \" ْأي قد أبدلك الله بي، وأنا خير منها، فقال لها النبي - ﷺ -: \" ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمنا أولاد النساء \" وذلك لأن جميع أولاده منها ما عدا إبراهيم، فإنه من مارية القبطية. ومن أولادها ﵂ القاسم، وقد مات صغيرًا قبل البعثة، وبناته الأربع زينب ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة ﵅، وقيل كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة، ومن أولادها عبد الله ولد بعد البعثة، وكان يلقب بالطاهر والطيب ويقال هما أخوان له. اهـ. كما أفاده الحافظ. ثانيًا: أن الغيرة غريزة في النفس لا يلام عليها الإِنسان. قال الطبري وغيره الغيرة مسامح للنساء ما يقع فيها لأن من تحصل لها الغيرة كما قال الحافظ - لا تكون في كمال عقلها، فلهذا تصدر منها أمور لا تصدر منها في حال عدم الغيرة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل خديجة، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٨٣٧ - \" باب مبعث النبي - ﷺ - \"\n٩٧٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - نزل عليه الوحي في حراء عندما أتم أربعين سنة وستة أشهر، فنزل عليه جبريل بصدر سورة العلق، وبها بدأت نبوته - ﷺ -. فنبىء باقرأ ثم فتر عنه الوحي مدة يسيرة، وعاد إليه مرة أخرى","vol":"4","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-919>٨٣٨ - \" حَدِيثُ الإِسْرَاءِ </span>\"\n٩٧٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:\nأنَّهُ سَمعَ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ في الْحِجْرِ فَجَلا اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِس، فَطَفِقْتُ أخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأنا أنظرٌ إِلَيْهِ \".\nــ\nبنزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) فأمر بالتبليغ، وبذلك بدأت رسالته ببعثته - ﷺ -، ولذلك قال العلماء: نبىء رسول الله - ﷺ - بإقرأ، وأرسل بالمدثر، وكل ذلك كان في عام واحد عند تمام الأربعين سنة فأقام النبي - ﷺ - بمكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا، ثم هاجر إلى المدينة، فأقام بها عشرًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - نبىء وأرسل عند تمام الأربعين سنة من عمره، لأن هذا السن هو سن الكمال الجسمي والعقلي والنضج الفكري للإِنسان كما يشير إليه قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) اكتمال العقد والرشد (١)، ولذلك: لم يبعث نبي قبل الأربعين وقد روي عن ابن عباس ﵄ \" من أَتى عليه الأربعون ولم يغلب خيره شره، فليجهز إلى النار (٢). ثانيًا: أن النبي - ﷺ - أقام بمكة بعد البعثة ثلاثة عشر عامًا وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات، وهذا هو الصحيح. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: ظاهرة.\n٨٣٨ - \" حديث الإِسراء \"\nوهو رحلته - ﷺ - على البراق ليلًا من مكة إلى بيت المقدس.\n٩٧٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - تحدث صبيحة ليلة الإِسراء إلى\n_________\n(١) \" صفوة التفاسير \" للصابوني ج ٣.\n(٢) \" تفسير الألوسي \" ج ٢٦.","vol":"4","page":287},{"text":"قريش عن رحلته تلك الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فكذبوه، وسخروا منه، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، وكان قد ذهب إليه بليل، فلم يستطع أن يحدد معالمه، ولكن الله أعانه على ذلك، فبعث إليه جبريل، فكشف له عنه، فصار يرى كل ما فيه، ويصفه لهم، كأنه حاضر بين يديه في تلك الساعة.\nوقد روى ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" مر بي أبو جهل فقال: هل كان من شيء. فقال رسول الله - ﷺ -: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس قال أبو جهل: ثم أصبحت بين أظهرنا قال: نعم. قال: فإن دعوت قومك أتحدثهم بذلك، قال: نعم، قال: يا معشر كعب بن لؤي فانفضت إليه المجالس، فقال: حدث قومك بما حدثتني، فحدثهم، قال: فمن بين مُصَفِّقٍ ومن بين واضع يده على رأسه تعجبًا، قالوا: أوتستطيع أن تنعت لنا المسجد: فكشف الله عنه، فوصفه لهم كما في حديث الباب حيث قال: \" فجلا الله بيت المقدس \" قال الحافظ: قيل معناه: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته \" فطفقت أخبرهم عن آياته \" أي فبدأت أحدثهم عن علاماته المميزة له \" وأنا أنظر إليه \" أي أشاهده أمام عيني. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات الإسراء، وأنه كان يقظة لا منامًا، لأنه لو كان منامًا لما تعجبت منه قريش، ولا أنكرته. ثانيًا: أن من المعجزات الظاهرة التي تضمنها هذا الحديث كشف الحجاب عن النبي - ﷺ - حتى رأى بيت المقدس، وتمكن من وصفه، كأنه ماثل بين يديه، وقد جاء في حديث أم سلمة أنه - ﷺ - قال: \" فسألوني عن أشياء لم أتبينها، فكَرِبْتُ كربًا لم أكرب مثله قط، فرفع الله لي بيت المقدس أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلاّ نبأتهم به \" قال الحافظ: ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان، وفي حديث أم هانىء أنهم قالوا له: \" كم بابًا للمسجد؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليها وأعدها بابًا بابًا \". والمطابقة: في","vol":"4","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>٨٣٩ - \" بَابُ المِعْرَاجَ </span>\"\n٩٨٠ - عَنْ أنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، عن مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄: أن نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - حَدَّثَهُمْ عن لَيْلَةَ أُسْرِيَ بهِ قَالَ: \" بَيْنَمَا أنا في الْحَطِيم -ورُبَّما قَالَ في الْحِجْرِ- مُضْطَجِعًَا إِذ أَتَاني آتٍ فَقَدْ قَالَ، وسَمعته يَقُول: فَشَقَّ ما بَيْنَ هذِهِ إلى هَذِهِ - قَال الراوي: مِن ثُغْرة نَحْرِهِ إلى شِعْرَتِهِ، فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أعِيدَ، ثُمَّ أتِيتُ بِدَابَّةٍ، دُونَ البَغْلِ، وفَوْقَ الْحِمَارِ، أبيَضَ، قَالَ الرَّاوِي: وهُوَ الْبُرَاقُ، يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أقصَى طَرَفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حتى أتى السَّمَاءَ الدُّنيا، فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقد أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أبوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَليْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بالابنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ حتى أتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فاسْتَفْتَحَ قِيل: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاء، فَفَتَحَ،\nــ\nكون الحديث يدل على إثبات الإِسراء الذي ترجم له البخاري.\n٨٣٩ - \" باب المعراج \"\nوالأكثرون على أنه كان في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة، وقيل في رجب، وعن الزهري أنه بعد البعثة بخمس سنين، ورجحه القرطبي والنووي.","vol":"4","page":289},{"text":"فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وهُمَا ابْنَا الْخَالَةِ، قالَ: هَذَا يَحْيَى وَعيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ، فردَّا، ثُمَّ قَالا: مَرْحَبًَا بالأَخ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحْ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قال: جِبرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ: قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًَا بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحْ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلى إِدْرِيسَ، قَالَ: هَذا\nــ\n٩٨٠ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - حدّث أصحابه عن قصة عروجه إلى السماء في تلك الليلة المباركة، فذكر لهم أنه بينما كان مضطجعًا في الحطيم، وربما قال في الحجر - أي في حجر إسماعيل وهما بمعنى واحد، جاءه ملك فشق صدره من ثغرة نحره إلى شعرته. بكسر الشين. أي شق ما بين الثغرة التي في الرقبة إلى عانته فاستخرج قلبه الشريف، وغسله بماء زمزم ثم جاء بطست ذهبي مملوء إيمانًا ويقينًا، فأفرغ في قلبه. كما في رواية أخرى حيث قال فيها: \" ثم جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه \".\nؤإنما غسل قلبه الشريف، وملىء إيمانًا ويقينًا، إعظامًا وتأهبًا لما يلقى هناك، مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا، كما أفاده ابن أبي جمرة. ثم جاءه جبريل بالبراق وهو دابة بيضاء أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، ذات سرعة غريبة تخطو الخطوة الواحدة فتضعها عند منتهى ما يراه البصر، فهي أسرع من الضوء","vol":"4","page":290},{"text":"إِدْرِيسُ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بالأخِ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِح، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ الخامِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإِذَا هارُونُ، قَالَ: هَذا هَارُونُ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بالأخ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ السادِسَةِ، فاسْتَفتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ أرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذا\nــ\nفركب النبي - ﷺ - تلك الدابة، وطارت به إلى بيت المقدس حيث التقى هناك بالأنبياء، وصلّى بهم إمامًا، ثم انطلق مواصلًا رحلته إلى السماء (١) قال ابن أبي جمرة: \"إنما خص - ﷺ - بركوب البراق زيادة له في التشريف والتعظيم، لأن غيره من الدواب يقدر غيره على ملكه والتمتع به، والبراق لم ينقل أن أحدًا ملكه وتمتع به، أما لماذا لم يعط النبي - ﷺ - قوة حتى يصعد بنفسه، فإنه لو صعد بنفسه لكان ماشيًا على رجليه، والراكب أعز من الماشي، فأعطي البراق ليركب عليه، فيكون أعز وأشرف له كما أفاده ابن أبي جمرة. وظاهر حديث الباب أن النبي - ﷺ - ركب البراق في الإِسراء والمعراج معًا، لأنه لم يذكر غيره وجاء في رواية أخرى: \" أنه - ﷺ - أسري به على البراق، وعرج به على المعراج \" وهو مصعدٌ بين السماء والأرض، لا يقال: كيف هو؟ ولا على أي صورة هو، لأنا لا نعلم حقيقته، صعد عليه النبي - ﷺ - من بيت المقدس بصحبة جبريل عليه\n_________\n(١) على المعراج وهو سلم أرسله الله إليه ليصعد عليه إلى السماء.","vol":"4","page":291},{"text":"مُوسَى فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بالأخ الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ. مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أبكِي لأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أمَّتِهِ أكثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيْلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدُ، قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلصْتُ فإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذا أبوكَ فَسَلّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلامَ، قَالَ: مَرْحَبًا بالابن الصَّالِحِ، والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلَ قِلالِ هَجَرَ، وِإذَا وَرَقُهَا مِثلَ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ:\nــ\nالسلام. حتى أَتى السماء الدنيا - أي الأولى، وسميت بذلك لأنها أقرب السموات إلى الأرض، فاستأذن جبريل من الملائكة هناك، وطلب منهم أن يفتحوا له، فسألوه من أنت. ومن معك؟ فأجابهم: أنا جبريل ومعي محمد، فسألوه: هل أمر بالعروج؟ فقال نعم، فرحبوا به واستقبلوه بالحفاوة والتكريم، وهم يقولون: \" مرحبًا به فنعم المجيء جاء \" أي فقد كان مجيئه مباركًا محمودًا، فلما فتحت السماء الدنيا وجد فيها آدم ﵇، وعرفهما جبريل ببعضهما، وتبادلا التحية، ورحب به أبوه آدم، ثم صعد - ﷺ - إلى السماء الثانية فالثالثة فالرابعة الخ والتقى فيها بالأنبياء آدم ويحيى وعيسى ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم ﵈، واستمر في رحلته قال النبي - ﷺ - \"فلما تجاوزت\" أي لما تجاوزت موسى \" بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي \" ولم يكن بكاء موسى حسدًا، لأن الحسد منزوع من ذلك العالم السماوي، وإنما كان","vol":"4","page":292},{"text":"هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وِإذَا أرْبَعَةُ أنْهَارٍ، نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أما الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ في الْجَنَّةِ، وأمَّا الظَّاهِرَانِ فالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألفَ مَلَكٍ (١)، ثم أُتِيْتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وإنَاءٍ مِنْ لَبَن، وَإنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأخَذْت اللَّبَنَ، فَقَالَ، هِيَ الْفِطرةُ أنْتَ عَلَيْهَا، وأمَّتكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتِ خَمْسينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم، فَرَجَعْت، فَمَرَرْتُ عَلَى\nــ\nأسفًا على ما فاته من الأجر بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة، قال - ﷺ -: \" ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر \" وهي جرار كبيرة تسع قربتين \" وإذا ورقها كآذان الفيلة \" ولم يتجاوزها أحد سوى نبينا - ﷺ - ولذلك سميت سدرة المنتهى قال النبي - ﷺ - \" وإذا أربعة أنهار، نهران ظاهران ونهران باطنان \" أي وإذا بتلك السدرة ينبع من تحتها أربعة أنهار تجري في الجنة، نهران منهما باطنان - أي لم يرهما أحد من البشر لأنّه لا يراهما أحدٌ إلاّ في الدار الآخرة، وهما السلسبيل والكوثر، ونهران منهما ظاهران، نراهما في الدنيا، وهم النيل والفرات وهو معنى قوله: \" فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان نهران في الجنة، وأما الظاهران، فالنيل والفرات \" قال - ﷺ -: \" ثم رفع لي البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك \" فلا يعودون إليه مرة أخرى، وهو في السماء السابعة حيال الكعبة قال - ﷺ -: \" ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، وقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك \" قال الحافظ: أي دين الإِسلام يعني أن هذا الشراب الذي اخترته هو الشراب الطيب الموافق لدينك وشريعتك، والموافق للطبيعة البشرية، لأنه أوّل شيء يدخل بطن المولود، ويشق أمعاءه ويغذي جسمه\n_________\n(١) هكذا في رواية الكشميهي بزيادة: يدخله كل يوم سبعون ألف ملك وفي الرواية الأخرى بدون هذه الزيادة.","vol":"4","page":293},{"text":"مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم، قَالَ: إِنَّ أُمَّتك لا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْم؟ وِإنِّي واللهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فأسْالهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى، فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْت إلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْم، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ\nــ\nأثناء طفولته، ويكون له غذاءً ودواء وسقاء أثناء الرضاعة، بخلاف الخمر، فإنها شراب خبيث يفتك بشاربه صحيًا وجسميًا، أما العسل فقد شرب منه النبي - ﷺ - قليلًا، قال النبي - ﷺ -: \" ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، قال: بم أمرت، قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم \" أي لا تقدر على ذلك \" وإني والله قد جربت الناس قبلك \" يعني بني إسرائيل \" وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة \" أي عانيت منهم كثيرًا \" فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك \" بالتنقيص من عدد الصلوات تيسيرًا وتسهيلًا عليهم ليتمكنوا من أداء ما فرض الله عليهم دون مشقة أو عناء \" فرجعت فوضع عني عشرًا \" أي فلما عدت إلى ربي، وسألته التخفيف نقص عني عشرًا من الخمسين فصارت أربعين \" فرجعتُ إلى موسى فقال مثله \" أي فلما رجعت إلى موسى، وأخبرته أن الله قد وضع عني عشرًا لم يكتف بذلك، وإنما أعاد عليَّ قوله الأوّل، فقال لي أن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال - ﷺ -: \" فرجعت، فوضع عني عشرًا \" فصارت ثلاثين \" فرجعت إلى موسى فقال مثله \" أي قال لي: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف","vol":"4","page":294},{"text":"بخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْم، فَرَجَعْتُ إلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْم، قَالَ: إِن أُمتك لا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْم، وِإنِّي قَدْ جَرَّبْت النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْت بني إسْرَائِيلَ أشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَاسْألة التَّخْفِيفَ لأمَّتِكَ، قَلَ: سَألْت رَبِّي حَتَّى استحْيَيْت، ولكِنْ أرْضَى (١) وأُسَلِّم، قَالَ: فلَمَّا جَاوَزْت نَادَانِي منَادٍ: أمْضَيْت فَرِيْضَتِي، وخَفَّفْت عَنْ عِبَادِي\".\nــ\n\" فرجعت \" إلى ربي \" فوضع عني عشرًا \" فصارت عشرين صلاة \" فرجعت إلى موسى فقال مثله \" أي مثل قوله الأول، \" فرجعت \" إلى ربي \" فأمرت بعشر صلوات \" أي بعشر صلوات في اليوم والليلة قال النبي - ﷺ -: \" فرجعت \" إلى موسى \" فقال مثله \" أي فقال لي: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك \" فرجعت فأمرت بخمس \" أي فأمرني الله تعالى بخمس، يعني فصارت خمس صلوات في اليوم، واستقر الأمر على ذلك حيث قال الله تعالى لنبيه - ﷺ -: \" أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي \" أي نفذت حكمي وجعلت الصلاة خمسًا، تخفيفًا على عبادي من هذه الأمة المحمدية، فلله الحمد والمنة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من المعجزات العظيمة الثابتة للنبي - ﷺ - معجزة الإِسراء والمعراج (٢)، والصحيح أنهما وقعتا في\n_________\n(١) قال الحافظ: \" قوله: ولكن أرضي وأسلم \" فيه حذف، تقدير الكلام: سألت ربي حتى استحييت فلا أرجع، فإني إن رجعت صرت غير راض ولا مسلم ولكني أرضي وأسلم. اهـ.\n(٢) قال الإمام أبو حنيفة في \" الفقه الأكبر\": \" وخبر المعراج حق، فمن رده فهو ضال مبتدع، وقال القاري في شرحه عليه: من أنكر المعراج ينظر إن أنكر الإسراء من مكة إلى بيت المقدس فهو كافر، ولو أنكر المعراج من بيت المقدس لا يكفر.","vol":"4","page":295},{"text":"ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة (١) وإنما كان بعد رجوعه - ﷺ - من الطائف ليكون في ذلك تسلية له - ﷺ - وتقوية لنفسه الشريفة على ما يواجهها من المصاعب.\nوقد رويت قصة الإسراء والمعراج عن كثير من الصحابة عَدَّد منهم في \" المواهب اللدنية \" ستة وعشرين صحابيًا. واختلف السلف والخلف: هل كان الإسراء بالروح فقط أو بالروح والجسد معًا، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام، وإلى هذا ذهب معاوية وابن مسعود وعائشة والحسن البصرى في رواية كما في \" الشفاء \" للقاضي عياض، واحتجوا بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) لأن الرؤيا لا تطلق إلاّ على ما يشاهد في النوم، أما ما يشاهد في اليقظة فإنه يسمى رؤية لا رؤيا، قالوا: فلما سمّى الله المعراج رؤيا علمنا أنه كان منامًا، واحتجوا بما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: \" ما فقد جسد رسول الله - ﷺ - \" وقوله - ﷺ - في بعض الروايات: \" بينا أنا نائم بالحطيم \" وقول أنس رضي. الله عنه \" وهو نائم في المسجد الحرام \" وذكر القصة ثم قال في آخرها: فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام. اهـ. غير أن الإمام ابن القيم \" نفي عن معاوية وعائشة أنهما يقولان بأن الاسراء كان منامًا، فقال في \" زاد المعاد \": وعائشة ومعاوية لم يقولا كان منامًا، وإنما قالا أسري بروحه، لم يفقد جسده، وفرّق بين الأمرين، بأن ما يراه النائم قد يكون أمثالًا مضروبة للمعلوم في الصور الحسيّة، فيرى أنه قد عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد، ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له الأمثال. اهـ. وذهب معظم السلف والخلف إلى أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معًا، وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وابن المسيب وابن شهاب والحسن البصري والنخعي، وهو قول أكثر المتأخرين، وأجابوا بأن قوله تعالى:\n_________\n(١) وبه جزم النووي، وأما شهره، فقيل كان في ربيع الأول، وقيل في ربيع الآخر وقيل في رمضان، وقيل في شوال، وقيل في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النووي في الروضة، وأما ليلته فقيل في السابع والعشرين، وقيل في السابع عشر، والله أعلم. (ع).","vol":"4","page":296},{"text":"(وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) ليس نصًا صريحًا على نفي الرؤية بالبصر، فإن الرؤيا لا تختص بالرؤيا المنامية وحدها، فتخصيصها بما يرى في النوم غير صحيح من عدة وجوه، منها ما ذكره السهيلي من أن الرؤيا تأتي في كلام العرب بمعنى ما يشاهد في اليقظة ويرى بالعين أيضًا، ومن ذلك قول الراعي:\nوَكَبَّرَ للرُّؤيَا وَهَشَّ فُؤادُهُ ... وَبَشَّرَ قَلْبًا كَانَ جَمًاّ (١) بَلابِلُهْ\nومنها، وهو أقواها أن ابن عباس ﵄ فسر الرؤيا في الآية بأنها رؤيا بصرية لا منامية حيث قال: \" هي رؤيا عين رآها النبي - ﷺ - لا رؤيا منام \" وابن عباس ﵄ حجة في اللغة ولسان العرب، وأهل مكة أدرى بشعابها، ولو كانت منامًا ما افتتن به الناس حتى ارتد كثير ممن أسلم. وأما قول عائشة ﵂: \" ما فقد جسد رسول الله - ﷺ - (٢) فإنه يعارض قول أبيها الصديق ﵁ للنبي - ﷺ - ليلة أسري به: طلبتك يا رسول الله في مكانك فلم أجدك، فأجابه: \" إنّ جبريل حملني إلى المسجد الأقصى \" أخرجه البيهقي وابن مردويه، والصديق أدرى من عائشة بما وقع في تلك الليلة، لأنها كانت إذا ذاك طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها على أقرب الروايات سبع سنوات، هذا إذا قلنا إنه - ﷺ - أسرى به قبل الهجرة بعام، أما على القول بأن الإسراء كان قبل الهجرة بخمس سنوات فإن عمرها إذ ذاك لا يتجاوز ثلاث سنين، فهل نأخذ بقولها أو بقول أبيها: على أنها ﵂ لم تتحدث بذلك عن مشاهدة، لأنها لم تكن زوجة للنبي - ﷺ - في ذلك الوقت، فلماذا يرجح\n_________\n(١) قوله: كان جمًا بلابله، أي كان كثير الأشواق والهواجس النفسية.\n(٢) قال القاري في \" شرح الفقه الأكبر \": وقد أغرب شارح العقائد في تأويل قول عائشة ﵂: \" ما فقد جسد رسول الله - ﷺ - ليلة المعراج \" حيث قال: معناه ما فقد جسده عن الروح، بل كان معه روحه، قال: وغرائبه لا تخفى، والتأويل الصحيح لقول عائشة أن المعراج كان بمكة في أوائل البعثة حين لم تولد عائشة، أو يقال: القضية كانت متعددة.","vol":"4","page":297},{"text":"حديثها على حديث أبيها الذي قاله عن مشاهدة ومعاينة وحضره بنفسه؟. اهـ. كما أفاده القاضي عياض. وأما قوله - ﷺ -: \" بينا أنا نائم في المسجد الحرام \" وذكر القصة فقد قال عياض: ليس في الحديث أنه كان نائمًا في القصّة كلها، فلعله كان نائمًا، فلما جاءه جبريل أيقظه كما قال في رواية أخرى فهمزني بعقبه، وأما قوله \" ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام \" فلعل معناه أنّه لما عاد - ﷺ - نام بقية تلك الليلة فلما استيقظ في الصباح وجد نفسه في المسجد الحرام.\nواستدل القائلون بأن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معًا بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) حيث افتتحها الله بالتسبيح المشعر باستعظام ما كان في الأمر، والتعجب منه، لأنه حادث خارق للعادة، مخالف للسنن الكونيّة، فلو كان الإسراء بالروح فقط لم يكن ثمة ما يقتضي هذا لأنه أمر عادي يقع لكل واحد. ثم إنه قال \" بعبده \" وهو نص قاطع في الموضوع، لأن العبد لا يطلق إلاّ على الشخص المكون من الروح والجسد واستدلوا أيضًا بما جاء في أحاديث الإسراء والمعراج من أنه - ﷺ - لما أخبرهم بذلك هاج هائجهم، وقامت قيامتهم، فمنهم الواضع يده على رأسه تعجبًا، ومنهم المصفق بيده، وارتد بعض من كان على الإِسلام، فهل ترى أن ذلك كله كان من أجل رؤيا منامية أخبرهم عنها - ﷺ -. كما أن في القصة ما هو أكثر وأقوى دلالة من هذا وهو أنهم سألوا النبي - ﷺ - عن عيرهم فأجابهم بأنه مر بها، وقد ند منها بعير فانكسر، وأنه مر بعير أخرى قد ضلوا ناقة لهم، وكان معهم قدح من الماء فشربه - ﷺ -، فسألوهم عندما قدموا مكة: فصدقوا ذلك، فهل ترى أن الروح هي التي شربت وقد قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في \" مختصر سيرة الرسول - ﷺ - \" \"ثم أسري برسول الله - ﷺ - بجسده على الصحيح (١) من المسجد الحرام\n_________\n(١) \" مختصر سيرة الرسول - ﷺ - \" للشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.","vol":"4","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>٨٤٠ - \" بَابُ تزْويج النبي - ﷺ - عَائِشَةَ ﵂ </span>\"\n٩٨١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" تَزَوَّجَنِي النبي - ﷺ - وأنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْنَا\nــ\nإلى بيت المقدس إلى أن قال ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء\" إلخ. القصة. وأما رؤيته - ﷺ - لربه: فقد اختلف فيها السلف فأنكرتها عائشة حيث قالت لمسروق: \" ثلاث من حدثك بهن فقد كذب، من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) الآية، وبقول عائشة قال جماعة من الفقهاء المحدثين .. وثبت عن ابن عباس من طرق متعددة: (١) أنه قال: \" إن الله اختص موسى بالكلام، ومحمدًا بالرؤية، وإبراهيم بالخُلة \" أخرجه النسائي والحاكم. قال النووي وقد قال معمر بن راشد (٢) حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس ﵄ أثبت شيئًا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي (٣). ثانيًا: بيان الزمان والمكان الذي فرضت فيه الصلوات الخمس، أما الزمان فهو ليلة الإِسراء، وأما المكان فهو السماء العليا، وذلك لِإظهار فضلها، وشرفها.\nمطابقته للترجمة: في اشتماله على قصة المعراج، وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي.\n٨٤٠ - \" باب تزويج النبي - ﷺ - عائشة ﵂ \"\n٩٨١ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا بقصة زواجها\n_________\n(١) \" الشفا \" للقاضي عياض.\n(٢) \" شرح النووي على مسلم \".\n(٣) قال الحافظ في \" الفتح \" ويمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. قال ابن كثير ولو كان رسول الله - ﷺ - رأى ربه لأخبر بذلك، ولقال ذلك للناس. (ع).","vol":"4","page":299},{"text":"في بني الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَوُعِكْتُ فَتَمَزَّقَ شَعْرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً، فأتَتْنِي أمِّي أمُّ رُومَانَ، وِإنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ ومعي صَوَاحِبٌ لي، فصَرَخَتْ بي فأتَيْتُهَا لا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فأخَذَتْ بِيَدِي حتى أوْقَفَتْنِي على بَابِ الدَّارِ، وِإنِّي لأنْهَجُ حتى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثم أخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي ورَأسِي، ثم أدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِن الأنْصَارِ في الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ والْبَرَكَةِ، وعلى خَيْرِ طَائِرٍ، فأسْلَمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِنْ شَأنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إلَّا رَسُولُ اللهِ ضُحَى، فأسْلَمْنَنِي إليه، وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْع سِنين\".\nــ\nبالنبي - ﷺ - وأنه عقد عليها وهي بنت ست سنين، فقدمت مع أهلها إلى المدينة، ونزلت في بني الحارث بن الخزرج فمرضت ﵂، وتمزق شعرها، ثم شفيت وعاد إليها شعرها، وأخذ يتكاثر ويطول حتى وصل إلى المنكبين، وهو معنى قولها: \" فوفي جميمة \" قالت ﵂: \" فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة \" أي وأنا ألعب راكبة على حبل مشدود بين خشبتين مع بعض صديقاتي، قالت: \" فأخذت بيدي \" أي فأمسكت بيدي وأخذتني معها \" حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج \" أي تتردد أنفاسي من التعب والإِعياء \" ثم أخذت شيئًا من الماء فمسحت به وجهي ورأسي \" وذلك لتهدئتها \" ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة \" أى جعله الله زفافًا سعيدًا مباركًا \" وعلى خير طائر \" أي وتقدمين على أسعد حظ. \" فأصلحن من شأني \" أي فقمن هؤلاء النسوة بإصلاح شعرها وإلباسها أحسن ثيابها، وإعدادها لزوجها، قالت عائشة: \" فلم يرعني إلاّ رسول الله - ﷺ - ﷺ - ضحى \" أي فلم أشعر إلاّ وقد دخل عليّ رسول الله صباحًا في وقت","vol":"4","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>٨٤١ - \" بَابُ هِجْرَةِ النبي - ﷺ - وَأَصحَابِهِ إلى الْمَدِينَةِ </span>\"\n٩٨٢ - عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - ﵂ قَالَتْ:\n\"لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلَّا وَهُمَا يَدينَانِ الدِّيْنَ، ولم يَمُرُّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلما ابْتلِيَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أبوْ بَكْرٍ مُهَاجِرًا نحو أرْض الْحَبَشَةِ، حتىْ إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ، فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبَا بَكْرٍ؟\nــ\nالضحى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قصة زواجه - ﷺ - من السيدة عائشة ﵂ وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، لأن رسول الله عقد على عائشة وعمرها ست سنوات، ودخل عليها وعمرها تسع سنوات. ثانيًا: مشروعية إعداد العروس وتزيينها لزوجها، وإلباسها أفخر ثيابها ليلة زفافها وعرسها، لقول عائشة ﵂: \" ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني \". والمطابقة: في كون الحديث مشتملًا على قصة زواجه - ﷺ - بعائشة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n٨٤١ - \" باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة \"\n٩٨٢ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا في حديثها هذا عن قصة الهجرة النبوية، فتمهد لذلك بقولها: \" لم أعقل أبوي إلاّ وهما يدينان الدين \" يعني أن أبويها أسلما قديمًا، وهي لا زالت صغيرة جدًا، حتى إنها لا تذكر وقت إسلامهما، لأنها منذ أن فتحت عينينها وعرفت أبويها، وجدتهما يعتنقان الإِسلام، فلما اشتد الأذى على أبي بكر مثل غيره، من المسلمين، خرج","vol":"4","page":301},{"text":"فَقَالَ أبو بَكْرٍ: أخرَجَنِي قَوْمِي، فَأُرِيدُ أنْ أسِيْحَ في الأرْض، وأعْبُدَ رَبِّي، فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أبا بَكْر لا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْوِي الضَّيْفَ (١)، وَتُعِينُ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ، فأنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ واعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فرَجَعَ وارْتَحَلَ معَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَة عَشِيَّةً في أشْرَافِ قُرَيْشِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أبَا بَكْر لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينَ عَلَى نَوائِبِ الْحَقِّ، فَلَمْ تُكَذِّبْ قُريشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وقالُوا لابنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْر فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا، وَليْقَرأ مَا شَاءَ، ولا يُؤْذِينَا\nــ\nمهاجرًا إلى الحبشة، قالت عائشة: \" فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد \" بفتح الباء وسكون اللام وكسر الغين موضع في طريق اليمن على بعد خمسة مراحل \" لقيه ابن الدغنة \" بالدال المفتوحة المشددة والغين المكسورة والنون المفتوحة المخففة \" وهو سيد القارة \" أي رئيس قبيلة القارة بفتح الراء، وهي من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن الياس \" فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج \" بفتح الباء وضم الراء \" ولا يخرج \" بضم الياء وفتح الراء أي لا ينبغي أن يخرج بنفسه، ولا أن يخرجه قومه من بلده، \" إنك تكسب المعدوم \" أي إنك من المحظوظين في التجارة تربح ما لا يربح غيرك \" وتصل الرحم، وتحمل الكل \" أي تعين الضعيف العاجز \" وتقوي الضيف \" أي تكرمه \" وتعين على نوائب الحق \" أي وتقف عند الحوادث والنوازل إلى جانب الحق فتنصر المظلوم وتضرب على يد\n_________\n(١) تقدم مثله فٍى وصف السيدة خديجة ﵂ للنبي - ﷺ - كما في حديث عائشة من باب بدء الوحي، وشرحناه هناك شرحًا وافيًا.","vol":"4","page":302},{"text":"بِذَلِكَ، ولا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِك ابْنُ الدَّغِنَةِ لأبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أبو بَكْرٍ بذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، ولا يَسْتَعْلِنُ (١) بِصَلَاتِهِ ولا يَقْرأ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبي بَكْرٍ فابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَذِفُ عليه نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وأبنَاءُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، ويَنْظرٌونَ إِلَيْهِ، وكان أبو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرأ الْقُرآنَ، فأفْزَعَ ذَلِكَ أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فأرْسَلُوا إلَى ابْنِ الدَّغنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فقالُوا: إِنَّا كُنَّا أجَرْنَا أبا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ علَى أن يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فأعْلَنَ بالصَّلَاةِ والقِرَاءَةِ فِيهِ، وِإنَّا قَدْ خَشِينَا أن يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبنَاءَنَا، فانْهَهُ، فَإِنْ أَحبَّ أن يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَلَ، وَإنْ أَبَى إلَّا أن\nــ\nالظالم. \" فأنا لك جار \" أضعك في جواري وحمايتي وأدافع عنك \" فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة \" أي فلم يجرأ أحد من قريش على أن يرد جوار ابن الدغنة أو يخفره وينتهكه \" وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره \" أي سرًا ولا يجاهر بعبادته لئلا يفتن النساء والصبيان عن دينهم \" فقال ذلك ابن الدغنه لأبي بكر \" أي فأبلغه هذا الشرط لكي يلتزم به، ويقوم بتنفيذه \" فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره \" مدة من الزمن يعبد ربه سرًا في بيته \" ولا يستعلن بصلاته \" أي لا يجاهر بصلاته ولا بقراءته \" ثم بدا لأبي بكر \" أي ثم ظهر لأبي بكر أن يجاهر بعبادته، \" فابتنى مسجدًا بفناء داره \" أي في ساحة المنزل المكشوفة للناس \" وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن \" أي وصار يصلي ويعبد ربه بالصلاة وقراءة القرآن جهارًا أمام أعين الناس \"فيتقذف عليه نساء\n_________\n(١) ولا يستعلن أي لا يجاهر بصلاته وقراءته للقرآن.","vol":"4","page":303},{"text":"يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِليْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأبِي بَكْرٍ الاسْتِعْلانَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أن تَقْتَصِرَ علَى ذَلِكَ، وإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلِيَّ ذِمَّتِي، فإني لا أحبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَإِنِّي أردُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وأرْضَى بِجِوَارِ اللهَ ﷿، والنبي - ﷺ - يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ النبي - ﷺ - لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي أُرِيْتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابتَيْنِ، وهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ منْ كَانَ هَاجَرَ بأرْضِ الْحَبَشَةِ إلى الْمَدِينَةِ، وتَجَهَّزَ أبو بَكْرٍ قِبَلَ، الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -: عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: وَهَلْ\nــ\nالمشركين\" أي يزدحم عليه النساء والأطفال ويتدافعون حتى يتساقطون عليه \" فأفزع ذلك أشراف قريش \" أي أخافهم وأقلقهم \" فأرسلوا إلى ابن الدغنة \" وكلموه في شأن الصديق وطلبوا منه أن يلتزم بالشرط \" فقالوا: إنا كما قد أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره \" أي إنا كنا قبلنا جوارك لأبي بكر والتزمنا به، وحافظنا عليه، على شرط أن يعبد ربه سرًا، ولا يجاهر بعبادته، فيؤذينا، ويضل نساءنا وصبياننا \" فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل \" أي فله أن يفعل ذلك، مع بقاء الجوار نافذًا \" وإن أبى إلاّ أن يعلن ذلك \" أي وإن أصر أن يعبد ربه علنًا \" فسله أن يرد إليك ذمتك \" أي فاطلب منه أن يرد إليك جوارك وحمايتك له \" فإنما كرهنا أن نخفرك \" أي أن ننتهك حرمة الجوار الذي بيننا وبينك. قالت عائشة ﵂: \" فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه \" أي أنت تعرف الشرط","vol":"4","page":304},{"text":"تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِيَصْحَبَهُ، وعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ، وَرَقَ السَّمُرِ -وَهُوَ الخَبَطُ- أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ في بَيْتِ أبِي بَكْرٍ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قالَ قَائِلٌ لأبِي بَكْرٍ، هَذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُتَقَنِّعًا في سَاعةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: فداءٌ لَهُ أبِي وأمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فجاءَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النبي - ﷺ - لأَبِي بَكْرٍ\nــ\nالذي شرطته على قريش في جواري لك، \" فإما أن تقْتَصِر على ذلك \" وتحافظ عليه، ولا تتعدى حدوده، \" وإما أن ترجع إليَّ ذمتي \" وترد إليَّ جواري \" فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت \" أي فإني أخشى أن تضطر قريش إلى انتهاك حرمة جواري على نقض عهدي، ويكون ذلك وصمة لي \" فقال أبو بكر فإني أرد إليك جوارك \" وذلك رغبة منه في أن يتحرر في عبادته فيعبد الله كيف شاء \" فقال النبي - ﷺ - للمسلمين: إني أريت دار هجرتكم \" أي أنه - ﷺ - أطلعه الله في منامه على \" المدينة \" التي سيهاجر إليها \" وتجهز أبو بكر قبل المدينة \" أي تهيأ واستعد أبو بكر للرحيل إلى المدينة التي أمر الله بالهجرة إليها \" فقال له رسول الله - ﷺ - على رسلك \" أي تمهل قليلًا فلعلك ترافقني في الهجرة إليها \" فحبس أبو بكر نفسه \" أي فتوقف أبو بكر وتأخر عن السفر من أجل أن يصحب النبي - ﷺ - \" وعلف راحلتين عنده ورق السمر وهو الخبط (١) \" أي ما يخبط بالعصى من أوراق الشجر، \" فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة \" أي عند الهاجرة، وبقرب الزوال \"قال قائل\n_________\n(١) وهو شجر الطلح، والطلح كما قال أبو عبيدة والفراء: شجر عظام له شوك. اهـ. في \" تفسير القرطبي \" ج ١٧.","vol":"4","page":305},{"text":"أخْرِج مَنْ عِنْدَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إِنَّما هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ - ﷺ -: فَإِنِّي قَدْ أذِنَ لِي في الْخُرُوجِ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بأبي أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: نَعَمْ، قَالَ أبو بَكْرٍ: فَخُذْ بأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: بالثَّمَنِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهزْنَاهُمَا أحثَّ الْجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً في جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذاتَ النِّطَاقِيْنِ، قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأبَو بَكْرٍ بغَارٍ في جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وهُوَ غُلامٌ شَابٌ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيَدَّلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا\nــ\nلأبي بكر: هذا رسول الله - ﷺ - متقنعًا\" أي مغطيًا رأسه \" فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي \" والمعنى أجعل أعز الأشياء عندي وهما أبي وأمي فداءً للنبي - ﷺ -. \" ما جاء به في هذه الساعة إلاّ أمر \" أي لم يأت في ساعة الظهيرة إلا لأمر هام له شأنه وخطره \" قالت عائشة ﵂: فجاء رسول الله - ﷺ - فاستأذن، فأذن له، فدخل \" عليهم في منزلهم \" فقال النبي - ﷺ - لأبي بكر: أخرج من عندك \" من الغرباء، لأنه يريد أن يتحدث معه في شأن الهجرة \" فقال أبو بكر إنما هم أهلك \" أي ولا يوجد في البيت أحد غريب. \" قال: فإني قد أذن لي في الخروج \" أي فإن الله قد أذن لي بالهجرة إلى المدينة \" فقال أبو بكر ﵁: الصحابة \" أي أسألك صحبتك، ومرافقتك في هجرتك قالت عائشة ﵂: \" فجهزناهما أحّث الجهاز \" بفتح الجيم أي فجهزناهما بأحسن ما يحتاج إليه المسافر في سفره من أثاث ومتاع ولباس، أو فجهزناهما بأسرع جهاز ممكن، لأن الوقت كان ضيقًا، ويجوز في جهاز وجهان","vol":"4","page":306},{"text":"بِسَحرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ، بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فلا يَسْمَعُ أمرًا يَكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ في رِسْلٍ، وَهُو لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهمَا، حتَّى يَنْعَقَ بِهَا عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، واسْتَأجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأبو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيل، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْن عَدِي هَادِيًا خِرِّيتًا -والخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بالهِدَاية- قَد غَمَسَ حلِفًَا في آلِ العَاصِ بْن وَائِلٍ السَّهْمِي، وهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْش، فَأمنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأتاهُمَا بِرَاحِلَتِيهما صُبْحٍ ثلَاثٍ، وانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ والدَّلِيلُ، فأخَذَ\nــ\nفتح الجيم وكسرها \" كما أفاده العيني \" \" وصنعنا لهما سفرة \" أي وأعددنا لهما زادهما من الطعام، \" فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها \" أي من الحبل الذي تشد بها وسطها عند العمل \" فربطت \" أي فربطته بتلك القطعة من نطاقها، \" ثم لحق رسول الله - ﷺ - وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه، أي اختفيا فيه \"، لأنّ قريشًا دبروا أمرهم لقتله - ﷺ - تلك الليلة، فأتى جبريل إلى النبي - ﷺ - فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك. فلما كانت عتمة الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه فقال النبي - ﷺ - لعلي ﵁ نم على فراشي، وخرج - ﷺ - ومعه حفنة من تراب في يده، فجعل ينثر على رؤوسهم، وهو يتلو (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ). إلى قوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) ثم انصرف بصحبة الصديق ﵁ إلى غار ثور \"فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو","vol":"4","page":307},{"text":"بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ، قَالَ: سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْن جُعْشُم، جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْش يَجْعَلُونَ في رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأبي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ قَتَلَهُ أوْ أسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أنا جَالِسٌ في مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِج أقْبَلَ رَجُل مِنْهُمْ حتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ إِنِّي قَدْ رَأيْتُ آنِفًا أسْوِدَةً بالسَّاحِلِ أرَاهَا مُحَمَّدًا وأصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أنَهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأيْتَ فُلَانًا وَفُلانًا، انْطَلَقُوا بأعْيُننَا، ثُمَّ لَبِثْتُ في الْمَجْلِس سَاعَة ثُمَّ قُمْتُ، فدَخَلْتُ، فأمَرْتُ جَارِيَتي أنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أكَمَةٍ فَتَحْبِسهَا عليَّ، وَأخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بي، حَتَّى\nــ\nغلام شاب ثقف لقن\" أي حاذق فطن \" فيدلج من عندهما بسحر \" أي فيعود من عندهما إلى مكة آخر الليل \" كبائت \" أي فيكون في مكة صباحًا مع الفجر كأنما كان بائتًا بها، ولم يفارقها \" فلا يسمع أمرًا يكتادان به \" أي يدبر ضدهما \" إلاّ وعاه \" أي عرفه واطلع عليه فيخبرهم به \" ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم \" أي شاة من غنم يأتيهما بلبنها \" فيبيتان في رسل \"، وهو اللبن الطازج الطري \" وهو لبن منحتهما ورضيفهما \" والرضيف اللبن توضع فيه الحجارة المحماة بالشمس ليسخن \" حتى ينعق بها \" بكسر العين أي يصبحِ بها \" بغلس \" أي فِي آخر الليل \" واستأجر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من بني الديل \" قبيلة من كنانة، واسمه عبد الله بن أريقط \" هاديًا خريتًا \" أي دليلًا ماهرًا \" قد غمس حلفًا في آل العاص \" أي تحالف معهم: \" قال سراقة بن جعشم: جاءنا رسل من كفار قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر","vol":"4","page":308},{"text":"دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرْتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فأهْوَيْتُ يَدِي إلى كِنَانَتي فاسْتَخْرَجتُ مِنْهَا الأَزْلامَ، فاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، أضُرُّهُمْ أَمْ لا؟ فخرج الذي أكرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأزْلَامَ تُقَرِّبُ بي، حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ وَأبو بَكْرٍ يُكْثِرُ الالْتِفَاتَ، سَاخْت يَدَا فَرَسِي في الأرْض حتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذا، لأثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِع في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فاسْتَقْسَمْتُ بالأزْلامِ فخرَجَ الذي أكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بالأمَانِ، فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حتَّى\nــ\nدية كل واحد منهما\" أي مقدار ديته، وهي مائة من الإِبل \" فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة \" أي أمرتها أن تخرج لي فرسي متسترة عن الناس وراء مرتفع من الأرض لئلا يعلموا بخروجي، فيسبقني أحد إلى محمد وصاحبه، \" وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجِّه الأرض وخفضت عاليه \" أي أرخيت رمحي حتى مس زجه الأرض، وبالغت في خفض أعلاه لئلا يظهر لمن بعد عنه، والزج الحديدة التي في أسفل الرمح \" حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي \" أي فأسرعت بفرسي لكي تقربني منهما، وتقطع المسافة في زمن قصير إليهما \" حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها \" أي حتى اقتربت من محمد - ﷺ - وصاحبه، فعثرت في فرسي عثرة شديدة حتى سقطت عن ظهرها \" فأهويت بيدي إلى كنانتي \" أي فمددت يدي إلى كيس الأزلام الذي معي \" فاستخرجت منها الأزلام، فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ \" أي فأخرجت منها سهمًا لأعرف هل أستطيع أن أضرهم أم لا \" فخرج الذي أكره \" أي فخرج لسهم يدل على أني لا أضرهم \"فركبت","vol":"4","page":309},{"text":"جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ من الْحَبْسِ عَنْهُمْ، أن سَيَظْهَرُ أمرُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وأخْبَرْتُهُمْ أخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ وعَرَضْتُ عَلَيهمْ الزَّادَ والْمَتَاعَ، فلَمْ يَرْزآنِي، ولم يَسأَلانِي إلَّا أن قَالَ: اخْفِ عَنَّا، فَسألتُهُ أن يَكْتُبَ لِي كتابَ أَمْنٍ، فأمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِنْ أدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَلَقِيَ الزُّبَيْرَ في رَكْبٍ مِنَ اْلمُسْلِمِينَ كَانُوا تُجَّارًا قَافِلينَ مِنَ\nــ\nفرسي وعصيت الأزلام\" أي فلم ألتفت إلى ما ظهر لي من الأزلام، بل ركبت فرسي وتبعت محمدًا وصاحبه \" حتى إذا سمعت قراءة رسول الله - ﷺ - وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، ساخت يدا فرسي في الأرض \" أي غاصت في الأرض \" ثم زجرتها \" أي صحت عليها بشدة \" فنهضت، فلم تكد تخرج يديها \" أي فقامت الفرس بعد محاولة شديدة حتى أنها كادت أن لا تستطيع إخراج يديها من الأرض \" فلما استوت قائمة إذا لِأثر يديها عُثَان ساطع (١) في السماء \" أي فلما اعتدلت الفرس، وقامت من سقطتها، رأيت لأثر يديها غبارًا شديدًا \" مثل الدخان \" يشبه الدخان في سواده \" فناديتهم بالأمان \" أي فأعطيتهم الأمان. \" فوقفوا \" أي فوثقوا بي ووقفوا وفي رواية: \" فناديت القوم أنا سراقة بن مالك بن جعشم أنظروني (٢) أكلمكم، فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه \". اهـ. فوقفوا ينتظرونه، ليعرفوا ما عنده \" ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله - ﷺ - \" أي فتيقنت بعدما منعت عن الظفر بهم، أن محمدًا رسول الله حقًا، وأن دينه سيعلو \" وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني \" أي فلم يأخذا مني شيئًا \"فسألته\n_________\n(١) أي مرتفع في الجو والعثان بضم العين وفتح الثاء الغبار.\n(٢) أنظروني، أي انتظروني.","vol":"4","page":310},{"text":"الشَّامِ، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وأبا بَكْر ثِيَابَ بَياض، وَسَمِعَ الْمُسْلِمُونَ بالْمَدِينَةِ بِمَخْرَجِ رَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ مَكَّةَ فكانُوا يَغدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إلى الْحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فانْقَلبُوا يَوْمًا بَعْدَ ما أطالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أوَوْا إلى بُيُوتِهِمْ أوْفَى رَجُل مِنْ يَهودَ عَلى أطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لأمْرٍ يَنْظرٌ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وأصْحَابِهِ مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ أنْ قَالَ بأعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إلى السِّلَاحِ فَتَلَقَّوْا\nــ\nأن يكتب لي كتاب أمن\" أي كتاب موادعة يؤمنني فيه حتى إذا التقيت بالمسلمين في المدينة أو غيرها لا يتَعرض لي أحد منهم بسوء \" فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم \" أي فكتب في كتاب موادعة في قطعة من جلد، وأعطاني إيّاه. لكي أستفيد منه عند الحاجة. \" وسمع المسلمون بالمدينه مخرج رسول الله - ﷺ - من مكة \" أي وسمع المسلمون من الأوس والخزرج بالمدينة بخروج رسول الله - ﷺ - من مكة قادمًا إلى المدينة \" فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرّة \" أي فكانوا يخرجون كل صباح إلى حرة قباء ينتظرون قدومه \" حتى يردهم حر الظهيرة \" أي إلى أن يأتي وقت الظهر، فيعودون إلى ديارهم، \" فانقلبوا يومًا \" أي فعادوا يومًا إلى بيوتهم، \" فلما آووا إلى بيوتهم \" أي فلما وصلوا إلى منازلهم، \" أوفي رجل من يهود على أطم من آطامهم \" أي صعد رجل من اليهود على حصن من حصونهم \" فبصر برسول الله وأصحابه مبيضين \"، أي فرأى النبي - ﷺ - وأصحابه وعليهم الثياب البيضاء \" يزول بهم السراب \" أي يغطون السراب \" فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدُّكم الذي تنتظرون \" أي فلم يستطع اليهودي أن يتمالك نفسه، ولم يسعه إلاّ أن ينادي","vol":"4","page":311},{"text":"رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ حتى نَزَلَ بِهِمْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وذلكَ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ من شَهْرِ رَبِيعِ الأوَّلِ، فقامَ أبو بَكْرٍ لِلنَّاس، وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جاء مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُحيِّي أبَا بَكْرٍ، حَتَّى أصَابَتْ الشَّمْسُ رَسُول اللهِ - ﷺ -، فأقْبَلَ أبو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَبِثَ رَسُولُ الله - ﷺ - في بني عَمْرِو بْن عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وأسسَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسسَ عَلى التَّقْوَى، وَصَلَّى فيهِ رَسُول اللهِ - ﷺ - ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَسار يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتىَّ بَرَكَتْ\nــ\nبأعلى صوته يا معشر العرب من الأوس والخزرج هذا هو حظكم السعيد قد أقبل بقدوم نبيكم، \" فثار المسلمون إلى السلاح \" أي فتقلد المسلمون أسلحتهم لاستقبال رسول الله - ﷺ - وحراسته من اليهود \" فتلقوا رسول الله - ﷺ - بظهر الحرة \" أي فاستقبلوه - ﷺ - فوق الحرة المتصلة بقباء \" فعدل بهم ذات اليمين \" أي فاتجه في سيره إلى غرب قباء \" حتى نزل في بني عمرو بن عوف \" بن مالك الأوسي، وكانوا ينزلون غربي قباء \" وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول \" الموافق للثاني عشر من ربيع الأول، عند اشتداد الضحى، قبل الزوال كما أفاده ابن إسحاق. قال ابن كثير: والظاهر أن بين خروجه من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يومًا \" فقام أبو بكر للناس \" أي فوقف أبو بكر يسلم على المستقبلين \" فطفق من جاء من الأنصار يحيي أبا بكر \" أي يبدأ بالسلام على أبي بكر يظن أنه النبي - ﷺ - \" حتى أصابت الشمس رسول الله - ﷺ - فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه \" أي فجاء أبو بكر إلى النبي - ﷺ - حتى وقف خلفه، وظلل عليه من أشعة الشمس بردائه \" فعرف الناس رسول الله - ﷺ - \" أي فلما ظلل عليه","vol":"4","page":312},{"text":"عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - بالمَدِينَةِ، وهُو يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وكان مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ لِسَهْل وَسُهَيْل غُلَامَيْنِ يَتيمَيْنِ في حَجْرِ أسْعَدِ ابْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلته: هَذَا إن شَاءَ\nــ\nالصديق عرف الناس عند ذلك من هو رسول الله - ﷺ - \" فلبث رسول الله - ﷺ - في بني عمرو بن عوف \" أي فأقام النبي - ﷺ - في بني عمرو بن عوف نزيلًا على كلثوم بن الهدم، \" بضع عشرة ليلة \" أي أربع عشرة ليلة كما في حديث أنس، وقال ابن إسحاق: أقام خمسًا، وهو أنسب الأقوال وأظهرها، وأكثرها ملاءمة لسياق القصة، لأنه توجه إلى المدينة يوم الجمعة، وصلاها في الطريق (١)، فتكون إقامته في قباء خمسة أيام من الاثنين إلى الجمعة إذا حسبنا يوم الخروج منها. \" وأسس المسجد الذي أسس على التقوى \" وهو مسجد قباء، أوّل مسجد بناه النبي - ﷺ - بالمدينة. اهـ. فالجمهور على أن المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء. قال الحافظ: وهو ظاهر الآية لما روي عن النبي - ﷺ - قال: نزلت (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) في أهل قباء، أخرجه أبو داود. وقال بعضهم: إن قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) يقتضي أنه مسجد قباء، لأن تأسيسه كان في أول يوم حلّ النبي - ﷺ - بدار الهجرة. \" ثم ركب - ﷺ - راحلته فسار يمشي معه الناس \" قال ابن إسحاق: فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله - ﷺ - وصاحبه بين أظهرهم - أي في وسطهم وهم يحفون به الخ. \" حتى بركت عند مسجد الرسول - ﷺ - \" وأدركته الجمعة في الطريق في بني سالم بن عوف. فنزل وصلاها هناك، ثم واصل سيره إلى المدينة حتى\n_________\n(١) أي وصلى النبي - ﷺ - أوّل جمعة له بالمدينة في الطريق بين مكة وقباء، فلو أنه - ﷺ - أقام أكثر من خمسة أيام لصلى هذه الجمعة في مسجد قباء.","vol":"4","page":313},{"text":"اللهُ الْمَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الغُلَامَيْنِ فساوَمَهُمَا بِالمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالا: لَا، بَلْ نَهِبُهُ لَكَ يَا رَسُول اللهِ، فَأبى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً، حتى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبِنَ في بُنْيَانِهِ، وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:\nهذَا الحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرْ ... هَذَا أبَرُّ رَبَّنَا وَأطْهَرْ\nوَيَقول:\nاللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أجرُ الآخِرَةِ ... فارْحَمِ الأنْصَارَ والْمُهَاجِرَه\nفَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُل مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي\".\nــ\nبركت ناقته في موضع مسجده - ﷺ - \"وكان مربدًا للتمر \" أي موضعًا يجفف فيه التمر \" لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة \" أي تحت وصايته - \" فقال رسول الله - ﷺ - حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل \" أي هذا هو الموضع والمكان الذي ننزل فيه إن شاء الله تعالى، لأن الله تعالى اختاره لنزولنا، وفي رواية عن أنس أنه قال: \" قدم رسول الله - ﷺ -، فلما دخل جاء الأنصار برجالها ونسائها، فقالوا: إلينا يا رسول الله، فقال: دعو الناقة فإنها مأمورة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري \" (١) إلخ الحديث، وفي رواية موسى بن عقبة: أنه كان يقول: دعوها فإنها مأمورة، فإنما أنزل حيث أنزلني الله، فلما انتهت إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب، فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه \" ثم دعا رسول الله - ﷺ - الغلامين، فساومهما بالمربد \" أي فساوم وصيَّهُما في شراء ذلك المربد كما في رواية ابن عيينة حيث قال فكلم عمهما أن يبتاعه منهما. كما أفاده الحافظ\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير ج ٣.","vol":"4","page":314},{"text":"\" ليتخذه مسجدًا \" أي ليبني على تلك الأرض مسجده - ﷺ - \" فقالا: بل نهبه \" أي نعطيه لك دون ثمن. \" فأبى أن يقبله منهما هبة \" أي فرفض أن يقبله منهما بدون ثمن، \" ثم بناه مسجدًا \" أي ثم اشتراه منهما، وبنى في مكانه مسجدًا، \" وطفق رسول الله - ﷺ - ينقل معهم اللبن في بنيانه \" أي وشرع رسول الله في بناء المسجد، وشارك أصحابه بيده في بنائه، فصار ينقل معهم اللبن \" ويقول وهو ينقل اللبن \" يعني وينشد أثناء ذلك قول الشاعر:\nهَذَا الحِمَالُ لَا حِمَالُ خيْبَرْ ... هَذا أبرُّ رَبّنا وَأطْهَرْ\nأي إن ما يحمله المسلمون في بناء المسجد أعظم وأجل من أحمالِ خيبر وتمورها كلها، لما يُنَالُ به من نعيم الآخرة الذي لا يحول ولا يزول ويقول:\nاللهم إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخرة ... فارْحَمِ الأنصَارَ وَالمُهَاجرَة\nأي الأجر الحقيقي هو الأجر الأخروي، لأنه كما قال بعضهم: لو كانت الدنيا من جوهر يفنى والآخرة من خزف يبقى لكانت الآخرة أفضل، ثم دعا - ﷺ - للمهاجرين والأنصار بالرحمة والرضوان في قوله: \" فارحم الأنصار والمهاجرة \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فوائد وأحكام كثيرة: أولها: بيان قصة هجرته - ﷺ - إلى المدينة والحفاوة البالغة التي قوبل بها، فكانوا يفدون كل غداة إلى الحَرَّة ينتظرون قدومه لكي يستقبلوه حتى يردهم حر الظهيرة، ثم لما جاءتهم البشرى بوصوله إلى المدينة تقلدوا سيوفهم، وذهبوا لاستقباله، وأحاطوا به خوفًا عليه من اليهود وقالوا: اركبا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فركب نبيُّ الله - ﷺ - وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل بالمدينة: جاء نبي الله جاء نبي الله - ﷺ -، فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبي الله - أي فصار أهل المدينة يتطلعون إلى رؤيته، ويهتفون باسمه قائلين: جاء نبي الله، جاء نبي الله، قال البراء بن عازب: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله - ﷺ - حيث جعلت الإِماء","vol":"4","page":315},{"text":"يقلن: قدم رسول الله - ﷺ -. أخرجه البخاري، وقال أنس: فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدف وهن يقلن:\nنَحْنُ جَوارٍ مِنْ بَنِي النَجَّارِ ... يَا حَبَّذا مُحَمَّدًا مِن جَارِ\nأخرجه الحاكم. واحتفي به - ﷺ - كل أهل المدينة رجالًا ونساءً، ووقف العواتق على شرفات المنازل يترائينه - ﷺ - ويتطلعن إليه يقلن: \" أيهم هو؟ \" وخرج إليه - ﷺ - الرجال والغلمان والخدم يقفون على جانبي الطريق يهتفون باسمه، ويكبرون، ويقولون -كما روى ذلك أنس- الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد - ﷺ - أخرجه الشيخان. ثانيها: أن الهجرة كانت نقطة تحول في تاريخ الدعوة الإِسلامية، وفاتحة نصر للنبي - ﷺ - وللمؤمنين، وكانت كما قال ابن القيم: مبدءًا لإعزاز دين الله، ونصرة عبده ورسوله، وكانت استجابة لدعوة النبي - ﷺ - التي أمره الله بها، وتحقيقًا لها، حيث أمره أن يقول: (رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا) فحقق الله لنبيّه - ﷺ - بهذه الهجرة كل المآرب، ووجد في طيبة الطيبة أرضًا خصبة لنشر دعوته، فازدهرت الدعوة الإِسلامية، وقويت، واشتدت، ومكن الله لها في الأرض، ولذلك أجمع الصحابة في خلافة الفاروق على أن يؤرخوا بالهجرة، وكان ذلك في السنة السابعة عشرة (١) حيث استشار عمر المسلمين في وضع تاريخ إسلامي يتعرفون به آجال الديون وغيرها من القضايا الهامة، ثم اختار عمر الهجرة، وجعل بداية العام الهجري من محرم، لأنه أول الشهور العربية.\nثالثها: أن في نزول النبي - ﷺ - بدار أبي أيوب ﵁ شرف وفضيلة عظيمة له ﵁. قال ابن كثير: وهذه منقبة عظيمة لأبي أيوب، وروى بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه لما قدم أبو أيوب ﵁ البصرة، وكان ابن عباس ﵄ نائبًا عليها من قبل علي ﵁ بالغ ابن\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير.","vol":"4","page":316},{"text":"عباس في تكريمه حتى أنه خرج لأبي أيوب عن داره (١)، وأنزله فيه، كما أنزل رسول الله - ﷺ - في داره وملكه كل ما أغلق عليه، ثم أعطاه عند سفره عشرين ألفًا وأربعين عبدًا، وقد صارت دار أبي أيوب من بعده إلى مولاه أفلح، ثم اشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار، وأصلحها، ووهبها لأهل بيت فقراء. رابعها: مشابهة الصديق للنبي - ﷺ - في أغلب شمائله حتى أنّ ابن الدغنة وصفه بالصفات التي وصفت بها خديجة ﵂ رسول الله - ﷺ - في قولها: \" إنك لتصل الرحم، إلخ. خامسها: أن هجرته - ﷺ - لم تكن سهلة ميسورة، وإنما كانت صعبة قاسية محفوفة بالمخاطر، فقد خرج - ﷺ - من مكة في شهر يونيه من سنة ٦٢٢ م (٢) حيث اشتد الحر، وتوهجت الصحراء، وسار - ﷺ - وصاحبه فوق الحجارة الحارة، والرمال الجارحة التي أدمت أقدامهما، ولم يصل النبي - ﷺ - إلى الغار حتى تفطرت قدماه، ثم إنهما مكثا في ذلك الغار الموحش الرهيب ثلاثة أيام أشد ما يكون الطلب عليهما، فقد جعل أهل مكة في كل منهما ديته مائة من الإبل، وكان النبي - ﷺ - عالمًا بذلك، فاجتهد في إخفاء أثر قدميه، حتى أنه كان يمشي على أطراف قدميه، حتى حفيت قدماه، فحمله الصديق يشتد به حتى أتى الغار. سادسها: معجزته - ﷺ - الظاهرة مع سراقة بن جعشم عندما لحق به، فساخت قدما فرسه مرتين إلى آخر ما جاء في ذلك. سابعها: أن هجرته - ﷺ - لم تكن عن رأي شخصي، وإنما كانت بأمر إلهي، حيث أمر بذلك في قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا). ثامنها: أن الهجرة كانت رحلة مخططة منظمة بأمر إلهي وتدبير سماوي، ومن هذا التدبير المحكم أنه - ﷺ - أمره جبريل أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة، وأن\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير.\n(٢) \" فيض الخاطر \" لأحمد أمين جـ ٢.","vol":"4","page":317},{"text":"يخرج من داره ليفوّت على قريش فرصة اغتياله، فذهب إلى الصدِّيق وخرجا سويًا من خلف البيت، وسارا معًا حتى وصلا غار ثور، ورتب - ﷺ - أمر إيصال الطعام إليهما، كما كلفا عبد الله بن أبي بكر بإيصال الأخبار إليهما أولًا بأوّل، والمطابقة: في كون الحديث متضمنًا لقصة الهجرة. الحديث: أخرجه البخاري.\n***","vol":"4","page":318},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-924> كتابُ الْمَغازِي </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>٨٤٢ - \" بَابُ قِصَّةِ غَزْوة بَدر </span>\"\nــ\n\nكتاب المغازي\n٨٤٢ - \" باب قصة بدر \"\nوبدر: قرية على طريق المدينة مكة، على بعد مائة وخمسين كم من المدينة، وكانت هذه الغزوة يوم الجمعة الموافق للسابع عشر من رمضان على رأس تسعة عشر شهرًا من الهجرة النبوية سنة ٦٢٤ م وسببها أن النبي - ﷺ - سمع بأبي سفيان مقبلًا في عير تجارية لقريش قُدِّرَ رأسُ مالها بعشرين ألف جنيه (١) ومعها ثلاثون أو أربعون رجلًا، فندب المسلمين إليها، وقال: هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، وكان يقصد من وراء ذلك أن يستولي على هذه الأموال تعويضًا للمسلمين عن الأموال التي أخذها المشركون من المهاجرين، وأن يضعف الناحية الاقتصادية لقريش، لارتباطها الوثيق بالناحية العسكرية، فخرج رسول الله - ﷺ - بمن خرج معه في الثامن من رمضان وكلف ابن أمّ مكتوم أن يصلي بالناس في المدينة وعين أبا لبابة واليًا عليها، وعلم أبو سفيان بخروجه - ﷺ -، فحذره ومال بالعير إلى الساحل واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالًا ليأتي إلى مكة ويستنفر قريشًا، فخرجوا مسرعين، ولم يتخلف منهم إلاّ أبو لهب، وكان أبو سفيان قد أحس أن هناك أمرًا يدبر له من قبل محمد - ﷺ -، فسار بالقافلة على ساحل البحر حتى نجا بها، وخرجت قريش بقوتها وفرسانها، لتشفي غليلها، وتحمي عيرها، وكان أبو جهل يبذل كل جهده في تحريضها، وكان\n_________\n(١) \" محمد رسول الله - ﷺ - \" للأستاذ محمد رضا.","vol":"4","page":319},{"text":"عددهم ألفًا، معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وهم في غاية البطر والخيلاء، معتمدين على قوتهم، وكثرة عددهم، وجاءهم رسول أبي سفيان يخبرهم أنه نجا بالعير، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرًا، فنقيم هناك ثلاث ليال، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا. وخرج - ﷺ - في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا وليس معهم من الإِبل سوى سبعين ومعهم فرسان فقط، وكان معهم رايتان سوداوان راية المهاجرين ويحملها علي ﵁، وراية الأنصار ويحملها رجل منهم، وكان اللواء الأبيض يتلألأ خفاقًا بيد مصعب بن عمير، فلما وصل النبي - ﷺ - وادي الصفراء، علم أن أبا سفيان قد نجا بعيره، وأن قريشًا قد أقبلت لقتال المسلمين فاستشار أصحابه، فقال: إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فماذا تقولون؟ فنهض من المهاجرين المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا) ولكنا نقول لك: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت فينا عين تطرف. فوالله الذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْكِ الغماد لَسِرْنَا مَعَكَ.\nوكان - ﷺ -: قد أراد أن يتعرف على رأي الأنصار لأن المعاهدة التي عقدها معهم في بيعة العقبة إنما تنص على حمايته في المدينة فهو لا يريد منهم أن يخرجوا معه إلى حرب خارج المدينة إلاّ بمحض إرادتهم واختيارهم، وأدرك الأنصار ما عناه النبي - ﷺ - بهذه الاستشارة، فوقف رئيسهم سعد بن معاذ، وقال: لعلك تريدنا معاشر الأنصار؟ فقال النبي - ﷺ -: نعم فقال سعد: قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك تخشى أن يكون الأنصار لا ينصروك إلاّ في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار: فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك والذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا","vol":"4","page":320},{"text":"رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، وإنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. فزاد سرور النبي - ﷺ -، فقال سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، العير أو النفير، فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم. وبنوا للنبي - ﷺ - عريشًا يكون فيه، ورأى - ﷺ - قريشًا مقبلة من الكثيب فقال: اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك، وتكذّب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، وحاول حكيم بن حزام أن تعود قريش إلى مكة دون حرب، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد هل لك أن لا تزال تذكر بخير إلى آخر الدهر، قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، فقام عتبة بن ربيعة خطيبًا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو من عشيرته، فارجعوا فخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وأرسل إلى عامر بن الحضرمي يحثه على الأخذ بثأر أخيه، فصاح عامر: واعمراه واعمراه، فحميت الحرب وبدأ القتال بالمبارزة، فخرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فخرج إليهم فتية من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم حاجة، يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فبارز عبيدة وهو أسن القوم عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز عليٌّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة حتى قتله، وأما عليٌّ فلم يمهل الوليد حتى قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأجهزا عليه، ثم التقى الفريقان وتزاحف الناس، ونظّم رسول الله - ﷺ - الجيش، ورتب الصفوف، ودخل إلى العريش يناشد ربّه ما وعده من النصر، وهو يقول: \" اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد \"، وأبو بكر يقول: يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك وخرج - ﷺ - يحرّض الناس","vol":"4","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>٨٤٣ - \" بَابُ عِدَّةِ أصْحَابِ بَدر </span>\"\n٩٨٣ - عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ:\n\" حَدَّثَنِي أصْحَاب محَمَّدٍ - ﷺ - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أنَّهمْ كانوا عِدَّةَ أصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوزُوا مَعَة النَّهْرَ، بِضْعَةَ عشرَ وثَلاَثمِائَةٍ، قَالَ البَرَاء: لا واللهِ مَا جَاوَزَ مَعَة النَّهْرَ إلَّا مؤْمِنٌ \".\nــ\nويبشرهم بالجنة، فقال عمرو بن الحمام وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلاّ أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده، وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل، ثم إن النبي - ﷺ - أخذ حفنة من الحصباء، ولفحهم بها، وقال: شاهت الوجوه، فكانت الهزيمة عليهم فقتل من قتل من صناديد قريش وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وقتل أبو جهل وأمية بن خلف، وكانت هزيمة ساحقة للمشركين، حيث قتل فيها سبعون منهم وأسر سبعون. وانتهت المعركة بانتصار المسلمين مع قلة عددهم وعدتهم، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).\n٨٤٣ - \" باب عدة أصحاب بدر \"\n٩٨٣ - معنى الحديث: أن المسلمين الذين خرجوا مع النبي - ﷺ - إلى غزوة بدر كان عددهم مثل أصحاب طالوت الذين اجتازوا معه نهر الأردن، لقتال جالوت الجبار، وقد كانوا بضعة عشر وثلاثمائة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان عدد المسلمين في غزوة بدر، وأنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، قال ابن كثير (١) وروى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل بدر ثلثمائة وثلاثة عشر،\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير.","vol":"4","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>٨٤٤ - \" بَابُ قتلِ أبِي جَهْلٍ </span>\"\n٩٨٤ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ يَنْظر ما صَنَعَ أبو جَهْل؟ \" فانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، قَالَ: أَأَنْتَ أبُو جَهْلٍ؟ قالَ: فَأخَذَ بِلِحْيَتهِ قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُل قَتَلْتُمُوهُ أو رَجُل قَتَلَهُ قَوْمُهُ.\nــ\nوكان المهاجرون ستة وسبعين، والباقون من الأنصار. ثانيًا: أن الله قد نصر المسلمين في بدر مع قلة العدد والعدة على جيش يبلغ أضعاف جيشهم، كما نصر أصحاب طالوت على جالوت، وقد قال فريق منهم (لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي لا قدرة لنا على محاربتهم فضلًا عن أن تكون (١) لنا الغلبة عليهم، ولكن الآخرين أجابوهم قائلين (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) حيث يكتب الله لها التوفيق والنصر. والمطابقة: في كون الحديث دل على عدد المسلمين في غزوة بدر وهو ما ترجم له البخاري. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي\n٨٤٤ - \" باب قتل أبي جهل \"\n٩٨٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: من يذهب إلى أبي جهل فيأتينا بأخباره، وما فعل الله به، فبادر إليه عبد الله بن مسعود، فوجده جريحًا مثخنًا بجراحه، وقد ضربه غلامان من الأنصار \" حتى برد \" أي حتى أصبح في الرمق الأخير من حياته لم يبق به كما قال الحافظ، إلاّ مثل حركة المذبوح \" قال: فأخذ بلحيته \" أي فأمسك ابن مسعود بلحيته \" فقال: أنت أبو جهل \" أي فقال متشفيًا فيه أنت أبو جهل طاغية قريش أراك اليوم صاغرًا ذليلًا قد صرعتك سيوف المسلمين \" قال: هل فوق رجل قتلتموه \" أي إذا كنت\n_________\n(١) \" تفسير المراغي \" ج ٢.","vol":"4","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-927>٨٤٥ - \" بَابُ شُهُودِ الْمَلَاِئكَةِ بَدرًا </span>\"\n٩٨٥ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ - يَوْمَ بَدْرٍ: \" هَذَا جِبْرِيلُ آخِذ بِرَأس فَرَسِهِ عَلَيْهِ أدَاةُ الْحَرْبِ \".\nــ\nقد قتلت فكم من الأبطال قد قتله قومه، فلا عار عليَّ في ذلك يا رُوَيْعيَّ الغنم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على قصة مقتل أبي جهل في غزوة بدر، وقد اختلفت الروايات فيمن قتله، ففي حديث أنس هذا أن الغلامين أثخناه جراحًا، فأدركه ابن مسعود في الرمق الأخير من حياته فأجهز عليه، أما عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقد روى لنا في حديثه أن أبا جهل قتله غلامان من الأنصار، ثم انصرفا إلى النبي - ﷺ - فقال أيكما قتله قال كل منهما: أنا قتلته، قال: وهل مسحتما سيفيكما قالا: لا، قال: فنظر النبي - ﷺ -، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والآخر معاذ ابن عفراء. فقوله: \" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح يدل على أنه قتله لأن الحكم له بالسلب يدل على أنه قاتله. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على قصة مقتل أبي جهل.\n٨٤٥ - \" باب شهود الملائكة بدرًا \"\n٩٨٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - أشار يوم بدر إلى شخص معين ولفت إليه أنظار الصحابة ونبههم عليه، فلما نظروا إليه قال: هذا الذي ترونه بأعينكم هو جبريل، وقد أمسك برأس فرسه أو بناصيته، أو بزمامه، وهو مدجج بأسلحة الحرب. وروى ابن إسحاق (١) أن النبي - ﷺ - خفق خفقة ثم\n_________\n(١) شرح القسطلاني على البخاري ج ٦.","vol":"4","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>٨٤٦ - \" بَاب حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ </span>\"\n٩٨٦ - عَنْ ابنِ عمَرَ ﵄ قَالَ:\n\" حَارَبَتِ النضِير وقرَيْظَة، فَأجْلَى بَني النَّضِيرَ، وَأقَرَّ قرَيْظَةَ وَمَنْ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قرَيْظَة، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، َ وَقَسَمَ نِسَاءَهمْ وأوْلادَهمْ وأمْوَالَهُمْ بَيْنَ المسْلِمِينَ، إِلَّا بَعْضَهمْ لَحِقوا بالنَّبِي - ﷺ - فآمَنَهمْ وأسْلَمُوا، وأجْلَى يَهودَ المدِينَةِ كلَّهمْ بَنِي قَيْنقَاعَ وَهمْ رَهْط عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلام، وَيَهودَ بَني حَارِثَةَ، وكُلَّ يَهودِ الْمَدِينَةِ \".\nــ\nانتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه، يقوده على ثناياه الغبار.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على شهود الملائكة غزوة بدر، وعلى رأسهم جبريل ﵇ حيث رافق النبي - ﷺ - من أوّل الغزوة إلى آخرها، ليشرف بنفسه على خطة سيرها، ويكون عونًا للنبي - ﷺ - ومددًا له، ومؤيدًا لأصحابه.\nمطابقة الحديث للترجمة: في قوله - ﷺ -: \" هذا جبريل \" فإنه دليل على الترجمة. الحديث: أخرجه البخاري.\n٨٤٦ - \" باب حديث بني النضير \"\nوبنو النضير قبيلة يهودية مشهورة، كانت منازلهم في قربان جنوبي المدينة، قال الشريف العياشي (١): وهي في موضع الحدائق المعروفة اليوم بأم عشر وأم أربع وجيدة وسمّان، وسليهم وغيرها، وفي هذه البقعة يقع قصر كعب بن الأشرف النبهاني نسبًا والنضيري خؤولة، ولا يزال هذا القصر قائم العين، وآثاره باقية حتى الآن في جنوب بستان أم عشر.\n_________\n(١) \" المدينة بين الماضي والحاضر \" للشريف إبراهيم العياشي.","vol":"4","page":325},{"text":"٩٨٦ - معنى الحديث: أن ابن عمر ﵄ يحدثنا عن قصة رسول الله - ﷺ - مع القبائل اليهودية، وكيف كانت نهايتهم: فيذكر لنا أن رسول الله - ﷺ - كان قد عقد معهم العهود والمواثيق، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم أن لا يظاهروا عليه أحدًا ولكنهم لم يحترموا الميثاق ونقضوا العهد الذي بينه وبينهم فجازاهم على غدرهم وخيانتهم. فأجلى بني قينقاع وبني النضير عن المدينة. وأما بنو قريظة فقتل رجالهم، وصادر أموالهم، وجعل نساءهم وأولادهم غنيمة للمسلمين، أما كيف وقع ذلك، فسيأتي شرحه في فقه الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان غدر اليهود، ونقضهم العهد، بمحاربتهم للنبي - ﷺ - كما يشير إليه قول ابن عمر: \" حاربت النضير وقريظة: \". ثانيًا: الإشارة إلى قصة بني قينقاع مع النبي - ﷺ - وكيف كانت نهايتهم الجلاء عن المدينة، وقد كانوا من موالي الخزرج وحلفاء عبد الله ابن أبي، وكانوا قلة يسكنون عند منتهى جسر بطحان ما بين المراكشية والمشرفية (١) عند أول الطريق النازل من قباء كما أفاده الشريف العياشي (٢) وقد تحولت هذه المنطقة حاليًا إلى شوارع فرعية تعرف بهذا الاسم، وكان لهم سوق هناك يعرف بسوق بني قينقاع، وكانوا صاغة يعملون في الذهب، وكان رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة وادعته اليهود كلها، فوادعهم، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وشرط عليهم شرطًا أن لا يظاهروا عليه فلما أصاب رسول الله - ﷺ - أصحاب بدر بغت يهود، وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله - ﷺ - من عهود، فجمع رسول الله - ﷺ - بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود، احذروا من الله ﷿\n_________\n(١) كانت المراكشية والمشرفية بستانين معروفين عند أوّل طريق قباء النازل فتحولا حاليًا إلى شارعين فرعيين يعرف أحدهما بشارع المشرفية والثاني بالمراكشية.\n(٢) \" المدينة بين الماضي والحاضر \" للشريف العياشي.","vol":"4","page":326},{"text":"مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، فقالوا: لا يغرنك من لقيت، ولئن قاتلتنا لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا وصادف في تلك الأيام أن جاءت امرأة نزيعة من قبيلة عربية من غير أهل المدينة، ولكنها متزوجة برجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع لتبيع حليًا فجلست عند صائغ، فجاء رجل من بني قينقاع، فحل ثوبها إلى ظهرها بشوكة، أي ربط بين طرفي ثوبها إلى ظهرها -فلما قامت بدت عورتها فضحكوا منها، فقام إلى اليهودي رجل من المسلمين فقتله، فاجتمعوا عليه وقتلوه ونبذوا العهد إلى النبي - ﷺ - وحاربوا، وكانوا أول من نقض العهد، فسار إليهم النبي - ﷺ - يوم السبت منتصف شوال على رأس عشرين شهرًا (١) من الهجرة فحاصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، ونزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فأمر بهم فربطوا، فذهب عبد الله بن أبي إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد أحسن في مواليَّ، وألح عليه في إطلاقهم فقال رسول الله - ﷺ -: اجلوهم لعنهم الله، وأمر بهم أن يجلوا من المدينة- فكانت نهايتهم الجلاء كما أشار إلى ذلك ابن عمر في آخر الحديث حيث قال: \" وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام \" أي وكان عبد الله بن سلام منهم، وقد جعل الله أموالهم غنيمة، فأخذ رسول الله - ﷺ - منهم (٢) آلة صياغتهم، وأسلحة كثيرة، وأجلاهم، فذهبوا إلى أذرعات بلدة بالشام ولم يدر الحول عليهم حتى هلكوا بدعوته - ﷺ - عليهم حيث قال لابن أبي لما شفع فيهم: \" هم لك لا بارك الله لك فيهم \" وكانت غزوة بني قينقاع، وإجلاؤهم عن المدينة في شوال من السنة الثانية من الهجرة. ثانيًا: دل الحديث على غدر بني النضير ونقضهم العهد، ومحاربتهم للنبي - ﷺ -، وإجلائه لهم - ﷺ - من المدينة إلى خيبر، كما قال ابن عمر ﵄: \" حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير \". وكانت\n_________\n(١) \" المغازي \" للواقدي ج ١.\n(٢) \" محمد رسول الله \" للأستاذ محمد رضا.","vol":"4","page":327},{"text":"منازلهم جنوب قربان جهة الحرة، تمتد في البقعة المعروفة بأم عشر كما تقدم، وذلك أن النبي - ﷺ - خرج إليهم يستعين بهم في دية رجلين من بني عامر كان قد قتلهما عمرو بن أمية، فخرج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير يستعين بهم في ديتهما، وكان معه نفر من المهاجرين والأنصار، منهم أبو بكر وعمر وكلمهم أن يعينوه في دية الرجلين، وكان بين بني النضير وبني عامر (١) حلف وعقد، فقالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك، ثم حلا بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، أي لن تجدوا فرصة تتيح لكم اغتياله مثل هذه الفرصة، ورسول الله - ﷺ - مستند إلى بيت من بيوتهم، وأشار عليهم حُييُّ بن أخطب أن يطرحوا عليه وعلى من معه من الصحابة حجارة من فوق هذا البيت الذي هو تحته، وقال لهم: لن تجدوه أخلى منه الساعة، فإنه إن قتل تفرق أصحابه ونصحهم سلام بن مشكّم أن لا يحاولوا ذلك وكان عمرو بن جحاش قد هيأ الصخرة ليرسلها على النبي - ﷺ - فلما أشرف بها جاء رسول الله - ﷺ - الخبر من السماء فنهض رسول الله - ﷺ - سريعًا كأنّه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة، وجلس أصحابه يتحدثون لبعض حاجته، فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر ﵁: ما مقامنا ها هنا بشيء، فقاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة، فسألوه عنه، فقال رأيته داخلًا المدينة فأقبل أصحاب رسول الله - ﷺ - حتى انتهوا إليه، فأخبرهم بما كانت اليهود تريده من الغدر به، وأرسل إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من بلده، وقال لهم: لا تساكنوني بها، وقد هممتم بالغدر وقد أجلتكم عشرًا، فمن بقي بعد ذلك ضربت عنقه، فأرسل إليهم ابن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم، فإن معي ألفين وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصونكم، فيموتون عن آخرهم، وتمدكم قريظة وغطفان، فطمع حُييٌّ فيما قال ابن أبي، فأرسل إلى رسول الله - ﷺ - إنّا لن نخرج من ديارنا،\n_________\n(١) \" شرح العيني على البخاري \" ج ١٧.","vol":"4","page":328},{"text":"فاصنع ما بدا لك، فأعلن رسول الله - ﷺ - عليهم الحرب، وصلّى العصر بفناء بني النضير في \" قربان \" وعليٌّ يحمل راية رسول الله - ﷺ -، وقام اليهود على حصونهم يرمون بالنبل والحجارة وحاصرهم رسول الله - ﷺ - وقطع نخلهم ولم ينصرهم بنو قريظة، وخذلهم عبد الله بن أبي وقومه وقذف الله في قلوبهم الرعب، كما أخبرنا الله تعالى بذلك في سورة الحشر فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) قال ابن إسحاق: فحاصرهم النبي - ﷺ - ست ليال، وتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله - ﷺ - بقطع النخيل والتحريق فيها -فلما رأوا ذلك قالوا: نخرج من بلادك، فقال: اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإِبل إلاّ الحلقة- أي السلاح، فرضوا بذلك، ونزلوا عليه، واحتمل بنو النضير من أموالهم ما استقلت به الإِبل، وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وحملوا أمتعتهم على ستمائة بعير. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - أعطى كل ثلاثة بعيرًا يتعقبونه، وقبض رسول الله ما تركوه من الأموال والدروع والسلاح، وخلفوا بعدهم النخيل والمزارع والحدائق الغناء في منطقة قربان. وكانت أموال بني النضير من الفيء الخاص برسول الله - ﷺ - ينفق منه على أهله ويدخر منه قوت السنة من الشعير والتمر، وما فضل جعله في السلاح والكراع. وذهب الشافعي إلى أن النبي - ﷺ - قسم أموال بني النضير على المهاجرين ليرفع مؤونتهم عن الأنصار، وهذا يتفق مع ما رواه ابن إسحاق. وكانت غزوة بني النضير كما حكاه البخاري عن الزهرى بعد بدر بستة أشهر قال البيهقي (١): وذهب آخرون إلى أنّها وقعت بعد أحد (٢) وهو الأصح، لأن قصة غدر بني\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير.\n(٢) وهو ما ذكره ابن إسحاق.","vol":"4","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-929>٨٤٧ - \" بَابُ قتلِ كَعْب بن الأَشْرَفِ </span>\"\n٩٨٧ - عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسولَهُ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أتحِبُّ أن أقتُلَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأْذَنْ لِي أن أَقُولَ شَيْئًا، قَالَ: قُلْ، فَأتاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلنَا صَدَقَةً وَإنَّهُ قَدْ عَنَّانا، وَإنِّي قَدْ\nــ\nالنضير بالرسول - ﷺ - إنما وقعت حين ذهب إليهم يطلب منهم مساعدته في دية الرجلين الذين قتلا من بني عامر، وهما إنما قتلا بعد أحد لا قبلها، وكانت نهاية أمرهم الجلاء عن المدينة، وقد أنزل الله تعالى في شأنهم سورة الحشر، ولهذا كان ابن عباس ﵄ يسميها سورة بني النضير. أما بنو قريظة فإنهم كما في حديث الباب لما نقضوا العهد قتلوا وصودرت أموالهم، وسبيت ذراريهم ونساؤهم كما سيأتي. والمطابقة: في قوله: \" فأجلى بني النضير \".\n٨٤٧ - \" باب قتل كعب بن الأشرف \"\nولم يكن كعب يهوديًا، ولكنه كان عربيًا نبهانيًا، وأخواله من بني النضير، وهم بطن من طيء، وكان طويلًا جسيمًا ذا بطن وهامة، وكان وسيمًا جميل الصورة كما يدل عليه الحديث.\n٩٨٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قد ندب أصحابه ودعاهم إلى قتل كعب بن الأشرف، فقال: \" من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله \" أي من يقتله منكم، ويريحنا من شره وأذاه، ويفوز بأجر ذلك وثوابه، فإنه استحق ذلك لشدة إيذائه لله ورسوله، فتصدى لذلك محمد بن مسلمة غير أنه سأل رسول الله - ﷺ - أن يأذن له في أن يقول لكعب كلامًا ظاهره","vol":"4","page":330},{"text":"أتَيْتُكَ أسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأيضًا واللهِ لَتَمَلُنَّهُ، قَالَ: فَإِنَّا قد اتَبّعْنَاهُ فلا نُحِبُّ أنْ نَدَعَهُ حتَّى نَنْظرُ إلى أي شَيْء يَصِيرُ شَأنُهُ، وقد أرَدْنَا أن تُسْلِفَنَا وَسْقًا أوْ وَسْقَيْنِ، فَقَالَ: نَعَمْ ارْهَنُوني، قَالُوا: أيُّ شَيْء تُرِيدُ؟ قَالَ: ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وأنت أجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أبْنَاءكُمْ، قالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ، أحَدُهُمْ فَيُقَالُ رُهِنَ بوَسق (١) أو وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، ولَكِنَّا نَرْهَنُك اللأمَةَ، فوَاعَدَهُ أن يأتِيَهُ، فَجَاءَهُ لَيْلًا، وَمَعَهُ أبو نَائِلَةَ، وَهُوَ أخُو كَعْب،\nــ\nالعداوة للنبي - ﷺ - احتيالًا عليه، فأذن له - ﷺ - بذلك، قال في الحديث \" فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة \" أي إن محمدًا قد فرض علينا هذه الصدقة التي طلبها منا وسمّاها زكاة \" وإنه قد عنانا \" أي أثقل علينا \" وإني أتيتك أستسلفك \" أي جئتك لأشتري منك الطعام بالدَّين \" قال: وأيضًا والله لتملَّنّهُ \" أي فوجد كعب الفرصة سانحة للطعن في النبي - ﷺ - والنيل منه فقال: والله لترين من محمد الشيء الكثير حتى تمله وتكرهه وتجزع منه \" قال: فإنا قد ابتعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه \" أي إننا ننتظر ما يكون من شأنه ونترقب ذلك \" فقال: نعم ارهنوني \" أي إذا أردتم أن أسلفكم، فادفعوا لي رهنًا، وعرض عليهم أن يرهنوه نساءهم، فاعتذروا وقالوا كما في رواية ابن سعد: وأي امرأة تُمنَعَ منك لجمالك، ثم عرض عليهم أن يرهنوه أبناءهم، فاعتذروا بأن ذلك يسيء إلى سمعتهم، ويكون سبة وعارًا عليهم، وعرضوا عليه أن يرهنوه اللامة، وفسرها سفيان بأنها السلاح قال: نعم، وأرادوا بذلك أن لا ينكر عليهم إذا جاؤوه بالسلاح، ولا يشك فيهم\n_________\n(١) والوسق ستون صاعًا.","vol":"4","page":331},{"text":"من الرَّضَاعَةِ، فَدَعَاهُمْ إلى الْحِصْنِ، فنَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امرَأتُهُ: أيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وأخِي أبو نَائِلَةَ، وَقَالَ غيرُ عَمْرو: قَالَت: أسْمَعُ صَوْتًا كَأنَّهُ يَقْطرٌ مِنْهُ الدَّمُ، قَالَ: إنَّمَا هُوَ أخِي مُحَمَّد بْن مسلِمَة وَرَضِيعِي أبو نَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِي إلى طَعْنَةٍ بِليل لأجَابَ، وَيُدْخِلُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مَعَهُ رَجُلَيْنِ، قَال عَمرو: جَاءَ مَعَهُ بِرَجُلَيْنِ، فَقَالَ: إذَا مَا جَاءَ فَإِنِّي قَائِل بِشَعَرِهِ فَأشَمُّهُ، فَإِذَا رَأيْتُمُونِي استمكَنْتُ مِنْ رَأسِهِ فدُوُنكُمْ فاضْرِبُوهُ، وَقَالَ مَرَّةً: ثم أُشِمُّكُمْ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ مُتَوَشِّحًا، وَهُو يَنْفَحُ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ، فَقَالَ: مَا رَأيتُ كَالْيَومِ رِيحًا، أي أطْيَبَ، وَقَالَ غَيْرُ عمرو: قَالَ: عِنْدِي أعْطرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ وأكمَلُ الْعَرَبِ، قَالَ عَمْروٌ فَقَالَ: أتَأذَنُ لي أنْ أشُمَّ رَأسَكَ، قَالَ: نَعَمْ، فَشَمَّهُ ثم أشَمَّ أصْحَابَهُ، ثم قَالَ أتَأذَنُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ، ثم أتوا النبي - ﷺ - فَأخبَرُوهُ\".\nــ\n\" فواعده \" محمد بن مسلمة \" أن يأتيه، فجاءه ليلًا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة \" ولهذا صحبه معه \" فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة \" المتأخرة من الليل \" وقال: غير عمرو قالت: أسمع صوتًا كأنه يقطر من الدم \" أي صوت عدوٍ يريدك \" قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة \" أي وأخي من الرضاعة أبو نائلة ثم قال: \" إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب \" أي إن الكريم يجيب من دعاه بالليل، ولا يتأخر عنه، ولو كان في ذلك الخطر على حياته \" ويدخل محمد معه رجلين \" أي فدخل عليه محمد بن مسلمة، وأدخل معه رجلين والظاهر أنّهما أبو نائلة وعباد بن بشر \" فقال \": محمد بن مسلمة \" ما رأيت كاليوم ريحًا \" أي ما شممت أطيب","vol":"4","page":332},{"text":"من هذه الرائحة ولا أعطر منها \" قال: عندي أعطر نساء العرب \" أي أطيبهن عطرًا \" فقال: أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه \" ثم تركه وشغله بالحديث قليلًا \" ثم قال أتأذن لي \" أن أشمك مرة أخرى \" قال: نعم فلما استمكن منه قال دونكم \" أي أخذ بفودي رأسه، وأمسك بشعره، وتمكن منه، فقال: اضربوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه. قال: وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاّ وقد أوقدت عليه نار.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: كيف تم قتل كعب ابن الأشرف النبهاني بتدبير محكم، وحيلة ودهاء على يد الصحابي الجليل محمد ابن مسلمة ورفاقه، وكان ذلك في شهر ربيع الأوّل من السنة الثالثة من الهجرة يولية سنة ٦٢٤ م. وقد أستنكر بعض المستشرقين اغتيال كعب بأمر الرسول - ﷺ -، لكنه استحق ذلك، لأنه خان وغدر، ونقض العهد، ودفعه الغرور بثروته وجاهه وقدرته الشعرية إلى هجو النبي - ﷺ - بأفظع الهجاء، بعد أن عاهده مع أخواله من اليهود فنقض العهد ونشط يهجو رسول الله - ﷺ - بأشعاره، ورحل إلى مكة يبث الدعوة للقتال، قال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف، قد آذى رسول الله - ﷺ - بالهجاء، وركب إلى قريش فاستقواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك الله أديننا أحب إلى الله أم (١) دين محمد وأصحابه؟ فقال له كعب: أنتم أهدى منهم سبيلًا، فأنزل الله على رسوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله - ﷺ - وجعل يشبب بأم الفضل بنت الحارث وبغيرها من نساء المسلمين، وروي أن كعب بن الأشرف صنع طعامًا (٢)، ودعا النبي - ﷺ - إليه،\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" \" شرح العيني على البخاري \".\n(٢) \" فتح الباري \" ج ٧.","vol":"4","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>٨٤٨ - \" بَابُ غَزْوَةِ أحُدٍ </span>\"\nــ\nوتواطأ مع جماعة من اليهود على الفتك به إذا حضر هذه الوليمة، فجاء - ﷺ - ومعه بعض أصحابه فأعلمه جبريل بما دَبَّرَهُ له كعب بن الأشرف فجلس معه النبي - ﷺ - ثم قام فستره جبريل بجناحه، فخرج من بينهم دون أن يراه أحد، فلما فقدوه تفرقوا فقال النبي - ﷺ -: من ينتدب لقتل كعب. ثانيًا: استدل السهيلي (١) بقوله - ﷺ -: \" من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله \" على وجوب قتل من سب النبي - ﷺ - وإن كان ذا عهد، خلافًا لأبي حنيفة. ثانيًا: أنه لا بأس بالكذب إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية ومنفعة للمسلمين لقول محمد ابن مسلمة: \" إن هذا الرجل قد سألنا الصدقة وإنه قد عنانا \" وقوله: \" ولكن نرهنك اللامة \" أي السلاح وهو لا يريد أن يرهنه شيئًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الحديث متضمنًا لقتل كعب بن الأشرف.\n٨٤٨ - \" باب غزوة أحد \"\nوغزوة أحد كانت يوم السبت ١٥ شوال من السنة الثالثة من الهجرة، وسببها أن قريشًا لما أصابها في بدر ما أصابها، كلموا أبا سفيان وجميع المساهمين في تلك العير التي كانت سببًا في وقعة بدر فقالوا: إن محمدًا قد قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، فكان أبو سفيان أول من أجاب، فجعلوا لتلك الحرب التي عزموا على شنها ضد محمد - ﷺ - ربح تلك العير، ويبلغ خمسين ألف دينار، وتجهزت قريش ومن والاها من قبائل كنانة وتهامة، وكان عددهم ثلاثة آلاف معهم الدفوف والمعازف والخمور، وكان قائدهم أبو سفيان بن حرب، وكان خروجهم لخمس مضين من شوال، وساروا حتى نزلوا ببطن الوادي من قبل أحد، وكان وصولهم يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال، واستشار النبي\n_________\n(١) \" الروض الأنف \" ج ٣.","vol":"4","page":334},{"text":"- ﷺ - أصحابه في الخروج، فرأى كبار المهاجرين والأنصار التحصن بالمدينة، وهو رأي عبد الله بن أبي أيضًا، وكان - ﷺ - قد رأى رؤيا أفزعته، وقصها على أصحابه، فقال: والله إني قد رأيت بقرًا تذبح، ورأيت في ذباب سيفي -أي في طرفه- ثلمًا، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأما البقر فناس من أصحابي يقتلون، وأما الثلم فهو رجل من أهل بيتي يقتل وأوّلت الدرع الحصينة بالمدينة وقال: امكثوا في المدينة، فإن دخل القوم قاتلناهم ورُمُوا من فوق البيوت وكانوا قد شبّكوا المدينة بالبنيان، فهي كالحصن، ولكن حمزة بن عبد المطلب وجماعة من شباب الصحابة اختاروا الخروج لئلا تظن قريش أنهم لم يخرجوا جبنًا وخوفًا منهم فوافق رسول الله - ﷺ - رأيهم فصلى الجمعة ووعظ الناس وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ثم صلى العصر، ودخل بيته، ولبس لأمته وخرج متقلدًا سيفه، فندم الذين اختاروا الخروج، وقالوا: ما كان ينبغي لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها فخرج يوم الجمعة، فأصبح في الشعب من أحد يوم السبت منتصف شوال، وجعل لواء الأوس بيد أسيد بن حضير ولواء الخزرج بيد حباب بن المنذر، ولواء المهاجرين بيد علي بن أبي طالب، وكان في المسلمين مائة دارع، وكان عددهم ألف مقاتل، فانخذل عبد الله بن أبي ورجع ومعه ثلثمائة، وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وعلي المشاة صفوان بن أمية. وجعل النبي - ﷺ - على الرماة عبد الله بن جبير الأوسي، وكان عددهم خمسين راميًا أقامهم النبي - ﷺ - على الجبل المعروف بجبل الرماة وقال لهم: احموا ظهورنا، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، ونشب القتال، ولم يزل حملة اللواء يقتلون واحدًا بعد الآخر حتى أصبح اللواء طريحًا على الأرض فحملته امرأة، وهي عمرة بنت علقمة الحارثية وكان عدد الذين قتلوا من حملة اللواء أحد عشر رجلًا، فتفرّق جيشهم إلى كتائب متعددة، وانهزم المشركون. غير أن المسلمين اهتموا بالغنائم، وقال أصحاب عبد الله بن جبير","vol":"4","page":335},{"text":"٩٨٨ - عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ:\n\"لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، وأجْلَسَ النبي - ﷺ - جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وأمَّرَ\nــ\nوهم الرماة: الغنيمة الغنيمة، تاركين مؤخرة الجيش، ونظر خالد بن الوليد إلى الجبل، فوجده خاليًا، فكر بالخيل وتبعه عكرمة فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم، وقتلوا أميرهم وارتبك المسلمون، وصار يضرب بعضهم بعضًا، ووقعت الهزيمة وثبت رسول الله وبعض أصحابه، وذاع في الناس وشاع أن رسول الله - ﷺ - قد قتل، وأصيب النبي - ﷺ - بالحجارة حتى أغمي عليه، وخدشت ركبتاه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشجّ وجهه، وجرحت شفته السفلى، وثبت معه أربعة عشر رجلًا من أصحابه، والتفوا حوله، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا وعدد القتلى من المشركين ثلاثة وعشرين رجلًا، والله أعلم.\n٩٨٨ - معنى الحديث: أن البراء بن عازب ﵁ يقصّ علينا بعض ما وقع في غزوة أحد، فيذكر لنا أنّ النبي - ﷺ - أقام جماعة من الرماة على الجبل المعروف بجبل الرماة، يبلغ عددهم خمسين راميًا تحت إمارة عبد الله بن جبير وكان - ﷺ - قد أراد من ذلك أن يحمي بهم مؤخرة الجيش كما جاء في رواية أخرى أنّ النبي - ﷺ - قال لهم: \" انضحوا الخيل عنا بالنبل، لا يأتنا من خلفنا \" وأمرهم أن لا يتركوا أماكنهم مهما كانت الأحوال والظروف، فلما التقى الجيشان انهزم المشركون حتى أسرع النساء هاربات من أرض المعركة، وقد ارتفعت ثيابهن عن سوقهن من شدة الجري، وظهرت خلاخلهن، فعند ذلك طمع الرماة في الغنيمة، وأسرعوا إلى الغنائم يأخذونها قائلين الغنيمة الغنيمة، وذكَّرهم أميرهم بأمر رسول الله - ﷺ - لهم أن لا يبرحوا الجبل، فلم يلتفتوا إليه، وذهبوا لجمع الغنائم فلما وقع ذلك منهم، نظر خالد بن الوليد إلى مؤخرة الجيش،","vol":"4","page":336},{"text":"عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللهِ، وقَالَ: لَا تَبْرَحُوا إنْ رَأيتُمُونَا ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ فلا تَبْرَحُوا، وِإنْ رَأيْتُموهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فلا تُعِينُونَا، فَلمَّا لَقِينَاهُمْ هَرَبُوا حتَّى رَأيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ في الْجَبَلِ، رَفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قد بَدَتْ خلاخِلُهُنَّ، فأخذُوا يَقُولُونَ: الْغَنِيمَةَ الْغَنيمَةَ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ: عَهِدَ إِليَّ النبي - ﷺ - أن لا تَبْرَحُوا، فَأبَوْا، فلمَّا أُبوْا صُرِفَ وُجُوهَهُمْ، فَأصِيبَ سَبْعُونَ قَتيلًا، وأشْرَفَ أبو سُفْيَانَ فَقَالَ: أفِي الْقَوْمِ مُحَمَّد؟ فَقالَ: لا تُجيبُوهُ، فَقَالَ: أفِي الْقَوْمِ ابْنُ أبي قُحَافَةَ؟ قَالَ: لا تُجِيبُوهُ، فَقَالَ: أَفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطَّاب؟ فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أحْيَاءً لأجابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ أبقَى اللهُ عَلَيْكَ مَا يُحْزِنُكَ، قَالَ\nــ\nفرأى الجبل خاليًا، ولم يبق عليه سوى القليل فكر بخيله عليهم، فقتل عبد الله بن جبير ومن معه، وهاجم مؤخرة الجيش فارتبك المسلمون، وصار يضرب بعضهم بعضًا، ووقعت الهزيمة فيهم، فأصيب منهم سبعون قتيلًا، وشاع أن النبي - ﷺ - قد قتل (١) ووصلت هذه الإشاعة إلى أبي سفيان، فأراد أن يتأكد من ذلك، فنادى بأعلى صوته أفي القوم محمد؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم عمر؟ فأمرهم النبي - ﷺ - أن لا يجيبوه، فلما لم يسمع منهم جوابًا قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يقدر عمر أن يسيطر على نفسه، ويمنعها عن الإِجابة، فقال لأبي سفيان: \" كذبت يا عدوَّ الله \" أي كذَّب الله ظنك، وخيَّب أملك \" وأبقى الله عليك ما يحزنك \" وهو بقاء النبي - ﷺ -، فأراد أبو سفيان أن يعبر عن فرحه وسروره واعتزازه بآلهتهم الباطلة، فقال:\n_________\n(١) قال ابن عباس: وصاح الشيطان قتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله - ﷺ -.","vol":"4","page":337},{"text":"أبو سُفْيَانَ: أعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: أجيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: الله أعْلَى وَأجَلُّ، قَالَ أبُو سُفْيَانَ: لَنا الْعُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: أجيبُوهُ، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا الله مَوْلانا ولا مولى لَكُمْ، قَالَ أبو سُفْيَانَ: يَوْم بِيَوْمِ بَدْرٍ، والْحَرْبُ سِجالٌ، وتجِدُونَ مُثْلةً لَمْ آمُرْ بِهَا، وَلَمْ تَسُؤنِي\".\nــ\nأعل هبل؟ أي زدت عزًا ورفعة وعلوًا يا هبل بانتصارنا على محمد وأصحابه، فأمر النبي - ﷺ - المسلمين أن يجيبوه بقولهم: الله أعلى وأجل. فأراد أبو سفيان أن يفاخر المسلمين ببعض أسماء آلهتهم، وأنهم ليس لهم مثلها \" فقال: لنا العزى ولا عزى لكم \" فأمرهم النبي - ﷺ - أن يجيبوه بقولهم: \" الله مولانا ولا مولى لكم \"، أي الله ناصرنا ولا ناصر لكم. عند ذلك قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، أي هذا اليوم مقابل يوم بدر، وكان النبي - ﷺ - قد أصاب منهم يوم بدر سبعين قتيلًا وأصابوا من المسلمين يوم أحد سبعين شهيدًا: فكانت هذه بهذه \" والحرب سجال \" أي نوب، نوبة لك ونوبة لنا، مرة تغلبنا، ومرة نغلبك فأقر النبي - ﷺ - أبا سفيان على ذلك ولم يجبه، لأنه الحقيقة والواقع، ثم قال أبو سفيان: \" وتجدون مثلة \" بضم الميم وسكون الثاء أي وتجدون في قتلاكم بعض التمثيل بهم من جدع أنوفهم، وقطع آذانهم، قال: \" لم آمر بها \" أي لم آمر بهذه المثلة قبل وقوعها، \" ولم تسؤني \" بعد وقوعها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجب على الجند طاعة القائد فيما يأمرهم به، لأن مخالفة أوامره من أعظم أسباب الهزيمة، فإن المسلمين لم ينهزموا في أحد إلاّ بسبب مخالفتهم كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا","vol":"4","page":338},{"text":"٩٨٩ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ:\n\" قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ: أرَأيْتَ إِنْ قُتِلْت فَأيْنَ أنَا؟ قَالَ: في الْجَنَّةِ، فألْقَى تَمَرَاتٍ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ \".\nــ\nوَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس ﵄: وإنما عنى بهذا (١) الرماة. قال الحافظ: وفيه شؤم ارتكاب المنهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه.\nثانيًا: قال الحافظ: فيه من الفوائد (٢) منزلة أبي بكر وعمر من النبي - ﷺ - وخصوصيتهما به، بحيث كان أعداؤه لا يعرفون غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما. والمطابقة: في كون الحديث دل على بعض ما وقع في غزوة أحد مما يتعلق بالترجمة. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود.\n٩٨٩ - معنى الحديث: أن رجلًا أراد أن يتأكد يوم أحد من مصيره إذا قتل في ذلك اليوم، فسأل النبي - ﷺ - أن يخبره أين هو إن قتل في هذه المعركة فقال النبي - ﷺ -: \" في الجنة \" لأن الشهيد في سبيل الله قد بشره الله بالجنة في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فلما سمع الرجل من النبي - ﷺ - هذه البشارة العظيمة، كانت في يده بعض تمرات، فألقاها، وقاتل حتى قتل. أما من هو هذا الرجل؟ فقد قال بعضهم: إنه عمير ابن الحمام لكن رجح الحافظ أنه رجل آخر غيره، لأن عمير بن الحمام وإن وقع منه ذلك أيضًا، لكنه وقع منه في غزوة بدر كما صرح بذلك أنس في حديثه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال الحافظ: فيه ما كان عليه الصحابة من حب نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة ابتغاء مرضاة\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير ج ٣.\n(٢) \" فتح الباري \" ج ٧.","vol":"4","page":339},{"text":"٩٩٠ - عَنْ أنسٍ ﵁:\n\" أن عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ، فَقَالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلَ قِتَالَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَئِنْ أشْهَدَنِي اللهُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أجِدُّ، فَلَقِىَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهُزِمَ النَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ، يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، وأبرَأ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: أيْنَ يَا سَعْدُ؟ إِنِّي أجِدُ ريحَ الْجَنَّةِ دُونَ أحُدٍ، فَمَضَى فقُتِلَ، فما عُرِفَ حتَّى عَرَفَتْهُ أخْتُهُ بِشامَةٍ أو بِبَنَانِهِ، وبِهِ بِضْعٌ وثمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ \".\n_________\nالله. ثانيًا: مشروعية تمني الشهادة، واستعجالها، كما فعل هذا الصحابي الجليل، حيث ألقى التمرات من يده، ثم قاتل حتى قتل، والمطابقة: في كون هذا الحديث دل على بعض ما وقع في غزوة أحد \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٩٩٠ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن عمه \" أنس بن النضر \" غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي - ﷺ - \" أي عن أوّل غزواته الكبرى، وهي غزوة بدر \" لئن أشهدني الله مع النبي - ﷺ - \" أي فأقْسِمُ لئن بلّغني الله حضور غزوة أخرى مع النبي - ﷺ - \" ليرين \" بفتح الياء الأولى والراء والياء الثانية \" الله ما أجدّ \" بفتح الهمزة، وكسر الجيم، أي ليرين الله تعالى كيف أبالغ في القتال والجهاد في سبيله وقال ابن التين: صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم، من جد يجُدُّ إذا اجتهد في الأمر، أي ليرين الله كيف أجتهد في قتال الكفار، \" فهزِمَ الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني المسلمين \" من مخالفة الرسول - ﷺ - وترك الجبل \" فقال يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد \" أي عند أحد، ولعله شم ريحًا طيبة، فعرف أنها ريح","vol":"4","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-931>٨٤٩ - \" بَابُ ذِكْرِ أمِّ سَلِيطٍ </span>\"\n٩٩١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁:\nأَنَّهُ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ أهلِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِىَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يا أَميرَ الْمُؤْمِنِينَ أعْطِ هذَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّتِي عِنْدَكَ، يُرِيدُونَ أمَّ كُلْثُوم بِنْتِ عَليٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: أمُّ سَلِيطٍ أحقُّ بِهِ مِنْهَا، وأمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أحُدٍ.\nــ\nالجنة \" فمضى فقتل فما عرف \" من كثرة جروحه \" حتى عرفته أخته بشامة \" أي بالخال الموجود فيه أو ببنانه \" وبه بضع وثمانون من طعنة \" برمح \" وضربة \" بسيف.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على وفاء أنس بن النضر بالعهد الذي قطعه على نفسه بالاستبسال في القتال، عند أول غزوة إسلامية وما أظهره في غزوة أحد من شدة النضال، وصدق الجهاد، حتى استشهد في سبيل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فلقي يوم أحد \" إلخ.\n٨٤٩ - \" باب ذكر أم سليط \"\n٩٩١ - معنى الحديث: يقول ثعلبة بن مالك راوي الحديث \" إن عمر ابن الخطاب ﵁ قسم مروطًا \" جمع مرط، وهو كساء من صوف يؤتزر به، أو تلقيه المرأة على رأسها \" فبقي منها مرط \" بكسر الميم وسكون الراء \" فقال له بعض من عنده: أعط هذا بنت رسول الله - ﷺ - التي عندك \" أي التي هي زوجتك \" فقال عمر: أمّ سليط أحق به منها \" فآثر أم سليط الأنصارية على زوجته، ورأى أنها أولى بهذا الكساء منها \"قال عمر: فإنها كانت","vol":"4","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>٨٥٠ - \" بَابُ قتلِ حَمْزَةَ ﵁ </span>\"\n٩٩٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْن عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَنَّهُ قَالَ لِوَحْشِيٍّ:\nألا تُخْبِرنَا بِقَتْلِ حَمْزَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ حَمْزَةَ قَتَلَ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لِي مَوْلايَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. إِنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأنْتَ حُرٌّ، قَالَ: فلَمَّا أَنْ خَرَجَ النَّاس عَامَ عَيْنَيْنِ -وَعَيْنَيْنِ جَبَلٌ بِحِيَالِ\nــ\nتزفر لنا القرب يوم أحد\" أي كانت تحمل القرب ملأى على ظهرها فتسقي الناس منها. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل أم سليط تلك الصحابية الجليلة التي ساهمت في الجهاد بخدمة المسلمين يوم أحد، وحمل الماء على ظهرها لتسقي المجاهدين، فسجل لها التاريخ ذلك وشهد لها عمر ﵁ بهذه المنقبة العظيمة، التي فضّلها بها على آل بيت رسول الله - ﷺ -. ثانيًا: توجيه النصح وتقديم المشورة إلى إمام المسلمين، لا سيما ممن حوله من الوزراء والكتاب ونحوهم. والمطابقة: في قوله: \" أم سليط (١) أحق بها منها \".\n٨٥٠ - \" باب قتل حمزة ﵁ \"\n٩٩٢ - ترجمة راوي الحديث: وهو عبيد الله - بالتصغير ابن عدي بن الخيار النوفلي القرشي، ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال العجلي: تابعي ثقة من كبار التابعين، روى عن عمر وعثمان وعلي، وتوفي بالمدينة في خلافة الوليد ابن عبد الملك.\nمعنى الحديث: أن عبيد الله بن الخيار سأل وحشيًا أن يحدثه عن قتل حمزة ابن عبد المطلب ﵁، فقال وحشي: إن حمزة قتل طعيمة بن عدي\n_________\n(١) بفتح السين وكسر اللام اشتهرت بكنيها، ولا يعرف اسمها كما أفاده العيني.","vol":"4","page":342},{"text":"أُحُدٍ، بَيْنَه وبَيْنَه وَادٍ- خَرَجْت مَعَ الناسِ إلى القِتَالِ، فَلَمَّا أنْ اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعٌ فَقَالَ: هَلْ من مُبَارِزٍ؟ قَال: فَخَرَجَ إليْهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يا ابْنَ أمِّ أنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ، أتحَادُّ اللهَ وَرَسُولَهُ - ﷺ -؟ قَالَ: ثمَّ شَدَّ عَلَيْهِ، فَكَانَ كأمْس الذَّاهِبِ، قَالَ: وَكَمَنْتُ لِحَمْزَةَ تَحْتَ صَخْرَةٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فأضَعُهَا في ثُنَّتِهِ، حتى خَرَجت مِنْ بَيْن وَرِكَيْهِ، قَالَ: فَكَانَ ذَاكَ الْعَهْدَ بِهِ، فلمَّا رَجَعَ النَّاسُ رَجَعْت مَعَهُمْ، فأقَمْتُ بِمَكَّةَ حتَّى فشا فيها الإسْلامُ، ثمَّ خَرَجت إلى الطَّائِفِ، فأرْسَلُوا إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - رَسُولًا، فَقِيْلَ لي: إِنَّه لا يَهِيجُ الرُّسُلَ، فخَرَجُتُ مَعَهُمْ حتى قَدِمْتُ على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فلما رَآنِي قَالَ: آنْتَ وَحْشِيُّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أنْتَ قَتَلْتَ\nــ\nفي غزوة بدر، وهو عم جبير بن مطعم وكان وحشي عبدًا له قال: \" فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر \" أي فوعده سيده بعتقه إن قتل حمزة ﵁ \" قال: فلما أن خرج الناس عام عينين، وعينين جبل بجيال أحد \" أي فلما خرج الناس للقتال في غزوة أحد \" خرجت مع الناس \" أي خرجت معهم وأنا حريص على قتل حمزة، لكي أظفر بعتق رقبتي \" فلما أن اصطفوا للقتال، خرج سباع \" أي سباع بن عبد العزى بكسر السين وفتح الباء المخففة \" فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال: يا ابن أم أنمار مقطعة البظور (١) \" يعيره بأمه، وكانت جارية مملوكة تختن النساء \" أتحاد الله ورسوله \" أي أتتجرأ على معاداتهما \" فشد عليه فكان كأمس الذاهب \" أي فهجم عليه فأزاله عن الحياة زوال الأمس عن اليوم \"قال:\n_________\n(١) البظور بضم والظاء جمع بظر وهو اللحمة التي تقطع من فرج المرأة.","vol":"4","page":343},{"text":"حَمْزَةَ؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ مِنَ الأمْرِ مَا قَدْ بَلَغَكَ، قالَ: فَهَل تَسْتَطِيعُ أنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَخَرَجَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ قُلْتُ: لأخْرُجَنَّ إلى مُسَيْلَمَةَ لَعَلِّي أقْتُلُهُ فأكَافِىءَ بِهِ حَمْزَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ من أمْرِهِ مَا كَانَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ في ثَلْمَةِ جِدَارٍ كَأنَّهُ جَمَلٌ أوْرَقُ، ثَائِرُ الرَّأسِ، قَالَ: فرَمَيْتُهُ بِحَرْبَتِي، فأضَعُهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ كَتِفَيْهِ، قَالَ: وَوَثب إلَيْهِ رَجُل مِنَ الأنْصَارِ، فَضَرَبَهُ بالسيفِ على هَامَتِهِ\".\nــ\nوكمنت لحمزة\" أي اختبأت له \" فأضعها في ثُنَّتِه \" أي فرميته بالحربة فوضعها في ثُنَّته أي ما بين السرة والعانة \" حتى خرجت من وركيه \" تثنية ورك، بفتح الواو وكسر الراء \" (١)، قال في \" المصباح \": وهما وركان فوق الفخذين كالكتفين فوق العضدين، قال: \" ثم خرجت إلى الطائف \" وذلك بعد فتح مكة \" فأرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - رسولًا \" أي فأرسل أهل الطائف إلى النبي - ﷺ - رسولًا، وفي رواية أخرى رسلًا \" فقيل لي إنه لا يهيج الرُّسل \" (٢) أي لا يصيبهم بمكروه \" فخرجت معهم \" إليه، \"قال: أنت قتلت حمزة \" مرتين \" قلت: قد كان من الأمر ما قد بلغك \" أي قد وقع مني قتل حمزة كما بلغك عني \" قال: فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني \" يعني: فطلب منه أن لا يواجهه خوفًا من أن يثير مشاعره عليه، قال: \" فخرج مسيلمة الكذاب فقلت لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله، فأكافىء وبه حمزة \" أي أقابل السيئة بالحسنة، فتكون هذه بهذه. \" فخرجت مع الناس \" إلى اليمامة \"فإذا رجل قائم في ثلمة\n_________\n(١) قال في \" المصباح \": ويجوز التخفيف بكسر الواو وسكون الراء. اهـ.\n(٢) وفي رواية لا يهيج رسولًا بالإفراد.","vol":"4","page":344},{"text":"جدار\" أي في ثقب جدار متهدم \" وكأنه جمل أورق \" أي كأنه في سماره جمل رمادي اللون \" فأضعها بين ثدييه \" أي فرميته بالحربة فأصبته في صدره بين ثدييه، قال: \" ووثب إليه رجل من الأنصار \" وهو عبد الله بن زيد \" فضربه بالسيف على هامته \" أي على رأسه فكانت القاضية عليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان مقتل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ﵁، وهو عم رسول الله - ﷺ - وأخوه من الرضاعة، كان ﵁ فارسًا عظيمًا في الجاهلية والإِسلام (١) وكانت قصة إسلامه مثلًا رائعًا للبطولة الفذة، فقد اعترض أبو جهل النبي - ﷺ - عند الصفا وشتمه، ونال منه، فسمع حمزة بذلك، فأقبل نحوه حتى إذا أقام على رأسه ضربه بقوسه، فشجه شجَّةً منكرة، فقام رجال من بني مخزوم يناصرون أبا جهل وقالوا: ما نراك يا حمزة إلاّ قد صبوت، قال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي الحق، أشهد أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين، وهكذا تحداهم البطل جميعًا، وجبن أبو جهل فقال: دعوا أبا عمارة، وأسلم حمزة في السنة الثانية من البعثة، ولازم نصر رسول الله - ﷺ -، وشهد بدرًا وأبلى في ذلك بلاء عظيمًا، وقتل شيبة بن ربيعة وطعيمة ابن عدي، وهو الذي أوغر عليه صدر جبير بن مطعم، وهند بنت عتبة، ودفعهما لأخذ الثأر منه، فأوعز جبير إلى مولاه وحشي بقتل حمزة، ووعده بعتق رقبته مكافأة له على ذلك، فتم أمر الله، ونفذ قضاؤه، فاستشهد البطل على يد ذلك العبد الحبشي، ولم يقتل مواجهة ولا مبارزة، فما كان لوحشي أن ينال من سيد الفوارس شعرة لو واجهه، ولكن حمزة كما قال الدكتور هيكل لم يُصرع كما تصرع (٢) الأبطال، وإنما كما يغتال الكرام في حلك الظلام، وما\n_________\n(١) \" غزوة أحد \" لمحمد أحمد باشميل.\n(٢) \" حياة محمد - ﷺ - \" للدكتور محمد حسين هيكل.","vol":"4","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>٨٥١ - \" بَابُ غَزْوَةِ الْخنْدَقِ </span>\"\nــ\nعسى أن تغني الشجاعة حين يختبىء الاغتيال في حندس الليل، فيورد صاحبه حتفه، وهكذا شاء القدر (١) أن يستشهد البطل على يد ذلك العبد الحبشي الذي هاب حمزة وهو مجندل على الأرض، فلم يجرأ على الاقتراب \" لأخذ حربته منه. ثانيًا: أن الإِسلام يجب ما قبله، وأن نبينا - ﷺ - لا يعرف التشفي والانتقام وإلّا فقد وقع \" وحشي \" قاتل عمه بعد فتح الطائف في قبضة يده، فما مد إليه يده بسوء، وما زاد على أن قال له: \" فهل تستطع أن تغيب وجهك عني \" فلم يثأر منه لعمه حمزة، مع شدة حزنه عليه، لأن الإِسلام يغفر لصاحبه ما قد سلف. ثالثًا: أن المرء لا يلام على شعوره بالاستياء، وعدم الارتياح لمقابلة من أساء إليه، أو إلى أحد أقاربه، لأن ذلك من الانفعالات النفسية الخارجة عن إرادته، وإلا لما قال النبي - ﷺ -: \" فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني \". الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث متضمن لقصة قتل حمزة ﵁.\n٨٥١ - \" باب غزوة الخندق \"\nوقد كانت هذه الغزوة في شوال من السنة الخامسة من الهجرة الموافق لشهر فبراير ٦٢٧ م، وذلك أنه - ﷺ - لما أجلى بني النضير خرج نفر من أشرافهم، منهم حيي بن أخطب إلى مكة يحرضون قريشًا على حرب النبي - ﷺ -، ووعدوهم بأنهم سيكونون معهم حتى يستأصلوه، وما زالوا بهم حتى وافقوا على محاربته، ثم ذهبوا إلى سليم وغطفان، ودعوهم إلى مشاركتهم في هذه الحرب، وأعلموهم أن قريشًا بايعوهم، فوافقوا، فجهزت قريش أربعة آلاف مقاتل وخرجوا بقيادة أبي سفيان، ووافتهم بنو سليم بمر الظهران بسبعمائة بقيادة سفيان بن عبد شمس، وخرجت بنو أسد وغطفان وفزارة وبنو مُرَّة حتى بلغ المجموع عشرة آلاف\n_________\n(١) هذه العبارة لا ينبغي أن تقال، وإنما يقال: وهكذا شاء الله تعالى، لأن المشيئة لله وحده.","vol":"4","page":346},{"text":"مقاتل. حفر الحندق: ولما بلغ رسول الله - ﷺ - نبأ هذه الجموع التي جاءت لمحاربته - ﷺ - ندب الناس، وشاورهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق تجاه العدو ليكون بمثابة خط دفاعي يتحصنون به من عدوهم، فأعجب النبي - ﷺ - بذلك، وضرب الخندق على المدينة، قال الأستاذ الأنصاري: وقد تم حفره من شمالي المدينة الشرقي إلى غربها، فالخندق كما نتخيل كان يشكل نصف دائرة، طرفها الغربي يقع غربي مسجد المصلى \" مسجد الغمامة \" والشرقي عند مبدأ حرة واقم. قال المطري: وقد عفا أثره اليوم، أي في القرن الثامن الهجري. لأن وادي بطحان استولى على موضع الخندق، وصار مسيله في الخندق. وقد شارك فيه النبي - ﷺ -. قال ابن هشام: \" فعمل فيه رسول الله - ﷺ - ترغيبًا للمسلمين في الأجر، فدأب فيه ودأبوا كما سيأتي تفصيله في الأحاديث الآتية: وكان النبي - ﷺ - قد عقد عهدًا مع بني قريظة أن لا يظاهروا عليه أحدًا، فأغرتهم بنو النضير على نقض العهد، وخرج حيي بن أخطب سيد بني النضير إلى كعب بن أسد سيد بني قريظة، فلما سمع صوته أغلق باب الحصن دونه، فلم يزل يلح عليه حتى فتح له، وما زال يستميله ويحاول معه حتى نقض العهد، وانضم إلى قبائل قريش وغطفان وغيرها من القبائل التي جاءت لمحاربته - ﷺ -. وخرج رسول الله - ﷺ - يوم الإثنين لثمان مضين من ذي القعدة، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد ابن حارثة، ولواء الأنصار سعد بن عبادة، وكان عددهم ثلاثة آلاف، وأقبلت قريش فنزلت بمجتمع الأسيال بين الجرف والغابة، وأقبلت غطفان ومن تابعها ونزلت بذنب نقمي (١) بجانب أحد، وكانت تلك الظروف ظروفًا قاسية اشتد فيها الحصار وتفاقم البلاء، سيما بعد أن نقضت قريظة عهدها، وانضمت إلى العدو فكانت هذه مفاجأة أليمة للنبي - ﷺ -، قال ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون\n_________\n(١) منطقة بشمال المدينة وشمال أحد.","vol":"4","page":347},{"text":"كل ظن، وهمّ بالفشل بنو حارثة وبنو سلمة معتذرين بأن بيوتهم عورة، أي مكشوفة للعدو، مهددة بالخطر، لأنهم كانوا خارج المدينة في الجهة الغربية منها، وهي المنطقة الواقعة غربي سلع إلى القبلتين، وحاول النبي - ﷺ - مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة، واستشار - ﷺ - سعد ابن معاذ وسعد بن عبادة فقالا للنبي - ﷺ -: أمر تحبه فتصنعه، أم شيء أمرك الله به، ولا بد لنا من العمل به أم شيء تصنعه لنا، قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رَمَتْكُمْ عن قوس واحدة فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإِسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلاّ السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله - ﷺ -: فأنت وذاك: ودام الحصار شهرًا ووقعت بين الفريقين بعض المناوشات الحربية واقتحم بعضهم الخندق، فتورط، وقتل، كما وقع لعبد الله بن المغيرة المخزومي. وكان مما أنعم الله به على المسلمين إسلام نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁، والخدعة التي قام بها، ويحدثنا ﵁ (١) عن ذلك فيقول: لما سارت الأحزاب سرت مع قومي حتى قذف الله في قلبي الإِسلام فكتمت قومي إسلامي، فأخرج حتى آتي رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء، وأجده يصلي، فلما رآني جلس، ثم قال: ما جاء بك يا نعيم؟ قلت: إني جئت أصدقك وأشهد أن ما جئت به حق، فمرني بما شئت يا رسول الله، فوالله لا تأمرني بأمر إلاّ مضيت له، وقومي لا يعلمون بإسلامي ولا غيرهم، قال: ما استطعت أن تخذل الناس فخذل، قال: قلت أفعل، ولكن يا رسول الله فأذن لي أقول ما أقول من المكر والحيلة، قال: قل ما بدا لك، فأنت في حل، قال: فذهبت حتى جئت بني قريظة، فلما رأوني\n_________\n(١) \" المغازي \" للواقدي.","vol":"4","page":348},{"text":"رحبوا بي، وأكرموا وحيوا، وعرضوا عليَّ الطعام والشراب، فقلت: إني لم آت لشيء من هذا، إنما جئتكم تخوفًا عليكم لأشير عليكم برأيي، وقد عرفتم ودي إياكم، فقالوا: قد عرفنا ذلك، وأنت عندنا على ما تحب من الصدق والخير، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: إن هذا الرجل يعني محمدًا - ﷺ - صنع ببني قينقاع وبني النضير وأجلاهم عن بلادهم، وأرى الأمر قد تطاول، وإنكم والله ما أنتم وقريش وغطفان من محمد بمنزلة واحدة، فإنهم إن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن أصابهم ما يكرهون انشمروا إلى بلادهم، وأنتم لا تقدرون على ذلك، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، فلا تقاتلوا مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم مخافة أن لا يستمروا في مواصلة قتاله، وأن ينسحبوا ويتركوكم معه وحدكم، قالوا: أشرت بالرأي علينا، ونحن فاعلون، قال: ولكن اكتموا عني، قالوا: نعم نفعل. ثم خرج إلى أبي سفيان فقال: يا أبا سفيان قد جئتك بنصيحة فاكتم عني، قال: أفعل، قال: تعلم أن قريظة قد ندموا على ما صنعوا وأرادوا صلح محمد، وأرسلوا إليه وأنا عندهم إنا سنأخذ من قريش وغطفان من أشرافهم سبعين رجلًا نسلمهم إليك تضرب أعناقهم وترد أجنحتنا التي كسرت إلى ديارهم، يعني بني النضير، ونكون معك على قريش، إن بعثوا إليكم يسألونكم رهنًا، فلا تدفعوا إليهم أحدًا، ولكن اكتموا عني، قالوا: لا نذكره، ثم خرج حتى أَتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وكان رجلًا منهم فصدقوه، وأرسلت اليهود إلى أبي سفيان غزال بن السموأل ليقول له: إن ثواءكم -أي إقامتكم- قد طال، ولم تصنعوا شيئًا، لو وعدتمونا يومًا تزحفون فيه إلى محمد ولكن لا نخرج معكم حتى ترسلوا إلينا برهان من أشرافكم يكونون عندنا، فإنا نخاف إن مستكم الحرب، أو أصابكم ما تكرهون تركتمونا، وقد نابذنا محمدًا بالعداوة، فلم يُرجعوا إليهم - أي لم يردوا عليهم جوابًا، وقال أبو سفيان لقريش: هذا ما قاله نعيم. ونجح نعيم بن مسعود في خطته، وزال شبح الخطر، وبدت بوادر","vol":"4","page":349},{"text":"الفرج، وأراد الله تعالى أن يمد المسلمين بقوة سماوية، فأرسل إليهم جندًا من عنده، وأرسل على قريش وغطفان عاصفة شديدة في ليلة شاتية باردة أكفأت قدورهم وقوّضت خيامهم، وأصيبوا بالمرض، متأثرين بذلك البرد القارس، وأنزل الله في قلوبهم الرعب، كما قال تعالى في سورة الأحزاب: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) قال ابن إسحاق: \" وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة، فلما رأى أبو سفيان ما رأى قال: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف أي الخيل والإِبل. وأخلفتنا بنو قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل.\n***","vol":"4","page":350},{"text":"٩٩٣ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ:\nلَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ، وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، رَأيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ، حَتَّى وَارَى عَنِّي الغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ، وكانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ، فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَهُو يَنْقُلُ مِنَ التُّرابِ يَقُولُ:\nاللَّهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا\nفَأنْزِلَنْ سكِينَةً عَلَيْنَا ... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا\nإِنَّ الأُلى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... وِإنْ أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا\nقَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بآخِرِهَا.\nــ\n٩٩٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما سمع ما أجمعت عليه قريش وغطفان من محاربته - ﷺ - ضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه - ﷺ - بيده الشريفة، وشارك المسلمين في حفره ترغيبًا لهم في الأجر والثواب، وكان ينشد شعر ابن رواحة وغيره في تشجيعهم وحثهم على مواصلة الحفر، وكان ينقل التراب معهم حتى غطى الغبار جلدة بطنه، ومما أنشده - ﷺ - من شعر ابن رواحة قوله:\n\" اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا \"\nوفي هذا ثناء على الله تعالى، وشكر له على نعمة الهداية والتوفيق لجميع الأعمال الصالحة من صلاة وصدقة وغيرها، فإنه لا توفيق إليها إلَّا بالله:\n\" فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا \"","vol":"4","page":351},{"text":"٩٩٤ - عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ - يَوْمَ الأحْزَابِ: \" نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا \".\nــ\nوفي هذا تضرع إلى الله تعالى أن يمدهم بالطمأنينة والصبر وثبات الأقدام عند ملاقاة العدو.\n\"إن الأولى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا\"\nأي إن هؤلاء المشركين الذين اعتدوا علينا، وتجمعوا لقتالنا ليفتنونا عن ديننا، سيخيب الله آمالهم لأننا جند الله، ونأبى أن نخضع لأي قوة تصرفنا عن دين الله. ولينصرن الله من ينصره.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أمره - ﷺ - بحفر الخندق بعد أن استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفره، ليكون خطًا دفاعيًا ضد العدو، ففيه أنه ينبغي أن نأخذ من غيرنا ما فيه مصلحة لنا ما دام لا يتعارض مع أحكام شريعتنا، سيما فيما يتعلق بالأمور العسكرية والعمرانية والزراعية وغيرها. ثانيًا: مشاركة النبي - ﷺ - لأصحابه في الأعمال الكبيرة تشجيعًا لهم، وهكذا ينبغي للرؤساء أن يشاركوا في الأعمال التي فيها مصلحة للمسلمين. ثالثًا: أن من السنَّة إنشاد بعض الشعر الحماسي أثناء العمل تشجيعًا للعاملين، وترغيبًا لهم كما فعل - ﷺ -. والمطابقة: في قوله: \" وخندق رسول الله - ﷺ \". الحديث: أخرجه الشيخان.\n٩٩٤ - معنى الحديث: يحدثنا سليمان بْن صرد ﵁ في حديثه هذا عن تبدل حال المسلمين من ضعف إلى قوة بعد غزوة الخندق، فيقول: مستشهدًا بكلام النبي - ﷺ - \" قال النبي - ﷺ - يوم الأحزاب \" أي بشر النبي - ﷺ - المسلمين بعد انصرافه من غزوة الخندق بقوله \" نغزوهم ولا يغزوننا \" أي يصبح لكم من الشوكة العزة والمنعة، وينزل الله الرعب في","vol":"4","page":352},{"text":"٩٩٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي أوفَى ﵁ قَالَ:\nدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الأحْزَاب فَقَالَ: \" اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِمِ الأحزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ \".\nــ\nقلوبهم، فلا يجرؤون على مبادأتكم بالغزو والحرب بعد غزوة الخندق لما حقق الله فيها من النصر على الأحزاب المختلفة من المشركين واليهود واستئصال قريظة من المدينة، وقطع دابرهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن غزوة الخندق كانت نقطة تحول في تاريخ المسلمين، وبداية عهد جديد، تهيأت فيه لهم كل أسباب القوة والمنعة، حيث انتصروا على الأحزاب، وقضوا على اليهود في المدينة، وأمنوا على أنفسهم من الفتن والحروب الخارجية والداخلية وأصبحت لهم دولة إسلامية قوية عزيزة الجانب، يرهبها الأعداء، ويحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا في غزوها ومحاربتها. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: قال النبي - ﷺ - يوم الأحزاب.\n٩٩٥ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن أبي أوفي \" دعا رسول الله - ﷺ - على الأحزاب \" أي على طوائف الكفار التي اجتمعت لقتال المسلمين من اليهود والمشركين \" فقال: اللهم منزل الكتاب \" أي يا منزل الكتاب الذي وعدت فيه المسلمين بالنصر على أعدائهم، في قولك الحق: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) \" سريع الحساب \" أي ويا سريع الانتقام من أعدائه \" اهزم الأحزاب \" أي اجعل لنا الغلبة عليهم ومكنَّا منهم \" وزلزلهم \" أي وسلط عليهم من أنواع البلاء ما تضطرب له قلوبهم، وترتجف له نفوسهم خوفًا وقلقًا ورعبًا. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في قوله: \" دعا على الأحزاب \".","vol":"4","page":353},{"text":"٨٥٢ - \" بَابُ مرْجِعَ النبي - ﷺ - من الأحزاب ومخرَجِهِ إلى بَنِي قُريْظَةَ \"\n٩٩٦ - عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\n\" نَزَلَ أهلُ قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأرسَلَ النبي - ﷺ - إلى سَعْدٍ فأتَى عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسجِدِ، قَالَ للأنْصَارِ: قومُوا إلى سَيِّدِكُمْ أو خَيْرِكُمْ، فَقَالَ: هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، فَقَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمُ وتَسْبِي ذَرَارِيَّهمْ، قَالَ: قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللهِ، وَرُبَّمَا قَالَ: بِحُكْمَ الْمَلِكِ \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية الدعاء على الأعداء بالهزيمة وللمسلمين بالنصر عليهم، لا سيما في ميادين القتال، فإن الدعاء فيها إذا خلصت النية مستجاب، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.\n٨٥٢ - \" باب مرجع النبي - ﷺ - من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ومحاصرته لهم \"\n٩٩٦ - معنى الحديث: أن بني قريظة لما نقضوا العهد، وانتهت غزوة الخندق بانتصار النبي - ﷺ -، وهزيمة المشركين، فعادُوا إلى ديارهم خائبين، خرج النبي - ﷺ - لمقاتلة بني قريظة، وحاصرهم مدة من الزمن حتى استسلموا، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، أي وافقوا على قبول حكمه فيهم، وكان حليفًا لهم، فأرسل النبي - ﷺ - إليه فأتى راكبًا على حمار، لأنه كان يعاني من الجرح الذي أصيب به في أكحله يوم الخندق، فأتوا به راكبًا على حمار، فلما اقترب من المسجد أمر النبي الأنصار أن يخفوا لاستقبال سيدهم، والترحيب به، وإعانته على النزول، ثم أخبره أن بني قريظة قد وافقت على حكمه فيهم، فحكم فيهم","vol":"4","page":354},{"text":"سعد أن يقتل رجالهم القادرين على القتال منهم، وأن تُصادر أموالهم، وتكون نساؤهم وصبيانهم غنيمة للمسلمين، فأعلن النبي - ﷺ - في الناس أن سعدًا قد وفق في حكمه هذا، وأنه قد حكم بحكم الله من فوق سبع سموات، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استسلام بني قريظة للنبي - ﷺ -، ونزولهم على حكم سعد بن معاذ بعد أن حاربهم النبي - ﷺ - بأمر الله تعالى، حيث جاءه جبريل بعد انتهاء غزوة الخندق في بيت عائشة معتجرًا (١) بعمامة من إستبرق (٢) على بغلة عليها قطيفة من ديباج فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عائدٌ إليهم، فمزلزل بهم، وكانت منازل بني قريظة بالحرّة الشرقية الجنوبية من العوالي شرقي \" حاجزة \" (٣) الحديقة المعروفة التي يقع على بابها مسجد بني قريظة وتنتهي هذه الحرة عند مشربة أم إبراهيم، فلما أمر - ﷺ - بالخروج أمر بلالًا أن يؤذن في الناس: إن الله يأمركم أن لا تصلوا العصر إلَّا في بني قريظة، وأعطى اللواء لعلي، وخرج إليهم في ثلاثة آلاف مقاتل، فحاصرهم خمسة عشر يومًا حتى جهدهم الحصار، وألقى الله في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد أن يؤمنوا بمحمد - ﷺ - ويصدقوه، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة، فعرض عليهم أمورًا أخرى فرفضوها، ولما شدد النبي - ﷺ - عليهم الحصار استسلموا له، ونزلوا على حكمه، فحاولت الأوس وهم حلفاؤهم تخفيف الحكم في حقهم وشفعوا إلى رسول الله - ﷺ - فيهم، فأجابهم النبي - ﷺ - بقوله: أما ترضون أن يحكم فيهم\n_________\n(١) واضعًا العمامة على رأسه.\n(٢) الاستبرق والديياج نوعان من الحرير.\n(٣) \" المدينة بين الماضي والحاضر \" لمؤرخ المدينة الأستاذ إبراهيم العياشي.","vol":"4","page":355},{"text":"رجل منكم، قالوا: بلى، قال: فذاك سعد بن معاذ، وكان سعد ﵁ إذ ذاك في خيمة بالمسجد، تمرضه امرأة من أسلم، وتداوي الجرح الذي أصيب به، فحمله قومه على حمار، وهم يقولون له: يا أبا عمرو أحسن إلى مواليك، فإن رسول الله - ﷺ - إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال قريظة، فلما انتهي سعد إلى النبي - ﷺ - قال: قوموا إلى سيدكم، ثم قال لسعد: هؤلاء نزلوا على حكمك، فرد رسول الله - ﷺ - الحكم فيهم إلى سعد ﵁ فقال: إني أحكم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، وتقسم أموالهم \" أخرجه أحمد. وهكذا كان حكم سعد صارمًا حيث حكم بتصفيتهم نهائيًا. ثانيًا: أن حكم سعد باستئصال بني قريظة كان موافقًا لحكم الله تعالى كما قال - ﷺ -: قضيت بحكم الله ﷿، ولا مجال لمناقشة هذا الحكم، فهو حكم الله العادل وقد نفذ فيهم النبي - ﷺ - حكم الله، فألقى القبض على رجالهم وسجنوا في دار بنت الحارث النجارية الأنصارية، وهي في موضع الحديقة الرومية (١) التي أنشأ في مكانها فندق التيسير، ثم هدم وأدخل في مشروع الحرم النبوي، وقال الشريف العياشي (٢): الذي أراه أنها ما فيه مدرسة آل مظهر، وما يقع في شرقيها، حيث كان مربد غنم الأغوات، وهذا الموضع في اتساع ما يكفي لأسرى قريظة، وأقل ما عُدَّ هو خمسمائة رجل، وأكثر ما قيل ثمانمائة، ولما حُبَسَ هؤلاء في دار بنت الحارث خرج رسول الله - ﷺ - إلى سوق المدينة، وأمر أن تحفر الخنادق، وأخرجوا أرسالًا أي أفواجًا، فضربت أعناقهم، ومنهم حيي بن أخطب، وكعب بن أسد، وكان عددهم ستمائة، وتولى ضرب أعناقهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام،\n_________\n(١) \" وفاء الوفاء \" للسمهودي.\n(٢) \" المدينة بين الماضي والحاضر \" للعياشي.","vol":"4","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-934>٨٥٣ - \" بَابُ غَزْوَةِ الحُدَيْبيَّةِ </span>\"\nــ\nوذلك بحضور النبي - ﷺ - فصاحت نساؤهم عند قتلهم، وشققن جيوبهن، ونشرن شعورهن، وضربن خدودهن، وملأت المدينة نواحًا، وجمعت ما في حصونهم، فخمس النبي - ﷺ - ذلك مع النَّخل والسبي، ثم بعث بالسبايا فباعها في نجد، واشترى بثمنها خيلًا وسلاحًا، واصطفي لنفسه ريحانة بنت عمرو، ولما استأصل بنو قريظة لم تقم لليهود بعد ذلك قائمة، وخضع المنافقون لرسول الله - ﷺ -، وطهرت المدينة من الخونة والغادرين. ثالثًا: استغل بعض المغرضين قصة مقتل بني قريظة في إثارة الشبهات ضد النبي - ﷺ -، قال في فيض الباري: اتفق لي مرة أن أسقفًا من النصارى سأل مسلمًا إن نبيكم لو كان صادقًا فلم قتل ستمائة نفس من اليهود، وأنا أنظر ما يجيب، فرأيت المسلم عاجزًا عن الجواب، فبادرت إليه قائلًا: وهل تخبرني كم مرة عفا عنهم مع غدرهم؟ فما جزاء الغدر في شريعتكم، فسكت، وسكوته يدل على أن جزاءه القتل، ثم قلت: أنا أعلم بكتابكم منكم. والمطابقة: كما قال العيني: تفهم من معنى الحديث، وذلك أن نزولهم على حكم سعد ﵁ كان بعد خروج النبي - ﷺ - إليهم (١).\n٨٥٣ - \" باب غزوة الحديبية، وقول الله تعالى:\n(لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) \"\nأما أسبابها: فقد كان النبي - ﷺ - رأى في منامه أنه دخل مكة، وطاف بالبيت معتمرًا، فأخبر أصحابه فاستبشروا بذلك، فتاقت نفوسهم إلى الطواف بالكعبة، واشتد حنينهم لمكة وخرج - ﷺ - من المدينة في ذي القعدة سنة ست\n_________\n(١) وإنما اخترت هذا الحديث من بين أحاديث الباب الأخرى رغم خفاء المطابقة فيه لما اشتمل عليه من فوائد عظيمة.","vol":"4","page":357},{"text":"معتمرًا لا يريد حربًا، ومعه ألف وخمسمائة، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليعلم الناس أنه خرج زائرًا للبيت، معظمًا له، حتى كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت راحلته، فقالوا: خلأت القصواء، أي وقفت ناقة النبي - ﷺ - فقال: ما خلأت القصواء -أي ما وقفت بنفسها عن سوء طبع فيها، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل- إشارة إلى فيل أبرهة، الذي حبسه الله عن دخول مكة، والَّذِي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله، ويسألونني فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها \" ثم زجرها فوثبت به تعدو حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، وفزعت قريش لنزوله - ﷺ - عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فعرض على عمر أن يذهب إليهم فقال: يا رسول الله ليس بمكة أحدٌ من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها وإنه مبلغ ما أردت، فأرسل إليهم عثمان ليخبرهم أنه - ﷺ - لم يأت لقتال، وإنما جاء معتمرًا، وتأخر عثمان في مكة، وبلغ النبي - ﷺ - أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله - ﷺ -: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا رسول الله - ﷺ - إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله - ﷺ - وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا، وأخذ النبي - ﷺ - بيد نفسه، وقال: هذه عن هذه عن عثمان، فكانت هذه هي بيعة الرضوان التي وقعت تحت شجرة سمرة في الحديبية، فأنزل الله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ولعل هذا أيضًا من أسباب تسميتها بغزوة الحديبية، لأن النبي - ﷺ - لما بلغه مقتل عثمان عزم على مناجزتهم وقتالهم، وبايع أصحابه على أن لا يفروا، وبينما هو كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة يسأله عما جاء به، فقال - ﷺ -: \" إنا لم نجىء لقتال، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد أنهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددتهم، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلَّا القتال، فوالذي نفسي بيده","vol":"4","page":358},{"text":"٩٩٧ - عَنِ البَراءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ:\n\"تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وقد كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ\nــ\nلأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي والسالفة صفحة العنق، فلما بلغهم ذلك قال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها، ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله - ﷺ - قال: أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فدعا الكاتب، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما ندري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال النبي - ﷺ -: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي - ﷺ -: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله على أن تخلوا ما بيننا وبين البيت فنطوف، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب، أننا أخذنا ضغطة ولكن ذلك في العام المقبل، ثم اصطلح الفريقان على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، وعلى أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد، لم يردوه إليه، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وكان لهذه الشروط وقع أليم على نفوس أصحاب رسول الله - ﷺ -، ودخل على الناس من ذلك أمرٌ عظيم، فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من الصلح، قام إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه، وعظم ذلك على المسلمين، لكن لما رأوا رسول الله - ﷺ - قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) فقد أصبح هذا الصلح فتحًا عظيمًا.\n٩٩٧ - معنى الحديث: أن البراء بن عازب ﵁ لما سمع الصحابة يتحدثون عن فتح مكة، ويفسرون به الفتح المبين في قوله تعالى: (إِنَّا","vol":"4","page":359},{"text":"نَعدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، والْحُدَيْبِيَةُ بِئْر، فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيْهَا قَطرةً، فَبلَغَ ذَلِكَ النبي - ﷺ -، فَأَتَاهَا، فَجَلَسَ على شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءِ، فتَوَضَّأ، ثمَّ مَضْمَضَ ودَعَا، ثُمَّ صَبَّهُ فيهَا، فَتَرَكْنَاهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثمَّ إنَّهَا أصْدَرَتنا ما شِئْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا\".\nــ\nفَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال: إنكم ترون أن الفتح المذكور في الآية هو فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا عظيمًا للمسلمين، حيث أصبحت به مكة دار إسلام، وطهر الله فيه بيته الحرام من الشرك وعبادة الأصنام، وصدق الله وعده، ونصر عبده، ولكننا نرى أن الفتح المبين المذكور في الآية هو صلح الحديبية، ثم ذكر البراء في بقية حديثه أن عدد الذين خرجوا مع النبي - ﷺ - في الحديبية ألف وأربعمائة، وقد نزلوا على بئر الحديبية، فلم يجدوا فيه إلاّ القليل من الماء، فلم يلبثوا حتى شربوه، ولم يبق فيه قطرة ماء، فجلس النبي - ﷺ - على حرفها، ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ منه، ودعا الله تعالى، ثم أفرغ ما تبقى منه في البئر، فصار الماء يتفجر فيها بغزارة قال حتى شربنا منها جميعًا، وسقينا دوابنا، ورجعنا عنها، وقد روينا كما في رواية زهير حيث قال: فأرووا أنفسهم وركابهم، وهذا كله، بفضل بركته - ﷺ -. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن صلح الحديبية كان فتحًا عظيمًا للمسلمين، ولذلك سماه الله تعالى فتحًا مبينًا، وأنزل فيه قوله ﷿ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) قال الزهري: فما فتح في الإِسلام فتح قبله كان أعظم منه، حيث كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس، وكلّم بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فلم يُكَلَّمْ أحد في الإِسلام يعقل (١) شيئًا إلَّا دخل فيه،\n_________\n(١) قوله: \" يعقل شيئًا \" أي يفهم الأشياء فهمًا صحيحًا.","vol":"4","page":360},{"text":"ولقد دخل في تينك السنتين مثلما كان دخل في الإِسلام قبل ذلك أو أكثر، قال ابن هشام: والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله - ﷺ - خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف، وقال ابن القيم: هذه الهدنة كانت من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضًا، واختلط المسلمون بالكفار، وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإِسلام جهرة آمنين، ولهذا سماه الله فتحًا مبينًا، وكان هذا الصلح في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًا وفتحًا ونصرًا، وكان رسول الله - ﷺ - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق. قال الندوي (١): ودلت الحوادث الأخيرة على أن صلح الحديبية الذي تنازل فيه رسول الله - ﷺ - بقبول كل ما ألحت عليه قريش كان فتح باب جديد لانتصار الإسلام وانتشاره في جزيرة العرب، وكان بابًا إلى فتح مكة، ودعوة ملوك العالم كقيصر وكسرى والمقوقس والنجاشي وأمراء العرب كما كان من مكاسب هذا الصلح اعتراف قريش بمكانة المسلمين كفريق قوي كريم، تبرم معه المعاهدات، ثم كان من أفضل ثمار هذا الصلح الهدنة التي استراح فيها المسلمون من الحروب التي لا أوَّل لها ولا آخر، فاستطاعوا في هذه الفترة السلمية أن يقوموا بدعوة الإِسلام في جو من الهدوء والسكينة. ثانيًا: معجزته - ﷺ - الظاهرة التي تبدو لنا واضحةً في تواجد الماء في البئر بعد أن لم يبق منه شيءٌ. والمطابقة: في قوله: \" ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية \".\n...\n_________\n(١) \" السيرة النبوية \" للندوي.","vol":"4","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>٨٥٤ - \" بَابُ غَزْوَةِ خيْبَرَ </span>\"\nــ\n٨٥٤ - \" باب غزوة خيبر \"\nوخيبر مدينة في شمال المدينة المنورة، على بعد سبعين ميلًا وغزوة خيبر كانت جائزة (١) من الله لأهل الحديبية وأصحاب بيعة الرضوان، فبشرهم ﷿ بالفتح القريب في قوله تعالى (وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وكانت مقدمة هذه الفتوح والمغانم غزوة خيبر، وكانت خيبر كما يقول الأستاذ الندوي (٢) مستعمرة يهودية، وكانوا يتآمرون مع القبائل العربية لغزو المدينة، فأراد النبي - ﷺ - أن يأمن من جهتهم، فخرج إليهم في شهر المحرم من السنة السابعة، وأقبل - ﷺ - بجيشه وكانوا ألفًا وأربعمائة، ونزل - ﷺ - بالرجيع بين اليهود وغطفان، ليحول بين هؤلاء وهؤلاء، فقد كانوا مظاهرين لهم، وكان - ﷺ - إذا غزى قومًا لم يغزهم حتى يصبح، فإذا جمع أذانًا أمسك، فبات - ﷺ - حتى إذا أصبح لم يسمع أذانًا، فركب وركب القوم، واستقبلوا عمال خيبر وقد خرجوا بمساحيهم وبمكاتلهم، فلما رأوا النبي - ﷺ - قالوا: محمد والخميس معه، فأدبروا هربًا، فقال رسول الله - ﷺ -: الله أكبر الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، ونازل رسول الله - ﷺ - حصون خيبر حتى فتحها حصنًا حصنًا، وأتى عليٌّ ﵁ حصن القموص، فخرج مرحب ملك اليهود يرتجز فاختلفا ضربتين فبدره علي بضربة فَفَلَقَ مغفر رأسه ووقع في الأفراس، وكان الفتح، وفتحت الحصون واحدًا بعد الآخر بعد قتال دام أيامًا، حتى سألوا رسول الله - ﷺ - الصلح، فصالحهم - ﷺ - على أن لهم الشطر من كل زرع وثمر مقابل عملهم فيها، وخدمتهم لها، ما بدا لرسول - ﷺ - أن يقرهم فيها، وكان من بين المغانم التي\n_________\n(١) أي مكافأة لهم.\n(٢) \" السيرة النبوية \" للندوي.","vol":"4","page":362},{"text":"٩٩٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أتَى خَيْبَرَ لَيْلًا، وكانَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِح، فَلَمَّا أصْبَحَ خَرَجَتِ الْيَهُودُ بِمَساحِيهم وَمَكَاتِلِهِمْ، فلما رَأوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدُ وَاللهِ، مُحَمَّدُ وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: \" خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْم فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ \".\nــ\nغنمها المسلمون صحائف من التوراة فجاء اليهود يطلبونها فسلمها إليهم، وكان آخر الحصون التي افتتحها المسلمون السلالم والبطيح، ووجد المسلمون فيهما ٤٠٠ سيف و١٠٠٠ رمح و٥٠٠ فرس وبعد انتهائه - ﷺ - من خيبر صالحه أهل فدك، وكانوا يشكلون حكومة مستقلة في أعالي الحجاز من اليهود على نصف فدك، فقيل ذلك منهم، فكان - ﷺ - يقسمه حيث يرى من مصالحه ومصالح المسلمين.\n٩٩٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما خرج إلى غزوة خيبر لم يدخلها بالليل، لأنه كان من سنته - ﷺ - إذا غزا قومًا لم يغزهم حتى يصبح.\nقال ابن إسحاق: إنه - ﷺ - نزل بواد يقال له الرجيع، بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم، قال أنس: \" وكان - ﷺ - إذا أتى قومًا بليل لم يغربهم حتى يصبح \" بضم الياء وكسر الغين المعجمة، أي لا يغير عليهم حتى يصبح، كما في الجهاد، وفي رواية أخرى في الأذان، فإن سمع أذانًا كفَّ عنهم، وِإلَّا أغار \" فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم \" أي فبات رسول الله - ﷺ - تلك الليلة هناك، فلما طلع الصبح صلّى صلاة الصبح عند أول طلوع الفجر، ولم يسمع أذانًا، فركب وركب القوم، ودخلوا خيبر، واستقبلوا عمالها ذاهبين إلى أعمالهم وبأيديهم مساحيهم ومكاتلهم - جمع مكتل، وهو القفة الكبيرة \" فلما رأوه قالوا: محمد والله، محمد والخميس \" أي هذا محمدٌ وجيشه قد","vol":"4","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-936>٨٥٥ - \" بَابُ غَزْوَةِ مُؤتةَ </span>\"\nــ\nأقبل علينا يريد قتالنا \" فقال النبي - ﷺ -: خربت خيبر \" والمراد بخرابها القضاء على الدولة اليهودية فيها، وإزالة نفوذهم منها، لأن خيبر كانت مستعمرة يهودية وإنما قال - ﷺ -، ذلك بطريق الوحي أو تفاؤلًا لما رآه في أيديهم من الآلات المشعرة بتقويض دولتهم وكسر شوكتهم، لأن لفظ مسحاة مأخوذ من السحو، وهو إزالة الشي \" إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين \" أي إنّا معشر المسلمين إذا نزلنا بديار قوم لقتالهم، ومحاربتهم فبئس الصباح صباحهم، لأنه شر ووبال عليهم، فالساحة هي فناء الدار، والمراد بها هنا الدار والبلد نفسُها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: غزوه - ﷺ - لمدينة خيبر التي كانت مستعمرة يهودية في جزيرة العرب للقضاء على دولتهم، وكسر شوكتهم، لأنها كانت معقلًا وقاعدة حربية لهم، ولهذا كان فتحها من أعظم الفتوحات الإِسلامية، وقد كان يهود خيبر، لا سيما رؤساء بني النضير، التي أجلاها النبي - ﷺ - يضمرون أشد الحقد والعداوة لمحمد وأصحابه، ويحاولون بكل الوسائل حمل القبائل العربية على محاربة المسلمين، وإثارة الفتن والقلاقلِ ضد بني الإِسلام. ثانيًا: أن من سياسته - ﷺ - الحكيمة الموفقة أنه لا يغزو عدوًا بليل حتى يصبح، ويصلي الصبح، فإن جمع أذانًا كفَّ عنهم، وإلَّا قاتلهم كما فعل - ﷺ - في خيبر، وذلك ليفاجىء العدوَّ، ويأخذه بغتة وعلى غير انتظار. والمطابقة: في قوله: \" أتي خيبر ليلًا \".\n٨٥٥ - \"باب غزوة مؤتة \"\nوموتَة بضم الميم وسكون الواو دون همز، كما أفاده القسطلاني: قرية على بعد ١٢ كم جنوب اليرموك وكانت غزوة موتة في جمادى الأولى من السنة الثامنة","vol":"4","page":364},{"text":"٩٩٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nأمَّرَ النبي - ﷺ - فِي غَزْوَةِ مُوْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فقال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ، وِإنْ قُتل جَعْفَرٌ فعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ \" قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيهِمْ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طَالِبٍ، فوَجَدْنَاهُ في الْقَتْلَى، وَوَجَدْنَا في جَسَدِهِ بِضْعًَا وتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ.\nــ\nمن الهجرة، الموافق لشهر سبتمبر سنة ٦٢٩ م. أما سببها فهو أن النبي - ﷺ - بعث الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بصرى بكتاب فأوثقه وضرب عنقه، فاشتد الأمر على النبي - ﷺ - وندب الناس للقتال. وقال: \" زيد بن حارثة أمير الناس فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض الناس رجلًا \"، وعقد النبي - ﷺ - لواءً أبيض، ودفعه إلى زيد، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف مقاتل، فلما فصل المسلمون سمع العدو فجمع لهم مائة ألف مقاتل، فلما التقى المسلمون بالمشركين أخذ زيد اللواء حتى قتل، ثم أخذه جعفر فقاتل حتى قتل، فأخذه عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، فأخذه ثابت بن الأرقم، وقال: يا معشر الناس اصطلحوا على رجل منكم فاصطلحوا على خالد، فأخذه ونظر إليهم النبي - ﷺ - وهو بالمدينة، فقال: الآن حمي الوطيس، أي جدت الحرب، فانحاز خالد بالجيش حتى خلصهم من أيدي الأعداء وألقى الله الرعب في قلوبهم.\n٩٩٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" أمر النبي - ﷺ - في غزوة موتة زيد بن حارثة \" أي عيّنه أميرًا على الجيش \" فقال: إن قتل زيد فجعفر \" يتولى القيادة بعد استشهاده \" وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة \" أي فعبد الله يتولاها من بعده، فلما وقعت المعركة قتل هؤلاء الثلاثة على الترتيب المذكور، \"فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى،","vol":"4","page":365},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-938> غَزْوَةُ الْفَتْحِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>٨٥٦ - \" بَاب أيْنَ رَكَزَ النبي - ﷺ - الرَّايَةَ يَوْمَ الْفَتْحَ </span>\"\n١٠٠٠ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ:\n\"سَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْفَتْحِ، فبَلَغَ ذَلِكَ قُريْشًا، خَرَجَ أبو\nــ\nووجدنا في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية\" (١) أي وجدنا فيه أكثر من تسعين إصابة ما بين طعنة رمح، ورمية سهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إسناده - ﷺ - قيادة هذا الجيش لزيد بن حارثة فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. ثانيًا: أن قوله - ﷺ - إن قتل زيد فجعفر ... إلخ صريح في أن هؤلاء الثلاثة يكرمهم الله بالشهادة، وقد روي (٢) أن نعمان اليهودي لما جمع ذلك من النبي - ﷺ - قال: يا أبا القاسم، إن كنت نبيًا فسميت من سميت قليلًا أو كثيرًا أصيبوا جميعًا، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سمي مائة أصيبوا جميعًا. والمطابقة: في قوله: \" أمر النبي - ﷺ - في غزوة مؤتة \". الحديث: أخرجه البخاري.\n٨٥٦ - \" باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح \"\nيعني أين نصب رايته يوم فتح مكة، والراية علم الجيش كما أفاده في \" المصباح \" وكان اسم رايته - ﷺ - العُقاب.\n١٠٠٠ - معنى الحديث: يحدثنا عروة بن الزبير في هذا الحديث عن\n\nغزوة الفتح، فيقول: \" سار رسول الله - ﷺ - عام الفتح \" وفي رواية ابن عباس\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني \" ج ٦.\n(٢) \" المغازي \" للواقدي ج ٢.","vol":"4","page":366},{"text":"سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ وَحكِيمُ بْنُ حِزَام، وَبُدَيلُ بنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَر عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأقبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بنِيرَان كأنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأنَّهَا نيرانُ عَرَفَةَ! فَقَالَ بُدَيلُ بْنُ وَرْقَاءَ: نيرَانُ بَني عَمْروٍ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ: عَمْرو أقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - فأدْرَكُوهُمْ، فأخَذُوهُمْ فأتوْا بِهِمْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فأسْلَمَ أبو سُفْيَانَ، فَلمَّا سَارَ قَالَ للْعَبَّاسِ: احْبِس أبَا سُفْيَانَ عِنْدَ حَطْمِ الْخَيْل حَتَّى يَنْظُرَ إلَى الْمُسْلِمينَ، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - كَتِيبَةً كَتِيبَةً على أبِي سُفْيَانَ، فمَرَّتْ كَتِيبَة قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هذه غِفَارُ، قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارٍ، ثم مَرَّتْ جُهَيْنَةُ قَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْم،\nــ\n﵄، أن النبي - ﷺ - خرج في رمضان من المدينة، ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة \" خرج أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر \" أي فخرج هؤلاء الثلاثة يتحسسون الأخبار، ويحاولون الاطِّلاع على حقيقة ذلك \" فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة \" أي فإذا هم يفاجؤن بمشاهدة نيران كثيرة، كأنها نيران عرفة في موسم الحج \" فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو\" أي ظنها نيران بني عمرو قبيلة من خزاعة \" فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك \" أي فاستبعد أبو سفيان ذلك \" فرآهم ناس من حرس رسول الله - ﷺ - فأخذوهم \" أي فألقوا عليهم القبض \" فأتوا بهم رسول الله - ﷺ - \" أي فساقوهم حتى أوصلوهم إلى النبي - ﷺ - \" فأسلم أبو سفيان \" قال الحافظ: وفي رواية: فدخل بديل وحكيم على رسول الله - ﷺ - فأسلما، ومعنى ذلك أن هؤلاء الثلاثة أسلموا جميعًا فِي","vol":"4","page":367},{"text":"فقال مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْم، فقال مِثْلَ ذَلِكَ، حتى أقْبَلَتْ كتِيبَةٌ لم يرَ مِثْلَها، قَالَ: مَنْ هَذه؟ قَالَ هَؤُلاءِ الأنْصَارُ عَلَيْهِمُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَه الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يا أبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: يا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ، ثم جَاءَتْ كَتيبَة، وَهِيَ أقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ\nــ\nهذا اليوم قبل دخول مكة \" فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند حطم الخيل \" أي في الموضع الذي تزدحم فيه الخيل لكي يستعرض الكتائب العظيمة ويطلع على قوة المسلمين وكثرة عددهم \" فجعلت القبائل تمر مع النبي - ﷺ - كتيبة كتيبة على أبي سفيان \" وهكذا تحركت كتائب الفتح الإسلامي زاحفة نحو البلد الحرام أمام أبي سفيان، وهو يسأل عنها كتيبة كتيبة \" حتى أقبلت كتيبة لم يرَ مثلها \" أي لم ير أبو سفيان لها مثيلًا في الكتائب الأخرى التي سبقتها \" قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار \" أي هذه كتيبة الأنصار، وكانت كثيرة العدد، قوية العدة، مدججة بالسلاح، فلما رأى ما هم عليه قال: ما لأحد بهؤلاء من طاقة، \" وعليهم سعد بن عبادة ومعه الراية \" أي وقائدهم سعد بن عبادة ومعه راية الأنصار \" فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة \" أي هذا يوم مذبحة قريش الكبرى، \" اليوم تستحل الكعبة \" أي وهذا هو اليوم الذي يحل لنا القتال عند الكعبة، فنشفي صدورنا من قريش وننتقم منها أشد الانتقام وفي رواية اليوم أذل الله قريشًا. \" فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذمار \" أي فأثّرت هذه الكلمات التي قالها سعد بن عبادة في نفس أبي سفيان، وهيّجت مشاعره، وأثارت فيه الحمية لبلده وقومه، والحرص على الدفاع عنهم، والذود عن كرامتهم، فقال \" حبذا يوم الذمار \" قال الخطَّابي تمنى أبو سفيان أن تكون له يد أي قوة فيحمي قومه ويدفع عنهم، قال: \"ثم","vol":"4","page":368},{"text":"- ﷺ - معَ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بأبِي سُفْيَانَ قَالَ: ألمْ تَعْلَمْ ما قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَاَدَةَ؟ قَالَ: ما قَالَ؟ قَالَ: قَالَ كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ: كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللهُ فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْم تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ، قَالَ: وأمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أنْ تُرْكَزَ رَايَتُهُ بالْحَجُونِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلزُّبَيْرْ: يَا أبَا عَبْدِ اللهِ هَا هُنَا أمرَكَ رَسُولُ اللهِ أن تَرْكُزَ الرَّايَةَ، قَالَ: وَأمرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنِ الْوَلِيدِ أن يَدْخُلَ مِنْ أعلَى مَكَّةَ من كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النبي - ﷺ - مِنْ كُدَىً، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ وخَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ حُبَيْشُ بْنُ الأشْعَرِ وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ \".\nــ\nجاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه \" أي ومر رسول الله - ﷺ - في كتيبة خضراء، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلَّا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله! يا عباس من هؤلاء، قال: هذا رسول الله - ﷺ - في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا، قال: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال فنعم إذًا \" فلما مر رسول الله - ﷺ - بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا، فقال: كذب سعد \" أي أخطأ سعد في مقالته هذه، وقال خلاف الواقع \" هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة \" وأعلن للناس جميعًا أنَّ فتح مكة ليس احتلالًا لها، ولا حربًا انتقامية من قريش، وإنما هو نصر لهذا البيت وإعلاء لدين الله، وما يوم الفتح إلَّا يوم تعظم فيه الكعبة، وتطهر من الشرك وعبادة الأصنام، ويعز الله فيه مكة وأهلها بالإسلام كما جاء في رواية أخرى أنه - ﷺ - قال: \" اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله فيه قريشًا، ويعظم الله الكعبة \" وأرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس. قال \" وأمر النبي - ﷺ - أن تركز رايته بالحجون \" وهو","vol":"4","page":369},{"text":"موضع بالمعلاة بالقرب من مقبرة مكة، وقد بني هناك مسجد يقال له مسجد الراية كما أفاده الحلبي في \" السيرة \" \" وأمر رسول الله - ﷺ - يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء \" بفتح الكاف، وهو عند الثنية العليا، \" ودخل النبي - ﷺ - من كُدى \" بضم الكاف والقصر، أي من عند الثنية السفلى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ذكر بعض الأحداث التي وقعت في غزوة الفتح، وغزوة الفتح كانت في رمضان سنة ثمان من الهجرة يناير ٦٣٠ م وسبب ذلك أنه بيت نفر من بني بكر خزاعة على ماء فأصابوا منهم رجالًا وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم أشراف من قريش يستخفون ليلًا، وبذلك نقضت قريش العهد الذي بينها وبين النبي - ﷺ - حيث حاربت حلفاءه، واعتدت عليهم، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على الرسول - ﷺ -، فدخل عليه وأنشده أبياتًا ينشده فيها الحلف الذي بينهم وبينه ويخبره أن قريشًا نقضوا العهد ويسأله النصر والنجدة، فقال - ﷺ -: نصرت يا عمرو بن سالم فخير قريشًا أن يدفعوا دية قتلى خزاعة أو يبرأوا ممن نقض العهد، أو ينبذ إليهم على سواء الهدنة التي بينه وبينهم، فأجابه بعض زعمائهم، لكن ننبذ إليك على سواء، وبذلك برأت ذمته من قريش، وقامت عليهم الحجة، وقال - ﷺ - حين بلغه الخبر: \" لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي \" وأخذ - ﷺ - يستعد سرًا للزحف على مكة وخرج لليلتين خلتا من رمضان، وخرج أبو سفيان من مكة يصحبه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، فرآهم حرس النبي - ﷺ -، وألقوا عليهم القبض وأخذوهم إلى رسول الله - ﷺ - فأسلموا، وعقد النبي - ﷺ - الرايات بقديد، فأعطى لكل قبيلة لواءً ورايةً، وكانت راية النبي - ﷺ - يحملها الزبير بن العوام، وهي سوداء، أما اللواء فقد كان أبيض اللون، وأوصى رؤساء الجيمش أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، ودخل - ﷺ - من أسفل مكة، ودخل خالد من أعلاها، ولم يلق مقاومة","vol":"4","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>٨٥٧ - \" بَاب قَوْلِ اللهِ ﷿ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إِلَى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ) </span>\"\nــ\nتذكر إلا ما وقع لخالد حيث تصدى له جماعة من بكر وهذيل ورموه بالنبل فقاتلهم، فانهزموا، وقتل أربعة وعشرون من قريش، وأربعة من هذيل، ودخل - ﷺ - مكة، فطاف وسعى، واستلم الحجر، ودخل الكعبة، وقال وهو واقف على باب الكعبة: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وبايع رسول الله - ﷺ - أهل مكة رجالًا ونساءً في الصفا، وهدم الأصنام التي كانت على الكعبة وهو يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). ثانيًا: أن فتح مكة لم يكن حربًا انتقامية وإنما كان يومًا مباركًا تعظّم فيه الكعبة، وتعز فيه قريش بالإِسلام. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" وأمر رسول الله - ﷺ - أن تركز الراية بالحجون \".\n٨٥٧ - \" باب قول الله ﷿ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ ...) \"\nأقول وبالله المستعان: الكلام على هذه الترجمة يتلخص في الحديث عن غزوة حنين، وتفسير الآية الكريمة، وحنين وادٍ في طريق الطائف من جهة عرفة على بعد بضعة عشر ميلًا من مكة، وقال في \" دائرة المعارف الإسلامية \": حنين واد عميق غير منتظم، به أحراج من شجر النخيل على مسيرة يوم من مكة على طريق من الطرق الممتدة إلى الطائف، وكانت غزوة حنين في العاشر من شوّال عام ثمان من الهجرة الموافق لفبراير سنة ٦٣٠ م، وذلك أنّ هوازن لما سمعت بفتح مكة أغاظها ذلك، وأرادت أن يكون لها الفضل في استئصال شأفة الإِسلام،","vol":"4","page":371},{"text":"فقام مالك بن عوف سيد هوازن، ونادى بالحرب، واجتمع إليه ثقيف وجُشم وسعد بن بكر، وأجمع السير إلى النبي - ﷺ - بهذه القبائل، ومعهم أموالهم ونساؤهم وذراريهم، ليستميتوا في الدفاع عن أرضهم وعرضهم، وأمرهم أن يكسروا جفون سيوفهم وأن يشدوا شدة رجل واحد، وخرج النبي - ﷺ - ومعه ألفان من مكة حديثو عهد بالإِسلام، وعشرة آلاف من المدينة، فأعجب أناس بكثرتهم، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، ورتب النبي - ﷺ - أصحابه، وقسم الألوية، فسلم عليًا لواء المهاجرين، وأسد بن حضير لواء الأوس، والحباب بن المنذر لواء الخزرج، واستقل المسلمون عدد هوازن، وانتصروا عليهم أوّل الأمر، غير أنهم أكبوا على الغنائم يأخذونها، وكانت هوازن قد كمنت لهم في شعاب الجبل، فلما رأوا انشغالهم بالغنائم فاجؤهم بهجوم خاطف، فما راع المسلمين إلَّا وقد رشقوهم بالنبال، وحملوا عليهم حملة رجل واحد، وكانوا مهرة في الرماية، فانهزم المسلمون، وطار في الناس - وشاع فيهم أنَّ النَّبي - ﷺ - قد قتل وانحسر عنه المسلمون، حتى تم ما أراده الله من تأديب المسلمين على إعجابهم بكثرتهم، عند ذلك ردّ الله لهم الكرة على الأعداء، رحمة بهم، ونصرًا لدينه، وإكرامًا لنبيه - ﷺ - وللَّذين ثبتوا معه من المؤمنين، وقد كان النبي - ﷺ - صامدًا في موقفه على بغلته الشهباء يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nولما استقبلته كتائبهم أخذ قبضة من تراب، ورمى بها إلى عيونهم فملئت أعين القوم، وأنزل الله ملائكته لنصرة المسلمين، وانتهت المعركة بهزيمة هوازن، وغنم المسلمون كثيرًا، فأسروا نحو ٦٠٠٠ امرأة، و٢٤٠٠ بعير وأكثر من ٤٠٠٠٠ أربعين ألف شاة و٤٠٠٠ أوقية من الفضة. وقسم - ﷺ - الغنائم، فَمنَّ على السبي، وأطلق سراحهم إكرامًا لوفد هوازن الذي كان فيه أبو برقان عمه - ﷺ - من الرضاعة. وهكذا نصر الله المسلمين بعد إدبارهم وهزيمتهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ","vol":"4","page":372},{"text":"عَنْكُمْ شَيْئًا) إلى آخر الآية الكريمة، التي يمن الله تعالى فيها على المسلمينَ، ويذكرهم بأنه ﷿ قد نصرهم في وقائع كثيرة فيقول: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ) أي في غزوات كثيرة ما كنتم تؤمّلون فيها بالظفر لقلة عددكم وعتادكم، ونصَركُمْ أيضًا في غزوة حنين الذي أعجبتكم فيها كثرتكم (١)، إذ كنتم اثني عشر ألفًا، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط فقال قائلكم: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على النبي - ﷺ -، فكانت الهزيمة لكم عقوبة على هذا الغرور، والعُجب، (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا) أي فلم تكن تلك الكثرة التي غرتكم كافية لانتصاركم (وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) أي واشتد عليكما الخوف (٢) حتى ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا فيها موضعًا تلجؤون إليه (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) أي ثم وليتم ظهوركم لعدوكم مدبرين لا تلون على شيء، (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أي ثم أنزل الله تعالى من سماء عزته على قلب نبيه والمؤمنين من حوله الشعورَ بالأَمن والهدوء والطمأنينة والارتياح النفسي بعد ما عَرَض لهم من الحزن والقلق عند وقوع الهزيمة لِإخوانهم. أما رسول الله - ﷺ - وبعض المؤمنين الذين أحاطوا به وهم قلة لا يتجاوزون التسعة، فإنهم ثبتوا كالأَطواد الراسيات. قال الحافظ في الفتح: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: \" لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولين (٣)، وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل \"، قال الحافظ: \" وهذا أكثر ما وقفت عليه (٤)، وقال بعض المفسرين معنى قوله تعالى: (وَعَلَى\n_________\n(١) \" تفسير المنار \" ج ١٠.\n(٢) \" التفسير المنير \" ج ١.\n(٣) هكذا ذكر هذه الكلمة بالنصب الحافظ في \" الفتح \"، وقد وقفت على الحديث في \" سنن الترمذي \" بلفظ \" لقد رأينا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل \". وقال المباركفوري في \" التحفة \": قوله: \" وإن الفئتين لموليتان \" كذا في النسخ الحاضرة. وأشار إلى ما ذكره الحافظ.\n(٤) من عدد من ثبت يوم حنين. (ع).","vol":"4","page":373},{"text":"١٠٠١ - عَنِ البرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ وَقَدْ سَألهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ: أفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْن؟ فقَالَ:\n\"لَكِنَّ رسول الله - ﷺ - لَمْ يَفرَّ، كانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، وِإنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا، فأكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فاسْتُقْبِلْنَا بالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأيتُ\nــ\nالْمُؤْمِنِينَ) أن الله أنزل السكينة على الفارين وأعاد إليهم ما زال عنهم من الصبر والثبات ورباطة الجأش، ولا سيما عندما سمعوا نداء العباس يدعوهم إلى نبيهم \" (وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) \" أي أنزل جنودًا روحانية من الملائكة لم تروها بأبصاركم \" وعذب الذين كفروا \" بالقتل والأسر والسبي \" وذلك جزاء الكافرين \" في الدنيا ما داموا يستحبّون الكفر على الإِيمان ويقاتلون أهله.\n١٠٠١ - معنى الحديث: أن رجلًا من قيس سأل البراء بن عازب هل فرّ أصحاب النبي - ﷺ - يوم غزوة حنين \" فقال لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر \" يعني أما النبي - ﷺ - فإنه ثبت ومعه قليل من أصحابه، قال الحافظ: تضمن جواب البراء هذا إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، \" كانت هوازن رماة \" أي وسبب فرار المسلمين يوم حنين وهزيمتهم أن هوازن كانوا مهرة في رماية السهام \" لما حملنا عليهم \" أي لما هجمنا عليهم هجومًا عنيفًا \" انكشفوا \" أي انهزموا هزيمة ظاهرة \" فأكببنا على الغنائم \" أي فأسرعنا إلى الغنائم، وفي رواية \" فأقبل الناس على الغنائم \" أي فأقبلوا إليها يأخذونها كما وقع في أحد \" فاستُقْبلنا بالسهام \" أي فلما أقبلنا على الغنائم، فاجأتنا هوازن بهجوم خاطف، وأمطرتنا بوابل من السهام حيث هجموا عليهم بالنبال فهزموهم، وكان ذلك تأديبًا لهم، قال جابر: وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في جوانبه ومضايقه، فوالله ما راعنا إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد منهم على أحد قال: \"ولقد رأيت النبي - ﷺ - على","vol":"4","page":374},{"text":"النَّبِي - ﷺ - على بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وِإنَّ أبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِزَمَامِهَا وَهُو يَقُولُ: أنَا النبي لا كَذِبْ\".\nــ\nبغلته البيضاء\" التي أهداها إليه الجذامي \" وإن أبا سفيان \" ابن الحارث \" آخذ بزمامها \" أي ممسك بزمام بغلة النبي - ﷺ - قال جابر: وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين ثم قال: إِليَّ، أيها الناس، هلم إليَّ أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، وبقي مع رسول الله - ﷺ - نفر من المهاجرين وأهل بيته، وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر، ومن أهل بيتة علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه الفضل بن العباس، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ، قال \" وهو يقول \" أي والنبي - ﷺ - يقول:\n\" أنا النبي لا كذب \" ... أنا ابن عبد المطلب\nولم يذكر الشطر الثاني في هذه الرواية، وذكره في رواية مسلم حيث قال:\n\" ودعا واستنصر، وهو يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (١)\nاللهم أنزل نصرك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن حب الدنيا كان دائمًا، وفي جميع الظروف والأحوال هو رأس كل خطيئة، وسبب كل هزيمة، فإن المسلمين انهزموا في أحد وفي حنين بسبب إسراعهم إلى الغنائم وانكبابهم عليها، كما قال البراء. \" لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببْنا على الغناثم فاسْتُقْبلنا بالسهام \" فكانت الهزيمة لنا، ودارت الدوائر علينا، وهناك أيضًا سبب آخَر لهزيمتهم يوم حنين، وهو إعجابهم وغرورهم بكثرتهم كما قال تعالى: (وَيَوْمَ\n_________\n(١) وقال الخطابي: إنما خصَّ عبد المطلب بالذكر تثبيتًا لنبوته لما اشتهر وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة بالنبي - ﷺ -، ولما أنبأت به الأحبار والرهبان من ظهور نبي من أبناء عبد المطلب، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بد مما وعدت به من النصر، لئلا ينهزموا عنه، ويظنوا أنه مقتول ومغلوب. اهـ. كما أفاده السهيلي.","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-940>٨٥٨ - \" بَابُ وَفْدِ بَني حَنِيفَةَ وَحَديثِ ثُمَامَةَ بْنِ أثالٍ </span>\"\n١٠٠٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nبَعَثَ النبي - ﷺخَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُل مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيةٍ مِنْ سَوارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النبي - ﷺ - فَقَالَ: \" ما عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ \" قَالَ: عِنْدِي خَيْر يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وِإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شاكِرٍ، وإِنْ كُنْتَ ترِيدُ الْمَالَ\nــ\nحُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا). ثانيًا: أن قوله - ﷺ - \" أنا النبي لا كذب \" لا يقتضي كونه شاعرًا، لأنّه خرج منه هكذا موزونًا ولم يقصد به الشعر، أو أنه لغيره وتمثل به، وإنه كان:\nأنت النبي لا كذب ... أنت ابن عبد المطلب (١)\nوالمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لكن رسول الله - ﷺ - لم يفرَّ \" الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٨٥٨ - \" باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال (٢) \"\n١٠٠٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان قد أرسل فرسانًا إلى نجد بقيادة محمد بن مسلمة في العاشر من محرم سنة ست من الهجرة ليقاتلوا أحياء بني بكر الذين منهم بنو حنيفة، فأغاروا عليهم، وهزموهم، وأسروا ثمامة بن أثال وأتوا به إلى المدينة، وربطوه إلى سارية من سواري المسجد النبوي، فقال له النبي - ﷺ -: ما عندك: أي ماذا تظن أني فاعل بك \" قال: عندي خير \" أي لا أظن بك، ولا أؤمل منك إلا الخير، مهما فعلت معي \"إن تقتل تقتل\n_________\n(١) \" شرح القسطلاني على البخاري \".\n(٢) لم تكن القصتان في وقت واحد، لأن وفد بني حنيفة في العام التاسع، وقصة ثمامة قبل فتح مكة.","vol":"4","page":376},{"text":"فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ فَتُرِكَ حتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: \" مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ \" قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَى كَانَ بَعْدَ الغَدِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: أطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فانْطَلَقَ إلى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فاغْتَسَلَ، ثُمَّ دخَلَ الْمَسْجِدَ فقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اْللهُ، وَأشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ وَاللهِ ما كَانَ عَلَى الأرْضِ، وَجْهٌ أبغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أصبَحَ وَجْهُكَ أحَبَّ الْوُجُوهِ إلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ دِين أبغَضَ إِليَّ مِنْ دِينكَ، فأصْبَحَ دِينُكَ أحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أبغَضَ إِلَيَّ\nــ\nذا دم\" أي إن تقتلني فذلك عدل منك، ولم تعاملني إلَّا بما أستحق، لأني مطلوب بدم، فإن قتلتني قتلتني قصاصًا، ولم تظلمني أبدًا \" وإن تُنْعِمْ تنعم على شاكر \" أي وإن تحسن إليَّ بالعفو عني فالعفو من شيم الكرام، ولن يضيع معروفك عندي، لأنك أنعمت على كريم يحفظ الجميل، ولا ينسى المعروف أبدًا \" وإن كنت تريد المال \" يعني وإن كنت تريد أن افتدي نفسي بالمال \" فسل منه ما شئت \" ولك ما طلبت \" فتركه حتى كان من الغد، قال له: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك \" يعني فتركه مربوطًا إلى السارية حتى كان اليوم الثاني فأعاد عليه سؤاله الأوّل، وأجابه ثمامة بنفس الجواب الأوّل، ثم تركه اليوم الثالث، وأعاد عليه النبي - ﷺ - السؤال، وأجابه ثمامة بالجواب نفسه \" فقال: أطلقوا ثمامة \" أي فكوه من رباطه \" فانطلق إلى نجل قريب من المسجد \" أي فذهب إلى ماء قريب من المسجد \" فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إِله إِلَّا الله \" أي وأعلن إسلامه ونطق بالشهادتين، ثم قال: \" والله ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغض إلي من وجهك \" أي ثم عبّر ﵁ عن","vol":"4","page":377},{"text":"مِنْ بَلَدِكَ، فَأصْبَحَ بَلَدُكَ أحبَّ الْبِلادِ إِلَيَّ، وإن خَيْلَكَ أخَذَتْنِي، وَأنَا أرِيدُ الْعُمْرَةَ، فماذا تَرَى؟ فبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وأمَرَهُ أنْ يَعْتَمِرَ، فلمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ قَائِل: صَبَوْتَ، قَالَ: لا وَاللهِ، وَلَكِنْ أسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ولا وَاللهِ لا يَأتِيَكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.\nــ\nشعوره نحو النبي - ﷺ -، ونحو دينه الحنيف، ونحو بلده الحبيب المدينة المنورة، فقال: ما كان هناك وجه أكرهه مثل وجهك \" فقد أصبح وجهك \" أي فلما أسلمت أصبح وجهك \" أحب الوجوه إليَّ \" حيث تحول البغض والكراهية إلى محبة شديدة لا تعدلها أي محبة أخرى \" والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ \" وهكذا عاطفة الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب \" والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ \" لأن محبتي لك دفعتني إلى مزيد الحب لبلادك، وقد قال الشاعر:\nدَارُ الحَبِيْبِ أحقُّ أن تهْوَاهَا ... وَتَحِنُّ مِنْ طَرَب إلَى ذِكْرَاهَا\nثم قال: \" وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى \" أي فهل تأذن لي في العمرة \" فبشره \" بغفران ذنوبه كلها، وبخيري الدنيا والآخرة \" وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت \" أي خرجت من دين إلى دين \" قال: لا والله، ولكني أسلمت مع محمد رسول الله \" أي ولكني تركت الدين الباطلَ ودخلت في دين الحق. \" ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن بها رسول الله \" أي حتى يأذن رسول الله في إرسالها إليكم، فانصرف إلى اليمامة، وكانت ريف مكة، فمنع الحنطة عنهم حتى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله - ﷺ - يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة، ففعل - ﷺ -.","vol":"4","page":378},{"text":"١٠٠٣ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَدِمَ مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَعَلَ يَقُولُ: إنْ جَعَلَ لي مُحَمَّد الأمْرَ مِنْ بَعْد تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا في بَشَرٍ كثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فأقْبَلَ\nــ\nوالمطابقة: في كون الحديث عن ثمامة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ذكاء \" ثمامة \" ورجاحة عقله، وفصاحته وبلاغته العظيمة، التي تجلت في جوابه الحاضر، وسرعة بديهته، فإن ثمامة في جوابه الشافي الكافي قد أحاط بالموضوع من أطرافه، وأجاب عن كل ما يتوقع السؤال عنه في كلمات قصيرة، حيث وصف النبي - ﷺ - بالعدل إذا حكم، وأمل فيه العفو والكرم، ووعده بحفظ الجميل، وصدق الوفاء، واستعد لمفاداة نفسه بالمال، إن طلب منه الفداء، فأعجب النبي - ﷺ - بحسن جوابه، واستدل به على فضله ونبله، فأنعم عليه بإطلاق سراحه دون فداء، مكافأة له على حسن جوابه. ثانيًا: فائدة العفو عند المقدرة، فهو أقرب طريق إلى قلوب الرجال. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\n١٠٠٣ - معنى الحديث: أنه لما فتحت مكة وأسلمت ثقيف، وسقط أكبر حصن من حصون المقاومة أمام دين الله بدأ رسول الله - ﷺ - يكتبُ إلى الملوك والأمراء، ورؤساء القبائل يدعوهم إلى الإسلام، وكانت السنة التاسعة من الهجرة حافلة بقدوم الوفود على رسول الله - ﷺ - حتى سميت عام الوفود، وكان من هذه الوفود التي قدمت إلى المدينة وفد بني حنيفة، ومعهم مسيلمة الكذاب، هو معنى قوله \" قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته \" أي إن جعل لي الخلافة من بعده دخلت في دينه كما أفاده الحافظ \" وقدمها في بشر كثير من قومه \" بني حنيفة، وكان عددهم سبعة عشر رجلًا كما قال الواقدي \" فأقبل إليه رسول الله - ﷺ - ومعه ثابت بن قيس \" خطيب رسول الله - ﷺ -، وكان في يده - ﷺ -","vol":"4","page":379},{"text":"إِلَيْهِ رَسول اللهِ - ﷺ - وَمَعَهُ ثَابِث بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس، وَفي يَدِ رَسولِ اللهِ - ﷺ - قَطْعَة جَرِيدٍ حتى وقَفَ علَى مسَيْلَمَةَ في أصْحَابِهِ فَقَالَ: لَوْ سَألتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ ما أعْطَيْتكَهَا، ولنْ تَعْدُوَ أمْرَ اللهِ فِيكَ، ولَئِنْ أدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَّكَ اللهُ، وَإنِّي لأرَاكَ الذِي أرِيت فيهِ مَا رَأيْت، وهَذَا ثَابِت يُجِيْبكَ عَنِّي، ثمَّ انْصَرَفَ عَنْه.\nــ\nقطعة من الجريد كما في الحديث \" فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها \" أي فلما قابله النبي - ﷺ - طلب منه أن يشركه في النبوة كما أفاده القسطلاني، فقال: لو سألتني هذه الجريدة لما أعطيتك إياها فضلًا عن النبوة \" ولن تعدو أمر الله فيك \" أي لن تخرج عن حكم الله فيك أنك كذاب ومقتول \" ولئن أدبرت ليعقرنك الله \" أي ولئن خرجت عن الطاعة، وفارقت الجماعة ليهلكنك الله \" وإني لأراك الذي أريت فيه \" أي وأعتقد أنك الشخص الذي رأيت فيه في منامي ما رأيت، وذلك أنه رأى - ﷺ - في منامه سوارين من ذهب، فقال له جبريل: انفخهما فنفخهما، فطارَا، فأولهما كذابين يخرجان بعده أحدهما مسيلمة، والآخر العنسي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان قصة قدوم مسيلمة الكذاب إلى المدينة في جماعة من قومه في السنة التاسعة من الهجرة فكلم النبي - ﷺ - أن يشركه في النبوة، فقال له - ﷺ -: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك، فرجع عدو الله إلى اليمامة، وتنبأ، ثم جعل يسجع السجعات، وظاهر حديث البخاري أنه لم يسلم أصلًا إلَّا أن المؤرخين يذكرون أنه أسلم عند التقائه بالنبي - ﷺ - في المدينة، ثم ارتد بعد عودته إلى اليمامة كما في زاد المعاد نقلًا عن ابن إسحاق. ثانيًا: قال ابن القيم: في هذه القصة أن للإِمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار، وتوكيل العالم بعض أصحابه","vol":"4","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>٨٥٩ - \" قِصَّةُ أهْلِ نجْرَانَ </span>\"\nــ\nأن يتكلم عنه. ثالثًا: قال الحافظ في \" الفتح \" يؤخذ منه أن السوار وسائر أنواع الحلي تعبر للرجال بما يسوءهم، قال ابن القيم: \" ومن ها هنا دل لباس الحلي للرجل على نكد يلحقه وهمّ يناله \". قال أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم المقدسي المعروف بالشهاب العابر: قال لي رجل: رأيت في رجلي خلخالًا، فقلت له تخلخل رجلك بألم، فكان كذلك، وقال لي آخر رأيت كأن في أنفي حلقة ذهب، وفيها حب مليح أحمر، فقلت له: يقع بك رعاف شديد فجرى كذلك. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون مسيلمة الكذاب إنما قدم في وفدٍ من بني حنيفة كما أفاده.\n٨٥٩ - \" قصة أهل نجران \"\nأي قصة قدوم وفد نجران إلى النبي - ﷺ - بالمدينة في السنة التاسعة من الهجرة، وذلك أن نصارى نجران لما كتب رسول الله - ﷺ - إليهم كتابًا يدعوهم إلى الإسلام بعثوا وفدًا إلى رسول الله - ﷺ - مكونًا من ستين رجلًا منهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، منهم ثلاثة يؤول إليهم أمرهم، وهم العاقب أمير القوم، والسيد مستشارهم، وأبو حارثة أسقفهم، فقال النبي - ﷺ - للحبرين \" أسلما: قالا: قد أسلمنا، قال: إنكما لم تسلما، قالا: بل قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإِسلام ادّعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالوا: فمن أبوه يا محمد، فصمت رسول الله، فلم يجبهما حتى أنزل الله تعالى عليه صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي - ﷺ - لمناقشتهم، فقاله لهم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلَّا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قال: فهل يملك","vol":"4","page":381},{"text":"عيسى من ذلك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلَّا ما علمه الله، قالوا: لا، قال: فإن الله صوّر عيسى في الرحم كيف يشاء، فهل تعلمون ذلك، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ولا يحدث الحدث، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة، ثم غذّي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم في يشرب ويُحْدث، قالوا: بلى، قال: وكيف يكون هذا؟ فسكتوا، وعجزوا عن الجواب، فلما لم تنفع معهم الحجة والبرهان، وأبوا أن يقروا، أمر الله تعالى نبيه بمباهلتهم، وأنزل عليه قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) فدعاهم النبي - ﷺ - إلى المباهلة. قال ابن كثير: \" فلما أصبح رسول الله - ﷺ - الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة فقال شرحبيل لصاحبه: لئن كان هذا الرجل نبيًا مرسلًا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له صاحباه: فما الرأى يا أبا مريم؟ فقال: رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلًا لا يحكم شططًا أبدًا، فتلقى شرحبيل رسول الله - ﷺ - فقال: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك، فقال: وما هو؟ فقال: نحكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فما حكمت بيننا فهو جائز \" ا. هـ. فصالحهم - ﷺ - على أن يدفعوا له ألف حلة في رجب وألف حلة في صفر، مع كل حلة أوقية، وعليهم إعارة ثلاثين درعًا، وثلاثين فرسًا، وثلاثين بعيرًا لمن يقاتلون من المسلمين في أرض اليمن، وكتب لهم أن تكون لهم الحرية في ملتهم.","vol":"4","page":382},{"text":"١٠٠٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ الْعَاقِبُ، والسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يُرِيدَانِ أنْ يُلاعِنَاهُ، قالَ: فَقَالَ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لا تَفْعَلْ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًَّا فلاعَننَا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا، قَالا: إنَّا نُعْطِكَ مَا سَأَلتَنَا، وابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أمِينًا ولا تَبْعَثْ مَعَنَا إلَّا أمِينًا، فَقَالَ: \"لأبعَثَنَّ مَعَكُمْ\nــ\n١٠٠٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كتب إلى أهل نجران كتابًا قال فيه: \" من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أمّا بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام \" فقدم إليه وفد من أشرافهم منهم \" العاقب \" أميرهم و\" السيد \" مستشارهم فسألهم وسألوه عن عيسى، فأنزل الله تعالى في ذلك صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، فتصدى النبي - ﷺ - بعد نزول هذه الآيات لمناقشتهم، وأقام عليهم الحجة والدليل القاطع على أن عيسى ليس إلهًا ولا ابنًا لله تعالى كما يزعمون، ولكنه عبد الله ورسوله (١)، فلما أصرّوا على عقيدتهم أمره الله تعالى بمباهلتهم، ومعنى \" المباهلة \" أن يجتمع الطرفان رجالًا ونساءً وأطفالًا ويبتهلا إلى الله تعالى بأن يلعن الكاذب فيما يقول عن عيسى، ولذلك عبّر عنها في الحديث بالملاعنة حيث قال \" يريدان أن يلاعناه \" أي يلاعنا النبي - ﷺ - حين طلب منهم ذلك، فقال أحدهما لصاحبه وهو العاقب: لا تفعل، والله لقد علمتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، وما لاعن قوم نبيًا قط فيبقى كبيرهم أو ينبت صغيرهم، \" لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا \" أي نهلك نحن وأبناؤنا و\" قالا: إنا نعطيك ما سألتنا \" أي نعطيك\n_________\n(١) وقد تقدم لنا شرح هذه المناقشة أثناء كلامنا على الترجمة.","vol":"4","page":383},{"text":"رَجُلًا أمِينًا حَقَّ أمِين، فاسْتَشْرَفَ لَهُ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَال: \" قم يَا أبَا عُبَيدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ \" فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" هَذَا أمِينُ هَذ الأمَّةِ \".\nــ\nما تطلبه منا \" وابعث معنا رجلًا أمينًا \" قال ابن كثير (١): فأتوا النبي - ﷺ - فقالوا: قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا فقال رسول الله - ﷺ -: \" ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين \" فاستشرف له أصحاب رسول الله - ﷺ - \" أي فتطلع لهذا المنصب أصحاب النبي - ﷺ - لا رغبة في الإمارة، ولكن حرصًا على هذه الصفة الكريمة صفة الأمانة \" فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال: هذا أمين هذه الأمة \" فوصفه بهذه الصفة الكريمة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: عزم النبي - ﷺ - وتصميمه على مباهلة وفد نجران تنفيذًا لأمر الله تعالى في قوله ﷿ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، أما نصارى نجران فإنهم أحجموا وَوَجَمُوا عن المباهلة خشية أن يصابوْا بسوء، قال الإمام محمد عبده (٢): وهذا الطلب -أي طلب النبي - ﷺ - المباهلة- يدل على قوة يقين صاحبه، وثقته بما يقول، كما يدل امتناع من دعوا إلى ذلك من أهل الكتاب على امترائهم فيما يعتقدون، وكونهم على غير بينة ولا يقين. ثانيًا: أن في الحديث منقبة عظيمة لأبي عبيدة ﵁ حيث وصفه بأنه أمين هذه الأمة، وتلك صفة عظيمهَ أشرأبت لها أعناق كبار الصحابة. ثالثًا: جواز صلح أهل\n_________\n(١) \" البداية والنهاية \" لابن كثير ج ٥.\n(٢) \" تفسير المنار \" ج ٣.","vol":"4","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-942>٨٦٠ - \" بَابُ حِجَّةِ الْوَدَاعَ </span>\"\n١٠٠٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵁:\nأنَّ النبي - ﷺ - غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَأنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً، لَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ.\nــ\nالكتاب -كما قال ابن القيم (١) - على ما يريد الإمام من الأموال والثياب وغيرها، ويجري ذلك مجرى ضرب الجزيّة عليهم. رابعًا: أن للإِمام أن يبعث الرجل العالم إلى أرض الهدنة في مصلحة الإِسلام، وأنه ينبغي أن يكون أمينًا، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مراده مجرد مرضاة الله تعالى ورسوله. اهـ. كما أفاده ابن القيم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على قصة أهل نجران مع النبي - ﷺ - كما ترجم له البخاري.\n٨٦٠ - \" باب حجة الوداع \"\n١٠٠٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - حضر بنفسه تسع عشرة معركة إسلامية تسمى كل واحدة منها غزوة، لأن النبي - ﷺ - حضرها بنفسه، وكل معركة يحضرها بنفسه تسمى \" غزوة \" وجمعها غزوات. قال: \" وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة \" يعني وأنه - ﷺ - لم يحج بعد هجرته إلى المدينة إلَّا حجة واحدة \" لم يحج بعدها \" أي لم يحج بعدها حجة أخرى غيرها \" حجة الوداع \" بالنصب على أنه بدل من حجة واحدة، ويجوز فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ، والتقدير هي حجة الوداع. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - لم يحج بعد هجرته - ﷺ - سوى حجة واحدة، هي حجة الوداع، فهي حجته الوحيدة\n_________\n(١) \" زاد المعاد \" لابن القيم ج ٣.","vol":"4","page":385},{"text":"بعد الهجرة (١)، وكانت حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة الموافق لشهر مارس سنة ٦٣٢ م، فما كاد - ﷺ - يعلن عن حجه حتى قدم مَنْ حول المدينة، وخرج - ﷺ - لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فوافاه في الطريق بشر كثير، فكانوا بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله مد البصر حتى زاد عددهم عن مائة ألف، وخرج - ﷺ - يوم السبت بعد أن صلّى الظهر بالمدينة أربعًا، وسار إلى ذي الحليفة، فأحرم منها قارنًا ملبيًا، ثم نزل بذي طوى، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل، ودخل مكة نهارًا من أعلاها، ووصل المسجد ضحى، وعمد إلى البيت، وحاذى الحجر الأسود، واستلمه ولم يزاحم عليه، وجعل البيت عن يساره، ورمل في الثلاثة الأشواط الأولى واضطبع بردائه فجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن (٢) وطرفيه على كتفه الأيسر، وكان كلما حاذى الحجر أشار إليه واستلمه بمحجنه، فلما فرغ من طوافه، وقف خلف المقام، وقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلّى ركعتين، ثم أقبل على الحجر فاستلمه ثم خرج إلى الصفا، فسعى بين الصفا والمروة سبعًا، وأقام بمكة أربعة أيام من الأحد إلى الأربعاء، فلما كان يوم الخميس توجه إلى منى فنزل بها، وصلّى الظهر والعصر، وبات بها، وكانت ليلة الجمعة، فلما طلعت الشمس سار إلى عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل حتى زالت الشمس، فرحل على ناقته القصواء حتى أَتى بطن عرنة، فخطب الناس على راحلته، ثم أمر بلالًا فأذن، وأقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين ثم أقام فصلى العصر ركعتين، فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف،\n_________\n(١) أما قبل الهجرة فقد اختلف في ذلك. قال ابن الأثير: \"كان يحج كل سنة، وفي سنن الترمذي عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر ... \" وفي سنده زيد بن الحباب عن الثورى، وهو صدوق يخطيء في حديث الثورى ولذلك قال الترمذي: هذا حديث غريب. (ع).\n(٢) والاضطباع هو أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة، وهو مستحب في طواف القدوم. اهـ. كما في \" العمدة \" لابن قدامة وشرحه للمقدسي.","vol":"4","page":386},{"text":"وأخذ في الدعاء والابتهال، وللحاج أن يدعو بما تيسر، ولا بأس أن يقول: \" اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني (١) وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفي عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، والوجل المشفق المقرُّ بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا \" وهناك أنزلت عليه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فلما غربت الشمس أفاض من عرفة إلى مزدلفة، وهو يقول: \" أيها الناس عليكم بالسكينة \" ولم يقطع التلبية حتى أَتى المزدلفة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، فصلى المغرب، قيل: حط الرحال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء، ثم نام حتى أصبح، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت، ثم سار من مزدلفة عند الإسفار حتى أَتى منى، فرمى جمرة العقبة راكبًا بعد طلوع الشمس، وقطع التلبية، ثم رجع إلى منى، فخطب في الناس خطبة بليغة أعلن فيها وجوب المحافظة على حقوق الإِنسان، حيث قال فيها: \" فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا .. إلخ ثم نحر - ﷺ - ثلاثًا وستين بدنة بيده، وأمر عليًا أن ينحر الباقي من المائة، ثم استدعى الحلاق، فحلق شعره، ثم أفاض إلى مكة راكبًا، وطاف طواف الإِفاضة، ثم أتى زمزم، فشرب منه وهو قائم، ثم رجع إلى منى من يومه، فقضى فيها ثلاثة أيام يرمي الجمرات الثلاث كل يوم عند الزوال حتى أكمل أيام التشريق الثلاثة، فنهض إلى مكة، فطاف طواف الوداع من الليل سحرًا، وأمر الناس بالرحيل والتوجه إلى المدينة (١). والله أعلم. ثانيًا: أن عدد غزواته - ﷺ - تسع عشرة غزوة. والمطابقة: في قوله: \" وإنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها، حجة الوادع \".\n_________\n(١) \" السيرة النبوية \" لأبي الحسن الندوي.","vol":"4","page":387},{"text":"منار القاري\nشرح مختصر\nصحيح البخاري\nتأليف حمزة محمد قاسم\nراجعه الشيخ عبد القادر الأرناؤوط\nعني بتصحيحه ونشره بشير محمد عيون\nالجزء الخامس\nمكتبة دار البيان\nص. ب ٢٨٥٤ - هاتف ٢٢٩٠٤٥\nدمشق - الجمهورية العربية السورية\nمكتبة المؤيد\nص. ب ١٠ - هاتف ٧٣٢١٨٥١\nالطائف - المملكة العربية السعودية","vol":"5","page":1},{"text":"حقوق الطبع محفوظة للمؤلف\nبيروت\n١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م","vol":"5","page":2},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-943>٨٦١ - \" بَابُ غَزْوَةِ تبوك وهي غَزْوةُ العُسْرَةِ </span>\"\n١٠٠٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص ﵁:\n\"أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ إلى تَبُوكَ واسْتَخْلَفَ عَلِيًَّا ﵁،\nــ\nوأخيرًا ختم المصنف رحمه الله تعالى الغزوات بغزوة تبوك، لأنها آخر الغزوات الإِسلامية الكبرى فقال:\n٨٦١ - \" باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة \"\n١٠٠٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - خرج إلى تبوك وحضرها بنفسه، كما يحضر المعارك الإسلامية الكبرى، ولذلك سميت غزوة كما هو معروف عند أصحاب السير والتاريخ. وقد وقعت غزوة تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة، الموافق لشهر سبتمبر سنة ٦٣٠ م (١) حيث يشتد الصيف، وتقوى الحرارة، ويلتهب الجو، وتتوقد أشعة الشمس، وحيث يقل الزاد، وتشح المؤونة، ولا يبقى من التمور إلا النزر (٢) اليسير، واستقبل النبي - ﷺ - سفرًا بعيدًا، ومفازًا وعددًا كثيرًا، فكانت غزوة تبوك عسيرة حقًا في زمنها، وفي عدم توفر المؤونة الكافية، وقلة الماء، حتى أنهم كانوا ينحرون البعير ليعتصروا فَرثه يبلّون به ألسنتهم، وكان الركاب قليلًا حتى أن العشرة يتعاقبون على بعير واحد، ولكن لا بد مما ليس منه بد، فقد وصلت الأخبار إلى رسول الله - ﷺ - أن الروم تهيؤوا لغزو حدود العرب الشمالية، وأجْلَبَتْ معها غسان وغيرها من متنصرة العرب، حتى وصلت مقدمتهم إلى البلقاء، فاهتم رسول الله - ﷺ - بالأمر، وأعلن الجهاد، وجدّ في السفر، وحضّ أهل الغنى على النفقة في سبيل الله فبادر عثمان بالإِجابة وجهز جيش العسرة، وأنفق ألف دينار، قال ابن\n_________\n(١) والظاهر أن ذلك كان في برج السنبلة.\n(٢) قال في \" تفسير المنار \" وكانت عسرة في الزاد، إذ كانت عند انتهاء فصل الصيف الذي نفدت فيه مؤنتهم من التمر.","vol":"5","page":3},{"text":"فَقَالَ: أتُخَلِّفُنِي في الصِّبْيَانِ والنِّسَاءِ؟ فَقَالَ: ألا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أنَّهُ لَيْسَ نَبِيّ بَعْدِي \".\nــ\nإسحاق: وكان رسول الله - ﷺ - قلّ ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد المشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو، ليتأهب الناس لذلك أهبته، وخرج رسول الله - ﷺ - في ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش خرج به رسول الله - ﷺ - في غزوة، وكان الجيش منظّمًا مرتبًا موزّع الألوية والرايات، ولما انتهى النبي - ﷺ - إلى تبوك بلغه خبر انسحاب الروم، ولم يقابل الروم هذا الزحف بزحف مقابل، وبتحركات عسكرية مضادة، بل كان هناك انسحاب مقابل هذا التحدي السافر، وصاروا يحسبون لهذه القوة الناشئة حسابًا لم يحسبوه من قبل، وقد روى لنا سَعْدٌ في هذا الحديث \" أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك \" وذلك في شهر رجب من السنة التاسعة من الهجرة كما ذكرنا وتقع تبوك في شمال الحجاز، على بعد ٧٠٠ كم من المدينة \" واستخلف عليًَّا ﵁ \" أي تركه في المدينة ليكون نائبًا عنه في الإِشراف على أهله ونسائه والقيام عليهن \" فقال أتخلفني في الصبيان والنساء \" أي أتتركني في المدينة مع النساء والصبية، ولا أخرج معكم إلى الجهاد، ولا أشارككم في القتال؟! \" فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى \" أي أما ترضى أن تكون خليفة عني في سفري هذا، بمنزلة استخلاف موسى أخاه هارون على بنى إسرائيل حين توجه إلى الطور. اهـ. كما أفاده العيني.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: ذكر غزوة تبوك، وخروج النبي - ﷺ - فيها لغزو الروم، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن علي بن أبي طالب ﵁ أبَتْ عليه شجاعته وبطولته وإقدامه أن يبقى في المدينة بعيدًا عن مواطن الجهاد والاستشهاد فقال: أتخلفني في الصبيان","vol":"5","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-944>٨٦٢ - \" حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ وَقَوْلُ اللهِ ﷿ (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا)</span>\n١٠٠٧ - عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\nلَمْ أتخَلَّفْ عَنْ رَسُول الله - ﷺ - في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إلَّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْر، وَلَمْ يُعَاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْش، حتى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وبيْنَ\nــ\nوالنساء. ثالثًا: استدل الشيعة بهذا الحديث على أن الخلافة لعلي ﵁، واعتبروه نصًا صريحًا على خلافته، قال القسطلاني: ولا متمسك لهم فيه، لأنه - ﷺ - إنما قال هذا حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، ويؤيده أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى، لأنّه توفي قبل موسى بنحو أربعين سنة.\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" إن رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك \"\n٨٦٢ - \" حديث كعب بن مالك ﵁، وقول الله ﷿: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) \"\n١٠٠٧ - معنى الحديث: أن كعب بن مالك يقصّ علينا قصة تغيبه عن غزوة تبوك، فيمهد لذلك بقوله \" لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها إلَّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله - ﷺ - يريد عير قريش \" أي أنه ﵁ لم يكن من عادته التخلف عن الجهاد، فهو ﵁ قد حضر جميع غزوات الرسول، ولم يتغيب عن غزوة منها عدا غزوة بدر، ولا يعد من غاب عنها متخلفًا، لأن النبي - ﷺ - عندما خرج من المدينة لم يخرج لقتال، وإنما خرج ليتصدّى لقافلة","vol":"5","page":5},{"text":"عَدُوِّهِمْ على غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا على الإسْلامِ، وما أحبُّ أنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وِإنْ كَانَتْ بَدْر أذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا، كانَ مِنْ خَبَرِي أني لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوَى ولا أيْسَرَ حينَ تَخَلفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الْغَزْوَةِ، والله مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتانِ قَط حَتى جَمَعْتُهمَا في تِلك الْغَزْوَةِ، ولمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُرِيدُ غَزْوَةً إلا وَرى بِغَيْرِهَا حتى كَانَتْ، تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللهَ - ﷺ - في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وعَدُوًَّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ، لِيَتَأهَّبُوا أهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كثِيرٌ، ولا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ\nــ\nقريش التجارية ويستولي عليها لمصلحة المسلمين، ولكن رسول الله - ﷺ - أراد العير، واختار الله له النفير فكان القتال، ولذلك لم يعاتب - ﷺ - أحدًا غاب عن بدر، ثم ذكر أنه إذا كان قد غاب عن غزوة بدر، فإن الله قد عوضه عنها بحضور بيعة العقبة التي كان يعتز بها كثيرًا، قال كعب \" وما أحب أن لي بها مشهد بدر \" أي ولو خيرت بين حضورها أو حضور غزوة بدر لاخترتها، وفضلتها عليها \" وإن كانت بدر أذكر في الناس \" أي وإن كانت بدر أشهر منها عند غيرى من الناس \" وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني \" أي لم أكن في حياتي كلها أقوى جسمًا، ولا أحسن صحة، ولا أيسر حالًا، مني في هذا الوقت الذي كانت فيه غزوة تبوك، \" ولم يكن رسول الله - ﷺ - يريد غزوة إلَّا ورّى بغيرها \" أي إلا أظهر للناس أنه يريد جهة أخرى حرصًا على الكتمان \" حتى كانت تلك الغزوة \" أي حتى حدثت تلك الغزوة، فلم يخفها، لأنها كانت \" في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا \" أي وعلم","vol":"5","page":6},{"text":"الدِّيوَانَ- قَالَ كَعْبٌ: فما رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللهِ، وغَزَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تِلْكَ الْغَزْوَةِ حينَ طَابَتِ الثِّمَارُ والظلالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُول اللهِ المسلمُونَ مَعَهُ، فَطفِقْتُ أغدُو لِكَيْ أتجَهَّزَ مَعَهُمْ فأرْجِعُ ولَمْ أقْضِ شَيْئًَا، فَأقولُ في نَفْسِي أَنا قَادِر عَلَيْهِ، فَلم يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حتَّى اشْتَدَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - والْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقض مِنْ جِهَازِي شَيْئًَا، فَقُلْتُ: أتجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْم أوْ يَوْمَيْنِ، ثم ألحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أنْ فَصَلُوا لأتَجَهَّزَ،\nــ\nأنه سيسير بالمسلمين في فلاة وأراض قاحلة ليس فيها قطرة ماء، حتى إن من يسير فيها يعرّض نفسه للهلاك من شدة العطش \" وعدوًا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم \" أي فبيّن - ﷺ - لهم أنه يريد غزو الروم \" ليتأهبوا أهبة غزوهم \" بضم الهمزة وسكون الهاء أي ليأخذوا معهم ما يحتاجون إليه في تلك الغزوة الصعبة من سلاح وعتاد \" والمسلمون رسول الله - ﷺ - كثير \" يبلغ عددهم ثلاثين ألفًا \" ولا يجمعهم كتاب حافظ \" أي لم تقيد أسماؤهم في سجل حتى يعرف الحاضر من الغائب \" فما رجل يريد أن يتغيّب إلَّا ظن أن سيخفى له \" أي إلَّا اعتقد أنه لا يظهر غيابه وأنه سيخفى عن النبي - ﷺ - \" ما لم ينزل فيه وحي الله \" فيكشفه ويفضحه أمام رسول الله - ﷺ - \" وغزا رسول الله - ﷺ - تلك الغزوة حين طابت الثمار \" أي نضجت الثمار، وحان اجتناؤها \" والظلال \" أي ورغب الناس في الجلوس تحت الأشجار يستظلون من وهج الشمس \" وتجهز رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه فطفقت للغزو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا \" أي فبدأت أذهب كل صباح إلى سوق المدينة لكي أشتري ما أحتاج إليه في هذه الغزوة من عتاد وزاد، ولكنني أعود إلى بيتي وأنا لم أحضر معي شيئًا أغزو \" فأقول في نفسي أنما قادر عليه \" أي فأقول لنفسى محاولًا إقناعها","vol":"5","page":7},{"text":"فَرَجَعْتُ وَلَمْ أقض شَيْئًا، ثمَّ غَدَوْتُ، ثمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أقض شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرُ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْد خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَطُفْتُ فِيهم أحْزَنَنِي أنَّنِي لا أرى إِلَّا رَجُلًا مَغمُوضًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حتى بَلَغَ تَبُوكَ، فقالَ وهُوَ جَالِسٌ في الْقَوْمِ بِتَبُوكٍ:\nــ\nإذا كنت لم أخرج اليوم فإنَّ في إمكان الخروج غدًا \" فلم يزل يتمادى بي \" أي فلم يزل هذا الحال مستمرًا بي \" حتى اشتد بالناس الجِدُّ \" حتى ضاعف الناس من جدهم واجتهادهم في التهيؤ والاستعداد لهذه المعركة، ولا زلت أنا كما كنت لم أفعل شيئًا \" فأصبح رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه \" أي أصبحوا وقد جهزوا أنفسهم \" ولم أقض من جهازي، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين \" أي فلجأت إلى التسويف، وصرت أمنّي نفسي، وأحاول إقناعها بأن الفرصة لا زالت مواتية لم تفت بعد، وإن ما لم أفعله اليوم أفعله غدًا، والأيام تمر، والوقت يجري \" فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز \" أي فخرجت إلى السوق بعد أن خرج محمد - ﷺ - وأصحابه من المدينة لأتجهز \" ولم أقض شيئًا \" أي ولم أفعل شيئًا \" ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا، ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط القوم \" أي ثم صرت أذهب كل يوم صباحًا إلى السوق لأجهز نفسي فأعود إلى بيتي وأنا لم أصنع شيئًا حتى انتهت غزوة تبوك، وأسرع الناس بالرجوع إلى المدينة \" فهممت أن أرحل وأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك \" أي ولكن لم يرد الله تعالى في الخروج \" فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - ﷺ - فطفت فيهم \" أي فكنت إذا مررت بالناس بعد خروج النبي - ﷺ - من المدينة وتجولت بينهم \" لا أرى إلا رجلًا مغموضًا عليه النفاق \" أي","vol":"5","page":8},{"text":"\" ما فَعَلَ كَعْبُ؟ \" فَقَالَ رَجُلْ مِنْ بَنِي سَلِمةَ: يا رَسُولَ اللهِ حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظرهُ في عِطْفَيْهِ، فقالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَل: بِئْسَمَا قُلْتَ: واللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ما عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيرًا، فَسَكتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فلما بَلَغَنِي أنَّهُ تَوَجَهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، فَطَفِقْتُ أتذَكَّرُ الْكَذِبَ، وأقولُ: بماذَا أخرُجُ من سَخَطِهِ غَدًا، واسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأيٍ مِنْ أهْلِي، فلمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ أظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أنَّي لَنْ أخرُجَ مِنْهُ أبدًا بِشَيءٍ فِيه كَذِب، فأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأصبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَادِمًا، وكانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأ بالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثم جَلَسَ لِلنَاسِ، فلمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، جَاءَهُ\nــ\nلا أرى إلَّا رجلًا متهمًا في دينه \" أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء \" يعنى أو رجلًا معذورًا شرعًا لمرض بدني أو عجز جسمي كالأعمى والمقعد والمريض ونحوهم \" ولم يذكرني رسول الله - ﷺ - حتى بلغ تبوك \" أي ولم يتذكرني النبي - ﷺ - ولم أخطر بباله ولم يتحدث عني حتى وصل إلى تبوك \" فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب \" يعني أي شيء فعل كعب ولماذا تأخر عنا \" فقال رجل من بني سلمة \" وهو عبد الله بن أنس، قال الحافظ، وهو غير الجهني الصحابي المشهور: \" حبسه برداه \" تثنية بُرْد وهو ثوب مخطط، ويجمع على أبرَاد وأبرد وبُرُد \" ونظره في عطفيه \" تثنية عِطف وهو الجانب، وكنى بالجملتين عن إعجابه بلباسه، وإعجابه بنفسه \" فقال معاذ: بئسما قلت \" أي ما أقبح هذا القول الذي نطقت به، فإنك قد اغتبت الرجل في مجلس النبي - ﷺ - \" فلما بلغني أنه توجه قافلًا \" أي فلما وصلتني الأخبار عن توجهه من تبوك عائدًا إلى المدينة \" حضرني همّي \" أي بَدَأتِ الأفْكار والهموم تسيطر على نفسي","vol":"5","page":9},{"text":"الْمُخَلَّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَة وثمانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلانِيتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرائِرَهُمْ إلى اللهِ تَعَالى، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ علَيْهِ، تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثم قَالَ: \" تَعَالَ \" فجِئْتُ أمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: \" مَا خَلَّفَكَ ألمْ تَكُنْ قَد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ \"، فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللهِ يا رَسُولَ اللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أهْلِ الدُّنيا لَرَأيْتُ أنْ سَأخرُجَ\nــ\n\" فطفقت أتذكر الكذب \" أي فخطر في بالي أن أعتذر إليه بعذر كاذب \" وأقول في نفسي بماذا أخرج من سخطه غدًا \" وفي رواية ابن أبي شيبة: وطفقت أعد العذر لرسول الله - ﷺ - إذا جاء وأهيىء الكلام \" واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهْلي \" أي وصرت أستشير كل صاحب رأي سديد من أقاربي مستعينًا برأيه \" فلما قيل: إن رسول الله - ﷺ - قد أظَلَّ قَادمًا \" يعني قد دنا قدومه من المدينة \" زاح عني الباطل \" أي زالت من رأسي جميع الأفكار السيئة \" وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا \" أي لن أتخلص وأنجو حقيقة \" بشيء فيه كذب \" لأن حبل الكذب قصير \" فأجمعت صدف \" لأن النجاة في الصدق \" وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس \" أي لاستقبالهم والحديث معهم وإرشادهم وتعليمهم، والحكم بينهم \" فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يعتذرون، فطفقوا يعتذرون \" بالأعذار الكاذبة \" ويحلفون له \" الأيمان الباطلة \" وكانوا بضعة وثمانين رجلًا \" والبضع على المشهور ما بين ثلاث إلى تسع \" فقبل منهم علانيتهم \" أي قبل منهم ظاهر أمرهم \" ووكل سرائرهم إلى الله تعالى \" أي ترك الحكم على ما أضمروه وأخفوه في نفوسهم إلى الله تعالى يحكم فيهم بما يشاء \" فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسّم المغضب \" أي تبسم لي ولكن آثار الغضب بادية على وجهه، لأنه - ﷺ - لا يقابل إنسانًا بما يكره \"ثم","vol":"5","page":10},{"text":"مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أعْطِيتُ جَدَلًا، ولكنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، ليوشِكَنَّ اللهُ أن يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْق تَجِدُ عليَّ فِيهِ أنَّي لأرجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ، لا وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أقْوَى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أما هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ \" فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَبّعَونِي،\nــ\nقال: تعال \" أي تقدم إليَّ، واقترب مني \" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك؟ \" أي ما هو سبب تغيبك عن هذه الغزوة وما عُذْرك في ذلك؟ \" ألم تكن قد ابتعت ظهرك \" أي اشتريت راحلتك \" فقلت: بلى والله يا رسول الله، ولو جلست عند غيرك من أهل الدنيا \" أي لو جلست عند الناس العاديين من الحكام والملوك والأمراء \" لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر \" أي لوجدت عذرًا كاذبًا يرضيه، وتخلصت منه بهذا العذر الكاذب \" ولقد أعطيت جدلًا \" أي ولقد أعطيت منطقًا قويًا \" ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب \" أي لو اعتذرت لك اليوم بعذر كاذب \" ترضى به عني ليوشكن الله، يسخطك عليّ \" أي ليأتينك الوحي قريبًا فيفضح كذبي عندك، فتسخط عليّ وتغضب مني \" ولئن حدثتك حديث صدق \" واعترفت لك بالحقيقة، وقلت لك قولًا صادقًا مطابقًا للواقع \" تجد عليّ فيها \" أي تغضب علي اليوم بسببه \" إني لأرجو فيه عفو الله \" أي فإني حين أقول الصدق الذي يغضبك اليوم مني أنتظر أن يعفو الله عني مكافأة لي على صدقي، ثم قال: \"والله ما كان لي من عذر \" فاعترف أنه لا عذر \" فقال رسول الله - ﷺ - أما هذا فقد صدق \" وأخبر بالواقع \" فقم حتى يقضي الله فيك \" أي فقم الآن من مجلسي هذا، وانتظر حتى يحكم الله فيك \"وثار رجال","vol":"5","page":11},{"text":"فَقَالُوا لِي: واللهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أذنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، ولَقَدْ عَجَزْتَ أن لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بما اعْتَذَرَ بِهِ الْمُتَخَلِّفُونَ، وَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنبكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ لَكَ، فَواللهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حتى أردْتُ أن أرجِعَ فَأكَذِّبَ نَفْسِي، ثم قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعي أحدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ رَجُلانِ، قَالا مِثْلَ مَاْ قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبيعِ العَمْرِي وهِلَالُ ابْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، فذَكَرُوا لي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، ونَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وتَغيَّرُوا لنا، حتَّى\nــ\nمن بني سلمة\" أي فقمت من مجلسه، وقام معي رجال من بني سلمة \" فقالوا لي: ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا \" أي لم يسبق أن أذنبت ذنبًا أو ارتكبت معصية قبل هذه المرة \" ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت \" أي فلماذا لم تخلص من غضبه - ﷺ - بعذر من الأعذار التي اعتذر بها المتخلفون \" وكان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - ﷺ - لك \" أي ولو اعتذرت إليه لأستغفر لك، فكان استغفاره لك كافيًا لمحو خطيئتك وتكفير ذنبك \" وما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فَأًكذِّبَ نفسي \" أي فأكذّب نفسي عند رسول الله - ﷺ - في قولي السابق \" ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك \" أي قال لهما النبي - ﷺ - قم حتى يقضي الله فيك \" فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الوافقي \" وكلاهما أنصاريان من الأوس \" فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا \" وفازا بقول الله تعالى لهم: \"يا أهل بدر، اعملوا ما شئتم فقد","vol":"5","page":12},{"text":"تَنَكَّرَتْ في نَفْسِي الأرْضُ، فَمَا هِيَ التَّي أعْرِفُ، فَلَبِثْنَا على ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فأمَّا صَاحِبَايَ فاسْتَكَانَا وقَعدا في بُيُوتِهِما يَبْكِيَانِ، وأمَّا أنا فَكُنْتُ أشَبَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أخْرُجُ فأشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأطوفُ في الأسْوَاقِ، ولا يُكَلمُنِي أحدٌ، وآتِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ في مَجْلسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأقولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ عَلَيَّ أمْ لا؟ ثُمَّ أصَلي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأسَارِقُهُ النَّظر، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلَاِتي أقبَلَ إِلَيَّ، وَإذَا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ من جَفوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَورْتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قُتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وأحبُّ النَّاسِ إِليَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: يا أبا قَتَادَةَ أنشُدُكَ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُنِي أَُحبُّ الله وَرَسُولَهُ،\nــ\nغفرت لكم\" \" فيهما أسوة \" أي لي فيهما قدوة صالحة وأسوة حسنة \" فمضيت حين ذكروهما لي \" أي فلم سمعت بهما قررت الاستمرار فيما أنا عليه من الالتزام بالصدق \" نهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة \" برفع الثلاثة على أنها خبر لأي، والمعنى فمنع رسول الله - ﷺ - الناس عن التكلم معنا نحن الثلاثة المذكورون \" فاجتنبنا الناس \" أي قاطعونا وهجرونا \" حتى تنكرت في نفسي الأرض \" أي حتى تغير في عيني كل شيء على هذه الأرض \" فأمّا صاحبي فاستكانا \" أي اعتزلا في دارهما \" وأما أنا فكنت أشبَ القوم \" أي أصغرهم سِنًَّا \" وأجلدهم \" أي أقواهم جسمًا \" فكنت أخرج فأشهد الصلاة \" أي صلاة الجماعة \" فأسلّم عليه \" أي على النبي - ﷺ - \" فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه يرد السلام عليَّ أم لا؟ \" أي أشك في كونه رد السلام أو لم يرده \" فأسارقه النظر \" أي أنظر إليه خفية \"فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا","vol":"5","page":13},{"text":"فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتْ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وتَوَلَّيْتُ حتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أنَا أمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أنباطِ أهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بالطَّعَامِ يَبيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا من مَلِكِ غَسَّانَ، فَإذا فِيهِ أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أن صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأتُهَا: وَهَذَا أيْضًا مِنَ الْبَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ ليْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ - ﷺيَأتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ\nــ\nالتفت نحوه أعرض عني\" أي صرف نظره عني ليظهر لي الغضب والمقاطعة \" حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس \" أي من مقاطعتهم وهجرانهم \" مشيت حتى تسورت جدار حائط \" أي بُسْتان \" أبي قتادة وهو ابن عمّي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ \" أي أسألك بالله تعالى هل تعلم محبتى لله ورسوله \" فسكت \" ولم يجبه بشيء، ثم أعاد عليه هذا السؤال مرَّةً أخرى كما قال: \" فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم \" وتخلص من الجواب برد العلم إلى الله ورسوله \" فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي \" بفتح النون وكسر الطاء، أي فإذا في أفاجأ بفلاح من الشام، \" فطفق الناس يشيرون له \" فبدأ الناس يشيرون إليَّ، ويدلونه عليَّ \" حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان \" وهو جبلة بن الأيهم \" فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أنْ صاحبك \" يعني النبي - ﷺ - \" قد جفاك \" أي قد هجرك هو وأصحابه،","vol":"5","page":14},{"text":"اللهِ - ﷺ - يَأمُرُكَ أن تَعْتَزِلَ امْرأتَكَ، فَقُلْتُ: أطَلِّقُهَا أمْ مَاذَا أفْعَلُ؟ قَالَ: لا بَلْ اعْتَزِلْهَا وَلا تَقْرَبْهَا، وأرْسَلَ إلى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرأتِي: الْحَقِي بِأهْلِكِ فَتكُونِي عِنْدَهُمْ حتى يَقْضِيَ اللهُ في هَذَا الأمْرِ، قَالَ كَعْبُ: فَجَاءَتْ امْرأةُ هِلَالِ بْنِ أمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلالَ بْنَ أمَيَّةَ شَيْخ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِم، فَهَلْ تَكْرَهُ أن أخدِمَهُ، قَالَ: لا، وَلَكِنْ لا يَقرَبْكِ، قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ ما بِهِ حَرَكَة إِلَى شَيْءٍ، وَاللهِ ما زَالَ يَبْكِي مُنذُ كَانَ مِنْ أمرِهِ مَا كَانَ إلى يَوْمِهِ هذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لو استَأذَنْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - في امْرَأتِكَ، كما أذِنَ لامْرأةِ هِلَالِ بْنِ أمَيَّةَ أن تَخْدِمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لا اسْتَأذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وما يُدْرِيني مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَأذَنْتُهُ فِيهَا، وأَنا رَجُلٌ شَابٌ، فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، حَتَّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً من حِينِ نَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ كَلامِنَا، فلما صَلَّيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صُبح خَمْسِينَ\nــ\nوأصبحوا يعاملونك بعداوة وجفاء\" ولم يجعلك الله بدار هوان \" أي ولست ممن يقبل الضيم، أو يرضي الإِقامة بأرض يهان فيها \"ولا مضيعة \" أي ولست ممن يضيع حقه، أو تهدر كرامته \" فألحق بنا نواسك \" أي فاحضر إلينا تجد كل مواساة وعون وإكرام \" فقلت لما قرأتها: وهذا والله من البلاء \" أي وهذا امتحان آخر يَبْتَلِيني الله به، لأن ملك غسان أراد بذلك أن ينتهز هذه الفرصة ليفتن كعب بن مالك عن دينه \" فتيممت بها التنور \" أي فقصدت بها التنور فألقيتها فيها \" فسجرته بها \" أي فأشعلت ناره بها \" حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولُ رسولِ الله - ﷺ - يأتيني فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تعتزل امرأتك \" أي أن لا تقربها ولا تباشرها \"فقلت لامرأتي الحقي","vol":"5","page":15},{"text":"لَيْلَةً، وأَنا على ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَينَا أنَا جَالِسٌ علَى الْحَال الذي ذَكَرَهُ اللهُ تعالى: قَدْ ضَاقَتْ علَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عليَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أوفَى على جَبَلِ سَلْعٍ بأعلى صَوْتِهِ: يا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أبشِرْ، قَالَ: فخَرَرْتُ سَاجِدًا، وعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وآذَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِتَوبَةِ اللهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ، فذهَبَ النَّاسَ يُبَشَرونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشَرُونَ، وَرَكَض إليَّ رَجُلٌ فرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فأوْفَى علَى الْجبَلَِ، فكَانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ\nــ\nبأهلك\" بفتح الحاء أي اذهبي إلى دار أهلك \" فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إنَّ هلال بن أمية شيخ \" أي رجل عجوز، وشيخ كبير طاعن في السن، \" ضائع \" أي غير قادر على خدمة نفسه لضعف جسمه \" فهل تكره أن أخدمه قال: لا، ولكن لا يقربك \" أي لا يباشرك أي مباشرة زوجية \" قالت: إنه والله ما به حركة \" أي ليس له أي رغبة أو حركة إلى النساء لسوء حالته النفسية \" فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة \" أي من صبح الليلة المكملة للخمسين ليلة \" فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله \" أي على الصفة التي وصفنا الله تعالى بها في قوله ﷿ (وضاقت عليهم الأرض بما رحبت) \" قد ضاقت عليَّ نفسي \" لما كنت أشعر به من ضيق الصدر، وامتلاء القلب بالهموم والغموم \" وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت \" أي وشعرت بأن هذه الأرض الواسعة قد ضاقت عليَّ من شدة الألم والحزن والخوف الذي أصابني \" سمعت صوت صارخ \" أي صوت رجل ينادي بأعلى صوته \" أوفى على جبل سلع \" أي صعد فوق جبل سلع، وصار ينادي \" يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا \" حمدًا لله تعالى وشكرًا له على توبته عليه \" وآذن رسول الله - ﷺ - بتوبة الله علينا \" أي أعلن","vol":"5","page":16},{"text":"الْفَرَسِ فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَي فَكَسَوْتُهُ إِيَاهُمَا بِبُشْرَاهُ، واللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، واسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وانْطَلَقْتُ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوجًا يُهَنِّؤُونِي بالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبُ: حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إليَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صافَحَنِي، وَهَنَّأنِي، وَاللهِ مَا قَامَ إليَّ رَجُل مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، ولا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبُ: فَلمَّا سَلَّمْتُ على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - وَهُو يَبْرقُ وَجْهُهُ مِنَ السرورِ: أبشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عليكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أمُّكَ، قَالَ قُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ قَالَ: لا، بَلْ مِنْ عِنْدِ الله، وكانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\nــ\nفي الناس توبة الله علينا، \" وركض إليَّ رجل فرسًا \" أي وامتطى رجل جوادًا واستحثه على الإِسراع إليَّ، فجاء يجري بسرعة كي يبشرني بهذه البشارة \" وسعى ساع من أسلم \" أي وجاء رجل آخر يجري بسرعة \" فأوفى على الجبل \" أي صعد فوق جبل سلع، فجعل ينادي بأعلى صوته يبشرني بالتوبة \" فلما جاءني الذي سمعت صوته نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه \" أي كسوته ثَوْبيَّ اللذين لا أملك غيرهما، مكافأة له على بشارته لي \" وانطلقت إلى رسول الله - ﷺ - فتلقاني الناس فوجًا فوجًا \" أي جماعة جماعة \" يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك \" بكسر النون كما رجحه الحافظ، وقال السفاقسي: الأصوبُ فتح النون لأنه من الهناء \" فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال رسول الله - ﷺ - وهو يبرق وجهه من السرور \" أي يتلألأ وجهه تلألؤ البرق من شدة الفرح: \" أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك \"","vol":"5","page":17},{"text":"إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فلما جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ مِنْ تَوبَتي أنْ أنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلى اللهِ وإلى رَسُولِ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذي بِخَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ اللهَ إِنَّمَا نَجَّانِّي بِالصِّدْقِ، وِإنَّ مِنْ تَوْبَتي أن لا أحَدِّثَ إلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَواللهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبلاهُ اللهُ في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذلكَ لِرَسُولَ اللهَ - ﷺ - أحسَنَ مِمَّا أبلانِي، ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإنِّي لأرْجُو أنْ يَحْفَظَنِي اللهُ فيما بَقِيتُ، وأنْزَلَ اللهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)\nــ\nأي أبشر يا كعب بخير يوم مرَّ عليك في حياتك كلها \" قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله \" لعله أراد هل أنزل الله تعالى في توبته عَليَّ قرآنًا يتلى أم لا؟ فأجابه النبي - ﷺ - بأن الله أنزل في توبته عليه وعلى صاحبيه قرآنًا \"وكان رسول الله - ﷺ - إذا سر استنار\" أي ظهر السرور على محيّاه فأضاء وجهه الشريف إضاءة القمر المنير \" قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي \" أي أن أتصدق بكل مالي في سبيل الله \" قال رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك بعض مالك \" أي تصدق بالبعض فقط، وأبق عندك شيئًا من مالك لكي تنفق به على نفسك وعيالك، \" فقلت: يا رسول الله إن الله نجَّاني بالصدق \" أي بسبب أني صدقت القول معك واعترفت لَكَ أن لا عذر لي \" فوالله ما أعلم أحدًا من السلمين أبلاه الله في صدق الحديث \" أي لا أعلم أحدًا اختبره الله في الصدق","vol":"5","page":18},{"text":"فَوَاللهِ مَا أنْعَمَ اللهُ عليَّ مِنْ نِعمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أنْ هَدَانِي للإسْلامِ أعْظَمَ في نَفْسِى مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنْ لا أكونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الذَّينَ كَذَبُوا، فَان اللهَ تَعَالى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أنزلَ الْوَحْيَ شَرَّ ما قَالَ لأحدٍ، فَقال اللهُ ﷿ (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إِلى قَوْلِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).\nــ\n\" أحسن مما أبلاني \" أي أحسن مما اختبرني \" وأنزل الله ﷿ على رسوله (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -إِلى قَوْلِهِ- وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) \" يعني وأنزل الله فينا قوله تعالى (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وهذه منقبة كبرى، وشرف عظيم لنا، حيث أعلن الله تعالى توبته علينا في هذه الآيات الكريمة، وأنزل في حقنا قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة مكافأة لنا على صدقنا مع النبي - ﷺ -، وخلد ذكرنا وجعلنا مثلًا يحتذى، وأمر المؤمنين أن يكونوا صادقين مثلنا، فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ثم قال كعب \" فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني الله للإِسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله - ﷺ - أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا \" يعني ما أعطاني الله نعمة بعد نعمة الإِسلام -في حياتي كلها- أعظم وقعًا في نفسي من كونه وفقني إلى الصدق مع رسول الله - ﷺ - وعصمني من الكذب فلم أهلك كما هلك الذين كذبوا على النبي - ﷺ - من المنافقين \" فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي","vol":"5","page":19},{"text":"شرَّ ما قال لأحد\" أي قال فيهم شر كلام قاله في أحد من البشر، ووصفهم بأقبح الصفات القبيحة \" فقال الله ﷿ (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ -إلى قوله- فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) \" يعني فقال الله في حقهم (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) وهذا شر مقال قاله الله في أحد من خلقه. حيث أمر ﷿ بالإِعراض عنهم وعدم معاتبتهم احتقارًا لهم، ثم أمر باجتنابهم، والابتعاد عنهم، لأنهم \" رجس \"، والرجس والنجس بمعنى واحد، ثم توعدهم أشد الوعيد في قوله (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ثم بيّن أن محاولتهم التخلص من التوبيخ والتأنيب، وإرضاء الرسول - ﷺ - وأصحابه بالأيمان الكاذبة لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأن الله سيفضح أمرهم، ويهتك سترهم في هذه السورة التي سميت سورة الفاضحة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الإِمام إذا استنفر المسلمين للغزو لزمهم النفير، ولحق اللوم من تخلف منهم، ولذلك اشتد الغضب على من تخلف عن غزوة تبوك، وإن كان الجهاد في حد ذاته فرض كفاية، ولكن لما أمر - ﷺ - بالنفير العام تعيّن الخروج على كل قادر عليه. ثانيًا: جواز ترك السلام على المذنب، وهجره أكثر من ثلاثة أيام. ثالثًا: فائدة الصدق وعاقبته الحميدة، فإن الله تعالى تاب على هؤلاء الثلاثة، وعفا عنهم بسبب صدقهم كما قال كعب: \" إنما نجَّاني الله بالصدق \". رابعًا: شؤم الكذب وعاقبته الوخيمة، فإن المنافقين الذين اختلقوا الأعذار الكاذبة سرعان ما فضحهم الله وهتك سترهم، ووصفهم بأقبح الصفات في قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ). خامسًا: أن الخطأ لا يعالج بخطأ آخر، وِإلا تفاقم الشر، وتضاعف الخطأ، وأصبحت المعصية معصيتين، ولذلك آثر كعب الصدق لئلا يجمع بين ذنبين. سادسًا: مشروعية التبشير بالخير والتهنئة بالنعمة كما فعل","vol":"5","page":20},{"text":"أصحاب النبي - ﷺ - في هذه القصة. سابعًا: استحباب سجود الشكر عند حدوث نعمة من النعم. ثامنًا: استحباب المبادرة إلى الصدقة وأعمال البر والإِحسان عند التوبة لقول كعب ﵁: \" إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله \". تاسعًا: قال ابن القيم: وقول كعب لامرأته الحقي بأهلك دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة طلاق ما لم ينوه. عاشرًا: أن أمرهم باعتزال نسائهم في آخر المدة كما قال ابن القيم فيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشد المئزر، وفي هذا إيذان بقرب الفرج. الحادي عشر: قال ابن القيم: وفيه دليل على أن إعطاء البشير من مكارم الأخلاق والشيم وعادة الأشراف، وعلى تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام إليه إذا أقبل ومصافحته، فهذه سنة مستحبة، والأولى أن يقال له: ليهنك ما أعطاك الله، وما منّ الله به عليك، ونحو هذا الكلام. الثاني عشر: قال ابن القيم: فيه (١) دليل على أن خير أيام العبد على الإِطلاق، وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله توبته، لقول النبي - ﷺ - \" أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمّك \". الثالث عشر: في قوله - ﷺ -: \" أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك \" دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى منه بقية، ولم يعين له - ﷺ - قدرًا، ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وفي الحديث فوائد كثيرة، فقد قال العيني: \" فيه أكثر من خمسين فائدة \" وما لا يدرك كله لا يترك جله. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث المذكور هو حديث كعب المنصوص عليه في الترجمة.\n_________\n(١) \" زاد المعاد في هدى خير العباد \" لابن القيم.","vol":"5","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>٨٦٣ - \" بَابُ مَرَض النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَفَاتِهِ </span>\"\n١٠٠٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:\nإِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ انَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تُوُفِّيَّ في بَيْتي، وَفي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وأنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وأنا مُسْنِدَة رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَرأيْتُهُ\nــ\n٨٦٣ - \" باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته \"\n١٠٠٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما مَرِضَ مَرَضَ موته (١) استأذن نساءه أن يمرّض في بيت عائشة، فأذنّ له تلبية لرغبته - ﷺ -، فانتقل إلى بيته لتمرّضه، وتشرف على خدمته، وتشمله بعطفها وحنانها، وما زال في حجرتها حتى توفي على صدرها كما قالت ﵂ في هذا الحديث \" إن من نعم الله عليَّ أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي \" أي في حجرتي الخاصة بي \" وفي يومي \" أي وفي اليوم الذي هو يوم نوبتي كما جاء توضيح ذلك في رواية أخرى عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: أين أنا غدًا، يريد عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها \" وبين سحري ونحري \" بإسكان الحاء في الكلمتين، والسحر بسكون الحاء هو أعلى البطن، والنحر موضع العقد من الصدر، والمعنى: أنه - ﷺ - فاضت روحه وهي محتضنة له - ﷺ - على صدرها، ورأسه الشريف عند ذقنها، كما جاء في رواية أخرى \" وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي \" أي ما بين بطني وذقني، \" وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته \" أى مزج بين الريقين معًا، فجعل ريقها ﵂ يصل إلى فمه، وريقه\n_________\n(١) قال السهيلي: والوجع الذي كان بالنبي - ﷺ - هو الوجع الذي يسمى خاصرة وهو عرق في الكلية إذا تحرك وجع صاحبه.","vol":"5","page":22},{"text":"يَنْظر إليْهِ، وَعَرَفْتُ أنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخذُهُ لكَ؟ فأشارَ بِرأسِهِ أنْ نَعَمْ، فتَنَاوَلْتُهُ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وقُلْتُ: أليِّنهُ لكَ؟ فَأشَارَ بِرأسِهِ أنْ نَعَمْ، فَلَيَّنتهُ، وَبَيْنَ يَدَيه رَكْوَة -أوْ عُلْبَةٌ يَشُكُّ عُمَر- فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدخِل - ﷺ - يَدَيْه في الْمَاءِ، فَيمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ - ﷺ -: \" لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوتِ سَكَراتٍ \" ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فجعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الأعْلَى حتى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ - ﷺ - \"\nــ\n- ﷺ - يصل إلى فمها قبيل وفاته بلحظة قصيرة، وسبب ذلك قصة السواك التي ذكرتها في قولها: \" دخل علي عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله - ﷺ - \" أي مسندة له بصدري \" فرأيته - ﷺ - ينظر إليه \" يعني إلى السواك \" وعرفتُ أنه يحب السواك \" أي عرفت من نظراته أنه يرغب أن يستاك في تلك اللحظة \" فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم \" أي فأشار برأسه إشارة معناها نعم \" فتناولته \" أي فأخذت السواك لكي أعطيه إياه \" فاشتد عليه \" أي السواك \" فقلت: ألينه لك \" أي هل تريد أن أليّن لك السواك فأمضغه بأسناني \" فأشار برأسه أن نعم فلينته \" أي فمضغته بأسناني حتى صار لينًا \" وكان بين يديه رَكوةٌ (١) فيها ماء \" أي قربة من جلد مملوءة ماء \" فجعل يدخل يده، فيمسح بها وجهه \" أي فيمسح وجهه بالماء ليخفف من شدة الألم الذى يعانيه \" ويقول: لا إله إلا الله إنّ للموت سكرات \" أي شدائد وأهوال وآلام عظيمة \" ثم نصب يده \" مدها على الأرض \" فجعل يقول في الرفيق الأعلى \" والرفيق الأعلى: الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وقيل هو الجنة. وفي النهاية: هو جماعة\n_________\n(١) بفتح الراء.","vol":"5","page":23},{"text":"الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين. اهـ. كما أفاده الزبيدي (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه - ﷺ - أقام أثناء مرضه في بيت عائشة، وقضى أيامه الأخيرة في حجرتها كما قالت ﵂: \" إن من نعم الله تعالى عليّ أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري \" إلخ. وقد روى أحمد في \" مسنده \" عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \" إنه ليهون على (يعني الموت) أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة \" قال في المواهب اللدنية: فقد كان - ﷺ - يحب عائشة حبًا شديدًا وإنما اختار النبي - ﷺ - أن يمرّض في بيت عائشة، لأن المريض يكون أثناء مرضه أحوج ما يكون إلى من يرتاح إليه نفسيًا، وهي أحب الناس إليه. ثانيًا: أن للموت سكرات، وأن سكرات الموت أشد ما تكون على نفوس أحباب الله من أنبيائه وأوليائه وأصفيائه كما وقع لرسول الله - ﷺ -، ولهذا قالت عائشة ﵂ لا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي - ﷺ - أخرجه البخاري، قال القرطبي (٢): لتشديد الموت على الأنبياء فائدتان، إحداهما: تكميل فضائلهم، ورفع درجاتهم، وليس ذلك نقصًا ولا عذابًا، بل هو كما نجاء أن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. والثانية: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت، لأنه باطن، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في (خبرهم) شدة ألمه عليهم مع كرامتهم على الله تعالى قطع الخلق بشدة الموت التي يقاسيها الميت. ثالثًا: أنه يجوز للإِنسان أن يشكو لزوجته أو لصديقه أو طبيبه ما يعانيه من شدة أو ألم أو مرض لأن النبي - ﷺ - قال لعائشة ﵂: \" لا إِله إلا الله إن للموت سكرات \" فاشتكى من سكرات الموت، وأما ما روي عن جماعة من الشافعية \"أن تَأوَّهُ المريض مكروهٌ، فقد قال النووي: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت\n_________\n(١) \" إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين \" للمرتضى الزبيدي.\n(٢) \" شرح الصدور بشرح حال الموتى وأهل القبور \" للسيوطي.","vol":"5","page":24},{"text":"فيه نهي مخصوص (١)، وهو لم يثبت فيه ذلك. والحاصل أن إخبار المريض عن مرضه لا بأس به، وهو لا ينافي الرضا بقضاء الله وقدره، فكم من شاك وهو راض، وكم من ساكت وهو ساخط، والمعول في ذلك على عمل القلب اتفاقًا، لا على نطق اللسان، ا. هـ كما أفاده الحافظ. رابعًا: أن آخر كلمة قالها - ﷺ - وهو على فراش الموت: اللهم في الرفيق الأعلى، قال السهيلي: وجدت في بعض (٢) كتب الواقدي أن أول كلمة تكلم بها وهو مسترضع عند حليمة: الله أكبر، وآخر كلمة تكلم بها \" في الرفيق الأعلى \"، وفي رواية: \" مع الرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا \" وعلى هذه الكلمة فاضت روحه - ﷺ -، ووَدَّع الحياة الدنيا والتحق بالرفيق الأعلى. وقد كانت وفاته - ﷺ - كما قال صاحب المواهب\n: يوم الإِثنين بلا خلاف وقت دخول المدينة في هجرته حين اشتد الضحى، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء، وعند ابن سعد عن ابن شهاب: توفي - ﷺ - يوم الإثنين حين زاغت الشمس ورثته عمته صفية ﵂ بمراثي كثيرة، منها قولها:\nألَا يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ رَجَاءَنَا ... وَكُنْتَ بِنَا بَرًَّا وَلَمْ تَكُ جَافِيَا\nوَكُنْتَ رَحِيْمًا هَادِيًا وَمُعَلِّمًَا ... لِيَبْكِ عَلَيْكَ اليَوْمَ مَنْ كَانَ بَاكيا\nفِدىً لِرَسُوْلِ اللهِ أُمِّي وَخَالَتِي ... وَعَمِّي وَخَالِي ثُمَّ نَفْسِي ومَآليا\nورثاه حسان بن ثابت ﵄ بقوله:\nكُنْتَ السَوَادَ لِنَاظِري ... فَعَمَى عَلَيْكَ النَاظِرُ\nمَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ ... فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ (٣)\n_________\n(١) \" المواهب اللدنية \" ج ٢.\n(٢) \" الروض الأنف للسهيلي \" ج ٤.\n(٣) \" المواهب اللدنية \" للقسطلاني ج ٢.","vol":"5","page":25},{"text":"١٠٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ ﵃:\n\" أنَّ أبَا بَكْير ﵁ قَبَّلَ النبي - ﷺ - بَعْدَ مَوْتِهِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>٨٦٤ - \" بَاب آخِرُ مَا تكَلَّمَ بِهِ النبي - ﷺ </span>- \"\n١٠١٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nــ\nورثته السيدة فاطمة الزهراء ﵁ بقولها:\nمَاذَا عَلى مَنْ شَمَّ تربَةَ أحْمَدٍ ... أنْ لا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا\nصُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِب لَو أنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الأيامِ صِرْنَ لَيَالِيَا\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قول عائشة ﵂: \" من نعم الله تعالى عليَّ أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي وفي يومي وبين سَحَري ونحري \" إلخ.\n١٠٠٩ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة وابن عباس ﵃ في هذا الحديث: \" أن أبا بكر ﵁ قبل النبي - ﷺ - بعد موته \" أي أن أبا بكر دخل حجرة عائشة والنبي - ﷺ - مسجى بثوبه، وقد فاضت روحه، والتحق بالرفيق الأعلى، فكشف الغطاء عن وجهه، وقبّله مودعًا له الوداع الأخير، وبكى كما رواية أخرى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية توديع الميت وتقبيله وكشف الغطاء عن وجهه لتوديعه الوداع الأخير، لأن أبا بكر الصديق دخل على النبي - ﷺ - بعد وفاته، وكشف الثوب عن وجهه وقبله. ثانيًا: جواز البكاء على الميت عند موادعته بشرط أن لا يكون فيه نياحة، فإن كان فيه نياحة فلا. والمطابقة: كما قال العيني في قوله: \" بعد موته \". الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجة.\n٨٦٤ - \" باب آخر ما تكلم به النبي - ﷺ - \"","vol":"5","page":26},{"text":"كَانَ النبي - ﷺ - يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: \" إنَّهُ لَمْ يُقْبَضُ نَبِي حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَير \" فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أفَاقَ فأشْخَصَ بَصَرَهُ إلى سَقْفِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: \" الفهُمَّ الرفِيقَ الأعْلَى \" فَقُلْتُ: إِذًَا لا يَخْتَارُنَا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ، قَالَتْ: فَكَانَتْ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: \" اللَّهُمَّ الَّرفِيقَ الأعلَى \".\nــ\n١٠١٠ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \" كان النبي - ﷺ - يقول وهو صحيح \" أي في حال صحته وسلامة جسمه \" إنه لم يقبض نبي \" أي لا يموت نبي \" حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخيّر \" بين البقاء في هذه الدنيا، والانتقال إلى الرفيق الأعلى \" فلما نزل به \" أي فلما صار في حال الاحتضار وأوشكت روحه أن تفيض إلى مولاها \" غشي عليه \" أي أغمي عليه \" ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت \" أي رفع بصره إلى سقف الحجرة، وثبت نظره إليه، وصار لا يطرف جفنه، ولا تتحرك عيناه \" ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى \" أي أسألك الجنة ومرافقة عبادك الصالحين من الملائكة والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين \" فقلت: إذن لا يختارنا (١) \" أي فعلمت أنّه - ﷺ - آثر الآخرة على الدنيا، وأنه خيّر فاختار كما كان يحدثنا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن آخر ما تكلّم به - ﷺ - قبل أن يفارق الدنيا قوله \" اللهم الرفيق الأعلى \". ثانيًا: أنه - ﷺ - خُيّر قبل وفاته كغيره من الأنبياء فاختار الانتقال إلى الدار الآخرة. والمطابقة: في قولها: فكانت آخر كلمة تكلم بها: اللهم الرفيق الأعلى. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n_________\n(١) أي لا يختار البقاء معنا في هذه الدنيا.","vol":"5","page":27},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-947> كتاب التفسير </span>\"\nالتفسير لغة: كما قال الحافظ: التفْصيل، من الفسْر، وهو البيان، تقول: فسرت الشيء بالتخفيف، أفسِرُهُ (١) فسرًا، وفسَّرته بالتشديد أفسِّره تفسيرًا إذا بينته، وأصل الفسر نظر الطبيب إلى الماء -أي البول- ليعرف العلة.\nوالتفسير في لسان الشرع: كما قال بعضهم: علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى المنزل، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه، واستمدادُه من علم النحو والصرف واللغة والبيان وأصول الفقه والقراءات والناسخ والمنسوخ إلى آخره.\nويقول شيخ الإِسلام ابن تيميّة: الاختلاف في التفسير على نوعين، منه ما مستنده المنقول فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، فما كان منه منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي - ﷺ - قُبِل، وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب، ككعب ووهب، توقفنا عن تصديقه وتكذيبه، وما نقل عن الصحابة فالنفس إليه أسكن مما نقل عن التابعين، لاحتمال أن يكون سمعه من النبي - ﷺ -. وأما التفسير بغير المنقول فهو بيان مقاصد القرآن استنادًا إلى الفهم الصحيح القائم على معرفة لغة العرب وأساليبها، وعلوم القرآن ووجوه الإِعراب، والناسخ والمنسوخ، وأصول الفقه، والتشريع الإِسلامي إلى غير ذلك من العلوم والمعارف، ولا يقتصر هذا التفسير على مجرد النص الحرفي المنقول عن الصحابة والتابعين، وإنما يعتمد على الفهم الشخصي المستند إلى الكتاب والسنة.\nأما التفسير الذي عناه البخاري: وترجم له بقوله \" كتاب التفسير \" فهو النوع الأوّل، وهو التفسير المأثور المنقول عن النبي - ﷺ - أو الصحابة أو التابعين، ولم يرد عن النبي - ﷺ - في ذلك إلَّا النزر اليسير، ومن أشهر مفسري الصحابة\n_________\n(١) تقول العرب: فسَرَ يَفْسِر على وزن ضرب يضرب.","vol":"5","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-948>٨٦٥ - \" بَابُ مما جَاءَ في فَاتِحَةِ الْكِتَابِ </span>\"\n١٠١١ - عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قالَ:\nكُنْتُ أُصَلِّي في الْمَسْجدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمْ أجبه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كَنْتُ أصَلي، قَالَ: \" ألمْ يَقُلْ اللهُ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ)؟ ثُمَّ قَالَ لِي: \" لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أعظَمُ السُّوَرِ في الْقُرآنِ قَبْلَ أن تَخرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ \" ثُمَّ أَخذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ\nــ\nعلي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن عباس وكان تفسيرهم للقرآن إما سماعًا من النبي - ﷺ - أو اجتهادًا منهم والله أعلم.\n٨٦٥ - \" باب ما جاء في فاتحة الكتاب \"\n١٠١١ - ترجمة الراوي: وهو أبو سعيد الحارث بن المعلّي (١) الأنصاري (٢). قال ابن عبد البر: لا يعرف في الصحابة إلَّا بحديثين (٣)، توفي سنة ٧٤ من الهجرة.\nمعنى الحديث: أنه بينما كان أبو سعيد بن المعلى يصلي في مسجد رسول الله - ﷺ - ناداه النبي - ﷺأثناء الصلاة، فلم يجبه، فلما انتهى من صلاته لامه - ﷺ -، وسأله: أي شيء منعك عن الإِجابة، فاعتذر للنبي - ﷺ - أنه كان في صلاة، والمصلي لا يتكلم في صلاته، فقال له - ﷺ -: ألم تعلم أن إجابة النبي واجبة، لأن الله أمر بإجابته قي قوله ﷿ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) ثم قال: \" لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن\n_________\n(١) قال العيني: أصح ما قيل والله أعلم في اسمه الحارث بن نفيع بن المعلّى الأنصاري.\n(٢) وقد اختلف في اسمه، فقيل: رافع، وقيل الحارث، وقواه ابن عبد البر. (ع).\n(٣) قال الحافظ في \" الفتح \": وليس لأبي سعيد هذا في البخاري سوى هذا الحديث. (ع).","vol":"5","page":29},{"text":"أنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: ْ ألمْ تَقُلْ: \" لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أعْظَمُ سُورَةٍ في الْقُرآنِ \" قَالَ: \" (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هِيَ السَّبْعُ المثَانِي والْقُرآنُ العَظِيمُ الذِي أوُتِيتُهُ \".\nــ\nقبل أن تخرج من المسجد\" ومعنى تعليمه إياها أنه يخبره بأنها سورة كذا \" فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة ... إلخ \" أي فلما أراد الخروج ذكّرته بالوعد الذي وعدني به \" قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) \" يعني أن السورة التي هي أفضل سور القرآن وأعظمها شأنًا، هي سورة الفاتحة \" وهي السبع المثاني والقرآن العظيم \" أي وهي السورة العظيمة التي قال الله تعالى فيها (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) فسماها بالسبع المثاني، لأنها سبع آيات تتكرر قراءتها في كل ركعة وفي كل صلاة، وسماها بالقرآن العظيم، لاشتمالها على وجازتها وقلة ألفاظها على أهم مقاصد القرآن الكريم من إثبات التوحيد، والنبوة، والمعاد، والعبادة المتضمنة لأركان الإِسلام.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب إجابة الرسول - ﷺ - حتى في الصلاة، لأن النبي - ﷺ - قال لأبي سعيد لما لم يجبه وهو في الصلاة: \" ألم يقل الله تعالى (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ) \" فدل ذلك على أن إجابته واجبة في جميع الأحوال، ولا تبطل صلاته عند بعض الشافعية وبعض المالكية، لأن إجابته - ﷺ - في الصلاة حكم استثنائي خاص به. ثانيًا: أن للفاتحة أسماء كثيرة فمن أسمائها السبع المثاني والقرآن العظيم، وسورة الحمد، والشكر، والشافية، وأم القرآن وغيرها. ثالثًا: أن هذه السورة هي أفضل السور القرآنية في أهميتها، وكثرة ثوابها، وعظم نفعها، عاها الله بالسبع المثاني لأنها السورة الوحيدة التي تتكرر قراءتها في الصلوات الخمس دون غيرها، ولولا فضلها وأهميتها لما أوجب الله قراءتها في كل صلاة، وفي كل ركعة من الصلاة حيث","vol":"5","page":30},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-950> سُورَةُ الْبَقَرَةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>٨٦٦ - \" بَابُ قَولِهِ تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) </span>\"\n١٠١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:\nسَأَلْتُ النبي - ﷺ - أَيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى؟ قَالَ: \" أن تَجْعَلَ للهِ نِدًَّا وهوَ خَلَقَكَ \" قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيم، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: \" أن تَقْتُلَ وَلَدكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ \" قُلْتُ: ثمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: \" أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ \".\nــ\nلا تصح الصلاة إلَّا بها لقوله - ﷺ -: \" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب \" وأما فائدتها ونفعها فإنها رقية يستشفى بها، لقوله - ﷺ - لأبي سعيد الخدري: \" وما أدراك أنها رقية \" ولذلك تسمى الشافية إلى غير ذلك من الفوائد. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وهي السبع المثاني والقرآن العظيم \" حيث ذكر بعض أسمائها.\n\n\" سورة البقرة \"\n٨٦٦ - \" باب قوله تعالى (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) \"\nومعنى الآية: كما قال ابن عباس ﵄: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول - ﷺ - من التوحيد هو الحق الذي لا يشك فيه أحد، وحذف المفعول به ليكون المعنى أعم، ويقدر تقديرات كثيرة.\n١٠١٢ - معنى الحديث: أن ابن مسعود ﵁ سأل النبي","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-951>٨٦٧ - قَوْلُهُ تعَالَى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)</span>\nــ\n- ﷺ - عن أكبر الكبائر وأعظمها عقوبة عند الله تعالى فقال له: أكبر الكبائر على الإِطلاق الشرك بالله تعالى، ومعناه أن تجعل لله شريكًا أو نظيرًا أو شبيهًا في عبادته أو أفعاله أو صفاته، أو تُشَبِّه الله بمخلوقاته، فتجعل له ولدًا أو زوجة كما فعلت النصارى، فسأله ابن مسعود عن أكبر الكبائر بعد الشرك، فقال - ﷺ -: \" أن تقتل ولدك، تخاف أن يطعم معك \" أي لئلا يضايقك في معيشتك، ويشاركك في طعامك، وذلك غاية الخسة وقسوة القلب، \" قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك \" أي زوجته، لأنّك بذلك تجمع بين جريمتين الزنا والتعدي على حق الجار وخيانته في عرضه. الحديث: أخرجه الخمسة غير ابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" أن تجعل لله ندًا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الأصل الأوّل في جميع الأديان السماوية هو التوحيد، وهو ما يقتضيه العقل والفطرة السليمة، ويؤدي إليه العلم الصحيح، كما يدل عليه قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). ثانيًاَ: أن الشرك أكبر الكبائر على الإِطلاق. ثالثًا: أن أكبر الكبائر بعد الشرك قتل الأولاد والزنا بحليلة الجار.\n٧٦٧ - \" قوله تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) \"\nومعنى الآية: أن الله امْتَنَّ على بني إسرائيل بوقايتهم من حرارة الشمس حيث سخّر لهم السحاب يتظلَّلون به وأَمَّنَ لهم طعامهم دون عناء، فأنزل عليهم المنّ يتساقط عليهم كالثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأنزل عليهم السلوى، وهو طائر كالسُّماني، فكانوا","vol":"5","page":32},{"text":"١٠١٣ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" الْكَمْاة مِنَ المَنِّ وَمَاؤهَا شِفَاء لِلْعَيْنِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>٨٦٨ - \" بَابٌ (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) </span>\"\n١٠١٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \"قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا\nــ\nينعمون بذلك الغذاء دون مشقة أو عناء.\n١٠١٣ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" الكمأة من المن \" وهي نبْتَة خلوية تنبت في الصحراء دون استنبات وتكثر في الربيع عند نزول الأمطار، وتتابع العواصف الرعدية، ويسميها العرب نبات الرعد، وهي أنواع كثيرة، منها ما يسمونه \" الفقع \" ويكثر في الأراضي النجدية وأواسط الجزيرة العربية، وتؤكل نيئةً ومطبوخة، وقد أخبرنا النبي - ﷺ - في هذا الحديث أنها من المن، قال الكثيرون شبهها بالمن الذي أنزل عليهم لأنّها تنبت دون استنبات.\nفقه الحديث: دل الحديث على أن الكمأة من النعم التي أنعم الله بها على هذه الأمة، فيسر لهم الحصول عليها دون عناء، كما سخر المن لبني إسرائيل دون تعب أو مشقة. والمطابقة: في قوله: \" من المن \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٨٦٨ - \" باب (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ) \"\n١٠١٤ - معنى الحديث: أن بني إسرائيل أمروا أن يدخلوا بيت","vol":"5","page":33},{"text":"حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ علَى أسْتَاهِهِمْ فبدلوا، وَقَالُوا: حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِى شَعَرَةٍ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>٨٦٩ - بَابُ (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا)</span>\n١٠١٥ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقرَؤونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لأهْلِ\nــ\nالمقدس ساجدين شاكرين قائلين حطة. أي اللهم حط عنا ذنوبنا، فدخلوا زاحفين وهم يقولون مستهزئين ساخرين: حبة في شعيرة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير هذه الآية الكريمة. ثانيًا: إمعان بني إسرائيل في الضلال والاستخفاف بأوامر الله واستهتارهم بأحكامه. والمطابقة: في قوله: \" فبدلوا وقالوا: حبة في شعير \".\n٨٦٩ - \" باب (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) \"\nأي قوله تعالى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٦].\nومعنى هذه الآية إجمالًا: أن الله تعالى أمرنا أن نقول لأهل الكتاب إننا آمنا بالله وبرسولنا - ﷺ - وكتابنا، كما آمنا بما أنزل على الأنبياء السابقين من الكتب السماوية، وصدقنا بأنّها منزلة من عند الله تعالى.\n١٠١٥ - معنى الحديث: أن بعض علماء اليهود بالمدينة كانوا يقرؤون على المسلمين بعض نصوص التوراة، ويترجمونها لهم إلى العربية، ولعل ذلك أسلوب من أساليب التبشير بالدين اليهودي فلما سمع بذلك النبي - ﷺ - أمر","vol":"5","page":34},{"text":"الإِسْلَام، فَقَالَ رسَولُ اللهِ - ﷺ -: \" لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذبُوهُمْ (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) \" الآيَة.\nــ\nأصحابه أن يقفوا من ذلك موقف الحيطة والحذر، فلا يُصدقُونهم فيه ويأخذونه منهم قضية مسلمة لأن التوراة قد أدخل عليها الكثير مما ليس فيها، ولا يكذبونهم فيه لاحتمال أن يكون من بقية الوحي السماوي الذي أنزل على موسى، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم \" لأنه يحتمل الصدق والكذب، هذا إذا لم يكن مخالفًا للقرآن والسنة الصحيحة، وإلا فإنه في هذه الحالة يرفضُ تمامًا، لأنه كذب صريح، أو كان موافقًا لهما موافقة صريحة، فإنه يقبل ويصدق، ثم قال - ﷺ -: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) أي (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).\nفقه الحديث دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن التوراة التي كانت على عهد النبي - ﷺ - والتي هي موجودة في زماننا هذا، والنصوص والأخبار التي فيها ليست كلها صحيحة منزلة من عند الله تعالى، لأنها لم تبق على حالتها الأصلية التي كانت عليها عندما ما أنزلت على موسى، كما أنها ليست كلها باطلة، لأن فيها بقايا صحيحة مما أنزل على موسى، ونحن معاشر المسلمين نقف منها موقف الحق والعدل والإنصاف، فأما ما وافق القرآن فهو حق لا شك فيه، وهو من الوحي الذي أنزل على موسى، وقدْ أوجب الله علينا في الآية الكريمة أن نؤمن به، وأما ما خالف القرآن فهو باطل، وأمّا ما لم يخالف ولم يوافق فيحتمل الصدق والكذب. ثانيًا: هذا الحديث أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور (١) فلا نحكم عليه بصحة ولا بطلان، ولا بتحليل\n_________\n(١) كما نقله العيني عن الخطابي في \" شرحه على البخاري \" ج ١٨.","vol":"5","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-954>٨٧٠ - \" بَابُ قَوْلِهِ تعَالَى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) </span>\"\n١٠١٦ - عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيقُولُ: لَبيكَ وسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيقولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لأمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ما أتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّد وَأمَتّهَ، فَيشْهَدُونَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ\nــ\nولا تحريم، وقد كان السلف يتوقفون في بعض ما أشكل عليهم، فلما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين، قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولما سئل ابن عمر عن رجل نذر أن يصوم كل اثنين، فوافق ذلك اليوم يوم عيد، فقال: أمر الله بالوفاء بالنذر، ونهى النبي - ﷺ - عن صوم يوم العيد، فهذا مذهب من يسلك طريق الورع. اهـ. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: وقولوا (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) الآية.\n٨٧٠ - \" باب قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) \"\n١٠١٦ - معنى الحديث: أن الله يوم القيامة ينادي نوحًا فيجيبه بقوله: لبيك وسعديك، أي: إجابة بعد إجابة، وإسعادًا بعد إسعاد، فيكرر الإجابة مرتين للتأكيد، على أنه طوع أمره، فيسأله ﷿: هل بلغ رسالته لقومه؟ فيقول: نعم، فيسأل قومه، فينكرون، فيطالبه بالبينة، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيسأل رب العزة والجلال أمة محمد أن يدلوا بشهادتهم، فيشهدون على أن نوحًا بلّغ رسالة ربه، فيقال لهم: وما علمكم","vol":"5","page":36},{"text":"شَهِيدًا، فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ ﷿ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) وَالْوَسَطُ: العَدْلُ \".\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-955> تفسير سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>٨٧١ - \" بَابُ قَوْلِهِ ﷿ (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) </span>\"\n١٠١٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nتَلا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هَذِهِ الآية (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ\nــ\nبذلك، فيقولون: أخبرنا نبينا أن الرسل قد بلغوا فصدقنا، وهكذا تشهد هذه الأمة للأنبياء بالتبليغ، ويشهد الرسول - ﷺ - لها بالعدالة، فيزكيها، فذلك قول الله ﷿ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي ومن جملة النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم يا أمة محمد أن جعلكم عدولًا أمناء لتشهدوا على الناس يوم القيامة بتبليغ الرسل لهم ما أنزل عليهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير الآية الكريمة. ثانيًا: عدالة هذه الأمة واختيارها للشهادة على الأمم الأخرى، وهذا شرف عظيم. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في قوله: \" فيشهدون أنه قد بلغ \".\n٨٧١ - \" باب قوله ﷿: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) \"\nذكر البخاري هنا من الأحاديث ما يتعلق بتفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا","vol":"5","page":37},{"text":"آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) إلي قَوْلِهِ: (أُولُو الْأَلْبَابِ) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" فَإِذَا رَأيْتُ الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهُ مِنْهُ، فأولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ \".\nــ\nالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ومعنى الآية كما قال السعدي (١) أن الله أنزل القرآن محتويًا على المحكم الواضح المعنى، وعلى المتشابه الذي يحتمل معان متعددة لا يتعين أحدهما حتى يضم إلى المحكم، فأمّا أهل الزيغ والضلال فإنهم يعمدون إلى المتشابه فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وأما أهل العلم الراسخ واليقين الثابت، فإنهم لا يأخذون إلَّا بالآيات المحكمة، ويردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرونه به لأنهم يعلمون أن القرآن كله من عند الله، فإذا خفيت عليهم آية متشابهة فسروها بآية أخرى محكمة.\n١٠١٧ - معنى الحديث: أن الرسول - ﷺ - قرأ قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) إلخ الآية، ثم حذر علماء أمته أن يعتمدوا على الآيات المتشابهة، ويستدلوا بها على العقائد والأحكام، لأنها تحتمل معان مختلفة، والدليل إذا طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال، وقد بالغ - ﷺ - في التحذير والتنفير من ذلك وأمر باجتناب من يفعله فقال - ﷺ -: \" إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه \" أي إذا رأيت الذين يتقصدون الآيات المتشابهة ليستدلوا بها على مذاهبهم الباطلة، كما يفعل الخوارج والمعتزلة وغيرهم من أهل البدع والأهواء \" فأولئك الذين سمّى الله فأحذروهم \" أي فأولئك الذين وصفهم الله بالزيغ والضلال في قوله تعالى:\n_________\n(١) \" تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن \" للشيخ عبد الرحمن السعدي.","vol":"5","page":38},{"text":"(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الزيغ والضلال الاعتماد على المتشابه في العقائد والأحكام، لأن الله تعالى قد وصف من يفعل ذلك بالزيغ، فقال ﷿: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) وقال - ﷺ - مؤكدًا ذلك، إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله. ثانيًا: التحذير الشديد من الإِصغاء إلى الذين يتبعون المتشابه وسماع كلامهم لقوله فاحذروهم، قال الحافظ: وأول ما ظهر ذلك في الإِسلام من الخوارج. ثالثًا: أن الاعتماد في العقائد والتشريع على المحكم من آيات القرآن الكريم، لأنه - ﷺ - لما حذر من الاعتماد على المتشابه دل ذلك على أن المحكم هو الأصل الذي يعتمد عليه، ويحتج به في الأحكام اعتقادية كانت أو عملية، كما قال تعالى: (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي أصله (١) الذي يعتمد عليه. والقول الصحيح الذي عليه أهل السنة كما قال العلامة السعدي (١) إن المتشابه إذا وجدنا في مقابله نصًا محكمًا، وجب أن نرده إليه، ونحمله عليه، ونفسره به، كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) فإن قوله: (فَنَسِيَهُمْ) من المتشابه الذي يقابله من المحكم قوله ﷿: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) فنرد المتشابه إلى المحكم، ونفسره بمقتضاه، فيكون معنى قوله: (فَنَسِيَهُمْ) أي حرمهم من فضله، ومنعهم من رحمته، لأن الله لا ينسى، كما دلت عليه الآية المحكمة، فوجب صرف النسيان إلى معنى يتفق معها، ويليق بجلال الله ﷾. اهـ. وإن لم نجد ما يقابله من المحكم كأوائل السور فإننا نتوقف عن تفسيره، ونقول: الله أعلم بمراده، لأنه مما استأثر الله بعلمه، فإنما وقع في الزيغ والضلال من وقع من الكفار وأهل البدع والأهواء بسبب احتجاجهم بالآيات المتشابهة دون الرجوع إلى المحكمات التي هي أم الكتاب،\n_________\n(١) \" تيسير الكريم الرحمن \" للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.","vol":"5","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-957>٨٧٢ - \" بَاب (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) </span>\"\n١٠١٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشيطانِ إِيَّاهُ، إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا \" ثُمَّ يَقُولُ\nــ\nأو تفسير ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، دون خلقه، فمن الأول ما رواه ابن جرير عن الربيع أن الوفد الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - من نصارى نجران خاصموا النبي - ﷺ - قالوا: ألست تزعم أنّه -أي عيسى- كلمة الله وروح منه، قال: بلى، قالوا: فحسبنا، فأنزل الله ﷿ (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ)، ثم إن الله جل ثناؤه أنزل (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) الآية: ومن الثاني: ما روي أن أبا ياسر بن أخطب وحيي بن أخطب ونفرًا من اليهود ناظروا رسول الله - ﷺ - في قدر مدة أجله وأجل أمته وأرادوا علم ذلك (١) من قوله تعالى: (الم) و(المص) و(الر) فقال جل ثناؤه فيهم (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) يعني فأما هؤلاء اليهود الذين قلوبهم مائلة عن الهدى والحق فيتبعون ما تشابه منه من معاني هذه الحروف المقطعة المحتملة للوجوه المختلفة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه \".\n٨٧٢ - \" باب. (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) \"\n١٠١٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"ما من مولود يولد إلّا\n_________\n(١) \" تفسير الطبري \" ج ٣.","vol":"5","page":40},{"text":"أبو هُرَيرَة: واقْرؤوا إِنْ شِئْتُمْ (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>٨٧٣ - بَابُ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)</span>\n١٠١٩ - عنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\n(حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ ألقِيَ\nــ\nوالشيطان يمسه \" أي ينخسه ويطعنه في جنبه \" فيستهل صارخًا \" أي فيرفع صوته بالبكاء عقب الولادة مباشرة بسبب ذلك النخس الذي نخسه به الشيطان \" إلاّ مريم وابنها \" عيسى، فإن الله عصمهما منه عند الولادة، لدعوة امرأة عمران إذ قالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فاستجاب الله دعوة امرأة عمران، فحفظ مريم وابنها \" المسيح \" من نخس الشيطان، كما جاء في رواية مسلم أن النبي - ﷺ - قال: \" ما من مولود يولد إلاّ نخسه الشيطان إلّا ابن مريم وأمه \" ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) وفي رواية البخاري: \" كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب، وهو غشاء الجنين. فقه الحديث: قال القرطبي في تفسيره: أفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء (١) إلَّا مريم وابنها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث مفسِّرًا للآية الكريمة.\n٨٧٣ - \" قوله: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) \"\n١٠١٩ - معنى الحديث: أن البخاري يروي بسنده المتصل هذا\n_________\n(١) \" تفسير القرطبي \" ج ٤.","vol":"5","page":41},{"text":"في النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - حينَ قَالُوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) \".\n\n٨٧٤ - \" بَابٌ (لَا تَحْسَبَنَّ (١) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) \"\n١٠٢٠ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁:\nأن رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ\nــ\nالحديث \" عن ابن عباس \" ﵄ أنّه قال: \" حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار \" أي أن هذه الكلمة العظيمة قالها: نبيان هما أشرت الأنبياء في أشد المواقف محنة وابتلاءً حيث قالها إبراهيم الخليل وهو يلقى في النار، فأنجاه الله منها، وكانت بردًا وسلامًا \" وقالها محمد حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم \" أي عندما تجهّز إلى بدر الصغرى، فأتاه المنافقون، وقالوا: نهيناكم عن الخروج في أحد فعصيتمونا فظفروا بكم، وأنتم في دياركم والآن وهم في ديارهم، وقد جمعوا الجموع الكثيرة \" فاخشوهم \" أي احذروا الخروج إليهم، وإلا لم يرجع منكم أحدٌ \" فقالوا حسبنا الله \" أي كافينا الله إياهم. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على سبب نزول الآية، وعلى أنّ من توكل على الله كفاه. والمطابقة: في كون الحديث دل على سبب نزول الآية الكريمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>٨٧٤ - \" باب (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) </span>\"\nأي هذا باب ما جاء في تفسير قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ\n_________\n(١) بالتاء والياء قراءتان سبعيتان. والفاعل على الأولى ضمير المخاطب، وعلى الثانية الذين. اهـ. كما في \" حاشية الجمل على الجلالين \".","vol":"5","page":42},{"text":"رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلى الْغَزْوِ، تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهَ - ﷺ -، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وأَحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) الآيَة.\nــ\nبِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\n١٠٢٠ - معنى الحديث: أن جماعة من المنافقين كانوا يقعدون عن الغزو معه - ﷺ - فرحين بتغيبهم عن المعركة التي خرج إليها النبي - ﷺ - حتى إذا عاد - ﷺ - إلى المدينة اعتذروا إليه بالأعذار الكاذبة، وحلفوا على ذلك الأيمان الفاجرة، فقبل منهم النبي - ﷺ - أعذارهم، فازدادوا فرحًا وسرورًا لما حصلوا عليه من الحمد والثناء لأنهم يحبون المديح دون عمل مقابل، فنزل (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) إلى آخر الآية، والمعنى لا تظنن أيها الرسول الكريم أن هؤلاء المنافقين الذين يفرحون بما فعلوه من التخلف عن الغزو معك، ومخادعتك بالأعذار والأيمان الكاذبة، ويحبون الحصول على ثنائك عليهم، دون عمل صالح يستحقون عليه هذا الثناء، لا تظنن أنهم بمنجاة من عذاب الله، فإنهم سيلقون عذابًا شديدًا بالنار وبئس القرار. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان سبب نزول الآية وتفسيرها. ثانيًا: الوعيد الشديد لكل من يريد أن يمدحه الناس بما ليس فيه، وأنها صفة ذميمة من صفات المنافقين والمرائين في كل عصر ومصر. ثالثًا: قال الشيخ السعدي في تفسيره: دلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين في الأعمال","vol":"5","page":43},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-960> تفسير سُورَةِ النِّسَاءِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>٨٧٥ - \" بَابٌ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) </span>\"\n١٠٢١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا سَألهَا عُرْوَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﷿ (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) قَالَتْ: يَا ابْنَ أخْتِي، هَذِهِ اليَتيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ وَلِيِّهَا تَشْرَكُهُ في مَالِهِ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أن يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَدَاقِهَا فَيُعْطِيْهَا مِثلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فنُهوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلَى سُنَّتِهِنَّ في الصَّدَاقِ، فَأمِرُوا أن يَنْكِحُوا ما طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ.\nــ\nوالأقوال (١)، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه كما قال إبراهيم ﵇: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ). والمطابقة: في كون الحديث دل على سبب نزول الآية.\n٨٧٥ - \" باب (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) \"\n١٠٢١ - معنى الحديث: أن عروة سأل عائشة ﵂ عن معنى قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) فقالت: معناها أن تكون الفتاة في كفالة رجل من أوليائها، وتكون شريكة له في ماله، وهي وسيمة جميلة فيرغب في جمالها، ويريد أن يتزوجها، ولكن لا يريد أن يعدل في صداقها فيعطيها مهر مثيلاتها، فأمره الله تعالى بأحد أمرين: إما أن ينصفها من نفسه، فيتزوجها بأعلى مهر\n_________\n(١) \" تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان \" لعلامة القصيم للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي.","vol":"5","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-962>٨٧٦ - \" بَابُ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) الآيَة </span>\"\n١٠٢٢ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ نَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ الْمُشْرِكِينَ يُكَثِّرونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَأتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهُمْ فَيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فَيُقْتَلَ فأنزلَ اللهُ ﷿ (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ).\nــ\nمثيلاتها، أو يتركها ويتزوج غيرها من النساء، والنساء كثيرات.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير الآية الكريمة وبيان سبب نزولها. ثانيًا: أن اليتيمة إذا كانت في حجر وليها لا يجوز له أن يتزوجها بأقل من مهر المثل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث تفسيرًا للآية.\n٨٧٦ - \" باب (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) الآية \"\n١٠٢٢ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ يفسّر لنا قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)، ويبيّن سبب نزولها، فيقول ﵄ إن جماعة من المسلمين كانوا قد تخلفوا في مكة، ولم يهاجروا إلى المدينة، فكانوا إذا وقعت غزوة خرجوا مع المشركين فيها، فإذا أطلق المسلمون سهامهم أصيب هؤلاء بتلك السهام، فقتلوا في صفوف المشركين، فأنزل الله تعالى في حقهم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ","vol":"5","page":45},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-963> تفسير سُورَةِ المَائِدَةِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>٨٧٧ - \" بَابٌ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) </span>\"\n١٠٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nمَنْ حَدَّثَكَ أنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًَا مِمَّا أنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، وَاللهُ\nــ\nأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).\nوأخبرنا أن الذين قبضت الملائكة أرواحهم، وهم في دار الشرك، حالة كونهم ظالمي أنفسهم، برضاهم الإقامة هناك، وإيثارهم الدنيا على الهجرة مع رسول الله - ﷺ -، هؤلاء قالت لهم الملائكة توبيخًا وتأنيبًا: في أي مكان كنتم؟ قالوا معتذرين: كنا مستضعفين مستذلّين في مكة، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته، فقالت لهم الملائكة: ألم تكن أرض الله التي يمكنكم فيها القيام بواجبات الدين واسعة فتهاجروا فيها، ولكنكم رضيتم، وآثرتم الدنيا على نصرة الحق، فأولئك جزاؤهم جهنم وبئس المصير مصيرهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير الآية الكريمة وسبب نزولها. ثانيًا أنه يجب على المسلم أن يهاجر من البلاد التي لا يتمكن فيها من إقامة شعائر دينه. فالهجرة في هذه الحالة واجبة ولا يستثنى من ذلك سوى الشيوخ والعجزة من النساء والولدان الذين لا يستطيعون الهجرة، وقد ضاقت بهم الحيل. ثالثًا: أن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة قبل الفتح لأنها لم تكن دار إسلام. الحديث: أخرجه النسائي أيضًا. والمطابقة: في كون الحديث تفسيرًا للآية الكريمة وبيانًا لسبب نزولها.\n٨٧٧ - \" باب (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) \"\n١٠٢٣ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تقول: من أخبرك أن محمدًا - ﷺ - أخفى شيئًا من الوحي عن أمته فقد كذب على النبي - ﷺ - أشد","vol":"5","page":46},{"text":"يَقْول (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) الآية.\nــ\nالكذب، واتهمه بالخيانة ومخالفة أمر الله تعالى، لأنّ الله ﷿ قال لنبيه - ﷺ - في محكم كتابه (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وذلك هو قولها \" من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل عليه فقد كذب \" أي فقد كذب على النبي - ﷺ - أشد الكذب حيث اتهمه بالكتمان الذي هو مخالفة لأمر الله تعالى له بالتبليغ، وحاشاه - ﷺ - أن يكتم شيئًا بعد أن أمره الله تعالى بتبليغ جميع ما أنزل عليه.\nفقه الحديث: دل فذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من شهادة أن محمدًا رسول - ﷺ - الإيمان بأنه - ﷺ - قد أدى الأمانة وبلّغ الرسالة، ولم يترك شيئًا من الوحي إلاّ بلغه لأمته امتثالًا لأمر ربه حيث أمره الله تعالى بذلك في قوله ﷿ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ثانيًا: أن من أشد الكذب على رسول الله وأعظم الافتراء عليه القول بأنه - ﷺ - كتم شيئًا من الوحي، لأن من قال هذا فقد نسب النبي إلى مخالفة أمر الله بكتمان الوحي الذي أمر بتبليغه، وهذا طعن في عصمته ورسالته، ومن شروط الرسالة العصمة في التبليغ، ولعل عائشة ﵂ علمت بوجود بعض الفرق التي تقول بذلك، فإن بعض غلاة الشيعة كانوا يتحدثون أن عند علي وآل بيته من الوحي ما خصهم به النبي - ﷺ - دون الناس، وقد سئل علي ﵁ - كما في الصحيحين: \" هل خصكم الرسول بشيء فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ فهما يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قال السائل: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - ما دام قد أمر أن يبلغ ما أنزل إليه فإنه لا بد أن يبلغ كل شيء من الوحي، ومن ادّعى أنه كتم شيئًا","vol":"5","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-965>٨٧٨ - \" بَابُ قَولِهِ تعالى (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) </span>\"\n١٠٢٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:\n\" كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ولَيْسَ مَعَنَا نِسَاء، فَقُلْنَا: ألا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَرَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأةَ بالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) \".\nــ\nمن ذلك فقد كذب عليه.\n٨٧٨ - \" باب قوله تعالى: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) \"\n١٠٢٤ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁: \" كنا نخرج مع النبي - ﷺ - وليس معنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك \" أي كنا نخرج إلى الغزو مع النبي - ﷺ - فنفارق نساءنا فنعاني كثيرًا، فسألنا النبي - ﷺ - واستأذناه في الاختصاء \" فنهانا عن ذلك \" لا فيه من القضاء على شهوة الجنس، وتعطيل النسل الذي يتوقف عليه بقاء النوع الإنساني، \" فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب \" أي وأباح لنا نكاح المتعة، وقد كان ذلك مشروعًا، ثم نسخ في آخر حياة النبي - ﷺ - \" ثم قرأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) \" ومعنى هذه الآية الكريمة أن الله نهى المؤمنين عن تحريم ما أحل الله لهم من طيبات هذه الحياة سواء كانت من المأكولات، أو الملبوسات أو المشروبات المباحة، أو المنكوحات المشروعة، ونهاهم أن يتخذوا من الأسباب ما يحول بينهم وبين الرغبة في النساء، من الاختصاء وغيره، وحرّم عليهم ذلك لما فيه من القضاء على التناسل الذي يتوقف عليه بقاء النوع الإِنساني في هذه الأرض وهو جريمة تتعارض مع شريعة الله في المحافظة على النسل، فإن","vol":"5","page":48},{"text":"الله قد خلق هذه الغرائز في الإنسان، وأراد لها أن تبقى لتؤدي دورها في هذه الحياة بما يحقق للإنسان سعادته في الدنيا والآخرة، فالغرائز هي مقومات الحياة، وإذا استعملت على الوجه الصحيح الذي يتفق مع منهج الشريعة كانت محببًا لجميع الطاعات، والأعمال الصالحة، فلولا تغذية الجسد بالمأكولات والمشروبات لفقد الجسم قدرته على عبادة الله، ولولا النكاح لما كان هناك تناسل ولا نوع من البشر يعبد الله، ويجاهد في سبيله، ولهذا قال - ﷺ -: \" تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم \" ولهذا قال بعضهم: الاعتداء المنهي عنه في قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا) هو محاولة بعض الصحابة الاختصاء كما جاء في الحديث. والحاصل أن الاعتداء يشمل أمرين: الاعتداء في الشيء نفسه بالإِسراف فيه والاعتداء بتجاوزه إلى غيره مما ليس من جنسه وهو الخبائث. اهـ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن نكاح المتعة كان موجودًا، وأن النبي - ﷺ - قد رخص لأصحابه فيه عندما خرجوا إلى الغزو وتركوا نساءهم في المدينة فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - ما يعانونه، واستأذنوه في الاختصاء فنهاهم عنه، ورخص لهم في نكاح المتعة، ثم نسخ في آخر حياة النبي - ﷺ -. ثانيًا: أنه يحرم الغلو في الدين، والتضييق على النفس البشرية وحرمانها من طيبات الحياة التي أحلّها الله، وقد كان ذلك من العبادات المأثورة عند قدماء اليهود واليونان، قلدهم فيها النصارى فشددوا على أنفسهم، وحرموا عليها ما لم تحرمه الكتب المقدسة. ولما جاء الإِسلام أباح للبشر الزينة والطيبات، وأرشدهم إلى إعطاء البدن حقه، والروح حقها، ولذلك كانت الأمة الإسلامية وسطًا بين جميع الأمم. وروى ابن عباس ﵄ في تفسير الآية الكريمة \" أن نفرًا من الصحابة حرّموا على أنفسهم الطيبات بأيمان حلفوا بها، فقالوا: كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، فأنزل الله تعالى ذكره (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) الآية، وفي هذا حجة ظاهرة لمن يقول من حلف على ترك جنس من","vol":"5","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-966>٨٧٩ - \" بَابُ قَولِهِ (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) </span>\"\n١٠٢٥ - عَنْ أنسٍ بْنٍ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\n\"مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غيْرُ فَضِيخِكُمْ هذا الذي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيْخَ فإنِّي\nــ\nالمباحات يجب عليه أن يحنث في يمينه، ولا كفارة عليه، لأنها يمين لغو لا كفارة فيها. ثالثًا: أن تهذيب النفس لا يكون بالغلو والحرمان من الطيبات وإنما بإيقافها عند حد الاعتدال دون إفراط ولا تفريط لأنه تعالى لم يخلق هذا الإِنسان ملكًا مجردًا عن النوازع البشرية وإنما خلقه مركبًا من روح وجسد، ولا سلامة للعقل والروح وسائر القوى إلاّ بسلامة البدن، وصحة الجسم، كما أنه لا عبادة ولا طاعة إلا في جسم سليم وعقل سليم، ولذلك حرم على الإِنسان كل ما يضر بجسمه، لأن من ضعف جسمه عجز عن الطاعات وسائر العبادات، وربما قصر في أداء واجباته الاجتماعية فلا بد من إعطاء الجسم حقه من الحياة والتمتع بالطيبات المباحة ليقوم بواجباته الدينية والاجتماعية التي هو مكلف بها لئلا يضعف عن أدائها. والمطابقة: في قوله: \" فقلنا ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك \" حيث دل ذلك على أن الاعتداء المنهى عنه في الآية هو الاختصاء. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\n٨٧٩ - \" باب قوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) \"\nومعناها: أن الله تعالى يخبرنا وهو أصدق القائلين أن الخمر من أي مادة كانت، والقمار بجميع أنواعه، والأصنام التي تعبد من دون الله، كل ذلك أشياء قذرة خبيثة ضارة بأصحابها، وإنما يزينها الشيطان لذوي النفوس الضعيفة والعقول السخيفة، ولذلك حرّمها الله وحذر منها أشد التحذير بقوله:","vol":"5","page":50},{"text":"لَقَائِمٌ أسْقِي أبا طَلْحَةَ وَفُلانًا وفُلانًا، إذ جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُم الخَبرُ؟ قَالُوا: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، قَالُوا: أهْرِقْ هَذِهِ القِلَالِ يَا أنسُ، فَمَا سَألوا عَنْهَا، ولا رَاجَعُوها بَعْدِ خَبَرِ الرَّجُل\".\nــ\n\" (فَاجْتَنِبُوهُ) \" أي ابتعدوا عن مجرد القرب منها، فضلًا عن شرب الخمر، أو لعب القمار، أو عبادة الأصنام \" (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) \" أي لكي تفوزوا بدخول الجنة والنجاة من النار.\n١٠٢٥ - أما معنى الحديث: فيقول أنس ﵁: \" ما كان لنا خمر غير فضيخكم \" \" يعني \" أن الخمر التي كانوا يشربونها بالمدينة على عهد النبي - ﷺ - وحرمها الله بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) كانت من ثمار النخل على اختلاف أنواعها رطبًا وتمرًا، ومنها الفضيخ وهو يصنع من الرطب ثم ذكر ﵁ اليوم الذي حرمت فيه الخمر بالمدينة، وأنه بينما كان قائمًا يسقي أبا طلحة وضيوفه من شراب الفضيخ هذا (١). إذ قدم عليهم رجل فأخبرهم بتحريم الخمر، فأمره أبو طلحة أن يريق تلك الجرار الكبيرة التي كانت مملوءة بالشراب، أما النفر الذين كانوا يشربون عند أبي طلحة، وهم أبو دجانة وسهيل ابن بيضاء وأبو عبيدة وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وأبو أيوب ﵃ فإنهم لما وصلهم خبر تحريمها والكؤوس في أيديهم كفّوا عن شربها حالًا وأراقوا ما فيها ... فقالوا: انتهينا ربنا، انتهينا قال أنس: \" ولا راجعوها بعد خبر الرجل \" أي انتهوا عنها إلى الأبد ولم يعودوا إليها بعد نزول الآية الكريمة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على بيان معنى الخمر المحرَّمة في الآية الكريمة. وأنها كل شراب مسكر من أي مادة كانت، سواء كان من العنب أو\n_________\n(١) وهو شراب يصنع من البسر أي الرطب الطري.","vol":"5","page":51},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-967> تفسير سورة الأنعام </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>٨٨٠ - \" بَابُ قَوْلِهِ تَعالَى (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) </span>\"\n١٠٢٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:\n\"لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللهِ، ولذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا\nــ\nمن غيره، وأنه لا يلزم أن تكون من العنب، فإن الخمر التي كانت موجودة في المدينة، والتي حرمت على عهد النبي - ﷺ - لم تكن مصنوعة من العنب، وإنما كانت من البسر. ولهذا قال الجمهور: كل مسكر خمر، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: \" الخمر ما كان من العنب خاصة \". وقد جاء التصريح في الأحاديث الصحيحة: أن الخمر يكون من أنواع متعددة غير العنب، فقد روى ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \" من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العسل خمر \" أخرجه أحمد في مسنده (١) وفي رواية أخرى عن ابن عمر ﵄ أنه قال: \" نزل تحريم الخمر وإن في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب \" أخرجه البخاري، والأشربة الخمسة التي كانت بالمدينة. كما قال القسطلاني: هي شراب (٢) العسل والتمر والحنطة والشعير والذرة. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه دل على تفسير الآية الكريمة.\n٨٨٠ - \" باب قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) \"\nوالمعنى: أن الله ينهانا أن نقترب مما عظم قبحه من كبائر الذنوب أقوالًا\n_________\n(١) \" تفسير المنار \" ج ٧.\n(٢) \" إرشاد الساري \" ج ٧.","vol":"5","page":52},{"text":"ومَا بَطنَ، ولا شَىْءَ أحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، ولِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ\".\nــ\nوأفعالًا، كالزنا وقذف المحصنات، وأكل الربا، وشرب الخمر. ونحوه، وأن لا نأتي ذلك سرًا أو جهرًا، ويشمل الباطنُ أعمال القلوب أيضًا من الحسد والكبر (١) والمكر السيء ونحوه.\n١٠٢٦ - معنى الحديث: يقول ابن مسعود ﵁ \" لا أحد أغير من الله \" أي إن الله تعالى غيور شديد الغيرة على عباده، لا أحد أشد منه غيرة عليهم، وغيرة الله ﷿ على العباد معناها أنه لا يرضى أن يمسهم أحد بسوء، ولا أن يلحق بهم أي ضرر أو عدوان أو يصيب أحدًا منهم بأذى في دينه أو نفسه أو عرضه أو عقله ويكره أشد الكره أن يُعتدى عليه في حق من حقوقه الإنسانية. فحرّم الزنا غيرة على أعراض الناس وأنسابهم، وحرّم السرقة والغصب والربا غيرة على أموال الناس أن يعتدى عليها، وحرّم شرب الخمر غيرة على عقول الناس، ومحافظة على سلامتها، وجميع ما حرمه الله من الفواحش إنما حرمه غيرة على حقوق عباده وحماية لها، وهو معنى قوله: \" ولذلك حرم الفواحش \" أي أنه ﷿ إنما حرم الفواحش غيرة على عباده، وحفظًا لمصالحم، ولا شيء أحب إليه المدح من الله \" أي لا أحد أشد حبًا للمدح والثناء الصادق الصحيح من الله تعالى، فإنه ﷿ يحبُّ الثناء والشكر من عباده، ويكافؤهم عليه بزيادة النعمة كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) \" ولذلك مدح نفسه \" اللام للتعليل أي ومن أجل ذلك أثنى على نفسه بنفسه ليعلّم عباده كيفية الثناء عليه، فقال ﷿: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الله تعالى يغار على عباده غيرة شديدة\n_________\n(١) \" تفسير المراغي \" ج ٨.","vol":"5","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-969>٨٨١ - بَابٌ (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)</span>\n١٠٢٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسَ آمَنْ مَنْ عَلَيْهَا، فذَاكَ حِينَ لا يَنْفع نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ قَبْلُ \".\nــ\nتظهر آثار هذه الغيرة في تحريم الفواحش من الزنا والقذف والسرقة وغيرها فإن الله إنما حرّمها لما فيها من التعدي على حقوق الناس، والله غيور على عباده. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الحكمة في تحريم الله للفواحش وهي غيرته على عباده. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\n٨٨١ - \" باب (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) (١) \"\n١٠٢٧ - معنى الحديث: لا تنتهي الحياة الدنيا على سطح هذه الأرض لتبدأ الحياة الأخرى حتى تظهر أهم العلامات الكبرى لقيام الساعة، وهي طلوع الشمس من مغربها، وهي آخر أشراط الساعة كما في الحديث الذي أخرجه الحاكم والبيهقي أن أول الآيات ظهورًا الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها وكما يدل عليه قوله - ﷺ - \" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها \" بمعنى أن طلوع الشمس من مغربها هو أهم أشراط الساعة، وأخطرها وأقربها إليها، لأنه آخر علاماتها \" فإذا رآها الناس آمن من عليها \" أي آمن كل من على هذه الأرض من البشر، \" فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل \" أي فذلك هو الوقت الذي لا ينفع فيه الكافر إيمانه إذا لم يسبق له الإِيمان قبل ذلك، ولا عمل صالح\n_________\n(١) هكذا الترجمة كما في النسخة التي شرح عليها العيني.","vol":"5","page":54},{"text":"بعد الطلوع، لأن حكم الإِيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير الآية الكريمة. ثانيًا: أن التوبة تنقطع عند طلوع الشمس من مغربها، فلا ينفع الكافر إيمانه في ذلك اليوم، ولا العاصي توبته، لأنه يغلق باب التوبة، وقد جاء التصريح بعدم القبول كما في حديث معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو مرفوعًا: لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها (١)، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه. ثالثًا: أن من أشراط الساعة الكبرى وأخطرها طلوع الشمس من مغربها وقد اختلفت الأحاديث في أول علامات الساعة ما هي فورد في بعض الروايات: أن أول الآيات خروج الدجال، وفي بعضها أن أوّلها طلوع الشمس من مغربها، وفي بعضها الدابة، وفي بعضها نار تحشر الناس إلى محشرهم، قال الحافظ: وطريق الجمع أن الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في الأرض، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهى ذلك بقيام الساعة. والدابة معها، فهي والشمس كشيء واحد، وأن النار أوّل الآيات الكونية المؤذنة بقيام الساعة.\nالحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على تفسير الآية.\n...\n_________\n(١) عن صفوان بن عسال مرفوعًا أن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبة مسيرة سبعين عامًا لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها \" أما سبب عدم قبول الإيمان والتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها فلأنها كما قال الطبرى حالة لا تمتنع فيها نفس عن الإقرار بالله.","vol":"5","page":55},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-970> تفسير سُورَةِ الأعْرَاف </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>٨٨٢ - بَابٌ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)</span>\n١٠٢٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ:\n\" أَمرَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - أَنْ يَأخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقَ النَّاسِ، أو كَمَا قَالَ \".\nــ\n٨٨٢ - \" باب (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١» \"\n١٠٢٨ - معنى الحديث: أن الزبير ﵁ يفسر لنا قوله تعالى: \" (خُذِ الْعَفْوَ) \" فيقول: \" أمر الله نبيه - ﷺ - أن يأخذ العفو من أخلاق الناس \" أي أمره - ﷺ - أن يتسامح مع الناس ويتساهل في معاملتهم ويتغاضى عن هفواتهم وأن يرضى بالميسور من أفعالهم وأخلاقهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وأن المراد به أن الله أمر نبيه - ﷺ - بالتسامح مع الناس ومعاشرتهم بالحسنى، وقبول ما أَتى من أفعالهم بسهولة ويسر دون إحراجهم، أو التكليف عليهم، بما يشق على نفوسهم، كما دلت الآية الكريمة على وجوب التناصح والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإِعراض عن الجهلاء، والحمقى والسفهاء، وعدم مجاراتهم أو مجازاتهم، والصفح عنهم، والتغاضى عن زلاتهم، وهو معنى قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ولا شك أن هذه الأمور الثلاثة هي دعائم الخلق الكامل الذي تكتسب به محبة الناس، وتجمع به القلوب المتنافرة، وتتوثق به الروابط الاجتماعية. والمطابقة: في كون الحديث دل على تفسير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) وهو ما ترجم به البخاري. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود.\n_________\n(١) لم تفسر هذه الآية لأن في حديث الباب وشرحه ما يكفي في تفسيرها.","vol":"5","page":56},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-972> تفسير سُورَةِ بَراءَة </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>٨٨٣ - \" بَابُ قَولِهِ (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) </span>\"\n١٠٢٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابْتَعَثَانِى، فانتهَيَا بِي إلى\nــ\n٨٨٣ - \" باب قوله تعالى: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) \"\nمعنى الآية الكريمة: روى في سبب نزول هذه الآية أن جماعة تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة (١)، ووديعة بن خذام، فندموا على ما فعلوا، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وأقسموا لا يحلهم إلاّ رسول الله - ﷺ -، فلما قدم رسول الله - ﷺ -، وعلم بخبرهم، أقسم أن لا يحلهم حتى ينزل فيهم قرآن، فأنزل الله فيهم هذه الآية الكريمة ومن أهل المدينة أناس آخرون غير المنافقين وهم أبو لبابة، ومن معه، هؤلاء اعترفوا بذنوبهم، ولم ينكروها كما فعل المنافقون وخلطوا عملًا صالحًا، وهو خروجهم مع النبي - ﷺ - في جميع الغزوات السابقة وآخر سيئًا وهو هذا التخلف الذي وقع منهم بدون عذر، هؤلاء عسى الله أن يتوب عليهم، ويقبل عذرهم، والله يقبل التوبة، ويعفو ويصفح، وهو الغفور الرحيم.\n١٠٢٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يقص علينا في هذا الحديث رؤيا منامية غريبة فيحدثنا أنه جاءه ملكان وهو نائم فذهبا به إلى مدينة فاخرة\n_________\n(١) \" التفسير المنير \" ج ١.","vol":"5","page":57},{"text":"مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانا رِجَالٌ، شَطر مِنْ خَلْقِهِمْ كَأحسَنِ ما أنْتَ رَاء، وشَطر كأقْبَحِ ما أنْتَ رَاءٍ، قالا لَهُمْ: اذْهَبُوا فقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فيه، ثم رَجَعُوا إلَيْنَا، فَذَهَبَ ذلكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَنِ صُورَةٍ، قالا لي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْن، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قالا: أمَّا القَوْمُ الَّذِيْنَ كَانُوا شَطر مِنْهُمْ حَسَنٌ، وشَطر مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًَا وآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ\".\nــ\nعظيمة البنيان مشيدة بالذهب والفضة، قال - ﷺ -: \" فتلقانا رجال شطر من خلقهم \" بسكون اللام \" كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ \" أي نصف خلقتهم وصورتهم كأجمل صورة تراها العين، والنصف الآخر كأقبح صور تراها العين \" فقالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر \" أي فقال لهم الملكان اذهبوا إلى ذلك النهر، وهو نهر الحياة واغسلوا أجسامكم فيه. \" فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا، فذهب ذلك السوء عنهم \" أي زال عنهم ما كان فيهم من القبح والبشاعة \" قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك \" يعني وأطلعاه - ﷺ - على جنة عدن، وعلى منزله فيها. \" قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملًا صالحًا \" أي أما القوم الذين نصفهم حسن والنصف الآخر قبيح فإنهم جمعوا بين الحسنات والسيئات معًا، فظهرت الحسنات في صورتهم الجميلة، وظهرت السيئات في صورتهم القبيحة \" تجاوز الله عنهم \" أي وقد عفا الله عنهم، وأدخلهم الجنة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الذين خلطوا أعمالًا صالحة وأعمالًا سيئة يرجى لهم عفو الله تعالى لقول الملكين كما في الحديث: \"أما القوم الذين شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح فأولئك الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم. ثانيًا: أن الأعمال الصالحة تمثل يوم القيامة","vol":"5","page":58},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-974> تفسير سُورَةِ الإِسْرَاءِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>٨٨٤ - \" بَابُ قَولِهِ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)</span>\n١٠٣٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nإِنَّ النَّاسَ يَصِيْرُوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا، كُلُّ أمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلانُ اشْفَعْ، حتَّى تَنتهِيَ الشَّفَاعَةُ إلى النَّبِي - ﷺ -، فذلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللهُ الْمَقَامَ المَحْمُودَ.\nــ\nبالصور الجميلة وعكسها الأعمال القبيحة. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) كما أفاده العيني.\n٨٨٤ - \" باب قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) \"\nومعنى الآية: أن الله ﷿ قد أمر نبيه - ﷺ - في هذه الآية بإحياء بعض الليل بالصلاة وقراءة القرآن، ووعده فيها بالشفاعة العظمى في قوله: \" (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) \" والمقام المحمود الذي وعده الله به، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، ووعد الله لا يتخلف.\n١٠٣٠ - معنى الحديث: أن الناس يشتد عليهم الكرب في المحشر فيبحثون عن من يخلصهم من ذلك الموقف الشديد، وينقسمون (١) إلى جماعات، وتذهب كل جماعة إلى نبيها تسأله الشفاعة فيعتذر كل واحد منهم عن الشفاعة قائلًا نفسي نفسي، إن ربي قد غضب اليوم غضبًا شديدًا، ويذكر خطيئته، ويقول: اذهبوا إلى غيري، فينتقلون من واحد إلى آخر حتى يأتوا محمدًا - ﷺ - فيقول: أنا لها وهو معنى قول ابن عمر: \" إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًا \"\n_________\n(١) أي ينقسمون إلى جماعات.","vol":"5","page":59},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-976> تفسير سُورَةِ النُّورِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>٨٨٥ - \" بَابٌ (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) </span>\"\nــ\nأي جماعات جماعات \" كل أمة تتبع نبيها \" أي تذهب إليه تسأله الشفاعة فيعتذر عنها \" حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ - \" أي حتى يصل إليه طلب الشفاعة، فيقول: أنا لها \" فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود \" أي ففي ذلك اليوم يبعث الله محمدًا - ﷺ - المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على إثبات الشفاعة العظمى لنبينا محمد - ﷺ - وهي التي تكون لفصل القضاء وإراحة الناس من ذلك الموقف الشديد الذي تشتد فيه الأهوال وتتفاقم، ويلجأ الناس إلى الأنبياء، فيقولون نفسي نفسي، فيتصدى - ﷺ - للشفاعة ويبتهل إلى الله ويخرّ ساجدًا تحت العرش، فيقول الله تعالى له كما في حديث أبي هريرة: \" سل تعطه، واشفع تشفع \" الخ أخرجه البخاري وجميع هذه الأحاديث تدل على إثبات الشفاعة كما يدل عليه حديث الباب، وعلى أنّها هي المقام المحمود الذي وعده الله به في قوله: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) فقد أطمع الله نبيه - ﷺ - وأعطاه الشفاعة فأصبح ما أطمعه فيه حقيقة ثابتة لا يتخلف أبدًا، ولهذا قال بعض المفسرين: الرجاء من الله بعسى ولعل وعد محقق. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على معنى المقام المحمود.\n٨٨٥ - \" باب (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) \"\nوهي تكملة لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ","vol":"5","page":60},{"text":"١٠٣١ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ هِلالَ بْنَ أمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْد النَّبِي - ﷺ - بِشرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: \"البَيِّنةُ أوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ\" فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ إِذَا رَأى أحَدُنَا على امْرَأتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنةَ، فَجعلَ النبي - ﷺ - يقولُ:\nــ\nإِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) والمعنى أنه إذا رمى الرجل زوجته بالزنا دون بينة فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم تسأل المرأة فإن أقرت رجمت، وإن أنكرت أمرت أن تشهد أربع شهادات بالله أن زوجها لمن الكاذبين فيما رماها به من الفاحشة، وفي الشهادة الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيم اتهمها به، فإذا فعلت سقط عنها الحد، وهو معنى قوله: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا (١) الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) إلخ.\n١٠٣١ - معنى الحديث: أن هلال بن أمية ﵁ اتهم زوجته بشريك بن سحماء، فقال له النبي - ﷺ -: إما أن تقيم عليها البينة أو أقيم عليك حد القذف في ظهرك، فقال متعجبًا: \" إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا يذهب يلتمس البينة \" أي كيف أكلف بالبينة وأنا لا يمكنني ذلك، لأنني متى ذهبت لاحضار الشهود فرَّ الرجل من البيت \" فجعل النبي - ﷺ - يقول البينة \" بالنصب أي أحضر البينة، أو الرفع على تقدير إما البينة \" أو حدّ في ظهرك \" يعني أو جزاؤك الحد في ظهرك، \" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد \" أي ما يخلصني منه \"فنزل جبريل وأنزل عليه\n_________\n(١) أي يدفع عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات الخ.","vol":"5","page":61},{"text":"\" البَيِّنةُ وِإلَّا حَدّ في ظَهْرِكَ \" فَقالَ هِلال: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ إني لَصَادِق، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّىءُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فنزَلَ جِبْرِيلُ، وأنْزَلَ عَلَيهِ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) فَقَرأ حَتى بَلَغَ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فانْصَرَفَ النبي - ﷺ - فأرسَلَ إليْهَا، فجاءَ هِلال فَشَهِدَ والنَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّ أحدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فلمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ، وقَّفُوهَا وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَة، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأت ونكَصَتْ حتى ظَنَنَّا أنَّهَا تَرْجِعُ، ثم قَالَتْ: لا أفضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَومِ، فَمَضَتْ، فقال النبي - ﷺ -:\nــ\n(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) حتى بلغ (إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) \" أي فنزل عليه جبريل بآيات الملاعنة التي تبرىء ظهره من الحد، وهي الآيات المذكورة \" فأرسل - ﷺ - إليها فجاء هلال فشهد والنبي - ﷺ - يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب \" يعني فلما نزلت آيات الملاعنة أحضرهما النبي - ﷺ - ووعظهما قبل إجراء الملاعنة، وحذرهما من غضب الله تعالى على من كان منهما كاذبًا، وأخبرهما أن الله مطلع عليهما، عالم بالكاذب منهما، وسيجازيه على ذلك وعذاب الدنيا أهون من عذاب يوم القيامة، ولكنهما أصرا على موقفهما، فتقدم هلال، فشهد وقال في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قامت زوجته فشهدت. \" فلما كانت عند الخامسة أوقفوها \" أي أوقفوها عن النطق بهذه الشهادة \" وقالوا: إنها موجبة \" أي احذري أن تؤدي الشهادة الخامسة وأنت كاذبة، فإنها موجبة للعذاب الشديد يوم القيامة \" فتلكأت \" أي توقفت وترددت وتأخرت بعض الوقت في أدائها \" ونكصت \" أي رجعت إلى الوراء والمعنى أنها سكتت مدة من الزمن قبل أن تنطق بالشهادة","vol":"5","page":62},{"text":"\" أبصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أكحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابغَ الألْيَتَيْنِ خدَلَّجَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحْمَاءَ \" فجاءَتْ به كَذَلِكَ، فقَالَ النَّبِيُ - ﷺ -: \" لَوْلا مَا مَضى مِنْ كِتَابِ اللهِ لَكَانَ لِي ولَهَا شَأنٌ \".\nــ\nالخامسة \" حتى ظننا أنها سترجع \" يعني عن إتمام الملاعنة، وتعترف بجريمتها \" ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم \" أي لا أجلب الفضيحة والخزي والعار لقومي مدى الحياة \" فمضت \" أي فاستمرت وأتمت الملاعنة حرصًا منها على سمعة قومها \" فقال النبي - ﷺ - أبصروها \" أي انظروا إلى ولدها وتأملوا في صورة وجهه وجسمه \" فإن جاءت به أكحل العينين \" يعني أسود الجفون \" سابغ الأليتين \" بفتح الهمزة أي ضخم الأليتين \" خدلّج الساقين \" أي عظيم الساقين \" فهو لشريك بن سحماء \" أي فهو ابنه \" فجاءت به كذلك \" أي ولدت ولدًا يشبه شريكًا في الصفات المذكورة \" فقال النبي - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله تعالى لكان لي ولها شأن \" أي لولا ما سبق من حكم الله تعالى بدرء الحد عن المرأة بلعانها، أي لأقمت الحد عليها. قال النووي: اختلفوا في نزول آية اللعان هل هو بسبب عويمر أم بسبب هلال، والأكثرون على أنها نزلت في هلال ويحتمل أنها نزلت فيهما جميعًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان سبب نزول آيات الملاعنة وتفسيرها تفسيرًا عمليًا، فإن هذه الآيات نزلت في قصة هلال بن أمية وزوجته على الأصح كما رجحه النووي، ولما نزلت طبق النبي - ﷺ - الملاعنة المذكورة في الآية عليهما تطبيقًا عمليًا كما في الحديث. ثانيًا: دل الحديث على أن القذف بالزنا من الكبائر، وأن من قذف زوجته بذلك لزمه أحد أمرين، إما البينة وهي أربعة شهداء كما ذكر، أو اللعان، فإن عجز عن إقامة البينة، وامتنع عن اللعان، حُدَّ حَدَّ القذف ثمانين جلدة، وحكم بفسقه، ورد شهادته،","vol":"5","page":63},{"text":"وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، لحديث الباب، ولعموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) وقال أبو حنيفة: إن عجز عن البينة لزمه اللعان فإن لم يلاعن حبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه فيحدُّ للقذف، وإذا امتنعت المرأة عن الملاعنة أقيم عليها حد الزنا وهو قول مالك والشافعي (١)، وذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أنها تحبس حتى تلاعن أو تقرّ بالزنا فتحد. أما الأحكام التي تترتب عليها بعد الملاعنة فهي كما يلي: (أ) يفرّق بينهما فرقة مؤبدة، ويفسخ نكاحهما فسخًا يقتضي التحريم كالرضاع عند مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف، فلا تحل له أبدًا، لما جاء في حديث سهل \" فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا \" أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني، فلا يجتمعان ولو أكذب أحدهما (٢) نفسه.\nوقال أبو حنيفة: الفرقة الناشئة عن اللعان طلاق بائن لا يتأبد بها التحريم، وإن أكذب نفسه جاز له تزوجها. لما جاء في حديث عويمر أنه قال بعد الملاعنة: \" كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ - \" وأجاب أبو حنيفة عن قوله - ﷺ - في حديث سهل \" لا يجتمعان أبدًا \" بأن معناه لا يجتمعان ما داما على لعانهما، فإن أكذب الرجل نفسه جازت له زوجته وحاصل الخلاف أن مالك والشافعي وأحمد في رواية يرون أن اللعان يستوجب الفسخ والفرقة الأبدية بين الزوجين بنفس اللعان، إما بعد فراغ الرجل من شهادته كما يقول الشافعي، أو بعد فراغ المرأة من شهادتها كما يقول مالك، أما أبو حنيفة فإنه يرى أن اللعان يستوجب الطلاق البائن، ولا يتم الطلاق إلّا إذا أوقعه الزوج على نفسه، أو أوقعه الحاكم عليه نيابة عنه. (ب) أن الولد\n_________\n(١) والسبب في اختلافهم هذا اختلافهم في معنى قوله: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ) فإنهم اختلفوا في تفسير العذاب على قولين، أحدهما حد القذف وبه قال الشافعي ومن وافقه، والثاني: الحبس، وبه قالت الحنفية.\n(٢) تكملة \" المنهل العذب المورود على سنن أبي داود \" ج ٤.","vol":"5","page":64},{"text":"إذا نفاه الزوج ألحق بأمه، ونسسب إليها، وانقطع نسبه بأبيه وميراثه منه، واقتصرت علاقته على أمّه فيرثها وترثه، وبه قال مالك ومن وافقه من أهل العلم والدليل على انقطاع نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمّه حديث ابن عمر أن رجلًا لاعن امرأته في زمن رسول الله - ﷺ - وانتفى من ولدها ففرق رسول الله - ﷺ - بينهما، وألحق الولد بالمرأة. أخرجه البخاري ومالك في \" الموطأ \" وإنما يؤثر اللعان في رفع حد القذف، وثبوت زنا المرأة فله أن يعتمد اللعان لانتفائه وذهب الحنابلة إلى أن الولد يلحق بأمّه ولو لم ينفيه الزوج لما جاء في حديث سهل أن النبي - ﷺ - قضى أن لا يدعى ولدها لأب ولم يذكر فيه أن الزوج قد نفاه، وأجيب عن ذلك بما جاء في بعض الروايات من حديث سهل \" أنها كانت حاملًا فأنكر حملها \" أخرجه البخاري. ثالثًا: بيان ألفاظ الملاعنة وكيفيتها أن يبدأ الإِمام بالزوج فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرات أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويشير إليها إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور إلى تسميتها، وإن كانت غائبة أسماها ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان، فإذا شهد أربع مرات أوقفه الحاكم، وقال له: اتق الله فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة الله، ويأمر رجلًا يضع يده على فيه قبل الخامسة حتى لا يبادر بالخامسة، فإذا رآه يمضي في ذلك قال له قل: إن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه، وإن كان غائبًا أسمته ونسبته، فإذا كررت ذلك أربع مرات، أوقفها، ووعظها كما ذكرنا في الرجل، ويأمر امرأة تضع يدها على فمها، فإن رآها تمضي على ذلك قال لها: قولي: وأنّ غضب الله عليَّ إن كان زوجي هذا من الصادقين، ثم إن هذه الشهادات الخمس شرط، فإن أخل بواحدة منها، لم يصح اللعان، ولو أبدل لفظ أشهد بقوله أحلف فإنه لا يعتد بها عند الحنابلة، وللشافعي وجهان،","vol":"5","page":65},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-978> تفسير سُورَةِ الأحْزَابِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>٨٨٦ - \" بَابُ قَوْلِهِ تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)</span>\n١٠٣٢ - عَنْ كَعبِ بنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، أمَّا السَّلامُ عَلَيْكَ، فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فكيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ - ﷺ -: \"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعلى آل مُحَمَّدٍ،\nــ\nوالصحيح أنّه لا يصح، كما أفاده ابن قدامة. رابعًا: الجمهور على أن اللعان يمين لا شهادة كما أفاده الحافظ خلافًا لأبي حنيفة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على سبب نزول الآية الكريمة.\n٨٨٦ - \" باب قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) \"\nومعنى الآية: أن الله تعالى شرّف رسوله ونوّه بشأنه، وأعلن في هذه الآية الكريمة أنه صلّى عليه بنفسه، وصلّت عليه ملائكته، وأمر عباده بالصلاة عليه فأما صلاة الله عليه فهي رضوان وثناء عليه في الملأ الأعلى، وأما الملائكة فصلاتهم دعاء واستغفار له، وأما أمته فصلاتهم تحية وتكريم وشكر له وثناء عليه بما له عليهم من منة الهداية إلى الصراط المستقيم ثم قال: \" وسلّموا تسليمًا \" فأمرنا أن نتبع الصلاة بالسلام عليه تحية له.\n١٠٣٢ - معنى الحديث: أن كعب بن عُجْرَة -راوي الحديث- سأل النبي - ﷺ - بعد نزول الآية المذكورة فقال: إن الله قد أمرنا بالصلاة والسلام عليك، فأما لفظ السلام فقد عرفناه منك، بما علمتنا أن نقول في التشهد،","vol":"5","page":66},{"text":"كمَا صَلَّيْتَ على آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد، اللَّهُمَّ بَارِك على مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما بَارَكْتَ على آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ\".\nــ\nالسلام عليك ورحمة الله وبركاته، فعلمنا كيف نصلّي عليك وماذا نقول؟ \" قال: قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد \" أي فعلَّمنا النبي - ﷺ - أن نصلّي عليه بهذه الصلاة الإبراهيمية المأثورة. ومعنى قوله: \" وعلى آل محمد \" أي وصل على آل محمد، وهم على أصح الأقوال آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس كما أفاده الصنعاني، والمراد بقوله: \" آل إبراهيم \" إبراهيم نفسه، ومعنى قوله: \" اللهم بارك على محمد \" أي أكثر له من الخيرات، وأسبغها عليه في الدنيا والآخرة. وقوله: \" إنك حميد مجيد \" صيغة مبالغة من الحمد والمجد أي كثير الحمد والثناء والعظمة والجلال.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الصلاة الإبراهيمية في كل صلاة بعد التشهد، واختلفوا في حكم الصلاة على النبي - ﷺ - فذهب الشافعي وأحمد وغيرهما إلى وجوبها في التشهد الأخير، لقوله - ﷺ -: \" قولوا اللهم صل على محمد \" لأن الأمر هنا للوجوب، قال ابن عبد البر: قال الشافعي: إذا لم يُصَلّ على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير أعاد الصلاة (١). اهـ. وإنما خُصَّ الوجوب بالصلاة لما في حديث أبي مسعود البدري ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ قال: \" قولوا: اللهم صل على محمد \" أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والحاكم. ثانيًا: أن الحديث تفسير لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) \" تفسير القرطبي \" ج ٤.","vol":"5","page":67},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-980> تفسير سُورَةِ الزُّمَرِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>٨٨٧ - \" بابُ قَوْلِهِ تعَالَى (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) </span>\"\n١٠٣٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ نَاسًا مِنْ أهْلِ الشركِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأكْثَرُوا، وزَنَوْا وَأكْثَرُوا، فأتَوْا مُحَمَّدًا - ﷺ - فقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إليهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) الآية،\nــ\nآمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لأن الآية تضمنت الأمر بالصلاة مجملًا، والحديث تضمن تفسير هذه الصلاة، وبيان صيغتها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث تفسيرًا للآية المذكورة.\n٨٨٧ - \" باب قوله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) \"\n١٠٣٣ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث \" أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا \" إلخ. أي أن جماعة من المشركين رغبوا في الإِسلام غير أنهم خافوا من الذنوب الكثيرة التي ارتكبوها من القتل والزنا أن يعاقبوا عليها حتى بعد إسلامهم، \" فأتوا محمدًا - ﷺ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن \" أي قد عرفنا أن الدين الذي تدعو إليه حق \" لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة \" أي لو نجد في دينك ما يكفر عنا ذنوبنا إذا نحن دخلنا فيه لأسرعنا إلى الإيمان وبادرنا إليه \"فنزل (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ","vol":"5","page":68},{"text":"ونَزَلَ (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).\nــ\nاللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) الآية\" أي فنزل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية أنّهم إن أسلموا وتابوا من ذنوبهم، وعملوا الأعمال الصالحة، كفّر الله عنهم سيئاتهم، وأبدلها حسنات، وغفر لهم ما سلف منهم في جاهليتهم، \" ونزل (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) \" أي ونزلت هذه الآية التي يأمر الله تعالى فيها نبيّه أن يقول لعباده الذين أفرطوا في المعاصي \" (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) \" أي لا تيأسوا من رحمة الله وتظنوا أن الله لا يغفر لكم، فإن الله يغفر بالتوبة الصادقة كل ذنب، فتوبوا إلى الله يقبل توبتكم \" إنه هو الغفور الرحيم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان سبب نزول قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وهو ما تضمنه حديث الباب. ثانيًا: أن التوبة الصادقة المقترنة بالإخلاص والعمل الصالح تكفّر جميع الكبائر بما فيها الكفر بالله تعالى، لأن الآية وإن نزلت في الكفار إذا أسلموا إلاّ أن حكمها عام يشمل الكافر والمسلم، لأن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد قال تعالى فيها: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث دل على سبب نزول الآية الكريمة.","vol":"5","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-982>٨٨٨ - \" بَابُ قَولِهِ (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) </span>\"\n١٠٣٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقولُ: \" يَقْبِضُ اللهُ الأرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَواتِ بِيَمِنِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أنا الْمَلِكُ أينَ مُلُوكِ الأرْضِ؟ \".\nــ\n٨٨٨ - \" باب قوله (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) \"\n١٠٣٤ - معنى الحديث: أن أبا هريرة يحدثنا في هذا الحديث أنه سمع النبي - ﷺ - وهو يتحدث عن صفات ربّ العزة والجلال فيقول - ﷺ - \" يقبض الله الأرض \" أي يقبض الأرضين السبع يوم القيامة كما قال تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) \" ويطوي السموات بيمينه \" وهو بمعنى قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ) \" ثم يقول أنا الملك \" أي أنا المنفرد بالملك وحدي في هذا اليوم \" أين ملوك الأرض \" يعني أين ذهب ملوك الأرض الآن، وهو كقوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات الصفات والأفعال الإِلهية المذكورة في قوله - ﷺ -: \" يطوي السموات بيمينه \" وقوله: \" يقبض الأرض \" وكل ذلك من صفات الله وأفعاله التي يجب الإِيمان بها، وتصديقها، كما جاءت في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، مع اعتقاد أنه ﷿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والبشر عاجزون عن إدراك كيفية صفات الباري عز","vol":"5","page":70},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-983> سُورَةُ التَّحْرِيمِ </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>٨٨٩ - \" بَابُ قَولِهِ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) </span>\"\n١٠٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\"كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْش ويَمْكُثُ عِنْدَهَا، فوَاطَأتُ أنا وَحَفْصَةُ عَنْ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا فَلْتَقُلْ لَهُ: أكَلْتَ\nــ\nوجل، لأن إدراك الصفات فرع عن إدراك الذات، قال في \" فتح المجيد \" (١) وهي تدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وعليه سلف الأمة. ثانيًا: انفراد الله سبحانه بالملك في ذلك اليوم حيث تفنى جميع الملوك ولا يبقى سوى الملك الحق، كما قال - ﷺ -: \" ثم يقول: أنا الملك أنا الديان \" وهو مصداق قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) والله أعلم. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله: \" ويطوي السموات بيمينه \".\n٨٨٩ - \" باب تفسير قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) \"\n١٠٣٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يحب الحلواء والعسل، وكانت زينب بنت جحش قد أهدِيَ إليها بعض العسل من أقاربها، فكان رسول الله - ﷺ - يتردد عليها، فتسقيه من ذلك العسل، فغارت منها عائشة، وأوعزت إلى حفصة أن تقول للنبي - ﷺ - إذا دخل عليها: إني أشم منك أو معك ريح مغافير، وهو صمغ كريه الرائحة، واتفقت معها على أنه إذا دخل على أي واحدة\n_________\n(١) \" فتح المجيد شرح كتاب التوحيد \" للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ص ٦٢٢ تحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.","vol":"5","page":71},{"text":"مَغَافِيرَ، إِنِّي أجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، قَالَ: لا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أشْرَبُ عَسَلًا عِندَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَلَنْ أعودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ لا تُخْبِري بذلك أحَدًا\".\nــ\nمنهما تقول له ذلك، وهو معنى قولها: \" فواطأت أنا وحفصة \" أي اتَّفقنا معًا \" على أيتنا دخل عليها فلتقل له أكلتَ مغافير، إني أجد منك ريح مغافير \" أي أشم منك رائحة هذا، الصمغ الكريه الرائحة \" قال: لا \" أي فلما دخل عليها، وقالت له: أكلت مغافير، قال: لا، لم آكل مغافير \" ولكنني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش، فلن أعود إليه، وقد حلفت \" على أن لا أشربه \" لا تخبري بذلك أحدًا \" أي فلا تخبري بهذا السر أحدًا، وقد اختلفت الروايات فيمن شرب عندها، ففي بعضها أنها حفصة، ولكن الأرجح أنها زينب، لأن نساء النبي كن حزبين عائشة وحفصة وسودة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب، وهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، لأنها المنافسة لها. قال المفسرون: فلما حلف النبي - ﷺ - أن لا يشرب عسلًا ولا يعود إليه إرضاءً لعائشة وحفصة، أنزل الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ومعناها: أن الله تعالى عاتبه على تحريم ما أحل الله له، فقال ﷿ لم تمتنع عن شرب العسل الذي أحله الله لك، تريد من وراء ذلك إرضاء عائشة وحفصة ثم ختم الآية بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تعظيمًا لشأن النبي - ﷺ - وتنبيهًا على علو مكانته حيث جعل ترك الأولى بالنسبة إلى مقامه الكريم يعد كالذنب، وإن لم يكن في نفسه ذنبًا. \" قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم \" أي شرع لكم كفارة اليمين لتتحللوا وتتخلصوا منها بها، فافعل ما حرمته على نفسك، وكفّر عن يمينك","vol":"5","page":72},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-986> سُورَةَ وَيْل لِلمُطَفِّفينَ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>٨٩٠ - \" بَابُ قَوْلِهِ (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) </span>\"\n١٠٣٦ - عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) حَتَّى يَغيبَ\nــ\nبما شرع الله من كفارة اليمين المذكورة في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) إلخ \" (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) \" أي حافظكم وناصركم، \" (وَهُوَ الْعَلِيمُ) \" بمصالحكم \" (الْحَكِيمُ) \" فيما يشرعه لكم من الأحكام التي تتحقق بها مصالحكم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في دلالة الحديث على سبب نزول الآية (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان سبب نزول هذه الآية الكريمة. ثانيًا: أن من حلف على ترك شيء من الطيبات مأكولًا كان أو مشروبًا أو ملبوسًا فإنه ينبغي له أن يحنث في يمينه، ويكفر عنها، ويأتي بذلك الشيء الذي حلف عليه. ثالثًا: قوة الغيرة وشدة تأثيرها لا سيما على النساء وخاصة بين الضرائر.\n٨٩٠ - \"\n\nسورة ويل للمطففين (يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) \"\nومعنى هذه الآية وما قبلها: أن الله تعالى يقول: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ) الذين يرتكبون المعاصي مغترين بدنياهم، غافلين عن آخرتهم \" (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)\n_________\n(١) قال ابن كثير: وروى ابن جرير -يعني الطبري- عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول في الحرام يمين تكفرها، وقال ابن عباس (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) يعني أن رسول الله - ﷺ حرَّم جاريته (يعنى أم إبراهيم مارية القبطية) فقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) إلى قوله (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا. (ع).","vol":"5","page":73},{"text":"أحَدُهُمْ في رَشْحِهِ إلى أنْصَافِ أذُنَيْهِ\".\nــ\nلِيَوْمٍ عَظِيمٍ) ومحاسبون على أعمالهم في ذلك اليوم (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي يوم يحشرون في صعيد واحد، ويقفون أمام رب العالمين لمحاسبتهم ومحاكمتهم، فيطول قيامهم حتى يبلغ ثلاثمائة عام، كما قال بعض المفسرين.\n١٠٣٦ - معنى الحديث: يحدثنا النبي - ﷺ - أن الناس يحشرون من قبورهم إلى أرض المحشر فيجمعون في صعيد واحد لانتظار محاكمتهم ومحاسبتهم في يوم عظيم، يبلغ طوله مئات السنين \" حتى يغيب أحدهم في رشحه \" أي في عرقه \" إلى أنصاف أذنيه \" أي حتى يصل العرق إلى أنصاف أذنيه. وعن المقداد بن الأسود الكندي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه العرق إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا \" أخرجه أحمد في مسنده. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تفسير الآية الكريمة وبيان الحالة التي يكون عليها الناس في الموقف من الكرب، والضيق، وكثرة العرق، وشدة الحر، وطول القيام، حتى أن رسول الله - ﷺ - \" كان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة \" أخرجه أبو داود. ثانيًا: أن طول القيام وكثرة العرق يكونان لكل واحد كما جاء مصرحًا بذلك في حديث ابن مسعود حيث قال: \" قد ألجم العرق كل بر وفاجر \" ولكن الله يخففه على العبد الصالح. والمطابقة: في كون الحديث مشتملًا على الآية الكريمة ومتضمنًا لتفسيرها.\n***","vol":"5","page":74},{"text":"\"<span data-type=\"title\" id=toc-988> تفْسيرُ سُورَةِ الكَوْثَرِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>٨٩١ - \" بَابُ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) </span>\"\n١٠٣٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\" لَمَّا عُرِجَ بالنَّبِيِّ - ﷺ - إلى السَّمَاءِ، قَالَ: أتيْتُ عَلَى نَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفٌ، فقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذا الكَوْثر \".\nــ\n٨٩١ - \"\n\nتفسير سورة الكوثر قوله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) \"\n١٠٣٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - لما أكرمه الله تعالى \" بالمعراج \" ووصل إلى الملأ الأعلى، ورأى الجنة والنار وما فيهما. شاهد فيما شاهد من العجائب \" نهر الكوثر \" ووصفه لأمته كما رآه فقال: \" أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا \" أي مررت على نهر في الجنة تنتشر على ضفتيه قباب من اللؤلؤ المجوف \" فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر \" أي هذا هو نهر الكوثر الذي وعدك الله به في كتابه. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) وبيان معنى الكوثر وأنه نهر أكرم الله به نبيه - ﷺ - ووعده به في الدار الآخرة وهو موجود الآن، والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة (١) فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج \" وعن مسروق قال: قلت لعائشة: \"يا أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر، قالت: نهر في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان\n_________\n(١) غير الحوض المورود.","vol":"5","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>٨٩٢ - سُورَةُ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)</span>\n١٠٣٨ - عَنْ أبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ:\nسَألْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ قَالَ: \" قِيلَ لِي \" فَقُلْتُ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -.\nــ\nالجنة؟ قالت: وسطها حصباؤه الدر والياقوت\" أخرجه ابن (١) جرير.\nويتضح من هذا أن الكوثر شيء والحوض المورود شيء آخر، فالحوض في الموقف يشرب منه هو وأمته قبل دخول الجنة \" والكوثر في بطنان الجنة، أي في وسطها، وكلاهما مما أكرم الله به نبيّه - ﷺ - وهذه الأمة. والمطابقة: في كون الحديث دل على معنى الكوثر، فأصبح تفسيرًا للآية.\n٨٩٢ - \" سورة (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) \"\nْ١٠٣٨ - معنى الحديث: أن راوي الحديث كما في الأصل من صحيح البخاري يقول: سألت أُبي بن كعب قلت له: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا \" أي يقول إن المعوذتين ليستا من القرآن، فقال أبي \" سألت رسول الله - ﷺ - عن المعوذتين \" يعني سألته هل هما من القرآن؟ \" قال: \" قيل لي \" فقلت: \" أي فقال - ﷺ -: قال لي جبريل إنهما من القرآن، فقلت كما قال جبريل، لأنه أمين على وحي السماء: قال كعب: \" فنحن نقول كما قال رسول الله - ﷺ -: \" أي نقول أن المعوذتين من القرآن.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن بعض الصحابة ومنهم ابن مسعود ﵁ كانوا يقولون: إن المعوذتين ليستا من\n_________\n(١) \" تفسير الطبري \" ج ٣.","vol":"5","page":76},{"text":"القرآن (١). ثانيًا: أن المعوذتين من القرآن، لأن جبريل قال للنبي - ﷺ - ذلك وانعقد عليه إجماع المسلمين ودلت عليه الأحاديث الصحيحة، فلو أنكر اليوم أحد قرآنيتهما كفر. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كونه يدل على أن المعوذتين من القرآن.\n_________\n(١) قال الحافظ في \" الفتح \": قال البزار: ولم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قرأهما في الصلاة. (ع).","vol":"5","page":77},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-990> كتاب فضائل القرآن </span>\"\nوفضائل القرآن: هي المزايا والمنافع التي تترتب على قراءته وسماعه، أو المزايا التي يختص بها أهل القرآن، أو الصفات العظيمة التي يمتاز بها القرآن عن غيره وكما أن القرآن كتاب هداية وتشريع، يتعبد بأحكامه والعمل بما فيه، كذلك هو كتاب يتعبد بتلاوته، وتنال المثوبة والأجر بقراءته فقد روى ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - أنّه قال: \" من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف \" أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب. وهناك فضائل خاصة تتعلّق بآية أو سورة معينة، فإن القرآن يتفاضل بعضه عن بعض على الأصح من أقوال أهل العلم، لدلالة ظواهر النصوص على ذلك، منها حديث أُبي بن كعب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: آية الكرسي، فضرب في صدري وقال: \" ليهنك العلم يا أبا المنذر \" أما معنى الأفضلية أو التفاضل: فقد يكون بزيادة الأجر والثواب، وقد يرجع إلى معنى الآية ومضمونها، فما تضمنته آية الكرسي والحشر وسورة الإِخلاص والفاتحة من المعاني لا يوجد في سورة المسد مثلًا، وقد تكون الأفضلية من جهة أنها تحفظ قارئها كما في آية الكرسي والمعوذتين، أو من جهة كونها رقية وشفاء كما في سورة الفاتحة.\n***","vol":"5","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-991>٨٩٣ - \" بَاب كيفَ نَزَلَ الوحيُ وأول ما نَزِلَ </span>\"\n١٠٣٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" ما مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوُتِيتُهُ وَحْيًا أوحَاهُ اللهُ إليَّ، فأرْجُو أَنْ أَكُونَ أكثَرَهُمْ تَابعًا يَوْمَ القِيَامَةِ \".\nــ\n١٠٣٩ - معنى الحديث: أن من سنة الله في الأنبياء جميعًا أن يمدهم بالمعجزات فلا يبعث نبيًا إلاّ أعطاه معجزة يستدل بها على نبوته ويثبت بها رسالته، ويتحدى بها كل من عارضه وكذب به، فالمعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدّعي الرسالة ليكون شاهد إثبات له، كما أعطى الله موسى العصى وكما أعطى عيسى إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله. وهذا هو معنى قوله: \" ما من الأنبياء نبي إلاّ أعطي ما مثله آمن عليه البشر \" أي ليس هناك نبي إلا وقد أعطي من المعجزات ما يكفي لإثبات رسالته فلا ينظر أحد إلى المعجزة التي ظهرت على يديه من أهل النفوس السليمة من العناد والاستكبار إلا بادر إلى الإيمان به كما فعل سحرة فرعون لما شاهدوا معجزة موسى \" وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ \" أي وإنما كانت المعجزة العظمى التي أعطاها الله لي هي هذا الكتاب الخالد الباقي إلى يوم القيامة، فما من أحد يقرأه بتأمل وتدبّر دون عناد أو حسد أو تكبر إلاّ عرف أنه كلام الله، وأني رسول الله لما فيه من أنباء الغيب التي لا تأتي إلاّ من خبر السماء، وما اشتمل عليه من الأحكام والقوانين الإلهية التي تصانُ بها حقوق الإنسان من دين ونفس ومال ونسب وعقل وعرض. والقرآن لا تنتهي معارفه عند حد، وإنما هي تتجدد وتنكشف على مر العصور والأزمان. وليس معنى هذا أنه - ﷺ - لم يؤت معجزة أخرى غير القرآن كلا فلقد أوتي - ﷺ - من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله، ومن ذلك","vol":"5","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-992>٨٩٤ - \" بَابُ فضلِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) </span>\"\n١٠٤٠ - عنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ﵁ قَالَ:\nــ\nنبع الماء من بين أصابعه، وهي أبلغ من معجزة موسى، لأن نبع الماء من الصخر أمر مشاهد مألوف، أما نبع الماء من بين اللحم والعظم والأصابع فإنه لا يخطر على البال، ولكن معنى قوله: \" وإنما كان الذي أوتيته وحيًا \" أن معجزة القرآن أعظم معجزاته - ﷺ - لأن تلك المعجزات لا يعرفها إلاّ من عاصرها أما القرآن فإنّه العجزة الدائمة الباقية إلى يوم القيامة يعرفها ويراها ويقرأها كل من أرادها، ويستدل بها على صدقه - ﷺ - وصحة رسالته - ﷺ - \" فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا \" أي وبما أني قد أعطيت هذه المعجزة العظمى، وهي هذا الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فإني أرجو أن يقرأه الناس على مر العصور، فيدخلوا في دين الله أفواجًا، فأكون أكثر الأنبياء أتباعًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من فضائل القرآن كونه المعجزة الخالدة لنبينا - ﷺ - في جميع العصور والأزمان، ولهذا اقتصر على ذكره في هذا الحديث، حتى كأن النبي - ﷺ - لم يأت بمعجزة أخرى سواه، لا لأنه - ﷺ - لم يأت بمعجزات أخرى غيره، ولكن لأن تلك المعجزات لا تأثير لها إلاّ في زمنه - ﷺ -، أما هذه المعجزة فإنها يستدل بها على صدق رسالته - ﷺ - مدى الحياة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثانيأ: كثرة أتباع نبينا - ﷺ - يوم القيامة لقوله - ﷺ -: \" فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه يدل على أن القرآن أعظم المعجزات على الإِطلاق وهذا من أشرف فضائله ومزاياه.\n٨٩٤ - \" باب فضل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) \"\n١٠٤٠ - معنى الحديث أن الصحابة ﵃ سمعوا النبي","vol":"5","page":80},{"text":"قَالَ النَّبِيّ - ﷺ - لأصْحَابِهِ: \" أيعْجِز أحدُكُمْ أن يَقْرأ ثُلُثَ القُرآنِ في لَيْلَةٍ؟ \" فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أيُّنَا يطِيق ذَلِكَ يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: \" الله الوَاحِدُ الصَّمَد ثُلُثُ القُرآنِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>٨٩٥ - \" بَاب فضْلِ الْمُعَوِّذَاتِ </span>\"\n١٠٤١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أوَى إلى فِرَاشِهِ كلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثمَّ\nــ\n- ﷺ - يقول: \" أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة \" وهو استفهام استخباري، معناه ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة واحدة \" فشق ذلك عليهم \" أي فصعب عليهم ذلك، لأنهم فهموا أن النبي - ﷺ - يدعوهم إلى قراءة ثلث القرآن في ليلة واحدة \" فقالوا: أينا يطيق ذلك \" أي لا يقدر على هذا العمل إلا القليل من الناس. \" فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن \" أى سورة قل هو الله أحد تساوي ثلث القرآن في مضمونه ومعناه، لأن القرآن ثلاثة أقسام توحيد، وأحكام، وأخبار، وسورة الإخلاص تضمنت التوحيد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل سورة الإخلاص، وامتيازها بأنها تحوي في معناها ومضمونها ثلث القرآن لاشتمالها على التوحيد الذي هو أحد مقاصد القرآن الثلاثة، وقال بعض أهل العلم: إنها تساوي ثلث القرآن في أجرها وثوابها (١). اهـ. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" الله الواحد الصمد ثلث القرآن \".\n٨٩٥ - \" باب فضل المعوذات \"\n١٠٤١ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - \" كان إذا أوى إلى فراشه\n_________\n(١) انظر بسط هذا الموضوع في كتاب \" جواب أهل العلم والايمان \" الشيخ الإِسلام ابن تيميّة ﵀ (حسن السماحي).","vol":"5","page":81},{"text":"نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأ فِيهِمَا (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وَ(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَد، يَبْدَأ بِهِمَا علَى رَأسِهِ وَوَجْهِهِ ومَا أقبَلَ مِنْ جَسَد، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَاتٍ \".\nــ\nكل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما \" أي ألصق الكف اليمنى باليسرى وهما مفتوحتان، ونفخ فيهما بفمه مع شيء خفيف من ريقه \" فقرأ فيها \" أي قرأ في كفيه (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أي قرأ السور الثلاثة على كفيه، قال القسطلاني: قال الطبري: وظاهره أنه - ﷺ - نفث في كفيه أولًا، ثم قرأ، وهذا لم يقل به أحد، ولعل هذا سهو من الكاتب أو الراوي (١) لأن النفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة \" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده ويبدأ من رأسه وما أقبل من جسده \" أي ثم يمسح بكفيه ما وصلتا إليه من جسده، بادئًا برأسه وبالجزء الأمامي من بدنه. اهـ. الحديث: أخرجه الستة إلا ابن ماجه بألفاظ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن في قراءة هذه السور الثلاثة قبل النوم صيانة للإنسان وحفظ له من المكاره، ولأنها تعويذة مباركة مأثورة أرشدنا النبي - ﷺ - إليها، ودلنا عليها (٢). ثانيًا: أنه يستحب قراءة هذه السور الثلاثة قبل النوم والتعوذ بها، وكيفية ذلك أن يجمع كفّيه ثم يقرأ هذه السور الثلاث فيها ثم ينفث من ريقه عليهما، ثم يمسح بكفيه ما وصل إليه من\n_________\n(١) وتعقبه الطيبي فقال: من ذهب إلى تخطئة الرواة الثقات العدول وبما سنح له من الرأي فقد خطأ نفسه، هلا قاس هذه الفاء على ما في قوله: \" فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله \"، والمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فيما قرأ فيهما. اهـ.\n(٢) وقال - ﷺ - في رواية أخرى: تعوذ بهن فإنه لم يتعوذ بمثلهن.","vol":"5","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-994>٨٩٦ - \" بَاب خيْرُكمْ مَنْ تعَلَّمَ الْقرْآنَ وَعَلَّمَهُ </span>\"\n١٠٤٢ - عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ الله \"عَنْهُ:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" خَيْركُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ \".\nــ\nجسده وذلك كما قال ابن القيم: لأن الرقية تخرج من قلب الراقي، فإذا صحبها شيء من الريق والهواء كانت أتم تأثيرًا. والمطابقة: في كونه - ﷺ - كان يتعوذ بهذه السور الثلاثة، وهذا يدل على فضلها من حيث إنها تعويذة مباركة.\n٨٩٦ - \" باب خيركم من تعلّم القرآن وعلمه \"\n١٠٤٢ - معنى الحديث: أن أفضل المسلمين وأرفعهم ذكرًا وأعلاهم عند الله درجة من تعلّم القرآن تلاوة وحفظًا وترتيلًا، أو تعلمه فقهًا وتفسيرًا، فأصبح عالمًا بمعانيه فقيهًا في أحكامه، وعلَّم غيره ما عنده من علوم القرآن مع عمله به، وإلّا كان القرآن حجة عليه، كما قال - ﷺ -: \" والقرآن حجة لك أو عليك \" أو كما قال.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان فضل حامل القرآن ومعلمه، وأنه خير المؤمنين، لأنه أعظمهم نفعًا وإفادة، ولذلك شبهه بالسفرة، لأن السفرة من الملائكة يحملون الوحي إلى الأنبياء، وهو يحمل كلام الله إلى الناس، ولأنه من أكثر الناس أجرًا حيث إن له بكل حرف يقرأه حسنة. ثانيًا: أن أشرف العلوم علوم القرآن وقد قيل: شرف العلم بشرف متعلقه، وليس هناك أشرف ولا أفضل من كلام الله تعالى. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة والحديث لفظهما واحد.\n***","vol":"5","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-995>٨٩٧ - \" بَابُ اسْتِذْكَارِ الْقُرْآنِ وتعَاهُدِهِ </span>\"\n١٠٤٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إنَّمَا مَثَلُ صَاحبِ القُرآنِ كَمَثَل صَاحبِ الإِبِلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عَاهَد عَلَيْهَا أمْسَكَهَا، وَإِنْ أطْلَقَهَا ذهَبَتْ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>٨٩٨ - \" بَابُ حُسْنِ الصَّوْتٍ بالْقِرَاءَةِ لِلْقُرآنِ </span>\"\n١٠٤٤ - عن أبِي مُوسَى ﵁:\nــ\n٨٩٧ - \" باب استذكار القرآن وتعاهده \"\n١٠٤٣ - معنى الحديث: شبه النبي - ﷺ - حافظ القرآن وحامله بصاحب الإِبل المربوطة المشدودة بالحبال، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإِبل المعقلة \" أي التي عقلها صاحبها بالحبال، لأنها شرود \" إن عاهد عليها \" أي راقبها، وأبقاها مربوطة، \" أمسكها \" أي بقيت عنده \" وإن أطلقها اذهبت \" أي وإن فكها من حبالها وهي شرود هربت، وصعب عليه إعادتها مرة أخرى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الحث الشديد والترغيب الأكيد لحملة القرآن وحفاظه أن يعنوا بتعهده وتكراره وكثرة قراءته وترديد تلاوته محافظة عليه، وحذرًا من ضياعه لأن صاحب القرآن كما في الحديث كصاحب الإِبل المربوطة، إن حافظ عليها وأبقاها في رباطها بقيت عنده، وإلّا هربت منه. ثانيًا: أن القرآن إذا نسي صَعُبَ استرجاعه. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" إن عاهد عليها أمسكها \".\n٨٩٨ - \" باب حسن الصوت بالقراءة \"\n١٠٤٤ - معنى الحديث: أن أبا موسى يحدثنا \"أن النبي - ﷺ - قال","vol":"5","page":84},{"text":"أنَّ النبي - ﷺ - قَالَ لَهُ: \" يا أبَا مُوسَى لَقَدْ أوتيْ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلَ دَاوُدَ \".\nــ\nله: \" \" يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا (١) \" ومعناه .. لقد وهبك الله في قراءة القرآن صوتًا جميلًا كصوت داود في قراءة الزبور. قال القسطلاني: لأنه لم يذكر أحد أعطي من حسن الصوت ما أعطي داود، وقال الخطابي قوله: \" آل داود \" يريد داود نفسه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن صوت داود كان من أعذب الأصوات الجميلة وأحلاها، قال القسطلاني: \" كان داود يقرأ الزبور بسبعين لحنًا، كما أن صوت أبي موسى كان يشبه صوت داود في عذوبته وحلاوته، وكان - ﷺ - يستمع إلى قراءته كثيرًا، ووصف أبو عثمان النهدي صوت أبي موسى فقال: \" دخلت دار أبي موسى الأشعري، فما سمعت صوت صنج (بفتح الصاد) ولا بربط (بفتح الباء) ولا ناي أحسن من صوته \" قال الحافظ: سنده صحيح، وهو في الحلية لأبي نعيم. قال الحافظ: والصَّنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم، آلة تتخذ من النحاس، والبربط بوزن جعفر هو آلة تشبه العود، فارسي مُعَرَّب. ثانيًا: استدل البخاري بهذا الحديث على استحباب حسن الصوت في قراءة القرآن، وحكى النووي الإِجماع عليه، لأنه أوقع في النفس، وأشد تأثيرًا وأرقُّ لسامعه، قال: فإن لم يكن القارىء حسن الصوت فليحسنه ما استطاع. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كونه يدل على استحباب حسن الصوت في القراءة.\n_________\n(١) والمزمار في الأصل الآلة الموسيقية المعروفة، والمراد به هنا الصوت الجميل.","vol":"5","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-997>٨٩٩ - \" بَابُ مَنْ أحَبَّ أنْ يَسْمَعَ القُرآنَ مِنْ غَيْرِهِ </span>\"\n١٠٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهَ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:\nقَالَ في النبي - ﷺ -: \" اقْرأْ عَلَيَّ القُرآنَ \" قُلْتُ: آقْرا عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ! قَالَ: \" إِنِّي أحِب أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>٩٠٠ - \" بَاب في كَمْ يُقْرأُ الْقُرآنُ </span>\"\n١٠٤٦ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ ﵄ قَالَ:\nــ\n٨٩٩ - \" باب من أحب أن يسمع القرآن من غيره \"\n١٠٤٥ - معنى الحديث: يقول عبد الله بن مسعود ﵁: \" قال لي النبي - ﷺ - اقرأ علي القرآن \" أي اقرأ عليَّ بعض الآيات من القرآن الكريم \" قلت: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ \" أي لماذا أقرأه عليك، وأنت في غنى عن سماعه مني، لأنه عليك أنزل، تلقيته من ربك، وحفظته في قلبك وبلغته إلى الناس. \" قال: إني أحب أن أسمعه من غيري \" أي إنما سألتك أن تقرأه عليَّ، لأنني أحب سماعه من غيري رغبة في تدبره، وزيادة تفهمه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النبي - ﷺ - كان يجب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره، وذلك لأجل تدبره وزيادة تفهمه، لأن المستمع أقوى على ذلك من القارىء وأنشط منه. ثانيًا: أنه يستحب الاستماع إلى قارىء القرآن، ولو كان المستمع من حفاظه، اقتداءً بالنبي - ﷺ - واتباعًا لسنته. الحديث: أخرجه الستة إلا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" فإني أحب أن أسمعه من غيري \"\n٩٠٠ - \" باب في كم يقرأ القرآن \"\n١٠٤٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - قال لابن عمرو رضي الله","vol":"5","page":86},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" اقْرَأ القُرْآنَ في شَهْرٍ \" قُلْتُ: إِنِّي أجِدُ قُوَّةً، حتَّى قَالَ: \" فاقْرَأهُ في سَبْعٍ، ولا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>٩٠١ - \" بَاب إِثْمُ مَنْ رَاءى بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ وتأكَّلَ بِهِ أو فَخر بِهِ </span>\"\n١٠٤٧ - عن أبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁:\nعَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" المُؤْمِنُ الذي يَقْرأ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كالأترجَّةِ، طَعْمُهَا طيَبٌ، وَرِيحُهَا طيَبٌ، والمؤْمِنُ الِّذي لا يَقْرأ القُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ\nــ\nعنهما \" اقرأ القرآن في شهر \" أي اختم القرآن مرة واحدة في الشهر، لأن ذلك يساعد على ترتيله، وتدبر معانيه \" قلت: إني أجد قوة \" أي أجد في نفسي قدرة ونشاطًا على قراءة أكثر من ذلك في الشهر \" حتى قال: فاقرأه في سبع \" أي فما زال يقول في - ﷺ - اقرأه في كذا، اقرأه في كذا، وأنا أقول له: \" إني أجد قوة \" حتى قال لي: أخيرًا اقرأه في سبع ليال، \" ولا تزد على ذلك \" فنهاه - ﷺ - أن يختم القرآن في أقل من سبع. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: عدم تقدير وقت محدود لختم القرآن، لأن النبي - ﷺ - أمره أولًا أن يختمه في شهر، ثم في كذا، ثم في كذا حتى قال له أخيرًا: فاقرأه في سبع، وإنما هو بحسب نشاط القارىء واستعداده، وعليه أكثر العلماء كما قاله النووي. ثانيًا: استدل بعض أهل العلم بقوله - ﷺ -: ولا تزد على ذلك على أنه يستحب للقارىء أن يقتصر على قدر يحصل معه كمال فهم ما يقرأ، ليجمع بين التعبد بالتلاوة وحسن الترتيل، وتدبر الآيات. والمطابقة: في قوله: \" فاقرأه في سبع \".\n٩٠١٠ - \" باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تأكّل به أو فخر به \"\n١٠٤٧ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - شبّه كل صنف من هذه","vol":"5","page":87},{"text":"كالتَّمْرَةِ، طَعْمُهَا طيَبٌ، ولا رِيحَ لَهَا، وَمثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرأ القُرْآنَ كالرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طيَبٌ، وطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المنافِقِ الَّذِي لا ْ يَقْرأ القُرْآنَ كالحَنْظَلَةِ، طَعْمُهَا مُرٌّ أو خَبِيثٌ، ورِيحُهَا مُرٌّ\".\nــ\nالأصناف الأربعة من البشر، بشيء يماثله في الحسن والقبح الأول: المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به، وقد شبهه بالأترجة (١) في حلاوة مذاقها وطيب رائحتها، لأنه يجمع بين حسن الظاهر والباطن. والثاني: المؤمن الذي لا يقرأ القرآن لكنه يعمل به، فهو يشبه التمرة في حلاوة مذاقها، وإن كانت لا ريح لها، لأنه زين باطنه بالعمل بالقرآن، وإن لم يزين ظاهره بتلاوته. والثالث: المنافق الذي يقرأ القرآن رياءً وسمعة، ولا يعمل به في حياته أو يطبقه في سلوكه، فهذا يشبه الريحانة في طيب رائحتها، ومرارة طعمها، لأنه زين ظاهره بحسن التلاوة، وقّبح باطنه بسوء العمل. الرابع: المنافق الذي لا يقرأ القرآن ولا يعمل به، وهذا يشبه الحنظلة في مرارة طعمها وقبح رائحتها، فهو قبيح الظاهر والباطن معًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن. القرآن جمال لأهله على أي حال، فإن عمل به صاحبه جمَّله ظاهرًا وباطنًا، وسعد به في الدنيا والآخرة، وإن لم يعمل به وقرأه رياءً جمّله ظاهرًا، ونفعه في الدنيا فقط. ثانيًا: أن المراءي لا يثاب على قراءة القرآن، لأن النبي - ﷺ - شبهه بالريحانة التي طعمها مرٌ، وهذا يدل على قبح عمله، وعدم انتفاعه به في الآخرة. الحديث: أخرجه\n_________\n(١) قال في شرح صفوة البخاري: وأهل العراق يطقون لفظ \" الأترج \" على نوع من فصيلة البرتقال، لكن له رائحة عطرية وطعمه أحلى. قلت: وأهل الشام يسمونه الكبّاد ويكثرون زراعته في البيوت كالنارنج، وقشرته سميكة ومتجعدة، وحجمه كبير يصل إلى حجم البطيخ الصغير ولونه عند نضجه أصفر وقيمته في قشرته حيث يصنع منها أفخر أنواع المربيات. اهـ. حسن السماحي.","vol":"5","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>٩٠٢ - \" بَابٌ اقْرؤوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ </span>\"\n١٠٤٨ - عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" اقْرَؤوا القُرْآنَ ما ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فإذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ \".\nــ\nالستة. والمطابقة: في قوله: \" ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر \".\n٩٠٢ - \" باب إقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم \"\n١٠٤٨ - معنى الحديث: قال العيني: معناه، اقرؤوه على نشاط منكم، فإذا حصل لكم ملل وسآمة فاتركوه، فإنه أعظم من أن يقرأه أحدٌ من غير حضور القلب وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات، فأمروا بالقيام عند الاختلاف، لئلا يجحد أحدهم ما يقرأه الآخر، فيكون جاحدًا لما أنزل الله. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحري قراءة القرآن عند توفر النشاط والرغبة النفسية في تلاوته، لأن القراءة مع حضور القلب لها أثرها العميق في نفس القارىء ووجدانه. ثانيًا: أنه إذا وقع الاختلاف في معنى من معاني القرآن أو قراءة من قراءَاته، واشتد حتى أوشك أن يؤدي إلى النزاع والشقاق وجب الإِمساك عنه، وضبط النفس قدر الإِمكان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n***","vol":"5","page":89},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1001> كتاب النكاح </span>\"\nالنكاح لغة: الضم والتداخل، ثم أطلق على الوطء حقيقة وعلى العقد مجازًا، وقال الزجاجي: النكاح في كلام العرب هو الوطء والعقد جميعًا وأما النكاح شرعًا: ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وهو قول الحنفية، ووجه للشافعية. الثاني: أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء، وهو القول الراجح، لكثرة وروده في الكتاب والسنة بمعنى العقد، حتى قيل: لم يرد في القرآن إلاّ للعقد، قال الحافظ: ولا يرد مثل قوله: \" حتى تنكح زوجًا غيره \" لأن شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنة. الثالث: أنه لفظ مشترك بين العقد والوطء. قال الحافظ: وهذا الذي يترجح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد. أما الحكمة في مشروعية النكاح: فإنه لما كان وجود الجنسين وحاجة كل منهما إلى الآخر سنة الحياة، التي أرادها الله، وأودع في كل منهما هذه الغريزة التي تدعوه إلى الآخر. ليتحقق بذلك بقاء النوع البشري على هذه الأرض. شرع له النكاح للتنفيس عن غريزته بطريقة سليمة يتسامى فيها عن غيره من الحيوانات، لأنه أكرم المخلوقات، وحقق بالنكاح منافع عظيمة، منها غض البصر، وكف النفس عن جريمة الزنا محافظة \"على أنساب الناس، وصيانة لأعراضهم ومنها: استبقاء النوع البشري على هذه الأرض بالتوالد والتناسل فينتج جيلًا صالحًا نافعًا لبلاده وأمته كما قال - ﷺ - \" تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم \" ومنها تنظيم الأسرة وصيانتها، حيث جعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة صحيحة قائمة على نكاح شرعي موثق بشهادة الشهود، معلن عنه عند الناس فكل منهما قد أصبح زوجًا للآخر، وارتبط به","vol":"5","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1002>٩٠٣ - \"بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: مَنْ استطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ</span>\"\n١٠٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن مَسْعُود ﵁ قَالَ:\nلَقَدْ قَالَ لَنَا النبي - ﷺ -: \"يا مَعْشَرَ الشَبّاَبِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ \".\nــ\nارتباطًا شرعيًا يحفظ له حقوقه، ويصون سمعته وكرامته، ويثبت نسله منه حتى تقوم الأسرة على أسس قوية متينة. ومن أغراض النكاح المحافظة على صحة الزوجين جسميًا ونفسيًا (١) وقد جاء في تقرير هيئة الأمم المتحدة الذي نشرته صحيفة الشعب الصادرة يوم السبت ٦/ ٦/١٩٥٩ م أن المتزوجين يعيشون مدة أطول مما يعيشها غير المتزوجين سواء كان غير المتزوجين أرامل أم مطلقين، أم عزابًا من الجنسين.\n٩٠٣ - \" باب قول النبي - ﷺ -: \" من استطاع منكم الباءة فليتزوج \"\n١٠٤٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يوجه نداءه إلى الشباب فيقول لهم: \" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج \" أي من وجدت لديه القدرة الجنسية على الجماع والرغبة فيه مع قدرته على مؤونته ونفقته فليتزوج. ليغضَّ بصره، ويحفظ فرجه عن محارم الله، كما جاء في رواية أخرى حيث قال: \" فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج \" \" ومن لم يستطع فعليه بالصوم \" أي ومن لم يستطع الزواج لعجز مالي عن المؤونة والنفقة، ولديه رغبة في الجماع \" فعليه بالصوم فإنه له وجاء \" أي فليلجأ إلى الصوم لكسر شهوته وإضعاف رغبته الجنسية \" فإنه له وجاء \" أي فإن الصوم يقطع الشهوة\n_________\n(١) انظر كتاب \" الأمراض الجنسية \" للدكتور نبيل صبحي الطويل. حسن السماحي.","vol":"5","page":91},{"text":"كما يقطعها الوجاء. والوجاء رض الخصيتين (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يسن النكاح لكل من قدر على نفقاته وتاقت نفسه إليه، وهو مذهب الجمهور، وقالت الظاهرية بوجوبه، لظاهر الأمر به في الكتاب والسنة، وأما من رغب عن الزواج دون عذر، وظن أن البعد عنه فضيلة، وفضل الرهبانية، فقد قال - ﷺ - في حقه: \" وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني \" أي فليس من طريقتي الرهبانية، قال ابن قدامة: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في المحظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة العلماء، الثاني من يستحب له، وهو من له شهوة ويأمن الوقوع في محظور، فهذا التزوج له أولى من التخلي لنوافل العبادة، وهو قول الحنفية، وهو ظاهر قول الصحابة ﵃، قال ابن مسعود ﵁: لو لم يبق من أجلي إلاّ عشرة أيام وأعلم أني أموت في آخرها ولي طول النكاح فيهن لتزوجت، مخافة الفتنة، وقال ابن عباس ﵄ لسعيد بن جبير: تزوج فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء، وقال أحمد: ليست العزوبة من أمر الإِسلام في شيء، وقال أنس: كان النبي - ﷺ - يأمرنا بالباءة ويقول: \" تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة \". الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم تخلق له شهوة أو كانت شهوة فذهبت بكبر أو مرض أو نحوه، ففيه وجهان أحدهما: يستحب له النكاح، لعموم ما ذكرنا. الثاني: التخلي للعبادة له أفضل، لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضربها بحبسها على نفسه ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. ثانيًا: أنه ينبغي لمن لا قدرة له، ولا يجد لديه مؤنة النكاح أن يترك التزوج ويكثر الصوم لإضعاف شهوته أما إذا كان قادرًا عليه ولكنه لا يرغب فيه، فقد قال الدردير المالكي:\n_________\n(١) قال في \" المصباح \" الوجاء مثل كتاب، ويطلق الوجاء على رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا من غير إخراج، فيكون شبيهًا بالخصاء لأنه يكسر الشهوة.","vol":"5","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1003>٩٠٤ - \" بَابُ نِكَاحِ الأبكَارِ </span>\"\n١٠٥٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أرَأيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا، وفِيهِ شَجَرَة قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًَا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، أيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ بَعِيرَكَ؟ قَالَ: \" في التي لم يُرْتَعْ مِنْهَا \" تَعْنِي أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا.\nــ\n\" وغير الراغب إن أداه إلى قطع مندوب كره وإلا أبيح، إلا أن يرجو نسلًا، أو خيرًا من نفقة على فقيرة فيندب ما لم يؤد إلى حرام وإلا حَرُمَ. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في قوله: \" من استطاع منكم الباءة فليتزوج \".\n٩٠٤ - \" باب نكاح الأبكار \"\n١٠٥٠ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ أرادت أن تزهو بنفسها، وتفخر على غيرها بفضل بكارتها، فقالت: \" أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك؟ \" بضم التاء الأولى، وكسر التاء الثانية، وإسكان الراء فيها، وهو مضارع أرتع تقول ﵂ له - ﷺ -: أخبرني لو نزلت واديًا فيه أشجار قد رعاها غيرك وأشجار لم يرعها أحد قبلك، ماذا كنت تختار لبعيرك أن يرعاهُ \" قال: في التي لم يرتع (١) منها \" أي أختار لبعيري أن يأكل من الشجرة التي لم يأكل منها غيره فلما قال - ﷺ - ذلك \" قالت ﵂: فأنا هيه \" كما في رواية أبي نعيم، \" تعني أن رسول الله - ﷺ - لم يتزوج بكرًا غيرها \" أي تقصد ﵂ من هذا المثل أنها أفضل نسائه، لأنها البكر\n_________\n(١) بضم الباء وإسكان الراء وفتح التاء أي لم يؤكل منها.","vol":"5","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1004>٩٠٥ - \" بَابُ الأكفَاءِ في الدِّينْ </span>\"\n١٠٥١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ أبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْن رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَْمسٍ، وكان مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَبَنَّى سَالِمًا وأنْكَحَهُ بِنْتَ أخيهِ هِند بنْتَ الوَلِيدِ بْن عُتْبَةَ وَهُوَ مَوْلى لامْرأة مِنَ الأنْصَارِ كمَا تَبَنَّى النبي - ﷺ - زَيدًا، وَكَانَ\nــ\nالوحيدة بينهن فينبغي أن يحبها أكثر من نسائه جميعًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل الأبكار والترغيب في نكاحهن، لأن البكر مثل الشجرة التي لم يؤكل منها، فهي أرغب وأحب إلى النفس من الشجرة التي أكل منها، وقد جاء الترغيب في نكاح الأبكار في أحاديث كثيرة. منها: حديث عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عويم بن ساعدة الأنصاري عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا وأرضى باليسير \" أخرجه ابن ماجة، والحديث وإن كان راويه عبد الرحمن بن سالم وهو مجهول إلا أنه يؤيده حديث جابر حيث قال له - ﷺ - هلا بكرًا تلاعبها \" وفي رواية: \" هلا جارية تلاعبها وتلاعبك \". ثانيًا: أن حب المباهاة من طبيعة المرأة في كل العصور لم يسلم من ذلك حتى أمهات المؤمنين ﵅، كما يدل عليه هذا الحديث. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" في التي لم يرتع منها \" حيث يدل على تفضيل البكر، وهو ما ترجم له البخاري.\n٩٠٥ - \" باب الأكفاء في الدين \"\n١٠٥١ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث \"أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان ممن شهد بدرًا مع النبي","vol":"5","page":94},{"text":"من تَبَنَّى رَجُلًا في الجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إليهِ، وَوَرِثَ مِنْ مِيرَاثِهُ حتَّى أنْزَلَ اللهُ ﷿ (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ -إلى قوله- وَمَوَالِيكُمْ) فرُدُّوا إلى آبَائِهِمْ، فمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُْ أبٌ كَانَ مَوْلَى وأخًَا في الدِّينِ\".\nــ\n- ﷺ - تبنى سالمًا وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة\" أي أن هذا الصحابي الجليل الحسيب النسيب الذي جمع بين شرف النسب وشرف الدين وشهد بدرًا مع رسول الله - ﷺ - قد تبنى سالم بن معقل وزوّجه ابنة أخيه \" هندًا \" الحرة الشريفة الكريمة النسب العريقة الأصل \" وهو مولى لامرأة من الأنصار \" أي والحال أنّه عبد مملوك لامرأة من الأنصار اسمها ثبيتة بنت يعار \" كما تبنى النبي - ﷺ - زيدًا \" أي زيد بن حارثة، فكان يدعى زيد بن محمد \" وكان من تبنى رجلًا في الجاهلية دعاه الناس إليه \" أي ألحقوه به نسبًا، وأصبح ولدًا كأولاده من صلبه \" وورث من ميراثه \" كولد الصلب تمامًا \" حتى أنزل الله ﷿: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) \" أي استمر ذلك حتى أنزل الله تعالى قوله: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ (١) فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) فأبطل التبني.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث علي ما يأتي: أولًا: استدل به ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم على أن المعوّل عليه في كفاءة النكاح هو الإيمان والدين فقط لأن أبا حذيفة لم تمنعه عراقة نسبه، وشرف منزلته في الجاهلية والإِسلام من تزويج ابنة أخيه الحسيبة النسيبة لعبد مملوك. ولهذا قال ابن حزم ومن وافقه من أهل العلم: لا كفاءة إلاّ في الدين، فلا يجوز للمسلمة أن تتزوج كافرًا، أمّا ما عدا ذلك فأي مسلم له الحق أن يتزوج أية مسلمة ما لم تكن زانية أو يكن زانيًا ولم يتوبا توبة نصوحًا. وهو مذهب البخاري ورواية عن مالك في\n_________\n(١) قال أهل العلم: معناه فإن لم تعرفوا شخصًا تنسبونه إليه فقولوا يا أخي أو يا ابن عمي. اهـ. كما في التفسير المنير.","vol":"5","page":95},{"text":"\" المدونة \" كما في شرح العبدري على متن خليل (١) وهي التي اعتمد عليها الحافظ في قوله: \" وجزم مالك باعتبار الكفاءة في الدين خاصة (٢). لكن المعتمد عند المالكية أن الكفاءة تعتبر في الدين والحرية والسلامة من العيوب. لقول خليل (٣): \" والكفاءة في الدين والحال \" أي في الدين والسلامة من العيوب. وقال ابن رشد (٤): \" وأما الحرية فلم يختلف المذهب أنها من الكفاءة. اهـ. ولهذا قال في \" الإِفصاح \" واختلف الفقهاء في شروط الكفاءة (٥)، فقال أبو حنيفة: هي النسب والدين والحريّة وإسلام الآباء والقدرة على المهر والنفقة والصناعة، وقال الشافعي \" الكفاءة \" ستة: الدين والنسب والحرية والصناعة والبراءة من العيوب والمال في أحد الوجهين، وقال أحمد في الرواية المشهورة عنه، هي خمسة النسب والدين والحرية والصناعة والمال، وعن أحمد رواية أخرى هي النسب والدين فقط. قال ابن قدامة: والدليل على اعتبار النسب في الكفاءة قول عمر ﵁: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلاّ من الأكفاء قيل له: وما الأكفاء؟ قال: في الأحساب. اهـ. واختلفوا في التفاضل بين القرشيين والهاشميين فالأحناف يرون أن القرشي كفء للهاشمية خلافًا للشافعية لأن النبي - ﷺ - زوّج ابنتيه عثمان بن عفان وأبا العاص بن الربيع وهما من بني عبد شمس. قالوا: وشرف العلم دونه كل نسب وكل شرف، فالعالم كفء لأي امرأة مهما كان نسبها وإن لم يكن له نسب معروف لقوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). وقوله - ﷺ -: \" الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا \"\n_________\n(١) التاج والإكليل لمختصر خليل على هامش الخطاب.\n(٢) \" فتح الباري \" ج ٩.\n(٣) متن خليل في فقه المالكية.\n(٤) \" بداية المجتهد \" ج ٢.\n(٥) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" لابن هبيرة الحنبلي.","vol":"5","page":96},{"text":"١٠٥٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" تُنْكَحُ الْمَرأةُ لأرْبَع: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينهَا، فاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ \".\nــ\nفجعل الفقه في الدين أعلى الفضائل واستدل الجمهور على اشتراط الحرية في الكفاءة بما ثبت في السنة الصحيحة من تخيير الأمة إذا أعتقت (١) كما أشار إليه ابن رشد. ثانيًا: إبطال التبني الذي كان معروفًا ومعمولًا به في الجاهلية وذلك بنزول قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ). الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في كون أبي حذيفة زوج ابنة أخيه لمولى مع عراقة نسبها وشرفها في الجاهلية والإِسلام.\n١٠٥٢ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" تنكح المرأة لأربع \" أي أن من أهم الأشياء التي ترغب الرجل في الزواج من المرأة أربع صفات: الأولى أن تكون غنية فيتزوجها \" لمالها \" أي طمعًا في ثروتها إما لأنه قد يستغني بها عن الإنفاق عليها، أو لتمكنه من التصرف في مالها، أو لأنه يود أن ينجب منها أولادًا فيعود المال إليهم. الثانية: أن تكون ذات نسب وحسب فينكحها \" لحسبها \" لكي ينعكس هذا الحسب (٢) والنسب على أولادها فتحسن تربيتهم ولأن العرق دساس وللوراثة أثرها الثالثة: أن تكون المرأة جميلة فينكحها \" لجمالها \" أي لكي يستمتع بحسنها وجمالها. الرابعة: أن تكون المرأة ذات دين وصلاح، فيتزوجها \" لدينها \" وصلاحها، وهو أسمى المقاصد، لأن المرأة\n_________\n(١) كما جاء في حديث عائشة قالت: \" كان في بريرة ثلاث سنن عتقت فخيّرت، أي أول هذه السنة أنها لما عتقت خيّرها رسول الله - ﷺ - أن تبقى تحت زوجها، وهو مولى، أو يفسخ نكاحها، وهذا يدل على أن الأمة تحت العبد إذا أعتقت لها الخيار في فسخ نكاحها، وهو مذهب الجمهور.\n(٢) والحسب كل ما يفتخر به الإنسان من مركز أو جاه أو نسب شريف وأسرة عريقة وقيل: المراد بحسبها أفعالها الجميلة وأخلاقها الكريمة.","vol":"5","page":97},{"text":"الصالحة من أعظم نعم الدنيا، ولذلك أمر - ﷺ - بالمبادرة إليها وتفضيلها على غيرها، حيث قال: \" فاظفر بذات الدين \" أي فاحرص على أن تفوز بالمرأة الصالحة المتدينة لأنها خير متاع الدنيا إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك وعرضها. \" تربت يداك \" ومعناه في الأصل افتقرت يداك، والمراد به هنا التحذير الشديد من مخالفة هذه النصيحة الغالية، وأن من خالفها وتزوج بغير ذات الدين. خسر كل المزايا التي لا تتوفر إلاّ في المرأة الصالحة من سعادة وطاعة وإخلاص، ووفاء وأمانة، واحترام لزوجها، ومراعاة لمشاعره، وحسن تربية لأولادها، ومحافظة على مال زوجها، وصيانة لعرضها، وهذا هو المقصود بقوله: \" تربت يداك \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من أهم الصفات والمزايا التي يطلبها الرجل في المرأة المال والحسب والجمال والدين، فمن رغب في امرأة طمعًا في مالها، فإن هذا غرض خسيس تأباه النفوس الكريمة أما الرغبة في المرأة لحسبها ونسبها، فإنه لا شك أنه غرض نبيل، لأن العرق دساس، وللوراثة أثرها دون شك، أما الجمال فإن النفس البشرية تميل إليه بطبيعتها وفطرتها، وقد يكون سببًا للوفاق بين الزوجين. ثانيًا: الترغيب في الزوجة الصالحة، وتفضيلها على غيرها، لأن من فقد المرأة الصالحة فقد كل شيء كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \" فاظفر بذات الدين تربت يداك \" فقد سمّى النبي - ﷺ - نكاح ذات الدين ظفرًا - أي فوزًا وفلاحًا، وحذر من نكاح المرأة التي لا دين لها، لأن نكاحها فقرٌ وإن حسبه غنى، وخسارة وإن ظنه كسبًا. وفي الحديث عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" من تزوج المرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلًا، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرًا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلاّ دناءة، ومن تزوج امرأة لم يتزوجها إلاّ ليغض بصره، أو يحصن فرجه، أو يصل رحمه بارك الله له فيها، وبارك لها فيه \" أخرجه الطبراني في","vol":"5","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1005>٩٠٦ - \" بَابُ يُتَّقَى من شُؤْمِ الْمَرْأةِ وقوله تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) </span>\"\n١٠٥٣ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄:\nأنَّ النبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \" مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلَى الرِّجَالَ مِنَ النِّسَاءِ \".\nــ\nالأوسط (١). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يردِيَهُنُّ، ولا تزوجوهن لمالهن فعسى مالهن أن يطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرقاء سوداء ذات دين أفضل \" أخرجه ابن ماجة (٢). وعن أبي أمامة ﵁ أنه - ﷺ - كان يقول: ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرًا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله \" أخرجه ابن ماجة (٣). الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فاظفر بذات الدين تربت يداك \".\n٩٠٦ - \" باب ما يتقى من شؤم (٤) المرأة وقوله تعالى: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) \"\n١٠٥٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"ما تركت بعدى فتنة\n_________\n(١) قال الحافظ الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٤/ ٢٥٤) وفيه عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب الكلاعي الدمشقي، وهو ضعيف. (ع).\n(٢) وفي مسنده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، وهو ضعيف. (ع).\n(٣) وفي مسنده علي بن يزيد الألهاني ويكفي الحديث الصحيح، وهو قوله - ﷺ -: \" فاظفر بذات الدين تربت يداك \". (ع).\n(٤) والمراد بشؤم المرأة إغواءها للرجل وهذا في بعض النساء فقط.","vol":"5","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1006>٩٠٧ - \" بَابٌ (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ </span>\"\n١٠٥٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِن في بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسولَ اللهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِن في بَيْتِكَ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: \" أراهُ فلانًا \"\nــ\nأضر على الرجال من النساء\" أي لا أحد أقدر على فتنة الرجل وإغوائه من المرأة السوء، لقوة تأثيرها عليه عاطفيًا، ولذلك فإن المرأة إذا كانت صالحة أصلحت زوجها غالبًا، أو زادته صلاحًا، أو خففت من فساده وإن كانت فاسدة أفسدته غالبًا إلاّ من عصمه الله بقوة الدين والعزيمة والإرادة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المرأة تملك من التأثير على الرجل ما لا يملكه سواها، وتستخدم أقوى سلاح لها في التأثير عليه والهيمنة على تصرفاته وسلوكه، وهو قوة حبه لها، ولذلك قدم الله النساء على سائر الشهوات الأخرى، فقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) فقدَّمهن على الولد الذي هو مهجة القلب، ثانيًا: التحذير الشديد من الانقياد للمرأة والاستجابة لكل رغباتها، لأنها أشد الفتن، وأخطرها على الرجال، فإذا استجاب لرغباتها كلها أضلته عن سواء السبيل لنقصان عقلها وشدة اندفاعها، وانسياقها مع عواطفها. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على شدة ضرر المرأة.\n٩٠٧ - \" باب (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب \"\n١٠٥٤ - معنى الحديث: أن عائشة ﵂ تحدثنا في هذا الحديث \" أنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة \" أي يطلب الإذن","vol":"5","page":100},{"text":"لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فسألتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلانٌ حَيًَّا لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ؟ قَالَ: \" نَعَمْ، الرَّضاعَةُ تُحَرمُ مَا تُحَرِّمُْ الوِلادَةُ \".\nــ\nبالدخول إلى بيت حفصة ﵂ \" قالت: فقلت يا رسول الله سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقال النبي - ﷺ - أراه فلانًا لعم حفصة من الرضاعة \" أي أظنه فلانًا الذُي هو عم حفصة من الرضاعة \" قالت عائشة: لو كان فلان حيًا لعمها من الرضاعة دخل علي \" أي لو كان فلان ... الذي هو عمي من الرضاعة موجودًا على قيد الحياة لجاز له الدخول عليَّ قال بعض أهل العلم: أرادت بقولها لو كان فلان حيًا \" أفلح \" أخا أبي القعيس عمها من الرضاعة، \" قال نعم \" أي لو كان عمك من الرضاعة حيًا لدخل عليك \" الرضاعة تحرّم ما تحرم الولادة \" وفي رواية يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة .. أخرجه مسلم وأبو داود والشافعي ومعناه: يحرم من أجل الرضاعة ما يحرم من أجل الولادة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يحرم من الرضاع الأصناف المحرمة من الولادة والنسب، فتحرم الأم من الرضاعة والجدّة والأخت الشقيقة (١)، والأخت لأب والأخت لأم، والعمة من الرضاعة، والخالة من الرضاعة، وغيرهم وهكذا يحرم من الرضاع كل ما يحرم من النسب. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة \".\n...\n_________\n(١) أي أخت أختك أو أخيك الشقيقة.","vol":"5","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1007>٩٠٨ - \" بَابُ مَنْ قَالَ لا رَضَاعَ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ </span>\"\n١٠٥٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ النبي - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ فكأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كأنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إنَّهُ أخِي، فقَالَ: انْظرنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ \".\nــ\n٩٠٨ - \" باب من قال لا رضاع بعد الحولين \"\n١٠٥٥ - معنى الحديث: تروي عائشة ﵂ \" أن النبي - ﷺ - دخل عليها وعندها رجل \" قال الحافظ: وأظنه ابنًا لأبي القعيس \" فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك \" وفي رواية أبي داود \" فشق ذلك عليه، فتغير وجهه \" فقال: يا عائشة ما هذا؟ \" فقالت: إنه أخي \" وفي رواية أبي داود: إنه أخي من الرضاعة \" فقال رسول الله - ﷺ -: انظرن من إخوانكن \" أي دققن النظر في سبب هذه الأخوة، وكيف وقعت هذه الرضاعة، فليست كل رضاعة تحرِّم، \" إنما الرضاعة من المجاعة \" أي إنما الرضاعة التي تثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، ما تكون من المجاعة، حين يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته، وينبت لحمه بذلك، فيصير كجزء من أجزاء المرضعة ويصبح كسائر أولادها في الحرمة. قال الخطابي: معناه أن الرضاعة التي تقع بها الحرمة ما كانت في الصغر، والرضيع طفل يقويه اللبن، ويسد جوعه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الرضاعة المعتبرة شرعًا في تحريم الرضيع هي المغنية من المجاعة التي تكون في مدة الرضاع قبل تمام الحولين، ويؤيده حديث أم سلمة ﵂ أن النبي - ﷺ -: قال: \" لا يحرم من الرضاع إلاّ ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام \" أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: أن","vol":"5","page":102},{"text":"الرضاعة لا تحرّم إلاّ ما كان دون الحولين (١) وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم شيئًا، وهو مذهب الجمهور في اختلف العلماء في حد الصغر (٢) فقال الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: مدة الرضاع المحرِّم حولان، ولا يحرم ما وقع بعدهما، ورواه ابن وهب عن مالك، ودليل أن مدة الرضاع حولين قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: \" مدة الرضاع المؤثرة في التحريم ثلاثون شهرًا من وقت الولادة واستدل له بقوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) حيث أفادت الآية أن مدة كل منهما ثلاثون شهرًا، وأجاب الجمهور أن ظاهر الآية يدل على أن الثلاثين شهرًا هي مدة للحمل والفصال معًا. وذهب الظاهرية إلى أنه يثبت التحريم برضاع الكبير، مستدلين بقوله - ﷺ - لامرأة أبي حذيفة في حق سالم: \" أرضعيه فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، وأجاب الجمهور بأن هذه رخصة استثنائية خاصة لهم دون غيرهم. ثانيًا: أن مجرد التغذية بلبن المرضعة يحرّم سواء كان بشرب أو مص أو حقن أو سعوط أو غيره، وهو قول الجمهور: وقالت الظاهرية: الرضاعة المحرمة بالتقام الثدي ومص اللبن منه (٣)، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فإنما الرضاعة من المجاعة \".\n...\n_________\n(١) \" جامع الترمذي \".\n(٢) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.\n(٣) وقد روى مسلم في \" صحيحه \" عن عائشة ﵂ قالت: \" كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهن فيما يقرأ من القرآن \" فلذلك كانت خمس رضعات مشبعات يحرمن وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد. (ع).","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1008>٩٠٩ - \" بَابُ نِكَاحِ الشِّغارِ </span>\"\n١٠٥٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أن النبي - ﷺ - نَهَى عن الشِّغَارِ، والشِّغَارُ أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أن يُزَوّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاق \".\nــ\n٩٠٩ - \" باب نِكاح الشِّغار \"\nوالشغار لغة: الخلو، من شغر البلد، إذا خلا، فسمى هذا النكاح شغارًا لخلوه من المهر، ولذلك نجد أنّ الشغار شرعًا هو أن ينكح الرجل المرأة التي تحت ولايته (١) لرجل آخر على أن ينكحه الآخر المرأة التي تحت ولايته بدون صداق، وهو من الأنكحة التي كانت مستعملة معروفة في الجاهلية فأبطلها الإسلام.\n١٠٥٦ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر في هذا الحديث \" أن النبي - ﷺ - نهى عن نكاح الشغار \" أي أنّه - ﷺ - نهى عن نكاح الشغار، \" والشغار أن يزوج الرجل ابنته \" أو أخته مثلًا لرجل آخر \" على أن يزوجه \" الرجل \" الآخر ابنته \" أو أخته مثلًا \" ليس بينهما صداق \" أي ليس بينهما مهر. قال الشافعي: \" لا أدري تفسير الشغار في الحديث بهذا التفسير من النبي - ﷺ - أو من ابن عمر أو من نافع أو من مالك \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم نكاح الشغار، لأن النهي للتحريم، وهو قول الجمهور، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحته، فالجمهور على البطلان، وذهب الحنفية إلى صحته، ووجوب مهر المثل، وهو رواية عن أحمد، وقول على مذهب\n_________\n(١) سواء كانت بنتًا أو أختًا أو أي امرأة يلي أمرها.","vol":"5","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1009>٩١٠ - \" بَابٌ نَهْي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ آخِرًا </span>\"\nــ\nالشافعي (١) ومنشأ الخلاف هل النهي معلل بعدكم العوض أو غير معلل، فإن كان غير معلل لزم الفسخ على الإِطلاق، وإن كان معللًا بعدم الصداق صح بفرض صداق المثل (٢) وهو مذهب الحنفية، لأن الفساد من قبل المهر لا يوجب فساد العقد (٣)، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، لأن النهي عن الشغار محمول على عدم مشروعيته اتفاقًا لقوله - ﷺ -: لا شغار في الإِسلام (٤)، وما دام غير مشروع فهو باطل. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قول ابن عمر ﵄: \"نهى - ﷺ - عن الشغار\".\n٩١٠ - \" باب نهي رسول الله - ﷺ - عن نكاح المتعة آخرًا \"\nقال الحافظ: وقول البخاري \" آخرًا \" يفهم منه أنه كان مباحًا، وأن النهي عنه وقع آخر الأمر، وليس في أحاديث الباب التي أوردها التصريح بذلك. قال الحافظ: وقد وردت عدة أحاديث صحيحة صريحة بالنهى عنها بعد الأذن فيها، وأقربها عهدًا بالوفاة النبوية ما أخرجه أبو داود عن طريق الزهري قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل يقال له ربيع بن سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول الله - ﷺ - نهى عنها في حجة الوداع. وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: \" رخص لنا رسول الله - ﷺ - في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها، أخرجه مسلم وأحمد (٥).\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي شرح الترمذي \" ج ٤.\n(٢) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي.\n(٣) \" تكملة المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود \" ج ٣.\n(٤) أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجه عن أنس ﵁، وهو حديث صحيح. (ع).\n(٥) وفي \" صحيح مسلم \" عن ربيع بن سبرة عن أبيه سبرة الجهني أن رسول الله - ﷺ - نهى يوم الفتح (يعني فتح مكة) عن متعة النساء، وفي رواية أخرى عند مسلم عن سبرة الجهني \"نهى عن المتعة وقال: ألا وإنها حرام =","vol":"5","page":105},{"text":"١٠٥٧ - عَنْ عَلِيٍّ بنِ أبي طَالِب ﵁:\nأَنَّهُ قَالَ لاْبنِ عَبَّاسٍ ﵄: \" إِنَّ النبي - ﷺ - نَهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ \".\nــ\n١٠٥٧ - معنى الحديث: أن البخاري يروي بسنده المتصل \" عن علي ﵁ أنه قال لابن عباس: إن النبي - ﷺ - نهى عن المتعة \" أي عن نكاح المتعة، وهو النكاح المؤقت (١) بأن يقول لامرأة: أتمتع بك لمدة كذا، فيتزوجها لمدة عشرة أيام أو عشرين يومًا مثلًا \" وعن لحوم الحمر الأهلية \" أي ونهى - ﷺ - عن أكل لحوم الحمر الأهلية كما جاء في رواية أخرى للبخاري \" وعن أكل الحمر الأنسية \" \" زمن خيبر \" أي وكان النهي عن المتعة والحمر الأهلية في غزوة خيبر وقد اختلفت الروايات في وقت تحريمها، ففي بعض الروايات أن المتعة حُرّمت يوم خيبر، وفي بعضها حرمت في فتح مكة، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء ولذلك ذهب بعضهم إلى إنكار بعض الروايات حتى قال ابن عبد البر: وذكر النهي عن المتعة يوم خيبر غلط، وقال السهيلي: النهي عن المتعة يوم خيبر لا يعرفه أحد من أهل السير، ولكن التحقيق في ذلك ما ذهب إليه الإِمام النووي: واختاره من الجمع بين هذه الروايات حيث قال رحمه الله تعالى: \" والصواب المختار أن التحريم والإِباحة كانا مرتين كانت حلالًا قبل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة،\n_________\n= من يومكم هذا إلى يوم القيامة\"، وقد قال الحافظ ابن حجر في \" الفتح \" الرواية عن سبرة الجهني بأنها في الفتح أصح وأشهر. (ع).\n(١) سواء كان مؤقتًا بمدة معلومة كسنة أو مجهولة كقدوم زيد، وسواء كان بلفظ التمتع والاستمتاع أو بلفظ النكاح والزواج. ولا دليل على أن نكاح المتعة الذي أباحه - ﷺ - ثم حرمه هو ما اجتمع فيه (م ت ع) وليس معناه أن يخاطبها بلفظ أتمتع، أو نحوه، لأن اللفظ يطلق ويراد معناه. اهـ. كما في \" أوجز المسالك \" ولهذا عرّفه أكثر الفقهاء بأنه النكاح إلى أجل. فقال الباجي: هو النكاح المؤقت، وقال ابن قدامة: هو أن يتزوج المرأة مدة.","vol":"5","page":106},{"text":"وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا إلى يوم القيامة\".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن نكاح المتعة كان مباحًا مشروعًا أول الإِسلام ثم حرّم. أما كيف كانت مشروعيته، وهل كان حكمًا عامًا أو خاصًا فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن نكاح المتعة كان رخصة استثنائية في حال السفر فقط. كما جاء في حديث قيس بن حزام قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - وليس معنا نساء، فأردنا أن نختصى، فنهانا عن ذلك رسول الله - ﷺ - ثم رخص لنا أن ننكح المرأة إلى أجلٍ بالثوب. ولهذا قال الحازمي: وإنما كان ذلك في أسفارهم، ولم يبلغنا أن النبي - ﷺ - أباحه لهم وهم في بيوتهم، ولهذا نهاهم عنه غير مرة، وأباحه لهم في أوقات مختلفة، حتى حرّمه عليهم في فتح مكة، وهو أصح الأقوال حيث حرمه تحريم تأبيد لا تأقيت فيه، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار إلا شيئًا ذهب إليه الشيعة، ويروى أيضًا عن ابن جريج، وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقول بجواز نكاح المتعة، فالصحيح أنه رجع عن رأيه هذا، قال الترمذي: وإنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة في المتعة، ثم رجع عن قوله حيث أخبر عن النبي - ﷺ - (١). اهـ. وقال الخطابي: وكان ابن (٢) عباس ﵄ يتأول في إباحته للمضطر إليه بطول العزوبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به، فعن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: هل تدري ما صنعت وبما أفتيت؟ قد سارت بفتياك الركبان، وقالت فيه الشعراء قال: وما قالت؟ قلت قالوا:\nقَدْ قُلْتُ للشيخ لَمَا طَاْل مَجْلِسُهُ ... يَا صَاحِ هَل لَكَ في فُتْيَا اْبنِ عَبَّاسِ\nهَلْ لَكَ في بَيْضاءَ بَهْكَنَةٍ ... تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ\n_________\n(١) \" صحيح الترمذي \".\n(٢) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.","vol":"5","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1010>٩١١ - \" بَابُ النَّظَرِ إلى المَرْأةِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ </span>\"\n١٠٥٨ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ:\nأَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ\nــ\nفقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت، ولا حللت إلاّ مثل ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر، وقد جزم بعض أهل العلم بإجماع المسلمين على تحريم المتعة. وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم -أي حرم نكاح المتعة- ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها، إلاّ من لا يلتفت إليه من الروافض، وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإِجماع إلاّ عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته، فقد صح عن عليٍّ أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد الصادق أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه (١) هذا وقد اختلف العلماء فيمن نكح نكاح المتعة هل يقام عليه الحد أم لا؟ فعند أكثر أهل العلم لا يجب الحد في نكاح المتعة كما أفاده ابن قدامة حيث قال: \" لا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة وغيرها، وهذا قول أكثر أهل العلم، فإن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ الشبهات (٢)، وروي عن مالك أنه قال: فيه الحد، ويعاقب إن كان عالمًا بمكروه ذلك (٣). اهـ. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" قد أذن لكم أن تستمتعوا \".\n٩١١ - \" باب النظر إلى المرأة قبل التزويج \"\n١٠٥٨ - معنى الحديث: أن سهل بن سعد يحدثنا \"أن امرأة (٤) جاءت\n_________\n(١) \" أوجز المسالك إلى موطأ مالك \" ج ٩.\n(٢) \" أوجز المسالك \" أيضًا.\n(٣) \" أوجز المسالك \" أيضًا.\n(٤) وفي الأحكام لابن القطاع أنها خولة بنت حكيم، أو أم شريك، قال الحافظ: وهو باطل.","vol":"5","page":108},{"text":"لأهبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَعَّدَ النَّظرَ إليْهَا وَصَوَّبَهُ، ثمَّ طَأطَأ رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأت الْمَرأة أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فيها شَيْئًَا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ من أصْحَابِهِ فَقَالَ: أيْ رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: \" وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ \"، قَالَ: لا واللهِ يا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \" اذْهَبْ إلى أهْلِكَ فانْظر هَلْ تَجِدُ شَيْئًا \" فَذَهَبَ ثم رَجَعَ فَقَالَ: لا واللهِ يا رَسُولَ اللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًَا، قَالَ: انْظر وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثم رَجِعَ فقالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ ولا خَاتَمًا مِنْ\nــ\nإلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي\" أي لأعرض عليك نفسي بدون مهر \" فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فصعّد النظر إليها وصوّبه \" أي فرفع إليها بصره، وشخص فيها بعينيه، وتفحصها جيدًا، ثم خفض بصره عنها، \" ثم طأطأ رأسه \" أي أرخى رأسه ولم يرد عليها بشيء لم تعجبه، \" فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا \" أي فلما لم يجاوبها بشيء \" جلست \" تنتظر ما يقول لها، أو ما يتصرف في شأنها \" فقام رجل (١) من أصحابه فقال: أي رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها \" أي إذا لم تكن لك فيها رغبة فإني أرغب في زواجها \" فقال: وهل عندك شيء \" أي هل يوجد لديك ما تقدمه صداقًا لها كما في رواية \" الموطأ \" حيث جاء فيها: \" هل عندك شيء تصدقه إياها \" \" قال: لا والله يا رسول الله \" أي لا يوجد لدي شيء من المال أقدمه صداقًا \" قال: اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا \" أي لعلهم يعينونك فيعطونك شيئًا من المال تقدمه صداقًا \" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله مما وجدت شيئًا \" أي لم يعطوني شيئًا من المال أستعين به على صداقها \"قال:\n_________\n(١) وفي رواية عند الطبراني أحسبه من الأنصار. اهـ. كما أفاده في \" أوجز المسالك \".","vol":"5","page":109},{"text":"حَدِيد، ولكنْ هَذَا إزارِي فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وِإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيءٌ\" فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثم قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - مُوَلِّيًا، فأمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فلمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدهَا، قَالَ: \" أتقْرؤهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \" اذهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنَ \".\nــ\nانظر ولو خاتمًا من حديد\" وفي رواية \" فالتمس ولو خاتمًا من حديد \" \" فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديد \" أي لم أجد شيئًا ولا خاتمًا من حديد \" ولكن هذا إزاري فلها نصفه \" صداقًا لها وفي رواية ليس عندي إلاّ إزاري هذا \" فقال رسول الله - ﷺ -: ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك شيء \" أي فلا يجوز لك أن تسلم إزارك لها لما يؤدي إليه ذلك من كشف العورة وهو محرم شرعًا \" فرآه رسول الله - ﷺ - موليًا \" أي فرآه - ﷺ - منصرفًا من المجلس بعد أن يئس من المرأة \" فأمر به فدعي، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن، قال: معي سورة كذا وسورة كذا \" وفي رواية أبي هريرة قال: \" ما تحفظ من القرآن \" قال سورة البقرة أو التي تليها. أخرجه أبو داود والنسائي \" فقال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن \" أي زوجتك إياها بتعليمك لها بعض ما تحفظه من القرآن، لما جاء في رواية أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال له: \" فقم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك \" أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجوز للرجل النظر","vol":"5","page":110},{"text":"لمن يريد أن يتزوج بها، ولو بلا إذنها، قال في تكملة المنهل العذب: ولا نعلم في ذلك خلافًا. والحكمة فيه أنّه أدعى لحسن العشرة، وبقاء الزوجية، وروى المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال له النبي - ﷺ - \" انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم (١) بينكما \" أخرجه النسائي وابن ماجة والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، وإليه ذهب بعض أهل العلم فقالوا: لا بأس أن ينظر إليها ما لم ير منها محرّمًا، وهو قول أحمد وإسحاق. قال النووي: فيه استحباب النظر إلى من يريد تزوجها، وهو مذهبنا، ومذهب مالك، وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء، وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا مخالف لصريح هذا الحديث، ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة، ثم إنه إنما يباح النظر إلى وجهها وكفيها فقط، لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يستدل بالوجه على الجمال، وبالكفين على خصوبة البدن، أو عدمها هذا مذهبنا ومذهب الأكثرين وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها، وهذا خطأ ظاهر، منابذ لأصول السنة والإجماع، ثم مذهبنا -أي الشافعية- ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لا يشترط في جواز النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها مخافة من وقوع نظره على عورة. ثانيًا: دل الحديث على أنه لا بد في النكاح من الصداق لقوله: \" وهل عندك شيء \" وعلى أنه يكفي في المهر أقل ما يتمول (٢)، ولهذا قال الشافعي وأحمد: لا حد لأقل المهر، وكل ما جاز أن يكون ثمنًا جاز أن يكون مهرًا، وقال (٣) أبو حنيفة ومالك: يقدر بما تقطع فيه يد السارق مع اختلافهما في قدره، فهو عند أبي حنيفة عشرة دراهم أو دينار، وعند مالك ربع دينار، واختلفوا هل يفسد النكاح بفساد الصداق أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفسد النكاح بفساد المهر\n_________\n(١) أي أن تدوم المودة بينكما.\n(٢) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.\n(٣) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ٢.","vol":"5","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1011>٩١٢ - \" بَابُ مَنْ قَالَ: لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ </span>\"\n١٠٥٩ - عَنْ مَعْقَل وبْنِ يَسَار ﵁ قَالَ:\nزَوَّجْتُ أخْتًَا لِي مِنْ رَجُل، فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، جَاءَ يخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ، وَفَرَّشْتُكَ، وأكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لا واللهِ لا تَعُودُ إليْكَ أبدًا، وَكَانَ رَجُلًا لا بَأسَ بِهِ،\nــ\nوعن مالك وأحمد روايتان. ثالثًا: دل الحديث على جواز جعل تعليم القرآن صداقًا، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد (١)، واستدلوا بقوله - ﷺ -: \" فقد ملكتكها بما معك من القرآن. وقال أبو حنيفة ومالك والليث وأحمد في رواية: لا يجوز، بل لا بد أن يكون الصداق مالًا لقوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) والطول المال. الحديث: أخرجه الستة مع اختلاف في بعض ألفاظه. والمطابقة: في قوله: \" فنظر إليها رسول الله \".\n٩١٢ - \" باب من قال لا نكاح إلا بولي \"\nوالولي: هو كل ذكر مسلم حرٍّ مكلف، يحق له أن يقوم بعقد نكاح المرأة على غيرها، بعد إذنها لسبب من الأسباب الشرعية التي تخول في ذلك، وهي القرابة والولاء والإِمامة.\n١٠٥٩ - معنى الحديث: يقول معقل بن يسار \" زوجت أختًا لي من رجل، فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها، جاء يخطبها \" أي فلما انتهت عدتها، وبانت منه جاءني يطلب إرجاعها \" فقلت له: زوجتك وفرشتك \" أي جعلتها لك فراشًا \" فطلقتها \" وأهنت كرامتها \"ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.","vol":"5","page":112},{"text":"وكَانَتْ الْمَرْأةُ تُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ إليْهِ، فأنْزَلَ اللهُ هَذه الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ: الآنَ أفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إيَاهُ\".\nــ\nإليك أبدًا\" وفي رواية الترمذي فقال: \" يا لكع أكرمتك بها، وزوجتك إياها فطلقتها، والله لا تعود إليك أبدًا \" الخ \" وكان رجلًا لا بأس به \" أي حسن السمعة لا عيب في دينه أو خلقه \" وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه \" أي ترغب في العودة إليه، لأنها تحبه \" فأنزل الله \" ﷿ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) أن ينكحن أزواجهن، أي لا تمنعوهن من العودة إلى أزواجهن عند انقضاء عدتهن.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم العضل، فلا يجوز لولي المرأة المطلقة أن يمنعها من العودة إلى زوجها بعد انقضاء عدتها إذا طلب الزوج عودتها إليه، ورغبت المرأة في ذلك. ثانيًا: أنه لا يجوز نكاح المرأة سواء كانت بكرًا أو ثيبًا إلا بولي، لأن أخت معقل بن يسار كانت ثيبًا، واحتاجت في رجوعها لزوجها إلى موافقة وليها، ولو كان لها أمر نكاحها بدون وليها لزوجت نفسها دون حاجة إليه، وإنما خاطب الله في الآية الأولياء بقوله: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) لأن أمر الزواج بيد الأولياء مع موافقة المرأة، قال الحافظ: والآية أصلح دليل على اعتبار الولي في النكاح، وإلّا لما كان لعضله معنى، وقد وردت في ذلك أحاديث صريحة تدل على توقف النكاح على وجود الولي، فقد روى أبو موسى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا نكاح إلّا بولي \"، وعن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \" أيما امرأة - نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له \" إلخ أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة.\nقال ابن رشد: (١) واختلف العلماء هل الولاية شرط لصحة النكاح، فذهب\n_________\n(١) \" بداية المجتهد \" ج ٢.","vol":"5","page":113},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1012>٩١٣ - \" بَاب لا يُنْكِحُ الأبُ ولا غَيْرُهُ البِكْرَ والثَّيِّبَ إلَّا بِرِضَاهُمَا </span>\"\n١٠٦٠ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ: \" لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حتى تُسْتَأذَنَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ \".\nــ\nمالك إلى أنه لا يكون نكاح إلاّ بولي، وأنه شرط في صحة النكاح في رواية أشهب عنه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري: إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفأ جاز. اهـ. وهذا الحديث أقوى حجة على اعتبار الولي والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي وأبو داود وأحمد وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة كما أوضحناه.\n٩١٣ - \" باب لا ينكح الأب ولا غيره البكر والثيب إلاّ برضاهما \"\n١٠٦٠ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" لا تنكح الأيّمُ \" بالبناء للمجهول وبكسر الحاء على أن لا ناهية، ويجوز رفع الفعل على أنّها نافية، وفي رواية أخرى: \" لا تنكح الثيب حتى تستأمر \" أخرجه الترمذي، والأيم والثيب معناهما واحدٌ، وهي التي ليست بكرًا. \" حتى تستأمر \" أي حتى تستأذن استئذانًا صريحًا، إذ (١) الاستئمار طلب الأمر، والأمر لا يكون إلاّ بالنطق، والمعنى: لا يجوز للولي أن يُزَوّجَ الثيب إلاّ بعد أخذ موافقتها الصريحة بصريح القول بأن تقول رضيت أو قبلت، أو أي عبارة تدل على الموافقة \" ولا تنكح البكر حتى تستأذن \" بالبناء للمجهول. وكسر \" (٢) الحاء كما في الجملة\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.\n(٢) أيضًا \" تحفة الأحوذي \".","vol":"5","page":114},{"text":"السابقة. والبكر هي التي لم تُزَل بكارتها أصلًا، أو زالت بوثبة أو حيضة، أي ولا يجوز للولي أن يزوّج البكر البالغة إلاّ بإذنها وموافقتها ولكن لا يلزم أن تأذن بصريح القول، لأنها يغلب عليها الحياء بل يكفي منها كل ما يدل على رضاها ولو بإشارة، أو سكوت، ولهذا لمّا \" قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ \" أي وكيف يكون إذنها؟ وهل يلزم أن يكون بصريح القول كالثيب؟ \" قال: أن تسكت \" كذا في رواية البخاري وأبي داود وغيره من الصحاح، وفي رواية الترمذي: \" وإذنها الصموت \" أي السكوت أي أنه يكتفى منها بسكوتها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه لا يجوز للولي أن يزوج المرأة التي تحت ولايته إلاّ بإذنها سواء كانت بكرًا أو ثيبًا، فإن كانت ثيبًا عبّرت عن رضاها بصريح القول، بأن تقول أي كلمة صريحة تدل على الرضا، حتى كأنها تأمر وليها بتزويجها منه، لأن قوله - ﷺ -: تستأمر .. معناه حتى يؤخذ أمرها بذلك. وإن كانت بكرًا فإنها تستأذن بكل ما يدل على رضاها ولو بالسكوت. لاستحيائها، لأنها (١) لو تكلمت صريحًا لظن أنها راغبة في الرجال، وهذا لا يليق في البكر واستحب العلماء أن تعلم أن صماتها إذن. اهـ. فيستدل على رضاها بسكوتها، أما رفضها فلا بد فيه من اللفظ الصريح كما أفاده ابن رشد. هذا وقد اتفق أهل العلم على وجوب استئذان الثيب، وأنها لا تزوج إلاّ برضاها كما اتفقوا على أن البكر إذا كان وليها غير أبيها لا بد من رضاها وإذنها، إلا أن إذنها سكوتها، واختلفوا في البكر البالغة التي يكون وليها أبوها، فقال الشافعي وابن أبي يعلى (٢) وأحمد وإسحاق وغيرهم: إن كان الولي أبًا أو جدًَّا كان الاستئذان مندوبًا إليه، ولو زوجها بغير استئذانها صَحَّ، وإن كان غيرهما من الأولياء وجب الاستئذان، ولم يصح نكاحها قبله، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة\n_________\n(١) \" أوجز المسالك \" ج ٩.\n(٢) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.","vol":"5","page":115},{"text":"وغيرهما: يجب الاستئذان في كل بكر بالغة. اهـ. كما أفاده النووي، ومذهب مالك كالشافعي فقد روى مالك في \" الموطأ \" عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أنهما كانا ينكحان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن، ثم قال مالك بعد هذا: وعلى ذلك الأمر عندنا في نكاح الأبكار وأما العانس فاختلف قول مالك في إجبارها وقال الحسن البصري: نكاح الأب جائز على ابنته، ولو ثيبًا كرهت، والصحيح قول جمهور العلماء أن الثيب إذا زوّجها أبوها بدون إذنها فكرهت ذلك فسخ نكاحها لما أخرجه البخاري عن خنساء بنت خذام الأنصارية ﵂ أن أباها زوجها وهي ثيّب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله - ﷺ - ْفرد نكاحه، وإن وافقت على ذلك فقال أبو حنيفة يصح نكاحها، وذهب الشافعي وأحمد إلى بطلانه واختلفوا في البكر البالغة فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أن لأبيها إجبارها (١) وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق ودليلهم ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي - ﷺ - قال: \" الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها \" فحيث قسم النساء قسمين، وأثبت لاحداهما الحق، دل على نفيه عن الأخرى وهي البكر، فيكون وليها أحق فيها، الرواية الثانية عن الإمام أحمد ليس له إجبارها، وهو مذهب الإمام أحمد والأوزاعي والثوري وأبي ثور واختار هذه الرواية ابن تيمية وابن القيم والعلامة السعدي والشيخ بابطين مفتى الديار النجدية في عصره (٢) ودليل عدم إجبار البكر نهيه - ﷺ - عن تزويجها بدون إذنها فلو لم يكن إذنها معتبرًا ما جعله غاية لإِنكاحها في قوله - ﷺ -: \" لا تنكح البكر حتى تستأذن \" فإن زوّجها أبوها بدون إذنها فالمشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد أن النكاح صحيح وإن كرهت ذلك وقال أبو حنيفة ومن وافقه: إذا لم ترض بذلك فالنكاح مفسوخ\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٢) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"5","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1013>٩١٤ - \" بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا أتى أهْلَهُ </span>\"\n١٠٦١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أمَا لَوْ أنَّ أحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأتِي أهْلَهُ: بِسْمَ اللهَ، اللَّهُمَّ جَنبنِي الشَّيْطَانَ، وَجنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا في ذَلِكَ، أو قضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أربدًا \".\nــ\nلما في حديث ابن عباس ﵄ \" أن جارية بكرًا أتت النبي - ﷺ - فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - ﷺ -، وقال - ﷺ -: \" والبكر تستأذن \" أخرجه أبو داود وابن ماجة. والله أعلم. اهـ. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.\n٩١٤ - \" باب ما يقول الرجل إذا أتى أهله \"\n١٠٦١ - معنى الحديث: يرغبنا النبي - ﷺ - أن نأتي بالبسملة وهذا الدعاء المبارك عند الجماع صيانة لأنفسنا وأولادنا من إيذاء الشياطين، فيقول: \" أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله \" أي عندما يجامع زوجته \" بسم الله اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا \" أي اللهم باعد بيني وبين الشيطان، وباعد بينه وبين كل ما أعطيتنا إياه في هذه الليلة من الولد \" ثم قدر بينهما في ذلك \" أي فإن قال ذلك ثم قدر الله لهما من ذلك الجماع ولدًا \" لم يضره شيطان أبدًا \" أي فإن ذلك الولد يكون في عصمة الله محفوظًا من الشيطان مدة حياته، فلا يمسّه بأذى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب التسمية، وذكر الدعاء المأثور عند الجماع، لأن المولود الذي ينشأ عن ذلك لا يضره الشيطان ولا يقربه ولا يكون له عليه أي سلطان، وفيه بشارة بأنه يموت على","vol":"5","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1014>٩١٥ - \" بَابُ الوَلِيمَةِ وَلَوْ بِشَاةٍ </span>\"\n١٠٦٢ - عن أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\" مَا رَأيتُ النبي - ﷺ - أولَمَ عَلَى أحدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أوْلَمَ بِشَاةٍ \".\nــ\nالإِيمان والتوحيد ولا يصاب (١) بالصرع مدة حياته. وقيل: لا يضره في بدنه جسميًا ولا نفسيًا. ثانيًا: أن الشيطان ملازم لابن آدم لا يطرده عنه إلاّ ذكر الله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة والترمذي، والنسائي في \" عمل اليوم والليلة \". والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترغيب في التسمية وذكر هذا الدعاء المأثور.\n٩١٥ - \" باب الوليمة ولو بشاة \"\n١٠٦٢ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يولم في كل أعراسه أي يقدم للناس طعامًا بعد دخوله على عروسه، لكن \" ما أولم النبي - ﷺ - على شيء من نسائه ما أولم على زينب أولم بشاة \" أي ما صنع النبي - ﷺ - طعامًا لعرس من أعراسه مثل الطعام الذي صنعه في عرسه على زينب بنت جحش حيث أولم النبي - ﷺ - في عرسه عليها بشاة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الوليمة، وهل هي واجبة أو سنة؟ اختلف الفقهاء في حكمها، فقال بعضهم: الوليمة واجبة لقوله - ﷺ - في حديث آخر: \" أولم ولو بشاة \" حيث أمر بالوليمة، والأمر يقتضي الوجوب، وهو ما حكاه ابن حزم عن أهل الظاهر، ورواه القرطبي\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.","vol":"5","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1015>٩١٦ - \" بَابُ حَقِّ إِجَابَةِ الَولِيمَةِ والدَّعْوَةِ </span>\"\n١٠٦٣ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأتِهَا \".\nــ\nعن مالك وابن التين عن أحمد، وحكاه في \" البحر \" عن أحد قولي الشافعي، قالوا: \" ومما يؤكد وجوبها حديث بريدة عن النبي - ﷺ - أنه قال لعلي ﵁ لما خطب فاطمة ﵂: \" أنه لا بد للعروس من وليمة \" وسنده لا بأس به كما قال الحافظ، لكن الذي عليه جمهور السلف والخلف أن الوليمة سنة، وأن الأمر في قوله: \" أولم ولو بشاة \" للاستحباب لكونه أمر بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا، ولأن الوليمة كالأضحية فتقاس عليها. ثانيًا: أن هذا الحديث يفيد أن النبي - ﷺ - أولم في بقية نسائه بغير لحم، وهذا يدل على أنه لا يلزم في الوليمة أن تكون بشاة، وأنه لا حد لأقل الوليمة لأن النبي - ﷺ - لم يولم بشاة إلّا في زوجته زينب ﵂، أما في غيرها فقد أولم على صفية بحيس، وعلى بعض نسائه بمدين من شعير، ولهذا قال جمهور أهل العلم: لا حد لأكثر الوليمة ولا لأقلها، ومهما تيسر أجزأ. والمطابقة: في كونه - ﷺ -: أولم على نسائه، وهذا يدل على مشروعية الوليمة.\n٩١٦ - \" باب حق إجابة الوليمة والدعوة \"\n١٠٦٣ - معنى الحديث: يقول - ﷺ - \" إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها \" أي إذا دعاه أحد المسلمين إلى طعام عرس فليجب دعوته كما جاء عن ابن عمر ﵄ \" إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب \" أخرجه مسلم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب إجابة الدعوة لوليمة العرس خاصة، وهو قول المالكية والحنفية والحنابلة، أما الولائم الأخرى والدعوات","vol":"5","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1016>٩١٧ - \" بَابٌ إِذَا تزَوَّجَ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ </span>\"\n١٠٦٤ - عَنْ أبِي قِلابَةَ عَنْ أنَسٍ ﵁:\nوَلَوْ شِئْتُ أنْ أقُولَ: قَالَ النبي - ﷺ -: \" وَلَكِنْ، قَالَ أنَسُ: السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أقامَ عِنْدَهَا سَبْعًَا، وِإذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أقَامَ عِنْدَهَا ثلاثًا \".\nــ\nالأخرى فلا يجب إجابة الدعوة إليها، لأن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس فقط. قال الزرقاني (١): المراد وليمة العرس كما حمله مالك في \" المدونة \" وغيره، لأنها المعهودة عندهم (٢) وذهب بعض الشافعية إلى وجوب الإِجابة لكل دعوة، وهو مذهب ابن حزم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود و\" الموطأ \". والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها \".\n٩١٧ - \" باب إذا تزوج البكر على الثيب \"\n١٠٦٤ - معنى الحديث: أن أبا قلابة قال: لو شئت (٣) أن أقول إن هذا الأثر هو من قول رسول الله - ﷺ - لقلت ذلك، ولكنت صادقًا فيما قلت: ولكني لم أقل هذا تمسكًا مني بلفظ أنس حيث \" قال: السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا \" أي أن من سنة المصطفى إذا تزوج الرجل المرأة البكر على المرأة الثيب أقام عندها سبع ليال بأيامهن، ثم قسم بينها وبين الأخرى بالعدل كما في رواية أخرى للبخاري \" وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا \" أي أقام\n_________\n(١) \" شرح الزرقاني على الموطأ \" ج ٣.\n(٢) قال ابن القيم: القِرى: طعام الضيفان، والمأدبة: طعام الدعوة، والتحفة: طعام الزائر، والوليمة: طعام العرس، والخرس: طعام الولادة، والعقيقة: الذبح عن الولد، والعذيرة: طعام الختان، والوضيمة: طعام المأتم، والنقيعة: طعام القادم من سفره والوكيرة: طعام الفراغ من البناء. اهـ. حسن السماحي.\n(٣) قال ابن دقيق العيد: قول أبي قلابة يحتمل وجهين أحدهما أن يكون ظن أنه سمعه عن أنس مرفوعًا لفظًا فتحرز عنه تورعًا، والثاني أن يكون رأى أن قول أنس \" من السنة \" في حكم المرفوع، فلو عبر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده لصح لأنه في حكم المرفوع، قال: والأول أقرب. اهـ.","vol":"5","page":120},{"text":"عندها ثلاث ليال بأيامهن ثم قسم بينها وبين الأخرى بالعدل.\nفقه الحديث: قال النووي (١): فيه أن حق الزفاف ثابت للزوجة، فإن كانت بكرًا لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثيبًا كان لها الخيار، إن شاءت سبعًا ويقضي السبع لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثًا، ولا يقضي، وهذا مذهب الشافعي، وممن قال به مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن جرير وجماهير العلماء، وهو الذي ثبتت به الأحاديث الصحيحة. اهـ. \" قلت \" أما مالك وأصحابه (٢) فإنهم يقولون: للثيب ثلاث بدون تخيير، وذهب الحنفية إلى أنه لا فرق بين القديمة والجديدة، وليس هناك حق للزفاف تختص به الجديدة بكرًا أو ثيبًا إلاّ بالبداءة بها فقط (٣)، فإن أقام عند البكر سبعًا قضى لكل واحدة من نسائه سبعًا، وإن أقام عند الثيب ثلاثًا قضى لكل واحدة من نسائه ثلاثًا لعموم الأدلة على وجوب العدل بين الزوجات، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني (٤) أن النبي - ﷺ - قال لأم سلمة: \" إن شئت أقمت عندك ثلاثًا خالصة لك \" أي بدون قضاء أما استدلال أبي حنيفة بعموم الأحاديث الواردة في العدل بين الزوجات، فإن حديث أنس وأم سلمة ﵃ مخصّصة لعموم تلك الأحاديث، والله أعلم. واختلفوا في الإقامة عند (٥) البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا إذا كانت له زوجة أخرى هل هي واجبة أو مستحبة؟ فذهب الشافعي وموافقوه إلى أنها واجبة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وروى عنه ابن عبد الحكم أنها على الاستحباب. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا \".\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.\n(٢) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.\n(٣) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.\n(٤) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.\n(٥) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.","vol":"5","page":121},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1017> كتاب الطلاق </span>\"\nوالطلاق لغة: عبارة عن حل القيد الحسي كقيد الأسير أو الدابة، ثم أطلق على حل القيد المعنوي كقيد النكاح، يقال: طَلَقَتِ المرأة وطَلُقت المرأة، بتخفيف اللام المفتوحة، والمضمومة إذا بانت. والطلاق مصدر طلَق أو طلُق بفتح اللام المخففة وضمها، أما التطليق فهو مصدر طلق. والطلاق شرعًا: حل رابطة الزواج (١)، وإنهاء العلاقة الزوجية وقال الإِمام محمد عبده: \" هو عبارة عن مفارقة (٢) المرأة المدخول بها بحل الرجل عقدة الزوجية التي تربطهما معًا \" والطلاق ظاهرة اجتماعية ودينية قديمة كانت معروفة في الأديان السابقة من شريعة إبراهيم وغيرها، ومعروفة عند العرب في الجاهلية حيث استعملوا الطلاق دون حدٍّ ولا عدٍّ، حتى جاء الإِسلام فقضى على هذه المضارّة كما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان الرجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذلك، قال: أطلقك فكلما همت عدتك أن تنتهى راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي - ﷺ - فسكت حتى نزل القرآن (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) وهكذا كان الطلاق يستعمل وسيلة للتشفي والانتقام من الزوجة، فلما جاء الإسلام قضى على ذلك كله، ووضع حدًا لعدد مرات الطلاق، ونظمه تنظيمًا صحيحًا يحفظ لكل من الطرفين كرامة الإنسان. حكمه: لما كانت العلاقة الزوجية من\n_________\n(١) \" فقه السنة \" ج ٢.\n(٢) \" تفسير المنار \" ج ٢.","vol":"5","page":122},{"text":"أقدس العلاقات ولهذا سمّى الله عقد النكاح ميثاقًا. فكل ما يؤدي إلى قطع هذه العلاقة وإلغاء ذلك الميثاق فهو بغيض إلى الله تعالى لما يقضي عليه من منافع مشتركة بين الزوجين لذلك حذّر من الطلاق، وروى ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: \" أبغض الحلال إلى الله الطلاق \" أخرجه أبو داود والحاكم وصححه (١) ومن هنا شدد بعض الفقهاء فيه قال في \" تيسير العلام \" (٢): والأصل في الطلاق الكراهة للحديث المتقدم، ولأنه حلٌّ لعرى النكاح الذي رغب فيه الشارع، وجعله سببًا لكثير من مصالح الدين والدنيا، فإن الطلاق سبب في إبطال هذه المصالح، والله لا يحب الفساد \" فمن هنا كرهه الشارع، لكنه عند الحاجة إليه نعمة كبيرة حيث يحصل به الخلاص من العشرة المرَّة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لضعف في الدين، أو سوء في الأخلاق، أو غير ذلك مما يسبب قلق الحياة، وبهذا تعرف جلال هذا الدين وسمو تشريعاته خلافًا للنصارى الذين لا يبيحون الطلاق، فتكون الزوجة غلًاّ في عنق زوجها وإن لم توافقه. اهـ. ويرى الحنابلة أن للطلاق أربعة أحكام، فيكون واجبًا وهو طلاق الحكمين، وطلاق المؤلي بعد التربص، ومندوبًا عند تفريط المرأة في حقوق الله من صلاة وغيرها (٣)، أو كانت غير عفيفة. قال ابن قدامة: ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب، ويكون مباحًا لسوء خلق المرأة وسوء عشرتها، ويكون محرمًا إذا كان لغير حاجة، لأنه ضرر بالزوج وزوجته وإهدار لمصالحهما. اهـ.\n...\n_________\n(١) قال الحافظ في \" التلخيص \" رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر ورواه أبو داود والبيهقي مرسلًا، ليس فيه ابن عمر، ورجح أبو حاتم والدارقطني في العلل، والبيهقي المرسل. (ع).\n(٢) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٣) \" فقه السنة \" ج ٢.","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>٩١٨ - \" بَابُ قوْل الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) </span>\"\n١٠٦٥ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄:\nأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتهُ وهِيَ حَائِضٌ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ النبي - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمسَكَ بَعْدُ، وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أن يَمَسَّ، فتلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ \".\nــ\n٩١٨ - \" باب قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) \"\n١٠٦٥ - معنى الحديث: أن ابن عمر طلّق زوجته آمنة بنت غفار حال الحيض، وأثناء العادة الشهرية، فذهب والده عمر ﵁ إلى النبي - ﷺ - يخبره ويستفتيه \" فقال رسول الله - ﷺ -: مره فليراجعها \" يعني فطلب النبي - ﷺ - من عمر أن يأمره بمراجعة زوجته، وإعادتها إلى عصمته، لأن الطلاق أثناء الحيض طلاق بدعي، وإنما أمر النبي - ﷺ - بمراجعتها في تلك الحالة لئلا تطول عليها العدة \" ثم ليمسكها \" بلام مكسورة (١)، ويجوز تسكينها تخفيفًا أي عليه أن يبقيها في عصمته \" حتى تطهر \" من الحيضة التي طلقها فيها \" ثم تحيض ثم تطهر \" أي ثم تحيض حيضة أخرى ثم تطهر من الحيضة الثانية \" ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق \" أي إن شاء أبقاها في عصمته بعد الحيضة الثانية وإن شاء طلقها \" قبل أن يمس \" أي قبل أن يجامع \" فتلك \" أي فالطلاق حال الطهر الذي لم يجامعها فيه: هو \" العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء \" أي هو الطلاق\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٤.","vol":"5","page":124},{"text":"للعدة التي أذن الله أن تطلّق لها النساء في قوله تعالى: (إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي إذا أردتم أن تطلقوا النساء فطلقوهن في وقت يصلح لابتداء عدتهن، وهو وقت الطهر الذي لم يجامع فيه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن طلاق المرأة وهي حائض أو في طهر جامعها فيه حرام باتفاق أهل العلم (١)، ويسمى بالطلاق البدعي لمخالفته للصفة المشروعة للطلاق في كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ -، وعليه أن يراجعها وجوبًا عند مالك وأحمد في رواية (٢)، والمشهور عنه وهو قول الجمهور أن المراجعة مستحبة، لأن ابتداء النكاح غير واجب. ثانيًا: أن الصفة المشروعة في الطلاق أن يقع في حال طهر لم يجامعها فيه، وأن يشهد على طلاقه.\nأما الإشهاد فلقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) وأما الطلاق في حال الطهر الذي لم يجامعها فيه فدليله هذا الحديث، لأن ابن عمر لما طلق زوجته في حال الحيض أمره النبي - ﷺ - أن يعيدها إليه حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق قبل أن يمس، ثم قال فتلك العدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء. ومن هذا يتضح لنا أن الطلاق قسمان: (أ) طلاق سني وهو ما وافق الصفة المشروعة في هذا الحديث بأن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ويشهد على ذلك. وطلاق بدعي: وهو ما خالف المشروع، كأن يطلقها في حيض أو بعد جماع. أو دون إشهاد. وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، وأن فاعله آثم. ثالثًا: دل هذا الحديث على أن الطلاق في الحيض يقع ويصح ويحسب طلقة واحدة، لأنه - ﷺ - أمر ابن عمر بمراجعتها، والمراجعة لا تكون (٣) إلاّ بعد طلاق (٤)، وهذا قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة،\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٤.\n(٢) أيضًا \" تكملة المنهل العذب \".\n(٣) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٤) ويؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى حيث قال فيها: فحسبت من طلاقها.","vol":"5","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1019>٩١٩ - \" بَابُ مَنْ أجَازَ طَلاقَ الثَلاثِ </span>\"\n١٠٦٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ فَطلَّقَ، فَسُئِلَ النبي - ﷺ - أتَحِلُّ لِلأوَّلِ؟ قَالَ: \" لا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأوَّلُ \".\nــ\nوذهب بعض العلماء ومنهم شيخ الإِسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيم إلى أن الطلاق لاغ لا يقع، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي \" أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض \" قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئًا، وقد استنكر العلماء هذا الحديث لمخالفته الأحاديث كلها (١)، وأجاب ابن القيم عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها معناه إمساكها على حالها الأولى، وأمّا الاستدلال بلفظ \" فحسبت من طلاقها \" فليس فيه حجة، لأنه غير مرفوع إلى النبي - ﷺ - الحديث: أخرجه الستة.\n٩١٩ - \" باب من أجاز طلاق الثلاث \"\n١٠٦٦ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا \" أي ثلاث \" طلقات دفعة واحدة في لفظ واحد (٢) \" فتزوجت \" برجل آخر \" فطلق \" أي فطلقها ذلك الرجل \" فسئل النبي - ﷺ - أتحل للأوّل \" أي هل تحل لزوجها الأول وإن لم يجامعها الثاني \" قال: لا حتى يذوق عسيلتها \" والعسيلة تصغير العسل، والمراد بها حلاوة الجماع -أي أن\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٢) قال ابن القيم في \" زاد المعاد \" (٥/ ٢٦١) أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد، بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثًا، وقال ثلاثًا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، هذا هو المعقول في لغات الأم عربهم وعجمهم. كما يقال: قذفه ثلاثًا، وشمته ثلاثًا، وسلم عليه ثلاثًا، وقال ابن القيم (٥/ ٢٤٨): الثلاث بكلمة واحدة، يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، وهو قول طاوس وعكرمة، واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية. (ع).","vol":"5","page":126},{"text":"تلك المرأة لا تحل لزوجها الأول حتى يجامعها الثاني، ويجد لذة المباشرة وحلاوتها. الحديث: أخرجه الستة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأول بمجرد زواجها من الثاني، بل لا بد من جماعه لها، فلا يجوز لها إذا طلقها الثاني أن تعود إلى الأوّل إلاّ إذا جامعها الثاني قبل طلاقها لقوله - ﷺ - في حديث الباب لما سئل \" أتحل للأول؟ قال: \" لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاقها الأول \". وهو معنى قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) أي حتى تتزوج غيره، ويذوق عسيلتها، وتذوق عسيلته كما في حديث الباب، قال الأزهري: ويتحقق ذلك بتغييب الحشفة في الفرج مع الإِنزال، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلّا سعيد بن المسيب. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا وافقه عليه إلاّ طائفة من الخوارج. ثانيًا: أن طلاق الثلاث في لفظ واحد يقع ثلاث طلقات عند الجمهور، ولا يجوز للزوجة في هذه الحالة أن تعود إليه حتى تنكح زوجًا غيره ويجامعها، لأن ظاهر هذا الحديث أن الرجل المذكور طلقها ثلاث طلقات مجتمعة في لفظ واحد (١)، فعدّه النبي - ﷺ - ثلاث طلقات ومنع الزوجة أن تعود إلى زوجها الأوّل حتى تذوق عسيلة الثاني ويذوق عسيلتها، وهو مذهب جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأوزاعي والنخعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأصحابه والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق وكثيرون على أن من طلق امرأته ثلاثًا وقعن، ولكنه يأثم. اهـ. كما أفاده العيني. وقال في \" أضواء البيان \": ومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني والشافعي والترمذي وابن ماجة وقال أبو داود: هذا حديث صحيح وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، وأخبر النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وهذا ما فهمه البخاري من الحديث، ولذلك أخرجه في هذا الباب.","vol":"5","page":127},{"text":"بذلك فقال: \" والله ما أردت إلاّ واحدة؟ \" فقال ركانة والله ما أردت إلّا واحدة، فردها إليه رسول الله - ﷺ -، فهذا الحديث صححه أبو داود وابن حبان والحاكم، وهو نص في محل النزاع لأن تحليفه - ﷺ - ما أردت بلفظ البتة إلاّ واحدة، دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ البتة، لأن البتة كناية، والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة لما كان لتحليفه معنى. وذهب بعضهم إلى أنه يقع طلقة واحدة، واحتجوا كما في \" أضواء البيان \" بأربعة أحاديث: الأول: حديث ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: \" طلق ركانة امرأته ثلاثًا في مجلسٍ واحد فحزن عليها حزنًا شديدًا فسأله النبي - ﷺ - كيف طلقتها؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبي - ﷺ -: إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت، والاستدلال بهذا الحديث مردود لأن داود بن الحصين راوى الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة، قال ابن حجر في \" التقريب \" داود بن الحصين المدني ثقة إلاّ في عكرمة. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور في روايته غير ثقة، هذا وجه، وهناك وجه آخر وهو ما ذكره ابن حجر في \" فتح الباري \" أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثًا، وبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس (١). الحديث الثاني: من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثًا فاحتسبت بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة. قال القرطبي في تفسيره ما نصه: \"والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض، وكان تطليقه\n_________\n(١) ولحديث ابن عباس طريق أخرى، وقال ابن القيم إلى تصحيحه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية إسناده جيد. (ع).","vol":"5","page":128},{"text":"إياها واحدة، غير أنه خالف السنة\". الحديث الثالث: من أدلتهم ما رواه أبو داود في \" سننه \" عن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - ﷺ - عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: ما يغني عني إلّا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها ففرَّق بيني وبينه، فأخذت النبي - ﷺ - حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانًا يشبه منه كذا وكذا، قالوا: نعم، فقال النبي - ﷺ -: طلقها، ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، وتلا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) قال في \" أضواء البيان \": والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو (١). الحديث الرابع: هو ما أخرجه مسلم في \" صحيحه \" عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم \" قال: وادّعاء الجزم بأن معنى الحديث المذكور أن الثلاث بلفظ واحد إدعاء خال من دليل، مع أنه ليس في شيء من روايات الحديث المذكور بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من الشرع ولا من العقل كما ترى. قال النووي: والأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ولم ينو تأكيدًا ولا استئنافًا يحكم بوقوعه طلقة واحدة لقلة إرادتهم الاستئناف، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁ وغلب عليهم إرادة الاستئناف بها حملت عند الاطلاق\n_________\n(١) هذه الرواية يقويها التي قبلها. (ع).","vol":"5","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1020>٩٢٠ - \" بَابُ الْخلْعِ وَكَيْفَ الطَّلاقُ مِنهُ </span>\"\n١٠٦٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأَنَّ امْرَأةٍ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أتتِ النبي - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْس مَا اعتِبُ عَلَيه في خُلُق وَلا دِين، ولَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإِسْلامِ،\nــ\nعلى الثلاث عملًا بالغالب في ذلك العصر، وبهذا خرج حديث ابن عباس عن موضوع طلاق الثلاث بلفظ واحد وأصبح لا علاقة له به. ومما أجاب به عن الحديث المذكور أن رواية طاووس عن ابن عباس المذكورة مخالفة لما رواه الحفاظ عنه فهذا إمام المحدثين أحمد بن حنبل يرفض حديث ابن عباس هذا لمخالفته لرواية بقية الحفاظ عنه، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدًا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد انتهى ما ذكره الشيخ محمد الأمين في كتابه \" أضواء البيان \" عن هذا الموضوع بإيجاز واختصار والله أعلم. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله: \" طلق امرأته ثلاثًا \" فإنه ظاهر في كونها مجموعة - كما قال العيني: فأمضاها النبي - ﷺ - ثلاث طلقات ومنع الزوجة أن تعود إلى الأول حتى تذوق عسيلة الثاني.\n٩٢٠ - \" باب الخلع وكيف الطلاق منه \"\nوالخلع لغة: نزع الشيء وإزالته. وشرعًا: إزالة الزوجية أو إزالة عصمة النكاح ببدلٍ وعوضٍ مالي تدفعه المرأة لزوجها مقابل مخالعته لها، لأنها تكرهه ولا تريد البقاء في عصمته.\n١٠٦٧ - معنى الحديث: \" أن امرأة ثابت بن قيس \" بن شمّاس بتشديد الميم الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار وامرأة ثابت بن قيس، قيل: إنها جميلة بنت عبد الله بن أبي، وبذلك جزم ابن سعد (١) وقيل: إن زوجته\n_________\n(١) \" أوجز المسالك \" ج ١٠.","vol":"5","page":130},{"text":"فَقَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: \" أتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ \" قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً \".\nــ\nحبيبة بنت في سهل \" أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين \" وفي رواية مالك وأبي داود أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شمّاس، وأن رسول الله - ﷺ - خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال: من هذه؟ فقالت: أنا حبيبة بنت سهل، قال: ما شأنك، قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس يجمعنا بيت واحدٌ. يعني لا يكون اجتماع بيني وبينه أبدًا لما بيننا من التنافر \"ما أعيب عليه في خلق ولا دين \" أي لا أطعن فيه دينًا ولا خلقًا ولا أعيبه بشيء ينقصه من جهة دينه أو خلقه \" لكني أكره الكفر في الإِسلام \" والمعنى: ولكني أبغضه لدمامته (١) وقبح صورته، وأخشى أن يؤدي بي هذا النفور الطبيعي منه إلى كفران العشير، والتقصير في حق الزوج، والإساءة إليه، وارتكاب الأفعال التي تنافي الإِسلام من الشقاق والخصومة والنشوز ونحوه مما يتوقعُّ مثله من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها أن تفعله، فسمّت المعاملة السيئة للزّوج كفرًا لما فيها من الاستهانة بالعلاقة الزوجية، وجحود حقوقها المشروعة، وهذا يدخل في كفران العشير، وينافي ما يقتضيه الإِسلام. \" فقال رسول الله - ﷺ -: أتردين عليه حديقته \" أي إذا كنت تكرهينه كل هذه الكراهية، وتخشين أن يؤدي بقاؤك في عصمته إلى أمر مخالف لدين الإِسلام فهل تخالعينه وتفتدين منه نفسك بمال فتردين عليه حديقته التي دفعها لك مهرًا؟ \" قالت: نعم \" أفعل ذلك، وعن ابن عباس: أول خلع كان في الإِسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وفي رواية: كان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول الله والله لولا مخافة الله إذا دخل عليَّ لبصقت في وجهه \" الخ أخرجه ابن ماجة.","vol":"5","page":131},{"text":"فقالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا، فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم وإن شاء زدته ففرق بينهما. اهـ. \" فقال رسول الله - ﷺ -: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة \" وهذا أمر إرشاد وإصلاح لا أمر إيجاب وإلزام.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الخلع ومشروعيته، وهو \" فراق زوج يصحُّ طلاقه لزوجته بعوض مالي. وقد أجمع العلماء على جوازه خلافًا لبكر بن عبد الله المزني التابعي ومما يدل على جوازه قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ) ويشترط في الخلع -كالطلاق- أن يكون الزوج مكلفًا والزوج محلًا للطلاق، وأن يكون بصيغة الماضي في الإِيجاب والقبول بأن يقول الزوج: خالعتك على كذا، وتقول الزوجة: قبلت، فإن لم تصرح بالقبول لا يقع الخلع (١) ولا تتحقق الفرقة ولا يستحق العوض. ولا يشترط البدل -أي العوض- عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية وفي رواية أخرى عن أحمد لا يكون خلعًا إلاّ بعوض. ولا يقع الخلع أيضًا بمجرد بذل المال وقبوله، بل لا بد من أن يتلفظ الزوج بالخلع عند أحمد خلافًا للحنفية حيث قالوا: أخذ المال تطليقة بائنة. ثانيًا: استدل بعض أهل العلم بقوله - ﷺ -: \" طلِّقها تطليقة \" على أن الخلع لا يُعَدُّ ولا يعتبر طلاقًا إلاّ إذا اقترن بذكر الطلاق، لأنه لو كان الخلع بنفسه طلاقًا لما احتاج النبي - ﷺ - أن يأمره بطلاقها والمسألة خلافية. قال في \" الإِفصاح \" اختلفوا (٢) في الخلع هل هو فسخ أو طلاق، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: \" في إحدى روايتيه \" هو طلاق بائن وعن أحمد\n_________\n(١) بخلاف ما إذا قال خالعتك ونوى به مجرد الطلاق فإنه يقع وإن لم تقبله الزوجة، لأن الطلاق لا يحتاج إلى موافقة الزوجة.\n(٢) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ٢.","vol":"5","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1021>٩٢١ - \" بَابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَلاعِنَيْنِ </span>\"\n١٠٦٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nْ\" لاعَنَ النبي - ﷺ - بَيْنَ رَجُل وامْرَأةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا \".\nــ\nرواية أخرى أنه فسخ، وليس بطلاق وهي أظهرهما وعن الشافعي قولان كالمذهبين. وقد روى عن الشافعي -كما قال ابن رشد- إنه كناية، فإن أراد به الطلاق كان طلاقًا، وإلّا كان فسخًا. واحتج من جعله طلاقًا بأن الفسخ إنما يكون في الفراق الجبري الذي لا اختيار للزوج فيه، وهذا راجع إلى اختيار الزوج إن شاء خالع وإن شاء لم يخالع، فكيف يسمّى فسخًا. واحتج من لم يره طلاقا ً- كما قال ابن رشد (١) بأن الله ﵎ ذكر في كتابه الطلاق فقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) ثم ذكر الافتداء، ثم قال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) فلو كان الافتداء طلاقًا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلاّ بعد زوج هو الطلاق الرابع، واستدل الجمهور على أن الخلع طلقة بائنة بحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - جعل الخلع تطليقة بائنة. ويترتب على هذا الخلاف حكم فقهي، وهو كما قال ابن قدامة: \" إذا قلنا هو طلقة فخالعها مرّة حسبت طلقة فتنقص عدد طلقاته، وإن خالعها ثلاثًا فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وإن قلنا هو فسخ لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرة. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: من حيث إن فيه كيف الطلاق في الخلع كما أفاده العيني.\n٩٢١ - \" باب التفريق بين المتلاعنين \"\n١٠٦٨ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄ \"لاعن\n_________\n(١) \" بداية المجتهد \" ج ٢.","vol":"5","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1022>٩٢٢ - \" بَابٌ يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْمُلاعِنَةِ </span>\"\n١٠٦٩ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄:\n\" أن النبي - ﷺ - لاعَنَ بَيْنَ رَجُل وامْرَأتهِ، فانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ - ﷺ - بَيْنَهُمَا، وألْحَقَ الْوَلَدَ بالْمَرْأةِ \".\nــ\nالنبي - ﷺ - بين رجل وامرأة من الأنصار\" وذلك لأن الرجل قذف زوجته بالزنا، وأنكرت هي ذلك، فأجرى عليهما - ﷺ - حكم الله فيهما وهو الملاعنة \" وفرق بينهما \" أي وفرّق النبي - ﷺ - بينهما وحكم عليهما بالانفصال والفرقة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على وجوب الفرقة بين المتلاعنين بإيقاع الحاكم الشرعي (١) لأنّ النبي - ﷺ - هو الذي فرق بينهما وهو قول أبي حنيفة والثوري، ورواية عن أحمد (٢) وقال مالك: تقع بعد فراغ المرأة من اللعان، وقال الشافعي: بعد فراغ الزوج. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" وفرق بينهما \".\n٩٢٢ - \" باب يلحق الولد بالملاعنة \"\n١٠٦٩ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عمر ﵄ \" أن النبي - ﷺ - \" لاعن بين رجل وامرأته \" أي أن رجلًا قذف زوجته بالزنا، فأجرى النبي - ﷺ - اللعان الشرعي بينهما، \"فانتفى من ولدها\" أي فقال الزوج: إن هذا الولد ليس ولدي \" ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة \" أي ونسب الولد إلى أمه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الفرقة لا تحصل بمجرد التلاعن وإنما\n_________\n(١) أي إنما تقع بتفريق الحاكم بينهما لا بمجرد التلاعن.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ٢٠.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1023>٩٢٣ - \" بَابٌ إذا طَلَّقَهَا ثلاثًا ثمَّ تزَوَّجَتْ بَعْدَ العِدَّةِ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَمَسَّهَا </span>\"\n١٠٧٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ رِفَاعَة القُرَظِيَّ تَزَوَّجَ امْرأةً ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ، فأتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ لَهُ أنَّهُ لا يأتِيْهَا، وأنه لَيْسَ مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هُدْبَةٍ، فَقَالَ: \" لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ \".\nــ\nتحصل بتفريق الحاكم، وعلى أن الرجل إذا لاعن زوجته ونفي عنه نسب الحمل ينتفي عنه، ويثبت نسبه من الأم ويرثها وترث منه (١) وهو مذهب جمهور الفقهاء. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" وألحق الولد بالمرأة \".\n٩٢٣ - \" باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها \"\n١٠٧٠ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن رفاعة \" بكسر الراء \" تزوج امرأة \" اسمها تميمة بنت وهب \" ثم طلقها \" أي طلقها ثلاثًا \" فتزوجت آخر \" اسمه عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء \" فأتت النبي - ﷺ - فذكرت له أنه لا يأتيها \" أي لا يجامعها \" وأنه ليس معه إلاّ مثل هدبة \" بضم الهاء وسكون الدال وهو طرف الثوب، أي أن الذي معه لا يشتد ولا ينتصب \" فقال: لا \" أي لا يحل لك أن تعودي إلى زوجك الأول \" حتى تذوقي عسيلته \" أي حتى يجامعك زوجك الثاني.\n_________\n(١) أيضًا \" شرح العيني \" ج ٢٠.","vol":"5","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1024>٩٢٤ - \" بَابُ الكحل لِلْحَادةِ </span>\"\n١٠٧١ - عَنْ أمِّ سَلَمَةَ ﵂:\nأَنَّ امْرأة تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَشُوْا عَلى عَيْنَيْهَا، فَأتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فاسْتَأذنُوهُ في الكُحْلِ فَقَالَ: \" لا تُكَتحلْ، قَدَْ كانَتْ إحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ في شَرِّ أحْلاسِهَا أو شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فلا حَتَّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْر \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن المطلقة ثلاثًا لا تحل لزوجها الأوّل حتى يطأها الثاني في الفرج لقوله - ﷺ -: \" لا حتى تذوقي عسيلته \" وأدناه تغييب الحشفة في الفرج (١) وهو مذهب الجمهور. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ. والمطابقة: في قوله: \" لا حتى تذوقي عسيلته \".\n٩٢٤ - \" باب الكحل للحادة \"\n١٠٧١ - معنى الحديث: تحدثنا أم سلمة في هذا الحديث \" أن امرأة توفي زوجها فخشوا \" بفتح الخاء وضم الشين \" عينيها \" أي فمرضت عيناها أثناء عدتها وخافوا أن يتضاعف مرضها \" فأستأذنوه في الكحل \" أي فاستأذنوه أن يرخص لهم في علاج عينيها بالكحل \" فقال: لا تكحل \" بفتح التاء والكاف والحاء المشددة (٢) وبالجزم بلا الناهية \" قد كانت إحداكن تمكث في شرِّ أحلاسها \" أي تبقى سنة كاملة مبتعدة عن الزينة لا تلبس إلاّ أردأ ثيابها \" فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة \" أي فإذا انقضت سنة من وفاة زوجها ترصدت كلبًا يمر بها، فرمت ببعرة، وخرجت من إحدادها لتعلن أن إحداد\n_________\n(١) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" للدكتور وهبة الزحيلي ج ٧.\n(٢) أصله تتكحل.","vol":"5","page":136},{"text":"سنة على زوجها أهون عليها من رمي تلك البعرة \" فلا، حي تمضي أربعة أشهر وعشر \" أي فلا يجوز لها الكحلُ حتى تمضي مدة الإِحداد الكاملة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية العدة للمتوفى عنها زوجها، وتحديد مدتها بأربعة أشهر وعشر لقوله - ﷺ - في آخر الحديث \" لا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر \". ثانيًا: دل الحديث على مشروعية إحداد المرأة على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشرًا، وهو واجب عند الجمهور، لحديث الباب، وقال الحسن البصري والشعبي: لا يجب (١)، لحديث أسماء بنت عميس قالت: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: \" لا تحدي بعد يومك هذا \" أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان، قال أحمد وإسحاق: هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد، ولهذا ترك أهل العلم العمل به، والإحداد واجب على المرأة صغيرة كانت أم كبيرة. بكرًا أو ثيبًا. أما المطلقة إن كانت بائنة بينونة صغرى أو كبرى فقال مالك والشافعي: لا إحداد عليها خلافًا للحنفية حيث قالوا: يجب عليها الإحداد قياسًا على المتوفى عنها زوجها. ثالثًا: ظاهر هذا الحديث النهي عن الاكتحال مطلقًا لضرورة أو لغير ضرورة لما جاء في رواية ابن حزم أنّها قالت له: إني أخشى أن تنفقأ عينها، قال: \" لا وإن انفقأت \" وسنده صحيح ولكن الذي عليه أهل العلم جواز الاكتحال للضرورة ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعي ومالك وأصحاب الرأي وقال النووي: حديث الباب دليل على تحريم الاكتحال على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في \" الموطأ \" وغيره \" اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار \" ووجه الجمع أنها إن لم تحتج إليه لم يحل، وإن احتاجت إليه لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" فاستأذنوه في الكحل فقال: لا تكحل \".\n_________\n(١) فإن المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتصبغان ما شاءتا. (ع).","vol":"5","page":137},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1025> كتَاب النَّفقات </span>\"\n٩٢٥\n\n- \" بَابُ فَضلُ النَّفَقَةِ (١) عَلَى الأهْلِ \"\n١٠٧٢ - عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنْصَارِيِّ ﵁:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا أنْفَقَ المُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أهْلِهِ -وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا- كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً \".\nــ\n٩٢٥ - \" باب فضل النفقة (١) على الأهل \"\n١٠٧٢ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" إذا أنفق المسلم نفقة \" أي إذا صرف العبد المسلم شيئًا من ماله \" على أهله \" سواء كان زوجته أو ولده أو عبده أو أمته، وسواء كانت هذه المؤونة طعامًا أو شرابًا أو كساءً أو أجرة منزل أو استهلاك ماء أو كهرباء \" وهو يحتسبها \" أي والحال أنه يريد بها وجه الله وابتغاء مرضاته \" كانت في صدقة \" أي كافأه الله تعالى على حسن نيته، فأثابه عليها ثواب الصدقة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية النفقة على الزوجة والولد الصغير والأب والعبد لقوله - ﷺ -: \" إذا أنفق المسلم نفقة على أهله \"، وكل هؤلاء يدخلون في الأهل قال المهلب (٢): النفقة على الأهل واجبة\n_________\n(١) والنفقة شرعًا ما يجب من مؤونة الزوجة والقريب والعبد على سيده من خبز وإدام وكسوة ومسكن، وما يتبع ذلك، وحكمها الوجوب على الزوج والأب والسيد، وقد اتفقوا على وجوب النفقة للزوجة والولد قبل البلوغ، ونفقة الزوجة معتبرة بحال الزوجين موسرين أو معسرين أو متوسطين، وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا فلها عليه نفقة المتوسطين، وقال أبو حنيفة في مالك: يعتبر حال المرأة على قدر كفايتها، وقال الشافعي: يعتبر حال الزوج.\n(٢) \" إرساد الساري \" ج ٨.","vol":"5","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1027>٩٢٦ - \" بَابُ حَبْسِ نفَقَةِ الرَّجُل قُوْت سَنَةٍ عَلَى أهْلِهِ </span>\"\n١٠٧٣ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:\nــ\nبالإِجماع، وإنما سمّاها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وترغيبًا لهم في تقديم الصدقة الواجبة على صدقة التطوع. وقال في \" الإِفصاح \" (١) واختلفوا فيما إذا بلغ الولد معسرًا أو لا حرفة له، فقال أبو حنيفة: تسقط نفقة الغلام إذا بلغ صحيحًا (٢)، وتسقط نفقة الجارية إذا تزوجت، وقال مالك كذلك، إلاّ أنه لا تسقط نفقة الجارية حتى يدخل بها الزوج، وقال أحمد: لا تسقط نفقة الولد عن أبيه وإن بلغ إذا لم يكن له كسب ولا مال.\nواتفقوا فيما إذا بلغ الابن مريضًا أن النفقة واجبة على أبيه، أو كانت جارية مزّوجة ثم طلّقها بعد ذلك، فقالوا: تعود النفقة على الأب، إلاّ مالكًا فإنه قال (٣): لا تعود. ثانيًا: دل الحديث على أن النفقة على الأهل إذا قصد بها ابتغاء مرضاة الله وانتظار الثواب والأجر عليها أعطاه الله تعالى أجره كما يعطى المتصدق ثوابه على صدقته، ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلاّ مقرونًا بالنيّة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل النفقة على الأهل وهو ما ترجم له البخاري.\n٩٢٦ - \" باب حبس نفقة (٤) الرجل قوت سنة على أهله \"\n١٠٧٣ - معنى الحديث: أن عمر بن الخطاب ﵁ يروي لنا\n_________\n(١) \" الإفصاح \" ج ٢.\n(٢) أي تسقط نفقة الولد البالغ الصحيح الجسم عن والده ولو كان معسرًا عند أبي حنيفة ومالك، ولا تسقط عند أحمد.\n(٣) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ٢.\n(٤) أي ادخار النفقة لمدة سنة.","vol":"5","page":139},{"text":"\" أن النبي - ﷺ - كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لأهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ \".\nــ\nفي هذا الحديث \" أن النبي - ﷺ - كان يبيع نخل بني النضير \" أي يبيع كل عام ثمرة النخل الذي يخصه من فيء بني النضير في خيبر \" ويحبس لأهله قوت سنتهم \" أي ويدخر لأهله ما يكفي لقوتهم مدة سنة كاملة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يجوز للمسلم أن يدّخر لأهله وعياله تموين عام كامل، ولا يعد ذلك احتكارًا ولو كان يخدش في التوكل لما فعله إمام المتوكلين - ﷺ -، فإن فعله - ﷺ - تشريع لأمته. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" ويحبس لأهله قوت سنتهم \".\n***","vol":"5","page":140},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1029> كِتابُ الأطْعِمَةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1028>٩٢٧ - \" بَابُ قَوْل الله تعالى (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) </span>\"\n١٠٧٤ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\"مَا شَبعَ آل مُحَمَّدٍ مِنْ طَعَام ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى قُبِضَ\".\nــ\n\nكتاب الأطعمة\n٩٢٧ - \" باب قوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) \"\n١٠٧٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - وأزواجه أمهات المؤمنين لم يشبعوا من الطعام، أو يأخذوا منه القدر الكافي ثلاثة أيام متوالية مدة حياة النبي - ﷺ -. قال القسطلاني: أي لقلة الشيء عندهم أو لأن الشبع مذموم، فكانوا يتعمدون أن لا يشبعوا بطونهم إلى حد الامتلاء، \"حتى لا تثقل أجسامهم وتكسل عن عبادة الله.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من سنة النبي - ﷺ - وآل بيته الكرام الإِقلال من الطعام، وعدم الإِفراط في الشبع، لما يؤدي إليه ذلك من الكسل والفتور، والتقصير في العبادة وتبلد الذهن، وقسوة القلب. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على إقلاله - ﷺ - من الطعام.\n***","vol":"5","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1030>٩٢٨ - \" بَابُ التَّسْمِيَةِ على الطَّعَامِ والأكْلِ بِاليَمِينِ </span>\"\n١٠٧٥ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ ﵄ قَالَ:\nكُنْتُ غُلامًا في حَجْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" يا غُلامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ \".\nــ\n٩٢٨ - \" باب التسمية على الطعام والأكل باليمين \"\n١٠٧٥ - معنى الحديث: يقول عمر بن أبي سلمة ﵄ \" كنت غلامًا \" أي كنت ولدًا صغيرًا دون البلوغ \" في حجر رسول الله - ﷺ - \" أي أعيش في بيته تحت كفالته ورعايته \" وكانت يدي تطيش في الصحفة \" أي تتحرك في آنية الطعام كلها، وتجول في جميع نواحيها \" فقال لي رسول الله - ﷺ - \" معلمًا وموجهًا: \" يا غلام سمّ الله \" أي قل بسم الله في بداية الطعام تبركًا بهذا الاسم المبارك \" وكل بيمينك \" أي وكل بيدك اليمنى \" وكل مما يليك \" أي من الجهة المقابلة لك من الإناء دون الأطراف الأخرى قال: \" فما زالت تلك طعمتي بعد \" بكسر الطاء أَي فما زالت تلك الطريقة المهذبة هي طريقتي في الأكل بعد ذلك طيلة حياتي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من آداب الأكل ومستحباته التسمية في بداية الطعام طردًا للشيطان وأصرَحُ مَا وَرَدَ في صفة التسمية ما أخرجه أبو داود والترمذي من طريق أم كلثوم عن عائشة مرفوعًا \" إذا أهل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي فليقل: بسم الله أوله وآخره \" قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليُسمع غيره وينبهه عليها، والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء وسائر المشروبات كالتسمية","vol":"5","page":142},{"text":"على الطعام، وسواء في استحباب التسمية الجنب والحائض وغيرهما (١). ثانيًا: دل الحديث على استحباب الأكل باليمين لقوله - ﷺ -: \" وكل بيمينك \" وقد اختلف أهل العلم في مقتضى هذا الأمر. وهل الأكل باليمين واجب أو مستحب؟ فذهب بعضهم إلى أنه واجب (٢) كما أفاده العيني لظاهر الأمر، ولورود الوعيد في الأكل بالشمال ففي \" صحيح مسلم \" عن سلمة بن الأكوع أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يأكل بشماله، فقال: \" كل بيمينك \" قال: لا أستطيع، قال: \" لا استطعت ما منعه إلاّ الكبر، قال: فما رفعها إلى فيه \". وروى أحمد بسند حسن عن عائشة مرفوعًا: \" من أكل بشماله أكل معه الشيطان \" والذي عليه أكثر أهل العلم استحباب الأكل والشرب باليمين، وكراهية ذلك بالشمال، وكذلك كل أخذ وعطاء، قال القرطبي: هذا الأمر على جهة الندب، لأنه من باب تشريف اليمين على الشمال، لأنها أقوى، وهي مشتقة من اليمن، وقد شرّف الله أصحاب الجنة إذ نسبهم إلى اليمين. والأصل فيما كان من هذا الباب الترغيب والندب. ثالثًا: استدل به بعض أهل العلم على تحريم الأكل بالشمال، لأنّ النبي - ﷺ - أمر عمر بن أبي سلمة بالأكل باليمين، والأمر بالشيء نهي عن ضده، واستدلوا أيضًا على تحريم الأكل باليد اليسرى بقوله - ﷺ -: \" فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله \" أخرجه مسلم، قال الصنعاني: الحديث دليل على تحريم الأكل والشرب بالشمال، فإنه علله بأنه فعل الشيطان وخلقه، والمسلم مأمور بتجنب طريق أهل الفسوق فضلًا عن الشيطان. رابعًا: قال النووي: وفيه استحباب الأكل مما يليه (٣)، لأن أكله من موضع يد صاحبه سوء عشرة، وترك مروءة وهذا في السوائل، فإن كان تمرًا وأجناسًا فقد نقلوا إباحة اختلاف الأيد في الطبق ونحوه، والذي ينبغي تعميم النهي. قال القسطلاني: وقد\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \".\n(٢) \" نص عليه الشافعي في \" الرسالة \" ورجحه الحافظ، لأن الأصل في الأمر الوجوب.\n(٣) \" تحفة الأحوذي \" ج ٥.","vol":"5","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1031>٩٢٩ - \" بَابُ الْخبْزِ الْمُرَقِّقِ وَالأَكْل عَلَى الخِوَانِ وَالسُّفْرَةِ </span>\"\n١٠٧٦ - عَنْ أنَس ﵁ قَالَ:\n\" مَا عَلِمْتُ النبي - ﷺ - أكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطُّ، ولا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ، ولا أكَلَ على خِوَان قَطُّ \" قِيلَ لقتادَةَ: فَعَلَى مَا كانُوا يَأكلُونَ؟ قَالَ: عَلى السُّفَرِ \".\nــ\nنص أئمتنا - أي الشافعية على كراهة الأكل مما يلي غيره ومن الوسط والأعلى إلا الفاكهة ونحوها، مما ينتقل به. الحديث: أخرجه الستة وأحمد والدارمي. والمطابقة: في قوله: \" يا غلام سم الله \".\n٩٢٩ - \" باب الخبز المرقق والأكل على على الخوان والسفرة \"\n١٠٧٦ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ \" ما علمت النبي - ﷺ - أكل على سكرجة قط \" (بضم السين والكاف، وتشديد الراء) وهي صحاف أو أطباق توضع فيها الكوامخ أي المخلللات والمشهّيات، ومعناه أنه - ﷺ - لم يكن يتناول طعامه مصحوبًا بهذه المشهيات التي تفتح النفس ولم تكن هذه الأطباق التي فيها الكواخ والمهضمات توضع على مائدته - ﷺ -، لأنه لم يكن يشبع من الطعام غالبًا، فلا حاجة به إلى هضمه كما أفاده العراقي. \" ولا خبز له مرقق \" أي ولم يخبز له - ﷺ - ذلك الخبز الرقيق الفاخر المسمى بالرقاق \" ولا أكل على خوان قط \" أي ولا أكل في حياته كلها على مائدة من تلك الموائد النحاسية المرتفعة عن الأرض التي يأكل عليها العظماء والمترفون: \" قيل لقتادة فعلى ما كانوا يأكلون \" أي على أي شيء يأكل محمد - ﷺ - وأصحابه \" قال: على السفر \" التي تمد على الأرض تواضعًا وزهدًا في الدنيا ومظاهرها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه - ﷺ - اختار لنفسه طريق الزهد","vol":"5","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1032>٩٣٠ - \" بَابُ طَعَامِ الْوَاحِدِ يَكْفي الإِْثنَيْنِ </span>\"\n١٠٧٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"طَعَامُ الإِثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاَثةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثةِ كَافِي الأرْبَعَةِ \".\nــ\nوالتقشف، وأعرض عن كل ما في هذه الدنيا من ملاذ الحياة ومظاهر الترف والنعيم، فلم يتناول الأطعمة الشهية، ولا أكل على الموائد الفاخرة، ولا استعمل الكوامخ والمشهيات وإنما قنع من الطعام بلقيمات يقمن صلبه، لا تحريمًا منه - ﷺ - (١) لملاذ الحياة وطيباتها، وإنما ترك ذلك زهدًا وإيثارًا للحياة الباقية، وفي هذا دليل واضح على أن الزهد سلوك فاضل من هدى النبيين والصديقين وقد كان - ﷺ - إمام الزاهدين وقدوتهم لم يترك الدنيا اضطرارًا، بل كان في إمكانه أن ينال ما يشاء، ويحصل على ما يريد ولكنه آثر أن يكون عبدًا رسولًا، وقال لعمر حين قال له: \" ادع الله فليوسع على أمتك فإنّ فارس والروم قد وسّع عليهم، وهم لا يعبدونه \" أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة \" متفق عليه. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قول أنس ﵁: \" ولا خُبزَ له مرقَّق \".\n٩٣٠ - \" باب طعام الواحد يكفي الإثنين \"\n١٠٧٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" طعام الاثنين كافي الثلاثة \" أي أن الطعام الذي يشبع الإثنين يشبع الثلاثة إذا اجتمعوا عليه، وفي رواية أخرى عن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - \"طعام الواحد يكفي\n_________\n(١) قال ابن بطال: أكل المرقق جائز مباح، ولم يتركه - ﷺ - إِلا زهدًا في الدنيا وإيثارًا لما عند الله.","vol":"5","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1033>٩٣١ - \" بَابُ مَا عَابَ النبي - ﷺ - طَعامًا قَطُّ </span>\"\n١٠٧٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\n\" مَا عَابَ النبي - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، إِنْ اشْتَهَاهُ أكلَهُ، وَإنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ \".\nــ\nالاثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية\" أخرجه مسلم والترمذي والنسائي \" وطعام الثلاثة كافي الأربعة \" أي أن طعام الثلاثة يشبع الأربعة، وعن سمرة بن جندب ﵄ مرفوعًا: \" طعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية \" أخرجه الطبراني.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب الاجتماع على الطعام لا فيه من بركة عظيمة تجعل من القليل كثيرًا فينمو الطعام ويزداد حسًّا ومعنى، وتتضاعف قواه الغذائية ويكفي القليل منه الكثير. ثانيًا: قال النووي: فيه الحث على المواساة في الطعام فإنه وإن كان قليلًا تحصل منه الكفاية وتقع فيه بركة تعم الحاضرين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: ظاهرة.\n٩٣١ - \" باب ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا قط \"\n١٠٧٨ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \" ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا قط \" أي أنه - ﷺ - من كمال خلقه، وتواضعه، وشكره لنعمة ربه كان لا يذكر عيبًا في أي طعام يقدم إليه، فلا يقول فيه: مالح، ولا غير ناضج، ولا يصفه بأي صفة تعيبه \" إن اشتهاه أكله وإن كرهه \" كالضب مثلًا \" تركه \" واعتذر عن أكله بعذر يقبله صاحب الطعام، ولا يؤذيه أو يجرح شعوره.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الآداب الاجتماعية التي شرعها","vol":"5","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1034>٩٣٢ - \" بَابُ التلبينة </span>\"\n١٠٧٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\n\" أنَّهَا كَانَتْ إِذا مَاتَ المَيِّتُ مِنْ أهْلِهَا فاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النسَاءُ ثم تَفَرَّقْنَ إلا أهْلَهَا وخَاصَّتَهَا أمَرَتْ بِبُرْمَةٍ من تَلْبِيْنَةٍ فَطُبِخَتْ، ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ، فَصَبَّتِ التَلْبِينَةُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: كُلْنَ منهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: التَّلْبِينَةُ مَجَمَّة لِفُؤَادِ المَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ \".\nــ\nالإِسلام أن لا يذم الضيف الطعام الذي يقدم إليه، ولا يذكر فيه عيبًا، لأن هذا مما يجرح شعور صاحب الطعام أما إذا كان يريد بذلك النصيحة له فلتكن فيما بينه وبينه، هذا إذا كان هناك عيب حقيقي كالملوحة مثلًا ولا يليق بأهل الفضل والدين أن يتكبروا ويترفعوا عن الأطعمة المتواضعة، وقد قال - ﷺ -: \" لو دعيت إلى كراع لأجبت \". اهـ. وذلك إرشاد منه - ﷺ - لأمته أن لا يحتقروا من الطعام شيئًا، لأنه نعمة من نعم الله التي يجب احترامها وتقديرها وشكرها. وقد روى عنه أنس ﵁ أنه مشى إليه بخبز شعير وإهالة سنخة، أي شحم قديم متغير الرائحة من السناخة، وهي الزناخة، فانظر إلى تواضعه - ﷺ - وسماحة نفسه ومراعاته لشعور غيره. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٩٣٢ - \" باب التلبينة \"\n١٠٧٩ - معنى الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ كانت إذا مات أحد أقاربها، واجتمع النساء للعزاء، ثم خرجن ولم يبق سوى قريباتها وصديقاتها، \" أمرت ببرمة من تلبينة \" أي أمرت أن يطبخ قدر من تلبينة، وهي حساء من دقيق وعسل، أو من دقيق ولبن \" ثم صنع ثريد \" أي قطع الخبز قطعًا","vol":"5","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1035>٩٣٣ - \" بَابُ الأكْلَ في إناءٍ مُفَضَّضٍ </span>\"\n١٠٨٠ - عنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ، ولا الدِّيبَاجَ، ولا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، ولا تَأكلُوا في صِحَافِهَا، فَإنَّها لَهُمْ في الدُّنيا وَلَنا في الآخِرَةِ \".\nــ\nصغيرة \" فصبت التلبينة عليها \" أي فصبت تلك التلبينة على الثريد \" ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: التلبينة مجمة \" بفتح الميم الأولى والجيم والميم الثانية مشددة \" لفؤاد المريض \" أي مريحة لفؤاد المريض مسكنة لآلامه الجسمية والنفسية \" وتذهب ببعض الحزن \" أي وتخفف عن المصاب أحزانه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن التلبينة تريح القلب الحزين وتسكن آلامه النفسية، وذلك كما قال ابن القيم: لأن الهم والحزن يبردان المزاج، وهذا الحساء يقوي الحرارة الغريزية، ويذهب ببعض الحزن بخاصية فيه. ثانيًا: دل هذا الحديث على أنه ينبغي لأهل الميت أن لا يستسلموا لأحزانهم، وأن يحاولوا دفعها عنهم قدر المستطاع، أو تخفيفها على الأقل، واتخاذ كل الوسائل التي تعين على تقوية النفس والقلب على تحمل المصيبة ومفارقة الأحبة. إذ لا يملك الإنسان في هذه المواقف سوى الصبر والسلوان واحتساب المصيبة عند الله تعالى، وانتظار الخلف منه. والله مع الصابرين. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" التلبينة مجمة لفؤاد المريض \".\n٩٣٣ - \" باب الأكل في إناء مفضض \"\n١٠٨٠ - معنى الحديث: أن حذيفة ﵁ يقول: \" سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا تلبسوا الحرير والديباج \" أي أنه نهي - ﷺ - عن لبس","vol":"5","page":148},{"text":"الحرير للرجال بجميع أنواعه، سواء كان من النوع المسمى بالديباج (١) أو غيره. \" ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة \" وهذا نهي صريح عن شرب أي نوع من السوائل في الأواني الذهبية والفضية \" ولا تأكلوا في صحافها \" قال العيني: جمع صحفة، وهي إناء كالقصعة المبسوطة، والمعنى: أنّه نهى الرجال عن استعمال جميع الأواني الذهبية والفضية في المشروبات والمأكولات سواء كان الإناء من الذهب الخالص أو الفضة الخالصة، أو كان مذهبًا أو مفضّضًا مخلوطًا أو مدهونًا أو مضببًا. ثم قال النبي - ﷺ -: \" فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة \" أى فإن الحرير والفضة والذهب للكفار في الدنيا وللمسلمين في الآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث، على ما يأتي: أولًا: أنه يحرم لبس الحرير بجميع أنواعه على الرجال خاصة، والوعيد الشديد لمن لبسه في الدنيا بالحرمان منه في الآخرة، كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \" ولنا في الآخرة \" (٢) ولهذا ذهب الجمهور إلى تحريم لبسه وافتراشه على الرجال، وذكر المهدي في \" البحر \" أنه مجمع عليه، واختلفوا هل يجوز لبسه في بعض الأحوال المرضية والظروف الاستثنائية فمنع مالك وأبو حنيفة من استعماله مطلقًا (٣) وقال الشافعي وأبو يوسف يجوز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب. ثانيًا: دل الحديث على تحريم الأكل والشرب (٤) في الأواني الذهبية والفضية، وكذلك يحرم كل ما هو في معنى الآنية كأدوات الطيب والكحل،\n_________\n(١) اسم فارسي معرب لنوع خاص من الحرير.\n(٢) ومن تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه كما في \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٣) \" تحفة الأحوذي \" ج ٥.\n(٤) قال القسطلاني: فيحرم استعمال كل إناء جميعه أو بعضه ذهب أو فضة، واتخاذه، لأنه يجر إلى استعماله، وسواء في ذلك الرجال والنساء، وكذلك المضبب بأحدهما. لغير حاجة. اهـ. وإنما حرم المفضض والمموه، والمضبب لغير حاجة لحديث ابن عمر مرفوعًا: \" من شرب في آنية الذهب والفضة، أو إناء فيه شيء في ذلك، فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم \" أخرجه الدارقطني والبيهقي.","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1036>٩٣٤ - \" بَابُ الرُّطَبِ بِالقِثاءِ </span>\"\n١٠٨١ - عن عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵄ قَالَ: \"رَأيت رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأكلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ \".\nــ\nوبهذا قال جمهور أهل العلم خلافًا للشوكاني والصنعاني فإنهما يريان جواز استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب لأن النص لم يرد إلاّ في الأكل والشرب. ثالثًا: أنه يحرم الأكل والشرب في الإناء المفضض سواء كان مخلوطًا أو مطليًا وهو مذهب الجمهور، واستثنى الفقهاء من ذلك ما كان مضببًا بالفضة بضبة صغيرة للحاجة إليها، أما المضبب بالذهب فإنه يحرم مطلقًا. والمطابقة: في كون الحديث يدل على تحريم الأكل من الإناء الفضي ويدخل فيه المفضض.\nْ٩٣٤ - \" باب الرطب بالقثاء \"\n١٠٨١ - معني الحديث: يقول عبد الله بن جعفر ﵄ \" رأيت رسول الله - ﷺ - يأكل الرطب بالقثاء \" أي يجمع بينهما في الأكل كما في رواية أخرى عن عبد الله بن جعفر قال: رأيت في يمين النبي - ﷺ - قثاء، وفي شماله رطبًا، وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة \" أخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده ضعف.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من سنة النبي - ﷺ - الجمع بين القثاء والرطب وفائدة ذلك كما قال القرطبي أن في الرطب حرارة وفي القثاء برودة، فإذا أكلا معًا اعتدلا. ثانيًا: ذكر الأطباء أن من فوائد هذا الغذاء المركب تسمين البدن، وورد في بعض الأحاديث ما يؤيد ذلك، فقد أخرج ابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت: \" أرادت أمي أن تهيئني للسمن لتدخلني على النبي - ﷺ - فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت كأحسن السِمَن \" ولا شك أن الجمع بين الرطب الحار والقثاء الباردة يدخل","vol":"5","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>٩٣٥ - \" بَابُ الْعَجْوَةِ </span>\"\n١٠٨٢ - عَن سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْم سَبْعَ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرَّهُ في ذلكَ اليَوْمِ سَمٌّ وَلا سِحْرٌ \".\nــ\nفي باب إصلاح المواد بعضها ببعض، وهو أصل من أصول الطب قديمًا وحديثًا، وذلك أن الأطباء يرون أن غالب المواد تحتوي على مضار ومنافع، وأنه ينبغي عند استعمالها إصلاح بعضها ببعض، وينصحون لمن تناول طعامًا باردًا بطيء الهضم أن يصلحه بطعام حار هاضم ليزيل ضرر هذا بهذا، وهذا ما فعله رسول الله - ﷺ - قال ابن القيم: \" القثاء بارد ورطب في الدرجة الثانية مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة، نافع من وجع المثانة، وهو بطيء الانحدار من المعدة، وبرده مضر ببعضها، فينبغي أن يستعمل معه ما يصلحه كما فعل النبي - ﷺ - إذ أكله بالرطب، فإنه إذا أكل بتمر أو زبيب أو عسل عدله \". اهـ. وقال في \" المعتمد \": وهو (١) يبرد ويرطب ويضر المبرودين، ويدفع ضرره بالعسل والزبيب، أي بالمواد السكرية، ومنها التمر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" يأكل الرطب بالقثاء \".\n٩٣٥ - \" باب فضل العجوة \"\n١٠٨٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - وهو الصادق المصدوق \" من تصبّح كل يوم سبع تمرات عجوةٍ \" بالجر فيهما على التمييز (٢) أو \" تمراتٍ عجوةً \" أي من أكل كل يوم صباحًا سبع تمرات من التمر المعروف بالعجوة أو\n_________\n(١) أي القثاء.\n(٢) بالجر على التمييز، وفي نسخة تمرات عجوة بإضافة تمرات لتاليه. اهـ. كما أفاده الشرقاوي في \" فتح المبدي \".","vol":"5","page":151},{"text":"من عجوة المدينة خاصة \" لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر \" أي لا يضره شىء من المواد السامة والسحرية، ويُحفظ من جميع الأشياء الضارة جسميًا أو نفسيًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على فضل عجوة المدينة وفائدتها الطبية في مقاومة السموم والسحر ودفع تأثيرهما والوقاية من أذاهما وضررهما جسميًا ونفسيًا، فإنها سلاح قوي ضد الإِصابة بالسم أو بالسحر يقضي عليهما، ويبطل مفعولهما، فإذا تناول المرء كل يوم صباحًا سبع تمرات من عجوة المدينة بالذات، لم يضره شيء من السم أو السحر كما قال - ﷺ -. والتحقيق أن هذه الفائدة الطبية المذكورة في حديث الباب لا توجد إلاّ في عجوة المدينة، لما جاء في حديث عائشة ﵂ \" أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \" إن في عجوة العالية: شفاءً أو إنها ترياق أول البكرة \" أخرجه (١) مسلم، وفي رواية \" في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم \" أخرجه أحمد في \" مسنده \": قال ابن القيم: ونفع هذا العدد من هذا التمر من هذا البلد من هذه البقعة بعينها من السم والسحر بحيث يمنع إصابته من الخواص التي لو قالها أبقراط وجالينوس وغيرهما من الأطباء لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإِذعان والانقياد، مع أن القائل إنما معه الحدس والتخمين والظن، فمن كلامه كله يقين وقطع أولى أن تتلقى أقواله بالقبول والتسليم وقال في موضع آخر: \" ولكن من شروط انتفاع العليل بالدواء، قبوله واعتقاد النفع فيه، فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة. حتى إن كثيرًا من العلاجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول، وكمال التلقي. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فائدة العجوة والله أعلم.\n_________\n(١) وفي رواية أخرى عن عائشة \" عن النبي - ﷺ - قال: \" إن في عجوة العالية شفاءً أو إنها ترياق أول البكرة \" أخرجه مسلم.","vol":"5","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1038>٩٣٦ - \" بَابُ لَعْقِ الأصَابِعِ وَمَصِّهَا قَبلَ أنْ تُمْسَحَ بِالْمِنَدِيلِ </span>\"\n١٠٨٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فلا يَمْسَحْ يَدَهُ حتى يَلْعَقَهَا أوْ يُلْعِقَهَا \".\nــ\n٩٣٦ - \" باب لعق الأصابع ومصها قبل أن تمسح بالمنديل \"\n١٠٨٣ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ يحدثنا في هذا الحديث \" أن النبي - ﷺ - قال: إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها \" أي لا يمسح يده بالمنديل المعد لإزالة الزهومة حتى يلحس يده بفمه، \" أو يلعقها \" يعني أن يلحسها لغيره من أحبائه الذين لا يتقذرون منه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب لعق الأصابع عند الانتهاء من الطعام دفعًا للكبر وهو مذهب الجمهور، وذهبت الظاهرية إلى وجوبه، لأن النبي - ﷺ - نهى عن مسح الأصابع قبل لعقها. وقد جاء الأمر الصريح بلعق الأصابع في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه. فإنه لا يدري في أي طعامه البركة \" أخرجه الترمذي فحمل الظاهرية هذا الأمر على الوجوب، وحمله الجمهور على الندب وينبغي أن يبدأ بالوسطى والحكمة في لعق الأصابع محاولة الحصول على البركة الموجودة في الطعام، لأنه لا يدري أين هي، هل هي فيما أكله من الطعام؟ أو فيما بقي منه؟ كما أشار - ﷺ - إلى ذلك صراحة في قوله - ﷺ -: \" إذا أكل أحدكم فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أيتهن البركة \" (١) أخرجه مسلم والترمذي وأحمد.\n_________\n(١) أي هل البركة فيما أكله أو فيما بقى على أصابعه، والمراد بالبركة ما تحصل به التغذية والسلامة والصحة البدنية، وتنشأ عنه القوة الجسمية.","vol":"5","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1039>٩٣٧ - \" بَابُ مَا يَقُولُ إذَا فَرَغَ مِنَ الطَّعَامِ </span>\"\n١٠٨٤ - عَنْ أبي أمَامَةَ ﵁:\nأَن النبي - ﷺ - كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: \" الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طيَبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلا مُوَدَّعٍ، وَلا مُسْتَغْنَى عَنْهُ رَبُّنَا \".\nــ\nالحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.\n٩٣٧ - \" باب ما يقول إذا فرغ من الطعام \"\n١٠٨٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يعلمنا السنة بأقواله وأفعاله، ومن الأذكار المأثورة عنه عند الانتهاء من طعامه أنه \" كان إذا رفع مائدته \" أي إذا فرغ من أكله، وبدأ في رفع آنية الطعام التي أمامه \" قال: الحمد لله \" ومعناه أن الثناء (١) والشكر كله في الحقيقة لله وحده دون سواه، \" حمدًا كثيرًا \" أي ثناءً كثيرًا يليق بجلاله، وجماله وكماله، وشكرًا جزيلًا يوازي نعمه التي لا تحصى، ومنته التي لا تستقصى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) \" طيبًا \" خالصًا من الرياء والسمعة \" مباركًا \" أي مقترنًا بالقبول الذي لا يرد، لأن البركة معناها الخير. والعمل الذي لا يقبل لا خير فيه \" غير مكفي \" بنصب \" غير \" على الحال وإضافته إلى \" مكفي \" بفتح الميم وكسر الفاء إسم مفعول، أي نحمده ﷿ حال كونه هو الكافي لعباده، ولا يكفيه أحد من خلقه، ْلأنه لا يحتاج إلى أحد \" ولا مودع \" حال أخرى أي ونحمده سبحانه حال كونه غير متروك، أي لا يتركه منا أحد لحاجتنا جميعًا إليه.\n_________\n(١) أما تخصيصه بالثناء، فلأنه المنفرد بالكمال المطلق، وأما تخصيصه بالشكر، فلأن ما من نعمة في الحقيقة إلا هو مصدرها.","vol":"5","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1040>٩٣٨ - \" بَابُ قَوْلِهِ تعالى (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) </span>\"\n١٠٨٥ - عَنْ أنسٍِ ﵁ قَالَ:\nأنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْألنِي عَنْهُ، أصبْحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ، وكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ،\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب هذا الذكر المأثور عند الانتهاء من الطعام. ثانيًا: أن الذكر مستحب ومندوب إليه في أوّل الطعام وآخره، لأن الطعام من أجل النعم التي بها قوام الحياة. فإذا اقترن بذكر الله في أوّله، وشكره والثناء عليه في آخره بصدق وإخلاص، وشعور بالنعمة، أدى إلى دوام النعم واستمرارها، كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ). الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة والله أعلم.\n٩٣٨ - \" باب قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يتعلق بقوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) أي إذا دعيتم إلى وليمة عامة أو خاصة، وفرغتم من تناول الطعام، فتفرقوا، وانصرفوا إلى منازلكم تخفيفًا عن صاحب المنزل، ومراعاة لظروفه.\n١٠٨٥ - معنى الحديث: أن أنسًا يقول: أنا أعلم الناس بسبب نزول آية الحجاب الخاص بأمّهات المؤمنين، وهي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ثم قال أنس: \" كان أُبي بن كعب يسألني عنه \" أي يسألني عن سبب نزول آية الحجاب فأبينه له، ثم قال: \" أصبح رسول الله - ﷺ - عروسًا بزينب بنت جحش \" أي أصبح من ليلة زفافه بها \" فدعا الناس للطعام بعد ارتفاع النهار \" أي في وقت الضحى \"وجلس معه رجال بعدما","vol":"5","page":155},{"text":"فَدَعَا النَّاسَ لِلطعَامِ بَعْدَ ارتِفَاعَ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ -، وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَمَا قَامَ الْقَوْمُ، حتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَمَشى ومَشَيْتُ مَعَهُ، حتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، ثم ظَنَّ أنَّهُمْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ فرَجَعْتُ مَعَهُ، فإذا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْيي وبَيْنَهُ سِترًا، وأنْزِلَ الحِجَابُ.\nــ\nقام القوم\" أي تأخروا بعد انصراف المدعوين \" فمشى ومشيت معه، حتى بلغ حجرة عائشة \" أي فقام النبي من مجلسه ومشى حتى وصل إلى حجرة عائشة ليشير إليهم برغبته في انصرافهم \" ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت، فإذا هم جلوس مكانهم \" فإذا هم ما زالوا جالسين في مواضعهم. \" فرجع ورجعت \" أي فقام النبي - ﷺ - مرة أخرى، ومشى كالمرة الأولى \" فإذا هم قد قاموا \" أي فلما عاد وجدهم قد انصرفوا \" فضرب بيني وبينه سترًا \" أي فحجب النبي - ﷺ - نساءه عن الرجال ووضع بيني وبينه غطاء يستر النساء عن الرجال \" وأنزل الله آية الحجاب \" وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) صدق الله العظيم. وموضع الأمر بالحجاب قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).","vol":"5","page":156},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الآداب الشرعية المطلوبة من الضيف أن ينصرف بعد فراغه من طعام الوليمة مباشرة، وأن لا يتأخر بعد ذلك مستأنسًا بالحديث الذي يدور في المجلس لئلا يؤذي صاحب المنزل، ويثقل عليه، ولا يقدر على مصارحته حياءً منه، فقد أمر الله تعالى الضيف بالخروج عقب الانتهاء من الطعام فورًا، فقال تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا). ثانيًا: دل هذا الحديث على سبب نزول قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) وهي هذه القصة التي ذكرها أنس ﵁. ثالثًا: دل هذا الحديث على سبب نزول آية الحجاب وهي قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ولهذا حجب النبي - ﷺ - نساءه عن الرجال عقب نزول هذه الآية مباشرة كما قال أنس ﵁: \" فضرب بيني وبينه سترًا \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون القصة المذكورة سببًا في نزول قوله تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا).\n***","vol":"5","page":157},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1042> كتابُ العقيقة </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1041>٩٣٩ - \" بَابُ تسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ غَدَاةَ يُولَدُ لِمَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ وَتحْنِيكِهِ </span>\"\n١٠٨٦ - عن أبي مُوسَى ﵁ قَالَ:\n\"وُلِدَ لِي غُلامٌ، فأتَيْتُ بِهِ النبي - ﷺ -، فَسَمَّاهُ إبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ،\nــ\n\n\" كتاب العقيقة \"\nوالعقيقة لغة: الشعر الذي يخرج على رأس المولود، كما عرفها أبو عبيد، وسميت بذلك شرعًا لأن المولود يحلق عنه وقيل: إنها من عق بمعنى قطع، ومنه عق والديه، رجحه ابن بعد البر. أما العقيقة شرعًا: فهي كما في \" الإِرشاد \" ذبح شاة عن المولود سابع ولادته، قال عطاء: \" ولا يحسب اليوم الذي ولد (١) فيه إن سبق الفجر، وهي مؤقتة باليوم السابع ولا تشرع قبله ولا بعده، وقيل تجزىء بعد السابع (٢) أيضًا (٣).\n٩٣٩ - \" باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه \"\n١٠٨٦ - معنى الحديث: يقول أبو موسى الأشعري ﵁: \" ولد لي غلام فأتيت به النبي - ﷺ - \" يعني فبادرت بإحضاره إلى النبي - ﷺ -\n_________\n(١) وهو مذهب مالك ومن وافقه من أهل العلم، قال ابن عبد البر: نص مالك على أن أول السبعة اليوم الذي يلي يوم الولادة، إلّا إن ولد قبل الفجر، وكذا نقله البويطي عن الشافعي.\n(٢) وحكاه الترمذي عن بعض أهل العلم ولم يذكر أسماءهم.\n(٣) قال ابن القيم في \" تحفة الودود بأحكام المولود \": قال عطاء: إن أخطأهم أمر العقيقة يوم السابع، أحببت أن يؤخره إلى اليوم السابع الآخر، وكذلك قال أحمد، وإسحاق والشافعي، ولم يزد مالك على السابع الثاني وقال ابن وهب: لا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث، وهو قول عائشة وعطاء وأحمد وإسحاق (ع).","vol":"5","page":158},{"text":"وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ وكانَ أكْبَرَ وَلَدِ أبي مُوسَى\".\nــ\nبعد ولادته مباشرة \" فسماه إبراهيم \" أي فسماه النبي - ﷺ - بهذا الاسم في يوم مولده، \" فحنكه بتمرة \" أي فمضغ في فمه تمرة، وجعلها في فم الصبي كي تحل به البركة \" ودعا له بالبركة \" أي ودعا له النبي - ﷺ - أن يجعل الله فيه الخير والصلاح، ويوفقه في دينه ودنياه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استدل به البخاري على مشروعية التعجيل بتسمية المولود يوم مولده لمن لم يعق عنه (١) لأن النبي - ﷺ - سمّى غلام أبي موسى بعد ولادته مباشرة، ولم يؤخر تسميته إلى يوم سابعه، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه يستحب تسميته في يوم سابعه إن عق عنه، وإلّا فإنه يُسَمَّى قبل ذلك قال: في \" منهج السالك على مذهب مالك \" ويسمى يوم السابع إن عق عنه، وإلّا سمي قبل ذلك، ولو ومن يوم الولادة. والتسمية يوم السابع سنة مستحبة، فقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه تُسَنّ التسمية يوم السابع. قال ابن قدامة (١): ويستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى، لحديث سمرة عن النبي - ﷺ - أنّه قال: \" كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمّى فيه ويحلق رأسه \". وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن، لما روي أن النبي قال لفاطمة لما ولدت الحسن: \" احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوفاض \" وهم أهل الصفة. قال ابن قدامة: \" وإن سمّاه قبل السابع جاز (٢)، لأن النبي - ﷺ - قال: \" ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم \". ثانيًا: دل هذا الحديث على استحباب تحنيك الصبي عند تسميته وقد تقدم معناه أثناء شرح الحديث، والأفضل أن يكون التحنيك بالتمر، فإن لم يتيسر فبالرطب وإلّا فبشيء حلو، وأولاه عسل النحل.\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة ج ٩.\n(٢) \" المغني \" لابن قدامة ج ٩.","vol":"5","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1043>٩٤٠ - \" بَابُ إمَاطَةِ الأذَى عَنِ الصَّبِيِّ في العَقِيقَةِ </span>\"\n١٠٨٧ - عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَبِّي ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًَا، وأمِيطُوا عَنْهُ الأذَى \".\nــ\nقال الحافظ: والحكمة في التحنيك: أن يتمرن الصبي على الأكل ويقوى عليه، ويستحب أن يختار لتحنيكه الصالحون كما تدل عليه أحاديث الباب. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" ولد لي غلام فأتيت به النبي - ﷺ - فسماه إبراهيم \" حيث سماه بعد الولادة مباشرة وهو ما ترجم له البخاري.\n٩٤٠ - \" باب إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة \"\n١٠٨٧ - معنى الحديث: يحدثنا سلمان بن عامر ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \" مع الغلام عقيقة \" أي أن الله شرع لكم مع كل غلام يولد عقيقة تذبح في اليوم السابع من ولادته \" فأهريقوا عنه دمًا \" أي فأسيلوا عنه في يوم سابعه دمًا، وذلك بذبح العقيقة المشروعة عنه \" وأميطوا عنه الأذى \" أي أزيلوا عنه الأذى بغسل جسمه، وإلباسه ثيابًا نظيفة وحلق شعره في اليوم الذي تذبحون فيه عقيقته، وهو اليوم السابع من ميلاده.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية العقيقة، وهي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم السابع من ميلاده لقوله - ﷺ -: \" مع الغلام عقيقة \" واختلف في حكمها، فذهب الحسن البصري والظاهرية إلى أنّها واجبة، حتى قال ابن حزم: إنها فرض يجبر عليها إذا فضل له من قوته مقدارها، وتمسكوا في ذلك بظاهر قوله - ﷺ - في حديث الباب: \" فأهريقوا عنه \" حيث حملوا الأمر على الوجوب، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إنها سنة مؤكدة، ولو كان الأب معسرًا، وحملوا الأمر على الندب، قال أحمد: العقيقة سنة عن","vol":"5","page":160},{"text":"رسول الله - ﷺ - قد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه، وقال النبي - ﷺ - \" الغلام مرتهن بعقيقته \" وهو بإسناد جيد، وقال مالك في \" الموطأ \" ليست العقيقة بواجبة، ولكنها يستحب العمل بها، وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا، فمن عق عن ولده فإنما هي بمنزلة النسك والضحايا. وقال ابن رشد: وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضًا ولا سنة، وقد قيل: إن تحصيل مذهبه أنها عنده تطوع، وقد صرح محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة بأن العقيقة تطوع. واستدل الجمهور على أن الأمر بالعقيقة للندب والاستحباب لا للوجوب بقوله - ﷺ -: \" من ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده -أي أن يذبح عنه عقيقة- فليفعل \" قال الزرقاني: فإن جعل ذلك موكولًا إلى محبته مع تسميته نسكًا يدل على الاستحباب. واختلقوا في العقيقة، هل هي واحدة في الذكر والأنثى أو أنّها تختلف؟ فذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة، وهو قول ابن حبيب من المالكية، واستدلوا بما رواه الترمذي في سننه \" أن رسول الله - ﷺ - أمرهم أن يعقوا عن الغلام شاتين مكافئتين، وعن الجارية شاة \" وقال: حديث حسن صحيح، وقال مالك: الذكر والأنثى سواء، يعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج بما ثبت عن النبي - ﷺ - \" أنه عق عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا \" أخرجه أبو داود، لكن جاء في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ بلفظ \" كبشين كبشين \" واختلفوا هل يشترط في العقيقة ما يشترط في الأضحية، فذهب مالك إلى أنه يشترط، وفيه وجهان للشافعية، أصحها أنه يشترط. ثانيًا: دل هذا الحديث على استحباب تنظيف المولود يوم سابعه بإزالة ما به من قذر، لقوله - ﷺ -: \" وأميطوا عنه الأذى \" وليس المراد بذلك حلق الرأس فقط، بل هو أعم فيشمل حلق رأسه، وتطهيره من الأوساخ التي علقت بجسمه وإلباسه ملابس نظيفة. ويستحب أن يحلق شعره ويتصدق بوزنه فضة، قال ابن قدامة: وإن تصدق بزنة شعره فضة فحسن، وقال ابن أبي زيد في \" الرسالة \": وإن حلق شعر","vol":"5","page":161},{"text":"رأس المولود، وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب. قال ابن قدامة قال بعض أهل العلم: يستحب للوالد أن يؤذّن في أذن ابنه لما روي عن عبد الله بن رافع ﵁ \" أن النبي - ﷺ - أذن في أذن الحسن حين ولدته فاطمة \" والتهنئة بالمولود مشروعة عرفها السلف في حدود الاعتدال بحيث لا تتعدى الدعاء، قال ابن قدامة: روينا أن رجلًا قال لرجل عند الحسن: ليهنك الفارس، فقال الحسن: وما يدريك أنّه فارس هو أو حمار؟ فقال: كيف نقول؟ فقال قل: بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، وبلغ أشده ورزقت بره. الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (١) أيضًا.\n...\n_________\n(١) كما في \" عون المعبود شرح سنن أبي داود \" ج ٨.","vol":"5","page":162},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1045> كتاب الصَّيد والذبائح </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1044>٩٤١ - \" بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَيْدِ </span>\"\n١٠٨٨ - عن عَدِيّ بْنِ حَاتِم ﵁ قَالَ:\nسَألتُ النبي - ﷺ - عَنْ صَيدِ المِعْرَاضِ؟ قَالَ: \"ما أصَابَ بِحَدِّهِ\nــ\n\n\" كتاب الصيد والذبائح \"\nالذبائح ما ذكي من الحيوان، والذكاة الشرعية كما قال الفقهاء: هي ذبح الحيوان بقطع حلقومه (١) أو مريئه كما في الغنم والبقر. أو نحره كما في الإِبل وهو أن يضرب البعير بسكين في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، أو عقره: أى عقر الحيوان إذا كان متوحشًا غير مقدور عليه، واقتناصه بالسلاح أو بالجوارح والحيوانات المعلمة. فالعقر أو الصيد. يستعمل في الحيوانات الوحشية غير المقدور عليها، كالطيور والظباء وحمر الوحش، وهو ذكاتها، والذبح والنحر يستعملان في الحيوانات الأليفة المقدور عليها، قال ابن قدامة: \" لا خلاف بين أهل العلم في أن المستحب نحر الإِبل وذبح ما سواها (٢) والمراد بالذبائح: كل ما ذُكِّيَ من الحيوان، سواء ذُكي بالذبح أو بالنحر. أما الصيد فهو في الأصل مصدر صاد يصيد، ولكنه عومل هنا معاملة الأسماء فأطلق على الحيوان المصاد وتعريفه شرعًا: هو اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقدور عليه ..\n٩٤١ - \" باب التسمية على الصيد \"\n١٠٨٨ - معنى الحديث: لقول عدي بن حاتم: \"سألت النبي - ﷺ -\n_________\n(١) الحلقوم مجرى النفس من الحيوان، والمريء مجرى الطعام والشراب منه.\n(٢) \" المغني \" لابن قدامة.","vol":"5","page":163},{"text":"فَكُلْهُ، وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ، وسألتُهُ عَنْ صَيْدِ الكَلْبِ؟ فَقَالَ: مَا أمسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، فَإِنَّ أخْذَ الكَلْب ذَكَاة، وِإنْ وَجَدْتَ معَ كَلْبِكَ أوْ كِلابِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ فَخَشِيْتَ أنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وقَدْ قَتَلَهُ، فلا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ\".\nــ\nعن صيد المعراض\" هل هو حلال أم لا؟ والمعراض هو سهم محدد الطرفين، غليظ الوسط، يصيب تارة بحده، وتارة بعرضه \" قال: ما أصاب بحده \" أي كل ما أصابه بطرفه المحدد فكل، فإنه صيد شرعي مباح الأكل، وفي رواية \" إذا رميت بالمعراض، وذكرت اسم الله فأصاب فَخَرَق -أي نفذ في المصيد بحده- فكل \" أخرجه الستة، وقال الترمذي: حسن صحيح \" وما أصاب بعرضه فهو وقيذ \" فإنه يحرم كما يحرم الوقيذ، وهو الحيوان المقتول بشيء مثقل من حجر أو خشبة أو نحوها \" وسألته عن صيد الكلب \" \" والمعنى \" أنه سأل النبي - ﷺ - عن الحيوان الذي يصطاده الكلب المعلم \" فقال: ما أمسك عليك فكل \" أي ما أمسكه كلب الصيد لك: وصاده من أجلك فكل، وفي رواية \" ما علَّمت من كلب أو باز، ثم أرسلته، وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك \" قلت وإن قتل، قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئًا، فإنما أمسكه عليك \" أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي. وأحمد مطولًا ومعنى قوله - ﷺ -: \" ما أمسك عليك فكل \" أي ما صاده الكلب المعلم لك، واحتفظ به من أجلك، ولم يأكل منه شيئًا، فإنه صيد شرعي مباح الأكل، فكل منه ما شئت، وأطعم منه من شئت قال - ﷺ -: \" فإنّ أخْذَ الكَلْبِ ذكاة \" أي فإن عقره له ذكاة شرعية تبيح أكله كما يبيح الذبح والنحر لحوم الضأن والبقر والإِبل. قال - ﷺ -: \" وإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبًا غيره فحسبت أن يكون أخذه، وقد قتله فلا تأكل \" أي إن وجدت مع كلابك كلبًا آخر وخشيت أن يكون","vol":"5","page":164},{"text":"قد اشترك معها في قتل الحيوان أو انفرد بقتله، فإنه يحرم أكله، لاحتمال أنه استرسل بنفسه، أو أرسله مجوسي لم يذكر اسم الله عند إرساله \" فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك، ولم تذكره على غيره \" أي فلو صاده الكلب الآخر فإنه يحتمل أنه لم يذكر اسم الله عليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجوز الصيد بكل محدد فكل حيوان صيد بمحدد فهو مباح الأكل، ولا يحل صيد المثقل وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري، لأنه وقيذ. ثانيًا: دلّ هذا الحديث على أن صيد الكلب وشبهه من ذوات الناب حلال بثلاثة شروط: الأول: أن يكون معلمًا إذا أغراه صاحبه بالصيد طلبه، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك الصيد أمسكه على صاحبه، واختلفوا في علامة ذلك ومتى يتحقق كونه معلّمًا على صاحبه، فذهب أحمد وأبو يوسف ومحمد والشافعي (١) في أرجح أقواله: أن علامة إمساكه على صاحبه، وكونه معلمًا أن لا يأكل من الصيد، فإن أكل منه فلا يجوز الأكل منه، لما في رواية النسائي، \" فإن أدركته قد قتل، ولم يأكل فقد أمسكه عليك، وإن وجدته قد أكل منه فلا تطعم منه شيئًا فإنما أمسك على نفسه \" وفي رواية الترمذي \" فإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه \"، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن الكلب المعلم يعرف بغالب الرأي، أو بالرجوع إلى أهل الخبرة، فإذا عرف بذلك أنّه معلّم، فإنه يؤكل من صيده ولو أكل منه، لما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة الأعرابي قال: يا رسول الله إنّ لي كلابًا مكلّبة أفتني في صيدها قال: \" كل مما أمسكن عليك \" قال: وإن أكل منه؟ قال: \" وإن أكل منه \" أخرجه أبو داود، ولا بأس بسنده. اهـ. الثاني: أنه يشترط في صيد الكلب أن يكون قد سمّى الله عليه، لقوله - ﷺ -: \"فإنما ذكرت اسم الله على كلبك\" فإن\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٥.","vol":"5","page":165},{"text":"مفهومه أنه إذا لم يذكر اسم الله عند إرساله لا يحل صيده، ويؤكد ذلك نصًا وتصريحًا ما جاء في رواية أخرى عن عدي بن حاتم أن النبي - ﷺ - قال: \" إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه (١)، فإن أدركته لم يقتل فاذبح، واذكر اسم الله عليه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل \" الخ أخرجه النسائي. قال في \" الإِفصاح \" واختلفوا فيما إذا ترك التسمية على رمي الصيد أو إرسال الكلب. فقال أبو حنيفة: إن ترك التسمية في الحالين ناسيًا حلّ الأكل منه، وإن تعمد تركها. لم يُبَح في الحالين \" (٢) وقال مالك: إن تعمد تركها لم يبح في الحالين. وإن تركها ناسيًا فهل يباح أم لا؟ عنه روايتان، وعنه رواية ثالثة أنه يحل أكلها على الإِطلاق في الحالين سواء تركها عمدًا أو ناسيًا. وعن أحمد ثلاث روايات أظهرها أنّه إن ترك التسمية لم يحل الأكل منه على الإِطلاق سواء كان تركه التسمية عمدًا أو سهوًا والثانية: كمذهب أبي حنيفة والثالثة: إن تركها على إرسال السهم ناسيًا أكل، وإن تركها على إرسال الكلب أو الفهد ناسيًا لم يأكل. الثالث: أنه يشترط في جواز أكل الصيد أن يكون الكلب مرسلًا، لأن سياق الحديث يدل عليه، وقد جاء مصرحًا به في رواية أخرى عن عدي بن حاتم، قال فيها: \" إذا أرسلت كلبك \" إلخ أخرجه النسائي. ثالثًا: أنّه إذا وجد الصيد مقتولًا، ووجد مع كلبه كلبًا آخر لا يعلم هل تتوفر فيه شروط الصيد أم لا، ولم يعلم أيهما قتله أو علم أنهما قتلاه أو قتله الكلب المجهول لا يحل له الأكل منه. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" فإنما ذكرت اسم الله على كلبك.\n...\n_________\n(١) لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).\n(٢) وهو أظهر الروايات عن أحمد كما في \" الإفصاح \".","vol":"5","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1046>٩٤٢ - \" بَابُ صَيْدِ القَوْس </span>\"\n١٠٨٩ - عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ:\nقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا بِأرْضِ قَوْمٍ أهْلِ كِتَابٍ، أفَنَاكلُ في آنِيَتهِمْ؟ وَبِأرْضِ صَيْدٍ أصِيدُ بِقَوْسِي وبِكَلْبِي الذي لَيْسَ بِمُعَلَّم وَبِكَلْبِي الْمُعلَّمِ، فَمَا يَصْلُح لي، قَالَ: \"أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ فإنْ وَجَدْتمْ غَيْرَهَا فلا تَأكُلُوا فيها، وَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا، وما صِدْتَ\nــ\n٩٤٢ - \" باب صيد القوس \"\n١٠٨٩ - ترجمة الراوي: وهو أبو ثعلبة جرثوم بن ناشر الخشني. بالخاء المضمومة والشين المعجمتين نسبة إلى بني خشن بطن من قضاعة صحابي جليل، أسلم يوم خيبر، وشهد بيعة الرضوان وذهب إلى قومه بني خشن فدعاهم إلى الإِسلام فأسلموا، توفي سنة ٧٥ هـ.\nمعنى الحديث: يقول أبو ثعلبة ﵁: \" قلت يا نبي الله إنا بأرض قوم أهل كتاب \" وهي أرض الشام وهم من النصارى \" أفنأكل في آنيتهم \" أي هل يحل لنا الأكل في أوانيهم التي يأكلون فيها لحم الخنزير وغيره من اللحوم غير المذبوحة، ويشربون فيها الخمور \" وبأرض صيد \" أي ونحن في أرض تتوفّر فيها الحيوانات البرية ويكثر فيها الصيد \" أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصلح لي \" أي وأنا مولع بالصيد فمرة أصيد بالقوس، ومرة بكلب غير معلم، ومرة بكلب معلم، فما الذي يجوز أكله من الصيد؟ \" قال: أمّا ما ذكرت عن أهل الكتاب \" يعني أما سؤالك عن حكم آنية أهل الكتاب من الأطباق والقدور ونحوها \" فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها \" لتتأكدوا من طهارتها \" وكلوا فيها \" بعد غسلها بالماء","vol":"5","page":167},{"text":"بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرَ مَعَلَّم فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ\".\nــ\nالطهور، \" وما صِدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل \" فإنّه صيد شرعي حلال \" وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله \" عند إرساله \" فكل \" لأنه حلال \" وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل \" ومفهومه إنك إذا لم تدرك ذكاته فلا تأكل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الاصطياد بالقوس ومشروعيته، ولا خلاف في ذلك. واتفقوا على أن من قصد صيدًا بعينه، فرماه بسهمه فأصابه فإنه مباح (١)، ثم اختلفوا فيما إذا أصاب غيره، فقال أبو حنيفة. وأحمد يباح على الإِطلاق، وقال مالك: لا يباح على الإطلاق وقال الشافعي: إذا كان في السمت الذي رمى سهمه حل، وإن كان في غير السمت فلأصحابه وجهان (٢) أما البنادق المعروفة اليوم، فهل يجوز الصيد بها أم لا؟ فقد قال الصنعاني (٣): وأما البنادق المعروفة الآن، فإنّها ترمي بالرصاص وقد صيرته نار البارود كالميل، فيقتل بحده، فالظاهر حل ما قتلته، وإلى حله ذهب الشوكاني في \" نيل الأوطار \" والسيد صديق حسن خان والله أعلم. ثانيًا: إباحة استعمال أواني الكفار ومثلها ثيابهم عند عدم وجود غيرها بعد غسلها إذا علم استعمالهم لها في المحرمات. ثالثًا: جواز صيد الكلب المعلم بالشروط التي تقدم بيانها في الحديث السابق. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي\n_________\n(١) وهل يشترط ذكر اسم الله عليه أم لا؟ تقدم بيانه في الحديث السابق.\n(٢) \" الإفصاح عن معاني الصحاح \" ج ٢.\n(٣) \" سبل السلام \" ج ٤.","vol":"5","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1047>٩٤٣ - \" بَابُ مَن اقتنَى كَلبًَا لَيسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ أوْ مَاشِيَة </span>\"\n١٠٩٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ اقْتَنى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أو ضَارِيةٍ، نَقَصَ كُلَّ يَوْم مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ \".\nــ\nوابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل \".\n٩٤٣ - \" باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية \"\n١٠٩٠ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" من اقتنى كلبًا \" أي من اتخذ كلبًا في منزله أو حانوته \" ليس بكلب ماشية \" أي ليس هذا الكلب لحراسة ماشية ولا زرع \" أو ضارية \" أي وليس كلب صيد \" نقص كل يوم من عمله قيراطان \" أي نقص من أعماله الصالحة كل يوم مقدار قيراطين. ومعناه: من اقتناه لغير حاجة من هذه الحاجات المعتبرة شرعًا فإنه ينقص من. أجره شيء عظيم \" قرّب النبي - ﷺ - لنا معناه بالقيراطين، والله أعلم قدر ذلك \" وذلك لأنه عصى الله باقتنائه، فإن دعت (١) الحاجة إليه لمنفعة ومصلحة شرعية لحراسة الغنم أو حراسة الحقول الزراعية، أو قصد به الصيد فإنه يجوز.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم اتخاذ الكلب لغير مصلحة معتبرة شرعًا، لكونه من البهائم القذرة التي ينجم عن اقتنائها مضار ومفاسد عظيمة من ابتعاد الملائكة عن المكان الذي هو فيه، وترويع الناس بنباحه الكريه أثناء الليل، وتخويف المارة، وقد صرح الحديث بنقصان أجر صاحبه كل يوم قيراطين، وهذا يدل على تحريمه، لأن مثل هذا الوعيد الشديد لا يترتب\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>٩٤٤ - \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ المثلةِ والمَصْبُورَةِ وَالمُجَثَّمَةِ </span>\"\n١٠٩١ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ قَالَ:\n\" لَعَنَ النبي - ﷺ - مَنْ مَثَّلَ بالْحَيْوَانَ \".\nــ\nإلّا على محرم، واختلف العلماء: هل المنع للتحريم أو للكراهة؟ فذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية إلاّ المستثنى. اهـ. وكذلك الحنابلة، قال النووي، أمّا اقتناء الكلب فمذهبنا أنّه يحرم اقتناؤه لغير حاجة، ويجوز للصيد والزرع والماشية، وهل يجوز لحفظ الدور والدروب ونحوها؟ فيه وجهان أصحها جوازه (١). ثانيًا: دل الحديث على أن المنافع المشروعة التي يجوز اقتناء الكلب لأجلها أمران، الأول: الصيد، فإنه يجوز اقتناء الكلب المعلّم المدرَّب على الصيد لاصطياد الحيوانات البرية. الثاني: يجوز اقتناء الكلب لحراسة الماشية والزرع ما عدا الكلب الأسود البهيم، فإنه لا يجوز عند أحمد وإسحاق. قال في تيسير العلام (٢): بهذا نعلم مبلغ ما لدى الغربيين من السفاهة وقلة البصيرة، حيث اعتنوا باقتنائها لغير فائدة يلامسونها ويقبلونها، فهل بعد هذا من سفه؟! والعجب أن مثل هذه العادات والأعمال القبيحة مشت عند المستغربين منا. وتدينوا بأعمالهم واعتنقوا كل سفالة عندهم، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" نقص كل يوم من عمله قيراطان \".\n٩٤٤ - \" باب ما يكره من المثلة \"\n١٠٩١ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" لعن النبي - ﷺ - من مثل بالحيوان \" أي قطع أجزاء جسمه وهو حي، لما في ذلك من تعذيب الحيوان، الذي أوجب الشارع الرحمة والرفق به، والعطف والشفقة\n_________\n(١) \" أوجز المسالك إلى موطأ مالك \" ج ١٥.\n(٢) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"5","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1049>٩٤٥ - \" بَابُ ما أنهَرَ الدَّمَ مِنَ القَصَبِ وَالْمَرْوَةِ </span>\"\n١٠٩٢ - عن رَافِع بْنِ خَدِيجٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ:\nيَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَ لَنَا مُدَى؟ فَقَالَ: \" مَا أنهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ ليْسَ الظُّفُرَ والسِّنَّ، أمَّا الظّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ، وأمَّا السِّنُّ فَعظْمٌ \"\nــ\nعليه، حتى في حال ذبحه، حيث قال - ﷺ -: \" إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم تعذيب الحيوان بالتمثيل به وهو حى، أو محاولة الانتصار عليه بخداعه وطعنه بالخناجر والسهام في ظهره استعراضًا لبطولة زائفة في مصارعة كاذبة، كما في مصارعة الثيران التي نرى فيها دعاة الرفق بالحيوان كيف يعذبون الحيوان المسكين، ويتخذون من تعذيبه ملهاة يتسلى بها الجماهير، فإن الإِسلام وهو دين الرحمة قد حرم ذلك أشد التحريم، لما فيه من قسوة ووحشية. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كون - ﷺ - لعن من مثل بالحيوان. وهذا يدل على تحريم التمثيل به.\n٩٤٥ - \" باب ما أنهر الدم من القصب (١) والمروَةِ \".\n١٠٩٢ - معنى الحديث: يحدثنا رافع بن خديج ﵁ \" أنه قال: يا رسول الله ليس لنا مُدى \" جمع مدية، وهي السكين \" فقال: ما أنهر الدم \" أي أسأله بكثرة \" وذكر اسم الله عليه \" عند الذبح حقيقة أو حكمًا كما في الناسي فَكُل أي فكل ذبيحته، فإنّ ذبيحته ذبيحة شرعية صحيحة \" ليس الظفر والسن \" أي ما عدا الظفر والسن، فلا يجوز الذبح بهما وفي رواية أبي داود ما لم يكن سنًا أو ظفرًا. بضمتين أو بضم الظاء وسكون الفاء. \"أما\n_________\n(١) القصب نبات ذو أنابيب، والمروة حجر أبيض تجعل منه آلة حادّة كالسكين.","vol":"5","page":171},{"text":"ونَدَّ بَعيرٌ فَحَبَسهُ فقالَ: \" إِنَّ لِهَذِه الإِبلِ أوابِدَ كأوابِدِ الوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فاصْنَعُوا بِهِ هكَذَا \".\nــ\nالظفر فمدى الحبشة\" أي أما الظفر فالعلة في تحريمه أنه أداة يذبح بها الحبشة، وهم كفار، وقد نهينا عن التشبه بهم \" وأما السن فعظم \" أي وأمّا السن فالعلة في تحريمه أنه من العظم الذي هو زاد إخواننا من الجن، فنهينا عن الذبح به، كما نهينا عن الاستنجاء به لئلا يتنجس بالدم، أو بالروث فلا يأكلونه \" وندَّ بعيرٌ فحبسه \" بفتح النون، وتشديد الدال، أي وهرب بعير على وجهه شاردًا فأعياهم إمساكه فرماه - ﷺ - بسهم \" فقال: إن لهذه الإِبل أوابدَ كأوابد الوحش \" أي إن الإبل تحدث منها أحيانًا أمور غريبة كما يحدث من الحيوانات المتوحشة \" فما غلبكم منها \" أي فما هرب منكم وعجزتم عن إمساكه \" فأصنعوا هكذا \" أي فارموه بسهم كما صنعت. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجوز الذبح بكل محدد قاطع، سواء كان مدية أو قصبًا أو مروة أو أي محدد. قال النووي: فكلها تحصل بها الذكاة إلاّ السن والظفر والعظام كلها، أما الظفر فيدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات للحديث وأما السن فيدخل فيه سن الآدمي وغيره، الطاهر والنجس، المتصل والمنفصل، ويلحق به سائر العظام من كل الحيوان المتصل منها والمنفصل، الطاهر والنجس، وبهذا قال جمهور العلماء، وقال الحنفية: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين ويجوز بالمنفصلين، وروي عن مالك روايات أشهرها جوازه بالعظم مطلقًا، لا بالسن مطلقًا (١) قال في \" تيسير العلام \" أما المشهور من المذاهب (٢) فيختص - يعني التحريم بالسن (٣) فقط والله\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.\n(٢) أي مذهب الحنابلة.\n(٣) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"5","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1050>٩٤٦ - \" بَابُ أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ مِنَ السباعَ </span>\"\n١٠٩٣ - عن أبي ثَعْلبَةَ الخُشَنِيِّ ﵁:\n\" أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهى عَنْ أَكْل كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ \".\nــ\nأعلم. ثانيًا: اشتراط التسمية في الذكاة لقوله - ﷺ -: \" ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل \" وقد اختلف في ذلك الفقهاء فقال الشعبي وابن سيرين وداود الظاهري وأحمد في رواية التسمية على الذبيحة شرط، فلو تركها عمدًا أو نسيانًا لا تحل لهذا الحديث، ولقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وقال الجمهور: شرط عند الذكر، فإن تركها عمدًا لا تحل، وهو مشهور مذهب مالك وأحمد، لظاهر قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وإن تركها نسيانًا حلت الذبيحة. لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال \" المسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم، وليذكر اسم (١) الله، ثم ليأكل \" أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفي سنده محمد بن يزيد بن سنان صدوق ضعيف الحفظ (٢)، وذهب الشافعي إلى أن التسمية على الذبيحة سنة مستحبة، وليست شرطًا، فإن تركها عمدًا أو نسيانًا لا يضر، وهو رواية عن أحمد لحديث عائشة ﵂ أنهم قالوا: يا رسول الله إن قومًا حديثو عهد بجاهلية يأتوننا بلحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها، فقال رسول الله - ﷺ -: \" سموا الله وكلوا \" أخرجه الستة وأحمد والبيهقي والدارمي. - والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل \".\n٩٤٦ - \" باب أكل كل ذي ناب من السباع \"\n١٠٩٣ - معنى الحديث: يحدثنا أبو ثعلبة ﵁ \"أن رسول\n_________\n(١) \" تكملة المنهل العذب \" ج ٣.\n(٢) وقد صح موقوفًا على ابن عباس ﵄ كما قال البيهقي وغيره. (ع).","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1051>٩٤٧ - \" بَابُ المِسْكِ </span>\"\n١٠٩٤ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:\nــ\nالله - ﷺ - نهى عن كل ذي ناب من السباع\" قال ابن الأثير: الناب: السن التي خلف الرباعية، قال ابن سينا: لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معًا، والسبع كما في القاموس المفترس من الحيوان (١)، ومعناه: أن النبي - ﷺ - نهى عن أكل حيوان مفترس له ناب قوي يصطاد به كالأسد والذئب والنمر ونحوه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم السباع التي لها ناب لقوله في حديث الباب: \" نهى عن كل ذي ناب من السباع \" قال الترمذي: والعمل (٢) على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم. وهو قول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. اهـ. قال في \" تحفة الأحوذى \": وهو قول أبي حنيفة، وقال الحافظ: وحكى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك كالجمهور أي أنه يقول بتحريم كل ذي ناب من السباع، وقال ابن العربي: المشهور عنه الكراهة. اهـ. واستثنى الشافعي منه الضبع (٣) والثعلب خاصة، لأن نابهما ضعيف. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" نهى عن كل ذي ناب من السباع \".\n٩٤٧ - \" باب المسك \"\n١٠٩٤ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \"مثل الجليس الصالح\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذى \" ج ٥.\n(٢) \" جامع الترمذي \".\n(٣) قال في \" الإفصاح: واختلفوا في الضبع والثعلب \" فقال أبو حنيفة: لا يحل أكلهما، وقال مالك والشافعي: هما مباحان، وقال أحمد: الضبع مباح رواية واحدة، وفي الثعلب روايتان، إحداهما تحريمه وهي اختيار الخلال، والأخرى إباحته، وهي اختيار عبد العزيز، واختلفوا في الضب واليربوع، فقال أبو حنيفة يكره أكلهما، وقال مالك والشافعي: هما مباحان، وقال أحمد: الضب مباح رواية واحدة وفي اليربوع روايتان.","vol":"5","page":174},{"text":"عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَثَل الجَلِيسِ الصَّالِحِ والسُّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أنْ يحْذِيَكَ، وِإمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإمَّا أنْ تَجِدَ مِنْه رِيحًا طيِّبةً، وَنَافِخ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وِإمَّا أنْ تَجِدَ ريحًا خَبِيثَةً \".\nــ\nوالسوء كحامل المسك ونافخ الكير\" في هذا الكلام النبوي البليغ لفٌّ ونشرٌ مرتب، وأصل الكلام مثل الجليس الصالح كحامل المسك، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير. والمعنى: أن النبي - ﷺ - شبه الجليس الصالح في دينه وخلقه بمن يحمل معه مسكًا، وشبه جليس السوء بمن ينفخ كيرًا وهو آلة من الجلد ينفخ بها الحداد على النار، ثم بين وجه الشبه في قوله: \" فحامل المسك إمّا أن يحذيك \" أي فإذا جلست إلى حامل المسك لا بد أن تنتفع منه لأنه إما أن يهديك من الطيب الذي معه \" وإما أن تبتاع منه \" أي تشترى منه مسكًا \" وإما أن تجد منه (أى تشم منه) رائحة طيبة وكذلك الجليس الصالح إما أن يفيدك بعلمه أو بنصحه وتوجيهه، أو حسن سلوكه بالاقتداء به. \" ونافخ الكير \" إذا صحبته لا بد أن يؤذيك فهو \" إما أن يحرق ثيابك \" من الشرر المتطاير \" وإمّا أن تجد منه ريحًا خبيثة \" من الدخان الذي يتصاعد من ناره فتشمّ منه رائحة كريهة تخنق أنفاسك، كذلك جليس السوء إما أن يغريك بالسيئة أو تقتدي بسلوكه السيء فتنحرف عن سواء السبيل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في مجالسة أهل الفضل، لأنهم يسعد بهم جليسهم، فإن كانوا علماء استفاد منهم علمًا، وإن كانوا صلحاء استفاد منهم صلاحًا، وإن كانوا أبطالًا استفاد منهم شجاعة، لأن الأخلاق والمواهب والعلوم والمعارف والمهارات والآداب تتلاقح ويتأثر بعضها ببعض، وفي الحديث \" المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل \".","vol":"5","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>٩٤٨ - \" بَاب الأَرْنبِ </span>\"\n١٠٩٥ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\n\" أنْفَجْنَا أرْنَبًَا وَنَحْنُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْم فَلَغِبُوا، فَأخذْتُهَا، فَجِئْت بِهَا إلى أبي طَلْحَةَ، فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بَوَرِكَيْهَا، أو قَالَ بِفَخِذَيْهَا إلى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَبِلَهَا \".\nــ\nثانيًا: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من جلساء السوء، لأنهم شر على من يجالسهم، وربما قصدوا أن ينفعوه فيضروه من حيث لا يشعرون. ثالثًا: قال العيني: في الحديث دليل على طهارة المسك، وروينا عن النبي - ﷺ - بسند جيد أنه كان له مسك يتطيب به، وعلى هذا جمهور العلماء. وقد كرهه جماعة، منهم عمر ﵁، وقال: لا تحنطوني به، وكذا عمر بن عبد العزيز إلّا أن هذا الخلاف قد انقرض واستقر الإجماع على طهارته، وجواز استعماله. رابعًا: أن المسك من أجمل العطور وأحلاها وأطيبها وأغلاها ولذلك ضرب به المثل في هذا الحديث. \" الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه - ﷺ - شبه بالمسك الجليس الصالح، وهذا يدل على فضله وطهارته، وهو ما ترجم له البخاري.\n٩٤٨ - \" باب الأرنب \"\n١٠٩٥ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" أنفجنا أرنبًا \" أي هيجنا أرنبًا \" فسعى القوم \" أي فلما أثرناها أخذت تجري أمامنا، فجرى أصحابي خلفها \" فلغبوا \" بفتح الغين وكسرها أي فأخذوا يطاردونها حتى تعبوا \" فأخذتها \" وفي رواية للبخاري فأدركتها فأخذتها \" فجئت بها إلى أبي طلحة، فذبحها، فبعث بوركيها، أو قال: بفخذيها إلى النبي - ﷺ - \" أي فأرسل","vol":"5","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1053>٩٤٩ - \" بَابُ الضَّبِّ </span>\" (١)\n١٠٩٦ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ ولا أحَرِّمُهُ \".\n١٠٩٧ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nعَنْ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ ﵁ أنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأتِيَ بِضَبّ مَحْنُوذٍ، فَأهْوَى إليْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بيَده فَقَالَ\nــ\nبفخذيها هدية إلى النبي - ﷺ - \" فقبلها \" وفي رواية أخرى في الهبة \" وأكل منه \". الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز أكل الأرنب، وهو قول عامة العلماء، لأنه ليس من السباع، ولا من أكلة الجيف. والمطابقة: في قوله: \" فبعث بوركيها، أو قال بفخذيها إلى النبي - ﷺ - فقبلها \".\n\n٩٤٩ - \" باب الضب \"\n١٠٩٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" الضب لست آكله ولا أحرّمه \" أي أنه - ﷺ - أهدى إليه ضبٌّ، فامتنع عن أكله فظنوا أنه حرام، فتوقفوا عن أكله فقال: \" الضب لست آكله \" أي لست آكله طبعًا، لأن نفسي تعافه بسبب أنني لم أتعّود على أكله لأنه ليس من طعام أهل مكة \" ولا أحرِّمهُ \" دينًا وشرعًا، وفي رواية \" كلوا فإنه حلال \". الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" ولا أحرمه \".\n١٠٩٧ - معنى الحديث: أن ابن عباس ﵄ يحدثنا عن خالد ﵁ \"أنه دخل مع رسول الله - ﷺ - بيت ميمونة فأتي بضب\n_________\n(١) دويبة صحراوية قاسية اللحم، تأخذ وقتًا طويلًا حتى تنضج.","vol":"5","page":177},{"text":"بَعْضُ النِّسْوَةِ: أخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بمَا يُرِيدُ أن يَأكُلَ، فقالُوا: هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللهِ فَرَفَعَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أحَرَامٌ هُوَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بأرْضِ قَوْمَي فأجِدُني أعَافُهُ، قَالَ خَالِدٌ: فاجْتَرَرتُهُ فأكَلْتُهُ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْظرٌ\".\nــ\nمحنوذ\" أي مشوي \" فأهوى إله رسول الله \" أي فمد - ﷺ - يده إلى اللحم ليأكل منه، وهو لا يعلم أنه لحم ضب \" فقالوا: هو ضب يا رسول الله، فرفع يده \" عن ذلك اللحم، وتوقف عن أكله، \" فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن لم يكن بأرض قومي \" أي لم يكن في مكة، ولم أتعوّد على أكله \" فأجدني أعافه \" أي أتقذر منه وأكره لحمه طبعًا ولا أحرمه شرعًا \" قال خالد: فاجتررته \" أي فنهشت من لحم ذلك الضب وجررته بيدي \" فأكلته ورسول الله - ﷺ - ينظر \" أي ينظر إلي ويشاهدني وأنا آكله. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا \".\nفقه الحديثين: دل الحديثان على ما يأتي: أولًا: جواز أكل الضب، وإباحة لحمه لقوله - ﷺ - في الحديث الأول: \" ولست أحرمه \" وقوله في الثاني: \" فقلت: أهو حرام؟ فقال: لا \" وهو مذهب عامة الفقهاء مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وبه قال أهل الظاهر بلا شك (١). ثانيًا: أن من عاف طعامًا أو شرابًا وتقذرته نفسه فإنه ينبغي له أن يتركه، ولو كان من المباحات، لأن ذلك قد يؤذيه جسميًا أو نفسيًا، وقد ترك النبي - ﷺ - لحم الضب حين عافته نفسه.\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ٢١.","vol":"5","page":178},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1054> كتاب الأضاحي </span>\"\nالأضاحي: جمع أضحية والأضحية شرعًا: ما يذبح أيام عيد الأضحى في أيام النحر، تقربًا إلى الله تعالى بنيّة الأضحية، وهي مشروعة بالكتاب والسنة، لقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقد ثبت في الأحاديث الكثيرة أن النبي - ﷺ - ضحّى وضحّى المسلمون، وشرعت في السنة الثانية من الهجرة وحكمها: أنها سنة مؤكدة يكره تركها مع القدرة أما الحنفية فإنهم يرون أن الأضحية، واجبة والمالكية يرون أنها سنة مؤكدة يقاتل أهل البلد على تركها كما يقاتلون على ترك الأذان. أما شروط سنيتها: فهى: (أ) القدرة عليها، فلا تسن على عاجز، والقادر عند الشافعية من يملك ثمنها زائدًا عن حاجته وحاجة عياله، وعند الحنابلة من يمكنه الحصول على ثمنها، وعند المالكية من لا يحتاج إلى ثمنها لأمر ضروري (مدة) عامه، وعند الحنفية من يملك مائتي درهم. (ب) الشرط الثاني: الحرية، فلا تسن لعبد، وزاد الحنفية في شروطها الإِقامة، وزاد المالكية أن لا يكون حاجًا، ولو كان من أهل مكة. أما شروط صحتها: فقد اتفقوا على اشتراط سلامتها من العيوب الشرعية، فلا تجزىء العمياء والعوراء والعجفاء - أي الهزيلة التي لا مخّ في ساقها، ولا العرجاء البين عرجها، ولا مقطوعة الأذن، أو اليد، أو نحوها.\n***","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1055>٩٥٠ - \" بَابُ الذَّبْحِ بَعْدَ الصَّلاةِ </span>\"\n١٠٩٨ - عن البَرَاءِ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَخْطُبُ فَقَالَ: \" إنَّ أوَّلَ ما نَبْدأ بِهِ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا أن نُصَلِّيَ، ثم نَرجِعَ فَنَنْحَرَ، فمَنْ فَعَلَ هَذَا، فَقَدْ أَصَابَ سُنَتَّنَا، ومَن نَحَرَ فَإنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لأهْلِهِ، لَيْسَ من النُّسَكِ في شَيْءٍ \" فَقَالَ أبُو بردَةَ: يا رَسُولَ الله: ذَبَحْتُ قَبْلَ أنْ أُصَلِّيَ، وعنْدي جَذَعَةٌ خَيْرٌ من مُسِنَّةٍ، فَقَالَ: \" اجعَلْهَا مَكَانَهَا، ولَنْ تُجْزِىء أو تُوفِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ \".\nــ\n٩٥٠ - \" باب الذبح بعد الصلاة \"\n١٠٩٨ - معنى الحديث: يقول البراء بن عازب ﵁ \" سمعت النبي - ﷺ - يخطب \" أي سمعته وهو يخطب خطة عيد الأضحى \" فقال: إن أول ما نبدأ به من يومنا هذا \" أي إن أول عمل نبدأ به في هذا اليوم \" أن نصلّي \" أي أن نؤدي صلاة العيد مع الجماعة \" ثم نرجع \" أي ثم نعود إلى بيوتنا بعد الصلاة \" فننحر \" ضحايانا بعد الصلاة، لا قبلها \" فمن فعل هذا \" أي فمن نحر ضحيته، أو ذبحها بعد صلاة العيد \" فقد أصاب سنتنا \" وكانت أضحيته شرعية صحيحة. وفي رواية: \" من صلّى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك \" أخرجه الشيخان وأبو داود، ومعناه: فمن صلّى صلاة العيد، وضحى بعدها مثل أضحيتنا فقد أصاب العمل الموافق للسنة، وأجزأته أضحيته. \" ومن نحر فإنما هو لحم يقدمه لأهله \" يقول - ﷺ -: ومن نحر أضحيته، أو ذبح ذبيحته قبل صلاة العيد، فإنما هو مجرّد لحم قدمه لأهله ولا يجزىء عن الأضحية لأنه ذبح قبل وقتها \" وليس من النسك في شيء \" أي","vol":"5","page":180},{"text":"وليس من الضحية في شيء \" فقال أبو بردة \" ابن نِيَار بكسر النون: \" ذبحت قبل أن أصلي \" أي لم أكن أعرف ذلك فذبحت قبل الصلاة \" وعندي جذعة \" أي وعندي جذعة من المعز، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، فهل تجزئني في الأضحية؟ \" فقال: اجعلها مكانها \" أي اجعلها ضحية مكان الذبيحة التي ضاعت عليك ولم تحتسب لك \" ولن تجزىء أو قال توفي \" أي لن تكفي الجذعة \" عن أحد بعدك \" وإنما هذا الحكم حكم استثنائي لك خاصة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن أول وقت الضحية يدخل بعد صلاة العيد، وهو مذهب أحمد ومن وافقه من أهل العلم، قال ابن قدامة: ظاهر هذا اعتبار نفس الصلاة (١)، والصحيح إن شاء الله تعالى أن وقتها في الموضع الذي يصلي فيه بعد الصلاة لظاهر الخبر، فأما غير أهل الأمصار، فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة. اهـ. وقال مالك: وقتها بعد الصلاة والخطبة وذبح الإِمام، قال الصنعاني (٢): ودليل اعتبار ذبح الإِمام ما رواه الطحاوي من حديث جابر أن النبي - ﷺ - صلّى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي - ﷺ - قد نحر، فأمرهم أن يعيدوا. وقال الشافعي: وقت الذبح إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلي فيه ركعتين وخطبتين بعدهما. وقال أبو حنيفة: يدخل وقتها في حق أهل الأمصار إذا صلّى الإمام العيد، أو مضى وقتها بالزوال إن لم تصلَّ لعذر، ويدخل وقتها في حق أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر، لعدم وجوب صلاة العيد عليهم (٣). ثانيًا: دل الحديث على أن الجذع من المعز لا يجزىء في الأضحية، وهو ما أتمَّ سنة، ودخل في الثانية، لأن النبي - ﷺ - قال لأبي بردة: \"ولن تجزىء أو قال توفي عن أحد\n_________\n(١) \" المغني \" لابن قدامة.\n(٢) \" سبل السلام \" ج ٤.\n(٣) \" تكملة المنهل العذب \" ج.","vol":"5","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>٩٥١ - \" بَابُ وَضْعِ القَدَمِ عَلَى صَفَحِ الذَّبِيحَةِ </span>\"\n١٠٩٩ - عَنْ أنَسِ ﵁:\nأَن النبي - ﷺ - كانَ يُضحّى بِكَبْشَيْنِ أملَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ على صَفْحَتِهِمَا وَيَذْبَحَهُمَا بِيَدِهِ \".\nــ\nبعدك\". الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلّي \".\n٩٥١ - \" باب وضع القدم على صفحة الذبيحة \"\n١٠٩٩ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ \" أن النبي - ﷺ - كان يضحي بكبشين \" أي برأسين من الغنم، وهو الضأن \" أملحين أقرنين \" أي أبيضين، لكل واحد منهما قرنان، \" ووضع رجله على صفحتهما \" أي وضع قدمه على جانب كل واحد منهما عند ذبحه \" ويذبحهما يده \" الشريفة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتى: أولًا: أن الأفضل في الأضحية هو الضأن ثم المعز، ثم بقية الأصناف الأخرى، لأن النبي - ﷺ - ضحى بكبشين أبيضين. ثانيًا: أنه يسن للذابح أن يضجع ذبيحته على شقها الأيسر، ويضع قدمه على جانبها وشقها الأيمن والحكمة في وضع القدم على صفحتها التقوِّي عليها، ولأنه أسرع في موتها. والمطابقة: في قوله: \" وضع رجله على صفحتهما \".\n***","vol":"5","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1057>٩٥٢ - \" بَابُ التَّكْبِير عِنْدَ الذَّبْحِ </span>\"\n١١٠٠ - عن أنسٍ ﵁ قَالَ:\n\" ضَحَّى النبي - ﷺ - بِكبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ أقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا \".\nــ\n٩٥٢ - \" باب التكبير عند الذبح \"\nأي هذا باب يذكر فيه من الأحاديث ما يدل على مشروعية التكبير عند ذبح الأضحية وغيرها.\n١١٠٠ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁: \" ضحى النبي - ﷺ - بكبشين أملحين أقرنين \" أي برأسين من الضأن أبيضين لكل واحد منهما قرنان \" وذبحهما بيده \" الشريفة، ولم يوكّل غيره بذبحهما، \" وسمّى وكبر \" أي وقال عند الذبح: \" بسم الله والله أكبر \" \" ووضع رجله على صفاحهما \" أي على صفحتيهما على مذهب من يقول أقل الجمع اثنان (١)، وإضافة المثنى إلى المثنى تفيد التوزيع، أي وضع رجله على صفحة كل منهما (٢). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب التكبير مع التسمية عند الذبح، لقوله ﵁: \" وسمّى وكبر \" وتقدم الكلام على التسمية. ثانيًا: أفضلية أن يقوم المضحي بذبح شاته بنفسه. ثالثًا: أن الأفضل في الضحيّة الكبش الأبيض. والمطابقة: في قوله: \" وكبر \".\n...\n_________\n(١) \" شرح العيني \" ج ٢١.\n(٢) أي على جانب عنقها الأيمن.","vol":"5","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1058>٩٥٣ - \" بَابُ مَا يُؤْكَلُ مِنْ لُحْومِ الأضَاحِي وَمَا يُتَزَوَّدُ مِنْهَا </span>\"\n١١٠١ - عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁:\nأنَّهُ صَلَّى العيد يَوْمَ الأضْحَى قَبْلَ الخطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: يَا أَيّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ نَهَاكمْ عَنِ صِيَامِ هَذَيْنِ العِيدَيْنِ، أَمَّا أحدُهُمَا فَيَوْم فِطركُمْ مِنْ صِيَامِكمْ، وأمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ \".\nــ\n٩٥٣ - \" باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها \"\n١١٠١ - معنى الحديث: أن عمر ﵁ على عهد خلافته \" صلى العيد يوم الأضحى قبل الخطبة \" كما كان يفعل رسول الله - ﷺ - اقتداءً بسنته \" ثم خطب \" خطبة العيد بعد الصلاة \" فقال: يا أيها الناس إن رسول الله - ﷺ - قد نهاكم عن صيام هذين العيدين \" وهما عيد الفطر وعيد الأضحى \" أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم \" أي أما الأوّل فقد شرع الله فيه الفطر من صيام رمضان، فكيف تخالفون شرع الله وتصومونه \" وأما الآخر \" وهو عيد الأضحى \" فيوم تأكلون فيه من نسككم \" أي فهو يوم شَرَعَ الله لكم فيه الأكل من ذبائحكم، فكيف تتركون - ﷺ - منها وتصومون عنها؟.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب الأكل من لحوم الأضاحي دون تحديد وتقييد لقوله - ﷺ -: \" وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم \" وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \" كلوا وأطعموا وادخروا \" وهذا يدل على مشروعية الأكل، والادخار، والإِطعام الشامل للهدية والصدقة دون تحديد. وقالت الشافعية: يستحب أن يتصدق بمعظمها وأدنى الكمال أن يتصدق بالثلث ويهدي الثلث، وقالت","vol":"5","page":184},{"text":"الحنفية: يستحب أن لا ينقص التصدق عن الثلث، أما الأكل والهدية فلا تحديد فيهما. ثانيًا: تحريم صيام العيدين. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم \".\n***","vol":"5","page":185},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1060> كتابُ الأشْرِبَةِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1059>٩٥٤ - \" بَابُ قَوْل الله تعالى (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) .. إلخ </span>\"\n١١٠٢ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأن النبي - ﷺ - قَالَ: \" لا يَزْنِي الزَّانِي حينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخَمْرَ حينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ \".\nــ\n\n\" كتاب الأشربة \"\n٩٥٤ - \" باب قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ)\n١١٠٢ - معنى الحديث: ظاهر هذا الحديث أن من ارتكب جريمة الزنا أو السرقة، أو شرب الخمر، يخرج من الإِيمان، لكن هذا الحديث معارض بأحاديث صريحة في أن المعصية مهما عظمت لا تخرج صاحبها عن الإِيمان، ولا تخلده في النار، منها حديث أبي ذر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" أتاني جبريل فبشرني أن من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة \" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \" وإن زنى وإن سرق \" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: \" وإن زنى وإن سرق \" قلت: \" وإن زنى وإن سرق؟ قال: \" وإن زنى وإن سرق \" ثم قال في الرابعة: \" على رغم أنف أبي ذر \" إذن فما معنى قوله","vol":"5","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1061>٩٥٥ - \" بَابُ الْخمْرِ مِنَ الْعَسَلِ وَهُوَ البِتْعُ </span>\"\n١١٠٣ - عن عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ شَرَابِ البِتْعِ وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكَانَ أهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" كُلُّ شَرَابٍ أسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ \".\nــ\n- ﷺ -: \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن؟ \" فُسِّر ذلك بمعان متعددة أرجحها معنيان: الأول: أن الإيمان يرتفع عنه عند الزنا وشرب الخمر والسرقة، فيكون على رأسه كالظلة، ثم يعود إليه بعد الفراغ من جريمته. الثاني: أن الزاني والشارب والسارق لا يكون كامل الإِيمان، وإنما يكون مؤمنًا فاسقًا، ناقص الإيمان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الزنا والسرقة وشرب الخمر من أكبر الكبائر، لأنه - ﷺ - نفى الإِيمان عمن فعل ذلك، فدل على أنها من أعظم الموبقات في الإسلام. ثانيًا: تحريم الخمر وسائر المشروبات المسكرة، لأن أقل ما يقتضيه نفي الإِيمان عن شاربها أنه فاسق عاص شارب للحرام، هذا بالإضافة إلى الوعيد الشديد الذي جاء في الأحاديث الأخرى. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في قوله: \" ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن \".\n٩٥٥ - \" باب الخمر من العسل وهو البتع \"\n١١٠٣ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - سئل عن شرب البتع بكسر الباء وهو نبيذ العسل، فأجاب - ﷺ - بجواب عام شامل \" فقال: كل شراب أسكر فهو حرام \" أي لا عبرة باختلاف الأسماء ولا باختلاف مادته الأولى التي يتخذ منها فكل شراب أسكر فهو خمر محرم من أي نوع أخذ. وهذا من جوامع كلمه - ﷺ - وحسن بيانه.","vol":"5","page":187},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن جميع الأشربة الكحولية المسكرة حرام. مطلقًا من أي نوع كانت، ومن أي مادة صنعت، لأن العلة في التحريم هي الإِسكار، كما يدل علمه قوله - ﷺ - \" كل شراب أسكر فهو حرام \" ويدخل في ذلك نبيذ التمر والشعير والعسل والزبيب والتين، وسائر المشروبات الكحولية المسكرة، سواء كانت بنسبة قليلة أو كثيرة لاطلاق هذا الحديث وعمومه، فأما إطلاقه فيدل على تحريم الكثير والقليل منه على حدٍ سواء، ولو كان هذا القليل لا يسكر شربه، كما جاء مصرحًا بذلك في حديث جابر عن النبي - ﷺ - أنه \" قال: \" ما أسكر كثيره فقليله حرام \" أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن حبان، وأخرجه الترمذي وحسنه، ورجاله ثقات. وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \" كل مسكر حرام، ما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام \" وفي رواية \" الحسوة منه حرام \" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، والفرق (بفتح الراء وسكونها) مكيال يسع ستة عشر رطلًا، والحسوة (بضم الحاء) الجرعة الواحدة من الشراب، وهذا يدل على أن القليل والكثير في التحريم سواء، وهو مذهب الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. أما عموم هذا الحديث: فإن قوله \" كل شراب أسكر فهو حرام \" يدل بعمومه وكونه على تحريم كل مادة مسكرة، ولو لم تكن من الأشربة، ولهذا ذهب أهل العلم إلى تحريم الحشيشة وغيرها من المواد التي تشبهها. قال الصنعاني: ويحرم ما أسكر من أي شيء، وإن لم يكن مشروبًا كالحشيشة، قال ابن حجر: من قال إنّها لا تسكر وإنما تخدر فهو مكابر، فإنها تحدث ما تحدث الخمر من الطرب والنشوة، وإذا سلم عدم الإِسكار فهي مفترة، وقد أخرج أبو داود أنه \" نهى رسول الله - ﷺ - عن كل مسكر ومفتر \". قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وحكى العراقي وابن تيمية الإِجماع على تحريم الحشيشة، وأن من استحلها كفر. قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة","vol":"5","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1062>٩٥٦ - \" بَابُ شُرْبِ اللَّبَنِ </span>\"\n١١٠٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ، الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو بِإنَاءِ وَتَرُوحُ بِآخَرَ \".\nــ\nالتتار، وهي من أعظم المنكرات، وهي شر من الخمر من بعض الوجوه، لأنها تورث نشوة ولذة وطربًا كالخمر، ويصعب الفطام عنها وقال ابن البيطار: وقبائح خصائها كثيرة، وعدَّ منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الأفيون، وفيه زيادة مضار، وقال ابن دقيق العيد: في الجوزة إنها مسكرة، ونقله عنه متأخرو علماء المالكية والشافعية، واعتمدوه. ثانيًا: أنه لا فرق بين ما صنع من العنب، أو غيره في تحريم القليل والكثير منه على السواء، لأن كل مسكر خمر، وكل ما أسكر كثيره فقليله حرام، فيستوي في ذلك جميع الأشربة المسكرة، ولا عبرة بأصلها، ولا بالمادة التي صنعت منها خلافًا لأبي حنيفة، حيث فرّق بين خمر العنب وغيره. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.\n٩٥٦ - \" باب شرب اللبن \"\n١١٠٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" نعم الصدقة اللقحة \" بكسر اللام وفتحها، وسكون القاف وهي الناقة الحلوب قرب الولادة \" الصفي \" الحلوب التي تحلب لبنًا كثيرًا \" منحة \" بكسر الميم، وسكون النون والنصب على التمييز، والمعنى أن من أفضل الصدقات المحمودة أن تعير ناقتك الحلوب قرب ولادتها لغيرك، فتلد عنده، وتبقى لديه يشرب من لبنها، ويتغذى منها، حتى إذا انتهى لبنها ردها عليك \" والشاة الصفي منحة \" أي وكذلك","vol":"5","page":189},{"text":"من أفضل الصدقات المحمودة إعارة الشاة الصفي التي \" تغدو بإناء، وتروح بإناء \" أي التي تحلب في الصباح إناء، وفي المساء إناءًا. الحديث: أخرجه البخاري.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل المنيحة واستحبابها، وكونها من أفضل الأعمال. ثانيًا: دل الحديث على فضل اللبن، وأنه من أفضل المواد الغذائية للإنسان، كما يؤكد ذلك قوله - ﷺ -: \" تغدو بإناء وتروح بإناء \" وحسبك أنه شراب المؤمنين الذي اختاره الله لنبيّنا محمد - ﷺ - ولأمته حيث أخذ اللبن ليلة أسري به فقال جبريل: \" الحمد لله الذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمتك \" قال ابن القيم: واللبن المطلق أنفع (١) المشروبات للبدن الإنساني، لما اجتمع فيه من التغذية والدموية، ولاعتياده حال الطفولة، وموافقته للفطرة الأصلية. اهـ. ولا شيء من الأغذية يغني غناءه، ومن مزاياه أنّه يغني عن الطعام والشراب، واقرأ إن شئت قوله - ﷺ -: \" من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وارزقنا خيرًا منه، ومن سقاه الله لبنًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإني لا أعلم ما يجزىء من الطعام والشراب إلاّ اللبن \" أخرجه أصحاب السنن. ولبن اللقاح ينفع من (٢) البواسير والاستسقاء، ويهيج شهوة الغذاء والجماع، ويفتح السدد المتولدة في الكبد من الدم الغليظ، وينفع من الربو والاستسقاء، ولبن الماعز نافع من السعال ونزف الدم والسل ونحول الجسم. مطابقة الحديث للترجمة: في قوله - ﷺ -: \" نعم الصدقة اللقحة الصفي \".\n...\n_________\n(١) \" الطب النبوي \" لابن القيم.\n(٢) \" المعتمد في الأدوية المفردة \" تأليف الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول الغساني التركماني صاحب اليمن المتوفى سنة (٦٩٤) هـ.","vol":"5","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1063>٩٥٧ - \" بَابُ الشُّرْبِ قَائِمًَا </span>\"\n١١٠٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" شَرِبَ النبي - ﷺ - قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ \".\nــ\n٩٥٧ - \" باب الشرب قائمًا \"\n١١٠٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - دخل المسجد الحرام، فطاف على بعيره، ثم أناخه بعد طوافه، فصلى ركعتي الطواف خلف المقام، ثم أتى بئر زمزم، فشرب منه حال كونه قائمًا، ولم يجلس أثناء شربه - ﷺ -.\nفقه الحديث: قال القسطلاني: استدل بهذه الأحاديث على جواز الشرب قائمًا، وهو مذهب الجمهور، وكرهه قوم لحديث أنس عند مسلم أن النبي - ﷺ -: \" زجر عن الشرب قائمًا \" قال النووي: والصواب أن النهي محمول على كراهة التنزيه. قال ابن القيم: وقالت طائفة: النهي ليس للتحريم بل للإِرشاد يعني فهو إرشاد صحي وتوجيه، فمن يريد وقاية جسمه من الأضرار البدنية والاستفادة التامة من الماء المشروب فعليه أن يحافظ على الشرب جالسًا، لأن للشرب قائمًا كما قال ابن القيم: آفات عديدة منها: أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، وينزل بسرعة واحدة إلى المعدة فيخشى منه أن يبرّد حرارتها وأما إذا فعله نادرًا أو لحاجة لم يضره. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كونه يدل على جواز الشرب قائمًا، وهو ما أراده البخاري من الترجمة.\n***","vol":"5","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>٩٥٨ - \" بَابُ اختِنَاثِ الأسْقِيَةِ </span>\"\n١١٠٦ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ:\n\" نَهَى النبي - ﷺ - عَنِ اخْتِنَاثِ الأسْقِيَةِ \" يَعْنِى أنْ - تُكْسَرَ أفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا.\nــ\n٩٥٨ - \" باب اختناث الأسقية \"\n١١٠٦ - معنى الحديث: يقول أبو سعيد الخدري: \" نهى النبي - ﷺ - عن اختناث (١) الأسقية \" جمع سقاء، وهو وعاء الماء من الجلد، \" يعني أن تكسر أفواهها \" يعني نهى النبي - ﷺ - أن تثنى أفواه القرب، \" فيشرب منها \" أي من أفواهها، والمراد أنه - ﷺ - نهى عن الشرب من أفواه القرب على طريقة البادية، وقد جرت العادة عندهم أن الشارب يثني فم القربة فيشرب منه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه ينبغي للشارب أن يراعي القواعد الصحية، فلا يشرب من فم السقاء محافظة على سلامته وسلامة غيره، قال ابن القيم: في هذا آداب عديدة، منها أن تردد أنفاس الشارب قد تكسب الماء رائحة كريهة، ومنها أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء فيتضرر به، وربما كان به حيوان لا يشعر به فيؤذيه، وربما كانت فيه قذارة لا يراها، ومنها أنه يملأ بطنه من الهواء، فلا يأخذ حظه من الماء. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" نهى النبي - ﷺ - عن اختناث الأسقية \".\n...\n_________\n(١) بكسر الهمزة وسكون الخاء وكسر التاء.","vol":"5","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>٩٥٩ - \" بَابُ الشُّرْبِ بِنَفَسَيْنِ أو ثَلَاَثةٍ </span>\"\n١١٠٧ - عَنْ أنسٍ ﵁:\n\" أنَّ النبي - ﷺ - كَانَ يَتَنَفَّسُ في الإِناءِ ثَلَاثًا \".\nــ\n٩٥٩ - \" باب الشرب بنفسين أو ثلاثة \"\n١١٠٧ - معنى الحديث: يحدثنا أنس ﵁ في هذا الحديث\n\" أن النبي - ﷺ - كان يتنفس في الإناء ثلاثًا \" أي يرفع فمه عن الإناء بعد كل دفعة منها فيتنفس خارجه ثم يعاود شربه مرة أخرى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب شرب السوائل على دفعات متعددة، وأن يتنفس أثناء الشرب عدة مرات خارج الإِناء. قال ابن القيم: في هذا الشرب فوائد مهمة نبه النبي - ﷺ - على مجامعها بقوله: \" فإنه أروى وأمرأ وأبرأ \" أي أهنأ للشارب وأصح وأسلم عاقبة من الشرب دفعة واحدة، الذي ربما أدّى إلى فساد مزاج المعدة والكبد. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث دليلًا على الترجمة.\n***","vol":"5","page":193},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1066> كتاب المرضى </span>\"\nقال ابن القيم: المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن، قال تعالى في مرض الشبهة: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) وأما مرض الشهوات فقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).\nوأما مرض الأبدان: فقد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) وفي هذا يقول الدكتور عادل الأزهرى: \" إن هذا القسم فيه من الحكمة الإلهية ما لم يتوصل إليه الأطباء إلّا حديثًا في منتصف القرن الثامن عشر، فقد قسمت الأمراض عمومًا إلى قسمين:\nالأول: الأمراض العضوية التي تنتج عن عدم أداء أي جزء من أجزاء الجسم وظيفته كاملة، أو توقفه عن العمل بالكلية، أو تنتج عن دخول ميكروبات مختلفة الأنواع إلى الجسم، وتصيب أي عضو فيه بالتلف. الثاني: الأمراض النفسية، وهي في الحقيقة أعراض أمراض متنوعة وكثيرة جدًا، يشعر بها المريض مع عدم وجود أي مرض عضوي في جسمه، وهذه الأمراض تحدث عن مؤثرات خارجية في الحياة العامة مثل الخوف والشك والغرام وعدم الاكتفاء الجنسي، وكثرة الإجهاد وهذا هو مرض القلوب كما ذكره الله تعالى. ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد عالجوا الأمراض النفسية علاجًا ناجحًا لم يصل إليه علماء النفس رغم هذا التطور الكبير الذي وصل إليه هذا العلم، وذلك لأنّ طب القلوب كما يقول ابن القيم مسلم به للرسل صلوات الله عليهم ولا سبيل إليه إلّا","vol":"5","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1067>٩٦٠ - \" بَابُ مَا جَاءَ في كفَّارَةِ الْمَرَضِ </span>\"\n١١٠٨ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأبي هُرَيْرَةَ ﵄: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ، وَلا حَزَنٍ، وَلا أذىً، ولا غَمٍّ، حَتَّى الشوكَةُ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطايَاهُ \".\nــ\nمن جهتهم. وقد أشار النبي - ﷺ - بالفعل إلى بعض هذه الأمراض النفسية ولفت الأنظار إليها، ومن ذلك أنه استعاذ من النفاق وسوء الأخلاق والجبن والكسل. لينبه أمته إلى وجوب التعرف عليها واتخاذ كل الوسائل الممكنة للوقاية منها، وأنجح هذه الوسائل الالتجاء إلى الله تعالى والاستعاذة به من شرّها.\n٩٦٠ - \" باب ما جاء في كفارة المرض \"\nوالمعنى هنا أن ذنوب المؤمن \" تتغطى \" بما يقع له من ألم المرض (١) فيعفى عنه، ولا يؤاخذ بتلك الذنوب، وأسند التكفير إلى المرض لأنه سببه فكأنه قال: \" باب ما جاء في تكفير الذنوب بسبب المرض \".\n١١٠٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - ما يصيب المسلم من نصب \" يعني أن كل ما يصيب المسلم من تعب بدني \" ولا وصب \" أي ولا مرض عضوي كالحمّى والصداع، وآلام المفاصل، أو آلام العين، أو الأذن، أو غير ذلك. \" ولا همّ ولا حزن \" أي ولا يصيبه هم، وهو انشغال الفكر من توقع حدوث شيء مكروه، أو فوات شيء محبوب في المستقبل كالخوف من عدوّ، أو مرض، أو مفارقة قريب. \" ولا حزن \" وهو ألم النفس بسبب وقوع أمر مكروه، في الماضي \" ولا أذى \" أي ولا يتعدى عليه أحدٌ بأيِّ نوع من\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ١٠.","vol":"5","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1068>٩٦١ - \" بَابُ شِدَّةِ الْمَرَضِ </span>\"\n١١٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" مَا رَأيْتُ أحَدًا أشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - \".\nــ\nأنواع التعدي، ولو كان يسيرًا \" ولا غمّ \" يعني ولا يصيبه كرب وضيق نفسي لسبب من الأسباب \" حتى الشوكة \" أي حتى الشوكة التي يصيبه بها غيره، أو حتى الشوكة التي تصيبه \" إلاّ كفر الله بها من خطاياه \" أي إلاّ كفر الله بها بعض خطاياه. والمعنى: أنه لا يصاب المسلم بأي مرض نفسي كالهم والغم وغيره، أو مرض بدني كالحمى والصداع ونحوه، أو تعدٍّ أو ظلم من غيره، حتى الشوكة يدْخِلُها غيره في جسده إلاّ كان ذلك غفرانًا وتكفيرًا لخطاياه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن مجرد الإِصابة بالمرض أو غيره من البلايا كفارة للخطايا كما ترجم له البخاري. قال القرافي: المصائب كفارات جزمًا، \" سواء اقترن بها الرضا أم لا، لكن إذا اقترن بها الرضا عظم التكفير والأجر، وقال الحافظ: والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير، ورفع الدرجات، وإن لم يحصل الصبر، ولم يقع من الجزع ما يندم عليه من: قول أو فعل، فالفضل واسع، ولكن ينحط من منزلة الصابر، وإن حصل الجزع فيكون ذلك سببًا لنقص الأجر أو التكفير. ثانيًا: البشارة العظيمة للمؤمن، لأن الله جعل \" البلاء مكفِّرًا له، وهو كما قال القسطلاني: لا ينفك عنه غالبًا، فمن صبر فله أجران، أجر على مصيبته وأجر على صبره. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كونه أفاد أن الوصب وهو المرض كفارة للخطايا، وهو ما ترجم له البخاري.\n٩٦١ - \" باب شدة المرض \" (١)\n١١٠٩ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \"ما رأيت أحدًا\n_________\n(١) أي فضل شدة المرض.","vol":"5","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1069>٩٦٢ - \" بَابُ وُجُوبِ عِيَادَةِ المَرِيضِ </span>\"\n١١١٠ - عَنْ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" أطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ \".\nــ\nأشد عليه الوجع من رسول الله - ﷺ -\" أي ما رأيت فيمن رأيت من المرضى أحدًا أشد مرضًا من رسول الله - ﷺ -، لأنه - ﷺ - قد عانى في مرضه الأخير من الشدائد والآلام ما لم يعانه أحد ممن عرفت. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وأبو داود وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على فضل شدة المرض (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على شدة مرض رسول الله - ﷺ - وعلى فضل شدة المرض، لأنه لو لم يكن من الأمور المحمودة العاقبة لما ابتلي به أفضل الخلق على الله، مع ما له من الكرامة والمنزلة العالية، وهو أقوى دليل على فضل شدة المرض، وما له من عاقبة محمودة في تكفير السيئات، ومضاعفة الحسنات، ورفع الدرجات، وقد جاء التصريح بذلك في رواية أخرى عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يوعك -أي يعاني من شدة آلام المرض- فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا! قال: \" أجَل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين، قال: \" أجل ذلك كذلك \" وفي الحديث \" أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل \".\n٩٦٢ - \" باب وجوب عيادة المريض \"\n١١١٠ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" أطعموا الجائع \" أي قدموا\n_________\n(١) ووجه الاستدلال على فضل شدة المرض بشدة مرض النبي - ﷺ - أنه لو لم يكن من الأمور المحمودة لما ابتلي به النبي - ﷺ -.","vol":"5","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1070>٩٦٣ - \" بَابُ فضلِ مَنْ يُصْرَعُ مِنَ الرِّيحِ </span>\"\n١١١١ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أصْحَابِهِ: ألا أُرِيكَ امْرَأةً من أهْلِ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلى،\nــ\nله من الطعام ما يشبعه، ويذهب عنه غائلة الجوع، لأنّ هذا الدين دين الرحمة والتعاطف، ومن أهم ما يقتضيه ذلك إطعام الفقير الجائع \" وعودوا المريض \" أي وقوموا بزيارة المريض في كل مرض، وفي كل زمن لعموم الأمر وإطلاقه، \" وفكوا العاني \" بكسر النون أي خلصوا الأسير من يد الأعداء، بدفع الفداء عنه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أمور ثلاث: الأول: مشروعية إطعام الفقير الجائع، وهو واجب إنساني، وواجب شرعي معًا لقوله - ﷺ -: \" أطعموا الجائع \" وقد نص الفقهاء على أنه فرض كفاية. الثاني: مشروعية عيادة المريض لقوله - ﷺ -: \" وعودوا المريض \" وهي مستحبة عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أن عيادة المريض فرض كفاية، وقد جزم البخاري بوجوبها على ظاهر الأمر بالعيادة واستدل بقوله - ﷺ -: \" وعودوا المريض \" حيث حمل الأمر على الوجوب، وهو الأصل. وقال الجمهور: عيادة المريض في الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. الثالث: فك الأسير من يد العدو، وفداؤه بالمال لقوله - ﷺ -: وفكوا العاني، وهو فرض كفاية، والله أعلم. الحديث: أخرجه البخاري وأبو داود. والمطابقة: في قوله: \" وعودوا المريض \".\n٩٦٣ - \" باب فضل من يصرع من الريح \"\n١١١١ - معنى الحديث: أن الراوي يحدثنا عن ابن عباس ﵄: \" أنه قال لبعض أصحابه: ألا أريك امرأة من أهل الجنة \" أي ألا تريد","vol":"5","page":198},{"text":"قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأةُ السَّوْدَاءُ أتَتِ النبي - ﷺ - فَقَالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ وإِنِّي أَتكَشَّفُ، فادعُ اللهَ لِي، قَالَ: \" إِنْ شِئتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وإن شِئْتِ دَعَوْتُ الله أن يُعَافِيَكِ \" فَقَالَتْ: إِنِّي أصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أتكَشَّفُ، فادْعُ اللهَ أن لا أتَكشَّفَ، فَدَعَا لهَا.\nــ\nأن أريك امرأة مقطوعًا لها بالجَنَّةِ (١) فهي من أهلها حقيقة. لا ظنًا وتخمينًا \" قال: بلى \" أريد أن أعرف ذلك \" قال: هذه المرأة السوداء \" واسمها سعيرة الأسدية، وفي رواية عطاء بن أبي رباح في هذا الحديث \" فأراني حبشية صفراء فقال: هذه سعيرة الأسدية \" ثم ذكر قصتها، فقال: \" أتت النبي - ﷺ - فقالت: إني أصرع \" أي أصاب بالصرع، فأفقد وعيي، والصرع كما يقولون: داء يتميز بنوبات فجائية من فقدان الوعي ويقترن غالبًا بالتشنج، وسيأتي شرحه \"وإني أتكشف\" أي يتكشف جسمي أثناء فقدان الوعي \" فادع الله لي \" بالشفاء من هذا المرض العضال \" قال: إن شئت صبرت ولك الجنة \" أي وأبشرك بدخول الجنة بغير حساب \" قالت إني أصبر \" وأؤثر الباقي على الفاني، والآخرة على الدنيا. \" فقالت: إني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف \" أي فصبرت ﵂ على ما تعانيه من آلام، ولكنها لم تصبر على تكشف جسمها، ونظر الناس إلى عورتها، وسألت النبي - ﷺ -: أن يدعو الله لها أن يحفظها من التكشف أثناء صرعها \" فدعا لها \" بذلك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنّ الصرع من الأمراض الشديدة التي يعظم أجرها وثوابها عند الله تعالى، وقد وعد النبي - ﷺ - هذه المرأة بالجنة مقابل صبرها عليه ولهذا قال البخاري: باب فضل من يصرع. والصرع نوبات فجائية تقترن بالتشنج وتتفاوت في شدتها ومعدل ترددها، وفي الفترة\n_________\n(١) أي مشهودًا لها بالجنة بشهادة رسول الله - ﷺ -.","vol":"5","page":199},{"text":"التي تستغرقها، وقد تكون النوبة هينة عابرة لا تكاد تلحظ، وقد تكون بالغة الشدة، وقد تقع النوبة بغتة بلا نذير، وقد ينذر بها حس سابق يعتري أحد الحواس. كأن يرى المريض شبحًا أو يسمع صوتًا، أو يشم رائحة، ويعقب ذلك وقوع المريض على الأرض فاقدًا وعيه، وقد يقع صارخًا ثم تتملكه رعدة تشنجية، قد يتوقف فيها التنفس مؤقتًا، ويعض المريض لسانه في أثناء النوبة، وقد تحدث له إصابات أو حوادث مرضية خطيرة من جراء هذه النوبات ويعقب النوبة خور في القوى واستغراق في النوم يصحو منه المريض خالي الذهن من تذكر ما حدث له. ويقول ابن القيم (١): الصرع صرعان، صرع من الأرواح الخبيثة وصرع من الأخلاط، وهو الصرع العضوي أو ما يسمى بالأعصاب، قال ابن القيم: والثاني: هو الذي يتكلم فيه الأطباء، وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه وقد نص على ذلك أبقراط في بعض كتبه فقال \" أما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج \" وقدماء الأطباء كانوا يسمون هذا الصرع بالمرض الإلهي. قال ابن القيم: وعلاج هذا النوع يكون بأمرين \" أمر من جهة المصروع \" و\" أمر من جهة المعالج \" فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وباريها والتعوذ الصحيح بالقلب واللسان. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون لديه قوة اليقين وصدق التعوذ بالله تعالى حتى أن من المعالجين من يكتفي بقوله \" أخرج منه \" أو يقول: \" باسم الله \" أو يقول: \" لا حول ولا قوة إلا بالله \" والنبي - ﷺ - كان يقول: اخرج عدو الله أنا رسول الله (٢) وشاهدت شيخنا (٣) يرسل\n_________\n(١) \" الطب النبوي \" لابن القيم.\n(٢) أخرجه في \" مسنده \" ٤/ ١٧٠ و١٧١ و١٧٢ من حديث يعلى بن مرة عن النبي - ﷺ - أنه أتته امرأة بابن لها قد أصابه لمم فقال له النبي - ﷺ - \" أخرج عدو الله أنا رسول الله \" قال: فبرأ ... ورجاله ثقات. اهـ. مختصرًا من زاد المعاد ٤/ ٦٨ وانظر \" مجمع الزوائد \" (٩/ ٦).\n(٣) والغالب أنه أراد بشيخه ابن تيمية.","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1071>٩٦٤ - \" بَابُ فضلِ مَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ </span>\"\n١١١٢ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ النبي يَقُولُ: \" إِنَّ الله تعالى قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيْبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتَهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ \".\nــ\nإلى المصروع من يخاطب الروح التي فيه ويقول: قال لك الشيخ اخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع. ثانيًا: دل هذا الحديث على أن هذه المرأة من أهل الجنة، لأن النبي - ﷺ - وعدها وبشرها بالجنة إن صبرت فقال لها: \" إن شئت صبرت ولك الجنة \" فقالت بل أصبر ووفت بوعدها. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" وإن شئت صبرت ولك الجنة \" فإن هذا يدل على فضل الصرع وثوابه.\n٩٦٤ - \" باب فضل من ذهب بصره \"\n١١١٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن الله تعالى قال \" في الحديث القدسي: \" إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه \" أي إذا ابتليته بعينيه اللتين هما أحب حواسه إليه، فذهب عنه نورهما \" فصبر \" على فقدان بصره محتسبًا للثواب والأجر الذي أعده الله للصابرين \" عوّضته منهما الجنة \" أي جعل الجنة عوضًا وبديلًا له عنهما والله لا يخلف الميعاد.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: البشارة العظمى لمن فقد بصره وتعويضه عنه بالجنة. قال الحافظ: وهذا أعظم العوض، لأن التلذذ بالبصر يفني بفناء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باق ببقائها. ثانيًا: دل هذا الحديث على أن حاسّة البصر من أحب الحواس إلى الإِنسان لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خيرٍ يسر به، أو شر فيجتنبه. الحديث:","vol":"5","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1072>٩٦٥ - \" بَابُ ما رُخِّصَ لِلمَريضِ أنْ يَقُولَ: إِنِّي وَجِعٌ، أوْ وَارَأسَاهُ </span>\"\n١١١٣ - عنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّهَا قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" ذَاكَ لَوْ كَانَ وَأنا حَيٌّ فأسْتَغْفِرُ لَكِ، وأدْعُو لَكِ \" فَقَالَتْ: عَائِشَةُ: \"وَاثُكْلَيَاهُ، وَاللهِ إِنِّي لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ\nــ\nأخرجه أيضًا الترمذي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن من فقد بصره عوض بالجنة، وهو ما ترجم له البخاري.\n٩٦٥ - \" باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع أو وارأساه \"\n١١١٣ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أنها قالت: وارأساه \" يعني أنّها أحست بصداع أصابها في رأسها، فشكت من ذلك الألم الذي تحسه منه قائلة: وارأساه، قال القسطلاني: وهو تفجّع على الرأس من شدة صداعه، \" فقال رسول الله - ﷺ - \" ممازحًا ومداعبًا لها: \" ذاك لو كان أنا حيٌّ فأستغفر لك، وأدعو لك \" أي لو أصابك الموت في حياتي لَفُزْتَ باستغفاري ودعائي لك، وفي رواية عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال: \" ما ضرك لو مِتِّ قبلي وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك \" \" فقالت عائشة: واثكلياه \" بضم المثلثة، وسكون الكاف، وفتح اللام، وأصل الثكل أن يفقد الشخص من يعزّ عليه، ثم صار يجري هذا اللفظ على ألسنتهم عند حصول المصيبة أو توقعها \" والله إني لأظن أنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا \" أي لو وقع موتي وأظن أنّك تتمناه لا يأتي آخر النهار إلاّ وأنت متزوج بامرأة أخرى \" فقال - ﷺ - بل أنا وارأساه \" أي لست أنت التي تشتكين من رأسك،","vol":"5","page":202},{"text":"أزْوَاجِكَ، فقالَ: النبي - ﷺ - بَلْ أنَا وَارَأسَاهُ لَقَدْ هَمَمْتُ أو أردْتُ أَنْ أرْسِلَ إلَى أبي بَكْرٍ وَابْنِهِ وأعْهدَ أنْ يَقُولَ القَائِلُونَ، أو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثم قُلْتُ: يأبَى اللهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ، أوْ يَدْفَعُ اللهُ وَيَأبَى المُؤْمِنُونَ\".\nــ\nبل أنا الذي أشتكي من هذا الصداع الشديد الذي أصابني \" لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد \" أي أوصي بالخلافة من بعدي لصاحبها الذي أراد الله أن يتولاها \" أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون \" أي أوصي بالخلافة إلى أبي بكر كراهة أن يقول القائلون: الخلافة لفلان أو لفلان، أو يتمنّى المتمنون الخلافة، \" ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون \" أي ثم قلت: أترك أمر الخلافة لله، ولرأي المسلمين، لأنه يأبى الله إلاّ خلافة أبي أبكر، ويدفع المؤمنون خلافة غيره.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز الشكوى من المرض، وأنه لا ينافي الرضا بقضاء الله، ولا يعارض الصبر، وقد شكا النبي - ﷺ - رأسه بقوله: \" بل أنا وارأساه \" وهو سيد الصابرين. ثانيًا: في الحديث إشارة صريحة إلى خلافة الصديق ﵁ لقوله - ﷺ -: \" لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد \". ثالثًا: دل الحديث على شدة غيرة المرأة على زوجها، حيث كرهت عائشة ﵂ أن تكون له - ﷺ - زوجة ولو بعد وفاتها. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" بل أنا وارأساه \".\n***","vol":"5","page":203},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1073>٩٦٦ - \" بَابُ نهْي تمَنِّي المَرِيض المَوْت </span>\"\n١١١٤ - عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\nقالَ النبي - ﷺ -: \" لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمْ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أصابه، فَإن كَانَ لا بدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أحْيِني مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيرًا لِي \".\nــ\n٩٦٦ - \" باب تمني المريض الموت \"\n١١١٤ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" لا يتمنيّن أحدكم الموت من ضر أصابه \" وهذا نَهْيٌ في صورة النفي للمبالغة، قال القاري: والنفي بمعنى النهي أبلغ، لإفادته أن من شأن المؤمن انتفاء ذلك عنه، وعدم وقوعه بالكلية منه، والمعنى لا يحل للمؤمن أن يتمنّى الموت من أجل ضرر دنيوي لحق به لأن معناه التبرم من قضاء الله \" فإن كان لا بد فاعلًا \" أي فإن ضاقت به الأحوال واشتدت النوائب حتى اضطرته أن يتمنى. شيئًا تنفيسًا عن نفسه وابتغاءً لفرج الله \" فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي \" أي أبقني حيًا إن كان بقائي في هذه الحياة تترتب عليه منفعة في ديني ودنياي وعاقبة أمري \" وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا \" (١) أي واقبضني إليك على الإيمان والطاعة، إذا كان ذلك خيرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري. أو كان بقائي في هذه الدنيا يعرضني للفتنة، وسوء الحال والمآل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه لا يجوز تمني الموت لأي ضرر دنيوي، سواء كان مرضًا بدنيًا، أو نفسيًا أو خسارة مالية، أو بسبب\n_________\n(١) ويشبه هذا كثيرًا الدعاء الجامع المأثور عن النبي - ﷺ - وهو: \" اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر \".","vol":"5","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1074>٩٦٧ - \" بَاب دُعَاءِ العَائِدِ لِلْمَرِيضِ </span>\"\n١١١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا أتَى مَرِيضًا أو أُتِيَ بهِ إِلَيْهِ قَالَ: \"أذْهِبِ\nــ\nالمعاناة من بعض الانفعالات المؤلمة كالخوف والقلق والهم واليأس أو غيره من الأحوال النفسية المزعجة القاسية، لما في ذلك من التبرم بقضاء الله، وعدم الصبر على بلائه وقد قال - ﷺ - في حديث أو هريرة \" لا يتمنيّن أحدكم الموت إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب \" أي يحس بالندم فيتوب إلى الله أما هذه الظروف السيئة والعوارض الدنيوية الكريهة، فإنها سرعان ما تزول، لأن هذا العالم حادث، وكل حادث متغير، والدنيا لا تبقى على حال واحد. والمؤمن القوي لا يقابل المكاره بالجزع، وإنما يقابلها بالصبر، ورباطة الجأش، ويواجهها باتخاذ الأسباب المشروعة لمواجهتها مع اعتقاد أن دوام الحال في الدنيا من المحال. وقد قال الشاعر:\nالدَّهْرُ لَا يَبْقَى على حَالهِ ... لَا بُدَّ أَنْ يقبِلَ أَو يُدْبِر\nفإنْ أصِبتَ بمَكْرُوْهه ... فاصْبِرْ فَإِنَّ الدَهْرَ لَا يَصْبر\nثانيًا: دل الحديث على أَنه يستحب للعبد المؤمن إذا اشتدت وعليه الَكروب أن يصبر، ويلجأ إلى الصلاة والتضرع والدعاء، وأن يقول كما علمه رسول الله - ﷺ -: \" اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيرًا لي \"، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه \".\n٩٦٧ - \" باب دعاء العائد للمريض \"\n١١١٥ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث \" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أتى مريضًا \" أي كان إذا ذهب لزيارة مريض","vol":"5","page":205},{"text":"الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشفِ وأنتَ الشَّافِي، لا شِفَاء إلَّا شِفَاؤكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا\".\nــ\nعالجه بالدعاء الخالص، وكذلك إذا جيء به إليه وضع يده على موضع الداء منه \" وقال: أذهب الباس رب الناس \" بحذف حرف النداء، والبأس المرض، أي أسألك بربوبيتك للناس جميعًا أن تكشف الداء وشدة المرض عن عبدك هذا الذي لا رب له سواك، ولا شافي له غيرك، كما قلت في محكم كتابك (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) \" اشف وأنت الشافي \" أي أكرر الدعاء لك بشفائه، وأنت وحدك القادر عليه \" لا شفاء إلا شفاؤك \" لأن الدواء لا ينفع إلاّ إذا قدرت للمريض الشفاء \" شفاء لا يغادر سقمًا \" أي شفاءً تامًا كاملًا من جميع الأمراض بحيث يصح الجسم صحةً عامةً شاملة لا تبقى معه في جسمه أي داءٍ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب لمن يزور المريض أن يدعو له بهذا الدعاء المبارك المأثور، فإن ذلك علاج روحي نافع إذا اقترن باليقين والإخلاص وقوة الإيمان، وذلك بأن يضع يده على موضع الداء منه فيقول: \" اذهب الباس رب الناس الخ \" وهناك أدعية أخرى مأثورة يرقى بها المريض، من ذلك أن يرقيه بقوله: \" بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك \" أخرجه مسلم. وهي رقية جبريل للنبي - ﷺ -. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄: \" من عاد مريضًا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلاّ عافاه الله من ذلك المرض \" أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبّان، وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان وأخرجه أيضًا النسائي والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين.","vol":"5","page":206},{"text":"وقال الشوكاني: والحديث يقيد الشفاء بهذا الدعاء بعدكم حضور الأجل فإذا كان قد حضر، فكما قال أبو ذؤيب الهذلي:\nوإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفَارَها ... ألفَيْتَ كُلَّ تميمةٍ لا تَنْفَعُ\nثانيًا: أن قوله - ﷺ -: \" لا شفاء إلاّ شفاؤك \" صريح في أن جميع الأدوية أسباب عادية لا تؤثر في المريض، ولا تحقق مفعولها إلاّ بإذن الله، والله هو الشافي وحده، كما قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) فعلى المؤمن أن يتعاطى العلاجات الطبية آخذًا بالأسباب مع إيمانه ويقينه أن لا شفاء إلّا من الله والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - كان إذا عاد مريضًا دعا له بهذا الدعاء.\n***","vol":"5","page":207},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1075> كتابُ الطِّبِّ </span>\"\nلا شك أنّ الإِسلام قد عني بالناحية الصحية نفسية كانت أو بدنية، واهتم بالطب بسائر أنواعه كما تدل عليه النصوص الإسلامية ففي الحديث الصحيح عن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ﷿ \" أخرجه مسلم، وأحمد والحاكم، وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي - ﷺ -، وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: \" يا عباد الله! تداووا، فإن الله ﷿ لم يضع داء إلّا وضع له شفاء، غير داء واحد \" قالوا: ما هو يا رسول الله؟ قال: \" الهرم \" أخرجه أحمد في \" مسنده \" والطب كما يقولون: علم يعرف به أحوال الإِنسان البدنية والنفسية من صحة أو مرض، والوسائل الكفيلة بالمحافظة على صحته وهو ما يسمى بالطب الوقائي. والوسائل اللازمة لإعادة الصحة إلى الإنسان، وإزالة المرض عنه بإذن الله تعالى، وهو ما يسمى بالطب العلاجي .. وهو نوعان: طب نفسي، وطب عضوي أو بدني. فالطب النفسي: تعالج به أمراض النفس من حيرة وقلق وهم وغم، وخوف غير عادي، إلى غير ذلك من الأمراض التي لا علاقة لها بأي عضو من أعضاء البدن، ويدخل في ذلك بعض أنواع الصرع التي لا علاقة لها بأي مرض عضوي، والتي لا حيلة للطب البشري في معالجتها كما اعترف بهذا أبقراط ويلجأ الطبُّ النفساني في علاج النَّفس إلى طريقتين: الأولى: الطريقة العلمية النفسية التي تعتمد على التحاليل والجلسات النفسية المعروفة. والثانية: الطريقة الروحية الدينية: وتعتمد على وسيلتين أو علاجين كما في كتاب \" الطب النبوي \" لابن القيم، الأولى: إصلاح القلب عن طريق","vol":"5","page":208},{"text":"تقوية الإيمان والعقيدة، وتقوية الصلة بالله في الشدة والرخاء كما قال - ﷺ - لابن عباس ﵄: \" يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لمن ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك \" وفي رواية أخرى \" احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا \" فهل تعتقد أن إنسانًا تغلب على نفسه كل هذه المعاني عقيدة وشعورًا ووجدانًا فتملأها صلابة وقوة يمكن أن تجد الأمراض النفسية إلى نفسه سبيلًا، كلا، وقد اعترف بذلك المنصفون من علماء النفس الحديث. وممن نادى بذلك (وليم جيمس) العالم الأمريكي فقال: إن أعظم علاج للقلق ولا شك هو الإيمان، وقال: الرجل المتدين حقًا عصيٌّ على القلق، محتفظ أبدًا باتزانه، مستعد دائمًا لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف. وقال كارل يونج المحلل النفساني: \" إن المرء المتدين حقًا لا يعاني قط مرضًا نفسيًا \" (١) وأشار المؤرخ أرنولد توينبي إلى أن الأزمة التي يعاني منها الأوربيون في العصر الحديث إنما ترجع في أساسها إلى الفقر الروحي ومن هذا يتضح لنا أن من أهم وسائل الطب النفسي وقايةً وعلاجًا هو تقوية الإيمان والعقيدة واليقين. أما العلاج النفسي الثاني في نظر الإِسلام فهو في الأذكار والأدعية المأثورة، والرقى الصحيحة المشروعة بالآيات القرآنية والأذكار والأدعية النبوية، وقد روى ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول عند الكرب: \" لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا لله رب العرش الكريم، لا إله إلاّ الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم \" فهذا ذكر نبوي مأثور لعلاج الإنسان من أزمته النفسية، وكشف همومه القلبية التي يعانيها، ثم هو بالاضافة إلى ذلك دعاء مستجاب لقضاء","vol":"5","page":209},{"text":"الحاجة التي تهم ذلك الإنسان، وتحقيقها له إن كانت خيرًا، أو تعويضه بأحسن منها. وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ -: \" من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلاّ بالله \" ولكن هذه الأدعية والأذكار لا تعمل عملها في علاج النفس وشفائها إلاّ إذا اقترنت بالعلم بمعناها، واليقين بجدواها ولا شك أن هناك بعض الأعمال كالميكروبات الضارة وهي المعاصي والذنوب، فمن أراد سلامة نفسه من الأمراض النفسية فليجنبها المعاصي والذنوب، ولهذا قال بعض السلف: من أراد عافية القلب فليترك الآثام. أما الطب البشري: فإن الإِسلام قد أثبته، ودعا إلى هذا الطب الذي يعتمد على علاج الجسم بالعقاقير المستخلصة من الأعشاب والمعادن وغيرها، ويدخل في ذلك الفيتامينات \" وأشار النبي - ﷺ - إلى بعض الأدوية النافعة التي تعتبر أصولًا أساسية لجميع أنواع الأدوية الأخرى، فقال - ﷺ -: \" الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي \" وإذا تصفحنا كتاب الطب من \" صحيح البخاري \" أو غيره من الصحاح نجد فيه أنواعًا من الأدوية النبوية المأثورة لعلاج الأبدان، فمن ذلك: العسل، والحجامة، والكي، وألبان الإِبل وأبوالها، والحمية، والحبة السوداء، والسعوط، والحجامة على الرأس من الشقيقة والصداع، والكحل بالإِثمد، والكمأة، ودواء ذات الجنب، وتجد فيه من الأدوية الروحية للجسم، رقية الحية والعقرب، والعين. ومن الأدوية الروحية للجسم والنفس معًا الرقية بالمعوذات، وفاتحة الكتاب، واستخراج السحر إلى غير ذلك. قال ابن القيم: وليس طبه - ﷺ - كطب الأطباء، فإن طب النبي متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس، أي تخمين وظنون وتجارب. ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقد الشفاء به، فهذا القرآن الذي هو شفاء الصدور إن لم يتلق هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أدوائها. وقد عُني أئمة العلم والحديث","vol":"5","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1076>٩٦٨ - \" بَابُ مَا أنْزَلَ اللهُ دَاءً إلا أنزَلَ لَهُ شِفَاءً </span>\"\n١١١٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إلَّا أنزلَ لَهُ شِفَاءً \".\nــ\nمن قديم الزمن بالطب النبوي، واهتم المحدثون برواية ما ورد عن النبي - ﷺ - من ذلك وجمعه وتدوينه، فهذا مالك في \" الموطأ \" وأصحاب الكتب الستة قد خصصوا في صحاحهم كتبًا وأبوابًا خاصة بالطب النبوي ومن علماء الإِسلام من ألف كتبًا خاصة بالطب النبوي منهم أبو بكر ابن السني، وابن أبي عاصم الذي سمى كتابه \" كتاب الطب والأعراض \" وعلاء الدين الكمال المتوفى سنة ٧٢٠ هـ الذي ألف \" كتاب الأحكام النبوية في الصناعات الطبية \" وممن ألف في الطب النبوي الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعى المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ حيث ذكر في كتابه (زاد المعاد) بحثًا طويلًا في الطب النبوي، وقد أفرد بالطبع. ولا شك أن التداوي لا ينافي الإيمان بالقضاء والقدر، لأن الدواء أيضًا من قدر الله، ويدل على ذلك ما روي عن أبي خزامة عن أبيه ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أرأيت رقى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا فقال: \" هي من قدر الله \" أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة وصححه الحاكم في مستدركه \"\n٩٦٨ - \" باب ما أنزل الله من داء إلاّ أنزل له شفاء \"\n١١١٦ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" ما أنزل الله من داء \" أي ما خلق داءً \" إلاّ أنزل له شفاء \" أي إلاّ خلق له دواء يشفيه بإذن الله تعالى، والمعنى أن الله تعالى لم يوجد مرضًا من الأمراض الجسمية أو النفسية إلاّ أوجد له دواء يشفيه ويزيله إذا صادفه وأعطي المريض القدر المناسب في الوقت","vol":"5","page":211},{"text":"المناسب. وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \" إن الله تعالى لم ينزل داء إلاّ أنزل له دواء، علم ذلك من علم، وجهل ذلك من جهل، إلّا السام \" قالوا: يا رسول الله وما السام؟ قال: \" الموت \" (١) أخرجه الحاكم والبزار.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن لكل داء سواء كان نفسيًا أو جسميًا دواء يؤثر فيه ويقضي عليه ما عدا الموت كما قال عنترة:\nوَلَوْ عَرَفَ الطبيْبُ دَوَاءَ دَاءٍ ... يَرُدُّ المَوتَ مَا قَاسَى النِّزَاعا\nولكن الطيب قد يصيب الدواء المناسب، ويهتدي إليه فينجح في معالجة الداء بإذن الله، وقد يخطأ الطيب في معرفة الدواء لجهله به، أو في تشخيص المرض فيفشل في العلاج، والحديث صريح في أنه ليس هناك أمراض مستعصية لا دواء لها، حتى هذه الأمراض المستعصية لها أدوية تؤثر فيها، وتقضي عليها، ولكن الأطباء لم يكتشفوها حتى الآن. وقد قال - ﷺ -: كما في حديث ابن مسعود ﵁: \" إن الله ﷿ لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله \" أخرجه النسائي، وابن ماجة، والحاكم، وابن حبان والطبراني، ورجاله ثقات (٢)، قال الحافظ: وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، أقول: وبعض الأمراض لم تكتشف أدويتها (٣) حتى الآن، وقد دلت التجارب على صدق هذه القضية، فإن السل وبعض الأمراض الصدرية كانت تعد من الأمراض المستعصية، فلما اكتشف البنسلين أصبح من الأمراض العادية التي يسهل علاجها بإذن الله، سيما إذا كان في الدرجة الأولى أو الثانية. ثانيًا: دل هذا الحديث على مشروعية العلاج، لأنه - ﷺ - أخبرنا بأن الذي خلق\n_________\n(١) قال الحافظ: أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه.\n(٢) \" الطب النبوي \" لابن القيم وتعليقاته للدكتور عادل الأزهري.\n(٣) كالسرطان مثلًا.","vol":"5","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>٩٦٩ - \" بَابُ الشِّفَاءِ في ثَلاثٍ </span>\"\n١١١٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\n\" الشفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَل، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكِيَّةِ نَارٍ، وأنهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ \" رَفَعَ الحَدِيثَ.\nــ\nالداء خلق الدواء تنبيهًا لنا وإرشادًا وترغيبًا في التداوي، وقد أمرنا - ﷺ - بذلك صراحة في قوله - ﷺ -: \" يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاء \". واستعمال الأدوية لا ينافي التوكل إذا اعتقد أنها تنفع بإذن الله وتقديره، وأنها لا تؤثر إلاّ بإرادته ﷿، وفي هذه الأحاديث إثبات للطب والعلاج، وأن التداوي مباح غير مكروه كما ذهب إليه بعض الناس كما قاله الخطابي، ولو كان مكروهًا لما أمر النبي - ﷺ - بالتداوي في قوله - ﷺ -: \" تداووا فإن الله لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاء .. فإن هذا الحديث لا يدل على جواز التداوي فقط، بل يدل على استحبابه أيضًا، لأن أقل مقتضيات الأمر الاستحباب، والله أعلم. ثالثًا: أن في هذا الحديث وأمثاله تقوية لنفس المرض، ومساعدة له على مكافحة المرض، وتشجيعًا له على مقاومة الداء، لأنه متى استشعرت نفسه أن لدائه دواء تعلق قلبه بالرجاء، وتفتحت له أبواب الأمل، وزال عنه اليأس والاكتئاب وهذه المشاعر في حدّ ذاتها كفيلة له بالشفاء بإذن الله لأن نفسية الإنسان متى قويت تغلبت على المرض وقهرته ومتى ضعفت تغلب عليها. الحديث: أخرجه النسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٩٦٩ - \" باب الشفاء في ثلاث \"\n١١١٧ - معنى الحديث: قال الحافظ: أورد البخاري هذا الحديث موقوفًا، وآخره يشعر بأنه مرفوع، لقوله: \" وأنهى أمتي عن الكي \" وقد صرح","vol":"5","page":213},{"text":"برفعه في رواية سريح بن يونس عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" الشفاء في ثلاث \" أي الشفاء يحصل بأحد ثلاثة أنواع من الأدوية، قال العيني: لم يرد النبي - ﷺ - الحصر في الثلاثة فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبّه بهذه الثلاثة على أصول العلاج. اهـ. واختلافها باختلاف طبيعة الأمراض من باردة إلى حارة إلى غير ذلك \" شربة عسل \" أي النوع الأول شربة العسل، إما وحده، أو مخلوطًا بالماء، أو مخلوطًا بالسوائل الأخرى، أو مركبًا من غيره، لأنه شفاء، كما قال تعالى: (فيه [شفاء] للنّاس) \" وشرطة محجم \" أي والنوع الثاني من أنواع الأدوية \" شرطة محجم \" بكسر الميم، وفتح الجيم، وهو في الأصل الآلة التي يجمع فيها دم الحجامة، ويراد بها هنا الآلة التي يشرط بها، ومعناه: أن النوع الثاني من الأدوية إخراج الدم الفاسد بواسطة الحجامة \" وكية نار \" أي والنوع الثالث: الكي بالنار \" وأنهى أمتي عن الكي \" لما فيه من إيذاء المريض وتعذيب بدنه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن أفضل العلاجات والأدوية النافعة بإذن الله ثلاثة: الأول: العسل الذي أخبر الله تعالى عنه أنّه شفاء للناس، ولا يمنع بن اعتباره دواءً ناجحًا كونه يضر ببعض الأمراض الحارّة مثلًا، فإن العبرة بالغالب والنادر لا حكم له. ويكفي لاعتباره من أهم الأدوية ما ثبت علميًا أنه غني بالمعادن: مثل الحديد والكلسيوم، والصوديوم، والكبريت، والبوتاسيوم. والفوسفور، وله خاصية مبيدة للجراثيم، أما الفيتامينات التي يحتويها، وعلى رأسها الفيتامين (ث) فتساعد على تقوية الكلس في العظام، ولذا فهو مفيد جدًا للأطفال إذ يساعد عظامهم على التصلب، ويثبت أسنانهم ويقيهم شر الكساح، وتقوس الساقين، ونخر الأسنان، ومن فوائده الطبية أنه ينظم حركة التنفس، وخاصة بالنسبة للمصابين بأمراض الصدر، كما أن له تأثيرًا ملطفًا في حالات الجفاف، وصعوبة البلع والسعال. اهـ. كما أفاده الدكتور القباني في كتابه \" الغذاء لا الدواء \" وقال في \" المعتمد \" وهو نافع لأصحاب الأمزجة الباردة والشيوخ يقوي جوهر حرارتهم الغريزية ويولد فيهم","vol":"5","page":214},{"text":"دما جيدًا لا سيما في الشتاء. وهو حار يابس يقوّي المعدة، ويلين الطبع، ويحد البصر، ويحفظ على البدن صحته أيام حياته ويزيد في شهوة الباه وينفع من الفالج والاسترخاء وتعجن به الأدوية فيحفظها. اهـ. وقال ابن جريج: قال الزهري: \" عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ \". الثاني: الحجامة والفصد أيضًا، وذلك لعلاج الأمراض الدموية. قال ابن القيم: وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله - ﷺ -: \" وشرطة معجم \" فإن كان المرض حارًا عالجناه بإخراج الدم بالفصد، أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج، وإن كان باردًا عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ -: \" احتجم وأعطى الحجام أجرة \" أخرجه الشيخان.\nوقال ابن عباس: قال نبي الله - ﷺ -: \" نعم العبد الحجام، يذهب الدم، ويُخِفُّ الصلب، ويجلو عن البصر \" قال ابن القيم: وقد نص الأطباء على أن البلاد الحارة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \" الحجامة في الرأس شفاء من سبع: الجنون، والجذام، والبرص، والنعاس ووجع الأضراس، والصداع، والظلمة يجدها في عينيه \" أخرجه أبو نعيم (١)، وفي الحديث: \" ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا في رأسه إلاّ قال: احتجم \" أخرجه أبو داود. قال العيني: وعن ابن عمر بسند لا بأس به يرفعه: \" الحجامة تزيد في الحفظ، وفي العقل، وتزيد الحافظ حفظًا \" قال ابن سينا: والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان، والوجه والحلقوم، وقال ابن القيم: الحجامة في أسفل الصدر نافعة من دمامل الفخذ، وجربه، وبثوره، ومن النقرس، والبواسير، ومن حكة الظهر. والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس وأجزائه كالوجه، والأسنان، والأذنين والعينين والأنف، والحلق إذا كان حدوث ذلك عن كثرة الدم أو فساده. قال أنس رضي\n_________\n(١) والطبراني، وفيه عمر بن رباح العبدي وهو متروك كما قال الحافظ الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٥/ ٩٤). (ع).","vol":"5","page":215},{"text":"الله عنه: كان رسول الله - ﷺ - يحتجم في الأخدعين والكاهل. أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجة وأحمد والحاكم، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: \" كان رسول الله - ﷺ - يحتجم ثلاثًا، واحدة على كاهله، واثنين على الأخدعين \" ويقول الدكتور عادل الأزهرى في تعليقه على \" الطب النبوي \": الحجامات على نوعين، حجامات جافة، وحجامات رطبة، وتختلف الرطبة عن الجافة بالتشريط قبل وضع الحجامات، وتستعمل الجافة إلى الآن لتخفيف الآلام في العضلات، خصوصًا عضلات الظهر نتيجة إصابتها بالروماتزم، أما الحجامة الرطبة فتستعمل في بعض حالات هبوط القلب المصحوبة بارتشاح في الرئتين. وتعمل على ظهر القفص الصدري. أما الفصد فيستعمل الآن في حالات هبوط القلب الشديد المصحوب بزرقة في الشفتين، وعسر شديد في النفس، ويعمل الفصد بواسطة إبرة واسعة القناة، تدخل في وريد ذراع المريض وهذه العملية البسيطة أنقذت حياة كثير من مرضى هبوط القلب في الحالات الأخيرة. اهـ. واختلف الأطباء في الحجامة على نقرة القفا، فكرهها صاحب القانون، ابن سينا، وقال إنها تورث النسيان حقًا، كما قال سيدنا وصاحب شريعتنا محمد - ﷺ -، فإن مؤخرة الدماغ موضع الحفظ والحجامة تذهبه وقد روى عن ابن سيرين أنه إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم لانحلال قوى جسده، قال الحافظ: وهو محمول على من لم يتعين حاجته إليها. اهـ. ومما يؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - \" احتجم بعد هجرته إلى المدينة \" وكان قد تجاوز الخمسين من عمره فضلًا عن الأربعين. الثالث من أنواع الأدوية الكي: وذلك كما قال ابن القيم: لأن كل واحد من الأمراض المادية إما أن يكون حادًا فلا يحتاج إليه، وإما أن يكون مزمنًا، وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكي في الأعضاء التي يجوز فيها الكي ثانيًا: دل هذا الحديث على أن الكي مكروهٌ أو خلاف الأولى لنهيه - ﷺ - عنه في قوله: \" وأنهى أمتي عن الكي \" وأقل مقتضيات النهي الكراهة.\nقال بعض أهل العلم: يكره الكي في حالتين: الأولى، أن يفعله من لا يحتاج","vol":"5","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1078>٩٧٠ - \" بَابُ الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأسِ </span>\"\n١١١٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\n\" أنَّ النبي - ﷺ - احْتَجَمَ في رَأسِهِ \".\nــ\nإليه في الحال خوفًا من حدوث داء في المستقبل فهذا الذي قيل فيه: \" لم يتوكل من اكتوى \" لأنّه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع. الثانية: أن لا يتعين الكي طريقًا للشفاء، بل يوجد دواء آخر يغني عنه، ويقوم مقامه، فهو في هذه الحالة مكروه أيضًا لما فيه من تعذيب الجسم، وتشويه الصورة، سيما إذا كان في الوجه أو الرأس أو اليدين. أما إذا تعين الكي وأصبح ضرورة لا بد منها، فإنه يجوز في هذه الحالة دون أي كراهة، لأن النبي - ﷺ - بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع له عرقًا وكواه عليه (١) أخرجه مسلم، وابن ماجة وأحمد والحاكم، وفي الحديث: \" أن رجلًا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص، فأمر النبي - ﷺ - فكوي \" أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة، والأولى تركه إذا لم يتعين، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه، وفضل تركه - عند عدم تعينه - مأخوذ من قوله - ﷺ -: \" وما أحب أن أكتوي \" وأيضًا من قوله - ﷺ -: \" وأنهى أمتي عن الكي \" والحاصل أن الكي جائز مباح بلا كراهة إذا تعين، ولم يوجد غيره يقوم مقامه ويغني عنه. الحديث: أخرجه أيضًا ابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٩٧٠ - \" باب الحجامة على الرأس \"\n١١١٨ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ في هذا الحديث \" أن رسول الله - ﷺ - احتجم في رأسه \" أي في وسط رأسه، كما جاء\n_________\n(١) \" الطب النبوي \".","vol":"5","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1079>٩٧١ - \" بَابُ الْجُذَامَ </span>\"\n١١١٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"لا عَدْوَى ولا طِيَرةٌ ولا هَامَةٌ،\nــ\nفي حديث عبد الله بن بحينة \" أن رسول الله - ﷺ - احتجم بلحي جمل من طريق مكة وهو محرم في وسط رأسه \" بفتح السين ويجوز تسكينها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من وسائل العلاج في الطب النبوي التداوي بالحجامة في الرأس خاصة، وفي رواية: \" ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا في رأسه إلاّ قال: احتجم \" أخرجه أبو داود. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" احتجم في رأسه \".\n٩٧١ - \" باب الجذام \"\n١١١٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يقول: \" لا عدوى \" ومعناه على أرجح الأقوال التي ذكرها الحافظ ابن حجر (١): أنه لا صحة لما كانت الجاهلية تعتقده من أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى، فأبطل النبي - ﷺ - اعتقاد ذلك ليعلموا أن المرض إنما ينتقل من جسم لآخر بإذن الله ومشيئته، فإذا أراد الله المرض للجسم الآخر انتقل إليه الميكروب من ذلك المريض، وحدثت العدوى، وإلا فلا، لأن الله خلق في الجسم مناعة وأوجد فيه كريات الدم البيضاء وهي تشكل أسلحة مضادة للميكروبات، وتقضي عليها، فإذا أراد الله سلامة الجسم من الميكروبات الوافدة إليه المعبر عنها في الحديث بالعدوى، سلّط الله عليها كريات الدم البيضاء (٢) فقضت عليها، وإذا أراد الله\n_________\n(١) \" فتح الباري \" للحافظ ابن حجر ج ١٠.\n(٢) وتسميتها بالبيضاء مجرد تسمية فقط، ولعل ذلك لتمييزها عن كريات الدم الحمراء، وإلا فهي عديمة اللون.","vol":"5","page":218},{"text":"وَلا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأسَدِ\".\nــ\nإصابة الجسم بتلك الميكروبات المرضية ضعفت كريات الدم البيضاء عن مقاومتها، وتمكنت من الدخول إلى الجسم، وإصابته، فتحدث العدوى. \" ولا طيرة \" على وزن (عِنَبَة) بكَسر العين وفتح الياء. أي لا حقيقة للشؤم والنحس الذي كان العرب يعتقدونه في الجاهلية عندما تتوجه الطير شمالًا، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا عملًا أو سفرًا زجروا الطير الذي يلاقونه، فإذا انصرف يمينًا تفاءلوا، وإلا تشاءموا، ورجعوا عن ذلك العمل، اعتقادًا منهم أنّه شر، والمراد من الحديث نفي مطلق التشاؤم من أي شيء من الأشياء التي يتخيلها بعض الناس نحسًا وشرًا، كأن يسمع كلمة قبيحة فيكره الشيء الذي هو قادم عليه فينصرف عنه لمجرد وهم كاذب لا أساس له من الصحة. قال القاري: وقوله: \" لا طيرة \" نفي، معناه النهي، كقوله تعالى: (لا ريب فيه) أي لا تتشاءموا من شيء أبدًا، وتعتقدوا فيه الشر والضرر لمجرد خيال كاذب لا أساس له من الصحة، فان ذلك لا يجوز ذرعًا ولا عقلًا .. \" ولا هامة \" بتخفيف الميم المفتوحة، ويقال له (البوم) وكانت العرب تزعم أن عظام الميت إذا بليت تصير هامة (١)، وتخرج من القبر، وتتردد، وتأتي بأخبار أهله. وقال النووي: إن العرب كانت تتشاءم بها، وهي من طير الليل، وقيل هي البومة، كانت إذا سقطت على دار أحدهم يراها ناعية له نفسه، أو بعض أهله، وهو تفسير مالك بن أنس. اهـ. فأبطل الله تعالى كل هذه الاعتقادات، ونهانا عنها. \" ولا صفر \" قال أبو داوود في سننه، قال بقيةُ، سألت محمد بن راشد عنه قال: كانوا يتشاءمون بدخول صفر، فقال النبي - ﷺ -: \" لا صفر \" ومعناه أن النبي - ﷺ - نهاهم عن التشاؤم بشهر صفر، لأنه شهر عادي كسائر الشهور الأخرى، ولا حقيقة لما يعتقدونه\n_________\n(١) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري.","vol":"5","page":219},{"text":"من الشر والنحس \" وفر من المجذوم كما تفرُّ من الأسد \" أي ابتعد عنه احتياطًا واحترازًا من العدوى، وطلبًا للسلامة من الميكروب الذي قد ينتقل، إليك مصحوبًا بذلك المرض الخبيث فإن الله قد ربط الأسباب بمسبباتها، وهو خالقها. وقد شبه النبي - ﷺ - تلك الميكروبات المرضية التي تنقل الجذام من المريض إلى السليم بالأسد لأنها تفترس الجسم الصحيح، وتقضي عليه كما يقضي الأسد على فريسته، ولعل هذا هو السر في تسمية هذا المرض الخطير بداء الأسد: قال ابن القيم: \" الجذام علة رديئة (١) تحدث من انتشار المرة السوداء فتفسد مزاج الأعضاء وشكلها حتى تتآكل الأعضاء وتسقط، ويسمى داء الأسد، لكثرة ما يعتري الأسد، أو لأنه يفترس من يقربه ويدنو منه افتراس الأسد، ويشير إلى ذلك قوله - ﷺ - في الحديث: \" وفر من المجذوم فرارك من الأسد \". ويقول الدكتور عادل الأزهري: وخطورة هذا المرض (٢) في إتلاف الأعصاب المتطرفة فيفقد المريض حساسية الأطراف أولًا، ثم تتساقط الأصابع تدريجيًا، وهو من الأمراض المعدية التي تنتقل عدواها من النفس مع المخالطة الطويلة، ويعزل الآن جميع مرضى الجذام في مصحات خاصة لهم لمنع انتشار المرض. اهـ. ويتميّز عن (٣) الأمراض المعدية ببطء ظهور أعراضه، وطول فترة الإصابة به، وطول مدة علاجه، وكان يظن أنه ورائي، ثم تبيّن بعد انكشاف ميكروبه أنه مرض ميكروبي معدٍ ينتقل بالملامسة والمعاشرة، والخلطة الطويلة، وتخرج الميكروبات من جلد المريض مع إفرازات الأنف والحنجرة (٤) كما تنتقل العدوى عن طريق الملابس والفراش والأدوات، وتدخل إلى السليم عن طريق الجلد خصوصًا إذا كان به جروح، ثم تأخذ طريقها بواسطة الأوعية إلى الغدد اللمفاوية البلغمية\n_________\n(١) \" الطب النبوي \" لابن القيم.\n(٢) تعليقات الدكتور الأزهري على الطب النبوي لابن القيم.\n(٣) طبيبك معك لجماعة من كبار الأطباء في جامعات أوربا وأمريكا.\n(٤) كتاب طبيبك معك لجماعة من كبار العلماء والأطباء في جامعات أوربا وأمريكا.","vol":"5","page":220},{"text":"فتكمن هناك لمدة تختلف من بضعة أشهر إلى سنوات حتى إذا ما ضعفت مقاومة الجسم الطبيعية إثر مرض عارض كالحميات أو الأمراض التناسلية ينشط الميكروب بعد خموله، ويتكاثر مبتدئًا بالأعصاب أولًا، ثم الجلد ثم الأغشية المخاطية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات العدوى، ومعناها كما قال القاري: مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيره. أي سريان المرض وانتقاله من المريض إلى الصحيح عن طريق انتقال الميكروب من جسم لآخر في الأمراض الجرثومية من الجذام والبرص والسل. قال ابن القيم: ومقارب (١) المجذوم وصاحب السل يسقم برائحته، فالنبي - ﷺ - لكمال شفقته على الأمة، ونصحه لهم نهاهم عن الأسباب التي تعرضهم لوصول الفساد إلى أجسامهم وقلوبهم. اهـ. والنبي - ﷺ - إذ يأمرنا بالفرار من المجذوم، فإنما يأمرنا بوجوب الحيطة وإبعاد السليم عن مواطن الخطر على ما جرت به العادة وقد وردت عنه - ﷺ - كثير من الإرشادات الطبية التي يوجهنا فيها إلى الطب الوقائي ومن ذلك نهيه - ﷺ - عن دخول الأرض الموبوءة. وقوله - ﷺ -: \" لا يوردن ممرض على مصح \" إلى غير ذلك. ثانيًا: أن العدوى في الحقيقة من الأسباب الظاهرة التي لا تؤثر بطبعها، فإنه قد يتخلف حدوث المرض مع المخالطة، كما يشاهد ذلك كثيرًا، وهذا دليل على أن الميكروب لا يؤثر في السليم بنفسه ولا يتمكن من الدخول إلى جسمه وإصابته إلاّ بإذن الله وهو معنى قوله - ﷺ -: لا عدوى، أي لا تحدث العدوى، ولا يؤثر الميكروب المرضي إلاّ بإرادة العزيز القدير، ولو كان مؤثرًا بطبعه لما تخلف أحيانًا، قال ابن القيم: \" ولا ريب أنّه قد يكون في البدن تهيؤ واستعداد (٢) كامن لقبول الداء، وقد تكون الطبيعة سريعة الانتقال قابلة للاكتساب من أبدان من تجاوره وتخالطه، لأنها نقالة، وقد تصل\n_________\n(١) \" الطب النبوي \" لابن القيم.\n(٢) \" الطب النبوي \" لابن القيم.","vol":"5","page":221},{"text":"رائحة العليل إلى الصحيح فتسقمه، وهذا معاين في بعض الأمراض، فلا بد -في العدوى- من وجود استعداد البدن، وقبوله لذلك الداء، وإيضاح ذلك علميًا أن الله أودع في دم الإِنسان ما يسمى بالكرويات البيضاء - وهي على الحقيقة عديمة اللون، وجعل وظيفتها حماية الجسم من الميكروبات، ومحاربة أي ميكروب مرضي يحاول الدخول إلى الجسم البشري، فإذا وقعت الحرب بين الطرفين، وانتصرت الكرويات على الميكروب بمشيئة الله وإرادته لم تحدث العدوى وإن انتصر الميكروب عليها بإذن الله حدثت العدوى. والفاعل في كلتا الحالتين هو الله تعالى. قال في \" فتح المجيد \": وأحسن ما قيل فيه قول البيهقي وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح وغيرهم: أن قوله: \" لا عدوى \" على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تعدي بطعها وإلّا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سببًا لحدوث ذلك، ولهذا قال: \" فر من المجذوم فرارك من الأسد \" وقال: \" لا يورد ممرض على مصح \" وقال في الطاعون: \" من سمع في أرض فلا يقدم عليه \" وكل ذلك بتقدير الله. ثالثًا: مشروعية الطب الوقائي، واتخاذ أسباب السلامة من الجراثيم والميكروبات، والمحافظة على الصحة العامة، قال في \" فتح المجيد \" والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء، أو في النار مما جرت العادة أنه يهلك أو يضر، فكذلك اجتناب مقاربة المريض، والقدوم على بلد الطاعون فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله سبحانه هو خالق الأسباب ومسبباتها، لا خالق غيره، ولا مقدر غيره رابعًا: دل هذا الحديث على تحريم التشاؤم بجميع أنواعه وصوره، سواء كان تشاؤمًا من المرئيات والمسموعات، كأن يرى الطير متوجهًا شمالًا، فيتشاءم من العمل الذي أقدم عليه، أو يسمع كلمة كريهة، فيترك الشيء الذي كان يريده، وهو التطير أو التشاؤم من مشاهدة بعض الطيور، ونزولها على بيته فيعتقد أنها نذير موته، أو موت أحد أقاربه، أو يتشاءم","vol":"5","page":222},{"text":"من بعض الشهور والليالي والأيام، وهو معنى قوله: \" ولا صفر \". فإن التشاؤم بأي نوع من هذا أو غيره محرم شرعًا، لأن النبي - ﷺ - نهى عنه، قال ابن القيم في قوله: \" ولا طيرة \" يحتمل أن يكون نفيًا أو نهيًا، أي لا تطيروا (١)، ولكن قوله في الحديث: \" لا عدوى ولا صفر ولا هامة \" يدل على أن مراده النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت في الجاهلية. قلت: والنفي هنا يتضمن معنى النهي وزيادة لأنه يكون معناه: لا تعتقدوا هذه الاعتقادات الوهمية، لأن هذه الأشياء التي تعتقدونها باطلة لا وجود. لها في الواقع، ولا أساس لها من الصحة، والواجب على العبد المسلم إذا أحسّ بأي انفعال تشاؤمي أو تخيّل وقوع شر بسبب هذه الأشياء الوهمية كنعيق الغراب، أو صوت البوم، أو نبح الكلاب، أن لا يستسلم لذلك الشعور وأن يستعيذ بالله من الشيطان حتى يصرفه عنه ولا يصده ذلك عن العمل الذي يريده كما روي عن معاوية بن الحكم أنه قال لرسول الله - ﷺ -: ومنا أناس يتطيرون، قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم (٢) فقد أمرهم أن يأتوا الأعمال التي تشاءموا منها، ويفعلوها، ولا يمنعهم هذا الشعور عنها، وأرشدنا - ﷺ - إلى بعض الأدعية المأثورة لمكافحة التشاؤم، فقد روي عن عروة بن عامر (٣) قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الطيرة، فقال: أصدقها الفأل، وإذا رأيتم من الطير: شيئًا تكرهونه فقولوا: \" اللهم لا يأتي بالحسنات إلاّ أنت، ولا يذهب بالسيئات إلاّ أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله \" (٤)، فإن في هذا الدعاء البلسم الشافي من التشاؤم. ويدخل في التشاؤم، التشاؤم ببعض الأشهر والليالي والأيام، ومن ذلك التشاؤم بيوم الأربعاء وبشهر\n_________\n(١) \" فتح المجيد \" للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.\n(٢) \" فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.\n(٣) وهو كلي اختلف في نسبه فقال أحمد: عن عروة بن عامر القرشي، وقال غيره: الجهني، واختلف في صحبته، فقال الماوردي له صحبة، وذكره لابن حبان في ثقات التابعين، وقال المزي: لا صحبة له. (ع).\n(٤) رواه أحمد وأبو داود، وهو مرسلًا ضعيف. (ع).","vol":"5","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1080>٩٧٢ - \" بَابُ ما يُذْكَرُ في الطَّاعُون </span>\"\n١١٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلى الشَّامِ، فلما كَانَ بِسَرْغَ، بَلَغَهُ أنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ، فأخْبَرَهُ\nــ\nشوال حيث كانوا يتشاءمون من النكاح فيه خاصة، وأمّا حديث يوم الأربعاء يوم نحس مستمر (١) فهو حديث ضعيف وحديث \" آخر أربعاء من الشهر يوم نحس مستمر \" فهو حديث موضوع كما قال ابن الجوزي وغيره. وأما النكاح في شوال فقد قالت عائشة ﵂: \" تزوجني رسول الله - ﷺ - وبني بي في شوال، فأي نساء رسول الله - ﷺ - كان أحظى عنده مني، وكانت عائشة تحب أن تدخل نساءها في شوال، وهذا خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية. اهـ. الحديث: أخرجه أيضًا مسلم. والمطابقة: في قوله: \" فر من المجذوم \".\n٩٧٢ - \" باب ما يذكر في الطاعون \"\nوهو كما قال ابن سينا \" مادة سامَّة تُحدث ورمًا قتّالًا في المواضع الرخوة من البدن، وأغلب ما يكون تحت الإِبط، أو خلف الأذن، وعند الأرنبة (٢).\n١١٢٠ - معنى الحديث: يحدثنا عبد الله بن عامر \" أن عمر خرج إلى الشام \" وذلك في ربيع الثاني سنة ثمان عشرة من الهجرة، وإنما خرج إليها يتفقد رعيته \" فلما كان بِسرغ \" بفتح السين وسكون الراء منصرفًا وغير منصرف، وهي قريبة في طريق الشام مما يلي الحجاز \" بلغه أن الوباء \" أي الطاعون \" قد وقع بالشام \" أي قد أصاب أهل الشام وانتشر فيهم \" فأخبره عبد الرحمن بن عوف \" بعد نقاش طويل دار بين عمر وبين من معه من الصحابة عندما أمرهم\n_________\n(١) التعليق على \" فتح المجيد \" للشيخ عبد القادر الأرنؤوط.\n(٢) شرح العيني على البخاري ج ٢١.","vol":"5","page":224},{"text":"عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إذَا سَمِعْتُمْ به بِأَرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وِإذَا وَقَعَ بِأرضٍ وَأنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنْهُ \".\nــ\nعمر بالعودة إلى المدينة فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال له عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إذا رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، فجاء بن عوف فقال: إن عندي أني هذا علمًا وأخبره \" أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه \" بفتح الدال، أي فلا تدخلوا تلك الأرض التي انتشر فيها ذلك الوباء وقاية لكم من الإِصابة بالعدوى، \" وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه \" أي فلا تنتقلوا منها إلى غيرها، وذلك لتطويق الوباء وحصره في البلاد التي وقع فيها، ومنع انتشاره وانتقال ميكروبه إلى البلاد الأخرى الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: خطورة الطاعون وكونه من الأمراض الخبيثة المعدية، وكان يسمى بالموت الأسود وتحصل الإصابة به بواسطة البرغوث حيث يتغذى من فأرٍ مصاب فيمتص دمه الملوث بالبكتيريا، فيلدغ الإِنسان ويقذف فيه من ذلك الدم فتنتشر البكتيريا في دمه ويصاب (١) بالطاعون. ثانيًا: إرشاد النبي - ﷺ - في هذا الحديث إلى ما يسمّى في عصرنا هذا بالحجر الصحي حيث قال - ﷺ -: \" فلا تقدموا عليه \" وقال: \" فلا تخرجوا منها \" فمنع من دخول الأصحاء إلى أرض الوباء، ومنع من انتقال المصابين إلى الأرض السليمة \" منه لتطويق المرض وحصره في نطاق محدود حرصًا\n_________\n(١) من تعليقات الدكتور القلعجي على كتاب \" الطب من الكتاب والسنة \" لموفق الدين البغدادي المتوفي سنة ٦٢٩. اهـ.","vol":"5","page":225},{"text":"١١٢١ - عنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" الطَّاعُونُ شَهَادَة لِكُلِّ مُسْلِم \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>٩٧٣ - \" بَابُ الرُّقْيةِ مِنَ الْعَيْنِ </span>\"\n١١٢٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" أَمرَ النبي - ﷺ - أن يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ \".\nــ\nعلى سلامة الآخرين، وقد روى أبو داود أن فروة بن مُسَيْك قال: يا رسول الله أرض عندنا هي أرض ريفنا وميرتنا وإنها وبيئة فقال النبي - ﷺ -: دعها عنك، فإن من القرف التلف (١)، والقرف كما قال ابن قتيبة، مداناة الوباء والمرض، ومعناه أن النبي - ﷺ - منعه من دخولها، لأن في الاقتراب من الوباء ما يؤدي إلى العدوى بذلك المرض الخبيث الذي ربما كان سببًا في التلف والموت. والمطابقة: في قوله: \" إذا سمعتم به -أي بالطاعون- بأرض فلا تقدموا عليها \".\n١١٢١ - معنى الحديث: يقول رسول الله - ﷺ - \" الطاعون شهادة لكل مسلم \" أي أن في الإصابة بالطاعون ثواب عظيم يضاهي ثواب الشهادة، وأجرها لكل من يصاب به من المسلمين إذا صبر واحتسب ومكث في بلده. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على عظم أجر من ابتلي بالطاعون فصبر واحتسب ورضي بقضاء الله، ولم يخرج إلى بلد أخرى فله أجر الشهادة سواء مات به، أو سلم منه. والمطابقة: في قوله: \" الطاعون شهادة \".\n٩٧٣ - \" باب الرقية من العين \"\n١١٢٢ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂: \"أمر النبي\n_________\n(١) وإسناده ضعيف. (ع).","vol":"5","page":226},{"text":"- ﷺ - أن يسترقى من العين\" أي أمرنا النبي - ﷺ - أن نطلب الرقية ممن يعرفها لمعالجة العين من الرمد وسائر أمراض العين الأخرى، أو يكون المراد به النفس الخبيثة (١)، والعين بهذا المعنى: قوة سميّة تنبعث من عين العائن فتصيب المعين بإذن الله، فتضره وتؤذيه، وقد تهلكه كما تنبعث من الأفعى تلك المادة السامة التي تهلك من أصابته.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن تأثير العين وإصابتها للمعين -بإذن الله تعالى- حق لا شك فيه، وسببها استحسان الناظر للشيء. ثانيًا: مشروعية رقية المصاب بالعين بالآيات والأذكار والأدعية المأثورة، ومن ذلك قراءة المعوّذات، وفاتحة الكتاب، وآية الكرسي، والتعاويذ النبوية يقول: \" بسم الله، اللهم أذهب حرها وبردها ووصبها \" أخرجه النسائي والحاكم في \" المستدرك \" والوصب بفتح الواو والصاد: دوام الوجع ولزومه، ثم يقول بعد هذه الرقية: قم بإذن الله. وإن كانت دابة نفث في منخرها الأيمن، وفي الأيسر ثلاثًا وقال: لا بأس أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلاّ أنت. أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه موقوفًا على ابن مسعود ﵁. ومن رأى شيئًا فاستحسنه، وخاف أن يصاب منه بالعين، وأراد أن يقيه من شر عينه فليدع له بالبركة، لحديث حزام بن حكيم بن حزام (٢) قال: كان النبي - ﷺ - إذا خاف أن يصيب شيئًا بعينه قال: \" اللهم بارك فيه ولا تضره \" أخرجه ابن السني، أو فليقل: ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله، فقد روى أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أنعم الله على عبد نعمة من\n_________\n(١) التي تسمى بالنفس وقد رقى جبريل النبي - ﷺ - من هذه النفس الخبيثة بقوله: \" بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك .. \".\n(٢) الذي في ابن السني: حزام بن حكيم بن حزام، وهو تابعي مجهول، فهو مرسل وفي الأذكار للنووي عن ابن السني: عن سعيد بن حكيم، وهو من صغار التابعين، ولم يثبت له لقي بأحد من الصحابة، فيكون على هذا معضلًا. (ع).","vol":"5","page":227},{"text":"أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، فيرى فيه آفة دون الموت\" أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي (١)، وفي رواية عن أنس: \" من رأى شيئًا فأعجبه فقال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله لم يضره \" أخرجه ابن السني (٢). والحاصل: أنه من خاف على نفسه قال: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، اللهم بارك \" لي في كذا، ويذكر اسم الشيء الذي خاف عليه، وإن خاف على غيره قال: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، اللهم بارك له في كذا ويذكر اسم الشيء الذي يخاف عليه. ثالثًا: دل هذا الحديث على مشروعية رقية العين المريضة، لقولها ﵂: \" أمر النبي - ﷺ - أن نسترقي من العين \" فإنه يحتمل أنه - ﷺ - أمر أمته برقية العين المصابة بالرمد، وفي حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال لامرأته زينب، وقد اشتكت عينها: \" لو فعلت كما فعل رسول الله - ﷺ - كان خيرًا لك تنضحين في عينك الماء ثم تقولين: أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلاّ شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا \" أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قولها ﵂: \" أمر النبي - ﷺ - أن نسترقي من العين \".\n...\n_________\n(١) والبيهقي في \" شعب الإيمان \" والطبراني في الأوسط والصغير، قال الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (١٠/ ١٤٠) وفي سنده عبد الملك بن زوارة، وهو ضعيف. (ع).\n(٢) ورواه أيضًا البزار والديلمي من رواية ابن بكر الهندلي وهو ضعيف جدًا، كما قال الحافظ الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٥/ ١٠٩) قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما جاء ذلك في كتاب الله تعالى (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إِلا بالله). (ع).","vol":"5","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1082>٩٧٤ - \" بَابُ رُقْيةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ </span>\"\n١١٢٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" رَخَّصَ النبي - ﷺ - الرُّقْيَةَ من كُلِّ ذِي حُمَةٍ \".\nــ\n٩٧٤ - \" باب رقية الحية والعقرب \"\n١١٢٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \" رخص النبي - ﷺ - \" يعني أذن لأمته \" الرقية من كل ذي حُمَة \" بضم الحاء وفتح الميم المخففة، أي أذن - ﷺ - لأمته في معالجة لدغة الحية والعقرب وغيرهما من الحشرات السامة بالرقية الشرعية المأثورة عن النبي - ﷺ -.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على جواز رقية الملدوغ بالعقرب أو الحية بالرُّقية المأثورة عن النبي - ﷺ -، وهي أن يقرأ عليه الفاتحة، وينفث عليه كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ ثم إن الرقية من العقرب والحية وغيرها من ذوات السموم نوعان: علاجية تنفع من الداء بعد حصوله كالفاتحة مثلًا وكالمعوذات (١)، ووقائية: تحفظ صاحبها من الإصابة بهذه الحشرات السامة كما في حديث أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة، فقال: \" أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك \" أخرجه مسلم وأحمد. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في كونه - ﷺ - رخص في الرقية من كل ذي حُمَة - أي من كل حية وعقرب.\n...\n_________\n(١) بأن يضع مكان اللدغة في ماء وملح، ويقرأ المعوذات كما فعله النبي - ﷺ - وأخرجه ابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي.","vol":"5","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1083>٩٧٥ - \"بَابُ رُقْيةِ النَّبِيِّ - ﷺ </span>-\"\n١١٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ لِلمَرِيضِ: \" بِسْمِ اللهِ تربَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بإِذْنِ رَبِّنَا \".\nــ\n٩٧٥ - \" باب رقية النبي - ﷺ - \"\n١١٢٤ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ \" أن النبي - ﷺ - كان يقول للمريض: بسم الله إلخ \" أي كان - ﷺ - يأخذ من ريقه على السبابة، ثم يضعها على التراب، فَيَعْلَق بها شيء منه، فيمسح به الموضع العليل، أو الجريح قائلًا: بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يُشفي سقيمنا، بإذن ربنا \" \" تربة أرضنا \" خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه تربة أرضنا \" بريقة بعضنا \" أي فيها أو عليها شيء من ريقنا المقترن باسم الله تعالى \" يشفي سقيمنا بإذن ربنا \" أي يشفي مريضنا بهذه الرقية المباركة بإذن الله ومشيئته.\nفقه الحديث: قال القرطبي: في الحديث دليل على جواز الرقية من كل الآلام، ووضع النبي - ﷺ - سبابته بالأرض، يدل على استحباب ذلك عند الرقية، فلعله لخاصية في ذلك. قال ابن القيم ﵀: وهل المراد بقوله \" تربة أرضنا \" جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة، فيه قولان، قال ابن القيم: \" ولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية ينتفع بخاصيته من أدواء كثيرة، وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله - ﷺ -، واقترنت باسم ربه، وتفويض الأمر إليه، اهـ كما في \" الطب النبوي \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه. والمطابقة: في كون النبي - ﷺ - كان يرقي المريض بهذه الرقية والله أعلم.","vol":"5","page":230},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1084> كتاب اللِّباس </span>\"\nوهو من النعم التي أنعم الله بها على عباده فقال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ). وأما حكمه فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو حرام، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح. فالواجب: كما قال ابن جُزَيّ ما يستر العورة، ويقي الحر والبرد، ويستدفع به الضرر في الحرب وغيرها. فعن حكيم بن حزام عن أبيه قال: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر، قال: \" احفظ عورتك إلَّا من زوجتك \" فتهلت فإن كنت خاليًا؟ قال: \" فالله ﵎ أحق أن يستحيا منه \" قال ابن قدامة: ويكفي ثوب واحد، وبعضه على عاتقه. والمندوب كالرداء في الصلاة، والتجمل بالثياب في الجمعة والعيدين. والحرام كما قال ابن قدامة نوعان: أحدهما: ما يحرم على الرجال والنساء معًا، وهو النجس والمغصوب وما هو من ألبسة المشركين خاصة حتى صارت سمة لهم كالبُرْنَيْطَة (١) وهل تصح الصلاة في المغصوب على روايتين إحداهما لا تصح، والثانية تصح، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، لأن التحريم لا يخص الصلاة، وثانيهما: ما يحرم على الرجال خاصة، وهو الحرير والمنسوج بالذهب والمموّه به، وهو حرام لبسه عليهم وافتراشه في الصلاة وغيرها. قال ابن عبد البر: هذا إجماع، وكذلك يحرم على الرجال لبس ثياب تشبه ثياب النساء، لقول رسول الله - ﷺ -: \" لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال \". والمكروه كما قال ابن جزيّ: هو التلثم وتغطية الأنف في الصلاة\n_________\n(١) لعموم قوله - ﷺ -: \" خالفوا اليهود والنصارى \" وقوله - ﷺ - \" من تشبه بقوم فهو منهم \".","vol":"5","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1085>٩٧٦ - \" بَابُ مَا أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُو في النَّارِ </span>\"\n١١٢٥ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: \" ما أسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فَفي النَّارِ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1086>٩٧٧ - \" بَابُ الثيابِ البِيضِ </span>\"\n١١٢٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ:\nــ\nولباس زى الأعاجم ولباس ما فيه شهرة كلباس الصوف - أي الصوف الخشن. والمباح ما عدا ذلك.\n٩٧٦ - \" باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار \"\n١١٢٥ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يحذر أمته من تطويل الثياب تفاخرًا فيقول \" ما أسفل من الكعبين ففي النار \" أي كل ما طال من الثياب حتى تجاوز الكعبين تفاخرًا فصاحبه في نار جهنم يوم القيامة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم إسبال الإزار وإطالته حتى يتجاوز الكعبين تكبرًا ومباهاة، لأن هذا الوعيد الشديد بالنار يدل على أنه معصية محرمة، أما إذا كان الإِسبال لغير التكبر والمباهاة، فلا يدخل في هذا الوعيد، لما روي عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة \" فقال أبو بكر ﵁: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي - ﷺ -: \" لست ممن يصنعه خيلاء \" أخرجه البخاري. الحديث: أخرجه النسائي أيضًا. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n٩٧٧ - \" باب الثياب البيض \"\n١١٢٦ - معنى الحديث: يحدثنا سعد بن أبي وقاص ﵁ في","vol":"5","page":232},{"text":"\" رَأيْتُ بِشِمَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ \".\nــ\nحديثه هذا، أنه رأي يوم أحد عن يمين النبي - ﷺ - ويساره رجلين عليهما ثياب بيض، لم يسبق له أن رآهما قبل ذلك اليوم، ولم يرهما بعد ذلك اليوم، قال بعض أهل العلم: هما جبريل وميكائيل، ولبسا الثياب البيض لأنّها أحب الثياب إلى نبينا - ﷺ -.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب لبس الثياب البيض لكونها من سنته، ومن أحب الثياب إلي نفسه الشريفة، حتى أن الملكين جبريل وميكائيل ارتديا الثياب البيضاء يوم أُحُد لعلمهما أن أحب الألوان إلى نبينا - ﷺ - البياض، وفي رواية: \" البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم \" أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم أيضًا، قالوا: وإنما رغب النبي - ﷺ - في لبس الثياب البيضاء أو البيض ووصفها بأنّها \" أطيب \" لدلالتها غالبًا على التواضع، وعدم (١) الكبر والخيلاء والعجب. أما سبب كونها \" أطهر \" فلأنها كما قال العيني: أكثر تأثرًا من الثياب الملونة، فتغسل أكثر من غيرها، وتَطْهُر أكثر من سواها، وقد تقع في الثياب المصبوغة نجاسة فلا تُرى، أما الثياب البيض فإنها تكشف ما عليها، وفي البياض إشعار بطهارة الباطن من الغش والحقد والعداوة والبغضاء وسائر الأخلاق الذميمة الدنيئة. وفيها تذكير للحي بثوبه الأخير الذي يخرج به من الدنيا، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان.\nوالمطابقة: في كون الحديث يدل على أن الملكين لبسا الثياب البيض لمحبته - ﷺ - لها.\n_________\n(١) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري.","vol":"5","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1087>٩٧٨ - \" بَابُ لُبْسِ الْحَرِير وَافْتِرَاشِهِ لِلرِّجَالِ </span>\"\n١١٢٧ - عَنْ أنَسٍ ﵁:\nأَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنيا فَلَنْ يَلْبَسَهُ في الآخِرَةِ \".\nــ\n٩٧٨ - \" باب لبس الحرير وافتراشه للرجال \"\n١١٢٧ - معنى الحديث: أن من لبس الحرير الخالص في الدنيا لغير عذر حُرِم منه يوم القيامة، إما لحرمانه من الجنة، إن كان مستحِلًا لذلك، أو لأنه يدخل الجنة، ولكنه يحرم منه فيها، وقال الحافظ السيوطي: تأويل الأكثرين هو أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الفائزين، ويؤيده ما رواه أحمد عن جويرية: \" من لبس الحرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوبًا من نار \" (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على تحريم لبس الحرير الخالص للرجال لغير عذر شرعي من جرب أو نحوه، وهو مذهب الجمهور، وكذلك يحرم افتراشه عندهم، وقال أبو حنيفة: لا بأس بافتراش الحرير والديباج والنوم عليهما، وكذا الوسائد والبسط والستور من الديباج والحرير إذا لم يكن فيها تماثيل. وقال أبو يوسف ومحمد: جميع ذلك لا يجوز، والدليل على تحريم افتراش الحرير والديباج حديث حذيفة ﵁ قال: \" نهانا رسول الله - ﷺ - أن نشرب في آنية الفضة والذهب، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه \" متفق عليه، فالنهي في الحديث محمول على التحريم عند الجمهور، وعلى التنزيه (٢) عند أبي حنيفة وهو مذهب بعض الشافعية وابن الماجشون من\n_________\n(١) وإسناده ضعيف.\n(٢) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري ج ٤.","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1088>٩٧٩ - \" بَابُ تقْلِيمِ الأظْفَارِ </span>\"\n١١٢٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" مِنَ الفِطرةِ حَلْقُ الْعَانَةِ، وتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ \".\nــ\nالمالكية، وخطاب الذكور لا يتناول المؤنث على الراجح، والقول بمنع افتراش الحرير للنساء هو قول بعض الشافعية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: قال العيني: مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأنّه يوضحها.\n٩٧٩ - \" باب تقليم الأظفار \"\n١١٢٨ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يرغبنا في بعض الأعمال التي تتعلق بالنظافة البدنية، والتي لا تتحقق إلَّا بها، فيقول: \" من الفطرة \" أي من سنة نبينا - ﷺ - وسنن الأنبياء من قبله \" حلق العانة \" (١) أي إزالة الشعر الذي فوق الذكر وحواليه والشعر الذي حوالي فرج المرأة، \" وتقليم الأظفار \" أي إزالة ما طال وتجاوز رؤوس الأصابع، \" وقص الشارب \" أي والسنة الثالثة \" قص الشارب \" قال الحافظ، والمراد به ها هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، وقد رواه أبو هريرة بلفظ \" تقصير الشارب \" وهذا يدل على أن المطلوب هو القص منه حتى يقصر لا إِزالته بالكلية. اهـ.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يسن حلق العانة، لأنه - ﷺ - ذكره في هذا الحديث ضمن سنن الفطرة، قال ابن العربي: وشعر العانة أولى الشعر بالإِزالة، لأنه يكثف ويتلبد فيه الوسخ، بخلاف شعر الإِبط، قال: وأما حلق ما حول الدبر فلا يشرع، وكذا قال الفاكهي في \"شرح\n_________\n(١) قال الأزهري: العانة هي منبت الشعر والشعر نفسه.","vol":"5","page":235},{"text":"العمدة\" وقال أبو شامة: ويستحب إماطة الشعر عن القبل والدبر، بل هو من الدبر أولى خوفًا من أن يعلق بشيء من الغائط، فلا يزيله المستنجى إلَّا بالماء. قال النووي: وذكر الحلق لكونه هو الأغلب، وإلَّا فيجوز الإِزالة بالنورة والنتف وغيرهما، وقال ابن دقيق العيد: والأولى في العانة الحلق، بخلاف الإِبط، فإنه بالعكس. ثانيًا: أنه يسن تقليم الأظافر، وذلك لأنّ الوسخ يجتمع تحتها فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، قال الحافظ: ولم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث، قال النفراوي في شرح \" الرسالة \": قص الأظفار سنة للرجل والمرأة إلَّا في زمن الإِحرام، وأفضل زمن قصها الجمعة لطلبه كل يوم جمعة، ويكون بالمقص أو بالسكين لكراهته بالأسنان، ولأنه يورث المرض، ولا يتعين إصبع للبداءة به، كما لا يتعين زمن القص فيه. ثالثًا: أنه يسن قص الشارب، وفيه دليل لما ذهب إليه مالك ﵀ من أن المسنون هو قصهُ لا حلقهُ، ولا إزالته بالكلية، قال في \" الرسالة \": ومن الفطرة خمسٌ، قص الشارب، وهو طرف الشعر المستدير على الشَّفة لا إحفاؤه، يعني أن المستحب هو قص طرف الشعر النازل على الشفة، لا جز الشارب واستئصاله. قال يحيى في \" الموطأ \": سمعت مالكًا يقول: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وهو الإِطار، ولا يجزّه فيمثل بنفسه، وقال أبو حنيفة (١) \" وأحمد: هو السنة التمسك برواية: \" أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى \" وأخذ مالك بخبر قُصّوا الشوارب، وجمع بعض العلماء بين الخبرين بأن يقص من أعلاه، ويحلق من طرفه للجمع بين الحديثين المتعارضين، وكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون: الإِحفاء أفضل من التقصير، وقال أشهب: سألت مالكًا عمّن يحفي شاربه، فقال: أرى أن يوجع ضربًا، ومعنى الحف الذي ينكره مالك ﵀، أن يستأصل الشعر، ويحلق، ويجز\n_________\n(١) شرح النفراوي على الرسالة ج ٢.","vol":"5","page":236},{"text":"حتى يبلغ الجلد، ويرى ما إك أن المستحبَّ هو أن يقص طرف الشعر المستدير على الشفة العليا، أما الحلق، فإنه مُثْلَةٌ لا تجوز، والحاصل أنه اختلف الفقهاء فيما يسن في الشارب، هل هو التقصير أو الحلق والإحفاء؟ فذهب مالك إلى الأول عملًا بحديث الباب، وبه فسر بقية الأحاديث الأخرى. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن السنة هي حلق، الشارب وإحفاؤه كما تقدم، قال ابن القيم في \" زاد المعاد \": أما الإمام أحمد فقال الأثرم: رأيت الإِمام أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا، وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يحفي كما قال النبي - ﷺ - \" أحفوا الشوارب \"، قال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجل يأخذ من شاربه أو يحفيه؟ أم كيف يأخذه؟ قال: إِن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه قصًا فلا بأس. اهـ. أما الشافعي ﵀ فقد قال النووي: المختار في الشارب أن يقصه حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله، وصرح في \" شرح المهذب \" أن هذا مذهبنا، وقال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك شيئًا منصوصًا، وأصحابه الذين رأيناهم كالمزني والربيع كانوا يحفون، وما أظنهم أخذوا ذلك إلَّا عنه. اهـ. تتمة وتكملة: اقتصر في هذا الحديث على هذه السنن الثلاث، وزاد في رواية أبي هريرة خصلتين أخريين: أولاهما: نتف الإبط (بكسر الهمزة والموحدة وسكونها وهو المشهور)، قال الحافظ ويتأدى أَصل السنة بالحلق، لا سيما لمن يؤلمه النتف، ويستحب البداية باليد اليمنى وهو سنة للرجال والنساء، والنتف أحسن من الحلق. وثانيهما الختان: قال ابن أبي زيد في \" الرسالة \": والختان للرجال سنة، يعني سنة مؤكدة في حق الصغير والكبير، قال النفراوي: والزمن المستحب فعله فيه عند أمره بالصلاة ويكره ختنه يوم السابع، وروى ابن حبيب، عدم جواز إمامة وشهادة تاركه عمدًا أو اختيارًا، وإذا أسلم شيخ كبيرٌ سُنَّ ختنه إلَّا أنْ يَكون يحصل له ضرر، فيرخص له تركه، وقال الباجي: الاختتان عند مالك وأبي حنيفة من السنن كقص الأظفار، وحلق العانة، وقال الشافعي: هو واجب، وهو مقتضى قول سحنون، واستدل","vol":"5","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>٩٨٠ - \" بَابُ مَنْ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبَ </span>\"\n١١٢٩ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: \" كَانَ النبي - ﷺ - لا يَرُدُّ الطِّيبَ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1090>٩٨١ - \"بَابُ عَذَابِ المُصَوِّرِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ </span>\"\n١١٣٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nــ\nالقاضي أبو محمد على نفي وجوبه بأن النبي - ﷺ - قرنه بقص الشارب، ولا خلاف أن هذه ليست بواجبة، والله أعلم. الحديث: أخرجه الخمسة. والطابقة: في قوله: \" تقليم الأظفار \".\n٩٨٠ - \" باب من لم يرد الطيب \"\n١١٢٩ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يقبل الطيب الذي يهدى إليه ليُسْره، وقلة مؤونته على صاحبه، ولأنه - ﷺ - كان يحب الطيب، وكل الروائح العطرية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من السنة قبول الطيب، وعدم رده على صاحبه، لأنه من الأشياء المفضلة المحببة إلى نفس النبي - ﷺ -، ولأنه - ﷺ - كان لا يرده، فيستحب الاقتداء به - ﷺ - في ذلك، عملًا بحديث الباب. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح خفيف المحمل \" أخرجه أبو داود والنسائي. الحديث: أخرجه الشيخان وابن حبان. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٩٨١ - \" باب عذاب المصورين يوم القيامة \"\n١١٣٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \"إن أشد الناس عذابًا","vol":"5","page":238},{"text":"سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ أشَدَّ النَّاس عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ \".\nــ\nعند الله\" أي في حكم الله تعالى \" يوم القيامة المصورون \" والمعنى: أن هؤلاء الذين يصنعون الصور لذوات الأرواح من الإنسان والحيوانات هم من أشد الناس عذابًا يوم القيامة سواء كانت من التماثيل المجسّمة أو كانت رسمًا باليد على الورق أو القماش والخشب، أو كانت صورة فوتوغرافية لعموم الحديث. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: كما قال العيني ظاهرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن تصوير صورة الحيوان حرام أشد التحريم، وأنه من كبائر الذنواب، سواء كان تصويرًا مجسمًا أو رسمًا على الورق والقماش أو صورة فتوغرافية، لعموم الحديث. لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله أعلم.\n***","vol":"5","page":239},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1092> كتابُ الأدَبِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1091>٩٨٢ - \" بَابُ مَنْ أحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ </span>\"\n١١٣١ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nجَاءَ رَجُل إلى رَسُولَ اللهَ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهَ مَنْ أحَقُّ النَّاسِ\nــ\n\" كتاب الأَدَبِ \"\nالأدب نوعان: أدب فني، وأدب نفسي؛ فالأدب الفني أو الدراسي هو الأخذ من كل فن بطرف أو الإِجادة في فني النظم والنثر. والأدب النفسي الأخلاقي هو الأخذ بالسلوك الفاضل، والالتزام بمكارم الأخلاق، واجتناب مساوئها وفق تعاليم الشريعة الإِسلامية، فإن المقصود بقوله \"\n\nكتاب الأدب \" الأخذ بكل ما يتلاءم مع السلوك الحسن من الأقوال والأفعال حسب تعاليم الشريعة، سواء في ذلك ما يتعلق بمعاملة الأبوين والأقارب والأطفال والجيران والخدم والأصدقاء والإِخوان، أو بمحاسن الأفعال من الإِحسان إلى الناس، والشفاعة لهم، وحفظ اللسان، والنصيحة لهم، والصدقة على فقرائهم، وتشميت العاطس، أو يتعلق بالصفات الحميدة، كالرحمة، والرفق، والصدق، والحلم، والحياء، والتواضع، والصبر، ولين الجانب، وضبط النفس عند الغضب، إلى غير ذلك من الآداب، وفي صحيح البخاري نماذج عليا لأخلاقيات الإِسلام وآداب السلوك في شريعة نبيّنا ﵊.\n٩٨٢ - \" باب من أحق الناس بحسن الصحبة \"\n١١٣١ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \"جاء رجل","vol":"5","page":240},{"text":"بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: \" أمُّكَ \" قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \" أمُّكَ \" قَال: ثُمَ مَنْ؟ قَالَ: \" أمُّكَ \" قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \" ثُمَّ أبوكَ \".\nــ\nإلى رسول الله - ﷺ -\" ويحتمل أن يكون هذا الرجل هو معاوية بن حيدة لما جاء في حديث يحيى بن سعيد عن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدّي - يعني معاوية بن حيدة قال: قلت: يا رسول الله من أبَرُّ؟ قال: أمك، إلخ الحديث، والمعنى واحد، إلَّا أنه قال هنا: \" فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ \" أي منْ أولى الناس بالإحسان إليه والبر به في مصاحبتي له \" قال: أمك \" أي أولى الناس بحسن المعاملة وطيب المعاشرة الأم \" قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ؟ قَال: أمُّك \" وهكذا أوصاه بالأم وأكد حقها في حسن المعاملة ثلاث مرات بيانًا لفضلها على سائر الأقارب دون استثناء \" قال: ثم من؟ قال: أبوك \" فكرر حق الأم ثلالًا، وذكر حق الأب مرة واحدة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من أعظم الحقوق الاجتماعية بِرُّ الوالدين، فإنه يأتي في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله تعالى، ولهذا جمع الله تعالى بين الأمر بالتوحيد وبر الوالدين، في آية واحدة، فقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) لأن الله هو السبب الحقيقي لوجود الإنسان، والأبوان هما السبب الظاهري لوجوده، لكن حق الأم أعظم من حق الأب كثيرًا، لكثرة أفضالها على ولدها، وكثرة ما تحملته من المتاعب الجسمية والنفسية أثناء حملها به، ووضعها وإرضاعها له، وخدمتها وشفقتها عليه كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا) لهذا كرر النبي - ﷺ - الوصية بها ثلاث مرات، وذكر حق الأب مرة واحدة، لأن الجزاء من جنس العمل، فالتثليث في مقابلة ثلاثة","vol":"5","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>٩٨٣ - \" بَابٌ لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمكافِىء </span>\"\n١١٣٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِىء، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلهَا \".\nــ\nأشياء مختصة بالأم، وهي تعب الحمل، والوضع، والرضاع. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا للترجمة.\n٩٨٣ - \" باب ليس الواصل بالمكافىء \"\n١١٣٢ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" ليس الواصل بالمكافىء \" أي ليس الإِنسان الكامل في صلة الرحم والإِحسان إلى الأقارب هو الشخص الذي يقابل الإِحسان بالإِحسان \" ولكن الواصل \" أي ولكن الإِنسان الكامل في صلة الرحم هو \" الذي إذا قطعت رحمه وصلها \" أي إذا أساء إليه أقاربه أحسن إليهم ووصلهم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الآداب الشرعية، والحقوق الاجتماعية التي فرضها الإِسلام صلة الرحم، وهم الأقارب الذين بينك وبينهم نسب، ومعنى صلتهم، الإِحسان إليهم بكل ما تقدر عليه من وجوه الإِحسان، قال ابن أبي جمرة (١): تكون صلة الرحم بالمال، والعون على الحاجة، ورفع الضرر، وطلاقة الوجه والدعاء لهم، والمعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وقد أكد الإِسلام كثيرًا على صلة الرحم، ففي الحديث عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال الله ﵎: أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت\n_________\n(١) \" تحفة الأحوذي \" ج ٦.","vol":"5","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1094>٩٨٤ - \" بَاب رُحْمَةِ الوَلَدِ وَتقْبِيلهِ وَمُعَانقَتِهِ </span>\"\n١١٣٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\nجَاءَ أَعْرَابِيٌ إلى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصبيَانَ! فما نُقَبِّلُهُمْ؟ فَقَالَ النبي - ﷺ -: \" أو أمِلكُ لَكَ إِنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ \".\nــ\nالرحم، وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتتُّه\" أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والمعنى كما قال الحافظ (١): \" أن الرحم أثر من آثار الرحمة، مشتبكة بها، فالقاطع لها منقطع من رحمة الله، والله أعلم. ثانيًا: دل هذا الحديث على أن الصلة إذا كانت نظير مكافأة من الطرف الآخر لا تكون صلة كامل، لأنها من باب تبادل المنافع، وهذا مما يستوي فيه الأقارب والأباعد. ثالثًا: أنه يستحب في معاملة الأقارب مقابلة الإِساءة بالإحسان، وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله إنّ في قرابة أَصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: \" لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفُّهم الملُّ، ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك \" أخرجه مسلم، والمل: الرماد الحار. الحديث: أخرجه أبو داود والترمذي. والمطابقة: كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٩٨٤ - \" باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته \"\n١١٣٣ - معنى الحديث: تقول عائشة ﵂ \" جاء أعرابي \" قال العيني: ويحتمل أن يكون هو عيينة بن حصن \" فقال: أتقبلون الصبيان؟ \" الهمزة للاستفهام الإِنكاري أو التعجبي، ومعنى ذلك أنه عجب\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ١٠.","vol":"5","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1095>٩٨٥ - \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّمِيمَةِ </span>\"\n١١٣٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" لا يدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ \".\nــ\nواستغرب من تقبيل الرسول - ﷺ - وأصحابه لأطفالهم \" فما نقبلهم \" لأنّهم يتكبرون ويتعاظمون ويحتقرون الصبيان. وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال \" من لا يرحم لا يُرحَم \" \" أوَ أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة \" أي ماذا أصنع إذا كان الله قد نزع من قلبك عاطفة الرحمة؟ فهل أملك أن أعيدها إليك؟.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على مشروعية معانقة الأطفال وتقبيلهم، وكونه سنة مستحبّة. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد وابن ماجه. والمطابقة: في كونه يدل على أن النبي - ﷺ - كان يقبل أولاده (١).\n٩٨٥ - \" باب ما يُكره من النميمة \"\n١١٣٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا يدخل الجنة قتات \" على وزن فَعّال بالتشديد، من قتّ الحديث يقتّه قتًّا: إذا تسمّع إلى حديث شخص فنقله إلى غيره بقصد الإِفساد بينهما، وفي رواية: \" لا يدخل الجنة نمام \" وقيل النمام: الذي يكون مع القوم يتحدثون فينم عليهم، وينقل حديثهم إلى غيرهم، والقتات الذي يتسمع على القوم وهم لا يعملون ثم ينم \" (٢) والمعنى: لا يدخل الجنة شخص نمّام ينقل الحديث من شخص إلى شخص، أو من جماعة إلى أخرى بقصد الإِفساد، وغرس بذور العداوة والبغضاء\n_________\n(١) أي في كون الحديث يدل على أن النبي - ﷺ - كان يقبل أولاده الحسن والحسين.\n(٢) نقله الخطابي عن ابن بطال.","vol":"5","page":244},{"text":"في النفوس، فمن فعل ذلك مستحلًا لما يفعله فقد حرّم الله عليه الجنة، ومن فعله وهو يعلم أنه حرام تحت تأثير نزعة شيطانية فهو فاسق عاص، لا يدخل الجنة حتى يعاقب على جريمته هذه بالنار، إلاّ أن يعفو الله عنه، أو يتوب من جريمته.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن النميمة كبيرة من الكبائر، لأن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلَّا على ارتكاب كبيرة، وذلك لأن \" النميمة \" ظاهرة عدوانية خطيرة تفكك المجتمع، وتقطع العلاقات وهي وليدة الحقد والحسد، ولهذا كان النمّام بغيضًا إلى نفوس العقلاء منبوذًا عندهم، لا يرتاحون إليه، وقد روي أن بعض الفضلاء زاره أحد هؤلاء، ونقل إليه من غيره ما شاء من حديث، فقال: بئس ما صنعت، أتيتني بثلاث جنايات، بغضت إليَّ أخي، وشغلت قلبي، واتَّهمت نفسك، وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا يبلِّغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر \" أخرجه أبو داود (١). وقد وصف النبي - ﷺ - النمامين بأنهم شرار الخلق، فقال - ﷺ - كما في حديث عبد الرحمن ابن غنم: \" خيار عباد الله الذين إذا رأوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة (٢)، المفرقون بين الأحبة \" أخرجه أحمد (٣). ثانيًا: أن نقل الحديث إذا ترتب عليه مصلحة شرعية للمنقول إليه كإنقاذه من قاتل، أو لص، أو غير ذلك، أو كان فيه مصلحة للمسلمين، فإنه يكون مستحبًّا، أو واجبًا على حسب ما يقتضيه الحال، ولهذا قال البخاري في الترجمة: \" باب ما يكره من النميمة \" فأتى بكلمة من التبعيضية ليشير بذلك إلى أن المُحرَّم هو بعض النميمة\n_________\n(١) والترمذي وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. (ع).\n(٢) \" المرقاة شرح المشكاة \" ج ٤.\n(٣) وإسناده ضعيف. (ع).","vol":"5","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1096>٩٨٦ - \" بَابُ مَا يَكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ </span>\"\n١١٣٥ - عَنْ أبِي بَكْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فأثْنَى عَلَيْهِ رَجُل خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ -يقُولُ مِرَارًا- إنْ كَانَ أحدُكُمْ مَادِحًا لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحسَبُ كَذَا وكَذَا، إِنْ كَانَ يُرَى أنَّهُ\nــ\nلا كلها، فالكافر المعادي للمسلمين يستحب نقل حديثه إليهم ليأخذوا حذرهم منه، مع أن في ذلك إضرارًا به، وإفسادًا لتدبيره. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن النمام لا يدخل الجنة، وهذ يقتضي تحريم النميمة.\n٩٨٦ - \" باب ما يكره من التمادح \"\n١١٣٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو بكرة في حديثه هذا \" أن رجلًا ذكر عند النبي - ﷺ - \" أي أن رجلًا ذكرت سيرته عند النبي - ﷺ - وهو عبد الله ذو البِجادَين كما قال: الحافظ \" فأثنى عليه رجل خيرًا \" أي فمدحه رجل من الصحابة، وبالغ في مدحه، والمادح هو محجن بن الأدرع الأسلمي \" فقال النبي - ﷺ -: ويحك \" وهي كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في مهلكة لا يستحقها \" قطعت عنق صاحبك \" أي آذيته في دينه وخلقه، لأنه إذا علم بمدحك هذا داخله الغرور، وأعجب بنفسه، فهلك لا محالة، كما جاء مصرحًا به في رواية أخرى عن محجن بن الأدرع قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي، فدخل المسجد، فإذا رجل يصلي فقال لي: من هذا؟ فأثنيْتُ عليه خيرًا، فقال: \" اسكت لا تسمعه فتهلكه \" \" إذا كان أحدكم مادحًا لا محالة \" بفتح الميم أي إذا كان لا بد مادحًا لحاجة تدعو إلى ذلك كالاستشارة أو التزكية \"فليقل أحْسب كذا","vol":"5","page":246},{"text":"كَذَلِك، وَحَسِيبُهُ اللهُ، وَلاْ يُزَكِّي عَلَى اللهِ أحدًا\".\nــ\nأو كذا\" أي أظن أن فيه صفة كذا من صفات الخير \" إن كان يرى أنه كذلك \" أي إن كان يعتقد أن تلك الصفة موجودة فيه \" وحسيبه الله \" أي والله وحده المطلع على سريرته العالم بحقيقته، \" ولا يزكي على الله أحدًا \" أي لا يقطع لأحد بكمال الإِيمان أو بالسعادة والجنة إلَّا الذين شهد لهم رسول الله - ﷺ -.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يكره المبالغة في المدح والثناء، لأن ذلك ضرب، من التملق الذي لا يقره الإسلام، سيما إذا كانت هذه الصفة لا توجد في الممدوح، فإنه بذلك يجمع بين التملق والكذب معًا. وكذلك يكره المدح مطلقًا إذا كان يخشى على الممدوح أن يركبه الغرور والإعجاب بنفسه، أما المديح بالباطل فإنه حرام ومعصية، كما يدل عليه قوله - ﷺ - \" إن كان يرى أول كذلك \" مفهومه أنه إذا لم يكن كذلك، فإنه لا يجوز، لأنه كذب وملق ونفاق، وقدا جاء التحذير الشديد من المداحين بالباطل في قوله - ﷺ -: \" أُحثوا في وجوه المدَّاحين التراب \" قال بعض أهل العلم: معناه زجر المادح، ومنعه عن (١) الاسترسال في مديحه، لأن سماع مثل هذا يدفع الممدوح إلى الكِبْرِ والغرور (٢) وقال الخطابي: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة لهم، وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح. ثانيًا: دل الحديث على جواز المدح بثلاثة شروط: الأول: أن يكون المادح صادقًا فيما يقول في ممدوحه حسب اعتقاده (٣)، كما يدل عليه قوله - ﷺ - \" إن كان يرى أنه كذلك \"، الثاني: أن لا يخشى على الممدوح أن يغتر بذلك المديح، فتتغير نفسه، وتفسد أخلاقه،\n_________\n(١) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري ج ٤.\n(٢) قال أهل العلم: المراد بقوله - ﷺ -: \" احثوا في وجوه المداحين التراب \" الذين يمدحون الناس في وجوههم بالباطل بما ليس فيهم.\n(٣) أما مدحه لمصلحة شرعية كالشهادة، أو التزكية، أو الدفاع عنه في غيبته، فإن ذلك قد يكون واجبًا.","vol":"5","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1097>٩٨٧ - \" بَاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) </span>\"\n١١٣٦ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيثِ، ولا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا،\nــ\nكما يشير إليه قوله - ﷺ -: \" قطعت عنق صاحبك \"، ثالثًا: أن يكون المدح مجرّدًا عن الغلو والإطراء والقطع بتزكية أحد على الله مهما كان، لقوله - ﷺ -: \" ولا يزكي على الله أحدًا \". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" قطعت عنق صاحبك \" فإن فيه التحذير من مدح الرجل لئلا يغترّ بنفسه.\n٩٨٧ - \" باب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا) \"\n١١٣٦ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" إياكم والظن \" أي احذروا من سوء الظن بالناس، واعتقاد الشر فيهم، واتّهامهم بالأعمال القبيحة دون دليل، \" فإن الظن أكذب الحديث \" أما أن يراد بالحديث حديث النفس، بمعنى أن ما يقع في النفس، ويخطر بالقلب من الظنون السيئة هو من أكذب الأحاديث النفسية، فلا تلتفتوا إليه، أو تعتمدوا عليه، لأنه من وسوسة الشيطان أو يراد به \" حديث اللسان \" بمعنى أن كل قول لا يستند إلَّا إلى مجرد الظن هو من أكذب الأقوال، وأبعدها عن الحقيقة، فإياكم أن تتحدثوا به من غير دليل تستندون إليه، \" ولا تحسسوا ولا تجسسوا \" (١) أي لا تتبعوا عورات\n_________\n(١) والكلمتان بمعنى واحد.","vol":"5","page":248},{"text":"وَلا تَبَاغضُوا، ولا تَدَابَرُوا، وكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا\".\nــ\nالمسلمين \" ولا تناجشوا \" أي لا يزد أحدكم على أخيه في ثمن السلعة دون رغبة في شرائها ليخدع المشتري، \" ولا تحاسدوا \" أي لا يحسد بعضكم بعضًا فيتمنى زوال نعمته، سواء أتمنى انتقالها إليه، أو لا، قال تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ -إلى أن قال- وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) \" ولا تباغضوا \" أي اجتنبوا الأسباب المؤدية إلى البغض والتنافر فيما بينكم من الشتم وسوء المعاملة ونحو ذلك، أو لا تستسلموا لمشاعر البغض والكراهية، وتنفذوا ما تدعوكم إليه من إيذاء الناس وظلمهم إلخ، فإنّ ذلك في مقدوركم \" ولا تدابروا \" أي لا يهجر بعضكم بعضًا من الإِدبار، وهو الإِعراض المؤدي إلى العداوة والقطيعة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم العمل بسوء الظن الذي لا يستند إلى دليل والاستجابة له في توجيه التهمة إلى المسلمين لمجرد خاطر نفسي، قال القرطبي: المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلًا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، فينبغي للمسلم إذا ظن ظنًا سيئًا لا دليل عليه أن لا يحققه بالعمل والقول فقد جاء في الحديث عن حارثة بن النعمان ﵁: قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ثلاث لازمات أمتي الطيرة، والحسد، وسوء الظن\" فقال رجل: وما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال: \" إِذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض \" أخرجه الطبراني (١). ثانيًا: قال عياض: استدل قوم بهذا الحديث على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي، وهو زعم باطل، قال: \"وليس المراد بالظن ما يتعلق بالاجتهاد الذي يتعلق بالأحكام أصلًا، بل الاستدلال به لذلك\n_________\n(١) قال الحافظ الهيثمي في \" مجمع الزوائد \" (٨/ ٧٨) وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري، وهو ضعيف. (ع).","vol":"5","page":249},{"text":"ضعيف وباطل. ثالثًا: تحريم التجسس على الناس، وتتبع عوراتهم لقوله - ﷺ - \" ولا تجسسوا \"، ويستثنى بعض الحالات الاستثنائية كالتجسس على العدو الكافر، لأن النبي - ﷺ - أرسل في غزوة الخندق الزبير إلى الأعداء ليطلع على أحوالهم، وكذلك إذا أصبح التجسس وسيلة لإنقاذ نفس من الهلاك فهو مندوب إليه. رابعًا: دل هذا الحديث على أنه يجب على المسلم المحافظة على العلاقات الودية بينه وبين إخوانه، وأن يتجنب الأسباب المؤدية إلى العداوة بينه وبينهم من السباب، والشتائم، وسوء المعاملة، والغيبة، والنميمة، واحتقار الآخرين، وجرح مشاعرهم، وعلى وجوب ضبط النفس، والتحكم في مشاعرها، وأن لا يستسلم المسلم لعاطفة البغض والكراهية في إيذاء الناس والتعدي عليهم، كما دل عليه قوله - ﷺ -: \" ولا تباغضوا \" خامسًا: أنه يحرم على المسلم أن يستجيب لمشاعر الحسد وأن يقاومه ما استطاع، ويستغفر الله منه، فإنه إن فعل ذلك لم يأثم، وصرفه الله عنه، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله - ﷺ - حيث قال: \" إذا حسدت فاستغفر الله \" أخرجه الطبراني، وليس المراد بالاستغفار أن يستغفر بلسانه فقط، وإنما المراد به الإحساس بالندم، والعزم والتصميم على مقاومة هذا الشعور البغيض، والالتجاء إلى الله بقبول التوبة. سادسًا: أنه لا يجوز أن يهجر المسلم أخاه المسلم ويقاطعه لغرض من أغراض الدنيا، وقد جاء في الحديث عن أبي أيوب الأنصارى قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام \" متفق عليه. وأجمع العلماء على أنه من خاف من مكالمة أحدٍ وصلته ما يفسد عليه دينه أو مضرة في دنياه يجوز له مجانبته، ورب هجر خير من مخالطة من يؤذيه. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \"إياكم والظن\" فإنه مطابق لقوله تعالى (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ)، وفي قوله أيضًا: \" فإن الظن أكذب الحديث \" وهو مطابق لقوله تعالى (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وتوضيح له.","vol":"5","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1098>٩٨٨ - \" بابُ سِتْرِ المُؤمِنِ عَلَى نفْسِهِ </span>\"\n١١٣٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" كُلُّ أمَّتِي مُعَافَى، إلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وِإنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ (١) أنْ يَعْملَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ فَيَقُولُ: يَا فُلانُ عَمِلْتُ، البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ \".\nــ\n٩٨٨ - \" باب ستر المؤمن على نفسه \"\n١١٣٧ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" كل أمتي مُعافى \" (٢) أي كل واحدٍ من هذه الأمة إذا ارتكب معصية يرجى له عفو الله ومغفرته، والنجاة من النار، لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) \" إلا المجاهرين \" كذا للأكثر بالنصب، وفي رواية مسلم المجاهرين بالنصب (٣)، ويجوز الرفع فيه على مذهب الكوفيين، وتكون \" إلَّا \" في هذه الحالة بمعنى لكن كما قال ابن مالك، قال الحافظ: والمعنى، لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، والمجاهر الفاسق المعلن بفسقه الذي يأتي بالفاحشة ثم يشيعها بين الناس تفاخرًا وتهورًا ووقاحة. \" وإن من المجانة \" أي الوقاحة والاستهتار بالدين والاستخفاف بحدود الله \" أن يعمل الرجل بالليل \" أي معصية \" ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا \" أي يحدث إخوان السوء من أصدقائه بأنه فعل المعصية الفلانية \"وقد بات يستره ربه،\n_________\n(١) وفي رواية \" من المجاهرة \" ورواية الباب أنسب وأبلغ.\n(٢) بضم الميم وفتح الفاء اسم مفعول من العافية والسلامة فإنه قابل لمغفرة الله وعفوه.\n(٣) قال الحافظ في \" الفتح \": وفي رواية النسفي \" إلا المجاهرون \" بالرفع، وصوابه عند البصريين بالنصب. (ع).","vol":"5","page":251},{"text":"ويصبح يكشف ستر الله عنه\" وذلك لأنه لا يريد الستر، وإنما يريد الفضيحة، حيث يراها في نظره مفخرة ومباهاة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجب على من ابتلي بمعصية أن يستر على نفسه، وهو ما ترجم له البخاري، وقد جاء الأمر الصريح بالستر في حديث آخر، فقد روى ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \" اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله \" أخرجه الحاكم (١)، كما أخرجه مالك مرسلًا من حديث زيد بن أسلم (٢). ويدل الحديث على أن ارتكاب المعصية مع سترها أهون وأخف من المجاهرة بها، لأن المعصية مع الستر تقبل العفو الإِلهي، أما مع المجاهرة فإنه لا يعفى عنها، لقوله - ﷺ - \" كل أمتي معافى إلَّا المجاهرون \" وذلك لأن المجاهرة وقاحة وجرأة وانتهاك لحدود الله، واستخفاف بالشريعة كما قال - ﷺ - \" وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا \" قال ابن بطال في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله. ثانيًا: أن المجاهر بالمعصية يجوز اغتيابه، لأن النبي - ﷺ - وصفه بالمجانة، وهي الاستخفاف بمحارم الله، والتباهي بها أمام الناس، ومن كان هذا حاله ينبغي التشهير به فيجوز اغتيابه، لأنه نزع جلباب الحياء، فلا حرمة ولا كرامة له في نظر الإسلام، وأخذ بعضهم جواز غيبة المجاهر من قوله - ﷺ - \" كل أمتي معافى إلَّا المجاهرون \" (٣) قال معناه: أن كل واحد من العصاة معافي من الغيبة، فيجب أن يترك عرضه سليمًا، ولا يغتابه أحد، إلَّا المجاهر فإنه يجوز انتهاك عرضه بالغيبة، لأنه غير معافى، ولا صيانة لعرضه، ولا كرامة له، وهو استدلال وجيه. الحديث: أخرجه\n_________\n(١) والبيهقي في \" السنن \". (ع).\n(٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا. (ع).\n(٣) كما جاء في الحديث: \" من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له \" رواه البيهقي في \" سننه \" (١٠/ ٢١٠) وإسناده ضعيف.","vol":"5","page":252},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1099>٩٨٩ - \" بَابُ الحَذَرِ مِنَ الغضَبِ </span>\"\n١١٣٨ - عَنْ أبِي هرَيْرَة ﵁:\nأنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الذِي يَمْلِكُ نَفْسَة عِنْدَ الْغَضَبِ \".\nــ\nالشيخان. والمطابقة: كما قال الحافظ: في كون الحديث مصرّح بذم من جاهر بالمعصية فيستلزم مدح من يستتر.\n٩٨٩ - \" باب الحذر من الغضب \"\n١١٣٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" ليس الشديد بالصُّرعة \" وهو من يكثر صرع الأعداء ويتمكن من إسقاطهم، والمعنى: لا تظنوا أن الرجل القوي هو ذلك الرجل الذي يتمتع بقوة بدنية يستطيع بها أن يصرع الفرسان في ميادين القتال، نعم لا شك أن ذلك الرجل رجل قوي، ولكن هناك من ْهو أعظم منه قوة وبأسًا، وأجدر منه بهذا اللقب، وهو ذلك الرجل القوي الإرادة الذي يستطيع أن يتغلب على نفسه ويتحكم في غريزته أثناء غضبه \" إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب \" أي إنما الرجل القوي الكامل في قوته هو الرجل القوي في إرادته، \" الذي يستطيع أن يتحكم في نفسه عند الغضب، ويمنعها عن تنفيذ ما تدعوه إليه من إيذاء الناس بالشتم والضرب والعدوان أو الإساءة إليهم بالقطيعة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من أعظم الأدلة على قوة الشخصية الحلم، وضبط النفس عند الغضب، لقوله - ﷺ -: \" إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب \" لأن الغضب ثورة نفسية عارمة، فالتصدي لمقاومتها في عنفوانها ليس بالأمر السهل، ولا يستطع ذلك إلَّا من","vol":"5","page":253},{"text":"قويت إرادته، وكمل إيمانه ودينه وأصبح له السلطان القاهر على جميع انفعالاته النفسية. ثانيًا: دل الحديث على أن الغضب وإن كان غريزة نفسية جبارة، إلَّا أنه يمكن مقاومته بعد وقوعه لقوله - ﷺ -: \" إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب \" ويمكن مقاومة الغضب قبل وقوعه ووقاية النفس منه باجتناب الأسباب المثيرة للغضب، كالخصام والجدال، والمزاح، والسخرية، والاستهزاء، إلى غير ذلك. والدليل على ذلك قوله - ﷺ - لأبي الدرداء: \" لا تغضب \" ثلاث مرات أي تجنب دواعي الغضب، والأسباب التي تؤدّي إليه لئلا تقع فيه ولهذا قال العلماء: للغضب دواءان: (أ) دواء وقائي: قبل وقوعه: وهو تجنب أسبابه والابتعاد عن المواقف المؤدّية إليه. كمجالسة السفهاء، ومخالطة الأشرار، وتناول المشروبات المهيجة للأعصاب، وأن يكثر من الاستغفار، وقَول: لا حول ولا قوة إلا بالله بصدق وإخلاص، فإن فيها شفاءً من أدواء كثيرة ... (ب) ودواء علاجي بعد وقوعه: وهو مقاومة النفس عن الاستسلام والانقياد له، وكفها عن الظلم والعدوان، ثم هناك وسائل أخرى للتخفيف من حدة الغضب، أو القضاء عليه نهائيًا، كالاستعاذة بالله من الشيطان، والغسل، والوضوء، وتغيير الحالة التي يكون عليها الإِنسان، فإن غضب وهو قائم جلس، أو اضطجع. ثالثًا: أن مقاومة الغضب وامتلاك النفس عند وقوعه من أفضل الأعمال الصالحة التي يثاب عليها، ولولا ذلك لما أثنى النبي - ﷺ - عليها كل هذا الثناء، وفي الحديث عن معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" من كظم غيظًا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رأس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء \" أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة، وفي رواية: \" من كظم غيظه، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة \". الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: من حيث أن فيه (١) الإِغراء على التحذير من الغضب.\n_________\n(١) كما أفاده العيني، وهذا الإغراء في قوله: \" إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب \".","vol":"5","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1100>٩٩٠ - \" بَابُ مَا يستحَبُّ مِنَ العُطَاس وَمَا يُكْرهُ مِنَ التَّثاَؤبِ </span>\"\n١١٣٩ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثاَؤبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ علَى كُلِّ مُسْلِم سَمِعَهُ أن يُشَمِّتَهُ، وأما التَّثَاؤُبُ فإنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيَطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ ما استطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَا، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ \".\nــ\n٩٩٠ - \" باب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب \"\n١١٣٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن الله يحب العطاس \" لما فيه من خروج الأبخرة الفاسدة، والمواد الضارّة التي يؤدي خروجها إلى نشاط الجسم، وخفة البدن والدماغ، والتخفيف من حدة الزكام. \" ويكره التثاؤب \" وإنما يكره التثاؤب كما قال القاري لأنه يمنع صاحبه من النشاط في الطاعة، ويوجب الغفلة. \": فإذا عطس أحدكم وحمد الله \" أي فإذا عطس المسلم وقال بعد عطاسه: الحمد لله شكرًا لربه على هذه النعمة \" فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته \" أي فإنه مطلوب من كل من سمعه من المسلمين أن يدعو له بالخير، لأنه عَمِلَ بالسُّنَّةِ وأدى ما عليه من حمد الله وشكره على نعمته، فيكافىء على ذلك بالدعاء له بالخير، ويقول له سامعه: يرحمك الله. \" أما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرد ما استطاع \" أي فليغلق فمه قدر استطاعته ليخفف من التثاؤب \" فإن أحدكم إذا قال ها \" أي فإن المرء إذا تثاءب ورفع صوته بالتثاؤب وقال: \" ها \" \" ضحك منه الشيطان \" شماتة فيه حين يراه تابعًا ومسخرًا له، واستهزاءً منه لأنه انتصر عليها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن العطاس ظاهرة","vol":"5","page":255},{"text":"محبوبة عند الله تعالى لأنه ينشأ من خفة الجسم وأن التثاؤب ظاهرة كريهة عند الله تعالى، لأنها من الشيطان، بسبب الفتور والكسل، قال الخطابي: العطاس محمود لأنه يعين العبد على الطاعات، والتثاؤب مذموم، لأنه يثنيه ويصرفه عن الخيرات. اهـ. أي يمنعه عن العبادات من قيام وصيام وقراءة قرآن ونحوه. فالعطاس مستحب، والتثاؤب مكروه كما ترجم له البخاري. ثانيًا: أنه يستحب للعاطس أن يحمد الله على عطاسه، لأنه نعمة من الله تعالى عليه، تخرج بسببه الإفرازات الضارة، والأبخرة الفاسدة، كما يشرع لسامعه أن يشمته إذا حمد الله، ومعنى التشميت أن يدعو له بالخير، فيقول له: يرحمك الله لقوله - ﷺ -: فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته \" وقال في \" بهجة النفوس \": قال جماعة من علمائنا -أي المالكية- إنه فرض عين، وقوّاه ابن القيم في حواشي السنن بأنه جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي: أمَرنا رسول الله، قال: ولا ريب أن الفقهاء يثبتون وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، وقال قوم: التشميت فرض كفاية، ورجحه أبو الوليد بن رشد، وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة، وقال الشافعية: مستحب على الكفاية. ثالثًا: دل هذا الحديث. على أنه إنما يشرع تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، فإذا لم يحمد الله تعالى فلا يشمت. رابعًا: أنه يستحب للمتثائب أن يرد تثاؤبه قدر استطاعته وعن أبي هريرة: \" إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإنّ الشيطان يضحك منه \". الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب \".\n***","vol":"5","page":256},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1101> كتاب الاستئذان </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-1102>٩٩١ - \" بَابُ تسْلِيمِ الرَّاكِبِ على المَاشِي </span>\"\n١١٤٠ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، والْمَاشِي علَى\nــ\n\" كتاب الاستئذان \"\nالاستئذان: هو طلب الإذن في دخول مكان لا يملكه المستأذن، وهو واجب بالإِجماع المستند إلى الكتاب والسنة، أمّا الكتاب فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا (١) وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا). وأما السنة: فدليل مشروعية الاستئذان فيها \" ما رواه أبو داود وابن أبي شيبة بسند جيد عن ربعي بن حراش قال: حدثني رجل أنه استأذن على النبي - ﷺ - وهو في بيته فقال لخادمه: \" اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل السلام عليكم أأدخل \" صححه الدارقطني، وظاهر هذا الحديث تقديم السلام على الاستئذان، بخلاف سياق الآية. والحكمة في مشروعية الإِستئذان: أن لا يهجم الإِنسان على عورات الناس، وينظر منهم ما يكرهون، كما قال - ﷺ -: \" إنما جعل الاستئذان لأجل البصر \" ويختلف الاستئذان باختلاف الناس، فالأجنبي الذي لا خلطة له يستأذن ثلاثًا كما في الحديث، وأما الذي له خلطة فاستئذانه أخف.\n٩٩١ - \" باب تسليم الراكب على الماشي \"\n١١٤٠ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" يسلم الراكب على الماشي \"\n_________\n(١) والاستئناس معناه الاستئذان، كما حكاه الطحاوي عن لغة اليمن.","vol":"5","page":257},{"text":"القاعِدُ، والقَلِيلُ على الكَثير\".\n٩٩٢ - \" بَابُ الاستئْذَانِ مِنْ أجْلِ البَصَرِ \"\n١١٤١ - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي ﵄ قَالَ:\nاطَّلَعَ رَجُل منا حُجْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَعَ النَّبِي - ﷺ - مِدْرَىً يَحُكُّ بِهِ رَأسَهُ فَقَالَ: \" لَوْ أعْلَمُ إنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنكَ، إنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أجْلِ البَصَرِ \".\nــ\nيعني أن الراكب يبدأ بالسلام على الماشي تواضعًا منه، حيث رفعه الله بالركوب \" والماشي على القاعد \" للسبب نفسه. \" والقليل على الكثير \" أي والمجموعة القليلة على المجموعة الكثيرة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يستحب تسليم الراكب على الماشي قال ابن بطال: تسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه، فيرجع إلى التواضع. ثانيًا: دل هذا الحديث على استحباب تسليم الماشي على القاعد لتطمينه، وإشعاره بالأمان، وإزالة الخوف من قلبه. ثالثًا: استحباب تسليم القليل على الكثير تعبيرًا عن الاحترام والإكرام لهذه الجماعة والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" يسلّم الراكب على الماشي \".\n٩٩٢ - \" باب الاستئذان من أجل البصر \"\n١١٤١ - معنى الحديث: يقول سهل بن سعد ﵄: \" اطلع رجل من جُحرْ \" بضم الجيم وسكون الحاء وهو الثقب الصغير \" في حُجَرِ النبي (١) - ﷺ - \" أي في بيوت - ﷺ - \" ومع النبي - ﷺ - مدرى \" بكسر الميم\n_________\n(١) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة.","vol":"5","page":258},{"text":"وسكون الدال عود يدخله الرجل في رأسه ليضم بعض شعره إلى بعض، وقال الأصمعي وأبو عبيد: هو المشط \" فقال: لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك \" أي نخست بهذا العود عينك، والمعنى: أنه بينما كان النبي - ﷺ - في حجرته، وبيده عود يحك به رأسه، إذا برجل ينظر من ثقب الباب، فغضب - ﷺ - وقال: \" لو علمت أنك تنظر إلى داخل بيتي لطعنت بهذا العود في عينك، ثم قال - ﷺ -: \" إنما جعل الاستئذان من أجل البصر \" والمعنى: إنما شرع الله الاستئذان لئلا ينظر المسلم إلى ما لا يحل له النظر إليه أو ينظر إلى ما يكره صاحب المنزل أن يطلع عليه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية الاستئذان ووجوبه، وقد تظاهرت به دلائل القرآن والسنة، قال الحافظ: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، فقد تكون منكشفة (١) العورة، وقد أخرج البخاري في \" الأدب المفرد \" عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلاّ بإذن ومن طريق علقمة سألت ابن عباس: أأستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت إنها في حجري! قال: أتحب أن تراها عريانة. اهـ. ويظهر لنا من ذلك أن الحكمة في الاستئذان أن لا ينظر الداخل إلى البيت إلى شيء لا يحل له النظر إليه، أو شيء يكره صاحب المنزل أن يطلع أحد عليه. كما يدل عليه قوله - ﷺ - في حديث الباب: \" إنما جعل الاستئذان من أجل البصر \" قال الطيبي \" والأفضل أن يجمع بين السلام والاستئذان، واختلفوا: هل يستحب تقديم السلام أو الاستئذان؟ والصحيح تقديم السلام، فيقول السلام عليكم أأدخل. ثانيًا: دل هذا الحديث على أن للبيوت قداسة وحرمة، فلا يجوز لأحد أن يسترق النظر إلى عورات المسلمين في بيوتهم وينتهك\n_________\n(١) أي لئلا تكون المرأة متكشفة العورة.","vol":"5","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1103>٩٩٣ - \" بَابُ زِنا الجَوارِحَ دُونَ الفَرْجَ </span>\"\n١١٤٢ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ:\nمَا رَأيْتُ شَيْئًا أشْبَهَ باللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أبو هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ - ﷺ -: \" إِنَّ اللهُ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزنَا العَيْنِ النَّظر، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ \".\nــ\nحرمتهم، ويحرم عليه أن ينظر من ثقب الباب وغيره. ولو فعل ذلك عمدًا وطعن في عينه فذهبت فإنها هدر لا دية لها. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٩٩٣ - \" باب زنا الجوارح دون الفرج \"\n١١٤٢ - معنى الحديث: يقول ابن عباس ﵄: \" ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - ﷺ - \" أي ما علمت شيئًا أقرب إلى صغائر الذنوب مما رواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - \" قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا \" قال بعض الشراح: هذا ليس على عمومه، فإن الخواص معصومون عن الزنا ومقدماته، أي إن هناك أهل العفة والاستقامة الذين لم يكتب عليهم ذلك، ولم يفعلوا شيئًا منه بتوفيق الله تعالى، وعلى هذا القول يكون معنى الحديث: إن الله كتب في اللوح المحفوظ على كثير من بني آدم نصيبهم من الزنا أو مقدماته، كالنظرة، واللمسة ونحوها. فالمراد بابن آدم الجنس لا كل فرد من بني آدم \" أدرك ذلك لا محالة \" أي فمن كتب عليه شيء من ذلك فلا بد أن يصيبه، ولا بد أن يفعله، ولكن ليس مجبرًا عليه، بل باختياره \" فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق \" أي أن الزنا لا يختص بالفرج، وإنما هو","vol":"5","page":260},{"text":"نوعان: زنا الفرج، وزنا الجوارح، فالجوارح كلها تزني زنى يأثم عليه الإِنسان، ولكنه أقل إثمًا من زنا الفرج، فزنا العين النظر إلى المرأة الأجنبية بشهوة، وزنا اللسان التحدث إليها بشهوة، وقس على ذلك بقية الجوارح. ثم اعلم أن زنا الجوارح هذا هو من مقدمات الزنا، وقد سماه النبي - ﷺ - زنا لأنه من الأسباب الخطيرة المؤدية إليه، قال ابن بطال: سمي النظر والنطق زنا لأنه يدعو إلى الزنا الحقيقي \" والنفس تمنّى وتشتهي \" أي وقد ركب الله في النفس غريزة الجنس التي تشتهي أن تشبع رغبتها الجنسية \" والفرج يصدّق ذلك ويكذبه \" أي ولا يعد زنا الجوارح زنا حقيقيًا وكبيرة من الكبائر إلاّ بفعل الفرج فإن الفرج وحده هو الذي يصدّق الزنا ويحققه بالوطء، أو يكذبه بعدمه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير الشديد من جميع أسباب الزنا ومقدماته، كالنظر إلى المرأة الأجنبية، والحديث إليها، وسماع حديثها، ولمسها بشهوة، فإن ذلك محرّم، وإن كان من الصغائر، وقد سماه النبي - ﷺ - زنا تنبيهًا على خطورته، لأنه يؤدى إلى الزنا، ويسوق إليه، وقد قال - ﷺ -: \" النظرة سهم مسموم من سهام إبليس \" (١) وقال الشاعر:\nكُلُّ المَهَالِكِ مَبْدَاهَا مِنَ النَظَر ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَر\nثانيًا: أن هذه المقدمات المذكورة في الحديث من النظر، والحديث، واللمس بشهوة، كل ذلك من اللمم - أي من صغائر الذنوب كما قال ابن عباس ﵄. ثالثًا: أن الزنا نوعان: زنا الفرج، وهو من الكبائر، وزنا الجوارح وهو من الصغائر، ولكنه طريق المخاطر. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فزنا العين النظر \".\n...\n_________\n(١) رواه الطبراني عن ابن مسعود، والحاكم عن حذيفة، إسناده ضعيف. (ع).","vol":"5","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1104>٩٩٤ - \" بَابُ التَّسْلِيمِ عَلَى الصِّبيَانِ </span>\"\n١١٤٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁:\nأنَّهُ مَرَّ على صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: \" كَانَ النبي - ﷺ - يَفْعَلُهُ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>٩٩٥ - \" بَابٌ لا يُقيم الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ </span>\"\n١١٤٤ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لا يقيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ منْ مَجْلِسِهِ ثمَّ يَجْلِسُ\nــ\n٩٩٤ - \" باب التسليم على الصبيان \"\n١١٤٣ - معنى الحديث: \" أن أنس ﵁ مرّ على صبيان فسلّم عليهم \" أي بدأهم بالسلام اقتداءً بسيد الأنام - ﷺ - \" وقال: \" أي ثم قال أنس مستدلًا على مشروعية فعله وسنيته: \" كان النبي - ﷺ - يفعله \" أي كان - ﷺ - يبدأ الصبيان حين يمر عليهم بالسلام مثل ما فعلت.\nفقه الحديث: قال النووي (١): فيه استحباب السلام على الناس كلهم حتى الصبيان المميزين، وبيان تواضعه، وكمال شفقته على العالمين، قال: وأما المرأة مع الرجل فإن كانت زوجته أو جاريته أو محرمًا من محارمه فهي معه كالرجل، وإن كانت أجنبية، فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لا يسلم الرجل عليها وإن سلم لم يجز رد السلام. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" كان النبي - ﷺ - يفعله \" (٢).\n٩٩٥ - \" باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه \"\n١١٤٤ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - يقول: \"لا يقيم الرجل\n_________\n(١) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري ج ٤.\n(٢) فإن معناه: كان النبي - ﷺ - يسلم على الصبيان.","vol":"5","page":262},{"text":"فِيهِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1106>٩٩٦ - \" بَاب لا يَتَنَاجى اثنانِ دُونَ الثالِث </span>\"\n١١٤٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ - \" إِذَا كانُوا ثَلاَثةً فلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ \".\nــ\nالرجل من مجلسه ثم يجلس فيه\" أي لا يحل له أن يقيمه من المكان الذي سبق إليه ليجلس فيه، فهو خبر بمعنى النهي.\nفقه الحديث: أن من آداب السلوك في الإِسلام النهي عن إقامة الشخص عن مكانه في المجالس العامة كالمساجد ومجالس الحكام وغيرها، قال النووي: هذا النهي للتحريم، فمن سبق إلى موضع مباح من المسجد وغيره يوم الجمعة أو غيره فهو أحقّ به، ويحرم على غيره إقامته إلاّ أن أصحابنا يعني الشافعية استثنوا من ذلك إذا ألف موضعًا من المسجد يفتي به، أو يقرأ قرآنًا أو غيره من العلوم الشرعية فهو أحق به. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٩٩٦ - \" باب لا يتناجى اثنان بينهما ثالث \"\n١١٤٥ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" إذا كانوا ثلاثة \" أي إذا كان الجالسون في المجلس ثلاثة أشخاص \" فلا يتناجى اثنان دون الثالث \" قال القرطبي: الرواية المشهورة بألف مقصورة ثابتة في الخط، ساقطة في اللفظ، والتناجي التحادث سرًا. والمعنى: أنه إذا اجتمع ثلاثة في مجلس واحد، فإن من آداب الإِسلام، ومحاسن السلوك التي يدعو إليها ديننا الحنيف أن لا يتحادث اثنان سرًا فيما بينهما دون أن يشركا الثالث معهما.","vol":"5","page":263},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه تكره المحادثة سرًا بين اثنين معهما ثالث فقط، لأن ذلك يؤذى الشخص الثالث، ويضايقه كما جاء في رواية أخرى عن ابن مسعود أيضًا عن النبي أيضًا \" إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه \" (١) أخرجه مسلم، أي لأنه إذا بقي منفردًا وتناجى من عداه أحزنه ذلك إما لظنه احتقارهم إياه، وإما لأنه قد يقع في نفسه أنّهم يتحدثون في مضرته. اهـ. كما أفاده القسطلاني. أما إذا زاد العدد عن ثلاث فلا بأس أن يتناجى اثنان. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود وأحمد. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n...\n_________\n(١) أي لأجل أن لا يحزنه ذلك.","vol":"5","page":264},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1107>كتاب الدعوات</span>\nالدعوات جمع دعوة، هي الدعاء. والدعاء لغة: هو مصدر دعا يدعو، ثم جعل اسمًا مستعملًا في لغة العرب لمعان مختلفة منها: التوحيد كقوله تعالى: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) ومنها الاستعانة كقوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ومنها السؤال والطلب. أما الدعاء شرعًا: فمعناه سؤال الباري ﷿ ورفع الحاجات إليه، وطلب قضائها منه قال النووي: أجمع أهل الفتوى على استحباب الدعاء، وذهبت طائفة من الزهاد الى أن تركه أفضل استسلامًا ودلائل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة كيف لا، وفي الدعاء تضرع إلى الله والتجاء إليه، ومناجاة له، واتصال روحي بالعلى الأعلى قال الخطابي: وحقيقة الدعاء إظهار الافتقار إليه، والبراءة من الحول والقوة إلا له، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ -: \" ليس شيء أكرم على الله من الدعاء \" أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجة والبخاري في \" الأدب المفرد \" وصححه ابن حبان والحاكم. وعن النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ - قال، \" الدعاء هو العبادة \" ثم قرأ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي صاغرين، أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الآية المذكورة وعيد شديد لمن ترك الدعاء إعراضًا واستكبارًا. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من لم يسأل الله يغضب عليه \" أخرجه الترمذي فالدعاء يزيد العبد من ربه قربًا واعترافًا بحقه، ولذا حث - ﷺ -","vol":"5","page":265},{"text":"على الدعاء، وعلّم الله عباده دعاءه بقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وأخبرنا بدعوات رسله وتضرعهم حيث قال: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) إلى آخر ما ذكر من دعوات الأنبياء ودعواته - ﷺ - في الصباح والمساء والصلوات وغيرها معروفة. اهـ. وحسبك في فضل الدعاء أنه لا بد أن يعود على صاحبه بفائدة في الدنيا أو الآخرة، أو فيهما معًا، كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" ما على الأرض مسلم يدعو الله دعوة إلاّ آتاه إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يعجل \" أخرجه الترمذي وأحمد والبيهقي والطبراني في الكبير وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد أمر النبي - ﷺ - به، وبيّن أنه من أجلِّ العبادات التي يحبها الله، فقال - ﷺ -: \" سلوا الله من فضله، فإنه تعالى يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج \" رمز السيوطي إلى صحته، وحسنه الحافظ ابن حجر، وعن ابن مسعود ﵁: من نزلت به فاقة، فأنزلها بغير الله لم تسد فاقته، ومن نزلت فاقة فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل. رواه أبو داود والترمذي والحاكم، وصححه. وعن ابن عمر مرفوعًا: \" من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الإجابة \" أخرجه الترمذي وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد كما أفاده الشوكاني في \" تحفة الذاكرين \". ومن الأسباب المؤدية إلى استجابة الدعاء عند الضراء، الإكثار منه في السراء، لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء \" أخرجه الترمذي وقال فيه: حسن غريب، كما أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي. ومن آداب الدعاء أن يترصد الأوقات المباركة التي يستجاب فيها الدعاء، كيوم عرفة، ورمضان، والجمعة، وعند نزول الغيث، وإقامة الصلاة، وبين الأذان والإقامة، والسحر وحال السجود. وأن يدعو مستقبلًا الكعبة رافعًا يديه لقوله - ﷺ -: \"إن ربكم حيي كريم يستحي","vol":"5","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1108>٩٩٧ - بَابُ \" لِكُلِّ نبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ </span>\"\n١١٤٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا، وأرِيدُ أن أخْتَبِىءَ\nــ\nمن عباده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردهما صفرًا\" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجة والحاكم. وأن يخفض صوته، ولا يتكلف السجع في الدعاء، وأن يكون في حال خشوع وتضرع ورغبة ورهبة، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). وأن يجزم بالدعاء، ويوقن بالإِجابة، ويصدق في الرجاء واليقين لقوله - ﷺ -: \" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإِجابة \" وأن يلح في الدعاء، ويكرره ثلاثًا لقول ابن مسعود: \" كان - ﷺ - إذا دعا دعا ثلاثًا \" رواه مسلم، ولا يستبطىء الإِجابة، وأن يستفتح بذكر الله ﷿، والصلاة على النبي - ﷺ -. قال أبو سليمان الداراني ﵀: من أراد أن يسأل الله حاجة فليبدأ بالصلاة على النبي - ﷺ -، ثم يسأل حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي - ﷺ - فإن الله ﷿ يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما. ومن أهم آداب الدعوة وأسباب قبولها التوبة والاستغفار، ورد المظالم إلى أهلها. لما روي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا \" أنه - ﷺ - ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، ثم قال: فأنّى يستجاب لذلك \" رواه مسلم. وقد قال - ﷺ - لسعد: \" يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك \".\n٩٩٧ - \" باب لكل نبي دعوة مستجابة \"\n١١٤٦ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" لكل نبي دعوة \" أي أن الله أعطى كل نبي من الأنبياء دعوة واحدة مقطوعًا لها بالإجابة فإجابتها ثابتة محققة","vol":"5","page":267},{"text":"دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأمَّتِي في الآخِرَةِ\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>٩٩٨ - \" بَابُ أفضلِ الاسْتِغفَارِ </span>\"\n١١٤٧ - عَنْ شَدَّاد بْنِ أوْسٍ ﵁:\nــ\nلا بد منها، لأن الله وعده بإجابتها، وهو لا يخلف الميعاد، أما بقية دعوات الأنبياء فإنها على رجاء الإِجابة (١) \" يدعو بها \" أي له أن يدعو بها متى شاء فتستجاب له ويعطى سؤله \" وأريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة \" أي وأريد أن أدّخر دعوتي المستجابة وأحتفظ بها إلى الآخرة حتى أجعلها شفاعة لأمتي هناك حين يذهب الناس إلى الأنبياء يسألونهم الشفاعة فيقول كل نبي: نفسي نفسي، لأنّه قد استنفذ دعوته، ودعا بها في الدنيا، فلم يبق له منها شيء. ثم يأتونه - ﷺ - يسألونه الشفاعة. فيقول: أنا لها، أمتي أمتي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الله جعل لكل نبي دعوة مستجابة فدعا بها في الدنيا (٢)، أما نبينا - ﷺ - فقد أخر دعوته لتكون شفاعة لأمته في الآخرة. ثانيًا: قال ابن بطال: في هذا الحديث بيان فضل نبينا - ﷺ - على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة. قال ابن الجوزي: وهذا من حسن تصرفه إذ جعل الدعوة فيما ينبغي. وقال النووي: فيه كمال شفقته على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم، فجعل دعوته في أهم أوقات حاجاتهم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n٩٩٨ - \" باب أفضل الاستغفار \"\n_________\n(١) \" فتح الباري \" ج ١١.\n(٢) من ذلك دعوة إبراهيم ﵊ عند فراغه من بناء البيت (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) [البقرة الآيات ١٢٦ - ١٢٩] ومن ذلك دعوة سليمان ﵇: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [ص: ٣٥]","vol":"5","page":268},{"text":"عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" سَيِّد الاسْتِغْفَارِ أن تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي، وَأَنا عَبْدُكَ، وَأنا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أعُوذُ بِكَ منْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأبوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنْتَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًَا بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أنْ يُمْسِيَ، فَهُو مِنْ أهلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ مُوقِنًا بها، فَمَاتَ قَبْلَ أن يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أهلِ الْجَنَّةِ \".\nــ\n١١٤٧ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" سيد الاستغفار أن تقول: \" أي إذا اقترفت أيها العبد خطيئة وأردت الاستغفار فإن لك أن تستغفر بأي لفظ. شئت، فلو قلت: \" اللهم اغفر لي \" أو \" أستغفر الله \" مع التوبة الخالصة، كان ذلك حسنًا مقبولًا إن شاء الله، ولكن كما قال - ﷺ -: \" سيد الاستغفار \" أي أن أفضل أدعية الاستغفار وأكثرها نفعًا \" أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت \" أي لا معبود لي سواك، ولا ملجأ لي إلا إليك \" خلقتني وأنا عبدك \" أي أنت المستحق للعبادة لأنك أنت وحدك خالقي \" وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت \" أي وأنا ملتزم بالوفاء بعهدك الذي أخذته على بنى آدم حين أخرجتهم من ظهور آبائهم (١)، وقلت لهم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) وبالوعد الذي جاء على لسان نبيك - ﷺ -: \" أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة \" \" ما استطعت \" أي على قدر استطاعتي، وفي حدود طاقتي البشرية، واشتراط الاستطاعة معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى، أي وأنا لا أقدر أن أعبدك حق عبادتك، ولكن أجتهد بقدر\n_________\n(١) أمثال الذر.","vol":"5","page":269},{"text":"طاقتي. اهـ. كما أفاده القاري \" أعوذ بك من شر ما صنعت \" أي ألجأ إليك أن تجيرني من عقوبة ما اقترفته من الذنوب والآثام. \" أبوء لك بنعمتك عليَّ \" أي أعترف لك بنعمتك العظمى \" وأبوء بذنبي \" أي أعترف بذنبي العظيم \" فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت \" أي فإن ذنوبي لا يملك العفو عنها سواك فأنت غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذو الطول. ثم قال - ﷺ -: \" من قالها من النهار موقنًا بها، فمات قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة \" أي من قال هذه الكلمات مخلصًا من قلبه، مصدقًا بثوابها، مؤمنًا بمضمونها إجمالًا وتفصيلًا فمات قبل المساء، فهو من أهل الجنة قال القاري: أي يموت مؤمنًا، فيدخل الجنة لا محالة أو مع السابقين، وفي رواية \" وجبت له الجنة \" وكذلك من قالها من الليل كما في آخر الحديث.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: بيان فضل هذا الدعاء المذكور الذي سمّاه - ﷺ - \" سيد الاستغفار \" وفي حديث جابر \" تعلموا سيد الاستغفار \" قال الطيبي: لما كان هذا الدعاء جامعًا لمعافي التوبة كلها استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج فالمراد بسيادة هذا الاستغفار أفضليته على غيره وكونه أكثر نفعًا من سواه، ولهذا ترجم له البخاري بقوله: \" باب أفضل الاستغفار \" أي أكثر أدعية الاستغفار نفعًا. ثانيًا: قال الحافظ في قوله: \" فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت \" يؤخذ منه أن من اعترف بذنبه غفر له، وهذه قضية ثابتة تضافرت عليها الأدلة من الكتاب والسنة، وحسبنا في ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (١). ثالثًا: دل هذا الحديث على أن الاستغفار يكون بصيغة \" اغفر لي \" أو \" اللهم اغفر لي \" ولكنه لا ينحصر\n_________\n(١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه \" رواه مسلم.","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1110>٩٩٩ - \" بَابُ استِغفَارِ النبيِّ - ﷺ - في اليَوْمَ واللَّيْلَةِ </span>\"\n١١٤٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" وَاللهِ إِنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهُ وَأتُوبُ إِلَيْهِ في اليَوْمَ أكثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً \".\nــ\nفي هذه الصيغة، بل يجوز أيضًا بلفظ \" أستغفر الله \" لما جاء حديث ابن مسعود \" من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم، وأتوب إليه غفرت ذنوبه وإن كان قد فر من الزحف \" أخرجه أبو داود، والترمذي، والحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم. وفيه: رد لقول الربيع بن خثيم: لا تقل أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون كذبًا إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي وتب عليَّ، قال النووي: هذا أحسن، وأما كراهية أستغفر الله وتسميته كذبًا فلا (١) يوافق عليه، لأن معنى أستغفر الله أطلب مغفرته، وليس هذا كذبًا، رابعًا: أن سيد الاستغفار هذا لا يؤدي بقائله إلى الجنة إلاّ إذا اقترن باليقين والإخلاص والإِيمان بمضمونه ومدلوله، لقوله - ﷺ -: \" من قالها من النهار موقنًا \" فاليقين والإخلاص هو الذي يحقق الثمرة المرجوة من هذا الاستغفار. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي والترمذي. والمطابقة: في قوله: \" سيد الاستغفار \".\n٩٩٩ - \"باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة \"\n١١٤٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إني لاستغفر الله وأتوب إليه \" أي أطلب من الله التوبة والمغفرة في اليوم والليلة \" أكثر من سبعين مرة \" مع أنه معصوم من الذنب، مغفور له ما تقدم وما تأخر، وفي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني\n_________\n(١) \"دليل الفالحين شرح رياض الصالحين\" لابن علان.","vol":"5","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1111>١٠٠٠ - \" بَابُ التَّوْبَةِ </span>\"\n١١٤٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُود ﵁ أنَّهُ حَدَّثَ بِحَدِيثَيْنِ،\nــ\nأتوب إليه في اليوم مائة مرة\" أخرجه مسلم. أي فأنتم أولى بالرجوع إليه في الساعة الواحدة ألف مرّة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب الاستغفار لكل واحد من المؤمنين محسنًا كان أو مسيئًا لأن رسول الله - ﷺ - وهو إمام المتقين كان يكثر من الاستغفار إلى هذا الحد فكيف بغيره. ثانيًا: أن النبي - ﷺ - كان يكثر من الاستغفار مع أنه مغفور له تعليمًا لأمته، ولرفع درجاته، وزيادة حسناته، وقضاء حاجاته لأن الاستغفار ذكر وعبادة وقربة إلى الله، ويستعمل لأغراض كثيرة، منها كشف الكربات، وتفرج الهموم، وتكثير الأرزاق، وفي الحديث \" من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب \" أخرجه أبو داود وابن حبان والنسائي، قال الشوكاني: وفي (١) الحديث الذي ذكرناه أن الإكثار من الاستغفار، فيه المخرج من كل ضيق، والفرج من كل هم، وحصول الأرزاق من حيث لا يحتسب ولا يكتسب، فمن حصل له ذلك عالق في نعمة سالمًا من كل نقمة.\nالحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" إنّي لأستغفر الله \".\n١٠٠٠ - \" باب التوبة \"\n١١٤٩ - معنى الحديث: أن ابن مسعود تحدث في حديثه هذا بحديثين: أولهما: حديث تحدث به من عنده، وليس من كلام النبي - ﷺ - وإنما\n_________\n(١) \" تحفة الذاكرين \" للشوكاني.","vol":"5","page":272},{"text":"أحدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - والآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى في ذُنُوبِهِ كأنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَل يَخَافُ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أنْفِهِ، فَقَال بِهِ هَكَذا، ثُمَّ قَالَ: \" للهُ أفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِهِ منْ رَجُل نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهلكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلتهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً، فاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلتهُ، حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالْعَطَشُ أوْ مَا شَاءَ اللهُ قَالَ: أرْجِعُ إلى مَكَاني، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَإذَا رَاحِلتُهُ عِنْدَهُ \".\nــ\nهو من كلام ابن مسعود ﵁ وموقوف عليه قال فيه: \" إن المؤمن يرى في ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه \" أي إن المؤمن الكامل يستعظم ذنوبه، ويستكبرها، ويخاف منها خوفًا شديدًا، ولو كانت من الصغائر، فإذا وقع في شيء منها تملكه الرعب، كأنه تحت جبل عظيم يوشك أن يقع عليه. \" وإن الفاجر \" أي الفاسق المستهتر \" يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا \" أي يستهين بالمعاصي مهما عظمت، حتى أنه يرى كبائر الذنوب سهلة يسيرة كأنها ذباب مرّ على أنفه فلا يعبأ به أو يكترث له. ثانيهما: حديث مرفوع رواه عن النبي - ﷺ - أنه \" قال: لله أفرح بتوبة عبده \" واللام للتوكيد، كأنه - ﷺ - يقول: أؤكد لكم أن الله أشد فرحًا بتوبة عبده إذا تاب إليه \" من رجل نزل منزلًا وبه مهلكة \" أي نزل محطة في فلاة من الأرض، لا ماء فيها، ولا أحد يسكنها \" ومعه راحلته \" أي دابته التي يركب عليها، \" عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه، فنام نومة \" يسيرة قصيرة \" فاستيقظ وقد ذهبت راحلته \" أي ذهبت عنه دابته، وتركته في تلك المفازة المهلكة، والأرض القاحلة دون طعام ولا ماء، بمعنى أنه وجد نفسه عندما انتبه من النوم قد فقد دابته، وبقي فريدًا وحيدًا، منقطعًا لا زاد معه ولا ماء \"حتى","vol":"5","page":273},{"text":"إذا اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله\" من الخوف والقلق والهموم النفسية واستولى عليه اليأس فاستسلم للموت جوعًا وعطشًا وما كان منه إلا أن \" قال: ارجع إلى مكاني فرجع فنام، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده \" وعليها طعامه وشرابه، فلما فوجىء هذه المفاجأة السارة، وعاد إليه الأمن والاطمئنان، واستبشر بالسلامة والنجاة، قال كما في رواية أخرى: \" اللهم أنت عبدي وأنا ربك \" أخطأ من شدة الفرح، فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من ذلك الرجل.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قوة حساسية المؤمن، وشدة خوفه من الله، واستعظامه لما يتعرض له من صغائر الذنوب، حيث يراها كالجبال الضخمة التي توشك أن تقع عليه فتهلكه. وقسوة قلب الفاجر، وعدم إحساسه بالذنوب. ولو كانت كبائر، لأنه يراها كالذباب يمر على وجهه، فلا يلقي لها بالًا. ثانيًا: قبول التوبة الصادقة وفرح الله تعالى بها، ورضاه عن صاحبها، فالتوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها ولكن لها شروط ثلاثة: الأول: ترك المعصية والابتعاد عنها بالكلية، لأن الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين .. كما قال الفضيل بن عياض. وسمع أعرابي وهو متعلق بأستار الكعبة يقول: اللهم إن إستغفاري مع إصراري للؤمٌ. وإن تركي استغفارك مع علمي بسعة عفوك لَعَجْز، فكم تتحبب إليّ بالنعم مع غناك عني، وكم أتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك إلخ. الثاني: الإِحساس بالذنب والندم عليه، وتألم النفس منه: الثالث: العزم على أن لا يعود إليه. قال ابن حجر: فإن كان عليه حق كقضاء صلاة فلا يسامح بصرف وقت في نفل وفرض كفاية لم يتعين عليه، أي بل يبدأ أولًا بقضاء الفرائض حتى إذا قضاها جميعًا التفت إلى النوافل، فإن كان عليه حق للآدميين فلا تقبل التوبة إلاّ بالتخلص منه، ورد المظلمة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه كما قال النووي. ثالثًا: دل الحديث على أن العبد لا يؤاخذ بالخطأ اللساني الذي يقوله في حال دهشته وذهوله، لأن هذا الرجل قال من شدة الفرح: \" اللهم أنت عبدي وأنا ربك \". الحديث: أخرجه","vol":"5","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1112>١٠٠١ - \" بَابُ النَّوْمِ علَى الشِّقِّ الأيْمَنِ </span>\"\n١١٥٠ - عَنَ البَرَاءِ بْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:\nكَانَ رَسُولُ اللهَ - ﷺ - إِذَا أَوَى إلى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَاتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً ورَهْبةً إليْكَ، لا مَلْجَأ ولا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي\nــ\nالشيخان. والمطابقة: في قوله: \" لله أفرح بتوبة العبد \".\n١٠٠١ - \" باب النوم على الشق الأيمن \"\n١١٥٠ - معنى الحديث: يقول البراء ﵁: \" كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى (١) إلى فراشه \" أي إذا أَتى مضجعه وأراد أن ينام \" نام على شقه الأيمن \" أي نام على جانبه الأيمن \" ثم قال: اللهم أسلمت نفسي إليك \" أي جعلتها خالصة لك، منقادة لحكمك \" ووجهت وجهي إليك \" أي جعلت عملي الصالح لك وحدك \" وفوضت أمري إليك \" أي توكلت عليك، ورددت أمري إليك \" وألجأت ظهري إليك \" أي واعتمدت عليك دون سواك \" رغبة ورهبة إليك \" أي إنما فعلت ذلك طمعًا في رحمتك، وخوفًا من عذابك، كما قال تعالى: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) \" لا ملجأ (٢) ولا منجى منك إلا إليك \" وهذه جملة تعليلية، أي وإنما كانت رغبتي ورهبتي إليك، لأنه لا مهرب، ولا مخلص ولا ملاذ (٣) من عقوبتك إلاّ إلى رحمتك \"آمنت بكتابك\n_________\n(١) بقصر الهمزة.\n(٢) بالهمزة وبعدمها تخفيفًا.\n(٣) \" المرقاة شرح المشكاة \" للقاري ج ٣.","vol":"5","page":275},{"text":"أرْسَلْتَ\" وقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ\".\nــ\nالذي أنزلت\" وهو القرآن الكريم \" ونبيك الذي أرسلت \" وهكذا ختم هذا الدعاء بالإِيمان بكتاب الله ورسالة محمد بن عبد الله - ﷺ -، ويدخل في ذلك جميع شرائع الإِسلام وعقائد الإيمان \" وقال رسول الله - ﷺ -: من قالهن \" يعني هذه الكلمات \" ثم مات تحت ليلته \" أي في تلك الليلة \" مات كل الفطرة \" أي على الإيمان والتوحيد وفي رواية: \" وإن أصبحت أصبت خيرًا \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: استحباب النوم على الجانب الأيمن، ووضع اليد اليمنى تحت الخد الأيمن لما جاء في هذا الحديث من أنه - ﷺ - \" كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن \" والحكمة في استحباب النوم على الشق الأيمن أنه أسرع في الانتباه من النوم، لعدم استقرار القلب بخلاف النوم على الشق الأيسر، حيث يستريح القلب، فيستغرق العبد في النوم، ويبطىء في الاستيقاظ منه. كما أن الإكثار من النوم على الجنب الأيسر، وإن كان أهنأ وأمتع، إلاّ أنه يضر القلب لضغط بقية الأعضاء عليه. ثانيًا: استحباب هذا الدعاء المبارك المذكور في الحديث عند النوم، لأنه يعود على صاحبه بفائدة عظيمة، وهي الموت على فطرة الإِسلام، والفوز بخيري الدنيا والآخرة إذا أصبح سليمًا معافى، ويستحب له أن يتوضأ قبل هذا الدعاء، لما جاء في رواية أخرى عن البراء بن عازب أن النبي - ﷺ - قال له: \" إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: \" اللهم إني أسلمت وجهي إليك \" إلخ قال النووي: وفيه ثلاث سنن مهمة: الوضوء عند النوم، لأن المقصود النوم على طهارة، والنوم على اليمين، والختم بذكر الله. الحديث: أخرجه أيضًا مسلم وأصحاب السنن بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في قوله \"نام","vol":"5","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1113>١٠٠٢ - (بَابُ التَعَوُّذِ والْقِرَاءَةِ عِنْدَ النَّوْمِ)</span>\n١١٥١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كاَنَ إِذَا أخذَ مَضْجَعَهُ، نَفَثَ في يَدَيْه، وقَرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ بِهِمَا جَسَدَهُ \".\nــ\nعلى شقه الأيمن\".\n١٠٠٢ - \" باب التعوذ والقراءة عند النوم \"\n١١٥١ - معنى الحديث: تحدثنا عائشة ﵂ في هذا الحديث \" أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أخذ مضجعه \" أي كان إذا أراد أن ينام \" نفث في يديه \" أي نفخ في كفّيه نفخًا خفيفًا مصحوبًا بريقه \" وقرأ بالمعوّذات \" أى وقرأ سورة الإخلاص والفلق والناس \" ومسح بهما جسده \" أي ومسح بكلتا يديه جسده من أعلاه إلى أسفله، يمسح رأسه أولًا، ثم وجهه، ثم بقية جسمه، قال في \" شرح المصابيح \": ظاهر الحديث يدل على أنه نفث في كفه أولًا، ثم قرأ المعوّذات، ولم يقل به أحد، والنفث ينبغي أن يكون بعد التلاوة، ليوصل بركة القرآن إلى القارىء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أنه يسن للمسلم إذا أوى إلى فراشه أن يحصن نفسه بهذه التعويذة المباركة، فيقرأ على نفسه الإِخلاص والمعوذتين، وينفخ في كفّيه نفخًا خفيفًا مصحوبًا بريقه، ثم يمسح رأسه، ثم وجهه، ثم بقية جسمه، ويفعل ذلك ثلاثًا كما جاء في الرواية الأخرى. الحديث: أخرجه الخمسة غير الترمذي. والمطابقة: في قولها: \" وقرأ بالمعوذات \".\n***","vol":"5","page":277},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1114>١٠٠٣ - \" بَابُ الدُّعَاءِ بَعْدَ الصَّلَاةِ </span>\"\n١١٥٢ - عنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁:\nأنهُ كَتَبَ إلى مُعَاوِيَةَ بْنِ أبي سُفْيَانَ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَقُولُ في دبُرِ كُلِّ صَلاةٍ إِذَا سَلَّمَ: \" لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيْءٍ قَدِير، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذَا منك جَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ \".\nــ\n١٠٠٣ - \" باب الدعاء بعد الصلاة \"\n١١٥٢ - معنى الحديث: أن المغيرة بن شعبة كتب إلى معاوية ﵁ كتابًا ذكر له فيها أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في دبر كل صلاة: \" أي كان النبي - ﷺ - دائمًا يقول بعد انتهائه من أي صلاة من الصلوات الخمس: \" إذا سلم \" أي بعد سلامه، يقول: \" لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد \" والجدُّ بفتح الجيم الغنى والثروة، وقال بعضهم: هو البخت والحظُّ، أي لا ينفع الإِنسان حظه من الدنيا إذا حرم من طاعة الله، وخسر في الآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من الأدعية المأثورة المسنونة هذا الذكر المقترن بهذا الدعاء المبارك، فيسن للمسلم أن يدعو به بعد كل صلاة مكتوبة معتقدًا لمعناه، موقنًا بمضمونه وفحواه، سائلًا ربه من خزائن جوده وكرمه، لأنه المعطي والمانع وحده لا شريك له، متضرعًا إليه أن يوفقه لطاعته، لأن من حُرِمَ ذلك لا يفيده حظه، ولا ينفعه حسبه ونسبه. والمطابقة: في","vol":"5","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1115>١٠٠٤ - \" بَاب يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يعْجَل </span>\"\n١١٥٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَال: \" يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي \".\nــ\nقوله: \" كان يقول في دبر كل صلاة \" إلخ.\n١٠٠٤ - \" باب يستجاب للعبد ما لم يعجل \"\n١١٥٣ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" يستجاب لأحدكم \" أي يجاب دعاؤه \" ما لم يعجل \" أي أن العبد لا يزال يجاب دعاؤه مدة عدم استعجاله في حصول الإِجابة، فإذا داوم على الدعاء دون استكثار أو ملل أو سآمة مع رجاء الإِجابة وحسن الظن بالله تعالى فإن دعوته مستجابة إن شاء الله، وإن تأخرت الإِجابة بعض الوقت، لأن الله تعالى قد جعل لكل شيء قدرًا فلا يتقدم شيء عن إبانه، ولا يتأخر عن أوانه أما حين يتعجل العبد \" ويقول: دعوت فلم يستجب لي \" أي قد كثر سؤالي، وتكرر دعائي، فلم أنل شيئًا مما طلبت ويستبطىء حصول المطلوب، وييأس من الإجابة وينقطع عن الدعاء، عند ذلك يحرم بالفعل من الإِجابة، لأنها مشروطة بعدم الاستعجال. قال ابن بطال: ومعنى قوله: \" دعوت فلم يستجب لي \" أي أنه يسأم فيترك الدعاء، فيكون كالمانّ بدعائه، أو أنه أَتى من الدعاء ما يستحق به الإِجابة فيصير كالمتبخّل للرب الكريم، الذي لا تعجزه الإِجابة ولا ينقصه العطاء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من شروط الدعاء وآدابه أن لا يستعجل الإِجابة، وأن يلح في الدعاء مرات ومرات دون يأس أو ملل، أو ضجر نفسي، قال الحافظ في هذا الحديث أدب من آداب الدعاء،","vol":"5","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1116>١٠٠٥ - \" بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ </span>\"\n١١٥٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: \"لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ\nــ\nوهو أن يلازم الطلب، ولا ييأس من الاجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام، وإظهار الافتقار، حتى قال بعض السلف: لأنا أشد خشية أن أحرم الدعاء من أن أحرم الاجابة، وكأنه أشار إلى حديث ابن عمر رفعه: \" من فتح له منكم باب من أبواب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة \" أخرجه الترمذي والحاكم (١). ثانيًا: دل هذا الحديث على أن الإلحاح في الدعاء مع قوة الرجاء سبب في الإجابة وتحقيق المطلوب لقول الصادق المصدوق: \" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل \". ثالثًا: قال الداودي: يخشى (٢) على من خالف وقال: دعوت فلم يستجب لي أن يحرم الإجابة، وما قام مقامها من الادّخار والتكفير. رابعًا: أنه لا يليق بالمؤمن، ولا يصدق عليه أن يقول: \" دعوت فلم يستجب لي \" لأن دعوة المؤمن مجابة في عموم الأحوال إما أن تعجل له الإجابة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها، وإما أن يدخر له في الآخرة خير مما سأل. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n١٠٠٥ - \" باب الدعاء عند الكرب \"\n١١٥٤ - معنى الحديث: يحدثنا ابن عباس ﵄ \"أن\n_________\n(١) وإسناده ضعيف، وقال الترمذي هذا حديث غريب. (ع).\n(٢) \" فتح الباري \" ج ١١.","vol":"5","page":280},{"text":"وَرَبُّ الأرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمَ\".\nــ\nرسول الله - ﷺ - كان يقول عند الكرب\" أي عندما يشعر باشتداد الغم عليه، واستيلائه على نفسه الشريفة: قال ابن علان: \" الكرب \" بفتح فسكون هو الأمر الذي يشق على الإنسان، ويملأ صدره غيظًا. وقال الواحدي: الكرب أشد الغمّ، فكان - ﷺ - يلجأ إلى هذا الدعاء المبارك قائلًا: \" لا إله إلاّ الله \" أي لا معبود بحق سوى الله \" العظيم \" أي العظيم القدر، الجليل الشأن في ذاته وصفاته وأفعاله \" الحليم \" أي الذي لا يعاجل العاصي بالعقوبة، بل يؤخرها، وقد يعفو عنه مع القدرة عليه، \" لا إله إلاّ الله رب العرش العظيم \" قال ابن علان (١) \" العظيم \" بالجر عند الجمهور، وقال الداودي: هو بالرفع صفة رب، قال القاري: أي فلا يطلب إلاّ منه، ولا يسأل إلاّ عنه، لأنه لا يكشف الكرب العظيم إلاّ الرَّبُّ العظيم (٢) \" لا إله إلاّ الله رب السموات والأرض \" أي خالق كل شيء فيهما، ومالكه، ومصلحه، والمتصرف فيه كيف شاء وكما شاء. \" رب العرش الكريم \" بالجر صفة للعرش، فقد وصفه بالكرم، أي بالحسن من جهة الكيفية، ووصفه بالعظمة من جهة الكمية.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال الشوكاني في هذا (٣) الحديث مشروعية الدعاء بما اشتمل عليه لمن نزل به كرب، وبعد فراغه يدعو بأن يكشف الله عنه كربه، ويذهب عنه ما أصابه، ويدفع عنه ما نزل به، قال الطيبي: هذا ذكر يترتب عليه رفع البلاء والكرب (٤) فإن قيل: هذا\n_________\n(١) \" دليل الفالحين شرح رياض الصالحين \".\n(٢) \" المرقاة شرح المشكاة \" ج ٣.\n(٣) \" تحفة الذاكرين شرح الحصن الحصين \" للشوكاني.\n(٤) \" المرقاة شرح المشكاة \" ج ٤.","vol":"5","page":281},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1117>١٠٠٦ - \" بَاب فضلِ التهْلِيلِ </span>\"\n١١٥٥ - عَنْ أبِي هرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَالَ: لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَة لا شَرِيكَ\nــ\nذكر وثناء، وليس فيه أي طلب أو دعاء، فالجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه يبدأ ويستفتح بهذا الذكر، ثم يدعو بما شاء، ويذكر حاجته، ويسأل ما يريد، ويؤيده كما قال القاري: ما رواه أبو عوانة: \" ثم يدعو بعد ذلك \" ثانيهما: أن هذا الذكر والثناء يتضمن الدعاء عن طريق التعريض والإيماء، فإن الشاعر قد يستغني بالثناء على ممدوحه عن التصريح بحاجته وهو أبلغ، وفي هذا يقول أمية بن أبي الصلت:\nإذَا أثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاه عَنْ تعَرُّضِهِ الثناءُ\nوفي الخبر: \" من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين \".\nثانيًا: أن هذا الذكر دعاء عظيم اشتهر عند السلف بدعاء الكرب، قال الطبري: وكان يوصي بعضهم بعضًا بهذا الدعاء ويعلمونه لأولادهم وبناتهم، كما روي أن عبد الله بن جعفر، ﵁ لما زوج ابنته قال لها: إذا نزل بك أمرٌ فاستقبليه بأن تقولي: لا إله إلاّ الله الحليم الكريم الخ، وقد جرب الناس هذا الدعاء، فمن ذلك ما وقع للحسن البصري ﵀ قال: أرسل إليّ الحجاج، فقلت هذه الكلمات، فلما وصلت إليه قال: والله لقد أرسلت إليك أريد أن أقتلك، فلأنت اليوم أحب إلي من كذا وكذا، وزاد في لفظ أنه قال له: فسل حاجتك. الحديث: أخرجه الشيخان كما أخرجه الترمذي بلفظ آخر. والمطابقة: في قوله: \" كان - ﷺ - يقول عند الكرب لا إله إلاّ الله \" إلخ.\n١٠٠٦ - \" باب فضل التهليل \"\n١١٥٥ - معنى الحديث: يحدثنا أبو هريرة \"أن رسول الله - ﷺ -","vol":"5","page":282},{"text":"لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِير فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَت لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَة حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي، وَلَمْ يَأتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أكثَرَ مِنْهُ\".\nــ\nقال: من قال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له\" أي من قال هذا الذكر الشريف بعد صلاة الفجر، كما في حديث أبي ذر ﵁ حيث قال: \" من قال في دبر صلاة الفجر \" \" لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له \" وهو تأكيد لمضمون الجملة السابقة، لأن معنى لا إله إلاّ الله: لا معبود بحق سواه، وهو معنى قوله: \" وحده لا شريك له \" إلاّ أن هذه أعمّ، لأن معناها لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وصفاته وأفعاله \" له الملك \" أي له الملك الدائم الباقي، وكل ملك لغيره إلى زوال \" وله الحمد \" لأنه المنفرد بالكمال المطلق، ولأنه هو المنعم الحقيقي فما من نعمة في الوجود إلاّ هو مصدرها، والمنعم بها (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) \" وهو على كل شيء قدير \" فلا يخرج شيء عن قدرته ومشيئته \" مائة مرة، كان له عدل عشر رقاب \" أي كان له من المثوبة والأجر ما يساوي عتق عشر رقاب \" وكتبت له مائة حسنة \" \" ومحيت عنه مائة سيئة \" والمعنى كتبت له في سجل حسناته مائة سمي حسنة، ومحيت من سجل سيئاته مائة سيئة \" وكانت له حرزًا من الشيطان \" أي حصنًا حصينًا من أذى الشيطان \" ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به \" أي ولم يقل أحد شيئًا من الأذكار المأثورة أفضل مما قال.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل التهليل (١) وأثره في تكفير السيئات، واكتساب الحسنات، ورفع الدرجات، والحفظ من\n_________\n(١) وهو قول لا إله إلا الله.","vol":"5","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1118>١٠٠٧ - \" بَابُ فضلِ التَّسْبِيحِ </span>\"\n١١٥٦ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ في يَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثلَ زَبَدِ الْبَحْرِ \".\nــ\nالشيطان، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، لأنه يعدل عتق عشر رقاب، وقد قال - ﷺ -: \" من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا منه من النار \". ثانيًا: أن التهليل أفضل الأذكار لقوله - ﷺ -: \" لم يأت أحد بأفضل مما جاء به \" ولما فيه من كتابة مائة حسنة، ومحو مئة سيئة، وعتق عشر رقاب، وكونه حرزًا من الشيطان، وهذه المزايا كلها لا توجد في التسبيح وغيره. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على الترجمة.\n١٠٠٧ - \" باب فضل التسبيح \"\n١١٥٦ - معنى الحديث: أن من سبح الله تعالى بهذه الصيغة المباركة \" من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة \" سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، صباحًا أو مساءً \" حطت عنه خطاياه \" أي غفرت ذنوبه \" وإن كانت مثل زبد البحر \" وهي الرغوة التي تعلو وجه ماء البحر، وما أكثرها في بحور الدنيا، أي ولو كانت ذنوبه في كثرتها مثل زبد البحر الموجود في بحار الدنيا كلها. والباء في قوله: \" سبحانه وبحمده \" للمقارنة أي أنزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به تنزيهًا مقترنًا بالثناء عليه ووصفه بكل صفات الكمال والجمال والجلال التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيّه - ﷺ - (١).\n_________\n(١) وذلك هو توحيد الأسماء والصفات.","vol":"5","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1119>١٠٠٨ - \"بَاب فضلِ ذِكْرِ اللهِ تعَالَى</span>\"\n١١٥٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ للهِ مَلائِكَةً يَطوفونَ في الطُّرقِ، يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكرونَ الله ﷿ تَنَادَوْا هَلمُّوا إلى حَاجَتِكمْ، قَالَ: فَيَحفُّونهُمْ بِأجْنِحَتِهِمْ إلى السَّمَاءِ الدُّنيا، قَالَ: فَيَسْألهُمْ رَبُّهُمْ ﷿، وَهُوَ أعْلَمُ بِهِمْ: ما يَقُولُ عِبَاديِ؟ قَالَ: تَقُول: يُسَبَّحُونَكَ وَيكَبِّرونَكَ وَيحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ فَيَقُولُ: هَلْ\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: فضل التسبيح عامة، وفضل هذا التسبيح خاصة، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن هذا التسبيح يمحو الذنوب مهما كثر عددها لقوله - ﷺ -: ولو كانت مثل زبد البحر. الحديث: أخرجه الستة بألفاظ متعددة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أن التسبيح يكفّر الخطايا ولو كانت مثل زبد البحر.\n١٠٠٨ - \" باب فضل ذكر الله تعالى \"\n١١٥٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن لله ملائكة يطوفون في الطرق \" بضمتين \" يلتمسون أهل الذكر \" أي أن الله كلف طائفة مخصوصة من الملائكة غير الحفظة للسياحة في الأرض، يدورون في طرق المسلمين ومساجدهم، ودورهم، يطلبون مجالس الذكر، يزورونها ويشهدونها ويستمعون إلى أهلها. قال الحافظ: والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح ونحوها \" فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله ﷿ \" وفي رواية مسلم \" فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر تنادوا \" أي نادى بعضهم بعضًا \" أن هلموا إلى حاجتكم \" وفي رواية إلى بغيتكم، أي تعالوا إلى ما تبحثون عنه من مجالس","vol":"5","page":285},{"text":"رَأوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُون: لا وَاللهِ مَا رَأوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: فكَيْفَ لَوْ رَأوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَو رَأوْكَ كانُوا أشَدَّ لَكَْ عِبَادَةً، وأشَدَّ لَكَ تَمجِيدًا، وأكْثَرَ تَسْبِيحًا، قال: فَيقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْألُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقْولُ: وَهَلْ رَأوْهَا، قَالَ: يَقولُونَ: لا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأوْهَا، قَالَ: فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أنَّهُمْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لو أنَّهُمْ رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وأشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وأعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللهِ يا رَبِّ مَا رَأوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْهَا؟ قَالَ: يَقولُونَ: لَو رَأوْهَا كَانُوا أشَدَّ مِنْهَا فِرارًا، وأشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيقُولُ: فأُشْهِدُكُمْ أني قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ\nــ\nالذكر، والوصول إلى أهلها، لتزوروهم، وتستمعوا إلى ذكرهم، \" قال فيحفونهم \" أي يحيطون بهم إحاطة السوار بالمعصم \" فيحفونهم بأجنحتهم \" أي يطوفون حولهم بأجنحتهم \" إلى السماء \" أي حتى يصلوا إلى السماء \" قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم \" أي وهو أكثر علمًا بأحوالهم، تنويهًا بشأنهم في الملأ الأعلى، ليباهى بهم الملائكة \" ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك ويمجدونك \" أي فتقول الملائكة: إن هؤلاء الذاكرين يقولون: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، فالتمجيد هو قول لا إله إلاّ الله، لما فيه من تعظيم الله تعالى، بتوحيد الألوهية \" لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد تمجيدًا وأكثر لك تسبيحًا \" لأنّ الاجتهاد في العبادة على قدر المعرفة \" قال: فما يسألونني؟ \" أي فماذا يطلبون مني \" قالوا: يسألونك الجنة \" أي يذكرونك، ويعبدونك طمعًا في جنتك","vol":"5","page":286},{"text":"مِن المَلاِئكَة: فِيهِمْ فُلان لَيْسَ مِنْهُم، إنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جلِيسُهُمْ\".\nــ\n\" لو رأوها كانوا أشد عليها حرصًا \" أي لكانوا أكثر سعيًا إليها، لأنه ليس الخير كالمعاينة. \" قال: فمم يتعوذون \" أي فأي شيء يخافون منه؟ ويسألون ربهم أن يجيرهم منه \" قال: يقولون: من النار \" أي يذكرون ويعبدون ربهم خوفًا ً من النار، ويسألونه ﷿ أن يجيرهم منها. \" لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا \" أي لكانوا أكثر اجتهادًا في الأعمال الصالحة التي هي سبب في النجاة من النار \" قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم \" أي قد غفرت لهم ذنوبهم \" قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة \" أي إنه يوجد من بين هؤلاء الذاكرين \" فلان \" وهو ليس منهم، ولكنه جاء لحاجة يقضيها فجلس معهم، فهل يغفر له \" قال: هم الجلساء لا يشقى جم جليسهم \" قال الطيبي: أي هم جلساء لا يخيَّب جليسهم فيشقى.\nفقه الحديث: قال الحافظ: في الحديث فضل الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله به عليهم إكرامًا لهم. وقال ابن القيم في \" الوابل الصيب \": ومجالس الذكر مجالس الملائكة ورياض الجنة، وجميع الأعمال إنما شرعت لِإقامة ذكر الله، وأفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه لله ذكرًا. اهـ. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر \".\n***","vol":"5","page":287},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1120> كتاب الرفاق </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-1121>١٠٠٩ - \"بَابُ مَا جَاءَ الصِّحَّةِ والفَراغ وَلا عَيْشَ إلَّا عَيشُ الآخِرَةِ</span>\"\n١١٥٨ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" نِعْمَتَانِ مَغْبُون فِيْهِمَا كَثِير مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، والفَراغُ \".\nــ\n\" كتاب الرقاق \"\nقال السيوطى: الرقاق هي الكلمات التي تَرِقُّ بها القلوب إذا سُمِعَتْ، وتَرْغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها.\n١٠٠٩ - \" باب ما جاء في الصحة والفراغ ولا عيش إلاّ عيش الآخرة \"\n١١٥٨ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" نعمتان \" عظيمتان جليلتان \" مغبون فيهما كثير من الناس \" أي لا يعرف قدرهما ولا ينتفع بهما كثير من الناس في حياته الدنيوية والأخروية، وهما: \" الصحة \" أي صحة البدن والنفس وقوتهما \" والفراغ \" أي خلو الإنسان من مشاغل العيش وهموم الحياة وتوفر الأمن والاطمئنان النفسي، فهما نعمتان عظيمتان، لا يقدرهما كثير من الناس حق قدرهما، ولا ينتهزون فرصة وجودهما في الأعمال النافعة، بل يدعونها تمر دون فائدة، حتى إذا مرت وفاتت الفرصة، وتبدلت الصحة مرضًا، والقوة","vol":"5","page":288},{"text":"ضعفًا، والفراغ شغلًا، تنبهوا من غفلتهم، وشعروا بالندم، وأدركوا أنهم قد خسروا نعمة صحتهم وفراغهم، فغُبنوا، وحزنوا أشد الحزن على ما فرطوا فيه فكان مثلهم في ذلك كمثل التاجر الذي يبيع سلعته بخسارة، حتى إذا شعر بأنه قد نقص رأس ماله حزن وندم على ما وقع له بسبب غفلته. وتفريطه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في انتهاز الفرص المواتية من صحة وفراغ، ومال، ومركز، وجاه، والاستفادة منها فيما يرضي الله (١) تعالى لأن الفرصة قلما تعود إلى صاحبها مرة أخرى، فالعاقل من ينتهزها، ويغتنمها في طاعة الله، وقد جاء في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لم يتحسر أهل الجنة إلاّ على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها \". ثانيًا: قال السيوطي: في (٢) معنى قوله - ﷺ -: \" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس \" معناه أن الإنسان لا يتفرغ للطاعة إلاّ إذا كان مكفيًا صحيح البدن، فقد يكون مستغنيًا، ولا يكون صحيحًا، وقد يكون صحيحًا ولا يكون مستغنيًا، فلا يكون متفرغًا للعلم والعمل لشغله بالكسب، فمن حصل له الأمران: \" الصحة والفراغ \" وكسل عن الطاعات فهو المغبون الخاسر. في تجارته. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في كون الحديث يدل على أهمية الصحة والفراغ وهو ما ترجم له البخاري.\n...\n_________\n(١) وفي الحديث عن عمرو بن ميمون الأزدي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - لرجل وهو يعظه: \" اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك \" أخرجه الترمذي مرسلًا، رواه الحاكم في المستدرك موصولًا عن ابن عباس، وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. (ع).\n(٢) \" المرقاة شرح المشكاة \" ج ٥.","vol":"5","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1122>١٠١٠ - \" بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: كُنْ في الدُّنْيا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ </span>\"\n١١٥٩ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:\nأخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَنكِبِي فَقَالَ: \" كُنْ في الدُّنيا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابرُ سَبِيل \"، وَكَان ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّباحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.\nــ\n١٠١٠ - \" باب قول النبي - ﷺ -: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل \"\n١١٥٩ - معنى الحديث: يقول ابن عمر ﵄: \" أخذ رسول الله بمنكبي \" أي أمسك النبي - ﷺ - بمنكبي، وذلك لتنبيهه إلى التوجه إليه والاستماع إلى حديثه، والمنكب مجمع العضد والكتف \" فقال: كن في الدنيا كأنك غريب \" أي لا تركن إلى الدنيا، وكن فيها مثل الغريب الذي لا يعلق قلبه إلاّ بوطنه، واعلم أن وطنك الحقيقي هو الدار الآخرة. فلا تغتر بالدنيا، لأنها ليست دار خلود وبقاء، وإنما هي دار زوال وفناء. \" أو عابر سبيل \" وهو المسافر فما أنت في دنياك إلاّ مسافر إلى وطنك الحقيقي وهو الدار الآخرة، وما هذه الأيام والسنون والأعوام إلاّ مراحل العمر التي تنتهي بك إلى أجلك المحتوم الذي لا تدرى متى يأتي. \" إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح \" أي لا تؤخر عملًا من الطاعات إلى الصباح، فلعلك تكون من أهل القبور \" وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء \" أي فلا تؤخر عمل الخير إلى المساء فقد تعاجلك المنون \"وخذ","vol":"5","page":290},{"text":"من صحتك لمرضك\" قال ابن رجب (١): معناه اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السقم \" ومن حياتك لموتك \" أي واغتنم في حياتك الدنيا ما ينفعك بعد موتك، كما قال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: ٤٨].\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه ينبغي للعاقل أن لا يغتر بالدنيا ويجعلها أكبر همه، بل يفكر في مصيره ورحيله عنها إلى دار القرار، فما هو إلاّ عابر سبيل، وقد قال الشاعر:\nسَبيْلُكَ في الدُّنْيا سَبيلُ مسافِر ... وَلَا بُدَّ مِنْ زَادٍ لكلِّ مُسَافِرِ\nوقال آخر (٢):\nوَمَا هَذ الأيَّامُ إلَّا مراحِلٌ ... تَمُر وَتُطْوَى والمُسَافِرُ قَاعِدُ\nوإنما أمرنا النبي - ﷺ - بالتفكير في الموت، والانتقال إلى عالم آخر، يجازى فيه ْالمرء على أعماله، خيرًا أو ضرًا، لأن مجرد التفكير في ذلك المصير المحتوم، وفي ْذلك الموقف العظيم، يؤدي بالعبد إلى الاستقامة وحسن السلوك، والمواظبة على صالح الأعمال، فإن الغرور بالدنيا، والاستغراق في حبّها، والتكالب عليها هو سبب كل الشرور التي تعانيها الإنسانية اليوم، من ظلم، واستبداد، وقلق، وعدوان، وهو مصداق الخبر: \" حب الدنيا (٣) رأس كل خطيئة \" (٤) أخرجه البيهقي في \" شعب الإيمان \" بإسناده إلى الحسن البصري رفعه مرسلًا وقيل: هو من قول عيسى ﵇، قيل: من قول مالك بن دينار وقال شيخ الإسلام\n_________\n(١) \" جامع العلوم والحكم \" لابن رجب الحنبلي.\n(٢) \" الفتوحات الوهبية في شرح الأربعين النووية \" للشبرخيتي المالكي.\n(٣) \" مشكاة المصابيح \" وشرحها للقاري ج ٥.\n(٤) وعن أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \" هل من أحد يمشي على الماء إلا ابتلت قدماه؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: كذلك صاحب الدنيا لا يسلم من الذنوب \" رواه البيهقي في \" شعب الإيمان \" وإسناده ضعيف. (ع).","vol":"5","page":291},{"text":"ابن تيمية: هو من قول جندب بن عبد الله البجلي. ثانيًا: أنه ينبغي للعاقل مسابقة الزمن، والمبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل فوات الأوان كما قال ابن عمر ﵄: \" إذا أصبحت فلا تنتظر المساء \" فإنه يحذرنا ﵁ في وصيته من تأخير الأعمال الصالحة عن وقتها خشية أن تحول المنيّة بيننا وبينها. وقد كان محمد بن واسع إذا أراد النوم قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلي لا أقوم من نومتي هذه. قال ابن رجب: فالواجب على المؤمن المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل أن يحال بينها وبينه بمرض أو موت أو غيره، وهو مصداق قوله - ﷺ -: كما في حديث ابن عباس ﵄: \" اغتنم خمسًا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك \" أخرجه الحاكم في المستدرك، ولهذا قال سعيد بن جبير: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة. وقال المزني (١): ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلّا ويقول: يا ابن آدم اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلاّ تنادي: ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي. وقال بعضهم:\nلا تُرجِ فِعْلَ الخيْرِ يومًا إلى غدٍ ... لَعَلَّ غَدًا يصيْرُ إلى زَوَالِ\nثالثًا: أن في هذا الحديث تحريض على الإكثار من ذكر هادم اللذات وقد قال بعض أهل العلم: من أكثر ذكر الموت (٢) أكرم بثلاثةٍ: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة. ومن نسيه عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة وعدم الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة. الحديث: أخرجه أيضًا الترمذي وأحمد وابن ماجه. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n...\n_________\n(١) \" جامع العلوم والحكم \" لابن رجب الحنبلي.\n(٢) \" شرح الجرداني على الأربعين النووية \".","vol":"5","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1123>١٠١١ - \" بَابُ مَنْ بَلَغ سِتِّينَ سَنَةً فَقَد أعْذَرَ اللهُ إليْهِ </span>\"\n١١٦٠ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أعْذَرَ اللهُ تَعَالَى إلى امْرِىءٍ أخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً\".\nــ\n١٠١١ - \" باب كل من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه \"\n١١٦٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" أعذر الله إلى امرىء \" أي قطع عذره في ارتكاب المعاصي \" أخَرَ أَجَله \" أي إذا أطال عمره \" حتى بلغه ستين سنة \" وهو على قيد الحياة. والمعنى: أن من طال عمره حتى بلغ ستين عامًا لم يبق له عذر في اقتراف الخطايا، لأنه يجب عليه أن يستعد للقاء الله تعالى.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الشيخوخة نذير الموت والرحيل عن الدنيا ولهذا ينبغي لمن بلغ الستين الاستعداد للقاء الله، فقد قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سن الطفولة، وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، فإذا بلغ الستين وهو آخر الأسنان، فقد ظهر فيه ضعف القوة وتبين فيه النقص والانحطاط، وجاء نذير الموت، فهو وقت الإِنابة إلى الله. ثانيًا: قال الحافظ: في الحديث إشارة إلى أن استكمال الستين مظنة انقضاء الأجل، وأصرح من ذلك ما أخرجه الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة رفعه \" أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك \" قال القاري: وأكثر ما اطلعنا في هذه الأمة من المعمرين من الصحابة والأئمة سن أنس بن مالك، فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين. الحديث: أخرجه البخاري وأحمد. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1124>١٠١٢ - \" بَابُ مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ خيْرٌ لَهُ </span>\"\n١١٦١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أْحَبُّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ \" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنَّا أحَدٌ إلَّا مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: \" فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أخَّرَ \".\nــ\n١٠١٢ - \" باب ما قدم من ماله فهو خير له \"\n١١٦١ - معنى الحديث: يسأل النبي - ﷺ - أصحابه قائلًا \" أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله \" يعني أي واحد منكم يحب مال وارثه الذي يتملكه من بعده أكثر مما يحب ماله الذي يملكه في حياته \" قالوا: ما منا أحد إلاّ ماله أحب إليه \" أي ليس هناك إنسان إلاّ ويجد نفسه يحب ماله الذي يملكه أكثر مما يحب مال غيره، لأن ما يملكه هو الوسيلة إلى تحقيق رغباته \" قال: فإن ماله ما قدم \" أي هو ذلك المال الذي يصرفه في حياته على نفسه، وصالح أعماله من حج، وزكاة، ووقف، وبناء مدرسة، وعمارة فسجد، ومستشفى، أو ينفقه على نفسه وعياله، لأنه هو الذي ينفعه في الدنيا والآخرة. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في قوله: \" فإن ماله ما قدم \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على الترغيب في إنفاق المال في طرقه المشروعة من النفس والأهل والولد، وبذله في المشاريع الخيرية، فإن مال الإِنسان ما ينفقه في حياته، لا ما يتركه بعد مماته، وفي الحديث: \" يقول ابن آدم: مالي مالي، وليس لك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت \".","vol":"5","page":294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1125>١٠١٣ - \" بَابُ \"كيْفَ كَانَ عَيْشُ النبِيِّ - ﷺ - وأصْحَابِهِ وَتخلِّيهِمْ عَنِ الدُّنيَا </span>\"\n١١٦٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:\n\" مَا شَبعَ آل مُحَمَّدٍ - ﷺ - مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامٍ بُرٍّ ثَلاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حتَّى قبِضَ \".\nــ\n١٠١٣ - \" باب كيف كان عيش النبي - ﷺ - وأصحابه وتخليهم عن الدنيا \"\n١١٦٢ - معنى الحديث: أن السيدة عائشة ﵂ أرادت أن تصف لنا معيشة رسول الله - ﷺ -، وتقدم لنا صورة واضحة عنها، فقالت: \" ما شبع آل محمد - ﷺ - من طعام بر \" أي من طعام قمح \" ثلاث ليال تباعًا \" أي ثلاث ليال متوالية متتابعة وإنما كان أغلب قوته وقوت أهل بيته الشعير أو التمر \" حتى قبض \" أي هكذا كانت معيشة سيد الأولين والآخرين، ومعيشة آل بيته الكرام، حتى توفاه الله إليه، كما جاء في رواية أخرى عن عائشة ﵂ قالت: \" ما أكل آل محمد - ﷺ - أكلتين في يوم إلاّ إحداهما تمر \"، وفي الحديث الصحيح عن قتادة قال: \" كنا نأتي أنس بن مالك وخَبَّازه قائم وقال: كلوا فما أعلم النبي - ﷺ - رأى رغيفًا مرققًا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا -أي مشوية- بعينه قط \" يعني ما رأى شاة مشوية مدة حياته. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: كيف كان يعيش النبي - ﷺ - وآل بيته حياة التقشف والزهد ايثارًا للحياة الباقية على الدار الفانية، كما قال - ﷺ - لعمر ﵁: \" أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة \"","vol":"5","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1126>١٠١٤ - \" بَابُ حِفْظِ اللِّسَانَ </span>\"\n١١٦٣ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \" إنَّ العَبْدَ ليتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لا يُلْقِي لهَا بالًا يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإنَّ الَعبدَ ليتكَلمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله لا يُلْقِى لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا في جَهنم \".\nــ\nثانيًا: فضيلة الزهد والاكتفاء بالقليل من العيش، وكونه من أخلاق النبيين، وسيرة سيد المرسلين ولا شك أنه - ﷺ - إنما زهد في الدنيا اختيارًا فقد كان في إمكانه - ﷺ - أن ينعم بالدنيا وزهرتها، وأن تصير له الجبال ذهبًا وهذا يدل على أن الزهد سلوك إسلامي فاضل مشروع، ولا سبيل لإنكاره، وقد أمر به - ﷺ - في قوله: \" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل \" فدل ذلك على استحبابه، لأن أقل مقتضيات الأمر الاستحباب والندب. والمطابقة: في قولها: \" ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر \" من حيث أن فيه بيان عيش آل النبي - ﷺ - على الوجه المذكور.\n١٠١٤ - \" باب حفظ اللسان \"\n١١٦٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله \" أي من كلمات الخير التي ترضي الله ﷿ من نصيحة أو تعليم، أو أمر بمعروف، أو إصلاح بين الناس، أو نهي عن منكر، أو دفع مظلمة \" لا يلقي لها بالًا \" أي لا يعيرها اهتمامًا، ولا يقيم لها وزنًا \" يرفع الله بها درجات \" أي يرفع الله بها ذلك المتكلم درجات عالية في الجنة \" وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله \" أي من الكلمات التي تسخط الله كالغيبة والنميمة والكذب مثلًا \" لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم \" أي يسقط بسببها","vol":"5","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1127>١٠١٥ - \" بَابُ ليَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أسْفَلَ مِنْهُ، ولا يَنْظُرْ إلى مَنْ فَوْقَهُ </span>\"\n١١٦٤ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" إِذَا نَظَرَ أحَدُكُمْ إلى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ والخَلْقِ فَلْيَنْظر إلى مَنْ فُي أسْفَلَ مِنْهُ \".\nــ\nفي جهنم يوم القيامة، وفي رواية: \" يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير من عثرات اللسان ومخاطرها، لأن كلمة الشر كالقذيفة المدمرة التي تعود على صاحبها فتحرقه بنارها في جهنم، قيل لبكر بن عبد الله المزني: إنك تطيل الصمت فقال: إن لساني سبع إن تركته أكلني. وكان المأمون يقول: السخافة كثرة الكلام، وصحبة الأنذال. ثانيًا: الترغيب في الكلمة الطيبة، وكونها سببًا في رفعة الإِنسان في الدنيا والآخرة، فهي كنز من كنوز الخير، وقد قال - ﷺ -: \" أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر \". الحديث: أخرجه الشيخان بألفاظ مختلفة. والمطابقة: في كون الحديث يرغب في حفظ اللسان، وهو ما ترجم له البخاري.\n١٠١٥ - \" باب النظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من فوقه \"\n١١٦٤ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق \" أي إذا امتدت عين المسلم عفوًا وعن غير قصد إلى من يفوقه مالًا أو جسمًا أو صورة، وتأثر بذلك نفسيًا \" فلينظر إلى من هو أسفل منه \" يعني فليوجه بصره قصدًا إلى من هو أقل منه مالًا، وأدنى جسمًا","vol":"5","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1128>١٠١٦ - \" بَابُ مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ أوْ بِسَيِّئَةٍ </span>\"\n١١٦٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فيمَا يَرْوِي عَنْ ربِّهِ جَلَّ وَعَلا قَالَ: قَالَ \"إِنَّ اللهَ ﵎ كَتَبَ الحَسَنَاتِ والسيئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا،\nــ\nوصورة من فقراء الناس وضعفائهم، حتى يشعر بالنعمة التي هو فيها، ويشكر الله عليها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إرشاد المسلم إلى أفضل الوسائل التي تؤدي به إلى السعادة النفسية، وتشعره بالرضا بما قسم له، وهو أن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منه مستوى، فإنه إذا فعل ذلك شعر بالارتياح النفسي حتمًا، وفاض قلبه بالشكر والامتنان لله تعالى، فكان من الصابرين الشاكرين. ثانيًا: أن في العمل بهذا الحديث وقاية للإنسان من كثير من الأمراض النفسية كالحسد والحقد والشر، وغيرها. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n١٠١٦ - \" باب من هم بحسنة أو بسيئة \"\n١١٦٥ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" فيما يروي عن ربه \" أي في الحديث القدسي الذي يرويه عن الباري ﷿ \" إن الله ﵎ كتب الحسنات والسيئات \" أي أمر الحفظة بكتابة الحسنات والسيئات للعبد ليجازيه بهما في الدار الآخرة \" ثم بين ذلك \" أي ثم بين الله للملكين كيف يكتبانها \" فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة \" أي فمن نوى حسنة وأراد أن يفعلها، ولكنه لم يفعلها لمانع، أو لغير مانع، كتبها الله عنده حسنة كاملة","vol":"5","page":298},{"text":"كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حسَنَاتٍ إلى سَبْعِمَائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعَافٍ كَثِيرةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعْمَلْها كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً\".\nــ\nغير منقوصة، والعندية هنا لك شريف والتكريم. \" فإذا هو هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة \" فقد يضاعف ثوابها إلى سبعمائة وإلى أضعاف ذلك بحسب زيادة الإِخلاص. \" ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة \" أي لا ينقص من ثوابها شيء \" فإن هم بها فعملها كتبها الله عليه سيئة واحدة \" دون زيادة أو مضاعفة كما في الحسنات.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من همّ بالحسنة، ولم يفعلها لعذر أو لغير عذر تكتب له حسنة كاملة، والظاهر أنه لا يشترط أن يكون قد عزم عليها، بل يكفي مجرد الميل إليها، أو حديث النفس بها، لما جاء في رواية الأعرج: \" إذا أراد \"، وفي رواية أبي هريرة: \" إذا تحدث \" وهو محمول على حديث النفس. فإذا حدثته نفسه بالحسنة، أو مال إليها، أو أرادها ولم يفعلها كتبت له حسنة، ولا يشترط العزم، بل بمجرد الإرادة تكتب الحسنة، سواء كان الترك لمانع، أم لا. اهـ. كما أفاده الحافظ. ثانيًا: ظاهر الحديث أن من هم بالسيئة ولم يفعلها يثاب على تركها مطلقًا، واختلفوا في معنى ذلك، فذهب بعضهم إلى أن المراد به كلُّ هم ولو عزم على فعلها، ووطن نفسه عليها ولم يفعلها، فإنه يعفى عنه لما في حديث أبي هريرة \" فأنا أغفرها له ما لم يعملها \" أخرجه مسلم، ويثاب على تركها لقوله في حديث الباب: \" ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة \" وحكاه الماوردي عن كثير من الفقهاء والمحدثين ونُقِل ذلك عن الشافعي. وقال الباقلاني وغيره: من عزم على المعصية بقلبه يأثم، وحمل الأحاديث الواردة في العفو على الخاطر، وحديث","vol":"5","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1129>١٠١٧ - \" بَابُ الرِّيَاءِ والسُمْعَةِ </span>\"\n١١٦٦ - عن جُنْدُبَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ\".\nــ\nالنفس، والميل إلى المعصية دون تصميم عليها، وذكر القاضي عياض أن عامة السلف على ما قاله الباقلاني لاتفاقهم على المؤاخذة بأعمال القلوب، والظاهر أنه لا تكتب السيئة حسنة إلاّ إذا تركها خوفًا من الله (١). الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: كما قال العيني في قوله: \" فمن همّ بحسنة \" وقوله - ﷺ -: \" ومن هم بسيئة \".\n١٠١٧ - \" باب الرياء والسمعة \"\n١١٦٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" من سمَّع سمَّع الله به \"\nأي من عمل عملًا من الأعمال الصالحة يَقْصِدُ به أن يسمع به الناس، فيشتهر عندهم بالدين والخير والصلاح، جازاه الله تعالى على عدم إخلاصه بالفضيحة بين الناس، وأظهر لهم منه ما كان يبطنه (٢) فأصبحوا ينظرون إليه باستهانة واحتقار، \" ومن يرائي يرائي الله وبه \" أي وكذلك من يحاول أن يطّلع الناس على أعماله الصالحة لكي ينال عندهم حظًا من المدح والثناء، أو منزلة وجاهًا، فإنَّ الله يُطْلِعُهُمْ على أنه لم يفعل ذلك لوجه الله.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على التحذير الشديد من الرياء والسمعة لأنّهما يعودان على صاحبهما بالفضيحة في الدنيا، وفساد العمل وبطلانه في\n_________\n(١) لما جاء في الحديث: \" فإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة \" أخرجه البخاري.\n(٢) \" شرح العيني \" ج ٢٣.","vol":"5","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1130>١٠١٨ - \" بَابُ قَوْل اللهِ تعَالَى (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) </span>\"\n١١٦٧ - عَنْ أبي هُريْرةَ ﵁:\nأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: \" يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ \".\nــ\nالآخرة. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: تؤخذ من لفظ الحديث ومعناه.\n١٠١٨ - \" باب قول الله تعالى: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) \"\n١١٦٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" يعرق الناس يوم القيامة \" أي يجمع الله الخلائق في ذلك المحشر العظيم فيشتد الكرب، وتدنو \" الشمس من الرؤوس فتشتد الحرارة، وترشح الأجسام بالعرق الغزير، \" حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا ويلجمهم حتى ييلغ آذانهم \" أي يغمر العرق أجسامهم حتى يصل إلى آذانهم وهو كما قال العيني: مأخوذ من ألجمه الماء إذا بلغ فاه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: اشتداد الكرب على الناس في المحشر وتكاثر العرق، فيه بسبب حرارة الشمس، وشدة الزحام، وفي حديث مسلم، \" تدنو الشمس يوم القيامة حتى تكون منهم كمقدار ميل \" الخ ويبلغ الكرب بالناس مبلغًا عظيمًا حتى يتمنّى أحدهم أن يذهبوا به ولو إلى النار، كما في الحديث \" إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول: يا رب أرحني ولو إلى النار \" أخرجه الطبراني بسند جيد. ثانيًا: أن الناس لا يتساوون في المحشر،","vol":"5","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1131>١٠١٩ - \"بَابُ صِفَةِ الجَنَّةِ والنَّارِ </span>\"\n١١٦٨ - عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الله ﵎ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيكَ رَبَّنا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى؟ وَقَدْ أعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِنْ خَلْقِكَ،\nــ\nولا يتساوون في العرق أيضًا، بل يعانون منه بحسب أعمالهم، كما روي عن ابن عمر، بسند لا بأس به، قال: \" يشتد الكرب ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق \" قيل له: فأين المؤمن قال: \" على كرسي من ذهب يظلل عليه الغمام \" وفي رواية: \" فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا \" وأشار رسول الله - ﷺ - إلى فيه \" أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على شدة ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين. قال العيني: فإنه يتضمن بعض ما فيه (١)، والمناسبة بهذا القدر كافية.\n١٠١٩ - \" باب صفة الجنة والنار \"\n١١٦٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة \" أي إن الله تعالى ينادي أهل الجنة بنسبتهم إليها تذكيرًا لهم بهذه النعمة العظيمة التي أنعم بها عليهم \" فيقولون: لبيك ربنا وسعديك \" أي إجابة بعد إجابة، وإسعادًا بعد إسعاد \" فيقول: هل رضيتم؟ \" أي هل رضيتم بما أعطاكم ربكم من الجنة ونعميها؟ أو هل رضيتم\n_________\n(١) أي يتضمن بيان بعض ما في ذلك اليوم من الشدائد.","vol":"5","page":302},{"text":"فَيَقُولُ: أنَا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَب وَأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيكُمْ رِضْوَانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أبدًا\".\nــ\nعن ربكم؟ \" فيقولون: وما لنا لا نرضى \" يعني أي مانع لنا من الرضا، وقد غمرتنا بفضلك وإحسانك وأعطيتنا ما لم يكن يخطر لنا على بال، \" وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك \" إن من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويصح ولا يسقم، ويشب ولا يهرم، ويحيا ولا يموت. \" فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ \" أي وهل هناك نعيم أعظم من النعيم الذي نحن فيه \" فيقول: أُحِل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا \" أي فيقول الله تعالى لهم: نعم هناك ما هو أعظم نعمة، وأكثر سعادة من الجنة وما فيها، وهو الرضوان الإلهي الذي لا يساويه شيء من نعم الله، فإذا أردت أن أمنحكم السعادة العظمى، وقد أردت لكم ذلك منحتكم الرضوان الدائم الذي لا سخط بعده.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن نعيم أهل الجنة لا يعدله نعيم، ولا تساويه سعادة أخرى، وأن الله يعطي أهل الجنة ما يرضيهم، ويقرّ أعينهم كما يدل عليه قولهم: \" وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، ومن السعادة التي يمنحها الله أهل الجنة رضوانه عليهم الذي وصفه الله تعالى بأنه أكبر من كل نعيم، وأعظم من كل سعادة، حيث قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وإنما كان هذا الرضوان أكبر لأنه سبب كل فوز وكرامة، وطريقٌ إلى رؤية الله تعالى. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك \".","vol":"5","page":303},{"text":"١١٦٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \" إِنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أخمص قَدَمَيْهِ جَمْرَتَان يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِى المِرْجَلُ بِالقُمْقُمَ \".\nــ\n١١٦٩ - معنى الحديث:. يقول النبي - ﷺ -: \" إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة \" أي إن أخف الناس وأقلهم وأيسرهم عذابًا من أهل النار \" رجل على أخمص (١) قدميه جمرتان \" أي رجل يوضع على باطن قدميه جمرتان من النار \" يغلي منهما دماغه \" أي يفور دماغه من شدة حرارتهما \" كما يغلي المرجل \" أي كما يفور ماء القدر على النار، \" والقمقم (٢) \" أي وكما يفور القمقم قال في \" القاموس \" المرجل القدر من الحجارة أو النحاس، والقمقم اسم رومي معرّب، وهو كما في \" المصباح \" إناء من نحاس يسخن فيه الماء.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: شدة نار جهنم، لأنه إذا كان أخفها تغلي له الرؤوس، وتفور الأدمغة، فما بالك بما زاد على ذلك، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن أهون أهل النار عذابًا هو أبو طالب كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه \" أخرجه البخاري. ثانيًا: أن أهل النار يتفاوتون في العذاب فبعضهم أهون من بعض. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على وصف نار جهنم بشدة عذابها.\n_________\n(١) والأخمص بفتح الميم وضمها: هو ما لا يصل إلى الأرض من باطن القدم.\n(٢) قال عياض: الصواب \" كما يغلي المرجل والقمقم \" بواو العطف.","vol":"5","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1132>١٠٢٠ - \" بَابٌ في الحَوْضِ </span>\"\n١١٧٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو ﵄ قَالَ:\nقَال النبي - ﷺ -: \" حَوضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاوهُ أبيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ \" وَكِيْزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، من شَرِبَ مِنْهُ فَلا يَظْمَأُ أبَدًا \".\nــ\n١٠٢٠ - \" باب في الحوض \"\nأي هذا باب يذكر فيه الأحاديث الواردة في وصف الحوض المورود.\n١١٧٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" حوضي مسيرة شهر \" يعني مقدار ما يسير المسافر شهرًا كاملًا، وفي رواية: \" وزواياه سواء \" أي أنه مربع مستوي الزوايا والجوانب كما في حديث أبي ذر حيث قال فيه: \" عرضه مثل طوله \" أخرجه مسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب \" ماؤه أبيض من اللبن \" أي أشد بياضًا من اللبن، وفي رواية: \" ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل \" \" وريحه أطيب من المسك \" أي أحلى رائحة وأجمل طيبًا من رائحة المسك \" وكيزانه كنجوم السماء \" أي أن الأكواب الموضوعة على جانبيه عدد نجوم السماء، وفي رواية عن أنس ﵁ قال: \" ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء \" من شرب منه فلا يظمأ أبدًا \" أي من شرب من ذلك الحوض فإنه يشعر بالري الأبدي، فينقطع عنه الظمأ إلى الأبد، ويجوز في يظماء الجزم على أن من شرطية، والرفع على أنها موصولة كما ذكره الطيبي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: وجوب الإِيمان بحوض النبي - ﷺ -، وهو الحوض المورود، ومن أنكر ذلك فهو فاسق مبتدع، وقد نفته المعتزلة، والأحاديث الصحيحة حجة عليهم، وفي الحديث الصحيح: \"إن","vol":"5","page":305},{"text":"لكل نبي حوضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردةً، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردةً\" أخرجه الترمذي، وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إني فرطكم على الحوض، ومن مرّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا \" متفق عليه، وقد عد العلماء الإيمان بالحوض المورود من العقائد الإسلامية الثابتة في الأحاديث الصحيحة التي تكاد تبلغ درجة التواتر، قال ابن حجر الهيتمي: \" وقد اختلف العلماء: هل الحوض في أرض المحشر قبل جواز الصراط، أو في أرض الجنة؟ \" والراجح عند أهل العلم أنه قبل الصراط، وهو قول الجمهور، وصححه بعضهم، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشًا فيردون الحوض للشرب منه، وهذا هو الصحيح، لما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" بينا أنا نائم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله \" فهذا الحديث يدل على أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن كادوا يَرِدُونه يذهب بهم إلى النار، والذي يمر على الصراط كما قال الحافظ يكون قد نجا من النار، وفي هذا دلالة صريحة على أنّ الحوض قبل الصراط، بل قبل الميزان وقبل الحساب. ثانيًا: دل هذا الحديث على وصف ماء الحوض بأنه أشد بياضًا من اللبن، وأطيب رائحة من المسك، وفي بعض الأحاديث \" أحلى من العسل \" أما أوانيه وأكوابه وأقداحه أو أباريقه فإنها من الذهب والفضة، وعددها أكثر من نجوم السماء. وأما من شرب منه فإنه يرتوي إلى الأبد. وأما طوله فإنه مسيرة شهر، وكل ما جاء من الأحاديث في ذلك فإنه يدور حول هذا المعنى. وأما شكل الحوض فهو مربع مستوي الجوانب والزوايا، كما في الحديث الصحيح \" عرضه مثل طوله \" أخرجه مسلم. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث يدل على وجود الحوض وأوصافه حيث قال - ﷺ -: \" حوضي مسيرة شهر \".\n***","vol":"5","page":306},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1133> كتاب القدر </span>\"\nوالقدر: بتحريك الدال، وهو مصدر قدرت الشيء -بفتح الدال المخففة- إذا أحطت بمقداره. وأل في كلمة القدر عوض عن المضاف إليه، أي تقدير الله للأمور قبل وقوعها، ولهذا قالوا: المراد من القدر أن الله تعالى عَلِمَ مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد. قال في \" التنبيهات السنية \": القدر تعلق علم الله تعالى وإرادته أزلًا بالكائنات قبل وجودها، فلا حادث إلاّ وقد قدّره أزلًا، أي سبق به علمه، وتعلقت به إرادته. وقال ابن تيمية: الإِيمان، بالقدر على درجتين: الأولى: الإِيمان بأن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، وكتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فأوّل ما خلق القلم: القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فما أصاب الإِنسان لم يكن ليخطأه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف، وإذا خلق الله جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه، بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه وأجله، وشقي أم سعيد، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية، كمعبد الجهني، وعمرو بن عبيد. أما الثانية فهي مشيئة الله النافذة، وقدرته الشاملة، وهو الإِيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلاّ بمشيئة الله، لا يكون في ملكه ما لا يريد، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته، ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المتقين ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين،","vol":"5","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1134>١٠٢١ - \" بَاب جَفَّ القَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ </span>\"\n١١٧١ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَجلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أيعْرَفُ أهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: \" نَعَمْ \" قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: \" كُل يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أوْ لِمَا يُيَسَّرُ لَهُ \".\nــ\nوالعباد فاعلون، والله خالق أفعالهم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وإرادتهم، قال: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية.\n١٠٤١ - \" باب جف القلم على علم الله \"\n١١٧١ - معنى الحديث: \" قال رجل: يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ \" أي سأل رجل وهو عمران بن حصين النبي - ﷺ -: هل علم الله تعالى أهل الجنة من أهل النار قبل خلقهم، وأطلَعَ ملائكته عليهم فعرفوهم؟ \" قال: \" نعم \" عَلِمَ الله تعالى أهل الجنة وأهل النار منذ الأزل، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، وعَرَّف به الملائكة قبل خروج الناس إلى الدنيا فكتبوا الشقيَّ والسعيد منهم \" قال: فلم يعمل العاملون \" وفي رواية \" ففيم العمل يا رسول الله؟ \" قال الحافظ: معناه إذا سبق العلم بذلك، فلا يحتاج العامل إلى العمل، لأنه سيصير إلى ما قدر له \" قال: كل يعمل لما خلق له \" وفي حديث عمر مرفوعًا \" إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار \" أخرجه مالك والترمذي وأبو داود. ويؤيده ما جاء في حديث علي","vol":"5","page":308},{"text":"﵁ حيث قال فيه: \" أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل الشقاوة \" متفق عليه. قال الحافظ: فإن عمل العبد: أمارة على ما يؤول إليه أمره غالبًا. اهـ. وهذا هو معنى قوله: \" كلٌّ يعمل لما خلق له أو لما يُسِّر له \" أي فإن العمل يسوقه إلى ما كتب له في الأزل من سعادة أو شقاء، فإذا عمل الأعمال الصالحة فليُسَرَّ بذلك، ويرجو أن يكون من أهلها، لأن العمل الصالح علامة على أن العبد قد كتبت له السعادة كما يدل عليه الحديث.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات القضاء والقدر، وكونهما حقيقة ثابتة، لا شك فيهما، ومعناهما كما قال أهل العلم: أن الله تعالى علم بجميع الكائنات وأزمانها وأحوالها وأفعالها من خير أو شر، وكتب في اللوح المحفوظ كل ما يصدر من الخلق من طاعة ومعصية وإيمان وكفر، وأطلع الملائكة على أحوال الإِنسان قبل ظهوره إلى هذه الحياة عندما أمر الملك أن يكتب عليه أقداره وهو لا يزال في بطن أمه إذن فالقدر حقيقة ثابتة، وهو عقيدة من عقائد الإيمان كما يدل عليه حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا \" من مات على غير هذا \" أي على غير الإيمان بالقضاء والقدر \" فليس منّي \" رواه أبو داود في باب القدر، وعن ابن الديلمي ﵁ قال: أتيت أُبي بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: \" لو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار \" قال فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي - ﷺ - أخرجه الحاكم في \" مستدركه \" (١) وفي رواية عن ابن وهب: \" فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار \".\n_________\n(١) ورواه أيضًا أحمد وأبو داود وابن ماجه، وإسناده صحيح (ع).","vol":"5","page":309},{"text":"فإن في هذا الأحاديث دلالة واضحة على أن إنكار القدر من أكبر الكبائر لما يترتب عليه من إحباط العمل ودخول النار وبراءة النبي - ﷺ - ممن مات على ذلك. وقد انقسمت الأمة بالنسبة إلى القدر إلى طوائف أربعة: الأولى: تعتقد أن الله لا يعلم شيئًا من أعمال الإِنسان إلاّ بعد وقوعه، وتنفي إحاطة العلم الإِلهي بالكائنات قبل وجودها، وهؤلاء أسوأ الفرق لنسبتهم الجهل إلى الله تعالى، وهم غلاة المعتزلة. الثانية: أثبتت علم الله بأفعال العباد قبل وجودها ونفت خلقه لها، فقالت: يعلمها ولا يخلقها، فالانسان هو الذي يخلق الطاعة والمعصية بنفسه، ولا علاقة لله تعالى بذلك، وهم عامة المعتزلة كما صرح بذلك الزمخشري وهو من كبار علمائهم حيث قال: أما الطاعة فمن العبد، ولكن الله قد لطف به في أدائها، وكذلك المعصية منه أيضًا، والله تعالى بريء منها، وهاتان الفرقتان هما القدرية التي جاءت الأحاديث بذمهم والتحذير منهم، كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم \" أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم. الثالثة: ضلت ففسرت القدر \" بالجبر \" فقالت: إن أفعال الإِنسان كلها من طاعة أو معصية أو غيرها هي من الله خلقًا وفعلًا، وليس للإِنسان فعل أو إرادة واختيار، وإنما هو مجبر على أعماله وتصرفاته الشخصية، وإضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات. فهو كريشة معلقة في الهواء، أو كحجر في الماء حتى، قال شاعرهم:\nما حِيْلَةُ العَبْدِ والأقدَارُ جَاريَة ... عَلَيْهِ في كُلِّ حالٍ أيُّها الرائي\nألقَاهُ في اليَمِّ مَكْتُوفًا وقالَ لهُ ... إيَّاكَ إيَّاكَ أن تَبْتَلَّ بالماءِ\nوتسمى هذه الفرقة الجبرية أو المرجئة. الرابعة: وهم أهل السنة والجماعة، ويتلخص مذهبهم في القدر: أن الله يعلم بأفعال العباد قبل وجودها وبخلقها عند وجودها، لكن الإِنسان حرٌّ في أفعاله، فاعل لأعماله، تصدر عنه تلك الأفعال","vol":"5","page":310},{"text":"حقيقة بمحض حريته واختياره، وتصرفات الإِنسان الشخصية الواقعة في إطار التكليف والمسؤولية كلها اختيارية دون أن يتعارض ذلك مع القدر في شيء، لأن علم الله لا تأثير له في سلب حرية الإنسان واختياره، فإن لله مشيئته وللإِنسان مشيئته، ولا تعارض بين المشيئتين كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ولهذا قال الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون، وإنما معناه الإِخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما سيكون من اكتسابات العبد وخلقه لها خيرها وشرها. وعلم الله سبحانه بما سيقع لا تأثير له في إرادة العبد، فإن العلم صفة انكشاف لا صفة تأثير. ثانيًا: دل قوله - ﷺ -: \" كل يعمل لما خلق له \" على أنه ينبغي للعبد الإكثار من الطاعات والاجتهاد في الأعمال الصالحة، فإن ذلك دليل السعادة، لأن عمل الإِنسان علامة على ما يؤول إليه أمره غالبًا. قال ابن القيم: اتفقت هذه الأحاديث على أن القدر لا يمنع العمل، ولا يوجب الاتكال عليه، بل يوجب الجد والاجتهاد، ولذلك لما جمع بعض الصحابة قوله: \" اعملوا فكل ميسر لما خلق له \" قال: ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن، وذلك لأن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أُقدِرَ عليه، ومُكِّن منه، وهُيىء له، فإذا أَتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب، وكلما ازداد اجتهادًا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه، فمن عطل العمل اتكالًا على القدر فهو بمنزلة من عطّل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالًا على ما قدر له. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي. والمطابقة: في كون الحديث يدل على إثبات القدر، وعلم الله بأعمال العباد قبل وقوعها، وهو ما ترجم له البخاري.\n***","vol":"5","page":311},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1135> كتاب الأيْمَانِ والنُذور </span>\"\nالأيمان جمع يمين، واليمين لغة: يطلق على معان متعددة، منها القوة النافذة، واليد اليمنى، كقوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) وكقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)، ومنها القسم والحلف الشرعي، وهو المقصود باليمين شرعًا. واليمين شرعًا: هو تأكيد الفعل أو الترك، أو الخبر بذكر الشيء المعظم في النفس (١) الذي يشعر الحالف نحوه بالتعظيم المطلق، وغاية الخوف والخشية منه إن خالف ما حلف عليه، ولا يكون اليمين إلاّ بذكر اسم الله تعالى، أو صفة من صفاته إذ لا يجوز الحلف بغير الله، لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به تعظيمًا مطلقًا، والخوف والخشية منه، وهي لا تكون إلاّ لله تعالى. وأقسام اليمين: ثلاثة (أ) يمين اللغو (ب) واليمين المنعقدة (جـ) واليمين الغموس. أما اليمين اللغو: فهي الحلف عن غير (٢) قصد اليمين كأن يقول المرء: والله لتأكلن أو لتشربن \" أو نحو ذلك، ولا يقصد بها قسمًا، أو بعبارة أخرى: هي ما يجري على اللسان دون إرادة القسم، وإليه ذهب الشافعية ومن وافقهم، وقال مالك وأبو حنيفة والليث والأوزاعي: لغو اليمين أن يحلف على شيء يظن صدقه، فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ وعن أحمد روايتان كالمذهبين. وحكم يمين اللغو أنه لا إثم فيها ولا كفارة عليها. أما اليمين المنعقدة وحكمها فهي أن يحلف على أمر مستقبل أن يفعله أو لا يفعله، وحكمها وجوب الكفارة عند الحنث، كما قال تعالى:\n_________\n(١) \" تيسير العلام شرح عمدة الأحكام \".\n(٢) \" فقه السنة \" ج ٣.","vol":"5","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>١٠٢٢ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى\n(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) </span>\"\n١١٧٢ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ لِي النبي - ﷺ -: \"يا عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ سَمُرةَ لا تَسْأَلَ الإِمَارَةَ،\nــ\n(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). أما اليمين الغموس: وتسمى أيضًا يمين الزور، واليمين الفاجرة فهي اليمين الكاذبة، ومعناها أن يحلف على شيء يعتقد فيه الكذب اعتقادًا جازمًا ويتأكد أنه خلاف الواقع، ولكنه يحلف قاصدًا الخيانة، وإضاعة الحق وتأييد الباطل. أما حكمها: فهي كبيرة من أعظم الكبائر لفظاعتها ولا كفارة فيها عند أكثر أهل العلم لفظاعتها وشناعتها، وعظم جرمها، وإنما تجب فيها التوبة، ورد الحقوق إلى أصحابها، وعن ابن مسعود موقوفًا: \" كنا نعد الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبًا ليقتطعته \". قالوا: ولا مخالف له من الصحابة، ولكن تكلم ابن حزم في صحة هذا الأثر، وذهب الشافعي وآخرون إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس، واختاره ابن حزم.\n١٥٢٢ - \" باب قول (١) الله تعالى:\n(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) \"\n١١٧٢ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - لعبد الرحمن بن سمرة ﵁: \" يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإِمارة \" أي لا تطلب من إمام\n_________\n(١) هكذا ترجم له في نسخة العيني.","vol":"5","page":313},{"text":"فَإِنَّكَ إِنْ أُوْتِيْتَهَا عَنْ مَسْألةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإنْ أُوْتِيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْألةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيتَ غَيْرَها خَيرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنكَ، وائْتِ الذي هُوَ خَيْرٌ\".\nــ\nالمسلمين الإِمارة -بكسر الهمزة- أو غيرها من الولايات التي تتعلق بها مصالح الناس، لأنها أمانة كبرى ومسؤولية عظمى \" فإنك إن أوْتِيْتَها عن مسألة وكلت إليها \" أي فإنك إن وليت فيها بسبب سعيك وإلحاحك في طلبها وُكِلْتَ إلى جهدك وقوتك دون معونة ربانية وأنت لا تقدر عليها دون عون من الله تعالى \"وإن أوتيتها عن غير مسألة\" أي وإن جاءتك من غير طلب \" أعنت عليها \" أي أعانك الله على مسؤولياتها. \" وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير \" قال في \" تيسير العلام \": أي إذا حلفت على أمر لتفعله أو لتدعه، فإن كان لا يترتب على حلفك شيء فأنت مخيّر بين المضاء فيها أو التكفير، وإن كان الأحسن هو فعل المحلوف على تركه، أو ترك المحلوف (١) على فعله، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: كراهية طلب الإِمارة وغيرها من الولايات والحرص عليها لما في ذلك من تعريض النفس لعمل ربما لا يقوم بحقوقه، فيعرِّض نفسه للخطر ولما فيه غالبًا من سوء القصد، فإنه لا يطلبها مع وجود من يقدر عليها إلاّ لغرض مال أو جاه أو غير ذلك من المقاصد. ثانيًا: أن من جاءته الولاية دون طلب أو استشراف يعان عليها، لأنه يرى القصور في نفسه وحينئذ سيلتجىء إلى الله تعالى فيعينه عليها. ثالثًا: أنه يستحب الحنث في اليمين والتكفير عنها، إذا رأى أن الخير والأفضل والأنفع شرعًا في ترك المحلوف على فعله، أو في فعل المحلوف على تركه، كما فعل الصديق ﵁ عندما\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.","vol":"5","page":314},{"text":"غضب على مسطح، فحلف أن لا يتصدق عليه، فلما نزل قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فقال: بلى أحب أن يغفر الله لي، فأعطى مسطح وكفر عن يمينه. رابعًا: وجوب الكفارة على كل من حنث في يمينه كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \" فكفّر عن يمينك وائت الذي هو خير \" وهو معنى قوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) إلخ، وتتلخص كفارة اليمين في أحد أربعة أمور: الأول: إطعام عشرة مساكين من غالب قوت البلد لكل مسكين مُد (١). الثاني: كسوة كل واحد منهم ثوبًا وسروالًا ونحوه. الثالث: عتق رقبة. الرابع: إن لم يكن قادرًا على الكفارات السابقة يصوم ثلاثة أيام. خامسًا: في الحديث تقديم الكفارة على الحنث حيث قال: فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير، إلاّ أنه انعقد الإجماع على مشروعية تقديم الحنث على الكفارة، فذهبت الحنفية (٢) إلى وجوب تقديم الحنث، وذهب جماهير أهل العلم إلى أن تقديم الحنث مستحب لا واجب، وأنه يجوز تقديم الكفارة، لما ورد في هذا الحديث، إلاّ في كفارة الصيام عند الشافعي، فإنه لا يجوز تقديمها، لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها عن وقتها، ووقتها بعد الحنث، والله أعلم. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فكفر عن يمينك \".\n...\n_________\n(١) لكل مسكين مد عند مالك والشافعي، وذهب بعضهم إلى أنه لكل مسكين نصف صاع بر أو صاع من غيره، وهو مذهب أبي حنيفة.\n(٢) \" سبل السلام \" ج ٤.","vol":"5","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1137>١٠٢٣ - \" بَابُ كَيْفَ كَانتْ يَمينُ النَّبِيِّ - ﷺ </span>- \"\n١١٧٣ - عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ ﵁ قَالَ:\nكُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَهُ: \" لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إِلَيْكَ من نَفْسِكَ \" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللهِ لأنْتَ أحَبُّ إِليَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \" الآن يَا عُمرُ \".\nــ\n١٠٢٣ - \" باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ - \"\n١١٧٣ - معنى الحديث: أنه بينما كان النبي - ﷺ - ممسكًا بيد عمر ﵁ أراد أن يعبر عن شعوره نحوه - ﷺ - فقال له: \" لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلاّ من نفسي \" قال القسطلاني: ذكر حبه لنفسه بحسب الطبع \" فقال النبي - ﷺ -: لا والذي نفسي بيده \" أي فأقسم النبي - ﷺ - بالله الذي روحه بيده على أن عمر لن يبلغ المرتبة العليا حتى يكون النبي - ﷺ - أحب إليه من نفسه التي بين جنبيه، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك \" أي حتى يصبح النبي - ﷺ - أحب إليك من نفسك \" فقال له عمر: فإنه الآن \" الخ أي فقال عمر: أمّا الآن فإني أشعر وأحس في أعماق نفسي أنك أحبّ إلي من نفسي. قال الحافظ: جواب عمر الأول كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي - ﷺ - أحب إليه من نفسه، لأنه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة. \" فقال النبي - ﷺ -: الآن يا عمر \" أي الآن عرفت فنطقت بما يجب.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الأيمان المأثورة","vol":"5","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1138>١٠٢٤ - \" بَابُ النَّذْرِ في الطَّاعَةِ </span>\"\n١١٧٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nأنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ نَذَرَ أن يُطِيعَ الله، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ \".\nــ\nالتي كان يحلف بها النبي - ﷺ - قوله: \" والذي نفسي بيده \". ثانيًا: أن من كمال الإيمان أن يستشعر المسلم فضل النبي - ﷺ - عليه حيث أنقذه برسالته من المهلكات وأخرجه من الظلمات إلى النور، فيحبه أكثر من نفسه. ولا غرابة في ذلك، فإن العواطف السائدة كحب الله تعالى وحب الأنبياء وحب العبادة قد تقوى فتصبح أقوى من حب الإنسان لنفسه الذي هو من أقوى غرائزه. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" لا والذي نفسي بيده \".\n١٠٢٤ - \" باب النذر في الطاعة \"\nالنذر: لغة الوعد بخير أو شر، وشرعًا التزام طاعة في مقابل حدوث نعمة أو زوال نقمة، ولا يصح إلاّ من بالغ عاقل مختار، ولو كان كافرًا.\n١١٧٤ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" من نذر أن يطيع الله \" أي من نذر أن يعمل عملًا صالحًا فيه طاعة وقربة إلى الله تعالى \" فليطعه \" أي فليوف بنذره بفعل تلك الطاعة من صلاة أو صيام أو حجّ أو عمرة أو صدقة أو اعتكاف أو نحو ذلك، سواء كان النذر مطلقًا كأن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، دون تقييد بشرط، أو كان معلقًا كقوله: \" إن شفي الله مريضي أو رد غائبي فعلت كذا \" \" ومن نذر أن يعصيه \" أي ومن نذر أن يفعل معصية كقوله: \" لله علي أن أشرب الخمر \" \" فلا يعصه \" أي فلا يوف بنذره، ولا يفعل المعصية التي نذرها.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجب الوفاء بنذر","vol":"5","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1139>١٠٢٥ - \" بَابُ مَنْ مَات وعَلَيْهِ نذْرٌ </span>\"\n١١٧٥ - عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁:\n\" أنَّهُ اسْتَفْتَى النبي - ﷺ - في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فأفْتَاهُ أن يَقْضِيَهُ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ \".\nــ\nالطاعة، سواء كان نذرًا معلقًا وهذا يجب الوفاء به إجماعًا، أو نذرًا مطلقًا غير مقيد بشرط كقوله: ابتداءً لله عليّ صوم شهر، فإنه يجب الوفاء به عند أكثر أهل العلم، قال ابن قدامة: وهو قول أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعي، وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به، لأن النذر عند العرب وعد بشرط كما قال أبو عمر. قال ابن قدامة: وما حكوه عن أبي عمر: لا يصح، فإن العرب تسمي الملتزَم بفتح الزاي نذرًا وإن لم يكن بشرط قال جميل:\nفَلَيْتَ رِجَالًا فِيْكِ قَدْ نَذَرُوْا دَمِي ... وَهَمُّوا بِقَتْلي يَابُثَيْنُ لَقُوْنِي\nثالثًا: أن نذر المعصية لا يحل الوفاء به إجماعًا لقوله - ﷺ - في حديث الباب: \" من نذر أن يعصي الله فلا يعصه \" ويجب على الناذر نذر معصية كفارة اليمين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة عليه، كما قال ابن قدامة، وهو مذهب مالك والشافعي، لأنه ليس نذرًا شرعيًا في الحقيقة كما يدل عليه قوله - ﷺ -: \" لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد \" أخرجه مسلم. والمطابقة: في قوله: \" من نذر أن يطيع الله فليطعه \". الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.\n١٠٢٥ - \" باب من مات وعليه نذر \"\n١١٧٥ - معنى الحديث: يحدثنا سعد بن عبادة ﵁ \" أنه استفتى النبي - ﷺ - في نذر كان على أمّه، فتوفيت قبل أن تقضيه \" قيل: كان صيامًا، وقيل: صدقة، وقيل: عتقًا \" فأفتاه أن يقضيه عنها \" أي فأمره أن","vol":"5","page":318},{"text":"ينوب عنها في قضاء ذلك النذر \" فكانت سنة بعد \" أي فكانت فتوى النبي - ﷺ - سنة يعمل بها بعده.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية قضاء النذر عن الميت، وقد اختلف أهل العلم في النذور التي تقضى عن الميت، قال ابن قدامة: من نذر حجًّا، أو صومًا، أو صدقة، أو عتقًا، أو اعتكافًا أو صلاة، أو غيره من الطاعات، ومات قبل فعله، فعله الولي عنه، وعن أحمد في الصلاة لا يُصلّى عن الميت، لأنها لا يدل لها بحال، وأما سائر الأعمال فيجوز أن ينوب الولي عنه فيها، وليس بواجب، ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة والمعروف. قلت: وحاصل الخلاف في قضاء النذر عن الميت أربعة أقوال (١): الأول: أنه تقضى عنه جميع الطاعات بدنية كانت أو مالية وهو مذهب الحنابلة. الثاني: أنه تقضى عنه جميع الطاعات ما عدا الصلاة، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي. الثالث: تقضى عنه جميع الطاعات ما عدا الصلاة والصوم، وهو أحد قولي الشافعي حيث قال في الصيام: يطعم عنه كل يوم مسكينًا. الرابع: أنه تقضي عنه الطاعات المالية دون البدنيّة، وهو مذهب مالك ﵀. ثانيًا: أن قضاء النذر على ولي الميت مستحب وليس بواجب، إلاّ أن يكون ماليًا وللميت تركه، وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن أمّي ماتت وعليها صومٌ، أفأصوم عنها؟ فقال: \" أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ \" قالت: نعم، قال: \" فصومي عن أمك \" متفق عليه، فإن أمره - ﷺ - في هذا محمول على الندب والاستحباب بدلائل قرائن في الخبر، منها أن النبي - ﷺ - شبهه بالدين، وقضاء الدين عن الميت، لا يجب على الوارث ما لم يخلّف تركة يقضى بها. وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليه لظاهر الأخبار. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب عن الترجمة.\n_________\n(١) كما أفاده ابن قدامة في \" المغني \" وكما يدل عليه حاصل كلامه.","vol":"5","page":319},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1140> كتاب الفرائض </span>\"\nوالفرائض لغة: تأتي من الفرض بمعنى القطع، يقال: فرضتُ لفلان فريضة من المال، أي قطعت له كمية منه، أو من الفرض بمعنى التقدير، فيكون معنى الفريضة المقدار المحدد، ومنه قوله في حديث الزكاة: \" هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - ﷺ - \" (١) أما الفرائض شرعًا فإنها تطلق على معنيين: ١ - معنى خاص: وهي السهام المقدرة في كتاب (٢) الله وسنة رسوله - ﷺ - لبعض الورثة والتي هي الثلثان والثلث والسدس والنصف والربع والثمن. ومعنى عام: وهو قواعد فقهية وحسابية (٣) يعرف بها نصيب كل وارث من التركة. وقال في \" الروض الأنيق \" (٤): هي عبارة عن فهم قسمة المواريث، وفهم علم الحساب، ومعرفة النسب بين الأعداد. وقال في \" أحكام المواريث \": هي عبارة عن فقه المسائل المتعلقة بالإرث، ومعرفة متى يكون الإنسان وارثًا أو غير وارث، ومقدار ما يستحقه الوارث، وكيفية تقسيم التركة على الورثة (٥)، وما يتبع ذلك. وموضوع علم الفرائض: هو التركات وما يتعلق بها، وتتعلق بالتركة الأحكام الآتية على الترتيب المذكور. أولًا: تجهيز الميت بغسله، وتكفينه، ودفنه، وفعل ما يحتاج إليه من وقت وفاته إلى مثواه الأخير من غير إسراف ولا تقتير. ثانيًا: قضاء ديونه التي لها مطالب من العباد، فلا تقسم التركة حتى\n_________\n(١) \" لسان العرب \" لابن منظور ج ٧.\n(٢) \" المواريث في الشريعة الإسلامية \" للصابوني حيث عرّفها بذلك أثناء تعريفه لأصحاب الفروض ص ٣٤.\n(٣) \" الفقه الإسلامي وأدلته \" ج ٨ للدكتور وهبة الزحيلي.\n(٤) \" الروض الأنيق \" لفضيلة الشيخ عبد الرحمن مضاي المدرس بالحرم النبوي.\n(٥) \" أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية \" للشيخ محي الدين عبد الحميد.","vol":"5","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1141>١٠٢٦ - \" بَابُ مِيرَاثِ الْوَلَدِ مِنْ أبِيهِ وَأُمِّهِ </span>\"\n١١٧٦ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" ألحِقُوا الْفَرَائِضَ بأهْلِهَا، فمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلَى رَجُلٍ ذكرٍ \".\nــ\nتقضى هذه الديون لقوله - ﷺ -: نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى. ثالثًا: تنفيذ وصايا الميت في حدود الثلث لغير الوارث بعد أداء ما يكفي للتجهيز وأداء الديون التي عليه. رابعًا: تقسيم ما بقي من التركة بين الورثة حسب الكتاب والسنة وإجماع الأمّة. حكم علم الفرائض: وقد أجمعت الأمة على أنه فرض كفاية لقوله - ﷺ -: \" تعلموا الفرائض وعلّموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن هذا العلم سيقبض، وتظهر الفتن، حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان أحدًا يفصل بينهما \" رواه الحاكم (١). وأسباب الإِرث ثلاثة: النسب والنكاح والولاء، وموانعه ثلاثة أيضًا: القتل والرق واختلاف الدين، وذهب أحمد إلى أن القريب الوارث إذا كان كافرًا وأسلم قبل قسمة التركة فإنه يرث خلافًا للجمهور.\n١٠٢٦ - \" باب ميراث الولد من أبيه \"\n١١٧٦ - معنى الحديث،: أن النبي - ﷺ - أمر أمته أن يقوموا بتوزيع المواريث وقسمتها على مستحقيها توزيعًا عادلًا يتفق مع حكم الله تعالى، فقال: \" ألحقوا الفرائض بأهلها \" أي ابدؤوا في القسمة أولًا بأصحاب الفروض الذين لهم سهام مقدرة في الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فأعطوا لكل واحد منهم سهمه المقدر له شرعًا، \" فما بقي فهو لأولى رجل ذكر \" أي فما زاد عن أصحاب\n_________\n(١) وأبو يعلى والبزار عن ابن مسعود ﵁ وإسناده ضعيف (ع).","vol":"5","page":321},{"text":"الفرائض فإنه يعطى للعصبة، وهم أقرب الذكور إلى الميت وإنما قال: \" لأولى رجل ذكر \" مع أن الرجل لا يكون إلاّ ذكرًا، حتى لا يظن أحد أن المراد من لفظ الرجل هو الكبير القادر (١) فيمنع الصغير من الميراث، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فإن الذكر وإن كان رضيعًا يستحق الإِرث بالتعصيب وقد يأخذ كل المال بالتعصيب.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن أوّل ما يبدأ به عند قسمة المواريث أصحاب الفروض والسهام المقدرة شرعًا، وهم عشرة: الزوج، والزوجة، والأب، والجد، والأم، والجدة، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخ، والأخت الأم، هؤلاء هم أصحاب الفرائض المقدرة شرعًا التي هي النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، وهم الذين يُبدأ بهم أولًا عند قسمة المواريث، وتختلف أسهمهم حسب اختلاف أحوالهم، كما هو موضح في علم الفرائض. ثانيًا: أن القسم الثاني من الورثة: العصبة، وهو في لسان الشرع أقرب ذكر إلى الميت وقد جعل الشارع له الحق في أن يأخذ ما بقي عن أصحاب الفروض كما قال - ﷺ -: \" فما بقى فهو لأولى رجلٍ ذكر \" حيث دل الحديث على أن ما أبقت الفروض يكون لأقرب العصبات من الذكور، لا يشاركه من هو أبعد منه، حكاه النووي وغيره إجماعًا، وإن استووا اشتركوا. وتنقسم العصبة إلى ثلاثة أقسام: الأول: العصبة بنفسه: وهو كل ذكر ينسب إلى الميت ليس بينه وبينه أنثى كالأب والجد وإن علا، والابن وابن الابن وإن سفل، والأخ الشقيق أو لأب، وابن الأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب، وأولادهما، والمعتق ذكرًا كان أو أنثى، وحكمه أنه إذا انفرد حاز جميع المال، وإن كان مع أصحاب الفرائض حاز ما بقى عن أصحاب الفرائض، وقد يستغرق أصحاب الفرائض المال كله فلا يرث شيئًا.\n_________\n(١) \" المواريث في الشريعة الإسلامية \" للصابوني.","vol":"5","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1142>١٠٢٧ - \" بابُ مِيرَاثِ ابْنَةِ ابْنٍ مَعَ ابْنَةٍ </span>\"\n١١٧٧ - عَنْ أبِي مُوسَى ﵁:\nأنهُ سُئِلَ عَنْ ابْنَةٍ وابْنَةِ ابْن وَأختٍ، فَقَالَ: لِلابْنَةِ النِّصْفُ، ولِلأُخت النِّصْفُ، وأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَيتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُخبِر بِقَوْلِ أبي مُوسَى فَقَالَ: \"لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًَا وَمَا أنا مِنَ الْمُهْتَدِينَ! أقْضِي فيهَا بِمَا قَضَى\nــ\nالثاني العصبة بغيره: وهو كل أخ يعصب أخته من جهتها، وينحصر ذلك في البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، فإن كل واحدة من هؤلاء الأربعة يعصبها أخوها. الثالث العصبة غيره: وهي كل أنثى تصير عصبة باجتماعها مع غيرها، ويتحقق في الأخوات الشقيقات، أو الأخوات لأب إذا اجتمعن مع البنات أو بنات الابن، فإذا اجتمعت أخت شقيقة مثلًا مع بنت، أخذت البنت النصف فرضًا، وأخذت الأخت الباقي وهو النصف تعصيبًا، وإذا اجتمعت مع بنتين أخذت البنتان الثلثين فرضًا، وأخذت الأخت الثلث الباقي تعصيبًا، وإذا اجتمعت مع أصحاب فرائض وبنت، أخذت الباقي بعد أصحاب الفرائض والله أعلم. ثالثًا: أن الولد يرث من أبيه وأمه تعصيبًا لقوله - ﷺ -: \" فما بقى فللأولى رجل ذكر \" والولد أقرب الذكور إلى الميت. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" فما بقي فلأولى رجل ذكر \".\n١٠٢٧ - \" باب ميراث ابنة ابن مع ابنة \"\n١١٧٧ - معنى الحديث: أن أبا موسى ﵁ سئل إذا اجتمع ثلاثة ورثة، ابنة وابنة ابن وأخت، كيف يكون الميراث بينهن؟ وماذا تستحق كل واحدة منهن، فأفتى أن للبنت النصف، وللأخت النصف، ولا شيء لبنت","vol":"5","page":323},{"text":"النبي - ﷺ -: لِلابْنَةِ النِّصْفُ، ولابنَةِ الابنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ، فَأتَيْنَا أبَا مُوسَى فَأخْبَرَنَاه بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لا تَسْألونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ\".\nــ\nالابن، وقال: سل ابن مسعود عن هذه المسألة، فلما سأله عنها، لم يوافق على حرمان بنت الابن من الميراث، وقال: لو أفتيت بذلك لكنت قد أخطأت، ولكنني أحكم في هذه المسألة أن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت الباقي، وهو الثلث تعصيبًا. فلما جمع أبو موسى بفتوى ابن مسعود ﵄ استحسنها، وأثنى عليه بخير، ووصفه بغزارة العلم، وسعة الاطلاع، وقال: \" لا تسألوني ما دام هذا الحَبر \" بفتح الحاء \" بينكم \" أي لا تسألوني ما دام هذا العالم الكثير العلم الغزير المعرفة بينكم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الأخت الشقيقة مع البنت أو مع بنت الابن أو معهما معًا تكون عصبة مع غيرها، فإذا اجتمعت معهما كان للبنت النصف فرضًا، ولبنت الابن السدس بقية الثلثين، وللأخت الثلث تعصيبًا، وإذا اجتمعت مع البنت وحدها، كان للبنت النصف فرضًا وللأخت النصف تعصيبًا، وإذا اجتمعت مع البنتين كان لهما الثلثان فرضًا، ولها الثلث تعصيبًا، وإذا اجتمعت مع بنت الابن فحكمها معها كالبنت أو البنات تمامًا والله أعلم. الحديث: أخرجه أيضًا الأربعة. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n***","vol":"5","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1143>١٠٢٨ - \" بَابُ مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم </span>\"\n١١٧٨ - وَعَنْ أنسٍ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" ابْنُ أُخْتِ القَوْمِ مِنْهُمْ، أوْ مِنْ أنْفُسِهِمْ \".\nــ\n١٠٢٨ - \" باب مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم \"\n١١٧٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" ابن أخت القوم من أنفسهم \" أي من أقرب أقربائهم تربطه بهم رابطة قوية متينة كرابطة النسب، فإذا كان النسب يقتضي التوارث بين أبناء العمومة مثلًا، فإن علاقة الخؤولة تقتضي أن يرث الخال ابن أخته أو بنت أخته، وكذلك الخالة والعمة عند عدم ذوي الفرائض والعصبة.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على توريث ذوي الأرحام عند عدم وجود ْأصحاب الفرائض والعصبة، وهم كل قريب ليس بذي فرض ولا عصبة، كأولاد البنات وأبناء الأخوة لأمّ، وأولاد الأخوات، والأخوال والخالات، وغيرهم، وقد اختلف أهل العلم في توريثهم على مذهبين: المذهب الأول: وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وكافة علماء العراق وبعض علماء الشافعية أنهم يرثون إذا لم يوجد للميت صاحب فرض ولا عاصب، فإن ماله الباقي بعد تجهيزه وتسديد ديونه ووصاياه يعطى ميراثًا لذوي رحمه، وهو رأي الكثرة الغالبة من أصحاب النبي - ﷺ -. والمذهب الثاني: وهو قول مالك والشافعي وكثير من فقهاء الأمصار أن ذوي الأرحام لا يرثون أصلًا، ولو مات إنسان وليس له صاحب فرض ولا عاصب فإن ماله لبيت مال المسلمين ميراثًا قال في \" الدرة البهية \" (١): وقد رجع علماء الشافعية في أواخر القرن الرابع\n_________\n(١) الدرة البهية على الرحيية للشيخ محي الدين عبد الحميد.","vol":"5","page":325},{"text":"الهجري، وعلماء المالكية في أوائل القرن الثالث الهجري إلى القول بتوريث ذوي الأرحام (١) فصار القول بتوريث ذوي الأرحام قول الجمهور من أواخر القرن الرابع الهجري (٢) واستدل القائلون بتوريث ذوي الأرحام بقول الله تعالى (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) قال ابن قدامة: \" أي أحق بالتوارث في حكم الله تعالى \" وروى الإِمام أحمد بإسناده عن سهل بن حنيف: أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فقتله، ولم يترك إلاّ خالًا، فكتب فيه أبو عبيدة إلى عمر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" الخال وارث من لا وارث له \" قال الترمذي: هذا حديث حسن وقد سماه النبي - ﷺ - وارثًا، والأصل الحقيقة، وقد ورث النبي - ﷺ - ابن الأخت أيضًا كما في حديث محمد بن يحيى قال: توفي ثابت بن الدحداح ولم يدع وارثًا ولا عصبة، فرفع شأنه إلى النبي - ﷺ -، فدفع النبي - ﷺ - ماله إلى ابن أخته أبي لبابة بن عبد المنذر. الحديث: أخرجه البخاري والنسائي. والمطابقة: في كون الترجمة من لفظ الحديث.\n...\n_________\n(١) قال الشافعية والمالكية ومن وافقهم بتوريث ذوي الأرحام عند عدم انتظام بيت مال المسلمين، أما إذا كان منتظمًا فهم على رأيهم في عدم التوريث. اهـ. حسن السماحي.\n(٢) حاشية القليوبي بهامش شرح المحلي للمنهاج في مذهب الشافعية، و\" نهاية المحتاج \" للرملي، وشرح الزرقاني كما في الدرة البهية.","vol":"5","page":326},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1145> كتاب الْحُدُودِ </span>\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1144>١٠٢٩ - \" بَابُ الضَّرْبِ بالْجَرِيدِ والنِّعَالِ </span>\"\n١١٧٩ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nأتِيَ النبي - ﷺ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ - ﷺ -: \" اضْرِبُوهُ \" قَالَ أبُو\nــ\n\n\" كتاب الحدود \"\nوالحدود لغة: جمع حد، وهو المنع ومنه حدود العقار، لأنها موانع تحول دون امتداد يد الغير إليه، ومشاركته فيه، وأحدّت المعتدة امتنعت عن الزينة وتطلق الحدود أيضًا على الأحكام الشرعية المقرّرة ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أما معنى الحد شرعًا: فهو العقوبة المقدرة حقًا لله تعالى (١) ومعنى كونها مقدرة أنها محدودة معينة لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وليس لها حد أدنى وحد أعلى، وهي حق الله تعالى الذي لا يقبل الإِسقاط من الأفراد ولا من الجماعات، ولا يملك المجني عليه العفو عن المجرم فيها، فلو تنازل المسروق منه بعد بلوغ القضية إلى الحاكم الشرعي لا يؤثر تنازله وعفوه بشيء، ولا تسقط هذه العقوبة عن المجني عليه. لما رواه مالك في \" الموطأ \" عن سعيد بن المسيب قال: ما من شقي إلا يحب الله أن يعفي عنه ما لم يكن حدًا. ولا تجوز الشفاعة في حد أصلًا لقول رسول الله - ﷺ - لأسامة ﵁ \" أتشفع في حد من حدود الله؟ \".\n١٠٢٩ - \" باب الضرب بالجريد والنعال \"\n_________\n(١) \" التشريع الجنائي الإسلامي \" عبد القادر عودة.","vol":"5","page":327},{"text":"هُرَيْرَةَ ﵁: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللهُ، قَالَ: \" لا تَقُولُوا هَكَذَا، لا تُعِيْنُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ \".\nــ\n١١٧٩ - معنى الحديث: يقول أبو هريرة ﵁ \" أتي النبي - ﷺ - برجل قد شرب \" قيل هو \" نُعيمان \" بالتصغير الذي اشتهر بالفكاهة والمزاح، وقد امتلأت كتب الأدب \" كَنهاية الأرب \" وغيرها بفكاهاته ونوادره. وذكر ابن سعد أنه عاش إلى خلافة معاوية، وقصته مع الرجل الأعمى وعثمان ﵁ معروفة مشهورة تجدها في \" الفكاهات والنوادر \" من كتاب \" نهاية الأرب \" \" فقال: اضربوه \" أي فأمرهم بضربه دون تحديد عدد معين من الضرب \" فمنا الضارب بيده \" أي فبعض الصحابة ضربه بيده دون استعمال أداة أخرى من أدوات الضرب \" ومنا الضارب بنعله \" لإهانة ذلك الشارب والتنكيل به \" ومنا الضارب بثوبه \" ولم يستعملوا السوط الذي هو أداة الحد في الضرب \" فلما انصرف \" أي فلما فرغ الناس من ضربه \" قال بعض القوم: أخزاك الله \" أي دعا عليه بالخزي، وهو الذل والمهانة والفضيحة بين الناس قيل: إن الداعي هو عمر ﵁. \" فقال \" النبي - ﷺ -: \" لا تقولوا \" له هكذا لا تعينوا عليه الشيطان \" لأنهم إذا دعوا عليه \" بالخزي \" ربما استجيب لهم، فبلغ الشيطان مأربه، ونال مقصده ومطلبه أو أن النبي - ﷺ - وهو طبيب النفوس خشي على الرجل أنه إذا امتهنت كرامته، وجرحت مشاعره، وأهدرت إنسانيته أدَّى ذلك إلى حدوث رد فعل سيىء في نفسه فيصر على الخطيئة، ويتمادى في الانحراف فيكونون بفعلهم هذا قد أسلموه إلى الشيطان، فيتمكن منه ويستولي عليه نتيجة تلك الانفعالات السيئة التي أوجدوها في نفسه. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود وأحمد.","vol":"5","page":328},{"text":"فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه ليس لشارب الخمر حد شرعي، وإنما عقوبته عقوبة تعزير لا حد، لقول النبي - ﷺ -: \" اضربوه \" ولم يعين قدرًا محدودًا من الضرب، ولا عددًا معينًا منه. ولقول علي ﵁: \" ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلاّ صاحب الخمر، فإنه لو مات لوديته \" أي دفعت ديته، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لم يسنه، أي لم يضع له حدًا شرعيًا. وكل جريمة لا حد لها فعقوبتها تعزير وهي موكولة إلى اجتهاد الإِمام وقد اختلف أهل العلم في عقوبة شارب الخمر هل هي حد أو تعزير على ثلاثة أقوال: الأول: أنها تعزير أي تأديب مفوّض إلى اجتهاد الإِمام، وبهذا قال بعض أهل العلم، منهم الطحاوي ورجح الشوكاني أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - مقدار معيّن من العقوبة، وأن عقوبة شارب الخمر ترجع إلى اجتهاد الإمام، ومؤدى كلامه هذا أن عقوبته تعزير لا حد. القول الثاني: أن شارب الخمر يعاقب حدًا مقداره ثمانون جلدة، وبهذا قال مالك والثوري وأبو حنيفة ومن تبعهم لإجماع الصحابة، فإنه روي أن عمر ﵁ استشار الناس في حد الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين جلدة، فضربه عمر ثمانين، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام، وروي أن عليًا قال في المشورة: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فَحدّه حد المفتري. الثالث: أنها حدٌّ مقداره أربعون جلدة، وهو اختيار الصديق ﵁، ومذهب الشافعي، لأن عليًا جلد الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: \" جلد النبي - ﷺ - أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إليَّ \" رواه مسلم. قال ابن قدامة: ولا ينعقد الإِجماع على ما خالف فعل النبي - ﷺ - وأبي بكر وعلي ﵄، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير، ويجوز فعلها إذا رآه الإِمام. ويتلخص مما ذكرنا أن في عقوبة الخمر ثلاثة مذاهب:\n١ - أنّها تعزير محض، لأن النبي - ﷺ - لم يسن في ذلك حدًا معينًا، ولإمام المسلمين أن يعاقب الشارب بما أدى إليه اجتهاده.\n٢ - أنها حد شرعي مقدر","vol":"5","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1146>١٠٣٠ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) وفي كَمْ تُقْطع</span>؟ \"\n١١٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" تُقْطعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًَا \".\nــ\nبثمانين جلدة، وهو مذهب جمهور أهل العلم.\n٣ - أن الأربعين جلدة حدٌّ، وما زاد فهو تعزير، وهو مذهب الشافعى، ورواية عن أحمد اختارها ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي. قال ابن تيمية في \" الاختيارات \" والصحيح في حد الخمر الرواية الموافقة لمذهب الشافعي وغيره أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإِطلاق، بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإِمام كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب. ثانيًا: دل هذا الحديث على وجوب حد الشرب على كل من شرب مادة مسكرة مطلقًا من العنب أو غيره، سكر أو لم يسكر لقوله - ﷺ -: \" أتي برجل قد شرب فقال: \" اضربوه \" حيث رتب الضرب على الشرب، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، حيث فرّق بين ما كان من عصير العنب وغيره والحديث حجة للجمهور. الحديث: أخرجه أيضًا أبو داود. والمطابقة: في قوله: \" فمنا الضارب بنعله \".\n١٠٣٠ - \" باب قول الله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) \"\n١١٨٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" تقطع اليد في ربع دينار \" هذا خبر بمعنى الأمر، أي اقطعوا يد السارق بسبب سرقة ربع دينار \" فصاعدًا \" أي فما زاد على ذلك، فإذا سرق السارق ربع دينار أو أكثر فإنها","vol":"5","page":330},{"text":"تقطع يده من مفصل الكف، والدينار مثقال من الذهب وهو درهم وثلاثة أسباع الدرهم والدرهم باق على حاله ومقداره لم يتغيِّر جاهلية ولا إسلامًا.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أنه يجب إقامة حد السرقة على كل من ثبتت سرقته. والسرقة هي الأخذ خفية من مال في حرز مثله لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك. ثانيًا: أن نصاب السرقة الذي تقطع فيه يد السارق هو ربع دينار، وهو مذهب مالك وأحمد ومن وافقهم من أهل العلم، ويعادله من الفضة ثلاثة دراهم، ومن العروض ما قيمته ثلاثة دراهم. أما دليل نصاب الذهب، فقوله - ﷺ - في حديث الباب: \" تقطع اليد في ربع دينار \" أما دليل نصاب الفضة والعروض، فهو حديث ابن عمر ﵄ \" أن رسول الله - ﷺ - قطع في مِجَنٍّ ثمنه ثلاث دراهم \" وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق حيث قالوا: النصاب ربع الدينار أو ثلاثة دراهم، أو عَرَض قيمته أحدهما، وذهب الشافعي إلى أن النصاب ربع دينار ذهبًا، أو ما قيمته ربع دينار من الفضة أو العروض، وبه قال كثير من العلماء منهم عائشة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة. واستدل أبو حنيفة بما أخرجه البيهقي والطحاوي من حديث ابن عباس ﵄ أن ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - كان عشرة دراهم. قال في \" تيسير العلام \" وهذه الرواية وإن خالفت ما في الصحيحين من أن قيمته ثلاثة دراهم، فالواجب الاحتياط فيما يستباح به قطع العضو المحرم، فيجب الأخذ به وهو أكثر وبما أخرجه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - أنه قال: \" لا قطع إلاّ في عشرة دراهم \" وضعِّف العلماء هذا الحديث والله أعلم. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث جوابًا لقوله في الترجمة: \" وفي كم تقطع \" حيث بيّن في الحديث أنها تقطع في ربع دينار والله أعلم.","vol":"5","page":331},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1147> كتاب المحاربين </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-1148>١٠٣١ - \" بَابُ لَمْ يُسقَ المرتدُّونَ الُمَحاربُون حَتَّى مَاتُوا </span>\"\n١١٨١ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - نَفَرٌ مِنْ عُكَلِ فَأسلَمُوا، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمرَهُمْ أن يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أبوَالِهَا وألْبَانِهَا، فَفَعَلُوا،\nــ\n\" كتاب المحاربين \"\nوالمحاربون كل جماعة مسلحة تخرج في دار الإِسلام تهدد الأمن وتسفك الدماء وتسلب الأموال وتعتدي على الحريات العامة والحقوق الشخصية سواء كانت هذه الجماعة مسلمة أو ذميّة أو معاهدة ما دامت في دار الإِسلام ويدخل في المحاربين جميع العصابات الإِرهابية، كعصابات القتل وخطف الأطفال والسطو على البيوت والبنوك أو خطف العذارى أو غير ذلك، وكذلك كل فرد عدواني له قوة يهدد بها الأمن العام، فهو محارب وقاطع طريق. وتنفذ في حقه أحكام المحاربة.\n١٠٣١ - \" باب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا \"\n١١٨١ - معنى الحديث: يقول أنسٍ ﵁: \" قدم على النبي نفر من عكل \" أي قدم عليه - ﷺ - سنة ست من الهجرة جماعة من قبيلة عكل (١) ما بين الثلاثة إلى العشرة \" فأسلموا \" أي دخلوا في الإِسلام \" فاجتووا المدينة \" قال القاري: أي استوخموها، ولم يوافقهم المقام بها،\n_________\n(١) أي من قبيلة عكل وعرينة.","vol":"5","page":332},{"text":"فَصَّحُّوا، فارْتَدُّوا، وقَتَلُوا رُعَاتِهَا، واسْتَاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ في آثارِهِمْ، فأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ أْيدِيَهُمْ وأرْجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَى مَاتُوا.\nــ\nوأصابهم الجواء وهو المرض \" فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة \" أي أمرهم أن يخرجوا إلى المكان الذي فيه إبل الزكاة، ويقيموا هناك \" فيشربوا من أبوالها \" للتداوي بها، لأنها دواء نافع \" وألبانها \" للتغذي والتداوي بها أيضًا لأنها شفاء \" ففعلوا فصحوا \" أي فشربوا ذلك فقويت أجسامهم، وصحت أبدانهم \" فارتدوا \" وخرجوا عن الإِسلام وعادوا إلى كفرهم \" وقتلوا رعاتها \" أي قتلوا راعي النبي - ﷺ - وطمعوا في المال \" واستاقوا الإِبل \" وولوا بها هاربين \" فبعث في آثارهم \" أي فأرسل النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة وراءهم ليمسكوا بهم ويلقوا القبض عليهم \" فأتي بهم \" أي فجيء بهم إلى النبي - ﷺ - \" فقطع أيديهم وأرجلهم \" من خلاف كما في رواية الترمذي \" وسمل أعينهم \" بفتح السين والميم، أي فقأ أعينهم \" ثم لم يحسمهم \" بسكون الحاء وكسر السين \" حتى ماتوا بل تركهم حتى ماتوا \" أي تركهم ينزفون حتى الموت ولم يكوهم لينقطع الدم. قال ابن الملك: إنما فعل بهم - ﷺ - هذا مع نهيه عن المثلة، إما لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، وإما لعظم جريمتهم. والله أعلم.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن المحارب وقاطع الطريق إذا قتل لا بد من قتله لأن النبي - ﷺ - قتل هؤلاء العرنيين المذكورين في الحديث أما إذا أخاف السبيل، أو سرق المال، ولم يقتل فإن الحديث لم يتعرض لهذا، واختلف الفقهاء في حكمه، هل يجوز للإِمام قتله إذا رأى المصلحة في ذلك؟ أم لا يجوز قتل المحارب إلا إذا قتل؟ وسبب هذا الخلاف اختلافهم في الأحكام الواردة في الآية الكريمة من القتل، والصلب، والقطع والنفي هل هي","vol":"5","page":333},{"text":"على الترتيب أو التخيير. فقال بعض الفقهاء: (أو) في قوله تعالى: (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) للترتيب والتنويع وتدل على توزيع الأحكام على حسب الجنايات، فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا قتل فقط، ومن اقتصر على أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالًا نفي من الأرض، وهذا هو مذهب الشافعية والصاحبين (١)، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعض الفقهاء: إن (أو) في الآية للتخيير فالإِمام مخيّر في الحكم على المحاربين بأي حكم من الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل أو الصلب أو القطع أو النفي لظاهر الآية الكريمة. وهذا قول مجاهد والضحاك والنخعي، وهو مذهب المالكية (٢). اهـ. إلاّ أن التخيير عندهم مقيد بحدود خاصة، وليس على إطلاقه، فقد قال مالك: \" الإِمام بنص الآية مخيّر في تطبيق أي جزاء على المحارب حسب اجتهاده (٣)، وما يرى فيه المصلحة إلاّ القاتل فإن المحارب إذا قتل لا بد من قتله، وليس للإِمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وإذا أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه ويخير الإمام في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف، وأمّا إذا أخاف السبيل فقط، فالإمام مخير في قتله وصلبه وقطعه ونفيه، بمعنى أن للإِمام الحق في استعمال العقوبة الأشد لا في استعمال الأخف. وقال أبو حنيفة بالتخيير في محارب مخصوص وهو الذي قتل النفس وأخذ المال، فالإِمام مخيّر في أمور أربعة: (أ) قطع يده ورجله من خلاف وقتله. (ب) قطع يده ورجله من خلاف وصلبه. (ج) صلبه فقط دون قطع يده ورجله. (د) قتله فقط (٤) واختلف الفقهاء في عقوبة النفي ما\n_________\n(١) \" روائع البيان في تفسير آيات الأحكام \" للصابوني ج ١.\n(٢) \" روائع البيان في تفسير آيات الأحكام \" للصابوني ج ١.\n(٣) التشريع الجنائي لعبد القادر عودة ج ١.\n(٤) \" فتح الباري \" ج ١٢.","vol":"5","page":334},{"text":"هي؟ فقال مالك والشافعي: معناها أن يخرج المحارب من بلد الجناية إلى بلدة أخرى، وزاد مالك: فيحبس فيها، وقال أبو حنيفة: هي أن يحبس في بلده، فالنفي هو السجن، لأن السجن خروج من سعة الدنيا إلى ضيقها، فصار كأنه نفي من الأرض، وقد قال بعض الشعراء:\nخَرَجْنَا مِنَ الدُّنيا وَنَحْنُ مِنْ اهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأمْوَاتِ فِيهَا وَلاَ الأحيَا\nإذَا جَاءَنَا السَّجَّانَ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذا مِنَ الدُّنيا\nثانيًا: دل هذا الحديث على أن قاطع الطريق إذا قتل وأخذ المال، فإنه يجوز للإمام أن يقطع يده ورجله من خلاف، ويقتله (١) كما فعل النبي - ﷺ - بالعرنيين \" حيث قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ثم لم يحسمهم حتى ماتوا \" وبهذا قال بعض أهل العلم، وهو مذهب أبي حنيفة حيث قال فيمن قتل وأخذ المال: إن الإمام مخيّر بين أن يقطع يده ورجله من خلاف ويقتله، أو يقطعه ويصلبه أو يصلبه فقط دون قطع يده ورجله، أو يقتله فقط. ثالثًا: أن النبي - ﷺ - سمل أعين هؤلاء، مع نهيه عن المثلة فقيل: كان هذا (٢) قبل نزول آية الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المثلة فهو منسوخ، أو فعله قصاصًا. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الحديث دل على عقوبة المحارب.\n...\n_________\n(١) قال تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) أي إخراج المؤمنين من مكة أشد من قتلهم.\n(٢) شرح النووي على مسلم.","vol":"5","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1149>١٠٣٢ - \" بَابُ رَجْمَ الْمُحْصَنَ </span>\"\n١١٨٢ - عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄:\n\" أنَّ رَجُلًا مِنْ أسْلَمَ أتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَحَدَّثَهُ أنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهد عَلَى نَفْسِهِ أرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أحْصِنَ \".\nــ\n١٠٣٣ - \" باب رجم المحصن \" (١)\n١١٨٢ - معنى الحديث: يحدثنا جابر ﵁ \" أن رجلًا من أسلم \" اسمه ماعز بن مالك الأسلمي \" أتى رسول الله - ﷺ - \" وهو في المسجد كما في الرواية الأخرى \" فحدثه أنه قد زنى \" أي فأخبره أنه قد ارتكب الفاحشة، واعترف على نفسه بالزنا \" وشهد على نفسه أربع شهادات \" أي أقر على نفسه بالزنا أربع مرات \" فأمر به رسول الله - ﷺ - فرجم، وكان قد أحصن \" أي فحكم عليه - ﷺ - بالرجم بموجب إقراره، لأنه محصن، والمحصن حكمه الرجم كما في الآية المنسوخة. تلاوة والباقي حكمها: \" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية رجم الزاني إذا كان محصنًا أي متزوجًا قد دخل على زوجته وجامعها بنكاح صحيح، أما إذا عقد عليها، ولم يدخل بها، فإنه يكون غير محصن، ويجب عليه الحد لا الرَّجم. وفيه دليل على أنه يرجم فقط، ولا يجلد، لأن النبي - ﷺ - اكتفي برجمه، وهو مذهب الجمهور، خلافا لأحمد في رواية: أنه يجلد، ثم يرجم، لما في حديث علي ﵁ أنه جلد المرأة الهمدانية ورجمها، وقال: \"رجمتها\n_________\n(١) بفتح الصاد.","vol":"5","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1150>١٠٣٣ - \" بَابُ البِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ </span>\"\n١١٨٣ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِى قَالَ:\n\" سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَأمُرُ فيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ\nعَام \".\nــ\nبسنة رسول الله - ﷺ - (١). ثانيًا: أن جريمة الزنا تثبت بإقرار الزاني على نفسه كما في هذا الحديث، لأن المرء يؤخذ بإقراره، والإِقرار سيّد الأدلة، والحديث صريح في ذلك، حيث حكم النبي على الزاني بالرجم بموجب إقراره، قال في \" تيسير العلام \": اختلف العلماء هل يشترط تكرار الإِقرار بالزنا أربع مرات، أو لا؟ فذهب الإمام أحمد وجمهور العلماء ومنهم الحكم وابن أبي ليلى والحنفية إلى أنه لا بد من الإقرار أربع مرات مستدلّين بهذا الحديث، فإنه - ﷺ - لم يقم على ماعز الحد إلا بعد أن شهد على نفسه أربع مرات وقياسًا على الشهادة بالزنا فإنه لا يقبل إلاّ أربعة شهود، ولا يشترط أن تكون الإقرارات في مجالس، خلافًا للحنفية، وذهب مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر إلى أنه يكفي لإقامة الحد إقرار واحد، لحديث \" اغد يا أُنيْسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها \" وإنما اعترفت مرة واحدة، وأجابوا عن حديث ماعز بأن الروايات في عدد الإقرارات مضطربة، أربع مرات ومرتين وثلاثًا. الحديث: أخرجه الشيخان وَأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قول جابر ﵁: \" فأمر به فرجم \".\n١٠٣٣ - \" باب البكران يجلدان وينفيان \"\n١١٨٣ - معنى الحديث: يقول زيد بن خالد ﵁:\n_________\n(١) قال الحافظ في الفتح: زاد علي بن الجعد: \" وجلدتها بكتاب الله \" وفي رواية عن أحمد أيضًا: لا يجمع بينهما، كما هو رأي الجمهور. (ع).","vol":"5","page":337},{"text":"\" سمعت النبي - ﷺ - يأمر فيمن زنى \" أي يأمر في كل من وقعت منه جريمة الزنا، رجلًا أو امرأة \" ولم يُحْصَن (١) \" أي ولم يكن متزوجًا ومجامعًا لزوجته بنكاح شرعي صحيح، فيدخل فيه من عقد على زوجته ولم يدخل عليها، أو من جامع سفاحًا. \" جلد مائة وتغريب عام \" منصوب بنزع الخافض، أي بجلد مائة جلدة وتغريب عام والمعنى: أنه - ﷺ - أمر في كل زان محصن أن يجلد مائة جلدة وينفي من بلده لمدة سنة كاملة إلى مسافة القصر إذا رأى الإِمام ذلك.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن حد الزاني البكر رجلًا كان أو امرأة جلد مائة جلدة، ونفيه لمدة سنة كاملة، أما الجلد فقد ثبت بكتاب الله حيث قال ﷿: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وبهذا الحديث الشريف، وأما تغريب سنة، فقد ثبت بسنة رسول الله - ﷺ - كما في حديث الباب هذا وغيره من الأحاديث الصحيحة الصريحة، فقد روى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قضى فيمن زنى ولم يُحْصن بنفي عام، وإقامة الحد عليه. أخرجه البخاري. وعن عبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال: \" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم \" أخرجه مسلم. قال أبو عيسى الترمذي: وقد صح عن رسول الله - ﷺ - النفي، ورواه أبو هريرة وزيد بن خالد وعبادة بن الصامت وغيرهم عن النبي - ﷺ -، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - منهم أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب، وأُبي بن كعب وغيرهم، وكذلك روي عن غير واحد من فقهاء التابعين، وهو قول سفيان الثوري ومالك ابن أنس، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق (٢). اهـ.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجلد ولا ينفى، قال في \" الهداية \" (٣): ولا\n_________\n(١) بضم الياء وفتح الصاد على البناء للمجهول.\n(٢) \" جامع الترمذي \".\n(٣) \" أوجز المسالك على موطأ مالك \" ج ٣.","vol":"5","page":338},{"text":"يجمع في البكر بين الجلد والنفي، ولنا قوله تعالى: (فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) لأنه جعل الجلد كل الموجب، ولأن التغريب فتح باب الزنا لانعدام الاستحياء من العشيرة إلاّ أن يرى الإِمام في ذلك مصلحة واستدل بعضهم على عدم مشروعية النفي بحديث زيد بن أسلم أن رجلًا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله - ﷺ - فدعا له رسول الله - ﷺ - بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: \" فوق هذا \" فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: \" دون هذا \" فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله - ﷺ - فجلد، ثم قال: \" أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله \" أخرجه مالك في \" موطئه \" (١) قالوا: فإن النبي - ﷺ - في هذا الحديث اكتفي بجلده. وأما الأحاديث التي ورد فيها النفي فقد حملوا النفي فيها على التعزير، وهو متروك إلى رأي الإِمام قال الحافظ: واختلف (٢) القائلون بالتغريب، فقال الشافعي والثوري وداود بالتعميم وخص الأوزاعي النفي بالذكور، وبه قال مالك وقيّده بالحرية، وبه قال إسحاق، وعن أحمد روايتان، واختلف في المسافة التي ينفى إليها، فقيل: هو إلى رأي الإمام، وقيل: يشترط مسافة القصر. الحديث: أخرجه أيضًا بقية الجماعة. والمطابقة: في كون النبي - ﷺ - \" أمر في الزاني غير المحصن بالجلد والتغريب \".\n...\n_________\n(١) \" موطأ مالك \".\n(٢) \" أوجز المسالك \" ج ١٣.","vol":"5","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1151>١٠٣٤ - \" بَابٌ كَمِ التَّعْزِيزُ والأدَبُ </span>\"\n١١٨٤ - عَنْ أبِي بُرْدَةَ الأنْصَارِي ﵁ قَالَ:\nكان النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إلَّا في حَدِّ مِنْ حُدُودِ اللهِ \".\nــ\n١٠٣٤ - \" باب كم التعزير والأدب \"\n١١٨٤ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" لا يجلد فوق عشر جلدات (١) إلاّ في حد من حدود الله \" أي لا يجلد أحد في عقوبة شرعية غير الحد أكثر من عشر جلدات فقط فلا تزيد العقوبة التأديبية في التعزير على عشر ضربات كما جاء مصرحًا به في حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يعزّر فوق عشرة أسواط.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: مشروعية التعزير وهو: عقوبة تأديبية موكولة إلى رأي الإمام، تقام على من ارتكب ذنبًا لا يستوجب الحد الشرعي (٢) المنصوص عليه، سواء كان هذا الذنب صغيرة أو كبيرة. واختلفوا: هل يجب إقامة عقوبة التعزير على من يستحقها أم لا؟ فقال بعضهم: يجب على الإمام إقامتها عليه كالحد تمامًا، وهو قول مالك وأحمد، وعند الشافعي: التعزير ليس بواجب لما جاء في الحديث الصحيح أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت امرأة فأصبت منها دون أن أطأها، فقال رسول الله - ﷺ -: \" أصليت معنا؟ \" قال: نعم، فتلا عليه (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فإن هذا يدل على أن الإِمام مخير في إقامة التعزير على من يستحقه\n_________\n(١) بفتح الجيم واللام والدال.\n(٢) لأن العقوبات الشرعية نوعان. عقوبات مقدرة في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - كعقوبة الزنا وهي الحدود، وعقوبات غير مقدّرة كعقوبة الإفطار في رمضان ومنع الزكاة، وهذه هي التعزير.","vol":"5","page":340},{"text":"وعدم إقامته عليه. ثانيًا: استدل به بعض أهل العلم على أن الحد الأعلى في التعزير عشرة أسواط لا يزاد عليها، لأن النبي - ﷺ - نهى عن الزيادة على ذلك إلاّ في حد من الحدود الشرعية، وهو مذهب أحمد والليث وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: تجوز الزيادة على العشرة، إلاّ أن الشافعي قال: على شرط أن لا يبلغ أدنى الحد، وقال الباقون وعلى رأسهم مالك ﵀: هو إلى رأي الإِمام بالغًا ما بلغ، وأجابوا عن حديث الباب، بأن المراد بحدود الله أوامره ونواهيه فكل من خالف ذلك بترك واجب أو فعل محرم فإنه داخل في الاستثناء، ولولي الأمر تعزيره بما شاء حتى يبلغ به الحد الذي يراه رادعًا وزاجرًا له ولأمثاله. فبعضهم يكفيه التوبيخ، وبعضهم الضرب والجلد، وبعضهم الحبس، وبعضهم أخذ المال. والذين تندر منهم المعاصي وهم ذوو الهيئات ينبغي التجاوز عنهم كما أن المعاصي تختلف في كبرها وصغرها، فينبغي للحاكم ملاحظة الأحوال والظروف والملابسات، ليكون على بصيرة من أمره، وتكون تعزيراته واقعة موقعها. الحديث: أخرجه الستة. والمطابقة: في كون الحديث دل على الحد الأعلى للتعزير وهو ما ترجم له البخاري.\n***","vol":"5","page":341},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1152>كتابُ الدِّيَات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1153>١٠٣٥ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعالى (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) </span>\"\n١١٨٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُود ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" لا يَحِلُ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأني رَسُولُ اللهَ إلَّا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النفْسُ بِالنفْسِ، وَالثيبُ الزَّاني، والْمُفَارِقُ لِدِينِهِ، التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ \".\nــ\nكتاب الديانات\n١٠٣٥ - \" باب قول الله تعالى: (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) \"\n١١٨٥ - معنى الحديث: حرم النبي - ﷺ - قتل المسلم إلا في جريمة شرعية تحل دمه، وحصر ذلك في عدد محدود فقال - ﷺ -: \" لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله \" أي لا يجوز قتل مسلم يُقِرُّ بالأمرين، وينطق بالشهادتين \" إلاّ بإحدى ثلاث \" الباء للسببية أي إلاّ بسبب ارتكاب إحدى الجرائم الشرعية الثلاث. فإذا اقترف جريمة منها فإنه يقتل في بعضها قصاصًا، وفي بعضها حدًا. الجريمة الأولى: \" النفس بالنفس \" أي أن النفس المسلمة تقتل قصاصًا بسبب قتلها عمدًا لنفس مسلمة أخرى ظلمًا وعدوانًا، وهو مصداق قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). الجريمة الثانية: \" الثيب الزاني \" أي أن يزني المسلم المتزوج، فإذا زنى بعد زواجه، فإنه يقتل رجمًا بالحجارة كما جاء في الآية المنسوخة تلاوة، والباقي حكمها \" الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة \" ويكون قتله حدًا، كما أن","vol":"5","page":342},{"text":"القاتل يقتل قصاصًا. الجريمة الثالثة: \" المفارق لدينه التارك للجماعة \" أي أن يرتد المسلم عن دينه، ويخرج عن الإِسلام ويترك جماعة المسلمين وينضم إلى جماعة أخرى من الجماعات الكافرة، فهذا يقتل حدًا بعد استتابته. فإن تاب وإلّا قتل. فهؤلاء الثلاثة يقتلون، لأن في قتلهم سلامة الأبدان والأعراض والأديان (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: تحريم قتل المسلم ذكرًا كان أو أنثى صغيرًا أو كبيرًا بغير حق شرعي، فمن نطق بالشهادتين وأتى بما تقتضيانها واجتنب ما يناقضهما فهو المسلم المحرم الدم والمال والعرض، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم (٢). ثانيًا: تحريم هذه الجرائم الثلاث التي هي قتل النفس والزنا والردة عن الإِسلام، وكونها من الكبائر. ثالثًا: أن قاتل النفس المعصومة عمدًا بغير حق شرعي يقتل قصاصًا، وهذا هو معنى قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٣) وهو ما ترجم له البخاري. رابعًا: أن الزاني الثيب - أي المحصن يقتل حدًا، فكل حر مكلف سبق له أن جامع في نكاح صحيح رجلًا كان أو امرأة، إذا زنى، فعقوبته الرجم بالحجارة حتى الموت. خامسًا: أن المرتد عن الإِسلام يقتل بعد استتابته ثلاثة أيام، فإن تاب وعاد إلى دينه، وإلّا قتل حدًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي. والمطابقة: في قوله: \" النفس بالنفس \".\n...\n_________\n(١) \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٢) أيضًا \" تيسير العلام \" ج ٢.\n(٣) ولا يقتل المسلم بالكافر عند الجمهور لقوله - ﷺ -: \" المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ولا يقتل مسلم بكافر \" وقال أبو حنيفة يقتل المسلم بالكافر لعموم قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).","vol":"5","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1154>١٠٣٦ - \" بَابُ دِيَة الأصَابِعَ </span>\"\n١١٨٦ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: \" هَذِهِ وهَذِهِ سَوَاءٌ، يَعْنِي الخِنْصَرَ، والِإبهَامَ \".\nــ\n١٠٣٦ - \" باب دية الأصابع \"\n١١٨٦ - معنى الحديث: أن النبي - ﷺ - أشار إلى الخنصر والإِبهام وقال: \" هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإِبهام \" متساوية في الدية، وإن كانت الخنصر أكثر مفصلًا من الإِبهام إلا أنه لا فرق بينهما في الدية، لأن دية الأصابع واحدة وهي عشر من الإِبل لكل أصبع.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن الأصابع متساوية في الدية لا فرق بين صغيرها وكبيرها، كما أنه أيضًا لا فرق بين أصابع اليدين والرجلين، وقد جاء ذلك مفصلًا في رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \" أصابع اليدين والرجلين سواء، عشرة من الإِبل لكل أصبع \" أخرجه الجماعة وقال الترمذي: هذا حديث حسن (١) صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة (٢) وهو المشهور من مذهب مالك حيث قال: \" وفي كل أصبع عشرة \" قال في الرسالة (٣) وفي كل أصبع عشر من الإبل، وفي الأصبع الزائدة ما في الأصلية حيث كانت مساوية للأصل. الحديث: أخرجه أبو داود\n_________\n(١) \" جامع الترمذي \".\n(٢) \" تحفة الأحوذي \" ج ٤.\n(٣) \" الرسالة \" لابن أبي زيد القيرواني.","vol":"5","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1155>١٠٣٧ - \" بَابُ مَنِ اطَّلَعَ في بَيْتِ قَوْم فَفَقَئوا عَيْنَهُ فَلا دِيَةَ لَهُ </span>\"\n١١٨٧ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ أبو القَاسِمَ - ﷺ -: \" لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ \".\nــ\nوالترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" هذه وهذه سواء \" وهو ما ترجم له البخاري.\n١٠٣٧ - \" باب من أطلع في بيت قوم ففقئوا عينه فلا دية له \"\n١٠٦١ - معنى الحديث: يقول - ﷺ -: \" لو أن امرءًا اطلع عليك \" أي نظر إلى بيتك من ثقب الدار ونحوه \" بغير إذن \" وفي رواية ولم تأذن له أي والحال أنه ما وقع منك إذن له بالدخول \" فخذفته \" من الخذف، وهو الرمى بالأصبعين، أي فرميته \" بحصاة \" أو عود أو نحوها \" ففقأت عينه \" أي فقلعت عينه \" ما كان عليك جناح \" أي فلا إثم عليك ولا قصاص ولا دية (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: جواز رمي من يتجسس ولو لم يندفع إلا برميه بشيء يؤذيه، وأنه إن أُصيبَ فقلعت عينه أو أصيب عضو منه فتلف فهو هدر، وهو مذهب الجمهور، وذهب المالكية إلى أنه يجب عليه القصاص (٢)، وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، لأن المعصية لا تدفع بالمعصية، وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه لا يسمّى معصية. ثانيًا: قال\n_________\n(١) كما في رواية أخرى حيث قال - ﷺ - \" من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاصًا رواه أحمد في المسند، والنسائي في سننه عن أبي هريرة ﵁، وهو حديث صحيح (ع).\n(٢) \" فتح الباري \" ج ١٢.","vol":"5","page":345},{"text":"الحافظ: وفيه مشروعية الاستئذان على من يكون في بيت مغلق، ومنع التطلع عليه من خلل الباب، وأن الاستئذان لا يختص بغير المحارم، بل يشرع على من كان منكشفًا ولو كان أمًا أو أختًا. الحديث: أخرجه الشيخان وأحمد في مسنده. والمطابقة: كما قال العيني (١): تؤخذ من قوله: \" لم يكن عليك جناح \" أي حرج.\n...\n_________\n(١) \" عمدة القاري شرح البخاري \" للعيني ج ٢٤.","vol":"5","page":346},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1156> كتاب التعبير </span>\"\nقال الحافظ: التعبير خاص بتفسير الرؤيا، وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها، ويقال: عبرت الرؤيا: إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك. اهـ. وقد استطاع علماء المسلمين من خلال ما قصه الله ﷿ علينا في القرآن من رؤى وتفسيرها كرؤيا يوسف، ومن خلال الرؤى التي رآها رسول الله - ﷺ - وفسرها، ورآها أصحابه، وفسَّرها لهم، ومن خلال القواعد المستنبطة والاستقراءات الواسعة أن يتوصلوا إلى تفسير الرؤيا الصادقة، والتمييز بينها وبين غيرها من الرؤى الشيطانية والنفسية، وأن يعرفوا ماذا تعني رموز الرؤى الربانية، لأن الغالب في الرؤى أن تكون رمزية، كما نرى ذلك واضحًا في رؤيا يوسف ﵇، والتعبير خاص بالرؤيا الصادقة الصحيحة، وليس كل ما يراه الإنسان يكون صحيحًا، وإنما الصحيح ما كان من الله تعالى. وقد يكون ظاهرها مخيفًا وباطنها مبشرًا. ولهذا كان التأويل الخاطىء (١) في غاية الخطورة حتى قالوا: إن تعبير الرؤيا في كثير من الأحوال يشبه الفتوى، ولكل رؤيا مفاتيحها وقد يكون مفتاحها في اسم أو إشارة خفية. ولما كانت الرؤيا تغلب عليها الرمزية، فإن المعبر قد يخطىء في تفسيرها كثيرًا، ولذللث كان التعبير ظنيًا لا قطعيًا، ولهذا قال تعالى على لسان يوسف ﵇: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا) أما أنواع الرؤيا فقد تحدثنا عنها في مواضع كثيرة: منها \" باب كيف كان بدء الوحي \" عند أول حديث عائشة حيث قالت: \"أول ما بدىء به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة \".\n_________\n(١) \" أوجز المسالك \" ج ١٥.","vol":"5","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1157>١٠٣٨ - \" بَابُ الرُّؤيَا مِنَ اللهِ </span>\"\n١١٨٨ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁:\nأنَّهُ سَمِعَ النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" إِذَا رَأى أحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فإنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فإنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيَطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، ولا يَذْكُرْهَا لأحَدٍ فإنَّهَا لا تَضُرُّهُ \".\nــ\n١٠٣٨ - \" باب الرؤيا من الله \" (١)\n١١٨٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - \" إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من الله \" أي إذا رأى في منامه ما يسرّه فإنما هي بشارة له \" فليحمد الله \" أي فليشكر الله عليها، لأنها نعمة من نعمه، أو لأنهاه تبشره بنعمة \" وليحدث بها \" من يوده ويثق به لما جاء في حديث مسلم \" فإن رأى رؤيا حسنة فليستبشر ولا يخبر إلاّ من يحب \" \" وإذا رأى غير ذلك مما يكره \" من الرؤيا القبيحة التي يكره صورتها، أو يكره تأويلها \" فإنما هي من الشيطان \" أي فإنما هي خيالات شيطانية يصوّرها الشيطان لنفس النائم في منامه، ليخوفه بها من ذلك أن يريه وحشًا يفترسه ولا حقيقة لذلك في الواقع \" فليستعذ من شرها \" عند انتباهه من نومه ليستجير بالله ويتحصّن به منها (٢) \" ولا يذكرها لأحد \" أي ولا يخبر بها أحدًا على وجه التعبير، ولو كان حبيبًا \" فإنها لا تضره \" أي فإنه إذا استعاذ بالله منها، ولم يحدِّث بها أحدًا، ولم يعبرها له أحد لم تؤذه، بخلاف ما لو عبرها له أحد، فإنه يخشى من وقوعها، لأن الرؤيا كما في الحديث \" على رجل طائر إذا عبرت وقعت \". الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة:\n_________\n(١) يريد رحمه الله تعالى أن التعبير الإسلامي يفرّق بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الشيطانية في التسمية، فيسمى الأولى رؤيا، ويسمى الثانية حلمًا للتمييز بينهما، بخلاف اللغة.\n(٢) أي يسأل الله أن يحفظه من المخاوف والوساوس التي تحدثها في نفسه.","vol":"5","page":348},{"text":"في قوله - ﷺ -: \" فإنّها من الله \".\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الرؤيا نوعان: (أ) رؤيا حسنة: تسر النفس وهي تضاف إلى الله تعالى، وتسمى \" رؤيا صالحة \" وإنما تضاف إلى الله ﷿ تشريفًا، وتكريمًا لها، كما يضاف إليه كل شيء جميل، أو لأنها بشارة من الله تعالى لمن يراها. (ب) ورؤيا سيئة تخيف الرائي، وتفزعه، وهذه تضاف إلى الشيطان وتسمى حلمًا، وفي الواقع أن كل ما يراه النائم في منامه يسمى رؤيا وحلمًا معًا، ولكن كما قال القاري: غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والأمر القبيح وهو معنى قوله - ﷺ - في الرواية الأخرى: \" الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان \" قال العيني: وهذا العرف شرعي، وإلا فالكل يسمّى رؤيا. ثانيًا: أنه يستحب لمن رأى رؤيا صالحة - أي رؤيا حسنة تسر بها نفسه أن يشكر الله عليها، لأنها نعمة، وأن يحدث بها أحبابه الذين يثق بهم، ويطمئن إلى علمهم ورجاحة عقلهم، وفي الحديث: \" لا تحدث بها إلاّ لبيبًا أو حبيبًا \" وفي رواية: لا يقصُّ إلاّ على عالم أو ناصح، لأن العالم يؤولها على الخير مهما أمكن، والناصح يرشد إلى ما ينفع، والحبيب إن عرف خيرًا قاله، وإن جهل أو شك سكت، فهؤلاء خير من يتحدث إليهم. ويستحب لمن رأى ما يكره وأراد السلامة من تلك الرؤيا أن يفعل ما يأتي: الأول: أن يستعيذ بالله من شرّها بعد أن ينفث عن يساره ثلاثًا لما في حديث أو قتادة أن النبي - ﷺ - قال: \" فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، وليستعذ بالله من شرها، فإنها لا تضره \" أخرجه الشيخان والترمذي وروي في أثر صحيح عن إبراهيم النخعي قال: فليقل إذا استيقظ أعوذ بالله بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكرهه في ديني ودنياي. اهـ. الثاني: أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه، لما في بعض الروايات: \" وليتحول عن جنبه الذي كان عليه \". الثالث: أن يصلي ركعتين كما في حديث أبي هريرة \"فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليصلّ ولا يحدث بها","vol":"5","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1158>١٠٣٩ - \" بَابُ مَنْ رَأى النَّبَِّي - ﷺ - في المَنَامِ </span>\"\n١١٨٩ - عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأى الحَق، فَإن الشيطَانَ لا يَتَكَوَّنُنِي \".\nــ\nالناس\" رواه مسلم. الرابع: كما في حديث الباب: لا يذكرها لأحد لأنها تقع على ما تفسر به (١).\n١٠٣٩ \" باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام \"\n١١٨٩ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من رآني فقد رأى الحق \" وفي رواية أخرى للبخاري في كتاب العلم: \" من رآني في المنام فقد رآني \" والمعنى كما قال العيني: أنه رأى رؤيا صحيحة ثابتة لا أضغاث أحلام \" فإن الشيطان لا يتكوّنني \" أي لا قدرة له على أن يتمثل بي. الحديث: أخرجه الشيخان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن رؤيا المسلم للنبي - ﷺ - في المنام رؤيا صادقة، ورؤيا حق، لأن الشيطان لا قدرة له على التشكل بصورته، ولكن متى يقال فيه: إنه رأى النبي - ﷺ - في المنام؟ هناك علامة فارقة يستطع بها المرء أن يعرف من رآه هل هو النبي - ﷺ - أو غيره؟ فإن كان الذي رآه على صورة شبيهة بصورة النبي - ﷺ - الثابتة بالنقل الصحيح عنه في سنته فهو النبي - ﷺ، وإن كان مخالفًا لصورته - ﷺ - المعروفة في سنته، بأن رآه طويلًا أو قصيرًا جدًا، أو شديد السمرة، أو نحو ذلك، فإنه لم ير النبي - ﷺ -. اهـ. كما أفاده العيني. والمطابقة: في كون الحديث بمنزلة الجواب للترجمة.\n_________\n(١) كما في حديث أبي داود عن النبي - ﷺ - أنه قال الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت \" رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي ﵁، وهو حديث صحيح. (ع).","vol":"5","page":350},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1159> كِتاب الفتن </span>\"\nالفتن لغة: جمع فتنة من الفتن، وهو في الأصل كما قال الراغب: إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته. ثم أطلقت الفتنة على اختبار الله تعالى لعبده بالخير والشر فالأول: محنة مقتضية للصبر، والثاني محنة مقتضية للشكر، وكلاهما فتنة. بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نصبر (١). والمراد بالفتن: هنا ما يبتلى به العبد في حياته من المصائب، فإن كان ذلك من الأمور الخارجة عن مقدوره كالأمراض والأسقام فهي ابتلاء من الله لعبده، واختبار لإيمانه، فإن صبر عليها فله البشرى، وإن جزع فله السخط. قال علي ﵁: \" إن الذهب يجرّب بالنار، وإن العبد الصالح يجرّب بالبلاء ولن تبلغ ما تؤمل إلّا بالصبر على ما تكره \" وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإِبريز فذلك الذي نجّاه الله تعالى من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد أفتتن \" رواه الحاكم (٢). وقال ابن القيم (٣): من خلقه الله تعالى للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، ومن خلقه الله للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات، فمن صبر على البلوى ورضي بقضاء الله فهنيئًا له بما بشّر الله عباده الصابرين. وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت\n_________\n(١) تعليقات الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة على \" هداية المسترشدين \".\n(٢) أخرجه الحاكم في \" المستدرك \" وقال: هذا صحيح الإسناد، وأقره الذهبي على صحته.\n(٣) \" كتاب الفوائد \" لابن القيم.","vol":"5","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1160>١٠٤٠ - \" بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ </span>\"\n١١٩٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ العِلْمُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الفِتَنُ، ويَكْثُرُ الْهَرْجُ \" قَالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أيمَا هُوَ؟ قَالَ: \" القَتْلُ القَتْلُ \".\nــ\nرسول الله - ﷺ - يقول: \" ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلاّ أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها \" قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله - ﷺ -، فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله - ﷺ -. وإن كانت الفتن من الأمور الداخلة في مقدور العبد فإنه يكون مسؤولًا عنها ومن ذلك: ١ - ارتكاب المعاصي، فإنها فتنة يعاقب عليها العبد، بل قد تتعدى العقوبة فيها من الفرد إلى الجماعة في الدنيا. ولو كان فيهم الصالحون، ففي الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعذاب من عنده \" رواه أحمد.\n١٠٤٠ - \" باب ظهور الفتن \"\n١١٩٠ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: وهو يتحدث عن أشراط الساعة وعلامات آخر الزمان الدالة على إدبار الدنيا وانتهاء هذه الحياة \" يتقارب الزمان \" أي من علامات الساعة أن يتقارب الزمان فتقصر السِّنون والأعوام والشهور والليالي والأيام فتصبح السنة كالشهر \" وينقص العلم \" بموت العلماء أو يرفع العلم النافع المقترن بالعمل الصالح \" ويلقى الشح \" أي ينتشر البخل الشديد على اختلاف أنواعه، ويتمكن من قلوب الناس حتى يبخل الغني بماله،","vol":"5","page":352},{"text":"ويبخل العالم بعلمه، ويبخل الصانع بصناعته، \" وتظهر الفتن \" أي تتكاثر الأمور الكريهة التي تضر الناس في دينهم ودنياهم من الخيانة والظلم والحرائق والزلازل وانتشار المعاصي \" ويكثر الهرج \" أي ويكثر قتل الناس بعضهم لبعض ظلمًا وعدوانًا لمجرد هوى النفس وإشباع رغباتها الخبيثة، أو استجابة لبعض الأفكار والآراء الهدامة التي تخدم أعداءهم وهم لا يشعرون.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من علامات الساعة كثرة ظهور الفتن والأمور الكريهة، ومن ذلك أن يتمكن الشح من نفوس الأغنياء فيكفوا أيديهم عن البذل والعطاء والإِنفاق على غيرهم من المعوزين، فيزول التعاطف والتضامن، وترتفع المحبة، وتحل مكانها العداوة والبغضاء، وتشتد حتى يتدابر الناس، ويتطاعنون، ويتقاتلون، ويكثر القتل وسفك الدماء، كما قال: \" ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج \". ثانيًا: أن الأمة الإِسلامية متى فقدت العلم الشرعي النافع انتشر فيها الشح، وظهرت الفتن، وكثر القتل. فالشح يظهر فيها بسبب جهلها بدينها، وعدم العمل به، ومتى ظهر فيها الشح كثر فيها القتل، لأنه نتيجة حتمية لحرص الناس على المال، وبخلهم به عن الفقراء وتنافسهم عليه كما في الحديث عن عمرو بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم \" متفق عليه فإن هذا الحديث يشير كما أفاده القاري إلى أن الأمم السابقة إنما هلكت بسبب انتزاع الرحمة من قلوب الأغنياء، وقسوتهم على الفقراء، فبخلوا بأموالهم عليهم، فحقد عليهم الفقراء، وانتشرت بينهم العداوة والبغضاء، حتى أدى بهم ذلك إلى القتال وسفك الدماء فهلكوا. الحديث: أخرجه الشيخان وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" وتظهر الفتن \".","vol":"5","page":353},{"text":"١١٩١ - عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ:\nسَمِعْت النبي - ﷺ - يَقُولُ: \" مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أحْيَاءٌ \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1161>١٠٤١ - \" بَاب تكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خيْرٌ مِنَ القَائِمِ </span>\"\n١١٩٢ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القَائِم،\nــ\n١١٩١ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من شرار الناس \" أي من أسوأ الناس عقيدة وعملًا \" من تدركهم الساعة وهم أحياء \" أي الذين يعيشون في آخر الزمان فتقوم الساعة وهم على قيد الحياة فلا يبقى عند قيام الساعة إلّا شرار الخلق من الكفار والمنافقين، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من الإِيمان إلاّ قبضته \" أخرجه مسلم. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله \" أخرجه مسلم وأحمد والترمذي هذا حديث حسن (١).\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على انقراض أهل الدين والخير والإِيمان في آخر الزمان، حتى لا يبقى عند قيام الساعة إلاّ الأشرار فقط من الكفار والمنافقين والفاسقين. الحديث: أخرجه البخاري. والمطابقة: في كون الحديث يدل على قيام الساعة على أشرار الناس وهذا من أعظم الفتن.\n١٠٤١ - \" باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم \"\n١١٩٢ - معنى الحديث: أن نبينا - ﷺ - يخبرنا في حديثه هذا وهو\n_________\n(١) وفي رواية عند أحمد في المسند \" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله ومسندها صحيح. (ع).","vol":"5","page":354},{"text":"وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْر مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْر مِنَ السَّاعِي، مَن تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلجأ أوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ\".\nــ\nالصادق المصدوق أنها ستقع بين المسلمين فتن دموية عظيمة، تنشب فيها الحروب، من أجل خلافات سياسية منشؤها (١) التنازع على السلطة والتنافس على الوصول إلى مراكز النفوذ والسلطان. وقد حذر النبي - ﷺ - المسلمين من التورط في هذه الفتن، والمشاركة بالقتال فيها، وبَيَّنَ أنَّ الناس تجاهها أربعة أقسام، قاعد عنها لا يشترك في حروبها ولا يساهم بالقتال فيها، وإنما ينظر إليها من بعد وقائم بها مشارك في حروبها ومعاركها يقاتل فيها بنفسه وماله، وداعٍ إليها ومتسبب في وجودها وإثارتها وهم الحكام والرؤساء الذين هم السبب الرئيسي فيها، فالقسم الأول: وهو القاعد عنها هو وحده الذي يسلم من شرورها وآثامها، أما بقية الأقسام الثلاثة فإنّها قد تورطت في شر هذه الفتن، ووقعت في معصية الله. وهو معنى قوله - ﷺ -: \" والقائم فيها خير من الماشي \" أي المشارك بالقتال فيها فقط أخف إثمًا من الداعي لها القائم بأسبابها، والداعي لها عاص شديد العصيان، ولكنه أخف معصية من زعيمها ورئيسها المتسبب في وجودها، وهو معنى قوله - ﷺ -: \" والماشي فيها خير من الساعي \" أي والداعي لها أخف إثمًا من المتسبب الرئيس في إثارتها وإيجادها: قال ابن التين: \" يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببًا لإثارتها، ثم من يكون قائمًا بأسبابها، وهو الماشي، ثم من يكون مباشرًا لها، وهو القائم، ثم من يكون من النظارة ولا يقاتل وهو القاعد. اهـ. ثم حذر النبي - ﷺ - من التورط فيها فقال: \" من تشرّف لها تستشرفه \" بالجزم أي من\n_________\n(١) أي ليس فيها طرف ظالم وطرف مظلوم، وإنما هي بين طائفتين ظالمتين كما سيأتي في كلام النووي ﵀، سنذكره في فقه الحديث.","vol":"5","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1162>١٠٤٢ - \" بَابُ خرُوجِ النَّارِ </span>\"\n١١٩٣ - عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁:\nأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نارٌ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ تُضِيءُ أعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى \".\nــ\nتطلع لتلك الفتن التهمته بنارها \" فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به \" أي من استطاع أن يبتعد باعتزال جميع الفرق والتزام الحياد فليفعل.\nفقه الحديث: قال النووي: هذا الحديث وما في معناه مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة، فقالت طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين وإن دخلوا عليه بيته، وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه، وهذا مذهب أبي بكرة ﵁ وغيره، وقال ابن عمر وعمران بن الحصين ﵃ وغيرهما: لا يدخل فيها إلاّ إن قصد الدفاع عن نفسه، وقال معظم الصحابة والتابعون وعامة علماء الإِسلام: يجب نصر المحق في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين كما قال تعالى: \" فقاتلوا التي تبغي \" الآية، قال النووي: وهذا هو الصحيح. وتأول الأحاديث. على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين (١) لا تأويل لواحد منهما. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.\n١٠٤٢ - \" باب خروج النار \"\n١١٩٣ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز \" ومن المدينة المنورة بالذات، فإذا خرجت \" تضيء أعناق الإِبل في بصرى \" أي يبلغ ضوؤها أعناق الإِبل في بصرى من أرض الشام.\n_________\n(١) والمراد بالفتن التي يحرم الاشتراك فيها ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك.","vol":"5","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1163>١٠٤٣ - \" بَابُ ذكر الدجال </span>\"\n١١٩٤ - عَن أَنس ﵁ قَالَ:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \" مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إلَّا أنْذَرَ أمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلا إنَّهُ أَعْوَرُ، وَإنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وِإنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على أن من علامات الساعة ظهور هذه النار من الحجاز، قال القرطبي في \" التذكرة \": \" وقد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء لبدء العتمة - أي العشاء الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، قال: وسمعت أنها رؤيت من مكة وجبال بصرى، قال النووي: وتواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام. اهـ. ويرى الباحثون أنّها انفجار بركاني في حرة قريظة (١). الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: ظاهرة.\n١٠٤٣ - \" باب ذكر الدجال \"\n١١٩٤ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \"ما بعث نبي إلاّ أنذر أمته الأعور الكذاب \" أي ما من نبي مرسل إلاّ وقد حذّر قومه من المسيح الدجال الأعور الكذاب، وحدثهم عن صفاته وأخباره، ليكونوا منه على حذر. \" ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور \" أي فتنبهوا أيها المسلمون إلى أهم علاماته الواضحة التي أذكرها لكم العلامة الأولى: كونه أعور ناقص الخلقة، والرب ﷾ كامل في ذاته وصفاته، منزه عن العيب والنقصان.\n_________\n(١) الواقعة شرقي المدينة أو في الجنوب الشرقي منها.","vol":"5","page":357},{"text":"والعلامة الثانية: أنه \"وإن بين عينيه مكتوب كافر\" أي أنه مكتوب بين عينيه كـ ف ر بحروف متقطعة يقرأها كل مسلم كاتب أو غير كاتب، ولا يقرؤها الكفار. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على علامتين مرئيتين من علامات الدجال المحسوسة: الأولى: كونه أعور مشوّه الصورة، والرب ﷿ في غاية الجمال والكمال، منزّه عن كل عيب ونقصان. والثانية: أنه مكتوب بين عينيه كـ ف ر. فتلك علامتان لا تخفيان إلاّ على شقي قد أعمى الله بصيرته. والمطابقة: في قوله: \" أنذر قومه الأعور الكذاب \".\n***","vol":"5","page":358},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1164> كتاب الأحكام </span>\"\n<span data-type=\"title\" id=toc-1165>١٠٤٤ - \" بَابُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ مَا لَمْ تكُنْ مَعْصِيَةً </span>\"\n١١٩٥ - عن ابْنِ عَبَّاس ﵄:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" مَنْ رَأَى من أَمِيرِهِ شَيْئًَا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِر، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتَ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً \".\nــ\nكتاب الأحكام\nالمراد بالأحكام هنا الأحكام المتعلقة بولي الأمر ما له وما عليه.\n١٠٤٤ - \" باب السمع والطاعة للإِمام ما لم تكن معصية \"\n١١٩٥ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر \" أي فليتحمل منه ذلك المكروه والظلم الذي أصابه، ولا يخرج عن طاعته لظلم ناله منه، أو لمعصية ارتكبها، إلا إذا رأى منه كفرًا صريحًا، أو تحليلًا لما حرم الله، أو تحريمًا لما أحلّه، أو حكمًا بغير ما أنزل الله (١) \" فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا \" والمعنى ما من أحد يفارق جماعة المسلمين، ويخرج عن طاعة ولي الأمر ويعصيه أقل عصيان \" فيموت إلاّ مات ميتة جاهلية \" أي كميتة (٢) أهل الجاهلية حيث لا يرجعون إلى طاعة أمير، ولا يتبعون هدى إمام قال الحافظ: وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًا.\n_________\n(١) وكذلك إذا أمره بمعصية، أو نهاه عن طاعة، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\n(٢) شرح القسطلاني على البخاري.","vol":"5","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1166>١٠٤٥ - \" بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلَى الإِمَارَةِ </span>\"\n١١٩٦ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \" إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وبئْسَتِ الفَاطِمَةُ \".\nــ\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن من الفتن التي يصاب بها العبد السلم أن يرى من ولي الأمر شيئًا من المعاصي والظلم، فيجب عليه في هذه الحالة الصبر والسمع والطاعة، محافظة على جماعة المسلمين، ما دام لم ير منه كفرًا صريحًا، ولم يكرهه على معصية، لما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" السمع والطاعة كل المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا جمع ولا طاعة \"، أخرجه الشيخان وأبو داود. ثانيًا: التحذير الشديد من الخروج على إمام المسلمين، وكونه كبيرة من الكبائر، لقوله - ﷺ -: \" فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية \" فإن هذا الوعيد الشديد لا يترتب إلّا على مرتكب الكبيرة وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لا في ذلك من حقن الدماء. ثالثًا: استدل به الأصوليون على حجيّة الإِجماع. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله: \" من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر \".\n١٠٤٥ - \" باب ما يكره من الحرص على الإمارة \"\n١١٩٦ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" إنكم ستحرصون على الإِمارة \" أي ترغبون أشد الرغبة في تولّي الإِمارة وغيرها من الأعمال الحكومية ذات النفوذ والسلطان، كالقضاء، والشرطة وغيرها، \"وستكون ندامة يوم","vol":"5","page":360},{"text":"القيامة\" لمن لم يكن لها أهلًا، حيث يعاقب أشد العقوبة على عدم القيام بمسؤولياتها \" فنعم المرضعَة \" أي فما أحسن الوظيفة عندما يتولاها صاحبها في الدنيا فيتمتع بعزها ومركزها ونفوذها، \" وبئست الفاطمة \" أي وما أسوأ الوظيفة وما أشد ضررها على صاحبها يوم القيامة -إن لم يقم بواجباتها- حيث يسأل عما عمله فيها ويحاسب على تفريطه، وعدم قيامه بمسؤولياتها، فيشتد عذابه، وتنقطع عنه لذاتها، وتبقى له حسراتها، فيكون حاله كحال الرضيع عند فطامه عن ثدي أمه.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن الولاية أيًا كان نوعها مسؤولية خطيرة، سواء كانت إمارة أو قضاء أو شرطة. يجب ألا يتولاها إلّا من تتوفر فيه الشروط اللازمة والصلاحية التامة لها، قال ابن تيمية: فيجب على ولي الأمر أن يولّي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبي - ﷺ -: \" من استعمل رجلًا من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين \" (١) وقال عمر بن الخطاب ﵁: من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. وقد دلت سنة رسول الله - ﷺ - على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، وقد قال النبي - ﷺ - لأبي ذر ﵁ في الإِمارة: \" إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذ بحقها وأدّى الذي عليه فيها \" رواه مسلم. أما شروط الولاية فأهمها كما قال ابن تيميّة: ركنان القوة والأمانة (٢)، كما قال تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها، فإن الحرب خُدْعة والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم\n_________\n(١) وفي سنده حسن بن قيسي الرحبي، وهو متروك. (ع).\n(٢) \" السياسة الشرعية \" لابن تيمية.","vol":"5","page":361},{"text":"بالعدل والقدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله وترك خشية الناس، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \" القضاة ثلاثة، قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فرجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار، ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة \". واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، قال عمر: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فيقدم في إمارة الحروب كما قال ابن تيمية الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينًا، فقد سئل الإِمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ فقال: أمّا الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر. قال ابن تيمية: وإن كانت الحاجة في الولاية (١) إلى الأمانة أشد قدم الأمين، مثل حفظ الأموال، قال: ويقدم في ولاية القضاء الأعلم الأورع الأكفأ، فإن كان أحدهما أعلم، قدم فيما يظهر حكمه ويخاف فيه الهوى الأورع، وفيما يدق حكمه ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. ثانيًا: أنه يحرم طلب الولاية (٢) لمن لم يكن لها أهلًا لجهله أو لضعفه أو لغلبة الهوى عليه، فقد حذّر النبي - ﷺ - من ذلك في قوله - ﷺ -: \" إنكم تحرصون على الإِمارة، وستكون ندامة يوم القيامة \" أي تكون ندامة على من لم يقم بمسؤولياته فيها ولم يؤدّ حق الله وحق العباد أثناء قيامه بها، لأنها أمانة وقد قال - ﷺ -: \" ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلاّ لم يجد رائحة الجنة \" أخرجه الشيخان. الحديث: أخرجه أيضًا النسائي. والمطابقة: في تحذيره - ﷺ - من الحرص على الإِمارة، وهو ما ترجم له البخاري.\n_________\n(١) \" السياسة الشرعية \" لابن تيمية.\n(٢) ويكره طلبها أيضًا لمن توفرت فيه شروطها لما ورد أن من سألها وُكِلَ إليها، إلاّ إذا تعينت عليه، وتبين بحق أنه لا يصلح لها غيره، فإنه يطلبها، كما فعل يوسف حين قال: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).","vol":"5","page":362},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1167> كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة </span>\"\nأمّا الكتاب: فيراد به القرآن الكريم وقد اشتمل على موضوعات كثيرة \"، أهمها العقائد ثم الأحكام الشرعية، فإن في القرآن ما يقارب المائة والأربعين آية في أحكام العبادات، ونحوًا من ثلاثين آية في الجنابات، ونحوًا من سبعين آية في المعاملات المالية. أما الاحتجاج بالقرآن فقد اتفق المسلمون على أن هذا الكتاب الإلهي حجة شرعية، وأن ما ورد فيه من أحكام يجب اتباعه والعمل به كقانون سماوي لا يجوز مخالفته، فهو مصدر تشريع وهداية باتفاق الأمة، وقد انعقد الإجماع على أنه أساس الشريعة الأوّل في جميع الأزمان وسائر العصور.\nأما السنة: فإنها تطلق على معان ثلاثٍ. الأول: ما جاء منقولًا عن النبي - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير، ويدخل في ذلك جميع الأحاديث المرفوعة إلى النبي - ﷺ -. الثاني: ما يقابل البدعة، يقال فلان على سنة إذا عمل على وفق (١) ما جاء به رسول الله - ﷺ - فيراد بالسنة هنا ما وافق القرآن أو الحديث النبوي ويقال فلان على بدعة إذا كان على خلاف ما جاء به النبي - ﷺ -، المراد بالبدعة ما خالف القرآن والحديث النبوى منطوقًا أو مفهومًا. الثالث: ما استقر عليه عمل الصحابة رضوان الله عليهم وإن لم نقف على مأخذه (٢) لأنهم عملوه اتباعًا لحديث لم يصل إلينا، أو اجتهادًا مجمعًا عليه كما فعلوا في جمع المصحف، وتدوين الدواوين، وصلاة التراويح، فإنها تدخل في السنة بهذا المعنى لقوله - ﷺ -: \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين \" ومن الطرائف ما روي أن رجلًا حلف\n_________\n(١) \" أصول الفقه \" للشيخ محمد الطاهر النيفر.\n(٢) \" أصول الفقه \" للشيخ محمد الخضري.","vol":"5","page":363},{"text":"أن لا يطأ زوجته حينًا فأفتاه أبو بكر بأن الحين الأبد، وأفتاه عمر بأنه أربعون سنة (١)، وعثمان بأنه سنة واحدة، وعلي بأنه يوم وليلة، فعرض الرجل ذلك على رسول الله - ﷺ - فدعاهم، فقال لأبي بكر: ما دليلك على أن الحين الأبد؟ قال: قوله تعالى في حق قوم يونس: (وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) أي أبقيناهم متمتعين إلى يوم القيامة. وقال لعمر: ما دليلك على أن الحين أربعين سنة؟ قال: قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) فالإِنسان آدم، وقد ألقيت طينته على باب الجنة أربعين سنة، وقال لعثمان: ما دليلك على أنه عام؟ قال: قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) أي تعطي النخلة ثمرها كل عام. وقال لعلي: ما دليلك على أنه يوم وليلة؟ قال: قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) فأثنى عليهم - ﷺ - جميعًا - وأمر الرجل أن يأخذ بقول علي تخفيفًا عليه (٢).\n\" أما تقسيم السنة من جهة السند \"\nفإن السنة تنقسم من حيث السند إلى ثلاثة أقسام. الأول السنة المتواترة: وهي التي يرويها جمع غفير يستحيل تواطؤهم على الكذب عن مثلهم عن مثلهم إلى النبي - ﷺ - والأحاديث المتواترة قليلة جدًا، وقد مثل لها ابن الصلاح بحديث \" من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" وذكر البزار أنه رواه عن النبي - ﷺ - نحو أربعين رجلًا من الصحابة رضوان الله عليهم (٣) وليس في الدنيا حديث اجتمع هذا العدد على روايته غيره. والأحاديث المتواترة موجودة وإن كانت نادرة، وقد جمعها العلماء في تآليف خاصة منها \" الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة \" للسيوطي (٤) و\" نظم المتناثر من الحديث المتواتر \" لأبي عبد الله محمد\n_________\n(١) شرح الجرداني على الأربعين النووية.\n(٢) وسنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع السنة، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور. (ع).\n(٣) وفيهم من قال: رواه نحر المئتين. (ع).\n(٤) المتوفي سنة (٩١١) هـ و\" عقد اللآلىء المتناثرة في الأحاديث المتواترة \" للمرتضى الزبيدي المتوفي سنة (١٢٠٥) هـ. (ع).","vol":"5","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1168>١٠٤٦ - \" بَابُ الاقتِدَاءِ بِسُنَنَ رَسُولَ اللهَ - ﷺ </span>- \"\n١١٩٧ - عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁:\nعَنَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ\nــ\nابن جعفر الكتاني (١). وهي أقوى السنن وأعلاها وتفيد القطع والعلم اليقيني، ولذلك اتفق أهل العلم على أنه يحتجّ بالحديث المتواتر في جميع الأحكام الشرعية سواء كانت اعتقادية أو عملية فقهية. الثاني السنة المشهورة: وهي التي يرويها عدد يبلغ حد التواتر في العصور كلها، ما عدا القرن الأوّل - وهو عصر الصحابة ﵃، كقول النبي - ﷺ -: \" إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث \" كما حققه الفخر الرازي. الثالث: الآحاد: وهي التي يرويها عدد لا يبلغ حد التواتر في كل العصور، ويكثر وجودها ويعمل بها في الفروع والأحكام الفقهية، فهي تفيد الظن الراجح عند جمهور العلماء، وتفيد اليقين عند بعض العلماء على تفصيل في المسألة ومعنى الاعتصام بالكتاب والسنة العمل بهما في جميع الأحكام كالعقائد والعبادات والمعاملات والجنايات والأحوال الشخصية ومن الاعتصام بالكتاب والسنة الاحتجاج بهما واعتقاد أنهما أصلان من أصول التشريع الإِسلامي.\n١٠٤٦ - \" باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ - \"\n١١٩٧ - معنى الحديث: جاء في \" صحيح مسلم \" عن أبي هريرة ﵁ (٢) قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: \" أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا \" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها\n_________\n(١) المتوفي سنة (١٣٢٧) هـ ولكن قد تساهلوا وزادوا فيها أشياء كثيرة. (ع).\n(٢) \" فتح الباري \" ج ١٣.","vol":"5","page":365},{"text":"بِسُؤَالِهِمْ، وإخْتِلافِهِمْ على أنْبِيَائِهِمْ، فإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بأمْرٍ فَأقُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ\".\nــ\nثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \" لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: \" ذروني ما تركتكم \" أو كما قال في حديثنا هذا \" دعوني ما تركتكم \" والحديثان راويهما واحد، وموضوعهما واحد، ومعناهما واحد. قال ابن علان (١) في قوله - ﷺ -: \" دعوني ما تركتكم، أو ذروني ما تركتكم كما في رواية مسلم معناه: لا تكثروا الاستفصال في المواضع التي تفيد وجهًا ظاهرًا، وإن صلحت لغيره كما في قوله: \" فحجوا \" فإنه وإن أمكن أن يراد به التكرار ينبغي أن يكتفى منه بما يصدق عليه اللفظ وهو المرة الواحدة، فإنها مفهومة من اللفظ قطعًا، وما زاد مشكوك فيه، فيعرض عنه، ولا يكثر السؤال، لئلا يقع الجواب بما فيه التعب والمشقة. اهـ. \" إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم \" وفي رواية مسلم: بكثرة سؤالهم أي فإنما هلكت الأمم السابقة بسبب كثرة أسئلتهم لغير حاجة وضرورة، فإنها تشعر بالتعنت (٢) كقولهم لموسى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ) لما أمروا بذبح بقرة، ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لأجزأتهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم بكثرة السؤال عن حالها، وصفتها، فشدد الله تعالى عليهم، فلم يجدوا البقرة بذلك النعت إلاّ عند إنسان معين فشروها بوزنها ذهبًا أو بملء جلدها ذهبًا \" واختلافهم على أنبيائهم \" بالجرِّ لأنه معطوف على سؤالهم أي أنهم هلكوا بسبب كثرة سؤالهم، وكثرة مخالفتهم، وعصيانهم لأنبيائهم، كاليهود أمرهم موسى ﵊ أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا: نريد يوم السبت، فشدد الله عليهم، وحرّم عليهم صيد\n_________\n(١) \" دليل الفالحين \" ج ١.\n(٢) شرح الأربعين النووية للجرداني.","vol":"5","page":366},{"text":"السمك فيه، وابتلاهم بأن ألهم السمك أن يجتمع كله في هذا اليوم، فلا يرى الماء من كثرته، فإذا مضى تفرق السمك، ولزم قعر البحر، فوسوس الشيطان لبعضهم بأنهم إنما نهوا عن أخذه يوم السبت، ولم ينهوا عن أخذه في غيره، ولو بالحيلة، فحفروا في جانب البحر حفرة كبيرة وجعلوا لها أنهارًا من البحر، فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فيقبل الموج بالحيتان إلى الحفرة، فيقع فيها، ولا يقدر على الخروج منها لعمقها، فإذا كان يوم الأحد أخذوه فأهلكهم الله ومسخهم قردة وخنازير \" فإذا نقيكم عن شيء فاجتنبوه \" أي فإذا منعتكم عن شيء فلا تفعلوه، وابتعدوا عنه كله. إذ الامتثال لا يحصل إلا بترك الجميع. \" وإذا أمرتكم بأمر \" أي وإذا طلبت منكم فعل شيء \" فأتوا منه ما استطعتم \" أي فافعلوا منه ما قدرتم عليه على قدر طاقتكم واستطاعتكم وجوبًا في الواجب وندبًا في المندوب.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: قال ابن علان استفيد منه تحريم الاختلاف وكثرة الأسئلة من غير ضرورة لأنه توعد عليه بالهلاك والوعيد على الشيء دليل تحريمه وعلى كونه كبيرة. قال أهل العلم: والاختلاف المذموم ما يؤدي إلى كفرٍ أو بدعة وأما الاختلاف في الفروع والأحكام والمسائل الفقهية فإنه غير منهي عنه، وقد اختلف الصحابة في الأحكام وأجمع المسلمون على جوازه ومشروعيته. وإنما كان الاختلاف المؤدّي إلى البدعة مذمومًا لأنه يؤدّي إلى الزيغ والضلال، وتنافر المسلمين، وظهور الفتن، ونشوب المعارك الدامية، كما وقع في الأمة الإِسلامية من حروب بسبب الخوارج وغيرهم من الفرق الضالة والله أعلم. ثانيًا: وجوب طاعة الرسول - ﷺ - والتمسك بسنته، والعمل بأقواله وأفعاله وتقريراته والوقوف عندها أمرًا ونهيًا لقوله - ﷺ -: \" إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم \" قال الدكتور عزت عطية: وفي آيات كثيرة يربط الله تعالى بين طاعته سبحانه وطاعة رسوله،","vol":"5","page":367},{"text":"ويجعلهما شيئًا واحدًا، فيجعل الأمر بطاعة الرسول مندرجًا في الأمر بطاعته، ليبين أن طاعته سبحانه لا تتحقق إلاّ بطاعة الرسول - ﷺ - ونلمح ذلك في قوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) وقوله ﷿: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ويجعل الخروج ولو مرة عن حد الاتباع والتسليم للرسول - ﷺ - ضلالًا واضحا وانحرافًا لا شك فيه فيقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا). ثالثًا: أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإِسلامي. قال الإِمام الشافعي: \" إن الله سبحانه قد قرن الإِيمان به بالإِيمان برسوله - ﷺ -، والإِيمان بمحمد - ﷺ - بوجوب طاعته في أقواله وأفعاله ومقرراته أما الآراء التي تتعارض مع الاحتجاج بالسنة، فإنها آراء مشبوهة تعود إلى مذاهب هدامة نشأت بالبصرة في القرن الثاني للهجرة، وعاشت فيها وفرّخت وقد ذكر الإمام الشافعي أنه لقي زعماء هذه الطائفة بالبصرة واطلع على آرائهم. ويذكر الإِمام الشافعي \" أن جملة (١) الآراء التي قامت في عصره حول السنة النبوية ثلاثة الأول: ينكر الاحتجاج بالسنة جملة، فلا حجة إلاّ في القرآن، ولا دليل إلّا ما كان مستمدًا منه معتمدًا عليه. الثاني: ينكر خبر الآحاد، ويقصر الاحتجاج على القرآن والحديث المتواتر. الثالث: لا يقبل من السنة إلاّ ما كان بيانًا لحكم قرآني، لأن السنة في زعم هؤلاء لا حجة في ذاتها، وإنما هي مبينة للقرآن فقط، واحتج هؤلاء المنكرون لكون السنة مصدرًا تشريعيًا بأمور: منها: أن القرآن تكفل بتشريع الأحكام، فلا حاجة إلى مصدر آخر. ومنها: قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) ومنها: أنّ السنة لو كانت تشريعًا\n_________\n(١) \" أصول الفقه \" للعلامة محمد الطاهر النيفر.","vol":"5","page":368},{"text":"عامًا كالكتاب لأمر - ﷺ - بتدوينها وقد أجيب عن هذه الشبهات الباطلة كلها بأجوبة حاسمة: أما الأولى: فليس صحيحًا أن القرآن تكفل بتشريع الأحكام كلها، لأنه ليس فيه إلاّ بعض الأحكام الشرعية العامة، وهناك الكثير من الأحكام الجزئية التفصيلية لا وجود لها في القرآن. كأركان الصلاة. وشروطها ومبطلاتها، وواجباتها، ونصاب الزكوات، وأحكام الصوم، ومفطرات الصائم، وأحكام المعاملات، والكثير من أحكام الجنايات، وتفاصيل الأحكام الشخصية. وأما الثانية: وهي الاستدلال بقوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) على أن القرآن قد بين كل شيء. فالجواب أن المراد بذلك أصول العقائد والقواعد الكلية العامة، كوجوب الصلاة والزكاة والحج وتحريم الفواحش لا الأحكام الجزئية التفصيلية فإنها غير موجودة. أما الثالثة: وهي قولهم: لو كانت السنة تشريعًا لأمر بتدوينها ولم ينه عنه، فالجواب أن هذا النهي كان في صدر الإِسلام لأنه - ﷺ - خشي من اختلاط السنة بالقرآن، وقد أمر - ﷺ - بكتابة حديثه لمن لم يتقنه، كما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يكتب الأحاديث، فلامه الناس على ذلك، فسأل النبي - ﷺ - فقال: \" اكتب فوا الذي نفسي بيده ما خرج من بينهما -أي شفتيه الشريفتين- إلّا حق \". اهـ. والله أعلم. رابعًا: دل قوله - ﷺ -: \" وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم \" على أن الشيء المأمور بفعله واجب بشرط الاستطاعة والقدرة عليه، وبقدر ما يقدر عليه منه، فما لا يدرك كله لا يترك جله. قال الجرداني: ويستفاد منه: أن من عجز عن بعض المأمور به لا يسقط عنه المقدور عليه، بل يجب عليه الإِتيان به، وهذا هو معنى قول الفقهاء: إن الميسور لا يسقط بالمعسور، فإذا عجز عن غسل بعض الأعضاء في الوضوء، أو عن مسحها في التيمم، أتى بالممكن، وصحت عبادته، وإذا عجز عن القيام في الصلاة بأن حصل له أي مشقة شديدة تذهب الخشوع أو كماله، صلّى قاعدًا، فإن عجز عن القعود بهذا المعنى اضطجع على جنبه إلى آخره. الحديث: أخرجه","vol":"5","page":369},{"text":"الشيخان، وأبو داود، مع اختصار بعض ألفاظه. والمطابقة: في قوله - ﷺ -: \" فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم \" حيث دلّ ذلك على وجوب العمل والاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ - كما ترجم له البخاري.\n***","vol":"5","page":370},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-1169> كتاب التوحيد والرد على الجهمية </span>\"\nالتوحيد: لغة مصدر وحّد يوحّد، وهو الحكم بأن الشيء واحد. وأما التوحيد شرعًا: فهو الاعتقاد بأن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته.\nقال ابن القيم ﵀: أما التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب السماوية، فهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد. فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده. وإثبات عموم قضائه وقدره، وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع جد الإِفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وآل عمران. والثاني: وهو طلب التوحيد في القصد والألوهية كما تضمنته سورة الكافرون، وأول سورة تنزيل الكتاب وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي، وإما دعوة الرسل إلى عبادته وحده، وهو التوحيد الطلبي. قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله وإنه مخلوق. وامتنعوا عن وصف الله بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، حتى قال جهم بن صفوان: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره. قال: وأصفه بأنه خالق ومحيي ومميت وموجود. أما جهم بن صفوان الذي عُني البخاري عناية خاصة بالرد على مذهبه، وتفنيد معتقده، فقد أخذ عقيدته الفاسدة عن الجعد بن درهم، وإن لم يعاصره، ولهذا قال البخاري: بلغني أن جهمًا كان يأخذ عن الجعد بن درهم، وكان خالد","vol":"5","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1170>١٠٤٧ - \" بَابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)</span>\n١١٩٨ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:\nقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \" يَقولُ الله ﷿: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإنْ ذَكَرَنِي في مَلأٍ، ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وِإنْ تَقَرَّبَ إليَّ شِبْرًَا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعًا، وإِنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِرَاعًا تَقرَّبْتُ إليْهِ بَاعًا، وإِنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً \".\nــ\nالقسري وهو أمير العراق قد خطب فقال: إني مضحٍّ بالجعد بن درهم، لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، قال الحافظ: وكان ذلك في خلافة هشام بن عبد الملك.\n١٠٤٧ - \" باب قول الله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) \"\n١١٩٨ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - في هذا الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه ﷿ \" أنا عند ظن عبدي بي \" قال الحافظ: أي أنا قادر على أن أعمل به ما ظن أني عامل به، وهذا خاص بالعبد المؤمن، \" فإن ذكرني \" بالتسبيح والتهليل أو غيره \" في نفسه \" أي منفردًا عن الناس \" ذكرته في نفسي \" أي ذكرته بالثواب والرحمة في نفسي دون أن أطْلِع على ذلك أحدًا من ملائكتي \" وإن ذكرني في ملٍأ \" أي في جماعة من الناس \" ذكرته في ملٍأ خير منهم \" وهم الملائكة \" وإن تقرّب إلى بشبر \" أي وإن تقرب إلي بالطاعات مقدار شبر \" تقربت إليه ذراعًا \" أي تقربت إليه بالرحمة والإِنعام مقدار ذراع \" وإن تقرب إلى ذراعًا تقربت إليه باعًا \" أي مقدار باع \" وإن أتاني يمشي أتيته هرولة \" أي وإن أتاني بالطاعات ماشيًا أتيته بالرحمات مسرعًا، قال في","vol":"5","page":372},{"text":"\" المصباح \" هرول أسرع في مشيه، وهو بين المشي والعدو.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: الترغيب في حسن الظن في الله تعالى، قال الكرماني: في السياق إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على جانب الخوف، وهو كما قال المحققون من أهل العلم: خاص بالمحتضر، ويؤيد ذلك قوله - ﷺ -: \" لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله \" أخرجه مسلم. وأما قبل الاحتضار (١) فقد اختلف العلماء أيهما أفضل الخوف أم الرجاء على ثلاثة أقوال: (أ) الخوف أفضل (ب) الرجاء أفضل، (ج) الاعتدال أفضل، وقد قيل: الخوف والرجاء جناحا المؤمن، ومعنى حسن الظن بالله كما قال القرطبي: ظن القبول عند التوبة، والإِجابة عند الدعاء، والمغفرة عند الاستغفار، والثواب عند فعل العبادة بشروطها، تمسكًا بصادق وعده، ويؤيده قوله - ﷺ -: \" ادعو الله وأنتم موقنون بالإِجابة \". اهـ. ثانيًا: إثبات أن لله تعالى \" نفسًا وذاتًا \" لقوله تعالى: \" ذكرته في نفسي \" وهو ما تنكره الجهمية، حيثَ يقولون: إن الله ليس بشيء ولا حي، قال ابن بطال: \" والمراد بنفس الله ذاته \" والذي عليه أهل السنة أن لله ذاتًا موصوفة بصفات الكمال، قال في \" شرح الطحاوية \": وليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال، وقال ابن بطال: أسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب. أحدها: يرجع إلى ذاته وهو الله.\nوالثاني: يرجع إلى صفة قائمة به كالحي. والثالث: يرجع إلى فعله كالخالق وطريق إثباتها السمع. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجه. والمطابقة: في قوله: \" ذكرته في نفسي \".\n...\n_________\n(١) أي اختلفوا أيهما أرجح في حال الصحة والعافية؟ فرجح بعضهم جانب الخوف، لأن رأس الحكمة مخافة الله، ورجح بعضهم الاعتدال، ورجح بعضهم الرجاء.","vol":"5","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1171>١٠٤٨ - \" بَابُ كَلامِ الرَّبِّ ﷿ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ الأَنبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ </span>\"\n١١٩٩ - عَنْ أنَسٍ ﵁ قَالَ:\nحَدَّثَنا مُحَمَّدٌ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيأتُونَ آدَمَ فَيقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، ولَكِنْ عَلَيكُمْ بإبْراهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأتُونَ إبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بموسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ، فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فيأتُونِي، فَأقولُ: أنا لَهَا، فأسْتَأذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، ويُلْهِمُني مَحَامِدَ أحْمَدُهُ بِهَا لا تَحْضُرُني الآنَ، فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحامِدِ، وأَخرُّ\nــ\n١٠٤٨ - \" باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم \"\n١١٩٩ - معنى الحديث: أنه إذا كان يوم القيامة، وجمع الخلق في المحشر، ودنت الشمس من الرؤوس، واشتدت الحرارة، وتصبب العرق، وأصاب الناس من الكرب ما أصابهم كما قال - ﷺ - في الحديث: \" وماج الناس \" أي اضطربوا من هول ذلك اليوم، فأخذوا يلتمسون الشفاعة عند الأنبياء واحدًا واحدًا، وكل واحد منهم يعتذر عن الشفاعة قائلًا: لست أهلًا لها ويذكر شيئًا يراه ذنبًا ويقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا شديدًا حتى يصلوا إلى محمد - ﷺ - فيجيبهم إلى طلبهم، ويتصدى للشفاعة ويقول: \" أنا لها \" قال - ﷺ -:","vol":"5","page":374},{"text":"لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشْفَّعْ، فأقُولُ: يَا رَبِّ أمَّتي أمَتِي، فَيُقَالْ: انْطَلِقْ فأخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمانٍ، فأنْطَلِقُ، فأفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فأحْمَدُهُ بتِلْكَ المَحَامِدِ، ثمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، واشفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يَا رَبِّ أمَّتِي أمَّتِي، فيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ مثْقالُ ذَرَّةٍ أوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إيمَانٍ، فأنطَلِقُ، فأفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأسَكَ، وقُل يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقُولُ: يا رَبِّ أمَّتِي أمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ، فأخْرِجْ مَنْ كَانَ في قَلْبِهِ أدْنَى أدْنَى أدْنَى مِثقَالِ حَبَّةِ خَرْدَل مِنْ إيمان فأخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فأنْطَلِقُ فَأفْعَلُ\".\n_________\n\" فأستأذن على ربي فيؤذن لي \" أي يؤذن لي في الكلام \" ويدهمني محامد أحده بها \" أي فيلهمني في ذلك الوقت ألفاظًا من الثناء عليه، وذكر أوصافه الجمالية والجلالية \" لا تحضرني الآن \" أي لا أعرف ولا أذكر منها شيئًا في الوقت الحاضر \" وأخر له ساجدًا \" متضرعًا إلى الله ﷿ \" فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه \" أي تعط ما سألت \" واشفع \" فيمن شفعت \" تشفع \" أي تقبل شفاعتك \" فأقول: يا رب أمتي \" أي أسألك الشفاعة في أمتي \" فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان \" أي فيقول ربُّ العزة: قد شفعتك في هذه الأمة، فاذهب يا محمّد فأخرج من النار من كان في قلبه مقدار شعيرة واحدة من أعمال الإِيمان بعد التصديق بالعقائد الإِيمانية، لأن التصديق لا يقبل التجزئة \" فأفطلق فأفعل \" أي فأخرج من النار","vol":"5","page":375},{"text":"من أمرني الله بإخراجهم، وشفعني فيهم \" ثم أعود فأحمده \" كما صنعت في المرة الأولى \" فيقال: ارفع رأسك \" الخ كما قيل في المرة السابقة \" فيقال: انطلق، فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة \" أي مقدار نملة من أعمال الإِيمان \" ثم أعود فأحمده \" للمرة الثالثة \" فيقال: يا محمد ارفع رأسك \" أي فيجيبني بما أجابني في المرّة السابقة، ويأذن في بالشفاعة للمرة الثالثة \" فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان \" أي من كان في قلبه مقدار أصغر حبة خردل من أعمال الإِيمان بعد التوحيد والتصديق بالأركان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: إثبات كلام الله تعالى (١) مع أنبيائه صلوات الله عليهم يوم القيامة بدليل تكليمه ﷿ لنبيه محمد - ﷺ - بقوله: \" ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفّع \" وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: إثبات الشفاعة للنبي - ﷺ - يوم القيامة بدليل قوله ﷿ \" اشفع تشفّع \" قال القاضي عياض: شفاعات نبينا - ﷺ - القيامة خمس شفاعات: الأولى: العامة: وهي التي تكون لفصل القضاء وإراحة الناس من المحشر. الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب. الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفع فيهم نبينا - ﷺ - وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة. الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين فيخرج بشفاعة نبينا وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين - وهذه الشفاعة أنكرتها المعتزلة أيضًا. الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة الأهلها. قلت: وقد دل حديث الباب على شفاعتين: الشفاعة العامة، والشفاعة لِإخراج العصاة من النار بدليل قوله: \" فيقال له: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان \" إلخ. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. والمطابقة: في قوله ﷿:\n_________\n(١) وفي هذا رد على الجهمية في إنكار كلام الله تعالى.","vol":"5","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1172>١٠٤٩ - \" بَابُ قَوْلِ الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) </span>\"\n١٢٠٠ - عنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال:\nقَالَ النبي - ﷺ -: \"كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى\nــ\n\" ارفع رأسك، وسل تعط واشفع تشفّع \".\n١٠٤٩ - \" باب قول الله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن \"\n١٢٠٠ - مقدمة وتمهيد: هذا الحديث حديث جليل أراد به النبي - ﷺ - بيان فضائل الذكر عامة، وفضائل التسبيح خاصة. قال ابن القيم (١): وفي ذكر الله أكثر من مائة فائدة، منها أن الذكر يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهم، ويجلب السرور، ويقوي القلب والبدن، وينوّر الوجه والقلب، ويجلب الرزق، ويكسو الذاكر المهابة والحلاوة، ويورث محبة الله تعالى والمعرفة والقرب وحياة القلب، ويحط الخطايا، ويرفع الدرجات. والذكر يحدث الأُنس، ويوجب تنزيل الملائكة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكرين، ويسعد الذاكر وجليسه، ويؤمن العبد من الحسرة يوم القيامة، وهو أيسر العبادات، وغراس الجنة، ونور للعبد في دنياه وفي قبره ويوم حشره. قال ابن القيم: والذكر رأس الولاية وطريقها، وأكرم الخلق على الله من لا يزال لسانه رطبًا بذكر الله. ومجالس الذكر مجالس الملائكة، ورياض الجنة، والذكر يعين على طاعة الله، ويسهّل كل صعب، وأفضل الذكر القرآن، ثم الثناء على الله تعالى بالتهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، وكلها قربة إلى الله تعالى، توزن\n_________\n(١) \" الوابل الصيب \" لابن القيم.","vol":"5","page":377},{"text":"اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيْزَانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمَ\".\nــ\nفي ميزان العبد يوم القيامة - كما في حديث الباب.\nمعنى الحديث: يقول النبي - ﷺ -: \" كلمتان حبيبتان إلى الرحمن \" أي هناك جملتان صغيرتان من ألفاظ الذكر محبوبتان، محبوب قائلهما عند الله تعالى كأشد ما يكون الحب، مرضي عنه كل الرضا، مقرب إليه غاية القرب، من واظب على هاتين الكلمتين مع اعتقاد معناهما والعمل بمقتضاهما ترقى في درجات القرب، حتى يصل إلى مقام الحب الإِلهي، فيكون من الذين يحبهم الله ويحبونه \" خفيفتمان على اللسان \" أي هاتان الكلمتان المحبوبتان سهلتان ميسورتان على اللسان، ينطق بهما في خفة ويسر، ويجريان عليه دون مشقة أو عناء، لقلة حروفهما، وسلاسة ألفاظهما، وعذوبة كلماتهما \" ثقيلتان في الميزان \" أي ولكنهما على الرغم من صغرهما وخفتهما وسهولة جريانهما على لسان الذاكرين ثقيلتان في ميزان الله تعالى، حيث يجاء بهاتين الكلمتين على صورة جسمين مضيئين مشرقين في أجمل صورة رأتها العين، فتوضعان في كفة الحسنات التي تسع ما بين المشرق والمغرب، وما بين السموات والأرض، فتملآنها وترجحانها على كفة السيئات: \" سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم \" أي هاتان الكلمتان هما \" سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم \" لأن سبحان الله تملأ نصف الكفة، والحمد لله تملأ نصفها الثاني، فتثقلان الميزان، وترجحان كفة الحسنات على كفة السيئات، ومعنى \" سبحان الله \" أنزه الله تنزيهًا كاملًا عن كل ما لا يليق به من النقائص والعيوب وقبيح الصفات، وكل ما يخطر بالبال من مشابهة المخلوقات، فهو المقدس في ذاته وصفاته وأفعاله، وأما قوله \" وبحمده \" فالواو للحال، أي أنزّه الله عما لا يليق به حال كوني أصفه وأثني عليه بما هو موصوف","vol":"5","page":378},{"text":"به من صفات الكمال والجمال، فأجمع بين أمرين إثبات صفات الله تعالى، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين \" سبحان الله العظيم \" وهي جملة تأكيدية لقوله \" سبحان الله أتى بها لتأكيد التنزيه والتقديس الذي ضل فيه المشركون، ثم وصفه بالعظمة بعد وصفه بالحمد، ليجمع بين صفات الجمال من رحمة وإحسان، وصفات الجلال من عظمة وقدرة وقهر وسلطان.\nفقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: أن التسبيح والتحميد من أفضل الأذكار وأحبها إلى الله تعالى. فتستحب المداومة على قول: \" سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم لما يؤدي إليه ذلك من الوصول بالعبد إلى مقام الحب الإِلهي، وتثقيل ميزانه يوم القيامة، وترجيح كفة حسناته. ثانيًا: أن هذا الذكر المبارك متضمن لتوحيد الأسماء والصفات على الوجه الصحيح المطلوب من العباد، لأن قول العبد \" وبحمده \" إثبات لجميع صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه. وقوله: \" سبحان الله \" تنزيه لله عن مشابهة المخلوقين، وهذا هو معنى توحيد الصفات، إثبات للصفات دون تشبيه، وتنزيه لله تعالى بدون تعطيل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة. اهـ. ثالثًا: أن الوزن والميزان من الحقائق، وأن أعمال بني آدم وأقوالهم توزن يوم القيامة، ويكون لها ثقل يرجح كفة الحسنات على كفة السيئات، والصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة: أن الوزن حقيقي، والميزان حقيقي، وهو ما ترجم له البخاري، وقد وصفه في السنّة الصحيحة الثابتة، بأن له -كما قال القرطبي (١) - كفتين ولسانًا، وأن كل كفة منهما طباق السموات والأرض، قال: ولو جاز حمل الميزان على ما ذكروا من الإِنصاف والعدل، لجاز حمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجسام، والشياطين والجن\n_________\n(١) \" التذكرة \" للقرطبي.","vol":"5","page":379},{"text":"على الأخلاق الذميمة، وهذا كله باطل فاسد، لما جاء عن الصادق المصدوق، وقال حنبل بن إسحاق: من أنكر الميزان فقد رد على الله ورسوله. وقال شارح الطحاوية (١): والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان.\nوذكر البغوي (٢) في تفسيره أن الله تعالى ينصب ميزانًا له لسان وكفتان، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب، وأخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" خلق الله كفتي الميزان مثل السموات والأرض، فقالت الملائكة: يا ربنا من تزن بهذا؟ فقال: أزن به من شئت \" (٣) قال النفراوي في شرح الرسالة: (٤) وقد بلغت أحاديث الميزان مبلغ التواتر، وانعقد عليه إجماع أهل الحق، وأنه ميزان حِسِّى له كفتان ولسان.\nأما ما هو الشيء الذي يوزن؟ فإن أهل العلم اختلفوا على ثلاثة أقوال. الأوّل: أنه يوزن العامل مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \" إني ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، قال: اقرءوا إن شئتم: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) الثاني: أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال، وقد نقل الآلوسي (٥) عن القاضي عياض أن هذا هو قول الجمهور، ولعله أراد أنّه قول أكثر أهل العلم، واستدلوا بحديث عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" إن الله سيخلص رجلًا من أمتى على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجَّلًا كل سجلٍّ مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ قال: لا، يا رب، فيقول: بلى،\n_________\n(١) شرح الطحاوية في العقائد.\n(٢) تفسير البغوي.\n(٣) ورواه بنحوه وبأطول منه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٦) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر \" الدرر المنثور \"\nللسيوطى (٣/ ٧٠). (ع).\n(٤) \" الفواكه الدواني شرح رسالة أبي زيد القيرواني \" ج ١.\n(٥) \" تفسير روح المعاني \" للآلوسي ج ٨.","vol":"5","page":380},{"text":"إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تُظْلَم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء \" أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد في \" مسنده \" فهذا الحديث يعرف بين أهل العلم بحديث البطاقة، ويدل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال. الثالث: أن الذي يوزن هو نفس الأعمال، وهو مذهب المحققين من أهل العلم. قال الصنعاني (١): \" وذهب أهل الحديث والمحققون إلى أن الموزون نفس الأعمال وأنها تجسد في الآخرة، وعلى رأس القائلين بذلك ابن عباس ﵄ حيث قال: \" يؤتى بالأعمال الصالحة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان، وهذا هو القول الصحيح الذي صححه الحافظ، واختاره ابن تيمية في \" العقيدة الواسطية \" حيث قال: \" وينصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد \" (٢) وقال في \" شرح الطحاوية \" (٣) وقد وردت الأحاديث بوزن الأعمال نفسها كما في \" صحيح مسلم \" عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" الطهور شطر الإِيمان، والحمد لله تملأ الميزان \" وفي الصحيح وهو خاتمة كتاب البخاري: \" كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم \" ولا شك أن هذا الحديث الذي جعله البخاري مسك الختام نص صريح على وزن الأعمال. قال صاحب \" المنار \" (٤): والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذ تجسد، أو تجعل في\n_________\n(١) \" سبل السلام شرح بلوغ المرام \" للصنعاني ج ٤.\n(٢) \" العقيدة الواسطية \" شيخ الإسلام ابن تيمية.\n(٣) شرح الطحاوية في العقائد.\n(٤) تفسير المنار ج ٨.","vol":"5","page":381},{"text":"أجسام، فتصوّر أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين في صورة قبيحة، ثم توزن، وفي حديث جابر مرفوعًا: \" يوضع الميزان يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار \" (١) أما وقت الوزن فإنه بعد الحساب، وهو تكملة له، ومكان الميزان بين الجنة والنار، والقائم به جبريل ﵇، حيث يأخذ بعمرده مستقبلًا العرش، وهناك ملك ينادي بصوت يسمعه الخلائق: سعد فلان، وشقي فلان، ويعلن عن نتيجة الوزن. وهل هو ميزان واحد أو موازين؟ هذه مسألة خلافية أيضًا، والأصح أنه ميزان واحد، والمراد بالجمع الموزونات وهي متعددة.\nالحكمة في وزن الأعمال: قال الخازن (٢): فإن قيل: أليس الله ﷿ يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة في وزنها؟ فالجواب: أن في ذلك حِكَمًا كثيرة، منها إظهار العدل، وأن الله ﷿ لا يظلم عباده، ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر، وحسنة وسيئة، وفائدة تعريفهم بمقادير أعمالهم كما قال الشيخ عبد الله ابن الزكي في \" ختم صحيح البخاري \" أنهم لو دخلوا الجنة قبل الموازنة ربما ظن المطيع أنه نال الدرجات في الجنة عن استحقاق، وتوهم المعذب أن عذابه فوق ذنبه، فتوزن أعمالهم ليقفوا على مقادير أجرها، فيعلم الصالح أن ما ناله من الدرجات بفضل الله، لا بمجرد عمله، ويتيقن المجرم أن ما ناله من العذاب دون ما ارتكب من الحرام.\nالمناسبة في البدء والختام: وأخيرًا ما وجه المناسبة في بدء البخاري صحيحه بحديث \" إنما الأعمال بالنيات \" وختمه بحديث \" كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله\n_________\n(١) ذكره الحافظ السيوطي في \" الدرر المنثور \" (٣/ ٧٠) ونسبه لأبي للشيخ عن جابر ﵁. (ع).\n(٢) تفسير الخازن ج ٢.","vol":"5","page":382},{"text":"العظيم\" هذا ما تطرق إليه المحدث الشيخ عبد الله ابن الزكي حيث قال في \" ختم صحيح البخاري \" (١): ولما كانت النية سابقة للعمل، بدأ بها في المقال رعاية للمقام، وختم بحديث موازين الأعمال لأنها انتهاء غاية التمام. فالبخاري بدأ بالنية التي يتوقف عليها صلاح العمل وفساده، وختم بالميزان الذي يتبين به مصير الإِنسان من سعادة أو شقاء، تنبيهًا للقارىء إلى إخلاص النية في البداية، لما يترتب عليه من ثقل الميزان في النهاية، وذلك غاية المرام وحسن الختام والله أعلم.\nالحديث: أخرجه الشيخان والترمذي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله: \" ثقيلتان في الميزان \" حيث دل ذلك على وزن أعمال بني آدم، وهو ما ترجم له البخاري.\nوقد تم الفراغ من تأليف هذا الكتاب - بمدينة المصطفي ﵊، في أيام عيد الفطر المبارك من عام ألف وأربعمائة وثمانية هجرية، نحمدك اللهم يا من بنعمته تتم الصالحات، على ما وفقتنا إليه من إتمام هذا الشرح، ونسألك ونضرع إليك وأنت القائل: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) أن تمنحه القبول، وتنفع به الناس، وأن تجعله لنا ذخرًا في الدار الآخرة، إنك سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n...\n_________\n(١) وهي \" رسالة في ختم صحيح البخاري \" للشيخ عبد الله بن الزكي عثرت على نسخة منها مخطوطة للمؤلف في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة.","vol":"5","page":383}]}